بحر المذهب للرويانيكتاب السرقة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما يجب فيه القطع

مسألة: قال: القطع في ربع دينارٍ فصاعدًا.
الأصل في وجوب القطع على السارق الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] وقرأ ابن مسعود: والسارقون والسارقات فاقطعوا أيديهم على سبيل التفسير.
وأما السنة فما روي أبو داود بإسناده عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم "قطع في مجنٍ ثمنه ثلاثة دراهم" وروي في مجنٍ أو جحفة.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: "القطع في ربع دينارٍ فصاعدًا" وروي "تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا" وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم "قطع يد رجل سرق تُرسًا من صفة النساء ثمنه ثلاثة دراهم".
وروت عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أهمهم أمر المخزومية التي سرقت فقالوا: [45/أ] من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال واحدٌ: لا يجترئ على هذا إلا أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتشفع في حد من حدود الله؟ " ثم قام فاختطب فقال: "إنما هلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" وروى ثعلبة الأنصاري أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يا رسول الله إني سرقت جملًا لبني فلانٍ فأرسل إليهم فقالوا: إنا افتقدنا جملًا لنا فأمر بقطع يده فقطعت" قال ثعلبة: أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول: الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه.
اعلم أن الله تعالى جعل حد السرقة

الجزء: 13 - الصفحة: 51

قطع اليد لتناول المال بها ولم يقطع الذكر في آلته لأن للسارق مثل يده إذا قطعت بخلاف الذكر فإنه واحد.
وأيضًا فاليد تُرى بخلاف الذكر فلا يحصل به الزجر للغير وبقطع اليد يحصل الزجر للغير، وأيضًا في قطع الذكر إبطال النسل بخلاف قطع اليد، واعلم أنه قطعت يد السارق في الجاهلية وأول من حكم به الوليد بن المغيرة [45/ب] فأمر الله تعالى به في الإسلام، وأول سارقٍ في الإسلام من الرجال الحياد بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرت بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم.
واختلف أصحابنا في آية السرقة هل هي عموم خص أو مجمل؟ فسر على وجهين، وقال عبد الله ابن عمرو: سرقت امرأة حليًا فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع يدها اليمنى فقالت: يا رسول الله هل لي من توبة؟ فقال: "أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك" فأنزل الله تعالى ﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ [المائدة:39] وفي قوله: ﴿وَأَصْلَحَ﴾ وجهان: أحدهما: معناه أصلح سريرته بترك العزم.
والثاني: معناه أصلح بترك المعاودة.
فإن قيل: فما معنى قوله صلى الله عليه وسلم "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن"؟ قلنا: تأويله لا يستحلها وهو مؤمن، وقيل: معناه لا يفعل فعل المؤمن لأن المؤمن يمتنع منها، وقيل: معناه أنه لا خلاف أنه يحد إذا زنا ويقطع إن سرق، ولو تحقق أنه يقام عليه لامتنع، وقيل: إنه قالها مبالغةً في الزجر عنها كما قال صلى الله عليه وسلم: "من قتل عبده قتلناه".
ثم اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي تقطع فيه اليد فقال داود وأهل الظاهر والخوارج: تقطع اليد [46/أ] في الكثير والقليل.
وحكي هذا عن الحسن البصري واختاره الشافعي واحتجوا بعموم الآية وبأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله السارق يسرق الحبل فتقطع يده ويسرق البيضة فتقطع يده" رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وقال الحسن في الرواية المشهورة وابن الزبير: تقطع في نصف دينار، وقال سليمان بن يسار: لا تقطع الخمس إلا في خمس يريد خمسة دنانير وبه قال ابن أبي ليلى وابن شبرمة.
وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه في روايةٍ، وقال أبو حنيفة: تقطع في

الجزء: 13 - الصفحة: 52

عشرة دراهم مضروبة يقوم غيرها بها ولا تقطع في أقل منها.
وبه قال الثوري.
وروي ذلك عن ابن مسعود واحتجوا روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قطع إلا في عشرة دراهم"، وقال ابن عباس: قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يد رجل في مجنٍ قيمته دينار أو عشرة دراهم، وقال النخعي: لا تقطع اليد إلا في أربعين درهمًا، وقال مالك والليث وأبو إسحاق وأبو ثور: تقطع في ثلاثة دراهم أو ربع دينار وهما أصلان وقوم غيرهما بالدراهم، وحكي عن مالك أنه قال: الأصل ثلاثة دراهم والذهب وغير ذلك يقوم بها.
وحكي عن أحمد أنه قال: إذا سرق متاعًا قيمته ربع دينار [46/ب] أو ثلاثة دراهم قطع قولًا بالخبرين على ما ذكرناه، وقال الشافعي: الأصل فيه ربع دينار والدراهم وغيرها مقومة به، وبه قال عمر وعثمان وعلي وعائشة وابن عمر وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي، وقال أبو هريرة وأبو سعيد الخدري: تقطع في أربعة دراهم فصاعدًا ودليلنا ما ذكرنا من الخبر، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا قطع إلا في ربع دينار"، وروي عن يحيي بن يحيي الغساني قال: قدمت المدينة فلقيت أبا بكر محمد بن عمرو بن حزم وهو عامل على المدينة فقال: أتيت بسارقٍ من أهل بلادكم حوراني قد سرق سرقة يسيرة قال: فأرسلت إلي خالتي عمرة بنت عبد الرحمن أن لا تعجل في أمر هذا الرجل حتى آتيك فأخبرك ما سمعت عن عائشة في أمر السارق قال: فأتتني فأخبرتني أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك" وكان ربع دينار يومئذ ثلاثة دراهم والدينار باثني عشر درهمًا قال: وكانت سرقته دون ربع دينار فلم أقطعه، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما طال علي وما نسيت القطع في ربع دينار فصاعدًا، وروي أن قتادة سأل أنس بن مالك رضي الله عنه فقال: يا أبا حمزة: أيقطع السارق [47/أ] في أقل من دينار؟ قال: قطع أبو بكر في شيء لا يسرني أنه لي بثلاثة دراهم، وروى أنس أن أبا بكر رضي الله عنه قطع في

الجزء: 13 - الصفحة: 53

خمسة دراهم وروت عمرة بنت عبد الرحمن أن سارقًا سرق أترجةً في عهد عثمان فأمر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من صرف اثني عشر درهمًا بدينارٍ فقطع يده قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها الناس، وروي أن عليًا رضي الله عنه قطع يد السارق في بيضةٍ من حديد ثمنها ربع دينار، وأما خبر البيض كانوا يرونه أنه بيض الحديد والحبل الذي منها ما يساوي دراهم ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: لم تكن يد السارق تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أدنى من ثمن مجنٍ جحفةٍ أو ترسٍ، وأما الخبر الذي ذكره أبو حنيفة قلنا: رواه الحجاج بن أرطأة وهو مطعون فيه فخبرنا أولى، وأما الخبر الثاني حكم وليس فيه تحديد ونحن نقول: نقطع في ربع دينار والزيادة أولى بالقطع فيه.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه: والدينار الذي تقطع اليد في ربعه هو المثقال فإن كان في بلدٍ يكون أنقص منه لم يقطع.
ولو سرق ذهبًا خالصًا غير مضروب وزنه ربع مثقال قال ابن أبي هريرة: لا يقطع حتى تكون قيمته ربع دينار بأن يقوم بالفضة ثم نقوم الفضة بالدينار فيعلم أنه يساوي ربع دينار لأن القطع ورد [47/ب] باسم الدينار ولأن غير المضروب بمنزلة السلعة، ألا ترى أن التقويم لا يقطع به بحالٍ فيعتبر المضروب وهو اختيار الإصطخري وصاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري، وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: لا فرق بين الخالص والمضروب لأنه ربع مثقال من الذهب ويقال: دينار قراضة ودينار خلاص، وإن لم يكن منقوشًا قال أبو حامد: وهذا أصح وبه قال عامة أصحابنا.
فرع آخر لو كان للبلد ديناران أعلى وأدنى وكلاهما خالص غالب ففيما تقوم به السرقة؟ وجهان أحدهما: يقوم بالأدنى اعتبارًا بعموم الظاهر.
والثاني: بالأعلى لدرء القطع بالشبهة.
فرع آخر لو سرق كسورًا تنقص عن قيمة الصحاح؟ فيه وجهان: أحدهما: قال الإصطخري وهو ظاهر قول ابن أبي هريرة: لا يقطع اعتبارًا بما يراعي في الأثمان والقيم وظاهر المذهب أنه يقطع اعتبارًا بجنسه ووزنه.
فرع آخر لو سرق ربع دينار تبرًا فلا قطع فيه لأن فيه غير الذهب.
مسألة: قال: بعد أن ذكر حديث عثمان رضي الله عنه: وفي ذلك دلالةٌ على قطع من سرق الرطب من طعامٍ أو غيره.

الجزء: 13 - الصفحة: 54

استدل الشافعي رضي الله عنه بقطع عثمان رضي الله عنه يد السارق بالأترجة أنه تقطع اليد في الطعام الرطب كالعنب والتفاح والرطب والخضراوات [48/أ] من القثاء والبطيخ والبقول والشواء والهريسة والفالوذج وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا قطع في شيء منها ولا فيما يتسارع إليه الفساد واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "لا قطع في الطعام" ولأنه غير محرزٍ بنفسه لأنه معرض للهلاك فأشبه إذا كان محرز بغيره.
ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن التمر المعلق فقال: "من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذٍ خبتة فلا شيء عليه، ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثله والعقوبة ومن سرق شيئًا بعد أن يأويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع" رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه والخبتة: ما يحمله الرجل في ثوبه والجرين: البيدر وهو حرز الثمار كالمراح حرز النعم، وقد أباح لذي الحاجة فيحتمل أن يكون الاضطرار وماله فيه من حق العشر ومضاعفة الغرامة نوع من الردع والتنكيل وقد ذهب إليه جماعة من الفقهاء وعندنا أنه نسخ ذلك.
وروي أن رجلًا من مزينة قال: يا رسول الله كيف ترى في حريسة الجبل؟ قال: "لا قطع في شيء من الماشية إلا ما أواه المراح ولا شيء في شيء من التمر المعلق إلا ما أواه الجرين وفيما أخذ من الجرين فبلغ ثمن المجن ففيه القطع".
[48/ب] وروي عن ابن عمر رضي الله عنهم أنه سئل عن سارق الثمار فقال: القطع في الثمار فيما أحرز الجرين، والقطع في الماشية فيما آوى المراح، فإن قيل: روى أبو داود بإسناده عن محمد بن يحيي أن عبدًا سرق وديًا من حائط رجل فغرسه في حائط سيده فاستعدى صاحب الودي على العبد مروان بن الحكم فسجن مروان العبد وأراد قطع يده فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج فسأله عن ذلك فأخبره أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا قطع في ثمرٍ ولا كثر" فمشى إلى مروان فحدثه بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر مروان بالعبد فأُرسل والودي: صغار النخل واحدها ودية، والمكثر جمار النخل.
قلنا: معنى الثمر هنا ما كان معلقًا في النخل قبل أن يحذ ويحرز بدليل خبرنا ولأن حوائط المدينة ليست بحرز وممكن الدخول من جوانبها ومن سرق من غير حرز لا يقطع عندنا، وأما ما ذكره فلا يصح لأن الطعام محرز في الحال حرزًا تامًا والاعتبار بهذا كما لو سرق الديباج من وسط الماء يلزمه القطع، وإن كان يتسارع إليه الفساد.
وأما

الجزء: 13 - الصفحة: 55

الخبر الذي ذكره قيل: لا أصل له ولئن صح فيحمل على ما لو كان في الحرز وعند الضرورة.
فرع يلزم القطع في كل مملوكٍ سرقة وكان قيمته ربع دينار، وإن كان أصله [49/أ] على الإباحة من الصيود والخشب والزجاج ونحو ذلك وبه قال مالك وجماعة الفقهاء، وقال أبو حنيفة: لا قطع فيما أصله على الإباحة إلا في الساج والأبنوس والصندل والعود والخشب المعمول، وقال: لا قطع في اللؤلؤ والياقوت وناقض في القدور المتخذة من الأحجار وحجر الرحى والزجاج المعمول فقال: لا قطع في شيء منها، وقال في الحصير: إن كان ثمينًا كالسامان والعبداني يلزم فيه القطع، وإن كان من الحشيش والأسل لا قطع فيه، ودليلنا أنه قال: يقيس بملك بيعًا وشراء ويجب القطع في معموله فأشبه الذهب والفضة وأصلها على الإباحة أيضًا في المعدن.
فرع آخر هل يلزم القطع بسرقة الماء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا قطع فيه لأنه لا يتمول في العادة والثاني: فيه القطع وهو الأصح لأنه ملك بيعًا وشراء.
فرع آخر إذا سرق من قرون الحيوان ما قيمته ربع دينار يلزمه القطع وقال أبو حنيفة: لا قطع فيها سواء كانت معمولة أو غير معمولة لأن لصنعة لا تكون فيها وقال أبو يوسف: إن كانت معمولة لا قطع فيها كما في الخشب.
ثم قال: والمثقال الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وجملته أن الدينار هو وزن مثقال الذي كان سبعة منه عشرة دراهم والمثقال لم يتغير [49/ب] عما كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقبله وإنما اختلفت الدراهم على ما ذكرنا في كتاب الزكاة، فإذا بلغ ربع دينار بوزن مكة وجب القطع.
مسألة: قال: ولا يُقطع إلا من بلغ الاحتلام من الرجال.
الفصل اعلم أنه لا قطع في السرقة على رجل ولا على امرأة حتى يكونا بالغين يوم السرقة لأن الصغير غير مكلف ولا معاقب وقد ذكرنا حد البلوغ، وقال عطية القرظي: كنت في سبي قريظة فكانوا ينظرون من أنبت الشعر قتل، ومن لم ينبت لم يقتل فكنت فيمن لم ينبت، وقال أحمد وإسحاق: الإنبات بلوغ يقام به الحد على من أنبت وبه قال مالك لظاهر هذا الخبر، وقال سفيان الثوري: سمعنا أن الحلم أدناه أربع عشرة وأقصاه ثماني عشرة فإذا جاءت الحدود أخذنا أقصاها، وروي عن علي رضي الله عنه أنه شق

الجزء: 13 - الصفحة: 56

بطن أصابع صبي سرق، وقال أصحابنا: إن صح هذا يحتمل أنه ضرب على كفه تأديبًا فانشقت بطون أصابعه لرقتها، بدليل أنه روي عنه أنه أتى بصبي سرق فقال: أشبروه فكان دون خمسة أشبارٍ فلم يقطعه.
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بجارية قد سرقت فوجدها لم تحض فلم يقطعها، وعلى ما ذكرنا لا قطع على المجنون أيضًا لأنه غير مكلف كالصبي.
[50/أ] وقد روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: أُتي عمر رضي الله عنه بمجنونةٍ قد زنت فاستشار فيها ناسًا فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها على علي رضي الله عنه فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني فلانٍ زنت فأمر بها أن ترجم فقال: ارجعوا بها فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم رفع عن ثلاثةٍ عن المجنون حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يعقل؟ قال: بلى قال: فما بال هذه؟ قال: لا شيء فأرسلها قال: فأرسلها قال: فجعل يكبر قال أصحابنا: يحتمل أنها كانت تجن مرة وتفيق أخرى فرأى عمر أنه لا يسقط الحد عنها بالجنون الطارئ ورأى علي أنها أصابت في بقية جنونها ثم وافق اجتهاد عمر اجتهاده في ذلك فدرأ عنها الحد.
مسألة: قال: وجملة الحرز أن يُنظر [إلى] المسروق فإن كان الموضع الذي سرق منه ينسبه العامة إلا أنه حرزٌ قطع.
الفصل اعلم أن القطع لا يجب إلا بشرطين أحدهما: النصاب على ما ذكرنا.
والثاني: أن تكون السرقة من حرزٍ فإن سرق من غير حرزٍ لا يلزم القطع، وقال داود: لا يعتبر الحرز لظاهر الآية ودليلنا ما ذكرنا من الخبر، وروى جابر رضي الله عنه قال: أضاف رجلٌ رجلًا في مشربة له فوجد متاعًا له قد اختانه فأتى به أبو بكر رضي الله عنه فقال: خل عنه فليس بسارقٍ وإنما هي أمانة اختانها.
[50/ب] وإن كان جائزًا مهملًا لأهل الفساد غلطت إحرازه ويختلف باختلاف الليل والنهار فيكون في الليل أغلظ لاختصاصه بأهل العبث والفساد فلا يقتنع بإغلاق الأبواب وكثرة الإغلاق حتى يكون لها حارس يحرسها وهي بالنهار أخف لانتشار أهل الخير فيه ومراعاة بعضهم لبعض فلا يفتقر إلى حارس.
ويتغير الحرز بتغير الأحوال لأن الزمان يتغير من صلاح إلى فساد، ومن فساد إلى صلاح، وقال أبو حنيفة: الحرز لا يختلف فما كان حرزًا للشيء كان حرزًا لجميع الأشياء حتى ما كان حرزًا للتبن كان حرزًا للجواهر وهذا غلط لما ذكرنا.

الجزء: 13 - الصفحة: 57

فرع آخر الأمتعة الجافية التي لا تنقل باليد كالحطب والقصب والجذوع تصير حرزًا بضم بعضها إلى بعض في وسط السوق، ويدار عليها ما يشد به وأن يكون في وسط سوقٍ يعلق دونها درب أو في قرية يقل أهلها وأن يكون الموضع أنيسًا إما بمساكن فيها أهلها، أو بحارسٍ يكون راعيًا لها وأن يكون الوقت ساكنًا وأهل الفساد قليلًا ومن الأمتعة ما يحرز بأن يمد عليه السريجة فإذا فتحت السريجة وأخذ ما وراءها يقطع وذلك مثل الأواني المتخذة من الخزف والزجاج ونحو ذلك.
ومنها ما يجعل في غرائر وخيش ويخيط عليه مثل الطعام في كثير من البلدان، ورأيت في بلدنا صبر الأرز في السوق الذي يباع فيه مغطاة بالأكسية والمسوح ولا يزيدون في حفظها على ذلك.
[51/أ] وقال الشافعي: حرز الحنطة أن تجعل في غرائر في موضع البيع ويشد بعضها إلى بعضٍ وإن لم يغلق دونها باب، وقال بعض أصحابنا: إنما قاله الشافعي على عادة أهل مصر فإنهم يحرزون هكذا فأما في العراق فحرزه أن يجعل بعضه على بعضٍ ويربط أعلاه بحبلٍ بحيث لا يمكن أن يسل منه وفي بعض البلاد يحرزون وراء الباب والغلق فيعتبر ذلك وهذا صحيح ومن الأصحاب من قال: هذا حرزه نهارًا، فأما حرزه ليلًا فلابد من بابٍ يغلق عليه.
قال أبو حامد: وهذا ليس بشيء وحقيقة الكلام يرجع إلى ما قلنا: إنه يختلف باختلاف البلدان والزمان وأحوال السلطان والاعتماد على ذلك والمتاع الخفيف كمتاع الصيادلة والعطارين والبقالين فإن العادة فيه إدخاله الدكان وإغلاق الباب عليه، فإن لم يفعل ذلك لا يكون محرزًا.
والذهب والفضة والجواهر تحرز بالأقفال والأغلاق.
والبقول والفجل إذا ضم بعضها إلى بعضٍ وترك عليها حصيرًا وتركها على الطريق في السوق وهناك حارسٌ يدور ساعةً وينام ساعةً فتصير محرزةً.
وقد يزين العامي أيام العيد حانوته بالأمتعة ويشق عليه رفعها بالليل فيدعها ويلقي عليها قطعًا وينصب هناك حارسًا فذلك حرزه، وفي غير هذه الأيام لا يكون حرزًا لأن جيرانه يفعلون ذلك في أيام العيد فيقوي بعضهم بعضًا.
والزروع محرزة في المزارع، وإن لم يكن هناك حارسٌ.
والحبوب المبقاة في الكدس [51/ب] لا تكون محرزة إلا بحارسٍ.
مسألة: قال: وإن كان يقود قطار إبلٍ.
الفصل لا يخلو حال الإبل من ثلاثة أحوالٍ: إما أن تكون راعيةً، أو باركةً، أو مقطرةً فإن كانت راعية وراعيها معها فإن كانت بحيث ينظر إليها كلها فهي في حرزٍ فإن أغفله رجلٌ فسرق منها يقطع، وإن كانت بحيث لا ينظر إليها فإن نام وحصلت في وهدةٍ أو خلف

الجزء: 13 - الصفحة: 58

جبلٍ، أو كان بينه وبين حائلٌ فليست في حرزٍ.
وإن كانت باركةً فإن كان ينظر إليها فهي في حرزٍ، وإن كان لا ينظر إليها فإنها في حرز بشرطين: أحدهما: أن يعقلها ويشد ركبها.
والثاني: أن ينام عندها.
فإن اختل واحدٌ من هذين الشرطين فليست بمحرزةٍ وهذا لأن عادة الرعاة أنهم إذا أرادوا النوم عقلوا إبلهم وحل المعقولة يوقظ النائم وينبه المشغول بخلاف الراعية.
وإن كانت مقطورة نُظر فإن كان يسوقها وينظر إلى جميعها فالكل في حرزٍ لأنها في حرز مثلها، وإن كان يقودها فالحرز بشرطين: أحدهما: مراعاتها والالتفات إليها.
والثاني: يكون بحيث يشاهد جميعها فإن خرجت عن ضبطه وحفظه فليست بمحرزة ولذلك إن كان يسيرًا بحيث يحيط نظره به ولكنه لا يلتفت وإنما يمشي على وجهه من غير تفكر به فلا تكون محرزة وهذا لأنه إذا أكثر التفاته لا يقدم السارق على أخذ شيءٍ منها مخافة أن تخرج منه التفاتة فيراه بخلاف ما إذا قل التفاته إليها، وقال أبو حنيفة: [52/أ] الذي يباشر قيادته محرز وما سواه غير محرز حتى قال: لو ركب بعيرًا فسرق من ذلك البعير بعض العلائق نُظر فإن كان المسروق معلقًا أمامه قطع، وإن كان معلقًا وراءه لم يقطع وهذا لا يصح لأن الناس يعدون القطار المعتاد في عدده محرزًا ولا يعدون ما عليها من المال ضائعًا.
فإن قال قائل: اشترط الشافعي في سوق الإبل أن تكون مقطرةً حتى تكون محرزةً فقال: وإذا كان يقود قطار إبلٍ أو يسوقها وقطر بعضها إلى بعضٍ وعند السوق ينظر إليها فكيف اشترط التقطير؟ قلنا: إنها إذا سيقت فربما يسبق بعضها بعضًا سبقًا شديدًا بحيث يتباعد أوائلها عن بصر سائقها فتخرج عن حد الحرز فلعله اشترط التقطير لكيلا يدخل في حد التباعد، وعادة العرب في السوق أن تجعلها بعيرين بعيرين في قرنٍ إن لم تكن مقطورة والمقصود في الجملة القرب من السابق كالقرب من القائد وليس المقصود صورة التقطير وقد قال في "الإفصاح" إن كان يحيط نظره بجميعها فهي محرزة مقطورة كانت أو غير مقطورة.
فرع قطار الإبل التي تكون محرزة أن تكون ثلاثةً أو أربعةً وغايته خمسة إن كانت في الجمل فضل جلدٍ وشهامةٍ.
هكذا ذكره في "الحاوي"، وقال بعض أصحابنا بخراسان: العادة في القطار سبع، وقيل: دون العشر إن كان في البلد، وإن كان في الصحراء ربما يقوم بخمسين منها والأول أولى [52/ب].
فرع آخر قال في "الحاوي": لو طال القطار وكثر عدده عن مراعاة الواحد كان حرزاً لما أمكن أن يراعيه، فلو كان متوسطًا كان حرزًا لواحد مما قاد ولبقية العدد مما ساق لأنه

الجزء: 13 - الصفحة: 59

إذا توزعت مراعاته من أمامه وورائه كان بأمامه أبصر وما تجاوز غير محرزٍ.
فرع آخر لو كانت مقطورةً في سيرها كان الرجل الواحد حرزًا لما يناله سوطه منها لأنه بالسوط يسوقها ولا يكون حرزًا لما لا يناله سوطه وإن كان يراه.
فرع آخر قال: لو سرق وعاءه يقطع ولو بعد عن بصر الجمال بخلاف البعير لأن حرز البعير برؤية الجمال.
فرع آخر لو سرق سارقٌ وعاءً من ظهر الإبل المحرزة قطع، وقال أبو حنيفة: إنما يقطع إذا سرق شيئًا من الوعاء، أما الوعاء فهو الحرز فلا يقطع به ووافقنا في الوعاء الفارغ أنه يقطع بسرقته ودليلنا أنه محرز بصاحبه وقد سرق فيقطع.
فرع آخر لو نام على جملٍ له فجاء سارقٌ فسرق الجمل وهو عليه قال أصحابنا: لم تقطع يده لأنه في يد صاحبه ولم تزل يده عنه.
فرع آخر لو سرق الجمل والمتاع ولم يكن صاحبه عليه يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع إلا أن يفتق الحمل ويسرق منه لأنه لم يسرق من الحرز ولم يهتكه.
فرع آخر الخيل والبغال والحمير إن كانت راعيةً أو سائمةً فالحكم على ما ذكرنا في الإبل، وإن كانت في المأوى فإن كانت بيوتها في الصحراء، [53/أ] فإن لم يكن معها من يحفظها لم تكن محرزة سواء كان البيت الذي هي فيه مغلقًا أو مفتوحًا لأنه لا يعد حرزًا، وإن كان معها حافظٌ فإن كان مستيقظًا كان حرزًا سواء كان الباب مفتوحًا أو مغلقًا، وإن كان نائمًا إما فيه أو على بابه فإن كان الباب مفتوحًا فليس بحرز، وإن كان مغلقًا فهو حرز، وإن كانت بيوتها في البنيان فإن كان معها حافظٌ فهي محرزة مفتوحة كانت أو مغلقة إذا كان مستيقظًا، وإن كان نائمًا وهي مغلقة كانت محرزة، وإن كانت مفتوحة لم تكن محرزة، وقال في "الحاوي": حرزها في مبارك الاستراحة أن يضم البهائم بعضها إلى بعضٍ ويربطها إلى حبلٍ قد مده لجميعها ولا يحتاج إلى إناختها لأنها تنام قيامًا بخلاف الإبل ويشكلها ويكون معها من يحفظ مثل عددها إما مستيقظة، وإما نائمة لأنه وإن كان نائمًا مستيقظ بحركتها إن سرقت ولابد من النوم وهذا أصح عندي.

الجزء: 13 - الصفحة: 60

فرع آخر الأغنام في المرعى يعتبر أن يرى الراعي جميعها وأن لا تخرج عن مدى صوته لأنها تجتمع وتفترق في المرعى بصوته وأن يكون مستيقظًا لأنها ترعى نهارًا فإن نام لا تكون محرزة، وإن كانت في مراحها فالحكم على ما ذكرنا في البغال، وإن كانت الأغنام في البلد فقدر ما جرت العادة بحفظها في البلد والصحراء تختلف والحكم يختلف على حسب العادة.
فرع آخر لو كان يقود قطارًا من الإبل [53/ب] في بلدٍ فانعطف في معطفٍ أو في سكةٍ أو طريقٍ فالذي انعطف غير محرز في تلك الحالة.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: والحوائط ليست بحرزٍ للنخل ولا للتمر أكثرها مباح من مواليه فمن سرق من حائطٍ شيئًا من ثمر معلق لم يقطع.
وجملته أن الحائط إذا كان فيه حافظ كان ما فيه محرزًا، قال القاضي أبو حامد: قد قيل: إن كان في وسط العمارة كان محرزًا لما فيه كالدور وغيرها، وإن كان في الصحراء لا يكون حرزًا، ومن أصحابنا من قال: إن كانت الأشجار مما يقطع سارق ثمارها يقطع فيها أيضًا ذكره في "الحاوي" والأول أصح عندي لأن حرز الشجرة غير حرز الثمرة في العادة.
فرع آخر لو صرمت الثمار ووضعت في جريبها في الضياع فإن كان الموضع أنيسًا لاتصالات البساتين وانتشار أهلها لم يحتج إلى حافظٍ بالنهار، ويحتاج إلى حافظٍ بالليل.
فإن سرقت نهارًا يقطع، وإن سرقت ليلًا لا يقطع إلا أن يكون لها حافظًا.
فرع آخر متى كانت الشياه في حرز فضروع المواشي حرز ألبانها فإن بلغ لبن البهيمة الواحدة نصابًا قطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن لم يبلغ النصاب إلا باختلاف جماعة منها فيه وجهان أحدهما: لا يقطع لأنها سرقات من أحراز.
والثاني: يقطع لأن المراح حرز واحد لجميعها وهو اختيار جماعةٍ من أصحابنا.
مسألة: قال الشافعي: لو اضطجع في صحراءٍ وترك ثوبه [54/أ] بين يديه فسرق لم يقطع، قال أصحابنا: معناه إذا نام.
فأما إذا كان مُنتبهًا ينظر إليه قطع به.
فرع آخر قال: ولو توسد به ونام فجره سارق من تحت رأسه قُطع، وكذلك لو فرشه ونام عليه

الجزء: 13 - الصفحة: 61

فجره سارقٌ من تحته قطع بدليل ما روي عن صفوان بن أمية رضي الله عنه قال: كنت نائمًا على خميصة لي في المسجد ثمن ثلاثين درهمًا فجاء رجلٌ فاختلسها مني فأخذ الرجل فأتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به ليقطع فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ثلاثين درهمًا أنا أبيعة وأنسئه ثمنها قال: "فهلا قبل أن تأتيني به"، وروي أنه قال: يا رسول الله لم يبلغ من ردائي ما يقطع فيه يد رجل قد جعلتها عليه صدقة فقال ما قال، وروي أنه قال: يا رسول الله قد أحللته فقال: "هلا قبل أن تأتيني به إن الإمام إذا انتهى إليه حد من الحدود أقامه".
فإن قد خرج عنه في نومه ثم أخذ لم يقطع لأن بزواله عنه زال حرزه.
فرع آخر لو كان معه هميان فيه دراهم أو دنانير فوضعه تحت رأسه ونام لا يكون محرزًا حتى يشده في وسطه بخلاف ثوبه.
فرع آخر قال: ولو ترك أهل السوق متاعهم في مقاعد ليس عليها حرز لم يضمن ولم يربط.
أرسل رجل إبله ترعى أو تمضي على الطريق غير مقطورة بغير ما ذكرنا من تباعد بعضها عن بعضٍ فلا قطع فيه [54/ب] لأنها أموال ضائعة في العرف والعادة والعامة لا تراها محرزة، ولو كان بين يديها بالقرب منه ميزان الخباز فإن كان نائمًا فليس بحرز، ومن أصحابنا من قال: ليس في حرزٍ وليس بشيءٍ.
فرع آخر صحون المساكن حرز للبسط والأواني دون الحلي والثياب، وإن كان في جدار الدار فتحه للضوء، فإن كانت عالية لا تنال فالحرز بحاله، وإن كانت قصيرة، فإن كانت ضيقة لا يمكن ولوجها إلا بهدم بناء كان حرزًا، وإن كانت واسعة يمكن ولوجها صارت كالباب المفتوح، فإن كان عليها باب وثيق كباب الدار جرى مجراه وجاز فتحه نهارًا دون الليل، وإن كان عليها شباك فإن كان ضعيفًا لا يرد لا يكون حرزًا، وإن كان قويًا كان حرزًا.
فرع آخر إن سرق صندوق الصيرفي فإن كان مغروزًا يقطع، وإن لم يكن مغروزًا لم يقطع.
مسألة: قال: ولو ضرب فسطاطًا وآوى فيه متاعًا واضطجع فيه فسرق الفسطاط

الجزء: 13 - الصفحة: 62

والمتاع من جوف الخيمة قطع لأن اضطجاعه حرزٌ له ولما فيه نائمًا كان أو منتبهًا فإن لم يضطجع فيها ولا على بابها لا يقطع وهذا القطع إذا أرسل بابها وشد أذيالها وأطنابها فإن أمكن الدخول إليها من أذيالها يُقطع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إنما يقطع أيضًا: إذا كان مثل هذه الخيمة في البلد لا تكون مُحرزة [55/أ] للزحام وكثرة المارة بخلاف الصحراء، وقال أبو حنيفة: لو سرق الخيمة لا يُقطع ولكن يُقطع من سرق منها ودليلنا أنه لا يُحرز الفسطاط والخيمة إلا بمثل ما ذكرنا فقد سرق المال المُحرز فقطع.
فرع آخر لو حمل السارق الرجل النائم في الفسطاط إلى موضعٍ آخر، ثم ذهب هو أو غيره بالفسطاط أو المتاع لم يقطع لأنه أزال من المال ما هو حرز بمعنى غير مضمون ثم أخذ مالًا ضائعًا.
مسألة: قال: والبيوت المغلقة حرزٌ لما فيها.
الفصل البيت إذا كان في البرية أو الصحراء فإن كان فيه حافظٌ مستيقظ يراعيه فهو محرزٌ به، وإن كان نائمًا فيه فإن كان الباب مغلقًا فهو حرز، وإن كان مفتوحًا فليس بحرزٍ، وإن لم يكن فيه أحد فليس محرزًا سواء كان مفتوحًا أو مغلقًا لأن من ترك متاعه في البرية وانصرف عنه لا يكون حافظًا له في العادة وإن أغلق عليه.
وأما البيوت في القرى والبلاد فإن كانت مغلقة فهي حرزٌ لما فيها، وإن كانت مفتوحة وليس فيها أحدٌ يراعيها فليست حرزًا لأن العامة تنسب فاعل ذلك إلى التفريط والتغرير بما فيه ولهذا يقولون: خرج ونسي باب الدار مفتوحًا، ومتى كان البيت مغلقًا فسرق منه سارق شيئًا بفتح الغلق أو نقب البيت أو قلع الباب أو كسر القفل وإخراج المتاع من حرزه يقطع.
[55/ب] قال الشافعي: وإن كان الباب مفتوحًا وصاحبه في البيت فوجد إنسان يسرق منه شيئًا لم يقطع لأن هذه خيانة لأن ما في البيت يحرزه قعوده عندها.
هكذا نص عليه قال القاضي أبو حامد: أراد الشافعي إذا لم يكن القاعد يحيط يمانية ببصره، فأما إذا كان الحافظ قاعدًا لها قطع السارق.
فرع آخر قال أصحابنا: لو قطع باب الدار ونحاه إلى خارج وكان يساوي ربع دينار قطع لأن الباب إذا كان منصوبًا فهو حرز بنفسه وحرز لما وراءه، وكذلك آجر الحائط إذا قلع منه ما يساوي ربع دينار قطع لأنه محرز للبناء خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله، وقال ابن أبي هريرة: هذا إذا كانت الدار في البلد أو الموضع العامر، أما إذا كانت في الخرابات

الجزء: 13 - الصفحة: 63

التي تركت وفيها حيطان قائمة فجاء سارق فقلع منها ما قيمته ربع دينار فلا تقطع، وقال في "الحاوي": إذا خلا من أهله حتى خرب فإن كان بناؤه وثيقًا لم يستهدم قطع، وإن كان مستهدمًا متخللًا لا يقطع، ولو كان على هذا الخراب أبوابٌ لم يقطع في أخذها لأن الأبواب محرزةً بالسكنى والآلة محرزة بالبناء وهذا أصح وأظهر.
فرع آخر لو سرق حلقة الباب [56/أ] وهي مسمرة فيه قطع لأنها محرزة بالتسمير في الباب.
فرع آخر لو كان باب الدار مفتوحًا فدخل الدار وقلع بابًا من أبواب البيت قال أبو إسحاق: لا قطع فيه لأنه غير محرز إلا أن يكون باب البيت مغلقًا أو يكون باب الدار مغلقًا قياسًا على سائر ما في الدار من المتاع، وهذا إذا كان باب البيت مغلقًا يكون الباب محرزًا كالأمتعة التي فيه تكون محرزة والفرق بين أبواب البيوت وباب الدار أن أبواب البيوت تحرز بباب الدار وباب الدار لا يحرز الأنصبة ولا يحرز بغيره، وقال بعض أصحابنا: يقطع في أبواب البيت أيضًا وحرزها نصبها كما في باب الدار أيضًا والصحيح ما ذكرنا والفرق ظاهرٌ.
مسألة: قال: وإن أخرجه من البيت أو الحجرة إلى الدار والدار للمسروق منه وحده لم يُقطع حتى يُخرجه من جميع الدار.
قال أصحابنا: إذا أخرج السارق المتاع من البيت الذي هو فيه نظر فإن كان البيت في خانٍ مشتركٍ فيه بيوت كل بيت لواحدٍ يحرز متاعه فيه، فإذا فتح السارق البيت وأخرج المتاع إلى صحن الخان وجب عليه القطع سواء كان باب الخان مفتوحًا أو مغلقًا لأن هذا الخان ليس بحرزٍ لصاحب البيت لأنه مشترك يدخل فيه هو وغيره فكان بمنزلة الدرب المشترك بين أهله إذا أخرج السارق المتاع من دار رجلٍ إليه فإنه يجب القطع، كذلك هنا وإن كان البيت [56/ب] في دارٍ لصاحبه مفرد بها فأخرج المتاع من البيت فيه أربع مسائل: أحدها: أن يكون البيت مفتوحًا وباب الدار مغلقًا، فإذا أخرج المتاع من البيت إلى صحن الدار لم يجب القطع لأنه لم يخرجه من حرزه لأن باب الدار حرزه دون البيت.
الثانية: أن يكون باب البيت مفتوحًا وباب الدار مفتوحًا فلا قطع أيضًا لأن المتاع غير محرز.
الثالثة: أن يكون البيت مغلقًا وباب الدار مفتوحًا يلزمه القطع لأنه أخرجه من حرزه.
الرابعة: أن يكون باب البيت مغلقًا وباب الدار مغلقًا فهل يجب القطع؟ فيه وجهان:

الجزء: 13 - الصفحة: 64

أحدهما: يجب القطع لأنه أخرجه من الحرز لأن البيت حرز له وقد أخرجه منه.
والثاني: لا يجب القطع لأنه لم يخرجه من جميع حرزه لأن الدار حرز له أيضًا وهذا كما لو كان ماله في صندوقٍ في جوف بيتٍ مغلق ففتح الصندوق وأخرج المال إلى البيت لم يجب القطع وهذا أصح.
ومن أصحابنا من قال: إذا أغلق باب الخان بالليل والبيوت مشتركة يكون حكمها حكم صحن الخان كحكم صحن الدار الخالصة، ومن أصحابنا من فصل في الخان بين أن يكون السارق من سكان الخان أو من خارجه لأن بعض السكان في الخان يحرز ماله عنه بعضهم بالحجرة والبيت دون الخان وعن الخارجين بالحجرة والخان، وظاهر كلام الشافعي رضي الله عنه التسوية بين الفريقين.
[57/أ].
فرع لو أصعد السرقة من الدار إلى سطحها فإن كان على السطح باب يغلق على السفل قطع وإن لم يكن، فإن كان السطح عاليًا وعليه سترة مبنية تمنع من الوصول إليه لا يقطع لأنه من جملة الحرز وإن كان بخلاف ذلك يقطع.
مسألة: قال: ولو أخرج السرقة فوضعها في بعض النقب فأخذها رجلٌ من خارجٍ لم يُقطع واحدٌ منهما.
صورة المسألة: أن ينقب رجلان معًا نقبًا ثم دخل أحدهما فأخذ المتاع وتركه على موضع النقب وأخذه الآخر من خارج.
روى المزني والربيع أنه لا يقطع عندهما لأنهما لم يخرجاه من جميع الحرز، وروى الحارث بن شريح البقال عن الشافعي أنه قال: يلزمهما القطع، وقال القاضي أبو حامد: نص الشافعي في هذه المسألة في القديم على هذين القولين أحدهما: يلزمهما القطع لأنهما قد اشتركا في النقب والإخراج فهو بمنزلة ما لو نقبا جميعًا ودخلا وحملا المتاع جميعًا.
والثاني: لا قطع عليهما وهو الأصح، لأنهما وإن اشتركا في النقب فقد تفرقا في الإخراج فصار كالواحد إذا نقب وأخذ المتاع ووضعه في جوف النقب فاجتاز مجتازٌ بالنقب فتناوله فإنه لا قطع عليهما كذلك هنا، وقال مالك: يلزمها القطع للتعاون، وقال الشعبي فيه اللص الظريف لا يقطع، وقال أبو حنيفة: إذا اشترك جماعة في النقب وحمل أحدهم المال فإن صحبه الآخرون في الخروج [57/ب] قطع كلهم، وإن أخرجوا قبله أو بعده لا في صحبته قطع بناءً على أصله أن الدرء في قطع الطريق كالمباشر في الحدود.
فرع لو نقب واحد ولم يشاركه الآخر فيه ثم دخل الذي نقب فأخرج المتاع ولم يكن في الدار أحدٌ اختلف أصحابنا فيه على طريقين، أحدهما: لا يقطع واحد منهما قولًا

الجزء: 13 - الصفحة: 65

واحدًا وهو اختيار صاحب "الإفصاح" لأنهما لم يشتركا في النقب ولا في الإخراج فأشبه ما إذا نقب أحدهما وانصرف ثم جاء آخر فدخل وأخذ المال بخلاف المسألة قبلها.
والثانية فيه قولان أيضًا لأنهما اشتركا في السرقة وهذا ضعيف.
فرع آخر لو نقباه ودخل أحدهما فأخذ المال ولم يدخله الآخر في النقب ولكنه تركه في الدار، ثم أدخل يده وأخذ قطع الآخذ لأنه حصل منه هتك الحرز وإخراج المتاع من الحرز فيلزمه القطع، وأما الذي قربه إلى باب النقب لا يلزمه القطع.
فإن قال قائلٌ: ما بال الشافعي جعل الاشتراك في الإخراج شبهة في إسقاط القطع حيث قال: ولو وضعه في بعض النقب فأخذه رجلٌ من خارج لم يقطع ولم يجعل الاشتراك في النقب شبهة في إسقاط القطع بل قال: إذا نقبوا جميعًا فأخرج بعضهم المال قطع المخرج خاصة؟ قلنا: إنما أسقط الشافعي القطع إذا وضعه في النقب لأن حقيقة الاشتراك في الإخراج غير موجود.
ولكن فعل أحدهما بعض الإخراج ولم يكمله وانقطع [58/أ] فعله ثم تناوله الثاني ففعل بعض الإخراج لا جميعه وإنما يشتركان على الحقيقة بأن يأخذا شيئًا ثقيلًا فيحملان معًا أو بساطًا فيجراه معًا.
فإن قيل: فاشتراكهما في النقب هكذا أيضًا لأن أحدهما فعل بعض النقب، والثاني فعل الباقي، وفعل كل واحدٍ منهما متميز عن فعل الآخر قيل: حقيقة الاشتراك في النقب لا يكون إلا هكذا إذ يبعد في العادة أن يأخذ الفأس أو السكين فينقبا ولا يكاد يحصل النقب بمثل هذا الفعل فلما تحقق الاشتراك المتناهي في النقب جعل كل واحدٍ منهما كالمنفرد به وصار كما لو اشتركا في قطع يدٍ بإمرار الحديدة معًا من أحد الجانبين إلى الجانب الثاني فيكون كل واحدٍ منهما كالمنفرد بالإبانة في وجوب القصاص.
فأما بعض الإخراج إذا وجد من واحدٍ والبعض من الثاني فالاشتراك في الإخراج درجة وراء هذه الدرجة فلا يجعل كالمنفرد بالإخراج ولكن منزلتهما منزلة من لو قطع أحدهما بعض مفصل اليد منفردًا ثم جاء الثاني فقطع الباقي منفردًا ولا قصاص على واحدٍ منهما، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الاشتراك في النقب لا يكون إلا بأن يأخذ آلة واحدة بأيديهما فينقبا معًا وهذا غير صحيح وما ذكرناه أصح.
فرع آخر لو نقب أحدهما ودخل الذي لم ينقب وكان في الدار حافظٌ متيقظٌ فأخذ نصابًا وأخرجه من الحرز قطع الآخذ، لأن الحرز قائم بالحفاظ ويخالف إذا لم يكن في الدار أحدٌ [58/ب] لا قطع عليه لأنه لم يهتك الحرز وإنما دخل في حرز مهتوك وليس على الآخر قطعٌ لأنه حصل منه هتك الحرز ولم يأخذ المتاع.

الجزء: 13 - الصفحة: 66

فرع آخر لو دخل الحرز وأوقف صاحبًا معه المال فخرج الحامل يجب القطع على الحامل إذا كان شاركه في النقب ولا يجب على الآخر القطع سواء ساق الآخر أو لم يسقه.
فرع آخر لو نقب واحدٌ وأخرجا معًا لم يقطعا، وإنما يقطع من جمع بين الأمرين إذا بلغ نصيبه نصابًا كما لو نقبا وأخرج أحدهما المال لم يقطعا في الصحيح من المذهب.
فرع آخر لو نقبا فدخل أحدهما فتناول المال صاحبه الذي هو خارج النقب فإن ناوله ذلك في فم النقب لم يقطع واحدٌ منهما، لأن الداخل لم يخرجه عن تمام الحرز والخارج لم يتناوله من داخل الرز حتى يكون فعل الإخراج كاملًا وتسمى هذه المسألة مسألة السارق اللطيف، وإن أخرج الداخل يده بالمتاع حتى أخرجه عن جميع النقب فأخذه الآخر قطع الداخل.
فرع آخر إذا اشتركوا في النقب واحملوا المال فمن كان بيده نصابٌ قطع، ومن لم يكن أخرج النصاب لم يقطع حتى لو كان بيد أحدهما دينار وثلاثة أرباع دينار وبيد الآخر ربع دينار قطعا.
ووافقنا أبو حنيفة في هذه الصورة لأن معهما في الجملة نصابين والمؤدي كالمباشر عنده، وقال: لو حمل المال أحدهم لابد من نصاب بعدد القوم حتى لو كان المال عشرة دنانير [59/أ] إلا حبة والقوم عشرة لم يقطعوا عنده ونحن نراعي كل واحد منهم بانفراده على ما ذكرنا، وقال مالك وأحمد وأبو ثور: إذا سرق مائة نفر ما يساوي نصابًا قطع كلهم ولا يشترط النصاب بعدد القوم.
وهذا لا يصح لأنه لم يتم سبب القطع في حق كل واحدٍ منهم فلا قطع على أحدهم.
مسألة: قال: ولو رمى بها فأخرجها من الحرز قُطع.
إذا نقب وهتك الحرز ثم دخل وأخذ المتاع ورمي به إلى خارج الحرز قطع لأنه أكمل السرقة، وهكذا لو أخرجه من باب الدار ورمى به فوق الجدار أو أدخل محجنًا في النقب أو في كوة وأخذ المتاع به أو مد يده إلى داخل البيت فأخذ المال فلا فرق بين أن ينقب أو يتسلق الجدار أو يفتح الباب أو يغلقه، وقال أبو حنيفة: إذا لم يدخل الحرز ولكنه استخرج ما فيه بمحجنٍ أو يده لم يقطع إلا أن يكون النقب صغيرًا لا يمكنه الدخول فيه فأدخل يده وأخرجه يقطع، واحتج بأنه إذا أمكنه الدخول فيه فلم يدخل لم يهتك الحرز بما أمكنه فأشبه المختلس، ودليلنا أنه سرق نصابًا من حرز مثله ولا شبهة له فيه وهو من أهل القطع فيلزمه القطع كالطرار كما لو كان النقب ضيقًا

الجزء: 13 - الصفحة: 67

ويفارق المختلس لأنه لم يهتك حرزًا.
فرع إذا رمى به في فم النقب فقد ذكرنا أنه يقطع وإن لم يأخذه بعده، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [59/ب] إنما ذكر الشافعي رضي الله عنه إذا أخرج وأخذه فأما إذا تركه ولم يأخذه حتى يخرج أو ذهب به غيره أو جرى به ماءٌ أو ذهب بوجهٍ آخر لا يقطع، وقيل: فيه وجهان بناءً على القولين إذا نقبا ووضع أحدهما المتاع في نصف النقب ثم أخذ الآخر، ووجه الشبهة أن هذا الرامي لم يتناول المسروق بعد إخراجه من الحرز كما من أخرج المتاع إلى نصف النقب لم يتناوله مخرجًا من الحرز والصحيح أنه يقطع هنا قولًا واحدًا لأنه أكمل الإخراج من الحرز وليس من الشرط أن لا يغصب المسروق منه بعد الإخراج من الحرز.
فرع آخر لو دخل ومعه دابةٌ فوضع المتاع عليها وساقها أو قادها حتى خرجت قطع، وإن خرجت الدابة من غير سوقٍ ولا قود لم يقطع، نص عليه لأن للبهيمة قصدًا أو اختيارًا، ومن أصحابنا من قال: فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: هذا.
والثاني: لا يقطع لأن البهيمة تمشي بالمتاع إذا وضع عليها في العادة فكان فعله طريقًا إلى إخراجه.
والثالث: قاله ابن أبي هريرة: إن سارت البهيمة عقيب حمله قطع، وإن وقفت ثم سارت لم يقطع كما قلنا في فتح القفص لما طار الطير عقيبه ضمن، ولو وقف ثم طار لم يضمن قال صاحب "الحاوي": ولهذا الوجه وجهٌ.
فرع آخر قال صاحب "التلخيص": وإن كانت الدابة سائرةً فتركه عليها ولم يسقها ولم يقدها قطع [60/أ] لأن ذلك من جهة إخراجه من الحرز، وإنما لا يقطع إذا كانت الدابة واقفة فوضعه عليها ولم يسقها ولم يقدها فخرجت باختيارها من الحرز.
فرع آخر لو دفعها إلى صبىً صغير لا يعقل أو إلى مجنون مطبق ثم أمرهما بالخروج كان عليه القطع وكان منزلتها كمنزلة الحمار فيما يحمل عليه ويخرج، وقال في "الحاوي": هذا إذا قلنا: عمدها خطأ فأما إذا قلنا عمدها عمدٌ فلا يقطع إذا خرجا عن إشارته.
فرع آخر لو كان في الدار ماءٌ جارٍ يخرج إلى خارج الدار فأخذ السرقة وطرحها في الماء فخرجت مع الماء من الدار التي هي حرزٌ لها قطع، نص عليه الشافعي حكاه القاضي

الجزء: 13 - الصفحة: 68

أبو حامد لأنه لا اختيار للماء بحالٍ فالإخراج منسوب إليه.
فرع آخر لو كان الماء راكدًا في بركةٍ فطرح المتاع فيه وانفجر الماء وخرج إلى خارج الحرز مع المتاع هل يقطع؟ فيه وجهان كالدابة إذا سارت بنفسها: أحدهما: يجب القطع لأنه خرج بوضعه في الماء فأشبه الجاري.
والثاني: لا يجب القطع لأنه خرج بسببٍ حادثٍ ولم يكن الماء آلته عند وضعه فيه للإخراج.
فرع آخر لو نقب ودخل النقب فوافق النقب مهب الريح فرمى بالمتاع من الداخل مع مهب الريح فخرج إلى خارج الحرز بمعاونة الريح يلزمه القطع، كما لو رمى سهمًا إلى الغرض عند المسابقة فعاونت الريح حتى أصابه يحتسب له.
فرع آخر لو وضع السرقة في النقب [60/ب] فأطارها الريح فإن كانت الريح على هبوبها عند الوضع يقطع كالماء الجاري، وإن حدث هبوبها بعد وضعها ففيه وجهان كما قلنا في انفجار الماء بعد ركوده.
فرع آخر لو نقب ودخل ثم بلغ جوهرة فإن لم تخرج منه الجوهرة لا يقطع لأنه أتلفها، كما لو أكل الطعام في الحرز وخرج لا يقطع، وإن خرجت الجوهرة منه ففيه وجهان: أحدهما: يجب القطع لأنه أخرجها في وعاءٍ كما لو أخرجها في كمه وهو الصحيح.
والثاني: لا يجب القطع لأنه حين خرج من الحرز كان بمنزلة المستهلك، الأول أنه لو طالبه به في الحال لزمته قيمته ولأنه بمنزلة المكره على إخراجه لأنه يلزمه الخروج من ملك الغير ولا يمكنه إخراجه من جوفه، والمكره على إخراج الشيء من الحرز لا يقطع، وقيل: هذا ظاهر المذهب وذكر أبو العباس وجهًا ثالثًا أنها إن خرجت بعلاجٍ أو دواءٍ لم يقطع، وإن خرجت من غير ذلك قطع وسائر أصحابنا لم يفرقوا وسووا بين الأحوال.
فرع آخر لو أعادها إلى حرزها لم يسقط عنه القطع ولا الضمان، وحكي عن أبي حنيفة رحمه الله أنه قال: لا قطع ولا ضمان وعند مالكٍ لا ضمان ويقطع.
ولا أخذ طيبًا واستعمله في لحيته وخرج نُظر فإن كان قد استهلك حتى لا يمكن أن يجمع منه ما يساوي ربع دينارٍ فلا قطع عليه، وإن كان يمكن أن [61/أ] يجمع منه ما يساوي ربع دينارٍ فيه وجهان لأصحابنا أحدهما: يلزمه القطع لأنه أخرج من الحرز طيبًا يساوي ربع دينار.
والثاني: لا يلزمه القطع لأن إتلاف الطيب باستعماله فكأنه استهلك قبل إخراجه من الحرز.

الجزء: 13 - الصفحة: 69

فرع آخر لو أخرج ساجةً أو جذعًا طويلًا فلحقه الصراخ قبل أن يخرج جميعها من الحرز فلا قطع عليه، وكذلك بعض العمامة فلا قطع حتى يخرج جميعها بعضها لا ينفرد بحكمه، فإذا كان البعض في الحرز فكأنه لم يخرج شيئًا منه، ألا ترى أنه لو كان طرف العمامة على النجاسة وطرفها على المصلي لم تصح صلاته.
فرع آخر لو نقب في موضع فانثال منه طعامٌ وخرج منه ما يساوي نصابًا وجب القطع لأن خروجه بفعله فصار كما لو أخرجه بيده لأنه لا خلاف أنه لو أخرج دفعةً واحدةً ما يساوي ربع دينار قطع فكذلك هنا، وحكى أبو إسحاق فيه وجهًا آخر: أنه لا يقطع لأنه يضاف إليه الحرز الأول الذي خرج والباقي خرج بسبب فعله وبالسبب يجب الضمان دون القطع، وذكر القفال فيه وجهين على الإطلاق.
فرع آخر لو نقب بيتًا وأخذ متاعًا لا يساوي ربع دينارٍ فمضى وأحرزه ثم رجع وأخذ شيئًا آخر بني بعضه على بعضٍ فإذا بلغ ما يساوي ربع دينار قطع، ذكره القاضي أبو حامد وهو اختيار ابن سريج وهو المذهب الصحيح، وقال أبو إسحاق: لا يقطع لأنه أخرج النصاب بفعلين فلم يبن أحدهما على الآخر كما لو دخل اثنان النقب وأخذ كل واحد منهما [61/ب] ثُمن دينارٍ لا يقطعان وهو الصحيح، لأن فعل الواحد يبنى بعضه على بعضٍ كما لو خرج وقتل بخلاف ما لو خرج أحدهما وقتل الآخر ولأنه لو طر جيب رجل وجعل يخرج منه الدراهم درهمًا درهمًا يلزمه القطع كذلك هنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن خرج البعض ووضعه في باب النقب ثم عاد وأخذ الباقي يقطع لأن هذا في العادة يعد سرقةً واحدةً، وإن عاد إلى داره معه بعض النصاب ثم رجع وأخذ الباقي لا يقطع لأنهما سرقتان في العادة.
فرع آخر لو نقب فأدركه الصبح فمضى وعاد في الليلة الثانية ودخل النقب وسرق قال الشافعي: لا يقطع.
قال أصحابنا: معناه إذا كانت المراعاة تأتي عليه فأما إن كان مثله يخفى يومًا وأكثر فعاد إليه وسرق يقطع، وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: وهو قول أبي إسحاق: لا يقطع لأنه إذا لم يقطع في ليلةٍ واحدة ففي ليلتين أولى، وقال ابن سريج: يقطع لأن سرقته بلغت نصابًا في حرزٍ هتكه.
وقال ابن خيران: يُنظر فإن علم الناس به وعرفوا أن الحرز انتهك فلا قطع، وإن لم يكن علم به الناس يقطع.
وهكذا الأوجه إذا سرق ثمن دينارًا ثم عاد في الليلة الثانية وأخذ ثمنًا آخر.
وإن علم صاحبه فسد النقب ثم جاء فنقبه ثانيًا وأكمل النصاب لا يقطع بلا خلاف.

الجزء: 13 - الصفحة: 70

فرع آخر لو دعي إلى ضيافةٍ فسرق شيئًا لا يقطع [62/ أ] لأنه دخل الحرز بإذن مالكه، ولو سرق من غير ذلك البيت قطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع.
فرع آخر لو طر جيب رجلٍ وأخرج مالاً يلزمه القطع خلافًا لأبي حنيفة فرع آخر لو أن أعمى حمل مقعدًا فأدخله حزرًا فدله المقعد على المال وأخذه الأعمى وحمله يجب القطع على الأعمى دون المقعد، ولو حمل المقعد المال والأعمى حمله يجب القطع على المقعد ولا يجعل حامل المال حاملًا للمال، ولهذا لو حلف لا يحمل طبقًا فحمل رجلًا وذلك الرجل حمل على يده طبقًا لم يحنث الحالف.
فرع آخر لو نقب ثم أدخل حرًا أو عبدًا صغيرًا وأمره بإخراج المال إليه قطع الآمر لأن الصبي كالآلة له وهو بمنزلة كما لو جره بمحجنة، وروي أن رجلًا كان يسرق من متاع الحاج بمحجنه فإذا علموا به يقول: ما سرقته وإنما سرقه محجني فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" رأيته يجر قصبه في النار" مسألة: قال: ولو كانوا ثلاثة فحموا متاعًا الفصل قد ذكرنا هذه المسألة وأنهم يقطعون إذا بلغ ما أخرجوا معًا ثلاثة أرباع دينارٍ، فإن أخرجوه مفرقًا فقد ذكرنا أن من أخرج ما يساوي ربع دينارٍ قطع ولا فرق بين أن يكون الشيء المسروق خفيفًا أو ثقيلًا كالخشب، وقال مالك: إن كان ثقيلًا لا يحمل مثله إلا ثلثه وبلغت قيمة الكل [62/ب] نصابًا واحدًا قطعوا، وإن كان خفيفًا فيه روايتان وقد ذكرنا الدليل على صحة مذهبنا.
ثم قال: ولو نقبوا معًا ثم أخرج بعضهم ولم يخرج بعضٌ قطع المخرج خاصةً وقصد به الرد على أبي حنيفة على ما ذكرنا.
مسألة: قال: وإن سرق ثوبًا فشقه، أو شاةً فذبحها.
الفصل أعلم أنه إذا نقب رجلٌ الحرز وأخذ شاةً ثم ذبحها في جوف الحرز أو أخذ ثوبًا وشقه ثم أخرج الشاة المذبوحة والثوب المشقوق يلزمه ضمان ما نقصت الشاة بالذبح والثوب بالشق ثم ينظر في قيمة ذلك حال إخراجه من الحرز فإن كان يبلغ نصابًا فعليه القطع وإلا فلا قطع، ولا فرق بين أن يشقه طولًا أو عرضًا.
وقال أبو حنيفة: لا قطع

الجزء: 13 - الصفحة: 71

في الشاة المذبوحة بحالٍ بناءً على أصله لأنه لا قطع في اللحم وفيما لا يبقى على الدوام، وأما الثوب إذا شقه طولًا ثم أخرجه فصاحبه بالخيار بين أن يأخذه ويطالبه بالأرش وبين أن يتركه للسارق ويطالبه بكمال قيمته وأما القطع إن لم يكن قيمته حين أخرجه نصابًا فلا قطع، وإن كان نصابًا نظر فإن قبله صاحبه بغير أرشٍ فعليه القطع وإن طالبه بالأرش فلا قطع لأن القطع والغرم لا يجتمعان وإن تركه على السارق وطالبه بكمال قيمته فلا قطع لأنا بينّا أنه قد ملكه حين شقه في جوف الحرز.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا قطع عليه [63/أ] بحالٍ لأن قطع لمعنيين أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: أنه يملكها بالشيء، وقال: لو كانت حنطةً فطحنها في الحرز ثم أخرجها لا يقطع لمعنى واحد لأنه يملك بالطحن، ولو أخذه دقيقًا وأخرجه قطع بخلاف اللحم.
فرع لو سرق شاةً لا تساوي ربع دينارٍ ثم ذبحت فبلغت قيمتها ربع دينار ثم أخرجها ففيه وجهان محتملان: أحدهما: يقطع لأن الزيادة للمالك.
والثاني: لا يقطع لحدوثها بفعله وهو الذبح فلم يستقر للمالك عليها يدٌ، وهكذا لو سرق لحمًا فطبخه حتى ساوى نصابًا.
فرع آخر لو أخذ جلد ميتةٍ في الحرز ودبغه وأخرجه مدبوغًا.
قال في القديم: لا يجوز بيعه قبل الدباغ ولا ضمان على متلفه فلا قطع وعلى قوله الجديد في قطعه وجهان.
فرع آخر لو كان السارق مجوسيًا فذبحها فلا قطع لأنها ميتة، ولو كان عليها صوف فإن قلنا: طاهر وبلغت قيمته نصابًا يقطع.
مسألة: قال: وإن كانت قيمة ما سرق ربع دينارٍ ثم نقصت القيمة.
الفصل اعلم أنه إذا كان المسروق عند الإخراج من الحرز أقل من النصاب ثم ارتفعت قيمته بعد الإخراج حتى بلغت نصابًا فلا قطع فيه بلا خلاف، وإن كان عند الإخراج قيمته قدر النصاب ثم تراجعت من بعد لم يسقط القطع [63/ب] وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: يسقط القطع ودليلنا أنه نقصانٌ بعد وجوب القطع فلا يسقط القطع كما نقصه بإتلافه أو سرق شاةً فماتت بعد الإخراج من الحرز لا يسقط القطع بلا خلاف.
مسألة: قال: ولو وهبت له لم أدرأ بذلك عنه الحد.
إذا سرق عينًا يجب فيها القطع فلم يقطع حتى ملكها السارق بإرث أو شراء أو هبة

الجزء: 13 - الصفحة: 72

لا يسقط القطع سواء كان قبل الترافع إلى الحاكم أو بعده إلا أنه كان قبل الترافع إلى الحاكم تسقط عنه المطالبة، وإذا سقطت عنه المطالبة لا يكون هناك من يطالب بالقطع فلا يستوفى، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال أبو حنيفة ومحمد: يسقط عنه القطع وعن أبي يوسف روايتان، وقال قوم من أصحاب الحديث: إن كان هذا قبل الترافع إلى الحاكم يسقط، وإن كان بعد الترافع إلى الحاكم لا يسقط، ويحكى هذا عن ابن أبي ليلى وأبي يوسف واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم في خبر سارق رداء صفوان: "هلا قبل أن ترفعه إليّ" قلنا: معناه ثم لا ترفعه إليّ بخلاف ما توهم ابن أبي ليلى، وإذا لم يرفع الحد إلى الإمام لم يكن له التجسس وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم:" تعافوا الحدود فيما بينكم فما رفعتموه إليّ فقد وجب".
[64/أ] فرع لو أقر المالك أنه كان السارق سقط القطع بلا إشكالٍ، ولو قال: هذا ملكه مطلقًا فالظاهر أنه يسقط القطع، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان.
فرع آخر لو قال السارق: إنه كان مالي وملكي بالشراء منه أو بوجهٍ آخر وقال: كان أذن لي بأخذه فالضمان يلزمه ولا تقبل دعواه إلا ببينةٍ، وأما القطع قال الشافعي: سقط عنه لأنه صار خصمًا في ذلك فصار شبهةً في سقوطه ويسميه الشافعي: السارق (الطريف) أي العالم فإنه توصل بحيله له طريفة إلى إسقاط القطع عن نفسه، وقيل: الشبهة هنا أنه آل الأمر إلى أن يحلف المسروق منه فلو قطعناه لقطعناه بيمينه وربما ينكل فيحلف السارق ويأخذ المال، ولا فرق بين أن يحلف المسروق منه أو لا، لأن حق الخصومة هو الشبهة بقدر الملك للمسروق منه إذا لم يتقرر.
وقال أبو إسحاق: ومن أصحابنا من قال: يلزمه القطع ولا يسقط عنه بمجرد الدعوى بل يحتاج إلى إقامة البينة أو ينكل صاحب المال في الظاهر عن اليمين فيحلف هو، فأما إذا حلف المدعى عليه فالقطع واجب وهذا لأنا لو قلنا بخلاف هذا لأدى إلى إسقاط القطع أصلًا فإن كل سارق لا يعجز عن هذه الدعوى وهذا لا يصح [64/ب] لما ذكرنا من الشبهة والحد يسقط بالشبهة ولهذا قال أصحابنا: لا خلاف أنه لو ثبت عليه أنه زنا بامرأةٍ فادعى أنها زوجته وأنكرت فالقول قولها مع يمينها ولا يجب الحد وإن أدى إلى إسقاط جملة الحدود في الزنا، وربما لا تسلم هذه المسألة من نص القول الآخر ويقول: يلزمه الحد هنا أيضًا وهو غلط ظاهر، ولو نكل المسروق منه عن اليمين ورد اليمين على السارق فلم يحلف لا يلزم القطع وجهًا واحدًا لأن دعواه لم تبطل.

الجزء: 13 - الصفحة: 73

(فرع) آخر لو لم يقل هو لي لكنه قال: كان لي عليه دينٌ فدخلت وأخذته قال الشافعي: لا قطع أيضًا قال أصحابنا: معناه إذا كان من عليه الدين يمتنع من أدائه ولا يقدر على أخذه منه، فأما إذا كان باذلًا لدينه يلزمه القطع، وقال في "الحاوي": إذا كان باذلًا غير مماطل هل يقطع؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقطع للشبهة وهو قياس أبي إسحاق.
والثاني: ما ذكرنا.
فرع آخر لو غصب مالًا من رجل وأحرزه في حرزٍ فنقب المغصوب منه ذلك الحرز ودخل نُظر، فإن كان لا يتميز عن ماله بأن كان طعامًا فخلطه بطعام نفسه فلا قطع كما لو سرق مالًا مشتركًا بين غيره وبينه، وإن كان متميزًا عن ماله نظر، فإن لم يكن نصابًا فلا قطع، وإن كان نصابًا فصاعدًا ففيه وجهان: أحدهما: [65/أ] لا يلزمه القطع لأنه أخذه من حرز هتكه بحقٍّ فأشبه إذا أخذه من حرزٍ مهتوكٍ.
والثاني: يلزمه القطع لأنه لما أخذ مال غيره مع ماله تبينا أنه قصد هتك الحرز لمال غيره، وهكذا لو كان عليه دين يمتنع من أدائه فدخل حرزه وأخذ ما يزيد على حقه فعلى هذا الحال.
فرع آخر لو كان في يده مال لغيره لحق المودع والمرتهن والمضارب والمستعير فجعله في حرز أجنبي فنقب الحرز وأخذه يلزمه القطع لأنه أخذه من حرزٍ رضي به المالك وليس للمودع قطع يد السارق ولا للمرتهن قطعه، وإنما مطالبة القطع إلى الغير والراهن خلافًا لأبي حنيفة وهذا ليس بمالك ولا نائب للمالك في المطالبة به فلا خصومة له في القطع.
فرع آخر لو غصب رجل مالًا فجاء سارق وسرقه من الغاصب، أو سرق رجلٌ مالًا فجاء سارقٌ وسرقه من حرز السارق لم يكن للغاصب ولا للسارق طلب القطع، وهل للمالك المطالبة بقطعه؟ فيه وجهان: أحدهما: له ذلك لأنه أخذه من حرز مثله والثاني: لا يطالبه بالقطع ولا يلزم القطع على من سرق من الغاصب أو من السارق لأن حرز الغاصب والسارق غير تامٍّ لأنه يجوز لكل واحدٍ هتكه لرد المال إلى ملكه فسقط القطع وهذا غلط لأنه في الحرز في الحال وصاحب المال لم يرض بتضييعه

الجزء: 13 - الصفحة: 74

وإنما أراد كونه في حرز نفسه، فإن لم يكن ففي حرز آخر فيجب القطع [65/ب] من أي حرز كان وهكذا المستودع أراد جحد الوديعة ثم سرق منه كان في معنى الغاصب إذا سرق منه، وقال أبو حنيفة: إن كان الأول سارقًا فالخصم فيه المالك كما ذكرنا، وإن كان الأول غاصبًا فالخصم فيه الغاصب وهذا خطأ لأن الغاصب والسارق في الظلم سواء فلا فرق بينهما في هذا الحكم، وقال صاحب "الحاوي": وعندي أن الغاصب والسارق يخاصمان أيضًا لوجوب الضمان عليهما.
مسألة: قال: وإن سرق عبدًا صغيرًا لا يعقل أو أعجميًا من حرزٍ قطع.
اعلم أنه إذا سرق عبدًا صغيرًا لا يعقل ولا يميز بين سيده وغير هـ، ولا يفرق بين طاعة الأجنبي وغيره أو عبدًا أعجميًا كبيرًا بهذه الصفة يلزمه القطع لأنهما بمنزلة البهيمة وسرقته بأن يحمله نائمًا أو مكرهًا أو يدعوه فيتبعه العبد حتى يخرجه من حرزه وبه قال مالك وأبو حنيفة ومحمد وأهل المدينة، وقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه لو كان كبيرًا لا قطع عليه فكذا إذا كان صغيرًا، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه لم ير فيه القطع.
وقال: هؤلاء خلابون ودليلنا ما ذكرنا وأما ما ذكروه فمحمول على البالغ العاقل بدليل ما روى ابن خديج عن عمر رضي الله عنه أنه قطع رجلًا في غلامٍ سرقه.
قال الشافعي: "وإن كان يعقل لم يقطع" لأنه خدعه [66/أ] حتى خرج باختياره وإرادته لم يكن مسروقًا بل كان مختلسًا وخيانة وإن أكرهه وحمله فذلك غصبٌ وليس بسرقةٍ فلا يقطع، ولو سرقه وهو نائم فأخرجه من الحرز قطع ذكره أصحابنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن صادفه مقيدًا فحمله وأخرجه من الحرز يقطع وهذا محتمل، وقال بعضهم: وإذا أكرهه وأخرجه قهرًا يقطع وهذا غلط ظاهر.
فرع لو سرق أم ولد وهي مجنونة أو نائمة؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزم القطع لأنه لا يحل ثمنها كالحرة.
والثاني: يلزم القطع وهو الأصح لأنها مضمونة بالقيمة.
فرع آخر لو سرق حرًا صغيرًا لا يعقل لا يلزمه القطع لأنه ليس بملكٍ ولهذا لا يضمن باليد، وقال مالك: يلزمه القطع لأنه حيوان غير مميز كالعبد الصغير وهذا لا يصح لأن العبد مملوك بخلاف الحر.
فرع آخر لو كان الحر نائمًا على متاع فسرقه مع المتاع لا يقطع لأن يده على المتاع، وقد ذكرنا حكم الصغير إذا سرقه مع حر نائم عليه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه

الجزء: 13 - الصفحة: 75

ثلاثة أوجه أحدها: ما ذكرنا.
والثاني: يقطع لأنه سرق مالًا محرزًا لا شبهة فيه.
والثالث: إن كان الحارس قويًا بحيث لو أثبته لو يقو عليه السارق لا يقطع، وإن كان ضعيفًا يقطع لأنه لا معنى لليد الضعيفة التي للحارس وهذا غريب، وقيل: يفرق بين أن يكون الحارس عبدًا أو حرًا والمذهب هذا قد ذكرناه.
[66/ب] فرع آخر لو سرق حرًا صغيرًا عليه ثيابٌ وحليٌ قال ابن أبي هريرة: يقطع إذا كان الصبي في موضع لا ينسب إلى التضييع أنه سرق الصبي والحلي وقصده الحلي، وإن كان خارج المحلة في موضع ينسب إلى الضياع لا يقطع، وقال بعض أصحابنا: يجب أن يكون معناه إذا كان مملوكًا، فأما إذا كان حرًا لا قطع على سارقه لأن للحر يدًا على ما معه ولم يثبت والسارق هنا على ما عليه من الثياب والحلي ولهذا قلنا في اللقيط: إذا كان في طرف ثوبه دراهم مشدودة كانت له وعلى من ادعاه البينة وهذا اختيار المحققين من أصحابنا وهو قول أبي حنيفة والأول قول القفال.
وهذا على أصله لأنه إذا اجتمع ما يقطع فيه وما مالا يقطع مثل إذا سرق شاةً حيةً وشاة ميتة لا يقطع عنده، وإن كانت الحية تساوي نصابًا وقال: لو أخذ طبق ذهب وصب ماءً قليلًا وأخرجه من الحرز لا يقطع لأنه لا قطع في الماء، ولو كان الحر عاقلًا بالغًا وحمله نائمًا أو مكرهًا وعليه حلي فلا خلاف أنه لا يقطع به.
فرع آخر إذا سرق ستر الكعبة قال القاضي أبو حامد: قال الشافعي رضي الله عنه في القديم: يلزمه القطع لأنه محرزٌ عليها بالخياطة واحتج في ذلك بعثمان رضي الله عنه وهو أنه قطع يد سارقٍ سرق ثوبًا قبطيًا كان على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم [67/أ] وهكذا نقل الحارث بن شريح البقال عن الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا قطع فيه.
ودليلنا أنه محرزٌ بما جرت العادة به وهو لزينة الكعبة لا لمنفعة الناس فوجب القطع به.
فرع آخر قال أبو حامد: وعلى هذا لو سرق باب المسجد أو سقفه يلزمه القطع لأنه في معنى ثياب الكعبة لا لمنفعة الناس.
فرع آخر لو سرق حصير المسجد وفرشه والقناديل المعلقة فيه قال أبو حامد: لا قطع فيه وجهًا واحدًا والفرق، بينه وبين ثوب الكعبة أنه لمنفعة المسلمين ولكل مسلم فيه حق فلا يقطع لهذه الشبهة بخلاف ذلك.
وقال صاحب الحاوي فيه وجهان: أحدهما:

الجزء: 13 - الصفحة: 76

هذا لاشتراك الكافة فيه كمال بيت المال.
والثاني: ذكره البصريون يقطع به وهو اختيار ابن أبي هريرة قياسًا على الحصير.
فرع آخر لو سرق بكرة البئر المسبلة يقطع كما قلنا في الحصير، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يقطع فيه خلافًا لأبي حنيفة وهذا غلط وعندي أنه إذا سرق الذمي هذه البكرة لا يقطع لأن للذمي فيها حقًا أيضًا.
فرع آخر لو سرق شيئًا موقوفًا فإن كان وقفًا على عموم المصالح لا يقطع، وإن كان ذميًا لأنه تبع للمسلمين في المصالح، وإن كان وقفًا على قوم بأعيانهم فإن قلنا: الملك لله تعالى فيه وجهان: أحدهما: يقطع قياسًا على ستر الكعبة.
[67/ب] والثاني: لا يقطع لأن ما لا يملك في حكم المباح وإن لم يستبح، وإن قلنا: ينتقل الملك إلى الموقوف عليه فإن سرقه واحد منهم لا يقطع، وإن سرقه أجنبي فيه وجهان: أيضًا أحدهما: لا يقطع لأن الملك فيه ناقصٌ فأشبه نقصان القدر.
والثاني: يقطع سارقه لما ذكرنا أنه مملوكٌ محرزٌ لا شبهة له فيه.
ومن أصحابنا من قال فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: يقطع وهو ظاهر المذهب.
والثاني: لا يقطع وهو قول أبي حنيفة.
والثالث: إن قلنا: إنه مملوك الرقبة يقطع، وإن قلنا: إنه لا مالك لها لا يقطع.
فرع آخر لو كان موقوفًا على الفقراء فإن كان السارق فقيرًا لا يقطع، وإن كان غنيًا يقطع.
فرع آخر لو سرق من غلة الموقوف بعد إحرازها.
فإن كان وقفًا على قوم معينين وليس السارق ولا واحدٌ من آبائه وأولاده منهم يلزمه القطع، وإن كان على غير معينين كالفقراء والمساكين فإن كان السارق منهم لم يقطع، وإن كان من غيرهم قطع لأنه لا شبهة له فيه.
فرع آخر لو سرق من بيت المال المعد لوجود المصالح لا يقطع لأن له فيه حقًا بأحد وجوه المصالح والقطع يسقط بالشبهة.
نص عليه الشافعي ورواه الشعبي عن عليّ رضي الله عنه، وقد روي أن رجلًا عدا على بيت مال الكوفة فسرق منه شيئًا فأفتى ابن مسعود رضي الله عنه بقطع يده ثم كتب [68/أ] إلى عمر رضي الله عنه ذلك فكتب إليه عمر لا تقطعه فإن له فيه حقًا، وروي أنه قال: أرسله ولا تقطعه فما أخذ إلا وله في هذا المال حقٌّ، وقال القفال: لو كان السارق غنيًا هل يقطع؟ فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأنه لا يجوز أن يملك منه شيئًا فلا شبهة.
والثاني: لا يقطع لأنه قد يصرف هذا المال إلى الرباط والقناطر وللغني الانتفاع به وربما يتحمل بحمالةٍ فتقضى عنه من بيت المال وهذا

الجزء: 13 - الصفحة: 77

هو المذهب والوجه الأول غريبٌ وضعيفٌ.
فرع آخر لو سرق الذمي من بيت المال.
قال أصحابنا: يقطع يده لأنه لا حق له في بيت مال المسلمين وظاهر المذهب عندي أنه كان معدًا لوجوه المصالح العامة لا تقطع يده أيضًا لأنه يدخل فيه تبعًا للمسلمين، وإن كان لمصالح المسلمين يلزمه القطع، وإن سرق من مال الصدقات يلزمه القطع لأنه لا حق له فيها.
فرع آخر قال في سير الواقدي: لو سرق من زكاة الفطر وهو من أهل الحاجة لا يقطع وهذا على أنه لو كان غنيًا يقطع، قال القفال: وكذلك لو سرق الغني من مال الصدقات يلزمه القطع لأنه لا حق له فيها، والفرق بينه وبين بيت المال ظاهرٌ على ما ذكرنا.
ويحتمل عندي وجهًا آخر لأن للغني فيها حقًا إذا كان لإطفاء فتنةٍ ووجدت هذا الوجه في كتاب " الحاوي" وعلل بأنها لغير معينين بخلاف الغنيمة ويجوز أن يصير من أهل استحقاقها.
[68/ب] فرع آخر لو سرق إناءً فيه خمر هل يقطع في الإناء؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يقطع لأن الخمر يلزم إراقتها ولا يجوز التغرير في إنائها فصار ذلك شبهةً في إخراجه من الحرز.
والثاني: يقطع لأنه سرق نصابًا كاملًا من حرز مثله ذكره في " الحاوي"، وقال غيره: نص الشافعي أنه يقطع لأنه يحل بيع ظرفها والانتفاع به إذا غسل.
قال: ولو كان فيه بولٌ يقطع بلا خلافٍ لأبي حنيفة في الكل.
وسائر أصحابنا قالوا: المذهب الوجه الثاني، ولا وجه للوجه الأول.
فرع آخر لو سرق طعامًا في سنة المجاعة وكان لا يجده بمسألةٍ ولا شراء لا يلزمه القطع لأن له أن يكابر في هذه الحال صاحب الطعام عليه، وإن أخذ أكثر ما يحتاج إليه لا يقطع أيضًا لأن له هتك الحرز لإحياء نفسه فيكون الزائد على مقدار الجائز كأنه غير محرز عنه، وإن كان الطعام موجودًا إلا أنه قد غلا وزاد سعره وتشبث كل أحدٍ بما عنده وهو واجدٌ لثمنه فسرق منه ما يساوي نصابًا يقطع، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا قطع في عام المجاعة، ولا قطع في عام السنة وأراد به ما ذكرنا.
فرع آخر لو دخل الحمام ونزع الثياب وسلمها إلى الحمامي فدخل سارق فسرقها، فإن كان الحمامي قاعدًا على القبالة يحفظها قطع، ولا ضمان على الحمامي، وإن كان قد نام

الجزء: 13 - الصفحة: 78

لم يقطع وعلى الحمامي الضمان لأنها لا تكون محرزة إلا بنظره [69/أ] وإن لم يسلمها إلى الحمامي فهنا غير محرزة ولا محفوظة لأن الحمام يستطرق، فإذا سرقت لا يقطع ولا ضمان على الحمامي ولكن يجب على السارق الضمان وعند أبي حنيفة: لا قطع فيها بحالٍ.
فرع آخر إذا أوجبنا عليه القطع يعتبر في وجوب قطعه خروجه من الحمام؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يعتبر كما في المسجد ويلزمه القطع إذا حمل الثياب من موضعها.
والثاني: يعتبر فيه خروجه من الحمام لأنه حرز خاص والمسجد حرز عام.
مسألة: قال: ولو سرق مصحفًا أو سيفًا أو شيئًا مما يحل ثمنه يقطع.
إذا سرق مصحفًا من حرز مثله قيمته ربع دينار يلزمه القطع، وكذلك دفتر الشعر والأدب والفقه، وقال أبو حنيفة: لا قطع في شيء منها، وإن كان عليها حلية تساوي مالًا عظيمًا واحتج بأن المقصود مرآة ما فيها وليس ذلك بمالٍ وأما الحلية فتابعة لما لا قطع فيه فسقط القطع فيها، ولأن المصحف يجب بذله للقراءة ودليلنا أنه نوع مالٍ.
يملك بيعًا وشراء فجاز أن يتعلق القطع بسرقته كالثياب، وأما ما ذكره فلا يصح لأن المقصود من الطعام أكله وإتلافه ويجب القطع فيه، وأما ما ذكر في المصحف فلا يصح لأن من ملك مصحفًا فليس لغيره أن ينظر فيه أو يقرأ منه إلا بإذن صاحبه وإن احتاج مسلم إلى تعلم القرآن الذي [69/ب] تصح به الصلاة وتعين عليه تعليمه فعليه تلقينه وليس عليه تسليم المصحف إليه بالعارية، ولأن أبا حنيفة لا يقطع يد المقرئ المستغني عن المصحف كما لا يقطع يد الجاهل بالقرآن فلا معنى لما قاله، ولأن هذا المعنى لا يوجد في كتاب الأدب والأخبار ورأيت بعض أصحابهم يسلمون وجوب القطع في غير مصحف القرآن، ولو كان المصحف مندرسًا ولكن عليه حلية تساوي ربع دينار قطع عندنا بلا إشكالٍ.
مسألة: قال: ولو أعار من رجل بيتًا فكان يغلقه دونه فسرق منه رب البيت قطع.
اعلم أنه إذا استعار من رجل بيتًا وجعل متاعه فيه وأغلقه فجاء المعير ونقب البيت وأخذ منه نصابًا قطع نص عليه لأن ليس للمعير رفع حرزه ولا تفريغ البيت فلم يكن له فيه شبهة في حرزه فقطع، وقال بعض أصحابنا: هذا إذا لم يقصد بنقبه الرجوع في العارية فإن قصد به الرجوع في العارية ففيه وجهان.
فقال أبو إسحاق: لا يقطع وحمل كلام الشافعي على غير هذا الموضع، وقال ابن أبي هريرة: يقطع لأنه لا يملك الرجوع إلا بالقول وليس له أن يرفع إن رجع في العارية وهذا أصح، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه القطع أصلًا لأن المنفعة ملك المعير فلم يهتك حرزًا لغيره، وقال بعض أصحابنا بخراسان مثله.

الجزء: 13 - الصفحة: 79

فرع لو أجره دارًا ثم دخل وسرق مال المستأجر يقطع وجهًا واحدًا وبه قال أبو حنيفة، [70/ أ] وقال أبو يوسف ومحمد: لا يقطع لأن المنفعة تحدث في ملك المؤجر ثم تدخل في ملك المستأجر وهذا غلط لأنه إذا استأجرها صار أحق بها من مالكها، وليس للمالك الرجوع فيه فصار بمنزلة سائر أملاكه.
فرع آخر لو غصب دارًا ووضع فيها متاعًا فسرق مالك الدار منها لا يقطع لأنه لم يوجب له حقًا في الدار ولا أذن له في أن يتخذها حرزًا.
لو جاء أجنبي وسرق منها مال الغاصب لا يقطع أيضًا لأنه ممنوع من إحراز ماله في المغصوب فصار لغير المحرز.
فرع آخر لو ارتهن دارًا فأحرز فيها متاعًا لم يقطع سارقه سواء سرقه الراهن أو غيره، لأن منافع الدار للراهن فصار المرتهن كالغاضب.
فرع آخر لو أعاره عبدًا ليحفظ ماله ثم سرق من ذلك المال الذي برفقة العبد ويحفظه يقطع بلا خلافٍ، وكذلك لو أعاره قميصٍا ثم طر جيبه بعدما لبسه المستعير ولا يجعل كون القميص ملكًا له شبهةً في أمر القطع.
فرع آخر لو نزع حليًا من طفلٍ حرٍّ مسارقة قطع، وإن سلبه مجاهرة لم يقطع.
مسألة: قال: ويقطع العبد آبقًا وغير آبقٍ.
العبد إذا سرق من غير سيده قطع.
لأن كل من وجب عليه الحد بالسرقة كالحر، ولا فرق بين أن يكون آبقًا أو غير آبقٍ، وقال أبو حنيفة: لا يقطع الآبق بناءً على أصله أنه لا يقضى على غائبٍ فإنه قضاء على سيده وهو غائب، قال: ولو طولب به بعد رجوعه يقطع، وروي عن ابن عباسٍ [70/ب] رضي الله عنه أنه قال: لا قطع على الآبق لأنه مضطر، وروي عن ابن عباس وشريح أنه لا يقطع العبد أصلًا، وروى أبو داود بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سرق المملوك فبعه ولو بنش" والنش: عشرون درهمًا ولم يذكر القطع.
وروى نافعٌ أن عبدًا لابن عمر سرق وهو آبق فأمر حتى يقطع يده، وروي أن مروان بن الحكم قال: لا قطع عليه فقال له عبد الله بن عمر: في أي كتاب الله وجدت أن الآبق لا يقطع، وقال الشافعي رضي الله عنه:

الجزء: 13 - الصفحة: 80

لا تزيده معصية الله تعالى بالإباق مجيرًا.
ولأن الآبق أولى بالزجر والعقوبة على المعصية، والمراد بالخبر أن العبد السارق لا يصحب ولا يمسك ويستبدل بغيره، وأما قول ابن عباس: مضطر يمكنه أن يرجع إلى مولاه ويسأل الناس في مكانه وطريقه عند الانصراف إلى الطاعة.
مسألة: قال: ويقطع النباش.
الفصل النباش إذا أخرج الكفن من القبر إلى وجه الأرض يقطع، وإن أخرجه من اللحد إلى وسط القبر لا يقطع وبه قالت عائشة وعبد الله بن الزبير والحسن وعمر بن عبد العزيز والنخعي والشعبي وربيعة ومالك وعطاء وقتادة وحماد وعثمان البتي وأبو يوسف وأحمد [71/أ] وإسحاق وأبو ثور وداود، وقال أبو حنيفة ومحمد والثوري: لا يلزمه القطع أصلًا، وبه قال الأوزاعي واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:" لا قطع على المختفي" وأراد به النباش ولأن القبر ليس بحرز للكفن لأنه يوضع فيه للتلف وليس بحرز لسائر الأموال.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم في خبر البراء بن عازب "ومن نبش قطعناه" وروى عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة أنه وجد قومًا يحتفون القبور باليمن على عهد عمر فكتب بذلك إلى عمر فكتب إليه عمر رضي الله عنه أن يقطع أيديهم، قال ابن عباس: حد النباش والسارق سواء والنباش أعظمهما جرمًا، وقال ابن عباس: النباش سارق يقطع في أمواتنا كما يقطع في أحيائنا، وقالت عائشة رضي الله عنها: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا، وروي أن الزبير قطع يد نباش يمني ولم ينكر عليه أحد، وأما الخبر الذي ذكره فأراد به الخائن والمختلس بدليل ما ذكرنا، وأما قوله: أنه ليس في حرزٍ قلنا: الناس يعدونه حرزًا له ولهذا لا ينسب واضعه فيه إلى التقصير والتعدي.
فرع لا فرق أن يكون القبر في المقابر أو في دار بعد أن لا يكون مضيعًا في المقابر هذا هو الصحيح من المذهب لأن القبر في المقابر حرز في العادة، كما أن البيت المغلق بين الجيران وليس فيه حارس حرز في العرف والعادة، وقال [71/ب] بعض مشايخنا: إذا لم يكن حول القبر جدار وغلق لا يلزمه القطع وهو غير صحيح، وقيل: شرط فيه ثلاث شرائط إحداها: أن يكون القبر في مقابر البلد الأنيسة سواء كان في وسط البلد أو في ظاهره.
والثانية: أن يكون القبر عميقًا على معهود القبور.
والثالثة: أن يخرجه من جميع القبر بعد تجريده عن الميت، فلو أخذ وكان بعضه في القبر لم يقطع، وقال

الجزء: 13 - الصفحة: 81

بعض أصحابنا بخراسان: إن كان القبر في محلةٍ من الدور والعمارة يقطع، وإن كان في جبانةٍ بعيدةٍ عن الناس لا يقطع، وإن كان في مقابر البلاد بقرب العمارة ففيه وجهان والأصح أنه لا يقطع لأن نفس القبر ليس بحرز، وقال بعضهم: إن كان التبر في مفازة لا يحتاج السارق هناك إلى انتهاز فرصةٍ هل يلزمه القطع؟ وجهان: أحدهما: يقطع لأنه حرز مثله والاعتماد على ما ذكرناه أولًا.
فرع آخر لو أخرج الكفن مع الميت فيه وجهان: أحدهما: لا يقطع وهو قياس قول أبي إسحاق لاستبقائه على الميت.
والثاني: يقطع وهو قياس قول ابن أبي هريرة لإخراج الكفن من حرزه.
فرع آخر قد ذكرنا من قبل أن أصحابنا اختلفوا في الكفن فمنهم من قال: هو على ملك الميت وبه قال ابن أبي هريرة وصاحب" الإفصاح" ومنهم من قال: هو على ملك الورثة لأن التركة كلها تنتقل إلى الورثة وما يصرف إلى الميت وتجهيزه من ملكهم لاحتياجه ولهذا لو استغنى [72/أ] عن الكفن بأن غرق أو أكله سبعٌ وبقي الكفن عاد إلى الورثة، ومنهم من قال: لا مالك له ويجوز القطع في مثله كما ثياب الكعبة، وقال القاضي الطبري: إذا غرق الميت وبقي الكفن، وقلنا: إنه ملك الميت يجب أن يرد إلى بيت المال لأنه لا يجوز أن يثبت الإرث بعد الموت فإذا لم يملكوه بالموت لم يملكوه بعده فيكون نحو مالٍ لا مالك له ومصرفه بين المال فرع آخر قال صاحب" الإفصاح": إذا ثبتت السرقة على النباش قطع الإمام يده ولا يحتاج إلى خصومة أحدٍ لأن القطع حق الله تعالى ولا يفتقر إلى دعوى مدعي وإنما نقول في مال الحي: لا يقطع حتى يدعي لأنه يجوز أن يكون أباح له أخذه فإذا حضر اعترف بما يكذب الشاهدين ويسقط عنه القطع وليس كذلك الكفن فإن هذا لا يحتمل فيه فلم يفتقر إلى دعوى مدعٍ، وقال ابن أبي هريرة: يحتاج إلى دعوى الورثة بكل حالٍ لأنه وإن كان ملكًا للميت فالورثة يقومون مقامه في سائر الحقوق، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إنه ملك للميت فهل يقطع بخصومة الورثة أو الحاكم؟ فيه وجهان، وإن قلنا: إنه ملك الورثة يخاصم الورثة ويقطع بخصومتهم وإن قلنا: لا ملك له بقطعه ولا يحتاج خصومة أحدٍ.
فرع آخر لو ترك في القبر للميت مضربةٌ ووسادة هل يقطع فيها؟ فيها وجهان: أحدهما: لا يقطع لأن ذلك ليس من [72/ب] الكفن، كما لو جعل فيه ثياب الميت التي كان يلبسها في حياته وسيفه وسلاحه.
والثاني: يقطع لأنهم أجروه مجرى الكفن.

الجزء: 13 - الصفحة: 82

فرع آخر لو دفن معه دراهم أو دنانير فسرقها سارق ظاهر المذهب أنه لا يقطع لأنه لا يعد حرزًا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان.
فرع آخر لو كفن في أكثر من خمسة أثواب قال أصحابنا: لا يقطع فيما زاد على الكفن المستحب وهو خمسة أثواب لأنه ليس بمشروع فيه فلم يجعل حرزًا له.
وكذلك التابوت إذا سرقه، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان.
فرع آخر حكي القاضي الطبري عن الماسرجسي قال: لو أخذ الطيب الذي عليه قطع إلا أن يزيد على المستحب فإن المستحب التجهيز بالعود والكافور اليسير في الحنوط فإن اجتمع فلا قطع فيه وحكي عن الماسرجسي أنه قال مرةً أخرى: لا قطع فيه أصلًا ولا يكون محرزًا بالقبر.
فرع آخر لو كفن الإمام رجلًا من بيت المال فأخذ النباش كفنه قال أصحابنا: يقطع فيه لأن تكفينه انقطع حق غيره عنه ويحتمل وجهًا آخر على قياس ما تقدم.
فرع آخر لو أودع عنده وديعةً ثم نقب داره وأخذها وأخذ معها غيرها من حرزها وهو لم يكن ممنوعًا منها فيه وجهان قياسًا على ما ذكرنا في صاحب الدين.
فرع آخر لو سرق من حلية فرسٍ عليه راكبه قطع، وإن كان من ثغرٍ على كفلها، وقال أبو حنيفة: إن سرق من لجام رأسها يقطع، ولا يقطع إذا سرق [73/أ] من ثغر كفلها بناءً على أصله أنه يضمن ما أفسدت الدابة بمقدمها ومؤخرها وهذا لا يصح لأن ذلك محرزٌ بالراكب.
فرع آخر قال القفال: لو نقب دارًا ظن له فيها مالًا أو حقًا في مالٍ فوقع إلى دارٍ أخرى وسرق قطع لأن علم السارق بما يسرق ليس بشرط، وكذلك لو سرق دنانير ظنها فلوسٍا ووافقنا أبو حنيفة.
فرع آخر لو سرق قميصًا ولم يعلم أن في جيبه شيئًا فإذا في جيبه شيء أو ما تتم به قيمة القميص نصابًا قطع، وعند أبي حنيفة لا يقطع إلا أن يكون عالمًا بمكان الدنانير.

الجزء: 13 - الصفحة: 83

باب قطع اليد والرجل في السرقة

قال الشافعي رضي الله عنه: أخبرنا بعض أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب عن الحارث بن عبد الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في السارق:" إذا سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم إن سرق فاقطعوا رجله".
اعلم أنه إذا سرق من يجب عليه القطع تقطع يده اليمنى أولًا لقراءة ابن مسعود: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْمَانهُمَا﴾ وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه.
ولأن البطش باليد اليمنى أقوى فليبدأ بقطعها ليكون أردع للسارق، ثم أن سرق ثانيًا تقطع رجله اليسرى، وقال عطاء: [73/ب] تقطع يده اليسرى لأنها أقرب إلى يده اليمنى وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأن في قطع الطريق يجمع بين يده اليمنى ورجله اليسرى كذلك ها هنا وإنما قطعت رجله اليسرى لأنه أرفق به لأنه (لا) يمكنه أن يمشي على خشبةٍ، ولو قطعت رجله اليمنى بعد يده اليمنى لم يمكنه ذلك ثم قال: إذا سرق الثالثة تقطع يده اليسرى، ثم إذا سرق الرابعة تقطع رجله اليمنى، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وقتادة ومالك وإسحاق وأبي ثور رحمهم الله، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لا يقطع في الثالثة والرابعة وبه قال الثوري وأبو حنيفة والشعبي والنخعي وحماد والأوزاعي وأحمد.
واحتجوا بما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على قطع اليد والرجل، وكان علي يقول: إذا سرق السارق تقطع اليد والرجل فإذا سرق عوقب وسجن وأطعم من فيء المسلمين، وقال أيضًا: إني لأستحي من الله أن أدعه ليس له يد يأكل بها ولا رجل يمشي عليها، وروي أنه لم يقطع بعد يدٍ ورجلٍ، وقال: بأس شيء يمسح بأي شيء يأكل على أي شيءٍ يمشي إني لأستحي من الله تعالى.
ولأن فيه إتلاف منفعة الجنس فلا يجوز كالقتل.
ودليلنا ما ذكرنا من الخبر.
وروى جابر رضي الله عنه أنه قال: جيء بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اقتلوه، فقالوا: يا رسول الله [74/أ] إنما سرق فقال: اقطعوه فقطع ثم جيء به الثانية فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول الله إنما سرق فقال: اقطعوه فقطع ثم جيء به الثالثة فقال: اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال: اقطعوه فقطع ثم جيء به الرابعة فقال: اقتلوه فقالوا: يا رسول الله إنما سرق فقال: اقطعوه فقطع فأتي به في الخامسة فقال: اقتلوه قال جابر: فانطلقنا به فقتلناه ثم ألقينا في بئر ورمينا عليه الحجارة فإن قيل: أنتم لا تقولون بالقتل في الخامسة؟ قلنا صار منسوخا بقوله صلى الله عليه وسلم:" لا يحل دم امرئٍ

الجزء: 13 - الصفحة: 84

مسلم إلا بإحدى ثلاث .... " الخبر، وقيل: كان هذا رجلًا مشهورًا بالفساد فلهذا أمر بقتله أول مرة ثم في المرة الثانية ثم في الثالثة ثم في الرابعة ثم في الخامسة حتى قتل، ولعل فعل ذلك بوحي من الله تعالى واطلاع منه على ما سيكون منه فكان هذا خاصةً فيه، وقال مالك: للإمام أن يجتهد في تعزير المفسد ويبلغ به ما يرى من العقوبة، وإن زاد على مقدار الحد وإن رأى أن يقتل قتل واحتج بهذا الخبر.
وروى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أن رجلًا من أهل اليمن أقطع اليد والرجل قدم فنزل على أبي بكر رضي الله عنه وشكا إليه أن عامل اليمن ظلمه وكان يصلي من الليل فيقول أبو بكر: وأبيك ما ليلك بليل سارقٍ، ثم إنهم افتقدوا حليًا لأسماء بنت عميس امرأة أبي بكر فجعل الرجل [74/ب] يطوف معهم ويقول: اللهم عليك بمن بيت أهل البيت الصالح فوجدوا الحلي عند صائغ زعم أن الأقطع جاء به فاعترف الأقطع أو شهد عليه فأمر به أبو بكر رضي الله عنه فقطعت يده اليسرى، وقال أبو بكر: والله لدعاءه على نفسه أشد عليه عندي من سرقته، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أشهد أن ابن عمر قطع رِجل رجلٍ بعد يد ورجل سرق الثالثة، وروى الإمام البيهقي عن عمر رضي الله عنه.
فإن قيل: روينا أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقطع رجلًا بعد يد ورجل فقال عمر: السنة اليد قيل: هذا غير مشهور وما رويناه أصح، وأما ما روي عن علي رضي الله عنه قلنا قيل: هذا لا يصح عنه لأن الحدود لا تترك بالاستحياء ثم يعارض أقوال الصحابة وما يوافق السنة أولى بالإتباع، وأما القياس الذي ذكر فلا يصح لأنه تقطع اليدان والرجلان قصاصاً ولا يراعى تفويت منفعة الجنس كذلك هنا.
فرع إذا سرق في الخامسة قال الشافعي: يعزر ويحبس قال أصحابنا: والتعزير في ذلك إلى رأي الإمام، فإن رأى أن يحبسه دون الضرب فعل، وإن رأى أن يضربه ويطلقه فعل وإن رأى أن يجمع بينهما فعل، وعن عثمان بن عفان وعبد الله بن عمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم أنهم قالوا: يقتل في الخامسة [75/أ] احتجاجًا بالخبر الذي ذكرنا وقد ذكرنا أنه منسوخ.

الجزء: 13 - الصفحة: 85

فرع آخر يقطع من قاطع الطريق في المرة الأولى يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم في المرة الثانية تقطع يده اليسرى ورجله اليمنى وعند أبي حنيفة لا يقطع في المرة الثانية أصلًا قياسًا على ما ذكرنا في السارق.
فرع آخر تقطع يده من الكوع، وتقطع رجله من المفصل الذي بين الساق والقدم، وقال قومٌ من السلف: تقطع أصابع اليد دون الكف، وتقطع الرجل من عند مقعد الشراك ويترك له ما يمشي عليه وبه قال الرافضة، وروي هذا عن علي رضي الله عنه في روايةٍ شاذةٍ، وقال: أدع له ما يعتمد عليه وبه قال أبو ثور والمشهور عنه مثل مذهبنا، وقالت الخوارج: تقطع اليد من المنكب لأن اسم اليد يتطلق عليه.
وهذا غلط للخبر الذي ذكرنا، وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يده من الكوع وأما ما ذكروه فلا يصح لقوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة:6] فدل أن اسم اليد اسم لما دون ذلك.
فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ وإنما يكتب بالأصابع فلا يقطع غيرها قيل: الكتابة تكون بالقلم وإمساكه بجميع اليد، ولو كان المراد به ما يباشر بالكتابة فإنما يكتب بثلاثة أصابع لا بالخمس.
[75/ب] مسألة: قال: يقطع بأخف مؤنةٍ وأقرب سلامةٍ.
إذا أراد قطع يد السارق يساق إلى موضع القطع سوقًا رفيقًا لا تعنف به ولا يقابل بسبٍّ ولا بشتم ولا تعيير، ولا يقطع قائمًا حتى يجلس ويمسك عند القطع حتى لا يضطرب ولا يضربها بالسكين فربما يخطئ موضع المفصل ولكن يضع السكين عليها ويعتمد جذبها بقوته حتى تنفصل بجذبةٍ واحدةٍ.
قال الإمام الصيمري: يستحب للإمام أن يتولى ذلك بنفسه فإن استعان بغيره جاز وهذا غريب، وقيل: قال الشافعي: ويقطع بأخف مؤنةٍ وأمضى حديدةٍ وأقربه إلى السلامة، والذي أعرف من ذلك أن يجلس ويضبط وتمد يده بخيط حتى يتبين مفصلها ثم تقطع بحديدةٍ حادة ثم يحسم بالنار لأن القطع جالسًا أمكن من قطعه قائمًا والضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه.
قال أصحابنا: وتوضع يده على شيء فتبان بضربةٍ أو يمر السكين عليها دفعةً واحدةً ولا يقطع بحديدٍ كال لأن القصد قطعها دون تعذيبه والحسم بالنار أن يغلي الزيت ثم يغمس موضع القطع عقيب القطع لتجف أفواه العروق فلا يجري منها الدم فينزف فيموت، وقيل: هذا إذا كان الرجل حضريًا فإن كان بدويًا حسمت بالنار فقط لأنه عادتهم وإنما أمرنا بذلك لما روي عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان قال: أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 13 - الصفحة: 86

بسارق [76/أ] سرق شملةً فقال: "سرقت ما أخالك فعلت فقال: بلى قد فعلت قال: اذهبوا به فاقطعوه ثم احسموا ثم ائتوني بقه فقطع ثم حسم ثم أتى به فقال: تب إلى الله فقال: تبت إلى الله فقال: اللهم تب عليه" فرع ثمن هذا الزيت من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر القاطع به وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال ولأن فيه مصلحةً.
فرع لو لم يحسمه الإمام فلا شيء عليه ويستحب له أن يفعله وهذا لأن على الإمام القطع دون المداواة.
ويستحب للمقطوع يده أن يفعله، فإن لم يفعل لا يلزمه لأنه ضربٌ من التداوي ذكره أصحابنا، وقال في "الحاوي": إن كان القطع عن قصاصٍ لا يجبر على حسمها لخروجه عن حدود الله تعالى، وإن كان عن سرقةٍ فهل يجبر على حسمها؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر لأنه من تمام حد الله تعالى والثاني: لا يجبر لما ذكرنا قياسًا على القصاص.
فرع آخر لا يحبس السارق بعد قطعه ولا يشهر في الناس لأن قطعه شهرة كافية والسنة أن تشد كفه المقطوعة في عنقه عند إطلاقه لما روي عن عبد الرحمن بن محيريز قال: سألنا فضالة بن عبيد عن تعليق يد السارق في عنقه أمن السنة هو؟ قال: سنة أتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قطعت يده ثم أخرجها فعلقت في عنقه، وروي مثل هذا عن علي رضي الله عنه [76/ب] لأن فيه ردعًا وزجرًا للناس.
وإذا فعل ذلك يترك ساعةً ثم يزال.
فرع آخر قال في "المبسوط": ولا تقطع يد السارقة إذا كانت حبلى أو مريضةً ولا يد السارق إذا كان مريضًا مدنفًا ولا بين المرض ولا في يوم بين البرد والحر ولا في أسباب التلف، وإذا وضعت الولد لم تقطع ما دامت في النفاس لأنها مريضة فربما أعان ذلك عن نفسها قال:" وإن قطعت يد السارق فلم تبرأ يده حتى سرق ثانيًا أخر القطع حتى تبرأ يده، ثم تقطع وقد ذكرنا هذا في كتاب آخر وبينا الفرق بينه وبين قاطع الطريق تقطع يده ورجله في مكان واحد.

الجزء: 13 - الصفحة: 87

فرع آخر لو سرق شيئًا فقطع يده وردت السرقة على صاحبها ثم سرقها ثانيًا قطع فيه ثانيًا وهكذا إذا عاد ثالثًا ورابعًا، وقال أبو حنيفة: لا يقطع ثانيًا إلا إن سرقه من مالك آخر وهذا لا يصح لأنه حد الله تعالى يجب بإتباع فعلٍ في عينٍ فيتكرر بتكرر ما فعله حد الزنا ولأنهم وافقوا على أنه لو سرق غزلًا فقطع ثم رد فنسجه ثوبًا ثم سرقه يقطع ثانيًا.
فرع آخر لو سرق سرقات مختلفة فرفع في إحداها فقطع كان القطع للمسروقات المتقدمة كلها ويضمن كل شيء سرق، وهذا لأن الحدود تتداخل.
فرع آخر لو سرق وكان أقطع قطعت رجله كما في السرقة الثانية.
فرع آخر من وجب عليه القطع في السرقة فذهبت بيمنه قصاصًا لم تقطع رجله، فإن لم تذهب قصاصًا ولكنها ذهبت بآفة من أكلةٍ وغيرها [77/أ] سقط عنه القطع ولا تقطع رجله لأن محل القطع اليمين وقد سقطت، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه إذا قطعت يده قصاصًا وقع عن الأمرين عن القصاص وعن السرقة وذكر أيضًا أنه سقطت يده اليمنى قبل القطع قطعت رجله اليسرى وهذا غلط.
فرع آخر لو كان أقطع اليسار وله يمينٌ قطعت اليمين، وقال أبو حنيفة: لا تقطع اليمنى وبناه على أصله أنه لا يجوز تعطيل منفعة الجنس وقال أيضًا: لو كان يساره شلاء أو ناقصة الإبهام لا تقطع يمينه أيضًا.
وهذا خطأ لأن نقصان ما لا يجب قطعه لا يمنع وجوب القطع في اليمين، كما لو كانت اليسار مقطوعة الخنصر أو البنصر.
فرع آخر لو سرق وأصابع يمناه شلاء أو بعضها أو بقيت إصبع والباقي مقطوع تقطع الكف بما عليها وإن لم يبق لها إصبع قال القاضي أبو حامد في "الجامع": لا تقطع ولكن تقطع الرجل اليسرى وهو الصحيح لأن الكف ليس لها أرشٌ مقدرٌ فأشبه الذراع ولأنه إذا بقي إصبع فقد بقي متبوع الكف، وإذا لم يبق إصبع فما بقي إلا التابع فسقط حكم القطع فيها، قال القاضي أبو حامد: وقد قيل غير ذلك والمسألة معروفة بالوجهين: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: تقطع الكف من المفصل ولا ينتقل إلى الرجل لأن اسم اليد يقع على هذا القدر ولأن محل القطع من يمينه موجود فأشبه إذا كان [77/ب] عليه إصبع واحدة وقيل: هذا الوجه نقله الحارث بن شريح البقال عن الشافعي ففي المسألة قولان، وهكذا الخلاف فيما لو ذهب بعض الكف وبقي محل القطع.

الجزء: 13 - الصفحة: 88

فرع آخر لو سرق وكانت يده اليمنى شلاء فإن كانت بحيث لو قطعت استرخت العروق ولم تنقبض أفواهها ويهلك الرجل لم يقطع بل يبدأ بقطع الرجل اليسرى كما لو كان مفقود اليد اليمنى، وإن لم يكن على هذا الوجه قطعت اليد الشلاء.
فرع آخر لو قيل له: أخرج يمينك لتقطع في السرقة فأخرج يساره فقطعت لم تقطع يمينه نص عليه في كتاب الجنايات، وقال في القديم: إذا قال الحاكم للجلاد: اقطع يمين هذا في سرقة سرقها فعمد الحداد فقطع يساره سئل فإن أقر بأنه عمد قطعها وهو يعلم أن القطع ليس على يساره ننتظر السارق فإذا برأ اقتص من القاطع وقطعت يمينه، وإن قال: دهشت وكان ممن يدهش مثله درئ عنه القصاص وغرم أرش يده والقياس أن تقطع يمينه وقد سمعت من يدرأ القطع عن يمينه وهذا استحسان إن كان يجوز الاستحسان وهذا قولٌ آخر في المسألة والصحيح الأول لأن القصد منه الزجر والردع وقد حصل بقطع الشمال وإنما قال الشافعي في القديم: إن القياس هذا لأنه قطع تعلق بعضوٍ فلا يسقط بقطع عضوٍ آخر كالقصاص فإذا قلنا: يسقط القطع عن يمينه [78/أ] قال القاضي أبو حامد: لا يجب على قاطع يساره قود ولا عقل.
فرع آخر لو وجب القطع في يمينه فلم يقطع حتى ذهبت يساره بأكلةٍ أو مرضٍ لم يسقط القطع عن يمينه، وقال أبو إسحاق: يسقط في أحد القولين كما قطع الجلاد يساره على ما ذكرنا وهذا خلاف نص الشافعي وإنما هو مذهب أبي حنيفة، والفرق ظاهر وهو أن القاطع اعتقد أنه يأخذ يساره بيمينه فكان ذلك شبهةً في سقوط القطع عن اليمين وهنا ما ذهبت اليسار بدلًا عن يمينه فلا يسقط قطع يمينه.
مسألة: قال: ولا يقطع الحربي إذا دخل إلينا بأمان.
اعلم أن المقيمين في دار الإسلام ثلاثة أضرب مسلم، وذمي، ومعاهد، فأما المسلم فعلى الإمام أن يذب عنه من قصده ويدفع عنه من ظلمه، وإن وجب له حق استوفاه وإن وجب عليه حق يستوفي منه سواء كان حق الله تعالى أو حق الآدمي في مالٍ أو غير مالٍ.
وأما الذمي فهو من عقدت له الذمة المؤبدة فهو بمنزلة المسلم فيما ذكرنا من الأحكام إلا أنه شرب الخمر لم يحد وإن أصاب ذات محرم بنكاح لم يحد لأنه بتدينه وقال في "الحاوي": إن اعتقدوا نكاح المحارم كالمجبوس يقرون عليه، ولو زنا بذمية ففي وجوب إقامة حدهما على الإمام قولان بناءً على القولين في

الجزء: 13 - الصفحة: 89

وجوب الحكم علينا بينهم.
[78/ب] وأما المعاهد فهو أن يقيم في دار الإسلام بأمان مدةً لا تبلغ سنة لتجارةٍ أو رسالةٍ، فإذا أصاب ما يوجب حقًا فإن كان حدًا لله تعالى خالصًا كحد الزنا لا يقام لأنه دخل على أن يلزم أحكامنا فلا معنى للتعرض له، وإن كان حقاً للآدمي خالصًا كحد القذف يستوفى منه لأنه على هذا دخل وهو أن يكف عن أموالنا ونكف عن أمواله، وإن كان حقًا لله تعالى متعلقًا بحق الآدمي كالقطع في السرقة فالضمان يلزمه قولًا واحدًا لأنه من حقوق الآدميين وهل تقطع يده؟ قال هنا في "الأم" وسائر الكتب لا تقطع وهو الأصح، والأظهر لأنه حد الله تعالى كحد الزنا قال: ويقال: ننبذ إليك عهدك ونبلغك مأمنك لأن هذه الدار لا تصلح أن يقيم فيها من لا يجري عليه الحكم.
وقال في سير الواقدي: تقطع يده لأنه حق لا يستوفى إلا بعد المطالبة كالدين والقصاص.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: نص الشافعي رضي الله عنه في موضعٍ أنه إن شرط الإمام عليه إنك إن سرقت قطعناك تقطع يده وإلا فلا تقطع والقولان على هذين الحالين، وقال أيضا: هل يقام عليه حد الزنا؟ فيه قولان وهو غريب، وقال صاحب " التقريب": القولان إذا قامت عليه البينة، فأما إذا جاؤوا والتمسوا حكمنا فهو كالذمي وحكم الذمي أنا نقطعه في السرقة إذا قلنا: [79/أ] يجب على حاكمنا الحكم بينهم وإن قلنا: لا يجب لا يقيم عليه حد الله تعالى إلا إذا رضي بحكمنا فحينئذ نقطعه في السرقة، ثم إذا لم يقطع الحربي في مال المسلم لا نقطع يد المسلم في ماله وإذا قلنا: نقطع يد الحربي بالسرقة تقطع يد المسلم بسرقة ماله لأن شبهة القطع تثبت في الحالتين.

باب الإقرار بالسرقة والشهادة عليها

مسألة: قال: ولا يقام على سارقٍ حدٌ إلا أن يثبت على إقراره الفصل اعلم أنه إذا ادعى على رجل أنه سرق من حرزٍ نصابًا لم يخل المدعى عليه من أحد أمرين: إما أن يقر له بما ادعاه أو ينكر فإن أقر ثبت عليه القطع وبه قال مالك وأبو حنيفة وقد ذكرنا عن أبي يوسف وزفر أنهما قالا: لا يثبت القطع إلا بإقراره مرتين، وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وإسحاق وأحمد، وروي عن علي رضي الله عنه: أن رجلاً أقر عنده بالسرقة مرة فانتهره فأعاد الإقرار فقال: الآن أقررت مرتين وأمر بقطع يده ولأنه حد الله تعالى فيعتبر إقراره به بالشهادة كما في الزنا عندهم.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "من أتى منكم من هذه القاذورات شيئًا فليستتر بستر الله تعالى فإن من أبدى لنا صفحته نقم عليه حد الله تعالى".
ولم يعتبر العدد ولأنه حق ثبت

الجزء: 13 - الصفحة: 90

بالاعتراف فلا يعتبر فيه التكرار كالقصاص وحد القذف وأما ما روي [79/ب] عن علي رضي الله عنه فلا يكون حجة حتى يصير إجماعًا ويحتمل أن يكون انتهره ليرجع فلما رجع قطعه، فإذا تقرر هذا فإنه يسقط بالرجوع بعد الاعتراف خلافًا لجماعة قد ذكرناهم قبل هذا وهو قول بعض أصحابنا حكاه أبو إسحاق المروزي لتعلقه بصيانة أموال الآدميين والدليل على أنه يسقط بالرجوع بعد الاعتراف ما روى أبو أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاعٌ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما أخالك سرقت" قال: بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا فأمر به بقطع وجيء به فقال: استغفر الله وتب إليه فقال: أستغفر الله وأتوب إليه: فقال:" اللهم تب عليه ثلاثًا"، وروي أنه قال: واغفر له.
وروي عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه أتي بجاريةٍ سوداء سرقت فقال لها: سرقت؟ قولي: لا فقالت: لا فخلى عنها، وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه مثله.
فرع إذا رجع عن الإقرار نظر فإن كان قبل فعل شيء من القطع رفع عنه القطع، وإن كان بعد فعل شيء من القطع نظر، فإن كان قدر ما بقي مما يندمل ويبرأ رفع عنه، وإن كان قدرًا لا يندمل فإن بقي جلدة يسيرة رفع أيضًا فإن قال المقطوع للقاطع: تمم القطع لم يلزمه ذلك بل هو بالخيار بين تركه وقطعه لأن هذا القطع ليس بحدٍّ فلم يجب فعله، وإنما جوزنا له إتمام القطع لأنه [80/أ] يتأذى به فيبان للمصلحة ويستريح بهذا الرجوع من تعليق اليد في عنقه نكالًا.
وإن تلف فيما قطعنا منه قبل الرجوع أو فيما قطعنا منه بإذنه بعد ذلك فلا ضمان.
فرع آخر لو أقر اثنان بسرقة نصف دينار قطعا فإن رجع أحدهما وأقام الآخر على إقراره ترك الراجع وقطع المقيم.
فرع آخر إذا كان عليه قصاص أو حد القذف يلزمه الإقرار به ولا يسعه كتمانه، وإن كان عليه حد الزنا أو حد الخمر أو حد السرقة.
قال أصحابنا: إن شاع ذلك في الناس أو تكرر منه وظهر يستحب أن يحضر ويعترف ليقام عليه حد الله تعالى، وإن لم يكن شاع في الناس فالمستحب أن يكتمه ولا يظهره لقوله صلى الله عليه سلم: "فليستتر بستر الله" وقال صاحب "الحاوي": لا وجه لهذا الفرق عندي والصحيح أنه إن تاب فالمستحب له أن يكتمه ولا يقر به، وإن لم يتب فالأولى أن يقر به لأن في إقامة الحد تكفيرًا وتطهيرًا.

الجزء: 13 - الصفحة: 91

فرع آخر قال: المستحب للإمام أن يعرض له بالإنكار إذا رأى منه آثار الندم الذي ذكرناه.
وأتي عمر رضي الله عنه برجل فسأله: أسرقت؟ قل: لا، فقال: لا، فتركه ولم يقطعه وبه قال أبو الدرداء وأبو هريرة رضي الله عنهما، وروي أنه أتي أبو هريرة بسارقٍ وهو أمير على المدينة فقال: أسرقت قل: لا وقال أحمد وإسحاق: لا بأس [80/ب] أن يلقن السارق، وقال أبو ثورٍ مثله إذا كان السارق مضعوفًا أو امرأة.
فرع آخر قال في "الحاوي": يصح العفو عن القطع قبل علم الإمام لقوله صلى الله عليه وسلم في خبر صفوان: "هل قبل أن تأتيني به" وروي أن الزبير رضي الله عنه شفع في سارقٍ فقيل له: حتى يبلغه الإمام فقال: إذا بلغ الإمام يلعن الله الشافع والمشفوع كما قال صلى الله عليه وسلم وروي أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أتي بلصوصٍ فقطعهم حتى بقي واحدٌ منهم فقدم ليقطع فقال: يمين أمير المؤمنين أعيذها بعفوك أن تلقى نكالًا يشينها يدي كانت الحسناء لو تم سترها ولا تعدم الحسناء عيبًا يشيبها فلا خير في الدنيا وكانت حبيبةٌ إذا ما شمالي فارقت يمينها فقال معاوية: كيف أصنع بك وقد قطعت أصحابك؟ فقالت أم السارق: يا أمير المؤمنين: اجعلها من ذنوبك التي تتوب منها فخلى سبيله فكان أول حدٍّ ترك في الإسلام.
فإن قيل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم:" أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود" قلنا: قال الشافعي رضي الله عنه: أراد بذوي الهيئة من لم يظهر منه ريبة، وقيل: خاطب الأئمة في التعزير إن شاءوا عزروا، وإن شاؤوا وتركوا به خاصةً في ذوي الهيئة، وأما إذا أنكر السارق فالقول قوله مع يمينه [81/أ] فإن كان للمدعي بينةٌ تقبل ولا يقبل إلا شهادة رجلين عدلين.
فرع آخر إذا شهد رجلان بالسرقة قال الشافعي رضي الله عنه: استثبتت البينة فإن قالا: هذا

الجزء: 13 - الصفحة: 92

وأشاروا (إلى) السارق سرق من هذا، وأشارا إلى المسروق منه ربع دينار أو ما قيمته ربع دينار من حرز مثله وعينا الحرز ووصفاه لأن فيه اختلافًا قطع حينئذ ولا يكفي أن يقولا: سرق نصابًا من حرز لأن قدر النصاب وكيفية الحرز مختلف فيهما.
قال القاضي الطبري: ويقولان: لا شبهة له فيه وهذا تأكيد لأن الأصل عدم الشبهة وهكذا إذا لم يحضر المالك وحضر وكيله وأقام البينة يحتاج أن يذكر البينة المشهود له وترفع نسبة إلى حيث يزول الإشكال، فإن كان وكيله ويذكر النصاب والحرز والسارق والمسروق، وأما قول الشافعي: ويدعي شهادتهما معناه يدعي سرقة المال الذي شهدا عليه.
فإن قيل: الشافعي لم يذكر إعادة الشهادة بعد حضور المسروق منه ومعلوم أن الدعوى ما لم تسبق لم تسمع الشهادة قلنا: في هذا الكلام تقديم وتأخير، ومراده أن يحضر المسروق منه أولًا ويدعي شهادتهما ثم يشهدان ويحتمل أن يكون معنى قوله: ويدعي شهادتهما فيعدان شهادتهما [81/ب] غير أنه لم يذكر الإعادة ويحتمل أن يقال: لما كان حد السرقة حد الله تعالى لا دعوى فيه، ولا تتحقق السرقة إلا بذكر المال المسروق منه والمسروق فإذا سبق الشاهدان حضور المسروق فشهدا ثم حضرا المالك استغني عن إعادة الشهادة وصار حق المال فيه تبعًا لحق الحد في جواز الاقتصار عل الشهادة المسموعة والاستغناء عن الاستعادة والصحيح أنهما شهدا حسبة وقبلناها للقطع ثم حضر المسروق منه وادعى المال أو أمر بشبهةٍ للسارق في ذلك لا يقطع.
فرع آخر لو أقر ابتداءً من غير دعوى بأن يقول: سرقت مال فلان الغائب قدر النصاب بشرائط القطع أو قال: زنيت بجارية فلانٍ الغائب، قال أبو حامد: هو كما لو شهد به الشهود قال الشافعي: ولو شهدا أن هذا بعينه سرق مالًا مبلغه كذا من حرز وصفاه من فلانٍ ابن فلانٍ الغائب وهما يعرفانه باسمه ونسبه حبس السارق حتى يحضر المسروق منه، فإذا حضر وأكذب الشهود لم يقطع ولم يغرم قال: وإن كان ذلك في الزنا وشهد عليه أربعةٌ بأنه زنا بجارية فلانٍ الغائب وهما يعرفونه بعينه ونسبه أقيم عليه الحد ولم ينتظر حضور المالك، واختلف أصحابنا على ثلاثة طرقٍ فمنهم من قال: في كلتا المسألتين [82/أ] قولان على سبيل النقل والتخريج وهذا اختيار أبي إسحاق: أحدهما: لا يقطع ولا يحد حتى يحضر الغائب لأن الحد يسقط بالشبهة ويحتمل أن يكون المال المسروق للسارق اغتصبه المسروق منه أو من أبيه أو أودعه عنده أبوه ولا يعلم به السارق.
ويحتمل أن يكون المسروق منه أباحه، وكذلك في الأمة يحتمل ما ذكرنا من كونها ملكًا له والشهود شهدوا على الظاهر.
والثاني: يقطع ويحد لأن سبب الحد قد وجد وجواز الشبهة لا يمنعه كما تجوز الشبهة، وإن ادعاه المسروق منه أو

الجزء: 13 - الصفحة: 93

وكيله، ومن أصحابنا من قال: المسألتان على ظاهرهما وهو اختيار ابن سلمة وابن الوكيل والقاضي أبي حامد وهو الأصح.
والفرق أن القطع في السرقة جعل لصيانة الأموال وتحصينها فكان معلقًا بحق الآدمي فلم يقم إلا بعد دعواه وليس كذلك حد الزنا لأنه لم يجعل لتحصين الأموال على الآدميين بل هو حق الله تعالى خالصًا فلم يتعلق بالدعوى وأيضًا حد الزنا لا يسقط بالإباحة والقطع في السرقة يسقط بالإباحة لأنه لو قال: أبحت لكل من دخل الحرز أخذ ما فيه لا يجب القطع على سارقه، ولو قال: أبحت جاريتي لفلان لا يسقط الحد به.
وأيضًا أوسع في الإسقاط، ولهذا لو سرق مال أبيه لم يقطع، ولو زنا بجارية أبيه حد.
[82/ب] ومن أصحابنا من قال: وهو اختيار ابن سريج لا يقطع ولا يحد حتى يحضر الغائب قولًا واحدًا وما ذكره في حد الزنا خطأ من الناقل، وقيل: المنصوص أنه لا يقطع وخالفه أبو إسحاق وهو غلط.
وقال ابن أبي هريرة: يقطع ويحد قولًا واحدًا في الإقرار والطرق الثلاثة من الشهادة بها.
وهو اختيار صاحب "الحاوي" وهذا لقوة الشبهة في الشهادة وضعفها في الإقرار، وإن إقراره على نفسه أقوى من شهادة غيره عليه.
فرع آخر إذا قلنا: يقطع مع غيبة المالك انتزعت منه السرقة ويغرم قيمتها إن كانت تالفة، ثم إن رجع الغائب وادعاها سلمت إليه فإن أنكرها فإن كان ثبوتها بشهادة ردت إلى السارق، وإن كان ثبوتها بالإقرار لم ترد إليه وكانت في بيت المال لأنه في الإقرار منكر لاستحقاقها بخلاف البينة ويفارق هذا ما إذا أقر بدين لغائب لم يؤخذ منه لأن صاحبه رضي بذمته وإن قلنا: لا يقطع فإن كانت السرقة تالفة لم يقبض منه لتكون ذمته مرتهنة به وحبس على حضور الغائب فيه وجهان: أحدهما: لا يحبس لبقاء العين المسروقة.
والثاني: يحبس لحق الله في قطعه.
فإن قيل: كيف يحبس لحق غائب لم يطالبه ولو أقر أنه غصب مال غائب لم يحبس؟ قلنا: الفرق أنه لا ولاية على [83/أ] الغائب فإذا لم يوجد منه المطالبة ولا له تعلق به لم يحبسه وهنا يتعلق به القطع وله المطالبة به فيحبس من أجله حتى لو مات المغصوب منه وخلف أطفالًا فللإمام مطالبته وحبسه عليه لأن له في مال الأطفال ولاية قال ابن أبي هريرة: وهذا إذا كانت مسافة الغائب قريبة فإن كانت الغيبة بعيدة لا يحبس لأنه لا يعلم غاية الحبس وعلى هذا إن كان الحبس لغرم السرقة طولب بكفيل وأطلق، وإن كانت العين قائمة انتزعت من يده وجعلت في يد أمين.
ومن أصحابنا من قال: يحبس بكل حالٍ وهو كلام الشافعي رضي الله عنه.
لو امتنع عند تلف السرقة من إقامة

الجزء: 13 - الصفحة: 94

كفيل حبس على الكفيل لا على قدوم الغائب فإن غرم السرقة لم يجبس ولم يكفل.
فرع آخر لو سرق رجلان وغاب أحدهما وشهد شاهدان على سرقتهما شهادة كاملة قطع الحاضر.
مسألة: قال: ولو ادعى أن هذا متاعه غلبه عليه أو ابتاعه منه أو أذن له في أخذه لم أقطعه.
قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم وهو أن يدعي السارق أن المتاع ملكه وكان قد غلبه عليه أو اشتريت منه أو أذن المالك لي بأخذه وقول الشافعي: حلفت المسروق منه فإن نكل أحلفت المشهود عليه أراد في دعوى الغصب أو الشراء، أما إذا قال: كان أذن لي [83/ب] في أخذه فلا يحلف المدعى عليه أنه لم يأذن بل يرد إليه المال بلا يمين.
ولو قال: كذب الشهود في الشهادة لا يلتفت إلى قوله لأن البينة حجة لا يطرح المشهود عليه فرع لو قال: الشهود عبيدي لا يدرء القطع قال ابن أبي أحمد: إلا أن يكون قاله قبل الشهادة ولعل حجته أن تصير خصمًا ولا تجوز شهادة الخصم.
فرع آخر لو أقر رجلان بالسرقة ثم ادعى أحدهما أن ما أخذه له درء عنه القطع وأقيم على المقر القطع.
وهكذا لو ثبتت السرقة على رجلين بشهادة الشهود ثم ادعى أحدهما ملك المسروق دون الآخر سقط القطع عن المدعي دون الآخر.
فرع آخر قال ابن أبي أحمد: لو سرق اثنان نصف دينار فادعى أحدهما أن كله لي، ولم يدع الآخر ولكنه صدقه لا قطع عليهما لأن المدعي خصم والمصدق أخذ نصف ما أخرجه بعلم من صدقه أنه له ولم يحرزه عنه، وإن كذبه في دعواه قطع المكذب على ما ذكرنا.
فرع آخر قال أيضًا: لو سرق عبد من إنسان مالًا وادعى العبد أن ما أخذه مال سيده وأنكر السيد لا يقطع لادعائه شبهة يمكن صدقه فيها وإنكار السيد للشبهة غير مقبول عليه كما لو أقر السيد على عبده بما يوجب قطعه لم يقبل قوله على العبد إذا أنكره.
فرع آخر قال أيضا: لو ادعى السارق أن المسروق منه عنده لا قطع عليه [84/أ] أيضًا،

الجزء: 13 - الصفحة: 95

وكذلك لو ادعى أن الدار التي دخلها منزله غصبها منه ساكنها لم يقطع لأنه خصم يدعي شبهةً تنافي السرقة.
مسألة: قال: وإن لم يحضر رب المتاع حبس السارق حتى يحضر.
قد شرحنا المسألة.
مسألة: قال: ولو شهد رجل وامرأتان أو شاهدٌ ويمين على سرقةٍ أوجبت الغرم في المال ولم أوجبه في الحد.
هذا توسع في العبارة لا أن الحد يسمى غرمًا، وقد ذكرنا أنه إذا ادعى سرقةً أقام شاهدًا وامرأتين أو شاهدًا وحلف معه يجب الغرم على السارق ولا يلزمه القطع لأنه حد لا يثبت إلا بشاهدين ذكرين وهذا كما لو قال: إن كنت غصبت هذا المال فامرأتي طالق فشهد رجل وامرأتان على الغصب ثبت في حق الضمان دون الطلاق، قال ابن سريج: هذا إذا حلف قبل حكم الحاكم بشاهدٍ وامرأتين أو بشاهدين بالغصب ثم حلف أنه ما غصب طلقت لأنه أمر ثابت جعله صنعةً في الطلاق، ولا يراعي سببه بأي أمرٍ ثبت وقد يترتب على الأمر الثابت بالبينة مالا يثبت بمثل تلك البينة، كأحكام النسب يترتب على الولادة الثابتة بأربع نسوةٍ ذكره القفال وقال: هذه أحد القولين وفيه قول آخر لا يثبت المال ولا القطع في أصل المسألة وهذا غريب.
مسألة: قال: وفي إقرار [84/ب] العبد بالسرقة شيئان.
الفصل قد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يقبل إقراره في المال؟ قولان فقيل: محل القولين إذا كان المسروق قائمًا، لأن له تعلقًا ظاهرًا بالسرقة فإن كان تالفًا لا يقبل قولًا واحدًا.
لأن العبد يدعي شيئًا وراء السرقة إذا ليس من ضرورة السرقة الإتلاف حتى يباع رقه فيها، وقيل: القولان في التالف، والقائم يسترد قولًا واحدًا لأنه بيد سيده فلا يقبل فيه قول العبد، وقيل: القولان في القائم، وفي التالف يقبل قولًا واحدًا، وقيل: القولان في الكل.
فرع آخر لو شهد أحد الشاهدين أنه سرق ثورًا أبيض، وشهد الآخر أنه سرق ثورًا أسود لم يقطع لاختلاف الشهادتين، وقال أبو حنيفة: يقطع لاحتمال أن يكون نصفه أبيض ونصفه أسود فرأى أحدهما السواد والآخر البياض وهذا لا يصح لأن القطع يسقط بالاحتمال، ولأنه لو شهد أحدهما أنه سرق ثورًا والآخر أنه سرق بقرة لا يقبل ولا يقال: يحتمل أن يكون خنثى فرأى أحدهما آلة الذكر والآخر آلة الأنثى كذلك هنا.

الجزء: 13 - الصفحة: 96

باب غرم السارق

مسألة: قال: أغرم السارق ما سرق.
الفصل اعلم أنه إذا سرق عينًا يجب فيها القطع فإن كانت باقيةً ردها [85/أ] بلا خلاف، وإن كانت تالفةً رد قيمتها وبه قال الحسن والنخعي وحماد وعثمان البتي والزهري والأوزاعي والليث وابن شبرمة وأحمد وإسحاق وداود وأبو ثور، وقال أبو حنيفة والثوري: لا يجمع بين القطع والغرم فإن طالب صاحبها بالغرم وغرم له سقط القطع ولو أتلفه بعد القطع لا غرم عليه أيضًا وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي عنه: أنه لو أتلفها بعد القطع يغرم: وقال أبو يوسف ومحمد: لا يغرمها أصلًا، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لو قطع السارق فأتلف أجير المسروق لم يضمن للسارق لأنه غير مالكٍ ولا للمالك لئلا يجتمع في حقه بين القطع والغرم، وقال أيضا: لو سرق حديدا فضربه كوزًا فقطع لا يلزمه رد الكوز لأنه صار كالعين الأخرى، وقال أيضا: لو كان ثوبًا فصبغه أسود فقطع يده لم يرده لأنه صار بالسواد كالمستهلك ولا يحل له التصرف فيهما قال: ولو صبغه أحمر أو أصفر فقطع لا يرد العين أيضًا.
وقال أبو يوسف ومحمد: هنا يلزمه رد العين واحتج بأنه لو رد لكان شريكًا فيها بصبغه ولا يجوز القطع فيما هو شريكٌ فيه وهذا لا يصح لأن صبغه كان قبل القطع، فلو صار شريكًا بالصبغ لسقط القطع، وإن كان يصير شريكًا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو باعه نصفه بعدما قطع صح وصار شريكًا فيه [85/ب] واحتج في سقوط الغرم بعد القطع بما روى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" إذا قطع السارق فلا غرم عليه" ودليلنا أن العين إذا كانت قائمة بعد القطع وجب ردها ومن وجب عليه رد العين وجب عليه رد القيمة إذا أتلفها كما قبل القطع رواه سعد بن إبراهيم عن المسور عن عبد الرحمن.
قال ابن المنذر: سعد بن إبراهيم مجهول، والمسور عن عبد الرحمن مرسلٌ ويحمل على الغرم الثاني الذي كان من أول الإسلام ثم نسخ.
وقال مالك: يقطع بكل حالٍ، وأما الغرم يلزمه إن كان غنيًا وإن كان فقيرًا لا يلزمه ودليلنا القياس على المغصوب لا فرق فيه بين الغني والفقير، وكذلك حكم قاطع الطريق وقد قال الشافعي: لا يسقط حد الله تعالى إذا غرم ما أتلف العباد.
فرع إذا سرق فضةً فضربها دراهم أو ذهبًا فضربه دنانير يقطع ويرد إلى صاحبه وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يرد بناءً على أصلهما أنه يسقط حق صاحبها عنها.
وقد دللنا على فساد هذا الأصل.

الجزء: 13 - الصفحة: 97

باب مالا قطع فيه

مسألة: قال: ولا قطع على من سرق من غير حرزٍ ولا في خلسةٍ ولا على عبد سرق من متاع سيده.
وقد ذكرنا حكم السرقة من غير حرزٍ وحكم المختلس، وأما العبد فلا يقطع بسرقة مال سيده.
وبه قال [86/أ] جماعة الفقهاء، وقال داود: يقطع بها.
وهذا غلط لما روى السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر رضي الله عنه فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق فقال له عمر: ماذا سرق؟ فقال: سرق مرآة لامرأتي ثمنها ستون درهمًا.
فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع خادمكم سرق متاعكم، وروي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن عبدٍ سرق قباء لعبد له فقال: مالك سرق بعضه بعضًا لا قطع عليه وهو قول ابن عباس وكأن له فيه شبهة النفقة وكذا لو سرق المكاتب من سيده لا يقطع لأنه من حكم ملكه، ولو سرق السيد من مال مكاتبه لا يقطع أيضًا؛ لأن له فيه شبهة الملك والمال متردد بينه وبين المكاتب وأما التلميذ والأجير إن سرق ما هو محرز عنه قطع ولا يقطع فيما يتبسط فيه في داره وخزانته ويكون ذلك خيانة.
مسألة: قال: ولا على زوجٍ سرق من متاع امرأته ولا على امرأةٍ سرقت من مال زوجها.
اعلم إنه إذا سرق أحد الزوجين مال صاحبه نقل المزني أنه لا يقطع واحد منهما، وقال في كتاب "اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي": إذا سرقت المرأة من مال زوجها الذي لم يأتمنها عليه وأحرزه منها [86/ب] قطعت.
وقال القاضي أبو حامد: فرق الشافعي في رواية الحارث بن شريح البقال بين المرأة والزوج فأسقط عن المرأة القطع وإن كان في حرزٍ منها للشبهة التي لها في ماله ولم يسقطه عن الزوج وجملته أنه ينظر فإن كان مال واحد مختلطًا بمال الآخر، أو كان متميزًا إلا أنه غير محرز عنه فسرقه لا يقطع قولًا واحدًا وإن كان محرزًا عنه فسرقه ففيه طرقٌ: أحدها: وهو قول الأكثرين المسألة على قولين.
أحدهما: لا يقطع يد واحدٍ منهما وبه قال أبو حنيفة لأن لكل واحد منهما في مال صاحبه شبهة، أما المرأة فلما تستحقه عليه من النفقة، وأما الزوج ورد له فيه شرع

الجزء: 13 - الصفحة: 98

متأول حتى ذهب جماعةٌ من الفقهاء إلى أن المرأة لا تتصرف في مالها إلا بإذنه وأن الزوج هو القيم عليها به ولأن كل واحدٍ منهما ينبسط في مال صاحبه فأشبه الولد مع الوالد.
والثاني: يقطع وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور واختاره المزني وهو الصحيح لأنه عقد على منفعةٍ فلا يتضمن سقوط القطع كالإجارة وأما ما ذكره القائل الأول فيبطل بالصديقين المتلاطفين فإن بينهما تبسطًا وتقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه.
والثانية: أنه تقطع يد كل واحدٍ منهما بمال صاحبه وأراد بما ذكر [87/أ] في موضعٍ آخر إذا لم يكن محرزًا عن صاحبه وهذه الطريقة ضعيفة.
والثالثة: قال القاضي أبو حامد: فيه ثلاث أقوالٍ على ظاهر النصوص.
فرع قال الشافعي رضي الله عنه: ولا على عبد واحدٍ من هؤلاء سرق متاع صاحبه وأراد به أن المرأة إذا لم تقطع بمال زوجها فكذلك عبدها لا قطع بماله، وإذا لم يقطع زوجها بمالها فكذلك عنده لا يقطع لأن يد عبده يده وهذا تفريعٌ على أحد القولين والدليل على هذا خبر الحضرمي الذي ذكرنا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يحمل أن يقال بخلافه لأن العم يدلي إلى الجد بالبنوة ويقطع وهذا خلاف النص.
مسألة: قال: ولا يقطع من سرق من مال ولده.
الفصل لا تقطع يد الأب بسرقة مال ولده ولا ولد ولده سواء في ذلك ولد البنت وإن سفل، ولا يقطع الابن بسرقة مال أبيه ولا جده وإن علا ولا بسرقة مال أمه وجدته وإن علت، وكذلك الجد من قبل الأم وإن علا، وقال داود وأبو ثور: تقطع يد الأب والابن في السرقة، وقال قومٌ: تقطع يد الابن دون الأب كالقصاص.
وهذا غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنت ومالك لأبيك" حين قال له رجلٌ: يا رسول الله إن أبي يريد أن يأخذ من مالي كذا وكذا، وقال حباب بن فضالة لأنس بن مالك: [87/ب] ما يحل لي من مال أبي؟ قال: ما طابت به نفسه، قال: فما يحل لأبي من مالي؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أنت ومالك لأبيك" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن أعرابيًا قال: يا رسول الله إن أبي يريد أن يحتاج مالي قال: "أنت ومالك لأبيك إن أطيب ما أكلتم من كسبكم فكلوا هنئاً".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أولادكم

الجزء: 13 - الصفحة: 99

هبة الله عز وجل يهب لمن يشاء إناثًا ويهب لمن يشاء الذكور وهم وأموالهم لكم" ولأن على كل واحدٍ منهما نفقة الآخر الأحياء فلا يجب إتلافه لأجل المال.
فإن قيل: لم فرقتم بين الأب والابن في القصاص وحد القذف وحد الزنا إذا وطئ جاريته وسويتم بينهما في هذا الحكم؟ قلنا: إن الأب يستحق على الابن جنس الوطء بالإعفاف وهو السبب في اتخاذ الابن فلا يجوز أن يكون سببًا لإعدامه والنفقة تراد لإحياء النفس وهما فيها سواء فصار استحقاقها شبهة لسقوط القطع عنهما، وإذا سرق من سائر الأقارب كالأخوة والأعمام وغيرهم يلزم القطع كما في الأجانب، وقال أبو حنيفة: لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وهذا لا يصح لأنها قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا منع دفع الزكاة فأشبهت قرابة بني الأعمام.
[88/أ] مسألة: قال: ولا قطع في طنبور.
الفصل قال الشافعي رضي الله عنه هنا: ولا قطع في طنبور ولا مزمار، وقال في مواضع أخر: إلا أن يبلغ قيمته ربع دينار فيقطع وهذا لأن لجميع الناس حق نقص تلك الصنعة المحرمة، فإذا لم تبلغ قيمته نصابًا إلا بالصنعة المحرمة لا يقطع، وإن كان بعد فساد الصنعة المحرمة تبلغ قيمة الواحد نصابًا ليعاد إلى الحالة الأولى ويتخذ منها الملاهي بل لأمرٍ آخر يلزمه القطع.
قال أصحابنا: كذلك إذا كان عليه من الذهب والفضة ما يبلغ القطع يقطع، وقال أبو حنيفة: لا يقطع لأن عنده إذا اتصل ما فيه القطع بما ليس فيه لا يقطع، وقال في الصليب من ذهبٍ وزنه نصاب وأكثر لا قطع فيه لأنه اتخذ لأمر محرم ودليلنا أنه سرق نصابًا من ذهب من حرزٍ مثله فيلزمه القطع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا قطع فيهما بحالٍ لأنهما من آلات اللهو المحرم وليس لهما في الحقيقة حرز لأن كل إنسان مأمور بإفسادها ودخول حرزه ليفسدها ولأنه لا يجوز إمساكها فصار كالمال المغصوب إذا سرق من حرز الغاصب وهذا غلط لأن في المغصوب ما رضي مالكه بحرزه بخلاف هذا، وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ، والثالث قال ابن أبي هريرة: إن أخرجه مفصلًا يقطع لزوال المعصية وإلا فلا [88/ب].
فرع قال: ولا يقطع في خمر ولا خنزير لأنه لا قيمة لهما، ولا فرق بين أن السرقة من مسلم أو ذميٍّ، وقال عطاء: إذا سرقها من ذمي يقطع لأنهم يعدونه مالًا وهذا غلط لأنه لو سرقه من المسلم يقطع، فكذلك إذا سرقها من الذمي كالدم وهكذا الخلاف معه في الصليب إذا كانت قيمته نصابًا لتأليفه.

الجزء: 13 - الصفحة: 100

فرع آخر لو كانت الصرة في كمه فبط الكم وأخذها يقطع خلافًا لأبي حنيفة، وإن كان مشدودًا في كمه فسرقه سارقٌ يقطع سواء كان شده خارج الكم أو داخل الكم، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن جعله من داخل إلى برا وشده قطع وإن جعله من برًا إلى داخل وشده لم يقطع وهذا بعيد وبالعكس أولى.
فرع آخر لو سرق مالًا مشتركًا بينه وبين غيره لا يقطع قلت الشركة أو كثرت وإن بلغ نصيب المسروق نصابًا أو نصبًا كثيرةً لأن ثبوت الشركة أقوى بالشبهة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا، والثاني: يقطع لأنه لا شبهة له في مال شريكه.
فرع آخر قال هذا القائل: إذا قلنا: تقطع يده في المال المشترك نظر فإن كان المال متساوي الأجزاء بحيث يجبر الشريك على قسمته بالقرعة كالدراهم والحنطة فيه وجهان: أحدهما: أنه إذا كان [89/أ] الدينار بينهما نصفين فسرق نصف دينار قطع لأنا نتحقق أن ربع الدينار ملك شريكه خاصةً، والثاني: لا يقطع بهذا ولكن يجمع حقه فيما سرق فإن كان المشترك دينارين لم يقطع إلا بأن سرق دينارًا وربعًا، ولا يقطع إذا سرق دينارًا، لأن الدينار حقه والدنانير بينهما متماثلة الأجزاء ولهذا إذا امتنع أحد الشريكين عن القسمة فللأخر أن يأخذ نصيب نفسه، فأما إذا كان المال المشترك غير متساوي الأجزاء كالثياب ونحوها فإنه يقطع وجهًا واحدًا إذا سرق ما يساوي نصف دينار، والفرق أن هناك المال متساوي الأجزاء فإذا أخذ دينارًا فله في جملة المال دينار فجعله كأنه أخذ نصيب نفسه وهناك المال متقارب الأجزاء فلا يجوز له بحال أن يأخذ منه شيئًا إلا بإذن الشريك، فإذا سرق ما يساوي دينارًا جعل سارقًا لربع دينار فقطع.
فرع آخر لو شهد أحدهما بسرقة وقال: قيمته كان نصابًا، وقال الآخر: أقل من نصاب لا يلزم القطع ويؤخذ في المال بالأكثر ويحلف مع الشاهد بالأكثر ويأخذ، وإن رضي بأقل القيمتين يأخذها من غير يمين.
فرع آخر لو شهد شاهدان بأنه نصاب والآخر بأنه دون النصاب لا يقطع ويؤخذ في الغرم بالأقل [89/ب] وقال أبو حنيفة: يؤخذ بالأكثر في الغرم ووافقنا في القطع.
فرع آخر لو قعد الرجل في بيته أو حانوته وفتح الباب وأذن في الدخول عليه للتجارة فدخل داخل وسرق شيئًا متغفلًا لا يقطع، لأنه دخل بالإذن فأخذه خيانةً لا سرقة ًكرجلين سرقا بيتًا فسرق أحدهما من صاحبه لم يقطع، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أنه يقطع

الجزء: 13 - الصفحة: 101

وإن لم يأذن للناس في الدخول عليه وجلس فيه حافظًا مراقبًا فدخل داخلٌ على غفلةٍ منه وسرق قطع.
فرع آخر لو كان صاحب البيت نائمًا في هذه المسألة فدخل داخل على غفلةٍ منه وسرق بعض ما هو موضوع حوله فيه وجهان: أحدهما: يقطع لأن المكان ملكه وهو فيه، وقد جرت العادة بأن ينام صاحب الدار ساعة وساعتين والباب مفتوح، والثاني: لا يقطع أن الموضع وإن كان ملكه والباب مفتوح والنائم كالغائب، ولو وضع ساعةً في بيت مفتوح وغاب فسرق لم يقطع كذلك هنا.
فرع آخر لو قعد في السوق أو في المسجد وهناك كثرة الناس المارة فالصحيح أنه كما لو أذن في دخول بيته فلا قطع لأن المكان مشترك بينه وبين غيره، وفيه وجه آخر يقطع ولو كان مثل هذا في الصحراء فجلس ينظر إلى الشيء وهو موضوع يديه فتغفله السارق وأخذه قطع لأن الناس يقلون هناك، والغالب أنه لا يدنو منه أحد إلا وهو يشعر به [90/أ] ولو نام والشيء موضوع بين يديه لا يكون محرزًا لا في المسجد ولا في السوق كما في الصحراء، وهكذا لو خلع نعليه أو خفيه في موضع.
فرع آخر لو نصب الصباغ أو القصار شيئًا على باب حانوته وألقى عليه الثياب فلذلك حرز يقطع فيه ذكره أصحابنا.
فرع آخر لو سرق من الغنيمة واحد من الغانمين بعد إخراج الخمس منها فحكمه حكم السارق من المال المشترك على ما ذكرنا، وروي عن عليّ رضي الله عنه أنه أتى برجل سرق مغفر حديد من الخمس فقال: ليس عليك قطع هو خائن وله نصيب، وروي في معناه خبر مرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
فرع آخر لو سرق صبي وبالغ أو والد وأجنبي من مال الولد، قطع البالغ والأجنبي خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى.

الجزء: 13 - الصفحة: 102

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل