بحر المذهب للرويانيكتاب الديات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب أسنان الإبل المغلظة والعمد وكيف يشبه العمد الخطأ

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "أخبرنا ابن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلقة في بطونها أولادها ". قال الشافعي رحمه الله: "فهذا خطأ في القتل، وإن كان عمداً في الضرب ". قال في الحاوي: والأصل في وجوب الدية في الكتاب والسنة.
فأما الكتاب فقوله تعالى ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلاَّ خَطَئًا ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فنص على دية أجمل بيانها حتى أخذ من السنة الذي قدمه الشافعي بإسناده عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ". فإذا ثبت وجوب الدية بالكتاب والسنة، فالقتل ينقسم ثلاثة أقسام: قسم يكون عمداً محضاً.
وقسم يكون خطأ محضاً.
وقسم يكون عمد الخطأ يأخذ من العمد شبهاً ومن الخطأ شبهاً.
فأما العمد المحض: فهو أن يكون عامداً في فعله بما يقتل مثله قاصداً لقتله، وذلك أن يضربه بسيف أو ما يقتل مثله من المثقل عامداً في الفعل قاصداً للنفس.
وأما الخطأ المحض: فهو أن لا يعمد الفعل ولا يقصد النفس، وذلك بأن يرمي من الفعل، والقصد.
وأما عمد الخطأ: فهو أن يكون عامداً في الفعل غير قاصداً للقتل، وذلك بأن يعمد ضربه بما لا يقتل في الأعلب، وإن جاز أن يقتل كالسوط والعصا وما توسط من المثقل الذي يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فيأخذ شبهاً من العمد لعمده للفعل ويأخذ شبهاً من

الجزء: 12 - الصفحة: 192

الخطأ لعدم قصده للقتل فسمي عمد الخطأ لوجود صفة العمد في الفعل وصفة الخطأ في عدم القصد، فصار العمد ما كان عامداً في فعله وقصده، والخطأ ما كان مخطئاً في فعله وقصده، وعمد الخطأ ما كان عامداً في فعله خاطئاً في قصده، ووافق أبو حنيفة على عمد الخطأ، وخالف فيه مالك، وقال: لا أعرف عمد الخطأ وليس القتل إلا عمداً أو خطأ، وليس بينهما ثالثة، كما قال: لا أعرف الخنثى وما هو إلا ذكر أو أنثى استدلالاً باستحالة اجتماع الضدين في حالة؛ لأن الخطأ ضد العمد فاستحال أن يجتمعا، كما استحال أن يكون قائماً قاعداً، ومتحركاً ساكناً، ونائماً مستيقظاً، قال: ولذلك ذكر الله تعالى في كتابه حكم العمد المحض وحكم الخطأ المحض، ولم يذكر حكم عمد الخطأ لاستحالته، ودليلنا السنة المعمول بها، ثم الإجماع المنعقد بعدها، ثم الاعتبار الموجب لمقتضاها.
فأما السنة فما قدمه المزني ورواه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها "فدل على مالك من ثلاثة أوجه: أحدها: وصفه بالعمد الخطأ، ومالك ينكرها.
والثاني: إيجاب الدية فيه، ومالك يوجب القود.
والثالث: أنه قدر الدية بمائة من الإبل، ومالك يوجب ما تراضيا به كالأثمان.
فإن قيل: فهذا الحديث لا يصح الاحتجاج به من وجهين: أحدهما: أن علي بن زيد بن جدعان ضعيف لا يؤخذ بحديثه.
والثاني: أن القاسم بن ربيعة لم يلق ابن عمر فكان الحديث منقطعاً.
قيل: أما الوجه الأول في ضعف علي بن زيد فغير مسلم بل هو ثقة قد نقل عنه سفيان وغيره.
وأما الوجه الثاني: في انقطاعه فليس يمتنع أن يكون القاسم بن ربيعة قد لقي ابن عمر، وعلى أنه قد روى من طريق أبي داود، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس فصار من هذا الوجه متصلاً، ويحتمل أن يكون قد رواه عن ابن عمر تارة، وعن عقبة بن أوس أخرى وأما الإجماع فهو مروي عن عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنهم أنهم اتفقوا على عمد الخطأ، وإن اختلفوا في بعض أحكامه ولم يعرف لهم من الصحابة مخالف فصار إجماعاً، وأما الاعتبار: فهو أن العمد المحض لما جمع صفتين من اعتماد الفعل وقصد النفس وسلب الخطأ المحض الصفتين وهو قصد النفس أن يجري عليه حكم العمد من وجه.
وهو تغليظ الدية لاعتماد الفعل وحكم الخطأ من وجه وهو سقوط القود؛ لأنه خاطئ في النفس، فصار من هذا الوجه عمد الخطأ ولا يكون ذلك جمعاً بين ضدين ممتنعين؛ لأنه ليس يجمع بينهما في حكم واحد فيمتنعان.

الجزء: 12 - الصفحة: 193

فصل: فإذا تقرر ثبوت حكم العمد الخطأ فالدية تنقسم ثلاثة أقسام اعتباراً بأقسام القتل.
أحدها: دية العمد المحض، وهي مختصة بثلاثة أحكام: أحدها: تغليظها على ما سنذكره، والثاني: تعجيلها، والثالث: وجوبها في مال الجاني.
والقسم الثاني: دية الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام تخالف تلك الأحكام.
أحدها: أن تكون مخففة.
والثاني: أن تكون مؤجلة.
والثالث: أن تكون على العاقلة.
والقسم الثالث: دية العمد الخطأ وهي مختصة بثلاثة أحكام: أحدها: مأخوذ من أحكام العمد المحض وهو تغليظها.
والثاني والثالث: مأخوذان من أحكام الخطأ المحض وهو تأجيلها ووجوبها على العاقلة.
مسألة: قال المزني رضي الله عنه: "واحتج الشافعي بعمر بن الخطاب وعطاء رضي الله عنهما أنهما قالا في تغليظ الإبل أربعون خلفة وثلاثون حقة وثلاثون جذعة.
قال الشافعي رحمه الله: "والخلفة الحامل وكل ما تحمل إلا ثنية فصاعدا فإنه من إبل العاقلة حملت فهي خلقة تجزئ في الدية ما لم تكن معيبة ". قال في الحاوي: تغليظ الدية في الإبل يكون بزيادة السن والصفة مع اتفاق القدر، وتغليظها في الدراهم والدنانير يكون بزيادة العين مع اتفاق الصفة.
فأما الدية من الإبل فهي مائة بعير لا يختلف قدرها بالتغليظ والتخفيف واختلف في تغليظها بالسن والصفة، فذهب الشافعي إلى أنها أثلاث ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، والخلفات الحوامل التي في بطونها أولادها، وهل ما تحمل إلا ثنية.
وهو في الصحابة قول: عمر، وعثمان، وعلي، وزيد، وابن عباس، والمغيرة وفي التابعين قول عطاء، ومجاهد، وسعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير.
وفي الفقهاء قول مالك، وربيعة بن عبد الرحمن، وأهل الحرمين، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: تغليظها أن تكون أرباعاً خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، ولم يوجب الخلفات، فخالف في السن والصفة، وبه قال سفيان الثوري، وأبو يوسف، استدلالاً بأن

الجزء: 12 - الصفحة: 194

بدل النفس لا يستحق فيه الحوامل كالخطأ؛ لأن الحوامل لا تستحق في الزكاة فلم تستحق في الدية كالزائد على الثنايا؛ ولأن الحمل صفة مجهولة فلم يستحق ثبوتها في الذمة كالمسعر.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ". وقد روي أنه قال: على درج الكعبة ليعم بيانه فلم يجز خلافه ولا دفعه بالتأول.
فإن قيل: فإذا عولتم على هذا النص في الخلفات الأربعين فبأي دليل أوجبتم ثلاثين حقة وثلاثين جذعة؟ قيل: لأمرين أحدهما: قول عمر ومن تابعه من الصحابة والتابعين.
والثاني: أنه لما نص على الخلفات لتغليظها علم أن الباقي دونها ودون الثنايا هي الجذاع، ودون الجذاع الحقاق، فلم يقتصر بالباقي على سن واحدة؛ لأنه خلاف للإجماع، فجعلناه من سنين متواليين، فلذلك أوجبنا ثلاثين جذعة، وثلاثين حقة، وعلى أنه قد روى محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة وما صولحوا عليه فهو لهم "ولأنه لما كان تغليظ الدية ضد تخفيفها اقتضى أن يكون أدنى ما في المغلظة من الأسنان هو أعلى أسنان المخففة لأجل العلتين، فوجب بأن يكون المستحق فيها الجذاع والحقاق دون بنات لبون وبنات مخاض، وهذا يمنع من قياسهم على الخطأ، ويمنع قياسهم على الزكاة أنه لما وجب في الدية الثنايا، وإن لم تجب في الزكاة، وما ذكروه من الجهل بالحمل فغير صحيح؛ لأن للحمل أمارات تدل عليه، له أحكام تتوجه إليه ولا يمتنع أن يثبت في الذمة، منها ما يثبت فيها من غير الدية كما ثبت فيها الجذاع والثنايا كالمطلقة من غير نعت ولا صفة.
فصل: فإذا ثبت تغليظها في الإبل بما وصفنا فقد اختلف قول الشافعي هل يعتبر في الحوامل السن أم لا؟ على قولين: أحدهما: أنه لا يعتبر فيها السن، وأي ناقة حملت من ثنية أو ما دونها لزم أخذها في تغليظ الدية، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "منها أربعون خلفة في بطونها أولادها ". والقول الثاني: أنه يعتبر فيها السن أن تكون ثنية فما فوقها، ولا يقبل ما دون هذا السن من الحوامل، لرواية عقبة بن أوس أن النبي صل الله عليه وسلم قال: "منها أربعون خلفة في بطونها

الجزء: 12 - الصفحة: 195

أولادها ما بين الثنية إلى بازل عامها ". فأما تغليظها في الذهب والورق فيكون زيادة ثلثها على ما سنذكره.
فصل: وإذا قد تقرر صفة الدية المغلظة فهي تتغلظ في العمد المحض إذا سقط فيه القود وتكون في مال الجاني حالة، وتتغلظ في عمد الخطأ وتكون على العاقلة مؤجلة، ولا يجب فيه القود، وأوجب مالك فيه القود وجعلها ابن شبرمة في مال الجاني دون عاقلته.
والدليل عليها ما رواه عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل في عمية أو رمياً بحجر أو ضرباً بعصا أو سوط فعليه عقل الخطأ ومن قتل عمداً فهو قود لا يحال بينه وبين قاتله فمن حال بينه وبين قاتله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرف ولا عدل ". وروي سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله صل الله عليه وسلم: "عقل شبه العمد مغلظ مثل العمد ولا يقتل صاحبه ". ذكرهما الدارقطني في سننه، فسقط بهما قول مالك وابن شبرمة.
فصل: فإذا صح ما ذكرناه فدية العمد المحض مغلظة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتعجيل، والمحل، فتكون في مال الجاني دون عاقلته ودية الخطأ المحض مخففة بأربعة أشياء بالسن، والصفة، والتأجيل والمحل، فتكون على عاقلته دونه، ودية عمد الخطأ مغلظة بشيئين: الصفة والسن، ومخففة بشيئين: التأجيل، والمحل؛ لأنه لما كان عامداً في فعله بخلاف الخطأ ومخطئاً في قصده بخلاف العمد توسط فيها بين حكم الخطأ والعمد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك لو ضربه بعمود خفيف أو بحجر لا يشدخ أو بحد سيف لم يجرح أو ألقاه في بحر قرب البر وهو يحسن العوم أو ماء الأغلب أنه لا يموت من مثله فمات فلا قود وفيه الدية على العاقلة وكذلك الجراح ".

الجزء: 12 - الصفحة: 196

قال في الحاوي: قصد الشافعي بهذا بيان عمد الخطأ بأن يكون عامداً في فعله خاطئاً في قصده وجملته أن آلة القتل على ضربين محدد، ومثقل فأما المحدد من الحديد إذا ضرب بحده أو برمته، فهو عمد محض، لأنه لما كان لا يضرب بحده إلا لقصد القتل صار عامداً في فعله وقصده، فصار عمداً محضاً، وأما المثقل فينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما يقتل ولا يسلم منه مضروبه كالحجر العظيم والخشبة الكبيرة إذا ضربه بهما، فهذا كالمحدود في أنه عمد محض؛ لأنه لا يقصد به الضرب إلا للقتل، فصار عامداً في الفعل والقصد.
والقسم الثاني: ما كان خفيفاً لا يقتل مثله من ضرب به، كالنواة من الحجارة، والقلم من الخشب، فهذا هدر لا يضمن.
والقسم الثالث: ما كان متوسطاً من الحجر والخشب يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل، فإذا فهو عمد الخطأ؛ لأنه عامد في فعله خاطئ في قصده.
وأما إن ألقاه في بحر بقرب البر وهو يحسن العوم فهو على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون مما لا يسلم من مثله لعظم موجه وقلة خلاص من يلقي في مثله، فهذا قاتل عمد يجب عليه القود له مدة في فعله وقصده.
والقسم الثاني: أن يكون مما لا يموت فيه من يحسن العوم فلا شيء فيه.
والقسم الثالث: ما جاز أن يموت منه وجاز أن سلم، فهذا من عمد الخطأ، لعمده في فعله وخطئه في قصده.
وأما شجاج الرأس إذا كان بالمثقل فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مثله يشج في الأغلب، فإذا ضربه به فأوضحه كانت موضحة عمد يجب فيها القود؛ لأنه عامد في فعله وقصده.
والثاني: أن يكون مثله يجوز أن يشج ويجوز أن لا يشج، فإذا أوضحه فهو موضحة عمد الخطأ فيها الدية دون القود.
فأما الضرب الثالث الذي قسمناه في النفس، وهو أن لا يقتل مثله في الأغلب فيقترن به الموت، فيستحيل الشجاج أن يكون مالا يشج مثله فيقترن به الشجاج، لأن الموت قد لا يكون بالطبع وبالأسباب الخفية من أمراض وأعراض، فجاز أن يقترن بالضرب، وإن لم يحدث عنه، والشجاج لا تحدث بالطبع ولا بالأسباب الخافية، فلم يكن حدوثه إلا من الضرب، وقد يكون الحجر عمداً محضاً في الشجاج؛ لأن مثله يوضح الرأس لا محالة، ويكون ذلك الحجر عمداً الخطأ في النفس، فإن كان في النفس؛ لأن مثله يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل فلا يجب به القود في النفس، وإن كان في شجاج الموضحة وجب به القود فيصير الفرق بين النفس وما دونها من وجهين: أحدهما: أنه قد يكون الفعل في النفس هدراً ولا يكون الشجاج هدراً.
والثاني: أنه قد يكون المثقل في النفس عمد الخطأ وفي الشجاج عمداً محضاً، ثم

الجزء: 12 - الصفحة: 197

يكون تغليظ الدية فيهما دون النفس من الأطراف والجراح لتغليظها من النفس على ما سنذكره.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلك التغليظ في النفس والجراح في الشهر الحرام والبلد الحرام وذي الرحم، وروي عن عثمان بن عفان- رضي الله عنه أنه قضى في دية امرأة وطئت بمكة بدية وثلث قال: وهكذا أسنان دية العمد حالة في ماله إذا زال عنه القصاص.
قال المزني رحمه الله: "إذا كانت المغلظة أعلى سناً من سن الخطأ للتغليظ فالعامد أحق بالتغليظ إذا صارت عليه وبالله التوفيق ". قال في الحاوي: أعلم أن الدية على ثلاثة أقسام: أحدها: دية العمد المحض، وهي مغلظة تجب على الجاني حالة.
والثاني: دية العمد الخطأ وهي مغلظة تجب مؤجلة على العاقلة، فيتساوى الديتان في التغليظ ويختلفان في التأجيل والتحمل، فتكون في العمد المحض حالة في مال الجاني، وفي عمد الخطأ مؤجلة على عاقلته؛ لأنه لما كان عمد الخطأ أخف من العمد المحض وقد ساواه في تغليظ الدية لعمده في الفعل خالفه في التأجيل والمحل لخطئه في القصد.
والقسم الثالث: دية الخطأ المحض فهي مخففة على ما سنذكره من صفة التخفيف تتحملها العاقلة مؤجلة في ثلاثة سنين ولا تتغلظ إلا في ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون قتل الخطأ في الحرم.
والثاني: أن يكون في الأشهر الحرم.
والثالث: أن يكون على ذي الرحم المحرم، فتكون مغلظة في الخطأ المحض كما تتغلظ دية العمد المحض ودية العمد الخطأ، فيصير تغليظ الدية في خمسة أحوال: في العمد المحض، وفي العمد الخطأ، وفي الخطأ المحض، وفي الحرم، وفي الأشهر الحرم، وعلى ذي الرحم المحرم.
وقال أبو حنيفة: لا تتغلظ دية الخطأ المحض بالحرم ولا بالأشهر الحرم ولا على ذي الرحم.
وبه قال مالك، والنخعي، والشعبي، استدلالاً برواية ابن مسعود عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "دية الخطأ أخماس "ولم يفرق، ولأن ما وجب بقتل الخطأ لم يتغلظ بالزمان والمكان كالكفارة، ولأن قتل الخطأ أخف من قتل العمد، فلما لم يكن للحرم والرحم والأشهر الحرم زيادة تأثير في قتل العمد، فأولى أن لا يكون لها زيادة تأثير من قتل

الجزء: 12 - الصفحة: 198

الخطأ، ولأن لحرم المدينة حرمة كما لحرم مكة حرمة، ولشهر رمضان حرمة كما للأشهر الحرم حرمة، ولشرف النسب حرمة كما للرحم حرمة، ثم لم يتغلظ الدية بحرمة المدينة وحرمة شهر رمضان وحرمة شرف النسب، كذلك لا تتغلظ بحرمة الحرم، وحرمة الأشهر الحرم، وحرمة الرحم؛ لأن القتل كالزنا لوجوب القتل به تارة وما دونه أخرى، فلما لم يتغلظ حكم الزنا بالمكان والزمان والرحم لم يتغلظ حكم القتل، ولأنه لو تغلظ حكم القتل بكل واحد من هذه الثلاثة لوجب إذا جمعها أن يضاعف التغليظ بها، وفي إجماعهم على سقوط هذا دليل على سقوط ذلك، ولأن الأموال تضمن كالنفوس، والعبد يضمن بالقتل كالحر، ولم يتغلظ ضمان الأموال وقتل العبد بهذه الثلاثة، كذلك لا يتغلظ بها ضمان النفوس في الأحرار، ودليلنا عليه انعقاد الإجماع به، روي ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عباس.
فأما عمر فروى ليث عن مجاهد عن عمر بن الخطاب أنه قال: من قتل في الحرم، أو قتل في الأشهر الحرم، أو قتل ذا رحم فعليه دية وثلث.
وأما عثمان فروى ابن أبي نجيح عن أبيه أن عثمان قضى في دية امرأة قتلت بمكة بستة آلاف درهم وألفي درهم تغليظاً لأجل الحرم.
وفي رواية الشافعي أنه قضى في دية امرأة ديست في الطواف بالبيت فهلكت بثمانية آلاف درهم.
وأما ابن عباس فروى نافع بن جبير أن رجلاً قتل في الشهر الحرام في الحرم فقال ابن عباس: الدية اثنا عشر ألفاً وأربعة آلاف تغليظاً لأجل الحرم، وأربعة آلاف للشهر الحرام.
وليس لقول هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم مع انتشاره عنهم لأن فيهم إمامين مخالف فثبت أنه إجماع لا يجوز خلافه.
فإن قيل: يجوز أن يكون التغليظ الذي أجمعوا عليه هو في العمد المحض أو في عمد الخطأ، فلا يكون فيه دليل على تغليظه بهذه الأسباب الثلاثة في الخطأ، فعنه جوابان.
أحدهما: أنهم قد نصوا على تغليظها بهذه الأسباب، ولو كانت في عمد الخطأ لما تغلظت بها.
والثاني: أنه حكم نقل مع سبب فاقتضى أن يكون محمولاً عليه، كما نقل عن النبي صل الله عليه وسلم أنه سهي فسجد فكان محمولاً على سجوده لأجل السهو، ولأنه لما كانت هذه الأسباب الثلاثة مخصوصة بتغليظ الحرمة في القتل جاز أن يتغلظ بها حكم القتل.

الجزء: 12 - الصفحة: 199

أما الحرم فلقول الله تعالى: ﴿ولا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [البقرة: 191]. ولرواية أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي أن رسول الله صل الله عليه وسلم حرم مكة "فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فلا يسفك فيها دماً، ولا يعضدن فيها شجراً "فإن رخص مترخص فقال: إنها أحلت لرسول الله صل اله عليه وسلم فإن الله أحلها لي ساعة، ثم هي حرام إلى أن تقوم الساعة، ولأنه لما تغلظ بالحرم حرمة الصيد كان أولى أن نغلظ به نفوس الآدميين.
وأما الأشهر الحرم فلقول الله تعالى: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾ [التوبة: 36].
وقال تعالى: ﴿َسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 217]. وقد قال: القتال فيها محرماً في صدر الإسلام لعظم حرمتها وأما ذو الرحم فلقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ويَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ويَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ [الرعد: 21] فقيل: هي الرحم أمر الله بوصلها، ويخشون ربهم في قطعها، ويخافون سوء الحساب في المعاقبة عليها، ولأن رسول الله صل الله عليه وسلم منع أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة: من قتل أبيه يوم بدر، وقال: "دعه يلي قتله غيرك "حتى قتله حمزة بن عبد المطلب، ومنع أبا بكر من قتل ابنه عبد الرحمن يوم أحد، وإذا كانت هذه الثلاثة مخصوصة بزيادة الحرمة وعظم المأثم في القتل جاز أن يختص بتغليظ الدية كالعمد وعمد الخطأ.
ويدل عليه من طريق القياس أنه قتل في الحرم فكان العمد والخطأ في قدر غرمه سواء كقتل الصيد.
وأما الجواب عن عموم جواب ابن مسعود فتخصيصه بدليلنا.
وأما قياسهم على الكفارة، فالجواب عنه أنها لما لم تتغلظ بالعمد لم تتغلظ بهذه الأسباب، والدية لما تغلظت بالعمد تغلظت بهذه الأسباب.
وأما قياسهم على العمد فالمعنى فيه أنه قد استوفى غاية التغليظ فلم يبق للتغليظ تأثير والخطأ بخلافه، وأما اعتبارهم حرم مكة بحرم المدينة فقد اختلف أصحابنا فيه فمنهم من غلظ الدية فيها كتغليظها بمكة من قوله في القديم إن صيدها مضمون فعلى هذا يسقط الاستدلال.
وقال الأكثرون: لا تتغلظ الدية فيها وإن تغلظت بحرم مكة؛ لأن حرم مكة أغلظ حرمة لاختصاصه بنسكي الحج والعمرة، وتحريم الدخول إليه إلا بإحرام، فلذلك تغلظت الدية فيه بخلاف المدينة، وهكذا اختلف أصحابنا في تغليظ الدية بالقتل في الإحرام على هذين الوجهين: وأما اعتبارهم الأشهر الحرام بشهر رمضان فغير صحيح، لأن حرمة شهر رمضان مختصة بالعبادة دون القتل، وحرمة الأشهر الحرم مختصة بالقتل فلذلك تغلظت الدية بالأشهر الحرم ولم تتغلظ بشهر رمضان، وأما اعتبارهم ذا الرحم بذي النسب، فلا يصح، لأن حرمة الرحم أقوى لاختصاصها بالتوارث والنفقة، وأما اعتبار القتل بالزنا، فالفرق بينهما: أن الزنا لما لم يختلف حكمه باختلاف الأعيان لم يختلف المكان والزمان

الجزء: 12 - الصفحة: 200

ولما اختلف حكم القتل باختلاف الأعيان جاز أن يختلف بالمكان والزمان.
وأما اعتبارهم نفوس الأحرار بنفوس العبيد والأموال.
فالفرق بينهما: أنه لما لم يختلف في نفوس العبيد والأموال غرم العمد والخطأ لم يختلف الزمان والمكان, ولما اختلف في نفوس الأحرار غرم العمد والخطأ اختلف بالزمان والمكان والله أعلم.
فصل: فأم استيفاء القصاص والحدود في الحرم فيجوز أن يقتص في الحرام من القاتل في الحل والحرم, وكذلك إقامة الحدود.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يقتص من القاتل في الحل إذا لجأ إلي الحرم, ويلجأ إلي الخروج منه بالهجر وترك المبايعة والمشاراة معه حتى يخرج فيقتص منه في الحل استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران 96 - 97] وقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا ويُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت 67] فوجب بهاتين أن يكون داخله آمنًا, وليس قتله فيه أمنًا.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أعتى الناس على الله القاتل غير قاتله والضارب غير ضاربه والقاتل في الحرم, والقاتل في الجاهلية" وقوله: "القاتل في الحرم" يعني قودًا وقصاصًا؛ لأن ابتداء القاتل داخل في قوله: "القاتل غير قاتله" ولأن حرمة الحرم منتشرة عن حرمة الكعبة فلما لم يجز قتله في الكعبة لم يجز قتله فيما انتشرت حرمتها إليه من جمع الحرم, ولأن حرمة الآدميين أغلظ من حرمة الصيد, فلما حرم قتل الصيد إذا ألجأ إلي الحرم كان قتل الآدمي أشد تحريمًا.
ودليلنا عموم الظواهر من الكتاب والسنة في القصاص وإن لما يقترن بها تخصيص الحل من الحرم, لأن كل قصاص جاز استيفاؤه في الحل جاز استيفاؤه في الحرم كالقاتل في الحرم ولأن كل قصاص استوفى من جانبه في الحرم استوفى منه إذا لجأ إلي الحرم كالأطراف, لأن أبا حنيفة وافق عليها, ولأن كل موضع كان محلًا للقصاص إذا جني فيه كان محلًا, وإن جني في غيره كالحل, ولأن النص وارد بتحريم الهجر وإباحة البيع قال الله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة 275] , وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فأمر أبو حنيفة بهجره وهو محظور ومنع من بيعه وهو مباح, وأخر الاقتصاص منه وهو واجب فصار في الكل مخالفًا للنص.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿ومَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران 96] فهو أنه

الجزء: 12 - الصفحة: 201

محمول على البيت لقوله تعالى: ﴿إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران 96].
فإن قيل: فالمراد به الحرم لأنه قال: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران 97] ومقامه خارج البيت لا فيه فعنه جوابان: أحدهما: أن مقام إبراهيم حجر منقول لا يستقر مكانه, فيجوز أن يكون في وقت وضع الحجر في البيت ثم أخرج منه.
والثاني: أنه محمول على أنه في مقام إبراهيم آيات بينات.
وأما قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت 67] فهو دليلنا لأنه مقتضى الأمن أن لا يؤخر فيه الحقوق ويعجل استيفاءها لأهلها, وإذا أخرت صارت مضاعة فخرج الحرم عن أن يكون آمنًا.
وأما الجواب عن الخبر.
وقوله: "القاتل في الحرم" فمحمول على ابتداء القتل ظلمًا بغير حق دون القصاص لأمرين: أحدهما: أن لقتل القصاص أسماء هو أخص إطلاقه على غيره.
والثاني: أنه جعله من أعتى الناس وليس المقتص من أعتى الناس, لأنه مستوف لحقه ومستوفي الحق لا يكون عاتيًا, وإنما العاتي المبتديء ولئن كان داخلًا في قوله: "من قتل غير قاتله" فأعيد ذكر قتله في الحرم تغليظًا وتأكيدًا كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ [البقرة 238] وأما جمعه بين الكعبة والحرم فقد أجمعنا على الفرق بينهما لأنه يقتص منه في الحرم إذا قتل فيه فجاز أن يقتص منه فيه إذا لجأ إليه, ولا يقتص منه في الكعبة إذا قتل فيها, فلم يقتص منه فيها إذا لجأ إليها وما ذكروه من الصيد وتغليظ حرمة الآدمي عليه فاسد بالإحرام, لأنه يمنع من قتل الصيد ولا يمنع من القصاص مع تغليظ حرمة الآدمي على الصيد كذلك حال الإحرام والله أعلم.

باب أسنان الخطأ وتقويمها وديات النفوس والجراح وغيرها

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "قال الله تعالى: ﴿ومَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء 92] فأبان على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم أن الدية مائة من الإبل, وروي عن سليمان بن يسار قال: إنهم كانوا يقولون دية الخطأ مائة من الإبل عشرةن ابنة مخاض وعشرون بنت لبون وعشرون حقة وعشرون ابن لبون وعشرون جذعة.
قال الشافعي رحمه الله: "فبهذا نأخذ".
قال في الحاوي: أما الدية من الإبل فمائة بعير في العمد والخطأ, وفي عمد الخطأ, قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا لقول الله تعالى: ﴿ودِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء 92] وكان أول من قضة بها في الجاهلية على ما حكاه ابن قتيبة في كتاب المعارف أبو

الجزء: 12 - الصفحة: 202

سارة العدواني الذي كان يفيض بالناس من مزدلغة.
وقيل: إن عبد المطلب أول من سنها فجاء الشرع بها واستقر الحكم عليها إلا أن دية العمد مغلظة على الجاني, وقد ذكرنا تغليظها, ودية الخطأ مخففة على العاقلة, اختلف أهل العلم في صفة تخفيفها, فقالت طائفة: تكون أرباعًا, واختلف من قال بهذا في صفة أرباعها فحكي عن الحسن البصري أنها خمسة وعشرون ابنة مخاض وخمس وعشرون ابنة لبون, وخمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وبه قال علي ابن أبي طالب-عليه السلام-وحكي عن عثمان بن عفان, وزيد بن ثابت, رضي الله عنهما أنها عشرون ابنة مخاض وعشرون ابن لبون, وثلاثة ابن لبون, وثلاثون حقة, وذهب الجمهور إلي أنها أخماس لرواية ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم أنها عشرون ابن مخاض وعشرون ابنة لبون, وعشرون ابن لبون, وعشرون حقه, وعشرون جذعة.
وبه قال من الصحابة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
ومن التابعين عمر بن عبد العزيز وسليمان بن يسار, والزهري ومن الفقهاء مالك, وربيعة والليث بن سعد والثوري, وقال أبو حنيفة: بمثل ذلك إلا في ابن اللبون فإنه جعل مكانه عشرين ابن مخاض.
وبه قال النخعي, وأحمد, وإسحاق, وأضافوه إلي ابن مسعود استدلالًا برواية عبد الرحمن بن سليمان عن الحجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك الطائي عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية الخطأ مائة من الإبل عشرون جذعة وعشرون حقه وعشرون بنت لبون, وعشرون بنت مخاض, وعشرون ابن مخاض ولأن بنت اللبون سن يجب دونها في الديات سن فوجب أن لا يجب ذكر من هذا السن كالجذاع والحقاق, ولأن موضوع دية الخطأ على التخفيف لتحمل العاقلة لها فكان إيجاب بني المخاض أقرب إلي التخفيف من بني اللبون.
ودليلنا ما رواه قتادة عن لاحق بن حميد عن أبي عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود أنه قال: دية الخطأ أخماس عشرون جذعة, وعشرون حقة, وعشرون بنات لبون, وعشرون بنو لبون ذكر, وعشرون بنات مخاض, هذا موقوف عليه.
وقد روى إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطأة عن زيد بن جبير عن خشف بن مالك عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية الخطأ أخماسًا خمسًا جذاع, وخمسًا حقاق, وخمسًا بنات لبون, وخمسًا بنات مخاض, وخمسًا بن لبون ذكر.
وهذه الرواية أثبت من رواية عبد الرحمن بن سليمان وأشبه بما رواه عن ابن مسعود ابنه أبو عبيدة وعلقمة وهو لا يفتي بخلاف ما يروى ثم يدل عليه ما حكاه الشافعي عن سليمان بن يسار من إجماع الصحابة أنهم كانوا يقولون: دية الخطأ مائة من الإبل عشرون بنت

الجزء: 12 - الصفحة: 203

مخاض, وعشرون بنت لبون, وعشرون ابن لبون, عشرون حقة, وعشرون جذعة.
وسليمان تابعي وإشارته إلي من تقدمه محمول على الصحابة فصار ذلك إجماعًا نقله عنهم.
ومن طريق القياس: أن كل ما لا يجب في الزكاة لا يجب في دية الخطأ كالثنايا والفصال, ولأن ما استحق من الإبل مواساة لم يجب فيه بنو المخاض كالزكاة, ولأن بنات المخاض أحد طرفي الزكاة فلم يجب ذكورها في الدية كالجذاع في الطرف الأعلى.
فأما الجواب عن حديثهم مع ضعف الحجاج بن أرطأة, وأن خشف بن مالك مجهول لم يرو عنه إلا زيد بن جبير فهو أن ما رويناه عنه من خلافه وأنه وافق فيه الجماعة من إيدال بني اللون مكان بني المخاض أولى.
وأما قياسهم على الجذاع والحقاق فالمعنى فيه: أنه مال أقيم في الزكاة منها مقاس سن دونها فلذلك لم تجب في الدية وبنو اللبون بخلافها.
وأنا قولهم إنها موضوعة على التخفيف, فإذا تخففت من وجه لم يجب تخفيفها من كل وجه, لأننا نوجب فيها مع التخفيف ما نوجبه في المغلظة من الجذاع والحقاق والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يكلف أحد من العاقلة غير إبله ولا يقبل منه دونها, فإن لم يكن لبلده إبل كلف إلي أقرب البلدان إليه".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في مقادير الدية من الإبل وأسنانها في العمد والخطأ ونقلها نصًا, فأما أنواعهم فلم يرد فيه نص, لأنها موكولة إلي العرف اعتبارًا بنظائرها في الشرع, فتؤخذ الدية من إبل العاقلة في الخطأ وإبل القاتل في العمد فإن كانت إبله عرابًا, وإن كانت بخاتي أخذت بختًا, وإن كانت عرابًا مهرية أخذت مهرية, وإن كانت محتدبة أخذت محتدبة, تؤخذ من جنس ماله ونوعه كالزكاة وسواء كانت إبله خير الأنواع أو أدونها, فإن عدل عن إبله إلي ما هو أعلى قبل من, وإن عدل إلي ما هو أدون لم يقبل كالزكاة وإن طولب بما هو أعلى لم يجب عليه, وإن طولب بما هو أدون كان مخيرًا فيه, فإن لم يكن له إبل كلف الغالب من إبل البلد فإن لم تكن لبلده إبل كلف الأغلب من إبل أقرب البلاد إليه كما قيل في زكاة الفطر, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كانت إبلا لعاقلة مختلفة أدى كل رجل من إبله".

الجزء: 12 - الصفحة: 204

قال في الحاوي: واختلاف إبل العاقلة على ضربين: أحدهما: أن يكون لكل واحد منهم نوع من الإبل فيؤخذ كل واحد منهم من النوع الذي في ملكه ولا يكلف أحدهم إبل غيره, كما لو كانت إبل جميعهم نوعًا واحدًا.
والضرب الثاني: أن تكون إبل الواحد منهم مختلفة الأنواع, فإن أراد أن يعطي من كل نوع منها جاز, وإن أراد أن يعطي من أحد أنواعها, فإن كان هو الأغلب من إبله جاز, سواء كان أعلى أو أدنى, وإن لم يكن أغلب إبله, فإن كان من أعلاها جاز قبوله وإن كان من أدناها قبل من العاقلة في الخطأ, ولم يقبل من الجاني في العمد, لأنها تؤخذ من العاقلة مواساة ومن الجاني استحقاقًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كانت عجافًا أو جربًا قيل: إن أديت صحاحًا جبر على قبولها".
قال في الحاوي: المستحق في إبل الدية ما كان سليمًأ من العيوب لأمرين: أحدهما: أنه يدل عن النفس فأشبه سائر الأعواض.
والثاني: أنه ثابت في الذمة فأشبه زكاة الفطر والنفقات, فإذا كانت إبل العاقلة كلها مراضاة أو عجافًا أو جربى لم يأخذ منها مراضًا ولا عجافًا وإن اخناها في الزكاة إذا لم يكن في ماله غيرها للفرق بينهما في الوجهين المتقدمين, وأخذنا مثل إبله سليمة من العيوب ولا يعدل إلي الغالب من إبل بلده, لأن النوع معتبر بماله وإن منع العيب أخذه فصار أصلًا معتبرًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن أعوزت الإبل فقيمتها دنانير أو دراهم كما قومها عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "والعلم محيط بأنه لم يقومها إلا قيمة يومها, فإذا قومها كذلك فإتباعه أن تقوم متى وجبت ولعله أن لا يكون قومها إلا في حين وبلد أعوزت فيه أو يتراضى الجاني والولي فيدل على توقيمه للإعواز قوله لا يكلف أعرابي الذهب ولا الورق لأنه يجد الإبل وأخذه ذلك من القروي لإعواز الإبل فيما أرى الله وأعلم.
ولو جاز أن يقوم بغير الدراهم والدنانير جعلنا على أهل الخيل الخيل وعلى أهل الطعام الطعام.
قال المزني رحمه الله: "وقوله القديم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم ورجوعه عن القديم رغبة عنه إلي الجديد وهو (بالسنة) أشبه".

الجزء: 12 - الصفحة: 205

قال في الحاوي: أما الدية من الإبل فمقدرة بمائة بعير وردت بها السنة وانعقد عليها بالإجماع, فإذا وجدت لم يجز العدول عنها على مذهب الشافعي في القديم والجديد, فإن أعوزت إما بعدمها وإما بوجودها بأكثر من ثمن مثلها عدل عنها إلي الدنانير والدراهم التي هي أثمان وقيم دون غيرهما من العروض والسلع, ثم اختلف في كيفية العدول عن الإبل إليها على قولين: أحدهما: وبه قال في القديم إنها تعتبر في الدنانير والدراهم عن إعواز الإبل بدلًا من النفس, ولا تكون بدلًا من الإبل, فتكون الدية من الذهب ألف دينار, ومن الورق اثني عشر ألف درهم, فتصير الدية على قوله في القديم ثلاثة أصول مقدرة بالشرع دون التقويم.
والقول الثاني: وبه قال في الجديد, إن إعواز الإبل يوجب العدول إلي قيمتها بالدنانير والدراهم ما بلغت بحسب اختلافها في البلدان والأزمان فتكون الدنانير والدراهم بدلًا من الإبل لا من النفس ولا تكون للدية أصلًأ واحدًا وهو الإبل.
وقال أبو حنيفة: للدية ثلاثة أصول: مائة بعيرًا او ألف دينار, أو عشرة آلاف درهم, يكون الجاني فيها مخيرًا من دفع أيهما شاء فخالفهم الشافعي في القديم في شيئين: أحدهما: أنه خير بين الإبل وغيرها, والشافعي لا يخير فيها مع إمكانها.
والثاني: أنه قدرها بالورق عشرة آلاف درهم, والشافعي قدرها اثني عشر ألفًا ووافقه أن الثلاثة بدل من النفس, فأما على قول الشافعي في الجديد فقد خالفه أبو حنيفة في ثلاثة أشياء: أحدها: التخيير فإنه جعله مخيرًا بين الإبل وغيرها والشافعي لا يخيره.
والثاني: في البدل, فإنه جعل الدراهم والدنانير بدلًا من النفس والشافعي في الجديد يجعلها قيمة تقل وتكثر.
وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل: الدية على أهل الإبل مائة بعير, وعلى أهل الذهب ألف دينار, وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم, وعلى أهل البقر مائتي بقرة, وعلى أهل الغنم ألف شاة, وعلى أهل الحلل مائتا حلة, فجعلوا للدية ستة أصول, ونحن نبدأ بتوجيه قول الشافعي, ثم نعدل إلي خلاف أبي حنيفة.
ووجه قول الشافعي في القديم ما رواه عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلًا من بني عدي قتل فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني شر ألف درهم.
وروى الزهري من أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أهل اليمن: "أن الرجل يقتل بالمرأة, وعلى أهل الذهب ألف دينار, وعلى أهل

الجزء: 12 - الصفحة: 206

الورق اثني عشر ألف درهم" وإذا صح هذان الحديثان فالذهب والورق أصلان مقدران كالإبل, ولأن ما استحق في الدية أصلًا مقدرًا كالإبل.
ووجه قوله في الجديد ما رواه سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار أو عدلها من الورق ويقومها على أثمان الإبل, فإذا قلت الإبل رفع من قيمتها, وإذا هانت برخص منها نقص فبلغت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين أربعمائة دينار إلي ثمانمائة دينار أو عدلها".
وروي أن أبا بكر رضي الله عنه قوم لما كثر المال وغلت الإبل مائة من الإبل من ستمائة دينار إلي ثمانمائة دينار, حكاه أبو إسحاق في شرحه.
وروى سفيان بن الحسين عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده, قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار, وكانت كذلك حتى استخلف عمر فغلت الإبل, فصعد المنبر فخطب وقال: ألا إن الإبل قد غلب فقضى- يعني في الدية - على أهل الذهب بألف دينار, وعلى أهلي الورق اثني عشر ألف درهم لأن الإبل إذا كانت هي المستحقة وجب أن يكون العدول عند إعوازها إلي قيمتها اعتبارًا بسائر الحقوق وبالحرية المقدرة بالذهب إذا عدل عنه رجع إلي قيمته فهذا توجيه القولين.
فصل: مع أبي حنيفة لا يعد عن إبل الدية إذا وجدت, وخير أبو حنيفة بين الإبل وبين الدراهم والدنانير استدلالًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بجميعها, فدل على التخيير فيها ولأن العاقلة تتحملها مواساة مكان التخيير فيها أرفق ككفارة اليمين, ولأن الدراهم والدنانير أصول الأموال فلم يجز أن تجعل فرعًا للإبل.
ودليلنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا إن في قتيل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطون أولادها", فاقتضى أن تكون الإبل أصلًا لا يعدل عنها إلا بعد العدم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أكرموا الإبل فإن فيها رقوء الدم" فخصها بهذه الصفة, لأنها تبذل الدية فيعفها بها عن القود فدل على اختصاصها بالحكم.
وروى عطاء قال: كانت الدية بالإبل حتى قومها عمر بن الخطاب, قال

الجزء: 12 - الصفحة: 207

الشافعي: "ما قومها إلا قيمة يومها", وإذا كان العدول عنها قيمة لها لم تستحق القيم إلا بعد العدم, لأن ما استحقه الآدميون من حقوق الأموال إذا تعينت لم يدخلها تخيير كسائر الحقوق, وليس لما احتيج به من قضاء النبي صلى الله عليه وسلم بجميعها وجه لاحتمال قضائه بذلك مع الإعواز والعدم, ولا توجب المواساة بها التخيير فيها كما لا يخير بين ما سوى الدنانير والدراهم وبين غيرها من العروض والسلع وكذلك قوله: إنها أرفق.
فصل: قدر أبو حنيفة الدية من الورق عشرة آلاف درهم, وعند الشافعي أنها إذا تقدرت كانت اثني عشر ألف درهم, فقوم الشافعي كل دينار باثني عشر درهمًا, وقومه أبو حنيفة بعشرة دراهم استدلالًا بقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الدية بعشرة آلاف درهم وبقول علي بن أبي طالب عليه السلام: وددت أن لي بكل عشرة منكم واحدًا من بني فراس بن غنم, وصرف الدينار بالدراهم, فدل على أن قيمة الدينار عشرة دراهم, ولأن الشرع قد قدر في الزكاة والسرقة كل دينار في مقابلة عشرة دراهم, أما الزكاة فلأن نصاب الذهب عشرون مثقالًا ونصاب الورق مائتا درهم.
وأما السرقة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القطع في دينار أو عشرة دراهم".
ودليلنا ما روى سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار, عن عكرمة, عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألف درهم وحديث عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الدية اثني عشر ألف درهم, ولأنه قول سبعة من الصاحبة أنهم حكموا في الدية باثني عشر ألف درهم منهم الأئمة الأربعة وابن عباس, وأنس بن مالك, وأبو هريرة رضوان الله عليهم, ولو يظهر مخالف فكان إجماعًا لا يسوغ خلافه.
فإن قيل: فقد روي عن عمر أنه قضى في الدية بعشرة آلاف درهم قيل المشهور فيه ما رويناه, وقد رواه عمرو بن شعيب وحضر السيرة فيه فكان أثبت نقلًا وأصح عملًا, ولو تعارضت عنه الروايتان كان خارجًا من خلافهم ووفاتهم, ولكان من قول من عداهم إجماعًا منعقدًا, فإن قيل فتحمل الاثني عشر ألفًا على وزن ستة, والعشرة آلاف على وزن سبعة, فيكون وفاقًا في القدر, وإن كان خلافًا في العدد, قيل: ليس تعرف دراهم الإسلام إلا وزان سبعة, ولو جاز لكم أن تتأولوه على هذا لجاز لنا أن نقابلكم بمثله فتأول من روى عشرة آلاف درهم على أنها وزن ثمانية, ومن روى اثني عشر ألف على أنها وزن سبعة.
وقولهم: إن الدينار موضوع في الشرع على مقابلة عشرة دراهم في الزكاة والسرقة فليست الزكاة أصلًا للدية, لأن نصاب الإبل فيها خمس, ونصاب الذهب عشرون مثقالًا, يكون البعير الواحد في مقابلة أربعة دنانير, والدية من الإبل مائة بعير تقتضي على اعتبار الزكاة أن تكون الدية من

الجزء: 12 - الصفحة: 208

الذهب أربعمائة دينار, وهذا مدفوع بالإجماع فكذلك اعتبار نصاب الورق بنصاب الذهب, وأما السرقة فالحديث فيها مدفوع الونقل مردود فيما ورد فيه فكيف يجعل أصلًا لغيره, وقد روينا أنه قال: "القطع في ربع دينار أو ثلاثة دراهم", فأما المزني فإنه قال: ورجوعه عن القديم رغبة عنه إلي الجديد وهو أشبه بالسنة يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون القديم أشبه بالسنة فيكون اختيارًا له.
والثاني: يحتمل أن يكون الجديد أشبه بالسنة فيكون اختيارًا له والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وفي الموضحة خمس من الإبل وهي التي تبرز العظم حتى يقرع بالمرود لأنها على الأسماء صغرت أو كبرت شانت أو لم تشن".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن شجاج الرأس إحدى عشرة شجة في قول الأكثرين منها ستة قبل الموضحة وأربعة بعدها وهي أربع عشرة شحة في قول آخرين منها ثمانية قبل الموضحة, وخمس بدها, فأولها الحارضة, ثم الدامية, ثم الدامغة, ثم الباضعة, ثم المتلاحمة, وقد يسميها أهل المدينة البازلة, ومنهم من يجعل بين الموضحة والهاشمة شجة زائدة, وهي المفرشة, ثم المنقلة, ثم المأمومة, ثم الدامغة, وكان ابن سريج لا يجعل بعد المأمومة شيئًا, ولا يستحق فيما قبل الموضحة وبعدها قصاص, فأما الدية المقدرة فلا تجب فيما قبل الموضحة, ويجب فيها وفيما بعدها فتصير شجاج الرأس منقسمة ثلاثة أقسام: أحدها: ما لا يجب فيه قصاص ولا دية مقدرة وهو ما قبل الموضحة.
والثاني: ما يجب فيه الدية المقدرة ولا يجب فيه القصاص وهو ما بعد الموضحة.
والثالث: ما يجب فيه القصاص ويجب فيه الدية المقدرة وهو الموضحة ودية الموضحة مقدرة بخمس من الإبل لرواية عمرو بن حزم أن في كتاب رسول الله صلى الله ليه وسلم إلي أهل اليمن, وفي الموضحة خمس من الإبل".
ورواه معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لفظًا سمعه منه.
وروى عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده أن رسول الله صلى الله ليه وسلم قال: "من الموضحة خمس خمس" وإذا كان هذا ثابتًا ففي الموضحة خمس من الإبل سواء كانت في الرأس أو في الوجه ولا تجب فيها إذا كانت في غيرها من البدن إلا أرش على ما سنذكره, ففرق الشافعي بين موضحة الرأس والوجه وبين موضحة الجسد وسوى بين موضحة الرأس والوجه في كل واحدة منهما خمس من الإبل, وفرق سيد بن المسيب بينهما فأوجب في موضحة الرأس خمسًا من الإبل, وفي موضحة الوجه عشرًا, وفرق مالك بينهما فأوجب

الجزء: 12 - الصفحة: 209

في موضحة الرأس خمسًا وأوجب في موضحة الأنف خمسًا, وما قدمناه من عموم الأخبار دليل عليها.
فصل: فأما صفة الموضحة فقد قدمناه في حكم القصاص منها وهو ما أوضح عن العظم وأبرزه حتى يقرع بالمرود وإن كان العظم غير مشاهد بالدم الذي يستره أو أوصل المرود إليه, وقال الشافعي: "وهي على الأسماء صغرت أو كبرت" وهذا صحيح وفيها إذا صغرت فكانت كالمحيط أو كبرت فأخذت جميع الرأس خمس من الإبل, لأنها على الأسماء فاستوي حكم صغيرها وكبيرها كالأطراف التي تتساوى فيها الديات ولا تختلف بالصغر والكبر, وسواء كانت الموضحة في مقدم الرأس أو مؤخره, وسواء كانت في جهة الوجه أو في لحيته وذقنه, سترها الشعر أو لم يسترها, قال الشافعي: "شانت أو لم تشن" هذا مذهب أن فيها خمسًا من الإبل فيما شان أو لم يشن قل الشين أو كثر, وحكي عنه أنه قال في موضع آخر: إن موضحة الجبهة إذا كثر شينها في الوجه أن فيها أكثر الأمرين من ديتها أو أرش شينها, فاختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: أن خرجوا زيادة الشين في الرأس والجوه على قولين.
والوجه الثاني: أنه لا يلزمه في شين الرأس إلا ديتها, ويلزمه في شين الوجه أكثر الأمرين من أرشدها أو ديتها, لأن شينها في الوجه أقبح, وهي من العين والخوف عليها أقرن.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو كان وسطها ما لم ينخرق فهي موضحتا فإن قال: شققتها من رأسي, وقال الجاني: بل تأكلت من جنايتي فالقول المجني عليه مع يمينه لأنهما وجبتا له فلا يبطلهما إلا إقراره أو بينة عليه".
قال في الحاوي: إذا كان في وسط الموضحة حاجز بين طرفها لم يخل ذلك الحاجز من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون جلدة الرأس وما تحتها من اللحم فيكون هذا الحاجز فصلًا بينهما فتصير موضحتين, ويلزمه فيهما ديتان, سواء صغر الحاجز ودق أو كبر وغلظ.
والقسم الثاني: أن يكون الحاجز بينهما لحمًا بعد انقطاع الجلد عنه فصار به ما بقي من اللحم بعد انقطاع الجلد حارصة أو متلاحمة فهي موضحة واحدة وليس عليه أكثر من ديتها سواء قل اللحم أو كثر, انكشف عند الاندمال أو لم ينكشف وهكذا لو كان ذلك في

الجزء: 12 - الصفحة: 210

طرفي الموضحة مع إيضاح وسطها لم يلزمه إلا دينها, ودخل حكومة الحارصة والمتلاحمة والسمحاق فيها, نص عليه الشافعي لأنه لو أوضح ما لم يوضحه منها لم يلزمه أكثر من ديتها فبأن لا يلزمه إذا لم يوضحه أولى.
والقسم الثالث: أن يكون الحاجز بينهما هو الجلد بعد انخراق ما تحته من اللحم حتى وضع به العظم فصارت موضحتين في الظاهر وواحدة في الباطن ففيه وجهان: أحدهما: أنها موضحتان اعتبارًا بالظاهر في الانفصال.
والثاني: أنها موضحة واحدة اعتبارًا بالباطن في الاتصال.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الموضحتين بالحاجز بينهما من قليل وكثير وانخرق الحاجز بينهما حتى اتصلت الموضحتان فهذا على ضربين: أحدهما: أن تنخرق بالسراية التي تآكل بها الحاجز حتى انخرق فتكون موضحة واحدة, لأن ما حدث عن الجناية من سراية كان مضافًا إليها والجاني مأخوذ بها.
والضرب الثاني: أن ينخرق الحاجز بقطع قاطع فلا يخلو حال قاطعه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون هو الجاني يعود فيقطعه فتكون موضحة واحدة, لأن أفعال الجاني يبني بعضها على بعض ألا ترى أنه لو قطع يديه ورجليه, ثم عاد فقتله لم يلزمه إلا دية واحدة ولو قتله غيره لزمه ديتان في اليدين والرجلين.
والقسم الثاني: أن يقطعه المجني عليه فيلزم الجاني موضحتان, لأن فعل المجني عليه لا يبني على فعل الجاني كما لو قطع الجاني يديه ورجليه وقتل المجني عليه نفسه كان على الجاني ديتان في اليدين والرجلين.
والقسم الثالث: أن يقطعه حتى ينخرق بجنايته الحاجز الذي بينهما فتكون ثلاثة مواضع يلزم الأول منها موضحتان, ويلزم الثاني موضحة واحدة, لأن فعل أحدهما لا يبني على فعل الآخر, وفعل كل واحد منهما مضمون, كما لو قطع الأول يديه ورجليه وقتله الثاني كان على الأول ديتان في اليدين والرجلين, وعلى الثاني دية النفس, فلو اختلفا بعد زوال الحاجز الذي بينهما فقال الجاني: أنا قطعته أو قطعه أجنبي فعليك موضحتان فالقول قول المجني عليه مع يمينه إذا عدم الجاني البينة, لأننا على يقين من استحقاق الموضحتين بابتداء الجناية وفي شك من سقوط أحداهما, فاعتبر حكم اليقين دون الشك, كما لو قطع يديه ورجليه, ثم مات المجني عليه فاختلف الجاني والولي, فقال الولي: مات من عير جنايتك فعليك ديتان, وقال الجاني: مات من جنايتي فعلى دية واحدة وأمكن ما قاله كل واحد منهما فالقول قول الولي مع يمينه وله ديتان لوجوبهما بابتداء الجناية.

الجزء: 12 - الصفحة: 211

فصل: وإذا (شجه) موضحة أخذت مقدم رأسه وأعلى جبهته فصار بها موضحًا لرأسه وجبهته ففيه وجهان: أحدهما: أنهما موضحتان ويلزمه ديتاهما, لأنهما على عضوين فانفرد كل واحد منهما بحكمه.
والوجه الثاني: أنها موضحة واحدة لاتصال بعضها ببعض فلم ينفصل حكمهما بالمحل, ولو شجه موضحة أخذت مؤخر رأسه وأعلى قفاه فصار بها موضحًا لرأسه وقفاه لزمه دية الموضحة في رأسه وحكومة الموضحة في قفاه وجهًا واحدًا, لأنهما عضوان ولموضحتهما حكمان, لأن في موضحة الرأس دية وفي موضحة القفا حكومة فلم يتداخلا مع اختلاف حكمهما ومحلهما, ولو شجة موضحة في طرفيها ما دون الموضحة تداخلا ولزمه دية الموضحة, وإن كان ما دونها مخالفًا لحكمهما لو انفرد؛ لأنه الأغلب من حال الموضحة أن يندرج طرفاها حتى يوضح وسطها فألحق الطرفان بالوسط من العضو الواحد وهي متصلة فهي موضحتان يلزمه أرشهما وجهًا واحدًا؛ لأن محلهما مختلف وأرشهما مختلف, لأن في مواضع الجسد حكومة تختلف أرشها باختلاف الشين فلم يتداخل بعضها من بعض مع اختلاف المحل والأرش.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "في الهاشمة عشر من الإبل وهي التي توضح وتهشم".
قال في الحاوي: أما الهاشمة فهي التي أوضحت عن العظم وهشمته حتى كسرته وفيها عشر من الإبل وهو قول أبي حنيفة وجمهور الفقهاء وقال مالك, وطائفة من أهل المدينة: فيها دية الموضحة وحكومة في الهشم غير مقدرة, لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدر دية الموضحة بخمس ودية المنقلة بخمس عشرة, وأغفل الهاشمة عشرًا من الإبل وليس يعرف له مخالف فكان إجماعًا, ولأن لما كانت الموضحة ذات وصف واحد وفيها خمس من الإبل وكانت المنقلة ذلات ثلاثة أوصاف إيضاح, وهشم وتنفيل, وفيها خمس عشرة وجب إذا كانت الهاشمة ذات وصفين أن تكون ديتها بين المنزلتين فيكون فيها عشر من الإبل كالذي قلناه في نفقة الموسر إنها مدان ونفقة المعسر أنها مد فأوجبنا نفقة المتوسط مدًا ونصفًا لأنه بين المنزلتين, ولأن كسر العظم بالهشم ملحق بكسر ما تقدرت

الجزء: 12 - الصفحة: 212

ديته من السن وفيه خمس من الإبل, فكذلك في الهشم, فصار مع الموضحة عشرًا.
فصل: فإذا ثبت أن في الهاشمة عشرًا من الإبل فلو هشم ولو يوضح ففيه خمس من الإبل, وأوجب بعض أصحابنا في الهاشمة إذا انفرد حكومة كهشم أعضاء البدن ,وهذا فاسد, لأنها لما لم تتقدر موضحة الخد وهاشمته لم يتقدر انفراد هشمه ولما تقدرت موضحة الرأس وهاشمته تقدر انفراد هشمه, وهذا الهشم مما لا يرى فلا يثبت حكمه إلا بإقرار الجاني أو شهادة عدلين من الطب يشهدان باختيار الشجة أن فيها هشمًا يقطعان به, فلو أوضح وهشم فأراد المجني عليه أن يقتص من الموضحة في العمد حكم له بالقصاص وأإرم دية الهشم خمسًا من الإبل, ولو شجه هاشمتين عليهما موضحة واحدة كانتا هاشمتين وعليه ديتاهما, لأنه زاد إيضاح ما لا هشم تحته, ولو أوضحه موضحتين تحتهما هاشمة واحدة كانت موضحتين, لأنه قد زاده هشم ما لا إيضاح عليه.
فإن قيل: فهذا هشم في الباطن دون الظاهر فهلا كان على وجهين كالموضحة في الباطن دون الظاهر؟ قيل: الفرق بينهما امتزاج اللحم بالجلد في الموضحة, وانفصال العظم عن اللحم والجلد في الهاشمة.
فصل: وقد ذكرنا أنه جعل بين الموضحة والهاشمة شحة تسمى المفرسة وهي الموضحة إذا اقترن بها صداع, فينظر في الصداع الحادث عنها, فإن انقطع ولم يدم فلا شيء فيه سوى دية الموضحة, كما لو ضربه فألمه وإن استدام الصداع على الأبد ولم يسكن كان فيه مع دية الموضحة حكومة لا تبلغ زيادة الهاشمة, لأنه بالاستدامة قد صار كالجرح الثابت, فإن كان يضرب في زمان ويسكن في زمان نظر, فإن علم أن عود الصداع من الموضحة كان فيه حكومة, وإن علم أن من غيرها فلا حكومة فيه ولا فيما تقدمه, لأنه لم يدم, وإن شك فيه فلا حكومة فيه, لأنها لا تجب بالشك.
فصل: وإذا شجه فهشم مقدم رأسه وأعلى جبهته فصار هاشمًا لرأسه وجبهته كان على وجهين كما قلنا في الموضحة: أحدهما: تكون هاشمتين, لأنها على عضوين.
والثاني: تكون هاشمة واحدة لاتصال بعضها ببعض, ولو شجه فأوضح رأسه وهشم جبتهته, أو هشم رأسه وأوضح جبهته كان مأخوذًا يديه موضحة في إحداهما وبهاشمته في الأخرى, لأن محلها مختلف وديتها مختلفة فلم يتداخلا مع اختلاف المحل والدية.

الجزء: 12 - الصفحة: 213

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل وهي التي تكسر عظم الرأس حتى يتشظى فينقل من عظامه ليلتئم".
قال في الحاوي: أما المنقلة فهي التي تهشم العظم حتى يتشظى فينتقل حتى يلتئم.
قال الشافعي: تسمى المنقولة أيضًا, وفيها خمس عشرة من الإبل, وقد انعقد عليه الإجماع لرواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في المنقلة خمس عشرة من الإبل".
وروى عمر بن حزم أن في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي أهل اليمن: في الموضحة خمس وفي المنقلة خمس عشرة, وفي المأمومة ثلث الدية فلو أراد القصاص من الموضحة سقط بالقصاص ديتها وهي خمس, ووجب الباقي من ديتها وذلك عشر من الإبل في الهشم والتنقيل, ولو شجه منقلة لا إيضاح عليها لزمه كمال ديتها بخلاف الهاشمة إذا لم يكن عليها إيضاح, لأن المنقلة لابد من إيضاحها لتنقيل العظم الذي فيها فصار الإيضاح عائدًا إلي جانبها فلزمه جميع ديتها, والهاشمة لا تفتقر إلي إيضاح فلم يلزمه إلا قدر ما جني فيها, وإذا شجه في رأسه شجة متصلة كان بعضها وبعضها هاشمة وبعضها منقلة كان جميعها منقلة لا يؤخذ أكثر من ديتها لأنها غاية جنايته التي تندرج حالًا بعد حال, وسواء في دية المنقلة أن يتشظى عظمها فلا يعاد أو يتشظى فيعاد بعينه أو بغيره أن في جميعها خمس عشرة من الإبل, كما يجب في ذلك في صغير الموضحة وكبرها, وإذا انتقلت الشجة في موضعين من رأسه وقد اتصل إيضاحها كانت منقلتين كما قلنا في الهاشمتين لما قدمناه من الفرق, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وذلك كله في الرأس والوجه واللحي الأسفل".
قال في الحاوي: يعني تقدير دية الموضحة بخمس والهاشمة بعشر والمنقلة بخمس عشرة إنما يكون في الرأس والوجه واللحى الأسفل فأما في الجسد وما قارب الرأس من العنق فلا يتقدر فيه دية الموضحة ولا دية الهاشمة, ولا دية المنقلة ويجب فيها حكومة ألا يبلغ بأرش موضحها خمسًا ولا بأرش هاشمتها عشرًا, ولا بأرش منقلتها خمس عشرة للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنها على الرأس أخوف.

