كتاب الشفعة
قال: أخبرنا مالك وذكر الخبر.
وهذا كما قال: سميت الشفعة شفعة لأن الرجل إذا أراد بيع داره أتاه شريكه أو جاره يشفع إليه فيما يبيع فسميت شفعة وسمي طالبها شفيعًا وهذا قول أبي محمد بن قتيبة وقيل: سميت به لأن طالبها جاء تاليًا للمشتري فكان ثانيًا بعد أول فسمي شفيعًا لأن الاثنين شفع والواحد وتر وسمي الطلب شفعة، وقال ثعلب: الشفعة الزيادة ولهذا إذا أضيف إلى الوتر غيره صار شفعًا، والشفيع يضم نصيب شريكه إلى نصيبه فيصير نصيبه زائدًا بعد أن كان ناقصًا، والشفعة في الشرع حق تملك لدفع الضرر عن الملك بإخراج الدخيل في الملك، وحكي عن الأصم وإسماعيل ابن علية أنه لا أصل للشفعة وهي باطلة وهذا قول متروك عليهما والأصل فيها الكتاب والسنة [60/ ب] والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى﴾ [المائدة:2] وهذا من جملة البر.
وأما السنة ما روي جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة في كل شرك ربعة أو حائط لا يصلح أن يباع حتى يؤذن شريكه فإن باعه فهو أحق به"، وروي أنه قضي بالشفعة في كل شرك ما لم يقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به بالثمن والربع والربعة المنزل الذي يربع به الإنسان ويتوطنه يقال: هذا ربع وهذه ربعة كما قالوا: دار وداره وقيل: الربع اسم للدار مع بنائها والحائط اسم للبستان مع غراسه، وروى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة".
وروي عن جابر أنه قال: إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مل لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة وكلمة إنما تعمل بركنيها فهي مثبتة للشيء نافية لما سواه وهذا يدل على أنه لا شفعة في المقسوم، وقال الأزهري: قال أهل العربية: إنما تقتضي إيجاب شيء ونفي غيره كقولهم إنما المرء بأصغريه بقلبه ولسانه ومعناه أن كمال المرء بهذين العضوين وإن صغرا منظرًا، واعلم أن الشافعي روى قوله
الجزء: 7 - الصفحة: 3
الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة مرسًلا عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه في "الإملاء" عنهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورواه أيضًا عن جابر مرفوعًا.
وأما الإجماع فلا خوف بين كافة الصحابة وجمهور العلماء فيه، فإذا تقرر هذا فالشفعة عندنا بالخلطة والشركة دون الجوار وبه قال عمر وعثمان وعلي في أصح الروايتين وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير والزهري وربيعة ومالك والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور رضي الله عنهم [61/ أ] وقال أبو حنيفة والثوري وابن شبرمة وابن أبي ليلى: تثبت الشفعة بالشركة في الطريق ثم بالجوار.
وقال أبو حنيفة: فإن لم يكن شريك وكان الطريق مشتركًا كدرب لا ينفذ تثبت الشفعة لجميع أهل الدرب الأقرب فالأقرب، فإن لم يأخذوا وأثبت للملاصق من درب آخر خاصة وقال أيضًا: الشركة في النهر تثبت الشفعة في الأملاك التي تسقى بمائه إن كان النهر لا يحتمل السفن، وإن كان بحيث يحتمل السفن لا تثبت الشفعة بسببه وليس لأبي حنيفة صحابي يساعده على هذا المذهب وربما ينسبونه إلى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال عبيد الله العنبري وسوار القاضي: تثبت الشفعة بالشركة في الملك والشركة في الطريق أيضًا ثم ذكر الشافعي مناظرة جرت بينه وبين الخصم فقال: واحتج محتج بما روى أبو رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الجار أحق بسبقه" فدل على أن الشفعة ثابتة للجار والسقب والصقب بالسين والصاد القرب، والصقوب العمد التي تعمد بها بيوت الأعراب وأحدها صقب فأجاب الشافعي: بأنك ما أجريت الخبر على عموده فإنك منعت الشفعة لمن بينك وبينه ذراع إذا كان الطريق نافذًا وأعطيت الشفعة من بينك وبينه رحبة أكثر من ألف ذراع إذا لم يكن نافذَا ثم قال: هذا الخبر لا يحتمل إلا معنيين أحدهما: أن يكون مطلقًا بعمومه على كل جار، أو يكون مختصًا ببعض الجيران فأحمله على الشريك الذي لم يقاسم فإنه يسمى جارا كما يسمى المقاسم جارًا بدليل خبرنا حتى يكون جمعًا بين الخبرين وخبرك لا يخالف خبرنا لأنه مجمل وخبرنا مفسر وأراد بالمجمل العام وبالمفسر الخاص، ويجوز أن يسمى العام مجهولاً على معنى أنه مشتمل بظاهر الاسم على جمل كثيرة فقال الخصم: وهل يقع اسم الجار على الشريك حتى يستقيم هذا التأويل؟ بل الشريك [61/ ب] أخص بشريكه وأقرب إليه من أن يسمى جارًا لان ملكه مختلط بملكه اختلاط شيوع وإنما يطلق اسم الجار على من جاور غيره بملك ممتاز عن ملكه فأجاب الشافعي بأن المرأة تسمى جارة مع أنها أقرب من الشريك لأنها ضجيعته تقول العرب: امرأة الرجل جارته مع قربها منه بدليل قول الأعشى:
أجارتنا بيني فإنك طالقه وموموقةٌ ما عشت فينا ووامقه
الجزء: 7 - الصفحة: 4
الأشعار إلى آخرها قال المزني: والبيت الخامس من غير الشافعي رحمة الله عليه:
وذوقي فتى حيًّ فإني ذائقٌ فتاةً لحيًّ مثل ما أنت ذائقه
وقال عروة: نزل الطلاق في مقدار عدده موافقًا للأعشى ثم قال الشافعي: وحديثنا أثبت إسنادًا وأبينها لفظًا وأعرفها في الفرق بين المقاسم وبين من لم يقاسم، ثم ذكر الشافعي طريق القياس في المسألة متصلاً بكلامه على الخبر فقال: أنه إذا باع مشاعًا باع غير متجزئ فيكون شريكه أحق به لأن حقه شائع فيه وعليه في الداخل سوء المشاركة ومؤونة مقاسمةٍ وليس كذلك المقسوم ثم إن أصحابنا زادوا في الجواب فقالوا: أراد الجار أحق بقربه لأن السَّقب القرب قال الشاعر:
كوفية نازحٌ محلَّتها لا أممٌ دارها ولا سقب
فيحتمل أنه أحق بالإحسان إليه والبرّ، وقد روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إنَّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما منك دارًا أو بابًا" أو يحتمل أنه أراد أنه أحق بالعرض عليه عند البيع بدليل ما روي عن عمرو بن الشريد أنه قال: وضع المسور بن مخرمة يده على منكبي هذا فانطلقت معه حتى أتينا سعدًا فجلسنا إليه فجاء أبو رافع فقال للمسور: ألا تأمر هذا أن يشتري مني بيتي فقال له سعد: والله لا أزيدك على أربعمائة دينار إما قطعة، وإما منجمة فقال أبو رافع: سبحان الله [62/ أ] لقد منعتهما من خمسمائة نقدًا ولولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الجار أحق بسبقه ما بعتك فدل على ما ذكرنا من التأويل.
واحتج أبو حنيفة أيضًا بما روى الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة والجوار وقال: "جار الدار أحق بالدار من غيره" وروي "جار الدار أحق بدار الجار والأرض" قلنا: قال يحي بن معين: لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هو صحيفة وقعت إليه، وقال غيره: سمع الحسن من سمرة خبر العقيقة فحسب أو نحمله على الجار المشارك دون المقاسم بدليل ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا قسمت الأرض وحًدَّت فلا شفعة فيها".
واحتج بما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها، وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا" قلنا: تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان وهو ضعيف الحديث وأنكر شعبة هذا الخبر وقال: إن روى عبد الملك حدثنا آخر مثل هذا تركت حديثه، ثم إن صح نحمله على المشاع لأن الطريق إنما يكون واحدًا على الحقيقة في المشاع دون المقسوم، ثم ذكر الشافعي المذهب بعد ما قدم الدلالة وهذه عادته في تصنيفه فقال: ولا شفعة إلا في مشاعٍ وإنما قيد مشاع لأن سهم كل واحدٍ من
الجزء: 7 - الصفحة: 5
الشريكين أشيع أي أذيع وفرَّق في أجزاء سهم الآخر حتى لا يتميز منه.
مسألة: قال: "وللشَّفيع الشفعة بالثمنِ الذي وقعَ بهِ البيعُ".
وهذا كما قال: إذا أراد الشفيع أخذ الشقص بالشفعة يأخذه بالثمن الذي وقع العقد عليه فإن كان له مثل فبالمثل، وإن لم يكن له مثل فبالقيمة، وقال الحسن البصر: وسوار القاضي: إذا لم يكن للمثل مثل لا شفعة فيه، وقال ابن أبي ليلى: إذا لم يكن له مثل يأخذه بقيمة الشقص وهذا غلط لما روي في خبر جابر فإن باعه فشريكه أحق به بالثمن ولأنه لا يخلو إما أن يأخذه بما يختار الشفيع أو بما يختار [62/ ب] المشتري أو بقيمته أو بالثمن لا يجوز أن يقال: يأخذ بما يختاره الشفيع لأنه يتحكم ويأخذ بالنقصان ولا يجوز أن يأخذ بما يختاره المشتري لأنه يتحكم أيضًا فلا يسلم إلا بزيادة ولا يجوز أن يأخذه بالقيمة لأنه قد تكون القيمة أكثر من الثمن فيؤدي إلى الإضرار بالشفيع، وإن كانت القيمة أقل من الثمن يؤدي إلى الإضرار بالمشتري فلم يبق إلى أن يقال: يأخذه بالثمن الذي وقع به البيع، فإن قيل: الشفيع يأخذه من غير اختياره لحاجته إليه فيجب أن يكون بالقيمة كالمضطر إلى طعام الغير يأكله بالقيمة قيل: المضطر يأخذه بالحاجة خاصة فالمرجع في بدله إلى القيمة، والشفيع يأخذه بالبيع لأنه لو ملك بهبة أو إرث لا شفعة مع الحاجة، وإذا اختص بالبيع اختص بالعوض الثابت بالبيع، فإذا تقرر هذا يأخذه بما استقر عليه العقد فإن زادا في الثمن أو نقص في مدة الخيار أخذ بما استقر بعد انقضاء الخيار لأن حالة الخيار كحالة التعاقد.
فرع
لو اشترى شقصًا بمائة من حنطة لم يأخذه الشفيع بالحنطة وزنًا بل يأخذه كيلاً فينظر كم تكون تلك الحنطة كيلاً لأنه يجري هذا الضمان مجرى ضمان الإتلاف وضمان الإتلاف في ذوات الأمثال يجري مجرى القرض وقرض المكيل وزنًا لا يجوز، فلو أقرض الحنطة وزنًا فالقرض فاسد بخلاف السلم لا ربا بين رأس المال والمسلم فيه وفي القرض بين ما يعطي ويأخذ ربًا إذا كان المال مال الربا إذ الجنس واحد.
مسألة: قال: "فإنْ علمَ وطلبَ مكانَهُ فهي لهُ".
الفصل
وهذا كما قال: المستحب إذا باع شيئًا يستحق بالشفعة أن يعرضه على شريكه فإن اختار ذلك باعه منه، وإن لم يختر باعه من غيره، ولو باعه قبل أن يعرضه عليه أو بعد عرضه عليه كان للشفيع الشفعة والشفيع بالخيار بين أن يأخذ أو يدع وإذا أراد [63/ أ] الأخذ فسلم المشتري إليه أصح التسليم ولا يحتاج إلى حكم الحاكم فإن امتنع المشتري منه حاكمه إلى الحاكم بنفسه أو بوكيله، وقال أبو حنيفة: لا بد من حكم الحاكم وهذا غلط لأنه تسليم واجب بالإجماع فلا يفتقر إلى حكم الحاكم، وغن لم يعلم الشفيع
الجزء: 7 - الصفحة: 6
بالشفعة لغيبته أو لسبب آخر لا تبطل شفعته وإن طال الزمان.
وقال أبو حنيفة: إذا امتدت غيبته سنة بطلت الشفعة، وإن لم يعلم وربما ينكرون هذا المذهب وهذا غلط لأنه حق ثبت لإزالة الضرر فلا يبطل مع عدم العلم به كالرد بالعيب، ثم إذا علم فخياره في الأخذ على الفور أو على التراخي فيه أربعة أقوال قال في الجديد: هو على الفور كخيار القبول في البيع والرد بالعيب وهذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة إلا أنه يقدره بالمجلس وعندنا لا يتقدر في ظاهر المذهب عندي والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: "الشفعة لمن واثبها"، وروي: "الشفعة كنشاطة العقال إن قيدت ثبتت وإن تركت فاللوم على من تركها" وقيل: فيه وجهان والمذهب أن له الخيار ما دام في المجلس الذي بلغه، ومعنى الفور عندنا أنه على حسب الإمكان في العرف فإن علم بها وكان حاقنًا تطهر، وغن كان على صلاة صلاها، وإن كان به شدة جوع أكل وغسل يده، وإن كان عريان لبس ثيابه التي جرت عادته بلبسها، وإن كان بالليل فحتى يصبح ويصلي الصبح على ما جرت به العادة ولا يلزمه العدو إلى دار المشتري ولا الركوب طلبًا للمبادرة إليه، وأصل هذا عرف العادة، وإن كان معذورًا فأخر الطلب به لم يبطل أيضًا والعذر ثلاثة مرض وحبس وغيبة، فإن كان مريضًا نظر، فإن كان المرض خفيفًا يمكن المطالبة مع وجوده كالصداع ونحوه فهو كالصحيح، وإن كان شديدًا لا يمكنه المطالبة [63/ ب] به مع وجوده فإن قدر على التوكيل وكل، وغن ترك ذاك بطلت شفعته، وغن لم يقدر على التوكيل كان عذرًا فيصير إلى أن يقدر فيوكل أو يطلب هو وهل يلزمه الإشهاد؟
قال أكثر أصحابنا: الإشهاد لازم لأنه لابد من أن يظهر أمارة تدل على انه تركها للعذر لا للرضا بالترك وبه قال صاحب "الإفصاح" ويفارق هذا القادر على الطلب لا يلزمه الإشهاد لأن ظهور الطلب من القادر عليه يغني عن الإخبار بمراده والعاجز عنه يحتمل أن يكون إمساكه تركًا للشفعة ويحتمل أن يكون قصدًا للطلب مع المكنة فافتقر إلى نفي الاحتمال في الإخبار عن مراده بالإشهاد، وقال بعض أصحابنا: الإشهاد احتياط ولا يجب وهو ظاهر كلام الشافعي ها هنا لأنه قال: فإن كان له عذر من حبس أو غيره فهو على شفعته وإلا فلا شفعة له ولم يشترط فيه الإشهاد وقيل: فيه قولان ذكره في "الحاوي"، وقال القاضي الطبري: لو ترك التوكيل مع الإمكان هل تبطل شفعته؟ وجهان:
أحدهما: لا تبطل وهو اختيار أبي إسحاق وغيره لأن له غرضًا في أن يتولى طلبها بنفسه لئلا يلزمه أجرة الوكيل أو المنة إن لم يكن بأجرة، أو لا يقر على الموكل بما يسقط حق الشفعة فيحكم الحاكم بصحة إقراره على قول بعض العلماء.
والثاني: تبطل لأن وكيله يقوم مقامه، ألا ترى أنه إذا أمكنته أن يطلب بنفسه فوكل
الجزء: 7 - الصفحة: 7
غيره قام طلب الوكيل مقام طلبه فيجب أن يكون ترك الطلب بوكيلة بمنزلة ترك الطلب بنفسه وهذا أصح عندي قاله القاضي أبو حامد نصًا في جامعه: وفيه وجه ثالث إن وجد من يتطوع بالوكالة بطلت لأنه ترك الطلب من غير ضرر، فإن لم يجد من يتطوع لا تبطل للعذر وهذا قريب، وإن كان محبوسًا لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون محبوسًا بحق أو بغير حق [64/ أ] فإن كان بغير حق مثل الحبس للمصادرة أو الحبس بدين وهو معسر لا يقدر على القضاء فهو كالمريض سواء، وإن كان محبوسًا بحق مثل إن كان عليه دين يقدر على أدائه لا يكون عذرًا وتبطل شفعته بالتأخير، وإن كان غائبًا فأشهد على شفعته وقضى حوائجه وأخذ في المسير كان على شفعته، وإن لم يشهد على ذلك ولكنه قضى حوائجه وأخذ في المسير هل تبطل شفعته؟ على ما ذكرنا من الاختلاف والصحيح أنه لا تبطل لأن الظاهر أنه سار للطلب، وإن لم يقدر على المسير ولا على التوكيل لا يبطل فإن قدر على التوكيل دون المسير فعلى ما ذكرنا من الاختلاف والقول الثاني قاله في كتاب السنن أنه يتأقت بثلاثة أيام وبه قال الثوري لأنه لا بد له من تروي وتأمل والثلاث حد ما بين القليل والكثير، والثالث: قاله في القديم وبه قال مالك أنه على التأبيد لا تبطل إلا بأن يصرح بالعفو عن حقه لأنه استيفاء مال فأشبه استيفاء الدين وقد قال الشافعي: إن كان للقياس حكم بين الناس فخيار الشفعة على التأبيد كالقصاص، والقول الرابع قاله في القديم أيضًا أنه على التأبيد إلا أن يصرح بالعفو أو يظهر منه فعل يدل على الرضا بتركه مثل أن يقول للمشتري: بعينه أو آجرنيه أو أنفق عليه معي ونحو ذلك.
فرع
إذا قلنا: إنه على التأبيد هل للمشتري أن يرفع الشفيع إلى القاضي حتى يأخذ أو يترك؟ قال أبو إسحاق: إن قلنا بالقول الذي ذكره في القديم أولاً لا يجبره الحاكم على ذلك ولا يبطله عليه لأنه حقه على التراخي، وإن قلنا بالقول الثاني في القديم يجبره الحاكم على الأخذ أو الترك لأنه يؤدي إلى الضرر بالمشتري لو بقي على الحق أبدًا فلابد من إزالة الضرر منه إما بالأخذ أو بالترك، وروي عن مالك أنه قال: ينقطع بعد سنة، ورواه ابن وهب، وروى غيره أربعة أشهر، وروي عنه انه قال: ينقطع بأن يمضي عليه من الزمان ما يعلم أنه تارك لها.
فرع آخر
إذا قلنا: له الخيار ما دام [64/ ب] في المجلس فعفا عنها قبل مفارقة المجلس هل تسقط شفعته؟ فيه وجهان قال في اختلاف العراقيين: لا تسقط، وقال ابن سريج: تسقط لأنه بالإبراء والإسقاط أشبه.
فرع آخر
إذا قلنا: يلزمه الإشهاد يلزمه أن يشهد من يكون بينة كاملة عند الحكام، فإن أشهد
الجزء: 7 - الصفحة: 8
واحدًا ليحلف معه لم يجز لأن من الحكام من لا يحكم بالشاهد واليمين فلم يصر مستوثقًا لنفسه بالإشهاد.
فرع آخر
لو أشهد عبيدًا أو فساقًا أو صبيانًا لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز ويكفي ذلك وهذا غلط لأن مقصود الشهادة الأداء ولا يصح من هؤلاء الأداء.
فرع آخر
إذا قلنا: الإشهاد واجب فقال الشفيع: أشهدت وسرت، وقال المشتري: لم نشهد أو قلنا: الإشهاد ليس بشرط فقال الشفيع: سرت عقيب السماع، وقال المشتري: لم تسر عقيب السماع مع الإمكان فالقول قول الشفيع لأن هذا اختلاف في فعله وهو أعلم به، وكذلك إن اختلفا فقال: أخرته للعجز، وقال المشتري: أخرته مع القدرة فالقول قول الشفيع.
فرع آخر
لو كان بآمل ولهما دار مشتركة بينهما بجرجان فباع أحدهما نصيبه منها من أجنبي فسكت شريكه عن المطالبة حتى قدم جرجان وقال: سكت لتكون مطالبتي بالبلد الذي فيه الدار قال الشافعي: بطلت شفعته كما لو بلغه وهو في البلد فلم يطالب حتى حضر عند الدار المبيعة وقال: أردت المطالبة عندها بطلت شفعته.
فرع آخر
لو أنكره المشتري بآمل أنه خليطه فأخرها ليقيم البينة بجرجان كان على شفعته إذا لم يجد بينه بآمل.
فرع آخر
اختلف أصحابنا فيمن يشهد به البينة في استحقاق الشفعة على وجهين أحدهما: لا شفعة له إلا أن تشهد له البينة بالملك وبه قال أبو حنيفة ومحمد لئلا ينتزع ملكًا بأمر محتمل، والثاني: يستحق الشفعة إذا شهدت له البينة باليد وبه قال أبو يوسف لأنها حجة في الملك لكن [65/ أ] يحلف الشفيع على بينته باليد أنه مالك ثم يحكم له بالشفعة.
فرع آخر
لو أخر الطلب وقال: إنما لم أطالب بها على الفور لأني لم أصدق من أخبرني بالبيع فإن أخبره عدلان بطلت شفعته، وغن أخبره عدل واحد هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأن طريقة الخبر ولأنه حجة مع اليمين، والثاني: لا تبطل لأنه لا يحكم به ورواه الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، ولو أخبره رجل وامرأتان عدول بطلت شفعته.
الجزء: 7 - الصفحة: 9
فرع آخر
لو أخبره عبد أو امرأة واحدة قال القاضي الطبري: يجب أن يكون على وجهين، وقال أبو حامد: لا تبطل، وروى الحسن بن زياد عن أبي يوسف أنه قال: تبطل شفعته لأن طريق الخبر وكذلك قال: لو اخبره صبي وهذا غلط لأن بقول هؤلاء لا تقوم الحجة فلا يسقط بهم حقه.
فرع آخر
لو أخبره كافر أو صبي أو فاسق لم تبطل شفعته ذكره أصحابنا، وقال في "الحاوي": يصير علمًا بكل خبر يقع في نفسه صدقه، ولو منت امرأة أو عبد أو كافر إذا وقع في قلبه أن المخبر صادق خلافًا لأبي حنيفة وهذا غريب والقياس عندي هذا.
ولو ظهر به أخبار التواتر فقال: لم أعلم بطلت شفعته وعلم كذبه.
فرع آخر
لو علم الشفيع بالبيع فأمسك عن الشفعة لجهله باستحقاق الشفعة هل تبطل شفعته؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الأمة إذا أعتقت تحت عبد فأمسكت عن الفسخ لجهلها باستحقاقه وهذا لأن هذا مما يحتمل خفاؤه على العوام.
فرع آخر
لو تعاقدا بالبيع بألف وأظهراه بألفين فسلم الشفيع الشفعة ثم قامت البينة على الألف كان له مطالبته بالشفعة، وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة له وهذا غلط لأنه ترك الطلب لغلاء الثمن الأول ولعجزه عنه فإذا ثبت أنه أقل منه كان له أخذها.
فرع آخر
لو قامت البينة أن الثمن كان أكثر مما أظهراه لم يكن له المطالبة لأنه لا غرض لها في الزيادة.
[65/ ب]
فرع آخر
لو أظهر أنه باع بعض نصيبه فترك الشفعة، ثم قامت البينة أنه باع جميع نصيبه كان له أخذه بالشفعة لان له غرضًا في الكثير.
فرع آخر
لو أظهر أنه كل نصيبه ثم بان أنه اشترى أقل مما أظهراه كان له الشفعة لأن له غرضًا في القليل من وجه آخر وهو أنه ربما لم يكن معه ثمن الكثير وكان معه ثمن القليل.
الجزء: 7 - الصفحة: 10
فرع آخر
لو أظهر أنه اشترى كل الشقص بمائة منًا ثم بان أنه كان اشترى نصفه بمائة لم تكن له الشفعة لأن من لا يرضى الشقص كله بمائة لا يرضى نصفه بمائة.
فرع آخر
لو أظهر الشراء بالدنانير فترك الشفعة ثم بان أنه كان بالدراهم أو أظهر بالدراهم ثم بان أنه كان بالدنانير لا تبطل الشفعة وبه قال زفر، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إذا كانت قيمتهما سواء بطلت شفاعته لأنهما يجريان مجرى الجنس الواحد وهذا غلط لأن الأغراض تختلف به وربما تقدر على أحد النقدين دون الآخر.
فرع آخر
لو أظهر المشتري فلان فترك الشفعة ثم قامت البينة أنه وكل وأن المشتري غيره كان له مطالبته بالشفعة لأنه يحتمل أن يرضى بشركة المشتري ولا يرضى بشركة المشترى له هكذا ذكر جمهور أصحابنا، وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: هذا الذي ذكرنا وهو على قول من جعل علة الشفعة الخوف من سوء المشاركة، والثاني: تبطل شفعته لأن معرفة المشتري ليست بشرط في المطالبة والعفو وهذا على قول من جعل علة الشفعة الخوف من مؤونة القسمة.
فرع آخر
لو كان مشتري الشقص وكيلاً فعفا عن الوكيل دون الموكل هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأن الوكيل خصم فيها، والثاني: لا تبطل لأنها مستحقة له على غيره.
فرع آخر
لو سمع وقوع البيع بمائة مؤجلة فعفا ثم علم أنه وقع بمائة [66/ أ] حالة له طلب الشفعة لأنه يقول: عرفت أن البيع إلى أجل لا يخلو عن زيادة ثمن فلم أرغب فلما علمت فقد الغبن في العقد رغبت في الشفعة هكذا ذكره بعض أصحابنا بخراسان، وقال بعضهم: الصحيح أنها تبطل ها هنا وتوهم أنه ربما يكون في الثمن غلاء وليس بعذر وهو اختيار أهل العراق.
فرع آخر
لو سمع البيع بالثمن الحال فعفا، ثم بان أنه كان بالأجل فله الطلب لأنه يرتفق بالأجل.
فرع آخر
لو سمع أن الشقص بيع من مشتر واحد فعفا، ثم علم أنه بيع من اثنين له طلب
الجزء: 7 - الصفحة: 11
الشفعة لأنه قد يرجو من أحد المشتريين من المسامحة وتأخير الثمن ما لا يرجو من الآخر، وهكذا لو بلغه في الابتداء أنه بيع من اثنين ثم علم أن المشتري كان واحدًا له أن يأخذ بالشفعة لأنه قد يصبر على مطالبة غريم واحد ولا يصبر على مطالبة غريمين.
فرع آخر
لو لم يسم له المشتري، أو لم يذكر له الثمن فأخر الطلب حتى يعرف لا تبطل شفعته لأن له غرضًا في ذلك حتى يعرف الحال وما فيه الحظ له.
فرع آخر
لو أخبر أنه اشتراه مشتر فقال: عفوت عن الشفعة بطلت شفعته وكأنه رضي بأي مشتر وبأي قدر من الثمن كان، ومن أصحابنا من قال: لا تبطل ما لا يعرف ذلك والأول أصح.
فرع آخر
لو لقي الشفيع المشتري فقال: سلام عليكم أنا مطلب بالشفعة ثبتت الشفعة لأن السلام قبل الكلام سنة فلا تسقط به الشفعة، ولو قال: سلام عليكم بارك الله لك في صفقة يمينك أنا مطالب بالشفعة لم تبطل شفعته أيضًا لأنه لما وصله بالمطالبة بالشفعة دل على أنه دعا بالبركة لنفسه لأنه يأخذ من الصفقة المباركة، وقال محمد: إذا قدم السلام على المطالبة سقطت الشفعة وهذا خطأ للعادة المستحسنة وللخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من بدأ [66/ ب] بالكلام قبل السلام فلا تجيبوه".
فرع آخر
لو قال له: بكم ابتعت أو كم الثمن؟ بطلت شفعته لأنه يمكنه أن يقول بدل ذلك: أخذت منك بالثمن الذي ابتعت وهذا على قولنا: لا بتعذر بالمجلس.
فرع آخر
إذا قلنا: تؤجل إلى ثلاثة أيام فحصل في خلال الثلاثة زمان يتعذر فيه المطالبة لم يحتسب به منها ولفق له من زمان المكنة ثلاثة أيام.
فرع آخر
لو باع الشفيع حصته كلها بعد علمه بالشفعة لا شفعة له، ولو باع بعض حصته هل تبطل شفعته؟ وجهان مخرجان من العافي عن بعض شفعته، ولو لم يعلم بالشفعة فباع بعض نصيبه قال ابن سريج: فيه وجهان أحدهما: لا شفعة له لأن العفو عن بعض الشفعة يوجب سقوط الباقي كالعفو عن الكل فكذلك بيع الشقص الذي يستحق الشفعة بمنزلة بيع الكل، والثاني: يستحق بالشفعة بما بقي لأنها تستحق بالقليل كما
الجزء: 7 - الصفحة: 12
تستحق بالكثير، ولو باع الكل قبل العلم بالشفعة فالصحيح وهو اختيار ابن سريج أنها تبطل لارتفاع الملك المقصود بالشفعة، وقال أبو حامد: هو على شفعته لأنه قد ملكها وليس في بيعه قبل العلم عفو عنها وقيل: هذا مرتب على ما سبق فإن قلنا في بيع البعض قبل العلم تبطل الشفعة فها هنا أولى وإن قلنا: لا تبطل هناك فها هنا وجهان.
فرع آخر
لو صالحه المشتري على تركها بعوضٍ لم يجز وعليه رد العوض، وقال مالك: يجوز ويستحق العوض وهذا غلط لأنه عوض على إسقاط خيارٍ فأشبه خيار المجلس وهل تبطل شفعته؟ وجهان ذكرناهما في البيع.
فرع آخر
لو ضمن الشفيع للبائع الدرك أو للمشتري أو تبايعًا بشرط الخيار للشفيع فأجاز البيع لم تبطل شفعته به لأنه سبب وجوب الشفعة فلا يبطل به خلافًا لأبي حنيفة في كلها، وكذلك لو قال الشفيع للمشتري: اشتر [67/ أ] نصيب شريكي فقد نزلت عن الشفعة فاشترى لم يسقط شفعته بالإجماع خلافًا لعثمان البتي وهذا لأنه إسقاط حق قبل الوجوب.
فرع آخر
يملك الشفيع الشقص المشفوع بأحد أشياء ثلاثة أحدها: أن يدفع الثمن ويأخذ الشقص، والثاني: أن يقضي له القاضي بذلك، والثالث: أن يقول المشتري: ملكتك الشقص فيقبل هو وإذا قال: اخترت التملك بالثمن الذي تم به العقد انتقل ملك المشتري إليه، فإن لم يرض المشتري ولا حضر لأنه استحق أخذه بغير اختياره، ولو كان الثمن مجهولاً عنده لم يصح أخذه لأنه تملك بعوضٍ فلا يجوز معها جهالة العوض كالبيع، وكذلك لو قال: أخذته بالثمن كان مائة فما دونها وكان الثمن مائة أو دونها لا يجوز الأخذ لأن مثل هذا لا يجوز في البيع.
فرع آخر
إذا قال: اخترت التملك وانتقل ملك المشترى إليه لا يجب على المشتري تسليم الشقص إليه ما لم يقبض الثمن إن كان موجودًا، فإن تعذر تسليمه في الحال قال ابن سريج: يجوز للحاكم أن ينظره يومًا ويومين وأكثره ثلاثة فإن جاء بالثمن وإلا فسخ الحاكم الأخذ وعاد ملك المشتري إلى الشقص وهذا التأجيل لأن تحصيل الثمن في الحال بتعذر في غالب العادة، ولو اعتبرنا النقد في الحال أدى إلى إسقاط الشفعة والإضرار بالشفيع ومدة الثلاث قريبة في العادة.
فرع آخر
لو هرب الشفيع بعد التملك فللحاكم فسخ الأخذ ورد الملك إلى المشتري ذكره أبو حامد وغيره، فإن قيل: أليس في البيع لو هرب المشتري قبل أداء الثمن لا يفسخ
الجزء: 7 - الصفحة: 13
الحاكم البيع فهلاّ قلتم ها هنا مثله قلنا: البيع حصل باختيارهما فلا يكون للحاكم فسخه عليهما وها هنا أخذه الشفيع من غير اختيار المشتري لإزالة الضرر عن نفسه، فإذا أدى إلى الضرر بالمشتري منعه الحاكم ورده.
فرع آخر
حتى لو كانت المسألة بحالها فأفلس الشفيع بعد أن ملك الشقص قبل دفع الثمن كان للمشتري الخيار [67/ ب] بين أن يسترجع الشقص وبين أن يضرب مع الغرماء بقدر الثمن كالبائع سواء إذا أفلس المشتري بالثمن.
فرع أخر
لو طلب ثم أمسك عن الأخذ بطلب شفعته، وقال أبو حنيفة: شفعته باقية أبدًا إذا قدم الطلب ما لم يصرح بالعفو، وقال محمد: شفعته إلى مدة شهر، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يأخذ بالشفعة حتى يحضر الثمن ولا يقضي له القاضي بها حتى يحضر الثمن، وروى هشام عن محمد: يؤجله القاضي يومين وثلاثة ولا يأخذه إلا بحكم الحاكم أو برضا المشتري وهذا غلط لأنه تملك بعوض فلا يقف على إحضار العوض كالبيع.
فرع آخر
إذا لم يشاهد الشفيع الشقص المشفوع ليس له أن يأخذ بالشفعة قال ابن سريج: سواء قلنا يجوز بيع خيار الرؤية أو لا يجوز لأنه يأخذ من المشتري بغير اختياره فلا يمكن إثبات خيار الرؤية وساعده على ذلك جماعة من أصحابنا، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا: ثبتت للشفيع بعد الأخذ بالشفعة خيار المجلس وهو المنصوص في اختلاف العراقيين يجب أن يثبت له خيار الرؤية كما في البيع، وقال ابن سريج: لو قال المشتري للشفيع: رضيت أن يكون له خيار الرؤية هل يثبت ذلك؟ قولان كالبيع سواء فإذا قلنا: لا يصح فلا كلام وإذا قلنا: يصح فشاهد الشفيع إن رضيه أمسكه وإلا رده، وقال في "الحاوي": هل يأخذ بالشفعة قبل الرؤية؟ قولان مبنيان على بيع خيار الرؤية فإن جوزنا فالمشتري بالخيار بين التسليم قبل الرؤية، وبين أن يمنعه منه حتى يراه فيسقط خياره بالرؤية لأن المشتري لا يلزمه تسليم شقص يثبت للشفيع فيه خيار الرؤية.
فرع آخر
هل يصح له أخذ الشفعة قبل قبض المشتري؟ فيه وجهان حكاهما ابن سريج أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق ليس له ذلك لأنه يحل محل المشتري ولا يجوز الشراء قبل القبض كذلك هذا فعلى هذا يأخذ الحاكم المشتري [68/ أ] بالقبض فإن
الجزء: 7 - الصفحة: 14
كان غائبًا وكل الحاكم من يقبض له ثم حكم للشفيع بأخذه منه، والثاني: وهو اختيار ابن سريج له أخذه قبل قبضه من البائع لأنه جبرًٍا ويبرأ البائع من ضمانه بقبض الشفيع لأنه يأخذه بحق توجه على المشتري.
مسألة: قال: "فإن اختلَفا في الثمنِ فالقولُ قولُ المشتري معَ يميِنه".
وهذا كما قال: إذا اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن لم يخل من ثلاثة أحوال إما أن يكون مع أحدهما: بينة، أو مع كل واحدٍ منهما بينة، أو لا بينة مع واحدٍ منهما فإن كان مع أحدهما: بينة أقامها فإذا ثبت المقدار بالبينة أخذها الشفيع به سواء كان الشفيع صاحب البينة أو المشتري ويقبل في ذلك ما يقبل في شهادة الأموال، وإن لم يكن هناك شاهد غير البائع لا تقبل شهادته لواحدٍ منهما لأنه متهم في حق كل واحدٍ منهما لأنه يجرّ إلى نفسه نفعًا إذا شهد للشفيع، لأنه لو وقع الاستحقاق رجع المشتري عليه بألفٍٍ وإذا شهد المشتري شهد على فعل نفسه.
وهذا كما ذكرنا أبو حامد في الجامع لو ادعى الشفيع الشراء على المشتري وأنكر المشتري وقال: ورثته من أبي فشهد البائع للشفيع وكان عدلاً لا يحلف معه لأنه يشهد على فعل نفسه قال القفال: ولو شهد البائع للشفيع قبل قبض الثمن تقبل شهادته لأنه يشهد على فعل نفسه وأصحابنا في العراق ينكرون هذا وقالوا: لا تقبل شهادته له بحال لأنه على فعل نفسه أيضًا فترد شهادته للشفيع لمعنيين وللمشتري لمعنى واحد، وإن كان مع كل واحد منهما بينة على ما ادعاه من الثمن قال أبو حامد: البينة بينة الداخل وهو المشتري لأن الملك في يديه ويكون الحكم فيه كما لو كانت البينة معه وحده وقد مضى حكمه.
وقال القاضي الطبري وجماعة: تعارضت البينتان لأن بينة الشفيع تشهد أنه يستحق الشقص بألف وبينة المشتري تشهد أنه [68/ ب] يستحق تسليم الشقص إليه بألفين فقد حصل التعارض في البينتين المتعارضتين، قال الشافعي: قولان أحدهما: تسقطان فعلى هذا سقطتا ويكون القول قول المشتري مع يمينه، والثاني: تستعملان وفي كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال: الوقف والقسمة والإقراع فيقرع ها هنا فمن خرجت القرعة على بينته هل يحلف مع قرعته؟ قولان:
أحدهما: يحلف لقد شهد شهوده بحق.
والثاني: لا يحلف لئلا يؤدي إلى إبطال القرعة وهذان القولان من اختلاف قوليه في القرعة هل جاءت مرجحة للدعوى أو للبينة؟ وخالف أبو حنيفة ومحمد بينة الشفيع أولى للاتفاق عليه، وقال أبو يوسف: بينة المشتري أولى لأن فيها زيادة علم، وإن لم يكن مع واحد منهما بينة فالقول قول المشتري مع يمينه لأن الملك في الحال له فكان القول قوله في بدله.
الجزء: 7 - الصفحة: 15
فإن قيل: هلا قلتم: القول قول الشفيع لأنه غارم قلنا: إنما يكون القول قول الغارم في الموضع الذي اتلف شيئًا فثبت ضمان قيمته في ذمته فيكون القول قوله لأن الأصل براءة الذمة من الزيادة التي يدعيها وها هنا ينتزع ملكه ببدل يبذله فلا يجوز ذلك إلا بالقدر الذي يقوله المالك.
فإن قيل: هلا قلتم: الشفيع والمشتري يتحالفان كما لو اختلف البائع والمشتري في الثمن يتحالفان قيل: الفرق أن هناك كل واحد منهما مدعي ومدعى عليه على ما بينا فيما سبق فيتحالفان وها هنا الشفيع مدعي محض والمشتري منكر محض فتثبت اليمين في جانب المنكر دون جانب المدعي، وهكذا لو كان الاختلاف بينهما في جنس الثمن أو في تأجيل الثمن وحلوله.
فرع
لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن وقد قلنا في البيع يتحالفان ثم إذا تحالفا كان للشفيع أن يأخذ بالثمن الذي حلف البائع علبيه سواء قلنا: لا ينفسخ البيع بتحالفهما وإنما ينفسخ بحكم الحاكم أو قلنا: ينفسخ بتحالفهما أو قلنا: ينفسخ [69/ أ] ظاهرًا لا باطنًا أو قلنا: ينفسخ ظاهرًا أو باطنًا لأن الشفعة ثبتت له بالبيع وارتفاع البيع لا يمنع بقاء الشفعة كما لو تقايلا.
فرع آخر
لو ضمن اثنان الدرك للمشتري عن البائع ثم شهدا بعد ذلك أنه باع الشقص بعد الشراء أو سلم الشفعة إلى الشفيع أو الشفيع قد أخذ منه الشفعة قبلت شهادتهما لأن الضامن لا يجز نفعًا إلى نفسه ولا يدفع ضررًا به.
فرع آخر
لو قال المشتري: الثمن ألف، وقال الشفيع: لا اعلم مقدار الثمن مع علمي بنقصه عن الألف له إحلاف المشتري، فإن رد اليمين عليه لم يكن له أن يحلف حتى يعلم قدر الثمن.
فرع آخر
لو لم يعلم الشفيع هل الثمن ألف أو اقل هل يستحق إحلاف المشتري؟ وجهان أحدهما: لا يستحق حتى يعلم خلاف قوله لأن اليمين لا تجب بالشك، والثاني: يستحق ما لم يعلم صدقه لأن المالك لا يملك بمجرد القول.
فرع آخر
لو قال المشتري: لا أعلم قدر الثمن لنسيان حدث قيل للشفيع: أتعلم قدره فإن قال: لا أعلم لا شفعة له وله إحلاف المشتري وإنما بطلت الشفعة لأنها تستحق بالثمن فكان جهلهما به مانعًا من استحقاقها بمجهولٍ.
الجزء: 7 - الصفحة: 16
فرع آخر
لو قال الشفيع: أنا أعلم وهو خمسمائة، وقال المشتري: نسيت قدره قيل للمشتري: أتصدق الشفيع فإن قال: نعم أخذ الشقص بخمسمائة من غير يمين، وإن أكذبه قال الشافعي: حلف المشتري بالله ما يعلم قدره ولا شفعة له فمن أصحابنا من قال به لأن الثمن موقوف على عاقده وقد جهل الثمن بنسيانه فيطلب الشفعة به وهو اختيار أبي حامد وجماعة، وقال ابن سريج وابن أبي هريرة: جواب الشافعي محمول على ما لو نسي المشتري وجهل الشفيع، فأما إذا علم الشفيع ونسي المشتري يجب تحليف الشفيع دون المشتري ويحكم له بالشفعة وهذا اختيار القفال.
وقال صاحب "الحاوي": وهذا أصح لأن نسيان [69/ ب] المشتري كالنكول فيجب رد اليمين على الشفيع كما لو ادعى على رجلٍ ملاً فقال: لا ادري مقدار مالك عليّ يقال له: بين وإلا جعلناك ناكلاً ورددنا اليمين على المدعي، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه إذا قال: لا أدري وحلف حكمنا بجهالة الثمن والمجهول كالمفقود ويفارق ما ذكره من النظير لأن هناك لم يجب عن دعواه وقد أقر ها هنا باستحقاق الشفعة ولكنه يدعي أنه جاهل بالثمن ويمكن صدقه فهو جواب صحيح ومعرفة قدره شرط في استحقاق الشفعة فما لم يوجد الشرط بيقين لا يستحق ونظير تلك المسألة لو قال الشفيع: لا أدري أتستحق على الشفعة أم لا فيقال له: بين وإلا جعلناك ناكلاً فهما سواء وهذا ظاهر المذهب.
فرع آخر
قال القفال تفريعًا على ما ذكر ابن سريج: لو وقع المبيع بكف دراهم قيل للشفيع: بين كم مقدار الثمن، فإن ادعى علم المشتري نظر، فإن أقر أنه عالم بمقداره قيل له: بين لأن حق الشفعة ثابت عليه فليس له أن يكتم الثمن فإن قال: لا أعلم حلف أنه لا يعلم ثم يقال للشفيع: بين أنت مقدار الثمن وإلا فلا شفعة لك فإن بين مقدارًا فادعى المشتري أنه أكثر حلف أنه أكثر من هذا ثم يقال للشفيع: زد وعلى هذا أبدًا فإن لم يحلف حلف الشفيع وأخذ.
فرع آخر
قال الشافعي: وسواء في ذلك قديم الشراء وحديثه وأراد به الرد على مالك فإنه قال: إن ادعى المشتري نسيان الثمن والشراء حديث حلف الشفيع وحكم له، وإن كان الشراء قديمًا حلف المشتري وبطلت الشفعة وهذا قول مدخول وفرق معلول.
فرع آخر
إذا قال الشفيع: هذا البناء كان عند الشراء، وقال المشتري: أن أحدثته قال ابن
الجزء: 7 - الصفحة: 17
سريج: القول قول المشتري لأنه ملكه والشفيع يريد أن يتملكه عليه.
مسألة: قال: "وإن اشتراها بسلعةٍ فهي لهُ بقيمةِ السلعةِ".
وهذا كما قال: [70/ أ] قد بينا أنه إذا اشتراها بسلعةٍ كيف يأخذ بالقيمة والقيمة تراعي حالة وقوع البيع والشافعي أطلق القيمة ها هنا ولم يتعرض لذكر زمان القيمة غير أنه قال قبل ذلك: فللشفيع الشفعة بالثمن الذي وقع به البيع فإذا جمعنا بين اللفظين عرفنا أن الاعتبار بقيمته يوم البيع لا بما بعد ذ لك، وذكر الشافعي عن مالك أنه قال: يأخذها بقيمته يوم المحاكمة وهذا غلط لأن وقت الاستحقاق وقت العقد وما زاد زاد على ملك البائع فلا يقوم للمشتري، وقال ابن سريجفر تفريعه: يستحق قيمته حين استقر العقد بانقضاء خيار المجلس أو خيار الشرط إن كان في البيع لأنه وقت وجوب الشفعة وهذا صحيح فإن اختلفا في قدر القيمة في ذلك الوقت فالقول قول المشتري مع يمينه.
مسألة: قال: "ولو تزوَّجَ بها فهيَ للشَّفيع بقيمةِ المهر".
وهذا كما قال: إذا أصدق زوجته شقصًا يثبت فيه الشفعة ويأخذه الشفيع بمهر مثل الزوجة، وقال أبو حنيفة: لا شفعة فيه أصٍلاً وهذا غلط لأنها ملكت شقصًا قابلاً للشفعة بعقد معاوضة فتثبت فيه الشفعة كمل لو ملكت بالبيع، وقال مالك وابن أبي ليلى: يؤخذ الشقص بالشفعة بقيمته لا بمهر المثل وحكي نحو هذا عن الشافعي في القديم لأن المهور قد يزاد فيها وينقص وهذا غلط لأنته يؤخذ مثل هذا في ثمن المبيع، واحتج أيضًا بأنه يؤدي إلى تقويم البضع على الأجنبي وذلك لا يجوز وهذا غلط لأنه يجوز تقويم البضع على المرضعة وشهود الطلاق إذا رجعوا عندنا.
فرع
لو اختلفا في مهر المثل ترافعا إلى الحاكم ليجتهد في مهر مثلها ويسقط تنازعهما، فإن تعذر على الحاكم بموتها أو لتغير حالها أو لاختلاف ذلك في عشائرها وأمكن ما قالاه فالقول قولها مع يمينها كما لو اختلفا في الثمن [70/ ب].
فرع آخر
لو تزوجها على شقص ودينار يدفع إليه فيخرج على القولين فإنه عقد جمع صداقًا وبيعًا فإن قلنا: يجوز فيهما يأخذ الشفيع الشقص بمهر مثلها وبدينار فلو قال الشفيع: أنا آخذ المبيع دون الصداق كان له لأنتهما عقدان فعلى هذا إن كان مهر مثلها خمسة دنانير ضم إليها الدينار وقسم الشقص على ستة أسهم، فإن اختار المبيع يأخذ السدس، وإن اختار الصداق يأخذ خمسة أسداسه.
الجزء: 7 - الصفحة: 18
فرع آخر
لو استأجر عبدًا أو حرًا أو إبلاً إلى مكة في شقص من دار أخذه الشفيع بقيمة الإجارة وهي أجرة المثل خلافًا لأبي حنيفة حيث قال: لا شفعة فيه أصلاً.
فرع آخر
لو قال: من جاءني بالآبق فله هذا الشقص فجاء به ملك الشقص عليه ووجبت الشفعة فيه بأجرة المثل المجيء بالعبد.
فرع آخر
لو خالع زوجته على شقص يأخذ الشفيع من الزوج بمهر مثلها، ولو صالح من دم العمد على شقص يأخذه الشفيع بالدية خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله.
فرع آخر
لو كاتب عبده على شقص لا تثبت الشفعة لأن الشقص لا يجوز أن يكون عوضًا في عقد الكتابة لأن الكتابة لا تصح إلا بعوض مؤجل والشقص لا يثبت في الذمة.
فرع آخر
لو حل على المكاتب نجم فأخذ منته شقصًا من دار تجب الشفعة للشريك مثل مال النجم فإن أخذه الشفيع بمثله ثم أدى المكاتب أو عجز فهو على ملكه، وإن تأخر أخذه حتى عجز ورق ففي الشفعة وجهان أحدهما: بطلت لأن المكاتب إذا عجز صار ملكه لسيده بالملك لا بالمعاوضة، والثاني: تثبت الشفعة لأن السيد ابتدأ ملك الشقص بالمعاوضة فلا اعتبار بما أفضى [71/ أ] إليه من سقوط المعاوضة.
فرع آخر
إذا وجدت الشفعة للشفيع فلم يعلم بها حتى تقايلا أو رد بالعيب كان للشفيع إبطال الإقالة وأخذه بالثمن لأن حق الشفعة ثبت له فلا يملكان إبطاله، ولهذا لو باع المشتري الشقص كان له فسخ البيع، ولو كان الشفيع أسقط شفعته ثم تقايلا لا تستحق بها الشفعة لأن الإقالة فسخ قبل القبض وبعده، ولهذا لا يجوز أن يزاد في الثمن أو ينقص ولا يثبت فيها خيار المجلس، وقال أبو حنيفة: هي بيع تجب به الشفعة، وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان قبل القبض فهي فسخ لا شفعة بها، وغن كان بعد القبض فهي بيع تجب به الشفعة وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
لو كان الثمن عينًا فتلفت قبل القبض بطل البيع وبطلت الشفعة، ولو عفا عن الشفعة ثم وجد المشتري العيب بالشقص فرده بالعيب لا تنثبت الشفعة، وقال أبو حنيفة: تثبت الشفعة إذا كان بالتراضي وهذا غلط لأنه فسخ لا معاوضة، ولو باع المشتري من البائع
الجزء: 7 - الصفحة: 19
بذلك الثمن أو بغيره كان للشفيع الشفعة، وكذلك لو قال له: وليتك هذا البيع لأنه عقد معاوضة جديدة فيستحق به الشفعة.
فرع آخر
لو وجب له الشفعة فقضى القاضي بها له والشقص في يد البائع ودفع الثمن إلى المشتري فقال البائع للشفيع: لأقلني فأقاله لم تصح الإقالة لأنها تصح بين المتبايعين والشفيع لم يملك من جهته.
فرع آخر
لو كان الثمن عبدًا فأعور في يد المشتري فالبائع بالخيار، فإن رضي بالعور وأمضى البيع أخذه الشفيع بقيمة العبد أعور، وقال أبو حنيفة: يأخذه بقيمته سليمًا وهذا غلط لأن رضاه بعيبه رضَا منه بأنه الثمن بعينه والفرق بين هذا وبين أن يرضى بالزيوف أن عور العبد لما أحدث له خيارًا في فسخ البيع صار العبد الأعور ثمنًا وزيافة الدراهم لا تحدث له [71/ ب] خيارًا في فسخ البيع وإنما يستحق بها أخذ بدلها فصار الجيد ثمنًا له فلا يقدر أن يأخذ بالزيوف بل يلزمه الجيد.
مسألة: قال: "فإن طلَّقَها قبلَ الدُّخولِ رَجَعَ عليها بنصفِ قيمةِ الشَّقْصِ".
وهذا كما قال: إذا أصدق امرأته شقصًا ثم طلقها قبل الدخول لا يخلو من ثلاثة أحوال غما أن يكون طلقها بعد ما أخذ الشفيع الشقص، أو بعد ما عفا مع العلم أو قبل أن يعلم بالشفعة ثم علم، فإن كان طلقها بعد ما أخذ الشفيع بالشفعة رجع الزوج عليها بقيمة نصف الشقص لأن ملكها زال عن الصداق فأشبه إذا باعته ثم طلقها، وإن طلقها بعد ما عفا الشفيع عن الشفعة يرجع الزوج في نصف الشقص لأن حق الشفيع سقط والشقص في يدها بصفته، وإن طلقها قبل أن يعلم الشفيع ثم علم الشفيع فالذي نص عليه ان الشفيع أولى، وقد ذكرنا فيه وجهًا آخر أن الزوج أحق لأن حقه ثابت بالنص لأنه إذا طلقها ملك الشقص ولا يحتاج إلى تمليك مستأنف بخلاف الشفيع فإنه يثبت حقه بالبيع ويحتاج إلى تمليك مستأنف.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان مخرجان من اختلاف أصحابنا في نصف المهر هل يملكه الزوج بالطلاق أو بالتملك فإن قلنا: بالطلاق كان الزوج أحق وإن قلنا: بالتملك كان الشفيع أحق وعلى هذا لو أفلس المشتري فيه وجهان أحدهما: البائع أولى بعين ماله إذا قلنا: الزوج أحق، والثاني: الشفيع أحق لتقدم حقه إذا قلنا: ها هنا الشفيع أحق من الزوج فعلى هذا هل يقدم بالثمن الذي أخذه من هذا الشفيع على جميع الغرماء؟ وجهان أحدهما: يقدم لأنه بدل من عين ماله التي كان أحق بها، والثاني: الكل سواء لفوات العين التي هو أخص بها.
الجزء: 7 - الصفحة: 20
فرع آخر
قال القفال: لو وجد المشتري بالشقص عيبًا فيريد رده بالعيب ويريد الشفيع [72/ أ] الأخذ بالشفعةً فيه قولان أحدهما: الشفيع أولى لأن المشتري يتخلص من ظُلامه العيب به ولم يذكر القاضي الطبري سوى هذا القول، والثاني: المشتري أولى لأن حق أرد بالعيب من مقتضيات العقد والشفعة تثبت عقيب العقد ولا خلاف أنه لو كان هناك خيار الشرط فلا شفعةً للشفيع ما لم يمض زمان الخيار؛ فكذلك إذا كان هناك خيار العيب قال: ويقرب القولان من القولين في مسألةً أخرى وهي أن يقاسم الشفيع أو يبيع نصيبه قبل العلم بالشفعةً ثم علم ففي قول بطل حقه لأنه إنما يطلب الشفعةً ليتخلص من سوء المشاركةً وقسم تخلص، والثاني: لا يبطل لأنه ثبت حقه سابقًا فلا يبطل بحادث لا يكون به مفرطًا ولا راضيًا يترك حقه.
فرع آخر
لو طلق امرأته ثم أمتعها شقصًا بما وجب لها من متعةَ الطلاق تجب الشفعةً بمتعةَ المثل لا بمهر المثل لأن الطلاق يوجب متعةً ولا يوجب مهرًا.
مسألة: "قالوا إن اشتراها بثمن إلى أجل".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا بمائةَ درهم نسيئةً إلى سنةٍ فطالب الشفيع الشفعةً فيه ثلاثة أقوال: أحدها: ما قال ها هنا وهو الصحيح وبه قال أبو حنيفة: لا يأخذ الشفعةً في الحال، ويقال له: إما أن تصبر إلى أن يحل الأجل فتدفع الثمن وتأخذ الشقص وإن أردت أن تتعجل أخذ الشقص فعجل الثمن فإن اختار الصبر لا تبطل الشفعةً لأنه تأخير بعذر ووجه هذا أنه لا يخلو إما أن يأخذه بمائة حالةٍ أو بمائة مؤجلةٍ أو بقيمةً الشقص أو بسلعةً تساوي مائةً إلى الأجل لا يجوز الأول لأن فيه ما على الشفيع، ولا يجوز الثاني لأنه لا يجوز إبطال حق المشتري من العين إلى الذمةً إلا بالرضا ولأن الأجل يدخل في عقود المراضاةً مواساةً ولا يدخل في الاستحقاق جبرًا، ولا يحوز الثالث: لأن الشقص [72/ ب] لا يؤخذ إلا بمثل الثمن الذي وقع به العقد والقيمةَ ربما تكون أقل أو أكثر ولا يجوز الرابع لأن الشفيع يأخذ بنقد البلد إن بيع به، وإن بيع بغير نقد البلد يأخذ مثله إن كان له مثل أو بقيمتهُ إن لم يكن له مثلٌ والقيمةً تكون من غالب نقد البلد والسلعةَ ليست من نقد البلد فثبت أنه بالخيار على ما ذكرنا، والثاني: قاله في القديم وبه قال مالك وأحمد واختاره أبو حامد إذا كانت ذمةَ الشفيع في الملاءةً مثل ذمةً المشتري كان له أن يأخذ الشقص بالثمن المؤجل لأن الثمن إذا كان حالًا أخذ به حالًا، فكذلك إذا كان مؤجلًا أخذ به مؤجلًا، وإن لم يكن الشفيع ثقةً أقام ضمينًا ثقةً
الجزء: 7 - الصفحة: 21
يكون الثمن في ذمته لأن هذا أشبه لصلاح الناس والشفيع يدخل مدخل المشتري، والثالث: قاله في الشروط يأخذه بسلعةً تساوي مائةً إلى أجل لأنه أقرب إلى ما خرج من ألمشتري وهذا والذي قبله ضعيف لأن القول الثاني يؤدي إلى أن يلزم المشتري قبول ذمةً الشفيع والذمم لا تتماثل ولهذا إذا مات من عليه الدين لا ينتقل إلى ذمةً الوارث وربما يكون أحدهما أوفى وأسهل في المعاملةً من الآخر، والقول الثالث: يؤدي إلى العدول عن جنس المثمن الذي وقع به العقد مثلًا وقيمةً وذلك لا يجوز
فرع
إذا قلنا بالقول الصحيح فصبر الشفيع ثم مات المشتري قبل حلول الأجل حل الثمن عليه ولا يجب على الشفيع تعجيل المال والشفعة ثابتةً له إذا حل الأجل لأنه وجب له بالعقد.
فرع آخر
لو لم يمت المشتري ولكنه أراد أن يبيع ذلك الشقص لم يمنع فإذا حل الأجل كان للشفيع نقض البيع والأخذ بالشفعةً، وإن شاء أجاز البيع الثاني وأخذ منه ذلك، وكذلك لو أراد أن يؤاجره له ذلك لأنه بعد ذلك يقدر على أخذه.
فرع آخر
لو أخذ الشفع بالشفعةً بعد ما آجره المشتري لا تبطل الإجارة بأخذ الشفيع ولكن له الخيار في إمضاء الإجارةَ وفسخها بخلاف ما لو رص المشتري [73/ أ] ثم أخذ الشفيع بالشفعةً يبطل الرهن بأخذ الشفيع، ثم الشفيع إن لم يفسخ الإجارةً كانت الأجرةَ للمشتري لأنه عقدها في ملكه.
فرع آخر
لو رضيّ المشتري بتسليم الشقص وتأجيل الثمن يلزمه أن يأخذ أو يعفو عن الشفعةً على الأقوال كلها لأنه لا يضر به فإن لم يفعل وانتظر حلول الأجل بطلت شفعته إذا قلنا بالقول القديم، وإذا قلنا بالقول الجديد فيه وجهان: أحدهما: وبه قال أبو الفياض لا تبطل الشفعةً لأن تأجيل الثمن جعل حق الطلب مقدارًا به، والثاني: تبطل الشفعةً وهو الأصح لأن طلبه تقدر بمدةً الأجل رفقًا بالمشتري فصار من حقوقه لا من حقوق الشفيع فإن رضي به المشتري فقد زالت العلةً.
فرع آخر
لو كان الثمن منجمًا فالمسألةَ على الأقوال فلو حل نجم فقال الشفيع: أنا أدفع ما حل فيه وآخذ من الشقص بحصته منع لما فيه من تفريق الصفقةً على المشتري.
فرع آخر
إذا قلنا بالقول القديم وأخذ بثمنٍ مؤجلٍ ثم مات المشتري حل الأجل عليه ولا يحل على الشفيع، وكذلك إن مات الشفيع حل عليه دون المشتري.
الجزء: 7 - الصفحة: 22
مسألة: قال: "ولو ورثَه رجلانِ فماتَ أحدهما ولهُ ابنانِ".
الفصل
وهذا كما قال: صورةَ المسألةً أن يموت رجل وخلف ابنين فورثا دارًا ثم إن أحد الابنين مات وخلف ابنين فورثا نصيبه ثم باع أحد هذين الابنين نصيبه من الدار وهو الربع فهل يكون أخوه أولى بالشفعةً من عمه؟ أو يشترك هو والعم؟ في ذلك قولان منصوصان:
أحدهما: الأخ أولى وبه قال مالك لأن شركة أخيه أخص بالمبيع من شركة العم، ألا ترى أنها إذا قسمت جعل نصيب العم حزبًا ونصيبهما حزبًا ثم قسم حزبهما نصفين.
والثاني: وهو الصحيح يشتركان فيه نص عليه في "الإملاء" وقال: هذا هو القياس وبه قال أبو حنيفة وأحمد والمزني لأنهما شريكان في الملك حال الاستحقاق فيشتركان في الشفعةً كما لو كان بين ثلاثةَ شركاء دار فباع [73/ ب] أحدهم نصيبه فللآخرين الشفعةً كذلك ها هنا، وأما ما ذكروا من الاختصاص فلا معنى له لأن الاعتبار بالشركةً لا بسببها فإذا قلنا بهذا هل يأخذان على عدد الرؤوس أو على قدر النصيبين، قولان أحدهما: على عدد الرؤوس وهو اختيار المزني وبه قال أبو حنيفة والشعبي والنخعي وسفيان الثوري وابن أبى ليلى وابن شبرمةَ وأحمد في روايةٍ لأن كل واحدٍ منهما لو انفرد أخذ الكل بالشفعةَ فإذا اجتمعوا استووا كالبنين في الميراث، والثاني: أنه على قدر الأنصباء وهو الأصح، واختاره أبو إسحاق وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وعطاء ومالك وعبيد الله العنبري وسوار القاضي وإسحاق وأحمد في روايةً أخرى لأنه مرفق يستفاد بسبب الملك فكان على قدر الملك كالغلةَ والثمار، وأما ما ذكره القائل الأول لا يصح لأنه لا يمتنع أن يأخذ الكل عند الانفراد ولا يستويان عند الازدحام كما لو مات وترك ألف درهم وعليه دين لرجلين لواحدٍ منهما ألف درهم وللآخر ألفا درهم لو انفرد كل واحدٍ منهما استحق كل الألف وإذا اجتمعا يأخذان الألف على الثلث والثلثين، كذلك ها هنا قال المزني: وفي تسويته بين الشفعتين على كثرةَ ما للعم على الأخ قضاء لأحد قوليه على الآخر في أخذ الشفعاء بقدر الأنصباء يقال للمنني: كيف يقضى جوابه بأحد القولين على القول الثاني من غير دليل ولا حجةً وقد علمت أن الشافعي إن كان له قولان في مسألة فربما يجيب في بعض المواضع بأحدهما: ويجيب في موضع آخر على القول الآخر على أن مقصوده التسويةَ بين العم والأخ في أصل الشفعة لا في مقدارها عند قسمتها، ثم احتج المزني على التسويةً بأنه لو كان عبدًا مشتركًا بين ثلاثةٍ لأحدهم نصفه، وللثاني سدسه، وللثالث ثلثه فأعتق صاحب الثلث والشقص نصيبهما وهما موسران كان النصف الباقي مقومًا عليهما [74/ أ] وإن كان
الجزء: 7 - الصفحة: 23
ملك أحد المعتقين أكثر من ملك الآخر قلنا: قال بعض أصحابنا: في مسألةً العتق قولان أيضًا أحدهما: يقوّم عليهما على التفاوت وهذا غير صحيح والفرق ظاهر وذلك أن العتق يجري مجرى الجنايةً بما له من السرايةً في ملك الشريك فلذلك استويا في التقويم والتغريم وعلى هذا أصل الجنايات، ألا ترى أنه لو جرح رجلًا جراحةً وجرحهُ آخر مائةً جراحةً فمات كانت الديةَ على الجارحين نصفين، وكذلك لو طرح رجل في طعام رجل مقدار درهمٍ من النجاسةً وطرح آخر مائةً درهم من النجاسةً كانا في الغرامةً سواء.
وأما الشفعةً فسبيلها في استحقاقها سبيل التجارات والمعاوضات، ومعلوم أن الأموال إذا جلبت أرباحها وفوائدها كانت الفوائد منقسمةً على مقدار الأصول كالأرباح والأكساب ومهور الجواري وثمار الأشجار ونتاج البهائم كذلك ها هنا ثم قال: المزني: وقد قال الشافعي: ولورثة الشفيع أن يأخذوا ما كان يأخذ أبوهم بينهم على العدد امرأته وابنه في ذلك سواء.
قال أصحابنا: هذا الذي قاله المزني لا يعرف للشافعي في قديم ولا جديد والذي يقتضى مذهبه أن حق الشفعةً موروث كما أن الأعيان موروثةً فيجب أن تأخذ المرأة الثمن ويأخذ الباقي الابن، وقال أبو إسحاق: لو كان الشافعي قال هذا لكان له وجه وهو أن يقال: صورةً المسألةً أن يموت رجل بعد ثبوت الشفعةً له قبل أخذها فانتقلت إلى ورثته امرأةً وابن يستحقان على سواء لأن أول إزالةُ الملك عن المشتري إلى الشفعاء بعد الموت فصارت كشفعةٍ تثبت لهما ابتداء فيكونان فيها سواء وهو أحد القولين، ولأن الورثةَ إنما يستحقون الشفعةً في هذا الشقص من أجل الشقص الآخر الذي ورثوه فكأنهما استحقا ذلك بسبب ملك لهما، فإذا سويّ بين صاحب النصيب القليل وبين صاحب النصيب الكثير على أحد [74/ ب] القولين جاز أن يسوي بين المرأةَ والابن وإن اختلف ميراثهما عن الميت، ويمكن أن يكون المزني انفرد بسماعه من الشافعي ومن قال بالأول قال: هذا لا يصح لأنهما لا يأخذان بالشقص الموروث ألان بل يأخذان الشفعةً لأجل الشقص الذي كان ملكًا للموروث والابن والمرأة ورثا بالشفعةً كما ورثا الشقص.
وقال القاضي الطبري: يمكن أن يقال: هما وإن ورثا الشفعةً فالاستحقاق متعلق بالشقص الموروث، ألا ترى أن من باع منهما حقه من الشقص قبل الأخذ بالشفعةً لم يكن له المطالبةَ بالشفعةً فإذا كان كذلك أمكن نُصرةً ما قاله أبو إسحاق والله أعلم.
ومن أصحابنا من قال: مراد الشافعي بهذه المسألة أن يموت الرجل عن ورثةٍ قبل ثبوت الشفعةَ له ثم ثبتت ببيع بعد موته قبل قسمةَ التركةً وجواب الشافعي على قول التسويةً لأن ابتداءها يثبت لهم وكأن المزني ذهب إلى هذا التأويل والتصوير، وإذا صورنا هذه الصورةً لم تكن المسألةً موضوعه في الشفعةً الموروثةً لأن الميت مات قبل ثبوت الشفعةً بل هي شفعةً تجددت لطائفةٍ مشتركين في إرث ويستفاد من هذا التصوير
الجزء: 7 - الصفحة: 24
فائدةً غريبةً، وهي أن رجلًا لو مات نصف دارٍ وورثة وعليه دين يستغرق جميع تركته فبيع الممن الثاني من الدار قبل بيع التركة في الدين كان لورثةَ الميت طلب الشفعةً في النصف المبيع لأن ملك الورثةً على النصف المستغرق بالدين فإن بيع من الصف الموروث بعضه لم يكن للورثةً بالباقي من النصف طلب الشفعةً في بعض لأن ملكهم بيع عليهم فلا يثبت لهم شفعةً في ملكهم بملكهم، وكذلك لو كان لهؤلاء الورثةً في هذه الدار شقص مملوك قبل موت أبيهم فمات أبوهم عن شقص فيها فبيع شقص أبيهم في دينه فليس للورثةً طلب الشفعة في الشقص المبيع هكذا ذكر أكثر أصحابنا بخراسان والعراق.
وقال القاضي [75/ أ] الطبري في هذه المسألةً الأخيرةً تثبت الشفعة للورثةً بملكهم القديم في الشقص المبيع للدين لأنه يجعل كأن الميت باعه في حياته لأنه يباع في دينه فوجب أن يكون الاعتبار بالشركةً الموجودةً في حياته دون ما يحدث بعد موته ولم يذم وجهًا آخر، وهكذا ذكره ابن الحداد ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنه إنما يلحق بحال الحياة إذا وجد سببه في حال الحياةَ ما لا يمكن ابتداؤه بعد الوفاةً، ولو كان كذلك لم يكن للوارث أن يقضي الدين من عنده ويمنع من البيع ولأن هذا ملك الورثةً وإنما تعلق الدين بهذه العين لأنهم ملكوها من جهةً الميت فهو كالعبد إذا جني يتعلق أرش الجنايةً برقبته وهو ملك لمولاه ويباع فيها، وإن كان الدين ليس على مولاه كذلك ها هنا، وقال ابن أبي هريرة: غلط أبو إسحاق فيما قال وأراد الشافعي بما قال: امرأته وابنه في ذلك سواء أي: سواء في الاستحقاق لا في المقدار فلا حجة للمزني فيه.
فرع
ذكره أبو العباس بن سريج على القول الأول فقال: إذا عفا الأخ عن الشفعةً هل يستحق العم الأخذ بالشفعةً أم لا؟ يحتمل وجهين أحدهما: يستحق لأنه شريك وإنما قدم الأخ عليه لقرب نسبه وامتزاجه فإذا عفا وسقط حقه استحق العم كما لو عفا ولي المقتول الأول عن القصاص يستوفى بالمقتول الثاني، والثاني: لا يستحق لأنه لم يستحق حال البيع فلا يستحقها بعد، فإذا تقرر هذا قال ابن سريج: لا يختص ما ذكرناه بالإرث والشافعي لم يخص الميراث لأن الحكم يتعلق به وحده بل كل ملك اختلف سببه فهو على هذا القياس، فلو اشترى نصف دارٍ ثم اشترى باقيها رجلان كان الأول كالعم والآخران كابني العم على ما فصلناه، وكذلك لو اشترى اثنان دارًا فباع أحدهما نصيبه من اثنين وعفا الشفيع عن الشفعةً ثم باع أحد هذين نصيبه من رجل [75/ ب] هل تكون الشفعةً للآخر الذي بقي من هذين أولهما؟ على قولين: ثم فرع ابن سريج على هذا فروعًا فقال: إذا مات رجل وخلَّف ابنتين وأختين فللابنتين الثلثان وللأختين ألثلث فإن باعت إحدى الأختين نصيبها يحتمل أن تكون الشفعةً لأختها وللابنتين، ويحتمل أن يكون على قولين أيضًا: أحدهما: الشفعةً لأختها وحدها.
الجزء: 7 - الصفحة: 25
والثاني: الشفعةً بين الكل والأظهر أن يشترك الجماعة ها هنا قولًا واحدًا لأن الجميع تملكوا بسبب واحي وهو الإرث من شخصٍ واحدٍ وفي تلك المسألةً ملك الأخوان من شخصٍ والعم من شخصٍ آخر.
والفرع الثاني قال: لو خلف دارًا وثلاثةً بنين ثم مات أحدهم وخلف ابنين ثم باع أحد العمين نصيبه يحتمل أن هذا على القولين أيضًا ويحتمل أن تكون الشفعةً بينه وبين ابن أخيه قولا واحدا، والفرق أن ها هنا يقوم أبناء الميت منهم مقام أيهم ويخلفونه في الملك، ولو كان أبوهم باقيًا شارك أخاه في الشفعةً فلهذا شاركوه وفي مسألةَ الكتاب البائع ابن أخيهم وهم لا يقومون مقام أخيهم وإنما يقومون مقام أبيهم فافترقا.
والفرع الثالث: قال: لو خلف دارًا وثلاثةً بنين فباع أحدهم نصيبه من ابنين وعفا أخواه عن الشفعةً، ثم باع أحد المشتريين نصيبه من الأجنبي فهذا على قولين أيضًا كمسألةً الشافعي أحدهما: الشفعةً لمن اشترى معه دون الأخوين، والثاني: الشفعةً بينه وبين الأخوين.
والفرع الرابع قال: لو مات وخلف أريع نسوةٍ وأربعةً بنين ودارًا فباعت إحدى النسوةً حقها من الدار مشاعًا اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: يستحق الجمع الشفعةً قولًا واحدًا ومنهم من قال: فيه قولان أحدهما: أن النساء أولى به لأن شركتهن أخص بالمبيع لأنهن شركاء في الثمن [76/ أ] فنصيبهن حزبٌ ونصيب الأولاد حزب ومن قال: إنها على قول واحدٍ فرق بين هذه المسألةً وبين مسالةً الأخ والعم بأن في هذه المسألةً تقم الفريضة من ثمانية فيكون الجمع في الشركة سواء وليس كذلك في تلك المسألةً فإن الفريضةً تقسم نصفين ثم يقسم أحد النصفين بين الاثنين لأنهما تركتان وهذه تركةُ واحدةً.
والفرع الخامس قال: لو أوصى بثلث ضيعةٍ له لرجل ثم مات وخلف ابنين وقبل الموصى له الوصيةً ملك الثلث، فإن باع أحد الابنين نصيبه من التركةً كانت الشفعةً لأخيه وللموصى له بالثلث على القول الذي يقول الأخ والعم سواء، فإن قلنا: الأخ أولى من العم كان الأخ ها هنا أولى عن الموصى له بالثلث.
والفرع السادس لو كان شريكان في دار باع أحدهما: من رجل عشر نصيبه ثم باع منه تسعةَ أعشار نصيبه في صفقةٍ أخرى قال أبو حنيفة: يأخذ الشريك العشر الأول ثم هو والمشتري للعشر شريكان في الباقي يأخذانه بالسويةً فيأخذ الشفيع نصفًا هذه الأعشار التسعةَ وهكذا يفعل القوم قصدًا لإبطال بعض الشفعةً، وعندنا إذا أخذ النشر بالشفعةً أخذه بحقوقه ومن حقوقه ثبوت الشفعة بسببه في الباقي فيأخذ الأعشار التسعةً كلها فلا تنفع هذه الحيلةً ولأن ملكه على الأول لم يستقر فلا يستحق به الشفعةً.
ومن أصحابنا من قال مثل قول أبى حنيفة لأن ملكه ثبت على الأول، فإذا اشترى الباقي كان شريكًا بالأول فأما إذا عفا عن العشر فحينئذ لا يمكنه أن يأخذ من الأعشار التسعةً إلا بعضها ففي قول يأخذ نصفها، وفي قول يقسم هذه الأعشار التسعةً بينهما
الجزء: 7 - الصفحة: 26
على أحد عشر سهمًا بأن يجعل [76/ ب] النصف الثاني من الدار عشرةً أسهم أيضًا فيكون لأحدهما: عشرةً وللآخر واحدُ فيكون لأحدهما: تسعةَ أعشار النصف على هذه السهام، فإذا تقرر هذا فاعلم أن الشفعةَ عندنا تورث كما يورث الرد بالعيب ويقسم بين الورثةً على قدر حقوقهم إلا على ما حكاه المزني وقد ذكرنا ما قيل فيه وبه قال مالك وعبيد الله العنبري، وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد: لا يورث حق الشفعةً ويبطل بالموت وهذا غلط لأنه خيار لدفع الضرر عن المال فيورث كالرد بالعيب.
فرع
لو عفا بعض الورثةً عن حقه من الشفعةً هل تسقط حقوق الباقين من الشفعةً؟ وجهان أحدهما: تسقط وهو اختيار ابن أبي هريرة لأنهم قاموا مقام أبيهم، ولو عفا هو عن بعضها يسقط الباقي كذلك ها هنا، والثاني: لا يسقط وهو اختيار أبي حامد وهو الصحيح كما لو عفا بعض الشركاء عن الشفعة لا تسقط حقوق الباقين ويفارق الموروث
إذا عفا عن بعض الشفعةً يسقط الكل لأنا لو لم نسقط حقه من الباقي أبي إلى تبعيض الصفقة على المشتري وذلك لا يجوز وها هنا لا يؤدي إلى هذا لأنه يقال: الآخر إما أن يأخذ الكل أو يدع قال أبو حامد: ولو ورثوا حق الرد بالعيب فعفا بعضهم عن حقه سقط حق الباقين قولًا واحدًا، لانا لو جوزنا للباقين الرد أدى إلى تبعيض الصفقةً على البائع إذ لا يمكنهم رد حصةً العافي، وقال أبو إسحاق المروزيّ: إذا عفا أحد الورثةً هل يرجع نصيبه إلى باقي الورثة؟ قولان أحدهما: يرجع كما في الشركاء وعلى هذا لو حضر أحد الورثةً وطالب بالشفعةَ قضي له بكل الشفعةً، والثاني: وهو الأصح لا يرجع نصيبه إلى من بقي لأن جميعهم شفيع واحد [77/ أ] وعلى هذا لو حضر واحد لا يقضى له بشيء حتى يجتمعوا فإذا قلنا: لا يبطل يأخذ منها يقدر ميراثه ولا يأخذ الكل بخلاف الشفيع الأصليّ لأن الشفيع الأصلي كان له أخذ جميعها فجاز أن يسقط بعفوه عن البعض كلها، وأما أحد الورثةً لا يملك منها إلا قدر حقه فلم يبطل بالعفو عن غير حقه.
فرع آخر
لو عفا الشفيع في مرضه عن الشفعة ثم مات من أصحابنا من قال: للوارث إبطال عفوه والأصح أنه يصح عفوه كما لو لم يقبضن الهبةً لأنه سبب يفضي إلى الملك وليس بملكٍ مستقرٍ.
فرع آخر
لو لم يكن للشفيع وارث إلا بيت المال فيه وجهان أحدهما: أنه موروث لبيت المال والإمام يأخذه لكافةَ المسلمين إذا رأى صلاحًا، والثاني: تبطل الشفعةً لأنه لدفع الضرر وها هنا لا يتعين الضرر بأحدٍ بخلاف الوارث.
الجزء: 7 - الصفحة: 27
فرع آخر
لو كان الشقص موقوفًا على رجل بعينه أو جماعةً بأعيانهم وقلنا في أحد القولين: يملك الموقوف عليه رقبةً الوقف هل يستحق الشفعةً؟ به وجهان أحدهما: يستحق لثبوت ملكه واستقراره بسوء المشاركةً، والثاني: لا يستحق لأنه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف.
فرع آخر
لو باع في مرضه المخوف شقصًا من دار لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون البيع بثمن المثل، أو بالمحاباةً بأقل من ثمن المثل فإن كان بثمن المثل فللشفيع الشفعةً سواء كان الشفيع والمشتري وارثين أو غير وارثين أو أحدهما وارثًا والأخر غير وارث وبه قال أبو يوسف ومحمد.
وقال أبو حنيفةَ: لا يصح بيع المريض من وارثه، وإن كان بثمن المثل ولا شفعةً، وإن كان بيع محاباةٍ مثل إن باع شقصًا بألف درهم وهو يساوي ثلاثةَ آلاف درهم فقد حاباه في ثمنه بألفي درهم فإن كان المشتري والشفيع أجنبيين [77/ ب] فإن كان البائع يملك مالًا المحاباةً من ثلثه صحت المحاباةً وآخذ المشتري الشقص بألف وأخذ منه الشفيع بألف، وإن كان البائع لا يملك غير هذا الشقص فللمشتري الخيار في أن يأخذ ثلثي الشقص بألف ليحصل له نصف المحاباةً وهو ألف يكون ثلث التركةً ويرجع إلى الورثةً ثلث الشقص وقيمته ألف مع ألف، أو يفسخ البيع لأن الصفقةً تفرقت عليه ثم للشفيع أن يأخذ بالألف ثلثي الشقص الصائر للمشتري بألفٍ، وإن كان المشتري وارثًا والشفيع أجنبيًا فا لمحاباةً باطلةً، وإن خرجت من الثلث لأنها وصية لوارث والمشتري بالخيار بين أن يأخذ ثلث الشقص بألف وبين أن يرده فإن أخذ ثلثه فللشفيع أخذ الثلث منه بالألف، وإن رده المشتري عرض على الشفيع قبل رده فإن رضي أن يأخذ ثلث الشقص بالألف كان أحق وبطل رد المشتري لأنه يرد ليحصل له الثمن الخارج من يدم وقد حصل له من جهةَ الشفيع فوصل إلى حقه ومنع من إبطال حق الشفيع برده كما يمنع من رده بعيب لو ظهر إذا رضي الشفيع ويكون عهدة الشفيع على المشتري، ولو أن باقي الورثةً أجازوا الوارث محاباته وأعطاه الشقص كله بالألف جاز وفيما يأخذه الشفيع قولان مبنيان على أن إجازةَ الورثةً عطيةً أو إمضاء.
فإن قلنا: إمضاءُ فللشفيع أن يأخذ الشقص كله بالألف وإن قلنا: عطيةً يأخذ ثلث الشقص بالألف وتخلص للمشتري ثلثاه لأنها عطية له خالصة، وإن كان المشتري أجنبيًا والشفيع وارثًا فإن لم يحتمل الثلث شيئا من المحاباةُ لإحاطةً الدين بالتركةً بطلت المحاباةَ وكان للمشتري الخيار في أخذ ثلث الشقص أو رده فإن أخذه كان الشفيع أحق به، وإن كان وارثًا لأنه لا محاباةً فيه، وإن احتمل الثلث كل المحاباة لأنه ذو مال [78/ أ] فالمحاباةً بثلثي الشقص، وإن احتمل الثلث بعضها وهو أن لا يملك غير
الجزء: 7 - الصفحة: 28
الشقص المقوّم ثلاثةَ آلاف درهم احتمل الثلث نصف المحاباةً وهو ثلث الشقص وفيها أربعةَ أوجهٍ حكاها ابن سرج.
أحدها: أنها جائزةً للمشتري وللشفيع لأن المشتري بها فصحت له والشفيع داخل عليه فإنه يأخذ منه لا من المريض، ولأنه يجوز أن لا يجوز له المحاباةً ولكنها تؤول إليه بمعنى آخر كما لا يجوز إقرار العبد بما يوجب المال، ثم لو أقر بجنايةٍ توجب القود فعفا المقر له على مالٍ وجب المال فعلى هذا يأخذ المشتري بثلثي الشقص بألفٍ وللشفيع أخذ هذين الثلثين بأي ويرجع الثلث إلى الورثةً مع ألف الثمن.
قال أصحابنا: هذا هو المذهب وإنما ذكر ابن سريج هذه الأقاويل على عادته في ذكر ما يحتمل المسألةً من الأقاويل وإن لم يخرج على أصل الشافعي ثم تخلص ما يخرج على مذهبه.
والثاني: المحاباةً جائزةً للمشتري دون الشفيع لأن الشفيع ممن لا يصح محاباته وهو بها غير مقصودٍ فعلى هذا يأخذ المشتري ثلثي الشقص بألفٍ وللشفيع أن يأخذ منه ثلثه بألف ويرجع إلى الورثةً الثلث فيصير الشقص أثلاثًا ثلثه للورثةً، وثلثه للمشتري لأنها محاباةً له، وثلثه للشفيع.
والثالث: المحاباة باطلةً لهما لأنها قد تفضي إلى الشفيع الذي لا يصح أن يملكها وهي مقترنةً بالمبيع الذي لا يجوز أن يفرد عنها فعلى هذا للمشتري أن يأخذ ثلث الشقص بالألف وللشفيع أن يأخذ منه بالألف ويرجع الثلثان إلى الورثةَ.
والرابع: أن المحاباةً موقوفةً مراعاةً فإن عفا الشفيع عن شفعته صحت المحاباةً للمشتري وأخذ ثلثي الشقص بالألف رجع الثلث إلى الورثةً، وإن طالب الشفيع بالشفعةً بطلت المحاباةَ للمشتري وأخذ ثلث الشقص بالألف ويأخذ الشفيع منه بالألف ويرجع الثلثان إلى [78/ ب] الورثةً.
ومن أصحابنا من حكي وجهًا خامسًا عن ابن سريج أنه يبطل البيع والشفعةً معًا، وحكي وجهًا سادسًا عنه أيضًا أنه يأخذ الشفيع من المشتري ثلثي الشقص بالألف لأن الشفيع يستحق على المشتري أخذ الشقص بالثمن الذي وقع العقد عليه ثم إذا أخذه يلزمه أن يرد ثلث الشقص على الورثةً لأنها محاباةً حصلت في يده ولا يجوز أن يأخذ من موروثه محاباةً لأنها وصيةً له، وفيه وجه سابع أنه تصح المحاباةً للمشتري ولا شفعةً للشفيع أصلًا لأنه لا يمكن أخذ الكزل ولا أخذ النصف لأنه يؤدي إلى تبعيض الصفقةً على المشتري وذلك لا يجوز فبطلت الشفعةَ أصلًا وبه قال أصحاب أبى حنيفة ولا معول على شيء منها والاعتماد على ما ذكرنا أولًا، وإن كان الشفيع وارث المشتري وهما أجنبيان من البائع صحت المحاباةَ للمشتري واستحق الشفيع المحاباة بشفعتهِ لأنها ليست محاباةً من المشتري ألا تراه يأخذها منه جبرًا بلا اختيار.
فرع آخر
لو قال لأم ولده: إذا خدمت بعد موتي ورثتي سنةً فلك هذا الشقص فخدمتهم سنةً
الجزء: 7 - الصفحة: 29
بعد موته استحقت الشقص، وهل يغلب في ملكها للشقص حكم المعاوضةً أو حكم الوصايا؟ وجهان أحدهما: يغلب حكم المعاوضةً لأنها استحقته بخدمتها فعلى هذا يأخذه السفير بعد انقضاء السنةً بأجرةً مثل خدمتها تلك السنةً، والثاني: وهو ظاهر المذهب يغلب حكم الوصايا لاعتباره من الثلث وملكه الشقص عن من لم يملك الخدمةً فعلى هذا يكون وصيةً على صفةٍ بعد الموت ولا شفعة فيها.
مسألة: قال: "فإن حضر أحد الشفعاء أخذ الكل".
الفصل
وهذا كما قال: الدار إذا كانت بين أربعةً أنفس فباع واحد منهم نصيبه من أجنيي فلشركائه أن يأخذوا بالشفعة [79/ أ] لأنهم شركاء في الملك حال البيع ثم لا يخلو إما أن يكون حضورًا أو غيبًا فإن كانوا حضورًا يأخذون على السواء بينهم فإن عفا اثنان منهم عن الشفعةً قلنا للثالث: أنت بالخيار بين أن تأخذ الكل أو تترك فإن أراد أخذ الثلث لم يكن له لأن الشفعةً تجب لإزالةُ الضرر فلا يجوز إلحاق الضرر بها بالمشتري، وإن كان الشركاء غيبًا فحضر واحد منهم فطالب بحصته من الشقص لم يكن له وقيل له: إما أن تأخذ الكل بجميع الثمن أو تدع، فإن أخذ الكل بجميع الثمن ثم حضر الثاني كان له أن يأخذ منه النصف بنصف الثمن لأنهما لو حضرا معا أخذاه نصفين فإذا جاء أحدهما: بعد الآخر كان النصف لكل واحدٍ منهما، وإن حضر الثالث: أخذ منهما الثلث بثلث الثمن، فإن عفا الثاني والثالث: استقر على الأول، وإن عفا الثاني دون الأول استقر عليهما.
فرع
لو كان للشقص غلةً فحصلت في يد الشفيع الأول ثم حضر الثاني لم يشاركه الثاني فيها لأنها انفصلت في ملكه كما لو انفصلت في يد المشتري قبل الأخذ بالشفعةً كانت للمشتري، وكذلك لو أخذ الثاني الغلةَ ثم حضر الثالث: لم يشاركه الثالث: فيها لما ذكرنا.
فرع آخر
لو أخذ الشقص مستحقًا قال أكثر أصحابنا: عهدةَ الثلاثةً على المشتري ولا يرجع أحدهم على صاحبه لأنهم استحقوا الشفعةَ عليه، وذكر القاضي الطبري وجهًا آخر عن بعض أصحابنا أنه قال: عهدةَ الشفيع الثاني على الأول، وعهدةَ الثالث: عليهما لأنه أخذ الشقص من يده وقد كان ملكه له ودفع الثمن إليه فكانت عهدته عليه وعهدةَ الأول على المشتري والأول أشهر.
الجزء: 7 - الصفحة: 30
فرع أخر
لو حضر أحد الشفعاء وقال: لا آخذ الكل بل أنتظر مجيء الشريكين الآخرين فإن عفوا أخذت الكل، وإن أخذا [79/ب] شاركنهما هل تبطل شفعته بهذا التأخير؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال وهو اختيار أبي إسحاق وابن سريج: لا تبطل لأن له غرضًا في تأخير الأخذ فكان عذرًا وهو أن لا يغرم الثمن فيما ينتزع من يده وهذا أقيس، ومنهم من قال وهو اختيار ابن أبي هريرةَ: تبطل لأنه كان قادرًا على أخذ الكل فكف عنه.
فرع آخر
ذا قلنا: يبطل حقه بهذا التأخير سقط حق الأول فإن قدم الآخران وطالبا أخذا بالشفعةً وإن لم يطالبا سقط حقهما، وإذا قلنا: لا يبطل حقه بهذا التأخير فإذا قدم الشريكان نظرا فإن طالبا بالشفعةً شاركهما الأول فيكون الشقص بينهم أثلاثًا، وإن عفوا عن الشفعة هل للأول أن يأخذ نصيبهما بالشفعةً؟ قال أبو إسحاق; ينظر فإن كان قال: أنا مطالب بالشفعةً في الكل ولكني آخذ حصتي وأتوقف في حصةً شريكي لأنظر ما يكون منهما له أخن نصيبهما لأنه لم يعف عنه، وإن كان قال: لست أطالب إلا بحصتي وقد عفوت عما زاد على ذلك فقد بطلت شفعته فيما زاد على الثلث فليس له أخذه عند عفو الشريكين.
فرع آخر
لو أخذ الشفيع الأول الكل، ثم حضر الثاني وقال: أقبض ثلث ما في يده وهو قدر حصتي عند حضور الثالث: وطلبه فامتنع الأول وقال: خذ نصف ما في يدي أو تعفو فيه وجهان أحدهما: القول قول الأول ويقال له: إما أن تأخذ النصف أو تدع كما يمنع الأول مع المشتري من ذلك، والثاني: القول قوله وله أن يقتصر على أخذ الثلث بخلاف الأول مع المشتري لأن للمشتري صفقةً يمنع من تفريقها عليه وليس للشفيع الأول صفقةً تفرق عليه وإنما هو عفو عن بعض ما استحق عليه وهذا اختيار ابن سريج والأول أقيس.
فرع آخر
لو أخذ الشقص أحد الشفعاء الثلاثة [(80) /أ] عند غيبةَ الآخرين، ثم قدم أحد العامين فصالح الحاضر على ثلث الشقص وسلم له الثلثين فذلك جائز ولا يكون إبراء، فإذا قدم الغائب، الآخر فيه وجهان:
أحدهما: يرجع على الأول الذي بيده الثلثان فيأخذ نصف ما بيده وهو الثلث فيصير الشقص بينهم أثلاثًا ليكونوا في الشفعةً سواء.
والثاني: وهو قول محمد بن الحسن واختاره ابن سريج: الشقص يكون بينهم على ثمانيةَ عشر سهمًا أربعةً أسهم منها للعافي، وسبعةَ أسهم لكل واحدٍ من الآخرين،
الجزء: 7 - الصفحة: 31
ووجه ذلك أن العافي لما صالح على الثلث صار تاركا لثلث حقه لأنه كان مستحقًا للنصف فا تصر على الثلث فصار الشقص بينهما على ثلاثةً أسهم سهم للعافي، وسهمان للحاضر الأول فلما قدم الثالث: استحق ثلث ما بيد العافي وهو ثلث مهم يضم إلى السهمين اللذين مع الأول يصير سهمين وثلثًا فيكون منهما فيصير لكل واحدٍ منهما سهم وسدس فيضرب في مخرج السدس وهو ستةَ لتصح السهام فيكون له أربعةً أسهم من ثمانيةَ عشر وكان لكل واحدٍ من الآخرين سهم وسدس من ثلاثةً مضروب له في ستةَ فيكون له سبعةً أسهم والآخر مثلها.
وقال صاحب الحاوي: الصحيح عندي غير هذين الوجهين فأقول: الشقص بينهم على تسعةَ أسهم سهمان للعافي، وثلاثةً أسهم للآخر، وأربعةً أسهم للمعفو عنه؛ ووجه ذلك أن العافي لما صالحه على الثلث صار الشقص سهمًا على ثلاثةَ أسهم سهم للعافي ومهما ن للمعفو عنه، فإذا قدِم الغائب الآخر فله أن يرجع على العافي بثلث ما في بيده لأن له ثلث الشفعةً فيكون ثلث سهم ويرجع على المعفو عنه بثلث ما بيده من السهمين فيكون ثلثي سهم فيصير جميع ما أخذه منهما سهمًا واحدًا ويبقى على العافي ثلثا سهم [80/ ب] وعلى المعفو عنه سهم وثلث فاضرب ذلك في مخرج الثلث وهو ثلاثةَ تكن تسعةً أسهم للعافي منها سهمان لأن له سهمًا وثلثًا في ثلاثةً، ولم يجز أن يكون الأخير مساويا المعفو عنه لأنه غير مقصود بالمحاباةً والعفو.
فرع آخر
لو حضر الأول وأخذ الشقص بالشفعةً ثم وجد به عيبًا فرده على المشتري ثم حضر الغائبان كان لهما الشفعةً لأن رده بالعيب بمنزلةً عفوه عنها، وقال محمد: لا يأخذان إلا نصيبهما لأن الأول لم يعف عن الشفعةً ولكنه ردّ لأجل العيب فلا يتوقف نصيبه على الآخر كما لو رجع إليه بسببٍ آخر وهذا غلط لأن الشفيع فسخ تملكه ورجع إلى المشتري بالسبب الأول فكان للشفيع الآخر أن أخذه منه، ويفارق إذا عاد بسبب آخر لأنه عاد غير الملك الأول الذي تعلقت به الشفعة بخلاف مسألتنا.
فرع آخر
لو حضر الشفيع الثالث: وكان أحد الشريكين غائبًا فإن قضي له القاضي على الغائب أخذ من الحاضر الثلث ومن الغائب الثلث، وإن لم يقض له فكم يأخذ من الحاضر؟ وجهان أحدهما: الثلث لأنه قدر ما يستحقهما في يده، والثاني: النصف لأن أحدهما: إذا كان غائبًا صار كأنهما الشفيعان فيقتسمان بينهما بالسويةً، فإذا ثبت هذا فإذا حضر الغائب وغاب هذا الحاضر ثلث ما في يده آخذ من الذي كان غائبا وحضر ثلث ما في يده أيضًا، وإن كان أخذ من الحاضر نصف ما في يده أخذ من هذا سدس
الجزء: 7 - الصفحة: 32
ما في يده فيتم بذلك نصيبه وتصح قسمةُ ذلك من ثمانية وأربعين فالمبيع اثنا عشر سهمًا أخذ كل واحتدٍ ستةَ فإن أخذ من أحدهما: مهمين وهو ثلث ما في يده أخذ من الآخر سهمين، وإن أخذ نصف ما في يده وهو ثلاثةَ أخذ من الآخر سهمًا وهو سدس ما في يده فيتم له أربعةَ أسهم وذلك ثلث السهم المبيع.
فرع آخر
قال الشافعي عقيب هذه المسألةً: وإن كان الاثنان [81/ أ] قد اقتسما قبل قدوم الثالث: كان له نقض قسمتهما لأن له فيه حق الشفعةً ولم يرد الشافعي أن القسمة تنتقض بالمطالبةً بنقضها بل أراد أنها تنتقض بالمطالبةَ بالشفعةً، فإذا طالب بالشفعةً انتقضت القسمةَ بين الأولين، وإن كانا قد اقتسما قسمةً صحيحةَ، فإن قيل: كيف تصح قسمتهما والشريك الثالث: غائب؟ قلنا: يتصور صحتها بآن وكل في القسمةَ قبل حصول البيع وغير ذلك على ما سنبين إن شاء الله تعالى.
فرع آخر
لو قال الشفيع الواحد: عفوت عن نصف الشفعةً ففي المسألةً وجوه أحدها: بطلت الشفعةً في الكل كالقصاص إذا عفا عن بعضه سقط كله لأنه لا يتجزأ وهو ظاهر المذهب وبه قال محمد وهو اختيار ابن سرج: والثاني: لا تبطل الشفعةً ويقال له: خذ له الكل آو دع الكل وبه قال أبو يوسف لأن العفو لما لم يكمل بطل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا هو المنصوص، والثالث: حكي عن ابن سرج أنه قال: يأخذ النصف ويدع الباقي وهذا لا وجه له، وقال أصحابنا: لعل هذا القائل أراد إذا كان المشتري راضيًا بالتفريق فأما دون رضاه فلا يكون ذلك بوجه.
مسألة: قال: "ولو أصابها هدمٌ من السماءِ"
الفصل
وهذا كما قال: إذا عاب الشقص في يد المشتري قبل أن يأخذ الشفيع الشفعةَ نظر، فإن كان عيبًا لم يذهب به شيء من الأعيان ولا انفصل به شيء من البناء مثل تشقق الحائط وميلانه وانكسار الجذوع فالشفيع بالخيار بين أن يأخذه معيبًا بكل الثمن أو يتركه بلا خلاف، وإن كان ذلك بانتقاض بناء وانفصال شيء منه نقل المزني أن الشفيع بالخيار بين أن يأخذه ناقصًا بكل الثمن أو يدع وهو منصوص في كتاب التفليس، وقال في القديم: الشفيع بالخيار بين أن يأخذ ما بقى بالحصةً من الثمن آو يدع وهو روايةُ الربيع.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة على خمسة طرق [81/ ب].
إحداها: أنه لا يدخل في الشفعةً ما انفصل من البناء والشفيع بالخيار بين أن يأخذ
الجزء: 7 - الصفحة: 33
ما عداه أو (يدع) فإذا أخذ بكم يأخذ؟ فيه قولان: أحدهما: يأخذه بكل الثمن لأنه استحقه به وقت العقد فلا يحطّ عنه النقصان كالمبيع إذا نقص في يد البائع قبل القبض لا يحطّ من الثمن شيئًا إذا اختار المشتري إنفاذ البيع، والثاني: يأخذه بالحصةً وهو الصحيح لأنه أخذ ما تناوله العقد فوجب أن يأخذ بالحصةً من الثمن كما لو باع شقصًا وسيفًا يأخذ الشقص ببعض الثمن لا بجميعه، ولا فرق على هذه الطريقةَ بين أن يكون الشقص بفعل الآدمي أو بآفةً سماويةٍ ولا فائدةً لتقييد المسألةَ بهدمٍ من السماء، ولا فرق بين أن يكون قد ذهب بعض العرصةَ أم لا.
والثانية المسألة على قول واحد أنه يأخذ بحصته من الثمن كما قال في القديم والذي نقل المزني لا يعرف للشافعي في شيء من كتبه، وقال أبو إسحاق: الذي قال في القديم والجديد: أنه يأخذ بالحصة ورد على أهل العراق قولهم: إن أنهدم بأمرٍ من السماء أخذه يجمع الثمن، وإن أنهدم بفعل الآدميين أخذه بحصته من الثمن، ولعل المزني غلط من قول الشافعي إلى قول أهل العراق مثل ما غلط من قول الشافعي إلى قول مالكٍ فيمن حلف على غريم له ألا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فأخذ منه بحقه عرضًا أنه إن كان ذلك بقيمةَ الحق أو أكثر لم يحنث، وإن كان بأقل حنث وهذا قول مالك وعلى هذا لا يأخذ النقض وهو اختيار أبى بكر الفارسي وقيل: تأويله ما نقل المزني إذا استهدم ولم يبن من الدار.
والثالثة المسألة على اختلاف حالين فالذي نقله المزني إذا انهدمت الدار وانتقض التأليف ولم يتلف من الأجزاء شيء فالشفيع يأخذ الكل بكل الثمن وهذا المتهدم [82/ أ] وإن صار منقولًا لا يمنع من الأخذ من الشفعةً لأنه كان عند البيع متصلًا غير منقول، وهذا كما لو اشترى دارًا فانهدمت قبل القبض لم يخرج ما بان منها لأنه كان متصلًا بها وقت البيع والذي نقله الربيع أراد إذا تلف بعض الأجزاء والأعيان، والفرق أن الأعيان إذا كانت باقيةً لم يتلف شيء مما يقابله الثمن بل بغير التأليف وذلك لا يقابله الثمن فافترقا، وهذا اختيار ابن أبى هريرةً وأكثر شيوخنا ببغداد وهذا لأن المزني ثقةً في الروايةً فلا يبغى أن ترد روايته.
والرابعةُ المسألةً على اختلاف حالين من وجهٍ آخر فالذي نقل المزني: إذا تلف البناء والعرصةً قائمة بحالها والذي نقل الربيع: إذا ذهب بعض العرصةً بغرقٍ أو غيره لأن الآلات والبناء تابعةً للعرصةَ في الشفعةَ وظاهر قول هذا القائل أن الأعيان المنفصلةً لا تدخل في الشفعةً وهذا غير صحيح لأن الثمن يقابل العرصةً والأعيان، وإن كانت تابعةً ولأن الشافعي قال في القديم: ولو اشتراه عامرًا فهدمه قيل له:؛ وقعت الصفقةً على شيئين وقاتل: أحدهما: فيقسم الثمن على العرصةً والبناء ويأخذ مما أصاب العرصةً وهذا اللفظ لا يحتمل ما قاله هذا القائل.
والخامسةً وهي على اختلاف الحالين من وجه آخر فالذي نقل المزني: إذا كان الهلاك بأمرٍ سماوي والذي نقل الربيع: إذا كان الهلاك من الآدمي، والفرق أنه إذا
الجزء: 7 - الصفحة: 34
حصل من الآدمي حمل للمشتري بدل بالضمان، وإذا حصل من الماء لم يحصل للمشتري بدل ذلك وهذا غير صحيح لأنه نص في القديم على أنه لا فرق بينهما وإنما هذا مذهب أبى حنيفةَ رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو قاسَمَ وبني قيلَ للشفيع: إن شئت فخذ بالثمن وقيمةٍ البناءِ اليوم، أو دع".
[82/ب]
فصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا من قزاز وثبت للشفيع ثم قاسم المشتري وبني فيه قال الشافعي رحمةُ الله عليه! قيل للشفيع إن شئت فخذ الشقص بالثمن وقيمةَ البناء يوم تأخذه لأنه بني وهو غير متعدٍ وقصد به الرد على أبى حنيفةَ حيث قال: ليس على الشفيع أن يغرم قيمةَ البناء ويجبر على قلعه، وبه قال الثوري والمزني وبقولنا قال النخعي ومالك وأحمد وإسحاق والآوزاعي واحتج المزني فقال: هذا الذي قاله الشافعي غلط كيف لا يكون متعديًا وقد بني فيما للشفيع فيه شرك مشاع، ولولا أن الشفيع فيه شركًا ما كان شفيعًا وقال: لا يخلو من أن يكون قسم مع الشريك أو قسم بنفسه فإن قسم بنفسه دون الشريك فالقسمةً فاسدةً والبناء تعدٍ، وإن قسم مع الشريك ولم يطالبه بالشفعةً فقد بطلت الشفعةً وهذا الذي قاله غلط لأنا نقول: غلطت في قولك للشفيع فيه شرك لأن الشرك عبارةً عن الملك في هذا الموضع والشفيع منفرد والملك للمشتري دون الشفيع وليس للشفيع في ذلك الملك شركةً وإنما له سلطان السلب، بدليل أن المشتري لو باعه صح بيعه وملك ثمنه بالإجماع، فلو كان للشفيع فيه ملك أو شرك لما جاز ذلك فإذا بني كان متصرفًا في ملكه فعليه أن يغرم ما نص من قيمةَ البناء، ولأنه لو بني المستعير في البقعةً المستعارةً بناةً ثم كلفه المعير قلع بنائه غرم ما نقص من قيمةً البناء فالباني في ملك نفسه أولى بأن يكون له على الهادم قيمةً بنائه، وأما قوله أن القسمةً فاسدةً قلنا: القسمةً قد تصح مع بقاء الشفعةً من خمسةَ أوجه:
أحدها: أن يكون الشفيع غائبًا وقد وكل في مقاسمةُ شركائه وكيلًا يجوز للوكيل أن يقاسم المشتري لتوكيله في المقاسمةً ولا يطالبه بالشفعةً لأنه ليس بوكيل [83/ أ] فيه.
والثاني: أن يأتي المشتري الحاكم فيسأله المقاسمةً عن الغائب فيجوز للحاكم ذلك إذا كان الشريك بعيد الغيبةً وليس له أن يأخذ بالشفعةً للغائب ويجعل الغائب على حقه من الشفعةً إذا قدم وسجل به سجلًا.
والثالث: أن يذكر المشتري ثمنًا موفورا ثم يعفو أو يقاسم ثم تبين أن الثمن كان أقل فالقسمةَ صحيحةً والشفعةَ ثابتةً والشفيع غير متعدٍ ببنائه لأنه بالكذب متعدٍ في قوله لا في قسمته وبنائه.
الجزء: 7 - الصفحة: 35
والرابع: أن ينكر الشراء ويدعي الهبةً فلا شفعةً في الظاهر فقاسمه ثم علم الشراء.
والخامس: أن يكون الشفيع طفلًا فيمسك الولي عن طلب الشفعة ويقاسم المشتري ثم بلغ الطفل تكون له الشفعةَ مع صحةً القسمةً فبطل ما قاله المزني، فإن قيل: هذا يبطل بما ذكره الشافعي: لو اشترى أرضًا وبناها ثم استحقها رجل يجبر المشتري على نقص بنائه وكان بناؤه على غير وجه التعدي قلنا: البينةً لما قامت على الاستحقاق انكشف لنا أن المشتري بناها وهي لغيره وأنه كان متعديًا في الباطن وليس كذلك في الشفعةً فإنه لم ينكشف لنا أن المشتري بالبناء كان متعديًا على أنا نقول للمشتري: لك أن ترجع بما دخل في البناء من النقص على الغاصب فيزول الضرر عنه، فإذا تقرر هذا وطالب الشفيع بالشفعةً لا يخلو المشتري من أحد أمرين إما أن يختار قلع ما أحدثه من البناء، أو لا فإن اختار القلع كان له وليس للشفيع منعه منه، وإذا فعل ذلك ليس عليه ما نقص بالقلع ولا تسويةً الحفر التي هي مواضع القلع، فإذا فعل ذلك كان الشفيع بالخيار بين آن يأخذ بعد القلع بكل الثمن أو يدع فإن أخذ فلا كلام، وإن لم يأخذ بطلت شفعته.
وإن اختار المشتري الشفعةً قلنا للشفيع: لك الخيار بين ثلاثةً أشياء بين الترك وبين الأخذ بالقيمة [83/ب] وبين إجبار المشتري على القلع وإعطائه ما نقصى بالقلع وهو ما بين قيمته قائمًا في مكانه ومقلوعًا، ولو كان مكان البناء زرع قلنا للشفيع: خذ بالشفعةً ويكون للمشتري الزرع فيه إلى حين الحصاد لأنه لا يتباقى ضرره ولا أجرة للشفيع.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يلزم أجرةَ المثل إلى أوان الحصاد، ولو قال الشفيع: أنا أؤخر حتى إذا حصد الزرع أخذت إذ ذاك كان ذلك له ولا تسقط شفعته لأن له في التأخير غرضًا صحيحًا وهو بقاء الثمن عنده إلى حين الحصاد ينتفع به فإذا
حصد أخذه.
فرع
لو اختلفا في البناء الموجود فقال الشفيع: كان قبل الشراء، وقال المشتري: أحدثته بعد الشراء فالقول قول المشتري.
فرع آخر
لو غرس فيها فالغراس كالبناء ويجوز أن يغرس المشتري من غير مقاسمةً بأن تكون الأرض بين ثلاثةً شركاء فاكترى أحدهم نصيب صاحبه واشترى نصيب الآخر ثم غرس المشتري ثم علم المكري بالشفعةً.
فرع آخر
لو قال الشفيع: أنا آخذ من الشقص القدر الذي لا بناء فيه يكل الثمن لم يجز، لأنه متطوع بهبةً لا يلزمه قبولها وملزم له شركة ربما استضر بها، وكذلك لو قال: أقرّ في الأرض البناء.
الجزء: 7 - الصفحة: 36
فرع آخر
لو تصرف المشتري قبل أن يعلم الشفيع بالشفعةً تصرفًا حكميًا بأن باعه أو وهبه أو أصدق أو وقف أو رهن صح تصرفه بكل وجهٍ يتصرف في ملكه المطلق ولا يصح ذلك في حق الشفيع ثم لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون تصرفًا تجب به الشفعةً، أو لا تجب به الشفعةً، فإن كان مما تجب به الشفعةً كالبيع والنكاح والإجارةً والصلح أو كان المشتري امرأةً فخالعت به كان الشفيع بالخيار بين أن يفسخ تصرف المشتري ويأخذ الشقص منه [84/ أ] وبين أن يقره ويأخذ الشقص من الثاني لأن الشركةَ قائمةً عند العقد بين معافان اختار نقض تصرف المشتري كان له ويأخذه منه، وإن اختار تنفيذ تصرفه وأن يأخذه من الثاني يكون العافي كأنه المالك الأول فيأخذه منه بالثمن الذي اشتراه هو، وإن كان صداقًا وأخذه بمهر المثل وعلى هذا، وإن كان تصرفًا لا تجب به الشفعةً كالهبةً والوقف والرهن كان للشفيع إبطاله والأخذ بالشفعةً.
وقال القاضي الطبري: سمعت الماسرجسي يقول: في الوقف تبطل شفعته لأنها تجب في المملوك وقد خرج هذا الشقص من أن يكون مملوكًا وهذا غير مشهور ولا يصح لأن الوقف من المريض يبطل لحق الغرماء وإن صادف ملكه كذلك ها هنا.
وقال مالك: إذا وهب المشتري يأخذ الشفيع من الموهوب له ويدفع الثمن إلى الموهوب له لا إلى المشتري وعندنا يدفع إلى المشتري لأن الهبةً تبطل بأخذه ولو أوصى المشترى لآخر ومات فللشفيع أخذه بالشفعةً ويبطل الوصيةً لأنه أوصى بشيء قد استحق عليه.
فرع آخر
لو ضمن الشفيع عن المشتري ثمن الشقص للبائع أو ضمن عن البائع درك المبيع للمشتري يصح الشراء والضمان وكان الشفيع على شفعته على ما ذكرنا خلافًا لأبي حنيفةَ، وعلى هذا إذا ضمن الثمن فطالبه البائع فغرمه ثم أخذ الشفعةً، فإن كان ضمن الثمن بأمر المشتري فقد برئ الشفيع مما استحقه المشتري عليه من الثمن لأنه تطوع يغرمه للبائع ويحكم عليه بدفعه ثانيًا إلى المشتري.
مسألة: قال: "ولو كان الشقص في النخل فزادت كان له أخذها".
الفصل
وهذا كما قال: الأشياء في الشفعةً على ثلاثةً أضرب منها ما تجب فيه الشفعةً متبوعا وهو العراض والبراح التي لا أصل فيها من بناء ولا غيره، وعنه ما لا تجب فيه الشفعة لا تابعًا ولا متبوعًا وهو المنقول كالطعام والمتاع ونحو [84/ ب] ذلك، وقال عطاء: تثبت الشفعةً في كل مشترك من جميع الأموال وبه قال مالك في روايةً، وروي
الجزء: 7 - الصفحة: 37
عنه أنه قال: تثبت في السفن خاصًا، وروي عنه أنه قال: تجب الشفعةً في البناء المفرد والغرس وفي الثمار وفي المقاشي والمباطح لاتصاله بعراض الأرض المستحق فيها الشفعةً واحتجوا بما روى ابن أبي مليكةً عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشريك شفيع والشفعةً في كل شيء"، وهذا غلط لقوله- صلى الله عليه وسلم -: "الشفعةً فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة" وهذا لا يتناول المنقول، وأما خبرهم مرسل غير مشهور ولا يصح مرفوعًا وما روينا أصح وأشهر.
قالوا: الشفعةً لضرر القسمةً ويوجد ذلك في الكل قلنا: الضرر المخصوص لا يوجد ها هنا وهو المؤونةً في إفراز المرفق عند القسمةً ولا يتأبد ضرره فلا يقاس على غير المنقول، ومنها ما يجب فيه الشفعةً تابعًا ولا يجب متبوعًا وهو كل ما كان في الأرض من يباع وأصل كالشجر فإذا بيعت أرض فيها نخيل ثبت للشفيع فيها الشفعةً ويكون النخيل تابعه للشقص في الشفعةً لاتصالها بها، ألا ترى أنها تدخل في بيع الشقص من غير تسميةً، وإن كانت عليها ثمرةً مؤبرةً تكون الثمرةً للمشتري بالشرط ولا يأخذها الشفيع بالشفعةً.
وقال أبو حنيفة ومالك: تثبت الشفعة فيها مع أصولها لأنها متصلةً بما فيه الشفعةً وهكذا الخلاف في الزرع مع الأرض إذا شرط في البيع وهذا غلط لأنها لا تدخل في البيع إلا بالاشتراط فكانت منفردةً في الحكم بنفسها غير تابعةً للأرض كالفدان والثيران، فإذا تقرر هذا يأخذ الشفيع الأرض مع النخيل بحصتها من الثمن ويترك الثمرةً للمشتري بما يقابلها من الثمن، ولو كان الشفيع غائبًا فعاد من سفره وكانت النخيل زادت وكبرت واستغلت يأخذها بزيادتها لأن هذه الزيادةً غير متميزةً فكانت تابعةً [85/ أ]
فرع
لو بيع النخل مع قرارها من الأرض مفردةً عما يتخللها من بياض الأرض ففي وجوب الشفعةَ فيها وجهان: وكذلك إذا باع البناء مع قراره من الأرض دون البياض فهل تثبت الشفعةً على هذين الوجهين؟ أحدهما: فيها الشفعةً لأنها فرع لأصل ثابت وعلى الشريك فيها من جهةَ شريكه سوء المشاركةً ومؤونةً مقاسمةٍ، قال الإمام أبو محمد الجويني رحمه الله: هذا هو المذهب المشهور وقال: ولو كان البيع في الفسيل المنقول لم تثبت فيه الشفعةً لأن العادةً نقله من مكان إلى مكان الغراس، والوجه الثاني: لا شفعةً فيها لأن قرار النخل تبعٌ لها فلما لم تجب الشفعةً فيها مفردةٌ لم تجب فيها وفى تبعها وهذا هو المشهور عند أهل العراق.
الجزء: 7 - الصفحة: 38
فرع آخر
لو باع الأرض والنخيل ثم لم يأخذ الشفعةً حتى أثمرت غير مؤبرةً ففي استحقاق الشفيع لها قولان قال في القديم: يأخذها كما يدخل في البيع تبعًا، وقال في الجديد: لا يستحقها وقد ذكرنا هذا في كتاب البيع، ولو كان وقت البيع عليها ثمرةً غير مؤبرةً دخلت في البيع تبعا ويأخذها الشفيع فإن تأثرت عند الأخذ بالشفعةً فيه وجهان أحدهما: لا حق فيها للشفيع لتميزها عما يكون تبعا فعلى هذا يأخذ الشفيع الشقص من النخل بحصته من الثمن، والثاني: يأخذها مع الشقص لأن ما كان تبعا وقت العقد لاتصاله لم يسقط حق الشفيع منه بانفصاله، وقال أبو حنيفة: إن جُدَّت فلا حق له فيها لانفصالها، وإن كانت على نخلها أخذها بشفعتهُ مؤبرةً وغير مؤبرةً وهذا غلط لما ذكرنا، ولو بيع الأرض دون النخل ففيها الشفعةً بلا خلاف، ولو أفرد النخيل دون قرارها بالبيع لا شفعةً فيها بلا خلاف.
فرع آخر
قال ابن سريج: والدولاب والميزاب والناعورةً أصل كالبناء [85/ ب] وأما الدواليب المرسلةً والذرموق وهو جذع الداليةً، والباطئةً وهي التي كالجفنةً من القصب المقيرةً والمعلقةً في رأس جذع الداليةً لا شفعةَ فيها، وإن بيعت مع الأرض لأنها كالغلمان يعملون في الضيعةَ فيشتري الأرض والغلمان معها فالشفعةَ فيها دون الغلمان.
مسألة: قال: "ولا شفعة في بئر لا بياض لها".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت بئر لرجلين فباع أحدهما: نصيبه، فإن كانت البئر لها بياض وهي الأرض التي حولها والموضع الذي تجيء الماشيةَ إليه إذا شربت ليرد غيرها وهو الذي يسمى العطن والبئر لا تستغني عنه ويكون قيمةَ البياض مثل قيمةَ البئر إذا أفرد كل واحدٍ منهما عن الآخر فهذا محتمل القسمةً بأن يأخذ أحدهما: البئر والآخر البياض، فإذا باع أحدهما: نصيبه من البئر والبياض كان لشريكه فيه الشفعةً، وكذلك إذا كانت بئرًا واسعةً جافةً لا ماء فيها تثبت الشفعةً فيها لأن قسمتها جائزةً، لأن كان فيها ماء ولم يكن لها بياض نظر، فإن كانت واسعةً لها عينان ويمكن أن يجعل بئرين ويجعل بينهما حاجزًا مثل الجزيرةً كآبار البادية فهذه أيضًا تحتمل القسمةً فتثبت فيها الشفعةَ، لأن كان فيها عين واحدةً أو كانت بئرًا ضيقةً مثل الآبار المعهودةً لا يجبر واحد منهما على قسمتها، فإذا باع أحد الشريكين نصيبه منها لم يكن لشريكه فيه الشفعةً وقيل: قوله: لا بياض لها أي: لا مزرعةً لها فإنه إذا لم يكن لها مزارع لا تحتمل القسمةً غالبًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 39
وأما الرحى، فإن كانت حجرين فإن قسمتها ممكنةً فتثبت فيها الشفعةً، وإن كانت حجرًا واحدًا إلا أن لما بيّنّا لا يستغني عنه الرحى يجعل فيه الطعام وترد البهائم التي تعمل في الرحى إليه وقيمتها واحدةً فإن قسمتها ممكنةً بأن يجعل لواحدٍ فهذه [86/ أ] تثبت فيها الشفعةً، وإن لم يكن لها بيت لم تثبت فيها الشفعةً، وأما الحمام إن كان في بيوت واسعةً يمكن قسمتها ويجعل حمامين وجبت الشفعةَ في نصيب أحدهما، وإن كان ضيقًا لا يحتمل القسمةً فلا شفعةً فيه وبه قال ربيعة ومالك في رواية، وروي ذلك عن عثمان رضي الله عنه، وقال الثوري وأبو حنيفة: تثبت الشفعةً في البئر والرحى والحمام، وإن كانت لا تحتمل القسمةً وهو اختيار ابن سريج ولهذا القول وجه، وإن كان خلاف مذهب الشافعي وهو المشهور عن مالك وهذا لأن الشفعةً لأجل الضرر بالمشاركةً والضرر في هذه الأشياء أكثر لأنه يتأبد ضرره والفتوى على هذا اليوم ووجه قولنا: لا شفعةَ فيها أن إثبات الشفعةً فيها يضر البيع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعةً في نصيبه بالقسمة ويمتنع المشتري من الشراء خوفًا من الشفيع فلا شفعةً لهذا المعنى.
وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال: "لا شفعة في بئر ولا فحل والأزفُ يقطع كل شفعةً" وأراد بالفحل فحل النخل، وأراد إذا كان للقوم نخيل في حائط توارثوها واقتسموها ولهم فحل نخل في أرض الغير يلقحون منه نخيلهم فباع أحدهم نصيبه المقسوم من ذلك الحائط بحقوقه من الفحل وغيره فلا شفعةً للشركاء في الفحل، لأنه لا ينقسم أيضًا كالبئر سواء والأزفُ المعالم والحدود بين المواضع المقسومةً وأحدها أزفةً ويقال: أزثةً بالثاء.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ثقال: "لا شفعةً في فناء ولا طريق ولا منقبةً ولا ركح ولا رهوةً" والفناء الساحة المتصلةَ بدور القوم فلا شفعةً فيه لأنه ينقسم والمنقبة، قال أبو عبيد: الطريق الضيق بين الدارين أو بين الدور والنقب الطريق الضيق بين الجبلين، والركح ناحيةُ البيت من ورائه وما كان فضاء لا بناء فيه يعني إذا كان للسابلةَ والمارةً أو لأنه مرفق الدار تابع [86/ ب] لها فلا شفعةً فيه بانفراده، والرهوةً الجوبةً تكون في محلةً القوم يسيل فيها ماء المطر وغيره، وقال ابن أبي أحمد: وفي الرحى والحمام قولان قالهما ابن سريج تخريجًا.
وقال القفال: اختلف أصحابنا في حد ما يحتمل القسمةً فمنهم من قال: حده أن يمكن الانتفاع بكل شقص منه بعد القسمةً على الوجه الذي كان ينتفع به من قبل فعلى هذا لا شفعةً في الرحى والحمام على ما ذكرنا ومنهم من قال: حده أن يمكن الانتفاع به لأنه يمكن الانتفاع ببعض بيوته وساحته من وجهٍ آخر قال: والعبارةَ الصحيحةً عنه أنه إذا كان بحيث لو دعا الدخيل إلى القمةً أجبر عليه الشريك فللشريك فيه الشفعةً لأنه
الجزء: 7 - الصفحة: 40
يأمن بها من مؤونة المقاسمة، وإن كان لا يجبر عليه الشريك فلا شفعة له حتى لو كانت دارًا واسعة غير أن لأحدهما: جزءًا من ألف جزء أو مائة جزٍء فباع ذلك فلا شفعة فيه للآخرين لأن مشتري هذا الجزء لو دعا إلى القسمة لم يجب إليها جبرًا، وإن بيع نصف الدار أو ثلثها تثبت الشفعة وهذا غريب، وقال جماعة أصحابنا بالعراق: حده ما لا تنقص قيمته بالقسمة وقيل: هو ما ينتفع به بعد القسمة وهو ظاهر المذهب وأراد ب المنفعة التي كانت.
فرع
لو كان السقف لأرباب العلو فباع أحدهم نصيبه فيه وجهان أحدهما: وهو الأصح لا شفعة فيه لأنه لا يتبع أرضًا، والثاني: فيه الشفعة لأن السقف كالعرصة وقد قال الشافعي في كتاب الصلح: السقف أرض لصاحب العلو ولأنه إذا جاز أحدهما: حصته من البناء والسقف أمكن سكناه كالأرض.
فرع آخر
إذا كانت أرصُا واسعةً تختص الرحى بموضع منها كأرحاء البصرة في أنهارا فإطلاق بيع الأرض هل يوجب دخول الرحى؟ فيّه ثلاثة أوج أحدهما: تدخل علوًا وسفلاً فعلى هذا تجب الشفعة فيه تبعًا للأرض كالبناء، والثاني: لا تدخل أصلاً فعلى هذا لا شرط فيه وإن شرط في البيع [87/ أ] كالزرع ويأخذ الأرض بحصتها من الثمن، والثالث: يدخل السفل دون العلو فتجب الشفعة في السفل دون العلو، وأما بيت الرحى فداخل فيه والشفعة فيه واجبة كسائر الأبنية.
فرع آخر
إذا بيع الأرض هل يدخل فيه الدولاب تبعًا؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: يدخل كالبناء فيدخل في الشفعة، والثاني: لا يدخل فلا شفعة، والثالث: إن كان كبيرًا لا يمكن نقله يدخل فتجب فيه الشفعة، وإن كان صغيرًا يمكن نقله ليدخل في البيع ولا شفعة وقد ذكرنا ما قال ابن سريج.
فرع آخر
المعدن إذا كان جاريًا كمعادن النفط فحكمه حكم البئر، فإن كان ضيقًا لا يصير ما قسم معدنًا لا شفعة فيه، وإن كان واسعًا، فإن كان نبوعه في أحد جوانبه لا شفعة، وإن كان نبوعه في جميع جوانبه ففيه الشفعة.
فرع آخر
إذا أثبتنا الشفعة فيه، فإن كان ما ينبع منه يجتمع فيه ولا يخرج منه فهل يكون ما اجتمع منه وقت العقد داخلاً في البيع ومأخوذًا بالشفعة؟ وجهان أحدهما: يدخل كاللبن في الضرع ويؤحذ في الشفعة لأنه تبع لما فيه الشفعة، والثاني: لا يدخل في البيع كالثمرة المؤبرة ولا تجب فيه الشفعة وإن شرط في البيع، وإن كان ما ينبع جاريًا لا
الجزء: 7 - الصفحة: 41
يجتمع فيه قال أبو إسحاق: لا يملك إلا بالإجارة، وإذا خرج من معدنه لم يمنع منه الناس، وقال ابن أبي هريرة: في المعدن مملوك قبل إجارته وله منع الناس منه إذا خرج عن معدنه فعلى هذا هل يكون داخلاً في البيع إذا كان ظاهرًا وقت العقد؟ على ما ذكرنا من الوجهين.
فرع آخر
لو كان المعدن جامدًا كمعادن الصفّر يدخل في البيع ثم ينظر، فإن كانت قسمته ممكنة وتصير كل حصة منه إذا قسمت معدنًا ففيه الشفعة، وإن لم يكن كذلك فلا شفعة.
مسألة: قال: "فأما الطريقُ التي لا تُملَكُ فلا شفعَة فيها ولا بها ".
وهذا كما قال: أراد به الشوارع لا شفعة فيها [87/ ب]، وإن كانت طريقًا إلى الدار المبيعة لأنها غير مملوكة وقوله ولا بها قصد به الرد على أبي حنيفة حيث قال: تثبت الشفعة بالطريق إذا كانت غير نافذة وعندنا لا تثبت به الشفعة في الدار المقسومة بحاٍل، وإن كان الطريق مملوكًا فكيف إذا كان غير مملوك؟
فرع آخر
لو كانت عرصة يحيط بها دور وهي مشتركة بين أرباب الدار فهذه مملوكة وبيع كل واحٍد منهم لحصته جائز، فإذا باع أحدهم دار مع حصته من العرصة قال مالك وابن سريج: تجب الشفعة في الدار المحوزة وفي حصتها من العرصة للإشتراك في العرصة، وعند الشافعي لا شفعة في الدار لإجازتها وينظر في العرصة، فإن كانت ضيقة لا تحتمل القسمة لا شفعة، وإن كانت واسعة تحتمل القسمة، فإن كان للدار من غير العرصة طريق تجب الشفعة، وكذلك إن كان للمشتري دار يفتح بابها إليها أو يمكن فتحه إلى شارٍع تجب الشفعة ويأخذ مقدار حقه من الزقاق بما يخصه من الثمن، وإن لم يكن طريق من غير العرصة لا تثبت فيها الشفعة في ظاهر مذهب الشافعي لأن الشفعة تجب لإزالة الضرر وها هنا يؤدي إلى الضرر بالمشتري لأنه يبقى ملكه محبوسًا بلا طريق وهذا الضرر أعظم من ضرر الشفيع ولا يزال الضرر بالضرر.
ومن أصحابنا من قال: في ثلاثة أوجه أحدها: هذا، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة تجب فيها الشفعة ويبطل استطراق المشتري فيها لأنه دخل على علم تضرره وهذا لا يصح لأنه لو علم هذا لم يرغب في الشراء بحاٍل، والثالث: تجب الشفعة وحق الاستطراق ثابت فيها بغير ملك ليزول الضرر عنهما، وعلى هذا الوجه لو باع دارًا ليس لها طريق كان البيع باطلاً وعلى قول ابن أبي هريرة يجوز وهذا ضعيف أيضًا لأنه يستحيل أن ينتقل الملك إلى الشفيع [88/ أ] ويستحق عليه الاستطراق وإذا استحق ذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 42
لا يحصل مقصوده بالأخذ بالشفعة، وقال القاضي الطبري: لو قال الشفيع: أنا آخذه وأقر له حق التطرق فيه كان ذلك له بشرط أن يكون حق التطرق لازمًا لا يجوز له الرجوع فيه.
فرع آخر
إذا قلنا بالوجه الثالث: فأخذ الحصة من العرصة بالشفعة واستحق المشتري الاستطراق إلى داره في العرصة نظر في أخذ الحصة، فإن أخذها جميع الشركاء في العرصة فله حق الاستطراق على جميعهم حتى لو اقتسموا كان له أن يستطرق حصة من شاء منهم، وإن أخذ الحصة أحدهم فيه وجهان أحدهما: أنه يستحق الاستطراق في حصة الأخذ منه بالشفعة دون غيره من الشركاء حتى لو اقتسموا لم يكن له استطراق حصة غيره لأن طريق الدار في حصته، والثاني: يستحق الاستطراق على جميعهم لأن حقه منفعة شائعة في جميع العرصة فلم تصح إجارتها بالقسمة.
فرع آخر
لو اتسعت العرصة عن استطراق الشركاء لو اقتسموا وكان نصفها لو اقتسموه كافيًا لاستطراقهم فالشفعة في الفاضل عن استطراقهم واجبة وجهًا واحدًا ولا يملك المشتري فيه استطراقا وفي وجوبها على المستطرق ثلاثة أوجه على ما ذكرنا، وأعلم أن الشافعي قال ها هنا: وأما عرصة الدار تكون محتملة للقسم وللقوم طريق إلى منازلهم فإذا بيع منها شئ ففيه الشفعة وصورة هذه العرصة أن تكون الأرض الفضاء المملوكة للشركاء فلما اقتسموها لبناء المنازل تركوا في وسطها عرصة تكون لهم سكة واسعة كالرحبة يتطرقون منها إلى منازلهم، فإن كانت هذه الرحبة بحيث تحتمل القسمة فباع بعضهم حصته منها تثبت الشفعة للشركاء في الحصة المبيعة لأنها حصة شائعة في عقاٍر مملوٍك محتمل للقسمة، وإن كانت هذه العرصة [88/ ب] متضايقة بحيث لا تحتمل القسمة فباع بعضهم حصته فلا شفعة وبيان العرصة التي تحتمل القسمة والتي لا تحتملها ي أن تكون بحيث لو قسمت بقي للقوم طريق إلى منازلهم ولفظ الشافعي ها هنا مشكل لأنه قال: تكون محتملة للقسم وللقوم طريق إلى منازلهم ومعناه بعد القسم طريق إلى منازلهم والواو واو الحال، ولو كان يريد صفتها قبل القسم لكان يقول: وللقوم طريقًا إلى منازلهم خيرًا لقول: تكون محتملةٌ للقسم.
مسألة: قال: "ولولي اليتيمِ وأبي الصَّبيِّ أن يَأخُذا بالشفعةِ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ثبتت الشفعة للصبي وهو في حجر الأب أو الجد أو الوصي أو القيّم من جهة الحاكم فإن لمن يليه أن يأخذ الشفعة له ثم لا يخلو إما أن يكون الحظ
الجزء: 7 - الصفحة: 43
في الأخذ أو [في] الترك، فإن كان في الأخذ فعليه الأخذ وإذا أخذه ملكه المولى عليه فإن عفا فقد فعل ما لا يجوز له فعله، ولا يصح العفو وللصبي الأخذ بالشفعة إذا بلغ وهل يكون على الفور مع الإمكان أو على التراخي؟ على ما بيناه وبه قال محمد وزفر.
وقال أبو حنيفة: يصح عفوه ولا يثبت له بعد البلوغ لأن من ملك الأخذ ملك العفو وهذا غلط لأنه إسقاط حق للمولى عليه لا حظ له فيه فلم يصح كالإبراء وإسقاط الرد بالعيب، وقال ابن أبي ليلى: لا يجوز للوليّ أن يأخذ الشفعة لليتيم أصلاً لأنها موقوفة على شهوات النفوس ولأن من لا يملك العفو لا يملك الأخذ ولا ينتظر لأن فيه إضرارًا بالمشتري فبطلت، وقال الأوزاعي: تثبت الشفعة وليس للولي أن يأخذها بل يتأخر إلى البلوغ وهذا غلط لأنه خياٌر ثبت لدفع الضرر عن المال فملكه الولي في حق الصبي كخيار الرد بالعيب وليس كالعفو لأنه إسقاط وهذا توفير فو كما يملك استيفاء الدين ولا يملك الإبراء عنه [89/ أ].
واحتج الأوزاعي بالقصاص لا يستوفيه الولي ويؤخر استيفاؤه إلى ما بعد البلوغ، قلنا: المقصود من القصاص التشفي ودرك الغيظ ولا تدخل فيه النيابة وها هنا الغرض إزالة الضرر عن المال وتدخله النيابة فافترقا، ولو أخذ الشفعة له ثم بلغ فأراد الرد ليسترد الثمن ليس له ذلك، وإن كان الشقص عند البلوغ متراجع القيمة لأن الاعتبار بساعة الأخذ وكانت المصلحة في أخذه بالشفعة، وإن كان الظ في الترك لا يجوز له الأخذ، فإن خالف وأخذ كان الأخذ باطلاً لا يملكه المولى عليه ولا الولي أيضًا لأنها تستحق بالشركة الموجودة حين البيع ولا شركة ل بخلاف ما لو اشترى شيئًا للصبي لا غبطة له فيه يلزم الولي الشراء، وإن عفا الولي ها هنا وتركها هل يسقط بعفوه حتى إذا بلغ ليس له الأخذ المذهب أنه يسقط.
وحكي أبو إسحاق عن بعض أصحابنا أنه قال: لا يصح عفوه وللصبي الأخذ بالشفعة إذا بلغ لأنه ملك الآن ووجود معتبر في أخذ الولي لا في أخذ المالك وهذا غلط لأن أخذه صحيح عند الغبطة فعفوه صحيح عند الغبطة كالرد بالعيب والرضا به، وقيل: فيه قولان ذكره الربيع وغيره وهذا الثاني اختيار أبي إسحاق وبه قال زفر ومحمد وهذا غير مشهور وقد روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصبي على شفعته حتى يدرك فإن أدرك فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك".
فرع
لو استوي الحظ في الأخذ والترك ففي أخذ الولي ثلاثة أوجهٍ أحدها: لا يأخذ الشفعة ما لم يظهر له الحظ في أخذها، والثاني: يلزمه أخذها لأن الأخذ حظ ما لم يظهر ضرر، والثالث: أنه مخير بين أخذها وتركها لاستواء الحالين، فإذا قلنا: ليس له الأخذ فإذا بلغ هل الأخذ وجهان.
الجزء: 7 - الصفحة: 44
فرع آخر
لو كان لجماعة أيتام [89/ ب] وصي واحد فباع لأحدهم شقصًا في شركة أحدهم كان له أخذه بالشفعة للآخر.
فرع آخر
لو كان حق الشفعة للوصي فيما باع لليتيم قال ابن الحداد: لا شفعة له لأنه منَّهم في نقصان ثمنه، فإن رفعه إلى الحاكم فباعه كان له الشفعة لأن التهمة قد زالت، ومن أصحابنا من قال: له الشفعة لأن الشفعة يستحقها على المشتري بعد صحة البيع حكاه ابن القفال في "التهذيب" ولو باع الأب أو الجدّ وله الشفعة كان له الأخذ بالشفعة لأنهما غير متهمين فيه.
فرع آخر
لو اشترى الوصيّ لليتيم شقصًا وله فيه الشفعة ليس له أخذه بالشفعة لأنه يوجب بذلك العهدة على اليتيم إن استحق ذلك، وفيه وجه آخر له أخذه بالشفعة لأنه لا تهمة فيه.
فرع آخر
لو كانت دار بين رجلين نصفين فوكَّل أحدهما الآخر ببيع نصفها الربع من نصيبه والربع من نصيب شريكه فباعه فللموكل أن يأخذ ربع شريكه بالشفعة.
وهل للوكيل أن يأخذ ربع الموكل؟ الوجهان كما ذكرنا في الوصي قال ابن الحداد: لا شفعة للوكيل لمكان التهمه والوجه الثاني له الشفعة وهو اختيار ابن سريج، ومن أصحابنا من فرق بين الوكيل والوصي فقال: الوكيل ينوب عن حيّ جائز التصرف يقدر على استدراك ظلامته إن جر نفعًا إلى نفسه بخلاف الوصي في حق اليتيم.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو وكله بشراء شقص فاشتراه الوكيل كانت له الشفعة ووافقه سائر أصحابنا، وقال أبو حنيفة: لا شفعة له بخلاف وكيل البائع وهذا بناء على أصله إن الملك ينتقل إلى ملك وكيل المشتري أولاً ثم ينتقل إلى الموكل وعندنا الفرق بينهما أن في الشراء لا تهمة لأن له أن يشتريه بأرخص ما يكون بخلاف البيع.
فرع آخر
لو خلف حملاً وشقصًا من دارِ وأوصى إلى رجل بالقيام [90/ أ] في تركته والنظر لحمله فبيع الشقص من الدار في شركة الحمل ليس له أن يأخذ بالشفعة للحمل ما لم يضع لأنه لا يُدرى أحملٌ هو أو ريح، وإن كان حملاً لا يُدرى أحيّ أم ميت ذكرًا أو أنثى، فيأخذ من التركة ما يخصه فإذا وضعته له الأخذ الآن ولا يسقط بالتأخير لأنه معذور.
الجزء: 7 - الصفحة: 45
فرع آخر
لو حجر على الحر بفلس فبيع في شركته ما تجب فيه الفعة كان العفو والأخذ إليه ولا اعتراض للغرماء عليه لأنه تصرف في الذمة والتصرف في الذمة لا يدخل تحت الحجر.
فرع آخر
المكاتب يأخذ بالشفعة ولا اعتراض لسيده عليه إذا كان له فيه غبطة.
فرع آخر
لو اشترى المأذون نصف دارِ ثم بيع باقيها في شركته كان له الأخذ بالشفعة، لأنه لما جاز له أن يشتريها ابتداء جاز له أخذها بالشفعة، فإن عفا عنها فلسيده إبطال عفوه وإن عفا السيد سقطت الشفعة وليس للمأذون الاعتراض عليه.
فرع آخر
لو كانت دار بين ثلاثة للواحد الربع، وللآخر الربع، وللثالث النصف فقارض صاحب الربع صاحب الربع الأخر على ألفٍ فاشترى المقارض من صاحب النصف نصف ما في يديه من مال القراض قال ابن سريج: لا شفعة في هذا المبيع لا للعامل ولا لرب المال لأنه اشترى لمال القراض وإن باع صاحب النصف ما بقي له منها وهو الربع من أجنبي كان المبيع مستحقًا بالشفعة أثلاثًا ثلثه للعامل بربعه، وثلثه لرب المال بربعه وثلثه لمال القراض بربعه لأن مال القراض بمنزلة شريك ثالث فيفرد له ثلث الشفعة.
فرع آخر
لو دفع إليه ألفًا قراضًا فاشترى به شقصًا يساوي ألفًا وكان رب المال هو الشفيع ل له أخذه بالشفعة أم لا؟ قال ابن سريج: فيه ثلاثة أقوال وأراد [90/ ب] ثلاثة أوجه:
أحدها: يأخذه من العامل برمته لا بالشفعة لأنه ملكه ولا فضل في المال يأخذه ويفسخ القراض.
والثاني: يأخذه بالشفعة وليس له أخذه بغير الشفعة لأن رب المال لا يملك أخذ مال القراض من يد العامل إلا ناضًا فيأخذه بالشفعة ها هنا ويدفع إليه ألفًا وقد نضَّ مال القراض، فإن شاء أقره قراضًا بحاله وإن شاء قبضه وفسخ القراض.
والثالث: ليس له أخذه بحاٍل لا بالشفعة ولا بحق القراض فعلى هذا إن باعه العامل من أجنبي هل لرب المال أخذه من الأجنبي بالشفعة؟ وجهان هذا إذا كان الشفيع رب المال، وإن كان العامل هو الشفيع وهو أن يشتري شقصًا في شركة نفسين نظر، فإن لم يكن في المال ربحٌ كان له أخذه بالشفعة لأنه وكيل المشتري له، فإن كان في المال ربحٌ فهي مبنية على القولين متى يملك حصته من الربح فإن قلنا: لا يملك بالظهور أخذ الكل بالشفعة ورد الفضل في مال القراض وإن قلنا: يملك بالظهور أخذ أصل المال
الجزء: 7 - الصفحة: 46
وحصة رب المال من الربح بالشفعة، وأما حصة نفسه قال ابن سريج: فيها ثلاثة أوجهٍ التي ذكرناها إذا كان رب المال هو الشفيع.
مسألة: قال: "وإن اشترى شَقصًا على أَنَّهُمَا جميعًا بالخيارِ".
الفصل:
وهذا كما قال: وقت وجوب الشفعة حين ينتقل ملك الشقص من مالكه إلى من ملكه منه بالعوض الذي ذكرناه فإذا اشترى شقصًا تثبت فيه الشفعة واشترط خيار الثلاث لا يخلو إما أن يشترط لهما أو للبائع دون المتري أو المشتري دون البائع، فإن اشترط لهما أو للبائع وحده فالشفعة لا تثبت للشريك حتى تنقضي مدة الخيار أو يجبر البائع البيع لأن أخذ الشفيع بالشفعة يسقط حق البائع من الخيار ولا سبيل له إلى إسقاطه، وإن كان الخيار للمشتري دون البائع فللشافعي في ملك المبيع [91/ أ] في مدة الخيار أقوال فإن قلنا: الملك للبائع أو موقوف فلا شفعة له، وإن قلنا: الملك للمشتري هل للشفيع أن يأخذ منه بالشفعة؟
روي المزني عن الشافعي أن له الشفعة ونصَّ عليه في "الأم "لأن نفس الملك أقوى من حق الملك وللشفيع انتزاع نفس ملكه فكان له انتزاع حق ملكه وهذا اختيار المزني وهو قول أبي حنيفة، ونقل الربيع قولاً آخر أنه لا شفعة فيه حتى يتم البيع برضاه أو تمضي أيام الخيار، قال أبو إسحاق: ولعل هذا أصح القولين وهو اختيار القفال وبه قال مالك وأحمد فيكون أمر الشفعة موقوفًا فإن اختار إنفاذ البيع وانقضت أيام الخيار فالشفعة واجبة، وإن رده لم يكن فيه شفعة ولم يكن للشفيع أن يلزم المشتري ما لم يلزم المشتري نفسه وهذا لأنه إنما شرط الخيار لنفسه لينظر هل الحظ ل في إتمام البيع وضمان العهدة للشفيع، أو في إبطاله وتركه فإذا جعلنا للشفيع أخذه بالشفعة بطل هذا الغرض له قال أبو إسحاق: ويخالف هذا الرد بالعيب لأن غرض المشتري من الرد استدراك الظُّلامة، ألا ترى أنه لو ارتفع العيب بطل الرد فإذا أعطاه الشفيع ما وزن من الثمن فقد زالت الظلامة عنه فلا غرض له في رده فيصير كأن العيب قد ارتفع.
فرع
لو قال المشتري: اشتريته بشرط الخيار، وقال الشفيع: من غير شرط الخيار، قال أبو حامد في "الجامع ": القول قول المشتري مع يمينه.
فرع آخر
لو ادعى البائع اشتراط خيار الثلاث وأنكره المشتري والشفيع قال أبو حنيفة وأبو يوسف: القول قول البائع ولا شفعة.
وقال محمد: القول قول المشتري وفيه الشفعة، وعندنا يتحالفان فإذا تحالفا ففي
الجزء: 7 - الصفحة: 47
بطلان البيع وجهان، فإن قلنا: بطل البيع لا شفعة وإن قلنا: لا يبطل إلا بفسخ الحاكم قيل للمشتري: أنت بالخيار بين إمضاء البيع بخيار ثلاثة أيامٍ للبائع، وبين فسخه وخيار ذا على الفور [91/ ب] لأنه خيار حكم فإن اختار المشتري فسخه بطل البيع ولا شفعة وليس للشفيع أن يجبر المشتري على إمضاء البيع بخيار الثلاث لأنه إجبار على التزام عقدٍ، وإن اختار المشتري إمضاء البيع بخيار الثلاث للبائع ثبت للبائع خيار الثلاث فإن اختار فيها فسخ البيع انفسخ ولا شفعة، وإن تم البيع استحق الشفعة.
فرع آخر
إذا شرط الخيار لهما وتم البيع له الشفعة على ما ذكرنا وبماذا يصير مالكًا لها ثلاثة أقوالٍ ولو انفسخ البيع بينهما إما بفسخ البائع وحده، أو بفسخ المشتري وحده لا شفعة وهل بطلت بعد أن وجبت لو لم يكن وجبت على الأقاويل الثلاثة.
فرع آخر
إذا ثبت الخيار في الشقص الذي يملك به الشفعة، فإن كان خيار عيب لا يمنع الشفعة لبقائه على ملك مشتريه ما لم يرده، وإن كان بخيار الرؤية لم يملك به الشفعة سواء قلنا بصحة البيع أو فساده لأنه لم يستقر ملكه وإن صح، وأما البائع فإن قلنا: ببطلان البيع يملك به الشفعة، وإن قلنا بصحة البيع ل يملك به البائع الشفعة؟ وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في لزوم البيع في خيار الرؤية قبل وجود الرؤية، وأما خيار المجلس فلا يملك البائع فيه شفعةَ بالشقص الذي في مجلس بيعه وخياره سواء قلنا: ملكه انتقل إلى المشتري بالعقد أو قلنا: لا ينتقل إلا بانقضاء الخيار لأنا إن قلنا بزوال ملكه لا شفعة له بما زال ملكه عنهن وإن قلنا ببقاء ملك فبيعه رضًا منه بإسقاط شفعته.
وأما المشتري فإن فسخ العقد فلا شفعة له بما لم يستقر ملكه عليه وإن تم له البيع.
فإن قلنا: إنه لا ينتقل إليه الملك إلا بانقضاء الخيار فلا شفعة له لأنه كان غير مالك.
وإن قلنا: ينتقل الملك إليه بالعقد أو قلنا مراعَى ففي استحقاق الشفعة به وجهان: أحدهما: له الشفعة لدخوله في ملكه.
والثاني: لا شفعة له به لأن ملكه غير مستقر لا يجوز أن يعارض [92/ أ] عليه فلم يجز أن يملك به، وأما خيار الثلاث فإن كان لهما فحكمه حكم خيار المجلس وكذا إن كان الخيار للمشتري وحده، وإن كان الخيار للبائع وحده فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: لا شفعة لواحد منهما أما البائع فلِما في بيعه من الرضا بإسقاط حقه، وأما المشتري فلعدم ملكه أو لعدم استقراره.
والثاني: أنها للبائع لأن في اشتراطه الخيار لنفسه تمسكًا بما تعلق به من حقوقه، والثالث: أنه موقوف فإن تم البيع فالشفعة للبائع اعتبارًا بما يُقضي إليه أحوالهما.
الجزء: 7 - الصفحة: 48
مسألة: قال: "ولو كان مع الشقصِ عَرَضٌ والثمنُ واحدٌ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا وسيفًا أو عبدًا وشقصًا أو عرضًا وشقصًا صفقةً واحدةٌ كان للشفيع الشفعة بحصته من الثمن ولا حق له فيما بيع معه ولا خيار للمشتري، وإن تبعَّضت الصفقة عليه لأنه دخل على بصيرة من الأمر فيقوَّم الشقص والسيف ويُقسَّط الثمن عليهما فيؤخذ بالحصة، فإن كان الثمن ثلاثمائةٍ وقيمة السيف عشرةٌ وقيمة الشقص عشرين كان الشقص بثلثي الثمن والسيف بثلثه فيكون الشفيع بالخيار بين أن يأخذ الشقص بمائتين أو يدع، وإن كانت قيمة الشقص عشرة وقيمة السيف عشرين كان الشقص مبيعًا بثلث الثمن وعلى هذا القياس وقد ذكرنا قول مالك فيه.
فرع
لو باع شقصين من أرضين أو دارين، فإن كان شفيع أحدهما: غير شفيع الاخر كان لكل واحدٍ منهما أخذ الشقص الذي له فيه حق الشفعة، وإن أدى إلى تبعيض الصفقة ويكون جمعه بينهما في صفقةٍ واحدة رضاَ منه بالتبعيض ولأنه أخذ جميع ما وجب له بالشفعة فكان ذلك له، وإن كان شفيعهما واحدًا فإنَّ أحدهما: كان له وإن أراد أن يأخذ أحدهما: ويترك الآخر فالذي نصّ عليه الشافعي أن له ذلك كما يكون ذلك للشفيعين ولأنه أخذ بالشفعة جميع ما بيع في شركته كما لو كان كل المبيع، وخرّج [92/ ب] بعض أصحابنا فيه قول آخر أنه لا يجوز لأن فيه تبعيض الصفقة على المشتري من غير رضاه.
مسألة: قال: "وعهدةُ المشتري على البائعِ، وعهدةُ الشَّفيعِ على المشتري ".
وهذا كما قال: إذا سلم المشتري ثمن الشقص إلى البائع وقبض الشقص فجاء الشفيع وأخذ من المشتري ثم استحق الشقص رجع الشفيع بالعهدة على المشتري، ورجع المشتري على البائع لأن الشفيع ملكه عن المشتري وملك المشتري عن البائع وهذا معنى قول الشافعي: عهدة المشتري على البائع وعهدة الشفيع على المشتري، وإن لم يكن المشتري قبض الشقص من البائع وقلنا: للشفيع أن يأخذ من يد البائع فأخذه يصير في الحكم كأنه أخذه من المشتري وتكون عهدته على المشتري أيضًا وبه قال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وأحمد.
وقال محمد: إن أخذ من يد المشتري رجع بالعهدة عليه، وإن أخذ من يد البائع رجع بالعهدة عليه، وحكي هذا عن أبي حنيفة، وقال ابن أبي ليلى وعثمان البتي: يرجع بالعهدة على البائع بكل حال وذا غلط لأنه استفاد الملك من جهته فعليه عهدته، وإن كان مستغنيًا عن عقدٍ يستأنفه ولهذا لو أراد البائع تسليم الشقص إلى الشفيع دون
الجزء: 7 - الصفحة: 49
المشتري فليس له ذلك لأن المشتري هو الذي استحق على البائع الملك بالعقد.
فرع
لو اشترى شقصًا على أن المشتري بالخيار ثم أسقط المشتري خياره ثم أراد الشفيع الأخذ بالشفعة هل يأخذه في الحال قبل انقضاء الخيار المشروط له أو له التاخير إلى انقضائه؟ قال والدي رحمه الله: هذا مبني على ثبوت الشفعة فيه قبل غسقاط الخيار، فإن قلنا: لا يثبت فعلى هذا غذا انقطع الخيار يلزم المشتري تعجيل الأخذ لأن الشفعة على الفور، وإن قلنا: تثبت الشفعة له قبل انقضاء الخيار وهو الصح يحتمل أن يقال: لا يلزمه التعجيل كما لو اشترى شقصًا بثمن مؤجل [93/ أ] لا يلزم الشفيع تعجيل الأخذ وله التربُّص إلى انقضاء الأجل، وإن سقط الأجل قبله بموته ويحتمل أن يقال: لابد من التعجيل، والفرق أن الثمن المعجل أزيد من الثمن المؤجل وهذا المعنى لا يوجد هاهنا.
باب
قال المزني: هذه مسائل أجبت فيها على معنى قول الشافعي رحمة الله عليه.
مسألة: قال: "وإذا تبرَّأ البائعُ من عيوبِ الشفعة ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا واشترط البراءة من العيوب كان البيع جائزًا على ما اختاره المزني وقد ذكرنا حكم هذه المسألة في كتاب البيع وقيل: لم يرد أنه باع بشرط البراءة، ولكنه أراد أنه اشتراه وهو عالم بعيوبه أو كان غير عالمِ فعلم ورضي به وأصل الباب في هذا أن الشفيع بمنزلة المشتري الثاني من الأول لأنه يأخذ منه بالثمن وإنما يفترقان في شيئين أحدهما: أن الشفيع ينتزعه من المشتري بغير اختياره بخلاف المشتري الثاني، والثاني: أن الشفيع يأخذه بالثمن الذي ملك به المشتري والمشتري الثاني يملكه بما يتفقان عليه من الثمن، فإذا ثبت هذا الأصل فاشترى الشقص وأخذه الشفيع منه وكان الشقص معيبًا لم يخل من أربعة أحوالِ، إما أن يكون المشتري والشفيع جاهلين بالعيب أو عالمين به أو يكون المشتري جاهلاً به دون الشفيع، أو عالمًا به دون المشتري، فإن كانا جاهلين به كان للشفيع رده على المشتري فإذا رده إليه كان المشتري بالخيار بين أن يرده على البائع أو يمسكه، وإن كانا عالمين به استقر الشراء والأخذ بالشفعة معًا، وإن كان المشتري جاهلاً دون الشفيع سقط رد الشفيع ولا يملك المشتري رده لأنه خرج عن يده ولا يطالب بالأرش لأنه استدرك ظلامته وقيل: لأنه لم ييأس من الرد فإن عاد إلى المشتري بوجهٍ من وجوه الملك هل له رده على البائع؟ وجهان مبنيان على [93/ ب] اختلاف التعليلين فإن قلنا بالعلة
الجزء: 7 - الصفحة: 50
الأولى لا يرد وإن قلنا بالعلة الثانية يرد، وأعلم أن المزني ذكر أنه فرع هذه المسألة وهي منصوصة عن الشافعي في القديم ورواها عن عليّ رضي الله عنه.
فرع
لو ادعى المشتري علم الشفيع بعيبه عند أخذه وأنكر الشفيع فشهد البائع عليه بعلمه، فإن كان برئ إلى المشتري من عيبه تقبل شهادته لأنه لا يدفع بها عن نفسه.
وإن لم يبرأ إليه من عيبه لا تقبل لأنه يدفع بها عن نفسه.
فرع آخر
لو ظهر المشتري على عيبِ في الشقص فأمسك عن رده انتظارًا للشفيع، فإن كان الشفيع غائبًا لم يلزمه انتظاره وبطل بالإمساك خياره لأن حضور الشفيع من تعلق حقه بالشقص عذر في الإمساك ولا يكون عذرًا إن كان غائبًا.
مسألة: قال: "وإنْ كانَ المشتري اشترَاهَا بدنانير بأعيانِها ثمَّ أخذَهَا الشَّفيعُ بوزنِها فاستُحقَّتْ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا بدنانير وأخذ الفيع بوزنها ثم استحقت الدنانير لا يخلو إما إن استحقت دنانير الشفيع أو دنانير المشتري، فإن استحقت دنانير المشتري لا يخلو إما أن تكون معيَّنة أو غير معينة فإن كانت معينة انفسخ العقد وبطلت الشفعة لأن الدنانير تتعيَّن بالتعين عندنا خلافًا لأبيِ حنيفة فإذا كانت مستحقةَ كان البيع باطلاً والشفعة تبطل أيضًا لأنها تُستفاد ببيع صحيح وهذا بيعٌ باطلٌ، وإن كانت في الذمة كان البيع صحيحًا والشفعة ثابتة على المشتري بدلها للبائع، وإن استحقت دنانير الشفيع فإن كان الشفيع عالمًا بأن الدنانير التي وزنها مغصوبة هل تبطل شفعته؟ وجهان أحدهما: تبطل لأنه لما أخذه بما لا يجوز أخذه كان مفرطًا وهذا هو الصحيح، واختاره الداركي وجماعة، والثاني: لا تبطل لأن الشفيع لا يتعلق بالنقد الذي دفعه إليه وإنما استحق أخذه يمثل ما وزن [94/ أ] المشتري، فإذا خرج ما أعطاه مستحقًا أعطاه بدل الذي ثبت في ذمته عند المطالبة وإن لم يعلم لا تبطل شفعته، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان أخذ بدنانير معينة فيه وجهان علم أو لم يعلم، وإن كان أخذ يثمنٍ في الذمة ثم عين المغصوبة لا يبطل وجهًا واحدًا، وإن كان عالمًا وقيل: عيّن أو لم يعيَن لا يبطل شفعته وجهًا واحدًا وهذا اختيار المزني والقفال لأن الشفعة يصح أخذها وطلبها دون ذكر الثمن فلا معنى لتعيينه.
فرع
إذا قال الشفيع: أخذت الشفعة بهذه الدنانير فيه وجهان أحدهما: قال أبو إسحاق
الجزء: 7 - الصفحة: 51
وابن أبي هريرة: لا يتعين لأنه تملكها استحقاقًا فعلى هذا له أن يأتي ببدلها وهو على شفعته فإن أعسر بطلت شفعته، والثاني: حكاه أبو حامد تتعين لأنها ملحقة بعقد البيع لاستحقاق الثمن فيها فعلى هذا قد صار بتعينها مبطلاً لشفعته بغيرها.
مسألة: قال: "ولو حطَّ البائعُ عنِ المشتري بعدَ التَّفرُقِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا حطَّ البائع عن المشتري بعض الثمن أو كله، فإن كان بعد التفرق فهو هبة من البائع للمشتري ولا يجب على المشتري أن يحطه عن الشفيع، وكذلك إن زاد في الثمن بعد التفرق لم يلحق بالعقد وأخذ الشفيع بالثمن الأول، وإن كان الحط أو الزيادة قبل التفرق فالمذهب أنه يلحق العقد، لأن الثمن لم يستقر بعد فكان الاعتبار بالثمن الذي يفترقان عليه، وقيل: فيه وجه آخر لا يلحق أصل العقد إذا قلنا: الملك للمشتري، وإذا لحق العقد لزم في حق الشفيع، وقال أبو حنيفة: إن حطَّ البعض لحق العقد ولزم في حق الشفيع، وإن حط الكل فلا يلق أصل العقد ولا يلزم في حق الشفيع قال: والزيادة لا تلزم الشفيع أصلاً وإن لحق العقد، وقال ابن أبي ليلى: يلحق حط بعض الثمن أصل العقد ولا يحط عن الشفيع، وإن كان قبل التفرق، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا حط الثمن قبل التفرق هل يبطل البيع؟ وجهان أحدهما: يبطل لأنه خلا عن الثمن، والثاني: [94/ ب] لا يبطل ويكون كالإبراء ثم هل يكون بيعًا أو هبةَ؟ وجهان فإن قلنا: هبة لا شفعة، وإن قلنا: بيع تثبت الشفعة.
فرع
إذا أخذ المشتري من البائع أرش العيب لتعذر الرد أو صالح البائع على الأرش وقلنا: يجوز في أحد الوجهين بأخذ الشفيع بالباقي من الثمن بعد الأرش لأنه حطَّ باستحقاق لفقد جزء من المبيع بخلاف الحط تبرُّعًا.
مسألة: قال: "ولو ادعىَ عليهِ أنهُ اشترَى شقْصًا له فيه شفعةٌ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى رجل على رجل أنه اشترى شقصًا وله فيه شفعة، فإن هذه الدعوى تسمع إذا كانت محصورة وحصرها أن يقول: اشترى كذا وكذا سهمًا من الدار أو الضيعة التي موضعها في موضع كذا وحدودها كذا من فلان ابن فلان بكذا وكذا درهمًا وأنا أستحقه بالشفعة، فإذا بيَّن الدعوى على هذا الوجه سمعها الحاكم وطالب المدعى عليه بالجواب قال: فإن أقرَّ سلمه إليه بالثمن الذي وقع العقد عليه، وإن أنكر وقال: ما اشتريته وإنما رهنتنيه أو وهبه لي أو ورثته أو اشتريته قبل شراء هذا المدعي لنصيبه أو قال: اشتريته ولكنه لا يستحق عليّ بالشفعة فهذه كلها أجوبة صحيحة ويكون
الجزء: 7 - الصفحة: 52
القول قوله مع يمينه وعلى المدعي البينة كما نقول في سائر الدعاوى فإذا قامت البينة ثبت ما أدعاه وأخذه بالشفعة، وإن لم يكن له بينة فإنا نعرض اليمين على المدعى عليه ويحلف على حسب ما وقعت الدعوى والإنكار، فإذا ادعى أنه اشتراه وأنكر حلف أنه لم يشتره وسقطت الدعوى.
ومن أصحابنا من قال: يحلفّه على أنه لا يستحق عليه بالشفعة ولا يحلف على أنه اشتراه لأن الشفعة هي المقصودة بالدعوى، ومن قال بالأول أجاب عن هذا وقال: هذا احتياطٌ بارد من الحاكم لأن المدعى عليه لما أنكر الشراء وأجابه به [95/ أ] وسمع ذلك دل على أنه يمكنه أن يحلف عليه، وإن قال: اشتراه بعدي وأجاب بأني اشتريته قبله حلف أنه اشتراه قبله وإن قال: أستحقه عليه بالشفعة وقال: لا شفعة لك حلف أنه لا يستحقه بالشفعة، ولو قال المدعي: اشتريت شقصًا ولي فيه الشفعة، وقال في الجواب: لا شفعة لك فيه أو لا يستحقه بالشفعة حلف أنه لاشفعة له فيه ولا يحلفه أنه ما اشتراه لأنه قد يشتريه في شفعته ثم تبطل شفعته، فلو حلَّفنا على أنه ما اشتراه ظلمناه وإن نكل عن اليمين رد اليمين على المدعي، فإذا حلف حكمنا له بالشقص وينظر في تحليفه، فإن كان أنكر الشفعة أنه لا يستحقها عليَّ حلف أنه يستحقها عليه بالشراء الذي ادعاه، وإن كان أنكر الشراء حلف الشفيع أنه لقد اشتراه وهل يلزمه أن يقول في يمينه فإنه يستحق الشفعة فيه أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يلزمه وهو اختيار أبي إسحاق، وإن أحلفه الحاكم عليه كان استحبابًا لأن هذا من حقوق المالك فما لم يطالب به لم يلزم.
والثاني: أنه لازم لأن نقل الأملاك لا يجوز بالأمر المحتمل وقد يجوز أن يكون عفا بعد الشراء، ثم إذا حكم ل بالشفعة ففي الثمن ثلاثة أوجهٍ أحدها: يؤخذ منه ويدفع إلى المالك لئلا يؤخذ الشقص من يده بغير بدلٍ فإن امتنع يقال له: إما أن تقبض أو تبرأ، والثاني: أنه يوضع في بيت المال ما لم يدعه المالك ثمنًا، فإذا ادعاه دفع إليه، والثالث: يقر في ذمة الشفيع ما لم يأت المالك مطالبًا.
وإن قال في جوابه: اشتريته لزيدٍ، فإن كان زيد حاضرًا أحضر مجلس الحكم وسئل عنه فإن صدقه أخذ منه بالشفعة وإن كذبه فإن البيع قد لزم المدعى عليه ويأخذ الشفيع منه، وإن كان زيد غائبًا فإن الحاكم يأخذ الشقص من المدعى عليه بالثمن الذي وقع العقد عليه وبسلمه إلى الشفيع [95/ ب] وسجل به سجلاً، ويُحكى فيه صورة الحال على وجهها وأن زيدًا على حجته إذا قدم فإذا قدم كانت الخصومة بينه وبين الشفيع على حسب ما بيناه لأنا لو قلنا: يتوقف إلى حضوره أدى إلى إسقاط الشفعة لأن أحدًا لا يعجز عن مثل هذا الإقرار.
وإن قال صاحب اليد: هذا الشقص لفلان ينظر، فإن كان المقر له غائبًا لم يكن للشفيع فيه الشفعة إلى أن يقدم الغائب فيسأل عن جهة الملك، فإن كان مما تجب به الشفعة حكم بها، وإن كان مما لا تجب به الشفعة لم يحكم بها وأما الذي في يده
الجزء: 7 - الصفحة: 53
الشقص فلا يطالب ببيان جهة الملك للغائب بعد إقراره بأن الشيء لغيره فإن إقراره فيه غير مقبولٍ.
وقال في "الحاوي ": قال البغداديون من أصحابنا: صورة المسألة في شقص مشتركٍ انتقل الملك إلى رجل فقال الشفيع: انتقل إليك بالبيع، وقال المالك: ملكته بهبةٍ وقد ذكرنا حكمها، وقال البصريون: وهو الشبه صورة المسألة في أن صاحب اليد في الشقص المشترك قال عند ادعاء الشفعة عليه لنا وكيل الغائب فيه ولم أملكه عنه فيكون القول قوله لليد والإنكار فإن حلف برئ، وإن نكل عن اليمين ردت اليمين على الشفيع، فإن حلف حكم له بالشفعة ولا يكون ذلك حكمًا على الغائب بنقل ملكه إلى الشفيع وإنما يكون رفعًا ليد الحاضر.
ثم في الثمن وجهان: أحدهما: يوضع في بيت المال حتى يحضر الغائب، والثاني: يقر في ذمة الشفيع إلى قدوم الغائب ويمكن من التصرف في الشقص بما لا يؤدي غلى استهلاكه، وإن باعه لم يمنع من بيعه لأن الغائب على حقه فيه مع بقاء عينه وهل يؤخذ بكفيل فيما حصل له عليه؟ وجهان أحدهما: يؤخذ به حفظًا لحق الغائب، والثاني: لا يؤخذ به لأننا على غير يقين من استحقاقه.
ولو قال في جواب الدعوى الأول: اشتريته لابني الطفل [96/ أ] أو الأجنبي طفل لي علي ولاية تثبت الشفعة له على الصحيح من المذهب لأن شراء الولي لمن يلي علي صحيح كشرائه لنفسه وقوله فيه مقبول.
ومن أصحابنا من قال: لا تثبت الشفعة لأن هذا إقرار يثبت به حق في مال الطفل ولا يقبل إقرار الأب والولي على الطفل بما يوجب حقًا في ماله فإذا كان كذلك لم تثبت الشفعة وهذا ضعيف، ولو قال: ليس هذا بشريك فعليه إقامة البينة على الشركة والقول قول المشتري مع يمينه ويحلف أنه لا يعلم أن له شركة لأنه يحلف على نفي فعل الغير، وإن نكل عن اليمين رددناها إلى الشفيع ويحلف على البتّ أن له شركة في هذه الدار أو في هذ الضيعة.
مسألة: قال: "ولوْ أقامَ الشفيعُ أنهُ اشتراهَا من فلانٍ الغائبِ بألفِ درهمٍ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كان الدار في يد رجلين يد كل واحد منهما على نصفهما فقال أحدهما لصاحبه: ذا النصف الذي في يديك قد اشتريته أنت من فلان الغائب بألفِ ولي الشفعة وأقام بذلك بينةٌ فقال ل صاحبه: ما باعنيها الغائب بل أودعنيها فهي في يدي وديعة له وأقام بذلك بينةٌ نظر، فإن كانت البينتان مطلقتين أو مطلقة ومؤرخة قدمنا بينة الشفيع لأنها أثبت شراء وأوجب شفعة وبينة الإيداع لا تمنع الشراء، وكيف يعمل
الجزء: 7 - الصفحة: 54
بالثمن؟ على ما ذكرنا من الأوجه الثلاثة، وإن كانتا مؤرختين بوقتٍ واحدٍ كانتا متعارضتين، وإن كانتا مؤرختين بوقتين مختلفين، فإن كانت الوديعة سابقة فإن بينه البيع لا تعارض بينه الوديعة، وإن كان البيع سابقًا فكذلك لجواز أن يكون قد اشتراه ثم غصبه البائع عليه ثم رده إليه بلفظ الإيداع أو باعه النصف فأمسكه البائع لاستيفاء الثمن فيعذر عليه إيفاء الثمن فقال البائع: خذه وديعة عندك حتى إذا سلمت الثمن قبضته بعد ذلك قبض مبيع ولأن البيع ينافي الوديعة فكانت بينة البيع أولى، وهكذا إذا قال في الجواب: هو رهن أو إجارة [96/ ب] أو عارية كان الحكم على ما ذكرناه في الوديعة، ولو كانت المسألة بحالها فأقام الشفيع البينة بالشراء من فلان الغائب بألفٍ وأقام المدعى عليه البينة أنه ورثها من فلان الغائب فهما متعارضتان إذا كان التاريخ واحدًا لأن الميراث يمنع الشراء، فإذا قلنا: يسقطان فكأنه لا بينة مع واحدٍ منهما.
وإن قلنا: يستعملان فله موضع يذكر فيه.
وفرع أبو العباس هاهنا فقال: فإن كانت بحالها فادعى أحدهما: أن الذي هي في يديه اشتراها من زيد الغائب بألفٍ وأقام بذلك بينةً وأقام من هي في يديه البينة أن عمرًا الغائب أودعنيها، وأنه أودعني ما هو ملكه وكانت بينة الشراء مطلقة قدمت ببينة الإيداع ها هنا وسقطت بينة الشراء وتقر في يد من هي في يديه وكتب إلى عمرِو في ذلك فإن قال: صدق والشقص لي في يديه سقطت الشفعة والشيء وديعة على ما هي عليه، وإن عاد الجواب من عمرو ما أودعته ولا حق لي فيها قضينا للمدعي ببينة الشراء وسلمنا الشقص إليه ويكون معترفًا بالثمن لمن لا يدعيه عليه وقد مضى حكمه، فإن كانت بحالها ولم تكن هكذا ولكن شهدت بينة الشفيع بأن زيدًا باعه وهي ملكه وكانت بينة الإيداع مطلقة قدمنا ببينة الشراء وحكمنا عليه بالشفعة ولم يراسل ها هنا زيد بشيء لأنه لو أنكر الشراء لم يلتفت إليه.
مسألة: قال: "ولوْ أنَّ رحلينِ باعاَ منْ رجلٍ شِقصًا فقالَ الشفيعُ: أنا آخذ ما باع فلان".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين ثلاثة نفرٍ أثلاثًا فباع اثنان منهم نصيبهما من رجلٍ واحدٍ وكان المشتري واحدًا والبائع اثنين فالشفيع بالخيار بين أن يأخذ الكل منه، أو يدع الكل أو يأخذ ما باع أحدهما دون الآخر وهكذا إن كان البائع واحدًا والمشتري اثنين فللشفيع أن يأخذ ما باع أحدهما دون الأخر لأن عقد الواحد مع الاثنين في حكم العقدين المفردين.
وقال أبو حنيفة: يجوز [97/ أ] هذا بعد القبض ولا يجوز قبله وهذا غلط لأنهما مشتريان فجاز للشفيع أخذ نصيب أحدهما كما لو كان بعد القبض في روايةٍ، وقال
الجزء: 7 - الصفحة: 55
أيضًا في المسألة لا يفرق الشفيع الصفقة على المشتري وليس له أن يأخذ ما باع أحدهما دون الآخر، وبه قال مالك، وهذا غلط لأن البائع اثنان فأشبه إذا باعا بعقدين، ولو كانت المسألة بحالها فباع اثنان نصيبهما من رجلين صفقةٌ واحدةٌ فهي بمنزلة أربعة عقودٍ فالشفيع بالخيار بين أن يدع الكل أو يأخذ الكل أو يأخذ من بعضهم دون بعضٍ كيف شاء، كما لو باع واحدٌ منهم نصيبه من رجل واحدٍ في أربعة عقودٍ في كل عقدٍ ربع ملكه كان الشفيع بالخيار على ما ذكرته.
فرعان لأبي العباس رحمه الله أحدهما: قال: لو كانت دار بين ثلاثةٍ أثلاثًا فباع أحدهم نصيبه من ثلاثة أنفسٍ صفقةً واحدةً كان للفيع أن يأخذ الكل وأن يأخذ من بعضهم دون بعضٍ فإن أخذّ من واحدٍ وعفا عن الآخرين كان ذلك له وليس للذين عفا عنهما مشاركة الفيع فيما أخذ من الثالث لأن ملك البائع انتقل غلى الثلاثة دفعةً واحدةً في زمانٍ واحدٍ لم يسبق بعضهم بعضًا، فو كما لو اشتري اثنان دارًا صفقةً ملك كل واحدٍ نصفها وليس لأحدهما مطالبة شريكه بالشفعة لأن ملك أحدهما ما سبق الآخر.
والفرع الثاني: قال: لو كانت دار بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من ثلاثة أنفسٍ في ثلاثة عقودٍ عقدًا بعد عقدٍ ثم علم الشفيع بالشفعة كان له أخذ الكل وبعض دون بعضٍ فإن أخذ من الأول وعفا عمن بعده لم يكن لمن بعده مشاركته في الشفعة لأنهما ملكًا بعد وجوب الشفعة، وإن أخذ من الثاني لم يشارك الثالث أيضًا وإن أخذ من الثالث وعفا عن الأول، والثاني كان لهما مشاركته في الشفعة، فإذا شاركاه فهل يستحقان على عدد الرؤوس أو الأنصباء على القولين.
فرع آخر
لو كانت دار بين أربعة لكل واحدٍ منهم ربعها [97/ ب] فباع ثلاثة منهم نصيبهم منها لم يخل من أحد أمرين إما أن يبيعوا من ثلاثة نفرٍ، أو من وادٍ فإن باعوا من ثلاثةٍ لم يخل من احد أمرين إما أن يكون الكل في زمانٍ واحدٍ أو كل واحدٍ على الإنفراد لم يسبق بعضهم بعضًا فالشفيع بالخيار على ما ذكرنا، وغن كل البيع من واحدٍ بعد واحدٍ فله أخذ الكل وترك الكل من بعضٍ دون بعضٍ فإن أخذ من بعضٍ دون بعضِ نظر، فإن أخذ من الأول وعفا عن الثاني والثالث لم يشاركاه في الشفعة وإن أخذ من الثالث وعفا عن الأولين كان لهما مشاركته في الشفعة، وإن باعوا نصيبهم من واحدٍ لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون صفقةً واحدةً، أو عقدًا بعد عقدٍ، فإن كان صفقةً واحدةَ كان له أن يأخذ الكل ويدع الكل ويأخذ البعض ويدع البعض فإن أخذ الكل أو ترك الكل فلا كلام، وإن أخذ بعضًا دون بعضٍ انفرد به ولم يشاركه المشتري فيما أخذ لأن الملك في زمانٍ واحدٍ، وإن كان عقدًا بعد عقدٍ فقد ملك المشتري ثلاثة أرباعها في ثلاثة عقود فللشفيع أخذ بعضها دون بعض فإن أخذ الأول أو الأول والثاني لم يشاركه المشتري فيما أخذ وإن عفا عن الأول، والثاني وأخذ الثالث، فالمشتري شفيع فهل
الجزء: 7 - الصفحة: 56
يستحق الشفعة فيما ملكه من الربع الثالث؟ على وجهين على مذهب المزني وابن سريج له الشفعة.
ومن أصحابنا من قال: لا شفعة له فإذا قلنا: لا شفعة له لأنه لا يملك الشفعة فيما اشتراه لنفسه كان للشفيع كل الربع الثالث بالشفعة، وإذا قلنا: للمشتري الشفعة فله الربعان الأولان وللشفيع في الدار ربعها والمستحق بالشفعة الربع الرابع فكيف يقسم بينهما؟ على قولين فإذا قلنا: على عدد الرؤوس كان الربع بينهما نصفين، وإذا قلنا: على قدر الأنصباء كان الرابع بينهما على الثلث والثلثين ثلثاه للمشتري وثلثه للشفيع.
فرع آخر
لو كانت الدار بين ثلاثة فوكل [98/ أ] أحدهم لواحدٍ منهم فباع نصيبه ونصيب موكله صفقةً واحدةً كان للثالث الشفعة وهل له أن يأخذ أحد النصيبين دون الآخر؟ وجهان أحدهما: له ذلك لأن المالك اثنان فهو كما توليا العقد، والثاني: ليس له ذلك لأن العاقد واحدٌ في الطريق.
مسألة: قال: "ولوْ زعمَ المشتري أنهُ اشتراهَا بألف درهمٍ فأخذهَا الشفيعُ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا زعم المشتري أنه اشتراه بألفٍ فادعى البائع أنه باعه بألفين وأقام على ذلك بينةً يلزم المشتري للبائع ألفان ولم يكن للمشتري أن يأخذ من الشفيع إلا ألفًا واحدًا لأنه يزعم أن الألف الثاني ظلم من جهة البائع فلا يرجع بالظلم إلا على الظالم، ولو قال المشتري: كنت نسيت وقد تذكرت الآن لم يقبل رجوعه عنه في حق الشفيع، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: المشتري يطلب بألفين لأن الحاكم إذا حكم عليه بالبينة فقد أبطل إقراره وهذا غلط لما ذكرنا، وحكي عنه أنه قال: إن كان الشفيع أخذ الشقص من يد البائع حكم بها على الشفيع دون المشتري، وإن كان أخذه من يد المشتري حكم با على المشتري بناء على أصله في عهده المبيع.
فرع
لو كان هذا المشتري عقد الشراء بنفسه ليس له إحلاف الشفيع إذا قال: غلطت والبائع صادق في دعوى البيع بألفين، وإن كان اشترى بالوكيل ففي إحلاف الشفيع وجهان أحدهما: له ذلك لإمكان ما قالهن والثاني: ليس له ذلك كما لو تولى عقده.
فرع آخر
لو لم يكن للبائع بينة على المشتري يتحالفان، وقال أبو حنيفة: القول قول المشتري مع يمينه بناءٌ على أصله أنه صار مستهلكًا بالأخذ بالشفعة ولا يثبت التحالف بعد التلف.
الجزء: 7 - الصفحة: 57
فرع آخر
لو كان الشفيع مصدّقًا للبائع جاز أن يشهد له على المشتري إن كان عدلاً لأنه يستضر بها ولا ينتفع وليس للمشتري أن يرجع بها على الشفيع إذا غرمها لأنه لا يدَّعيها، وإن تعذر غرم المشتري لها بعيبه أو عسرة فهل يستحق البائع أخذها من الشفيع أم لا؟ وجهان أحدهما: [98/ ب] لا يستحق أخذها منه وإن صدقه عليها لوجوبها على غيره وإقرار الشفيع بها لغيره، والثاني: يستحق أخذها منه لأنه عقد البيع منتقل غليه وثمنه مستحق عليه.
فرع آخر
لو كان الشفيع مكذبًا للبائع وتحالف البائع والمشتري لا تبطل الشفعة بتحالفهما، سواء قلنا: البيع يبطل بالتحالف أو لا يبطل لإستقرار الشقص على ملك الشفيع بالأخذ بخلاف ما لو تحالفا قبل الأخذ.
فرع آخر
لو أقام البائع البينة على الألفين وكان المشتري مستنيبًا في عقده ولم يعقد بنفسه في وجهان أحدهما: يرجع بها عليه لأنه لم يتقدم منه تكذيبٌ لبينته، والثاني: لا يرجع بها لأنه قد اقر باستيفاء حقه وهو الظاهر من قول المزني واختاره القاضي أبو حامد رحمه الله.
مسألة: قالَ: "ولو كانَ الثمنُ عبدًا فأخذَه الشفيعُ بقيمةِ العبدِ ثمَّ أصابَ البائعُ بالعبدِ عيبًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى شقصًا بعبدٍ وأخذه الشفيع بالشفعة وأعطى المشتري قيمة العبد ثم أصاب بالعبد عيبًا لم يخل من أحد أمرين، إما أن يعلم بالعيب قبل أن حدث بالعبد ما يمنع الرد، أو علم بعد ما حدث به ما يمنع الرد، فإن كان قبل الحدوث رده على المشتري فإذا رده لم يخل الشفيع من أحد أمرين إما أن يكون قد أخذ الشقص بالشفعة، أو لم يكن أخذ، فإن كان قد أخذ لم يكن للبائع الرجوع في الشقص لأن ملك المشتري قد زال عنه فيرجع بقيمة الشقص لا ببدل العبد لأن البائع قد فسخ العقد وقد كان له أخذ الشقص أو كان موجودًا فكان له قيمته إذا كان مفقودًا والقيمة أقل ما كانت من وقت عقد البيع أو قبض المشتري، ثم إن عاد إلى المشتري هذا الشقص بوجهٍ من الوجوه لم يجب رده على البائع ولا له رده علاه ولا للبائع مطالبته به بحلاف الغاصب إذا غرم الآبق ثم رجع يلزمه رده إلى المالك، وللمالك أن يسترده لأن هناك بالتغريم لم يملك وها هنا ملك بالتغريم فافترقا وإن لم يعد إليه استقر [99/ أ] الشقص
الجزء: 7 - الصفحة: 58
للشفيع بقيمة العبد واستقر الشقص للمشتري بقيمة الشقص وانقطعت العلائق بين المشتري وبين البائع وهل بين الشفيع وبين المشتري تراجع أم لا؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا تراجع بينهما لأن الرد بالعيب فسخ في الحال غير مستدٍ إلى حالة العقد.
والثاني: بينهما تراجع لأن الشفيع يأخذ الشقص من المشتري بالثمن الذي يستقر على المشتري وها هنا استقر قيمة الشقص فعلى هذا يقابل بين قيمة العبد وقيمة الشقص، فإن كانت القيمتان سواء فلا كلام، وإن كان بينهما تفاضل تراجعا به، فإن كانت قيمة الشقص أكثر من قيمة العبد رجع المشتري على الشفيع بتمام قيمة الشقص، وإن كانت قيمة الشقص أقل من قيمة العبد رجع المشتري عليه بذلك الفضل وهذا لأنه انفسخ العقد الأول بهذا الرد وصار الثمن قيمة الشقص، وإن لم يكن أخذ الشفيع الشقص من المشتري واجتمع الشفيع والبائع ففي أحقهما بالشقص وجهان من اختلاف الوجهين إذا كان الشقص صداقًا وينازعه الشفيع والزوج المطلق قبل الدخول فإن قلنا هناك: الزوج أحق فها هنا البائع أحق ولا شفعة وإذا قلنا: هناك الشفيع أحق فها هنا الشفيع أحق ووجه هذا أنه استحق الشفعة بالبيع والبائع إنما يستحق أخذ الشقص بالرد بالعيب بعده فحق الشفيع أسبق ووجه الوجه الأول أن الشفيع إنما يساحق أخذه بالشفعة إذا لم يثبت للبائع على المشتري حق الفسخ وها هنا ثبت له ذلك فإذا قلنا البائع أحق أخذه وانصرف وإن قلنا: الشفيع أحق فبكم يأخذه؟ وجهان:
أحدهما: بقيمة العبد الذي كان ثمنًا لأنه استقر عليه عقد البيع.
والثاني: بقيمة الشقص الذي صار مغرومًا واستقر للبائع على المشتري، وإن كان هذا بعد حدوث عيب آخر عنده منع الرد كان له الرجوع بأرش العيب على المشتري، فإذا رجع به هل يرجع المشتري به على الشفيع؟ نظر، فإن كان الشفيع أخذه بقيمة عبدٍ [99/ ب] سليم لا عيب فيه لم يرجع بشيء، وإن كان أخذه بقيمة عبدٍ معيب من أصحابنا من قالَ: فيه وجهان:
أحدهما: لا يرجع عليه المشتري لأنه استحقه ما سمى في العقد.
والثاني: يرجع على المشتري لأن الثمن استقر على المشتري مع الأرش، ومن أصحابنا من قال: يرجع ها هنا على الشفيع وجهًا واحدًا لأنه من تمام الثمن وهذا أصح بخلاف ما تقدم من المسألة.
مسألة: قال: "ولو استحقَ العبدُ بطلت الشفعةُ ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا باع شقصًا بعبدٍ فأخذه الشفيع ثم استحق العبد يبطل البيع
الجزء: 7 - الصفحة: 59
والشفعة أيضًا بخلاف المسألة قبلها لأنه صح البيع وحصل الملك للمشتري هناك وها هنا بخلافه، ولو اقر المتبايعان والشفيع أن العبد كان حر الأصل يبطل البيع والشفعة أيضًا وإن أنكر الشفيع ما قالا لم يقبل قولهما عليه والشفعة له باقية، وقال بعض أصحابنا: يرجع البائع على المشتري بقيمة الشقص لخروجه عن يده وفواته وقيل: لا يتراجعان بشيء لأن الشفيع ينكر استحقاق قيمة الشقص فلا يطالبه بها وهذا أشبه، ولو كان الثمن معيّنًا فأخذ الشفيع الشفعة من المشتري ثم تلف الثمن في يد المشتري قيل القبض بطل البيع والشفعة معًا ولم يكن للمشتري أن يدفع بدل الثمن ولا يصح ذلك وإن اتفقا عليه.
مسألة: قال: "ولوْ صالحَهُ منْ دعواه على شقصٍ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ادعى رجل على رجل شقصًا في يده فصالحه منه على مالٍ أخذه نظر، فإن كان الصلح على الإنكار فو باطل ولا شفعة، وإن كان بعد الإقرار له فالصلح صحيح ويأخذ الشفيع الشقص منه بمثل المال الذي يذله له إن كان له مثل أو قيمته إن لم يكن له مثل، وإن ادعى أجنبي على أحدهما ألفًا فصالحه منه على الشقص الذي في يده، فإن كان على إقرارٍ صار كأنه اشترى ذلك بألفٍ ففيه الشفعة، وقد ذكرنا ذلك، وإن كان على إنكارٍ فالصلح باطل.
فرع
لو وهب شقصًا من رجل فهل للشفيع الشفعة؟ مبني على أن الهبة هل تقتضي الثواب؟ وفيه قولان فإذا قلنا: لا يقتضي الثواب [100/ أ] لا شفعة وإذا قلنا: يقتضي الثواب تثبت الشفعة فيها ويأخذ الشفيع بقدر الثواب، وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: تثبت الشفعة فيها بقيمة الشقص وهو رواية عن مالك لأن الشفعة لإزالة الضرر وهو موجود ها هنا وهذا غلط لأنه ملكًا بغير بدلٍ فأشبه إذا ورثها، ولو كانت الهبة بشرط الثواب، فإن كان معلومًا وقلنا: يصح كان ذلك بيعًا وتثبت الشفعة تقابضًا أو لم يتقابضا، وبه قال زفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا تثبت حتى يتقابضا، لأن الهبة لا تلزم إلا بالقبض وهذا قول بعض أصحابنا وهذا غلط لأنه ملكها بعوضٍ فلا يفتقر إلى القبض لحصول الملك كالبيع الصريح ولا يصح اعتبار لفظ الهبة لأن العوض يصرفها عن مقتضى لفظها ويصير لفظها عبارة عن البيع، ولو شرط ثوابًا مجهولاً نقل الربيع عن الشافعي أنه إذا أثابه الموهوب له أخذ الشفيع بمثله إن كان له مثل أو بقيمته إن لم يكن له مثل حكاه القاضي أبو عليّ الزجاجي والمشهور أن الهبة باطلة ولا شفعة قال: وفيه قول آخر لا شفعة في الهبة أصلاً لأن الهبة مخصوصة.
الجزء: 7 - الصفحة: 60
فرع آخر
لو حضر رجل مغنمًا فأعطاه الإمام لحضوره شقصًا من دارٍ وطالبه الشفيع بالشفعة، فإن كان أخذه رضخًا لا شفعة لأن الرضخ عطية تبرع، وإن أخذه بسهمٍ مستحق فيه وجهان أحدهما: لا شفعة لأن الغنائم مستفادة بغير بدلٍ كإحياء الموات، والثاني: تثبت الشفعة لأنه قد اعتاضه بدلًا عن حضورٍ وعملٍ فعلى هذا يأخذه الشفيع بقدر سهمه من المغنم.
مسألة: قال: "ولوْ أقامَ رجلانِ كلُّ واحدٍ منهما بيّنهً أنه اشترى منْ هذهِ الدار شقصًا".
الفصل ?
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين رجلين لكل واحدٍ منهما نصفها وادعى كل واحدٍ منهما على صاحبه أن النصف الذي في يديه يستحقه عليه بالشفعة رجعنا إليهما في وقت [100/ ب] الملك فإن قالا: ملكناها معًا في زمان واحد بالشراء من رجل واحد أو من رجلين فلا شفعة لأحدهما: على صاحبه وإن قال كل واحدٍ منهما: أنا السابق فلي الشفعة لا يخلو من ثلاثة أحوال إما أن لا يكون هناك بينة أو يكون مع أحدهما بينة، أو مع كل واحدٍ منهما بينة، فان لم يكن مع واحدٍ منهما بينة فكل واحد منهما مدعٍ ومدعّي عليه فإن سبق أحدهما فادعى على صاحبه قلنا له: أجب عن الدعوى فإن قال في الجواب: ملكي هو السابق قلنا: هذا ليس بجواب بل قد أعدت الدعوى فأجب عن الدعوى فإن قال: لا يستحق علىّ الشفعة فالقول قوله فإن نكل رددنا اليمين على المدعى، فإذا حلفا قضينا له بالشفعة وسقطت دعوى صاحبه لأنه لم يبق له ملك يستحق به الشفعة فإن لم ينكل وحلف سقطت دعوى صاحبه، ويقال: لك الدعوى بعد هذا فإذا ادعى عليه نظر، فإن نكل عن اليمين حلف هو واستحق الشفعة، وإن حلف ولم ينكل سقطت الدعوى وبقيت الدار بينهما على ما كانت عليه هذا إذا لم يكن هناك بينة، فإن كانت مع أحدهما بينة نظر، فإن شهدت له بالتاريخ مثل إن قال: ملكتها منذ سنة أو منذ شهر فلا فائدة: هذا التاريخ لأنا لا نعرف به وقت ملك الآخر فإن زادت على هذا فأخبرت أنه ملكه قبل ملك صاحبه قضينا بالبيئة وحكمنا له بالشفعة، وإن كان مع كل واحدٍ منهما بينة لم يخل من أحد أمرين إما أن تكونا متعارضتين أو غير متعارضتين، فإن لم تكونا متعارضتين بأن شهدت إحداهما أنه ابتاع النصف من زيد وشهدت الأخرى أنه ابتاع النصف من عمرو فلا تعارضه ها هنا لإمكان أن يكون كل واحدٍ منهما اشترى نصيبه مفردًا فلا يخلو حال البينتين من أربع أحوال إما أن تكونا مؤرختين تاريخًا واحدًا أو مؤرختين تاريخًا مختلفًا أو إحداهما مطلقة والأخرى [101/
الجزء: 7 - الصفحة: 61
أ] مؤرخة أو كانتا مطلقتين، فإن كانتا مؤرختين تاريخًا واحدًا بأن شهدت إحداهما أنه اشترى من زيد وقت طلوع الشمس والأخرى أنه اشترى من عمرو وقت طلوع الشمس فالملك حصل لهما في وقتٍ واحدٍ فلا يستحق أحدهما على الأخر شفعة، وإن كانتا مؤرختين تاريخًا مختلفًا فالذي ملك أولًا يستحق الشفعة على صاحبه لأن ملك صاحبه طرأ عليه، وإن كانت إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة فهو كما لو لم يكن مع أحدهما: بينة لأنا لا نعلم أيهما سبق الملك، وكذلك إن كانتا مطلقتين، وإن كانتا متعارضتين وهو أن تشهد كل واحدة منهما أن هذا هو السابق لصاحبه ففي المتعارضتين قولان أحدهما: تسقطان، والثاني: تستعملان.
وفي كيفية الاستعمال ثلاثة أقوال القرعة والوقف والقسمة فإن قلنا: توقف وقفناه وإن قلنا: تقرع أقرعنا فمن خرجت قرعته قدمنا بينته وهل يحلف مع القرعة؟ وجهان، وإن قلنا: يقسم نظر، فإن كانا في الملك متساويين فلا فائدة في القسمة، وإن كانا فيه متفاضلين لأحدهما الثلث وللآخر الثلثان أخذ صاحب الثلث من صاحب الثلثين السدس بما يخصه من الثمن.
مسألة: قال: "ولوْ أن البائع قال: قدْ بعتُ شقصي من فلانِ بألفِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين رجلين نصفين فادعى أحدهما: أنه باع نصيبه من فلان بألف درهم رجعنا إلى فلان فإن قال: صدق قضينا بالشفعة للشفع، وإن أنكر فلان الشراء فقد اعترف المالك بالبيع وأنكره للمشتري فهل للشفيع الشفعة؟ قال المزني: له الشفعة وصوَّبه سائر أصحابنا وبه قال أبو حنيفة وأحمد لأن البائع أقر بحقٍ للمشتري وبحق للشفيع فإذا سقط حق المشتري بإنكاره لم يسقط حق الشفيع كما لو أقر لاثنين بحق فرَّده أحدهما، وقال ابن سريج: لا شفعة للشفيع لأن البيع لم يثبت في حق المشتري والشفعة إنما تستحق على المشتري لا على [101/ ب] البائع ولأن الأصل المشتري والشفيع فرع فهو كما لو أقر أحد الأخوين بأخ ثالث وأنكر الآخر لا يثبت الإرث كما لا يثبت الأصل وهو النسب، فإن قلنا بهذا فالخصومة كن البائع والمشتري فالقول قول المشتري فإن حلف برئ وإن نكل عن اليمين حلف البائع وثبت البيع ووجب له الثمن على المشتري وقضينا للنفع بالشفعة على المشتري، وإذا قلنا: له الشفعة وهو المذهب وبه قال مالك لا يخلو البائع من أحد الأمرين إما أن يختار محاكمة المشتري أو لا يختار فإن اختار ترك محاكمته قلنا للبائع: تسلَّم أنت الثمن من الشفيع وسلّم الشقص إليه وتكون عهدة الشفيع ها هنا على البائع دون المشتري لأنه لما لم يلزمه الشراء مع إنكاره لم يلزمه عهدته، وإن اختار محاكمة المشتري هل له ذلك؟ وجهان:
الجزء: 7 - الصفحة: 62
أحدهما: ليس له ذلك لأنه حصل له الثمن وهو مقصوده فلا فرق بين أن يحصل ذلك له من المشتري أو من الشفيع ولأنه لا يؤمن إن أحلف أن يحكم بفسخ العقد وفيه إبطالّ لحق الشفيع فليس له ذلك.
والثاني: له ذلك لاستحقاق اليمين عليه بإنكاره ولما فيه من البنية بوصول الملك إلى مستحقه ولا يبطل بذلك حق الشفيع ولأنه قد تكون معاملة المشتري أسهل من معاملة الشفيع وهذا أصح فإذا قلنا: له محاكمة المشتري فالقول قول المشتري مع يمينه فإن حلف سقطت دعوى البائع ويأخذ الشفيع منه الشقص على ما ذكرنا، وإن نكل عن اليمين حلف البائع وثبت الشراء والشفعة وتكون عهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع هذا كله إذا اعترف البائع بالبيع دون قبض الثمن فإن اعترف بالبيع وقبض الثمن أيضًا وأنكر المشتري الكل فهل للشفيع الشفعة؟ يبنى على المسالة الأولى فإن قلنا هناك: لا شفعة كما قال ابن سريج فها هنا أولى، وإن قلنا هناك: تثبت الشفعة فها هنا وجهان:
أحدهما: [102/ أ] لا شفعة لأنه لا يمكن دفعه إليه من غير ثمن ولا يمكن دفعه بالثمن لأن الثمن يستحقه المشتري ولا يمكن إجبار المشتري على قبض الثمن بعد يمينه أنه ما اشتراه وهذا اختيار أبي إسحاق وابن أبي هريرة.
والثاني: وهو قول الأكثرين له الشفعة لأن البائع أقر بحقي للمشتري وللشفيع معًا، فإذا لم يقبل المشتري كان للشفيع أن يقبل ويأخذ ثم إذا أخذ فهو معترف بالثمن للمشتري وهو ينكره فيه ثلاثة أوجه على ما بيناه وقيل: هل يقبض منه الثمن؟ وجهان فإذا قلنا: يقبض فيه وجهان أحدهما: يوضع في بيت المال موقوفًا للمشتري، والثاني: يدفع إلى البائع ويسترجع من البائع ما أقر بقبضه من المشتري ليكون هو الموقوف للمشتري في بيت المال ذكره في "الحاوي"، وحكي بعض أصحابنا عن ابن سريج أنه قال: في الصورة الأولى إذا أراد الشفيع دفع الثمن يرفع الأمر إلى القاضي ليقيم رجلًا مقام المشتري ويقبض له الثمن كيلا يكون متطوعًا بما أعطى ويصير ماله بعرض الهلاك لو أقر المشتري بالشراء وقال: دفعت الثمن من غير إذني والشقص لي، فإذا كان القابض قبضه بأمر الحاكم صح قبضه في حقه.
وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى هذا فإن الشفيع يقول: دفعت الثمن إلى البائع للضرورة وحين أنكرت أذن لي الشرع يدفعه فصار كأني دفعت بإذنك.
واعلم أن المزني صوّر هذه المسألة حيث يكون البائع مع الإقرار بالبيع مقرًا بالقبض والإقباض والمشتري منكر فيحتمل أن كون هذا منه توسعًا في الكلام عند تصوير المسألة ولا فائدة في هذا التقييد ويحتمل أن يكون مراده يذكر هذا القبض قطع نوع من التوهم وهو أن البائع إذا أقر بأن المشترى قبض الشقص والمشتري جاحد فعلى الشفيع [102/ ب] تسليم الثمن
الجزء: 7 - الصفحة: 63
إلى البائع وربما يتوهم متوهم أن البائع بعد اعترافه بالإقباض لا يستحق على الشفيع بالثمن وليس كذلك بل يستحق ذلك إذا لم نعترف بقبض الثمن لأن شقصه لا يزول عن ملكه إلا بثمنٍ يصل إليه إما من جهة المشتري، وإما من جهة الشفيع.
ثم اعلم أن هذا التصوير الذي ذكره إنما يستقيم مع جوابه إذا كان المشتري معترفًا بأن الشقص الذي قبضه البائع ملك البائع حصل في يده عارية أو وديعة فأما إذا قال المشتري: هو ملكي فالجواب أن القول قوله مع يمينه، فإذا حلف المشتري نظر إلى الشفيع، فإن كان يصدق البائع في عين الشقص الذي حلف المشتري عليه فلا سبيل للشفيع على البائع لأن البائع غير متعدٍ بتسليم الشقص إلى المشتري، وإن كان الشفيع يكذب البائع في العين ويقول: إن الشقص الذي اعترفت بالشفعة لي فيه غير هذا النقص الذي حلف المشتري عليه فالقول قول الباني مع يمينه.
مسألة: قال: "ولو كانَ للشَّقصِ ثلاثٌة شفعاءٍ فشهدَ اثنان".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت الدار بين أربعة نفرٍ فباع أحدهم نصيبه من أجنبي وجاء الثلاثة يطالبون المشتري بالشفعة فادعى المشترى أن أحدهم عفا عن الشفعة وشهد له الشفيعان الآخران نظر، فإن كانا مقيمين على طلب الشفعة لم تقبل شهادتهما للتهمة لأنهما يجرّان إلى أنفسهما غنمًا وشهادة الجار إلى نفسه غنمًا لا تقبل كما لا تقبل شهادة الدافع عن نفسه غرمًا، وإن كانا قد عفوا عن الشفعة قبلت شهادتهما لأنه لا تهمة عليهما، وإن كانا مقيمين على طلب الشفعة فرددنا شهادتهما ثم عفوا وأعادا الشهادة لم تقبل شهادتهما كالفاسقين إذا أعادا الشهادة بعد التوبة لا تقبل شهادتهما، وإن كان قد عفا أحدهما دون الآخر قبلت شهادة [103/ أ] العافي دون الذي لم يعف وقضينا بشهادته مع اليمين ومن الذي يحلف مع الشاهد نظر، فإن كان الذي ردت شهادته عفا عنها حلف مع شاهده واستحق الشفعة على المشتري لأنه لا شفيع غيره، فإن كان الذي ردت شهادته قد عفا عنها بعد ذلك حلف المشتري مع الشاهد وحصل الشقص له لأنه لم يبق من يطالب بالشفعة.
فرع
لو شهد البائع على الشفيع بالعفو قال ابن القفال في "التهذيب": نظر، فإن كان لم يقبض الثمن من المشتري لم تقبل شهادته لأنه يجوز أن يفلس المشتري فيرجع البائع بالشقص فيكون قد أثبت بشهادته لنفسه حقًا، وإن كان قد قبض الثمن وسلم الشقص قبلت شهادته.
الجزء: 7 - الصفحة: 64
فرع آخر
لو شهد السيد على مكاتبه بالعفو عن الشفعة قبلت شهادته لأن ذلك شهادة عليه، وإن شهد بالشراء فيما للمكاتب فيه الشفعة تقبل شهادته أيضًا ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
مسألة: قال: "ولو ادعى الشفيع على رجل أنه اشترى هذا الشقص الذي هو في يديه من صاحبي الغائب".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت دار بين رجلين أحدهما: حاضر والآخر غائب ونصيب الغائب في يد وكيل له حاضر ثم إن المالك الحاضر ادعى أن الوكيل الحاضر اشترى نصيب موكله بألفٍ وأقام بذلك شاهدين سمع الحاكم ذلك وقضى بالشراء وأوجب للحاضر الشفعة قال المزني رحمه الله: هذا قضاء على الغائب ووافقنا فيه الكوفيون وقد ناقضوا أصلهم، واختلف أصحابنا في هذا على وجهين:
أحدهما: أن هذا قضاء على غائب لأن الدعوى والشهادة عليه بالبيع.
والثاني: ليس هذا بقضاء على غائب لأن المزني لم يذكر أن يحلف المدعي مع الشاهد فثبت أنه قضاء على وكيل حاضر، فإذا قلنا: إنه قضاء على حاضر فلا كلام وإذا قلنا: قضاء [103/ ب] على غائب نقول: هم ناقضوا لأنهم إنما يمنعون القضاء على غائب إذا لم يتعلق بحق حاضر، فأما إذا كان هناك خصم حاضر يقضى عليه وفي هذا الموضع خصم حاضر وهو الذي يدعي عليه أنه اشترى ثم الثمن لا يدعي هذا المشتري فيأتي فيه الأوجه الثلاثة، وإن لم يذكر البينة قبض الثمن قبض الحاكم الثمن من المشتري للبائع ومن الشفيع للشفع للمشتري، واعلم أن المزني قيد هذه المسألة بذكر دفع الثمن ولا تتوقف الشفعة على دفع المشتري ثمن الشقص إلى البائع بل إذا انبرم البيع كانت الشفعة ثابتة فيحتمل أنه جعل ذلك بسطًا في عبارة الدعوى وتأكيدًا، وكذلك في الشهادة فإن الشهود متى ما شهدوا عند الحاكم على أنه اشترى ودفع الثمن إلى البائع كانت شهادتهم أوضح لأن دفع الثمن بعد البيع دلالة ظاهرة على الانبرام.
مسألة: قال: "ولو اشترى شِقصًا وهو شقيعٌ فجاء شفيعٌ آخر".
الفصل
وهذا كما قال: إذا كانت دار بين ثلاثة شركاء فباع أحدهم نصيبه من آخر فقد حصل بائع وشفيع وشفيع هو المشتري فهل يستحق الشفيع المشتري الشفعة قيما اشتراه؟ قال المزني: هما في المبيع شريكان ولكل واحد منهما نصف المبيع، واختلف أصحابنا فيه على وجهين قال أكثر أصحابنا كما قال المزني، وقال ابن سريج: للشريك الذي لم
الجزء: 7 - الصفحة: 65
يشتر أن يأخذ الثلث كله بالشفعة وليس للمشتري أخذ شيء منه لأنا لو قلنا: تثبت له الشفعة لكان يأخذ من ملك نفسه وذلك لا يجوز وبه قال الحسن البصري وعثمان البتي وهذا غلط لأن المشتري شريك كالآخر فليس لذلك أن ينفرد بجمع المشفوع.
واعلم أنا لا نقول: إنه أخذ الشفعة من نفسه ولكن نقول: لا يقدم الشريك الآخر عليه لأنه لا مزية له عليه فيجعل للشريك الآخر أخذ للنصف فحسب والنصف الآخر نقرّه في ملك المشتري لأنه شريك فإذا أقررناه حصل الملك بالابتياع لا بأخذه بالشفعة [104/ أ].وقال المزني في تعليل هذه المسألة لأنه مثله وليس له أن يلزم شفعته غيره فسمى ما تبقى في هذا المشترى شفعة له وهذه التسمية مجاز لا حقيقة لأن ما ملكه الإنسان بالشراء لا يسمى شفعة وإنما استجاز المزني إطلاق اسم الشفعة على الباقي من هذا الشقص لأنه بجملته لو حصل لأجنبي بالشراء لا لواحدٍ من الشركاء كان لهذا الشريك المشتري فيه هذه الحصة من الشفعة فسماه شفعة على هذا المعنى والله أعلم.
فإذا قلنا بقول ابن سريج قلنا للشريك الآخر: لا شفيع ها هنا غيرك فأنت بالخيار بين أخذ الكل أو الترك وليس لك التبعيض وإذا قلنا بقول عامة أصحابنا: فإن اختارا كان الثلث بينهما نصفين، وإذا عفا الشفيع بقي الثلث كله للمشتري وإن قال المشتري: رضيت أن يأخذ الشفيع الكل لم يلزم الشفيع أن يأخذ الكل بل له أن يأخذ النصف ويترك النصف على ما ذكرنا فيما تقدم، فإن قيل: قد بعضتم الصفقة على المشتري قلنا: لأن المشتري لما دخل فيه رضي بالتبعيض، فإن قيل: إذا كان المشتري أجنبيًا فجاء أحد الشفعاء لم يكن له تبعيض الصفقة على المشتري فما الفرق؟
قلنا: الفرق أن الشريك إذا اشترى كان بمنزلة أخذ الشقص بالشفعة وآكد منه كما إذا طلق الرجل امرأته طلقة واحدة ثم عقد النكاح عليها في حال العدة كان بمنزلة الرجعة عند بعض أصحابنا فإذا كان كذلك فإذا أخذ الشفيع بالشفعة لم يجز أن يلزم شريكه أخذ ما دخل في ملكه وليس كذلك الأجنبي إذا اشترى فإنه لم يملك شيئًا منه بما هو أكد من الآخذ بالشفعة مع كونه شريكًا فافترقا.
مسألة: قال: "ولو شجَّةُ موضحًة عمدًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا صالح من أرش الموضحة على شقصٍ فالكلام أولًا في الصلح ثم في الشفعة، وجملته أن الواجب في الموضحة خمس من الإبل أخماسًا إن كانت خطأ أو أثلاثًا إن كانت شبه عمد أو عمدًا، فإن كانت عمدًا فالوجوب على الجاني، [104/ ب] وإن كانت خطأ أو عمد خطٍأ فالوجوب على العاقلة فإذا صالح نظر، فإن كانت الإبل موجودة فإن لم يعرفا الأوصاف التي بقيت بها في الذمة وهي العدد والسّن
الجزء: 7 - الصفحة: 66
وأنها من نتاج قومه أو بلده فصالحه منها على شقٍص لم يصح الصلح، فإن عرفا الأوصاف الثلاثة فهل يصح الصلح؟ قولان: أحدهما: يصح لأنه لو أحضرها بهذه الأوصاف لزمه قبولها، والثاني: لا يصح لأن السّلم فيها بهذا القدر لا يصح حتى توصف الألوان ونحوها مما يختلف الثمن لأجله، فإذا قلنا: الصلح صحيح يأخذ الشفيع بقيمة خمٍس من الإبل أقلها قيمًة إذا كانت بالأوصاف التي ذكرناها، فإن لم تكن الإبل موجودة قال في القديم: تجب خمسون دينارًا أو ستمائة درهم، وقال في الجديد: تلزم قيمتها بالغة ما بلغت، فإن عرفا البدل المقدَّر ومقداره أو عرفا مقدار القيمة فصالحه منها صح الصلح ويأخذ الشفيع بمثل ذلك، وإن لم يعرفا أو عرف أحدهما: دون الآخر لم يصح الصلح ولا شفعة، وقال بعطر أصحابنا بخراسان: إذا كانت الجناية عمدًا وقلنا: الواجب هو القود فحسب هل يصح الصلح مع كون الدية مجهولة عند المتعاقدين؟ قولان بناًء على أن مطلق العفو هل يوجب المال أم لا؟ فإن قلنا: لا يوجب جاز وكأن المصالحة وقعت عن نفس القود وهو معلوم، وإن قلنا: يوجب المال لم يجز إلا أن يكون معلومًا على ما ذكرنا لأنه مصالحة عن المال.
مسألة: قال: " ولوْ اشترى ذمَّي منْ ذمي شِقصًا بخمٍر"
الفصل
وهذا كما قال: إذا اشترى مشرك من مشرك شقصًا فإن للشريك المشرك أن يطالب بالشفعة إن كان الثمن حالًا والعقد صحيحًا، وإن تبايعا بخمٍر أو خنزير فلا شفعة، فإن كانوا تعاقدوا وتقابضوا وسلَّم المشتري الشقص لم نتعرض لهم فيه ولو كان الشريك مسلمًا لا شفعة له وإن تقابضوا لأنه لا عوض هناك يمكن أخذها منه، وقال أبو حنيفة: له الشفعة بقيمة الخمر وللذمي الشفعة بمثل الخمر بناءً على أصله أن الخمر مال [105/ أ] لهم وهذا غلط لأنه وقع العقد بثمن حراٍم فلا شفعة كما لو وقع بميتة أو دم.
مسألة: قال: "والمسلمُ والذميُّ في الشفعة سواءٌ".
وهذا كما قال: إذا باع ذمي شقصًا من ذمي وكان شريكه فيه مسلمًا يستحق الأخذ بالشفعة، ولو باع من مسلم وشريكه ذمي فالذمي يستحق الشفعة على المسلم وبه قال كافة العلماء، وقال الشعبي والحسن وعثمان البتي والحارث العكر وأحمد والحسن بن صالح ابن حي: لا شفعة للذمي على المسلم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا شفعة لذمي على مسلّم"، وروي: "لا شفعة لنصراني" وهذا غلط للعمومات الواردة في الشفعة ولأنه خيار يثبت لدفع الضرر عن المال فاستوي فيه المسلم والذمي كالرد بالعيب، وأما للخبر لا أصل له.
الجزء: 7 - الصفحة: 67
فرع
تثبت الشفعة للبدوي على الحضري خلافًا للشعبي وتثبت الشفعة للغائب على الحاضر خلافًا للنخعي وتثبت الشفعة في دور مكة، وقال أبو حنيفة: لا تثبت بناءً على قوله: لا يجوز بيعها.
فرع آخر
لو كان أحد الشريكين غائبًا وله وكيل فقال الوكيل: قد اشتريت منه نصيبه فهل يكون للحاضر أخذه بالشفعة، قال ابن سريج: فيه وجهان أحدهما: ليس له لأن إقراره لا يقبل على موكله ويكتب الحاكم إلى حاكم البلد الذي فيه الغائب ليستدعيه ويسأله عنه، والثاني: يؤخذ عنه بالشفعة وبه قال أبو حنيفة ويذكر الحاكم في السجل صورة الحال وينظر في الغائب فإن صدَّقه صح أخذه السابق، وإن كذّبه ولا بينة هناك كان القول قوله مع يمينه، فإذا حلف استحق الشقص وأجرة المثل في مدة ما أمسكه الشريك وأرش النقص إن دخل فيه النقص وهل يرجع الشفيع على الوكيل لأنه غرَّه؟ وجهان وقد مضى نظير هذه المسألة.
فرع آخر
لو أحال المشتري البائع على الشفيع بثمن الشقص فوزنه له عن المشتري برئ المشتري من الثمن ومن الشفعة.
فرع آخر
لو [105/ ب] اشترى رجل من رجل شقصًا وله شفيعان فقال المشتري: اشتريت لأحدهما: فصدقه المشترى له وكذبه الآخر وقال: بل اشتريته لنفسك كان النقص بين الشفيعين نصفين لأن للمكذب أن يأخذ نصف الشقص سواء اشتراه لنفسه أو لشريكه وعلى ما قال ابن سريج: أنه لا يكون للمشتري الشريك شفعة تجب ها هنا أن لا يكون للمكذب شفعة لأن شراء الشريك بتصادقهما عليه ولم يوجد ذلك، ولو قال الأخ المكذب: حلّفوا أخي أن الشقص اشتري لي لم يحلّف لأنه لا فائدة في استحقاقه على ما بيناه من أن الحكم لا يختلف بين أن يكون اشتراه لنفسه أو للشريك.
فرع آخر
لو قال المشتري في هذه المسألة: اشتريت هذا الشقص من رجل لا يملكه فصدقه أحد الأخوين وكذبه الآخر لا شفعة للمصدق لأنه أقر أنه لا يملكه، ولو قال: ملكت هذا الشقص بهبٍة فصدقه أحدهما في ذلك وكذبه الأخر وقال: ملكته بالابتياع بطلت شفعة المصدق لأنه أقر أنه ملك بالهبة ولا شفعة في الهبة، وأما المكذب يدعى أنه ملك الشقص بابتياع وأنه يستحق عليه الشفعة فيه وهو ينكر فإن أقام للمدعي بينة بالبيع استحق وإلا فالقول قول المنكر مع يمينه ولا شفعة.
الجزء: 7 - الصفحة: 68
فرع آخر
لو اشترى شقصًا فيه شفعة فمات الشفيع وله وارثان فقال المشتري: إن الوارثين قد عفوا ولا بينة له بذلك فأنكر فحلف الواحد ونكل الآخر لم يكن للمشتري أن يحلف من أجل نكول الناكل، لأنه لو صح عفوه كان للذي لم يعف أن يطلب جميع الشقص بالشفعة فلا يفيده اليمين شيئًا فإذا ثبت هذا فإن الوارث الحالف لا يستحق الكل إلا بيمين منه لقد عنا صاحبه هذا الناكل عن اليمين، فإذا حلف أخذ الكل، وإن لم يحلف كان الناكل على شفعته وأخذا معًا ذكره ابن الحداد.
فرع آخر
لو اشترى [106/ أ] شقصًا فيه شفعة ثم ارتد فقتل أو مات قبل رجوعه إلى الإسلام كان للشفيع الأخذ بالشفعة لأنها وجبت له ويكون المطالب بذلك الإمام أو من ينوب عنه، وهكذا لو ارتد الشفيع وقتل بالردة أو مات كانت الشفعة للمسلمين والنظر في ذلك إلى الإمام.
فرع آخر
لو بيع شقصٌ وله شفيعان فعفا أحد الشفيعين والآخر غائب ثم مات الغائب والحاضر العافي وارثه كان له أن يأخذ بالشفعة، لأنه وإن عفا فإنما يأخذها من وجٍه غير الوجه الذي عفاها منه، وكذلك لو شهد شاهد بدين لأبيهما فقال أحدهما: لا أحلف مع الشاهد فمات أخوه وهو وارثه كان له أن يحلف ويأخذ ما يصيب الأخ من الدين لأن هذا لبس أتى اليمين عليه ذكره ابن الحداد، وعلى هذا لو ورث رجلان الشفعة عن أبيهما فعفا أحدهما: ثبت للآخر استيفاء الكل فإن مات والعافي وارثه ثبات له استيفاؤه بالنيابة عن موروثه.
فرع آخر
لو كانت الأرض بينهما نصفين فباع أحدهما قطعة بعينها بطل البيع في نصيب شريكه وهل يبطل قي نصيب نفسه؟ قولان فإذا قلنا: لا يبطل أخذه شريكه بالشفعة فيكون له نصف تلك القطعة المبيعة بالشفعة.
فرع آخر
لو كان في يد رجل نصف دار فادعى مدٍع عليه أنه يستحق سدسها فأنكر المدعى عليه وانصرف المدعي ثم قال له المدعى عليه: خذ مني السدس الذي ادعيته منها بسدس دارك فأجابه إلى هذا صح ولم يكن صلحًا على الإنكار ووجبت الشفعة للشفيع يأخذها من المدعي بقيمة سدس داره.
فرع أخر
لو كانت دار بين شريكين نصفين فوكل أحدهما شريكه في بقع نصف نصيبه وهو ربعها وقال: إن اخترت أن تبيع نصف نصيبك مع نصيبي صفقًة واحدًة فافعل فباع
الجزء: 7 - الصفحة: 69
الوكيل نصفها الربع بحق الوكالة والربع بحق الملك صح في الكل [106/ ب] والموكل شريك حين بيع نصيب الوكيل والوكيل شريك حين بيع نصيب الموكل فللموكل الشفعة فيما باعه الوكيل من نصيب ننه وهل للوكيل الشفعة فيما تولى بيعه من نصيب الموكل؟ قد ذكرنا وجهين.
فرع آخر
إذا اشترى بعيرًا وشقصًا بعبٍد وجاريٍة وقيمة البعير والشقص مائتان كل واحٍد منهما مائة وكذلك العبد والجارية قيمتهما مائتان كل واحٍد منهما مائة تليت الشفعة في الشقص بنصف قيمة العبد والجارية فإن تلف البعير قبل القبض بطل فيه العقد، وهل يبطل في الشقص على القولين في تفريق الصفقة؟ فإن قلنا: يبطل بطل في الكل وسقطت الشفعة وإن قلنا: يصح في الشقص صح فيه بنصف العبد والجارية وأخذه الشفيع بقيمة ذلك، وإن تلف العبد بطل العقد فيه وهل يبطل في الجارية؟ على طريقين فإذا قلنا: يصح في الجارية بطل العقد في نصف البعير ونصف الشقص وأخذ الشفيع نصف الشقص بنصف قيمة الجارية.
فرع آخر
قال ابن سريج: لو كانت دار بين اثنين فادعى أحد الشريكين على الآخر بأن النصف الذي في يده اشتراه من زيد وصدّقه زيد على ذلك، وقال الشريك: ما اشتريته وإنما ورثته مني أبي ولا شفعة لك فأقام الشفيع شاهدين شهدا بأن زيدًا ملك هذا الشقص ميراثًا عن أبيه ولم يشهدا بأكثر من ذلك، قال محمد بن الحسن: تثبت الشفعة للشفيع ويقال له: إما أن تدفع الشقص إليه وتأخذ الثمن أو ترده على البائع ليأخذه الشفيع من البائع ويأخذ الثمن فيدفعه إليك قال: وإنما كان كذلك لأن الشاهدين شهدا لزيد بالملك وعليه بالبيع، وقال ابن سريج: هذا غلط ولا شفعة لهذا المدعي بذلك لأن البينة لم تشهد بالبيع، أما إقراره فليس بينه وبين المشتري منازعة فثبت إقراره وإنما نقرّ [107/ أ] على المشتري بالشفعة وليست الشفعة من حقوق العقد على البائع فلا يقبل فيها قول البائع ولا شهادته مقبولة لأنه يشهد على فعل نفسه قال: وهذا بمنزلة أن يحلف رجل: إني ما اشتريت هذه الدار من زيد فيقول زيد: أنا بعتها منه وقد كانت ملكًا لزيد فإنه لا يقبل إقراره عليه في الحنث في يمينه كذلك ها هنا.
فرع آخر?
لو كانت الدار بين أربعة أرباعًا اشترى اثنان منهم من واحد نصيبه وهو الربع استحق الذي لم يشتر عليهما الشفعة واستحق كل واحٍد من المشتريين الشفعة على صاحبه.
وفرع أبو العباس هذا على ما قاله المزني من أن المشتري إذا كان شريكة لا يسقط حقه من الشفعة وجعل الدار ثمانية وأربعين سهمًا، فالربع اثنا عشر بينهما، وذكر فيها أربع مسائل إحداها أن يطالب كل واحد منهم بشفعته فيقتسمون السبع أثلاثًا فيحصل لكل
الجزء: 7 - الصفحة: 70
واحٍد منهم أربعة أسهم.
والثانية أن يعفو كل واحٍد من المشتريين عن صاحبه ويطالب الذي لم يشتر فإنه يأخذ من كل واحٍد منهما نصف ما في يده لأنه فيما اشتراه كل واحٍد شريكه في الشفعة إذ لا شفعة فيه إلا لهما فيحصل للذي لم يشتر نصف السهم ستة أسهم، ولكل واحٍد من المشترين ثلاثة أسهم.
والثالثة أن يعفو الذي لم يشتر خاصًة فكل واحٍد من المشتريين يأخذ نصف ما في يده فيكون ذلك بقدر ما اشتراه لكل واحٍد ستة أسهم.
والرابعة أن يعفو الذي لم يشتر عن أحدهما دون الأخر فإنه يأخذ ممن لم يعف عنه سهمين ويبقى معه أربعة يأخذ منهما المعفو عنه سهمين، ويأخذ الذي لم يعف عنه من المعفو عنه ثلاثة أسهم نصف ما في يده لأنه لا شفيع في هذا السهم سواهما فيحصل مع كل واحٍد [107/ ب] منهما على خمسة ومع العافي سهمان.
وفرع أبو العباس على ذلك إذا كان أحدهما حاضرًا والآخر غائبًا والحكم في ذلك على ما ذكرنا فلا فائدة في تكراره.
فرع آخر
قال ابن الحداد: ولو كانت دار بين ثلاثة نصفها لأحدهم والنصف الآخر بين الآخرين نصفين فاشترى صاحب النصف من أحد شريكيه ربعه، والثالث: غائب، ثم باع صاحب الثلاثة الأرباع، ربعًا منها لرجلٍ ثم قدم الشريك الغائب كان له أن يأخذ ما يحصه من البيع الأول بالشفعة، ويأخذ المبيع الثاني جميعه لأنه لا شفيع فيه سواه، فإن أراد أن يأخذ حقه من الأول وعنا عن الثاني قال ابن الحداد: أخذ من المشتري الثاني سهمًا من ستة، ومن الأول سهمين من ستة فرض الربع ستة أسهم والأصل أربعة وعشرون لأنه أقل عدد ينقسم منه وإنما كان كذلك لأن صاحب النصف لما اشترى الربع كان الربع المشترى بينه وبين الشريك الغائب نصفين وهذا على المذهب، والمشهور في أن المشتري يشارك الشفيع إذا كان شريكًا فيما اشتراه وعلى أحد القولين في أن الشفعة على عدد الرؤوس فإذا باع الربع مما في يده وفي يده ثلاثة أرباع فقد باع ثلث ما في يده وهو ستة أسهم وبقي في يده اثنا عشر سهمًا وللغائب بشفعته ثلاثة أسهم فإذا قدم أخذ من المشتري سهمًا ثلث ما استحقه لأنه حصل له ثلث ما كان في يد بائعه وأخذ من الأول سهمين.
فأما إذا قلنا: إن الشفعة على قدر الأنصباء فالذي يستحق الغائب سهمان من الستة لأن ملكه مثل نصف ملك المشتري حصل في المبيع من السهمين ثلثها فيأخذ من المشتري الأول سهما وثلثًا، ومن الثاني ثلثي سهم هذا إذا عنا عن الثاني، وإن عفا عن الأول فأخذ من البيع الثاني أخذ من المشتري ما اشتراه وهو [108/ أ] ستة أسهم لأن شريكه بائع فلا تثبت له الشفعة، وإن أراد أن يأخذ الشفعة بالعقدين أخذ جميع ما في يد الثاني وأخذ من الأول إن قلنا: إن الشفعة على عدد الرؤوس سهمين، وإذا قلنا: على قدر النصيب سهمًا وثلثًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 71
فرع آخر
قال ابن الحداد: إذا اشترى شقصًا فيه شفعة وأوصى به ومات ثم جاء الشفيع والموصى له يطالبان به كان للشفيع، ويدفع الثمن إلى الورثة دون الموصى له لأنه لم يوص له إلا بالشقص وقد سقط حقه.
فصل
في الحيل في إبطال الشفعة بالجوار مباحة قبل العقد وبعده لأنها حيلة في إبطال ما ليس بواجب، وأما الحيلة في إبطال الشفعة بالمشاركة نظر، فإن كان بعد وجوبها لا يحل ذلك لأنه حق وجب، وإن كان قبل وجوبها قال ابن سريج: يكره ذلك فإن فعل صح، وقال أبو بكر الصيرفي في كتاب" الحيل": هو مباح.
ومن جملة الحيل ما يُزهّد الشفيع في الآخذ لكثرة ثمنها مثل أن يكون ثمن الشقص مائة فيشتريه بألف ثم يدفع المشتري إلى البائع بالثمن ما قيمته مائة كالثوب ونحوه فيكون الثمن ألفًا والذي دفع مائة أو يبيع من الذي عزم على البيع جارية وهي تساوي مائة فإذا ثبت الألف على البائع أخذ منه شقصًا بالألف الذي هو ثمن الجارية فيملكها المشتري بألٍف وهى تساوي مائة فلا ينشط الشفيع لأخذه، إلا أن في المسألة الأولى الغرر يكون على المشتري للشقص لأنه يثبت عليه الألف وربما لا يرضى الثاني أن يأخذ منه ما يساوي مائة، وفى المسألة الثانية الغرر على بائع الشقص لأنه ربما لا يختار صاحب الجارية أن يأخذ منه النقص بألٍف فتبقى الجارية التي تسوى مائة بألٍف في يده وهذا اتفاًق، ومن ذلك أن يشتري بألٍف وقيمتها مائة ثم يبريه عن تسعمائة وفيه [108/ ب] غرر على المشتري أيضًا وهذا عند الشافعي ومن ذلك أن يهب البائع الشقص من المشتري ويهب للمشتري الثمن من البائع.
ومنها أن يكون الثمن جزافًا فيزن مائة في التقدير ويطرح فيها شيئًا من الفضة جزافًا فلا يعلم مبلغ الثمن، فإذا جهل مبلغه سقطت الشفعة.
ومنها أن يشتري نصيب الباني من بناء الدار سوى العِرصة فلا شفعة ثم يهب نصيبه من العرصة فلا شفعة أيضًا.
ومنها أن يكون الشقص يساوي ألفًا فيبيع نصفه منه ويهب منه النصف ويكتب الوثيقة أنه باع نصفه منه بألٍف ووهب النصف فلا يستحق الشفيع الموهوب ويأخذ المبيع بالألف ولا يرضى بذلك فيترك الشفعة وهذا أسلم.
وأما الحيل على قول أبي حنيفة أن الشفعة تثبت للجار هو أن يهب له بعض الدار ثم يشتري ما بقي أو يشتري منه كل الدار إلا العرصة التي عليها سور الدار، فإذا لم يدخل ذلك في البيع لم تجب الشفعة للجار ثم يقر له بالعرصة، أو يشتري كل البناء دون العرصة ثم يهب له العرصة فالشفعة في كل هذا لا تجب.
فإن كان قراحًا اشتراه إلا قدر شبرًا أو ذراع من جانب الشفيع فيزول الملاصقة وتسقط الشفعة إذا لم يكن شريكًا في الطريق ومن هذا الجنس كثير وفيما ذكرناه كفاية وبالله للتوفيق.
الجزء: 7 - الصفحة: 72