الجزء: 12 - الصفحة: 214

والثاني: أن شينها فيه أقبح, ويتغلظ هذه الشجاج في الرأس بالعمد, ويتخفف بالخطأ, ولا تتغلظ في الجسد بعمد ولا خطأ, لأن التغليظ يختص بالمقدر من الديات ولا يدخل فيها ما لا يتقدر من أروش الجنايات, فيتغلط خمس الموضحة بالأثلاث فيكون فيه خلفتان, وجذعة ونصف, وحقة ونصف, فتخفف فيها بالأخماس فيكون فيها جذعة وحقة, وبنت لبون وابن لبون, وبنت مخاض, وتتغلظ غير الهاشمة بالأثلاث قيكون فيها أربع خلفات, وثلاث جذاع وثلاث حقاق, ويتخفف بالأخماس فيكون فيها جذعتان, وحقتان, وبنتا مخاض, ويتغلظ في خمس عشرة في المنقلة بالأثلاث فيكون فيها ثلاثة جذاع, وثلاث حقاق, وثلاث بنات لبنون, وثلاثة بني لبون, وثلاثة بنات مخاض, وعلى غير هذا فيما زاد ونقص فيما يقدر من ديات الأعضاء والأطراف.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي المأمومة ثلث النفس وهي التي تخرق إلي جلد الدماغ".
قال في الحاوي: أما المأمومة فهي الواصلة إلي أم الرأس, وأم الرأس هي الغشاوة المحيطة بمخ الدماغ وتسمى الأمة.
وأما الدامغة فهي التي خرقت غشاوة الدماغ حتى وصلت إلي مخه, وفيها جميعًا قلق الدية لا تفضل دية الدامغة على دية المأمومة, وإن كنت أرى انه يجب تفضيلها بزيادة حكومة في خرق غشاوة الدماغ لأنه وصف زائد على صفة المأمومة وإن لم يحك عن الشافعي.
والدليل على أن المأمومة ثلث الدية حديثان: أحدهما: حديث عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: في الأمة ثلث الدية.
والآخر: حديث عمرو بن حزم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي أهل اليمن, وفي المأمومة ثلث الدية, ولأنها واصلة إلي جوف فأشبهت الجائفة, فلو أراد المجني عليه أن يقتص من الإيضاح سقط من ديتها إذا اقتص دية الموضحة خمس من الإبل وأخذ بالباقي منها وهو ثمانية وعشرون بعيرًا وثلث, فلو شجه رجل موضحة وهشمه ثان بعد الإيضاح ونقله ثالث بعد الهشم وأمه رابع بعد التنقيل كان على الأول دية الموضحة خمس من الإبل وعلى الثاني ما زاد عليها من دية الهاشمة وهي خمس من الإبل, وعلى الثالث ما زاد عليها من دية المنقلة وهي خمس من الإبل, وعلى الرابع ما زاد عليها من دية المأمومة وهي ثمانية عشرًا بعيرًا وثلث, فإن أريد القصاص اقتص من الأول الموضح دون من عداه, وأخذ من كل واحد منهم ما يلزمه من دية جنايته, ولو جرحه في وجنته من وجهه جراحة حرقت الجلد واللحم وهشمت العظم وتنقل العظم إلي أن وصلت إلي الأم أو كانت في إحدى الحصتين فخرقت كذلك حتى وصلت إلي الفم ففيها قولان حكاهما

الجزء: 12 - الصفحة: 215

أبو حامد المروزي في جامعه.
أحدهما: أنها مأمومة يجب فيها ثلث الدية, ويكون وصولها إلي الفم كوصولها إلي الدماغ لأنها عملت عمل المأمومة.
والقول الثاني: أنه يجب فيها دية منتقلة وزيادة حكومة في وصولها إلي الفم لا يبلغ بها دية المأمومة, لأن وصول المأمومة إلي الدماغ أخوف على النفس من وصولها إلي الفم فلم يبلغ بدية ما قل خوفه دية ما هو أخوف.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولم أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم فيما دون الموضحة بشيء ففيما دونها حكومة لا يبلغ بها قدر موضحة وإن كان الشين أكثر".
قال في الحاوي: قد ذكرنا شجاج الرأٍس قبل الموضحة وأنها ست الحارصة: وهي التي تشق الجلد, ثم الدامية, وهي التي يدمى بها موضع الشق, ثم الدامغة, وهي التي يدمغ منها الدم, ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم فتشقه, ثم المتلاحمة وهي التي تمور في اللهم حتى تنزل فيه وقد تسمى البازلة, ومنهم من جعل البازلة شجة زائدة بين الباضعة والمتلاحمة فيجعل ما قبل الموضحة سبعًا, ثم السمحاق, وهي التي تمور جميع اللحم حتى تصل إلي سمحاق الرأس وهي جلدة تغشى عظم الدماغ ويسميها أهل المدينة الملطاة, ومنهم من جعلها بين المتلاحمة والسمحاق فيجعل شجاج ما قبل الموضحة ثمانيًا, ولا أعرف لهذه الملطاة حدًا يزيد على المتلاحمة وتنفص عن السمحاق فيصير وسطًا بينهما, وليس في جميع هذه الشجاج التي قبل الموضحة أرش مقدر بالنص, وأول الشجاج التي ورد النص بتقدير أرشها الموضحة لانتهائها إلي حد مقدر فصار أرشها مقدرًا كالأطراف, وإذا لم يتقدر أرش ما قبل الموضحة نصًا فقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الظاهر من نصوص الشافعي, وقول جمهور أصحابه: أن فيها حكومة يختلف قدرها باختلاف شينها تتقدر بالاجتهاد ولا يصير ما قدره الاجتهاد ولا يصير ما قدره الاجتهاد فيها مقدرًا معتبرًا في غيرها, لجواز زيادة الشين ونقصانه, فإذا أفضى الاجتهاد في حكومة أرشها إلي مقدر ينقص من دية الموضحة على ما سنصفه من صفة الاجتهاد أوجبنا جميعه, وإن زاد على دية الموضحة أو ساواها لم يحكم بجميعه ونقص من دية الموضحة بحسب ما يؤديه الاجتهاد إليه لأن شينها لو كان من موضحة فلم يزد على ديتها, فإذا كان فيما دون الموضحة وجب أن ينقص من ديتها.
فإن قيل: فقد يجب فيما دون النفس أكثر من الدية, وإن لم يجب في النفس إلا الدية فهلا وجب فيما دون الموضحة بحسب الشين أكثر مما يجب في الموضحة.
قيل: لأن ما دون الموضحة بعض

الجزء: 12 - الصفحة: 216

الموضحة وبعضها لا يكافئها وليست الأطراف بعض النفس, لأن النفس لا تتبعض فجاز أن يجب فيها أكثر مما يجب في النفس.
والوجه الثاني: وهو محكي عن أبي العباس بن سريج أن أروشها مقدرة بالاجتهاد كما تقدرت الموضحة وما فوقها بالنص ولا يمتنع إثبات المقادير اجتهادًا كما تقدر القلتان بخمسمائة رطل اجتهادًا, فجعل في الحارصة بعيرًا واحدًا, وجعل في الجامية والدامغة بعيرين, وجعل في الباضعة, والبازلة والمتلاحمة ثلاثة أبعرة, وجعل في الملطأة, والسمحاق أربعة أبعرة لأنها أقرب الشجاج من الموضحة, فكان أرشها أقرب الأروش إلي دية الموضحة, ولما كانت الحارصة أول الشجاج كان فيها أو ما في الموضحة وكان فيما بين الطرفين ما يقتضيه قربة من أحدهما فلذلك رتبة في التقدير على ما ذكره, وهذا وإن كان مستقرًا بالظاهر فاسد من وجهين: أحدهما: أن ما دخله الاجتهاد بحسب الزيادة والنقصان كان حكمه موقوفًا عليه.
والثاني: أنه لو جاز أن يستقر الاجتهاد فيه بمقدار محدود لا يراد عليه, ولا ينقص منه لكان اجتهاد الصحابة-رضي الله عنهم-فيه أمضى وتقديرهم له ألزم, وقد روى سعيد بن المسيب, عن عمر وعثمان أنهما قضيا في الملطاة والسمحاق بنص ما في الموضحة.
والوجه الثالث: حكاه أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة عن الشافعي أن يعتبر قدر ما انتهت إليه في اللحم من مقدار ما بلغته الموضحة حتة وصلت إلي العظم إذا أمكن, فإذا عرف مقداره من ربع أو ثلث أو نصف كان فيه بقدر ذلك من دية الموضحة, فإن علم أنه النصف وشك في الزيادة اعتبر شكه بتقويم الحكومة, فإن زاد على النصف وبلغ الثلثين زال حكم الشلك في الزيادة بإثباتها وحكم بها, ولزم ثلثا دية الموضحة, وإن بلغت النصف زال حكم الشك في الزيادة بإسقاطها وحكم بنصف الدية, وإن نقصت عن النصف بطل حكم النقصان والزيادة وثبت حكم النصف, فإن لم يعلم مقدار ذلك من الموضحة عد عينئذ إلي الحكومة التي يتقدر الأرش فيها بالتقويم على ما سنذكره, ولهذا الوجه وجه إن لم يدفعه أصل وذلك أن مقدار الحكومة معتبر بشيئين: الضرر والشين, وهما لا يتقدران بمقدار المور في اللحم.
وحكي عن الشعبي أنه قال: ليس فيما دون الموضحة أرش, وليس على الجاني إلا أجرة الطبيب لعدم النص فيه, وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن المنصوص عليه أصل للمسكون عنه.
والثاني: أنه قد أوجب أجرة الطبيب ولم يرد بها شرع, وأسقط أرش الدم وقد ورد به شرع, والله أعلم بالصواب.

الجزء: 12 - الصفحة: 217

مسألة: قال الشافعي- رضي الله عنه-: "وفي كل جرح ما عدا الرأس والوجه حكومة إلا الجائفة ففيها ثلث النفس وهي التي تخرق إلي الجوف من بطن أو ظهر أو صدرًا أو ثغرة نحر في جائفة".
قال في الحاوي: وإذ قد مضى الكلام في شجاج الرأس والوجه فسنذكر ما عداه من جراح البدن وينقسم أربعة أقسام: أحدها: ما يجب فيه القصاص وتتقدر فيه الدية وهو الأطراف.
والقسم الثاني: ما لا يجب فيه القصاص ولا تتقدر فيه الدية, وهو ما دون الموضحة أو فوقها ودون الجائفة.
والقسم الثالث: ما يجب فيه القصاص ولا يتقدر فيه الدية, وهو الموضحة يجب فيها القصاص في البدن كالرأس, ولا يتقد فيها الدية, وإن تقدرت في الرأس ويجب فيها حكومة.
والفرق فيها بين الرأس والجسد من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الرأس لاشتماله على حواس السمع والبصر والشم والذوق.
والثاني: أن الجناية عليه أخوف.
والثالث: أن شينها فيه أقبح.
والقسم الرابع: ما تتقدر فيه الدية ولا يجب فيه القصاص, وهو الجائفة والجائفة وصول الجرح إلي الجوف من بطن أو ظهر أو ثغرة نحر تخرق به غطاء الجوف حتى يصل إليه سواء كان بحديد أو بغيره من المحدد, وفيها ثلث الدية, صغرت أو كبرت, لرواية عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الجائفة ثلث الدية وفي المأمومة ثلث الدية".
وروى عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلي أهل اليمن: "وفي الجائفة ثلث الدية", ولأنها واصلة إلي غاية مخوفة فأشبهت المأمومة, ولا قصاص فيها, لتعذر المماثلة بنفوذ الحديد إلي ما لا يرة انتهاؤه, فإن أجافه حتى لذع الحديد كبده, أو طحاله لزمت ثلث الدية في الجائفة, وحكومة في لذع الحديد الكبد والطحال.
ولو أجافه فكسر أحد أضلاعه لزمه دية الجائفة, وتكون حكومة الضبع معتبرة بنفوذ الجائفة, فإن نفذت من غير ضلع لزمخ حكومة الضلع, وإن لم تنفذ إلا بكسر الضلع دخلت حكومته في دية الجائفة, وإذا أشرط بطنه بسكين ثم أجاغه في آخر الشرطة, كان عليه في الجائفة ديتها وفي الشرطة حكومتها, لأن الشرطة في غير محل الجائفة متميزة عنها فتميزت بحكمها كما قلنا إذا أوضح مؤخر رأسه وأعلى قفاه, ولو جرحه بخنجر له طرفان فأجافه في

الجزء: 12 - الصفحة: 218

موضعين وبينهما حاجز كانت جائفتين وعليه ثلثا الدية, فإن خرقه الجاني أو تآكل صارت جائفة واحدة ولو خرقه أجنبي كانت ثلاث جوائف, ولو خرقه المجروح كانت جائفتين كما قلنا في الموضحتين.
فصل: وإذا أدخل في حلقه خشبة أو حديدة حتى وصلت إلي الجوف أو أدخلها في سبيله حتى بلغت الجوف لم تكن جائفة ولا شي عليه, لأنه ما خرق بها حاجز, فإن خدش ما حيالها من داخل الجوف لزمته حكومته, وعزر في الحالين أدبًا, وإن لم يعزر الجاني إذا أغرم الدية, لأنه قد انتهك منه بإيلاجها ما لم يقابله غرم, فإن خرق بوصول الخشبة إلي الجوف حاجز من غشاوة المعدة أو الحشوة ففي إجراء الجائفة وجهان: أحدهما: يجري عليه حكم الجائفة ويلزمه ثلث دية, لأنه قد خرق حاجزًا في الجوف فأشبه حاجز البطن.
والوجه الثاني: لا يجري عليها حكم الجائفة ويلزمه حكومة لبقاء البطن الذي هو حاجز على جميع الجوف, وهذان الوجهان بناء على اختلاف الوجهين في الحاجز بين الموضحتين إذا انخرق باطنه من اللحم وهي ظاهرة من الجلد هل يجري-عليه حكم الموضحة في الجميع أم لا؟ على وجهين.
فصل: ولو أولج خشبة في فرج عذراء خرق بها حاجز بكارتها عذر ولم يجد, إلا أن يطأ فيحد, ويلزمه مهر المثل إن أكرهها, ولا تلزمه دية الجائفة بخرق حاجز البكارة, لأنها في مسلك الخرق, وأما الحكومة فإن كانت بغير وطء لزمه حكومة بكارتها, لأنها بجناية منه, وإن كانت بوطء لم يلزمه, لأنه لا يخلو في وطئه من إكراه أو مطاوعة, فإن أكره دخل أرش الحكومة غي المهر, لأنه يلزمه مهر مثلها من الأبكار, وإن طاوعته كانت بالمطاوعة الكمبرئة من الأرش, لأن المطاوعة إذن, وإذا عصر بطنه وداسه حتى خرج الطعام من فمه أن النجو من دبره فلا غرم عليه, ويعزر أدبًا, فإن زال بالدوس أحد أعضاء الجوف عن محله حتى تياسر الكبد أو تيامن الطحال, لأن الكبد متيامن والطحال متياسر, فعليه الحكومة إن بقي على حاله, ولا شيء عليه إن عاد إلي محله.
فصل: فإذا جرحه جائفة, ثم جاء آخر فأولج من الجائفة سكينًا, فلا يخلو حال الثاني بعد الأول من أحد أربعة أقسام: أحدهما: أن لا يؤثر في سعتها ولا في عمقها فلا شيء عليه, لأن ما جرح ويعزر أدبًا للأذى.

الجزء: 12 - الصفحة: 219

والقسم الثاني: أن يؤثر في سعتها ولا يؤثر في عمقها, فعليه في زيادة سعتها إذا كان ظاهرًا أو باطنًا دية جائفة, لأنه قد أجافه وإن اتصلت بجائفة غيره, فإن اتسعت في الظاهر دون الباطن أو في الباطن دون الظاهر فعليه حكومة, لأن جرح لم يستكمل جائفة.
والقسم الثالث: أن يؤثر في عمقها ولا يؤثر في سعتها فيلذع بعض أعضاء الجوف من كبد أو طحال فعليه في لذع ذلك وجرحه حكومة.
والقسم الرابع: أن يؤثر في سعتها ويؤثر في عمقها, فيلزمه دية جائفة في زيادة سعتها, وحكومة في جراحة عمقها, فإنه قطع بها معًا, أو حشو صار موجًا قاتلًأ يلزمه القود في النفس أو جميع الدية, ويكون الأول جارحًا جائفًا يلزمه ثلث الدية, ولو جرح الثاني المعاء والحشوة ولم يقطعه صار الثاني والأول قاتلين وعليهما القود في النفس أو الدية بينهما بالسوية لحدوث التلف بسراية جنايتهما.
فصل: وإذا خاط المجروح جائفة ففتقها آخر حتى عادت جائفة لم يخل حالها بعد الخياطة من أحد أربعة أقسام: أحدهما: أن يفتقها قبل التحام ظاهرها وباطنها فلا شيء عليه في الجائفة ويعزر أدبًا للأذى, ويغرم قيمة الخيط وأجرة مثل الخياطة.
والقسم الثاني: أن يفتقها بعد التحام ظاهرها وباطنها, فقد صار جائفًا وعليه دية الجائفة وإن كانت في محل جائفة متقدمة, لأنها قد صارت بعد الاندمال كحالها قبل الجناية, كما لو أوضح رأسه فاندمل, ثم عاد فأوضحه من موضع الاندمال لزمه دية موضحة ثانية ويغرم قيمة الخيط, ولا يغرم أجرة المثل لدخول أجرة فتقها في دية جائفتها بخلافة لو لم يغرم ديتها.
والقسم الثالث: أن يلتحم باطنها ولا يلتحم ظاهرها, فيلزمه حكومة في فتح ما التحم من باطنها, ويغرم قيمة الخيط وأجرة مثل الخياطة, لأنه ما التزم في محله غرمًا سواء.
والقسم الرابع: أن يلتحم ظاهرها ولا يلتحم باطنها, فتلزمه حكومة في فتح ما التحم من ظاهرها, ويغرم قيمة الخيط, ولا يغرم أجرة الخياطة لدخوله في حكومة محله.
فصل: وإذا جرحه نافذة, النافذة: أن جرحه بسهم أو سنان فيدخل في ظهره ويخرج من بطنه, أو يدخل في بطنه ويخرج من ظهره أو ينفذ من أحد خصرية إلي الآخر فمذهب الشافي وما عليه جمهور أصحابه أن النافذة جائفتان, ويلزمه فيهما ثلثا الدية, وقال أبو حنيفة: تلزمة دية جائفة في الوصول إلي الجوف, وحكومة في النفوذ منه, وبه قال بعض

الجزء: 12 - الصفحة: 220

أصحابنا, لأن الجائفة ما وصلت إلي الجوف, والنافذة خارجة منه فكانت أقل من الجائفة, وهذا خطأ, لما روى عن أبي بكر-رضي الله عنه-أنه قضى على رجل رمى رجلًا بسهم فأنفذه بثلثي الدية ولم يظهر له مخالف فكان إجماعًا, ولأن ما خرق حجاب الجوف كان جائفة كالداخلة, فإن قطع سهم النافذة بنفوذه في الجوف بعض جشوته كان عليه مع دية الجائفتين حكومة فيما قطع من حشوته.
مسألة: قال الشافعي- رضي الله عنه-"وفي الأذنين الدية".
قال في الحاوي: وقال مالك: فيهما حكومة لاختصاصهما بالجمال دون المنفعة فكانا كاليدين الشلاوين, وهذا فاسد, لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي أهل اليمن: "وفي الأذنين الدية" ولأنهما عضوان يجتمع فيهما منفعة وجمال فوجب أن تكمل فيهما الدية كاليدين والرجلين, فإن قيل: المنفعة فيهما مفقودة.
قيل: إن منفعتهما موجودة, لأن الله تعالى ما خلق الأعضاء عبثًا ولا قدرها إلا لحكمة ومنفعة, ومنفعة الأذن جمع الصوت حتى يلج إليها فيصل إلي السمع, وهذا أكبر المنافع.
فصل: فإذا ثبت وجوب الدية فيهما فتكمل الدية إذا استوصلنا صغرت الأذنان أو كبرتا, والمثقوبة وذات الخرم مساوية لغير ذات الثقب والخرم إذا لم يذهب شيء من الأذن بالثقب والخرم, فإن أذهب شيئًا منها سقط من ديتها بقدر الذاهب, وإذا قطع إحدى الأذنين كان فيها نصف الدية يمنى كانت أو يسرى كاليدين, فإن قطع بعض أذنه كان عليه من ديتها بقسط ما قطع منها من ربع أو ثلث أو نصف سواء قطع من أعلى أو أسفل, ولا اعتبار بزيادة الجمال والمنفعة في أحد النصفين كما تستوي ديات الأصابع والأسنان مع اختلاف منافعهما وسواء قطع أذن سميع أو أصم, لأن محل السمع في الصماخ لا في الأذن, لبقاء السمع بعد قطعهما, وخالف حلول البصر في العين وحلول حركة الكلام من اللسان.
فصل: وإذا جني على أذنيه فاستحشفتا وصار بهما من اليبس وعدم الألم ما باليدين من الشلل ففيه قولان: أحدهما: عليه الدية كاملة كما يلزمه في شلل اليدين الدية.
والقول الثاني: عليه حكومة, لبقاء منافعهما بعد الشلل والاستحشاف (وعدم) منافع

الجزء: 12 - الصفحة: 221

اليد بالشلل سواء, فلو قطعت الأذن بعد استحشافها كان على قولين: أحدهما: فيهما حكومة إذا قيل في استحشافهما الدية كاليد الشلاء إذا قطعت.
والقول الثاني: فيها الدية إذا قيل في الاستكشاف حكومة, ولا يجتمع فيها ديتان إحداهما بالاستحشاف, والأخرى بالقطع, ولا حكومتان ويجتمع فيهما دية وحكومة, فإن أوجبت الدية في الاستحشاف كانت الدية في القطع.
وذهب بعض أصحابنا إلي أنه لا يجب في الحالين إلا حكومة إحداهما بالاستحشاف والأخرى بالقطع, تستوفي بالحكومة جميع الدية لا يجوز نقصانها, ويجوز زيادتها, وهذا فاسد, لأنه لا بد أن يجري على إحدى الحكومتين: حكم الجناية على الصحة, وذلك موجب لكمال الدية.
فأما إذا جني على أذنه فاسود لونها ففيها حكومة كما لو جني على يده لأن سواد اللون في الأبيض شين, وكذلك بياض اللون في الأسود شين, والحكومة في الحالين واجبة, وإن كانت المنافع باقية.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي السمع الدية ويتغفل ويصاب به فإن أجاب عرف أنه يسمع ولم يقبل منه قوله, وإن لم يجب عند غفلاته, ولم يفزع إذا صيح به حلف لقد ذهب سمعه وأخذ الدية".
وروي أن رجلًا رمى رأس رجل بخحر في زمان عمر فأذهب سمعه وعقله ولسانه, وذكره, فقضى عليه عمر بأربع ديات, ولأن السمع من أشرف الحواس فأشبه حاسة البصر واختلف في أيهما أفضل؟ فقال يوم: حاسة البصر أفضل, لأن به تدرك الأعمال, وقال آخرون: حاسة السمع أفضل, لأن به يدرك الفهم, وقذ ذكرهما الله تعالى في كتابه فقرنه بذهاب البصر, لأن بذهاب البصر فقد النظر وبذهابه السمع فقد العقل, فقال تعالى في البصر: ﴿ومِنْهُم مَّن يَنظُرُ إلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي العُمْيَ ولَوْ كَانُوا لا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس 43] وقال في السمع: ﴿ومِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ ولَوْ كَانُوا لا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس 42].

الجزء: 12 - الصفحة: 222

فصل: والسمع لا يرى فيرى ذهابه, فلم يكن للبينة فيه مدخل مع التنازع, ولكن له أمارات تدل عليه يعلم بها وجوده من عدمه, فإذا ادعى المجني عليه ذهاب سمعه فللجاني حالتان: تصديق, وتكذيب فإن صدقه على ذهاب سمعه لم يحتج إلي الاستظهار بالأمارات, وسأل عنه عدول الطب هل يجوز أن يعود أم لا؟ فإن نفوا عوده حكم له بالدية دون القصاص لتعذر استيفائه وإن جوزوا عودة إلي مدة قدروها وجب الانتظار بالدية إلي انقضاء تلك المدة, فإن عادة السمع فيها سقطت الدية, وإن لم يعد حتى انقضت استقر بها ذهاب السمع, واستحق دفع الدية, وإن كذب الجاني على ذهاب السمع اعتبر صدق المجني عليه, لتعذر البينة فيه بالأمارات الدالة عليه, وذلك بأن يتغفل, ثم يصاح به بأزعج صوت وأهل له يتضمن إنذار أو تحذير, فإن أزعج به والتفت لأجله, أو أجاب عنه دل على بقاء سمعه, فصار الظاهر مع الجاني, فيكون القول فيه قول الجاني مع يمينه بالله أن سمعه لباقي ما ذهب من جنايته, ولو اقتصر في يمينه على أنه باقي السمع أجزأه, ولو اقتصر على أن سمعه ما ذهب بجنايته لم يجزه, لأن الحلف على ذهاب السمع وبقائه لإذهابه بجناية غيره, وإنما حلف الجاني مع ظهور الأمارة في جنيته لجواز أن يكون إزعاج المجني عليه بالصوت بالاتفاق, وإن كان المجني عليه عند سماع الأصوات المزعجة في أوقات غفلاته غير منزعج بها دل ذلك على ذهاب سمعه فصار الظاهر معه, فيكون القول قوله مع يمينه في ذهاب سمعه من جنايته, فإن لم يقل من جنايته لم يحكم له بالدية لجواز ذهابه بغير جنايته, ولزم اليمين مع وجود الأمارات في في جنيته لجواز أن يتصنع لها بذهابه وجلده, ولا يقتصر بهذه الأصوات المزعجة على مرة واحدة لجاوز التصنع, ويكون ذلك من جهات وفي أوقات الخلوات حتى يتحقق زوال السمع بها, فإن الطمع يظهر منها فيزول مع التصنع.
فصل: وإذا ادعى المجني عليه صمم إحدى أذنيه سدت سميعته بما يمنع وصول الصوت فيها, وأطلقت ذات الجناية, وأزعج في غفلاته بالأصوات الهائلة, فإن انزعج بها كان سمعه باقيًا بظاهر الأمارة فيكون القول في بقائه قول الجاني مع يمينه, فإنه لم ينزعج بها كان سمعه ذاهبًا بظاهر الأمارة, فيكون القول في ذهابه قول المجني عليه مع يمينه ويكون على الجاني نصف الدية, لأنه قد أذهب بضمها نصف منفعة فإن قيل: فقد تسمع الأخرى ما كان يدركه بها.
قيل: لا يمنع ذلك من الاستحقاق للدية وإن كان الإدراك باقيًا, كما لو أذهب ضوء إحدى عينيه لزمه ديتها, وإن كان يدرك بالباقية ما كان يدركه بهما.
فصل: ولو ادعى المجني عليه وقرًا في إحدى أذنيه ذهب به بعض سمعها اعتبر ما ذهب من

الجزء: 12 - الصفحة: 223

قدر سمعها تصم ذات الجناية وسدها وإطلاق السليمة, وأن ينادي من بعد فإذا سمع الصوت بعد المنادي حتى ينتهي إلي أقصر غاية يسمع صوته فيها, ثم صمت السمعية وفتحت ذات الجناية, ونودي من ذلك المكان بمثل ذلك الصوت فإن سمعه كان سمعهما باقيًا بحاله, وإن لم يسمعه قرب المنادي منه حتى ينتهي إلي حيث يسمع صوته, ويعتبر ما بين المسافتين بعد أن يفعل ذلك دفعًا يزول معها التصنع ويتفق فيها النداء, فإن اختلف عمل على أقل الوجوب, فإن كان بين مسافتي السمعية وذات الوقر النصف كان عليه ربع الدية, لأن قد أذهب ربع سمعه, وإن كان الثلث كان عليه سدس الدية.
فصل: فإن ادعى المجني عليه وقرًا في أذنيه معًا ذهب بعض سمعه منها, فإن كان يعلم مدى سماعه قبل وقت الجنية, اعتبر مدى سماعه بعد الجناية, واستحق من دية السمع بقدر ما بين المسافتين من ربع أو ثلث أو نصف وإن لم يعلم مدى سماعه في حال الصحة فلا سبيل إلي تحقيق المستحق من الدية ويعطى في الذاهب منه حكومة يقدرها الحاكم باجتهاده, فلو قال المجني عليه: أنا أعرف قدر ما ذهب من سمعي, وهو النصف, أحلف على دعواه وحكم بقوله لأنه لا يوصل إلي معرفة إلا من جهته فقبل قوله فيه مع يمينه كما يقبل قول المرأة في حيضها, ولو ادعى الجاني عود السمع بعد ذهابه وأنكر المجني عليه عوده كان القول مع يمينه, وهو على حقه من الدية, فإن مات قبل اليمين فلا يمين له على الورثة إن لم يدع علمهم, وإن ادعاه أحلفهم بالله ما يعلمون سمع بعد ذهاب سمعه.
فصل: وإذا قطع أذنيه فذهب بقطعهما سمعه لزمته ديتان: أحداهما: في الأذنين.
والأخرى: في السمع, لأنها جناية على محلين فصارت كالجناية على عضوين, وخالف قلع العين إذا ذهب ضوؤها فلم يتلزمه إلا دية واحدة, لأن محل الضوء في العين, ومحل السمع في غير الأذن ولذلك كملت الدية في أذن الأصم والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب العقل الدية".
قال في الحاوي: إذا جني عليه فأذهب عقله ضمنه بالدية دون القود, وإنما سقط القود فيه لأمرين:

الجزء: 12 - الصفحة: 224

أحدهما: اختلاف الناس في محله, فمن طائفة تقول محله الدماغ.
وأخرى تقول محله القلب, وأخرى تقول مشترك فيهما, وإن كان الأصح من أقاويلهم أن محله القلب لقول الله تعالى: ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج 46] ولأنه نوع من العلوم.
والثاني: تعذر استيفائه, لأنه يذهب يسير الجناية ولا يذهب بكثيرها, فأما الدية فواجبة فيه على كمالها لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلي اليمن: في العقل الدية.
وروى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم: "في العقل الدية مائة من الإبل".
وقضى عمر رضي الله عنه في المشجوج رأسه حين ذهب بها سمعه وعقله ولسانه وذكره بأربع ديات, ولأن العقل أشرف من حواس الجسد كلها لامتيازه بع من الحيوان البهيم, وفرقه به بين الخير والشر, وتوصله به إلي اختلاف المنافع ووقع المضار, وتعلق التكليف به, فكان أحض بكمال الدية من جميع الحواس مع تأثير ذهابه فيها وفقد أكثر منافعها.
فصل: إذا ثبت وجوب الدية بذهاب العقل فإنما يستحق في العقل الغريزي الذي يتعلق به التكليف, وهو العلم بالمدركات الضروري, فأما العقل المكتسب الذي هو حسن التقدير وإصابة التدبير ومعرفة حقائق الأمور فلا دية فيه مع بقاء العقل الغريزي وفيه حكومة لما أحدث من الدهش بعد التيقظ والاسترسال بعد التحفظ, والغفلة بعد الفطنة يعتبر بحكومته قدر ما حدث من ضرره, ولا يبلغ به كمال الدية, لأنه تابع للعقل الغريزي, ولا يتبعض العقل الغريزي في ذاته, لأنه محدود بما لا يتجزأ فلا يصح أن يذهب بعضه ويبقى بعضه, ولكن قد يتبعض زمانخ فيعقل يومًا ويجن يومًا, فإن تبعض زمانه بالجناية فكان يومًا ويومًا لزم الجاني عليه نصف الدية, وإن كان يعقل في يوم ويجن في يومين لزمه ثلثًا ديته.
فصل: وأما الجناية التي يزول بها العقل فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون عن مباشرة.
والثاني: عن غير مباشرة.
فأما ما كان عن مباشرة فكضربة سيف أو رمية بحجر أو قرعة بعصا, أما على رأسه أو ما قرب من قلبه, فإذا ذهب بها العقل كان عن جنايته سواء أثر ذلك في جسده أو لم يؤثر, وكذلك لو لطمه بيده, أو ركله برجله حتى أزعجه بركلته أو لطمته التي يقول علماء الطب: إن مثلها يذهب العقل كان ذاهبًأ عن جنايته ومأخوذًا بديته, وأما ما كان عن غير مباشرة فكالإشارة إليه بسيف أو تقريب سبع أو إدناء أفعى فيذعر منه فيزول عقله به فيعتبر

الجزء: 12 - الصفحة: 225

حاله فإن كان طفلًا أو مضعوفًا مذعورًا فلذلك مزيل لعقل مثله فيؤخذ بديته, وإن كان قوي النفس ثابت الجأش فعقل مثله لا يزول بهذا التفزيع فلا دية فيه, وهكذا إن زعق عليه بصوت مهول فزال عقله كان معتبرًا بحاله في قوة جأشه أو ذعره, فلا تلزمه الدية في ذي الجأش وتلزمه في المذعور فأما إن أخبره مصيبة حزن لها فزال عقله أو أخبره بمسرة فرح فزال عقله لحدوث زواله عن فرح وحزن أحدثه الله تعالى فيه.
فصل: وإذا زال عقله بجناية مباشرة فلم يخل حالها من أن يوجب غرمًا سوى دية العقل أو لا يوجب, فإن لم يوجب سوى الدية العقل غرمًا كاللطمة واللكمة وما لا يؤثر من الخشب والمثقل في الجسد غير الألم فتستقر بها دية العقل, ويكون ما عداه من ألم الضرب هدرًا, وهل يعزر به أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يعزر لإيجابه دية العقل, وغرمها أغلظ من التعزير.
والوجه الثاني: يعزر, لأن غرم الدية في غير محل الألم, فوجب أن لا يخلو من تعزير إذا خلا من غرم.
وإن أوجبت الجناية غرمًا سوى دية العقل من مقدر أو غير مقدر ففيه قولان: أحدهما: وبه قال في القديم وهو مذهب أبي حنيفة: أنه إن كان ما وجب بالجناية أقل من دية العقل كالموضحة والمأمومة, أو قطع إحدى الأذنين دخل ذلك في دية العقل ولم يجب عليه أكثر منها, وإن موجبًا من الدية, لقطع الأذنين وجذع الأنف' دخله فيه دية العقل وأخذ بدية الأذنين والأنف ليكون الأقل داخلًا في الأكثر, استدلالًا بأن زوال العقل مسقط للتكليف فأشبه الموت.
والقول الثاني: قاله في الجديد وهو الأصح: إن دية العقل لا تسقط بما عداها, ولا يسقط بها ما عداها, سواء كان ما وجب الجناية أقل من دية العقل كالمأمومة, فيجب عليه ثلث الدية في المأمومة وجميع الدية في العقل, أو كان ما وجب بالجناية أكثر من دي العقل كالأذنين والأنف, فيجب عليه ثلاث ديات واحدة في العقل, وثانية في الأذنين وثالثة في الأنف, لرواية أبي المهلب أن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-قضى على رجل رمى رجلًا بخنجر في رأسه فأذهب عقله وسمعه ولسانه وذكره بأربع ديات, ولأن ما اختلف محله لا يتداخل فيما دون النفس كالأطراف, ولأن العقل عرض يختص بمحل مخصوص فلم يتداخل فيه أرش الجنايات كالسمع والبصر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي العينين الدية".

الجزء: 12 - الصفحة: 226

قال في الحاوي: وهذا صحيح لوراية علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" في العينين الدية" ولأنهما من أعظم الجوارح قدرًا فكانا بإيجاب الدية أحق, وسواء في ذلك الصغيرة والكبيرة, والحادة والكليلة, والصحيحة والعليلة, والعمشاء, والعشواء, والحولاء, إذا كان الباطن سليمًا, كما لا تختلف ديات الأطراف مع اختلاف أوصافهما, وفي إحدى العينين نصف الدية" ولأن كل دية وجبت في عضوين وجب نصفها في أحد العضوين كاليدين والرجلين, ولا فضل ليمنى على يسرى, ولا لصحيحة على مريضة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب بصرهما الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا جني على عينيه فأذهب بصرهما مع بقاء الحدقة وجبت عليه الدية, لرواية معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي البصر الدية" ولأنه منفعة العين بناظرها كما قال الشاعر: وما انتفاع أخي الدنيا لمقلته ... إذا استوت عند الأنوار والظلم وإذا سلبها منفعتها كملت عليه ديتها كالشلل في اليدين والرجلين, فإن عاد بعد ذهاب البصر فقلع العين فعليه حكومة, كما لو أشل يده فغرم ديتها ثم عاد بعد الشلل فقطعهما لزمه حكومتها, ولو قطعها ابتداء لم تلزمه إلا ديتها, وقد قمنا الفرق بين قطع الأذنين فيذهب بها السمع فتلزمه ديتان, وبين قلع العينين فيذهب بهما البصر فيلمه دية واحدة بأن محل السمع في غير الأذنين فلم تسقط إحداهما بالأخرى, ومحل البصر في العين, ويلحق بالأذنين ذهاب الشم يجذع الأنف, فتلزمه ديتان ويلحق بالعين ذهاب الكلام بقطع اللسان فتلزمه دية واحدة.
فصل: فإذا ثبت أن في ذهاب البصر الدية نظ: فإن محق ذهاب البصر كان المحق شواهد ذهابه الذي يقطع التنازل فيه, كما لو استأصل عينه ففقأها, وهو ما يؤس من عوده فنقضي فيه بالقود وفي العمد والدية في الخطأ, وإن كانت العين ظاهرة لم تمحقها الجناية, فقد يجوز أن يذهب بصرها مع بقائها على صورتها فيوقف علماء الطب عليها فلا يخلو حالين فيها من أحد أمرين:

الجزء: 12 - الصفحة: 227

إما أن يكون عندهم منها على أو لا يكون فإن لم يكن عندهم منها على لإشكالها وتجويزهم أن يكون بصرها ذاهبًا وباقيًا عملنا على قول المجني عليه دون الجاني, لأن ذهاب بصرها لا يعلم إلا من جهته, فجعل القول فيها قوله مع يمينه بعد الاستظهار عليه إذا كان بالغًا عاقلًا بأن يستقبل في أوقات غفلاته بما يزعج البصير رؤيته, ويشار إلي عينه بما يتوقاه البصير بإغماضها ويؤمر بالمشي من طريق الحظائر والآبار ومعه من يحوله منها وهو لا يشعر, فإذا دلت أحواله بأن لا يطبق طرفه بالإشارة إليه ولا يتوقى بئرًا إن كانت بين يديه صار ذلك من شواهد صدقه, فيحلف مع ذلك لجواز تصنعه فيه, ونقضي له بعد يمينه بالقود في العمد والدية في الخطأ, وإن كان يطيق طرفه عند الإشارة ويتوقى بئرًا إن كانت ويعدل عن حائط إن لقيه صارت شواهد هذا الظاهر منافيه لدعواه, فانتقل الظاهر إلي جنبه الجاني, فكان القول قوله مع يمينه بالله إن بصره لباق لم يذهب, لجواز أن يكون تحرز المجني عليه بالاتفاق, فاستظهر له باليمين, فإن كان المجني عليه صغيرًا أو مجنونًا لم يرجع إلي قولهما ولم يقبل دعواهما, لأنه لا حكم لهما, ووقف أمرهما إلي وقت البلوغ والإفاقة بعد حبس الجاني ليرجع إلي قولهما إذا بلغ الصبي وأفاق المجنون أو يموتان فيقوم مقامهما فيما يدعيانه من ذهاب البصر وإحلافهما عليه إن كان معهما ظاهر يدل عليه والله أعلم.
فصل: وإن كان عند علماء الطب من حال العين فلا يخلو علمهم بها من حد أربعة أقسام: أحدها: أن يشهد عدولهم ببقاء بصرها في الحال وفي ثاني الحال.
والثاني: أن يشهدوا ببقائه في الحال وجاوز ذهابه في ثاني حال.
والثالث: أن يشهدوا بذهابه في الحال وفي ثاني حال.
والرابع: أن يشهدوا بذهابه في الحال وجواز عوده في ثاني حال.
فأما القسم الأول: إذا شهدوا ببقاء البصر في الحال وما بعدها حكم بشهادة عدلين منهم فبرئ الجاني من القود والدية, ونظر في الجناية فإن كان لها أثر يوجب حكومة غرمها ولو يعزر, وإن لم يكن لها أثر عزر أدبًا ولم يغرم.
وأما القسم الثاني: إذا شهدوا ببقاء بصره في حال وجواز ذهابه في ثاني حال لم يخل خال تجويزهم لذهابه من أن يقدروه بمدة, أو لا يقدروه فإن قدروه بمدة فقالوا: يجوز أن يذهب سنة ولا يجوز أن يذهب بعدها, فإن ذهب فيها وإلا فقد سلم منها عمل على شهادتهم, ووقف المجني عليه سنة فإن ذهب بصره فيها كان الجاني مأخوذًا بالقود في العمد والدية في الخطأ, وإن ذهب بصره بعدها فلا شيء على الجاني, ويؤخذ بالحكومة إذا كان لجنايته أثر, ولا يعزر ولا حكومة إن لم يكن لها أثر ويعزر, فعلى هذا لو جني على عينه آخر ففقأها قبل ذهاب بصره كان الثاني هو المأخوذ فيها بالقود والدية

الجزء: 12 - الصفحة: 228

دون الأول, سواء فقأها قبل السنة أو بعدها, لأنه جني والبصر باق.
وأما القسم الثالث: إذا شهدوا بذهاب بصره في الحال وما بعدها فيحكم له بالقود في العبد إذا شهد من عدولهم رجلان, وبالدية في الخطأ إذا شهد منهم رجل وامرأتان, فلو عاد بصر المجني عليه بعد أن قضى له بالدية أو القود فالمذهب أن لا درك عليه بعودها فيما قضى له من قودها أو ديتها, لأن عودها بها من عطايا الله تعالى وهباته, وللشافعي في سن المثغور إذا قلعت واقتص منها أو أخذ ديتها, ثم عادت فيثبت قولان: أحدهما: يلزمه رد ديتها, فعلى هذا اختلف أصحابنا في تخريجه إذا عاد بصرنا هل يلزمه رد ديتها أم لا؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه ردها إذا عاد بصرها كما يلزمه ردها في السن.
والوجه الثاني: لا يلزمه رد الدية بعود البصر, ويلزمه ردها بعود السن.
والفرق بينهما أن عود السن معهود في جنسه, وعود البصر غير معهود في جنسه فاختلفا في الرد لاختلافهما في معهود العود, وعلى هذا لو اقتص من بصر الجاني فعاد بصره بعد القصاص لم يؤخذ بذهابه ثانية على الصحيح من المذهب, وهلل يؤخذ به على القول المخرج في السن أم لا؟ على الوجهين المذكورين لا يؤخذ به في أحدهما ويؤخذ به في الوجه الآخر ويقتص منه ثانية, فإن عاد بعدها اقتص منه أبدًا حتى يذهب فلا يعود.
والقسم الرابع: إذا شهدوا بذهاب بصره في الحال وجواز عوده في ثاني حال فلا يخلو حالهم فيه من أن يقدروا زمان عوده أو لا يقدروا, فإن لم يقدروا وقالوا: يجوز أن يعود إلي الأبد إلي وقت الموت من غير تحديد ولا إياس لم توجب هذه الشهادة توقفًا عن القصاص أو الدية وأخذ الجاني بهما في الحال, لأن استحقاقه مانع من تعليقه بشرط يفضي ثبوته إلي سقوطه.
وإن قدروا المدة وقالوا: يجوز أن يعود إلي سنة إن كان من ظلمة غطت الباطن ولا يجوز أن يعود بعدها, لأنه من ذهاب الباطن حبس الجاني, وقف البصر إلي سنة, فإن عاد فيها بريء الجاني من القود والدية, وكان مأخوذًا بحكومة الجناية إن أثرت, ولم يعزر, وإن لم تؤثر عزر ولم يغرم, وإن لم يعد في السنة حتى انقضت أخذ الجاني بالقود في العمد والدية في الخطأ, فعلى هذا لو جني عليه قبل انقضاء السنة آخر ففقأ عينه فدية البصر والقود فيه على الأول, دون الثاني, لأنه ذهب بجناية الأول, ولم يعد عند جناية الثاني فلو اختلف الأول والثاني فقال الأول: عاد البصر قبل جنايتك فأنت المأخوذ بالقود فيه أو الدية دوني.
وقال الثاني: بل كان البصر عند جنايتي على ذهابه فأنت المأخوذ فيه بالقود أو الدية دوني, فالقول قول الثاني مع يمينه دون الأول لأننا على يقين من ذهابه وفي شك من عوده.
فإن ادعيا علم المجني عليه لم يخل حاله إن أجاب من أحد أمرين: إنما أن يصدق الأول أو الثاني فإن صدق الثاني أن بصره لم يعد حلف للأول وإن طلب (يمينه) , وقضى

الجزء: 12 - الصفحة: 229

عليه بالقود أو الدية.
وإن صدق الأول أن بصره عاد قبل جناية الثاني برئ الأول من القود والدية بتصديقه, ولم يقبل قوله على الثاني, وصارت عينه هدرًا, لأنه قد استأنف بتصديق الأول دعوى على الثاني وشهادة للأول فلم تقبل دعواه على الثاني, ولم يستمع شهادته للأول لما فيها من اجتلاب النفع, ولم لم يجن عليه ثان, ولكن مات قبل انقضاء السنة كان الجاني مأخوذًا بالقود الودية, لأنه أذهب بصرًا لم يعد, وفي سن من لم يثغر إذا قلعت فقد عودها إلي مدة مات قبلها قولان: أحدهما: لا يجب فيه الدية, لأن الظاهر عودها في المدة لو عاش إليها فعلى هذا القول اختلف أصحابنا في تخريجه في العين على وجهين: أحدهما: يجيء تخريج قول ثان في العين أنه لا يلزمه القود ولا الدية وتلزمه حكومة كموته في مدة السن.
والوجه الثاني: لا يجيء تخريج هذا القول في العين وإن خرج في السن لما قدمناه من الفرق بين السن والعين, فلو اختلف الحاني ووليه بعد موته.
فقال الجاني: عاد بصره قبل الموت, وقال الولي: لم يعد.
فالقول قول الولي مع يمينه أن بصره لم يعد, ويكون الجاني مأخوذًا بالقود أو الدية, فإن نكل الولي حلف الجاني وبريء منهما, ولو لم يذهب بصر المجني عليه في حال الجناية, وذهب بعدها نظر, فإن كان لم يزل عليل العين أو شديد الألم إلي أن ذهب بصره فالظاهر ذهابه من الجناية فيكون الجاني مأخوذًا بالقود فيه أو الدية كالمجروح إذا لم يزل صبيًا حتى مات, وإن برأت عينه وزال ألمها, ثم ذهب بصرها, كان ذاهبًا من غير الجناية في الظاهر, فلا يلزمه قود ولا دية, وللمجني عليه الإحلاف بالله لقد ذهب البصر من غير جناية إن ادعى ذهابه منها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن نقصت إحداهما عن الأخرى اختبرته بأن أعصب عينه العليلة وأطلق الصحيح وأنصب له شخصًا على ربوة أو مستوى فإذا أثبته بعدته حتى ينتهي بصرها ثم أذرع بينهما وأطيع على قدر ما نقصت عن الصحيحة".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يجني على إحدى عينيه فيذهب ببعض بصرها فيمكن أن يختبر قدر الذاهب منها بما وصفه الشافعي من تعصيب عينه العليلة وإطلاق الصحيحة, ونصب شخص له من بعد على ربوة مرتفعة أو في أرض مستوية, فإذا رأي الشخص بوعد منه حتى ينتهي إلي أبعد مدى رؤيته الذي لا يراه أبعدها, واختبر صدق في مدى الرؤية الصحيحة بأن يعاد الشخص من جهات شتى, ولو ضم إلي الشخص بعد مدى

الجزء: 12 - الصفحة: 230

رؤيته شخص آخر يختبر به صدقه، وهو لا يعلم به كان أحوط؛ لأن قصده بعد مدى البصر بالعين الصحيحة، فإذا أوثق بما قاله من هذا الاختبار الذي لم يختلف مدى البصر فيه باختلاف الجهات واختلاف الأشخاص مسح قدر المسافة، فإذا كانت ألف ذراع علم أنه قدر مدى بصره مع الصحيحة، وإن اختلف عمل على الأقل احتياطًا، ثم أطلقت العليلة الصحيحة، فإن رأى الشخص من مداه علم أنه لم يذهب من بصر العليلة شيء، وإن لم يره قرب منه حتى ينتهي إلى حد يراه، وغرض في هذا تقليل مدى بصره بالعليلة كما كان غرضه تبعيد مدى بصره بالصحيحة ليكون نقصان ما بين البصرين أكثر فيكون أكثر فيما تستحقه من الدية، فيستظهر عليه بإعادة الشخص من جهات، ويحتسب بأكثر مما قاله من مدى بصره بالعليلة كما احتسب بأقل ما قاله من مدى بصره بالصحيحة حتى يكون أقل لما يستحقه ليشك فيما زاد عليه بالتصنع له، وينظر قدر مسافة العليلة، فإن كان خمسمائة ذراع من ألف كان الذاهب من بصرها النصف، فيؤخذ بربع الدية، لأن نصف دية إحدى العينين، وإن كان مائة ذراع من ألف كان الذاهب من بصرها تسعة أعشار، فيؤخذ بتسعة أعشار نصف الدية، وعلى هذه العبرة فيما زاد أو نقص، فإن سأل الجاني إحلافه على ما ذكره من المسافة أحلف له، ولا قصاص في هذا، لأن استيفاء لقدر ما ذهب من البصر من غير زيادة، ولا نقصان غير ممكن فسقط القصاص فيه.
فصل: ولو جني على عينيه فأذهب بعض بصرهما فيعتذر في الحال اعتبار ما ذهب منهما بالجناية، لأن النقصان في العينين معًا، فإن كان قد عرف مدى بصره قبل الجناية اعتبر مدى بصره بعدها، ولزمه من الدية بقدر ما بين المسافتين، وإن لم يعلم ذلك قبل الجناية لم يعلم بعدها قدر الذاهب منهاما، فيلزمه حكومة (بمقدرها) الحاكم باجتهاده.
فصل: ولو كان في عينيه قبل الجناية عليها بياض لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يؤثر في البصر، ويرى مع البياض ما كان يراه قبله، ففي بصره إذا ذهب بالجناية الدية تامة، ولا يكون للبياض تأثير في الدية كما لم يكن له تأثير في البصر، وسواء كان يشق عليه النظر أو لا يشق لأنه يدرك مع المشقة ما كان يدركه بغير مشقة.
والقسم الثاني: أن يكون البياض قد منعه من النظر حتى صار لا يبصر من قرب ولا بعد، فيكون بالجناية عليه كالبصر الذاهب لا تجب فيه إلا حكومة، وإن كان بصره باقيًا تحت البياض، لأنه لا يبصر به كما لا يبصر بالذاهب من أصله، وليس ما يرجى من زوال البياض بالعلاج، فيعود البصر بمانع من أن يجرى عليه في الحال حكم الذاهب البصر، وإنما يفترقان في قدر الحكومة فتكون حكومة ذات البياض أكثر لبقاء البصر تحته.
والقسم الثالث: أن يكون البياض قد أذهب بعض بصره وبقى بعضه، فهذا على ضربين:

الجزء: 12 - الصفحة: 231

أحدهما: أن يكون قد غشي جميع الناظر، وهو رقيق فصار مبصرًا أقل من بصره قبل البياض، فيعتذر من هذا معرفة منه بالبياض إلا أن يكون قد عرف مدى بصره قبل البياض فيعرف ما بقى منه بعده أو يكون ذلك في إحدى عينيه وقد اعتبر ذلك بالعين الصحيحة فيلزمه من الدية بقسطه، وإن لم يعرف ففيه حكومة.
والضرب الثاني: أن يكون البياض قد غشي بعض الناظر فلا يبصر بما غشاه ويبصر بما عداه فيلزم الجاني عليها إذا ذهب بصرها ما كان باقيًا منها من نصف أو ثلث أو ربع إذا عرف ذلك، وخير من أهل العلم بالبصر.
فصل: وإذا ضرب عينه فأشخصها لم يخل حالها بعد الشخوص من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بصرها باقيًا بحاله فيلزمه في إشخاصها حكومة يتقدر بقبح الأشخاص، ولا قصاص فيه لتعذره، ولا شيء عليه في البصر لبقائه.
والقسم الثاني: أن يذهب بصرها، فيلزمه جميع ديتها، ويجوز أن يقتص منه في ذهاب البصر دون الأشخاص، لأن القود فيه غير ممكن.
والقسم الثالث: أن يذهب بعض بصرها فيلزمه أكثر الأمرين من دية الذاهب من بصرها أو حكومة إشخاصها، ولا يجمع عليه بينهما، لاجتماع محلهما ويكون أقلهما داخلًا في الأكثر، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو قال: جنيت عليه وهو ذاهب البصر فعلى المجني عليه البينة أنه كان يبصر".
وقال الحاوي: قد مضت هذه المسألة، وذكرنا حكم الأعضاء الظاهرة إذا اختلف الجاني والمجني عليه في سلامتها وعطبها، والعين من جملة الأعضاء الظاهرة، فإذا فقأ رجل عين رجل واختلف الفاقئ والمفقوء.
فقال الفاقئ: فقأتها وبصرها ذاهب.
وقال المفقوء: بل كان سليمًا، فلا يخلو حال الفاقئ من أن يعترف له بتقدم السلامة أو لا يعترف، فإن لم يعترف له بها، وقال: خلقت ذاهب البصر فالقول قوله مع يمينه، لأن المفقوء يمكنه إقامة البينة على سلامة بصره، وإن اعترف له بالسلامة المتقدمة وادعى ذهاب بصره قبل جنايته ففيه قولان: أحدهما: أن القول قول الفاقئ مع يمينه، لأن الأصل بقاؤه على سلامته حتي يقيم المفقوء البينة على سلامته عند الجناية.

الجزء: 12 - الصفحة: 232

والقول الثاني: أن القول قول المفقوء مع يمينه، لأن الأصل بقاؤه على سلامته حتى يقيم الفاقئ البينة على ذهاب بصره وأصل هذين القولين اختلاف قوليه في الملفوف إذا قطع، وقال الجاني: قطعته وكان ميتًا.
وقال أولياؤه: كان حيًا.
أو هدم على جماعة بيتًا وقال: هدمته عليهم وكانوا موتى، وقال أولياؤهم: كانوا أحياء ففيها قولان: أحدهما: أن القول قول الجاني مع يمينه، لأن الأصل عدم القود وبراءة الذمة.
والثاني: أن القول قول الأولياء مع إيمانهم، لأن الأصل بقاء الحياة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويسعها أن تشهد إذا رأته يتبع الشخص بصره ويطرف عنه ويتوقاه وكذلك المعرفة بانبساط اليد والذكر وانقباضهما، وكذلك المعتوه والصبي ومتى علم أنه صحيح فهو على الصحة حتى يعلم غيرها".
قال في الحاوي: وأصل الشهادة أنها لا تصح إلا بأقصى جهات العلم بها فإذا شهدوا بسلامة البصر وإن كان مما لا يشاهد فقد يقترن بالشهادة من أمارات العلم به ما لا يعترضه شك، وهو أن يراه يتبع الشخص ويسلك المعاطف ويتوقى الآبار، ويقرأ الكتب، ويتطرف عينه عن الأذى، فيعلم بهذه الأمارات والدلائل علمًا لا يدخله شك أن يبصر، فجاز أن يشهد له بسلامة بصره، وهكذا في سلامة اليدين والرجلين، إذا رآه يمشي على قدميه، ويقبض أصابع رجليه، ويعمل بيديه قبضًا وبسطًا، ورفعًا ووضعًا، علم بذلك سلامتها من شلل، فجاز أن يشهد له بالصحة، وهكذا الذكر وهو من الأعضاء يجوز إذا رآه ينقبض وينبسط أن يشهد له بالسلامة من الشلل، وذلك بأن يشاهده في إحدى ثلاثة أحوال: إما في حال الصغر قبل تغليظ عورته، أو يشاهده في الكبر بالاتفاق من غير تعمد لمشاهدته، أو يكون طبيبًا قد دعته الضرورة إلى مشاهدته، فأما إن تعمد في الكبر للنظر بغير ضرورة فقد فسق، ولا يقبل للفاسق شهادة، وكذلك الشهادة للصبي والمعتوه بسلامة أعضائه، لأنه يستبدل عليها بحركات طبعه.
قال الشافعي رضي الله عنه: "ومتى يعلم أنه صحيح فهو على الصحة".
وشهد له شاهدان بها نظرت شهادتهما، فإن شهدا له بالصحة عند الجناية حكم بها، ولم يستحلف المجني عليه معها، لأن البينة تغني عن اليمين فيما تضمنته، وإن شهدا بالسلامة قبل الجناية ففي سماعها والحكم بها قولان من اختلاف قوليه فيمن علم بتقدم سلامتها هل يحكم فيها عند الجناية بقوله أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا يحكم بقوله، فعلى هذا لا تسمع الشهادة له بتقدم سلامته.

الجزء: 12 - الصفحة: 233

والقول الثاني: يحكم له بقوله، فعلى هذا تسمع الشهادة له بتقدم سلامته، ثم يستحلف معها على أنه لم يزل على السلامة إلى حين جنايته.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية وفي كل واحد منهما ربع الدية لأن ذلك من تمام خلقته وما يألم بقطعه".
قال في الحاوي: أما جفون العينين فهي أربعة تحيط بالعينين من أعلى وأسفل، وتحفظهما من الأذى، وتجلب إليهما النوم، ويكمل بهن جمال الوجه والعين، وفيها إذا استوصلت الدية تامة.
وقال مالك: فيها حكومة؛ لأن مقادير الديات موقوف على النص وليس فيها نص، ولأنها تبع للعينين فلم تجب فيها الدية الواجبة في العينين؛ لأن حكم التبع أخف من حكم المتبوع، ودليلنا ما رواه بعض أصحابنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل في كتاب عمرو بن حزم: "وفي الجفون إذا استؤصلت الدية".
وليس بمشهور عند أصحاب الحديث، ولأنها من تمام الخلقة فيها منفعة وجمال تألم بقطعها، ويخاف على النفس من سراية الجناية عليها، فوجب أن تكمل الدية فيها كسائر الأعضاء ولا يمتنع، وإن كانت تبعًا أن تساوي متبوعًا في الدية إذا اختصت بزيادة جمال ومنفعة كالأنف في الشم، والأذنين في السمع، فإذا ثبت أن فيها الدية فسواء استؤصلت من صغير أو كبير أو بصير؛ لأن للضرير بها منفعة وجمالًا وإن كانت منفعة البصر بها أعم.
فأما القود فإن أمكن فيها ولم يتعد ضرره إلى العينين وجب، وإن لم يمكن سقط، فإنه قلع جفنًا واحدًا ففيه ربع الدية؛ لأن كل ذي عدد من الأعضاء إذا كملت فيه الدية تقسطت على عددها كاليدين في تقسيط ديتها على الأصابع، وتقسط دية الإصبع على الأنامل وسواء كان الجفن أعلى أو أسفل، وفي الجفنين نصف الدية، وفي ثلاثة جفون ثلاثة أرباع الدية، فلو جني على عينيه فقطع جفونهما، وأذهب بصرهما لزمته ديتان: أحدهما: في الجفون، والأخرى: في العينين، كما لو قطع أذنيه وأذهب سمعه.
فصل: فأما أهداب العينين وأشفارهما من الشعر النابت في أجفانهما ففيهما من المنفعة ذبها عن البصر، ومن الجمال حسن المنظر، وفيها إذا انتفت فلم تعد حكومة.
وقال أبو حنيفة: فيها الدية، وليس بصحيح؛ لأن الدية تجب في قطع ما يخاف من سرايته ويؤلم في إبانته، وهذا معدوم في الأهداب وموجود في الجفون، فلذلك وجب في الأجفان دية، وفي الأهداب حكومة، فإن انتف أهدابه فعاد نباتها دون ما كانت ففيها من الحكومة أقل مما فيها لو لم تعد، فإن عاد نباتها إلى ما كانت عليه ففيها وجهان:

الجزء: 12 - الصفحة: 234

(أحدهما): لا شيء فيها لعدم التأثير ويعزر لأجل الأذى.
والثاني: فيها حكومة دون حكومتها لو عاد نباتها خفيفًا، فإن استأصل أجفانه مع أهدابها فعليه دية الجفون تدخل فيها حكومة الأهداب، وحكى أبو حامد الإسفراييني -رحمه الله- وجهًا آخر أنه يجمع عليه بين دية الجفون وحكومة الأهداب، وهذا لا وجه له، لأن الجفون محل الأهداب فلم ينفرد بالحكومة فيها كالأصابع مع الكف.
فصل: فأما شعر الحاجبين فيختصان بالجمال دون المنفعة، فإن نتفه حتى ذهب ولم يعد ففيه حكومة.
وقال أبو حنيفة: فيه دية، لأن يوجبها في أربعة شعور: شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين، إلا أن يكون عبدًا فيجب فيه ما نقص من قيمته، وقد تقدم الكلام.
فلو عاد شعر الحاجبين بعد نتفه فعلى ما ذكرنا من الوجهين، فلو كشط جلدة الحاجبين ولم يستخلف، كان عليه حكومة بحسب الشين هي أكثر من حكومة الشعر، فإن أوضح محلهما كان عليه دية موضحتين، وهل يدخل فيهما حكومة الشين أم لا؟ على وجهين ذكرنا نظيرهما من قبل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية".
قال في الحاوي: وفي الأنف إذا أوعب مارنه جدعًا الدية"، فأورد الشافعي -رحمه الله- ذلك بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمكن، فإن لم يمكن فبألفاظ الصحابة، فإن لم يجد فبألفاظ التابعين، وكثيرًا ما يوردها بلفظ عطاء بن أبي رباح.
وروى عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الأنف إذا أوعب جدعًا مائة من الإبل" لأن الأنف عضو فيه منفعة وجمال تألم بقطعه، وربما سرت الجناية عليه إلى نفسه فوجب أن يكمل فيه الدية كاللسان والذكر ومارن الأنف هو ما لان من الحاجز بين المنخرين المتصل بقصبة الأنف.
والقصبة: هي العظم المنتهي إلى الجبهة، وكمال الدية فيه يجب باستيعاب المارن مع المنخرين، وسواء في ذلك الأنف الأقنى والأفطس والأحجر والأخنس، وأنف الأشم والأخشم فإن قطع أرنبة الأنف وتجرأ فيه من الدية بحسابه وقسطه، وإن لم يتجزأ ففيه

الجزء: 12 - الصفحة: 235

حكومة، ولو قطع أحد المنخرين وبقي المنخر الآخر مع المارن ففيما يلزمه من الدية وجهان حكاهما أبو حامد الإسفراييني.
أحدهما: عليه نصف الدية، وحكاه عن أبي إسحاق المروزي، لأنه قد أذهب نصف منفعته.
والوجه الثاني: عليه ثلث الدية تقسيطًا على المنخرين والمارن الذي يشتمل الأنف عليها، فكان في كل واحد منهما ثلث الدية، ويلزمه على هذا في قطع المارن مع بقاء المنخرين ثلث الدية، ولو شق المارن، ولم يقطعه ففيه حكومة، اندمل أو لم يندمل، غير أنها في المندمل أقل وفي غير المندمل، أكثر، فإن خرم أحد منخريه فإن لم يذهب منه بالخرم شيء ويجزأ ففيه من الدية بقسطه وإن لم يتجزأ ففيه حكومة بحسب الشين لا تبلغ بها ثلث الدية في أحد الوجهين ونصفها في الوجه الثاني، بحسب اختلاف الوجهين في قطع أحد المنخرين لأن قطعه أكثر من خرمه، فإن استوعب قطع الأنف من أصل المارن فأوضح عظم القصبة فعليه مع دية الأنف موضحة، ولو هشمه لزمه دية هاشمة، ولو نقله لزمه دية منقلة، ولو أجافهما تحته لزمه دية مأمومة، لوصوله إلى جوف الرأس، وحكي أبو حامد المروزي في جامعه قولًا ثانيًا: إنه يلزمه فيه دية مأمومة ويلزمه حكومة القصبة لا يبلغ بها دية الأنف لأنها تبع له، وخرج هذا التعليل أبو علي بن أبي هريرة قولًا ثانيًا في قصبة الأنف إذا قطعت مع الأنف قولًا ثانيًا إنه لا يجب فيها إلا دية بناء على اختلاف قولي الشافعي في قطع الحلمة مع الثديين، وقطع الحشفة مع بعض الذكر، وليس هذا التحريم بصحيح، لأمرين: أحدهما: أن محل الحلمة في الثدي ومحل الحشفة على الذكر، وليس محل الأنف على القصبة وإن اتصل بها فاختلفا.
والثاني: أنه لما وجب في إيضاح المارن دية موضحة كان التزام الغرم في قطع أصلها أحق.
فصل: ولو جني على أنفه فاستحشف ويبس ففيه قولان كالأذنين إذا استحشفتا: أحدهما: عليه الدية تامة كاليدين إذا شلتا.
والقول الثاني: عليه حكومة، لبقاء نفعه مع ذهاب جماله بخلاف شلل اليد الذي قد فات به الجمال والمنفعة، وعلى هذا لو جدع أنفًا مستحشفًا كان فيما يلزمه قولان: أحدهما: حكومة إذا قيل في استحشافه دية.
والثاني: دية إذا قيل في استحشافه حكومة، ولو جني على أنفه فاعوج لزمته حكومة، فإن جبر حتى عاد مستقيمًا كانت حكومته أقل، وإن بقى على عوجه كانت حكومته أكثر بحسب شينه.

الجزء: 12 - الصفحة: 236

فصل: ولو جدع أنفه فأعاده بحرارة دمه حتى التحم نظر فإن لم يكن عند الجناية قد بان وانفصل ففيه حكومة كالجراحة المندملة، وإن بان وانفصل ففيه الدية كاملة؛ لأنه لا يقر على تركه، ويؤخذ من حق الله تعالى بقطعه؛ لأنه صار بالانفصال ميتًا نجسًا، ولو ألصقه المقتص منه حتى التحم أخذ بقطعه وإزالته، فإن كان إلصاقه قبل انفصاله كان مأخوذًا بقطعه في حق المجني عليه، وإن كان بعد انفصاله كان مأخوذًا بقطعه في حق الله تعالى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذهاب الشم الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد حكى بعض الرواة عن عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الشم الدية"، ولأن الشم من الحواس النافعة فأشبه حاسة السمع والبصر، وهو من الأمور المغيبة التي لا ترى ولا تعلم إلا من صاحبها، فإن ادعى المجني عليه ذهاب شمه وأنكره الجاني وادعى بقاؤه كان القول فيه قول المجني عليه، لأن ذهابه لا يعرف إلا من جهته لكن يستظهر عليه بغاية ما يمكن في اختيار صدقه بأن يثار عليه في أوقات غفلاته الروائح الطيبة والمنتنة مرة بعد أخرى، فإن كان لا يرتاح إلى الروائح الطيبة ولا يظهر منه كراهة للروائح المنتنة دل ذلك على صدقه، فكان القول فيه قوله مع يمينه، لإمكان تصنعه، وإن وجد منه الارتياح للروائح الطيبة والكراهة للروائح المنتنة، صار الظاهر بها في جنبه الجاني فأحلف على بقاء شمه ولا بشيء عليه فلو أحلف المجني عليه على ذهاب شمه ثم غطى أنفه عند رائحة منتنة فادعى الجاني أنه غطاء لبقاء شمه.
وقال المجني عليه: بل غطيته لحاجة أو عادة كان القول فيه قول المجني عليه دون الجاني، ويحكم له بالدين لاحتمال ما قاله.
فصل: ولو ذهب شمه وقضى له بالدية، ثم عاد شمه لزمه رد الدية، وعلم أن ذهاب شمه كان لحائل دونه، ولا حكومة له في المدة التي لم يشم فيها، لبقاء شمه إلا أن يكون بعد عوده أضعف من قبل ذهابه لأنه كان يشم من قريب وبعيد فصار يشم من القريب، ولا يشم من البعيد، أو كان يشم الروائح القوية والضعيفة فصار يشم الروائح القوية دون الضعيفة، فإن علم قدر الذاهب منه ولا أحسبه يعلم كان فيه من الدين بقدر الذاهب، فإنه لم يحلم ففيه حكومة.
ولو كان في أصل خلقته يشم شمًا ضعيفًا وذلك بأن يشم من القريب أو القوي من الروائح دون الضعيف فجني عليه فأذهب شمه صار لا يشم قويًا ولا ضعيفًا من قريب ولا بعيد ففيه وجهان محتملان:

الجزء: 12 - الصفحة: 237

أحدهما: فيه الدية كاملة، لأن الحواس تختلف بالقوة والضعف كالأعضاء التي لا تختلف الجية باختلاف قوتها وضعفها.
والوجه الثاني: أن الموجود كان فيه بعض الشم فلم يلزم في إذهابه إلا بعض الدية، بخلاف ضعف الأعضاء الذي يوجد جنس المنافع فيها.
فعلى هذا إن علم قدر ما كان ذاهبًا من شمه ففيه من الدية بقسطه، وإن لم يعلم ففيه حكومة يجتهد الحاكم فيها رأيه.
فصل: لو جدع أنفه فذهب منه شمه لزمه ديتان: إحداهما: في جدع الأنف، والأخرى: في ذهاب الشم، لاختلافهما في المحل كالأذنين والسمع، وخالف ذهاب البصر مع العينين، وذهاب الكلام مع اللسان، لاجتماعهما في المحل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الشفتين الدية إذا استوعبتا وفي كل واحدة منهما نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لرواية عمرو بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الشفتين الدية"، وهو قول أبي بكر وعلي وابن مسعود وزيد بن ثابت -رضي الله عنهم- ولأنهما عضوان من أصل الخلقة فيهما منفعة وجمال، يألم بقطعهما ويخاف من سرايتهما فأشبها اليدين والرجلين، وسواء في ذلك الغليظتان والدقيقتان، والطويلتان والقصيرتان، من ناطق أو أخرس، ذي أسنان وغير أسنان، وفي إحدى الشفتين نصف الدية، ولا فضل للعليا على السفلى، وحكي عن زيد بن ثابت أن في السفلى ثلثي الدية، وفي العليا ثلثها؛ لأن السفلى أنفع من العليا، لحركتها ودورانها، وحفظ الطعام والشراب بها، وما فيها من حروف الكلام الشفوية، وهذا يفسد من وجهين: أحدهما: أن لكل واحدة منهما منفعة ليست للأخرى فصارتا متساويتين.
والثاني: لأن تفاضل المنافع في الأعضاء المتجانسة لا يوجب تفاضلها في الديات كالأصابع والأسنان، فإن قطع النصف في إحدى الشفتين كان عليه ربع الدية، وإن قطع أكثر أو أقل كان عليه من الدية بحسب ما قطع.
فصل: ولو جني عليهما فاستحشفتا ويبستا حتى لم يتحركا ولم يألما فعليه الدية كاملة قولًا

الجزء: 12 - الصفحة: 238

واحدًا، بخلاف الأنف إذا استحشفه إن عليه حكومة في أحد القولين، لأن منفعة الأنف باقية ومنفعة الشفة ذاهبة، وإن تقلتا بالجناية حتى صار كاشر الأسنان نظر، فإن انبسطتا فذلك نقص في المنفعة تجب فيه حكومة، وإن لم تنبسط بالمد فهو ذهاب جميع المنفعة فتكمل فيها الدية، ولو تقلص بعضها ولم ينبسط بالمد ففيه من الدية بحساب ما تقلص، ولو جني عليها فاسترختا حتى لا ينفصلان عن الأسنان إذا كشر أو ضحك ففيهما الدية كاملة، نص عليه الشافعي، وفيه عندي نظر، لبقاء منفعتهما بحفظ الأسنان وما يدخل الفم من طعام وشراب، فاقتضى لأجل ذلك أن تجب فيه حكومة بخلاف تقلصهما المذهب لجميع منافعهما، ولو شق الشفة فلم يندمل حتى صار كالأعلم إن كان الشق في العليا وكالأقلع إن كان الشق في السفلى، ففيه حكومة بحسب الشين لا يبلغ بها إحدى الشفتين، وإن اندملت ففيه حكومة إن تقل عن حكومة ما لم يندمل، وتقل إن اندملت ملتئمة وتكثر إن اندملت غير ملتئمة ولو قطع شفة مشقوقة لزمه جميع ديتها إن لم يذب الشق شيئًا من منافعها، ويقسطه إن أذهب معلوم القدر من منافعها، وحكومة تقل عن ديتها إن لم يعلم قدر الذاهب من منافعها.
فصل: وحد الشفتين ما وصفه الشافعي في كتاب "الأم" أنه ما زائل جلد الذقن والخدين من الأعلى والأسفل مستديرًا بالفم كله مما ارتفع عن الأسنان واللثة.
قال الشافعي: "وفي جناية العمد عليهما العود"، وقال أبو حامد الإسفراييني: لا قود فيهما؛ لأنه قطع لحم من لحم فصار كقطع بضعة من لحمه.
وهذا خطأ، وما قاله الشافعي من وجوب القود أصح، لأنه محدود وإن كان لحمًا متصلًا بلحم فشابه المحدود بالمنفصل وخالف البضعة من اللحم التي ليس لها حد ولا مفصل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي اللسان الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لرواية عمرو بن حزام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي اللسان الدية" ولأنه قول أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود -رضي الله عنهم- ولا مخالف لهم، ولأنه عضو من تمام الخلقة في جمال ومنفعة يألم بقطعه، وربما سرى إلى نفسه فوجب أن تكمل فيه الدية كسائر الأعضاء، فأما جمال اللسان فقد روى ابن عباس أنه قال: يا رسول الله فيما الجمال؟ قال في "اللسان".

الجزء: 12 - الصفحة: 239

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المرء مخبوء تحت لسانه".
وأما منفعة اللسان فالمعتمد منها ثلاثة أشياء: أحدها: الكلام الذي يعبر به عما في نفسه ويتوصل به إلى إرادته ولأهل التأويل في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الإنسَانَ (3) عَلَّمَهُ البَيَانَ (4)﴾ [الرحمن:3 - 4] تأويلان: أحدهما: الخط، والثاني: الكلام.
والثاني: من منافع اللسان حاسة ذوقه الذي يدرك به ملاذ طعامه وشرابه، ويعرف به فرق ما بين الحلو والحامض، والمر والعذب.
والثالث: الاعتماد عليه في أكل الطعام ومضغه وإدارته في لهواته حتى يستكمل طحنه من الأضراس ويدفع بقاياه من الأشداق.
وهذه الثلاثة من أجلّ المنافع التي لا يتوصل بغير اللسان إليها، فكان من أجلّ الأعضاء نفعًا، فإذا ثبت أن في اللسان الدية ففيه الدية كاملة إذا كان ناطقًا سليمًا، ولا فوق بين لسان الصغير والكبير، والمتكلم بالعربية والأعجمية، والفصيح والألكن، والثقيل والعجل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن خرس ففيه الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا جني على لسانه فأذهب كلامه حتى خرس ولم يتكلم بحرف فعليه الدية كاملة، لأنه قد سلبه أعظم منافعه ذهابه، لأن محل من اللسان محل ذهاب البصر من العين، ولو جني عليه فأذهب حاسة ذوقه وسلمه لذة طعامه حتى لم يفرق بين طعم الحلو والحامض فليس للشافعي فيه نص، والذي يقتضيه مذهبه أن يكون فيه الدية كاملة، لأن الذوق أحد الحواس المختصة بعضو خاص فأشبه حاسة السمع والشم، والذوق أنفع من الشم، وآكد، فكان بكمال الدية أحق.
فإن جمع في الجناية على لسانه بين ذهاب كلامه وذهاب ذوقه كان عليه ديتان في كل واحد منهما دية، قد يصح بقاء الذوق مع قطع اللسان، لأن حاسة الذوق تدرك بعصب اللسان، فإذا بقى من عصبه في أصله بقية كان الذوق بها باقيًا فلذلك فلم يتحتم قطعه إلا بذهاب كلامه، فإن اقترن بقطعه استئصال العصب حتى ذهب ذوقه وجبت عليه حينئذٍ ديتان، وإذا وجب بما ذكرت أن يلزم في ذهابه الذوق الدية وأنه يجوز أن يبقى مع قطع اللسان وتذهب مع بقاء اللسان إذا ذهب حس العصب تعلق بكمال الدية بذهاب جميع الذوق، فلا يفرق بين مذاق الطعوم المختلفة، فعلى هذا لو نقص ذوقه بالجناية فنقصانه ضربان: أحدهما: أن يكون نقصان ضعيف، وهو أن يدرك الفرق ما بين الحلو والحامض

الجزء: 12 - الصفحة: 240

ولا يدرك حقيقة الحلو وحقيقة الحامض، فذا ناقص المذاق ولا ينحصر قدر نقصانه، فيتقسط عليه الدية، فوجب أن تلزمه حكومة تختلف باختلاف النقصان في القود والضعف.
والضرب الثاني: أن يذهب بها بعض ذوقه مع بقاء بعضه فيصير مدركًا طعم الحامض دون الحلو وطعم المر دون العذب، فيلزمه من الدية بقسط ما أذهب من مذاقه، وعدد المذاق خمسة، ربما فرعها أهل الطب إلى ثمانية على أصولهم لا نعتبرها في الأحكام، لدخول بعضها في بعض كالحرافة مع المرارة والخمسة المعتبرة الحلو، والحامض، والمر، والعذب، والمالح فتكون دية الذوق مقسطة على هذه الخمسة، فإن أذهب واحد منها وجب عليه خمس الدية، وفي الاثنين خمساها، ولا يفصل بعضها على بعض كما تقسط دية الكلام على أعداد حروفه.
فصل: فإن ادعى المجني عليه ذهاب ذوقه وأنكره الجاني فهو من الباطن الذي لا يعرف إلا من جهته كالشم والسمع، فيكون القول فيه قول المجني عليه مع يمينه بعد الاستظهار عليه في غفلاته بأن يمزج بحلو طعامه مرًا وبعذبه ملحًا وهو لا يعلم فإن استمر على تناولها ولم توجد منه أمارات كراهتها دل على صدقه، وأحلف على ذهاب ذوقه، وإن كرهها وظهرت منه أمارات كراهتها صار الظاهر عليه لا معه، فيصير القول قول الجاني مع يمينه على بقاء ذوقه كما قلنا في ذهاب الشم والسمع والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن ذهب بعض كلامه اعتبر عليه بحروف المعجم ثم كان ما ذهب من عدد الحروف بحسابه".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا ذهب بالجناية على اللسان بعض كلامه اعتبر قدر الذاهب منه بعدد حروف المعجم التي عليها بناء جميع الكلام، وهي تسعة وعشرون حرفًا إن كان عربي اللسان، وإن كان أعجمي اللسان اعتبر عدد حروف كلامه، فإن حروف اللغات مختلفة الأعداد والأنواع فالضاد مختصة بالعربية وبعضها مختص بالأعجمية، وبعضها مشترك بين اللغات كلها، وبعض اللغات يكون حروف الكلام فيها أحد وعشرون حرفًا وبعضها ستة وعشرون حرفًا، وبعضها أحد وثلاثين حرفًا، فيعتبر قدر ما ذهب من الكلام بقدر حروف اللغة التي يتكلم بها المجني عليه، فإذا كان عربي اللسان يقسط على تسعة وعشرين حرفًا، ومنهم من عدها ثمانية وعشرين حرفًا وأسقط حرف لا لدخوله في الألف واللام، وسواء في ذلك حروف الحلق والشفة، هذا ظاهر مذهب

الجزء: 12 - الصفحة: 241

الشافعي وقول جمهور أصحابه، وقال أبو سعيد الإصطخري وأبو علي بن أبي هريرة يكون ما ذهب من الكلام معتبرًا بعدد حروف اللسان، ويسقط منها حروف الحلق والشفة وهي عشرة أحرف، ستة منها حلقية وهي همزة الألف، والحاء، والخاء، والعين، والغين، والهاء وأربعة منها شفوية وهي الباء، والفاء، والميم، والواو.
ويبقى من حروف الكلام ما يختص باللسان وهي تسعة عشر حرفًا تتقسط عليها ما ذهب من الكلام، فإن ذهب منه حرف كان عليه جزءًا من تسعة وعشرين جزءًا من الدية وهذا فاسد من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن هذه وإن كان مخارجها في الحلق فالشفة واللسان معبر عنها وناطق بها، ولذلك لم يتلفظ الأخرس بها.
والثاني: أنه يقتضي غير قولهما أن لا يلزم بالجناية على لسانه ضمان ما ذهب من حروف الحلق والشفة، ويكون ضمانه مختصًا بما ذهب من حروف اللسان وهي تسعة عشر، ويكون ضمان الحروف الحلقية والشفوية ساقطًا عنه، لأنه لم يجزئ على محله قالاه لم يقله غيرهما، وإن لم يقولاه فسد تعليله.
والثالث: يلزمهما في الحروف الشفوية أنه يضمنها إذا جنى على شفته، فإن قالاه ركبا الباب، وإن لم يقولاه فسد التعليل وصح ما رأيناه من اعتبار جميعها باللسان المفصح عنها والمترجم لها، فإن أذهب بحرف واحد منها كان عليه جزءًا من تسعة وعشرين جزءًا من الدية، وإن أذهب بعشرة أحرف كان عليه عشرة أجزاء من تسعة وعشرين، وعلى قياس هذا فيما زاد أو نقص، وسواء في ذلك ما خف على اللسان، وقل هجاءه أو ثقل على اللسان وكثر هجاؤه لا يفضل بعضها على بعض، وتكون الدية مقسطة على أعداد جميعها.
فصل: فإذا أردت أن تعتبر كل حرف منها في بقائه وذهابه، لم تعتبر مفردات الحروف؛ لأن للحرف الواحد يجمع في الهجاء حروفًا، لكن تعتبره بكلمة يكون الحرف من جملتها إما في أولها أو في وسطها أو في آخرها، ولو اعتبرته في الأول والوسط والأخير كان أحوط، فإذا أردت اعتباره في أول الكلمة وكان المعتبر هو الألف أمرته أن يقول: أحمد وأسهل وأبصر وأبعد، ليكون بعد الألف حروف متغايرة يزول بها الاشتباه، فإن لم يسلم له الألف في هذه الأسماء والأفعال كانت ذاهبة، وإن سلمت كانت باقية.
وإذا أردت اعتبار الباء أمرته أن يقول: بركة وبابًا وبعدًا، ثم علم هذه العبرة من جميع الحروف، فإن ثقل عليه الحرف ثم يأتي به سليمًا عد من السليم دون الذاهب، وإن قلبه بلثغة صارت في لسانه عد في الذاهب دون السليم، لأن الألثغ يبدل الحروف باعتبارها فصار حرف اللثغة ذاهبًا، وكذلك لو صار به أرت، لن ما خفي بالرتة معدودًا في الذاهب دون السليم، لأن الأرت يأتي من الكلمة بعضها ويسقط بعضها ولو صار أرت

الجزء: 12 - الصفحة: 242

يردد الكلمة مرارًا أو وفاقًا يكرر الفاء مرارًا، أو تمتامًا يكرر التاء مرارًا، عد ذلك في السليم دون الذاهب، لأن الحرف منه سليم، وإن تكرر ففيه حكومة؛ لأن فيه مع بقائه نقصًا، ولو كان الباقي من حروف كلامه بعد الذاهب منه لا يفهم معناه لم يضمنه الجاني، للعلم بأن بعض الحروف لا يقوم مقام جميعها فلم يلزم إلا ضمان الذاهب منها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطع ربع لسانه فذهب بأقل من ربع الكلام فربع الدية وإن ذهب نصف الكلام فنصف الدية".
قال في الحاوي: إذا قطع بعض لسانه فذهب بعض كلامه كان عليه أكثر الأمرين مما قطع من اللسان أو ذهب من الكلام، فإن قطع نصف لسانه فذهب نصف كلامه فقد استويا وعليه نصف الدية، وإن قطع ربع لسانه فذهب نصف كلامه كان عليه نصف الدية اعتبارًا بما ذهب من الكلام دون اللسان، لأنه أكثر، وإن قطع نصف لسانه فذهب ربع كلامه كان عليه نصف الدية اعتبارًا بما قطع من اللسان، لأنه أكثر، وعلى هذه العبرة فيما زاد أو نقص، واختلف أصحابنا في العلة التي لأجلها اعتبر وجوب أكثر الأمرين على وجهين: أحدهما: وهو تعليل أبي كنيز وظاهر تعليل الشافعي في "الأم": أنه منفعة العضو إذا ضمنت بديته اعتبر فيها الأكثر من ذهاب المنفعة أو ذهاب العضو.
ألا ترى أنه لو قطع الخنصر من أصابع اليد فشل جميعها لزمه دية دميعها، لذهاب جميع منافعها ولو لم يشل باقيها لزمه دية الإصبع وهو خمس دية اليد، لأنه أخذ خمس اليد وإذا كان الذاهب لها أقل من خمس المنفعة، كذلك فيما ذهب من اللسان والكلام.
والوجه الثاني: وهو تعليل أبي إسحاق المروزي أن قطع ربع اللسان إذا أذهب نف الكلام دليل على شلل ربع اللسان من الباقي منه، فيلزمه نصف ديته، ربعها بالقطع، وربعها بالشلل، وفائدة هذا الاختلاف في التعليل مؤثر في فرعين: أحدهما: أنه يقطع ربع لسانه فيذهب نصف كلامه فيلزمه نصف الدية ثم يأتي آخر فيقطع باقي لسانه فعلى التعليل الأول تلزمه ثلاثة أرباع الدية لنه قطع ثلاثة أرباع اللسان، وعلى التعليل الثاني يلزمه نصف الدية في نصف اللسان، وحكومة في ربعه لأن نصفه سليم وربعه أشل.
والفرع الثاني: أن يقطع نصف لسانه فيذهب ربع كلامه، فيلزمه نصف الدية ثم يأتي آخر فيقطع باقي لسانه، فعلى التعليل الأول في اعتبار الأغلظ تلزمه ثلاثة أرباع الدية لأنه أذهب ثلاثة أرباع كلامه، وعلى التعليل الثاني في اعتبار الأجزاء تلزمه نصف

الجزء: 12 - الصفحة: 243

الدية لأنه قطع نصف لسانه.
فصل: فإن أخذ الدية ما ذهب من كلامه ثم نطق به عد ذلك رد دية ما أخذه، ولو عاد بعضه رد دية ما عاد واستحق دية ما لم يعد، ولو أخذ دية ما ذهب من كلامه ثم ذهب بعد ذلك حروف أخر من كلامه فإن كان قبل اندمال لسانه وسكون ألمه ضمنها، وإن كان بعد الاندمال وسكون الألم لم يضمن إلا ما تقدم.
فصل: وإذا خلق للسان طرفان أحدهما فلا يخلو حاله أبعد من قطعه من أن ينطق بجميع كلامه أو لا ينطق، فإن نطق بجميعه لم يخل حال الطرف المقطوع من أن يكون مساويًا للطرف الثاني في تخريجه من أصل اللسان أو يكون خارجًا عنه، فإن ساواه لزمه فيه من الدية بقسط المقطوع من قدر اللسان، ولو قطع الطرفين معًا لزمه من الدية بقسطهما من جميع اللسان، وإن كان الطرف المقطوع خارجًا عن الاستقامة في اللسان فهو طرف زائد يلزمه في قطعه حكومة لا تبلغ قسطه من الدية لو كان من أصل اللسان، ولو قطع الطرفين معًا لزمه في الزائد حكومة، وفي طرف الأصل قسطه من الدية، ولو قطع جميع اللسان من أصله لزمه دية اللسان وحكومة في الطرف الزائد، وإن ذهب مع قطع هذا الطرف الزائد شيء من كلامه لزمه أكثر الأمرين من دية الذاهب من كلامه أو المقطوع من لسانه.
فصل: ولو قطع باطن اللسان لزمه قسطه من الدية، فإن أذهب بشيء من كلامه لزمه أكثر الأمرين، ولا قود فيه، لتعذره، ولا قود في ذهاب الكلام أيضًا إذا أذهبه مع بقاء اللسان، فعلى هذا لو قطع نصف لسانه فذهب به نصف كلامه قطع نصف لسان الجاني، لأن في جميع اللسان وفي بعضه قود، فإن ذهب بالقود نصف كلامه كان وفاء جنايته، وإن ذهب بربع كلامه لزمه مه القود دية ربع الكلام، ولو ذهب بقطعه ثلاثة أرباع كلامه، فقد وفى المستحق بجنايته، وكان الزائد فيما ذهب من كلامه هدرًا لحدوثه عن قود مستحق، فأما قطع اللهاة ففيه القود إن أمكن، وفيه حكومة لا تتقدر بقسط من دية اللهاة عن الأعضاء التي قدرت فيها الديات.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي لسان الصبي إذا حركه ببكاء أو بشيء بغير اللسان الدية".

الجزء: 12 - الصفحة: 244

قال في الحاوي: وجملة ذلك أن لسان الصبي الطفل يعجز عن الكلام لضعف الصغر كما تعجز أعضاؤه عن استيفاء الحركة، فيلزم في لسانه إذا كان معروف السلامة جميع الدية مثل ما يلزم في لسان الناطق الكبير، كما يلزم من رجليه جميع الدية إذا عرفت سلامتها وإن كان ينهض للمشي بهما، وإذا كان كذلك فأول ما يظهر من الطفل حرف الحلق في البكاء، ثم حروف اللسان إذا تكلم، وبعض ذلك يتلو بعضًا، فإذا عرف منه أحد هذه الثلاثة في زمانه دل على سلامة لسانه فكملت فيه الدية وإن لم يستكمل الكلام، لأنه يكمل في غالب العرف إذا بلغ زمان الكمال، وإن لم يظهر منه في أوقات هذه الحروف ما يدل على سلامة لسانه كان ظاهره دليلًا على خرسه، فيلزمه فيه حكومة، ولو قطعه ساعة ولادته قبل أوقات حركات لسانه صار لسانه وإن كان من الأعضاء الظاهرة من الكبير جاريًا مجرى الأعضاء الباطنة فيكون على قولين: أحدهما: يحمل على الصحة، لتعذر البينة فيه اعتبارًا بالأغلب من أحوال السلامة، وتكمل فيه الدية.
والقول الثاني: أنه يحمل على عدم الصحة، لن لا يقضي بالإلزام مع إمكان الإسقاط اعتبارًا ببراءة الذمة وتجب فيه حكومة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي لسان الأخرس حكومة".
قال في الحاوي: وإنما لم يجب في لسان الأخرس الدية، لأنه قد سلب الكلام الذي هو الأخص الأغلب في منافع اللسان وإن بقى بالخرس بعض منافعه وهو الذوق وتصرفه في مضغ الطعام فلم تبلغ ديته دية لسان كامل المنافع.
فإن قيل: فمثله لسان الصبي فهلا كان فيه أيضًا حكومة؟ قيل: لأن لسان الصبي سليم الكلام، وإن لم يظهر في زمانه، وهذا معدوم الكلام، لأنه مفقود في زمانه فافترقا، فلو كان اللسان مسلوب الذوق لا يحس به طعوم المأكولات والمشروبات وهو ناطق سليم الكلام لم تكمل فيه الدية، وكان فيه حكومة كالأخرس، وإن لم يذكره الشافعي بناء على ما قدمناه في الجناية عليه إذا أذهبت بذوقه أن فيه الدية، وحكومة المسلوب الذوق أقل من حكومة المسلوب الكلام، لأن نقص الكلام أظهر، والحاجة إليه أدعى، ولو ابتدأ بالجناية على لسان ناطق فأخرسه وضمن بالخرس ديته، ثم عاد هو فقطع لسانه لزمه حكومة، لأنه قطع بعد الجناية الأولى لسان أخرس، كما لو أشل يده بجناية ثم قطعها بعد الشلل لزمته دية في الشلل وحكومة في القطع بعده.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن قال لم أكن أبكم فالقول قول الجاني مع يمينه

الجزء: 12 - الصفحة: 245

فإن علم أنه ناطق حتى يعلم خلاف ذلك".
قال في الحاوي: وهذا من جملة ما مضى إذا اختلفا بعد قطع اللسان في سلامته وخرسه فادعى الجاني أنه كان أخرس وادعى المجني عليه أنه كان ناطقًا فاللسان من الأعضاء الظاهرة في الكبير، لأنه يقدر على إقامة البينة بنطقه وسلامته، فيكون القول فيه قول الجاني مع يمينه إن لم يعترف له بتقدم السلامة؛ لأن الأصل براءة ذمته من قود وعقل، فإن اعترف له بتقدم السلامة وادعى زوالها قبل جناية فهو على قولين كمن قطع ملفوفًا في ثوب وادعى أنه كان ميتًا فيه قولان، كذلك هاهنا.
فإن قيل: فكيف يصح من المقطوع اللسان أن يقول لم أكن أبكم وهو لا يقدر بعد قطعه على القول.
قيل: معناه أنه أشار بالعين فعبر عن الإشارة بالقول كما قال الشاعر: وقالت له العينان سمعًا وطاعة وخدرنا كالدر لما يثقب فعبر عن إشارة العينين بالقول.
فصل: وإذا قطع لسانه فأخذ بالقود أو الدية ثم ثبت لسان المجني عليه فهو مبني على سن المثغور إذا ثبت بعد أخذ ديتها وفيها قولان: أحدهما: أنها عطية من الله لا يسترجع بها ما أخذه من ديتها، فعلى هذا أولى في اللسان أن يكون عطيته مستجدة لا يسترجع بعد نباته بما أخذه من ديته.
والقول الثاني: أن هذه السن الثابتة خلف من السن الذاهبة دل على بقاء أصلها، فيسترجع منه بعد نباتها ما أخذه من ديتها، فعلى هذا هل يكون حكم اللسان إذا نبت كذلك أم لا؟ على وجهين ذكرناهما في عود ضوء العين بعد ذهابه، ولكن لو جني على لسانه فخرس وغرم ديته ثم عاد فنطق رد ما أخذه من الدية قولًا واحدًا، بخلاف اللسان إذا نبت والفرق بينهما أن ذهاب اللسان مستحق وأن النابت غيره وذهاب الكلام مظنون، فدل النطق على بقائه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: " وفي السن خمس من الإبل إذا كان قد أثغر".
قال في الحاوي: في كل سن من أسنان المثغور خمس من الإبل، لرواية عمرو بن حزام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمن: "وفي السن خمس من الإبل" وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وفي الأسنان خمس

الجزء: 12 - الصفحة: 246

خمس" فإذا ثبت هذا النص في وجوب خمس من الإبل في كل سن، فإنما هي من أسنان المثغور التي لا تعود على الأغلب بعد القلع، وسواء كانت صغارًا أو كبارًا، طوالًا أو قصارًا، كما تساوى ديات الأطراف من الصغر والكبر، والطول والقصر، وسواء كانت بيضاء ملاحًا أو سوداء قباحًا كان ذلك من أصل الخلقة أو طارئًا عليها، باقية المنافع؛ لأن القلع قد أبطل منافعها وكانت كاملة وازداد محلها بالقلع قبحًا فصار مذهبًا لنفعها وجمالها، فلذلك كمل ديتها، فإن قلعها من أصلها مع سنخها الداخل في لحم اللثة الممسك لها بمرابط العصب ففيها ديتها خمس من الإبل، ولا يلزمه في قلعها مع سنخها المغيب حكومة زائدة، لأن السنخ تابه لها ظهر كتبع الكف للأصابع، وإن قلع ما ظهر من السن وخرج عن لحم اللثة وبقى السنخ المغيب جرى مجرى قطع الأصابع من الكف، فإن عاد أو غيره فقلع السنخ المغيب.
ففيه حكومة، كما لو عاد بعد قطع الأصابع فقطع الكف لزمه حكومة، ولو كسر بعض سنه لزمه من الدية بقسطه، وهو مقدر من الظاهر البارز عن لحم اللثة دون السنخ المغيب فيها، لأن الدية تكمل بقلع ما ظهر فكان الكسر معتبرًا بالظاهر دون الباطل، فلو تقلص عمود اللثة حتى ظهر من السنخ المغيب في اللثة ما لم يكن ظاهرًا كان المكسور من السن معتبرًا بما كان بارزًا منها قلوص العمور عنها، ولا يعتبر بما ظهر بعده قلوصه وإذا كان كذلك واعتبر المكسور منها فإن كان النصف لزمه نصف ديتها، وإن كان أقل أو أكثر فحساب من ديتها، وسواء كان المكسور من طولها أو عرضها، فلو قلع آخر بقيتها مع سنخها بعد أن كسر الأول نصف ظاهرها لزم الثاني نصف ديتها، لأنه قلع نصفها الباقي، وهل تلزمه حكومة بقلع سنخها المغيب أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: لا يلزمه حكومة في السنخ، لأنه تبع للمضمون بالمقدر كما لا حكومة فيه إذا قلع مع جميع السن.
والوجه الثاني: وهو المنصوص من مذهب الشافعي أن عليه فيه حكومة لأن النسخ تابع لجميه السن فصار أكثر من التابع لنصفه فلزمته لهذه الزيادة حكومة.
والوجه الثالث: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أن الأول إن كان قد كسر نصفه عوضًا لزم الثاني في سنخه حكومة، لزيادته على سنخ ما قلعه وإن كان الأول قد كسره طولًا لم يلزم الثاني حكومة من السنخ؛ لأنه سنخ للبقية التي قلعها.
فصل: وإذا قلع سنًا قد حصل فيها شق أو ثقب أو أكلة، فإن لم يذهب من أجزائها بذلك شيء فعليه جميع ديتها، كاليد المريضة إذا قطعها وإن ذهب بالثقب والتآكل بعض أجزائها أسقط من دية السن قدر الذاهب منها، ولزمه باقي ديتها، وإن كانت أسنانه قد تصدعت

الجزء: 12 - الصفحة: 247

وتحركت حتى ربطها بالذهب أو لم يربطها فقلعها الجاني نظر فإن كانت منافعها باقية مع حركتها في المضغ وحفظ الطعام والريق ففيها الدية تامة، وإن ذهبت منافعها كلها ففيها حكومة، وإن نقصت منافعها فذهب بعضها وبقى بعضها ففيها قولان نص عليمها في كتاب الأم.
أحدهما: فيها الدية تامة، لأن منافع الأسنان مختلفة بالزيادة والنقصان.
والقول الثاني: فيها حكومة، لقصورها عما اختص بها من منافعها.
وجهل قدر الناقص فوجب فيه حكومة.
فإن اختلفا فادعى الجاني ذهاب منافعها وادعى المجني عليه بقائها فالقول قول المجني عليه مع يمنه، لأن بقاء منافعها لا يعلم إلا من جهته، وله ديتها تامة، ولو كانت السن كاملة المنافع فجنى عليها حتى تصدعت وتحركت وهي باقية في موضعها نظر، فإن ذهب بالجناية جميع منافعها حتى صار لا يقدر على المضغ بها فقيل: ديتها تامة، وإن ذهب منها نصف منافعها ففيها قولان: أحدهما: عليه ديتها تامة، لأنه قد يكون المسلوب من منافعها مساويًا لمنافع غيرها.
والقول الثاني: فيها حكومة، لأن منفعة كل شيء معتبرة بها، ولو قيل: بوجه ثالث إنه إن أذهب أكثر منافعها كملت ديتها، وإن ذهب أقلها ففيه حكومة اعتبارًا بالأغلب كان له وجه، فإن اختلفا فالقول قول المجني عليه مع يمينه، لأن ذهاب منافعها لا يعلم إلا من جهته.
فصل: ولو اختلف نبات أسنانه فكان بعضها طوالًا وبعضها قصارًا فدياتها متساوية مع اختلافهما في الطول والقصر، فإن كسر بعض الطويلة حتى عادلت ما جاورها من القصار لزمه من ديتها بقدر ما كسر منها، وإن زادت منافعها بكسر الزيادة عن نظائرها، وكذلك لو كسر بعض القصيرة حتى كان ما كسر منها معتبر بها لا بما جاورها من الطول، فلو كان المكسور نصفها وهو من الطويلة ربعها لزمه نصف ديتها، ولو جنى على سن فخرجت عن حد صاحبتها حتى برزت عما جاورها فإن ذهبت منافعها مع البروز تحت ديتها، وإن بقيت منافعها ففيها حكومة لقبح بروزها.
فصل: وإذا كانت إحدى رباعيته أقصر من الأخرى في أصل خلقتها خالفت قصر الثنية عن الرباعية، لأن السن معتبرة بأختها لكونها شبه لها في الاسم والمحل، ولا تعتبر بغيرها، فإذا نقصت إحدى الرباعيتين عن الأخرى علم أنها رباعية ناقصة، فإذا قلعت وعرف قدر نقصانها وجب فيها من دية السن بقدر ما بقى منها وسقط منها قدر ما نقص، ولو ذهب

الجزء: 12 - الصفحة: 248

حدة الأسنان حتى كلت بمرور الزمان كان فيها الدية تامة، لأن كلا لها مع بقائها على الصحة يجري مجرى ضعيف الأعضاء، ولو حالت حتى ذهب منها بمرور الزمان بعض أضراسها سقط من ديتها بقسط ما ذهب منها ووجب في قلعها ما بقي من ديتها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن لم يثغر انتظر به فإن لم تنبت ثم عقلها وإن نبتت فلا عقل لها".
قال في الحاوي: وهو كما قال، إذا قلع سن صبي لم يثغر فلا قود في الحال ولا دية؛ لأن المعهود من أسنان اللبن أنها تعود بعد السقوط فلم تصر مساوية لسن المثغور التي لا تعود، وقد يجوز أن لا تعود سن اللبن إذا قلعت، وإن كان نادرًا، كما يجوز أن تعود سن المثغور إذا قلعت وإن كان عودها نادرًا، ووجب أن يعتبر في كل واحد منهما حكم الأغلب دون النادر، وهو أن سن اللبن تعود وسن المثغور لا تعود، فلذلك وجب الانتظار بسن اللبن حال عودها وإن جاز أن لا تعود، ولم ينتظر بسن المثغور حال عودها وإن جاز أن تعود، فإذا كان كذلك لم تخل سن الصبي إذا قلعت من أن يعود نباتها أو لا يعود، فإن لم يعد نباتها بعد نبات أخوتها.
وقال أهل العلم: قد تجاوزت مدة نباتها ووجب فيها القصاص، وكمال الدية، وكانت في حكم سن المثغور، لأنها سن لم تعد بعد القلع، وإن عاد نباتها فعلى ضربين: أحدهما: أن تعود مساوية لأخواتها من المقدار والمكان فلا دية فيها ولا قود، فأما الحكومة فإن كان قد جرح محل المقلوعة حتى أدماه لزمته حكومة جرحه، وإن لم يجرحه ففي حكومة المقلوعة وجهان: أحدهما: لا حكومة فيها؛ لأنها تسقط لو لم تقلع.
والوجه الثاني: فيها حكومة؛ لأنه قد أفقده منفعتها.
ولو قبل بوجه ثالث: إنه إن قلع في زمان سقوطها فلا حكومة فيها، وإن قلعها قبل زمانها ففيها حكومة كان مذهبًا، لأنها قبل زمان السقوط نافعة وفي زمانه مسلوبة المنفعة.
والضرب الثاني: أن يعود نباتها مخالفًا لنبات أخواتها، وهو أن يقاس الثنية بالثنية، والرباعية بالرباعية، والناب بالناب، ولا يقاس ثنية برباعية، ولا ناب، ويقاس سفلى بسفلى، ولا يقاس عليا بسفلى وإذا كان كذلك لم يخل حال اختلافهما من أربعة أقسام: أحدها: أن يختلف في المقدار، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تعود أطول من أختها فلا شيء عليه في زيادة طولها وإن شان أو ضر، لأن الزيادة لا تكون من جناية؛ لأن الجناية نقص لا زيادة وكذلك نبت معها سن زائدة.

الجزء: 12 - الصفحة: 249

والثاني: أن تعود أقصر من أختها فعليه من ديتها بقدر ما نقص من نباتها، لحدوثه في الأغلب عن جنايته.
والقسم الثاني: أن يختلف في المحل فتنبت هذه العائدة خارجة عن صف أخواتها أو داخلة، أو راكبة فهذا على ضربين: أحدهما: أن تذهب منافعها بخروجها عن محلها لخلوه وانكشافه ففيها الدية تامة.
والثاني: أن تكون منافعها باقية، لأنها قد سدت محلها وقامت مقام أختها، فلا دية فيها، لكمال منافعها، وفيها حكومة لقبح بروزها عن محلها.
والقسم الثالث: أن يختلفا في المنفعة فتكون أقل من منفعة أختها مع نباتها في محلها ففيها قولان: أحدهما: فيها الدية تامة.
والثاني: فيها حكومة، ولو قيل تكمل ديتها إن ذهب أكثر منافعها، وحكومة إن ذهب أقلها كان مذهبًا.
والقسم الرابع: أن يختلف في اللون فتغير لونها مع بياض غيرها، فإن تغير بصفرة كان فيها حكومة، وإن تغير كانت حكومتها أكثر من حكومة الصفرة، وإن تغير بسواد فصارت سودًا فالصحيح من مذهب الشافعي أن فيها حكومة هي أزيد من حكومة الصفرة والخضرة؛ لأن شين السواد أقبح، وخرج قول آخر أن فيها ديتها تامة، وسنذكر ذلك في السن إذا اسودت بجنايته.
فصل: فإن مات الصبي قبل أن يبلغ زمان نباتها ففيها قولان: أحدهما: فيها الدية تامة؛ لأنه قلع سنًا لم تعد.
والقول الثاني: فيها حكومة؛ لأن الظاهر عودها لو بلغ زمان نباتها.
ولو مات بعد أن طلع بعضها، وبقى بعضها فهو على القولين يجب فيها على أحدهما قسط ما تأخر طلوعه من الدية، وحكومة في القول الثاني هي أقل من حكومة ما لم يعد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والضرس سن وإن سمي ضرسًا كما أن الثنية سن، وإن سميت ثنية وكما أن اسم الإبهام غير اسم الخنصر وكلاهما أصبع وعقل كل أصبع سواء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: ديات الأسنان متساوية مع اختلاف أسمائها

الجزء: 12 - الصفحة: 250

ومنافعها, ومن كل سن منها خمس من الإبل, تستوي فيه الثنية والضرس والناب والناجز, وحكي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه جعل فيما ظهر من أسنان الفم بالكلام والأكل خمسًا من الإبل في كل سن, وجعل فيما غاب من الأضراس بعيرين في كل ضرس, وقيل: بعيرًا, لأن مقاديم الأسنان تشارك مواخيرها في المنفعة وتختص بالجمال, فيفضل بين دياتها, واختلف عنه في مفاضلة ديات الأصابع, فروي عنه أنه فاضل بينهما كالأسنان, وروي أنه سوى بينهما وإن فاضل بين الأسنان, واختلف عنه هل رجع عن هذا التفاضل أم لا؟ فحكى قوم أنه رجع عنه, وحكى آخرون أنه لم يرجع, وقد أخذ بما قاله عمر - رضي الله عنه - قوم من شواذ الفقهاء لقضائه بذلك في إمامته وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: عموم النص من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "في كل سن خمس من الإبل" وهو اسم يعم كل سن ولأن اختلاف المنافع غير معتبر فيما تقدرت دياته من وجهين: أحدهما: أن منافع الميمان من الأعضاء أكثر من منافع مياسرها تساوي دياتها.
والثاني: أن منافعها تختلف بالصغر والكبر, والقوة والضعف, ودياتها مع اختلاف منافعها سواء, كذلك الأسنان, وعلى أن لكل سنة منفعة ليس لغيره فلم تقم منفعة الثنية مقام منفعة الضرس.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن نبتت سن رجل قلعت بعد أخذه أرشها قال في موضع: يرد ما أخذ وقال في موضع آخر: لا يرد شيئًا, قال المزني - رحمه الله - هذا أقيس في معناه عندي لأنه لم ينتظر بسن الرجل كما انتظر بسن من لم يثغر هل تنبن أم لا؟ فدل ذلك عندي من قوله: إن عقلها أو القوم منها قم تم, ولولا ذلك لانتظر كما لم يرد شيئًا ولو قطعه آخر ففيه الأرش تامًا ومن أصل قوله أن الحكم على الأسماء.
قال المزني: وكذلك السن في القياس نبتت أو لم تنبت سواء إلا أن تكون في الصغير إذا نبتت لم يكن لها عقل أصلًا فيترك له القياس".
قال في الحاوي: وقد تقدمت هذه المسألة وقلنا: إن سن المثغور إذا قلعت لم ينتظر عودها, وقضى له بقودها أو ديتها؛ لأنها لا تعود في الأغلب بخلاف الصغير الذي تعود سنه في الأغلب, فلو عادت سن المثغور بعد أخذ ديتها ففي وجوب ردها قولان: أحدهما: يجب ردها كالصغير, إذا عادت سنة فعلى هذا هل يبقى منها شيء للألم وسيلان الدم أم لا؟ على وجهين ابن أبي هريرة:

الجزء: 12 - الصفحة: 251

أحدهما: يرد الكل ولا يبقى شيء منها وهو الظاهر من كلام الشافعي ها هنا.
والوجه الثاني: يبقى منها قدر حكومة الألم وسيلان الدم ويرد ما سواه.
والقول الثاني: اختاره المزني أن المثغور لا يرد ما أخذه من الدية لقود سنه, لأمرن ذكرهما المزني: أحدهما: أنه لما لم ينتظر بالدية عود سنه لم يلزمه ردها بعوده.
والثاني: أن دية اللسان لما لم يلزم ردها بعد نباته لم يلزم رد دية السن بعد عوده, وكلا الأمرين معلول, أما الأول في ترك الانتظار فلأن المعتبر في الجنايات الأغلب من أحوالهما دون النادر, والأغلب من سن المثغور أن لا تعود, ومن سن الصغير أن تعود فانتظر بالصغير ولم ينتظر بالمثغور, وأما نبات اللسان فهو أكثر ندورًا وأبعد وجودًا.
قال أبو علي عن بن أبي هريرة: وقد كنا ننكر على المزني حتى وجدنا في زماننا رجلًا من أولاد الخلفاء قطع لسانه فنبت فعلمنا أن مثله قد يكون, وإذا كان كذلك فالحكم من نبات اللسان محمول على عود اللسان, فإن قيل: إن عود السن لا يوجب رد ديتها, فأولى أن يكون نبات اللسان لا يوجب رد دينه, وإن قيل: إن عود السن يوجب رد ديته فقد اختلف أصحابنا من عود اللسان هل يوجب رد ديته أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: يوجب نبات اللسان رد ديته كما أوجب عود السن رد ديتها, فسوى بينهما وأسقط استدلال المزني, فعلى هذا يستبقى قدر الحكومة من قطع الأول وجهًا واحدًا ورد ما زاد عليها.
والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: لا ترد دية اللسان وإن رد دية السن, والفرق بينهما أنه في جنس السن ما يعود في الغالب فألحق به النادر, وليس في جنس اللسان ما يعود فصار جميعه نادرًا, ولذلك وقف سن الصغير دون الكبير, ولم يوقف لسان الصغير والكبير فافترقا والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والأسنان العليا في عظم الرأس والسفلى في اللحيين ملتصقتين ففي اللحيين الدية وفي كل سنة من أسنانها خمس من الإبل".
قال في الحاوي: أما أسنان الفم فأعلاها عظم الرأس وأسفلها في اللحيين واللحيان يجتمع مقدمها في الذقن ومؤخرهما في الأذن, فإن قلع الأسنان مع بقاء اللحيين كان في كل سن منها خمس من الإبل إذا لم ترد على العشرين سنًا, ويستكمل في العشرين دية كاملة, وإن زادت على العشرين وبلغت اثنين وثلاثين سنًا وهي غاية الأسنان المعهودة, فإن قلعها واحدًا بعد واحد كان في كل واحد منها خمس من الإبل, فيجتمع

الجزء: 12 - الصفحة: 252

في جميعها مائة وستون بعيرًا, وإن قلع جميعها دفعة واحدة ففيه وجهان: أحدهما: يجب فيها كمال الدية ولا يزاد عليها, لأن ما يجانس في البدن من ذوات الأعداد لم تجب فيه أكثر من الدية كسائر الأعضاء والأطراف.
والوجه الثاني: أنه يجب في كل سن منهما خمس, وإن زادت على دية النفس؛ لأن لكل سن منها حكمها, وليس بعضها تبعًا لبعض, وكما لو قلعها متفرقًا, فأما اللحيان إذا قلعهما فلا يخلو أن يكون عليهما أسنان أو لا يكون فإن لم يكن عليها أسنان إما من طفل لم تطلع أسنانه أو في شيخ قد سقطت أسنانه ففيها الدية, لما فيها من كثرة الجمال وعظم المنفعة, وأن ذهابها أخوف على النفس وأسلب للمنافع من الأذن, فكان بإيجاب الدية أولى, فإن قلع أحد اللحيين وتماسك الآخر كان عليه نصف الدية, لأنها لما كملت فيها نصفت من أحدهما كاليدين, فأما القود فإن أمكن فيهما أو في أحدهما وجب, وإن تعذر سقط, وإن كان في اللحيين أسنان فمعلوم أنها لا تنبت مع قلعها فعليه دية اللحيين وديات الأسنان, ولا تدخل دياتها في دية اللحيين, فإن قيل: فهلا دخلت ديتها في دية اللحيين لحلولها فيها كما دخلت دية الأصابع في دية اليد, قيل: الفرق بينهما من ثلاثة أوجه: أحدهما: أن اسم اليد ينطلق على الكف والأصابع ولا ينطلق اسم اللحيين على الأسنان ولا اسم الأسنان على اللحيين.
والثاني: أن اللحيين قد يتكامل خلقهما مع عدم الأسنان في الصغير ويبقيان على كمالهما بعد ذهاب الأسنان من الكبير ولا يكمل خلق اليد إلا مع أصابعها, ولا تكون كاملة بعد ذهابها.
والثالث: أن اللحيين منافع غير حفظ الأسنان, وللأسنان منافع غير منافع اللحيين, فانفرد كل واحد منهما بحكمة وليس كذلك من منافع الكف, لأنه يحفظ الأصابع, فإذا زالت بطلت منافعها فصارت تبعًا لهما فلو جني على لحييه فيبستا حتى لم ينفتحا ولم ينطبقا ضمنهما بالدية كاليد إذا شلت, ولا يضمن دية الأسنان وإن ذهبت منافعها, لأنه لم يجن عليها, وإنما وقف نفعها بذهاب منافع غيرها, نص عليها الشافعي في كتاب "الأم" فلو أعوج اللحيان لجنايته وجب عليه حكومة بحسب شينه وضرره, ولا يبلغ بها الدية إذا كانا ينطبقان وينفتحان.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربها فاسودت ففيها حكومة, وقال في كتاب عقولها ثم عقلها, قال المزني - رحمه الله -: الحكومة أولى؛ لأن منفعتها بالقطع والمضغ ورد الريق وسد موضعها قائمة كما اسود بياض العين لم يكن فيها إلا حكومة؛

الجزء: 12 - الصفحة: 253

لأن منفعتها بالنظر قائمة".
قال في الحاوي: أما إذا ضرب سنه فاصفرت أو اخضرت ففيها حكومة إذا لم يذهب شيء من منافعها وحكومة الخضرة أكثر من حكومة الصفرة؛ لأنها أقبح, فأما إن ضربها فاسودت فقد قال الشافعي ها هنا, فيها حكومة كما لو اصفر أو اخضرت, وقال في كتاب العقل ثم عقلها فاختلف أصحابنا فكان المزني والمتقدمون منهم يخرجون ذلك على اختلاف قولين: أحدهما: فيها حكومة واختاره المزني, لبقاء منافعها بعد سوادها كما لو جني على عينه فاسود بياضها لبقاء نظرها بعد سواد البياض.
والقول الثاني: فيها الدية تامة, لذهاب جمالها بالسواد, وذهب جمهور أصحابنا ومتأخرون إلى أن ذلك على اختلاف حالين وليس على اختلاف قولين, والمواضع الذي أوجب فيها حكومة إذا كانت باقية المنافع والمواضع الذي أوجب فيها الدية إذا ذهبت منافعها, وهذا أشبه؛ لأنه قد بقي بعد اسودادها أكثر جمالها, وهو سر موضعها فلم يجز أن يجب فيها مع بقاء أكثر جمالها وجميع منافعها دية, فلو قلع سنًا سوداء سئل عنها أهل العلم بها فإن قالوا: اسودادها من غذاء أو طول مكث كملت فيها الدية, وإن قالوا: من مرض كان في كمال ديتها قولان على اختلافهما في السن إذا ذهب بعض منافعها والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي اليدين الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, وهو نص السنة, وروى معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي اليدين دية" ولأنهما من أعظم الأعضاء نفعًا في البطش والعمل, وفي إحدى اليدين نصف الدية لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمين: "وفي اليد خمسون من الإبل" وإذا كان كذلك فاليد التي تكمل فيها الدية أن تقطع من مفصل الكف, فإن قطعها من الذراع أو العضد وجب في الكف دية وفيما زاد من الذراع حكومة, فإن زاد إلى العضد كانت الحكومة فيه أكثر, وقال سفيان الثوري: إن قطعها من المرفق فليس عليه إلا دية, وإن زاد على المرفق ففي الزيادة حكومة؛ لأن حكم اليد يستوعبها إلى الذراع ويفارقها بعده كالوضوء.
وقال أبو عبيد بن حربويه من أصحابنا: الاسم يتناولها إلى المنكب وليس عليه إذا

الجزء: 12 - الصفحة: 254

استوعب قطعها إلى المنكب إلا الدية دون الحكومة, لأن عمار بن ياسر تيمم حين أطلق ذكر اليد في التيمم إلى المناكب تعويلًا على مطلق الاسم حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما يكفيك ضربة لوجهك وضربة لذراعك" وكلا المذهبين خطأ لقول الله تعالى: ﴿إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] فلو اقتضى إطلاق اليد إلى المرفق لاقتصر على الإطلاق ولما قيدها بالمرافق, فبطل قول سفيان, ولما جعل المرفق غاية دل على أن حد اليد ما دون الغاية فبطل به قول أبي عبيد؛ ولأن الله تعالى قال: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده من مفصل الكف دل على أنها هي اليد لغة وشرعًا, ولأن الدية تكمل في الرجل إذا قطعت من مفصل القدم, لأنها تقطع منه في السرقة, كذلك اليد لما قطعت في السرقة من الكف وجب أن يختص بكمال الدية.
فصل: فإن قطع أصابع الكف كملت فيها دية الكف, لأن ما أبقاه منها بعد قطع الأصابع مسلوب المنفعة, وتكون دية اليد مقسطة على أعداد الأصابع بالسوية, فيجب في كل إصبع عشر من الإبل, لأنها في المعهود تقسطت عليها خمسون فكان قسط كل إصبع منها عشر, ولا يفضل إبهام على خنصر.
وحكي عن عمر - رضي الله عنه - أنه فاضل بين ديات الأصابع في إحدى الروايتين عنه فجعل في الخنصر ستًا, وفي البنصر تسعًا, وفي الوسطى عشرًا, وفي السبابة عشرًا, وفي الإبهام ثلاثة عشر, فقط الخمسين على الأصابع الكف هذا التقسيط المختلف اعتبارًا باختلاف المنافع, ولأن البنصر وراء الخلاف وهو ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي اليدين الدية وفي الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هناك عشر من الإبل", وروى أوس بن مسروق عن أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والأصابع سواء".
قال شعبة: قلت لغالب التمار حين روى ذلك عن أوس بن مسروق عشرًا عشرًا؟ قال: نعم, وروى يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الأصابع سواء والأسنان سواء" وهذه نصوص لا يجوز خلافها, ولأنه لو جاز أن

الجزء: 12 - الصفحة: 255

يفاضل بينهما لتفاضل المنفعة لكان ذلك في أصابع الرجلين, ولفضلت اليمنى على اليسرى, والقوية على الضعيفة, والكبيرة على الصغيرة, ولم يقل بذلك أحد اعتبارًا بمطلق الاسم كذلك في الأصابع فصل: ولو جني على يده فشلت كملت ديتها, وإن كانت باقية بعد الشلل لذهاب منافعها, كما لو جني على عينة فذهب بصرها, فإن شلت إصبع منها ففيها ديتها, فإن قطعت بعد الشلل كان فيها حكومة لا تبلغ دية السليمة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "في الرجلين الدية وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل".
ولرواية معاذ بن جبل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وفي الرجلين الدية" ولأن الرجلين من أعظم الأعضاء نفعًا؛ لأن عليها يسعى, وبها يتصرف وفي إحدى الرجلين نصف الدية, لرواية عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في كتابه إلى اليمين: "وفي الرجل خمسون من الإبل" ولأنها واحد من عضوين كاليدين, ولا فضل ليمنى على يسرى, وفي كل إصبع من أصابعها عشر من الإبل كأصابع اليدين, ولا يفضل إبهام على خنصر فإن شلت كان فيها ديتها كالمقطوعة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي كل أنملة ثلث عقل أصبع إلا أنملة الإبهام فإنها مفصلات ففي أنملة الإبهام نصف عقلة الإصبع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح لم قسط رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الكف على أعداد أصابعها وجب أن يقسط دية الإصبع على أعداد أناملها وفي كل إصبع ثلاث أنامل, فيكون في كل أنملة ثلث دية إصبع ثلاثة أبعرة وقال مالك: أنملة الإبهام كغيرها فيها ثلث دية إصبع, لأنها ثلاث أنامل أحدها باطنة وهذا فاسد, لأن لجميع الأصابع أنامل

الجزء: 12 - الصفحة: 256

باطنة, وإنما يسقط ديتها على ما ظهر من أناملها, والظاهر من الإبهام أنملتان ومن غيرها ثلاث أنامل, فلو خلق لرجل في إبهامه ثلاث أنامل وجب في كل أنملة منها ثلث دية الإصبع, ولو خلق في غيرها أربع أنامل كان في كل أنملة منها ربع دية الإصبع, ولو خلقت له خمس أنامل كان في كل أنملة منها خمس ديتها, تقسيطًا لدية الأصابع على أعداد أناملها, وكذلك لو نقصت فكانت أنملتين كان في إحداهما نصف ديتها, فإن قيل: فلم قسطتم دية الإصبع على ما زاد من أناملها ونقص ولم تفعلوا مثل ذلك في الأصابع إذا زادت ونقصت وجعلتم في الإصبع الزائدة حكومة ولم يقسطوا دية الكف على ما بقي من الأصابع بعد الأصبع الناقصة؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه لما اختلفت الأنامل في أصل الخلقة المعهودة بالزيادة والنقصان كان كذلك في الخلقة النادرة, ولما لم يختلف الأصابع في أصل الخلقة المعهودة, فارقها حكم الخلقة النادرة.
والثاني: أن الزائدة من الأصابع متميزة ومن الأنامل غير متميزة فلذلك ما اشتركت الأنامل وتفردت الأصابع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وأيها شل تم عقلها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح بشلل الأنامل موجب لديتها كشلل الأصابع, وليس يشل بعض الأنامل إلا في أعاليها, ولا يصح أن تشل أنملة وسطى مع سلامة العليا, وفي الأنامل القود على ما مضى فإن قطع بعض أنملة لم يجب فيها قود لأنها من غير منفصل, فإن تقدر المقطوع منها لزم فيه من ديتها بقدر المقطوع منها, وإن لم يتقدر ففيه حكومة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قطعت من الذراع ففي الكف نصف الدية وفيما زاد حكومة وما زاد على القدم حكومة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, وقد مضى وذكرنا أن دية اليد ينتهي كمالها إلى مفصل الكوع الذي بين الكف والذراع, فإن انتهى القطع إلى الذراع كان في الكف ديتها وفي الزيادة حكومة تقل بقلة ما قطع من الذراع وتزيد بزيادته, فإن قطعها من المرفق كانت الحكومة أزيد, ويجب فيه القود, ولا يجب فيه إذا قطع من دون المرفق اعتبارًا بالمفصل, فإن قطع من المنكب حتى استوعب بالقطع الذراع مع العضد وجب فيه القود إذا كان من مفصل, ولا يجب في الزيادة على الكف إلا حكومة هي أقل من دية الكف, لأن الزيادة عليها أصل لها يتبعها في حكمها, وكذلك دية الرجل ينتهي كمالها إلى قطع

الجزء: 12 - الصفحة: 257

القدم من مفصل الكعب, فإن زاد بقطعها من الساق ففي الزيادة حكومة فإن قطعها من مفصل الركبة كانت الحكومة أكثر, وفيها القود, فإن قطعها من نصف الفخذ كانت الحكومة أكثر ولا قود, فإن قطعها من أصل الورك كانت الحكومة أكثير وفيه القود, ولا يبلغ بالحكومة دية القدم كما ذكرنا في اليد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي قدم الأعرج ويد الأعسم إذا كانتا سالمتين الدية".
قال في الحاوي: أما العرج في الرجل فقد يكون تارة من قصور أحد الساقين, فتصير إحدى الرجلين أقصر من الأخرى, فيعرج إذا مشى بالميل على القصرى, وفيها الدية الكاملة, لأن القدم سليمة والنقص في غيرها, كما يكمل في ذكر العنين الدية, وأذن الأصم لأن النقص في غيره, وأما يد الأعسم فقد ذهب آخرون إلى أنه اعوجاج الرسغ إلى أن يخرج زند الذراع كوع الكف وأيهما كان فالدية في كف الأعسم كاملة, لأن العسم نقص في غير الكف فساوت غيرها.
فصل: ولو خلع كفه من الزند حتى الموجب لم يجب فيه القود, لتعذره فيه حكومة, فإن جبرت فعادت بالجبر إلى استقامها قلت الحكومة فيها, وإن لم تعد إلى الاستقامة كثرت حكومتها فإن قال الجاني: أن أعيد خلعها وأجبرها لتعود إلى استقامتها منع من ذلك, لأنه ابتداء جناية منه, فإن فعل وخلعها فعادت بعد الجبر مستقيمة لم يسقط عنه ما وجب من الحكومة المتقدمة, ولزمته حكومة ثانية في الخلع الثاني, غير أن الحكومة الأولى أكثر, لأنها عادت معوجة, والحكومة الثانية أقل لأنها عادت مستقيمة, وهكذا لو كسر ذراعه من العظم حتى انتقصت, وتشظى فإن جبرت وعادت إلى حالها ففيها حكومة بقدر الألم والشين, وإن عادت بعد الجبر ناقصة البطش زيدت الحكومة في ذهاب البطش, فإن ذهب جميع بطشها كملت ديتها كالشلل وكذلك مثله إذا كان في خلع القدم وكسر الساق وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو خلقت لرجل كفان في ذراع إحداهما فوق الأخرى فكان يبطش بالسفلى ولا يبطش بالعليا فالسفلى هي الكف التي فيها القود

الجزء: 12 - الصفحة: 258

والعليا زائدة وفيها حكومة وكذلك قدمان في ساق فإن استوتا فهما ناقصتان فإن قطعت إحداهما ففيها حكومة لا تجاوز نصف دية قدم وإن قطعتا معًا ففيهما دية قدم ويجاوز بها دية قدم وإن قطعت إحداهما ففيها حكومة فإن عملت الأخرى لما انفردت ثم عاد فقطعها وهي سالمة يمشي عليها ففيها القصاص مع حكومة الأولى".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خلق لرجل كفان في ذراع أو ذراعان في عضد, أو عضدان, في منكب فلا يخلو فيها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يبطش بهما ولا بواحدة منهما فهما يد ناقصة لا قود فيهما ولا في واحدة منهما ولا دية فيهما ولا في واحدة منهما, لأن عدم البطش قد أذهب بمنافعهما, وذهاب المنافع يمنع من القود والدية كالشلل, وفيهما حكومة لا يبلغ بها دية يد باطشة, وفي إحداهما حكومة على النصف من حكومتهما إلا أن تكون إحداهما أزيد شيئًا فيزاد في حكومتهما, فلو بطشت الباقية منهما بعد المقطوعة علم أنها هي اليد من أصل الخلقة فيجب فيها القود إن قطعت وكمال الدية.
فصل: والقسم الثاني: أن يبطش بأحدهما ولا يبطش بالأخرى فالباطشة هي اليد وفيها القود أو الدية وغير الباطشة هي الزائدة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة وسواء كانت الباطشة في استواء الذراع أو منحرفة عنه, لأننا نستدل على الأصل بمنافعه كما نستدل على الخنثى المشكل ببوله, فإن قطعت الزائدة فصارت الباطشة غير باطشة لزم ديتها كاملة مع حكومة الزائدة ويقوم ذهاب بطشها مقام الشلل, ولو قطعت الباطشة فحكم فيها القود أو كمال الدية, ثم صارت غير الباطشة باطشة وجب فيها كمال الدية إن قطعت, لأنها يد باطشة, ويجيء في رد ما أخذه من الأول من كمال الدية وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في المثغور إذا أخذ دية سنة فعادت: أحدهما: لا يرد من كمال ديتها شيئًا وتكون هذه قوة أحدثها الله تعالى به, والثاني: يرد ما زاد على قدر حكومتها من كمال الدية, لأن البطش قد انتقل إلى الباقية فلم يسلبه الأول بطشه وبقاء البطش يمنع من كمال الدية.
فصل: والقسم الثالث: أن يكون باطشًا بهما جميعًا فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون بطشه بإحداهما أكثر من الأخرى, فأكثرهما بطشًا هي الأصل يجب فيها القود أو كمال الدية وأقلهما بطشًا هي الزائدة لا قود فيها وفيها حكومة كما يستدل في إشكال الخنثى بقوة بوله.
والضرب الثاني: أن يستوي بطشه بهما فيسقط الاستدلال بالبطش لتكافئه ويعدل إلى غيره, كما إذا سقط الاستدلال في الخنثى بالبول عند التساوي عدل إلى غيره من الأمارات, وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أن يستويا في القدر أو يختلفا, فإن

الجزء: 12 - الصفحة: 259

الأمارات وإذا كان كذلك لم يخل حالهما من أن يستويا في القدر أو يختلفا فإن اختلفا فكانت إحدى الكفين أكبر من الأخرى فالكبيرة هي الأصل تكمل فيها الدية والصغيرة هيا الزائدة يجب فيها حكومة, فإن استويا في القدر ولم تزد إحداهما على الأخرى فعلى ضربين: أحدهما: أن تكون إحدى الكفين في استواء الذراع والأخرى عادلة عنه, فتكون التي في استواء الذراع هي الأصل تكمل فيها الدية والخارجة عن استوائه زائدة يجب فيها حكومة.
والضرب الثاني: أن يستويا في مخرج الذراع, فإن كانت إحداهما كاملة الأصابع, والأخرى ناقصة فذات الكمال هي الأصل وذات النقص هي الزائدة, فلو كانت إحداهما كاملة الأصابع والأخرى زائدة الأصابع لم يكن في الزيادة مع الكمال دليل, وإن كانت في الكمال مع النقصان دليل؛ لأن الزيادة نقص فلم يستدل بها على أصل فإذا عدمت الأمارات الدالة على تميز الأصل من الزيادة واعتدلت في الكفين معًا فهما يدان زائدتان إن قطعهما قاطع وكان عليه القود وحكومة من الزيادة, وإن قطع إحداهما فلا قود عليه لعدم المماثلة, وعليه نصف دية يد وزيادة حكومة؛ لأنها نصف يد زائدة فإن قطع إصبعًا من إحداهما فعليه نصف دية إصبع وزيادة حكومة لأنها نصف إصبع زائدة, وإن قطع أنملة إصبع من إحداهما فعليه نصف دية إصبع وزيادة حكومة لأنها نصف أنملة زائدة, فأما القود في ذلك فيسقط إلا أن يقطع إصبعين متماثلين من الكفين قبل أن يقطع إبهام كل واحدة من الكفين فيقتص من إبهامه ويؤخذ منه حكومة في الزيادة كما يقتص من كفه إذا قطع الكفين وتؤخذ منه حكومة في الزيادة, ولو قطع من إحداهما إبهامًا ومن الأخرى خنصرًا فلا قود عليه في الإبهام ولا في الخنصر, لنقص كل واحد منهما, ويؤخذ منه دية إصبع وزيادة حكومة لأنها إصبع زائدة.
فصل: ولو خلق له قدمان في ساق, أو ساقان في فخذ, أو فخذان في ورك فحكم ذلك جار مجرى الكفين في تكافؤ اعتبار المشي بهما, فإن كان لا يمشي بهما فهما رجل ناقصة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة, وإن كان يمشي بواحدة منهما دون الأخرى فالتي يمشي بها هي القدم يجب فيها القود أو الدية, والأخرى زائدة لا قود فيها ولا دية, وفيها حكومة, فإن كانت إحداهما طويلة والأخرى قصيرة وهو يمشي على الطويلة دون القصيرة لزيادتها فقطعت الطويلة فصار يمشي على القصيرة ففي القصيرة بعد الطويلة دية كاملة, وفي قطع الطويلة ما قدمناه من الوجهين وإن كان يمشي على كلا القدمين فهو كبطشه بالكفين في اعتبار الكبر والصغر, ثم اعتبار الاستواء والعرج فإن حصل التساوي فيهما من كل وجه فهما رجلان زائدتان يجب فيهما القود وزيادة حكومة والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 260

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الإليتين الدية وهما ما أشرف على الظهر من المأكمتين إلى ما أشرف على استواء الفخذين وسواء قطعتها من رجل أو امرأة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, في الإليتين الدية من الرجل والمرأة لأنهما عضوان فيهما جمال ومنفعة, لأنهما رباط المفصل الورك وبهما يستقر الجلوس فكملت الدية فيهما كاليدين والرجلين, وساء ذلك في الصغير والكبير, ومن كان أرسخ الإلية معروقها, أو لحيم الإلية غليظها ففيها القصاص إذا استوعبها من الحد الذي بينه الشافعي, وأسقط المزني القصاص فيهما, لأنهما لحم متصل بلحم كقطع لحم بعض الفخذ, وليس كذلك لأن حدهما يمنع من تجاوزهما, فإن تعذر القصاص سقط ووجبت الدية, فإن قطع إحدى الإليتين فنصف الدية كقطع إحدى الرجلين ولو قطع بعض إحداهما وعلم قدر المقطوع منها ففيه من الدية بحسابه فإن جعل ففيه حكومة, ولو قطعهما حتى أبقاهما على جلد لم تنفصل وأعيدتا فالتحمتا كان فيهما حكومة كالجراح المندمل, ولو ثبتت الإليتان بعد قطعهما لم يرد المأخوذ من ديتهما, وقد خرج في ردها قول آخر كاللسان إذا نبت.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكل ما قلت فيهما الدية ففي إحداهما نصف الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن النص وارد به, والإجماع منعقد عليه, والاعتبار موجب له, فإن وجبت في ثلاثة كالأنامل كان في كل واحدة منهما الثلث, وإن وجبت في أربعة كالجفون كان في كل واحد منهما ربع الدية, وإن وجبت في خمسة كالأصابع كان في كل واحد منهما الخمس, ثم على هذا القياس, لأن ما قابل الجملة تقسطت أجزاؤه على أجزائها كالأثمان.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تفضل يمنى على يسرى".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن مطلق الاسم يتناولها, والنفع والجمال مشترك بينهما, ولئن تفاضلا في المنفعة فليس ذلك بموجب لتفاضل الدية, كما لا تفضل يد الكاتب والصانع على يد من ليس بكاتب ولا صانع, وكما لا نفضل يد الكبير القوي على يد الصغير الضعيف, وعلى أن لمياسر الأعضاء نفعًا ربما لم يكن لميامنها, فإن قيل: فإذا

الجزء: 12 - الصفحة: 261

تساويا في حكم الدية فهلا تساويا في القود فجاز أخذ اليمنى باليسرى, قيل: القود يعتبر فيه مع التساوي في الحكم التساوي في المحل وهما وإن اشتركا في الحكم فقد افترقا في المحل فكذلك لو استويا في الدية واختلفا في القود وكما لا تفضل اليمنى على اليسرى وإن اختلفتا في القود كذلك لا تفضل العليا على السفلى في الأنامل والأسنان وإن اختلفا في القود.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا عين أعور على عين ليس بأعور ولا يجوز أن يقال فيها دية تامة وإنما قضى النبي صلى الله عليه وسلم في العينين الدية وعين الأعور كيد الأقطع".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا فقئت عين الأعور ففيها دية عين واحدة وهي نصف الدية كعين من ليس بأعور وهو قول جمهور الفقهاء.
وقال مالك: فيها جميع الدية وهو قول الزهري والليث بن سعد وأحمد وإسحاق, احتجاجًا بأنه قول الأئمة وإجماع أهل المدينة, روي عن عمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - أنهم أوجبوا في عين الأعور الدية وأن علي بن أبي طالب - عليه السلام - خيره إذا كان للجاني عينان أن يقتص من إحداهما ويأخذ نصف الدية, وبين أن يعدل عن القصاص ويأخذ جميع الدية, وليس يعرف لقولهم مع انتشاره مخالف فكان إجماعًا, ولأن الأعور يدرك بعينه جميع ما يدركه ذو العينين, فإذا قلع عينه فقد أذهب بصرًا كاملًا فوجب أن يلزم فيه دية كاملة, وخالف يد الأقطع, لأنه لا يعمل بها ما كان يعمل بهما, ولذلك جاز في الكفارة عتق العوراء ولم يجز عتق القطعاء, ولأن ضوء العينين يحول فينتقل من إحدى العينين إلى الأخرى, ألا ترى أن من أراد تحديد نظرة في رمي أو ثقب أغمض إحدى عينيه ليقوي ضوء الأخرى فيدرك بها نظرًا لما يدرك مع فتح أختها, وإذا كان كذلك علم أن ضوء الذاهبة انتقل إلى الباقية فلزم فيها جميع الدية, ودليلنا رواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في العين خمسون من الإبل" ولم يفرق بين الأعور وغيره فكان على عمومه, وقول الصحابة يدفع بعموم السنة ولأنها عين واحدة لم تكمل فيها دية العينين كعين ذي العينين, ولأن كل واحد من عضوين إذا وجب فيهما نصف الدية مع بقاء نظيره وجب فيه ذلك النصف مع عدم نظيره كيد الأقطع, ولأنه لو قامت عين الأعور مقام عينين لوجب أن يقتص بها من عيني الجاني لقيامهما مقام عينيه, ولوجب إذا قلع عين الأعور إحدى عينين أن لا يقتص منه كما لا يقتص من عينين بعين, وفي الإجماع على خلاف هذا دليل على فساد ما قالوه؛ ولأنه لو

الجزء: 12 - الصفحة: 262

وجب في عين الأعور كمال الدية لوجب على من قلع عيني رجل واحدة بعد الأخرى أن تلزمه دية ونصف, لأنه قد جعله يقلع الأولى أعور فلزمه بها نصف الدية ويقلع الأخرى بعد العور جميع الدية ولم يقل به أحد, فدل على فساد ما اعتبروه, فأما الجواب عن احتجاجهم بالإجماع فمن وجهين: أحدهما: أنه قد خالف فيه عائشة وزيد بن ثابت وعبد الله بن مغفل فلم يكن إجماعًا.
والثاني: أنه قد روي عن علي - عليه السلام - أنه رجع عما قالوا وخالفهم وأما قولهم إنه يدرك بالباقية ما كان يدركه بهما فعنه جوابان: أحدهما: دفع هذه الدعوى, لأن الأعور لا يرى البعيد كرؤية ذي العينين وقد يكون بينهما ضعف المسافة فلم يسلم ما ادعوه.
والثاني: أنه لو أوجب هذا كمال الدية في العين الباقية لوجب مثله فيمن بقي سمعه من إحدى أذنية أن يلزم في ذهابه من الأذن الأخرى كمال الدية كمال قاله يزيد بن أبي زياد, لأنه يسمع بهما ما كان يسمع بهما ولم يقل بذلك في سمع الأذنين, فكذلك في ضوء العينين.
وأما قولهم: إن ضوء العين ينتقل من الذاهبة إلى الباقية ففاسد, لأنه لو كان كذلك لكان من قلع واحدة من عينين أن لا يلزمه ديتها لأن ضوءها قد انتقل إلى الأخرى فصار كالمجاني على عين لا ضوء لها, فلم يلزمه أكثر من حكومتها, وهذا مدفوع بالإجماع فدل على أن الضوء غير منتقل, وإنما يغمض الرامي إحدى عينيه, وكذلك الناظر في ثقب حتى لا ينتشر ضوء العينين ويقتصر على إحداهما ليستقيم تراجع السهم والثقب ولا يختلف السمت باختلاف النظرين, وأما فرقهم بين العوراء والقطعاء لفرق ما بينهما في الكفارة فقد كان الأوزاعي يسوي بينهما في كمال الدية ويقول: إن من قطعت يده في الجهاد كان الباقية إذا قطعت جميع الدية ونحن نسوي بينهما في أن كل واحدة منهما نصف الدية وأنت تخالف بينهما لافتراقهما في الكفارة وليس ذلك بصحيح, لأن من قطعت خنصر أصابعه يجزئ في الكفارة, ولا يدل على أن من قطع الكف بعد ذهاب خنصرها يلزمه جميع ديتها لإجزائها في الكفارة, كذلك عين الأعور.
فصل: وإذا قلع الأعور عين بصير ذي عينين كان للبصير أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه كان له على الأعور نصف الدية.
وقال مالك: له أن يقتص من الأعور, فإن عفا عنه وجبه له على الأعور بعينه الواحدة جميع الدية, لأنه قد عفا الله عن جميع بصره, وهذا خطأ, لأن العفو عن القصاص يوجب دية العضو المجني عليه, لا دية المقتص منه, ألا ترى أن رجلًا لو قطع يد امرأة كان لها عليه أن تقتص من يده, فإن عفت عن القصاص كان لها دية يدها لا دية

الجزء: 12 - الصفحة: 263

يد الرجل, كذلك وجوبه القصاص على الأعور, وهكذا لو قطع عبد يد حر فعفا الحر عن القصاص كان له دية يد الحر لا دية العبد, لأن في العينين دية واحدة, وما قاله مالك يفضي إلى إيجاب ديتين, لأنه إذا قلع إحدى عينيه أعور أوجب عليه الدية ثم يصير بعد قلعها أعور, فيوجب فيها إذا قلعت دية ثانية, وما أفضى إلى هذا كان مطرحًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كسر صلبه فلم يطق المشي ففيه الدية".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه قد أذهب جماله بكسر صلبه وأبطل تصرفه بذهاب مشيه فكملت فيه الدية, فإن كسر صلبه ولم يذهب مشيه وصار يمشي كالراكع وجب فيه حكومة لذهاب الجمال مع بقاء المنفعة, ولو صار بعد كسر صلبه منتصب الظهر لكن ذهب مشيه فعليه الدية تامة, لذهاب المنتفعين مع بقاء الجمال كما لو ضرب يده فشلت, فلو صار ضعيف المشي لا يقدر على السعي ولا على السرعة ففيه حكومة؛ لأنه قد أذهب من مشيه ما لا ينحصر, ولو انحصر لوجب فيه من الدية بقسطها, ولو صار لا يقدر على المشي إلا معتمدًا على عصا كانت عليه حكومة هي أكثر من حكومته لو مشي بغير عصا, وكلما أوجبناه في ذلك من الدية أو الحكومة فإنما نوجبه بعد استقرار الجناية بالتوقف عن الحكم بها حتى ينظر ما ينتهي إليه من أمرها, فلو حكم له بالدية لذهاب مشيه ثم صار يمشي من بعد استرجع منه ما أخذه من الدية إلا قدر حكومة الألم والشين, فإن اقترن بكسر الصلب وذهاب المشي شلل القدمين لزمته ديتان, إحداهما في ذهاب المشي, والأخرى في شلل الرجلين.
فإن قيل: فهلا وجبت دية الرجلين بذهاب المشي وإن لم يصر فيهما شلل, لأنه قد أبطل نفعهما, قيل: لأن منفعة الرجلين باقية في انقباضهما وبسطهما لا تذهب إلا بالشلل, وإنما ذهب المشي لنقص في غيرهما, فلذلك لم تجب ديتها إلا بشللهما.
فصل: ولو كسر صلبه فعجز عن الجماع فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون عجزه عنه لضعف حركته مع بقاء منيه وانتشار ذكره ففيه حكومة, لأنه قد يقدر على الإنزال باستدخال ذكره.
والضرب الثاني: أن يكون عجزه عن الجماع لذهاب منيه وعدم انتشار ذكره ففيه الدية كاملة, لأنه قد أذهب منفعة الصلب بذهاب المني, فإن أنكر الجاني ما ادعاه نظر فإن اقترنت بدعواه علامة تدل عليه جعل القول قوله مع يمينه في ذهابه؛ لأنه لا يعلم إلا من جهته, وإن لم يقترن به علامة سئل عنه أهل العلم به, فإن قالوا: لا يذهب منه

الجزء: 12 - الصفحة: 264

الجماع حلف الجاني ولم يلزم الدية, وإن قالوا: يجوز أن يذهب منه الجماع حلف المجني عليه واستحق الدية, ولو كسر صلبه فأذهب مشيه وجماعه معًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه إلا دية واحدة, لأنهما منفعة عضو واحد, حكاه أبو حامد الإسفراييني, والوجه الثاني: تلزمه ديتان وهو الظاهر من مذهب الشافعي, لأنهما منفعتان في محلين فلزمت فيهما ديتان, وإن كانت الجناية على محل واحد, كما لو قطع أذنه فذهب سمعه, أو جدع أنفه فذهب شمه.
فصل: ولو جني عليه فالتوت عنقه وانعطف وجهه فصار كالملتفت وجهه وجبت فيه حكومة بحسب الشين والألم لا تبلغ بها الدية, لبقاء بعض المنافع ولو كان وجهه بعد الجناية على استقامته لكنه لا يقدر على الالتفات به كانت فيه حكومة الوجه دية ما ذهب من الكلام, فإن أذهب جميع كلامه بالتواء عنقه كملت دية الكلام وزيد في حكومة الالتواء, فإن كان لا يقدر على مضغ الطعام إلا بشدة ضم إلى ذلك حكومة في نقصان المضغ, فإن كان لا ينساغ الطعام ولا يصل إلى جوفه بوجور ولا غيره قيل: هذا لا يعيش ولا ينتظر به؛ فإن مات وجبت ديته.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية المرأة وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: دية المرأة في نفسها على النصف من دية الرجل وهو قول الجمهور, وقال الأصم وابن علية ديتها كدية الرجل لأمرين: أجدهما: أن تساويهما في القصاص يوجب تساويهما في الدية.
والثاني: أن استواء الغرة في الجنين الذكر والأنثى يوجب تساوي الدية في الرجل والمرأة, لأن الغرة أحد الديتين.
والدليل على صحة ما ذهب إليه الجمهور رواية معاذ بن جبل, وعمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ودية المرأة على النصف من دية الرجل", وهذا نص ولأنه قول

الجزء: 12 - الصفحة: 265

عمر, وعلي, وابن عباس, وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - وليس بعرف لهم مخالف فصار إجماعًا, ولأن الدية مال والقصاص حد, والمرأة تساوي الرجل في الحدود فساوته في القصاص, ولا تساويه في الميراث وتكون على النصف منه لم تساوه في الدية, وكانت النصف منها وفيه انفصال, فأما الجنين فلأن اشتباه حاله في الحياة والموت والذكورية والأنوثية أوجبت حسم الاختلاف بإيجاب الغرة مع اختلاف أحواله فلم يجز أن يقاس عليه ما زال عنه الاشتباه والحسم فيه التنازع.
فصل: فإذا أثبت أن ديتها في النفس على النصف من دية الرجل فقد اختلف الفقهاء في دية أطرافها وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر, وبه قال علي بن أبي طالب - عليه السلام - وهو قول أبي حنيفة من أهل الكوفة, وعبيد الله بن الحسن العنبري في أهل البصرة والليث بن سعد في أهل مصر.
وقال ابن مسعود وشريح: المرأة تعاقل الرجل إلى نصف عشر ديته, أي تساويه في الدية إلى نصف عشرها وهو دية السن والموضحة ثم تكون على النصف من الرجل فيما زاد عليه, وقال زيد بن ثابت, وسليمان بن يسار: تعاقل الرجل إلى دية المنقلة وذلك عشر الدية ونصف عشرها ثم تكون على النصف فيما زاد, وقال مالك: تعاقله إلى ثلث الدية أرش المأمومة والجائفة, ثم تكون على النصف عنه فيما زاد, وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومن التابعين سعيد بن المسيب والزهري, ومن الفقهاء أحمد وإسحاق وقد ذكره الشافعي في القديم فمن أصحابه من جعله مذهبًا له في القديم ومن أصحابنا من جعله حكاية عن مذهب غيره.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر, قلت: ففي إصبعين؟ قال: عشرون, قلت: ففي ثلاث؟ قال: ثلاثون, قلت: ففي أربع؟ قال: عشرون فقلت له: لما عظمت مصيبتها قل عقلها, قال: هكذا السنة يا بن أخي, واستدل من ذهب إلى هذا برواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المرأة تعاقل الرجل إلى ثلث ديتها" ولعل سعيد بن المسيب أشار بقوله هكذا السنة إلى هذه الرواية, ولأن المرأة لما ساوت الرجل في الميراث إلى المقدر بالثلث وهو ميراث ولد الأم الذي يستوي فيه الذكر والإناث وكانت على النصف من الرجل فيما زاد على الثلث وجب أن تساويه في الدية إلى الثلث وتكون على النصف فيما زاد, ودليلنا هو أن نقص الأنوثة لما منع من مساواة الرجل في دية النفس كان أولى أن يمنع من مساواته فيما دونها من ديات الأطراف والجراح, لأن دية النفس أغلظ اعتبارًا

الجزء: 12 - الصفحة: 266

بالمسلم مع الكافر, ولأنه لما كان القصاص فيما دون النفس معتبرًا بالقصاص في النفس وجب أن تكون الدية فيما دون النفس معتبرة بدية النفس وهي فيه على النصف فكذلك فيما دونها.
وأما الجواب عن حديث عمرو بن شعيب فلم يسنده, لأن جده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص لا صحبة له, وإنما يكون مسندًا إذا رواه عن جده عبد الله بن عمرو, ولأنه هو الصحابي وقد قال الشافعي: "لم أجد له نفاذًا" يعني طريقًا لصحبته, وأما الميراث فقد تكون فيه على النصف من الرجل فيما نقص من الثلث عند مقاسمة الإخوة, وإنما ساوت ولد الأم؛ لأن الإدلاء فيه بالرحم الذي يوجب تساوي الذكور والإناث فيه كفرض الأبوين, فإن تكن العلة فيه تقديره فلم يجز أن يحصل اختلاف والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ثدييها ديتها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن في الثديين جمالًا ومنفعة فصارا في الدية كاليدين وسواء كانا كبيرين أو صغيرين, من كبيرة أو صغيرة, نزل فيهما لبن أو لم ينزل, فإن قطعهما وأجاف ما تحتهما كان عليه الدية فيهما وأرش جائفتين تحتهما, ولو ضربهما فاستحشفتا ويبسا حتى صارا لا يألمان فهذا شلل, وفيها الدية كاملة؛ لأنه قد أبطل منافعهما وإن بقي الجمال فيهما, كما لو أشل يده, ولو ضربهما فذهبا مع بقاء الألم فيهما ففيهما حكومة, ولو ضربها فذهب لبنها فقد يجوز أن يكون ذهابه من الضرب ويجوز أن يكون من غيره فيسأل أهل العلم به, فإن قالوا: إن من الضرب كان فيه حكومة, وإن قالوا: من غيره فلا شيء عليه فيه, ولو قطع إحدى الثديين كان فيه نصف الدية كإحدى اليدين, وكذلك لو ضربه فشل.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي حلمتيها ديتها لأن فيهما منفعة الرضاع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن جمال الثدي ومنفعته بالحلمة كما أن منفعة اليد بالأصابع, فإذا قطع الحلمتين كان فيهما الدية كاملة كما تكمل الدية بقطع الأصابع, فإن عاد أو غيره فقطع ما بقي من الثديين بعد قطع الحلمتين كان في بقيتهما حكومة كما يجب في قطع الكف بعد قطع أصابعها حكومة, وكذلك إذا استحشفت الحلمتان بجنايته كملت ديتها لذهاب منافعهما, فإن قطع إحدى الحلمتين أو أحشفهما كان فيها نصف الدية, ولو قطع بعض أجزائها كان فيه من الدية بقسطه, وهل يعتبر قسط المقطوع من نفس الحلمة أو من جميع الثدي على قولين من اختلاف قوليه في قطع بعض حشفة الذكر

الجزء: 12 - الصفحة: 267

هل يعتبر قسطه من الحشفة أو من جميع الذكر؟ على قولين نذكرهما من بعد, لأن محل الحلمة من الثدي محل الحشفة من الذكر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وليس ذلك في الرجل ففيهما من الرجل حكومة".
قال في الحاوي: أما ثدي الرجل فهو أقل منفعة وجمالًا من ثدي المرأة وإن لم يخل من منفعة وجمال وفي قطعهما منه قولان: أحدهما: وهو المنصوص عليه في هذا الموضع فيهما حكومة؛ لأن كمال منفعتهما بالرضاع وذلك مختص بالمرأة دون الرجل, فوجب فيهما من الرجل حكومة ومن المرأة دية.
والقول الثاني: قال في كتاب الديات: فيهما الدية كاملة, لكمال نفعهما في الجنس, وإن كان أقل من نفعهما في غير الجنس, ولو قطعهما وأجاف موضعهما فعليه في إحدى القولين حكومة في الثديين ودية جائفتين.
وفي القول الثالث: دية كاملة في الثديين ودية جائفتين, ولو قطع حلمتي ثدييه كان على قولين: أحدهما: فيهما حكومة دون حكومة الثديين.
والثاني: فيها دية كاملة كدية اليدين, وفي قطع إحداهما نصف الواجب من قطعهما من حكومة أو دية.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي إسكتيها وهما شفراها إذا أوعبتا ديتها والرتقاء التي لا تؤتي وغيرها سواء".
قال في الحاوي: أما الإسكتان وهما الشفران فهما ما غطى الفرج وانضم إليه من جانبيه كالشفتين في غطاء الفم, والجفون في غطاء العينين, وفيهما الدية كاملة إذا قطعا من الجانبين, لما فيهما من كمال المنفعة كالشفتين, فإن كان القاطع لهما امرأة وجب عليها القصاص إن أمكن, وقال المزني: لا قصاص من المكنة, لأنه قطع لحم من لحم وليس كذلك, لأن أحدهما في الخلقة يجري عليهما حكم المفصل في القصاص, وسواء قطعا مع بكر أو ثيب, صغيرة أو كبيرة يطاق جماعها, أو لا يطاق, من رتق أو قرن, لأن الرتق والقرن عيب في الفرج مع سلامة الإسكتين فجريا في كمال الدية مجرى شفتي الأخرس وأذني الأصم وأنف الأخشم, ولو ضرب إسكتيها فشلا كملت ديتها ولا قصاص فيهما كاليد إذا شلت, وهو بخلاف الأذن إذا استحشفت في أحد القولين, لأن شللهما قد

الجزء: 12 - الصفحة: 268

أذهب من منافعهما ما لم يذهب استحشاف الأذن, ولو قطع إحدى الإسكتين كان فيه نصف الدية كما لو قطع إحدى الشفتين, فأما الركب فهو بمنزلة العانة من الرجل, ومن قطعه من المرأة حكومة لا يبلغ بهما الدية, فإن قطعه مع الشفرين فعليه دية في الشفرين وحكومة في الركب والمخفوضة وغيرها سواء, والخفض قطع جلدة نابتة في أعلى الفرج مثل عرف الديك, وهي التي ورد الشرع بأخذها من النساء كالختان في الرجال, ولا شيء فيها إن قطعت بجناية من دية ولا حكومة لورود الشرع بأخذها تعبدًا, وإن كان يأخذها متعديًا إلا أن تسري فيضمن أرش سرايتها لتعديه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها ومهر مثلها بوطئه إياها".
قال في الحاوي: أما إفضاء المرأة فقد اختلف أصحابنا فيه فذهب أبو علي بن أبي هريرة وجمهور المصريين إلى أنه هتك الحاجز الذي بين سبيل الفرجين القبل والدبر, وذهب أبو حامد الإسفراييني وجمهور البغداديين إلى أنه هتك الحاجز الذي في الفرج بين مدخل الذكر ومخرج البول, وهذا قول أبي حنيفة, والأول أظهر, لأن خرق الحاجز الذي في القبل بن مدخل الذكر ومخرج البول, هو استهلاك لبعض منافعه وليس في أعضاء الجسد ما تكمل الدية في بعض منافعه, وإذا خرق ما بين السبيلين كان استهلاكًا لجميع المنافع فكان بكمال الدية أحق, فإن قيل بهذا أنه خرق ما بين السبيلين كان على خرق الحاجز الذي في القبل حكومة, وإن قيل: إنه خرق حاجز القبل كان خرق ما بين السبيلين أولى بوجوب الدية, فإذا ثبت هذا فالإفضاء مضمون بالدية الكاملة وإن كان البول معه مستمسكًا, فإن استرسل البول ولم يستمسك وجب مع دية الإفضاء حكومة في استرسال البول, وقال أبو حنيفة إن استرسل البول بالإفضاء ففيه الدية التامة وحدها من غير حكومة, وإن استمسك البول ففي الإفضاء ثلث الدية, واستدل على أنه لا حكومة عليه مع استرسال البول بأن ما ضمن إتلافه بالدية دخل غرم منافعه في ديته, كما لو قطع لسانه فأذهب كلامه, أو فقأ عينه فأذهب بصره, واستدل على أن فيه مع استمساك البول ثلث الدية بأنه ليس هتك هذا الحاجز بأعظم من حاجز الجائفة فلما وجبت في الجائفة ثلث الدية كان أولى أن لا يجب في الإفضاء أكثر من ثلث الدية, وتقدر بثلث الدية, لأنهما معًا هتك حاجز في جوف, والدليل على أن في استرسال البول حكومة زائدة على دية الإفضاء لما جاز أن يستمسك البول مع وجود الإفضاء, وجاز أن يسترسل علم أنه في غير محل الإفضاء, فصار من منافع غيره, فوجب أن يكون أرشه زائدًا على أرش الإفضاء, كما لو قطع أذنه فأذهب سمعه أو جذع أنفه فأذهب شمه لزمه غرمها, وخالف

الجزء: 12 - الصفحة: 269

ذهاب الكلام بقطع اللسان وذهاب البصر بفقء العين لاختصاصهما بمحل الجناية, إذ ليس يصح أن يتكلم مع قطع اللسان ولا يبصر مع فقء عينه, فلذلك لم يضمنها بزيادة على أرش الجناية, والدليل على أن في الإفضاء دية كاملة أن الأعضاء الباطنة في الجسد أخوف على النفس من الأعضاء الظاهرة, فكانت بكمال الدية أحق, وهذا الحاجز من تمام الخلقة ومخصوص بمنفعة لا توجد في غيره, لامتياز الحيض ومخرج الولد عن مخرج البول؛ لأن الحيض والولد يخرجان من مدخل الذكر, فإذا انخرق الحاجز بالإفضاء زال بالجناية عليه ما لا يقوم غير مقامه فأشبه الأعضاء المفردة من اللسان والأنف ولأن الإفضاء بقطع التناسل؛ لأن النطفة لا تستقر في محلق العلوق لامتزاجها بالبول فجرى مجرى قطع الذكر والأنثيين وفي ذلك كمال الدية, فكذلك الإفضاء, فأما الاستشهاد بالجائفة فغير صحيح, لأن دية الجائفة الثلث لاندمالها, ولو لم تندمل لأفضت غلى النفس فكمل فيها الدية, والإفضاء غير مندمل فكملت فيه الدية ولو اندمل لما كملت فيه الدية ولوجب فيه حكومة فافترقا.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا من حكم الإفضاء فلا يخلو من أن يكون بوطء أو بغير وطء, فإن كان بغير وطء وهو نادر لما يخل من أن يندمل أو لا يندمل, فإن اندمل ففيه حكومة, وإن لم يندمل ففيه الدية, فإن اقترن به استرسال البول ففيه مع الدية حكومة, فإن اقترن بالإفضاء ذهاب العذرة مع البكر وجب فيه مع دية الإفضاء حكومة العذرة على غير الزوج ولم يجب فيه على الزوج حكومة؛ لأنه مستحق لإزالتها باستمتاعه فاستوى الزوج وغيره في دية الإفضاء وحكومة استرسال البول, ولم يكن لهذا الإفضاء تأثير في وجوب المهر على الأجنبي, ولا في كماله على الزوج, لخلوه من وطء وإن كان هذا الإفضاء بوطء وهو الأغلب لم يخل حالة من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون من زوج في نكاح.
والثاني: أن يكون من وطء شبهة.
والثالث: أن يكون من زنا.
فأما القسم الأول: وهو أن يكون من زوج في عقد نكاح فعليه دية الإفضاء وكمال المهر, وقال أبو حنيفة: إفضاؤها غير مضمون على الزوج, وليس عليه أكثر المهر, استدلالًا بأن ما استبيح من الوطء لم يضمن به ما حدث من استهلاك كزوال العذرة, ولأن الفعل المباح لا تضمن سرايته كالقطع في السرقة, ودليلنا: هو أنها جناية قد يتجرد الوطء عنها فلم يدخل أرشها في حكمه كالوطء بشبهة لا يسقط بالمهر فيه دية الإفضاء, ولأنها حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين؛ لأنه مهر مستحق بالتقاء الختانين ودية مستحقة بالإفضاء فجزا اجتماعهما كالجزاء والقيمة في قتل العبد المملوك, ولأن الجنايات إذا ضمنها غير الزوج ضمنها الزوج كقطع الأعضاء, ولا يدخل عليه العذرة؛

الجزء: 12 - الصفحة: 270

لأنها من الزوج مستحقة, وبهذا فرقنا بينهما, وأما استدلاله بحدوث سرايته عن فعل مباح فليس ما أدى إلى الإفضاء مباحًا, وجرى مجرى ضرب الزوج يستباح منه ما لم يؤد إلى التلف ولا يستباح ما أدى إليه, وهو يضمن من الضرب ما أدى إلى التلف فوجب أن يضمن بالوطء ما أدى إلى الإفضاء.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يكون الإفضاء من وطء شبهة فيلزم الواطئ بالشبهة مهر المثل بالوطء, ودية الإفضاء, ولا يسقط أحدهما بالآخر, وقال أبو حنيفة: يلزمه دية الإفضاء ويسقط بها المهر استدلالًا بأن ضمان العضو بإتلاف يدخل فيه ضمان المنفعة كما يضمن يده إذا قطعها بما يضمنها به لو أشلها, ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "فلها المهر بما استحل من فرجها" فكان على عمومه, ولأنها جناية قد تنفك عن وطء فوجب أن لا يدخل المهر في أرشها, كما لو قطع أحد أعضائها, ولأنهما حقان مختلفان وجبا بسببين مختلفين فلم يتداخلا كالقيمة والجزاء, وهذا يمنع من جمعهم بين قطع اليد وشللها, فإذا ثبت الجمع بين مهر المثل ودية الإفضاء لم يخل حال المفضاة من أن تكون بكرًا أو ثيبًا, فإن كانت ثيبًا التزم مفضيها ثلاثة أحكام, مهر مثلها ودية إفضائها, وحكومة استرسال بولها, وإن كانت بكرًا التزم الأحكام الثلاثة, وهل يلتزم معها أرش بكارتها أو تكون داخلًا في دية إفضائها؟ على وجهين: أحدهما: يلزمه أرش البكارة, لأنه يلزمه وإن لم يفضها فكان لزومه مع إفضائها أولى.
والوجه الثاني: لا يلزمه مع دية الإفضاء أرش البكارة, ويكون داخلًا في الدية, لأنها جناية واحدة فوجب أن يدخل حكم ابتدائها في انتهائها كدخول أرش الموضحة في دية المأمومة, وقول الشافعي: "لو أفضى ثيبًا كان عليه ديتها", ليس بشرط؛ لأن إفضاء البكر والثيب في الدية سواء.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يكون الإفضاء من وطء زنا فلا يخلو حال الموطوءة من أن تكون مطاوعة أو مكرهة, فإن كانت مطاعة فليس لها مهر ولا أرش البكارة؛ لأنها مبيحة له بالمطاوعة غير مبيحة للإفضاء وإن أباحت ذهاب العذرة وعليها الحد, وإن كانت مكرهة وجب لها مهر دية الإفضاء, وفي وجوب أرش البكارة وجهان على ما مضى من وطء الشبهة يجب في أحدهما ولا يجب في الآخر وعليه حد الزنا

الجزء: 12 - الصفحة: 271

دونها, وقال أبو حنيفة: يسقط عنه المهر مع وجوب الحد عليه ولا يسقط مهرها عند الشافعي بسقوط الحد عنها وقد مضى الكلام فيها.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من حكم الإفضاء ووجوب الدية الكاملة فيه مع ما يقترن به من الأروش الزائدة في استرسال البول وذهاب العذرة فقد ينقسم الإفضاء ثلاثة أقسام: أحدهما: ما يجري عليه حكم العمد المحض, وهو أن تكون الموطوءة صغيرة والواطئ كبير الذكر يعلم أن وطء مثله يفضيها, فهو عامد في الإفضاء, فيلزمه دية مغلظة حالة في مالها, وإن أفضى الإفضاء إلى تلفها كان عليه القود, ودخلت دية الإفضاء في دية النفس, وكذلك أرش البكارة ولا يدخل فيه مهر المثل.
والقسم الثاني: ما يجري عليه حكم الخطأ المحض, وهو أن يكون وطء مثله مفضيًا للصغيرة وغير مفض للكبيرة, فيطأ الصغيرة وهو يظنها الكبيرة فيفضيها فيكون إفضاؤها خطأ محضًا, فتكون الدية فيه مخففة على عاقلته دونه ولا قود في النفس إن انتهى الإفضاء غلى التلف وتجب فيه الكفارة مع الدية؛ لأن الإفضاء صار قتلًا, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي العين القائمة واليد والرجل الشلاء حكومة".
قال في الحاوي: أما العين القائمة فهي التي قد ذهب بصرها, وهي صورة الصحيح فذهب نفعها وبقى جمالها, ففيها إذا قلعت حكومة لأجل الألم وما أذهب من جمالها, وحكي عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه أوجب فيها ثلث الدية وحكي عن زيد بن ثابت أنه أوجب فيهما مائة دينار وهذا فيها على وجه الحكومة إن تقدرت باجتهاد أبي بكر ثلث الدية, وباجتهاد زيد مائة دينار, وقد يجوز أن تتقدر باجتهاد من بعدهما من الحكام بهذا المقدار وبأقل منه وبأكثر, بحسب اختلافه في الشين والقبح اليد الشلاء التي لا تألم, والرجل الشلاء إذا قطعها لا دية فيها لذهاب منفعتها؛ لأن منفعة اليد البطش, ومنفعة الرجل المشي وقد ذهب بطش اليد ومشي الرجل بشللهما وبقي الجمال فيهما, فسقطت الدية لذهاب المنفعة, ووجب الحكومة لأجل الجمال.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولسان الأخرس".
قال في الحاوي: يعني أن فيه حكومة إذا قطع؛ لأن ذهاب الكلام قد سلبه المنفعة

الجزء: 12 - الصفحة: 272

فصار كالعين القائمة, فاقتضى لهذا التعليل أن تجب في قطعه حكومة كما يجب في العين القائمة, وهذا القول على الإطلاق ليس بصحيح عندي؛ لأن مقصود اللسان أفعال: أحدهما: الكلام, والثاني: الذوق, ويقترن بهما ثالث يكون اللسان عونًا فيه وهو إدارة الطعام به في الفم للمضغ, فإن كان ذوق الأخرس بعد قطع لسانه باقيًا ففيه حكومة كما أطلقه الشافعي, ولأنه ما سلبه القطع أحد النفعين المقصودين, وإنما سلبه أقل منافعه وهو إدارة الطعام به في فمه, وإن ذهب ذوق الأخرس بقطع لسانه ففيه الدية كاملة, لما قدمناه من وجوب الدية في ذهاب الذوق, ولأنه أحد الحواس كالشم بل هو أنفع, فيكون الإطلاق محمولًا على هذا التفصيل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وذكر الأشل فيكون منبسطًا لا ينقبض أو منقبضًا لا ينبسط".
قال في الحاوي: أما الذكر السليم من شلل ففيه الدية تامة, لرواية عمرو بن حزم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتابه إلى اليمن: "وفي الذكر الدية".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى في الأداف الدية, قال قطرب: الأداف الذكر ولأنه من آلة التناسل وذلك من أعظم المنافع ولأنه أحد منافذ الجسد فأشبه الأنف, ولا فرق بين ذكر الصبي والرجل والشيخ الهرم والعينين الذي لا يأتي الناس؛ لأنه العنة عيب في غير الذكر؛ لأن الشهوة في القلب والمني في الصلب, فإن كانت العنة من قلة الشهوة فمحلها في القلب, وإن كانت من قلة الماء فمحله في الصلب, والذكر ليس بمحل لواحد منهما فكان سليمًا من العنين كسلامته من غير العنين, وكانت الدية في قطعه منهما على سواء, فإن قطع حشفة الذكر حتى استوعبها مع بقاء القضيب ففيها الدية, لأن نفع الذكر بحشفة كما تكمل دية الكف بقطع الأصابع, فإن قطع بعض الحشفة كان عليه من الدية بقسطها, وهل يتقسط على الحشفة وحدها أم على جميع الذكر؟ على قولين: أحدهما: تتقسط على الحشفة, لأن الدية تكمل بقطعها, فتقسط عليها أبعاضها, فيلزمه في نصف الحشفة نصف الدية, وإن كان أقل من نصف الذكر.
والقول الثاني: أنه تتقسط دية المقطوع من الحشفة على جميع الذكر؛ لأنه الأصل المقصود بكمال الدية فكانت أبعاضه مقسطة عليه, فعلى هذا إن كان المقطوع من نصف الحشفة هو سدس الذكر لزمه سدس الدية, وكذلك حكم الحلمة من الثدي إذا قطع بعضها كان على هذين القولين.

الجزء: 12 - الصفحة: 273

فصل: فأما الأنثيان وهم الخصيتان ففيهما الدية لأنهما من تمام الخلقة وهما محل التناسل, لانعقاد مني الصلب في يسراهما إذا نزل غليها فصار لقاحًا فيهما, ولأن الحياة محلهما, ولذلك كان عصر الأنثيين مفضيًا إلى التلف, ولا فرق في الأنثيين بين قطعهما من كبير أو صغير, عنين أو غير عنين, سواء كان باقي الذكر أو مجبوبًا, لأن جب الذكر نقص في غيره وأوجب مالك في أثنيي المجبوب الذكر حكومة؛ لأن جب الذكر قد آثر في نقص الأنثيين بعد النسل, وهذا فاسد بما قدمناه من أنه نقص في غيره فلم يؤثر فيه مع سلامته, وفي إحدى الأنثيين نصف الدية, ولا فضل ليسرى على يمنى.
وحكي عن سعيد بن المسيب أنه أوجب في البيضة اليسرى ثلثي الدية, وفي اليمنى ثلثها؛ لأن محل المني في اليسرى, ومحل الشهر في اليمنى, وهذا قول فاسد؛ لأن كل عضوين كملت فيهما الدية تنصفت في كل واحد منهما على سواء, وإن اختلفت منافعهما كاليدين, وعلى أن ما ذكره من لقاح اليسرى مظنون بذكره الطب وقد حكي عن عمرو بن شعيب أنه قال: عجبت من يفضل البيضة اليسرى على اليمنى؛ لأن النسل منها, كان لنا غنم فخصيناها الجانب الأيسر فكن يلقحن, فإن قطع الذكر مع الأنثيين لزمه ديتان إحداهما في الذكر والأخرى في الأنثين سواء قطعهما معًا أو قطع إحداهما بعد الأخرى, سواء قدم قطع الذكر أو قطع الأنثيين.
وقال مالك: إن قطعهما معًا ففيه الدية وحكومة, وإن قطع الذكر ثم الأنثيين وجب دية في الأنثيين وحكومة في الذكر, وقال أبو حنيفة: إن قطعهما معًا أو قطع الذكر ثم الأنثيين فعليه ديتان كما قلنا, وإن قطع الأنثيين أولًا ثم الذكر فعليه دية في الأنثيين وحكومة في الذكر كما قال مالك, وهذا خطأ؛ لأن كل ما كملت فيه الدية إذا انفرد لم تنقص ديته إذا اقترن بغيره كاليدين مع الرجلين, أو قطع الأذنين مع ذهاب السمع.
وعلى قول أبي حنيفة: إن كل عضوين كملت ديتاهما إذا اجتمعا كملت ديتاهما إذا افترقا كما لو قدم قطع الذكر, وهكذا لو وجأ ذكره حتى استحشف ووجأ أنثييه حتى استشحفتا وجب في كل واحد منهما دية كاملة لأنه قد أذهب منافعهما بالاستشحاف والشلل.
فصل: فأما إذا قطع أشل ينقبض فلا ينبسط, أو ينبسط فلا ينقبض فهي مسألة الكتاب, وفيه حكومة كقطع اليد الشلاء؛ لأن الشلل الذكر قد أبطل منافعه, فإن قيل: فمنافعه باقية؛ لأنه مخرج البول وخروجه من الأشل كخروجه من غير الأشل فوجب أن لا تكمل فيه

الجزء: 12 - الصفحة: 274

الدية, قيل: مخرج البول منه هو أقل منافعه؛ لأن البول يخرج مع قطعه وقد فات بقطعه أكثرها فلم يلزم فيه إلا حكومة, وهذا لو قطع خصيتين مستحشفتين كان فيهما حكومة لذهاب منافعهما بالاستحشاف.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي الأذنين المستحشفتين بهما من الاستحشاف ما باليد من الشلل وذلك أن تحركا فلا تتحركا أو تغمزا بما يؤلم فلا تألما".
قال في الحاوي: أعلم أن شلل الأعضاء على ضربين: أحدهما: ما يسلبها جميع المنفعة ولا يبقى فيها إلا الجمال وحده على نقص فيه كشلل اليدين والرجلين, لأنه قد أذهب منافعهما وبقي بعض جمالها؛ لأنه ليس جمال السليمة كجمال الشلاء ففيهما إذا شلت بجنايته الدية, لذهاب المنفعة, ولو قطعهما بعد الشلل كان فيهما حكومة لذهاب الجمال.
والضرب الثاني: ما يبقى بعد الشلل الجمال والمنفعة على نقص فيهما كاستحشاف الأذنين والأنف؛ لأن الأذنين بعد استحشافهما تجمع الصوت, والأنف بعد استحشافه يجذب الروائح المشمومة ففيهما إذا جني عليهما فاستحشفتا قولان: أحدهما: الدية كاملة كغيرها من الأعضاء إذا شلت.
والثاني: حكومة لبقاء الجمال والمنفعة ولو قطعهما بعد الاستحشاف كان على قولين أيضًا.
أحدهما: فيهما الدية إذا قيل في استحشافهما حكومة.
والقول الثاني: فيهما حكومة إذا قيل في استحشافهما الدية.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكل جرح ليس فيه أرش معلوم حكومة".
قال في الحاوي: هذا صحيح, وهو ما دون الموضحة في شجاج الرأس وما دون الجائفة في جراح الجسد ففيها حكومة تتقدر بالاجتهاد وبحسب الألم والشين لا يبلغ بما في شجاج الرأس دية الموضحة, ولا مما في جراح البدن دية الجائفة؛ لأن الموضحة أغلظ مما تقدمها والجائفة أجوف مما دونها فلم يجز أن يبلغ بالأقل دية الأكثر.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي شعر الرأس والحاجبين واللحية وأهداب العينين في كل ذلك حكومة".

الجزء: 12 - الصفحة: 275

قال في الحاوي: وهذا قاله ردًا على أبي حنيفة؛ لأنه أوجب في كل واحد من هذه الشعور الأربعة الدية تامة, وأوجب الشافعي في جميعها حكومة تتقدر بحسب الشين, ولم يوجب فيها الدية, لأمرين: أحدهما: أن الدية تجب فيما يكون له مع الجمال منفعة, وهذا مسلوب المنفعة فلم تجب فيه الدية.
والثاني: أن الدية تجب فيما يؤلم قطعه ويخاف سرايته, وقد عدم في الشعر الألم والسراية فلم يجب فيه دية, وإذا كان كذلك لم يخل حال الشعر المأخوذ من الجسد من ثلاثة أقسام: أحدهما: ما لا يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس وذلك مثل شعر الإبط والعانة, فلا شيء فيه, سواء عاد أو لم يعد, إلا أن يحدث في الجلد أثرًا فيلزم في أثر الجلد حكومة دون الشعر المأخوذ منه, وقد خرج بعض أصحابنا فيه وجهًا ثانيًا أن فيه إذا لم يعد حكومة وإن كان ذهابه أجمل لأن الشافعي قد أوجب في لحية المرأة إذا نتفت فلم تعد حكومة, وإن كان ذهابها أجمل بالمرأة من بقائها وهما في المعنى سواء.
والقسم الثاني: ما يحدث أخذه شيئًا في جميع الناس كشعر اللحية والحاجبين وأهداب العينين ففيه إذا لم يعد حكومة, وإن عادل مثل نباته قبل أخذه ففيه وجهان: أحدهما: لا شيء فيه.
والثاني: فيه حكومة هي دون حكومة ما لم يعد, وقد لوح الشافعي إلى الوجهين معًا, فلو خرج على قولين كان محتملًا, فلو نبت بعضه لزمته حكومة ما لم ينبت, وفي حكومة ما نبت وجهان على ما مضى.
والقسم الثالث: ما يحدث أخذه شيئًا في بعض الناس, ولا يحدث شيئًا في بعضهم وهو شعر الرأس والشارب, يحدث شينًا فيمن لم تجر عادته بحلق رأسه وحف شاربه, ولا يحدث شيئًا فيمن جرت عادته بذلك, فإن أخذه من لا يشينه أخذه فلا شيء عليه إن عاد, وإن لم يعد فهل فيه حكومة هي أقل من حكومة الشعر أم لا؟ على وجهين: وإن أخذه ممن يشينه أخذه ففيه إن لم يعد حكومة وهي أكثر من حكومته فيمن لا يشينه أخذه, وإن عاد ففيه ما قدمناه من الوجهين.
فأما القصاص في نتف الشعر فلا يجب لاختلاف الناس في كثافته وخفته, وطوله, وقصره, وشينه, وجماله, وذهابه ونباته.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ومعنى الحكومة أن يقوم المجني عليه كم يسوي أن

الجزء: 12 - الصفحة: 276

لو كان عبدًا غير مجني عليه ثم يقوم مجنيًا عليه فينظر كم بين القيمتين فإن كان العشر ففيه عشر الدية أو الخمس فعليه خمس الدية".
قال في الحاوي: وجملة الأروش في الجنايات ضربان: أحدهما: ما ورد الشرع بتقديره فينطلق عليه اسم الدية واسم الأرش إلا دية النفس فلا ينطلق عليها اسم الأرش, لأن الأرش لتلافي خلل ولم يبق مع تلف النفس ما يتلافي فلم تسم ديتها أرشًا, فكل شيء تقدرت ديته بالشرع زال الاجتهاد فيه, وساوى حكم مع قلة الشين وكثرته, فما تقدرت أروشه بالدية الكاملة كالأنف واللسان والذكر ففيه من العبد جميع قيمته, وما تقدر أرشه بنصف الدية كإحدى العينين وإحدى اليدين والرجلين ففيه من العبد نصف قيمته, وما تقدر أرشه بعشر الدية كالإصبع ففيه من العبد عشر قيمته, وكذلك فيما زاد ونقص, فيصير الحر أصلًا للعبد من المقدر.
والضرب الثاني: ما لم يرد الشرع بتقدير أرشه فالواجب فيه حكومة يختلف باختلاف الشين لا تتقدر إلا باجتهاد الحكام, ولذلك سميت حكومة لاستقرارها بالحكم, فإن اجتهد فيها من ليس بحاكم ملزم لم يستقر تقديره, لأنه لا ينفذ حكمه, ثم إذا تقدرت باجتهاد الحاكم في واحد لم يصر ذلك حكمًا مقدرًا في كل أحد, لأمرين: أحدهما: لقصور مرتبة الاجتهاد عن النص فصار الاجتهاد خصوصًا والنص عمومًا.
والثاني: لاعتبار الشين في الاجتهاد وحذفه من النص, وإذا كان كذلك فمعرفة الحكومة أن يقوم المجني عليه لو كان عبدًا لا جناية به, فإذا قيل: مائة دينار قوم وبه هذه الجناية, وإذا قيل: تسعون دينارًا علم أنه نقص الجناية عشرة من مائة هي عشرها معتبر من دية نفس الحر فيكون أرشها عشر الدية, ولو نقص بعد الجناية عشرون من مائة هي خمسمائة كان أرشها خمس الدية, وكذلك فيما زاد ونقص, ولو كان المجني عليه عبدًا كان الناقص من قيمته هو أرش حكومته, فيصير العبد أصلًا للحر في الحكومة, والحر أصلًا للعبد في التقدير, وكان بعض أصحابنا يجعل نقص الجناية معتبرًا من دية العضو المجني عليه لا من دية النفس فإن كان على يد وهو العشر وأوجب عشر دية اليد, وإن عشر دية الموضحة, وإن كان على الجسد فيما دون الجائفة أوجب عشر دية الجائفة ولم يعتبره من دية النفس حذرًا من أن يبلغ أرش الحكومة دية ذلك العضو أو زيادة عليه, وهذا الاعتبار فاسد من وجهين: أحدهما: أنه لما كان التقويم للنفس دون العضو وجب أن يكون النقص معتبرًا من دية النفس دون العضو.
والثاني: أنه قد تقارب جناية الحكومة جناية المقدر كالسمحاق مع الموضحة, فلو اعتبر النقص من دية الموضحة لبعد ما بين الأرشين مع قرب ما بين الجنايتين, فإن قيل:

الجزء: 12 - الصفحة: 277

فإذا اعتبرتموه من دية النفس ربما ساواه وزاد عليه, قيل: يختبر زمن هذه المساواة والزيادة حد فيها والنقصان فيها على ما سنذكره فلا توجب زيادة ولا مساواة.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من اختيار الحكومة فلا يخلو حال الجناية ذات الحكومة من أحد أمرين: إما أن يكون لها تأثير في نقصان القيمة أو لا يكون فإن كان لها تأثير في النقصان وهو العشر الموجب لعشر الدية نظرت, فإن كان أقل من دية العضو المجني عليه كالجناية على إحدى العينين يقدر أرش الحكومة بعشر الدية, فيجب بها عشر الدية, وإن كان مساويًا لدية العضو المجني عليه كالجناية على الإصبع لم توجب فيه حكومتها عشر الدية, لأن لا يساوي أرش حكومتها دية قطعها, ونقصت من عشر الدية التي هي دية الإصبع ما يقتضيه الاجتهاد بحسب كثيرة الشين وقلته, ولو كانت على الرأس وهي دون الموضحة وكان نقصها عشر القيمة لم توجب بها عشر الدية؛ لأنه أكثر من دية الموضحة ونقصت من دية الموضحة بحسب الشين, ولا يجوز أن يجعل النقصان ناقصًا حقه أو أقله ما يجوز أن يكون ثمنًا لبيع أو صداقًا لزوجة, وإن لم يكن للجناية تأثير في نقصان القيمة وذلك من وجوه إما بأن لا يكون للجراح بعد اندمالها تأثير, أو يكون كقطع إصبع زائدة أو قلع سن شاغبة أو نتف لحية امرأة فقد أذهبت الجناية شيئًا وأحدثت جمالًا ففيها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: أنه لا أرش لها وتكون هدرًا لأنها لم تحدث نقصًا, وقد أشار الشافعي إلى هذا في اللطمة توجب الحكومة إن أثرت في تغيير البشرة وتكون هدرًا إن لم تؤثر.
والوجه الثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تضمن ولا تكون هدرًا لاستهلاك بعض الخلقة التي توجب ضمان جملتها ضمان أجزائها وقد أشار الشافعي إلى هذا في لحية المرأة إذا نتفت أنها توجب حكومة دون حكومة لحية الرجل, وإن لم يحدث نتفها في المرأة شيئًا فعلى هذا إن كان عدم التأثير في جرح قد اندمل لم يبق له بعد الاندمال أثر اعتبرت نقصان أثره قبل الاندمال وبعد انقطاع دمه, فإن لم يكن له تأثير اعتبرت نقصانه عند سيلان دمه فنجد له في نقصان القيمة أثرًا, وكذلك في اعتبار قطع الإصبع الزائدة يعتبر وقت سيلان الدم وإن كان قلع سن شاغبة فهي وإن شانت فقد كانت مقوية لما وراءها من سن الأصل فصارت بعد قلعها أضعف فيعتبر نقصان تأثير قوة تلك السن وضعفها, وإن كانت في نتف لحية امرأة فهو يحدث في المرأة زيادة وفي الرجل نقصانًا, فسقطت الزيادة الحادثة في المرأة من النقصان الحادث في الرجل, وينظر الباقي بعده فيعتبره من ديتها, فإن لم يبق بعد إسقاط الزيادة شيء من النقصان أوجب حينئذ ما قل مما يجوز أن يكون ثمنًا أو صداقًا, والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 278

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وما كسر من سن أو قطع من شيء له أرش معلوم فعلى حساب ما ذهب منه".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة وذكرنا أن ما تقدرت فيه الدية من الأعضاء والأسنان كان في أبعاضها إذا عرف مقداره منها قسطه من ديتها؛ لأن ما قابل جملة تقسط على أجزائها كالأثمان, فيكون في نصف السن نصف دية السن, وفي نصف الأذن نصف دية الأذن, وكذلك فيما زاد ونقص, فإن جهل قدر الذاهب من الباقي تقدر تقسيط الدية عليه فوجبت فيه حكومة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "في الترقوة جمل وفي الضلع جمل, وقال في موضع آخر: يشبه ما حكي عن عمر فيما وصفت حكومة لا توقيت, قال المزني - رحمه الله -: هذا أشبع بقوله كما يؤول قول زيد في العين القائمة مائة دينار أن ذلك على معنى الحكومة لا توقيت, وقد قطع الشافعي - رحمه الله - بهذا المعنى فقال: في كل عظم كسر سوى السن حكومة, فإذا جبر مستقيمًا ففيه حكومة بقدر الألم والشين, وإن جبر معيبًا بعجز أو عرج أو غير ذلك زيد في حكومته بقدر شينه وضره وألمه لا يبلغ به دية العظم لو قطع".
قال في الحاوي: نقل المزني عن الشافعي أنه قال: في الترقوة جمل إذا كسرت وفي الضلع جمل إذا كسر, وهذا قاله في القديم, ونقل عنه في الجديد أن فيهما حكومة, فاختلف أصحابنا فكان المزني وطائفة من المتقدمين يخرجون ذلك على قولين: أحدهما: أن الجمل منهما تقدير يقطع الاجتهاد فيه ويمنع من الزيادة عليه والنقصان منه؛ لأن عمر - رضي الله عنه - حكم فيهما بالجمل, ومذهب الشافعي أن قول الصحابي إذا انتشر ولم يظهر له مخالف وجب العمل به وإن لم ينتشر فعلى قولين, وهذا قول قد انتشر فكان العمل به واجبًا.
والقول الثاني: إن فيه حكومة, لأن مقادير الديات تؤخذ عن نص أو قياس, وليس فيه نص عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أصل يقاس عليه وجوب الجمل فيه, وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة وأكثر المتأخرين إنه ليس ذلك على قولين ومذهبه فيه وجوب الحكومة وإنما ذكر فيهما الجمل تبركًا بقول عمر, وأثبته على قدر الحكومة أنها لا تبلغ دية السن, وأن ما نفذ من الاجتهاد فيه بهذا القدر كان ما تعقبه عن الاجتهاد مقارنًا له, فإن زاد عليه فيصير وإن نقص عنه فيصير, ولا يصير حدًا لا يتجاوز فأما العين

الجزء: 12 - الصفحة: 279

القائمة فلا تتقدر رقبتها فصارت يد بمائة دينار قولًا واحدًا, لأن أبا بكر - رضي الله عنه - قد خالفه فأوجب فيها ثلث الدية فتعارض قولاهما ولزمت الحكومة, وخالف الترقوة والضلع الذي لم يظهر فيه مخالف لعمرو, ولو قدره عمر بالجمل تقديرًا عامًا في جميع الناس ما جاز خلافه, لأنه صار إجماعًا, ولكنه قضى به في رجل بعينه انتهت حكومته إليه, وجاز أن يؤديه اجتهاده في غيره إلى أقل منه أو أكثر بحسب الشين, فلذلك لم يصر حدًا, وخالف حكم الصحابة في جزاء الصيد الذي يكون اجتهادهم فيه متبوعًا, لأنه على العموم دون الخصوص.
فصل: فإذا ثبت في الترقوة والضلع حكومة فإن انجبر مستقيمًا قلت حكومته, وإن انجبر معوجًا كانت حكومته أكثر, وإن كان مع اعوجاجه قد صار ذا عقدة كانت حكومته أكثر, لأن زيادة الشين في الحكومات معتبرة, وكذلك إذا كسر سائر عظام الجسد سوى الأسنان ففيه حكومة بقدر ضرره وشينة لا يبلغ دية ذلك العضو إلا أن يشل فلو ضرب عظمة حتى تشظى لم يجب فيه دية منقلة ولا هاشمة كما لا تجب في موضحة الجسد دية الموضحة في الرأس, وكانت الحكومة فيه بقدر ألمه وضرره وشينه, فلو أنفذ عظمه وأخرج مخه كانت الحكومة أكثر لأن الضرر أعظم والخوف أكثر, ولو سلخ جلده فشرره أعظم وخوفه أكثر, وفيه حكومة لا تبلغ دية النفس, ويعتبر اندماله, فإن عاد جلده كانت حكومته أقل منها إذا لم يعده ولو لطمه فإن أثر في جلده أثرًا بقى شينة ففيه حكومة, وإن لم يبقى له أثر فلا شيء فيه ويعزز اللاطم أدبًا, فصار تقدير هذا الشرح أنه متى بقى للجناية أثر شين في الجرح, أو في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجبت فيه حكومة وإن لم يبق منه ذلك أثر شين في كسر العظم وفي جرح الجسد وفي اللطم وجب في كسر العظم حكومة ولم تجب في اللطمة حكومة, وفي وجوب الحكومة في الجرح وجهان؛ لأن العظم وإن انجبر مستقيمًا فهو بعد الجبر أضعف منه قبله فلذلك وجبت فيه الحكومة واللطمة لم تؤثر في الجيد شيئًا ولا ضعفًا فلذلك لم يجب فيها حكومة, فأما الجرح فمتردد بين هذين فلذلك كان على وجهين: أحدهما: فيه حكومة, لأنه قد أسال دمًا وأحدث نقصًا كالعظم إذا انجبر مستقيمًا.
والثاني: لا حكومة فيه, لأنه ما أحدث شيئًا ولا ضعفًا كاللطمة إذا لم تحدث أثرًا, والله أعلم.
مسألة قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جرحه فشان وجهه أو رأسه شينًا يبقى فإن كان

الجزء: 12 - الصفحة: 280

الشين أكثر من الجرح أخذ بالشين وإن كان الجرح أكثر من الشين أخذ بالجرح ولم يزد للشين".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن شجاج الرأس والوجه تتقدر دياتها في الموضحة وما فوقها من الهاشمة والمنقلة والمأمومة وإن لم تتقدر دياتها في الجسد تغليظًا لحكم الرأس على حكم الجسد فاقتضى ذلك فيما لا تتقدر دياته من شجاج الرأس والوجه فيما دون الموضحة من الحارصة والدامية والدامغة والباضعة والمتلاحمة والسمحاق أن تكون حكوماتها في الرأس أغلظ من حكوماتها في الجسد, وإذا كان كذلك وجب في الرأس أن يعتبر فيها أغلظ الأمرين.
قال الشافعي في تفصيله الذي قدمه من الشين أو الجراح فاختلف أصحابنا في تأويله على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وجمهور البصريين: أنه أراد أكثر الحكومتين من ح الشين بعد اندماله في الانتهاء, أو قال الجرح عند سيلان دمه في الابتداء, فأيهما كان أكثر فهو القدر المستحق تغليظ لشجاج الرأس على شجاج البدن غير المقدر كما تغلظ في المقدر.
والوجه الثاني: وهوو قول أبي حامد الإسفراييني وطائفة من البغداديين أن مراد الشافعي بأكثر الحكومتين أن يعتبر قدرها في العمق قدر الموضحة, فإن كان نصفها اعتبر قدر شينها بعد الاندمال, فإن نقصت عن نصف الموضحة أوجبت نصف الموضحة وهو الجرح, لأنه أغلظ من قدر الشين وإن كان قدر شينها زائدًا على نصف الموضحة وبلغ ثلاثة أرباعها أوجبت حكومة الشين وهو ثلاثة أرباع الموضحة, لأنه أغلظ.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان الشين أكثر من موحضة نقصت من الموضحة شيئًا ما كان الشين لأنها لو كانت موضحة معها شين لم أزد على موضحة فإذا كان الشين معها وهو أقل من موضحة لم يجز أن يبلغ به موضحة وفي الجراح على قدر دياتهم والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن ما نقص عن المقدر لم يجز أن يجب فيه ما يجب في المقدر؛ لأنه يقضي إلى تفاضل الجنايات وتساوي الديات, وهذا ممتنع فإن قيل: فليس يمتنع هذا لأنكم توجبون في قطع الأصابع ما توجبونه في جميع الكف وهو أقل؟ قيل: لأن منفعة الكف ذاهبة بقطع الأصابع فلذلك وجب فيها ما يجب في جميع الكف, وخالف ذلك في مسألتنا فعلى هذا لا يجوز أن يجب فيما دون الموضحة إن كثر

الجزء: 12 - الصفحة: 281

شينها دية الموضحة ووجب أن ينقص منها ما يؤدي إليه الاجتهاد, وكذلك لا يبلغ بالحكومة على الكف دية الكف, ولا بالحكومة على الإصبع دية الإصبع, ولا بالحكومة على الأنملة دية الأنملة, وهو معنى قول الشافعي في الجراح: على قدر ديتها, وتأوله بعض أصحابنا أنه يعتبر نقص الحكومة من دية العضو لا من دية النفس, وهو قول من قدمنا مذهبه في اعتبار الحكومة, وقد أبطلناه بما ذكرناه, ثم قال الشافعي: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر", يعني أن دية شجاج المرأة وجراحها وأطرافها على النصف من دية الرجل, لأن ديتها نصف دية الرجل, فيجب في موضحتها بعيران ونصف, وفي هاشمتها خمس, فأما حكومتها فهي معتبرة من ديتها, وديتها على النصف فأغنى ذلك عن تنصيف الحكومة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وفي الجراح في غير الوجه والرأس بقدر الشين الباقي بعد التئامه لا يبلغ بها الدية إن كان حرًا ولا ثمنه إن كان عبدًا, ولأنه ليس في الجسد قدر معلوم سوى الجائفة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما اقتضاه التعليل المتقدم من تغليظ شجاج الرأس, والوجه على جراح الجسد يوجب اعتبار حكوماتها بحال الشين بعد الاندمال, ولا يعتبر فيها أغلظ الأمرين, وإذا كان كذلك لم يخل حال الجراح في الجسد من أن تكون على عضو أو في البدن, فإن كانت على عضو اعتبر في حكومتها حال الشين بعد الاندمال, فقوم سليمًا وشائنًا ووجب بقسط ما بينهما من دية الحر وقيمة العيد إلا أن تزيد على دية العضو فينقص منها قدر ما يؤدي الاجتهاد إليه, وإن كانت على البدن كالظهر والبطن والصدر ففيه وجهان: أحدهما: وهو الظاهر من منصوص الشافعي: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية النفس, فإن بلغها نقص منها ولا اعتبار بدية الجائفة.
والوجه الثاني: أنه يعتبر حكومة الشين ما لم تبلغ دية الجائفة, فإذا بلغها نقص فيها ما يؤدي الاجتهاد إليه, لأنها المقدر في جراح الجسد فأشبهت الموضحة في شجاج الرأس, وقد يمكن أن يفضل بين الموضحة مع ما تقدمها وبين الجائفة مع غيرها أن ما تقدم الموضحة بعض الموضحة فلم يبلغ ديتها, وغير الجائفة قد لا يكون بعضها لما فيه من كسر عظم وإتلاف لحم, فجاز أن تزيد حكومتها على ديتها وهو الأصح, فإن لم يكن للشين بعد اندماله أثر ولا للحكومة فيه قدر ففيه وجهان ذكرناهما من قبل: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج, تكون هدرًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 282

والثاني: وهو قول أبي اسحاق المروزي: يعتبر ما قبل الاندمال ولا يقدر مع حال الألم وإراقة الدم, فيعتبر ما قبل الاندمال حالًا قبل حال حتى يبلغ إلى وقت الجرح وسيلان الدم للضرورة, كما يلزم في حمل الأمة إذا أعتق بوطء شبهة أن يعتبر قيمته بعد ظهوره لما تقدرت قيمته عند علوقه والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية النصراني واليهودي ثلث الدية واحتج في ذلك بعمر وعثمان - رضي الله عنهما".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في دية اليهودي والنصراني من أهل الذمة والمعاهدين على أربعة مذاهب: أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة: أنها كدية المسلم سواء وبه قال من الصحابة: ابن مسعود, ومن التابعين: الزهري, ومن الفقهاء: الثوري وأبو يوسف ومحمد.
والثاني: وهو مذهب مالك أنها نصف دية المسلم, وبه قال عمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير.
والثالث: وهو مذهب أحمد بن حنبل: إن قتل عمدًا فمثل دية المسلم كقول أبي حنيفة, وإن قتل خطأ فنصف دية المسلم كقول مالك.
والرابع: وهو مذهب الشافعي: أن ديته دية المسلم في العمد والخطأ, وبه قال من الصحابة عمر وعثمان - رضي الله عنهما - ومن التابعين: سعيد بن المسيب, وعطاء, من الفقهاء: أبو ثور وإسحاق بن راهويه, واستدل أبو حنيفة على أن ديته مثل دية المسلم بقوله تعالى: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] , ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] فلما أطلق ذكر الدية فيها دل على تساويهما, وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية اليهودي والنصراني مثل نصف دية المسلم" وهذا نص وروي مقسم عن ابن عباس أن عمرو بن أمية الضمري قتل كافرين لهما أمان ولم يعلم بأمانهما فوداهما رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده بدين حرين مسلمين, ولأنه حر محقوق الدم على التأييد فوجب أن تكون ديته كاملة كالمسلم, ولأن الحر مضمون يضمن بالدية والعبد يضمن بالقيمة, فلما كملت قيمة العبد مسلمًا كان

الجزء: 12 - الصفحة: 283

أو كافرًا وجب أن تكمل دية الحر مسلمًا كان أو كافرًا, ولأن القتل موجب للدية والكفارة, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, فلما تماثلت الكفارة في قتل المسلم والكافر وجب أن يتماثل الدية في قتل المسلم والكافر, ولأن الكفر فسق, والفسق لا تأثير له في الدية فكذلك الكفر, ولأن الدية قد أوجبت حقن دمه وحفظ ماله فلما تساوى بها المسلم في ضمان ماله ساواه, في ضمان نفسه, وأما مالك فدليله ما رواه محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دية المعاهد نصف دية المسلم" ذكره أبو داود وقال أحمد بن حنبل: ليس في الأخبار أصح من هذا, وروى سليمان بن موسى عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلم وهم اليهود والنصارى وذكره رجاء بن المرجي الحافظ ولأن النقص نوعان أنوثية وكفر, فلما أوجب نقص الأنوثية إسقاط نصف الدية كذلك نقص الكفر.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" فدل على أن دماء الكافر لا تكافئهم.
وروى ابن المنذر من كتابه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في كتاب عمرو بن حزم: "وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل" فجعل الإيمان شرطًا في كمال الدية, فوجب أن لا تكمل بعدمه, وروى موسى بن عقبة عن إسحاق بن يحيى عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم: "قضى أن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم" , وهذا نص ذكره أبو إسحاق المروزي في شرحه, فإن قيل: حديث من روى كمال الدية أزيد والأخذ بالزيادة لأن الأحكام مستنبطة من الألفاظ, فإن قيل: يحمل على أنه قضى في السنة الأولى ثلث الدية لتأجيل دية الخطأ في ثلاث سنين, فالجواب عنه أن قضاءه بأن دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم تدل على أن جميع ديته هذا القدر فلم يجز أن يحمل على قدرها وهو بعضها, على أن ثلث الدية عندهم أقل من أربعة آلاف, فإن قيل: يحمل على أنه قوم إبل الدية بأربعة آلاف درهم قيل: لا يصح من وجهين: أحدهما: أن القيمة تختلف فلم يجز أن تقدر في عموم الأحوال.
والثاني: إنه قضى بالدراهم ولم يقض بها قيمة على أنا روينا عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في دية اليهودي والنصراني بثلث دية المسلم, فبطل هذا التأويل, ومن القياس: أنه مكلف لا يكمل سهمه من القيمة فوجب أن لا تكمل ديته كالمرأة, ولا ينتقص بالصبي والمجنون, لعدم التكليف, ولأنها لم نقصت دية المرأة المسلمة عن دية

الجزء: 12 - الصفحة: 284

الرجل بنقصها بالأنوثية, وجب أن تنقص دية الرجل الكافر عن دية المرأة المسلمة لنقصه بالكفر لأن الدية موضوعة على التفاضل, ولأنه لما أثر أغلظ الكفر وهو الردة في إسقاط جميع الدية وجب أن يؤثر أخفه في تخفيف الدية, لأن بعض الجملة مؤثر في بعض أحكامها, ولأن اختلاف الأمة في قدر الدية توجب الأخذ بأقلها كاختلاف المقومين يوجب الأخذ بقول أقلهم تقويمًا؛ لأنه اليقين, فأما الجواب عن استدلالهم بمطلق الدية في الآية فلا يمنع إطلاقها من اختلاف مقاديرها, كما لم يمنع من اختلاف دية الرجل والمرأة ودية الجنين؛ لأن الدية اسم لما يؤدي من قليل وكثير.
وأما حديث عمرو بن شعيب فقد اختلفت الرواية عنه فتعارضت ويمكن حملها على أنها مثل دية المسلم في التغليظ والتخفيف والحلول والتأجيل حتى لا يكون نقصان قدرها موجبًا لإسقاط حلولها وتغليظها وأما الجواب عن حديث عمرو بن أمية فمن وجهين: أحدهما: أنه لما تبرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحمل الدية عنه جاز أن يتبرع بالزيادة تألفًا لقومهما.
والثاني: يجوز أن يكونا أسلما بعد الخروج وقبل موتهما فكمل بالإسلام ديتهما, وأما الجواب عن قياسه على السلم بعلة أنه محقون الدم على التأييد, ففاسد بالمرأة والعبد, لا يقتضي حقن دماهما على التأييد كمال ديتهما, كذلك الذمي, على أن المعنى في المسلم كمال سهمه في الغنيمة, وأما الجواب عند استدلاله بالعبد في استواء الكفر والإسلام في كمال قيمته فهو أنها لما تساوى فيهما الذكر والأنثى تساوى فيهما المسلم والكافر, ولما اختلف في الدية الذكر والأنثى اختلف فيها المسلم والكافر, وكذلك الجواب عن استدلاله بالكفارة أنه لما لم يمتنع التساوي فيها من اختلاف الذكر والأنثى في الدية كذلك تساوى المسلم والكافر فيها لا يمنع من اختلافهما في الدية, وأما الجواب عن استدلالهم بالفسق فهو أن الفسق لا يسلبه أحكام الإسلام فساوى في الدية, والكفر يسلب أحكام الإسلام فخالف في الدية, وأما الجواب عن ضمان ماله كالمسلم فهو أنه لما لم يختلف ضمانه في العمد والخطأ في حق الرجل والمرأة لم يختلف في حق المسلم والكافر, ولما اختلف ضمان الدية في حق الرجل والمرأة اختلف في حق المسلم والكافر والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ودية المجوسي ثمانمائة درهم واحتج في ذلك بعمر بن الخاطب - رضي الله عنه".
قال في الحاوي: واحتج في ذلك بعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اختلف في دية المجوسي فجعلها أبو حنيفة كدية المسلم, وجعلها عمر بن عبد العزيز نصف دية

الجزء: 12 - الصفحة: 285

المسلم كاليهودي والنصراني عنده, وهي عند الشافعي ثمان مائة درهم, ثلثا عشر دية المسلم, وتكون من الإبل ستة أبعرة وثلثين ومن الدنانير ستة وستون دينارًا وثلثان, لرواية سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - جعل دية اليهودي والنصراني أربعة آلاف درهم والمجوسي ثمان مائة درهم.
وروى الزهري عن عمر وعثمان وابن مسعود - رضي الله عنهم - أن دية المجوسي ثمان مائة درهم, فكان هذا القول منهم والقضاء به عليهم مع انتشاره في الصحابة إجماعًا لا يسوغ خلافه, ومع أن حكم المجوسي في إقرارهم وأخذ جزيتهم منقول عن عمر ومعمول به إجماعًا فكذلك حكمه فيهم بالدية, ولأنه لما نقصت رتبة المجوسي عن أهل الكتاب في تحريم نسائهم, وأكل ذبائحهم نقصت ديتهم عن دياتهم, لأن الديات موضوعة على التفاضل, وإذا نقصت عنهم لم يكن إلا ما قلنا لقضاء الأئمة به.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال من خالف دين الإسلام من أن يكون له أمان أو لا يكون, فإن كان له أمان لم يخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون من أهل الكتاب وهم اليهود والنصارى فديتهم ثلث دية المسلم, سواء كانوا أصحاب ذمة أو عهد.
والقسم الثاني: أن لا يكونوا أهل كتاب ولكن سن بهم سنة أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية وهم المجوسية, فديتهم ثلثا عشر دية المسلم.
والقسم الثالث: أن لا يكونوا أهل كتاب ولا سن بهم سنة أهل كتاب وهم عبدة الأوثان الذين لا يقرون بالجزية ويقرون بالأمان والعهد, فديتهم كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم, لأنها أقل الديات فردوا إليها, وإن كانوا أنقص رتبة من المجوسي في أنهم يقرون بالجزية.
فأما الصابئون والسامرة فإن أجروا مجرى اليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية وأكل ذبائحهم ونكاح نسائهم لموافقتهم في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم كانت ديتهم ثلث دية المسلم, وإن لم يقروا بالجزية لمخالفتهم لليهود والنصارى في أصل معتقدهم فديتهم إذا كان لهم أمان كدية المجوسي ثلثا عشر دية المسلم.
فصل: وأما من لم يكن له أمان ولا عهد فضربان: أحدهما: من بلغته دعوة الإسلام, فنفوسهم مباحة ودماؤهم هدر لا تضمن بقود

الجزء: 12 - الصفحة: 286

ولا عقل, سواء كانوا أهل كتاب أو لم يكونوا كذلك دماء المرتدين عن الإسلام.
والضرب الثاني: أن يكونوا ممن لم تبلغه الدعوة, قال الشافعي: "ولا أحسب أحدًا لم تبلغه دعوة الإسلام إلا أن يكون قوم وراء الذين يقاتلونا من الترك والخزر فدماؤهم محقونة حتى يدعوا إلى الإسلام فيمتنعوا فإن قتلوا قبل دعائهم إلى الإسلام ضمنت نفوسهم بالدية دون القود.
وقال أبو حنيفة: لا تضمن نفوسهم بقود ولا دية, لأن دماء الكفار على الإباحة إلا من ثبت له عهد أو ذمة, وهذا خطأ, لأن الدماء محقونة إلا من ظهر منه المعاندة ولأنه لما حرم قتلهم قبل دعائهم ثبت حقن دمائهم ووجب ضمان نفوسهم كأهل العهد وهذه مسألة تأتي في كتاب السير مستوفاة, فإذا تقرر ضمان دياتهم ففيها وجهان, لأن الشافعي أطلقها فاختلف أصحابنا فيها من بعده على وجهين: أحدهما: أنه كدية المسلم, لأنه مولود على الفطرة لم تظهر منه معاندة.
والثاني: أنها كدية المجوس ثلثا عشر دية المسلم, لأنها يقين مع الأصل براءة الذمة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وجراحهم على قدر دياتهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأن ما دون النفس معتبر بدية النفس فيكون في دية اليهودي بعير وثلثان, وفي هاشمته ثلاثة أبعرة وثلث وفي منقلته خمسة أبعرة وفي مأمومته أحد عشر بعيرًا وتسع, وفي إصبعه ثلاثة أبعرة وثلث, وفي أنملته بعير وتسع, وفي موضحة المجوس ثلث بعير, وفي هاشمته ثلثا بعير, وفي منقلته بعير, وفي إصبعه ثلث بعير, وفي أنملته تسعًا بعير, وعلى قياس هذا فيما زاد ونقص.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "والمرأة منهم وجراحها على النصف من دية الرجل فيما قل أو كثر واحتج في ديات أهل الكفر بأن الله تعالى فرق ثم رسوله صلى الله عليه وسلم بين المؤمنين والكافرين فجعل الكفار متى قدر عليهم المؤمنون صنفًا منهم يعبدون وتؤخذ أموالهم لا يقبل منهم غير ذلك وصنفًا يصنع ذلك بهم إلا أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون فلا يجوز أن يجعل من كان خولا للمسلمين في حال أو خولا بكل حال إلا أن يعطوا الجزية كالعبد المخارج في بعض حالاته كفيئًا لمسلم في دم ولا دية يبلغ بدية كافر دية مؤمن إلا ما لا خلاف فيه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأنه لما كانت دية المرأة المسلمة في نفسها

الجزء: 12 - الصفحة: 287

وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل المسلم كانت دية المرأة الكافرة في نفسها وأطرافها وجراحها على النصف من الرجل الكافر, فيجب في موضحة اليهودية خمسة أسداس بعير, وفي هاشمتها بعير وثلثان وفي موضحة المجوسية سدس بعير, وفي هاشمتها ثلث بعير, ثم على هذا القياس.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ويقول سعيد بن المسيب أقول جراح العبد من ثمنه كجراح الحر من ديته في كل قليل وكثير وقيمته ما كانت وهذا يروى عن عمر وعلي - رضي الله عنهما -".
قال في الحاوي: أما الجناية على نفس العبد فموجبه لقيمته, وهذا متفق عليه, وأما الجناية على ما دون نفسه من أطرافه وجراحه فقد اختلف على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تكون مقدرة من قيمته كما تكون مقدرة من الحر من ديته, فيجب في كل واحد من لسانه وأنفه وذكره قيمته وفي إحدى يديه نصف قيمته كما يجب في الحر نصف ديته كما يجب في الحر ديته, ويجب في إصبعه عشر قيمته, وفي أنملته ثلث عشرها, وعلى هذا القياس وهو قول عمر, وعلي, وسعيد بن المسيب, والحسن, وابن سيرين, وأبي حنيفة.
والمذهب الثاني: ما قاله داود بن علي وأهل الظاهر, ومحمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة الواجب في جميعها ما نقص من قيمته من غير تقدير كالبهائم.
والمذهب الثالث: ما قاله مالك: أنه ما لا يبقى له أثر بعد الاندمال من شجاج الرأس ففي مقدر من قيمته - كما قلنا, وما يبقى أثره بعد الاندمال كالأطراف ففيه ما نقص من قيمته كأهل الظاهر, واستدل أهل الظاهر بأمرين أحدهما: أنه مملوك كالبهائم.
والثاني: أنه لا يضمن بالقيمة فأشبه ضمان الغصب, وفرق مالك بين شجاج رأسه وأطرافه بأنه قول أهل المدينة وهو عنده حجة, وبأنه لما تقدر شجاج الرأس في الحر ولم تتقدر جراح جسده تغلظ حكمه على حكمة, والدليل عليهم أن من ضمنت نفسه بالقود والكفارة ضمنت أطرافه بالمقدر كالحر, وعلى مالك أن من تقدرت شجاجته تقدرت أطرافه كالحر, ولأن ما تقدر في الحر تقدر في العبد كالشجاج, ثم يقال لمالك: العبد متردد بين أصلين: أحدهما: الحر.
والثاني: البهيمة, فإن الحق بالحر تقدرت أطرافه وشجاجه, وإن ألحق بالبهيمة لم تتقدر شجاجه ولا أطرافه, وإلحاقه بالحر أولى من إلحاقه بالبهائم لم يتوجه إليه من

الجزء: 12 - الصفحة: 288

التكليف, ويجب عليه من الحدود, ويلزم من قتله من القود والكفارة, فأما ضمانه باليد إذا يغصب, فإنما لم يضمن بالمقدر لأنه لا يضمن بالقود والكفارة فأجرى عليه حكم الأموال المحضة, وصار فيها ملحقًا بالبهائم, ويضمن في الجنايات بالقود والكفارة فألحق بالأحرار.
فصل: فإذا ثبت تقدير الجنايات عليه من قيمته كالحر من ديته فلسيده أن يأخذ أرش الجنايات عليه كلها, سواء زادت على قدر قيمته أضعافًا أو نقصت, وهو باق على ملكه.
وقال أبو حنيفة: إن وجب فيها جميع قيمته كان بيده بالخيار بين تسليمه إلى الجاني وأخذ قيمته منه أو إمساكه بغير أرش, لأن لا يجمع بين البدل والمبدل, وإن وجب بها نصف قيمته كان سيده بالخيار بين إمساكه وأخذ نصف قيمته وبين تسليمه إلى الجاني وأخذ جميع قيمته وقد مضى الكلام معه في كتاب الغصب مما أغنى عن إعادته, فأما إذا تبعضت فيه الحرية والعتق فكان نصفه حرًا ونصفه عبدًا ففي أطرافه نصف ما في أطراف الحر ونصف ما في أطراف العبد, فيجب في يده ربع الدية وربع القيمة, وفي إصبعه نصف عشر الدية ونصف عشر القيمة وفي أنملته سدس عشر القيمة وسدس عشر الدية, ثم على هذا القياس فيما زاد من الحرية ونقص, فأما ضمان المكاتب فكالعبد وكذلك أم الولد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وتحمل ثمنه العاقلة إذا قتل خطأ".
قال في الحاوي: أما العبد إذا قتل حرًا فالدية في ذمته ومرتهنة رقبته, يباع فيها ويؤدي الدية حالة في العمد والخطأ لا تتحملها العاقلة عنه ولا السيد إلا أن يتطوع باقتدائه منها, فإن عجز ثمنه عن الدية كان الباقي في ذمة العبد يؤديه بعد عتقه ولا يكون على سيده, فإن قيل: فهلا كان السيد ضامنًا لجناية عبده كما يضمن جناية بهيمته, قيل: لأن جناية البهيمة مضافة إلى مالكها, لأنها مضمونة إذا نسب إلى التفريط في حفظها وجناية العبد مضافة إليه دون سيده لأن له اختيارًا يتصرف به, فلذلك ضمن جناية بهيمته ولم يضمن جناية عبده فأما إذا قتل الحر عبدًا, فإن كان القتل عمدًا محضًا فقيمته في مال القاتل حاله, وإن كان خطأ محضًا أو عمد الخطأ ففي قيمته قولان: أحدهما: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه على عاقلة الجاني مؤجلة وهو اختيار المزني.
والقول الثاني: أن قيمة نفسه وأروش أطرافه في مال الجاني لا تحمله العاقلة في

الجزء: 12 - الصفحة: 289

مال القاتل حالة وهو مذهب مالك.
وقال أبو حنيفة: تحمل العاقلة دية نفسه ولا تحمل أروش أطرافة فإذا قتل تحمله العاقلة, فدليله أن من وجبت الكفارة في قتله تحملت العاقلة بدل نفسه كالحر, ولأن العبد متردد الحكم بين الحر لكونه مكلفًا وبين البهيمة لأنه مقوم ومبيع فكان إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود, فوجب إلحاقه بالحر أولى, لما يتوجه إليه من الثواب والعقاب, ولما يجب في قتله من الكفارة والقود فوجب إلحاقه به في تحمل العاقلة لبدل أطرافه ونفسه.
فإذا قيل: لا تحمله العاقلة فدليله رواية ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا" ولأنه مضمون بالقيمة فوجب أن لا تحمل العاقلة ضمانة بالجناية كما لم تحمل ضمانة باليد كالأموال, ولأنه لما لم تتحمل عنه العاقلة إذا كان قاتلًا لم تتحمله العاقلة إذا كان مقتولًا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي ذكره ثمنه ولو زاد القطع في ثمنه أضعافًا".
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "فإن قيل فإذا كنت تزعم أن ثمنه كثمن البعير إذا قتل فلم لم يحكم في جرحه كجرح البعير وبعضه؟ قلت: قد يجامع الحر البعير بقتل فيكون ثمنه مثل دية الحر فهو في الحر دية وفي البعير قيمة والقيمة دية العبد وقسته بالحر دون البهيمة بدليل من كتاب الله تعالى في قتل النفس الدية وتحرير رقبته وحكمت وحكمنا في الرجل والمرأة والعبد بديات مختلفات وجعلنا في كل نفس منهم دية ورقبة وإنما جعل الله في النفس الرقبة حيث جعل الدية وبدل البعير والمتاع قيمة لا رقبة معها فجامع العبد الأحرار في أن فيه كفارة وفي أنه إذا قتل قتل وإذا جرح جرح في قولنا وفي أن عليه حد الحر في بعض الحدود ونصف حد الحر في بعض الحدود وأن عليه الفرائض من الصلاة والصوم والتعبد وكان آدميًا كالأحرار فكان بالآدميين أشبه فقسته عليهم دون البهائم والمتاع, قال المزني: وقال في كتاب الديات والجنايات لا تحمله العاقلة كما لا تغرم قيمة ما استهلك من مال, قال المزني: الأول بقوله أشبه لأنه شبهه بالحر في أن جراحه من ثمنه كجراح الحر من ديته لم يختلف ذلك عندي من قوله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح, لأننا قد قررنا أن ما في الحر منه دية كان في العبد منه قيمة, وفي ذكر الحر ديته, فوجب أن يكون في ذكر العبد قيمته, فإن قيل: فقطعه من الحر نقص فلذلك ضمن بالدية, وقطعه من العبد زيادة لأن ثمنه يزيد بقطعه فلم يضمن

الجزء: 12 - الصفحة: 290

بالقيمة قيل: المضمون بالجناية لا يراعى فيه النقص والزيادة, لأن الأعضاء الزائدة تضمن بالجناية وإن أحدثت زيادة.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وكل جناية عمد لا قصاص فيها فالأرش في مال الجاني".
قال في الحاوي: أما جناية الخطأ المحض وعمد الخطأ فتحملها العاقلة, وأما جناية العمد المحض فمن مال الجاني, ولا تتحملها العاقلة سواء وجب فيها القصاص أو لم يجب كالجائفة والمأمومة, وقال مالك: ما لا يجب فيه القصاص من العمد تتحمله العاقلة كالخطأ, وهذا خطأ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تحمل العاقلة عمدًا ولا عبدًا", ولأن ما لم تتحمله العاقلة من العمد إذا وجب فيه القود لم تتحمله, وإن لم يجب فيه القود كجناية الوالد على الولد, ولأن جناية العمد مغلظة وتحل العاقلة تخفيف فتنا في اجتماعهما, ولأن تحمل العاقلة رفق ومعونة, والعامد معاقب لا يعان ولا يرفق به, والخاطئ معذور, فلذلك خص بالمعونة والرفق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وقيل جناية الصبي والمعتوه عمدًا وخطأ يحملها العاقلة وقيل لا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن تحمل العاقلة الخطأ في ثلاث سنين فلو قضينا بها إلا ثلاث سنين خالفنا دية العمد لأنها حالة فلم يقض على العاقلة بدية عمد بحال, قال المزني: هذا هو المشهور من قوله".
قال في الحاوي: فلا قود عليهما فيه لعدم تكليفهما, وفيه قولان: أحدهما: أنه يجري عليه حكم الخطأ, وإن كان في صورة العمد وهو قول أبي حنيفة, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم على ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم, وعن المجنون حتى يفيق, وعن النائم حتى ينتبه" ولأن كل ما سقط فيه القود بكل حال كان في حكم الخطأ كالخطأ.
والقول الثاني: أنه يجري عليه حكم العمد وإن سقط فيه القود, لأن صفة العمد متميزة فكان حكمها متميزًا, ولأن الصبي قد وقع الفرق فيه بين عمده ونسيانه إذا تكلم في الصلاة وأكل في الصيام وتطيب في الحج, فوجب أن يقع الفرق بين عمده وخطئه في القتل, لأن كل من وقع الفرق بين عمده وخطئه في العبادات وقع الفرق بينهما في الجنايات كالبالغ العاقل.

الجزء: 12 - الصفحة: 291

فصل: فإذا صح توجيه القولين قلنا بالأول منهما أن عمده كالخطأ, فالدية مخففة تحب على عاقلته في ثلاث سنين, لأن العاقلة لا تتحمل إلا مؤجلًا, وإذا قيل بالثاني إن عنده وإن سقط فيه القود, فالدية مغلظة حاله تجب في ماله دون عاقلته, ويستوي في ذلك الصبي والمجنون وسواء كان الصبي مميزًا أو غير مميز.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو صاح برجل فسقط عن حائط لم أر عليه شيئًا ولو كان صبيًا أو معتوهًا فسقط من صيحته ضمن".
قال في الحاوي: وهو كما قال, إذا وقف إنسان على شفير بئر أو حافة نهر أو قلة جبل فصاح به صائح فخر ساقطًا ووقع ميتًا لم يخل حال الواقع من أمرين: أحدهما: أن يكون رجلًا, قوي النفس, ثابت الجأش, ثابت الجنان فلا شيء على الصائح, لأن صيحته لا تسقط مثل هذا الواقع, فدل ذلك على وقوعه من غير صيحته.
والضرب الثاني: أن يكون صبيًا أو مجنونًا أو مريضًا أو مضعوفًا لا يثبت لمثل هذه الصيحة فالصائح ضامن لديته, لأن صيحته تسقط مثله من المضعوفين, ولا قود عليه لعدم المباشرة, لكنه إذا عمد الصيحة كانت الدية مغلظة, وإن لم يعمد كانت مخففة.
وقال أبو حنيفة: لا يضمن بها الصغير كما لا يضمن بها الكبير القوي, وهذا جمع فاسد, لأن الصيحة تؤثر في الصغير المضعوف, ولا تؤثر في الكبير القوي فافترقا من الضمان؛ لأن الجنايات تختلف باختلاف المجني عليه ألا ترى أن رجلًا لو لطم صبيًا فمات ضمنه, ولو لطم رجلًا فمات لم يضمنه, لأن الصبي يموت باللطمة والرجل لا يموت بها فلو اغتفل إنسانًا وزجره بصيحة هائلة فزال عقله فقد اختلف أصحابنا فيه فحمله أكثرهم على ما قدمناه من التفسير أنه يضمن بها عقل الصبي والمجنون, ولا يضمن بها عقل الرجل الثابت.
وقال ابن أبي هريرة: يضمن بها عقل الفريقين معًا بخلاف الوقوع, لأن في الوقوع فعلًا للواقع فجاز أن ينسب الوقوع إليه وليس في زوال العقل فعل من الزائل العقل لم ينسب زواله إلا الصائح المذعر, ولو قذف رجل امرأة بالزنا فماتت لم يضمنها, ولو ألقت جنينًا ميتًا ضمنه, لأن الجنين يلقى من ذعر القذف والمرأة لا تموت منه, قد أرسل عمر إلى امرأة قذفت عنده رسولًا فأرهبها فأجهضت ما في ذات بطنها فحمل عمر عاقلة نفسه دية جنينها.

الجزء: 12 - الصفحة: 292

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو طلب رجلًا بسيف فألقى بنفسه عن ظهر بيت فمات لم يضمن وإن كان أعمى فوقع في حفرة ضمنت عاقلة الطالب ديته لأنه اضطره إلى ذلك".
قال في الحاوي: وصورتها في رجل شهر سيفًا وطلب به إنسانًا فهرب منه المطلوب حتى ألقى نفسه من سطح أو جبل أو في بحر أو نار حتى هلك فتنقسم حال الهارب المطلوب ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون بالغًا عاقلًا بصيرًا فلا ضمان على طالبه من قود ولا دية لأمرين: أحدهما: أن الطلب سبب والإلقاء مباشرة, وإذا اجتمعا سقط حكم السبب بالمباشرة.
والثاني: أنه وإن ألجأه بالطلب إلى الهرب فلم يلجئه إلى الوقوع؛ لأنه لو أدركه جاز أن يجيء عليه, وجاز أن يكف عنه, فصار ملقى نفسه هو قاتلها دون طالبه؛ لأنه قد عجل إتلاف نفسه بدلًا مما يجوز أن لا يتلف به, فصار كالمجروح إذا ذبح نفسه.
والقسم الثاني: أن يكون المطلوب أعمى فيهرب من الطالب حتى يتردى من سطح أو جبل أو يقع من بئر أو بحر, فإن أعلم بالسطح والجبل والبئر والبحر فألقى نفسه بعد علمه كانت نفسه هدرًا كالبصير وإن لم يعلم بذلك حتى وقع فمات فعلى طالبه الدية دون القود, لأنه وإن لم يكن مباشرًا لإلقائه فقد ألجأه إليه, والملجئ إلى القتل ضامن كالقاتل, ألا ترى أن الشهود إذا شهدوا عند الحاكم على رجل بما يوجب القتل فقتله ثم بان أنهم شهدوا بزور ضمنوه دون الحاكم, لأنهم ألجئوه إلى قتله فتعلق الحكم بالملجئ دون المباشر.
والقسم الثالث: أن يكون المطلوب صبيًا أو مجنونًا, ففي ضمان ديتهما على الطالب وجهان مخرجان من اختلاف قول الشافعي في قصدهما للقتل هل يجري عليه حكم العمد أم لا؟ أحدهما: أنه يضمن ديتهما إذا قيل إنه لا يجري على قصدهما للقتل حكم للعمد.
والثاني: لا يضمن ديتهما إذا قيل: إنه يجري على قصدهما للقتل حكم العمد.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو عرض له في طلبه سبع فأكله لم يضمن لأن الجاني غيره".
قال في الحاوي: وهذا صحيح يحتاج إلى تفصيل: فإذا اعترض الهارب المطلوب

الجزء: 12 - الصفحة: 293

سبع فافترسه فهذا على ضربين: أحدهما: أن يلجئه الطالب إلى موضع السبع فيضمنه بالدية كما لو ألقاه عليه.
والضرب الثاني: أن لا يلجئه إليه وإنما هرب في صحراء وافق سبعًا معترضًا فيها فافترسه فلا ضمان على الطالب, سواء كان المطلوب بصيرًا أو ضريرًا, صغيرًا أو كبيرًا, لأنه غير مباشر ولا ملجئ, فإن قيل: فلو ألقاه في بحر فالتهمه الحوت ضمنه فهلا قلتم إذا اعترضه السبع ضمنه؟ قيل: لأنه بإلقائه في البحر مباشر فجاز أن يضمن ما حد بإلقائه, لأنه صار ملجئًا وفي الهرب منه غير مباشر فلم يضمن ما حد بالهرب إذا لم يقترن به إلجاء, ولو انخسف من تحت الهارب سقف فخر منه ميتًا ففي ضمان الطالب له وجهان: أحدهما: لا يضمنه كالسبع إذا اعترضه؟ والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني يضمنه لأنه ملجئ إلى ما لا يمكن الاحتراز منه.
فصل: ولو رماه من شاهق فاستقبله آخر بسيفه من تحته فقده نصفين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يكون الشاهق مما يجوز أن يسلم الواقع منه فضمانه على القاطع دون الملقى, لأن القاطع موج والملقى جارح.
والضرب الثاني: أن يكون الشاهق مما لا يجوز أن يسلم الواقع منه ففي ضمانه ثلاثة أوجه: أحدهما: على الملقى ضمانة, لأنه قد صار بإلقائه كالموجئ فيضمنه بالقود لمباشرته.
والوجه الثاني: أن ضمانه بالقود أو الدية على القاطع دون الملقى, لأنه قد سبقه إلى مباشرة موجيه.
والوجه الثالث: أنهما يضمنانه جميعًا بالقود أو الدية, لأنهما قد صارا كالشريكين في توجيته, والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويقال لسيد أم الولد إذا جنت أفدها بالأقل من قيمتها أو جنايتها ثم هكذا أو جنايتها ثم هكذا كلما جنت, قال المزني: هذا أولى بقوله من أحد قوليه وهو أن السيد إذا غرم قيمتها ثم جنت شرك المجني عليه الثاني المجني عليه الأول, قال

الجزء: 12 - الصفحة: 294

المزني: فهذا عندي ليس بشيء لأن المجني عليه الأول قد ملك الأرش بالجناية فكيف تجني أمه غيره وتكون بعض الغرم عليه".
قال في الحاوي: إذا جنت أم الولد وجب على سيدها أن يفديها وهو قول الجمهور, إلا أن أبا ثور وداود شذا عن الجماعة, وأوجبا أرش جنايتها في ذمتها تؤديه بعد عتقها, لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: 18] ولأنها إن جرت مجرى الإماء لم يلزم السيد الفداء, وإن جرت مجرى الأحرار فأولى أن لا يلزمه, فلما حرم بيعها صارت كالأحرار في تعلق الجناية بذمتها, وهذا خطأ, لأن من جرى عليه حكم الرق تعلقت جنايته برقبته, وأم الولد قد حرم بيعها بسبب من جهته فصار كمنعه من بيع عبده وأمته يصير بالمنع ضامنًا لجنايته, وكذلك المنع من بيع أم الولد, ولأنه قد صار مستهلكًا لثمنها بالإيلاء كما يصير مستهلكًا لثمن عبده بالقتل: ولو قتل عبده بعد جنايته ضمنها, كذلك إذا جنت أمته بعد إيلادها ضمن جنايتها وفي هذا انفصال.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من ضمان السيد لجنايتها فإن كانت عمدًا اقتص منها لتعلق القصاص ببدنها, وإن كانت خطأ أو عمدًا عفا عن القصاص فيه, فعلى السيد أن يفديها بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايته فإن كان أرش جنايتها أقل ضمن أرش الجناية, لأنه لا يستحق المجني عليه أكثر منها, وإن كان أرش جنايتها أكثر من قيمتها لم يضمن إلا قدر قيمتها, لأنه يمنع الإيلاد كالمستهلك لها فلا يلزمه أكثر من القيمة كما لو قتل عبده بعد جنايته لم يضمن إلا قدر قيمته, فإن قيل: أفليس لو منع من بيع عبده الجاني ضمن جميع الجناية في أحد القولين فهلا كان في أم الولد كذلك؟ قيل: لأنه في المنع من بيع العبد مفوت لرغبة راغب يجوز أن يشتريه بأكثر من قيمته لو مكن من بيعه فجاز أن يضمن جميع جنايته, وليس أم الولد بمثابته لعدم هذه الرغبة التي لا يجوز الإجابة إليها فافترقا.
فصل: فإذا غرم في جنايتها أقل الأمرين ثم جنت بعده على آخر نظر فيما غرمه السيد للأول من أقل الأمرين, فإن كان هو أرش الجناية, لأن قيمتها ألف وأرش جنايتها خمسمائة لزم السيد أن يغرم للثاني أرش جنايته إذا كان بقدر الباقي من قيمتها, وهو أن يكون أرشها خمسمائة فما دون, وإن كان ما غرمه للأول من أقل الأمرين هو جميع قيمتها وهي ألف, فإذا جنت على الثاني ففيها قولان: أحدهما: وهو اختيار المزني: يضمنها كضمان الأول بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها ويعلم للأول ما أخذه من أرش الجناية عليه لأمرين: أحدهما: أنها قد عادت بعد الفداء إلى معناها الأول فوجب أن يضمنها كضمانه

الجزء: 12 - الصفحة: 295

للأول, كما لو غرم قيمة عبده في جنايته للمنع من بيعه ثم جني ثانية فمنع من بيعه غرم قيمته ثانية.
والثاني: أن الأول قد ملك أرش جنايته والجاني على الثاني غيره فلم يلزمه أن يضمن جناية غيره, وليس بجان ولا من عاقلة الجاني فعلى هذا يضمنها السيد في كل جناية تجددت منها ولو كانت مائة جناية بأقل الأمرين من قيمتها أو أرش جنايتها.
والقول الثاني: وهو مذهب أبي حنيفة, أن السيد لا يلزمه ضمان الجناية الثانية ويرجع الثاني على الأول فيشاركه في القيمة, وإنما كان هكذا لأمرين: أحدهما: أنه بالإيلاد مستهلك, والمستهلك لا يلزمه أكثر من قيمة واحدة.
والثاني: أنه لما لم يلزمه إذا تقدمت الجناية على الغرم أكثر من قيمتها كذلك لا يلزمه فيما حدث بعد غرمه أكثر من قيمتها وقد غرمها, وخالف المانع من بيع غيره, لأن أم الولد مستهلكة والممنوع من بيعه غير مستهلك ولا يمتنع أن يرجع الثاني على الأول, وإن لم يكنن جانبًا ولا عاقلة كما لو مات رجل في بئر تعدى حفرها ضمن في تركته فأتلف فيها بعد موته وإن لم يكن الورثة جناة ولا عاقلة, فلو كانت قيمة ما تلف فيها ألف وجميع التركة ألف فاستوعبها المجني عليه ثم تلف فيها ما قيمته ألف ثانية رجع الثاني على الأول فشاركه في الألف التي أخذها, وإن لم يكن جانبًا ولا عاقلة, كذلك في جناية أم الولد, فعلى هذا لو غرم قيمتها للأول وهي ألف ثم جنت ثانية بعد الأول لم يخل حال الجنايتين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يتساويا في أرشها, فيكون أرش الأولى ألفًا وأرش الثانية ألفًا, فيرجع الثاني على الأول بنصف الألف ويتساويان فيها لتساوي جنايتهما.
والقسم الثاني: أن تكون أرش الجناية الثانية أقل من أرش الجناية الأولى, لأن أرش الأولى ألفان وأرش الثانية ألف, فيرجع الثاني على الأول بثلث الألف, لأن أرشه ثلث الأرشين.
والقسم الثالث: أن يكون أرش الجناية الثانية أكثر من الجناية, لأن أرش الأولى ألف وارش الثانية ألفان, فيرجع على الأول بثلثي الألف, لأن أرشه ثلثا الأرشين لتكون القيمة في الأحوال الثلاث مقسطة على قدر الأروش, وهكذا لو وجبت على ثالث بعد اشتراك الأولين في القيمة رجع الثالث على كل واحد من الاثنين بقسط جنايته مما أخذه كل واحد من الأولين, ثم كذلك على رابع وخامس, وبالله التوفيق.

الجزء: 12 - الصفحة: 296

التقاء الفارسين والسفينتين مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا اصطدم الراكبان على أي دابة كانتا فماتا معًا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبة لأنه مات من صدمته وصدمة صاحبه كما لو جرح نفسه وجرحه صاحبه فمات وإن ماتت الدابتان ففي مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه".
قال في الحاوي: إذا اصطدم الفارسان فماتا وماتت دابتاهما وجب على كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصف قيمة دابته, ويكون النصف الثاني هدرًا, وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: يجب على كل واحد جميع دية صاحبه وجميع قيمة دابته ولا يكون شيء منها هدرًا, وهو قول أبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق استدلالًا بأمرين: أحدهما: أن موت كل واحد منهما منسوب إلى فعل صاحبه فوجب أن يضمن جميع ديته, كما لو جلس إنسان في طريق ضيقة فعثر به سائر فوقع عليه فماتا جميعًا كان على عاقلة السائر جميع دية الجالس, وعلى عاقلة الجالس جميع دية السائر, ولا يكون شيء من ديتهما هدرًا, كذلك اصطدم الفارسين.
الثاني: أن حدوث التلف إذا كان بفعله ويفعل صاحبه سقط اعتبار فعله في تعيينه وكان جميعه مضافًا إلى فعل صاحبه وهو المأخوذ بجميع ديته, كما لو تعدى رجل بحفر بئر فسقط فيها سائر فمات ضمن الحافر جميع دية السائر وإن كان الوقوع فيها بحفر الحافر ومشي السائر, كذلك في اصطدام الفارسين, ودليلنا ما روي عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: "إذا اصطدم الفارسان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه", ولم يظهر له مخالف, فإن كان هذا منتشرُا فهو إجماع, وإن لم ينتشر فهو حجة عند أبي حنيفة وعلى قول الشافعي في القديم, ولأن موت كل واحد منهما كان بفعل اشتركا فيه, لأنه مات بصدمته وصدمة صاحبه فوجب أن يضمن ما اختص بفعله ولا يضمن ما اختص بفعل صاحبه, وعلى هذا شواهد الأصول كلها ألا ترى لو أن رجلًا جرح رجلًا ثم جرح المجروح نفسه ومات كان نصف ديته هدرًا, لأنها في مقابلة جراحته لنفسه ونصفها على جارحه؛ لأن التلف كان يجرح اشتراكًا فيه, وهكذا لو جذبا حجر منجنيق فعاد الحجر عليهما فقتلهما كان على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ونصفها الباقي هدرًا لاشتراكهما في الفعل الذي كان به تلفهما, وهكذا لو اصطدم رجلان معهما إناءان له فانكسر الإناءان بصدمتهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة إناء صاحبه,

الجزء: 12 - الصفحة: 297

وكان نصفه الباقي هدرًا, وإذا كانت الأصول تشهد بصحة ما ذكرناه دل على صحته, وبطلان ما عداه.
فأما استدلالهم بالسائر إذا عثر بالجالس فماتا فإنما ضمن كل واحد منهما جميع دية صاحبه, لأنهما لم يشتركا في فعل التلف, لأن السائر تلف بعثرته بالجالس فضمن الجالس جميع ديته, والجالس تلف بوقوع السائر عليه, فضمن السائر جميع ديته وليس كذلك اصطدام الفارسين لاشتراكهما في فعل التلف.
وأما استدلالهم بالوقوع في البئر فالجواب عنه أن الحافر لها ملجئ للوقع فيها مسقط اعتبار فعل الملجأ وصار الجميع مضافًا إلى فعل الملجئ ففارق من هذا الوجه ما ذكرنا, كشاهدي الزور بالقتل يؤخذان به دون الحاكم لإلجائهما له إلى القتل.
فصل: فإذا ثبت ما وصفنا فلا فرق بين الراكبين أن يستويا في القوة أو يختلفا فيكون أحدهما كبيرًا والآخر صغير, أو يكون أحدهما صحيحًا والآخر مريضًا, ولا فرق في المركوبين بين أن يتماثلا أو يختلفا فيكون أحدهما على فرس والآخر على حمار, أو يكون أحدهما على فيل والآخر على كبش ولا فرق بين أن يكونا راكبين أو راجلين أو أحدهما راكبًا والآخر ماشيًا راجلًا, ولا فرق بين أن يصطدما مستقبلين أو مستدبرين أو أحدهما مستقبلًا والآخر مستدبرًا, ولا فرق بين أن يكونا بصيرين أو أعميين, أو يكون أحدهما بصيرًا, والآخر أعمى, وإن اختلفا في صفة الضمان دون أصله, لأن الأعمى خاطئ وقد يكون البصير عامدًا, ولا فرق بين أن يقعا مستلقيين على ظهورهما أو مكبوبين على وجهه فدية المستلقي كلها على المكبوب, ودية المكبوب هدر, لأن المكبوب دافع والمستلقي مدفوع, وهذا اعتبار فاسد, لأن الاستلقاء قد يحتمل أن يكون لتقدم الوقوع والانكباب لتأخر الوقوع, ويحتمل أن يكون الاستلقاء في الوقوع لشدة صدمته كما يرفع الحجر من الحائط لشدة رميته فلم يسلم ما اعتل به.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من صفة الاصطدام وحكمه, في ضمان النصف وسقوط النصف هدرًا فضمان الدابتين يستوي فيه العمد والخطأ, لأنه ضمن مال ويفترق في النفوس ضمان العمد والخطأ, وإذا كان كذلك صح في الاصطدام الخطأ المحض, وتكون الدية فيه على العاقلة مخففة, وصح فيه عمد الخطأ وتكون الدية فيه على العاقلة مغلطة, واختلف أصحابنا هل يصح فيه العمد المحض الموجب للقود؟ على وجهين:

الجزء: 12 - الصفحة: 298

أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: يصح فيه العمد المحض الموجب للقود, لأن الاصطدام قاتل, وتكون الدية فيه حالة في مال الصادم دون عاقلته.
والوجه الثاني: وهو قول أبي حامد الإسفراييني أنه لا يصح فيه العمد المحض, لأنه قد يجوز أن يقتل ويجوز أن لا يقتل, وتكون الدية فيه مغلظة على عاقلة الصادم.
صفة الخطأ المحض أن يكونا أعميين أو بصيرين مستديرين: وصفة عمد الخطأ أن يكونا بصيرين مستقبلين.
وصفة العمد المحض أن يكونا مستقبلين يقصدان القتل, فإن كان أحدهما مستقبلًا والآخر مستديرًا كان المستدير خاطئًا والمستقبل عامدًا, فإن قصد القتل فهو عمد محض, وإن لم يقصده فهو عمد الخطأ, وحكمة ما قد مضى.
فصل: وإذا كان كذلك لم يخل حال الراكبين من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكونا حرين.
والثاني: أن يكونا مملوكين.
والثالث: أن يكون أحدهما حرًا والآخر مملوكًا.
فإن كانا بالغين عاقلين فلهما خمسة أحوال: أحدها: أن يموت الراكبين والدابتان, فيكون في مال كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه, ولا تحملها العاقلة لاختصاص العاقلة بحمل ديات الآدميين دون البهائم فيتقاص المصطدمان بما لزم كل واحد منهما لصاحبه من قيمة نصف دابته, ويتراجعان فضلًا إن كان فيه, ويجب على عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه مخففة إن كان خطأ محضً, ومغلظة إن كان عمدًا شبه الخطأ, ولا قصاص من العاقلتين فيما تحملاه من ديتهما إلا أن يكون عاقلتهما ورثتهما فيتقاصان ذلك؛ لأنه حق لهما وعليهما.
والحال الثانية: أن يموت الراكبان دون الدابتين, فيلزم عاقلة كل واحد منهما نصف دية صاحبه ولا يتقاضانها إلا أن تكون العاقلتان وارثي المصطدمتين.
والحال الثالثة: أن تموت الدابتان دون المصطدمين, فيلزم كل واحد منهما نصف قيمة دابة صاحبه في ماله ويتقاضانها.
والحال الرابعة: أن يموت أحدهما ودابته دون الآخر ودون دابته, فيضمن الحي نصف قيمة الدابة الميتة, وتضمن عاقلته نصف دية الميت.
والحال الخامسة: أن يموت أحدهما دون دابته وتموت دابة الآخر دونه فيكون نصف دية الميت على عاقلة الحي, ونصف قيمة دابة الحي في مال الميت, ولا يتقاضان قيمة الدابة من الدية, وإن كانت العاقلة وارثة, لأن الحي لا يورث, ويجيء فيها حال

الجزء: 12 - الصفحة: 299

سادسة وسابعة قد بان حكمها بما ذكرناه, فإن كانا صغيرين, وقد ماتا ودابتاهما فلهما ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يركبا بأنفسهما.
والثاني: أن يركبهما وليهما.
والثالث: أن يركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما.
فإن ركبا بأنفسهما فحكمهما في الضمان كحكم البالغ, يضمن عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر, ويضمن في ماله نصف قيمة دابته, وإن أركبهما وليهما فالضمان في أموال الصغيرين وعلى عواقلهما دون الوليين, لأن للولي أن يقوم في تأديب الصغيرين بالارتياض للركوب ولا يكون به متعديًا فإنه أركبهما أجنبي لا ولاية له عليهما ضمن مركب كل واحد منهما نصف دية من أركبه ونصف دية الآخر ونصف قيمة دابته ونصف قيمة دابة الآخر, ولا يسقط شيء من دية أحدهما ولا من قيمة دابته, لأنه قد تعدى بإركابه فضمن جنايته وضمن الجناية عليه.
وإن كان أحدهما صغيرًا والآخر كبيرًا كان ما اختص بالصغير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كانا صغيرين, وما اختص بالكبير مضمونًا على ما ذكرناه إذا كان كبيرين, وهكذا لو كان المصطدمان امرأتين حاملتين فألقت كل واحدة منهما جنينًا ميتًا لم ينهدر شي من دية الجنين, وكان على عاقلة كل واحدة منهما نصف دية جنينها, ونص دية جنين صاحبتها, لأن جنينها تلف بصدمتها وصدمة الأخرى, وجنينها مضمون عليها بالجناية لو انفردت باستهلاكه, فكذلك تضمنه إذا شاركت فيه غيرها, ولا قصاص ها هنا في الديتين بحال وإن كانا ورثة الجنين, لأن من وجبت له غير من وجبت عليه.
فصل: وإن كان المصطدمان عبدين فماتا صار دمهما هدرًا, وسقطت قيمة كل واحد منهما, لأن كل واحد منهما سقطت نصف قيمته بصدمته ووجب نصفها في رقبة الآخر لصدمته, وسواء ماتا معًا, أو مات أحدهما بعد الآخر إذا لم يمكن بيع المتأخر منهما قبل موته, وإن كان أحد المصطدمين حرًا, والآخر عبدًا لم ينهدر من دم كل واحد منهما إلا النصف المختص بفعله, لأن العبد إذا مات وجب على الحر نصف قيمته, فانتقل العبد بعد موته إلى نصف قيمته فلم يبطل محل جنايته فوجب فيه نصف دية الحر, وأن تكون نصف قيمة العبد على قولين: أحدهما: في مال الجاني: والثاني: على عاقلته.
فإن قيل: إن نصف قيمة العبد في مال الجاني لا تتحمله عاقلته فقد وجب في مال

الجزء: 12 - الصفحة: 300

الحر نصف قيمة العبد، ووجب نصف دية الحر في المستحق من نصف قيمة العبد فصار من وجب عليه نصف القيمة هو الذي وجبه له نصف الدية فيكون ذلك قصاصا، ولا يخلو ذلك من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يتساوى نصف قيمة العبد ونصف دية الحر فيقع الوفاء بالقصاص.
والثاني: أن يكون نصف قيمة العبد أكثر من نصف دية الحر، فيرجع سيد العبد في تركة الحر بالفاضل من نصف قيمة عبده.
والثالث: أن يكون نصف دية الحر أكثر من نصف قيمة العبد، فيكون الفاضل من نصف الدية هدرا لبطلان محله.
وإن قيل: إن نصف قيمة العبد على عاقلة الحر فإن كان عاقلة الحر هم ورثته فقد وجب عليهم نصف قيمة العبد ووجب لهم نصف دية الحر، فيكون ذلك قصاصا، فإن فضل للسيد من نصف قيمة العبد فضل أخذه من العاقلة، وإن فضل من نصف الدية فضل كان هدرا، وإن لم يكن العاقلة ورثة الحر وكان ورثة غيرهم وجب على العاقلة لسيد العبد نصف قيمته، ووجب لورثة الحر في المستوفي من قيمة العبد نصف ديته، ولا يكون قصاصا، لأن من وجب له غير من وجب عليه، فإن استوي نصف قيمة العبد ونصف دية الحر ففي كيفية القبض والأداء وجهان محتملان: أحدهما: يستوفي سيد العبد عن عاقلة الحر نصف القيمة ويؤديه إلى ورثة الحر في نصف الدية ليقبضها بحق ملكه ويدفعها بحق التزامه.
والوجه الثاني: أن ينتقل الحق إلى ورثة الحر، وليس لسيد العبد أن يقبضه، لأنه مستحق، وربما تلف بين قبضه وإقباضه فتلف على مستحقه، فصار ما استحقه السيد من نصف القيمة متنقلا إلى ورثة الحر بما استحقوه من نصف الدية وإن كان نصف قيمة العبد أكثر من نصف الدية أخذ سيده الفاضل من نصف قيمته بعد أن يستوفي ورثة الحر نصف ديته، وإن كان نصف الدية أكثر من نصف قيمة العبد كان الفاضل ونصف الدية هدرا، وبالله التوفيق.
فصل: إذا جذب رجلان ثوبا بينهما فتخرق، فإن كان الثوب لهما فعلى كل واحد منهما لصاحبه ربع أرش خرقه، لأنه يملك نصف الثوب، وخرقه بفعله وفعل شريكه مسقطا ما قابل فعل شريكه فيتقاضان ذلك، لأن كل واحد منهما يجب عليه مثا ما يجب له، وإن كان الثوب لأحدهما كان نصف أرشه هدرا، لأنه مقابل لفعل مالكه، ونصف الأرش على الذي لا ملك له فيه، وإن كان الثوب لغيرهما كان على كل واحد منهما نصف أرشه لمالكه.

الجزء: 12 - الصفحة: 301

فصل: وإذا اصطدم رجلان بإناءين فيهما طعام فانكسر الإناءان واختلط الطعامان ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف قيمة إناثه، وكان نصفه الباقي هدرا، وأما الطعامان فضربان: أحدهما: أن يكون تمييز أحدهما عن الآخر بعد اختلاط كالسويق والسكر الصحيح، فيميز كل واحد منهما طعامه من طعام صاحبه، فإن احتاج تمييزهما إلى أجرة صانع كانت بينهما، فإن كان لتمييزهما بعد اختلاطهما نقصان في قيمتهما رجع كل واحد منهما على صاحبه بنصف أرش بنقصان طعامه.
والضرب الثاني: أن لا يمكن تمييزهما بعد اختلاطهما كالسويق والعسل، فيقوم كل واحد من الطعامين على انفراده، ثم يقومان بعد الاختلاط فإن لم يكن فيهما نقصان فلا غرم وصارا شريكين فيه بتقدير الثمنين، كأن قيمة السويق خمسة دراهم وقيمة العسل عشرة دراهم فيكون صاحب الويق شركيا فيه بالثلث، وصاحب العسل شريكا فيه بالثلثين فإن باعاه اقتسما ثمنه على قدر شركتهما، وإن أراد قيمة بينهما جبرا لم يجز، لأن كل واحد منهما معاوض عن سويق بعسل، وذلك بيع لا يدخله الإجبار وإن أراد قسمة عن تراض ففي جوازه قولان: أحدهما: يجوز إذا قيل: إن القسمة بيع بدخول التفاضل فيه، وإن نقض باختلاطهما ضمن كل واحد منهما لصاحبه نصف أرش الناقض من طعامه وتضاقا، ثم كانا في الشركة على ما ذكرناه، وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وكذلك لو رموا بالمنجنيق معا فرجع الحجر عليهم فقتل أحدهم فترفع حصته من جنايته ويغرم عاقلة الباقين باقي ديته)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا جذب جماعة حجر منجنيق فأصابوا به رجلا فقتلوه فهو على ضربين: أحدهما: أن يقتلوا به رجلا من غيرهم، فضمان نفسه على جميعهم وبهم في إصابته ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يقصدوا بحجز المنجنيق هدم جدار فيعترضه فيصيبه فهذا خطأ محض، تجب الدية على عواقلهم مخففة بينهم بالسوية، فإذا كانوا عشرة تحمل عاقلة كل واحد منهم عشر ديته.
والحال الثانية: أن يقصدوا قتله بعينه فينفقوا على اعتماده، فهؤلاء عمد على جميعهم القود.

الجزء: 12 - الصفحة: 302

فإن قال بعضهم: عمدت، وقال بعضهم: لم أعمد اقتص من العامد، ولزم من أنكر العمد دية الخطأ في ماله بعد إحلافه، ولا تتحملها العاقلة عنه لأنه اعتراف إلا أن يصدقوه فيتحملوا عنه.
والحال الثالثة: أن يقصدوا بحجز المنجنيق رمى جماعة ليقتلوا به أحدهم لا بعينه فهذه هي القتلة العمياء تكون عمد الخطأ، لأنهم عمدوا الفعل فأخطؤوا في تعيين النفس فلا قود فيه، وتجب الدية على عواقلهم مغلظة.
روى عمرو بن دينار عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قتل في عمياء رميا بحجر أو ضربا بعصا فعليه عقل الخطأ، ومن قتل اعتباطا فهو قود لا يحال بينه وبين قاتله فمن حال بينهما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل)).
فالعمياء أن يرمي جماعة فيصيب أحدهم لا يعينه والاعتباط: أن يرمي أحدهم بعينه، فإذا ثبت أن ديته على عواقل الجماعة فإنما يجب على عاقلة من جذب في الرمي دون من وضع الحجر في ككفة المنجنيق، ودون من يصيب المنجنيق، لأن وقوع الحجر كان من الحذب، فاقتضى أن تجب الدية على من تولاه، ووضع الحجر يجري مجرى وضع السهم من وتر القوس، فإذا تولى الرمي غيره كان الضمان على الرامي دون واضع السهم، وناصب المنجنيق يجري مجرى صانع القوس، وأجراه بعض أصحابنا مجرى الممسك مع الذابح وبأنه أجرى فلا ضمان عليه.
فصل: والضرب الثاني: أن يعود حجر المنجنيق على جاذبية فيقتل أحدهم وهي مسألة الكتاب، فيكون قتله بجذبه وجذب الجماعة، فإذا كانوا عشرة سقط من ديته عشرها، لأنه في مقابة جذبه، ووجب تسعة أعشارها على عواقل التسعة الباقين، تتحمل عاقلة كل واحد منهم عشرها ولو عاد جدر المنجنيق على اثنين من عشرة فقتلهما سقط من دية واحد منهم عشرها المقابل لجذبه، ووجب لكل واحد منهما على عاقلة الآخر عشر ديته، لأنه أحد قتلته، وواجب لكل واحد منهما على عاقلة كل واحد من الثمانية الباقين عشر ديته، فيتحمل كل واحد من الثمانية عشري في ديتين، لأنه قاتل الاثنين، ويتحمل كل واحد من القاتلين عشر دية واحدة، لأنه قاتل لواحد وعلى هذا القياس لو قتل ثلاثة فأكثر، فإن عاد الحجر على جميع العشرة فقتلهم سقط العشر من دية كل واحد منهم لمقابلتها بجذبه، فوجب على عاقلة كل واحد منهم تسعة أعشار تسع ديات، لوارث كل قتيل منهما تسع.
وهكذا لو جذب جماعة حائطا أو نخلة فتلف أحدهم أو جميعهم كان كوقوع حجر المنجنيق على أحدهم أو على جميعهم في أن يسقط من دية كل واحد منهم ما قابل فعله،

الجزء: 12 - الصفحة: 303

ويجب على الباقين باقي ديته.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا كان أحدهما واقفا فصدمه الآخر فماتا فالصدام هدر ودية صاحبه على عاقلة الصادم)) قال في الحاوي: لأن الصادم تفرد بالجناية على نفسه وعلى الواقف المصدوم وسواء كان الوقوف في ملك الواقف أو في غير ملكه أو في طريق سابل، لأن من وقف في غير ملكه لا يستوجب القتل، فأما إذا كان أحدهما جالسا أو نائما في طريق سابل فعثر به الآخر فماتا معاً فدية الجالس على عاقلة العاثر، وأما دية العاثر فقد قال في القديم: إنها على عاقلة الجالس أو النائم.
وقال في الجديد: دية العاثر هدر، فاختلف أصحابنا فخرجه بعضهم على قولين: أحدهما: وهو في القديم أن دية العاثر على عاقلة الجالس كلها، ودية الجالس على عاقلة العاثر كلها، لأن كل واحد منهما مات بفعل انفرد به الآخر، ولم يقع فيه اشتراك، فالجالس مات لسقوط العاثر، والعاثر مات بجلوس الجالس، ويكون الفرق بين الجالس والقائم أن القيام في الطرقات لا يستغنى عنه، ولا يجد الناس بدا منه، وخالف الجلوس والنوم فيها، لأن مواضع النوم والجلوس في غير المسالك المطروقة.
والقول الثاني: وهو الجديد: أن حكم الواقف والجالس واحد، وأن دية العاثر هدر ودية الجالس على عاقلة العاثر، لأن عرف الناس جار بجلوسهم في الطرقات كما تقعون فيه.
وقال آخرون من أصحابنا: ليس اختلاف نصه في القديم والجديد على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فالقديم الذي أوجب فيه دية العاثر على الجالس إذا جلس في طريق ضيقة يؤذي بجلوسه المارة، ولو كان بدل جلوسه فيه قائماً وقيامه مضر بالمارة كان في حكم الجالس، فيضمن دية العاثر، والجديد الذي أسقط فيه دية العاثر إذا كان الجالس قد جلس في طريق واسعة لا يضر جلوسه؛ لأن الناس لا يجدون من الجلوس في الطرقات الواسعة بداً، وكذلك لو كان نائماً لأن محل النوم والجلوس يتقاربان، وإذا انهدرت دية العاثر بالنائم والجالس كان أولى أن ينهدر بالواقف.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا اصطدمت السفينتان وتكسرتا أو إحداهما فمات من فيهما فلا يجوز فيها إلا واحد من قولين أحدهما أن يضمن القائم بهما في تلك الحال نصف كل ما أصابت سفينته لغيره أو لا يضمن بحال إلا أن يقدر على

الجزء: 12 - الصفحة: 304

تصريفها بنفسه وبمن يطيعه فأما إذا غلبته بريح أو موج وإذا ضمن غير النفوس في ماله ضمنت النفوس عاقلته إلا أن يكون عبدا فيكون ذلك في عنقه.
قال المزني -رحمه الله- وقد قال في كتابه الإجارات لا ضمان إلا أن يمكن صرفها)).
قال في الحاوي: وصورتها في سفينتين سائرتين اصطدمتا فتكسرتا وغرقتا، وهلك من فيها من الناس، وتلف ما فيها من الأموال، فلهما حالتان: إحداهما: أن يكون منهما تفريط.
والثاني: أن لا يكون منهما تفريط.
فإن كان ملاح كل واحدة من السفينتين المدبر لسيرها مفرطاً وتفريطاً قد يكون من وجوه منها: أن يقصر في آلتها، أو يقلل من أجزائها، أو يزيد في حملها، أو يسيرها في شدة ريح لا يسار في مثلها، أو يغفل عنها في وقت ضبطها فهذا كله وما شاكله تفريط يجب به الضمان، وإذا وجب الضمان بالتفريط تعلق بفصلين: أحدهما: بالنفوس.
والثاني: بالأموال.
فأما النفوس فإن عمد الملاحان للصدم والتغريق لنزاع أو شحناء فهما قاتلان عمداً لمن في السفينتين من النفوس، فيجب على كل واحد منهما القود لمن في سفينته وسفينة صاحبه، فيقتل أحدهم بالقرعة، ويؤخذ في ماله نصف ديات الباقين، ويؤخذ النصف الآخر من مال الملاح الآخر.
وإن لم يعمد الاصطدام فلا قود على عاقلة كل واحد منهما نصف ديات ركاب سفينته وركاب السفينة الأخرى، فتكون دية كل واحد من ركاب السفينتين على عاقلة كل واحد من الملاحين، لأن الجناية منهما، إلا أن يكون الملاحان عبدين فيكون الديات من رقبتهما، فإن هلك الملاحان مع الركاب وكانا عبدينن كانت نفوس الركاب هدراُ، لتلف محل جنايتهما، وإن كانا حرينن تحملت عاقلة كل واحد منهما نصف دية كل واحد من الركاب فتكون عاقلة هذا نصف الدية، وعلى عاقلة الآخر نصفها الآخر، ويتحمل عاقلة كل واحد منهما نصف دية الآخر، ويكون نصفها الباقي هدراُ لأنه في مقابة جناية نفسه.
وأما الأموال فلا يخلو إما أن تكون لهما أو لغيرهما.
فإن كانت لغيرهما ضمن كل واحد من الملاحين في ماله نصف قيمة المتاع الذي في سفينته، ونصف قيمة المتاع الذي في سفينة الآخر، وضمن الملاح الآخر لنصف الآخر.
وإن كان المتاع لهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة متاع صاحبه لجنايته على مال غيره، وكان النص الباقي هدراً، لأنه من جنايته على مال نفسه.
وأما السفينتين فإن كانتا لغيرهما ضمن كل واحد منهما نصف قيمة سفينته وسفينة صاحبه، وإن كانتا لهما ضمن كل واحد منهما نصف سفينة صاحبه وكان نصف سفينته هدرا كما قلنا في الأموال.

الجزء: 12 - الصفحة: 305

فصل: وإن كان الملاحان غير مفرطين لقيام كل واحد منهما بما يحتاج إليه من آلة وأعوان وحمل سفينة ما تقله وتسيرها في وقت العادة فهاجت ريح عاصفة لم يقدروا معها على ضبط السفينتين حتى غرقنا وما فيهما من النفوس والأموال، ففي وجوب الضمان قولان نص عليهما فيما نقله المزني في هذا الموضع.
أحدهما: عليه الضمان ونص عليه في "الإملاء".
والقول الثاني: لا ضمان، ونص عليه في الإجارات، فإذا قيل: بوجوب الضمان فدليله أنه لما كان اصطدام الفارسين موجبا للضمان وإن عجزا من ضبط الفرسين وجب أن يضمنه الملاحان وإن عجزا ضبط السفينتين، فعلى هذا يكون ضمان النفوس والأموال على ما مضى من التفريط إلا في القود بأنه لا يجب بخروجه عن حكم الغير، ويكون ديات النفوس مخففة على العاقلة؛ لأنه خطأ محض.
وإذا قيل: بسقوط الضمان فدليله أن ما خرج عن التعدي والتفريط في الأمانات لم يضمن بالحوادث الطارقة كالودائع، ولأن التلف لو كان بصاعقة لم يضمن كذلك بالريح العارضة، وخالف اصطدام الفارسين لأن عنان الدابة بيد راكبها تتصرف على اختياره، فإذا قهرته فلتفريطه في آلة ضبطها والريح العارضة لا يقدر على دفعها ولا يجد سبيلا إلى ضبطها فافترقا، فعلى هذا تكون النفوس هدرا.
فأما السفن فإذا كانت ملكا أو مستأجرة لم يضمن، وإن كانت مستعارة ضمن كل واحد منهما من الملاحين جميع قيمة سفينته التي استعارها، لأن العارية مضمونة في الأصل بعدوان وغير عدوان.
وأما الأموال فإن كان معها أربابها لم يضمنها الملاحان، وإن لم يكن معها أربابها لم يضمن إن كان منفردا كالأجير المنفرد، وفي ضمانه إن كان مشتركا قولان كالأجير المشترك.
أحدهما: يضمن إذا قيل إن الأجير المشترك ضامن.
والثاني: لا يضمن إذا قيل إن الأجير المشترك ليس بضامن، فإن كان أحد الملاحين منفردا والآخر مشتركا، فلا ضمان على المنفرد، وفي ضمان المشترك قولان، ولو فرط أحد الملاحين ولم يفرط الآخر كان المفرد ضامنا وفي ضمان من لم يفرط قولان، فإن غرقت إحدى السفينتين ولم تغرق الأخرى كان الحكم في ضمان التي غرقت كالحكم في ضمانها لو غرقا معا، وإذا كان في السفينة مالكها وملاحها فإن كان مالكلها هو المراعي لها والمدبر لسيرها كان الضمان إن وجب على المالك دون الملاح، وإن كان الملاح هو المدبر لسيرها دون المالك فالضمان واجب على الملاح دون المالك.
فلو اختلف في التفريط الملاح والركاب فادعاء الركاب وأنكره الملاح فالقول فيه قول الملاح مع يمينه، لأنه على أصل الأمانة إلا أن يجب عليه الضمان مع عدم التفريط فلا

الجزء: 12 - الصفحة: 306

يكون لهذا الاختلاف تأثير إلا فيما وقع الفرق في صفة ضمانه بين التفريط وغيره.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا صدمت سفينته من غير أن يعهد بها الصدم لم يضمن شيئا مما في سفينته بحال لأن الذين دخلوا غير متعدى عليهم ولا على أموالهم)).
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنها مصورة في اصطدام السفينتين السائرتين إذا لم يكن منهما تفريط فلا ضمان على واحد منهما في أصح القولين، ويكون هذا بقية المسألة الماضية، وهذا تأويل أبي علي بن أبي هريرة وطائفة.
والوجه الثاني: أنها مصورة في سفينة مرساة إلى شاطئ نهر أو ساحل بحر قد أحكمت ربطها وألقيت أناجرها فعصفت ريح قطعت ربطها وقلعت أناجرها حتى هلكت ومن فيها فلا ضمان ها هنا على ملاحها قولا واحدا؛ لأنه لا فعل له فيها عند غرقها، وخالف حال السائرة التي هي مديرة بفعله، وربما خفي فيه وجه تقصيره حكاه أبو القاسم الصميري.
والوجه الثالث: أنها مصورة في سفينة مرساة إلى الشط محكمة الربط.
وأخرى سائرة عصفت بها الريح فألقتها على الواقفة حتى غرقتها فلا ضمان على صاحب الواقفة، وفي وجوب الضمان على صاحب السائرة إن لم يفرط قولان حكاهما أبو حامد الإسفرابيني.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((وإذا عرض لهم ما يخافون به التلف عليهما وعلى من فيها فألقى أحدهم بعض ما فيها رجاء أن تخف فتسلم فإن كان ماله فلا شيء على غيره وكذلك لو قالوا له ألق متاعك فإن كان لغيره ضمن)).
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا خاف ركبان السفينة من غرقها لثقل ما فيها وعصوف الريح بها فألقى رجل بعض متاعها لتخف فتسلم فهذا على ضربين: أحدهما: أن يلقي متاع نفسه.
والثاني: أن يلقي متاع غيره.
فإن ألقى متاع غيره كان متعديا بإلقائه سواء كان الملقي صاحب السفينة أو غيره، وعليه ضمانه، سواء نجت السفينة أو هلكت، منعه المالك من إلقائه أو لم يمنعه، لأن

الجزء: 12 - الصفحة: 307

إمساكه عن منعه لا يبرئه من ضمانه، كما لو قتل له قتيلا أو قطع منه عضوا، ولا يجب على ركبان السفينة من ضمانه شيء، وإن كان سببا لسلامتهم، فلو كانوا قد أمروه بإلقائه لم يضمنوا، لأن الملقي لا يستبيح الإلقاء بأمرهم، فصار وجود أمرهم وعدمه سواء.
فإن قيل: فهلا سقط ضمان هذا المال لما في استهلاكه من خلاص النفوس كالفحل إذا صال فقتل لم يضمن.
قيل: لأن خوف الفحل لمعنى فيه سقط ضمانه، وخوف الغرق لمعنى في غير المالك فلزم ضمانه، كما لو اضطر إلى أكل طعام غيره ضمنه، فإن ألقى متاع نفسه فعلى ضربين: أحدهما: بأمرهم.
والثاني: بغير أمرهم كان محتسبا في إلقائه لما يرجى من نجاته ونجاتهم وليس له الرجوع بقيمته على أحد منهم، وإن كان ألقاه سبباً لنجاتهم لأنه تطوع بإلقائه، وإن ألقاه بأمرهم فعلى ضربين: أحدهما: أن يضمنوا له قيمته.
والثاني: أن لا يضمنوها.
فإن لم يضمنوها بل قالوا: ألق متاعك فألقاه فلا غرم لهم عليهم وإن أمروه به، وحكي عن مالك أن عليهم ضمانه وغرمه لأن الآمر كالفاعل، ولما في ذلك من عموم الصالح وهذا فاسد لأمرين: أحدهما: أنهم لو أمروه باستهلاكه في غير البحر لم يضمنوه فكذلك في البحر.
والثاني: أنهم لو أمروه بعتق عبده أو بطلاق زوجته لم يضمنوا كذلك بإلقاء ماله وإن ضمنوه له فقالوا له: ألق متاعك وعلينا ضمانه فألقاه لزمهم ضمانه، وهو قول الجمهور، وقال أبو ثور: لا يلزمنهم ضمانه، لأن ضمان ما لم يجب، كما لو قال له: قد ضمنت لك ما تداين به فلانا لم يلزمه ضمان ما داينه به، لتقدم ضمانه على الوجوب، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن أحكام الضرورات وعموم المصالح أوسع من أحكام العقود الخاصة في الاختيار.
والثاني: أنه لو قال له: أعتق عبدك عني وعلى ضمانه لزمه الضمان لعتقه كذلك في مسألتنا فأما ضمان ما لم يجب فقد اختلف أصحابنا فيه هاهنا على وجهين: أحدهما: أنه ليس بضمان، وإنما هو استدعاء للاستهلاك بشرط الغرم، لأن الضمان ما كان الضامن فيه فرعا للمضمون عنه وهنا غير موجود هاهنا.
والوجه الثاني: أنه ضمان المتاع بعد إلقائه لا يصح فصح ضمانه قبل إلقائه وضمان المداينة بعد استحقاقها يصح فلا يصح ضمانها قبل الاستحقاق، ويشهد له من الأصول

الجزء: 12 - الصفحة: 308

أن بيع الثمر لما صح بعد خلقها لم يجز بيعها قبل خلقها، ومنافع الدار المستأجرة لما لم تصح المعاوضة عليها بعد حدوثها صح قبل حدوثها، كذلك ما ذكرناه من الضمان.
فأما إذا قال له وقد أمنوا الغرق: ألق متاعك في البحر وعلى ضمانه فألقاه ففي لزوم هذا الضمان وجهان: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني: لا يلزمه لعدم الضرورة وارتفاع الأغراض الصحيحة.
والوجه الثاني: يلزمه ضمان بشرط الضمان عند الاستهلاك والأول أشبه والثاني أقيس.
فأما أخذ الرهن من هذا الضمان فلا يصح لأمرين: أحدهما: لعقده قبل وجوب الحق.
والثاني: للجهل بمقدار القيمة وأجازه بعض أصحابنا كالضمان وليس بصحيح، لأن حكم الضمان أوسع من حكم الرهان، لأن ضمان الدرك يجوز أخذ الرهان عليه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو قال لصاحبه ألقه على أن أضمنه أنا وركبان السفينة ضمنه دونهم إلا أن يتطوعوا.
قال المزني: هذا عندي غلط غير مشكل وقياس معناه أن يكون عليه بحصته فلا يلزمه ما لم يضمن ولا يضمن أصحابه ما أراد أن يضمنهم إياه)).
قال في الحاوي: وصورتها أن يلقي متاعه في البحر بشرط الضمان، فلا يخلو أن يضمنه جميعهم أو أحدهم، فإن ضمنوه جميعا فعلى ضربين: أحدهما: أن يشتركوا فيه فيقولوا: ألقه وعلينا ضمانه، فيكون الضمان مقسطا بين جميعهم على أعدادهم، فإن كانوا عشرة ضمن كل واحد منهم عشر قيمته.
والضرب الثاني: أن ينفردوا فيه فيقولوا: ألقه وعلى كل واحد منا ضمانه، فيلزم كل واحد منهم ضمان جميع قيمته، وإن ضمنه أحدهم لم يخل من أن يضمنه عن نفسه أو عن جماعتهم، فإن ضمنه عن نفسه اختص بضمانه وغرمه، وإن عاد نفعه على جميعهم، وإن ضمنه عنه وعنهم لم يخل أن يكون بأمرهم أو غير أمرهم، فإن كان بأمرهم كان ضمانه عنه وعنهم لازما لجميعهم، وإن كان على وجه الاشتراك كان متقسطا على أعدادهم، وإن كان على وجه الإنفراد لزم جميع الضمان لكل واحد منهم، وإن ضمن عنه وعنهم بغير أمرهم لم يلزمهم ضمانه عنهم، لأن الضمان لا يلزم إلا بقول أو فعل ولم يوجد منهم أحدهما، وأما الضامن فيلزمه ضمان نفسه، وقدر ما يلزمه

الجزء: 12 - الصفحة: 309

من الضمان معتبر بلفظه وله فيه ثلاثة أحوال: أحدها: أن بعبر عنه بلفظ الانفراد فيقول: ألقه وعلى كل واحد منا ضمانه فعليه ضمان جميعه بلفظه وله فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أن يعبر عنه.
والحال الثانية: أن يعبر عنه بلفظ الاشتراك فيقول: ألقه وعلى جماعتنا ضمانه، فعليه من الضمان بقسطه من عددهم.
والحال الثالثة: أن يعبر عنه بلفظ مطلق فيقول: ألقه على أن أضمنه أنا وركبان السفينة، فهي مسألة الكتاب قال الشافعي: ((ضمنه دونهم)) فاختلف أصحابنا في مطلق هذا الضمان هل يقتضي حمله على الانفراد أو الاشتراك؟ على وجهين: أحدهما: أن يكون محمولا على الاشتراك فلا يلزمه منه إلا بحصته ويكون تأويل قول الشافعي ضمنه دونهم محمولا على أصل الضمان دون قدره ويكون المزني موافقا للشافعي في حكم الضمان ومخطئا عليه في تأويل كلامه.
والوجه الثاني: أنه محمول على ضمان الانفراد، ويلزمه ضمان جميع القيمة ويكون قول الشافعي ((ضمنه دونهم)) محمولا على ضمانه جميعه ويكون المزني مخالفا للشافعي في الحكم مصيبا في تأويل كلامه، ووجدت لبعض أصحابنا وجها ثالثا أنه أن كان عند ضمانه عنه وعنهم ضمن أن يستخلص ذلك من أموالهم لزمه ضمان جميعه، وإن لم يضمن استخلاصه من أموالهم لم يضمن إلا قدر حصته، وأشار إلى هذا الوجه أبو حامد الإسفراييني، واستشهد عليه بقول الشافعي في الخلع: ولو قال: اخلع زوجتك على ألف أصححها لك من مالك لزمه ضمانها، ولو قال: على ألف في مالها لم يلزمه ضمانها.
فصل: ولو ابتدأ صاحب المتاع فقال لركبان السفينة: ألقي متاعي على كل واحد منكم ضمانه.
فقالوا جميعهم: نعم، أو قالوا: افعل فهما سواء، وعلى كل واحد منهم ضمان جميع قيمته.
ولو قال أحدهم: نعم أو افعل أو أمسك الباقون لزمه الضمان دونهم، ولو كان صاحب المتاع قال لهم: ألقي متاعي وعليكم ضمانه.
فقالوا جميعا: نعم لزم كل واحد من الضمان بقدر حصته، لأن هذا ضمان اشتراك والأول ضمان انفراد، ولو أجابه أحدهم ضمن وحده قدر حصته.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: ((ولو خرق السفينة فغرق أهلها ضمن ما فيها وضمن ديات ركبانها عاقلته وسواء من خرق ذلك منها)).

الجزء: 12 - الصفحة: 310

قال في الحاوي: وهذا صحيح، وله إذا خرقها ثلاثة أحوال يستوي ضمان الأحوال في جميعها ويختلف فيها ضمان النفوس: أحدها: أن يكون خرقة لها عمدًا محضًا.
والثاني: أن يكون خطأ محضًا.
والثالث: أن يكون عمد الخطأ، فإن كان عمد الخطأ فهو أن يعمد خرقها وفتحها لغير إصلاح لها ولا لسد موضع فيها، فلا يخلو حال الخرق من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يكون واسعًا لا يجوز أن تسلم السفينة من مثله فهذا قاتل عمدًا، وعليه القود إن سلم منها، وإن غرق معها ففي ماله ديات من غرق فيها مع قيمة الأموال التالفة فيها.
والقسم الثاني: أن يكون الخرق مما يجوز أن تسلم السفينة مع مثله ويجوز أن تغرق منه فهذا عمد الخطأ لعمده في الفعل وخطئه في القصد، فتكون ديات النفوس مغلظة على عاقلته وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، ولا قود عليه.
والقسم الثالث: أن يكون الخرق مما لا يغرق من مثله فيتسع ويغرق فهذا خطأ محض، تكون ديات النفوس مخففة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، فهذا حكم خرقه إذا كان عامدًا في فعله.
وأما الحالة الثانية: وهو أن يكون الخرق من خطأ محضًا، فهو أن يسقط من يده حجر فيفتحها فيغرق، فتكون ديات النفوس مخففة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، يستوي فيه الحكم على اختلاف حال الخرق في صغره وكبره.
وأما الحالة الثالثة: وهو أن يكون الخرق منه عمد الخطأ فهو أن يعمد فتحها لعمل عيب فيها فتغرق، أو يدق فيها مسمار فينشق اللوح وتغرق فتكون ديات النفوس مغلظة على عاقلته، وضمان الأموال مع الكفارات في ماله، ولو دق جانبًا منها لعمل فانفتح الجانب الآخر لم يكن عن قصده.
فصل: وإذا دفع الرجل ولده إلى سابح ليعلمه السباحة فغرق فللولد حالتان: إحداهما: أن يكون صغيرًا غير بالغ، فتجب ديته على عاقلة السابح مغلظة كالمعلم إذا ضرب صبيًا فمات، لأن له أن يحطه في الماء على شرط السلامة فإذا أفضى إلى التلف كان منسوبًا إلى تقصيره فضمن، كما يكون للمعلم ضرب الصبي للتأديب على شرط السلامة فإذا أفضى إلى التلف صار منسوبًا إلى التعدي فضمن.
والحالة الثانية: أن يكون الولد بالغًا فلا ضمان على السابح، لأن حفظه في الماء إذا كان بالغًا وتجنبه فيه من الغرق متوجه إليه لا إلى السابح فصار التفريط منه لا من غيره فلم يضمن ديته.

الجزء: 12 - الصفحة: 311

فصل: وإذا ربط رجل يدي رجل ورجليه وألقاه على ساحل بحر فزاد الماء فغرقه فهذا على ضربين: أحدهما: أن تكون زيادة الماء مألوفة في أوقات راتبه كالمد والجزر بالبصرة، فهذا قاتل عمدًا وعليه القود، لأنه فاسد لتغريقه.
والضرب الثاني: أن تكون الزيادة غير مألوفة فلا قود فيه وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون الأغلب من حال الماء أن يزيد وإن حاز أن لا يريد، فيكون ذلك منه عمد الخطأ تجب الدية فيه مغلظة على عاقلته.
والضرب الثاني: أن يكون الأغلب من حال الماء أن لا يزيد وإن جاز أن يزيد فيكون هذا خطأ محضًا تجب فيه الدية مخففة على العاقلة.
ولو ربط يديه ورجليه وألقاه في صحراء فأكله السبع فلا قود عليه، لأن المتلف غيره، ثم ينظر فإن كان الصحراء مسبعة فهو عمد الخطأ تجب فيه الدية مغلظة على عاقلته، وإن كانت غير مسبغة فهو خطأ محض تجب فيه الدية مخففة.
فصل: وإذا تجارح رجلان وادعى كل واحد منهما أنه جرح صاحبه دفعًا عن نفسه والآخر منكر فالقول قول كل واحد منهما في إنكار الطلب وعليه القود فإن نكل عن يمين الطلب حلف كل واحد منهما على أنه مطلوبه ولا قود ولا أرش والله أعلم.

باب من العاقلة التي تغرم

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "لم أعلم مخالفًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة".
قال في الحاوي: أما العاقلة فهم ضمناء الدية ومتحملوها من عصبات القاتل، واختلف في تسميتهم عاقلة على ثلاثة أوجه: أحدها: أن العقل اسم للدية كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله" أي يتحمل عقله وهو الدية.
والثاني: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يقودون إبل الدية فيعقلونها على باب المقتول.
والثالث: أنهم سموا عاقلة، لأنهم يعقلون القاتل أي يمنعون عنه، والمنع العقل، ولذلك سمى العقل في الناس عقلًا، لأنه يمنع من القبائح.

الجزء: 12 - الصفحة: 312

فصل: لا خلاف أن دية العمد لا تحملها العاقلة، سواء وجب فيهما القود أو لم يجب كجناية الوالد على الولد وما لا قصاص فيه من الجائفة وسائر الجوارح، وتكون الدية حالة في مال الجاني.
وقال أبو حنيفة: ما لا قصاص فيه من العمد تجب الدية فيه على الجاني مؤجلة كالخطأ، وهذا خطأ الأمور: أحدها: أن سقوط القود في العمد لا يوجب تأجيل ديته كسقوطه بالعفو.
والثاني: أن غرم المتلف إذا لم يدخله التحمل حل كالأموال.
والثالث: أنه لما لم يتعجل دية الخطأ باختلاف أحواله لم تتأجل دية العمد باختلاف أحواله.
فصل: فأما دية الخطأ المحض وعمد الخطأ فالذي عليه جمهور الأمة من المتقدمين والمتأخرين أنها واجبة على العاقلة تتحملها عن القاتل، وشذ منهم الأصم وابن علية وطائفة من الخوارج فأجبوها على القاتل دون العاقلة كالعمد، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر:18] وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه:15] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:38] أي مأخوذة.
وبما روي أن الحسحاس بن عمرو العنبري قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله الرجل من قومي يجني أفؤآخذ به فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "من هذا منك" وكان معه ابنه فقال: ابن اشهد به أي أعلمه قطعًا وليس بمستحلق فقال: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" ولم يرد بذلك فعل الجناية؛ لأنه قد يجني كل واحد منهما على صاحبه، وإنما أراد به أن لا يؤاخذ بجنايتك ولا تؤاخذ بجنايته.
وروي أياد بن لقيط عن أبي رمثة قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي فرأى التي في ظهره فقال له أبي: دعني أعالجها فإني طبيب، فقال: "أنت رفيق والله الطبيب" من هذا معك؟ فقال: ابني أشهد به فقال: "أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وروي الحكم عن مسروق عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض، لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه" وهذا نص.
قالوا: ولأنه لما لم يتحمل

الجزء: 12 - الصفحة: 313

العاقلة قيم الأموال لم يتحمل دية النفوس، ولأن العاقلة لو تحملت دية الخطأ لتحملت دية العمد، ولأن الدية عقوبة فلم تتحملها العاقلة كالقود، ولأن القتل الخطأ موجبين: الدية والكفارة، فلما لم تتحمل العاقلة الكفارة لم تتحمل الدية.
والدليل على أن العاقلة تتحمل الدية قول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة:2] وتحمل العاقلة من جملة البر والتقوى فدخل في عموم الآية، وروي سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها.
وروي أبو سلمة عن أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من بني هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها وورثتها والدها ومن معه، فقال حمل بن مالك النابغة الهذلي: يا رسول الله كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل ومثل ذلك بطل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا من إخوان الكهان" من أجل مسجعه الذي سجعه.
وروي الشعبي عن جابر أن امرأتي من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منهما زوج وولد، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتولة على عاقلة القاتلة وروى أبو عازب عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "القود بالسيف والخطأ على العاقلة".
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم ميز بين معاقل قريش والأنصار فجعل معاقل قريش فيهم، ومعاقل الأنصار في بني ساعدة.
وروي حماد عن إبراهيم أن عليًا والزبير اختصما إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في موالي صفية بنت عبد المطلب لأن الزبير ابنها وعلي ابن أخيها، فقضى للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل.
ولأن إجماع الصحابة انعقد في قصة عمر بن الخطاب حين أنفذ رسوله إلى امرأة في قذف بلغه عنها فأجهضت ذات بطنها، فسأل عثمان وعبد الرحمن فقالا: لا شيء عليك إنما أنت معلم، وسأل عليًا فقال: إن كانا اجتهدا فقد أخطأ وإن كانا ما اجتهدا فقد غشيا عليك الدية، فقال عمر: غرمت لا تبرح حتى تضربها على قومك يعني قريشًا لأنهم عاقلته، فقضى بها عليهم فتحملوها عنه، ولم يخالفه منهم ولا من جميع الأمة أحد مع انتشار القضية، وظهورها في الكافة، فثبت أنه إجماع لا يسوغ خلافه، ولأن

الجزء: 12 - الصفحة: 314

اختصاص العاقلة بالاسم موجب لاختصاصهم بالحكم، وفقد الحكم يوجبه زوال الاسم، ولأن العقل في كلامهم المنع، وقد كانت العرب في الجاهلية يمنعون عن القاتل بأسيافهم فلما منعهم الإسلام من السيف عوض منه منعهم منه بأموالهم؛ ولذلك انطلق اسم العاقلة عليهم، ولأن النفوس مغلظة على الأموال، وقتل الخطأ يكثر بين الناس وفي إيجاب الدية على القاتل في ماله أحد أمرين إما استئصال ماله إن كان واحدًا وقل أن يتسع لتحمل الدية مال الواحد، وإما إهدار الدم إن كان معدمًا، وفي تحمل العاقلة عنه مواساة تفضي إلى حفظ الدماء واستبقاء الأحوال، وهذا أدعى إلى المصلحة وأبعث على التعاطف، ولأنه لما تحمل بالنسب بعض حقوق الله تعالى في الأموال وهو زكاة الفطر جاز أن يتحمل بعض حقوق الآدميين في الأموال وهو ديات الخطأ، فأما الجواب عن الآية فحقيقة الوزر الإثم، وهو لا يتحمل، وكذلك ظاهر الآيتين محمول على أحد أمرين: إما المأثم وإما أحكام عمده.
وأما قوله في الخبرين أنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فعنه جوابان: أحدهما: أن الأبناء والآباء لا يتحملون العقل وإنما يتحمله من عداهم من العصبات.
والثاني: أنه يحمل على العمد الذي لا يتحمل عن القاتل ولا يؤاخذ به غيره، وكذلك الجواب عن قوله: "لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وأما جمعهم بين الأموال والنفوس فغير صحيح، لتغليظ النفوس على الأموال، ولذلك دخلت القسامة في النفوس ولم تدخل في الأموال.
وأما العمد فلأنه عن معصية يستحق فيها القود، والعاصي لا يعان ولا يواسي، والقود لا يدخله تحمل ولا نيابة.
وأما الكفارة فمن حقوق الله تعالى التي يتعلق بالمال تارة والصيام تارة، ولا يصح فيها عفو فلم يدخلها مواساة، وخالفتها الدية في هذه الأحكام مخالفتها في التحمل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا اختلاف بين أحدٍ علمته في أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بها في ثلاث سنين".
قال في الحاوي: ذهب قوم إلى أن العاقلة تتحمل الدية حالة يؤدونها معجلة كديات العمد وقيم المتلفات.
وحكي عن ربيعة بن أبي ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنها مؤجلة في خمس سنين،

الجزء: 12 - الصفحة: 315

لأن دية الخطأ أخماس، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، وما عليه الجمهور أنها مؤجلة في ثلاث سنين.
قال الشافعي: لا اختلاف بين أحدٍ علمته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بها في ثلاث سنين فأضافه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وجعل نقله كالإجماع، فاختلف أصحابنا فيما أراده الشافعي بهذا القضاء، لأن أصحاب الحديث اعترضوا على الشافعي فيه وقالوا: ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الشيء فكيف قال هذا".
وقال ابن المنذر: لا أعرف هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وسئل أحمد بن حنبل عن هذا فقال: لا أعرف فيه شيئًا، فقيل له: إن أبا عبد الله قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لعل أبا عبد الله سمعه من ذلك المدني فإنه كان حسن الظن فيه يعني إبراهيم بن يحي الهجري ولأصحابنا عنه جوابان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة وطائفة أن مراد الشافعي بقضائه تأجيل الدية في ثلاث سنين، وأنه مروي لكنه مرسل، فلذلك لم يذكر إسناده.
والثاني: أن مراده القضاء بأصل الدية وهو متفق عليه.
فأما تأجيلها في ثلاث سنين فهو مروي عن الصحابة، روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما أنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولأن العاقلة تتحمل دية الخطأ مواساة، وما كان طريق المواساة كان لأجل فيه معتبرًا كالزكاة، ولما خرجت عن عرف الزكاة في القدر زاد حكمها في الأجل، فاعتبر في عدد السنين أكثر القليل وأقل الكثير فكان ثلاث سنين، وبهذا خالف العبد وقيم المتلفات، لأنه لا مواساة فيهما، ولا اعتبار بما قاله ربيعة إنما مؤجلة في خمس سنين؛ لأن دية الخطأ أخماس، لأن عمد الخطأ أثلاث والأجل فيهما سواء.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا مخالفًا في أن العاقلة العصبة وهو القرابة من قبل الأب.
وقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه على علي بن أبي طالبٍ بأن يعقل عن موالي صفية بنت عبد المطلب وقضى للزبير بميراثهم لأنه ابنهما".
قال في الحاوي: العاقلة هم العصبات سوى الوالدين من الآباء والمولودين من الأبناء، كالإخوة، وبينهم، والأعمام وبنيهم، وأعمام الآباء والأجداد وبنيهم.
وقال مالك وأبو حنيفة: يتحملها الآباء والأبناء وهو من العاقلة كسائر العصبات استدلالًا بأنهم عصبة فاشبهوا في العقل سائر العصبات وهم أولى، لأن تعصيبهم أقوى، ولأن النصرة ألزم فكانوا أحق بتحمل الغرم.

الجزء: 12 - الصفحة: 316

ودليلنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الحسحاس بن خباب وأبي رمثة في الابن: "إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه" وحديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤخذ الأب بجريرة ابنه ولا الابن بجريرة أبيه".
وهذه الأحاديث نصوص مع حديث أبي هريرة، ولأن عمر رضي الله عنه قضى في موالي صفية للزبير بالميراث وعلى علي بالعقل، وهو إجماع، ولأن كل من لا يحمل العقل مع وجود أهل الديوان لم يحمله مع عدمهم كالصغير والمعتوه، ولأن كل من لزمه تحمل النفقة عنه في ماله لم يلزمه تحمل العقل عنه كالزوج.
وقياسهم على البعضية منتقض بالصغير والمعتوه، ثم المعنى في الفرضية عدم الولادة والبعضية واعتبارهم بالنصرة فهو شرط وليست بعلة، ويفسد بالزوج والجار.
فصل: وإذا كان للقاتلة خطأ ابن عمها لم يعقل عنها بالتعصيب تغليبًا لحكم البنوة، وجاز أن يزوجها بالتعصيب تغليبًا لحكمه على البنوة، والفرق بينهما أن خروج الأبناء من العقل وإن كانوا عصبة لاختصاصهم بتحمل النفقة وهو يتحملها هاهنا، وإن كان ابن عم فلم يجمع بين تحملها وتحمل العقل، وخالف ولاية التزويج الذي قد وجدت فيه مع البنوة شروط العصبات، والله أعلم بالصواب.
فصل: وإذا ثبت أن العاقلة من عدا الآباء والأبناء من العصبات لم يتحمل القاتل معهم من الدية شيئًا، واختصوا بتحملها عنه دونه.
وقال أبو حنيفة: يشاركهم في تحمل الدية ويكون فيها كأحدهم، استدلالًا بما روي أن سلمة بن نعيم قتل مسلمًا ظنه كافرًا فقال له عمر: ديته عليك وعلى قومك، ولم يظهر له مخالف.
ولأن تحمل الدية عن القاتل مواساة له وتخفيف عنه فلم يجز أن يتحمل عنه ما لا يتحمله عن نفسه كالنفقة، ولأن تحملها عنه نصرة له وهو أحق بنصرة نفسه من غيره.
ودليلنا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل دية المقتولة على عاقلة القاتلة فكان الظاهر أن جعل جميعها على العاقلة، ولأن تحمل المواساة يوجب استيعاب ما وقعت به المواساة كالنفقة وزكاة الفطر، وفيه انفصال عما استدلوا به من المواساة، ولأنه لما تفرد القاتل بدية العمد وجب أن تتفرد العاقلة بدية الخطأ، لأن الدية مستحقة في جهة واحدة، وحديث عمر محمول على أ، هـ جعلها عليه وجوبًا وعلى قومه تحملًا.
وأما النصرة فلا اعتبار بها، لأن الزوج ينصر زوجته ولا يعقل عنها، وعلى أن العاقلة قد كفوه النصرة.

الجزء: 12 - الصفحة: 317

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "ومعرفة العاقلة أن ينظر إلى إخوته لأبيه فيحملهم ما يُحمل العاقلة فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جده فإن لم يحتملوها دفعت إلى بني جد أبيه ثم هكذا لا يدفع إلى بين أب حتى يعجز من هو أقرب منهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن تفرد الأقارب بها دون الأباعد إجحاف فخرج عن المواساة، وأخذها من كل قريب وبعيد يفضي إلى دخول جميع بني آدم فيها فوجب أن يراعي في تحملها الأقرب فالأقرب كالميراث.
قال أبو حنيفة: يستوي فيها القريب والبعيد ويشتركون في تحملها على سواء استدلالًا بأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المقتول على عاقلة القاتلة، وأن عمر بن الخطاب قال لعلي رضي الله عنهما في دية الجنين الذي أجهضته المرأة الموهوبة: "غرمت عليك لتقسمنها على قومك" ولم يفرق بين القريب والبعيد.
وهذا فاسد، لأن كل حكم تعلق بالتعصيب وجب أن يعتبر فيه الترتيب كالميراث وولاية النكاح، ولأن الأقرب أخص بالنصرة من الأبعد، فكان أحق بالفعل منه.
فأما الخبر والأثر فالمراد بهما بيان محل العقل أنهم العصبات ثم تقف التعيين على ما يوجبه الترتيب، فإذا ثبت هذا فأول العصبات درجة في تحمل الدية الإخوة، وقدر ما يتحمله الموسر منهم في كل سنة نصف دينار، والمتوسط ربع دينار على ما سنذكره، ويخرج من الإخوة من كان لأم، ويتحملها منهم من كان لأب وأم، أو لأب، فإن اجتمعوا فهل يقدم الإخوة للأب والأم في تحملها على الإخوة للأب؟ على قولين: كما قيل في ولاية النكاح، فإذا أمكن أن يتحملها الإخوة، لأن العقل خمسة دنانير والإخوة عشرة ضربت عليهم ولم يعدل إلى غيرهم وإن قصروا عنها، لأن العقل خمسة والإخوة خمسة ضم إليهم بنو الإخوة، فإن كانوا خمسة صاروا مع الإخوة عشرة يتحملون العقل الذي هو خمسة دنانير فلا يضم إليهم غيرهم، وإن كان بنو الإخوة أقل من خمسة ضممنا إليهم بنيهم حتى يستكملوا عشرة فيتحملون عقل الخمسة، ولا تتعداهم إلى غيرهم، فإن زاد العقل على الخمسة ضممنا إلى الإخوة وبينهم الأعمام، فإن تحملوه لم يعدل إلى غيرهم، وإن عجزوا عنه ضممنا إليهم بنيهم، ثم كذلك أعمام الأب وبنوهم وأعمام الجد وبنوهم حتى يستوعبوا جميع القبيلة التي هو إليها منسوب وبها مشهور، ولا يقتصر على النسب الأدنى دون الأبعد، لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل معاقل قريش منهم، فإذا كان القاتل من بني هاشم جعلنا الدية عليهم، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو عبد مناف، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو قصي، فإن عجزوا عنها دخل فيها بنو كلاب، ثم كذلك بنو أب بعد أب حتى تستوعب جميع قريش، ولا يعدل يعد قريش إلى غيرهم من العرب لتميزهم بأنسابهم، فإن قصروا

الجزء: 12 - الصفحة: 318

عنها عدلنا إلى المولي المعتقين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "موالي القوم منهم" فإن عجزوا عنها كان ما عجزوا عنه في بيت المال، لأن جميع المسلمين عاقلة لقول النبي صلى الله عليه وسلم "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم".
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن في الديوان ومن ليس فيه منهم سواءٌ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على العاقلة ولا ديوان في حياته ولا في حياة أبي بكرٍ ولا صدرٍ من ولاية عمر رضي الله عنه".
قال في الحاوي: وهذا قاله الشافعي ردًا على أبي حنيفة، لأنه أوجبها على من شاركه في ديوانه تدفع من أعطياتهم، سواء كانوا عصبة أو لم يكونوا، فإن لم يكن له ديوان قسمت حينئذٍ على عصبته احتجاجًا بأن عمر بن الخطاب دون الدواوين وجعل العقل على أهل الديوان من أعطياتهم، ولأن أهل الديوان بالنصرة أحق فكانوا بتحمل العقل أحق، وذهب الشافعي إلى أنها على العصبة، سواء كان في الديوان أو لم يكن، وسواء كانت عصبته معه في الديوان أو لم يكن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة ولم يكن على عهده ديوان.
وكذلك قضى أبو بكر رضي الله عنه بالدية على العاقلة ولم يكن في خلافته ديوان، وكذلك في صدر من أيام عمر إلى أن أحدث الديوان في آخر أيامه لتميز القبائل وترتيب الناس في العطاء، فلم يجز العدول به عما كان في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غيره من أمر حدث بعده، لأنه يكون نسخًا، والنسخ مرتفع بعد موت الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأن كل حكم تعلق بالتعصيب مع عد الديوان، تعلق به مع وجود الديوان كالميراث وولاية النكاح، ولأنها جناية يتحمل عقلها فوجب أن يختص بها العصبات كالذي لا ديوان له، ولأن كل سبب لا يستحق به الميراث لم يتحمل به العقل كالجوار ولأن عدم العقل في مقابلة غنم الميراث ليكون غانمًا وغارمًا لا يجتمع هذا إلا في العصبات، ولذلك انتقل عنهم العقل إذا عدموا إلى بيت المال لانتقال ميراثه إليه، ولا يعقل بيت المال عن الكافر، لأن ماله يصير إليه فيئًا لا ميراثًا، وفيما ذكرنا انفصال وبالله التوفيق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا أعلم مخالفًا أن الصبي والمرأة لا يحملان منها شيئًا وإن كانا مُوسرين وكذلك المعتوه عندي".

الجزء: 12 - الصفحة: 319

قال في الحاوي: وهو كما قال، لا يعقل من العصبات إلا الرجال العقلاء الأحرار دون النساء والصبيان والمجانين والعبيد، لأمرين: أحدهما: أنها مختصة بأهل النصرة من العصبات.
والثاني: أن يحمل العقل في الإسلام بدل من المنع بالسيف في الجاهلية، وذلك مختص بالرجال العقلاء الأحرار.
فإن قيل: فسهم ذوي القربى مستحق بالنصرة ولذلك ضم رسول الله صلى الله عليه وسلم بني المطلب إلى بني هاشم وقال: "لأنهم ما افترقوا في جاهلية ولا إسلام"، ثم سوى فيه بين الرجال والنساء والصبيان فهلا كان العقل بمثابته، وإن كان مستحقًا بالنصرة؟ قيل: لأن سهم ذوي القربى مستحق بالقرابة، وإن أثرت في النصرة فلذلك كان للذكر فيه مثل حظ الأنثيين، فلذلك أجرى عليهما حكم المواريث وخالفت العقل الذي هو مقصور على التعصيب والنصرة.
فصل: فإذا تقرر هذا فلا فرق في العاقلة بين المقاتلة وغير المقاتلة، لأن جميعهم من بين ناصر بيد أو لسان، فأما الشيوخ والمرضى فمن كان منهم باقي المنة ولم ينته إلى عجز الهرم والإياس بالمرض تحملوا العقل، فقد تحمل عمار بن ياسر العقل، وهو شيخ كبير يحارب في محفة، فأما من انتهت به السن إلى عجز الهرم وانتهى به المرض إلى الزمانة حتى لم يبق فيهما نهضة ولا يقدران على الحضور في جميع ففيهم وجهان مخرجان من اختلاف قولي الشافعي فيهم: هل يقتلون إذا أسروا في الشرك؟ فإن قيل: يقتلون عقلوا، وإن قيل: لا يقتلون لم يعقلوا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويؤدي العاقلة الدية في ثلاث سنين من حيث يموت القتيل".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الدية تجب على العاقلة بموت القتيل، وهو أول أجلها، سواء حكم بها الحاكم عليهم أو لم يحكم.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الدية على العاقلة إلا بحكم الحاكم، فإذا حكم بها عليهم فهو أول وقت الأجل احتجاجًا بأن تحمل العقل يختلف فيه فلم يستقر وجوبه إلا بحكم، ولم يتأجل إلا بعد الحكم كالعنة.
ودليلنا: هو أن كل ما وجب بسبب تعلق وجوبه بوجود السبب كالأثمان في المبيع تجب بوجود المبيع وهو أول المؤجل، ولأنها مواساة يعتبر فيها الحول فلما يقف

الجزء: 12 - الصفحة: 320

ابتداؤها على الحكم كالزكاة، ولأن من لزمته الدية المؤجلة لم يقف وجوبها وابتداؤها على الحكم كالمقر بقتل الخطأ.
فأما الاحتجاج بالاختلاف فيه فخطأ، لأن تحمل الدية نص، وفي النص على الأجل ما قدمناه من الوجهين، والاختلاف فيهما شاذ حدث بعد تقدم الإجماع فكان مطرحًا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا الدية من أن تكون مستحقة في نفس أو فيما سوى النفس فإن كان في نفس فأول أجلها موت القتيل وهو وقت الجناية، سواء كان القتل بتوجيه أو سراية، لأن دية النفس لا تجب إلا بعد تلفها، ثم لا يخلو حال الدية من ثلاثة أضرب: أحدهما: أن تكون كاملة.
والثاني: أن تكون ناقصة.
والثالث: أن تكون زائدة.
فإن كانت كاملة فهي دية الرجل الحر المسلم، فتجب على العاقلة في ثلاثة سنين، يؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثها، بعد انقضاء الثانية ثلث ثان، وبعد انقضاء السنة الثالثة الثلث الباقي، وإن كانت الدية ناقصة كدية المرأة والذمي ففيها وجهان: أحدهما: أن العاقلة بتحملها في ثلاثة سنين، لأنها دية نفس، فيؤدي في انقضاء كل سنة ثلثها.
والثاني: أنها تؤدي في كل سنة منها ثلث دية الرجل الحر المسلم، فإن كانت دية ذمي فهي ثلث دية المسلم، فتؤدي العاقلة بعد انقضاء السنة جميعها، لأنه القدر الذي تؤديه من دية المسلم، وإن كانت دية امرأة فهي نصف دية الرجل، فيؤدي بعد انقضاء السنة الأولى ثلثيها وهو ثلث دية الرجل، ويؤدي بعد انقضاء السنة الثانية ثلثها الباقي وهو سدس دية الرجل، وإن كانت الدية زائدة كقيمة العبد إذا زادت على دية الحر.
وقيل: إن قيمة العبد تحملها العاقلة ففيها وجهان: أحدهما: أنها تقسم على ثلاث سنين، يؤدي عند انقضاء كل سنة ثلثها، وإن كان أكثر من ثلث دية الحر، لأنها دية نفس إذا قيل: إنها إن انقضت كانت تؤدي على ثلاث سنين.
والثاني: أنها تؤدي منها عند انقضاء كل سنة قدر الثلث من دية الحر إذا قيل نقصت كانت مؤداة في أقل من ثلاث سنين، فعلى هذا إن كانت قيمته دية وثلثًا أداها في أربع سنين في كل سنة ربعها، وإن كانت دية وثلثين أداها في خمس سنين، في كل سنة خمسها، فهذا حكم ديات النفوس.
فأما ديات ما سوى النفس من الجراح والأطراف فعلى ضربين:

الجزء: 12 - الصفحة: 321

أحدهما: أن تندمل كقطع اليد إذا اندملت أو الموضحة إذا اندملت، فديتها واجبة بابتداء الجناية لاستقرار الوجوب بالاندمال، فيكون أول الأجل من وقت الجناية لا من وقت الاندمال لتقدم الوجوب بالجناية دون الاندمال، فلو اندملت بعد انقضاء الأجل استحق تعجيلها حينئذٍ كالثمن المؤجل إذا حل عند القبض.
والثاني: أن تسري الجناية عن محلها إلى عضو آخر كقطع الأصبع إذا سرى إلى الكف، فالدية وجبت بعد استقرار السراية كما تجب دية النفس بعد الموت، فيكون ابتداء الأجل بعد اندمال السراية ولا اعتداد بما مضى من المدة بعد الجناية وقبل اندمال السراية، فإذا تقرر حكم هذين الضربين فيما سوى النفس في ابتداء وقت التأجيل فأرش الجناية على أربعة أضرب: أحدها: أن تكون في ثلث النفس فما دون كالجائفة وما ودونها، فتؤديه العاقلة في سنة واحدة إذا انقضت ولو كان دينارًا واحدًا.
والثاني: أن تزيد على الثلث ولا تزيد على الثلثين، فتؤديه في سنتين بعد انفصال السنة الأولى وثلث الدية، وبعد انفصال السنة الثانية ما بقي منها، فإن كان سدس الدية، لأن جميع الأرش كان نصف الدية في إحدى اليدين أدته في السنة الثانية، وإن كان ثلث الدية؛ لأنهما جائفتان أدته في السنة الثانية.
والثالث: أن تزيد على ثلثي الدية ولا تزيد على جميع الدية كدية اليدين، فتؤديه في ثلاث سنين عند انقضاء كل سنة ثلث دية على ما قدمناه.
والرابع: أن يزيد على دية النفس مثل قطع اليدين والرجلين فنوجب ديتين إحداهما في اليدين، والأخرى في الرجلين فهذا على ضربين: أحدهما: أن يستحقا لنفسين، فعلى العاقلة أن تؤدي في كل سنة ثلث كل واحدة من الديتين، فتصير في كل سنة مؤدية فثلثي الدية لانفراد كل جناية بحكمها.
والثاني: أن يستحقها نفس واحدة فتجمل العاقلة الديتين في ست سنين، تؤدي في كل سنة منها ثلث دية، لأنها جناية واحدة لا تتحمل العاقلة فيها أكثر من ثلث دية النفس والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يقوم نجم من الدية إلا بعد حلوله، فإن أعسر به أو مطل حتى يجد الإبل بطلت القيمة وكانت عليه الإبل".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الدية هي الإبل لا يعدل عنها مع وجودها، فإن أعوزت عدل عنها إلى الدراهم والدنانير، وهي على قوله في القديم مقدرة بالشرع، فيكون

الجزء: 12 - الصفحة: 322

من الدراهم اثني عشر ألف درهم ومن الدنانير ألف دينار، وعلى قوله في الجديد تقدر بقيمة وقتها دراهم أو دنانير، وعلى هذا موضوع هذه المسألة، ووقت قيمتها عند انقضاء الحول الذي يستحق فيه الأداء، ولا اعتبار بقيمتها وقت القتل، لأن قيمة ما في الدية معتبر بوقت الأداء، كالطعام المغصوب إذا مثله اعتبرت قيمة وقت الأداء لا وقت الغصب، فإذا حال الحول الثاني اعتبرت عنده قيمة النجم الثاني، فإذ حال الثالث اعتبرت عنده قيمة النجم الثالث، سواء انقضت قيم النجوم الثلاث في الأحوال الثلاثة أو اختلفت ولو أعوزت في نجم ووجدت في نجم أخذت في النجم الذي وجدت، وأخذ قيمتها من النجم الذي أعوزت، فلو قومت في حول أعوزت فيه ووجدت فيه نظر وجودها، فإن كان بعد أخذ قيمتها أجزأت القيمة ولم يرجع إلى الإبل، وإن كان وجودها قبل أخذ القيمة بطلت القيمة وأخذ الإبل كالطعام المغصوب إذا قوم مثله عند إعوازه ثم وجد بعد القيمة يرجع بالطعام وإن لم تقبض القيمة، ولا يرجع به إن قبضها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يجملها فقيرٌ" قال في الحاوي: وهذا كما قال، دية العاقلة تستحق على الموسر والمتوسط، ولا تجب على الفقير المعسر، لأنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب، ولأن المقصود بها إزالة الضرر عن القاتل فلم يجز أن يدخل بها الضرر على المتحمل العاقل، وخالفت دية العمد التي يؤخذ بها الغني والفقير لاستحقاق العمد بمباشرته واستحقاق الخطأ بمواساته.
فأما الجزية ففي أخذها من الفقير قولان: أحدهما: لا تؤخذ منه كالعالقة.
والثاني: تؤخذ منه الجزية وإن لم تؤخذ الدية من فقراء العاقلة للفرق بينهما بأن الجزية موضوعة لحقن الدم وإقراره في دار الإسلام فصارت عوضًا، وتحمل الدية مواساة محضة والفقر يقسط والمواساة ولا يقسط المعاوضة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن قضى بها فأيسر الفقير قبل أن يحل نجمٌ منها أو افتقر غين فإنما أنظر إلى الموسر يوم يحل نجمٌ منها".
قال في الحاوي: اعلم أن ما يستحق بالحول ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان الحول فيه مضروبًا للوجوب وهو حول الزكاة.
والثاني: ما كان الحول فيه مضروبًا للأداء مع تقدم الوجوب وهو حول العاقلة.

الجزء: 12 - الصفحة: 323

والثالث: ما اختلف فيه هل هو مضروب للوجوب أو للأداء على وجهين، وهو حول الجزية.
فإذا تقرر هذا فالفقر والغني في العاقلة معتبر عند انقضاء الحول وقت الأداء ولا يعتبر في أوله وقت الوجوب، فإن قيل: فالاعتبار بوقت وجوبه أولى من الاعتبار بوقت أدائه كالجزية.
قيل: لأن الجزية معينة فاعتبر بها وقت وجوبها، والدية تجب بالقتل على الإطلاق ولا يتعين إلا عند الاستحقاق، ألا ترى لو مات أحد العاقلة قبل الحلول لم تؤخذ من تركته، ولو تعين استحقاقها لأخذت، فإذا تقرر اعتبار الغني والفقر عند الحلول الحول فمن كان منهم عند الحلول، غنيًا وجبت عليه، وإن كان فقيرًا في أوله، ومن كان منهم عند الحول فقيرًا لم تجب عليه وإن كان غنيًا في أوله، فلو حال الحول على غني فلم يؤدها حتى افتقر كانت دينًا عليه، ولم تسقط عنه بفقره، لأنها تعينت عليه وقت غناه، وينظر بها إلى ميسرته، ولو حال الحول على فقير فلم يستوف حتى استغنى لم يجب عليه بغناه، لأنه تعين سقوطها عنه وقت فقره.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن غرم في نجم ثم أعسر في النجم الآخر تُرك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأن الغني والفقر معتبر في كل حول فلم يتعين في الحول إلا النجم الذي يستحق فيه، فمن كان غنيًا في الأحوال الثلاثة تحمل العقل في جميعها، ومن كان منهم فقيرًا في الأحوال الثلاث سقط عنه العقل في جميعها، ومن كان غنيًا في بعضها، ومفتقرًا في بعضها وجب عليه العقل في حول غناه وسقط عنه في حول فقره، فلو ادعى فقرًا بعد الغني أحلف ولم يكلف البينة على فقره، لأنها لا تجب عليه إلا مع العلم بغناه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن مات بعد حلول النجم مؤسرًا أخذ من ماله ما وجب عليه".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا مات من العاقلة موسر بعد الحلول وقبل الأداء لم يسقط عنه العقل بموته.
وقال أبو حنيفة: يسقط عنه بالموت استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنها مواساة فأشبهت نفقات الأقارب.

الجزء: 12 - الصفحة: 324

والثاني: أنها صلة وإرفاق فأشبهت الهبات قبل القبض، وهذا خطأ لأمرين: كالديون.
والثاني: أنه لما لم يكن للورثة أن يمنعوا من الوصايا وهي تطوع، كان أولى أن لا يمنعوا من العقل وهو واجب.
والثالث: أنه لما لم تسقط بالموت دية العمد لم تسقط به دية الخطأ.
فأما نفقات الأقارب فإنما وجبت لحفظ النفس، وقد وجد ذلك فيما مضى فسقط معنى الوجوب، ودية القتل وجبت لإتلاف النفس وقد استقر وجوبه فلم تسقط بمضي زمانه، وأما الهبة فليس كتحمل العقل عنه، لأنها تؤخذ خبرًا والهبة تبذل تطوعًا فافترقا.
فصل: فإذا ثبت أنها لا تسقط بالموت قدمت على الوصايا والمواريث، وتؤدي وإن استوعبت جميع التركة، فإن عجز صاحب التركة عنها، وعن ديون الميت قسمت على قدر الحقوق، وكان باقي العقل دينًا يؤدي على الميت، ولا يرجع به على الباقين من العاقلة لوجوبه على غيرهم، ولو امتنعت العاقة من بدل الدية ولم يوصل إليها منهم إلا بحربهم جاز أن يحاربوا عليها كما يحارب الممتنعون من الحقوق الواجبة، فإن وجدت لهم أموال بيعت عليهم ولم يحاربوا.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولم أعلم مخالفًا في أن لا يحمل أحدٌ منهم إلا قليلًا وأرى على مذاهبهم أن يحمل من كثر ماله نصف دينارٍ ومن كان دونه ربع دينارٍ لا يُزاد على هذا ولا ينتقص منه وعلى قدر ذلك من الإبل حتى يشترك النفر في البعير".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العقل يحمله من العاقلة الأغنياء والمتوسطون دون الفقراء، فوجب أن يفرق بين الغني والمتوسط فيه.
وقال أبو حنيفة: لا فرق بينهما في قدر ما يتحمله كل واحد منهما اعتبارًا بزكاة الفطر والكفارات التي يستوي فيها الكثير والمتوسط، وهذا ليس صحيح لقول الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق:7] وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:236] ولأنهما مواساة فوجب أن يقع الفرق فيهما بين المقل والمكثر كالنفقات، ولم يسلم ما استدل به من زكاة الفطر والكفارات لاختلاف حكم المقل والمكثر فيها.
فصل: فإذا ثبت الفرق فيها بين المقل والمكثر فالذي يتحمله الغني المكثر منها نصف دينار

الجزء: 12 - الصفحة: 325

والذين يتحمله المقل المتوسط ربع دينار.
وقال أبو حنيفة: الذي يتحمله كل واحد من الغني والمتوسط من ثلاثة دراهم إلى أربعة دراهم، لا يزاد عليها ولا ينقص منها.
وقال أحمد بن حنبل: يتحملون ما يطيقون بحسب كثرة أموالهم وقلتها من غير أن تتقدر بشرع، واستدل أبو حنيفة بأن فرض الزكاة أوكد من تحمل العقل، وأقل ما يجب في زكاة المال خمسة دراهم من مائتي درهم، فوجب أن يكون ما يلزم في العقل أق منها فكان أربعة دراهم أو ثلاثة، واستدل أحمد بقول الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ﴾ [البقرة:236]. ودليلنا هو أن ما أوجبه الشرع من حقوق المواساة كان مقدرًا كالزكوات والنفقات فبطل به قول أحمد، ولكن في تقديره طريقان: أحدهما: أن يبدأ بتقدير الأقل، ويجعله أصلًا للأكثر.
والثاني: أن يبدأ بتقدير الأكثر ويجعله أصلًا للأقل.
فإن بدأت بتقدير الأقل في حق المتوسط فهو ما خرج عن حد التافه، لأنه لو اقتصر على التافه جاز الاقتصار على القيراط والحبة وذلك مما لا يفي بالدية وينهدر به الدم، وحد التافه ما لم يقطع فيه اليد، لقول عائشة رضي الله عنها لم تكن اليد تقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشيء التافه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "القطع في ربع دينار" فوجب أن يضاعف في حق المكثر فيلزمه نصف دينار، كما يلزم الموسر في النفقة مثلًا نفقة المعسر، وإن بدأت بتقدير الأكثر في حق المكثر فهو أن أول ما يواسى به الغني في زكاته نصف دينار من عشرين دينارًا، فحمل الغني نصف دينار، لأن الزيادة عليه تؤول إلى الإجحاف، ولا يقف على مقدار، وإذا لزم الغني نصف دينار وجب أن يقتصر من المقل على نصفه كما أن نفقة المعسر نصف نفقة الموسر، وفي هذا التقدير دليل وانفصال.
فصل: فإذا ثبت تقديره بنصف دينار في حق المكثر وربع دينار في حق المقل فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول أكثرهم: أن هذا قدر ما يؤخذ في السنة الواحدة، فيكون في السنين الثلاث على المكثر دينار ونصف من جميع الدية، وعلى المقل ثلاثة أرباع الدينار من جميع الدية.
والثاني: وهو قول أقلهم: أن هذا قدر ما يؤخذ من جميع الدية في السنين الثلاث،

الجزء: 12 - الصفحة: 326

فيصير المأخوذ من المكثر في كل سنة منها سدس دينار، والمأخوذ من المقل في كل سنة نصف سدس دينار، والأول أشبه، لأن لكل سنة حكمها، فإذا ثبت هذا لم يجز العدول عن الإبل مع وجودها، ومعلوم أن قيمة تعيين إبل الدية أكثر من نصف دينار، ولا يمكن أن تتجزأ فينفرد كل واحد منهم بجزء قيمته نصف دينار، فوجب أن يشترك في أداء البعير الواحد العدد الذين يكون قسط الواحد من ثمنه نصف دينار إن كان مكثرًا، وربع دينار إن كان مقلًا، وهذا عدد لا يمكن حصره، لأن البعير قد تزيد قيمته في حال وثقل في أخرى، وإن أعوزت الإبل عدل إلى الدنانير إما مقدرة بألف دينار على قوله في القديم، أو بقيمة مائة بعير على قوله في الجديد، يحمل المكثر منها نصف دينار والمقل ربع دينار، وإن عدل عنه إعواز الإبل إلى الدراهم فإن قدرت باثني عشر ألف درهم على قوله في القديم تحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم، لأن الدينار فيها مقابلًا لاثني عشر درهمًا، وإن قدرت بقيمة مائة بعير ففيه وجهان محتملان: أحدهما: أن يتحمل المكثر منها ستة دراهم والمقل ثلاثة دراهم على ما ذكرنا لو قدرت بالدراهم اعتبارًا بقيمة الدينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني: أنه لما عدل بالإبل إلى قيمة الوقت وجب أن يعدل بالدينار إلى قيمة الوقت، فيتحمل المكثر من الدراهم قيمة نصف دينار بسعر وقيمة، والمقل قيمة ربع دينار، لأن الدينار في وقتها أكثر قيمة منه في وقت الرسول صلى الله عليه وسلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويحمل كل ما كثر وق من قتلٍ أو جرحٍ من حر وعبدٍ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما حملها الأكثر دل على تحميلها الأيسر".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء فيما تحمله العاقلة من الدية على خمسة مذاهب: فقال الشافعي: يحمل كل ما كثر وقل من قتل وجرح.
وقال قتادة: تحمل دية النفس في القتل ولا تحمل ما دون النفس ويتحمله الجاني.
وقال مالك وأحمد بن حنبل تحمل ثلث الدية فصاعدًا ويتحمل الجاني ما دون الثلث.
وقال الزهري: يتحمل العاقلة ما زاد على الثلث ويتحمل الجاني الثلث فما دون.
وقال أبو حنيفة: يتحمل العاقلة نصف عشر الدية فما زاد، ويتحمل الجاني ما دون ذلك واستدل قتادة بأن حرمة النفس أغلظ لاختصاصها بالكفارة والقسامة فاختصت بتحمل العاقلة.
واستدل مالك وأحمد بأن العاقل مواسي يتحمل ما أجحف تحصينًا للدماء، وما دون الثلث غير مجحف فلم يتحمله.

الجزء: 12 - الصفحة: 327

واستدل الزهري بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث كثير" فصار مضافًا إلى ما زاد عليه في تحمل العاقلة له.
واستدل أو حنيفة على تحمل نصف العشر بأمرين: أحدهما: أن تحمل العاقلة لما عدل فيه عن القياس إلى الشرع وجب أن يختص بأقل ما ورد به الشرع، وأقله أرش الموضحة، والغرة في الجنين، وهي مقدرة بمثل أرش الموضحة خمس من الإبل أو خمسين دينار أو ستمائة درهم وذلك نصف عشر الدية فكان هذا أصلًا في أقل ما تحمله العاقلة وكان ما دونه محمولًا على موجب القياس.
والثاني: أن ما دون الموضحة لما لم يجب فيه قصاص ولا أرش مقدر جرى مجرى الأموال فوجب أن لا تتحمله العاقلة كما لا تتحمل الأموال.
والدليل على جميعهم في تحمل الأكثر والأقل بينه النص وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حمل العاقلة جميع الدية وهي أثقل فيه به على تحمل ما هو أقل، ولو نص على الأقل لما نبه على حكم الأثقل، وفي إلزام الجمع بين النصين خروج عن موضوع الشرع.
ثم نحرر هذا الأصل قياسًا فنقول: إنه أرش خطأ على نفس فجاز أن يتحمله العاقلة قياسًا على دية النفس مع قتادة، وعلى ثلث الدية مع مالك، وعلى نصف عشرها مع أبي حنيفة، ولأنه لما تحمل الجاني قليل الدية وكثيرها في العمد وجب أن تحمل العاقلة قليلها وكثيرها في الخطأ، ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر تحمله الجاني جاز أن يتحمله العاقلة كالكثير، ولأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته، وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر، ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أن من تحمل كثير الدية تحمل قليلها كالجاني.
والثاني: كل قدر يتحمله الجاني جاز أن تتحمله العاقلة كالكثير، لأن الجماعة لو اشتركوا في جناية قدرها الثلث عند مالك ونصف العشر عند أبي حنيفة تحملت عاقلة كل واحد منهم ما لزمه لجنايته وهو أقل من ثلث الدية ومن نصف عشرها، فكذلك إذا انفرد بالتزام هذا القدر ويتحرر منه قياسان: أحدهما: أن ما تحملته العاقلة في الاشتراك جاز أن يتحمله في الانفراد كالكثير.
والثاني: أن ما تحملته العاقلة من الكثير جاز أن تتحمله من القليل كالاشتراك، وما قاله قتادة من تغليظ حرمة النفس فحرمتها لأجل حرمة الإنسان، وحرمة الإنسان عامة في نفسه وأطرافه، فوجب أن يستويا في حكم الغرم ومحله، وما قاله مالك من أن الثلث قليل لا يجحف فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الثلث كثير" فصار ضد قوله: ثم قد يجحف الثلث وأقل منه بالجاني إذا انفرد بغرمه لاسيما إذا كان مقلًا، وما قاله أبو حنيفة من ورود الشرع فيه

الجزء: 12 - الصفحة: 328

فلا يمنع ذلك من وجوب الأرش وإن لم يرد فيه شرع لم يمنع من تحمل العقل، وإن لم يرد فيه شرع، وما قاله من إجزائه في سقوط القصاص وتقدير الأرش مجرى الأموال فمنتقض بالأنملة يجب فيها القصاص ويتقدر أرشها بثلث العشر ولا تتحملها العاقلة عنده وقد لا يجب القصاص فيما زاد على نصف العشر ولا يتقدر أرشه وتحمله العاقلة فبطل ما اعتد به ولم يبق إلا حفظ الدماء بالتزام العاقلة لأورشها وهذا يصح قليلها وكثيرها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن كان الأرش ثلث الدية أدته في مُضر سنة من يوم جُرح المجروح فإن كان أكثر من الثلث فالزيادة في مضي السنة الثانية فإن زاد على الثلثين ففي مضي السنة الثالثة وهذا معنى السنة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا وجب ثلث الدية من جرح أو طرف أدته العاقلة في سنة واحدة لأنها تلتزم في جميع الدية أداء ثلثها في كل سنة، وإن وجب ثلث الدية في نفس كدية اليهودي والنصراني ففيه وجهان على ما مضى: أحدهما: تؤديه العاقلة في سنة واحدة اعتبارًا بدية الجرح.
والثاني: أن تؤديه في ثلاث سنين اعتبارًا بدية النفس، وكذلك نصف العشر في دية الجنين يكون على هذين الوجهين؛ لأنها دية نفس.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا تحمل العاقلة ما جني الرجل على نفسه".
قال في الحاوي: إما إذا جني على نفسه عمدًا ققطع يده أو قتل نفسه إما لغيظ أو حمية، وإما من سفه وجهالة، فجنايته هدر لا يؤاهذ بها إن كان حيًا، ولا يؤخذ بها أرشه إن كان ميتًا، وعليه الكفارة في ماله، فيكون نفسه مضمونة عليه بالكفارة، وغير مضمونة عليه بالدية، لأن الدية من حقوقه فسقط عنه، والكفارة من حقوق الله تعالى فوجبت عليه كما لو قتل عبده سقطت عنه القيمة لأنها له ووجبت عليه الكفارة لأنها لله تعالى.
فصل: فأما إذا جني على نفسه خطأ فقطع يده بانقلاب سيفه عليه أو قتل نفسه بعود سهمه إله فجنايته هدر كالعمد في قول أكثر الفقهاء، وعاقلته براء من ديته.
وقال الأوزاعي وأحمد وإسحاق: تتحمل عاقلته ما جناه على نفسه يؤدونه إليه إن كانت على طرف، والورثة إن كانت على نفس، استدلالًا بما روي أن رجلًا ركب دابة له وضربها بخشبة كانت يده فطارت منها شظية ففقأت عينه فذكر ذلك لعمر بن الخطاب

الجزء: 12 - الصفحة: 329

رضي الله عنه فقال: يده يد رجل من المسلمين وجعل الدية على عصبته.
ودليلنا ما روي أن عامر بن الأكواع أعوج سيفه في قتال المشركين فقتل نفسه فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أبطل جهاده فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أبطل جهاده، ولم ينقل أنه قضى بالدية في ماله ولا عاقلته، وهذا وإن كان في العمد ففيه دليل على الخطأ.
ويدل عليه ما روي أن عوف بن مالك الأشجعي ضرب مشركًا بالسيف فرجع السيف إليه فقتله فامتنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه وقالوا: قد أبطل جهاده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مات مجاهدًا شهيدًا"، فدل الظاهر على أن هذا جميع حكمه، ولو وجبت الدية لأبانها، لأنه لا يؤخر بيان الأحكام عن أوقاتها، ولأن جناية العمد أغلظ من جناية الخطأ، فلما أهدر عمده كان خطأه أهدر، ولأنه يواسي بدية الخطأ تخفيفًا عنه، وهو لا يلزمه بقتل نفسه ما تتحمله العاقلة تخفيفًا عنه، فصار هدرًا وجرى مجرى استهلاكه مال نفسه لا يرجع ببدله على غيره، فأما قضاء عمر فهو قول واحد من الصحابة والقياس بخلافه فكان أولى منه والله أعلم.

باب عقل الموالي

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يعقل الموالي المعتقون عن رجلٍ من الموالي المعتقين وله قرابةٌ تحمل العقل فإن عجزت عن بعضٍ حمل الموالي المعتقون الباقي وإن عجزوا عن بعض ولهم عواقلٌ عقلته عواقلهم فإن عجزوا ولا عوقل لهم عقل ما بقي جماعة المسلمين".
قال في الحاوي" العقل يتحمل بالولاء كما يتحمل بالنسب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
ولأنه لما استحق الميراث بالولاء كاستحقاقه بالنسب وجب أن يتحمل به العقل كما يتحمل بالنسب، وإذا كان كذلك فالمناسبون من العصبات مقدمون في العقل على الموالي كما يتقدمون عليهم في الميراث، ويقدم أيضًا العصبات على الموالي في العقل والميراث كما يقدم أقرب العصبات على أبعدهم، فإذا وجد في أقرب العصبات من يتحمل العقل وقف تحملها عليهم، وخرج من التحمل البعداء من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها والموالي، وإن عجز الأقربون عنها تحملها البعداء والموالي من العصبات وشاركوا فيها الأقارب وخرج منها الموالي إذا تحملها جميع العصبات، وإن عجز جميعهم عنها شركهم فيها الموالي وكانوا أسوة العصبات في تحملها، فإن عجز عنها العصبات والموالي شركهم فيها عصبات الموالي ثم موالي الموالي، فإن عجزوا أو عدموا

الجزء: 12 - الصفحة: 330

تحمل بيت مال المسلمين ما عجزوا عنه من بقي العقل أو من جميعه إذا عدموا؛ لأن ولاء الدين يجمع عاقلة المسلمين فكان عقل جنايته عليهم في بيت مالهم عند عدم عصبته كما ورثوه، وصار ميراثه لبيت مالهم عند عدم عصبته، فإن لم يكن في بيت مال المسلمين مال كانت الدية أو ما بقي منها دينًا، وفي محله قولان مبنيان على اختلاف قول الشافعي في دية الخطأ هل كان ابتداء وجوبها على الجاني ثم تحملها العاقلة عنه أو وجبت ابتداء على العاقلة.
فأحد القولين: إنها وجبت ابتداء على الجاني ثم تحملتها العاقلة لوجوبها بالقتل وتحملها بالمواساة، فعلى هذا تؤخذ من القاتل لعدم من يتحملها عنه فإن أعسر بها كانت دينًا عليه.
والثاني: إنها وجبت ابتداء على العاقلة، لأنها لو وجبت على غيرهم لما انتقلت إليهم إلا بعقد أو التزام وهي تلزمهم من غير عقد ولا التزام، فعلى هذا تكون دينًا في بيت المال ولا يرجع بها على الجاني، وإن كان موسرًا بها لوجوبها على غيره.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "قال ولا أحمل الموالي من أسفل عقلًا حتى لا أجد نسبًا ولا موالي من أعلى ثم يحملونه لا أنهم ورثته ولكن يعقلون عنه كما يعقل عنهم".
قال في الحاوي: اعلم أن الموالي ضربان: مولى من أعلى وهو السيد المعتق.
ومولى من أسفل وهو العبد المعتق.
فأما المولى الأعلى فيعقل عن المولى الأسفل ويرثه وحكم عقله ما قدمناه.
وأما المولى الأسفل فلا يرث المولى الأعلى، وفي عقله عنه قولان: أحدهما: لا يعقل عنه كما لا يرثه.
وبه قال أبو حنيفة: لأن العصبات ورثوا فعقلوا، وهذا لا يرث فلم يعقل، لأن غرم العقل مقابلًا لغنم الميراث.
والقول الثاني: إن المولى الأسفل يعقل كما يعقل المولى الأعلى لأمرين: أحدهما: أنه لما عقل الأعلى عن الأسفل وجب أن يعقل الأسفل عن الأعلى.
والثاني: أنه لما عقل الأعلى مع إنعامه كان عقل الأسفل مع الإنعام عليه أولى فعلى هذا يقدم المولى الأعلى في العقل بميراثه، فإن عجز شركه المولى الأسفل ويكون الأسفل مع الأعلى جاريًا مجرى الأعلى مع العصبات والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 331

باب أين تكون العاقلة

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "إذا جني رجلٌ جنايةً بمكة وعاقلته بالشام فإن لم يكن خبرٌ مضى يلزم به خلاف القياس فالقياس أن يكتب حاكم مكة إلى حاكم الشام يأخذ عاقلته بالعقل.
وقد قيل: يحمله عاقلة الرجل ببلده ثم أقرب العواقل بهم ولا ينُتظر بالعقل غائبٌ وإن احتمل بعضهم العقل وهو حضورٌ فقد قيل: يأخذ الوالي من بعضهم دون بعض لأن العقل لزم الكل.
قال: وأحب إلى أن يقضي عليهم حتى يستووا فيه".
قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو عاقلة الجاني خطأ من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يكونوا حضروا مع الجاني في بلده.
والثاني: أن يكونوا غائبين عن الجاني في غير بلده.
والثالث: أن يكون بعضهم حاضرًا في بلد الجاني وبعضهم غائبًا عن بلده.
فأما الحال الأولى: أن يكونوا كلهم حاضرين في بلد الجاني فهو على ضربين: أحدهم: أن يتساووا في الدرج.
والثاني: أن يتفاضلوا في الدرج وكان بعضهم أقرب من بعض بدئ بالأقرب فالأقرب نسبًا، فيقدم الإخوة وبنوهم على الأعمام وبنيهم، فإن تحملها الأقربون خرج منها الأبعدون، وإن عجزوا عنها شركهم من بعدهم من الأباعد درجة بعد درجة حتى يستوفي، فإن عجز عنها بعداؤهم شركهم مواليهم، ثم عصبات مواليهم، ثم بيت المال، فإن استووا في الدرج ولم يتفاضلوا لم يخلوا قسم الدية فيهم من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون موافقة لعددهم لا تزيد عليهم ولا تنقص عنهم فتنقص على جميعهم ولا يخص بها بعضهم دون بعض بحسب أحوالهم من إكثار وإقلال.
والثاني: أن تزيد على عددهم كأنهم يتحملون نصفها ويعجزون عن باقيها، فتفض على ما احتملوا منها، وينقل ما عجزوا عنه إلى الموالي، فإن لم يكونوا فإلى بيت المال.
والثالث: أن تنقص الدية عن عددهم ويمكن أن تنقص على بعضهم، لأنها تتقسط على مائة رجل وهم مائتان ففيه قولان: أحدهما: أنها تقضي على جميعهم ولو تحمل كل واحد منهم قيراطًا، ولا يخص بها بعضهم لاستواء جميعهم فيها.
والثاني: أنها تقضي على بعضهم دون جميعهم ويخص بها منهم العدد الذي يرافق تحملها، ويكون من استغنى عنه خارجًا منها، ويكون الحاكم مخيرًا في فضها على من

الجزء: 12 - الصفحة: 332

شاء منهم، لأنها تؤخذ بواجب وتترك بعفو، والأولى أن يفضها على من كان أسرع إجابة إليها، وإنما خص بها بعضهم؛ لأنه لما تقدر ما يتحمله كل واحد منهم لم يجز الزيادة عليه لم يجز النقصان منه، ونقل المزني عن الشافعي تعليل هذا القول في أخذها من بعضهم دون بعض، لأن العقل لزم الكل، واختلف أصحابنا فيما نقله من هذا التعليل هل وهو فيه أو سلم؟ على وجهين: أحدهما: أنه وهم فيه وهو تعليل القول الأول، وهذا قول أبي حامد المروزي.
والثاني: أنه سلم فيه، ومن قال بهذا اختلفوا هل حصل في النقل عنه سهو أم لا؟ على وجهين: أحدهما: أنه ما حصل فيه سهو، وهو تعليل صحيح، لهذا القول أنه يؤخذ ن بعضهم دون بعض؛ لأن العقل لزم الكل، فإذا أخذ من بعضهم لم يخرج من جملة من لزمه من العقل فجاز الاقتصار عليه لدخوله في اللزوم.
والثاني: قد حصل في النقل عنه سهو، ومن قال بهذا اختلفوا في المحذوف بالسهو على وجهين: أحدهما: أن الذي نقله المزني لا يأخذها من بعضهم دون بعض؛ لأن العقل لزم الكل، ويكون ذلك إشارة إلى القول الأول فسها الناقل عنه فحذف لا فصار القول الثاني.
الثاني: أن الذي نقله المزني يأخذها من بعضهم دون بعض، لأن العقل لزم الكل وهو تعليل للقول الثاني إن لم يلزم الكل إذا أخذها من البعض فسها الناقل عنه في حذف الألف التي أسقطها من لا أن حين نقل لأن [.......]. فصل: وأما الحالة الثانية: وهو أن يكون جميع عاقلته غيبًا عن بلده كأنه جني بمكة وعاقلته الشام، فعلى حاكم مكة أن يكتب إلى حاكم الشام حتى يفضها على عاقلته بالشام، ولحاكم مكة فيما يكاتب حاكم الشام حالتان: إحداهما: وهو أقل ما يجزئ أن يكتب به أن يقول: ثبت عندي أن فلانًا قتل فلانًا خطأ مضمونًا، فيذكر القاتل باسمه ونسبه وقبيلته، ويذكر المقتول باسمه ونسبه وإسلامه وحريته، لاختلاف الدية بالإسلام والحرية، ولا يلزمه أن يذكر قبيلة المقتول وإن لزمه أن يذكر قبيلة القاتل لتوجيه الحكم على قبيلة القاتل دون المقتول، فيكون حاكم مكة ناقلًا لثبوت القتل المضمون من القاتل للمقتول، ويختص حاكم الشام بالحكم فيحكم بوجوب الدية على العاقلة، ويحكم بفضها عليهم بحسب أحوالهم، ويحكم باستيفائها منهم عند حلولها عليهم.
والثانية: أن يكتب حاكم مكة بثبوت قتل الخطأ ويحكم بالدية فيه على عاقلة القاتل

الجزء: 12 - الصفحة: 333

وهم بنو فلان إشارة إلى قتيلهم.
فإن قيل: فكيف تقضي عليهم وهم غير حضور ولا معين؟ قيل: لأن حكمه على عموم القبيلة لا على أعيان كل واحد من أهلها لتوجه الحكم إلى عمومهم دون أعيانهم، فيحتاج حاكم الشام أن يحكم بفضها عليهم بحسب أحوالهم ويحكم باستيفائها منهم، وقد تقدم من حاكم مكة الحكم بوجوبها عليهم، ولا يسع حاكم مكة أن يزيد على هذا في فضها واستيفائها؛ لأن أعيان من تقضى عليه وتستوفي منه لا يعرف إلا عند الحلول والاستيفاء لتغير الأحوال في الإيسار والإعسار، ولكن يسعه أن يقول: وحكمت على كل موسر منهم بنصف دينار وعلى كل مقل بربع دينار، فيقطع اجتهاد حاكم الشام في التقدير، ولو لم يحكم بهذا كان التقدير موقوفًا على حاكم الشام ليحكم فيه برأيه.
فصل: وأما الحال الثالثة: وهو أن يكون بعض عاقلته حضورًا بمكة وبعضهم غيبًا بالشام فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الأقربون نسبًا حضورًا بمكة والأبعدون نسبًا غيبًا بالشام فيفضها حاكم مكة على الأقربين بمكة، فإن احتملوها خرج منها الأبعدون بالشام لاختصاص من حضر بقرب الدار وقرب النسب، فإن عجزوا عنها كتب حاكم مكة بالباقي منها إلى حاكم الشام حتى يستوفيه من الأباعد.
والثاني: أن يكون الأبعدون نسبًا حضورًا بمكة والأقربون نسبًا غيبًا بالشام ففيها قولان: أحدهما: أنها تقضي على الأقربين نسبًا بالشام ولاختصاصها بالنسب الذي يستحق به الميراث، والميراث مستحق بقرب النسب لا يقرب الدار، كذلك تحمل العقل، فعلى هذا يكتب بها حاكم مكة إلى حاكم الشام فإن وفوا بها وإلا فض حاكم مكة باقيها على من بعد نسبه من الحضور.
والثاني: أنها تفض على الحاضرين بمكة وإن كانوا أبعد نسبًا؛ لأن محل العقل معتبر بالنصرة والذب عن القاتل، ومن قريب داره أخص بالنصرة مع بعد نسبه ممن بعدت داره مع قرب نسبه فوجب أن يكون أخص بتحمل العقل فيفضها حاكم مكة عليهم، فإن وفوا بها خرج منها من بالشام من الأقارب، فإن عجزوا عنها فض باقيها على من الشام منهم، وكتب به بحاكم مكة إلى حاكم الشام ليستوفيه ولو كان بعض الغائبين أقرب دارًا من بعض مضي باقيها على أقربهم دارًا مثل أن يكون بعضهم بالمدينة وبعضهم بالشام فيختص باقيها أهل المدينة، لأنها أقرب إلى مكة من الشام.
والثالث: أن يتساوي من حضر بمكة ومن غاب بالشام فيكونوا كلهم أقارب أو

الجزء: 12 - الصفحة: 334

أباعد، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تستوعب الدية جميعهم فتفض على من حضر وغاب حتى يستوفي جميعها.
والثاني: أن يكتفي بأحد الفريقين من الحضور أو الغيب ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنها تفض على الخاضرين والغائبين جميعًا اعتبارًا بالتساوي في النسب.
والثاني: أنها تفض على الحاضرين دون الغائبين: إذا قيل: إن بعد الدار أولى في الإسقاط.
والثالث: أن الحاكم بالخيار في أن يفضها على الحاضرين دون الغائبين أو أن يفضها على الغائبين دون الحاضرين أو أن يفضها على بعض الحاضرين وبعض الغائبين إذا قيل: إن بعد الدار لا يؤثر وإن العدد إذا زاد فض على البعض والله أعلم.

باب عقل الحلفاء

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا يعقل الحليف إلا أن يكون مضى بذلك خبرٌ ولا العديد ولا يعقل عنه ولا يرث ولا يورث إنما يعقل بالنسب أو الولاء الذي كالنسب وميراث الحليف والعقل عنه منسوخٌ وإنما يثبت من الحلف أن تكون الدعوة واليد واحدةً لا غير ذلك".
قال في الحاوي: قد كان التوارث والعقل معتبرًا في الجاهلية بخمسة أشياء: بالنسب والولاء، والحلف، والعديد، والموالاة.
فأما النسب والولاء: فقد استقر الإسلام على استحقاق الميراث وتحمل العقل بهما.
وأما الحلف: فهو أن تتحالف القبيلتان عند استطالة أعدائها على التناصر والتظافر لتمتزج أنسابهم ويكونوا يدًا على من سواهم فيتوارثون ويتعاقلون، أو يتحالف الرجلان على ذلك فيصيرا كالمتناسبين في التناصر والتوارث والعقل، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلف المطيبين حين اجتمعت عليه قبائل قريش في دار عبد الله بن جدعان قبل الإسلام على نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، ومعونة الحجيج، وقال صلى الله عليه وسلم: "أنا من حلف المطيبين، وما زاده الإسلام إلا شدة وما يسرني بحله حمر النعم".
وفيه توارث المسلمون بالحلف في صدر الإسلام، وتأوله بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء:33] ثم نسخ التوارث بالحلف بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:75].

الجزء: 12 - الصفحة: 335

فأما تحمل العقل بالحلف فالذي عليه الشافعي رضي الله عنه وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء أن الحلفاء يتعاقلون إلا أن يكونوا متناسبين فيتعاقلون بالنسب دون الحلف.
وحكي عن مالك بن أنس ومحمد بن الحسن أن الحلفاء يتعاقلون بالحلف وإن لم يتناسبوا استدلالًا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ثم أنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله.
وإنما قال ذلك لأن خزاعة وبني كعب كانوا حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلفاء بني هاشم فتحمل العقل عنهم بالحلف مع التباعد في النسب.
والدليل عليهم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال:75] فكان على عمومه في اختصاصهم بأحكام النسب.
وروي أن علي بين أبي طالب عليه السلام أراد أن يحالف رجلًا فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: "لا حلف في الإسلام" أي لا حكم له، لأن الحلف إن كان على معصية كان باطلًا، وإن كان على طاعة فدين الإسلام يوجبها فلم يكن للحلف تأثير ولأن عقود المناكح أوكد من الحلف، ثم لا توجب تحمل العقل، فكان الحلف أولى أن لا يوجبه، وأما تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقل خزاعة فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أنه تحمل عقلهم تفضلًا لا وجوبًا.
والثاني: يجوز أن يكون تحمله عنهم حين كان المسلمون في صدر الإسلام يتوارثون بالحلف.
والثالث: أن معنى قوله: وأنا والله عاقلة أي أحكم بعقله.
وأما العديد: فهو أن القبيلة القليلة العدد تعد نفسها عند ضعفها عن المحاماة في جملة قبيلة كثيرة العدد قوية الشوكة ليكونوا منهم في التناصر والتظافر ولا يتميزون عنهم في سلم ولا حرب، أو ينافر الرجل الواحد قومه فيخرج نفسه منهم وينضم إلى غيرهم ويعد نفسه منهم فهذا أضعف الحلف، لأن في الحلف إيمانًا ملتزمة وعقودًا محكمة وهذا استجارة وغوث فلم يتوارث به المسلمون مع توارثهم بالحلف فكان أولى أن لا يوجب تحمل العقل ولا أعرف قائلًا بوجوب عقله.
وأما الموالاة، فهو أن يتعاقد الرجلان لا يعرف نسبهما على أن يمتزجا في النسب والنصرة ليعقل كل واحد منهما عن صاحبه ويرثه، فهذا عقد فاسد على مذهب الشافعي، وأكثر الفقهاء لا يوجب توارثًا، ولا عقلًا، وأجازه أبو حنيفة وقال: لا يرث واحد منهما صاحبه إلا أن يعقل عنه، فإذا عقل عنه توارثًا، والكلام فيه مذكور في التوارث بالولاء وبالله التوفيق.

الجزء: 12 - الصفحة: 336

باب عقل من لا يعرف نسبه وعقل أهل الذمة

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه" "إذا كان الجاني نُوبيًا فلا عقل على أحدٍ من النوبة حتى يكونوا يُثبتون أنسابهم إثبات أهل الإسلام وكذلك كل رجلٍ من قبيلةٍ أعجميةٍ أو القبط أو غيره فإن لم يكن له ولاءٌ يعلم فعلى المسلمين لما بينه وبينهم من ولاية الدين وإنهم يأخذون ماله إذا مات".
قال في الحاوي: وهذا قاله الشافعي ردًا على بعض أهل العراق حيث زعم أن النوبي إذا جني عقلت عنه النوبة، وكذلك الزنجي وسائر الأجناس يعقل عنهم من حضرهم من أجناسهم لأمرين: أحدهما: أن نسبهم واحد.
والثاني: أنهم يتناصرون بالجنس كما تتناصر العرب بالأنساب، وهذا فاسد، والجنس لا يوجب تحمل العقل إلا أن يثبتوا أنسابهم ويتحققوا من أقاربهم فيها وأباعدهم، وإنما كان كذلك لأمرين: أحدهما: أن العقل تابع للميراث والجنس لا يوجب التوارث فكذلك لا يوجب تحمل العقل.
الثاني: قد يجمعهم اتفاق البلدان واتفاق الصنائع كما يجمعهم اتفاق الأجناس فلو جاز أن تعقل النوبة عن النوبي لجاز أن يعقل أهل مكة عن المكي وأهل البصرة عن البصري، وكذلك أهل الصنائع، وهذا مدفوع بالإجماع فوجب أن يكون الجنس مدفوعًا بالحجاج، وهكذا العجم لا يعقل بعضهم عن بعض إلا بالأنساب المعروفة وكذلك اللقيط الذي لا يعرف له نسب ولا يعقل عنه ملتقطه ولا القبيلة التي نبذ فيها والتقط منها، وهكذا لو جني رجل قرشي لا يعرف من أي قريش هو لم تعقل عنه قريش كلها حتى يعرف من أي قبيلة هو من قريش، لأن أباعد قريش إنما يعقلون عنه عند عجز أقربهم نسبًا إليه، فإذا لم يعرف أقربهم إليه للجهل بنسبه فيهم سقط تحمل عقله عنهم وصار جميع هؤلاء من لا عواقل لهم بالأنساب فيعقل عنهم جماعة المسلمين من بيت مالهم كما يكون ميراث لو مات لهم لما يجمعهم من ولاية الدين، كما يعقل عنه مواليه لما يجمعهم من ولاية الولاء.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ومن انتسب إلى نسبٍ فهو منه إلا أن تثبت بينةٌ

الجزء: 12 - الصفحة: 337

بخلاف ذلك ولا يُدفع نسبٌ بالسماع".
قال في الحاوي: اختلف أصحابنا في تأويل هذه المسألة على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي حامد الإسفراييني وطائفة أنها محمولة على دعوى النسب الخاص وهو الواحد يدعى أبًا فيقول: أنا ابن فلان، فإن اعترف له بالأبوة ثبت نسبه أو يدعي الواد ابنًا فيقول: هذا انبي، فإن اعترف له بالنبوة ثبت نسبه وصار جميع من ناسبهما عواقل لكل واحد منهما، فإذا ادعاه رجل أقر أنه ولده لم يقبل دعواه بعد لحوقه بالأول إلا بينة تشهد له أنه ولد على فراشه فيلحق به، لأن لحوق البينة بالفراش أقوى من لحوقه بمجرد الدعوى، ولو شهدت البينة له بأنه ابنه ولم يشهد له بالفراش لم يحكم به بنسبه وكان لاحقًا بالأول، سواء صدقه الولد أو لم يصدقه؛ لأن لحوقه بالأول يمنع من نفيه عنه إلا بما هو أقوى منه وليس في هذه البينة زيادة قوة إلا أن تشهد بالفراش وإلا فشهادتها منسوبة إلى السماع، وقد قال الشافعي: "لا يدفع نسب بالسماع" فهذا حكم تأويلها على الوجه الأول.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة وأكثر أصحابنا أنها محمولة على دعوى النسب العام: وهو أن يدعي الرجل أنه من قريش وقريش تسمع دعواه ولا تنكره، أو يدعي أنه من بني هاشم وبنو هاشم يسمعون ولا ينكرونه فيحكم بنسبه فيهم بإقرارهم على دعوى نسبهم وبمثل هذا تثبتي أكثر الأنساب العامة، فإن تجرد من أنكر نسبه ونفاه عنهم، وقال: لست منهم لم يقبل نفيه له، ولو شهد أنه ليس منهم؛ لأن الشهادة على مجرد النفي لا يصح.
وقال مالك: إذا شاع هذا القول وذاع حكمت به ونفيته عنهم؛ وهذا خطأ؛ لأن انتشار القول محكوم به في ثبوت الأنساب غير محكوم به في نفيها، لأن القول المنتشر في الأنساب كالبينة، والبينة تسمع من النسب ولا تسمع على مجرد النفي فكذلك شائع الخبر، ويكون على لحوقه بهم حتى تشهد بينته على أنه من غيرهم ولد على فراش أحدهم، ولا يقبل شهادتهم بالسماع أنه من غيرهم بعد لحوقه بهم، وهو معنى قول الشافعي: "ولا يدفع نسب بالسماع" والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإذا حكمنا على أهل العهد ألزمنا عواقلهم الذين تجري أحكامنا عليهم فإن كانوا أهل حربٍ لا يجري حُكمنا عليهم ألزمنا الجاني ذلك ولا يقضي على أهل دينه إذا لم يكونوا عُصبةً لأنهم لا يرثونه ولا على المسلمين لقطع الولاية بينهم وإنهم لا يأخذون ماله على الميراث إنما يأخذونه فيئًا".

الجزء: 12 - الصفحة: 338

قال في الحاوي: إذا جني الذمي في دار الإسلام جناية خطأ فله حالتان: أحدهما: أن تكون له عاقلة من مناسبيه.
والثاني: أن لا يكون له عاقلة مناسبون فإن كان له عاقلة من ذوي نسبه لم يخل حالهم من أحد أمرين: إما أن يكونوا مسلمين أو غير مسلمين، فإن كانوا مسلمين لم يعقلوا عنه كما لم يرثوه، لأن اختلاف الدين قاطع للموالاة بيتهم، وإن كانوا كفارًا فكان القاتل يهوديًا وعاقلته نصارى؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، ولا يخلو حالهم من أحد أمرين: إما أن تجري عليهم أحكامنا أو لا تجري عليهم، فإن لم تجر عليهم أحكامنا لمقامهم في دار الحرب كان الجاني كمن لا عاقلة له على ما سنذكره لانقطاع الموالاة بين أهل الذمة وأهل الحرب، واختلافهم في التناصر، وظهور ما بينهم من التقاطع والتدابر، ولهذا المعنى لم يتوارثوا؛ فكذلك لأجله لم يعقلوا، وإن جرت أحكامنا على عاقلة لكونهم من أهل ذمة حكمنا عليهم بالعقل.
وقال أبو حنيفة: لا يعقلون عنه إن شاركوه في النسب ووافقوه في الذمية احتجاجًا بأنهم مقهورون بالذمة ولا يتناصرون فيها فبطل التعاقل بينهم لذهاب التناصر منهم، وهذا خطأ لأن ثبوت الأنساب التي يتوارثون بها توجب تحمل العقل بها كالمسلمين وهم لا يتناصرون على الباطل ويتناصرون على الحق كذلك المسلمون.
فصل: وإن لم يكن للذمي من عاقلة مناسبون وجبت الدية في ماله ولم يعقل عنه.
وقال بعض العلماء: يعقل عنه أهل جزيته الذين في كورته لأنهم مشاركوه في ذمته وجزيته كما يتحمل المسلمون عن المسلم، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن المسلمين قد جمعهم الحق فصحت موالاتهم عليه، وهؤلاء جمعهم الباطل فبطلت موالاتهم فيه.
والثاني: أن المسلم لا يعقل عنه أعيان الأجانب فكان أولى أن لا يعقلوا عن الذمي، فإن قيل: فهلا كانت جنايته في بيت مال المسلمين، لأن ميراثه يصير إلى بيت مالهم؟ قيل: إنما صار ميراثه إلى بيت المال فيئًا ولم يصر إليه إرثًا، فذلك لم يعقل عنه وعقل عن المسلم؛ لأن ماله صار إليه إرثًا.
فصل: وإذا استرسل سهم اليهودي خطأ على رجل ثم أسلم اليهودي قبل وصول السهم ثم وصل فقتل لم يعقل عنه عصباته من اليهود لوصول السهم بعد إسلامه، ولم يعقل عنه عصبته من المسلمين ليهوديته عند إرساله، تحمل الدية في ماله، ولو قطع يهودي يد رجل

الجزء: 12 - الصفحة: 339

ثم أسلم ومات المقطوع عقلت عنه عصبته من اليهود دون المسلمين؛ ولحدوث الجناية في يهوديته وإن استقرت بعد إسلامه، ولذلك سقط عنه القود بإسلامه، وخالف القطع إرسال السهم لوجود الجناية مع القطع وحدوثها بعد إرسال السهم، وهكذا لو كان القاطع مسلمًا فارتد عن الإسلام ومات المقطوع عقل عنه عصباته من المسلمين لإسلامه عند جنايته، والله أعلم.

باب وضع الحجر حيث لا يجوز وضعه وحفر البئر وميل الحائط

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو وضع حجرًا في أرضٍ لا يملكها وآخر حديدةً فتعقل رجلٌ بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فعلى واضح الحجر لأنه كالدافع له".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن القتل إن حدث عن سبب محظور كان مضمونًا وإن حدث عن سبب مباح كان هدرًا، فإذا وضع رجل حجرًا في أرض لا يملكها إما في طريق سابق أو في ملك غيره فوضعه محظور، فإن عثر به إنسان فمات كان واضع الحجر ضامتًا لديته لحظر السبب المؤدي إلى قتله، والقتل يضمن بالسبب كما يضمن بالمباشرة، ولو دفعه رجل على هذا الحجر فمات كانت ديته على الدافع له لا على واضع الحجر؛ لأن المباشرة أقوى من السبب، فإذا اجتمعا غلب حكم المباشرة على السبب، ولو كان صاحب الحجر وضعه في ملكه أو في ملك غيره بإذنه فعثر به إنسان فمات فلا ضمان عليه، ودية العاثر هدر، سواء كان بصيرًا أو ضريرًا، دخل بإذن أو غير إذن، لإباحة السبب المؤدي إلى قتله.
فإذا تقررت هذه المقدمة فصورة المسألة: في رجل وضع حجرًا في أرض لا يملكها ووضع آخر حديدة بقربه في الأرض التي لا يملكها، فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة، فمات فضمان ديته على واضع الحجر دون واضع الحديدة، لأن وقوعه على الحديدة بعثرة الحجر فصار واضعه كالدافع له فوجب أن يكون ضامنًا لديته كما لو دفعه عليها.
وقال أبو الفياض من أصحابنا البصريين: إن كانت الحديدة سكينًا قاطعة فالضمان على واضعها دون واضع الحجر، وإن كانت غير قاطعة فالضمان على واضع الحجر؛ لأن السكين القاطعة موجية والحجر غير موج.
وهكذا قال في رجل دفع رجلًا على سكين في يد قصاب فانذبح بها أن ديته على القصاب دون الدوافع، وهذا القول معلول، لأن الدفع مباشرة يضمن بها المدفوع سواء ألقاه على موج أو غير موج، ولو عثر بالحديدة فوقع على الحجر فمات كان ضمانه على

الجزء: 12 - الصفحة: 340

واضع الحديدة دون واضع الحجر؛ لأنه قد صار صاحب الحديدة كالدافع له، ولو كان صاحب الحجر غير معتد بوضعه وصاحب الحديدة متعديًا فعثر رجل بالحجر فوقع على الحديدة فمات ضمنه واضع الحديدة دون واضع الحجر، لأن وضع الحجر مباح، فصارت الجناية منسوبة إلى واضع الحديدة لتعديه، وبطل التعليل بالدفع الملغي لخروجه عن التعدي والحظر، وهكذا لو برزت نبكة من الأرض فعثر بها هذا الثمار فسقط على الحديدة الموضوعة بغير حق فمات ضمن واضعها ديته، لأن بروز النبكة التي عثر بها لا توجب الضمان فأوجبه وضع الحجر.
فصل: ولو أخرج طينًا من داره لهدم أو بناء ليستعمله حالًا بعد حال فعثر به بعض المارة فسقط ميتًا نظر: فإن كان الطريق ضيقًا أو الطين كثيرًا فهو معتد بوضعه، فيه فيكون ضامنًا لديته، وإن كان الطريق واسعًا والطين قليلًا وقد عدل به عن مسلك المارة إلى فناء داره لم يضمن، لأنه غير متعد به ولا يحد الناس من مثله ابدًا.
وقال بعض أصحابنا: يضمن لأنه مباح بشرط السلامه، فإذا أفضى إلى التلف ضمن كتأديب المعلوم، وهذا فاسد، لما فيه من التسوية بين المباح والمحظور مع وضوح الفرق بينهما.
فصل: ولو رش ماء في طريق سابق فزلق فيه بعض المارة فسقط ميتًا ضمن ديته لحدوثه عن سبب محظور، وهكذا لو ألقي في الطريق قشور بطيخ أو فاكهة قد أكلها فزلق بها إنسان فمات ضمنه لما ذكرنا، ولو بالت دابته في الطريق فزلق إنسان فمات فإن لم يكن معها لم يضمن، كما لو رمحت برجلها وليس صاحبها معها لم يضمن، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "جرح العجماء جبار": البهيمة، وإن كان صاحبها حين بالت معها ضمن ما تلف بزلق بولها، سواء كان راكبًا أو قائدًا أو سائقًا، لأن يده عليها فجرى بولها الذي في الطريق مجرى بوله الذي يلزمه ضمان ما تلف به.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو حفر في صحراء أو طريقٍ واسعٍ محتملٍ فمات به إنسانٌ".

الجزء: 12 - الصفحة: 341

قال [في] الحاوي: وتفصيل هذا أنه إذا حفر بئرًا لم يخل حاله في حفرها من أحد أربعة أقسام: أحدها: أن يحفرها في ملكه.
والثاني: أن يحفرها في ملك غيره.
والثالث: أن يحفره في الموات.
والرابع: أن يحفرها في طريق سابل.
فأما القسم الأول وهو أن يحفرها في ملكه فهو مباح، ولا ضمان عليه فيما سقط فيها من بهيمة، أو إنسان، بصير أو ضرير سواء كان الدخول بأمر وغير أمر إذا كانت ظاهرة، ولكن لو حفر بئرًا في ممر داره وغطاها عن الأبصار ودخل إليها من سقط فيها فمات فلا يخلو حال الداخل من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يدخلها بغير أمر فو متعد بالدخول ونفسه هدر.
والثانية: أن يكرهه الحافر على الدخول، فيضمن ديته لتعديه بإكراهه على الدخول.
والثالثة: أن يدخلها مختارًا بإذن الحافر، فإ أعلمه بها فلا ضمان عليه، وإن لم يعلمه بها، وهو بصير ولها آثار تدل عليها فلا ضمان عليه وإن لم تكن لها آثار أو كان لها آثار والداخل أعمى ففي وجوب الضمان قولان: أحدهما: وهو الأظهر، المنصوص عليه أنه لا ضمان عليه، وتكون نفس الواقع فيها هدرًا، ولأنه دخل باختيار والحفر مباح.
والثاني: يضمن الحافر دية الواقع تخريجًا من أحد قوليه فيمن سم طعامًا وأذن في أكله.
فصل: وأما القسم الثاني وهو أن يحفر بئرًا في ملك غيره فهو على ضربين: أحدهما: أن يحفرها المالك فلا ضمان فيما سقط فيها على الحافر ولا على المالك لأن كل واحد منهما غير متعد، ويخرج الحافر بالإذن من عواقب الحفر.
والثاني: أن يحفرها بغير إذن مالكها فالحافر، متعد بحفرها وهو الضامن لما تلف فيها من إنسان أو بهيمة، سواء قدر المالك على سدها أو لم يقدر لخروجه عن عدوان الحفر، فإن أراد الحافر أن يطمها ليبرأ من ضمانها أخذ المالك بتمكينه من طمها ليبرأ من ضمان ما سقط فيها، فإن أبرأه المالك من الضمان ففيه وجهان: أحدهما: أنها براءة باطلة لتقدمها على الوجوب، فعلى هذا يؤخذ بتمكين الحافر من طمها.
والثاني: يبرأ ويكون الإبراء جاريًا ومجرى الإذن بالحفر، فعلى هذا يمنع الحافر من طمها.

الجزء: 12 - الصفحة: 342

فصل: وأما القسم الثالث، وهو أن يحفرها في الموات: فهذا على ضربين: أحدهما: أن يحفرها لنفسه ليتملكها فيمكن، ويصير مالكًا لها بالإحياء، وسواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، لأن إحياء الموات لا يفتقر إلى إذنه، ولا يضمن ما سقط فيها كما لا يضمنه فيما حفره في ملكه؛ لأنه في الحالين مالك.
والثاني: أن يحفرها لينتفع هو والسابلة بمائها ولا يتملكها فينظر، فإن أذن له الإمام في حفرها فلا ضمان عليه فيما سقط فيها لقيام الإمام بعموم المصالح وإذنه حكم بالإبراء وإن لم يأذن له الإمام في حفرها ففي ضمانه قولان: أحدهما: وبه قال في القديم - عليه الضمان، وجعل إذن الإمام شرطًا في الجواز لأنه أحق بالنظر في عموم المصالح من الحافر.
والثاني: وبه قال في الجديد: أنه لا ضمان عليه في المباح، لأن المباح لا يفتقر إلى إذن الإمام والمحظور لا يستباح بإذنه.
فصل: وأما القسم الرابع وهو أن يحفرها في طريق سابل: فهذا على ضربين: أحدهما: أن يضر حفرها بالمارة فيصير متعديًا ويلزمه ضمان ما سقط فيها، سواء أذن له الإمام أو لم يأذن؛ لأن إذن الإمام لا يبيح المحظورات.
والثاني: أن لا تضر بالمارة؛ لسعة الطريق وانحراف البئر عن جادة المارة فهذا على ضربين: أحدهما: أن يحفرها ليتملكها فهذا محظور؛ لأنه لا يجوز أن يتملك طريق السابلة فيلزمه ضمان ما سقط فيها.
والثاني: أن يحفرها للارتفاق لا للتمليك، فإن لم يحكم رأسها وتركها مفتوحة ضمن ما سقط فيها، وإن أحكم رأسها واستأذن فيها الإمام لم يضمن، وإن لم يستأذنه فيها ففي وجوب ضمانه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قياس قوله في القديم يضمن، لأنه جعل إذن الإمام شرطًا في عموم المصالح.
والثاني: لا يضمن للارتفاق الذي لا يجد الناس منعه بدًا.
والثالث: أنه إن حفرها لارتفاق كافة المسلمين بها.
إما لشربهم منها.
وإما ليفيض مياه الأمطار إليها فلا ضمان عليه، وإن حفرها ليختص بالارتفاق بها لحشر داره أو لماء مطرها فعليه الضمان؛ لأن عموم المصالح أوسع حكمًا من خصوصها، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: "البئر جبار والمعدن جبار" وفيه تأويلان:

الجزء: 12 - الصفحة: 343

أحدهما: المراد به الأجبر في حفر البئر والمعدن إذا تلف كان هدرًا.
والثاني: أن ما سقط فيها بعد الحفر هدر، ولا يمتنع أن يحمل على عموم الأمرين فيما استبيح فعله وإن أريد به أحدهما لاشتراكهما في المعنى.
فصل: ويتفرع على ما ذكرناه إن بني مسجدًا في طريق سابل، فإن كان مضرًا بالمارة لضيق الطريق أو سعة المسجد كان ضامنًا لما تلف به من المارة وإن لم يضر بهم فإن كان قد بناه بإذن الإمام لم يضمن، وإن بناه إذنه ففي ضمانه وجهان: لأنه من عموم المصالح، ولو علق قنديلًا في مسجد فسقط على إنسان فقتله أو فرس فيه بارية أو حصيرًا فعثر به داخل إليه فخر ميتًا فقد كان أبو حامد الإسفراييني يجريه مجرى بناء المسجد إن كان بإذن الإمام لم يضمن، وإن كان بغير إذنه فعلى وجهين، وخالفه سائر أصحابنا وقالوا: لا يضمن وجهًا واحدًا سواء أذن فيه الإمام أو لم يأذن، وهو الصحيح لكثرته في العرف، وإن أذن الإمام فيه شق.
فصل: وإذا استقر البئر بحق فوقع فيها واقع ووقع فوقه آخر وحدث من ذلك موت فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقع الثاني خلف الأول من غير جذب ولا دفع، فإن مات الأول فديته هدر، لأنه لما صنع لغيره في موته، وإن ماتا جميعًا وجبت دية الأول على الثاني، وكانت دية الثاني هدرًا لما ذكرنا، روى علي بن رباح اللخمي أن بصيرًا كان يقود أعمى فوقعا في بئر ووقع الأعمى فوق البصير فقتله فقضى عمر بعقل البصير على الأعمى فكان الأعمى ينشد في الموسم ويقول: يا أيها الناس لقيت منكرا هل يعقل الأعمى الصحيح المبصرا خرا معًا كلاهما تكسرا والثاني: أن يجذب الأول الثاني فيقع عليه، فإن مات الأول كانت ديته هدرًا وإن مات الثاني كانت ديته كلها على الأول بخلاف الضرب الأول، لأن الجاذب هو القاتل والأول جاذب والثاني مجذوب، فصار الأول ضامنًا غير مضمون، والثاني مضمونًا غير ضامن، فعلى هذا لو وقع الأول ثم وقع عليه الثاني ثم وقع عليهما ثالثًا، فإن كان وقوعهم من غير جذب ولا دفع فدية الأول على الثاني والثالث؛ لأنه مات بوقوعهما عليه فاشتركا في ديته لاشتراكهما في تلفه، ودية الثاني على الثالث؛ لأنه انفرد بالوقوع عليه فانفرد بديته، ودية الثالث هدر؛ لأنه تلف من وقوعه، وإن جذب بعضهم بعضًا فجذب

الجزء: 12 - الصفحة: 344

الأول الثاني وجذب الثاني الثالث فإذا ماتوا جميعًا كان موت الأول والثاني بفعل قد اشتركا فيه، وموت الثالث بفعل لم يشاركهما فيه، لأن موت الأول كان بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وموت الثاني بجذب الأول وبجذب الثاني للثالث فصار الأول والثاني مشتركين في قتل أنفسهما يجب عليهما حكم المصطدمين، وكان النصف من دية كل واحد منهما هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله والنصف الآخر على عاقلة صاحبه، فيكون على عاقلة الأول نصف دية الثاني وباقيها هدر، وعلى الثاني نصف دية الأول وباقيها هدر، فأما الثالث فهو مجذوب وليس بجاذب فتكون جميع ديته مضمونة؛ لأنه مجذوب ولا يضمن دية غيره، لأنه ليس بجاذب وفيمن يضمن ديته وجهان: أحدهما: يضمنها الثاني دون الأول، لأن الثاتي هو امباشر بجذبه.
والثاني: يضمنها الثاني والأول بينهما بالسواء، لأن الأول لما جذب الثاني وجذب الثاني للثالث صارا مشتركين في جذب الثالث فلذلك اشتركا في ضمان ديته، وعلى هذا لو جذب الأول ثانيًا وجذب الثاني ثالثًا وجذب الثالث رابعًا وماتوا فيسقط الثلث من دية الأول هدرًا، ويجب ثلثاها على الثاني والثالث؛ لأنه مات بجذبه للثاني وبجذب الثاني للثالث وبجذب الثالث للرابع، فكان موته بفعل وفعل الثاني وفعل الثالث وليس الرابع فعل؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب فكان ثلث ديته هدرًا؛ لأنه في مقابلة فعله وثلثها على عاقلة الثاني وثلثها على عاقلة الثالث، وهكذا الحكم في الثاني يكون ثلث ديته هدرًا، وثلثاها على عاقلة الأول وثلثها على عاقلة الثالث لأنه مات بجذب الأول له وبجذبه للثالث ويجذب الثالث الرابع فصار الأول والثاني والثالث مشتركين في قتل الثالث، فسقط ثلث الدية، لأنها في مقابلة فعله ووجب ثلثاها على الأول والثالث، وأما دية الثالث ففي قدر ما يهدر منها ويضمن وجهان: أحدهما: يهدر نصف ديته ويجب نصفها على الثاني؛ لأنه مات بجذب الثاني وبجذبه للرابع فصار مشاركًا للثاني في قتل نفسه فسقطت نصف ديته، لأنه في مقابلة قتله، ووجب نصفها على الثاني وخرج منها الأول، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنه ينهدر من ديته ثلثها ويجب ثلثاها على الأول والثاني، لأن الأول لما جذب الثاني صار مشاركًا له في جذب الثالث، ولما جذب الثالث الرابع صار مشاركًا للأول والثاني في قتل نفسه وهم ثلاثة، فسقط من ديته ثلثها، ولأنه في مقابلة فعله، ووجب ثلثاها على الأول والثاني، وأما دية الرابع فجميعها واجبة لا ينهدر منها شيء؛ لأنه مجذوب وليس بجاذب ومقتول وليس بقاتل، وفيمن تجب عليه ديته وجهان: أحدهما: تجب على الثالث وحده، لأنه باشر جذبه.
والثاني: أنها تجب على الأول والثاني والثالث أثلاثًا، لأن كل واحد منهما جاذب لمن بعده فصاروا مشتركين في جذب الرابع فاشتركوا في تحمل ديته والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 345

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "أو مال حائطٌ من داره فوقع على إنسانٍ فمات فلا شيء فيه، وإن أشهد عليه؛ لأنه وضعه في ملكه والميل حادثٌ من غير فعله وقد أساء بتركه، وما وضعه في ملكه فمات به إنسانٌ فلا شيء عليه.
قال المزني: وإن تقدم إليه الوالي فيه أو غيره فلم يهدمه حتى وقع على إنسانٍ فقتله فلا شيء عليه عندي في قياس قول الشافعي".
قال في الحاوي: وصورتها: في حائط سقط من دار رجل فأتلف نفوسًا وأموالًا فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الحائط منتصبًا فيسقط عن انتصابه.
والثاني: أن يبنيه المالك مائلًا فيسقط لإمالته.
والثالث: أن يبنيه منتصبًا ثم يميل ثم يسقط لميله.
فأم القسم الأول وهو أن يكون منتصبًا فيسقط عن انتصابه من غير ميل مستقر فيه فلا ضمان عليه فيما تلف به، سواء كان سقوطه إلى داره أو دار جاره أو إلى الطريق السابل؛ لأنه لم يكن منه عدوان يوجب الضمان، وسواء كان في الحائط شق بالطول أو بالعرض وقال ابن أبي ليلى: إن كان شق الحائط طولًا لم يضمن، وإن كان شقه عرضًا ضمن؛ لأن شق العرض مؤذن بالسقوط فصار بتركه مفرطًا، وشق الطول غير مؤذن بالسقوط فلم يصر بتركه مفرطًا، وقد قال الله تعالى فيما حكاه عن موسى والخضر عليهما السلام: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف:77] ومعنى ينقض: أي يسقط، فلولا ما في تركه من التفريط لما أقامه ولي الله الخضر، ولأقره على حاله لمالكه، وهذا الذي قاله ابن أبي ليلى فاسد من وجهين: أحدهما: أنه قد يسقط بشق الطول ويبقى مع شق العرض.
والثاني: أنه ليس شقه عوضًا بأكثر من تشريخ آلة الحائط وتعيينها من غير بناء، وهو لو فعل ذلك فسقط لم يضمن فكان أولى إذا بناه فانشق عرضًا أن لا يضمن، فأما الآية فعنها جوابان: أحدهما: أن الخضر إما بني مبعوث أو ولي مخصوص على حسب الاختلاف في نبوته قد اطلع على مصالح البواطن على ما خالف ظواهرها ولذلك أنكرها موسى عليه السلام، ولو ساغ في الظاهر ما فعله الخضر لم ينكره موسى فكان في إنكار موسى ي الظاهر لنا دليل، وإن كان في فعل الخضر لابن أبي ليلى في الباطن دليل، والحكم في الشرع معتبر بالظاهر دون الباطن فكان دليلنا من الآية أحج.

الجزء: 12 - الصفحة: 346

والثاني: أنه قد قرأ عكرمة: جدارًا يريد أن ينقاض والفرق بين ينقض وينقاض أن ينقض يسقط، وينقاض ينشق طولًا، وانشقاق الطول عند ابن أبي ليلى غير مضمون، ولعل عكرمة تحرز بهذه القرارة من مثل قول ابن أبي ليلى.
فصل: وأما القسم الثاني: وهو أن يبنيه مائلًا فيسقط لإمالته فهذا على ضربين: أحدهما: أن يجعل إمالة بنائه إلى ملكه فلا يضمن ما تلف به إذا سقط، لأن له أن يفعل بملكه في ملكه ما شاء من مخوف أو غير مخوف كحفر بئر، وارتباط سبع، أو تأجيج نار، وسواء علم من سقط عليه بميل الحائط أو لم يعلم، أنذرهم به أو لم ينذرهم، لأنهم أقاموا تحته باختيارهم، فلو ربط أحدهم تحته فلم يقدر على الانصراف عنه حتى سقط عليه نظر: فإن لم يكن الحائظ منذرًا بالسقوط لم يضمنه، وإن كان منذرًا بالسقوط ضمنه، لأنه مخوف إذا أنذر وغير مخوف إذا لم ينذر.
والثاني: أن يجعل إمالة بنائه إلى غير ملكه إما إلى طريق سابل، وإما إلى ملك مجاوز، فيكون بإمالة بنائه متعديًا لصرفه في هواء لا يملكه؛ لأنه إن أماله إلى ملك غيره تعدى عليه، وإن أماله إلى الطريق لم يستحق منه إلا ما لا ضرر فيه كالجناح فضمن ما تلف بسقوطه من نفوس وأموال.
فصل: وأما القسم الثالث: وهو أن يبنيه منتصبًا فيميل ثم يسقط بعد ميله فهي مسألة الكتاب فهذا على ضربين: أحدهما: أن يميل إلى داره فلا يضمن ما تلفه به بسقوطه؛ لأنه لا يضمن إذا بناه مائلًا فكان أولى أن لا يضمن إذا مال.
والثاني: أن يميل إلى غير ملك وإما إلى دار جاره، وإما في الطريق سابل، فقد أرسل الشافعي جوابه في سقوط الضمان وقال: لا شيء عليه، وعلل بأن الميل حادث من غير فعله، واختلف أصحابنا في إطلاق هذا الجواب هل هو محمول على ميله إلى غير ملكه أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول المزني وأبي سعيد الإصطخري، وأبي علي الطبري، وأبي حامد الإسفراييني، أنه محمول على ميله إلى غير ملكه، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف بسقوطه لأمرين: أحدهما: أن أصله في ملكه وميله ليس من فعله، فصار كما لو مال فسقط لوقته وهذا غير مضمون فكذلك إذا ثبت مائلًا ثم سقط.
والثاني: أن طيران الشرر من أجيج النار أخطر وضرره أعم وأكثر، ثم ثبت أنه لو

الجزء: 12 - الصفحة: 347

أجج في داره نارًا طار شررها لم يضمن ما تلف بها لحدوثه عن سبب مباح، فوجب إذا بني حائطًا فمال أن لا يضمن ما تلف به، وسقوط الضمان في الحائط أولى، لأنه لا يقدر على التحرز من ميله ويقدر على التحرز من شرر النار.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي وأبي علي بن أبي هريرة أن جواب الشافعي في سقوط الضمان محمول على ميله إلى ملكه، فأما ميله إلى غير ملكه فموجب للضمان، وهذا أصح الوجهين عندي وإن كان الأول أشبه بإطلاق جواب الشافعي، وإنما وجب به الضمان لأمرين: أحدهما: أنه يؤخذ بإزالة ميله إذا مال بنفسه كما يؤخذ بإزالته إذا بناه مائلًا، فصار بتركه على ميله مفرطًا وببنائه متعديًا، وهو يضمن بالتفريط كما يضمن بالتعدي فوجب أن يستويا في لزوم الضمان.
والثاني: أنه لو أشرع جناحًا من داره أقر عليه وضمن ما تلف به وهو لا يقر على ميل الحائط فكان أولى أن يضمن ما تلف به.
فصل: فإذا تقرر توجيه الوجهين لم يعتبر في واحد منها إنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بسقوط الضمان لم يجب بإنكار الوالي والإشهاد عليه، وإن قيل بوجوب الضمان لم يسقط إمساك الوالي وترك الإشهاد عليه.
وقال أبو حنيفة: إن أنكره الوالي أو كان ميله إلى الطريق أو الجار وإن كان ميله إلى داره وأشهد عليه ضمن، وإن لم ينكراه ولم يشهدا عليه لم يضمن فصار مخالفًا كلا الوجهين احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أنه يصير بتركه بعد الإنكار والمطالبة متعديًا فلزمه الضمان لتعديه، وهو قبل الإنذار غير متعد فلم يلزمه الضمان لعدم التعدي.
والثاني: أنه لما وقع الفرق في تلف الوديعة بين أن يكون بعد طلبها فيضمن، وبين أن يكون قبل طلبها فلا يضمن، وجب أن يقع الفرق في ميل الحائط بين أن يكون سقوطه بعد مطالبته فيضمن وبين أن يكون قبل مطالبته لا يضمن؛ لأن يده على حائط قد استحق عليه رفعه كما يد المودع على مال قد استحق عليه رده، فوجب أن يستويا في الفرق بين المطالبة والإمساك.
ودليلنا شيئان: أحدهما: أن لا يخلو ميل الحائط من أن يكون موجبًا للضمان فلا يسقط بترك الإنكار، كما لو حفر بئرًا في غير ملكه، أو يكون غير موجب للضمان فلا يجب الإنكار كما لو حفر بئرًا في ملكه، فلم يبق للإنكار تأثير في سقوط ما وجب ولا في وجوب ما سقط.
الثاني: أنه لا يخلو إما أن يكون الإنكار مستحقًا فلا يسقط حكمه بعدمه

الجزء: 12 - الصفحة: 348

كالمنكرات، أو يكون غير مستحق فلا يثبت حكمه بوجوده كالمباحات، فلم يبق للإنكار تأثير في إباحه محظور ولا في حظر مباح، وبه يقع الانفصال عما احتج به من تعديه بعد الإنكار وعدمه قبله، واحتجاجه بالوديعة لا يصح، لأن المودع نائب عن غيره فجاز أن يتعلق ضمانها بطلبه، وليس صاحب الحائط المائل نائبًا فيه عن غيره فلم يتعلق ضمانه بإنكاره وطلبه.
فصل: فإذا ثبت أن الاعتبار بالإنكار والإشهاد في وجوب الضمان لا في سقوطه فلا فرق في تلف من علم بميله أو لم يعلم، قدر على الاحتراز منه أو لم يقدر، في أن سقوط الضمان على الوجه الأول في الأحوال كلها وإن وجب الضمان على الوجه الثاني ففي الأحوال كلها يختلف بها حكم ما سقط من آلته في الطريق إذا عثر بها مار فتلف، فإن قيل إن سقوطه غير موجب للضمان على الوجه الأول لم يلزمه ضمان من عثر بآلته إذا كان عثاره قبل القدرة على نقلها، ويضمنه إن كان بعد القدرة عليه، وإن قيل إن سقوطه موجب للضمان ضمن من عثر بآلته، سواء كان عثاره قبل القدرة على النقل أو بعده، لأن سقوطه غير منسوبي إلى التعدي على الوجه الأول ومنسوب إليه على الوجه الثاني.
فصل: وإذا كان حائط بين دارين مشترك بين جارين فخيف سقوطه فطالب أحدهما صاحبه بهدمه، فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون قائمًا على انتصابه، فليس لواحد منهما مطالبة الآخر بهدمه ويكون مقرًا على استدامه وإن خافاه حتى يتفقا على هدمه، فإن أراد أحدهما أن ينفرد بهدمه والتزام مؤنته نظر فيه، فإن كانت قيمته قائمًا مستهدمًا أكثر من قيمته نقصًا مهدومًا لم يكن له التفرد بهدمه، وإن كانت قيمة نقضه وآلته مثل قيمته قائمًا أو أكثر سئل عنه أهل المصر من يعرف الأبنية فإن قالوا: إن سقوطه يتعجل ولا يثبت على انتصابه كان له أن ينفرد بهدمه لحسم ضرره، وإن قالوا: إنه قد يلبث على انتصابه ولا يتعجل سقوطه لم يكن له أن ينفرد بهدمه.
والثاني: أن يميل إلى أحد الدارين فللذي مال إلى داره أن يأخذ شريكه بهدمه، وله إن امتنع أن ينفرد بهدمه لحصوله فيما قد اختص بملكه من هواء داره، وليس للذي لم يمل إليه أن يأخذ شريكه بهدمه، ولا له أيضًا أن ينفرد بهدمه والتزم مؤنته، لأنه قد أمن ميلة إلى غير ملكه أن يسقط إلى داره.
فصل: وإذا أشرع من داره جناحًا على طريق نافذة جاز إذا لم يضر بمار ولا مجتاز، وكذلك إذا أراد إخراج سياطًا يمده على عرض الطريق مكن إن لم يضر ومنع إن أضر، فاختلف

الجزء: 12 - الصفحة: 349

أصحابنا في حد ضرره، فقال أبو عبيد بن حربويه ما ناله رمح الفارس مضر، وما لم ينله رمحه غير مضر.
وقال جمهور أصحابنا: إن ما لا يناله أشرف الجمال إذا كان عليها أعلى العماريات فهو غير مضر وما يناله ذلك فهو مضر، وهذا الحد عندي على الإطلاق غير صحيح، بل يجب أن يكون معتبرًا بأحوال البلاد، فما كان منها تسلكه جمال العماريات كان هذا حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه جمال العماريات وتسلكه الأجمال كان الجمل بحمله حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الجمال وتسلكه الخيل بفرسانها كان أشرف الفرسان على أشرف الخيل حد ضرره، وما كان منها لا تسلكه الخيل ولا الركاب كجزائر في البحر وقرى في البطائح كان أطول الرجال بأعلى حمل على رأسه هو حد ضرره؛ لأن عرف كل بلد أولى أن يكون معتبرًا من عرف ما عداه، إذا كان غير موجود فيه، إذا كان غير مضر أقر ولم يكن لأحد أن يعترض عليه ولا يمنعه منه.
وقال أبو حنيفة: يقر عل ما لا يضر إذا لم يعترض عليه أحد من المسلمين، فإن أعترض عليه أحدهم منع منه وأخذ بقلعه احتجاجًا بأنه لما منع من بناء دكة في عرصة الطريق منع من إشراع جناح في هوائه، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: ما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بدار العباس بن عبد المطلب فقطر عليه من ميزابها ماء فأمر بقلعه، فخرج العباس وقال: قلعت ميزابًا نصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده؟ فقال عمر: والله لا صعد من يعيد هذا الميزاب إلا على ظهري، فصعد العباس على ظهره حتى أعاد الميزاب إلى موضعه فدل ما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم في نصبه ومن عمر في إعادته ومن الصحابة في إقرارهم على أنه شرع منقول وفعل متبوع.
والثاني: مشاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ما وطئه من البلاد وفيها الأجنحة والميازيب فما أنكرها وأقر أهلها عليها، وجرى خلفاؤه وصحابته رضي الله عنهم على عادته في إقرارها بعد موته، وقد سلكوا من البلاد أكثر مما سلك، وشاهدوا من اختلاف أحوالها أكثر مما شاهد، فلم يوجد أحد عارض فيه أحد فدل على انعقاد الإجماع فيه وزوال الخلاف عنه، وخالفت الأجنحة الدكاك لأن الدكاك مضرة بالمجتازين مضيقة لطرقاتهم وليس في الأجنحة مضرة ولا تضيق.
فصل: فإذا ثبت جواز فعله وجواز إقراره فسقط على مار فقتله ضمن ديته وإن كان مباحًا؛ لأنه مباح بشرط السلامة كتعزيز الإمام وضرب الزوجة، وأما الميزاب إذا سقط فأتلف مارًا ففي ضمانه قولان: أحدهما: وهو قول في القديم: لا يضمن، لأنه مما لا يوجد منه بد فصار مضطرًا إليه وغير مضطر إلى الجناح فافترقا.
والثاني: وهو الجديد: أنه يكون مضمونًا يلزمه ما تلف به كالجناح، لأنه قد كان

الجزء: 12 - الصفحة: 350

يقدر على إجراء مائه إلى بئر يحفرها في داره فيكون غير مضطر إليه كما هو مضطر إلى الجناح، فإذا وجب عليه الضمان فيما تلف بالجناح والميزاب نظر فيما وقع به التلف، فإن كان خارجًا عن داره ضمن به جميع الدية، وإن كان بعضه خارجًا وبعضه في حائطه فسقط جميعه فقتل ففي قدر ما يضمنه من ديته ثلاثة أقاويل حكاهما أبو حامد المروزوي في جامعه: أحدهما: يضمن جميع ديته، لأن الداخل في الحائط من الخشب جذبه الخارج منه فضمن به جميع ديته.
والثاني: يضمن به نصف ديته، لأن ما في الحائط منه موضوع في ملكه والخارج منه مختص بالضمان، فصار التلف من جنسين مباح ومحظور فضمن نصف الدية.
والثالث: أنه يضمن من الدية بقسط الخارج من الخشبة.
مثاله: أن يكون طول الخشبة خمسة أذرع، فإن كان الخارج منها ثلاثة أذرع ضمن ثلاثة أخماس ديته، وإن كان الخارج أربعة أذرع ضمن أربعة أخماس ديته يقسط على قدر الداخل والخارج.
وقال الشافعي: "ولا أبالي أي طرفيه أصابه؛ لأنها قتلت بثقلها.
فصل: وإذا وضع الرجل على حائطه جرة ماء فسقطت على مار في الطريق فقتله لم يضمن ديته، لأنه وضعها في ملكه، ولو نام على طرف سطحه فانقلب إلى الطريق فسقط على مار فقتله نظر في سبب سقوطه، فإن كان بفسخ من الحائط انهار من تحته فلا ضمان عليه وإن كان لثقله في نومه فعليه الضمان؛ لأنه سقط بفعله، وسقط في الأول بغير فعله، وكلما أوجبنا عليه في هذه المسائل كلها من ضمان النفس فدياتها على عاقلته؛ لأنه خطأ عمد فيه وعليه مع ضمان الدية الكفارة في ماله، والله أعلم.

باب دية الجنين

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "في الجنين المُسلم بأبويه أو بأحدهما غرةٌ".
قال في الحاوي: وهو كما قال، والأصل فيه ما روه أبو سلمة عن أبي هريرة قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحمل بغرة عبد أو أمة، فقال حمل بن مالك بن النابغة: يا رسول الله: كيف ندى من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك بطل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن هذا ليقول قول شاعر فيه غرة عبد أو أمة".
وروي عن الزبير عن مسور بن مخرمة قال: استشار عمر في إملاص المرأة يعني

الجزء: 12 - الصفحة: 351

الحامل يضرب بطنها فيسقط فقام المغيرة بن شعبة فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغرة عبد أو أمة.
فقال: ائتني بمن يشهد معك قال: فشهد معه محمد بن مسلمة، وقال أبو عبيد: إملاصها ما أزلفته بالقرب من الولادة.
وروى الشافعي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن طاوس أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أذكر الله امرءًا أسمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئًا إلا قاله، فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي فضربت إحداهما الأخرى بسطح فألقت جنينًا ميتًا، فقضى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة، فقال عمر: كدنا والله نقضي فيه بآرائنا، قال أبو عبيد: المسطح خشب الخباء.
وقال النضر بن شميل: هو الخشبة التي ترقق بها العجين إذا حلج ليخبز، ويسميها المولودون الصولج، فدل ما رويناه على أن في الجنين غرة عبد أو أمة، فإن قيل: فقد روى في حديث أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: فيه غرة أو أمة أو فرس أو بغل، فكيف اقتصرتم على غرة عبد أو أمة دون الفرس والبغل؟ قيل: لأنها رواية تفرد بها عيسى بن يونس عن محمد بن عمر عن أبي سلمة وقد وهم فيها عيسى بن يونس والذي رواه الزهري عن أبي سلمة وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أثبت، وناقلوه أضبط، وليس في روايتهم فرس ولا بغل، ولو صحت الرواية لجاز حملها على أن الفرس والبغل جعلا بدلًا من العبد والأمة.
فصل: فإذا ثبت وجوب الغرة فيه فتكمل الغرة إذا كان كاملًا بالإسلام والحرية، لأن الغرة أكمل ديات الجنين فوجبت في أكملهم وصفًا، ويجب فيه الكفارة، لأنها دية نفس، وتكون الغرة على العاقلة لانتفاء العمد عنه بعدم مباشرته للجناية فلا يكون إلا خطأ محضًا، أو عمد خطأ، والكفارة في مال الجاني فلو ألقت من الضرب جنينين لزمته غرمان وكفارتان، ولو ألقت ثلاثة أجنة لزمه ثلاث غرر وثلاث كفارات، ولو ضربها ثلاثة فألقت جنينًا واحدًا لزمهم غرة واحدة وثلاث كفارات، وهذا كله إذا ألقته ميتًا يختص بالغرة فيه ذكرًا كان أو أنثى، فأما إن ألقته حيًا وجب فيه ديته، وديته إن كان ذكرًا فمائة من الإبل، وإن كان أنثى فخمسون من الإبل، فيستوي في سقوطه ميتًا حكم الذكر والأنثى، ويفترق في سقوطه حيًا حكم الذكر والأنثى، وسمي جنينًا؛ لأنه قد أجنه بطن أمه أي ستره، ولذلك يقال: أجنه الليل إذا ستره، قال الله تعالى: ﴿الأَرْضِ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم:32].

الجزء: 12 - الصفحة: 352

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وأقل ما يكون به جنينًا أن يُفارق المُضغة والعلقة حتى يتبين منه شيءٌ من حلق آدمي إصبعٌ أو ظفرٌ أو عينٌ أو ما أشبه ذلك".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في حد الجنين الذي تجب فيه الغرة على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو قول الشعبي ومالك والحسن بن صالح: إن في أقل الحبل غرة.
والثاني: وهو قول أبي حنيفة: إن فيه ما لم يبن خلقه حكومة، فإذا بان خلقه ففيه غرة.
والثالث: وهو قول الشافعي: أنه لا شيء فيه إذا لم يبن خلقه، فإذا بان خلقه على ما سنصفه ففيه غرة فصار الخلاف فيما لم يبن خلقه، فعند مالكن فيه غرة، وعند أبي حنيفة فيه حكومة، وعند الشافعي لا شيء فيه.
واستدل مالك على وجوب الغرة فيه: بأنه لما لم يقع الفرق في الولد الحي بين صغير وكبير في وجوب الدية وجب أن لا يقع الفرق في الحمل بين مبادئه وكماله في وجوب الغرة.
واستدل أبو حنيفة بأنه لما وجب في الجنين دون ما في الولد الحي ولم يكن هدرًا وجب أن يكون فيما دون الجنين أقل مما في الجنين ولا يكون هدرًا، واستدل الشافعي على أن لا شيء فيه بأمرين: أحدهما: أن وجوب الغرم لثبوت الحرمة وليس له قبل بيان خلقه حرمة فكان هذا كالنطفة.
والثاني: أن حياة الإنسان بين حالتين بين مبادئ خلقه وبين غايته بعد موته، فلما كان في آخر حالتيه بعد الموت هدرًا وجب أن يكون في الأولى من حالتيه قبل بيان الخلق هدرًا، وفي هذين دليل وانفصال.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فالذي يتعلق بالجنين ثلاثة أحكام: أحدهما: وجوب الغرة.
والثاني: أن تصير به الأمة أم ولد.
والثالث: أن تنقضي به العدة، وإذا كان كذلك فقد وصف الله تعالى حال الإنسان في مبادئ خلقه إلى استكماله فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ﴾ [المؤمنون:12].

الجزء: 12 - الصفحة: 353

وفيه قولان: أحدهما: أن آدم وحده استل من طين وهو المخصوص بخلقه منه قاله قتادة.
والثاني: أنه أراد كل إنسان؛ لأنه يرجع إلى آدم الذي من سلالة من طين قاله مجاهد.
وفي السلالة تأويلان: أحدهما: أنها الصفوة.
والثاني: أنها القليل الذي ينسل.
ثم ذكر حالة ثانية في الولد فقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾ [المؤمنون:13] يعني به ذرية آدم المخلوقين من تناسل الرجال والنساء، لأنه خلق من طين ولم يخلق من نطفة التناسل، والنطفة هي ماء الذكر الذي تعلق منه الولد وهو أول خلق الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿قَرَارٍ﴾ يعني به الرحم ﴿مَّكِينٍ﴾ لاستقراره فيه، فصارت النطفة في أول مبادئ خلقه كالغرس، والرحم في إنشائه كالأرض.
ثم ذكر حالة ثالثة هي للولد ثانية فقال تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون:14] والعلقة هي الدم الطري الذي انتقلت النطفة إليه حتى صارت علقة، وسميت علقة لأنها أول أحوال العلوق، والعلقة في حكم النطفة في أنه لم يستقر لها حرمة ولم يتعلق بها شيء من الأحكام الثلاثة بإجماع الفقهاء فلا تجب فيها غرة، ولا تصير بها أم ولد، ولا تنقضي بها العدة.
ثم ذكر حالة رابعة هي للولد ثالثة فقال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ [المؤمنون:14] والمضغة اللحم، وهو أول أحوال الجسم، سميت مضغة؛ لأنها بقدر ما يمضغ من اللحم، وهو الذي تقدم فيه الخلاف فأوجب فيه مالك غرة، وأوجب فيه أبو حنيفة حكومة، ولم يوجب فيه الشافعي شيئًا، ولا تصير به على قوله أم ولد وفي انقضاء العدة به قولان: أحدهما: تنقضي به العدة لما فيه من استبراء الرحم.
والثاني: لا تنقضي به العدة كما لا تصير به أم ولد ولا تجب فيه الغرة.
ثم ذكر حالة خامسة وهي للولد رابعة قال تعالى: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً﴾ [المؤمنون:14] فاحتمل خلق العظم واللحم على وجهين: أحدهما: أن يكونا في حالة واحدة قد خلق عظمًا كساه لحمًا.
والثاني: أن يكون في حالتين خلق في إحداهما عظمًا ثم كساه بعد استكمال العظم لحمًا فيكون اللحم حالة سادسة وهي للولد خامسة.
ثم ذكر حالة سابعة هي للولد سادسة فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَنشَانَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾ [المؤمنون:14] وفيه تأويلان: أحدهما: أنه نفخ الروح فيه، قاله ابن عباس.

الجزء: 12 - الصفحة: 354

والثاني: أنه تميز ذكر أو أنثى قاله الحسن، ومحصول هذه الأحوال يرجع إلى ثلاثة أقسام: مضغة وما قبلها وما بعدها.
فأما المضغة وما قبلها فقد ذكرناه، وقلنا: إن ما قبل المضغة لا يتعلق به شيء من الأحكام الثلاثة، وإن المضغة لا يتعلق بها ما سوى الغرة وفي العدة قولان: وأما ما بعد المضغة فتنقضي به العدة وما وجبت فيه الغرة من ذلك صارت به أم ولد، والغرة فيه تختلف بحسب اختلاف أحواله بعد المضغة وله بعدها ثلاثة أحوال: أحدها: أن لا يبين فيه صورة ولا تخطيط الصور فلا تجب فيه الغرة.
والثانية: أن يبين فيه إما صورة جميع الأعضاء وإما صورة بعضها كعين أو إصبع أو ظفر فتجب فيه الغرة لبيان خلقه، سواء كانت الصورة ظاهرة للأبصار أو كانت ففيه تظهر بوضعه في الماء الحار.
والثالثة: أن يبين فيه التخطيط ولا يبين فيه الصورة فيتخطط ولا يتصور، ففي وجوب الغرة فيه وجهان: أحدهما: لا تجب فيه الغرة لعدم التصوير.
والثاني: تجب فيه الغرة، لأن التخطيط مبادئ التصوير.
فصل: وإذا ألقت غشاوة أو جلدة شقت فوجد فيها جنينان ففيهما غرتان وكفارتان، ولو ألقت جسدًا عليه رأسان ففيه غرة واحدة فكذلك لو ألقت رأسًا ففيه غرة واحدة لجواز أن يكونا على جسد واحد، ولو ألقت جسدين ففيه غرة واحدة لجواز أن يكون عليهما رأس واحدة، ولو ألقت رأسين وجسدين ففيهما غرتان لانتفاء الاحتمال.
فصل: وإذا ألقت عضوًا من جسد خرج باقيه حيًا فله حالتان: أحداهما: أن يموت بعد حياته ففيه دية كاملة يدخل فيها أرش العضو المنفصل عنه قبل ظهوره.
والثاني: أن يبقى على حياته فالعضو المنفصل عنه قبل إلقائه إن كان يدًا فمعتبر باختيار أهل العلم بحاله من ثقاب الطب والقوابل، فإن دلت شواهد حاله على انفصاله بعد استقرار الحياة في ففيه نصف الدية اعتبارًا بحال الحي، وإن دلت على انفصاله قبل استقرار حياته ففيه نصف الغرة اعتبارًا بحال الجنين.
فصل: وإذا ضربها فتحرك جوفها ثم خمد فلا شيء فيه، وأوجب فيه الزهري غرة، لأن خموده بعد الحركة دليل على تلفه بعد الوجود، وهذا خطأ؛ لأن الحركة يحتمل أن تكون

الجزء: 12 - الصفحة: 355

منه، ويحتمل أن تكون لريح اتفشت، وهكذا لو تحرك جوفها بعد الموت مع ظهور حملها ثم خمد يحتمل الأمرين فصار ما لم يظهر منه شيء مشكوكًا فيه، والغرم لا يجب بالشك.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإذا ألقته ميتًا فسواءٌ كان ذكرًا أو أنثى.
قال المزني: هذا يدل على أن أمته إذا ألقت منه دمًا أن لا تكون به أم ولدٍ لأنه لم يجعله ههنا ولدًا وقد جعله في غير هذا المكان ولدًا وهذا عندي أولى من ذلك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لا فرق في الجنين بين أن يكون ذكرًا أو أنثى في وجوب الغرة فيه، وقيمتها خمس من الإبل على ما سنذكره، ومن الورق إذا قدرت دية النفس ورقًا ستمائة درهم، ومن العين خمسون دينارًا، وذلك عشر دية أمه.
وفرق أبو حنيفة في الجنين بين الذكر والأنثى، فأوجب فيه إن كان ذكرًا نصف عشر ديته لو كان حيًا، وإن كان أنثى عشر ديتها لو كانت حية، وهذا وإن كان موافقًا في الحكم فهو مخالف في العلة، وخلافه وإن لم يؤثر في الجنين الحر كان مؤثرًا في الجنين المملوك.
والدليل على التسوية بين الذكر والأنثى رواية أبي هريرة "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في الجنين بغرة عبد أو أمة".
ولم يسأل أذكر أو أنثى، ولو افترقا لسأل ولنقل فدل على استوائهما، لأن حال الجنين في الأغلب مشتبهة وفي الحي ظاهرة فسوى ينهما بصاع من تمر قطعًا للتنازع وحسمًا للاختلاف.
فصل: فعلى هذا لو ألقت من الضرب ذكرًا أو أنثى أحدهما ميت والآخر حي ثم مات نظر فإن كان الميت هو الذكر والحي هو الأنثى فعلى الضارب غرة في الجنين ونصف الدية الكاملة في الحي، فإن كان الميت هو الأنثى والحي هو الذكر فعليه غرة في الميت ودية كاملة في الحي، فإن اختلف الضارب والمضروبة في الحي منها، فقالت المضروبة هو الذكر، وقال الضارب: هو الأنثى فالقول قول الضارب مع يمينه لبراءة ذمته حتى يشهد للمضروبة أربع نسوة عدول أن الحي منها هو الذكر فيحكم به والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وكذلكن إن ألقته من الضرب بعد موتها ففيه غرة عبدٍ أو أمةٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا ضربها فماتت وألقت جنينًا ميتًا فعليه ديتها

الجزء: 12 - الصفحة: 356

وغرة في جنينها، سواء ألقته قبل موتها أو بعده.
وقال مالك وأبو حنيفة: تجب فيه الغرة إن ألقته قبل موتها ولا يجب فيه شيء إن ألقته بعد موتها، إلا أن تلقيه حيًا فيموت فتجب فيه ديته احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أن انفصاله ميت بعد موتها موجب لسقوط غرمه كما لو ديس بطنها بعد الموت فألقت جنينًا ميتًا لم يضمن إجماعًا وهو بدياسها بعد الموت مخصوص بالجناية وقتله غير مخصوص بها فكان بسقوط الغرم أحق.
والثاني: أن الجنين بمنزلة أعضائها لأمرين: أحدهما: اتباعه لها في العتق والبيع كالأعضاء.
والثاني: أنه لا يفرد بغسل ولا صلاة كما لا ينفرد به الأعضاء، فلما كانت أروش أعضائها داخلة في ديتها وجب أن تكون غرة جنينها داخلة في ديتها.
ودليلنا حديث أبي هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصابت بطنها فقتلتها فأسقطت جنينًا، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقلها على عاقلة القاتلة، وفي جنينها غرة عبد أو أمة.
والظاهر من هذا النقل أن إلقاء الجنين كان بعد موت، ولو احتمل الأمرين كان في إمساك النبي صلى الله عليه وسلم عن السؤال عنه دليل على استواء الحكم في الحالين، ولو سأل لنقل.
ومن القياس: أن كل جناية ضمن بها الجنين إذا سقط في الحياة وجب أن يضمن بها الجنين إذا سقط بعد الوفاة كالذي سقط حيًا ثم مات؛ ولأن الجنين ضمان النفوس دون الأعضاء لأمرين: أحدهما: أنه لا يمتنع أن يجب فيه الغرة، لأن الأصل فيه بقاء الحياة إلى أن يتحقق الموت فيسقط به الإجماع.
والثاني: وإن سقطت فيه الغرة فلأن الظاهر من موته بموت أمه والمديسة غير مضمونة فلم يضمن جنينها والمضروبة مضمونة فضمن جنينها.
وأما الجواب عن احتجاجهم بأنه كأعضائها فقد منعنا منه بما قدمناه.
فأما أتباعه لها في العتق والمبيع فلا يمتنع أن يتميز عنها، وإن تبعها كما يتبعها في الإسلام بعد الولادة ولا يتبعها في الردة بعد الولادة.
وأما الغسل والصلاة فهو يغسل وليس في إسقاط الصلاة ما يمنع من انفراده بنفسه كما لا يغسل الشهيد والذمي.

الجزء: 12 - الصفحة: 357

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "تورت كما لو خرج حيًا فمات لأنه المجني عليه دون أمة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، غرة الجنين موروثة عنه ولا تختص الأم باستحقاقها وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الليث بن سعد: تكون لأمه ولا تورث عنه كأعضائها، وفيما قدمناه من تمييزه عنها وضمانه كالنفوس دليل عليه.
وقال ربيعة: تكون غرة الجنين لأبويه خاصة دون غيرها من ورثته، وجعله كالبعض منهما لخلقه من مائهما، وهذا فاسد، فالمقتول بعد حياته، وإن كان موروثًا لم يخل حال إلقائه من أن يكون قبل موت الأم أو بعده، فإن كان قبل موت الأم فلها ميراثها منه، وإن كان بعد موت الأم فلا ميراث لها منه لاستحقاق الغرة بعد إلقائه، ولا يحجب بالجنين أحد من الورثة، لأنه لم يثبت له حكم الحياة فيكون لأمه إن ورثته ثلث الغرة ولأبيه إن كان حيًا باقيها أو لغيره من ورثته إن كان ميتًا، ولو ألقته حيًا بعد موتها ثم مات ورثها ولم ترثه، فإن أشكل إلقاؤه في حياتها وبعد موتها قطع التوازن بينهما كالغرقى.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وعليه عتق رقبةٍ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يجب الكفارة في الجنين.
وقال أبو حنيفة: لا كفارة فيه احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم فيه بالغرة ولم يقض فيه بالكفارة، ولو وجبت لأبانها وقضى بها، ولو قضى به لنقل.
والثاني: لأنه من الأم بمنزلة أعضائها التي لا يجب فيها كفارة، فكذلك جنينها، ودليلنا أنها نفس آدمي ضمنت بالجناية فوجب أن تضمن بالكفارة كالحي، ولأن الكفارة أخص وجوبًا بالقتل من الدية، لأن السيد يجب عليه بقتل عبده الكفارة ولا تجب عليه القيمة ومن رمى دار الحرب بسهم فقتل به مسلمًا وجبت عليه الكفارة ولم تجب عليه الدية فلما وجب في الجنين الدية فأولى أن تجب فيه الكفارة.
فأما الاستدلال بالخبر فإنما كف عن بيان الكفارة فيه لأن الله تعالى قد بينها في قوله: ﴿وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأًً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92] كما بين الدية في قوله صلى الله عليه وسلم: فمن قتل بعده قتيلًا فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا العقل، ولم يبين الكفارة تعويلًا على إثباتها في هذه الآية، وأما استدلالهم بأنه كأعضائها فقد أجبنا عنه.

الجزء: 12 - الصفحة: 358

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولا شيء لها في الأم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
لا شيء لأم الجنين في ألم الضرب إذا لم يبن له أثر في بدنها كاللطمة والرفسة لا توجب غرمًا في رجل ولا امرأة، فأما إجهاضها عند ألقائه ففيه قولان حكاهما أبو حامد المروروزي في جامعه: أحدهما: لا شيء لها فيه أيضًا لألم الضرب، لأنه نوع من الألم.
والثاني: لها فيه حكومة؛ لأنه كالجرح في الفرج عند خروج الجنين منه فضمن بالحكومة، فلو أقرت بذلك أثر الضرب في بدنها ضمن حكومة الضرب وحكومة الإجهاض.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولمن وجبت له الغرة أن لا يقبلها دون سبع سنين أو ثمانٍ سنين لأنها لا تستغني بنفسها دون هذين السنين ولا يُفرق بينها وبين أمها في البيع إلا في هذين السنين فأعلى".
قال في الحاوي: أما الغرة في اللغة فتستعمل على وجهين: أحدهما: في أول الشيء ومنه قيل لأول الشهر غرته.
والثاني: في جيد الشيء وخياره ومنه قيل: فلا غرة قومه إذا كان أسرهم، وقد أطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم الغرة في دية الجنين فوجب أن يكون إطلاقها محمولًا على أول الشيء وخيار الجنس؛ لأنه ليس إحداهما بأولى أن يكون مرادًا من الآخر فحمل عليهما معًا، وإذا وجب الجمع بينهما كان أول الجنس إذا خرج عن الجيد مردودًا والجيد إذا خرج عن أول السن مردودًا، فإذا اجتمعا معًا في السن والجودة كان اجتماعهما مرادًا؛ وإذا كان كذلك فإن للغرة أو غاية، فأما أوله فسبع سنين أو ثمان؛ لأمرين: أحدهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم جعلها حدًا لتعليمه الطهارة والصلاة فقال: علموهم الطهارة والصلاة وهم أبناء سبع".
والثاني: أنه يستقل فيها بنفسه؛ ولذلك خير فيها بين أبويه وفرق بينه وبين أمه فلا يقبل من الغرة في الجنين مالها دون سبع سنين؛ لأنه لعدم النفع فيه ليس بغرة وإن كان بأول الشيء من الغرة.
وأما غاية سن الغرة فمعتبر بشرطين: أحدهما: أكمل ما يكون نفعًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 359

والثاني: أزيد ما يكون ثمنًا وهي قبل العشرين أزيد ثمنًا وأقل نفعًا، وبعد العشرين أكمل نفعًا وأقل ثمنًا، فاقتضى أن تكون العشرون سنة حدًا للغاية؛ لأنها أقرب سن إلى الجمع بين زيادة الثمن وكمال المنفعة فلا يقبل فيما جاوزها ويقبل فيما دونها ويستوي فيها الغلام والجارية، وفرق بعض أصحابنا في غاية السن بين الغلام والجارية فجعل الغاية في سن الغلام خمس عشرة سنة وهي حال البلوغ، والغاية في سن الجارية عشرين سنة، لأن ثمن الغلام بعد البلوغ ينقص وثمن الجارية إلى العشرين، يزيد وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: لما لم يختلفا في أول السن وجب أن لا يختلفا في آخره.
والثاني: أن نقصان ثمنه مقابل لزيادة نفعه فتعارضا وتساوا فيهما الجارية والغلام، لأن تأثير السن في الجارية أكثر من تأثيره في الغلام.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وليس عليه أن يقبلها معيبةً ولا خصيًا؛ لأنه ناقصٌ عن الغرة وإن زاد ثمنها بالخصاء".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، يعتبر في الغرة السلامة من العيوب كلها وإن لم يعتبر في الكفارة من العيوب إلا ما أضر بالعمل فيها للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن الرقبة في الكفارة مطلقة فجاز أن يلحقها بعض العيوب وفي الغرة مقيدة بما يقتضي السلامة من جميع العيوب، ولذلك جاز في الكفارة من نقص السن ما لم يجز في الغرة.
والثاني: أن الكفارة حق الله تعالى تقع فيه المباشرة والغرم عوض لآدمي يعتبر فيه السلامة كما يعتبر السلامة من العيوب في إبل الدية.
فأما الخصي والمجبوب فلا يؤخذ في الغرة، لأنه وإن كان أزيد ثمنًا فإنه أقل نفعًا ويجزئ في الغرة ذات الصنعة وغيرها، لأن الصنعة زيادة على كمال الخلقة فلم يعتبر فيها كما لم يعتبر فيها الاكتساب.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وقيمتها إذا كان الجنين حرًا مُسلمًا نصف عُشر دية مسلمٍ".
قال في الحاوي: اعلم إن إطلاق الغرة لا ينفي عنها جهالة الأوصاف فاحتيج إلى تقديرها بما ينفي للجهالة عنها لتساوي جميع الديات في الصفة فعدل إلى وصفها بالقيمة؛ لأنها أنفي للجهالة فقومت بنصف عشر الدية خمس من الإبل، أو ستمائة درهم أو

الجزء: 12 - الصفحة: 360

خمسين ديناراً مع وصفها بما قدمنا من السن والسلامة من العيوب فلا يقبل منه بغرة في الجنين الحر المسلم إلا بهذه القيمة، وإنما كان كذلك لأمرين: أثر، ومعنى.
فأما الأثر فهو ما روي عن عمر وعلي وزيد رضي الله عنهم أنهم قدروها بهذا القدر الذي لم يخالفوا فيه فكان إجماعاً.
وأما المعنى: فهو أنه لما كان الجنين على أقل أحوال الإنسان اعتبر فيه أقل ما قدره الشرع من الديات وهو دية الموضحة، ودية السن المقدرة بخمس من الإبل هي نصف عشر دية النفس فجعل أقل الديات قدراً حداً لأقل النفوس حالاً.
فصل: فإذا ثبت تقديرها بنصف عشر الدية فقد اختلف أصحابنا فيما يقوم به على وجهين: أحدهما: وهو قول البصريين إنها تقوم بالإبل؛ لأن الإبل أصل الدية، فإن كانت الجناية على الجنين خطأ محضاً فهي مقدرة بخمس من الإبل أخماس: جذعة وحقة وبنت لبون، وبنت مخاض، وابن لبون، وإن كانت عمد الخطأ فهي مقدرة بخمس من الإبل أثلاث جذعة، وخلفتان ونصف، وحقة ونصف وليس يمكن أن تقوم الغرة بالإبل، لأنها ليست من جنس القيم فوجب أن يقوم الخمس من الإبل الأخماس في الخطأ والأثلاث في عمد الخطأ بالورق، لأنها أصل القيم، فإن بلغت قيمتها في التغليظ ألف درهم وفي التخفيف سبعمائة درهم أخذنا منه غرة عبد أو أمة قيمتها في جناية الخطأ المحض سبعمائة درهم وقيمتها في جناية عمد الخطأ ألف درهم.
والوجه الثاني: وهو قول جمهور البغداديين أننا نقدرها بالورق المقدرة بالشرع دون الإبل، لأن الإبل ليست من أجناس القيم ولا هي مأخوذة فتكون عين المستحق، وإذا قومت بالإبل احتيج إلى تقويم الإبل فوجب أن يعدل في تقويم الغرة إلى ما هو أصل في القيم وهي الورق، فعلى هذا تقوم الغرة في الخطأ المحض بستمائة درهم ويزاد عليها في عند الخطأ ثلثها، فتقوم فيه بثمان مائة درهم، وعلى هذا يكون التفريع.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن كان نصرانياً أو مجوسياً فنصف عشر دية نصراني أو مجوسي، وإن كانت أمه مجوسية وأبوه نصرانياً أو أمه نصرانية وأبوه مجوسياً فدية الجنين في أكثر أبوابه نصف عشر دية نصراني ". قال في الحاوي: وجملة ذلك أنه إذا كان في الجنين الناقص نصف عشر الدية الناقصة والكامل ما كمل بالحرية والإسلام وقد مضى، والناقص ما نقص بكفر أو رق، فإذا جرى على الجنين حكم الكفر لكفر أبويه لم يخل حال أبويه من أن تتفق ديتها أو

الجزء: 12 - الصفحة: 361

تختلف، فإن اتفقت دياتهما فكانا نصرانيين أو يهوديين أو مجوسيين فدية اليهودي والنصراني ثلث دية المسلم فتكون قيمة الغرة في الجنين اليهودي والنصراني على مذهب البصريين بعيراً وثلثين أخماساً في الخطأ المحض، وأثلاثاً في عمد الخطأ، وعلى مذهب البغداديين قيمتها مائتا درهم عشر دية المسلم، فتكون قيمة الغرة في الجنين المجوسي على مذهب البصريين ثلث بعير، وعلى مذهب البغداديين أربعين درهماً، والغرة بهذه القيمة معوزة فوجب أن يكون هذا القدر هو المستحق فيها.
فصل: وإن اختلفت دية أبويه فكان أحدهما نصرانياً والآخر مجوسياً، فمذهب الشافعي أنه يعتبر بأغلظ أبويه دية وهو النصراني أباً كان أو أماً، فتجب فيه الغرة الواجبة في الجنين النصراني لأمرين: أحدهما: أن موضوع الدية على التغليظ فوجب أن يكون معتبراً بأغلظهما دية كما لو كان أحد أبويه مسلماً، والأخر كافراً اعتبر فيه دية المسلم دون الكافر تغليظاً، وكما يعتبر في الصيد المتولد من بين مأكول وغير مأكول أغلظ حاليه في إيجاب الجزاء وتحريم الأكل.
والثاني: أن كمال الدية أصل في ضمان النفوس فلم ينقص منها إلا المتحقق دون المشتبه والمتحقق من النقصان هو حال أغلظهما دية، لأن ما دونه محتمل مشتبه، فلذلك وجب أن يعتبر بالأغلظ الأعلى دون الأقل الأدنى، واعتباره عندي بأقلها دية أولى وأشبه بالأصول لأربعة أمور: أحدها: أن الأصل فيمن لم تتحقق حياته سقوط الغرم إلا ما خصه الشرع من حال الجنين فلم يوجب فيه إلا ما تحققناه وهو الأقل دون ما شككنا فيه من الأكثر، ولذلك اعتبرت قيمة الغرة بأقل الديات دون أكثرها.
والثاني: أن الأصل براءة الذمة فلم توجب فيها إلا ما تحققناه.
والثالث: أن الأصل في الكفر الإباحة إلا ما حظرته الذمة فلم يعلق بالحظر إلا ما تحققناه.
والرابع: أنه قد تقابل فيه إيجاب وإسقاط، فوجب أن يغلب حكم الإسقاط على الإيجاب حكماً كما تسقط الزكاة فيما تولد من بين غنم وظباء تغليباً للإسقاط على الإيجاب والانفصال عما توجه به قول الشافعي ظاهراً إذا حقق والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو جني على أمةٍ حاملٍ فلم تلق جنينها حتى

الجزء: 12 - الصفحة: 362

عمقت أو على ذمية فلم تلق جنينها حتى أسلمت ففيه غرة لأنه جني عليها وهي ممنوعة ". قال في الحاوي: أما جنين الأمة فقد يكون تارة حراً إن كان من سيدها ومملوكاً إن كان من زوج أو زنا، فإن كان حراً ففيه غرة كاملة، سواء ألقته وهي على رقها أو بعد عتقها، وإن كان مملوكاً ففيه عشر قيمة أمة، وخالفت فيه أبو حنيفة وقد ذكره الشافعي في الباب الذي يليه ونحن نستوفي الكلام فيه، فإن أعتقت الأمة بعد إلقاء جنينها لم يؤثر عتقها فيه ووجب فيه عشر قيمتها، وإن أعتقت بعد ضربها وقبل إلقائه عتق بعتقها تبعاً، لأن حمل الحرة حر، ووجب فيه غرة كاملة، سواء كان أكثر من عشر قيمة الأم أو أقل كالحر إذا أعتق بعد الجناية عليه ثم مات وجب فيه دية حر، سواء كانت أكثر من قيمته أو أقل، وللسيد من الغرة أقل الأمرين من قيمة الغرة أو عشر قيمة الأم كما كان له من دية العبد إذا أعتقه بعد الجناية، وقبل موته أقل الأمرين من قيمته أو ديته، فإن كانت الغرة أقلهما أخذها السيد كلها بحق ملكه، وإن كان عشر قيمة الأم أقل أخذ من قيمة الغرة عشر قيمة الأم وكان باقيها لورثة الجنين.
فصل: وأما جنين الذمية فإن كان أبوه مسلماً فالجنين مسلماً في الحكم وفيه غرة كاملة وإن كان ذمياً فالجنين ذمي في الحكم، وفيه ما قدمناه من جنين أهل الذمة، فإن أسلمت الذمية أو زوجها بعد إلقاء جنينها لم يؤثر إسلام واحد منهما في الجنين لتقدمه على الإسلام، ووجب فيه ما يجب في الجنين الذمي، وكان ذلك موروثاً بينهما يشترك فيه المسلم والكافر، لأنه موروث في الكفر قبل حدوث الإسلام، وإن أسلمت بعد ضربها وقبل إلقائه أو أسلم زوجها دونها صار الجنين مسلماً بإسلام كل واحد من أبويه، فيجب فيه إذا ألقته بعد الإسلام غرة كاملة دية جنين مسلم؛ لأن الجناية ما استقرت فيه غلا بعد ثبوت إسلامه كما لو أسلم المجني علي بعد الجناية ثم مات وجبت فيه دية مسلم لاستقرارها فيه بعد إسلامه وتكون هذه الغرة الواجبة فيه موروثة للمسلم من أبويه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "في كتاب الديات والجنايات ولا أعرف أن يدفع للغرة قيمة إلا ان يكون بموضع لا توجد فيه.
قال المزني: هذا معنى أصله في الدية أنها الإبل لأن النبي صل الله عليه وسلم قضى بها فإن لم توجد فقيمتها فكذلك الغرة إن لم توجد فقيمتها ". قال في الحاوي: أما إذا كانت الغرة موجودة فلا يجوز العدول عنها إلى الإبل ولا

الجزء: 12 - الصفحة: 363

ورق ولا ذهب، سواء قيل في دية النفس إنه مخير بين الإبل والورق والذهب على قوله في القديم، أو قيل: لا يؤخذ فيها إلا الإبل مع وجودها على قوله في الجديد، وإنما كان كذلك للفرق بينهما شرعاً في أن النص لم يرد في الجنين إلا بالغرة، وإنما عدل إلى قيمتها بالاختلاف نفياً للجهالة عنها، والنص وارد في دية النفس بالإبل والورق والذهب فافترقا، فإن عدمت الغرة دعت الضرورة غلى العدول غلى قيمتها كالطعام المغصوب الذي يستحق مثله، فإن عدم المثل عدل إلى قيمته، وفي المعدول غليه من القيمة وجهان بناء على اختلاف الوجهين فيما يقوم به الغرة مع وجودها: أحدهما: وهو قول البغداديين: يعدل عند عدمها غلى الورق إذا قيل غنها تقوم بالورق، فعلى هذا تؤخذ عنها في الخطأ المحض ستمائة درهم وفي عمد الخطأ ثمانمائة درهم.
والثاني: وهو قول البصريين: يعدل على الغرة عند عدمها إلى الإبل إذا قيل تقوم بقيمة خمس من الإبل، فعلى هذا يؤخذ في الخطأ المحض خمس من الإبل أخماساً، وفي عمد الخطأ خمس من الإبل أثلاثاً، فإن أعوزت الإبل صار كإعوازها في دية النفس، فهل يعدل إلى قيمتها ما بلغت، أو إلى المقدر فيها من الورق والذهب على ما مضى من القولين؟ القديم منها يعدل غلى المقدر فيجب عنها ستمائة درهم أو خمسون ديناراً يزاد عليها في التغليظ ثلثها، وعلى قوله في الجديد يعدل عنها إلى قيمة خمس من الإبل ما بلغت قيمتها من ورق أو ذهب والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ويغرمها من يغرم ديه الخطأ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن العمد المحض في الجناية على الجنين يمتنع لامتناع مباشرته لها، وكانت من بين خطأ محض تتخفف فيه الغرة كما تتخفف ديات الخطأ وبين عمد الخطأ تتغلظ فيه الغرة كما تتغلظ ديات عمد الخطأ، وإذا كان كذلك وجبت الغرة على العاقلة في حالي تخفيفها وتغليظها وأوجبها مالك في مال الجاني بناء على أصله في أن العاقلة لا تتحمل عنده إلا ما زاد على ثلث الدية، والدليل عليه مع ما تقدم من دليل الأصل أن النبي صل الله عليه وسلم قضى بالغرة في الجنين على العاقلة، فقالوا: كيف ندى من لا ضرب ولا أكل ولا صاح ولا استهل، ومثل ذلك بطل، وفي مدة ما تؤديها العاقلة وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: تؤديها في ثلاث سنين، لأنها دية نفس فشابهت كمال الدية.
والثاني: تؤديها في سنة واحدة، لأن قسط العاقلة في كل سنة من دية النفس ثلثها،

الجزء: 12 - الصفحة: 364

والغرة أقل من الثلث فكان أولى أن تؤدى في سنة واحدة.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن قامت البينة أنها لم تزل ضمنة من الضربة حتى طرحته لزمه وإن لم تقم بينة حلف الجاني وبرئ ". قال في الحاوي: وجملة مال المرأة في ضمان جنينها ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: أن تدعي على رجل أنه ضرب بطنها حتى ألقت جنيناً ميتاً فينكر الجاني الضرب، فالقول قوله مع يمينه لبراءة ذمته إلا أن تأتي بينة تشهد عليه بضربها فيحكم بها، ويلزمه دية جنينها، وبينتها عليه شاهدان أو شاهد وامرأتان، ولا يقبل منها شهادة النساء المنفردات.
والثاني: أن يعترف بضربها وينكر أنه جنينها ويدعي أنها التقطته فالقول قوله مع يمينه لبراءة ذمته إلا أن تقيم بينة على إسقاطه وبينتها شاهدان أو شاهد وامرأتان، أو أربع نسوة عدول، لأنها بينة على ولادة، فإن شهدت البينة أنها أسقطت هذا الجنين الميت يعينه حكم لها بإسقاطه وديته، وإن شهدوا أنها ألقت جنيناً ولم يعينوه في الجنين الذي أحضرته فهذا على ضربين: أحدهما: أن يشهدوا لها بموت الذي ألقته وإن لم يعينوه فيحكم لها بالدية، لأنهم قد شهدوا لها بجنين مضمون وتعيينه لا يفيد.
والثاني: أن لا يشهدوا بموته فهذا على ضربيين: أحدهما: أن يكون لمدة لا يعيش لمثلها فيحكم لها بديته.
والثاني: أن يكون لمدة لا يجوز أن يعيش لمثلها لم يقبل قولها في موته، لأن الذي أحضرته ميتاً لم يشهدوا لها بإسقاطه والذي شهدوا بإسقاطه لم يشهدوا لها بموته.
والثاني: أن يعترف بضربها وإسقاط جنينها فهذا على ضربين: أحدهما: أن تلقيه عقيب ضربها، فالظاهر أنها ألقته ميتاً من ضربة وإن جاز أن تلقيه من غير فعليه دية الجنين، فإن ادعى أنها ألقته من غير الضرب من طلق أو شرب دواء كان القول قولها مع يمينها؛ لأن الظاهر معها.
والثاني: أن تلقيه بعد زمان طويل من ضربها، فإن لم تزل مضنية مرضية من وقت الضرب إلى وقت الإسقاط فالظاهر من إلقائه ميتاً أنه من الضرب، فتجب دينه على الضارب فإن ادعى عليها إسقاطه من غيرها أحلفها وضمن ديته، فإن سكن ألمها بعد الضرب وألقته بعد زوال الألم فالظاهر أنها ألقته من غير الضرب فلا تلزمه، فإن ادعت أنها ألقته من ضربه أحلفته، وليس يحتاج في هذه الأحوال كلها عند التنازع غلى بينة؛ لأن

الجزء: 12 - الصفحة: 365

البينة تشهد بالظاهر وحكم الظاهر معروف، ولكن لو ادعت بعد تطاول المدة أنها ألقته من ضربه وأنكرها، فإن قامت البينة على أنها لم تزل مضنية مريضة حتى ألقته كان القول قولها، فإن أنكر أن يكون من ضربه أحلفها، وإن لم تقم البينة بمرضها فالقول قوله ولها إحلافه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وإن صرخ الجنين أو تحرك ولم يصرخ ثم مات مكانه فديته تامة وإن لم يمت مكانه فالقول قول الجاني وعاقلته إنه مات من غير جناية ". قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا ألقت من الضرب جنيناً حياً ثم مات ففيه الدية كاملة، إن كان ذكراً فمائة من الإبل، وإن كان أنثى فخمسون من الإبل وحياته تعلم بالاستهلاك تارة وبالحركة القوية أخرى، والاستهلال هو الصياح والبكاء، وفي معناه العطاس والأنين.
وأما الحركة القوية فمثل ارتضاعه، ورفع يده، وحطها، ومد رجله، وقبضها، وانقلابه من جنب إلى جنب إلى ما جرى هذا المجرى من الحركات التي لا تكون إلا في حي.
فأما الاختلاج والحركة الضعيفة فلا تدل على الحياة، لأن لحم الذبيحة قد يختلج ولا يدل على بقاء الحياة، وإنما تثبت حياته بأحد أمرين: استهلال، أو حركة قوية.
وبه قال أبو حنيفة وأكثر الفقهاء.
وقال مالك: تثبت حياته بالاستهلال ولا تثبت بالحركة.
وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين، واختلفوا في العطاس هل يكون استهلال؟ فأثبته بعضهم ونفاه آخرون، واستدلوا على أن ماعدا الاستهلال لا تثبت به الحاية بما روي عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال: "إذا استهل المولود صلي عليه وورث "فخص الاستهلال بحكم الحياة فدل على أنه لا يثبت بغيره ولأنه لما استوي حكم قليل الاستهلال وكثيره في ثبوت الحياة وجب أن يستوي حكم قليل الحركة وكثيرها في عدم الحياة.
ودليلنا: هو أن ما دل على حياة الكبير دل على حياة الصغير كالاستهلال، ولأن من دل الاستهلال على حياته دلت الحركة على حياته كالكبير.

الجزء: 12 - الصفحة: 366

فأما الخبر ففيه نص على الاستهلال وتنبيه على الحركة، وأما قليل الحركة فما خرج عن حد الاختلاج دل على الحياة من قليل كثير، وما كان اختلاجاً فليس بحركة فقد استوي حكم الحركة في قليلها وكثيرها.
فصل: فإذا ثبت أن حكم الاستهلال والحركة في ثبوت الحياة سواء فمتى كان الاستهلال بعد انفصاله من أنه تثبت حياته، وإن استهل قبل انفصاله عند خروج بعضه منها وبقاء بعضه معها ثم انفصل منها لم يثبت له حكم الحياة ولم تكمل ديته.
وبه قال أبو حنيفة: وقال أبو يوسف، ومحمد، وزفر والحسن بن صالح: إن علمت حياته عند خروج أكثره ثبت له حكم الحياة في الميراث وكمال الدية، وإن كان عند خروج أقله لم يثبت اعتباراً بالأغلب، وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه إن يرى على ما قبل الانفصال حكم الحياة وجب أن يستوي حكم أقله وأكثره في ثبوتها للعلم بها، وإن لم يجر حكمها على القليل لم يجر على أكثره للاتصال وعدم الانفصال؛ ولأنه لما استوي وخرج أقله وأكثره في بقاء العدة وجب أن يستويا في الميراث وكمال الدية.
فصل: فإذا صح ما ذكرنا وثبتت حياته بعد انفصاله باستهلال أو حركة ثم مات فلا يخلو حال موته من أحد أمرين: إما أن يكون عقيب سقوطه، أو متأخراً عنه، فإن مات عقيب سقوطه فالظاهر من موته أنه كان من ضرب أمه، لأنه لما تعلق بالضرب حكم إسقاطه تعلق به حكم موته إلا أن تحدث عليه بعد سقوطه جناية فيصير موته منسوباً إلى الجناية الحادثة دون الضرب المتقدم، مثل أن تنقلب عليه أمه بعد إلقائه فيصير موته بانقلاب أمه عليه فتجب ديته عليها تتحملها عاقلتها إن لم تعمد ذلك، ولا ترثه، لأنها صارت قاتلة، وعليها الكفارة، ولو عصرته برحمها عند خروجه ثم مات بعد انفصاله لم تضمنه وكانت ديته على الضارب، لأن عصرة الرحم قل ما يخلو منها مولود ووالدة.
ولو جرحه جارح بعد سقوطه كانت ديته على جارحه دون ضارب أمه.
فإن قيل فهلا كان كالجارحين بضمانه معاً؟ قيل: لأن جناية الضارب سبب وجناية الجارح مباشرة واجتماعهما يوجب تعليق الحكم بالمباشرة دون السبب، فلو اختلف ضارب الأم ووارث الجنين في موته بعد سقوطه فادعى الوارث موته بالضرب المتقدم وادعى الضارب موته بجناية حدثت فالقول قول الوارث مع يمينه، والضارب ضامن لديته، لأننا على يقين من ضربه وفي شك من جناية غيره، فلو أقام الضارب البينة أنه مات بجناية غيره برئ من ديته بالبينة ولم يحكم

الجزء: 12 - الصفحة: 367

بها على الجاني، لأن الوارث مبرئ للجاني ومكذب للبينة بمطالبة الضارب، فهذا حكمه إذا مات عقيب سقوطه.
فصل: فأما إذا تأخرت فمات بعد يوم فما زاد نظر في حاله مدة حياته، فإن لم يزل فيها ضمناً مريضاً حتى مات فالظاهر من موته أنه بضربه فعليه الغرة.
والثاني: أن يكون مدة حياته ساكناً سليماً، فالظاهر من موته أنه من غير الضرب المتقدم، لأنه قد يموت من غير ضرب فلا شيء على الضارب، فإن ادعى الوارث عليه موته من ضربه أحلفه وبرئ بعد يمينه، ولو اشتبهت حاله مدة حياته هل كان فيها ضمناً مريضاً وساكناً سليماً سئل عنه أهل الخبرة من قوابل النساء، لأنهن بعلل المولود أخبر من الرجال، فإن شهدن بمرضه ضمن الضارب ديته، وإن شهدت بصحته لم يضمنها.
قال الربيع: وفيه قول آخر إنه لا تقبل فيه إلا شهادة الرجال، لأنه قد تعرفه منهم من يعرفه، فمن أصحابنا من أثبته قولاً للشافعي ومنهم من أنكره ونسبه إلى الربيع فلو أدعى الوارث مرضه في مدة حياته ليكون الضارب ضامناً لديته وادعى الضارب أنه كان صحيحاً فيها ليبرأ من ديته فالقول قول الضارب مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته ولا ضمان عليه إلا أن يقيم الوارث البينة بمرضه فيحكم بعد إقامتها بمرضه، ويصير القول قول الوارث مع يمينه أنه مات من الضرب ويضمن الضارب ديته، ويجوز أن يشهد بمرضه النساء المنفردات على الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنها حالة يشهدها النساء وهو بمرض المولود أعرف من الرجال، وفيه تخريج قول آخر للربيع إنه لا يسمع فيه إلا شهادة الرجال، إما حكاية عن الشافعي أو تخريجاً عن نفسه على ما قدمناه.
فصل: ولو اختلفنا في استهلال المولود فادعاه الوارث وأنكره الضارب جاز أن يقبل فيه شهادة النساء المنفردات كما يقبل في الولادة، لأنها حال لا يكاد يحضرها الرجال.
فإن شهدن باستهلاله وحياته قضى على الضارب بديته تتحملها عنه العاقلة، مائة من الإبل إن كان ذكراً أو خمسون من اقبل إن كان أنثى، فلو أقام الضارب البينة أنه سقط ميتاً ولم يستهل حكم ببينة الاستهلال، لأنها تثبت ما نفاه غيرها، وقد يجوز أن يقف على الاستهلال بعض الحاضرين دون بعض فغلب حكم الإثبات على النفي، وإن عدمت البينة لم يخل حال الضارب وعاقلته عند التناكر من ثلاثة أقسام: أحدها: أن ينكر الضارب والعاقلة معاً حياة الجنين ويدعو أنه سقط ميتاً وقد ادعى الوارث حياته، فالقول قول الضارب وعاقلته مع إيمانهم أنه سقط ميتاً؛ لأن الأصل براءة الذمة وأنه لم يستقر للجنين حكم الحياة، فإذا اختلفوا وجبت الغرة دون الدية.
والثاني: أن يعترف العاقلة بحياة الجنين وينكرها الضارب، فتتحمل العاقلة دية

الجزء: 12 - الصفحة: 368

كاملة، ولا يمين على الضارب، لأن وجوب الدية على العاقلة المعترفة بها.
والثالث: أن يعترف الضارب بحياة الجنين وتنكرها العاقلة فلا تلزم العاقلة ما اعترف به الجاني لما قدمناه من قول النبي صل الله عليه وسلم: "لا تحمل العاقلة عمداً ولا عبداً ولا صلحاً ولا اعترافاً "وإذا كان كذلك توجهت اليمين على العاقلة يستحقها الضارب دون وارث الجنين؛ لأنه يصل إلى الدية من الضارب، وإنما سقط بإنكارهم تحملها من الضارب فلذلك كان هو المستحق لإحلاف العاقلة دون الوارث، فإذا حلفوا وجبت عليهم الغرة، وقيمتها خمس من الإبل هي نصف عشر دية الذكر وعشر دية الأنثى، وتحمل الضارب باقي الدية، فإن كان الجنين ذكراً لزمه تسعة أعشار ديته ونصف عشرها، وهو خمسة وتسعون بعيراً، وإن كان أنثى لزمه تسعة أعشار ديتها وهو خمسة وأربعون بعيراً وعلى قياس هذا ما عداه.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو خرج حياً لأقل من ستة أشهر فكان في حال لم يتم لمثله حياة قط ففيه الدية تامة وإن كان في حال تتم فيه لأحد من الأجنة حياة ففيه الدية.
قال المزني: هذا سقط من الكاتب عندي إذا أوجب الدية لأنه بحال تتم لمثله الحياة أن تسقط إذا كان بحال لا تتم لمثله حياة ". قال في الحاوي: وصورتها في امرأة ألقت من الضرب جنيناً متحركاً فحركته ضربان: حركة اختلاج، وحركة حياة، فحركة الاختلاج لا تجري عليها أحكام الحياة، وتجب فيه الغرة دون الدية، وحركة الحياة تجري عليها أحكام الحياة ويجب فيها الدية والفرق بين حركة الاختلاج، وحركة الحياة، أن حركة الاختلاج سريعة تتكرر كالرعشة في اليد، وتكون في أعضاء الحركة وغيرها.
وحركة الحياة بطيئة لا يسرع تكرارها وتختص بأعضاء الحركة دون غيرها فإذا كان في الجنين حركة حياة كملت فيه دية الحي، وجرى عليه في الميراث حكم الحياة، سواء ألقته لستة أشهر فصاعداً في زمان لا يتم حياة مثله.
فأما المزني فإنه اعترض في هذه المسألة ونسب الكاتب إلى الغلط، وقال إذا أوجب الشافعي فيه الدية إذا كان في حال تتم لمثله حياة اقتضى أن لا تجب فيه الدية إن كان في حال لا تتم لمثله حياة، وليس يخلو اعتراضه هذا من أحد أمرين: إما أن يكون مقصوراً على تغليط الكاتب وسهوه في النقل وأن الشافعي قد أفصح بذلك في كثير من كتبه، وليس بمنكر أن يذكر قسمين ويجيب عنهما بجواب واحد لاشتراكهما في معناه.
وإما أن يكون معترضاً بذلك في الجواب ويرى أنه إذا لم تتم لمثله حياة لم تجب

الجزء: 12 - الصفحة: 369

فيه الدية فهو خطأ منه فيما خالف فيه مذهب صاحبه من وجهين: أحدهما: أنه استوي في الكبير حال ما تطول حياته بالصحة وحال من أشفي على الموت بالمرض في وجوب الدية والقود لاختصاصه بإفاته حياة محفوظة الحرمة في قليل الزمان وكثيره وجب أن يستوي حال الجنين فيمن تتم حياته أو لا تتم في وجوب الدية، لأنه قد أفات حياة وجب حفظ حرمتها في قليل الزمان وكثيره.
والثاني: أن وجوب الغرة في الجنين إنما كانت لأنه لم يعلم حياته عند الجناية وجاز أن يكون ميتاً قبلها، وإذا سقط حياً تحققنا وجوب عند الجناية فاستوي حكم قليلها وكثيرها.
مسألة: قال المزني رضي الله عنه: "وقد قال: لو كان لأقل من ستة أشهر فقتله رجل عمداً فأراد ورثته القود فإن كان مثله يعيش اليوم أو اليومين ففيه القود ثم سكت.
قال المزني كأنه يقول: إن لم يكن كذلك فهو في معنى المذبوح يقطع باثنين أو المجروح تخرج منه حشوته فتضرب عنقه فلا قود على الثاني ولا دية وفي هذا عندي دليل وبالله التوفيق ". قال في الحاوي: وهذه مسألة أوردها المزني احتجاجاً لنفسه وهي حجاج عليه؛ لأن الشافعي قد أوجب القود والدية في المقتول لأقل من ستة أشهر إذا كانت فيه حياة قوية وإن لم تتم ولم يدم؛ لأنه لا يجوز أن يعيش في جاري العادة لأقل من ستة أشهر فبطل به ما وطنه المزني من غلط الناقل وما ذهب إليه من مخالفة الشافعي، ثم نشرح المذهب فيها فنقول: لا تخلو حياة الملقي لأقل من ستة أشهر من أن تكون قوية أو ضعيفة، فإن كانت قوية تعيش منها اليوم واليومين فحكمه حكم غيره من الأحياء: إن قتله القاتل عمداً فعليه القود، وإن قتله خطأ فعليه الدية، وإن ضمنه الثاني بقود أو دية سقط ضمانه عن الضارب فلم يلزمه فيه غرة ولا دية، وكان مختصاً بضرب الأم وإجهاضها فلا يلزمه أرش ضربها إلا أن تؤثر في جسدها، وفي وجوب الحكومة عليه في إجهاضها قولان تقدما.
فإن كانت حياة الجنين ضعيفة لا يعيش بها أكثر من ساعة أو بعضها فهو في حكم التالف بالضرب المتقدم دون القتل الحادث، فتكون ديته على الضارب ولا يلزمه فيه قود بحال، ولا شيء على قاتله، ويكون في حكم من قطع مذبوحاً باثنين أو ضرب عنق مبقور البطن فخرج الحشوة، فيكون الأول قاتله دون الثاني، فيعزر ولا يلزمه غرم ولا كفارة، فلو وقع التنازع في حياته عنه قتل الثاني هل كانت قوية يضمنها الثاني أو ضعيفة يضمنها

الجزء: 12 - الصفحة: 370

الأول؟ فالقول فيه قول الثاني مع يمينه، والضمان على الأول دونه، لأننا على يقين من ضمان الأول بالضرب وفي شك من ضربان الثاني بالقتل، ولأن الأصل ضعف الحياة حتى يعلم قوتها.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "ولو ضربها فألقت يدًا وماتت ضمن الأم والجنين لأني قد علمت أنه قد جني على الجنين".
قال في الحاوي: إذا ألقت من الضربة يدًا وماتت ضمن الأم والجنين، ضمن دية نفسها، وغرة جنينها، وإن لم تلقه، لأن إلقاء يده دليل على أن في بطنها جنينًا، لأن اليد لا تخلق على انفراد حتى تكون من جسد، فلو ألقت بعد اليد جنينًا نظر فيه، فإن لم تكون له يد فتلك اليد منه فتجب فيه غرة واحدة، لأنه جنين واحد، إن كان الجنين كامل اليدين فتلك اليد من جنين آخر فيلزمه غرمان وكفارتان، لأنهما جنينان.
فإن قيل: فيجوز أن تكون تلك اليد يدًا زائدة قيل محل الأعضاء الزائدة مخالف لمحل الأعضاء التي من أصل الخلقة، فإن كان لها في الجنين أثر الزيادة فليس فيه إلا غرة واحدة وإن لم تكن فيه أثر الزيادة ففيه غرمان، وإن احتمل الأمرين ففيه غرة واحدة، لأنها يقين ثم ينظر في إلقاء اليد، فإن ألقتها قبل موتها ورثت من الغرة، وإن ألقتها بعد موته لم ترث منها، ولو ألقت اليد قبل موتها والجنين بعد موتها، فإن كانت اليدين من الجنين ففيه غرة واحدة ترث منها، وإن كانت من غيره ففيها غرتان ترث من الأولى ولا ترث من الثانية.
فصل: ولو عاشت المضروبة بعدم إلقاء اليد ولم تلق بعد اليد جنينًا لم يضمن الضارب إلا يد جنين بنصف الغرة؛ لأن يد الحي مضمونة بنصف ديته فضمنت يد الجنين بنصف غرته، ولا يضمن باقي الجنين؛ لأننا لم نتحقق تلفه.
فصل: وإذا اصطدمت امرأتان حاملتان فماتتا وألقت كل واحدة منهما جنينًا ميتًا فموت كل واحدة منهما وإلقاء جنينها بصدمتها وصدمة صاحبتها فعلى كل واحدة منهما نصف دية صاحبتها ونصفها الباقي هدر، لأنه في مقابلة جنايتها على نفسها، فأما جنيناهما فجنين كل واحدة منهما مضمون على أمه وعلى صاحبتها، فيلزم كل واحدة منهما نصف غرة في جنينها ونصف غرة في جنين صاحبتها، فتصير كل واحدة منهما ملتزمة لغرة كاملة، ولا

الجزء: 12 - الصفحة: 371

ينهدر شيء من غرة الجنين وإن أنهدر النصف من دية الأمين، يجب عليها ثماني كفارات، لأنهما قد اشتركا في قتل أربعة فلزم عن كل واحدة منهم كفارتان لاشتراك اثنين فيه.
فصل: وإذا طفرت الحامل فألقت جنينًا ميتًا فإن لم تخرج الطفرة عن عادة مثلها من الحوامل ولا كان مثلها مسقطًا للأجنة لم تضمنه، وإن خرجت عن عادة مثلها وكانت الأجنة تسقط بمثل طفرتها ضمنته بالغرة والكفارة، ولم ترث من الغرة؛ لأنها قاتلة، وهكذا لو شربت الحامل دواءً فأسقطت جنينًا ميتًا روعي حال الدواء فإن زعم علماء الطب ان مثله قد يسقط الأجنة ضمنت جنينها، وإن قالوا: مثله لا يسقط الأجنة لم تضمنه، وإن أشكل وجوزوه ضمنته؛ لأن الظاهر من سقوطه أنه من حدوث شربه، ولو امتنعت الحامل من الطعام والشراب حتى ألقت جنينها وكانت الأجنة تسقط من جوع الأم وعطشها نظر، فإن دعتها الضرورة إلى الجوع والعطش للإعواز والعدم فلا ضمان عليها، وإن لم تدعها ضرورة إليه ضمنته، ولو جاعت وعطشت من صوم فرض أو تطوع ضمنت، لأنها مع الخوف على جملها مأمورة بالإفطار منهية عن الصيام والله أعلم بالصواب.

باب جنين الأمة

مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وفي جنين الأمة عُشر قيمة أمه يوم جني عليها ذكرًا كان أو أنثى، وهو قول المدنيين.
قالي المُزَني: القياس على أصله عُشر قيمة أمه يوم تلقيه لأنه قال: لو ضربها أمة فألقت جنينًا ميتًا ثم أعتقت فألقت جنينًا آخر فعليه عشر قيمة أمه لسيدها وفي الآخر ما في جنين حرة لأنه ولورثته.
قال الشافعي: قال محمد بن الحسن للمدنيين: أرأيتم لو كان حيًا أليس فيه قيمته وإن كان أقل من عُشر ثمن أمه ولو كان ميتًا فعُشر أمه فقد أغرمتم فيه ميتًا أكثر مما أغرمتم فيه حيًا.
قال الشافعي رحمه الله: أليس أصلك جنين الحرة التي قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يذكر عنه أنه سأل أذكر هو أم أنثى؟ قال: بلى قلت: فجعلت وجعلنا فيه خمسًا من الإبل أو خمسين دينارًا إذا لم يكن غرة؟ قال: بلى قلت: لو خرجا حيين ذكرًا وأنثى فماتا؟ قال: في الذكر مائة وفي الأنثى خمسون.
قلت: فإذا زعمت أن حكمهما في أنفسهما مختلفان فلم سويت بين حكمهما ميتين أما يدلك هذا أن حكمهما ميتين حكم غيرها ثم قست على ذلك جنين الأمة فقلت: إن كان ذكرًا فنصف عُشر قيمته لو كان حيًا وإن كان أنثى فعُشر قيمتها لو كانت حية أليس قد جعلت عقل الأنثى من أصل عقلها في الحياة وضعف عقل الرجل من أصل عقله في الحياة لا أعلمك إلا نكست القياس.
قال:

الجزء: 12 - الصفحة: 372

فأنت قد سويت بينهما من أجل أني زعمت أن أصل حكمهما حكم غيرهما لا حكم أنفسهما كما سويت بين الذكر والأنثى من جنين الحرة فكان مخرج قولي معتدلًا فكيف يكون الحكم لمن يخرج حيًا".
قال في الحاوي: في جنين الأمة إذا كان مملوكًا عشر قيمة أمه ذكرًا كان أو أنثى ويكون معتبرًا بأمه لا بنفسه.
وقال أبو حنيفة: جنين الأمة معتبر بنفسه يفرق بين الذكر والأنثى، فإن كان ذكرًا وجب فيه نصف عشر قيمته، وإن كان أنثى وجب فيها عشر قيمتها.
واستدل على اعتباره بنفسه أمرين: أحدهما: أنه لما وقع الفرق في جنين الأمة بين أن يكون مملوكًا أو حرًا وفي جنين الكافرة أن يكون مسلمًا أو كافرًا دل على اعتباره بنفسه لا بغيره.
والثاني: أنه من أبويه فلما لم يعتبر بأبيه لم يعتبر بأمه، وإذا سقط اعتباره بهما وجب اعتباره بنفسه.
واستدل على الفرق بين الذكر والأنثى بأمرين: أحدهما: أنه لما وقع الفرق في إلقائه حيًا بين الذكر والأنثى وجب أن يقع الفرق بينهما في إلقائه ميتًا.
والثاني: أنه موروث واستحقاق التوارث يوجب الفرق بين الذكر والأنثى كالوارث.
والدليل على اعتباره بغيره شيئان: أحدهما: أنه لما اعتبرت قيمة القيمة وليس له قيمة؛ لأنه إن قوم ميتًا لم تكن الميت قيمة، وإن قوم حيًا لم تكن له حياة فوجب أن يعدل عن تقويمه عند استحالتها إلى تقويم أصله كما يجعل العبد أصلًا للحر في الحكومات، ويجعل الحر أصلًا للعبد في المقدرات.
والثاني: أنه لو قوم بنفسه لوجب استيفاء قيمته كسائر المتلفات، ولما لم يستوفِ قيمته لاعتباره بغيره كان أصل التقويم أولى أن يكون معتبرًا بغيره.
والدليل على التسوية بين الذكر والأنثى شيئان: أحدهما: أن حرمته حرًا أغلظ من جرمته مملوكًا، فلما استوي الذكر والأنثى في أغلظ حاليه حرًا كان أولى أن يستوي في أخف حاليه مملوكًا.

الجزء: 12 - الصفحة: 373

والثاني: أن الفرق بين الذكر والأنثى يوجب تفضيل الذكر على الأنثى كالديات والمواريث وهم لا يفضلونه، وتفضيل الأنثى على الذكر وإن كان مذهبهم مفضيًا إليه مدفوع بالشرع فوجبت التسوية بينهما لامتناع ما عداه.
فأما الجواب عن استدلالهم بوقوع الفرق بين حريته ورقه وبين إسلامه وكفره فهو الدليل عليهم، لأنه لما اعتبر إسلامه وكفره وحريته ورقه بغيره لا بنفسه جاز مثله في بدل نفسه.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما لم يعتبر بأبيه لم يعتبر بأمه فهو أنه لما كان في الملك تابعًا لأمه دون أبيه وجب في التقويم أن يكون تابعًا لها دونه.
وأما الجواب عن افتراق الأنثى والذكر في الحي فهو زوال الاشتباه في الحياة أوقع الفرق بينهما، بوقوع الاشتباه في الموت أوجب التسوية بينهما كالحر، وهو الجواب عن وقوع الفرق بينهما في الوارث دون الموروث.
فصل: فأما محمد بن الحسن فإنه استدل لنصرة مذهبه وإبطال مذهب مخالفه بأن اعتباره بغيره يفضي إلى تفضيل الميت على الحي، لأنه قد يكون قيمة أمه ألف دينار عشرها مائة دينار، وقيمته في حياته دينار واحد، فيجب فيه ميتًا مائة دينار، ويجب فيه حيًا دينار واحد، وما أفض إلى هذا كان باطلًا؛ لأن الحي مفضل على الميت كالحر فيقال له وقولكم مفضٍ إلى مخالفة الأصول من وجهين: أحدهما: أنكم فضلتم الأنثى على الذكر لأنكم أوجبتم في الأنثى عُشر قيمتها وفي الذكر نصف عشر قيمته، والأصول توجب تفضيل الذكر على الأنثى.
والثاني: أنكم أوجبتم فيمن كثرت قيمته أقل مما أوجبتموه فيمن قلت قيمته فقلتم في الذكر إذا كان قيمته خمسين دينارًا فيه نصف عشرها ديناران ونصف، وفي الأنثى إذا كانت قيمتها أربعين دينارًا فيها عشر أربعة دنانير، والأصول توجب زيادة الغرم عند زيادة القيمة فلم تنكر على نفسها وعلى أصحابك مخالفة أصول الشرع عن اختلاف الجهات عندنا وعندكم فقلنا وقلتم مع اتفاقنا وإياكم على تفضيل الحر على العبد: إن الغاصب لو مات في يد العبد المغصوب وجبت فيه قيمته وإن زاد على دية الحر وإن كان أنقص حالًا من الحر، ثم قلتم وحكم القتل أغلظ أنه لو قتله نقص من قيمته عن دية الحر فأوجبتم فيه غير مقتول أكثر مما أوجبتم فيه مقتولًا ولم تنكروا مثل هذا عند اختلاف الجهتين كذلك لم يمنع مثله في الجنين عند اختلاف الجهتين.
فصل: فإذا ثبت أن في جنين الأمة عشر قيمه أمه فمذهب الشافعي أن الاعتبار بقيمتها يوم

الجزء: 12 - الصفحة: 374

ضربها لا يوم إسقاطه وهو قول جمهور أصحابه.
وقال المزني: تعتبر قيمتها يوم إسقاطه وبه قال أبو سعيد الإصطخري احتجاجًا بأمرين: أحدهما: وهو احتجاج المزني أنه لو ضربها ثم أعتقت وألقت من ضربه جنين أحدهما قبل العتق والآخر بعده وجب في الجنين الذي ألقته قبل العتق عشر قيمتها وفي الجنين الذي ألقته بعد العتق غرة فدل على الاعتبار بوقت إلقائه لا وقت الضرب.
والثاني: وهو احتجاج الإصطخري أن الجناية إذا صارت نفسًا كان الاعتبار ببدلها وقت استقرارها كالجناية على العبد إذا أعتق وعلى الكافر إذا أسلم.
وهذا خطأ، لأن سراية الجناية إذا لم تتغير بحال حادثة كانت معتبرة بوقت الجناية دون استقرار السراية كالعبد إذا جني عليه ثم سرت إلى نفسه مع بقاء رقه، اعتبرت قيمته وقت الجناية دون استقرارها، ولو تغيرت حاله فأعتق قبل موته اعتبر بها وقت استقرارها، كذلك الجنين إذا لم يتغير حاله اعتبر وقت الجناية، وإن تغيرت اعتبر به وقت الاستقرار وفي هذا دليل وانفصال.
فصل: فإذا تقرر هذا تفرع عليه أن يضرب بطن حامل حربية فتسلم ثم تلقي جنينها ميتًا وتموت بعده، فعلى مذهب الشافعي لا يضمنها ولا يضمن جنينها، اعتبارًا بوقت الجناية أنها كانت غير مضمونة، وعلى مذهب المزني يضمن جنينها ولا يضمن نفسها، لأنه يعتبر جنينها بوقت الولادة وقد صارت مضمونة وتعتبر نفسها بوقت الجناية وقد كانت غير مضمونة، فإن قيل: فكيف يضمن الجناية عند سرايتها في الجنين إذا كانت هدرًا في الابتداء.
قيل: لأن الجناية على الجنين لا تكون إلا بالسراية إليه دون المباشرة فصارت السراية كالمباشرة في غيره وهو مقتضى تعليل المزني وإن كان بعيدًا.
ولو ارتدت حامل فضرب بطنها ثم أسلمت فألقت جنينًا ميتًا ثم ماتت ضمن جنينها ولم يضمن نفسها على المذهبين معًا بخلاف الحربية؛ لأن جنين المرتدة مضمون لا يجري عليه حكم الردة بخلاف أمه وجنين الحربية كأمه.
فصل: وإذا ضرب بطن أمة حامل لمملوك فأعتقها السيد ثم ألقت جنينًا ميتًا ففيه على الضارب غرة عبد أو أمة لاستقرار الجناية فيه بعد حريته، وللسيد منها أقل الأمرين من عشر قيمة أمه أو من الغرة كما لو أعتق عبده وقد جني عليه كان للسيد أقل الأمرين من قيمته أو ديته، فإن كانت الغرة أقل أخذها ولا شيء لوارث الجنين، وإن كانت عشر قيمتها أقل أخذها من قيمة الغرة، وكان باقي الغرة لوارث الجنين، فإن لم يكن له وارث

الجزء: 12 - الصفحة: 375

مناسب عاد إلى السيد وارثًا بالولاء.
فصل: وإذا وطئ الحر أمة غيره بشبهة وأتت بولد كان ولده منها حرًا، وعليه قيمته يوم ولد للسيد، ولأنه استهلك رقه عليه بشبهة، فإن ألقته ميتًا فلا شيء على الواطئ تغليبًا لاستهلاكه بالموت، فلو ضرب ضارب بطنها فألقت جنينًا ميتًا كان مضمونًا على الضارب بغرة عبد أو أمة للواطئ صار مضمونًا على الواطئ بعشر قيمة أمة للسيد، أما الغرة فإنما وجبت فيه لأنه حر فكانت لأبيه الواطئ دون السيد، وصار الواطئ مستهلكًا لرقه على السيد ولولائه لأخذ من الجاني عشر قيمة أمه فضمن الواطئ، ذلك للسيد، وإن كان كذلك لم تخل الغرة وعشر قيمة أمه من ثلاثة أقسام: أحدهما: أن يستويا لا يفضل أحدهما على الآخر فللسيد أن ينفرد بأخذها من الجاني ولا شيء فيها للواطئ ولا عليه، فإن أراد الواطئ أن يستوفيها من الجاني ويعطيها للسيد أو غيره كان ذلك له، لأن الغرة له وعشر القيمة عليه.
والثاني: أن تكون الغرة أكثر من عشر القيمة فللسيد أن يأخذ منها عشر القيمة ويأخذ الواطئ فاضلها.
والثالث: أن يكون عشر القيمة أكثر فللسيد أن يأخذها ويرجع على الواطئ بالباقي من عشر القيمة.
فصل: وإذا زنا المسلم بحربية كان ولدها منه كافرًا، لأنه لم يلحق به في نسبه فلم يلحق به في دينه، ولو ضرب بطنها فألقت جنينًا ميتا كان هدرًا لا يضمن كأمه، ولو وطئ المسلم حربية بشبهة كان ولدها مسلمًا؛ لأنه لما لحق به في نسبه لحق به في ديته، فلو ضرب بطنها فألقت جنينًا ميتًا كان مضمونًا على الضارب بغرة الجنين المسلم، فلو وقع التنازع في جنينها من وطء المسلم هل هو من زنا أو من وطء شبهة فادعت الأم الحربية أنه من وطء شبهة، فإن أكذبها الضارب وعاقلته، وقالوا: هو من زنا فالقول قولهم مع أيمانهم، ولا شيء عليهما؛ لأن الأصل براءة ذمتهم، فإن صدقها الضارب وكذبتها عاقلته ضمن الضارب جنينها دون العاقلة، وحلفت العاقلة للضارب دون الأم فبرئوا من الغرم، وإن صدقها العاقلة وكذبها الضارب ضمنت العاقلة جنينها ولا يمين على الضارب في إنكاره لتحمل العاقلة عنه.
فصل: وإذا كانت الأمة الحامل مملوكة بين شريكين فأعتق أحدهما حصته منها وضرب ضارب بطنها فألقت جنينًا ميتًا لم يخل حال الشريك المعتق من أحد أمرين: إما أن يكون

الجزء: 12 - الصفحة: 376

موسرًا أو معسرًا فإن كان معسرًا أعتقت حصته منها ومن جنينها لأنه عتق الأم يسري إلى حملها، وكان الباقي منها ومن جنينها موقوفًا للشريك فيها، فيعتبر حينئذٍ حال الضارب فإنه لا يخلو من أحد ثلاثة أقسام: إما أن يكون هو المعتق أو يكون الشريك الذي لم يعتق، أو يكون أجنبيًا.
فإن كان الضارب هو الشريك المعتق ضمن جنينها بنصف عشر قيمة أمه للشريك؛ لأنه نصفه مملوك له وبنصف الغرة لأن نصفه حر، وفي مستحقه قولان، ووجه ثالث بناء على اختلاف المذهب فيمن عتق بعضه هل يكون موروثًا على قولين للشافعي: أحدهما: لا يورث منه كما لا يرث له؛ فعلى هذا يكون لمالك رقه ملكًا لا ميراثًا، فيصير له نصف الغرة مع نصف عشر قيمة الأم وذلك جميع دية الجنين نصف حر ونصفه مملوك.
والثاني: أن يكون موروثًا؛ لأنه لما ملك به كسب نفسه في حياته ملكه وارثه بعد موته فعلى هذا إن كان له وارث مناسب ورث نصف الغرة ولا يرث منها الآخر شيئًا لرق بعضها والمرقوق بعضه لا يرث قولًا واحدًا، وإن ورث في أحد القولين وكان نصف عشر القيمة لمالك الرق وإن لم يكن له وارث مناسب، وصار موروثًا بالولاء لم يرثه المعتق؛ لأنه قاتل وانتقل ميراثه إلى عصبة معتقه.
والثالث: وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن ميراثه يكون لبيت المال ولا يكون لمالك رقه ولا لوارثه.
وإما إن كان الضارب هو مالك الرق الذي لم يعتق فلا يضمن ما ملكه من رقه، لأنه لا يضمن ملك نفسه في حقه، وفي ضمان ما عتق منه قولان: أحدهما: لا يضمنه إذا قيل لو ضمنه غيره كان له.
والثاني: يضمنه إذا قيل لو ضمنه غيره كان موروثًا عنه فيكون لعصبته، فإن عدموا فلمعتقه، ويكون لبيت المال على قول الإصطخري، وإن كان الضارب أجنبيًا ضمن جميعه بنصف عشر قيمة الأم لأجل نصف المرقوق يكون للشريك المسترق وبنصف الغرة لأجل نصف المعتق، وفي مستحقه ما قدمناه من المذاهب الثلاثة: أحدهما: أن يكون للشريك المسترق إذا قيل إنه غير موروث.
والثاني: يكون للمعتق إذا قيل إنه موروث.
والثالث: يكون لبيت المال، فهذا حكمه إذا كان الشريك المعتق معسرًا.
فأما إذا كان الشريك المعتق موسرًا قومت عليه حصة شريكه من الأم وهو النصف وعتق جميعها نصفها بالمباشرة ونصفها بالسراية، وسرى عتق المباشرة وعتق السراية إلى عتق جنينها فصارت وجنينها حرين، ومتى يعتق النصف المقوم عليه؟ في ثلاثة أقاويل: أحدها: بلفظه الذي أعتق به حصته، ويؤدي القيمة بعد عتقه عليه.
والثاني: أنه يعتق عليه باللفظ وأداء القيمة، فإن لم يؤدها لم يعتق.
والثالث: أنه موقوف مراعى فإن أدى القيمة بان أنه عتق بنفس اللفظ، وإن لم يؤدها

الجزء: 12 - الصفحة: 377

بان أنه لم يعتق باللفظ، فعلى هذا لا يخلو حالها في إلقاء جنينها من أن تكون بعد دفع القيمة أو قبلها، فإن كان بعد دفع القيمة فقد ألقته بعد استقرار عتقها وعتق جنينها، فيكون على الضارب غرة كاملة، فإن كان الضارب هو المعتق غرمها ولم يرث منها، لأنه قاتل وورثت الأم لكمال حريتها، وكان ما بقى بعد فرضها لعصبته، فإن لم يكونوا فلعصبة المعتق القاتل، وإن كان الضارب هو الشريك فحكمه وحكم الأجنبي واحد، وعليه الغرة يستحقها ورثة الجنين، يكون لأمه منها ميراث أم والباقي للعصبة، فإن لم يكونوا المعتق له، وإن ألقت جنينها بعد العتق وقبل دفع القيمة.
فإن قيل: إنها قد عتقت بنفس اللفظ، أو قيل: إنه موقوف مراعى ودفع القيمة كان الحكم فيه كما لو ألقته بعد دفع القيمة، فيكون على ما مضى.
وإن قيل: إنها لا تعتق إلا بعد أداء القيمة، أو قيل: إنه موقوف مراعى ولم يدفع القيمة كان كما لو كان معسرًا ولم يعتق بينها إلا ما عتق فيكون على ما مضى والله أعلم.

الجزء: 12 - الصفحة: 378

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل