كتاب الجنائز
باب إغماض الميت
مسألة: قال: أول ما يبدأُ به أولياءُ الميت أن يتولى أرفقهمْ به إغماضَ عينيه.
الفصل
وهذا كما قال.
قال: اعلم أن بعض أهل اللغة قالوا: الجنازة بكسر الجيم.
هي: اسم لما يحمل عليه الميت، وبفتح الجيم نفس الميت.
وقال الأزهري: الجنازة بكسر الجيم لا تسمى حتى يشد الميت مكفناً عليها، يقال: جنز الميت تجنيزاً، إذا هيئ أمره وجهر وشد على السرير، ثم اعلم أن الشافعي ذكر هاهنا ما يفعل بالمؤمن بعد موته.
وذكر في البويطي: ما يفعل به قبل موته ونحن نقدم ذلك.
وجملته: أنه يستحب للإنسان أن يكثر ذكر الموت، ويجعله من عينيه، وهذا في الدنيا وإطراحها، لما ووى ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "استحيوا من الله حق الحياء" قالوا: يا رسول الله وما حق الحياء؟ قال: "من عرف الرأس _ وروي من حفظ الرأس _ وما حوى، والبطن وما وعى، وترك زينة الحياة الدنيا، وأكثر ذكر الموت والبلى، فقد استحيى من الله حق الحياء" [266 ب/ 3].
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أكثروا من ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله ولا في قليل إلا كثره"، وروي مثل هذا عن عمر رضي الله عنه وكان نقش خاتم عمر "كفي بالموت واعظاً يا عمر"، وينبغي أن يستعد لموته كما يستعد لسفره الطويل.
وروى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: بينما نحن نمشي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أبصر جماعة مجتمعين، فقال: على ما اجتمع القوم؟ فقالوا: على قبر يحفرونه فابتدر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسرعاً بين يدي الناس حتى أتى القبر وحثا عليه التراب، فابتدرت فاستقبلته لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى دموعه، وقال: "إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا" الاستعداد للموت، الخروج من المظالم، والإقلاع عن المعاصي والإقبال على الطاعات وهذا لأنه لا يؤمن من موت الفجأة [267 أ/3]
الجزء: 2 - الصفحة: 516
ويستحب أن يكون منه هذا الذي ذكرنا في مرضه أكثر منه في حال الصحة، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: 180] الآية.
فأراد سبب الموت وهو المرض الذي هو نذير الموت ويريده.
وعلى كل حال يستحب أن يكون حسن الطريقة حسن الظن بالله عز وجل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل"، قال جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول هذا قبل موته بثلاث.
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله: إنما نحسن الظن بالله تعالى من حسن عمله، فكأنه قال: أحسنوا أعمالكم يحسن الله ظنكم بالله فإن من ساء عمله ساء ظنه، وقد يكون حسن الظن بالله تعالى من ناحية الرجاء وتأميل العفو، وروى واثلة بن الأسقع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عن الله تعالى: "أنا عند ظن عبدي بي فليظن عبدي ما شاء".
وقيل: المستحب أن يستوي في خوف العبد المؤمن ورجاؤه، ويكون خوفه في الصحة أكثر ليزداد عملاً صالحاً، وأما عند الموت فيستحب أن يكون رجاؤه لرحمة الله [267 ب/ 3] أكثر ليموت وهو حسن الظن بالله تعالى ذكره القفال.
واعلم أن من مرض يستحب له أن يصبر، لما روي أن امرأة جاءت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا رسول الله ادع الله أن يشفيني فقال: "إن شئت دعوت الله فشفاك وإن شئت فاصبري ولا حساب عليك" قالت: أصبر ولا حساب علي، وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض الأنين والتأوه وكثرة الشكوى لما روي من الخبر، ولأن طاوس رضي الله عنه كان يكره أنين المريض، وقال أيضاً: يستحب أن يتداوى لما روى أبو الدر داء رضي الله عنه أن وسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله أنزل الداء والدواء وجعل لكل داء دواء فتداووا ولا تتداووا بالحرام".
ويستحب عيادة المريض لما روى البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنائز وعيادة المريض وإجابة الداعي ونصر المظلوم وإبرار القسم ورد السلام وتشميت العاطس.
وقال زيد بن أرقم: عادني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجع كان بعيني وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عائد المريض في مخرف من مخاريف الجنة حتى يرجع إلى [268 أ/ 3] أهله" وأراد بالمخرف البستان، يعني: أنه يستوجب به الجنة
الجزء: 2 - الصفحة: 517
ومخارفها.
وروى ثوبان أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في خرفة الجنة"، وروي عن ثوير بن أبي فاختة عن أبيه قال: أخذ علي رضي الله عنهب يدي، فقال: انطلق بنا إلى الحسن نعوده فوجدنا عنده أبا موسى فقال علي: أعائداً جئت يا أبا موسى أم زائراً، فقال: لا؟ بل عائداً، فقال علي رضي الله عنه سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما من مسلم يعود مسلماً غدوة إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يمسي، وإن عاده عشية إلا صلى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح وكان له خريف في الجنة.
أورده أبو عيسى الترمذي رحمه الله وقوله: خريف أي: مخروف من ثمر الجنة.
وعاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جابراً وسعداً وكان يحب زيارة المريض حتى أنه عاد غلاماً يهوديا مرض فأسلم ببركته - صلى الله عليه وسلم -. ويستحب إذا رجا برؤه أن يدعو له بما قال في رواية ابن عباس رضي الله عنه: "من عاد مريضا لم يحضره أجله فقال: عنده سبع مرات أسأل الله العظيم [268 ب/3] رب العرش العظيم أن يشفيك عافاه الله تعالى من ذلك المرض.
وروي أن جبريل أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يا محمد اشتكيت قال: نعم، فقال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس وعين حاسدة، بسم الله أرقيك والله يشفيك".
وروى عبد العزيز بن صهيب قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك، فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت فقال أنس: أفلا أرقيك رقية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بلى، قال: قل "اللهم رب الناس، مذهب البأس اشف أنت الشافي لا شافي إلا أنت شفاء لا يغادر سقماً".
وقال بعض أصحابنا: يكره للمريض أن يتمنى الموت وان اشتد مرضه، لما روى أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يتمنين أحدكم الموت لضيق نزل به، فإن كان متمنيا فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا ليّ" وقال حارثة بن مضرب: دخلت على خباب وقد اكتوى في بطنه فقال: ما أعلم أحداً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقي من البلاء ما لقيت لقد [269 أ/ 3] كنت وما أجد درهماً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي ناحية من بيتي الآن أربعون ألفاً ولولا أن
الجزء: 2 - الصفحة: 518
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهانا أن نتمنى الموت لتمنيت، وإن رآه ميؤوساً من البرء يستحب أن يوجهه إلى القبلة لتخرج الروح وهو متقبل القبلة.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "خير المجالس ما استقبل به القبلة"، فإن كان الموضع واسعاً فالمستحب أن يجعل على جنبه الأيمن ليكون وجهه وصدره ومقدمه نحو القبلة كما يصلي المريض، وكما يوضع في اللحد.
قال عليه الصلاة والسلام: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه"، وإن كان الموضع ضيقاً جعل على ظهره وبطون قدميه إلى القبلة ويكون تحت رأسه مرفقه، ثم يستحب أن يلقن قول: لا إله إلا الله ثلاث مرات إذا حضر الوفاة، فإذا قالها لم يتكلم بعدها ليكون آخركلامه هذا.
قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" فإن تكلم بعدها بشيء أعيد التلقين ليكون التوحيد آخر كلامه.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم قول لا إله إلا الله" [269 ب/3] أي من قرب موته.
وقال القفال: لا يستحب أن يقول له قل: لا إله إلا الله أو يلح عليه بذلك، لأنه ربما يضجر فيرده فيهلك به، بل يذكر بين يديه ليتذكر.
وروي عن ابن المبارك أنه لما حضرته الوفاة جعل وجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه فقال له عبد الله: إذا قلت: مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم بكلام.
ويستحب أن يتولى تلقين الشهادة للميت من ليس بوارث حتى لا يسبق إلى قلبه أنه يستعجل موته فيغتاظ من ذلك فيجحد، فإن لم يكن عنده إلا الورثة، فالأولى أن يتولى ذلك أبرهم به وأحبهم إليه حتى لا يسبق إلى قلبه تهمة الاستعجال فتحمله المغايظة على الجحود، ويستحب أن يقولوا: خيراً لما روت أم سلمة قالت: قال وسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا حضرتم المريض أو الميت فقولوا خيراً، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون، قالت: فلما مات أبو سلمة أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقلت: يا رسول الله إن أبا سلمة مات.
قال: فقولي: "اللهم اغفر لي وله وأعقبني منه عقبة حسنة"، قالت: فقلت فأعقبني الله منه من [270 أ/ 3] هو خير منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويستحب أن يقرأ عنده سورة "يس" لما روى معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "قال: اقرؤوا على موتاكم" يعني يس.
الجزء: 2 - الصفحة: 519
وقال بعض التابعين: يقرأ عنده سورة الرعد لما روي عن جابر بن يزيد قال: إذا قرئ عنده سورة الرعد فإنه يكون أسرع لخروج الروح، فيستحب أن يقرأ عنده هذا إذا رأي اشتداد الأمر، فإن رأى أمارات السلامة فإنه يدعو له وينصرف.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على شاب وهو في الموت فقال: كيف تجدك؟ فقال: أرجو الله برسول الله، واني أخاف ذنوبي.
فقال رسول - صلى الله عليه وسلم -: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله تعالى ما يرجوه وآمنه مما يخاف"، وقالت عائشة رضي الله عنها: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: "اللهم أعني على غمرات الموت أو سكرات الموت".
وأما ما يفعل به بعد موته، فاعلم أن الشافعي [270 ب/3] ذكر هنا وفي "الأم" أنه يفعل به سبعة أشياء:
أحدها: أن يتولى أرفقهم به إغماض عينيه بأسهل ما يقدر عليه، وأراد به أقرباؤه ومحارمه، وهذا لما ووت أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "دخل على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمض عينيه وقال: أغمضوا عيون موتاكم فإن الروح إذا خرجت تبعها البصر"، ولأن ذلك هو أحسن في هيئة الميت من أن يكون مفتوح العينين، ويشبه النائم بعد إغماضها.
وإذا لم يغمض عند وجود حرارة الروح فيه لم تتغمض بعدما برد ويقبح منه ذلك بهيئة الميت، ويدخل فيها الهوام.
والثاني: قال: وأن يشد لحييه الأسفل بعصابة عريضة ويربطها من فوق رأسه لئلا يسترخي لحيه الأسفل فيفتح فوه فلا ينطبق وهذا صحيح قريب المعنى من إغماض عينيه، ولأنه إذا لم يفعل ذلك دخل الهوام جوفه ويقبح به منظره.
والثالث: يلين مفاصله ما دامت حرارة الحياة فيه، فيرد ذراعه إلى عضديه ثم يردهما ويلين أصابع يديه بطونها، ثم يردها ويرد ساقه إلى فخذه، ثم يرده ويرد فخذه إلى بطنه ثم يرد [271 أ/ 3] ويتعاهد منه هذا ليتأتى لينه على غاسله وقت غسله وتكفينه.
والرابع: تجرده من ثيابه فيخلع عنه ثيابه المخيطة من الجبة والقميص وغيرهما، وهذا لئلا يحمى فيها فتفسد، ولأنه لا يخلو في الغالب عن نجس أو قذر.
والخامس: أن يجعل على بطنه حديدة فإن لم يكن فطيناً مبلولاً لئلا يربو جوفه.
وروي أن مولى أنس رضي الله عنه مات فقال: "ضعوا على بطنه حديدة لأنه ينتفخ".
والسادس: يسجى بثوب يغطى به جميع جسده ووجهه لأنه بعد الموت يأخذ في
الجزء: 2 - الصفحة: 520
التغير فينبغي أن يستر ويوارى عن الأبصار، وقالت عائشة رضي الله عنها: "سجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثوب حبرة".
والسابع: يجعل على لوح وسرير لئلا تدب إليه الهوام، وليكون أبعد من الأرض ولا يوضع على الفراش لأنه أسرع لانتفاخه ولا يجمع عليه أطباق الثياب لهذا، ويجعل جوانب الثوب تحت رأسه ورجله لئلا ينكشف.
فرع
قال في "الأم": وأحب إذا مات أن لا يعجل أهله غسله، لأن قد يكون يغشى عليه فيخيل إليهم أنه قد [271 ب / 3] مات حتى يرى فيه علامات الموت، وهو أن يسترخي قدماه فلا ينتصبان، ويميل أنفه ويفترق زنداه وتفترج المفاصل ويمتد جلدة الولد، يعني: جلدة الخصية، لأن الخصية تتعلق بالموت ويتدلى جلدها.
وقال بعض أصحابنا: وينخسف صدغاه، قال: وإن مات فجأة مصعوقاً أو بحريق أو غرق أو مات غماً أو محمولاً عليه أو تردى من جبل أو في بثر، استوفى بموته يوما أو يومين أو ثلاثة ما لا يخاف بغيره، فإذا تحقق موته تعجل غسله، ودفنه لأنه عبادة، فكانت المبادرة إليها أفضل، وقد قال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه: "ثلاث لا تؤخرها الجنازة إذا حضرت" الخبر، وأراد بالمصعوق الذي تصيبه السكتة، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على طلحة بن البراء يعوده، فقال: "ما أرى الموت إلا وقد ذهب بطلحة فإذا مات فآذنوني وبادروا به فما ينبغي لميت مسلم أن يكون بين ظهراني أهله" قلت: وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "موت الفجأة أخدة آسف"، والآسف الغضبان [272 أ / 3] من قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف: 55].
ومعناه أنه نقل ما أوجب الغضب عليه.
وروى أنى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "موت الفجأة رحمة للمؤمنين وعذاب على الكافرين".
وهذا يفسر ما قبله من الخبر.
فَرْعٌ آخرُ
أول ما ينبغي أن ينظر في أمره أنه إن كان على الميت ومن قضى عنه أنه كان في تركته من جنسه، فإن لم يكن فيها من جنسه احتال بها الولي على نفسه وسأله أن يبرئ الميت منه، وإن لم يخلف تركه بحال يسأل من له الدين أن يبريه منه، فإن لم يفعل كان في قضاء دينه ثواب عظيم وأجر كثير فربما بما يضمنه ضامن ويؤدي ذلك وإنما قلنا هذا لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه"، وروي أن
الجزء: 2 - الصفحة: 521
النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي برجل ليصلي عليه فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على صاحبكم فإن عليه ديناً".
قال أبو قتادة: هو علي فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بالوفاء" قال: بالوفاء فصلى عليه، وقال أبو هريرة [272 ب / 3] رضي الله عنه كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين، فيقول: "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن حدث أنه ترك وفاء صلى عليه وإلا فلا.
وقال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتوح قام فقال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعلي قضاؤه، ومن ترك مالاً فهو لورثته"، ثم إن كانت له وصية تفرق على ما أوصى وبدأ بأقاربه وجيرانه ليقدم الخير بين يديه فيجده إذا ورد عليه.
فرع
قال بعض أصحابنا: يكره النداء على موته ولا نص فيه، وهذا لإخفاء أمره والمبادرة به، وقال بعضهم: يستحب الإنذار به وإشاعة موته في الناس بالنداء والإعلام، ليكثر المصلون عليه والداعون له فينادي: قد مات فلان ابن فلان.
وبه أقول.
وقال أحمد: لا بأس به، وبه قال أبو حنيفة وقال بعضهم: يستحب ذلك للغريب ولا يستحب لغيره وبه قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه لأن في الغريب إذا لم يناد لا يعلم به.
وقد روي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: "إذا مت فلا تؤذنوا بي أحداً [273 أ / 3] فإني أخاف أن يكون نعياً، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي".
وروى عبد الله بن مسعود إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إياكم والنعي فإن النعي من عمل الجاهلية".
قال عبد الله: والنعي: أذان بالميت وهذا دليل القول الأول ويمكن أن يؤول على ما لو لم يكن الفرض تعريف الإخوان وكثرة المصلين عليه والداعين.
باب غسل الميت
مسألة: قال: ويفضى بالميت إلى مغتسله.
وهذا كما قال.
أواد بنقل الميت إذا أريد غسله إلى الموضع الذي يغسل عليه وغسل الميت هو من فرائض الكفايات كالصلاة عليه سواء، وأصل هذا أن علياً والفضل بن العباس رضي الله عنهما توليا غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأمره ووصيته، وقال علي رضي الله عنه: ". . . . على غسله، وروي أن علياً رضي الله عنه رأى في عين رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 522
قراءة فأدخل لسانه فأخرجها، وقد روي في خبر المحرم [273 ب / 3] الذي وقعت به ناقته أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اغسلوه بماء وسدر" فأمر بالغسل ولأنه لا خلاف بين المسلمين فيه.
فإذا تقرر هذا ذكر كيفيته فقال: ويفضى إلى مغتسله ويكون كالمنحدر قليلاً وهو أن يكون موضع وأسه أعلى حتى ينحدر الماء عنه ولا يقف عنه، ويكون ملقىً على ظهره وتكون رجلاه إلى القبلة.
مسألة: قال: ثم يعاد تليين مفاصله.
وهذا كما قال، قال أصحابنا: لا يعرف هذا للشافعي في شي، من كتبه، ولا يستحب ذلك لأن تليين المفاصل إنما يفيد عقيب الموت لبقاء حرارة الروح فيه، فأما عند الغسل فقد بردت المفاصل فلا يفيد التليين شيئاً وقيل: إنه نص على هذا في "الأم": حكاه البندنيجي ففي المسألة قولان، وهذا غير صحيح وينبغي أن يؤول إن صح أنه ذكره في "الأم".
مسألة: قال: ويطرح عليه ما يواري بين ركبتيه إلى سرته.
وهذا كما قال أراد به أن يستر عورته، وهو ما كان يستره في حال حياته من نفسه، والأولى أن يستر جميع بدنه، وهذا إن لم يغسل في قميص [274 أ / 3]، والسنة عنانا أن يغسل في قميص، وهو أن يلبس قميصاً عند غسله ولا تخرج منه يداه ويصب الماء فوق القميص ونص على هذا بعد هذا، وبه قال أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: المستحب أن يجرد عن ثيابه وتلقى خرقة على فرجه ويكون فخذه مكشوفا وهذا لأن الحي إذا اغتسل تجرد فالميت أولى.
وهذا غلط لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غسل في قميصه" فإن قيل: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصاً بهذا، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا، ما كان سنة في حقه ففي حق غيره كذلك ما لم يثبت دليل التخصيص.
وروي أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه لما حضره الموت قال: "إذا أنا مت فامنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - " ولم ينكر ذلك أحد، وعندنا يجب ستر الفخذ منه، ولا يجوز النظر إليه من غير ضرورة لأنه عورة.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعلى رضي الله عنه: "لا تكشف عن فخذك ولا تنظر إلى فخد حي ولا ميت".
فإذا [274 ب / 3] ثبت هذا.
قال: "أحب أن يكون القميص خلقاً سخيناً"، يعني خلقا ينزل الماء عنه ولا يكون جديداً صفيقاً ينشف الماء ويتعذر غسله فيه، ثم ينظر في القميص، فإن كان واسعاً أدخل الغاسل يده في كمه وغسله من تحته ويكون على يده خرقة، وان كان ضيقا لا يمكنه إدخال اليد فيه.
قال أصحابنا: يفتق رؤوس التحاريس ثم يدخل يده من موضع الفتق، فإن لم يمكن فعل ما ذكرنا إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 523
لم يجد القميص.
مسألة: قال: ويستر موضعه الذي يغتسل فيه فلا يراه أحد إلا غاسله.
وهذا كما قال.
إذا أراد غسله جعله في موضع لا يطلع أحد عليه، إما في بيت أو تحت سقف ويستر موضعه في البيت بأن يسبل الستر على الباب، وهذا لأجل أنه في حال حياته يستتر عن الناس عند غله فيفعل به بعد موته كذلك، ولأنه ربما تظهر به علامة لا ينبغي أن يطلع عليها الناس ولا يدخل هناك إلا الغاسل والمعين والولي إن شاء فالغاسل يفض بصره ما أمكن ولا ينظر إلى شي، منه إلا أن يكون له بد [275 أ / 3] من النظر للوقوف على قدر ما غسل وما لم يغسل، وأما المعين فيغض بصره بكل حال إلا أن يكون ضرورة ويشتغل بصب الماء، وقيل: إن الذي ولي غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - العباس وعلي والفضل يغسلانه وأسامة يناول الماء، والعباس واقف.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في أنه هل يختار غسله تحت سقف أو سماء؟ فقال بعضهم: يختار غسله تحت سقف، لأن ذلك أصون له وأخفى، وقال بعضهم: يختار تحت السماء لتنزل عليه الرحمة.
فرع
قال الشافعي: لو أن رفقة في طريق من سفرهم مات منهم ميت فلم يواروه، فإن كان في طريق أهل تخترقه الناس والمارة، أو بقرب قرية أساؤوا بتركهم الفصل، وكان على من يقرب منه من المسلمين أن يواروه، وأن يتركوه في صحراء أو في موضع لا يمر به أحد، ولا يجتاز به أهل قرية أثموا وعصوا الله تعالى، وعلى السلطان أن يعاقبهم عليه لتضييعهم حق الله تعالى، واستخفافهم بما يجب عليهم من حق أخيهم المسلم، وان كان على هذا الميت [275 ب / 3] أثر الغسل والكفن والحنوط فإنهم يدفنونه، فإن اختاروا الصلاة عليه صلوا على قبره، لأن الظاهر أنه صلي عليه.
مسألة: قال: ويتخذ إناءين إناء يغرف به الماء المجموع.
الفصل
وهذا كما قال.
الكلام الآن في كيفية غسله، فالمستحب للغاسل أن يتخذ ثلاثة أواني.
إناء يجمع فيه الماء الكثير كالمرجل والحب، ويكون بالبعد من الميت بحيث إذا تطاير من غسله ماء لا يصيبه فإن فسد ماء هذا الإناء الصفير الذي بقربه كان ما يأخذه من الإناء الكبير كافياً، وإناء يغرف به من الماء المجموع: كالكوز والقمقمة، وإناء يلي الميت، يصب به الماء عليه ولا يغرف به لأنه ربما يترشش عليه الماء من غسل الميت إليه فيتنجس به، ثم يتنجس به الماء المجموع، فيكون أحد هذين الإناءين في يد
الجزء: 2 - الصفحة: 524
الغاسل، والثاني في يد المعين ويغرف المعين منه ويصبه على الذي في يد الغاسل، وأراد الشافعي بالإناءين غير الإناء الكبير، فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا: هذا يدل على أن بدن الميت نجس لأن الشافعي [276 أ / 3] أمر بحفظ الماء كي لا يتطاير إليه غسالة الميت فدل على نجاسته، وقيل: إنه نص على هذا في البويطي: فقال: ولا يصلي على الثوب الذي ينشف به الميت حتى يغسل ثانياً والمذهب الصحيح أن بدنه طاهر لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" عليكم في مسلم غل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس حسبكم أن تغسلوا يديكم".
رواه ابن عباس وبه قال عامة أصحابنا، وإنما أمر بحفظ الماء هاهنا مخافة أن يخرج منه نجاسة فيصيبها الماء ثم يصيب الماء المجموع فينجسه أيضا إذا مر به تنظيفاً وتطييباً للنفس، وهذا هو اختيار أبي إسحاق والصيرفي.
وذكر أبو حامد عن ابن سريج والأنماطي: أنه اختار القول الأول، وقال أبو حنيفة: الآدمي ينجس بالموت ولكنه يطهر بالغسل وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "جاء أبو بكر من قبل رأسه فقبل جبهته ثلاثاً، ثم انحدر عليه فقبله، فقال في الأولى: وانبياه، وقال في الثانية: واصفياه، وقال في الثالثة: واخليلاه".
مسألة: قال: وغير المسخن من الماء أحب إلي.
وهذا كما قال.
إذا كان الزمان صيفاً أو معتدلاً ولم يكن بالميت [276 ب / 3] حاجة إلى الماء المسخن، فغير المسخن أولى به وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: الماء المسخن أولى، لأنه ينقي ما لا ينقي البارد وهذا غلط: لأن الماء البارد يمسكه ويقويه ويشده والمسخن يرخي البدن فيسرع إليه الفساد، ولهذا يطرح في الماء الكافور ليشده ويبرده، فإن كان الزمان زمان برد شديد أو كان بالميت ما لا بد فيه من المسخن وكذلك إذا احتاج إلى تليين شيء من بدنه بالدهن لينه به ثم غسله بالماء، ثم قال: ("ويغتسل في قميص" وقد ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: وجه الجمع بين هذا اللفظ وبين ما سبق من قوله، ويرح عليه ما يواري ما بين ركبتيه إلى سرته إن الميت بين موته إلى أن ينقل إلى مغتسله يكون متجرداً عن القميص، فإذا أضجعه الغاسل على مغتسله ألبسه القميص ولا ينبغي أن يكشف عورته في هذه الحالة، ولكن يسترها بإزار ويدفع عنه الثوب الذي سجي به جميع بدنه، ثم يلبسه القميص فوق إزاره، ثم ينتزع الإزار من تحت قميصه.
ومن أصحابنا من قال: الغسل في [277 أ / 3] القميص للأشراف وذوي المروءات وهذا لا يصح، بل الصحيح أن الكل فيه سواء ثم قال: ولا يمس سائر بدنه أيضاً بيده إلا بخرقة لأنه إنما يمسه للغسل والتنظيف ومسه بالخرقة أنظف.
الجزء: 2 - الصفحة: 525
مسألة: قال: ويعد خرقتين نظيفتين كذلك.
أي: يغسل عورته قبل غسله فيغسلها بإحداهما، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، وإنما استحب ذلك لأنه إذا كانت معه خرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج أن يصبر حتى تغسل ويأخذها فيطول ذلك، وإن فعل هذا بخرقة واحدة فغسل بها وتنجست يحتاج جاز وإن طال.
فإذا تقرر هذا، قال أبو حامد: ظاهر ما قال في "الأم": إنه يستعمل كل واحدة منهما في جميع بدنه في الأعالي والأسافل، فيأخذ إحداهما ويبدأ بغسل وجهه ورقبته وصدره وبطنه وساقه وفخذيه وفرجيه، ويؤخر الفرج حتى إن تنجست لا يستعملها في موضع أخر تنجس بها، ثم يلقيها ويأخذ الأخرى، فيفعل مثل ذلك.
وقال في "القديم": يغسل بإحداهما ما بين الإليتين والفخذين ثم يلقيها ويغسل بالأخرى جميع بدنه.
قال أبو حامد: وليست المسألة على [277 ب / 3] قولين بل لا خلاف أنه يغسل بكل واحدة منهما جميع بدنه.
والذي قال في "القديم": أراد غير هاتين الخرقتين، بل يعد أولا خرقة سواهما يغسل فرجه وما بين الإليتين ثم يلقيها ثم يستعمل الخرقتين الأخرتين في جميع البدن.
وقال القاضي الطبري: هذا الذي قاله أبو حامد لا أعرفه للشافعي في شيء من كتبه والمنصوص في "الأم": أنه يضع إحدى الخرقتين على يده ويشدها، ثم يبدأ بسفليه فينقيهما، ثم يستنجي الحي ثم ينظف يده ويأخذ خرقة أخرى نقية يشدها على يده، ثم صب عليها وعلى الميت الماء، ثم أدخلها في فيه وبين شقيه ويمر على لسانه بالماء ولا يفغر فاه، ويدخل طرف إصبعه على منخريه بشيء من ماء فينقي شيئا إن كان هناك وهذا أصح.
وهكذا ذكره أبو يعقوب الأبيوردي أيضاً، وما ذكره أبو حامد هو اختيار القفال، ومن أصحابنا من قال: الخرقتان هما للفرجين وسائر البدن لا يحتاج إلى الخرقة إذ لا نجاسة عليه، وهذا خلاف المنصوص، وقال بعض [278 أ / 3] أصحابنا: ولو غسل كل عضو بخرقة كان أولى.
مسألة: قال: ويلقي الميت على ظهره، ثم يبدأ غاسله.
الفصل
وهذا كما قال.
أراد أن يلقيه على ظهره على مغتسله في ابتداء غسله، ثم أول ما يفعل به الغاسل أن يجلسه إجلاساً رقيقاً ويمر يده على بطنه إمرارا بليغاً، وإنما يكون الإجلاس رقيقاً لئلا يخرج من جوفه شيء في تحريكه، وإجلاسه قبل صب الماء عليه فيتأذى برائحته وإنما يفعل هكذا لأن عادة الحي أنه يتغوط ويبول قبل الغسل.
وقال القاسم بن محمد: توفي عبد الرحمن فغسله ابن عمر فنفضه نفضاً شديداً وعصره عصراً شديداً، ثم غسله، ويكون إجلاسه كالمنحرف قليلاً على صورة المتكئ
الجزء: 2 - الصفحة: 526
فيسند الميت إلى رجله اليمنى ويمر يده اليسرى على بطنه، وإنما يحرفه ليخرج الخارج منه وإنما يصب عليه ماء كثيراً حتى يخفى لون الخارج منه ورائحته في كثرة الماء، ثم قال: وعلي يده الأخرى إحدى الخرقتين يعني: اللتين أعدهما لما ذكرنا فيغسل فرجيه من النجاسة وهو كاستنجاء الحي ثم يلقيها ثم يغسل يده بأشنان وغيره، ولو كان قد أصابها [ب / 278 - 3] شيء، ثم يأخذ الخرقة الأخرى فيشدها على يده ويدخل أصابعه بين شفتيه فيمسح الأسنان مسحاً بليغاً كالسواك للحي، ثم يدخل أصبعيه في منخريه وينظف ما هناك تنظيفاً بليغاً، فإذا فعل هذا فقد غسل ما به من الأذى، ثم يوضئه وضوءه للصلاة ولم ينص الشافعي على المضمضة والاستنشاق إلا أن إطلاق قوله: ويوضئه وضوءه للصلاة يدل على ذلك فهما مسنونان فيه.
ومن أصحابنا من قال: قوله: يدخل أصابعه في فيه وأنفه هما إشارة إليها، ويفغر فاه فيقتصر على ما بين الشفتين والأسنان؛ لأنه لو صب الماء في فيه احتاج إلى تنكيسه لخروجه، وقال أبو حنيفة: لا يسن ذلك وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن غسل: "ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها"، ولأن ما يسن في غسل الحي يسن في غسل الميت كالتكرار، ثم إذا وضأه ابتدأ بالرأس فيغسله بماء وسار ثم وجهه ولحيته وقال النخعي: يبدأ بلحيته وهذا غلط لأنه إذا بدأ بغسل الرأس ثم باللحية لم يحتج إلى إعادة غسلها، ثم ينظر في اللحية، فإن كانت كثيفه ملبدة قال في "الأم": لا بأس أن يسرحها بأسنان مشط تكون منفرجة الأسنان لا ينتف [279 أ / 3] شعره، وإن كانت خفيفة أفاض الماء عليها كالحي سواء.
وقال أبو حنيفة: لا يسرح أصلاً، لأنه يؤدي إلى نتف شعره، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعروسكم"، وأما ما ذكره لا يصح لأنه إذا رفق بالتسريح أمن ذلك، ولهذا يجوز للمحرم أن يسرح لحيته، ثم يبدأ بغسل بدنه فيبتدئ بغسل شقه الأيمن مما دون رأسه إلى أن يغسل قدميه ويحرفه حتى يغل ظهره كما يغسل بطنه، ثم يتحول إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك.
ومن أصحابنا من قال: يضجعه على قفاه ثم يبدأ بميامنه فيغسله من صفحة عنقه وشق صدره وجيبه وفخذه وساقه ثم يعود إلى شقه الأيسر فيصنع به مثل ذلك، فإذا فعل هذا صار ميامنه ومياسره مما يلي صدره وبطنه مغسولة مع صدره وبطنه، ثم يحرفه على جنبه الأيسر ويجعل الغاسل ساقي نفسه عماداً لصدره كي لا ينكب الميت على وجهه ولا يستلقي على ظهره فيغسل ظهره وقفاه وفخذه وساقه اليمنى وهو يراه متمكنا، ثم يلقيه على ظهره، ثم يحرفه على شقه الأيمن ويغسل مياسره من خلفه كما منع بميامنه [279 ب / 3] ويغسل ما تحت قدميه مستقصياً وما بين فخذيه بالخرقة، ثم يصب عليها الماء القراح وإذا حرفه وغسله هكذا يغسل ما تحته من المغتسل ليكون أنظف له وهذا
الجزء: 2 - الصفحة: 527
هو المذكور في جميع الكتب.
وذكر القاضي الطبري: أنا لا نعرف هذا الترتيب عن الشافعي، ونصه في كتبه ما ذكرنا أولاً وهذا الغسل يكون بالماء والسدر، وقال الشافعي: إن كان هناك وسخ يحتاج إلى قلعه بأشنان استعمله، وقال أبو حنيفة: لا أعرف السدر وهذا غلط لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لمن غسل ابنته "اغسليها بماء وسدر وابتدئي بميامنها"، وإذا صب عليه الماء القراح قال الشافعي: "يلقى فيه شيئاً من كافور"، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا أعرف الكافور، وحكي عنه أنه قال: يغسل المرة الأولى بالماء القراح، ويغسل الثانية بماء وسدر، والثالثة بالماء القراح وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم - في خبر أم عطية "واجعلي في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور"، ثم للاحتساب إنما يقع بهذه الغسلة التي فيها الكافور وقيل ذلك بالماء والسدر تنظيف وقد تغير الماء به، لأن قليله [280 أ / 3] لا ينظف، وكثيره بغير الماء فلا يحتسب به، لأنه ليس بطهور وهذا هو المذهب المنصوص.
وحكي عن أبي إسحاق: أن الغسلة الأولى هي التي يعتد بها دون الثانية، وهذا غلط لما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: لا تجزيه هذه الفسلة أصلاً وإن صب عليه الماء القراح لأنه إذا صب خالطه الدر الذي هو باق من الغسلة الأولى، فصار كالماء الذي خالطه السدر ذكره في "الشامل".
وهذا ليس بشي، عندي فإن قيل: هلا قلتم الكافور إذا غير الماء أبطل تطهيره؟ قلنا: قال الشافعي: يغيره بالمجاروة لا بالمخالطة فلا يضر وأراد به اليسير الذي لا يخالطه ولا يمازجه، بل يتروح به الماء قليلاً، والمعنى في ذلك أنه أنقى للميت وأطيب له وأما قوله: وهو يراه متمكناً أراد الغاسل ينظر في غسل ظهره إليه نظر متمكن، أي نظر من يتمكن من غله ما يجب غله كما قال قبل ذلك: ويغضون أبصارهم عنه إلا فيما لا يمكن لغيره ليعرف الغاسل ما غسل وما بقي، وقيل: متمكناً يرجع إلى الميت وقال: ويستقصي ذلك وأراد غسل عورته، لأنه [280 ب / 3] موضع خروج الحدث منه.
مسألة: قال: وأقل غسل الميت فيما أحب ثلاثاً.
الفصل
وهذا كما قال.
الواجب: النية وغسله مرة واحدة كما في غسل الجنابة، والمستحب أكثر الأمرين من الثلاثة أو الإنقاء فإن أنقته الثلاث من الوسخ والدرن وإلا غسله خمساً أو سبعاً ويقف على الوتر وقال مالك: الاعتبار بالإنقاء، ولا معنى للعدد، وهذا غلط لما روي عن أم عطية قالت: توفيت إحدى بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "اغسلنها وتراً ثلاثاً
الجزء: 2 - الصفحة: 528
أو خمساَ أو أكثر من ذلك إن رأيتن، واغسلنها بماء وسدر واجعلن في الأجرة كافوراً أو شيئاً من كافور فإن فرغتن فأذنني"، فلما فرغن أذناه فألقى إلينا حقوه وقال: "اشعرنها به" قالت: وضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناها خلفها.
وبهذا قال أحمد وإسحاق والحقو: هو الإزار.
وقوله: أشعرنها إياه: أراد اجعلنه شعاراً لها وهو الثوب الذي يلي جسدها، والضفر أصله الفتل.
ولأنه لما استحب التكرار في غسل الجنابة استحب هاهنا، ثم قال: ويجعل في كل ماء قراح كافوراً، وإن لم يجعل إلا في [281 أ / 3] الأجرة أجزأه ذلك، وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: ويتبع ما بين أظافره بعودٍ لا يجرح.
وهكذا كما قال.
قال بعض مشايخنا: هذا من عند المزني وهو حسن، ولم يوجد للشافعي ذلك وقيل: هذا ذكره الشافعي وزاد وقال الشافعي: ومن ظاهر أذنيه وصماخيه، وإنما قال هذا على القول الذي يقول: لا يقلم أظفاره فأما على القول الذي يقول: يقلم أظفاره لا يحتاج إلى هذا وإنما قال: بعود لا يجرح لقول عائشة رضي الله عنها: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي"، ويروى هذا مرفوعاً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأراد فيه الحرمة.
قال أصحابنا: ولو شد على رأس الخلال قطناً ويتبعها به كان أولى، وإنما يؤمر بهذا للتنظيف ويكون ذلك قبل الغسل؛ لأنه من جملة إزالة الأذى فيفعله في الوقت الذي يفعل فيه السواك وغيره، فإن ترك ذلك في ذلك الوقت أتى به بعد ذلك والمزني أخل بالنقل حيث ذكره هاهنا.
وكان من حقه أن يذكر قبل البداية بالغسل، ثم قال: وكلما صب عليه الماء [281 ب / 3] القراح بعد السدر حسبه غسلاً واحداً" وأراد أنه يستحب غله بعد الدر بالماء القراح ثلاثاً على ما ذكرنا، وقد ذكرنا في الغسلة بعد السدر وجهين، وظاهر كلام الشافعي يدل على أنه يحسب غسلاً، ومن قال بذلك الوجه البعيد تأول كلام الشافعي على أنه أراد إذا نظف السدر، ثم غسله بالماء القراح والسدر حتى يخرج من جوفه ما يريد أن يخرج، ومن الغسلة الأخيرة لا يمر يده على بطنه ولكنه يجلسه لينشفه، وقال بعض أصحابنا: في المرة الأولى يبالغ في ذلك وبعد ذلك برفق ولا يبالغ.
مسألة: قال: ويقعده عند أخر غسلةٍ، فإذ خرج منه شيء أنقاه بالخرقة وأعاد عليه غسله" ..
وهذا كما قال: اختلف أصحابنا فيما لو خرج شيء من دبره أو قبله على ثلاثة
الجزء: 2 - الصفحة: 529
أوجه: فمنهم من قال: لا يعاد الغسل واجباً بل يعاد مستحباً، والواجب أن ينقي المكان الذي خرج منه الخارج النجس، ولأنه خارج من الميت بعد سقوط فرض الغسل فلا تجب إعادة الغسل، كما لو أدرجه في الكفن، ثم خرج [ق 283 ب] وهذا هو القياس، وبه قال أبو حنيفة، والثوري وهو اختيار المزني وقرئ ههنا: وأعاد عليه غسله بفتح الغين لا بضمها فيكون غسل ذلك المكان.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن يقال: يجب الوضوء؟ لأنه خروج الحدث بعد الغسل كما في الحي يوجب الوضوء، وقال ابن أبي هريرة: يعاد الفسل واجباً ويقرأ بالضم، وأعاد عليه غسله، وهذا لأن الموت يوجب الغسل وليس فيه أكثر من زوال التكليف، ومثل هذا من الحي يوجب الوضوء، فكذلك خروج الحدث منه يوجب الغسل، وإن كان من الحي يوجب الوضوء، ولأن القصد أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة.
وقال أحمد: يعاد غله إلى سبح مرات، ثم إذا فرغ من جميع ذلك، قال الشافعي في "الأم": "أعاد تليين مفاصله".
وإنما قال ذلك لأنها قد لانت بالماء فتلين ليبقى لينه ويسهل على الدافن دفنه، فإنها إذا تركت هكذا جفت ويبست فيصعب دفنه كما قلنا في عقيب موته، وقيل: هذا غلط كما قيل فيما تقدم، وليس كذلك، لأن وجه هذا ظاهر، ثم قال: "ثم ينشفه في ثوب" أي [ق 284 أ] يمسح عنه البلل؛ لأن هذا عادة الحي ولئلا يتسارع الفساد إلى الكفن.
وقال في كتاب الجنائز من "المختصر الصغير": وألصق بدنه بجنبيه وصف ما بين قدميه وألصق إحدى كعبيه بالأخرى وضم إحدى فخذيه إلى الأخرى ثم ينشف بعد ذلك.
مسألة: قال: ومن أصحابنا من رأى حلق الشعر إذا طال.
الفصل
وهذا كما قال.
الشعور ضربان: شعر يحلق تنظيفا، وشعر يحلق زينة، فالذي يحلق تنظيفاً هو ما يحلق فطرة من شعر العانة والإبط وفي معناه حف الشارب وتقليم الأظفار.
قال في "القديم": وأكره إزالته منه، وبه قال مالك وأبو حنيفة والثوري، وهو اختيار المزني لأنه قطع جزء من يديه فيكره، كما لو كان أقلف لا يختن بالإجماع.
وكذلك لو مات وعليه القطع في الرقة لا تقطع يد.
وكذلك إذا وصل بعظمه عظم ميتة ومات لا يقطع بعد موته.
وقال في "الجديد": لا بأس به، وبه قال الحسن وأحمد وهو الأصح لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اصنعوا بموتاكم ما تفعلون بعروسكم [282 أ / 3] وروي أن سعد بن أبي وقاص
الجزء: 2 - الصفحة: 530
حلق عانة ميت ولأن القصد به التنظيف فأشبه الغسل، ولا خلاف أنه لا يستحب والقولان في أنه هل يكره أم لا يكره؟ وقال المزني: تركه أعجب إلي لأنه يصير إلى بلى عن قريب ويمكن أن يجاب عن هذا فإنه لما لم يكن هذا عذراً في ترك تنظيفه بالغسل وتطييبه وتحسين كفنه كذلك في حلق شعره فإذا قلنا: لا يكره، ففي شعر الإبط بالخيار إن شاء نتفه وإن شاء أزاله بالنورة.
وأما شعر العانة لا يزال إلا بالنورة لئلا يشاهد العورة هكذا ذكره أصحابنا، وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في شعر العانة فقال: أحدنا نحكم أو بالموسى أو نورة فإن نورة غسل النورة ويقص الأظافير بالمقص، وأما شعر الشارب: يقص بالمقراض ولا يحلق بالموسى فإن حلقه مكروه في حق الحي والميت، وأما الشعر الذي يحلق زينة وهو شعر الرأس، فإن كان ذا جمة لم يحلق قولاً واحداً، وإن كان يحلق في حياته وقد طال في مرضه [282 ب / 3] هل يحلقه؟ قال أبو إسحاق: فيه قولان: وقال بعض أصحابنا: نص الشافعي أنه يكره حلقه، لأنه لا يحلق فطرة، وإنما يحلق زينة أو نسكاً بقول واحد إنه لا يحلق وهذا أصح، وأراد الشافعي بحلق الشعر [...] هذا، وقال الأوزاعي: يحلق رأسه ويقلم أظفاره ويدفن ذلك معه.
فرع
هل تجب النية في غسل الميت؟ اختلف أصحابنا فيه.
فمنهم من قال: يجب وهو الصحيح عندي، لأنه يستحق تعبد الله عز وجل كالغل من الحيض، ولأن الشافعي نص أنه يجب غسل الغريق ثانياً، وقد مر الماء عليه بعد موته فدل أنه أمر به لأنه لم يجز غسله لعدم النية.
ومن أصحابنا من قال: لا يجب لأن الشافعي نص على أن الذمية إذا غسلت زوجها المسلم فإنه يكره وتجزيه ولا نية للذمية.
وأما ما ذكر في الغريق ثلاثاً أمرنا بإيقاع فعل [...] فيه ولم يوجد ذلك في الغريق، وهذا ظاهر المذهب فإذا قلنا: إنها تجب نوى الغسل الواجب أو الفرض أو غسل الميت.
وذكر بعض أصحابنا بخراسان: في الكافر إذا غسل المسلم هل يجوز أم لا؟ فيه [283 أ / 3] وجهان.
وقالوا أيضاً: إذا قلنا: لا تجب النية لورود ما على الميت عند الغرق لا يجب غسله ثانياً، ولكنه يستحب لأن الخطاب به على الأحياء فيظهر به الأمر، وهو غلط ظاهر لما ذكرنا من المعنى والنص.
مسألة: قال: ولا يقرب المحرم طيباً في غسله ولا حنوطه.
الجزء: 2 - الصفحة: 531
الفصل
وهذا كما قال: إذا مات المحرم لا يبطل إحرامه، وقال في "الأم": غسل بماء وسدر وكفن في ثيابه التي أحرم فيها أو غيرها ليس فيها قميص ولا عمامة ولا يعقد عليه ثوب كما لا يعقد الحي المحرم، ولا يمس طيباً ويخمر وجهه ولا يخمر رأسه.
وقال في موضع آخر: "ولا يطرح الكافور في ثيابه ويصلى عليه ويدفن" وبه قال عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، وهو مذهب عطاء والثوري وأحمد وإسحاق، وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يبطل إحرامه بالموت وهو كالميت الحلال وبه قالت عائشة وابن عمر رضي الله عنهما، واحتج الشافعي على أبي حنيفة بخبر الأعرابي وتمامه: أن اعرابياً كان واقفاً مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعرفات محرماً فوقصت به ناقته في أخافيق [283 ب / 3] جردان فاندقت عنقه فمات فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما ولا تخمروا وأسه ولا تقربوه طيباً فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً" وروي ملبداً، أي محرماً على هيئة المحرمين، وقوله: وقصت به ناقته، أي: صرعته فدقت عنقه، وأصل الوقص: الدق والكسر.
فرع
المعتدة المحدة إذا ماتتء قال أبو إسحاق: لا يبطل حكمها كالإحرام سواء، وقال سائر أصحابنا: وهو الصحيح يبطل حكمها، والفرق أن المعتدة إنما منعت من الطيب والزينة لئلا تدعو نفسها إلى النكاح، وهذا معدوم بعد الموت، والمحرم منع من ذلك بحق الله تعالى تعبداً محضا فلا ينقطع بالموت.
مسألة: قال: وأحب أن يكون بقرب الميت مجمرة.
الفصل
وهذا كما قال.
المستحب أن يكون بالقرب من غسله بخور من عود أو عطر لا ينقطع حتى يفرغ من غسله؟ لأنه وبما يخرج منه شيء تظهر رائحته، وربما تضعف نفس الغاسل يشم ذلك فيدفعه البخور.
وقال بعض أصحابنا: إنما ذكر في هذا الموضح ليعلم أن الميت، وإن كان محرماً فهو كغير المحرم في هذا، لأن [284 أ / 3] الشافعي قال في المحرم: له أن يجلس عند العطار فجوز أن يحمر بالعود بقربه للمعنى الذي ذكرنا.
مسألة: قال: وان رأى من الميت شيئاً لا يتحدث به.
الجزء: 2 - الصفحة: 532
الفصل
وهذا كما قال.
يستحب للغاسل والذي يعاونه إذا رأوا من الميت خيراً أن يرفعوه ويتحدثوا به، كالنور والأحوال الحسنة، وان شاهد التغير والأحوال القبيحة أو رأى كأن به مكتمة في حياته يستره ولا يحدث به، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ستر على أخيه ستر الله عورته يوم القيامة ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته ومن تتبع الله عورته فضحه ولو في جوف رحله".
وروى أبو رافع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من غسل ميتاً فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة"، ولأنه وبما يرى عليه اسوداد الوجه لغلبة الدم، أو التواء العنق للتشنج الذي قد أصاب عصبة فلا يكون ذلك لشقاوة فإذا حدث الناس به فإنهم يظنون به ظن السوء.
ومن أصحابنا من قال: لا يتحدث بما يراه خيراً أيضا، لأنه قد يكون عنده محاسن وعند غيره مساوئ، وهذا لا يصح [284 ب / 3] لأن في ذلك ثناء يبعث على ترك الدعاء له والترحم عليه.
مسألة: قال: وأولاهم بغسلة أولاهم بالصلاة عليه.
الفصل
وهذا كما قال.
حكم الغسل والدفن في هذا واحد.
فإن كان الميت رجلاً كان أولى الناس بالصلاة عليه أولى الناس بغسله ودفنه، فيكون الأب، ثم الجد، ثم الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات في الميراث، وهو مراد الشافعي هاهنا، لأن لفظه لفظ التذكر وهل تقدم زوجته على عصابته؟ فيه وجهان:
أحدهما: تقدم، لأن لها النظر إلى ما لا ينظر العصبات إليه، وهو ما بين السرة والركبة قال هذا القائل.
وأراد الشافعي إذا لم يكن هناك زوجة.
والثاني: يقدم العصبات عليها، لأنهم أحق بالصلاة عليه فكذلك في الغسل، وهذا ظاهر المذهب.
فإن كان الميت امرأة فلا يختلف المذهب أن النساء مقدمات على الأقرباء من الرجال لأن عورة المرأة مع المرأة أخف من عورتها مع الرجل، ولهذا أنه يجوز للمرأة أن تغسل المرأة الأجنبية.
واختلف أصحابنا في الزوج هل هو مقدم في غسلها على النساء والأقرباء من [285 أ / 3] الرجال أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: يقدم الزوج، لأنه أوسع في النظر إليها وهو الأقيس وقال: وهو اختيار القفال قال: وقصد الشافعي بما قال الرد على أبي حنيفة حيث قال: الوالي أولى
الجزء: 2 - الصفحة: 533
بالصلاة من الولي.
والثاني: يقدم النساء والقرابات من الرجال عليه، وذكر بعض أصحابنا أن الشافعي نص على أن نساء القرابة أولى بغسلها من الزوج، فإذا قلنا بهذا فإن ذوات المحارم من النسا، أولى من سائر القرابات والأجنبيات.
وإن لم يكن محرماً لها، وان لم يكن هناك امرأة، فإن كان هناك عصبات من غير ذوي المحارم وذوي المحارم من غير العصبات مثل الخال وأب الأم فالمحارم أولى، والذين ليسوا بمحارم بمنزلة الأجانب.
وعلى هذا لو ماتت المرأة وخلفت أبوين فالأب أولى بالصلاة والأم أولى بغسلها.
وقال بعض أصحابنا: إذا كان مع الزوج قرابات رجالاً ونساء أسقط الرجال القرابات بالنساء، ثم يبقى النساء والزوج فأيهما تقدم فيه وجهان.
فرع
لو مات رجل وهناك نساء لا رجل معهن، أو ماتت امرأة وهناك [285 ب / 3] رجال لا نساء معهن، ففيه وجهان:
أحدهما: وبه قال أكثر أصحابنا لا يغسل، ولكنه يتيمم ويدفن وبه قال مالك وأبو حنيفة، لأن في غله النظر إلى من ليس بمحرم، ولأن الغل تعذر لهذا، فأقيم التيمم مقامه كما في الحي.
والثاني: يغسل في قميص ويلف على يده خرقة كي لا يمسها ويغض بصره، وبه قال النخعي.
قال في "الحاوي": وهذا أصح وذكر أن الشافعي نص في الميت إذا كان رجلاً وليس هناك إلا نساء أجانب يغسلنه، ولا يجوز أن يتيمم، وكأذلك يجب غل المرأة أيضا إذا لم يكن هناك إلا الرجال وهذا غريب، وقد روى سنان بن عرفة، وكان صحابياً أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الرجل يموت مع النساء والمرأة تموت مع الرجال ليس لواحد منهما محرم ييممان بالصعيد ولا يغسلان، وعن أحمد روايتان وقال الأوزاعي: يدفن من غير غسل ولا يتمم وهو قول بعض أصحابنا وليس بشيء؛ لأن الفسل أو بدله من التيمم ممكن على ما ذكرناه، ومن أصحابنا من قال: يلف على يده خرقة ويغسلها [286 أ / 3] ذكره بعض أهل خراسان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
الخنثى المشكل إذا مات، فإن كان له ذو رحم محرم من الرجال أو النساء جاز له غسله، وإن لم يكن ينبغي أن يكون فيه وجهان: كما ذكرنا في المرأة إذا لم يكن هناك محرم أو لا امرأة.
أحدهما: يتمم، وبه قال أهل العراق والمزني؛ لأن الوجه واليدين ليسا بعورة في الرجال ولا في النساء فجاز لكلا الفريقين النظر إليه ولم يجز لهما النظر إلى جسده للاحتياط.
الجزء: 2 - الصفحة: 534
والثاني: يجب غسله وهو اختيار كثيرون من أصحابنا، فعلى هذا المستحب أن ينل في قميص ويكون موضع غسله مظلماً ويتولى غسله أوثق من يقدر عليه من الرجال والنساء، قال هذا القائل ولو جاز أن يمتنع هذا الإشكال لامتنع التيمم أيضاً، لأن ذراعي المرأة عورة ولأن الوجه والكف ليسا بعورة في جواز النظر، ولكنها عورة في المباشرة وتحرم مباشرتهما كسائر الجسد، فإذا تساويا فالغسل أولى.
وقال بعض أصحابنا: يشتري له جارية من ماله، وإن لم يكن له مال فمن مال بيت المال فتغسله الجارية وقال [286 ب / 3]. الشيخ أبو زيد المروزي هذا خطأ؛ لأن الرجل لا تغسله جاريته إذا مات فكيف تغسله الجارية التي تشترى بعد موته؟، قال: وينبغي أن يقال: يغسله إما رجل أو امرأة أيهما كان، لأنه قد ثبت إن قبل البلوغ لو احتيج إلى غسله حياً أو ميتاً، فأي هذين غسله جاز، فيستحب ذلك الأصل، وإنما يؤخذ من أمر الخنثى المشكل باليقين، ولهذا لو مس أحد فرجيه فلا وضوء، وإن غطى وجهه أو رأسه في الإحرام فلا فدية عليه حتى يغطيهما معاً.
مسألة: قال: ويغسل الرجل امرأته والمرأة زوجها.
وهذا كما قال: لا خلاف أن المرأة تغل زوجها، لأن أسما، بنت عميس - رضي الله عنها - "غسلت زوجها أبا بكر رضي الله عنه لوصيته"، ولأن الزوجية باقية من التوارث والعدة فكان لها غسله، وروي عن أحمد أنها لا تغسله والرواية الصحيحة عنه خلافه، واحتج الشافعي على هذا بقول عائشة - رضي الله عنها - لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا نساؤه": وإنما قالت ذلك لأنها ظنت أن أبا بكر الصديق هو الذي غسل رسول الله [287 أ / 3]- صلى الله عليه وسلم - فلما أخبرت أن علياً وغيره غسلاه ذكرت هذا متحسرة.
وأما الزوجة إذا ماتت، هل يغسلها زوجها؟ وبه قال علي رضي الله عنه: وهو مذهب حماد وعطاء وجابر بن الشعثاء، ومالك وإسحاق وزفر وأحمد في أصح الروايتين.
وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا يجوز له أن يغسلها وهذا غلط لما روته عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعاً وأقول وارأساه فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه، ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي لغسلتك ولكفنتك وصليت عليك ودفنتك".
وروي أن فاطمة _ رضي الله عنها _ ومسته أن تغسلها أسماء بنت عميس فكان علي ورضي الله عنه يصب الماء عليها".
وقالت عائشة: توفيت فاطمة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر فغسلها علي رضي الله عنه
الجزء: 2 - الصفحة: 535
ودفنها ليلاً".
وقال جابر: الزوج أحق بغسل المرأة من أخيها، فإن قيل: أنكر عليه
ابن مسعود فقال سمعت رسول الله في يقول: "كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي".
قلنا: هذا لم يذكره واحد من [287 ب / 3] أصحاب الحديث والدليل على عام صحته أن نكاحه ينقطع بموته لنكاح غيره، ولهذا تزوج عثمان رضي لله عنه ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة بعد واحدة، ثم بين الشافعي أن ما فضل به أبو حنيفة بينهما من أمر العدة لا معنى له، فقال: وليس للعدة معنى يحل لأحدهما فيها ما لا يحل له من صاحبه، يعني: كما قلنا في حال الحياة، ولأن المطلقة قبيل موته لا تغسله، وإن كانت في عدته.
فرع
لو ماتت المرأة وتزوج الرجل في الحال بأختها أو بأربع سواها، قال الإمام أبو عبد الله الحناطي رحمه الله: هل يغسلها؟ وجهان: والصحيح عندي أنه يغسلها لأنه حكم ثبت بالموت فلا يبطل بعده بنكاح آخر ولا معنى للوجهين، وقيل: إلى متى يغسلها زوجها؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: إلى انقضاء العدة وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: إلى أن يتزوج، لأنها استباحت رجلاً أخر.
والثالث: تزوجها إبداء لبقاء الميراث.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات الرجل وامرأته حبلى فوضعت قبل دفن الزوج لها أن تغسله وإن انقضت العدة، ولو تزوجت بزوج [288 أ / 3] آخر، قال الإمام الحناطي في "المجرد": لا تغسل زوجها الأول وسائر أصحابنا قال: لها أن تغسله وهو الصحيح عندي لما ذكرته ولا يقال: أنه يؤدي إلى النظر إلى الزوجين؛ لأنها تنظر إلى أحدهما بالشفقة والصلة والى الآخر بالشهوة فلا بأس.
فرع
لو كانت مطلقة رجعية فماتت قبل المراجعة، روى المزني عن الشافعي في "الجامع الكبير": أنه لا يغسلها.
ونقله القاضي أبو حامد إلى جامعه لأنه حرم وطئها قبل الموت والنظر إليها، وإنما يجوز غسلها إذا تمسك بزمام النكاح إلى أن فرق الموت بينهما.
وقال بعض أصحابنا: يغسلها لبقاء الزوجية إلى الموت وليس بشيء وهكذا لو مات الزوج لا يجوز لزوجته الرجعية أن تغسله على ما ذكرنا.
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت له امرأتان ثم مات فإنه يقرع بينهما فمن خرجت لها القرعة غسلته.
الجزء: 2 - الصفحة: 536
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت الأمة القن فسيدها يغسلها خلافاً لأبي حنيفة، وهذا لأنه تلزمه مؤنتها بحكم الملك كالزوجة، ولو مات السيد فأمته لا تغسله لأنها صارت بموته ملكاً للغير، وقال بعض أصحابنا بخراسان: [288 ب / 3] فيه وجهان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت الأمة في مدة الاستبراء فيه وجهان: أحدهما: لا يباح غلها لأنها محرمة للاستمتاع.
والثاني: يباح بحق الملك.
وإنما منعنا الاستمتاع صيانه لمائه حتى لا يختلط بماء، الغير، وليس في إباحة الغسل خوف الفساد.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت أم الولد فسيدها يغسلها قولاً واحداً؛ لأنها ماتت في ملكه، ولو مات السيد هل لأم الولد غسله فيه وجهان:
أحدهما: ليس لها ذلك، وبه قال أبو حنيفة لأنها عتقت بموته فصارت كالأجنبية.
والثاني: تغسله كما تغسلها كالزوجة، وهذا البقاء حرمة الولاء بينهما.
مسألة: قال: ويغسل المسلم قرابته من المشركين.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا كان للمشرك قرابة مسلمون ومشركون، فإن قرابته المشركين أولى بغسله، لأنهم استووا في القرابة وانفرد المشركون بالولاية والموالاة بالشرك، فإن رضوا بأن يغسله المسلم جاز، ولا يجب على المسلم غسله ولا يكره له ذلك.
وقال مالك: يكره له ذلك.
واحتج الشافعي على جواز غسله بخبر علي رضي الله عنه وتمام الخبر: أن أبا طالب لما مات جاء علي رضي الله عنه إلى [289 أ / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله مات عمك الشيخ الضال فقال: "اذهب فاغسله وادفنه ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني"، ففعل ثم رجع إليه، فقال: قد فعلت فقال: "اذهب فاغتسل".
وأما الصلاة عليه فلا تحل بحال لقوله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: 84] الآية؟ ولأن القصد بالصلاة الترحم والاستغفار والقصد بالغسل التنظيف فافترقا، وأما الدفن فلا خلاف أنه يجوز لستر العورة ولئلا يتأذى به الناس.
ولو ترك التكفين والدفن في الكفار جاز لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأصحاب بدر من الكفار حتى جروا إلى القليب بعد ثلاث وطرح عليهم التراب.
فرع
قال الشافعي: إذا ماتت امرأته النصرانية، فإن شاء الزوج المسلم غسلها وشهدها وأدخلها قبرها ولا يصلي عليها، وأكره له أن تغسله هي فإن غسلته جاز وقد ذكرنا هذا.
الجزء: 2 - الصفحة: 537
فرع
إذا مات في معدن وتعذر إخراجه لا يصلي عليه؛ لأنه تعذر غسله.
فَرْعٌ آخرُ
المحترق إذا خيف عليه التهري يترك غسله واقتصر على التيمم فيه، وقال الأوزاعي: [289 ب / 3] لا يجب التيمم أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ
إذا قلنا: الآدمي لا ينجس بالموت لو تفسخ ونتن، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: تنجس لا لعينه، بل لحدوث التفسخ وظهور القيح والصديد ومنهم من قال: لا ينجس وهو كاللحم إذا نتن هل ينجس؟ وجهان.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: ينبغي أن يكون الغاسل أميناً لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: "لا يغسل موتاكم إلا المأمونون".
ولأنه إذا لم يكن أمينا لم يأمن أن لا يستوفي الغسل ويستر ما يرى من الجميل ويظهر ما يرى من القبيح.
باب عدد الكفن وكيف الحنوط
مسألة: قال: وأحب عدد الكفن إلى ثلاثة أثواب بيض رياطٍ.
الفصل
وهذا كما قال.
الكلام في الكفن في خمس فصول: في القدر الواجب، والمستحب، والمباح، والمكروه، والصفة.
فأما الواجب: فقد قال في "الأم": ما يستر به العورة يعني بين السرة والركبة، لأنه ليس بأكد حالاً من الحي، والواجب في الحي هذا القدر، ومنهم من قال: الواجب ثوب واحد يستر جميع بدنه لأن فيما دونه ما وتا بحقه، وأشار الشافعي إليه والصحيح الأول، ومن أصحابنا من قال: الواجب ثلاثة [290 أ / 3] أثواب، وهذا لأن أدنى كمال الثياب للحي ثلاثة: قميص، وسراويل، ولباس الرأس وهذا لا يصح وتأويله إذا تشاجرا في المستحب من الكفن لا في الواجب والمستحب هو للثلاثة.
فإذا تقرر هذا بأن كان له ثوب يستر جميع بدنه ستره به، مران كان يستر بعضه ستر به رأسه وعورته، وجعل على رجليه التراب أو شيئاً من الإذخر والشجر، وإن كان لا يستر إلا العورة فقط ستروها وأجزأه، ويجعل على وأسه ورجليه ما ذكرنا، وهذا لما روي أن مصعب بن عمير رضي الله عنه قتل يوم أحد، وكانت له نمرة إذا غطى بها رأسه بدت قدماه، فإذا غطيت به رجلاه بدى رأسه،
الجزء: 2 - الصفحة: 538
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "غطوا بها رأسه واجعلوا على قدمه شيئاً من الإذخر"، والنمرة: ضرب من الأكسية ذكوه الإمام أبو سليمان، وقال بعض أصحابنا: النمرة هي ثوب الحبرة، وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كفن حمزة في نمرة في ثوب واحد"، وأما المستحب: فثلاثة أثواب: لفائف ليس فيها قميص ولا عمامة، لأنها ثياب الليل عند النوم.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[290 ب / 3] كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة"، ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة.
والحولية: هي من ثياب اليمن منسوبة إلى سحول وهي مدينة بناحية اليمن يعمل فيها ثياب يقال لها: الحولية، وهذا بفتح السين والسحول بضم السين: هي الثياب البيض.
وروي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كفن في ثلاثة أثواب ثوبين سحوليين وثوب كان يلبسه، وقالت عائشة رضي الله عنها: لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، فإن قيل: روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحرم الذي مات بالوقص "كفنوه في ثوبيه اللذين مات فيهما" قلنا: يحتمل أنه لم يكن له ثالث فلهذا قال ذلك، فإن قيل: روى ابن المغفل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في قميص.
قلنا: راوي خبرنا عائشة وهي أعرف بذلك وأقرب إليه، فإن قيل: روى مقسم عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن في ثلاثة أثواب ثوبان وحلة حمراء وقميصه الذي كان عليه.
وروي أنه كفن في ثوبين وبرد حبرة.
قلنا [291 أ / 3] روى القاسم بن محمد عن عائشة أنها قالت: "أدرج وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في برد ثم أخذت عنه فعلمت عائشة في ذلك ما لم يعلموا"، وروي أنها قالت: "أتي بالبرد ولكنهم ردوه ولم يكفنوه فيه".
وقال مالك: تستحب العمامة رجلاً كان أو امرأة.
واحتج بأن علياً رضي الله عنه كفن وعمم في كفنه، وهذا لا يصح، لأن تلك لم تكن عمامة بل كانت عصابة سد بها رأسه للضربة.
وأما قول الشافعي: بيض رياط: جمع الريطة وهي الملاءة البيضاء التي ليست ملفقة من ثوبين.
وأما المباح فخمسة أثواب.
قال الشافعي: فإن كفن في خمسة أثواب فلا بأس به؛ لأنه روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه "كان يكفن أهله في خمسة أثواب".
ولأن ذلك من كمال لباس الحي فإنه يلبس قميصاً وسراويلاً وعمامة ورداء، وقال في "الأم": فإن عمم وقمص جعلت العمامة والقميص دون الثياب والثياب فوقهما، وليس في ذلك ضيق إن شاء الله، والدليل على أن القميص لا يكره ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن عبد الله بن أبي ابن سلول في قميص نفسه، وقال: لا يعرف [291 ب / 3] ما بقي
الجزء: 2 - الصفحة: 539
عليه من سلك، فإن قيل كان عبد الله هذا منافقاً، فكيف فعل هذا به؟ قلنا: أراد به تألف ابنه وإكرامه، فإنه كان مسلماً برياً من النفاق، وروي أنه لما مات عبد الله أتاه ابنه فقال: يا رسول الله إن عبد الله بن أبي قد مات فأعطني قميصك ألقيه فيه، فندع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قميصه فأعطاه إياه، وقيل: كان عبه الله بن أبي قد كسا العباس بن عبد المطلب قميصاً، وذلك أن الأنصار طلبت للعباس رضي الله عنه ثوباً يكسونه فلم يجدوا قميصاً يصلح عليه إلا قميص عبد الله فكساه إياه، فأراد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يكافئه على ذلك لئلا يكون لمنافق عنده يد لم يجازه عليها، وأما المكروه فما زاد على الخمسة، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سلباً سريعاً"، ومثله عن علي رضي الله عنه ولأنه سرف وهو مكروه.
وأما صفته: فيستحب أن يكون أبيضاً لما ذكرنا من الخبر، وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم"، وروى ابن سمرة "البسوا الثياب البيض فإنها اطهر وأنقى وكفنوا فيها موتاكم" وفي لفظ: "أحب الثياب إلى الله تعالى البيض يلبسها أحياءكم ويكفن فيها موتاكم"، ويستحب أن تكون جدداً لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "كفن في ثلاثة أثواب بيض جدد"، وقال ابن المبارك: أحب إلي أن يكفن في ثيابه التي كان يصلي فيها.
فرع
يستحب أن تستجاد الثياب التي يكفن فيها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وروى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ولي أحدكم أخاه فليحسن كفنه"، وقال سلام بن أبي مطيع: أراد به الوسط لا المربع.
وقال أصحابنا: إن كان موسرأ فثلاثة أثواب جياد، وان كان متجملاً فثلاثة أثواب وسط، وإن كان فقيراً فثلاثة أثواب دون، وكل ما جاز للرجل أن يلبسه في حياته جاز أن يكفن فيه بعه موته، وكذلك المرأة.
فإن قيل: فما تأويل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه لما حضره الموت دعا بثياب جاد فلبسها، ثم قال: سمعت [292 ب / 3] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها"، قلنا: معنى الثياب هاهنا العمل، كنى بها عنه يريد به أنه يبعث على ما مات عليه من عمل صالح، أو عمل شيء والعرب تقول: فلان طاهر الثياب ودنس الثياب إذا كان بخلاف ذلك على هذا
الجزء: 2 - الصفحة: 540
المعنى، والدليل على هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يحشر الناس حفاة عراة"، وقيل: الحسن، فيجوز أن يكون البعث مع الثياب والحشر مع العري والحفا.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: لا يستحب للرجل أن يعد كفنه في حياته لئلا يحاسب عليه، وعندي أنه يستحب ذلك ليعرف خلوه عن الشبهة.
مسألة: قال: ويجمر بالعود حتى يعبق بها.
وهذا كما قال: يبخر الكفن بالعود قبل أن يدرج فيه، لأن عادة الحي أنه إذا لبس ثيابا جدداً بنحوها، ولأنه وبما يظهر من الميت رائحة كريهة فتخفيها رائحة العود، فإذا ثبت هذا نجعل الأكفان على مشجب أوعود ثلاث خشبات أو قصبات رؤوسهن مثقوبة مشدودة بخيط ويلف عليها هذه الأثواب، ويوضع [293 أ / 3] المجمر تحتها حتى يعبق بها رائحته.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا جمرتم الميت فجمروه ثلاثاً" ويكون البخور عوداً.
قال في "القديم": يبخر بالعود غير المطري دائماً قال: هكذا لأنه ربما تطرى بالخمر، فإن كان مطرا وهو الذي عليه أخلاط العنبر والمسك فلا بأس، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يتطيب بالمسك"، وقال: "المسك خير الطيب"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن المسك فقال: "هو من أطيب طيبكم"، وبه قال أحمد وإسحاق، وقيل: إنما منع من المطري لأن المطري يكون من المسك والعنبر ولا يستحب ذلك، لأنه حار يحمى لحم الميت فيسرع إليه الفساد، ولأن ابن عمر رضي الله عنه كره المسك أن يستعمل في الميت، فاستحب الشافعي الخروج من الخلاف.
مسألة: قال: ثم يبسط أحسنها.
الفصل
وهذا كما قال.
السنة أن يبسط على الأرض أوسعها وأحسنها، ويذر عليه الحنوط ثم يبسط الذي عليه ويذر عليه الحنوط، ثم يحمل الميت مستوياً مسجى بثوب، فيوضع فوق الأثواب مستلقياً ويكون ما يفضل [293 ب / 3] من الأثواب من جانب الرجلين أقل مما يفصل منها من جانب رأسه، وهذا لأن عادة الحي أن يظهر أحسن الثياب، ويجعل الدون تحته وعادة الحي أن ما على رأسه يكون أكثر مما على رجليه وقيل: ظاهر ما نقله المزني يقتضي أن لا يذر الحنوط على الثالث؛ لأنه قال: يذر فيما بينهما،
الجزء: 2 - الصفحة: 541
وأصحابنا لا يختلقون أنه يذر عليه لأنه أولى بذلك فإنه يلي الميت وربما ظهرت من الميت نجاسة في حال تحريكه فهو غلط.
وقيل: قوى، ويذر فيما بينها وقرى فيما بينها فعلى القراءة الأولى الآن على ما ذكرنا وعلى القراءة الثانية أراد إذا قل الحنوط يذر فيما بينهما يعني الميت والريطة التي تليه.
مسألة: قال: ثم يأخذ شيئاً من قطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط.
الفصل
وهذا كما قال: إذا تركه على الكفن مستلقياً مستوراً، فأول ما يصنع به أن يأخذ شيئاً من القطن منزوع الحب فيجعل فيه الحنوط والكافور، ثم يدخله بين إليتيه إدخالاً بليغاً ويكره أن يكثر من ذلك القطن ليرد شيئاً إن جاء منه عند تحريكه ويشد عليه، أي: فوق ذلك خرقة مشقوقة [294 أ / 3] الطرفين تأخذ إليتيه وعانته، ثم يشد عليه، ثم يشد التبان الواسع والتبان مثل السراويل له حزة وليس له بايكه، أو يقول: ليس له كمان، وقيل: يشد عليه بالخيط ولا يحتاج إلى شق طرفيها.
قال المزني: لا أحب ما قال من إبلاغ الحشو لأن في ذلك قبحاً يتناول به حرمته، ولكن يجعل كالنورة من القطن ما بين إليتيه وشفره قطن تحتها تضم إلى إليتيه، ويكون الشداد فوق ذلك كالتبان يشد عليه فهذا أحسن في كرامته عن انتهاك حرمته، قال أصحابنا: لم يرد الشافعي بهذا إلا بلاغ ما توهمه المزني من مجازة المثوبة ولكن أراد المبالغة في إلصاقه بذلك الموضع كما فسره واختاره فغلط في هذا الوهم ولا نعرف هذا الذي ذكره الشافعي، وما زاد على مراد الشافعي إلا سفرة قطن ونحن لا ننكر هذه الزيادة لو فعل، والدليل على أن مراده هذا لا يتوهم أنه قال: ليرد شيئاً إن خرج منه فلو كان إبلاغاً في الحشو لقال: ليمنع أن يخرج منه شيء، وقد بين في "الأم" فقال: إدخالا بليغاً يبلغ به [294 ب / 3] الحلقة.
وقال فيه أيضا: فإن خيف أن يخرج منه شيء لعلة كانت به أو حدث حادث منه أو كان مبطوناً أدخلوا بينه وبين كفنه لبداً ثم شدوه عليه، أو ثوباً صفيقا أقرب الثياب باللبد شبها وشدوه عليه خياطة، فإن تركوا ذلك تركوا الاحتياط، وأرجو أن تجزيهم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ليس كما قال أصحابنا، لأنه نص وصرح بإبلاغ الحشو وهذا وإن كان عند المزني مستقبحاً فإن المصلحة بأجمعها فيه؛ لأن القطنة بين الإليتين إذا لم يكن في إدخالها إبلاغ لم تكن دافعة للخارج، فربما يخرج خارج فيجب استئناف غسله وربما يتسارع التغيير إلى جثته، وحكي عن المزني أنه قال: يشق طرفيها وتشد في وسطه، وهذا لا يحتاج إليه في الميت، وإنما ذكره الشافعي في المستحاضة؛ لأنها تمشي وتتصرف في حوائجها فتحتاج إلى ذلك لئلا يبخل بخلاف الميت.
مسألة: قال: ثم يأخذ قطناً فيضع عليه الحنوط والكافور فيضعه على فيه ومنخريه وعينيه وأذنيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 542
وأراد به لينشف الرطوبة الخارجة من هذه المنافذ، ولأتته الهوام بسرعة، ثم قال: وموضع سجوده [295 أ / 3]، يعني: يؤخذ القطن ويجعل عليه الكافور والحنوط ويترك على مساجده من الجبهة والأنف والكفين والركبتين والقدمين؛ لأن هذه مواضع شريفة شرفت بالجود وهكذا ذكره أصحابنا.
وقال القفال: لم يرد أنه يضع القطن على أعضاء السجود كما يضع على المنافذ، بل أراد الحنوط والكافور فقط، وهذا هو أقرب إلى الصواب إن شاء الله تعالى.
قال الشافعي: وإن ذر على جميع بدنه الحنوط كان أولى، لأن الحنوط تصلب بدنه وتشده، وإن كانت به جراحة نافذة وضع عليها الحنوط والكافور عليه، فقال: ويحنط رأسه ولحيته بالكافور، لأن هذا عادة العي وعلى مساجده وأراد مواضع سجوده على ما ذكرنا.
وقال في البويطي: ولا بأس أن يحنط بالمسك والعنبر، وهذا يدل على أن الكافور أولى ويجوز غيره، ولا يستحب، وبه قال علي رضي الله عنه والفقهاء أجمع، وقال مجاهد وعطاء: يكره المسك في الحنوط، وهذا غلط لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: اجعلوا في حنوطي المسك فإنه بقية حنوط رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وروي [295 ب / 3] أنه لما مات سعيد بن زيد قالت أمه لعبد الله بن عمر: أحنطه بالمسك؟، فقال: وأي طيب أطيب من المسك.
وقد قال بعض أصحابنا: يستحب المسك لهذا الخبر، ثم بين كيف يلف في أكفانه فقال: ويوضع الميت في الكفن بالموضع الذي يبقى من عنه رجليه منه أقل مما يبقى من عند رأسه فما عند رأسه يستحب أن يجمع جمع العمامة ويجعل على وجهه، ثم في القبر يجعل تحت رأسه وما عند رجليه يعطف على قدميه إلى حيث بلغ، وإنما استحب أن يبقى من الكفن من عند رأسه أكثر مما عند رجليه، لأن الحي يكثر الثياب على رأسه من العمامة والبرنس وغير ذلك، ثم بين بأي جانب من الكفن يبدأ عند اللف عليه، فقال: ثم يثني عليه صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن ثم يثني صنفة الثوب الآخر على شقه الأيسر كما يشمل الحي بالساج، وأراد شيئاً أق ل ما يلي شقه الأيسر على شقه الأيمن، ثم ما يلي شقه الأيمن على شقه الأيسر، فيبدأ من الجانب الأيسر وهو المنصوص في "الأم"، ثم أوضح ذلك بقوله كما يشمل الحي بالساج والحي يشمل بالساج على ما فسرناه ويكون على جانبه الأيسر [296 أ / 3] هو الظاهر، والساج: هو الطيلسان.
وقال في "الأم": يبدأ من الجانب الأيمن فيثني على الأيسر ثم من الأيسر على الأيمن فيكون ما على جانبه الأيمن هو الظاهر وهو اشتمال الحي الساج، ومن أصحابنا من قال في المسألة قولان، ومنهم من قال قول واحد إنه يبدأ من الجانب
الجزء: 2 - الصفحة: 543
الأيسر: لأن الجانب الأيسر من الطيلسان تحت الذي بدأه من الجانب الأيمن، ومنهم من قال: يبدأ من الجانب الأيمن، وفي رواية المزني إضمار وهو أنه أراد: ثم يئني صنفة الثوب الذي يليه على شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر أي الجانب الذي هو شقه الأيمن تثنيه على الشق الأيسر والجانب الذي على الشق الأيسر على الشق الأيمن.
فحينئذ هو عين ما قاله في "الأم"، ثم يضع بكل لفافة مثل ذلك، ثم يجعل ما فضل عند رأسه ورجليه على ما ذكرنا، فمان خافوا انتشار الأكفان عقدوها عليه، ثم إذا أدخلوه القبر حلوها يعني العقد لئلا يكون معه في القبر شيء معقود فإنه يكره ذلك ولهذا يستحب أن لا يكون معه مخيط: ولأن العقد إنما كانت لخوف الانتشار والستر للميت وقد أمن ذلك عند [296 ب / 3] إدخاله القبر.
فرع
قال في "الأم": لو مات ميت في السفينة في البحر منع به ما ذكرنا، فإن قدروا على دفنه في الساحل لقربهم منه دفنوه، وإلا أحببت أن يجعلوه بين لوحين ويربطوهما به فيحملاه إلى أن يلقيه البحر بالساحل فلعل المسلمين يجدونه فيواروه، وهو أحب إلي من طرحه في البحر للحيتان يأكلوه، فإن لم يفعلوا وألقوه في البحر رجوت أن يسعهم، وقال أيضاً: لم يأثموا إن شاء الله، وإنما قال ذلك لأنه إذا شده بين لوحين منعه ذلك من الانتفاخ وألقاه البحر بالساحل، قال المزني: إنما قال الشافعي هذا إذا كان الذين على سواحل البحر مسلمين، فأما إذا كانوا مشركين فإنه يثقل بشيء حتى ينزل إلى القرار لئلا يأخذه المشركون فيدفنوه إلى غير قبلة المسلمين.
وقال بعض أصحابنا: لا بأس بما قاله المزني، وقال القاضي الطبري: هذا لا أعرفه للمزني وطلبته في "الجامع الكبير" فوجدت المسألة على ما ذكره الشافعي دون هذه الزيادة ولعله ذكرها في موضع أخر، ومن أصحابنا من قال: هذا هو قول عطاء وأحمد أنه يثقل ويطرح في البحر بكل حال إذا لم يمكنهم دفنه، وينتهي [197 أ / 3] الموتى في هذا، لأن ما من بحر إلا وفي ساحل من سواحله مسلمون، وما قالوه غلط لما ذكرنا أنه ربما يلقيه البحر فيدفنوه إلى القلة.
فرع
قال الشافعي: ولا أرى أن يصبوا الذواق في أذنه وأنفه ومنخريه.
وأراد به الزئبق، ولا أن يضعوا المرتك على مفاصله وذلك شيء يفعله الأعاجم ويريدون به إبقاء الميت، ولا أحب شيئاً من هذا، بل يمنع به ما يصنع بأهل الإسلام وهو الغسل والكفن والحنوط والدفن، فإنه صائر إلى الله تعالى والكرامة له برحمة الله وعمله الصالح.
الجزء: 2 - الصفحة: 544
فرع
قال: ولا أحب أن يجعل الميت في صندوق من خشب وهو التابوت عندنا.
وبلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص: نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق، فقال: لا بل اصنعوا بي كما صنع برسول الله - صلى الله عليه وسلم - انصبوا علي اللبن نصباً وأهيلوا علي التراب.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأكره أن يتبع الجنازة بنار بين يديه المجامر للبخور بين يديها إلى القبر على ما هو العادة اليوم ولا يصاح خلفها لقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تتبع الجنازة بصوت ولا نار"، ولان فيه قال: [197 ب / 3] السوء فيكره.
وروي عن عمر وأبي هريرة وعبد الله بن معقل ومعقل بن يسار وعائشة وأبو سعيا الخدري رضي الله عنه أنهم أوصوا أن لا يفعل ذلك.
مسألة: قال: وأضجعوه على جنبه الأيمن.
وهذا كما قال.
ذكر المزني الإضجاع قبل أن يبين كيفية حفر القبر وكيفية الصلاة عليه.
وأما الصلاة عليه: فلها باب منفرد.
وأما حفر القبر: فإنا نتكلم عليه نعود إلى مسألة الكتاب وجملة ذلك أنه يستحب تعميق القبور.
قال الشافعي: قدر بطة، والبطة: الباع وهي قامة وقدر ذلك أربعة أذرع ونصف وذلك قامة وبسطة، والدليل عليه: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "احفروا وأوسعوا وعمقوا".
وقال عمر رضي الله عنه "عمقوا قبري قامة وبسطة"، ولأنه إذا كان كذلك كان أقدر أن لا تناله السباع، وهو أبعد على من ينبشه، وأقطع لرائحته، وأي قدر أعمق ووارى جاز، ويستحب أن يوسع من قبل رجليه ورأسه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للحافر: "أوسع من قبل رجليه وأوسع من قبل رأسه"، ثم قال في "الأم": فإن [298 أ / 3] كانت الأرض صلبة شديدة فالسنة اللحد وصورته: أنه إذا انتهى إلى أرض القبر حفر مما يلي قبلة القبر لحد وهو معروف وهو أن يكون الحفر على صفة يحصل الميت تحت قبلة القبر، قال: ثم نصب على اللحد اللبن نصباً، ويتبع
الجزء: 2 - الصفحة: 545
مزج اللبن بكبار اللبن والطين، ثم أهيل التراب عليه، وإن كانت الأرض رخوة رقيقة، فالسنة الشق، وهو أن يبني من جانبي القبر بلبن أو مخر أو خشب، ويترك وسط القبر كالحوض في صورة التابوت ويرفع في بنائه حتى إذا سقف فوق الميت لم يباشر السقف الميت، فإذا جعل الميت فيه سقف عليه وروعي الخلل إن كان فيه، ويطين المكان بطين، قال: ورأيتهم عندنا يضعون على السقف الإذخر ويضعون عليه التراب، وفي بلدنا بطبرستان ويضعون على السقف الإذخر، ويضعون عليه التراب أو الطين، ثم يهيلون التراب وهكذا يستحب عند علمائنا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: الشق أولى من اللحد.
وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللحد لنا والشق لغيرنا".
وروى "والشق ليس لنا"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات بعثوا إلى رجل يلحد والى رجل يشق، وقالوا: اللهم اختر لنبيك فسبق أبو طلحة اللحد فلحد له"، وقال عمر رضي الله عنه: "إذا جعلتموني في اللحد فاقصوا لحدي إلى الأرض"، وحكي عن مالك أنه قال: لا حد في لحد القبر فيحضر بقدر ما يغيب عن الناس.
وقال عمر بن عبا العزيز: يحفر إلى السرة، وهذا غلط لما روينا عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
فإذا تقرر هذا عدنا إلى مسألة الكتاب، وجملة ذلك أن الميت على جنبه الأيمن يريد إلى حيث يكون وجهه إلى القبلة، فيكون رأسه نحو المغرب إن كان بالمدينة أو بتلك البلاد، هكذا فعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نام أحدكم فليتوسد يمينه" ويستحب أن يوسد رأسه بلبنة أو حجر كما توسد الحي إذا نام، ثم قال: وأسندوه لئلا يستلقي على ظهره، وأدنوه إلى اللحد من مقدمه لئلا ينكب على وجهه، يريد أنه يوضع منحنياً مقوساً كالدالع لئلا ينكب ولا يستلقى ويجعل خلفه لبنة.
وقال بعض أصحابنا: ويفضي بخده إلى التراب كما وصى [299 أ / 3] عمر رضي الله عنه.
وقال أبو موسى الأشعري: "لا تجعلوا بيني وبين الأرض شيئاً"، وقال أبو يعقوب: نص الشافعي أنه لا يكون بينه وبين الأرض إلا الكفن، ولعل ذلك القائل أواد فخذه مع الكفن.
قال الشافعي: ويكره أن يجعل تحته مضربه وتحت رأسه بمخدة: لأن ذلك لم ينقل عن السلف، ولأن ذلك للتنعم ويربو به جسد الميت، ثم بين الشافعي كيف يسد بعد ذلك باب اللحد فقال: وينصب اللبن على اللحد، أي: يوضع اللبنات منصوبة على باب اللحد، ثم قال: ويسد فرج اللبن بإذخر أو حشيش أو بكسار اللبن لئلا يصيبه التواب، قال: ثم يهال عليه التراب.
ثم بين سنة الإهالة فقال،
الجزء: 2 - الصفحة: 546
والإهالة: هي أن يطرح من على شفير القبر التراب بيديه جميعاً، ثم يهال بالمساحي.
وأراد أنه يستحب لمن على شفير القبر أن يبرك بالإهالة بيديه ثلاثا، هكذا جاء عن الصحابة أنهم كانوا يفعلونه، حتى روينا عن أنس رضي الله عنه أنه قال: ما نفضنا أيدينا من تراب قبو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى استنكرنا قلوبنا.
وإنما أمر بأن يطرح التراب أولا قليلا قليلاً برفق حتى لا يزال إلى الميت، ثم قال: ولا أحب أن يزاد في القبر أكثر من ترابه [299 ب / 3] وفي نسخة أن يرد ومعناهما متقارب وهو ما أشار إليه لئلا يرتفع جداً فيضيق على الناس ولأنه يقال: إن الملائكة يأخذون تراب القبر فإذا زيد فيه غير ترابه يبقى تراب كثير يظن الظان أن الملائكة لم يأخذوا من ترابه فيسئ الظن به.
قال في "الأم": فإذا زادوا على ذلك فلا بأس، وأراد كراهة فيه وإن كان الأولى أن لا يزاد على ترابه، ثم بين كم يستحب أن يشخص عن وجه الأرض، فقال: ويشخص عن وجه الأرض قدر شبر ليعرف أنه قبر إلا أن يكون في داو الحرب فيخفيه بحيث لا يظهر مخافة أن يتعرض له الكفار بعد خروجهم بسوء، ويرش عليه الماء، لما روى جابر أن رسول لله - صلى الله عليه وسلم - "رش على قبر ابنه إبراهيم ووضع عليه من حصباء العرصة"، فيستحب وضع الحصباء الصغار وإنما يفعل هذا لتلتزق الحصباء بالتراب، وتختلط رطوبته فيبقى أثر القبر عليه ويوضح عند رأسه علامة من صخرة منقوشة أو حشيشة حتى لا يشكل، لما روي أن عثمان بن مظعون رضي الله عنه لما مات ودفن أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع فقام [300 أ / 3] إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسر عن ذراعيه، ثم حملها ووضعها عند رأسه، ثم قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي".
وقال الشافعي في موضع: أكره أن يرفع إلا بقدر ما يعرف أنه قبر لكي لا يوطأ ولا يجلس عليه، وروي أن علياً رضي الله عنه قال لأبي الهياح الأسدي: أبعثك على ما بعثني به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن لا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالا إلا طمسته.
وقيل: لم يرد به التسوية مع الأرض بل أراد أن يسطحه، وقال جابر: ألحد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونصب عليه اللبن نصباً ورفع قبره عن الأرض قدر شبر.
وهذا نص فإن قيل: أليس، قال جعفر بن محمد عن أبيه قال: الذي ألحد قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران، وقال شقران: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القبر، وقال ابن عباس: جعل في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطيفة حمراء، قلنا: لم يكن هذا بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا بمشورة الصحابة ويحتمل تخصصه به.
فرع
قال في "الأم": وإن مات ميت [300 ب / 3] بمكة أو المدينة أحببت أن يدفن في
الجزء: 2 - الصفحة: 547
مقابرهما، وكذلك إذ مات بلد قد ذكر في مقبرته خيراً أحببت أن يدفن فيها فإن كان ببلد لم يذكر فيها أحب أن يدفن في المقابر لحرمة المقابر والداعي لها وأنه مع الجماعة وأشبه أن لا يتغوط ولا يبال على قبره ولا ينبش وحيث ما دفن الميت فحسن إذ شاء الله.
قال: واختار أن يكون الدفن في الجبان والصحراء لا في البيوت والمساكن؛ لأنه أقرب إلى رحمة الله تعالى لكثرة الداعي له إذا درس قبره.
فإذ قيل: أليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد دفن في حجرة عائشة؟ فكيف استحب الشافعي الدفن في المقابر.
وقلنا: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدفن أصحابه في المقابر، وفعله أولى من فعل غيره، وأنهم رأوا ذلك تخصيصاً لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صيانة له عن رحمة الناس والابتذال وفي غير لا يوجد هذا المعنى.
قلت: وقالت عائشة لما قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر الصديق: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً ما نسيته بعد قال: "ما قبض الله نبياً إلا في الموضع الذي يدفن فيه" ادفنوه [301 أ / 3] في موضع فراشه.
رواه أبو عيسى الترمذي.
ورأيت خبراً عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الميت ليتأذى بجار السوء".
فَرْعٌ آخرُ
قال الشافعي في القراءة عد القبر: رأيت من أوصى بذلك وهو عندنا حسن والرحمة تنزل عند ختمة القرآن.
قال أصحابنا: ويختار لمن حضر دفنه أن يقرأ سورة "يس" ويدعو له ويترحم عليه، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بقوم يدفنون ميتاً فقال: "ترحموا عليه فالآن حين يسأل".
فَرْعٌ آخرُ
يستحب أن يجمع بين قبور ذوي القرابات، والأصل في بقعة واحدة ليكون أسهل للزيارة والتعهد، ويكون الأب إلى القبلة أقرب، ثم الأسن فالأسن أبداً وكيف ما دفنوا جاز في خبر عثمان بن مظعون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأعلم به قبر أخي وأدفن إليه من مات من أهلي" وقيل: إن ترتيب قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه رضي الله عنه أن رأس أبي بكر بين كتفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورأس عمر بين كتفي أبي بكر ليكون كل واحد منهما دون مرتبة صاحبه، قلت: وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[301 ب / 3]، "كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في الثوب الواحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذاً للقرآن؟ فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد".
الجزء: 2 - الصفحة: 548
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا أحب إذا مات في بلد أن ينقل إلى غيره، اللهم إلا أن يكون بالقرب من مكة أو المدينة أو بيت المقدس، فيختار أن ينقل إليها لفضل الدفن بها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من قبر بالمدينة كنت عليه شاهداً وله شافعاً، ومن مات بمكة فكأنما مات في سماء الدنيا"، ونقل الميت إلى بلد آخر حرام ولو أوصى به لا تصح الوصية.
فَرْعٌ آخرُ
لو استعار موقعاً للدفن جاز، وللمعير أن يرجع في ذلك ما لم يدفن الميت، فإذا دفن لزمت العارية للعارة في ذلك، كما لو أعار للغراس فإنه لا يقلع، فإذا هلك الميت وصار رفاتً تصرف المعير في البقعة كيف شاء، فالزرع والحفر والبناء نص عليه ذكره القاضي الطبري وغيره، وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: إذا مضى علي حول فازرعوا الموضع.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ويفرد كل ميت بقبر هذا من السنة في حال الاختيار، فإن اتفقت حاجة أو ضرورة مثل إن كثرت الموتى.
وقل [302 أ / 3] من يدفنهم جاز أن يدفن الواحد والثلاثة في قبر واحد، ولكنه يحفر القبر على قدر عددهم لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال يوم أحد لأصحابه: "احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في قبر واحد وقدموا أكثرهم قرآناً"، فإذا دفنوهم جعلوا أفضلهم يلي القبلة، ثم الذي يليه ثم الذي يليه أبداً، ويجعل بين كل رجلين حاجز من تراب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وأحب أن لا يدفن الرجل مع المرأة بحال، فإن دعت الحاجة واجتمع رجال ونساء وصبيان وخناثى كانوا في القبر على ترتيبهم في الصلاة، فالرجال يكون القبلة ثم الصبيان يلونهم، ثم الخناثى، ثم النساء آخرهم ويجعل بينهم حاجز من تراب ثم تقدم الأم، على البنت، والأب على الابن، ولا تقدم الأم على الابن.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت له امرأتان أقرع بينهما أيتهما تقدم ذكره في "الجامع الكبير"، وقال صاحب "التقريب": فإن كانت امرأتان لا زوج لهما تقدم أفضلهما ولا يقرع بينهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 549
فَرْعٌ آخرُ
لو كانت الأرض من خلقه الأصل مباحة لم يدفن فيها بعد فإنه يدفن فيها كيف شاء، ولو كانت مقبرة مسبلة للدفن فيها، وإن تشاح [302 ب / 3] اثنان في الدفن في موضع منها كان السابق أولى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مناخ من سبق"، وإن بادر إلى المكان اثنان معاً فتشاحا أقرع بينهما فمن خرجت قرعته دفن قبل الأخر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إن كان المكان مما قد تكرر فيه الدفن لم يحفر إلا في مكان يعلم في العادة أن الميت قد هلك وصار رميماً، وهذا يختلف باختلاف البلد إن قرب بلد يهلك فيه الميت سريعاً، ورب بلد يبقى فيه الميت كثيراً لحرارة البلد وبرده، وإذا هلك الميت لا يجوز أن يبني على قبره صورة القبر الجديد، بل يتركه حتى يدفن فيه غيره.
فَرْعٌ آخرُ
إذا حفر الموضع فإذا كان الميت قد هلك وصار رفاتاً دفن في مكان غيره وإن كان قد بقي منه أو من عظامه شيء، قال في "القديم" و "الجديد": أعيدت في القبر قال أصحابنا: ويرد التراب عليها كما كانت، ولا يدفن الميت معه بل يحفر له غير ذلك القبر لا حاجة بنا إلى ذلك، ويخالف هذا دفن اثنين في قبر واحد على ما ذكرنا؛ لأنه لحاجة وإن دعت الحاجة هنا أيضاً يدفن مع العظام في ذلك المكان، وهذا [303 أ / 3] لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظم الميت ككسر عظم الحي".
فَرْعٌ آخرُ
لو فرغ من القبر، ثم ظهر فيه شيء من العظام لم يضيق أن يجعل في جانب اللحد ويدفن الثاني فيه.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفن في ملك غيره بغير أمره فهو غصب، قال الشافعي: وأكره أن ينقله لأنه يهتك حرمته، فإن نقله جاز.
ولو غصب كفناً وكفن به ميتاً ودفن.
قال أبو حامد: لم يخرج وعلى الغاصب قيمته.
والفرق أن حرمة الأرض أوكد، لأن الانتفاع بها مؤيد بخلاف الثوب، ولأن الكفن ربما يتعين على صاحبه تكفين الميت به، وفي انتزاعه هنا هتك حرمته بخلاف الأرض المملوكة لأنها لا تتعين قط لوجود المباح، ولا يكون في نقله هتك حرمته، ولأن الحاجة من التكفين تبيح غصب الثوب ولا تبيح غصب الأرض.
وقال صاحب "الحاوي": ويحتمل غير هذا القول ويمكن قلب الفروق بما هو
الجزء: 2 - الصفحة: 550
أولى منه أنا وأنت.
عن بعض أصحابنا أنه قال: إن لم يستهلك ينبش ويذع ويرد إلى صاحبه وهذا أقيس.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اتفقت الورثة أن يدفنوا الميت في بعض ملك الميت جاز ذلك وإن تشاحوا فقال بعضهم [303 ب/3] يدفن في المقبرة، وقال بعضهم: يدفن في ملكه فإنه يدفن في المقبرة يعني المسلة، فإنذ بادر واحد منهم فدفنه في الملك المشترك فقد تعدى وأثم، وكرهنا للباقين نقله عن الملك ويقر في مكانه حتى إذا هلك عاد الملك إلى تصرفهم على الإطلاق، وليس هذا كالغراس في ملك الغير، حيث قلنا له: إن يأمر الغاصب بنقله ولا يكره ذلك له لأنه لا حرمة للغراس ولا لمالكه وهاهنا للميت حرمة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو اختلفوا في الكفن، فقال بعضهم: أكفنه من مال نفسي، وقال: لا بل من تركة الميت كفن من التركة؛ لأن في ذلك منة فلا يجبر سائر الورثة على تحملها، وتخالف المقبرة المسلة، لأنه لا منة فيها فتقدم قول من قال: يدفنه في المقبرة، وعلى هذا ينبغي أن يقال: إذا قال أحدهم: أنا أدفنه في شيء لا يلزمهم قبوله للمنة، فإن بادر دفنه في ملك نفسه أو كفنه من ماله، ثم دفنه لم يذكره الشافعي ولا أصحابه المتقدمون.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: لا ينقل ولا يبدل، كفنه لأنه ليس في تنقيته إسقاط حق أحدهم وفي نقله هتك حرمته.
فَرْعٌ آخرُ
لو دفنوه في ملكه [304 أ/3] بالاتفاق لا يجوز تحويله ولا التصرف فيه حتى يهلك الميت، سواء كان الملك ورثوه عن هذا الميت أو عن غيره، فإن أراد كلهم أو بعضهم نقله لم يجز ذلك، ولا يحل نقل الميت عن مكانه إذا كان الدفن يحق أبداً.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأكره الوطأ على القبر والجلوس عليه والاتكاء إليه فإذ لم يمكنه أن يصل إلى قبر له إلا بالوطء على القبر رجوت أن لا يأثم.
قال أصحابنا لزيارة أو لغيرها وروى الشافعي بإسناده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً على قبر فقال: "انزل عن القبور"، وروى أبو مرثد الغنوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يجلس على القبور وأن يصلى إليها"، وروي عن عمارة بن حزم الأنصاري أنه قال: "رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً جالساً على قبر، فقال: انزل لا تؤذي صاحب القبر"، وروي أيضاً بإسناد عن أبي هريرة أنه قال: "لأن أجلس على جمرة ليحرق ردائي، ثم تفضي إلى جلدي أحب إلي
الجزء: 2 - الصفحة: 551
من أن أجلس على قبر امرئ مسلم"، وروى أصحابنا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأن يجلس على جمرة فتحترق ثيابه حتى تخلص [304 ب/3] إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر"، وقال مالك: إن جلس على القبر للبول أو الغائط يكره وإلا فلا يكره، وهذا غلط لما ذكرنا، ويكره عن أحمد أنه يكره دخول المقابر بالنعال ولا يكره بالخفاف والشمشكات.
فَرْعٌ آخرُ
قال: يكره المبيت في المقبرة لما فيه من الوحشة على البايت.
فَرْعٌ آخرُ
قال: يكره أن يسوى القبر مسجداً فيصلى فوقه أو يبنى عنده مسجداً، فيصلى فيه إلى القبر، فإن فعل أجزأه وقد أساء، وهذا لأن القبر هو مستودع الموتى وغير هذا الموضع أنظف، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تصلي على قبر ولا إلى قبر"، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد"، وقال أيضاً: "لا تتخذوا قبري وثناً يعبد فإنما هلك بنو إسرائيل لأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
قال الشافعي: وأكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس.
مسألة: قال: وإذا فرغ من القبر فقد أكمل وينصرف من شاء.
وهذا كما قال.
جملة هذا أن الانصراف هو على أربع مراتب: أفضلها أن يقف حتى يفرغ من الدفن والقبر [305 أ/3] ويستغفر الله تعالى ويدعو له بالرحمة والتثبيت، ويجوز بهذا جميع الثواب المتعلق بها، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا دفن ميتاً وقف، وقال: استغفروا الله له وسلوا الله له التثبيت فإنه يسأل الآن".
رواه عثمان بن عفان رضي الله عنه.
قال بعض أصحابنا: يستحب تلقين الميت بعد مواراته بالتراب، لأن الخبر ورد بسؤال منكر ونكير.
وروي أنه لما دفن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 2 - الصفحة: 552
"قل الله ربي ورسوله أبي، والإسلام ديني"، فقيل له: يا رسول الله أنت تلقنه، فمن يلقننا؟ فأنزل الله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم:27] الآية.
والمستحب في التكفين أن يقول من يتولى التكفين أن يقول: يا فلان ابن أمة الله أو يا فلان ابن حوا اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وأنك رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد - صلى الله عليه وسلم - نبياً، وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً، قال: وبلغني عن بعض من مضى أن امرأته تقعد عند قبره إذا دفن قدر [305 ب/3] ما ينحر جزور وهذا حسن، ولم أر الناس يصنعونه عندنا، وروى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة حتى يصلى عليها فله قيراط"، وكان ابن عمر إذا صلى على جنازة انصرف عنها ولم يقف على الدفن، ثم سمع أن أبا هريرة يروي زيادة في هذا الخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن تبعها حتى يدفن له قيراطان.
أصغرهما مثل أحد"، فقال ابن عمر: لقد فرطنا في قراريط كثيرة فكان لا ينصرف بعد ذلك عن الجنازة حتى يدفن.
قلت: وقد روى أبو هريرة في سؤال الميت في القبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، والآخر النكير فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل؟: فيقول: ما كان يقول: هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسوله، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول هذا، ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعاً في سبعين، ثم ينور له فيه ثم يقال له: نم يقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فيقولان: نم كنومة العروس لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حيث يبعثه الله من مضجعه [306 أ/3] ذلك.
وإن كان منافقاً قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري، فيقولان: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك، فيقال للأرض: التئمي عليه فتختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذباً حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك".
والثانية: أن ينصرف إذا فرغ من القبر من غير أن يقف للدعاء فأجره دون الأول، وقيل: يحصل حيازة أجر القيراطين بالانصراف إذا ووري لقول الشافعي: ومن أراد أن ينصرف إذا ووري فذلك له واسع، ومن أصحابنا من قال: لا يكمل أجر القيراطين إلا بالفراغ من القبر وهو الأشبه، ولكن ظاهر المذهب ما ذكرنا.
والثالثة: أن ينصرف إذا سوي عليه اللبن قبل أن يهال عليه التراب فأجبره دون ما تقدم.
والرابعة: أن ينصرف إذا صلي عليه فأجره دونما تقدم وقيل: من تبعها حتى صلي عليها كان له قسط من الأجر، ومن أقام حتى يوارى كان له قسطان من الأجر، ومن
الجزء: 2 - الصفحة: 553
أقام حتى سوي القبر وجعل عند رأسه صخرة فقد أكمل الأجر زيادة على الأول والثاني، ومن أراد الانصراف لا يحتاج إلى أدنى من ولي الميت.
وقال بعض السلف: لا يجوز الانصراف حتى يأذن ولي الميت [306 ب/3] وهذا محال فإن قيل: قد تقرر من المذهب أن المنصرف لو انصرف عقيب الفراغ من الصلاة فذلك واسع له، فما معنى قوله: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، قلنا: مراد الشافعي أن من أراد تحصيل القيراطين فواسع له أن ينصرف عقيب مواراته، فإن انصرف قبل ذلك ومراده القيراطين فغير جائز له، فإن قيل: فما فائدة تكرار الشافعي مسألة واحدة في سطرين وذلك أنه قال: فإذا فرغ من القبر بعد أن أكمل ومعناه إكمال القيراطين، ثم قال في السطر الثاني: ومن أراد أن ينصرف إذا أورى فذلك له واسع، ومعناه أن القيراطين حصلا والمسألتان واحدة، قلنا: مراده بالثانية أن الميت إذا ووري بلبنات اللحد، ثم القيراطان، ولا يتوقف تمامها على تمام تسوية القبر فمن انصرف بعد وضع اللبنات انصرف بقيراطين ومن صير إلى تسوية القبر انصرف بقيراطين.
مسألة: قال: وبلغنا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه سطح قبر ابنه إبراهيم.
الفصل
وهذا كما قال.
السنة تسطيح القبور لا التسنيم، وهو أن يكون دكة لا سنام عليها، لا مغيراً ولا كبيراً، وقال ابن أبي هريرة وصاحب "الإفصاح" [307 أ/3] السنة التسطيح والأولى في زماننا أن يسنم، لأن التسطيح هو من شعار الروافض.
وأهل البدع وقال ابن أبي هريرة: أحب أيضاً ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم لأنه صار من شعارهم.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد والثوري: السنة التسنيم، وهذا غلط؛ لأن السنة قد صحت فيه فلا يضرموا فقه أهل البدعة فيه.
وذكر الشافعي الأخبار في هذا وفي جملتها خبر القاسم بن محمد وتمامه ما روي عن القاسم بن محمد أنه قال: قلت لعائشة رضي الله عنها: يا عمتاه أتستطيعين أن تكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه فقالت: نعم فكشفت لي عن ثلاثة قبور مسطحة لا مشرفة ولا لاطية مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء"، وروى الشافعي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: سطح قبر ابنه إبراهيم، وكذلك قبور المهاجرين والأنصار بالمدينة كلها مسطحة.
قالوا قال إبراهيم النخعي: "أخبرني من رأى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه مسطحة" قلنا خبرنا أولى لأنه شاهد ذلك.
مسألة: قال: ولا تبنى القبور ولا تجصص.
وهذا كما قال: أما التجصيص [307 ب/3] فمكروه سواء كان القبر في ملكه أو في
الجزء: 2 - الصفحة: 554
أرض مسلة: لأنه للزينة والخيلاء وليس الميت بموضع واحد منهما، وكذلك اللبنة عليه.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن يقعد على القبر وأن تقصص وأن يبنى عليه"، وفي لفظ: "نهى أن تجصص القبور وأن يكتب عليها وأن تبنى وأن توطأ"، والتقصص هو التجصيص والقصة شيء شبيه بالجص.
وأما في القعود عليه: قيل: أراد القعود عليه للحدث وقيل: إنه كره أن يطأ القبر بشيء من بدنه فمد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: رأى رجلاً قد اتكأ على قبر فقال له: "لا تؤذ صاحب القبر".
وأما البناء عليها، فإن كان في أرض مسلة لم يجز ذلك وقال في "الأم": رأيت من الولاة من يهدم بمكة ما بني عليها ولم أر الفقهاء يعيبون ذلك؛ ولأن فيه تضييقاً على سائر الناس وتحجراً عليهم، وإن كان في الملك فلا يكره ذلك ولهم أن يبنوا فوقه ما شاؤوا، وقيل: معنى قول الشافعي لا يبنى أي لا يرفع عن وجه الأرض أكثر ما ذكرنا من قدر شبر ولا تضرب عليها خيمة ولا قبة، لما روي أن النبي [308 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -: رأى خيمة فربت على قبر ظلل بها فهتكها وقال: "دعوه ليظله عمله".
مسألة: قال: والمرأة في غسلها كالرجل.
الفصل
وهذا كما قال: غسل المرأة والرجل يتساويان هاهنا كما في حال الحياة وينعقد في شعرها أكثر مما ينعقد في شعر الرجل كما قلنا في حال الحياة، ويسن تطهير شعر رأسها ثلاثة قرون ويلقى خلفها وهو شعر ناصيتها وقرنيها، وبه قال أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجعل ثلاثة أقسام ثم يفتل ضفيرة واحدة، وأصحابنا بالعراق قالوا: يجعل شعرها ثلاث ذوائب وهو ظاهر خبر أم عطية قالت في ابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ضفرنا ناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون، ثم ألقيناها خلفها، ولأن عادة المرأة أن تفعل هكذا في حال حياتها.
وقال أبو حنيفة: لا تضفر ويترك شعرها محلولاً على كتفها أمامها، واحتج بأنه إذا ضفره فلا بد من تسريحه وإذا سرح انتتف وتقطع وذلك مكروه وهذا لا يصح: لأنه يمكن ضفره من غير تسريح أو بتسريح خفيف لا ينتتف به الشعر.
وحكي عن أبي حنيفة أنه [308 ب/3] يجعل ضفيرتين ويلقيان على صدرها.
مسألة: قال: وتكفن المرأة في خمسة أثواب: خمار، وإزار، وثلاثة أثواب.
الجزء: 2 - الصفحة: 555
الفصل
وهذا كما قال.
لا شك أن كفنها خمسة أثواب ويزاد لها على الرجال ثوبان استحبابا قال الشافعي: وأحب أن يكون أحدها درعاً، وقال المزني: قد قال به الشافعي ثم خط عليه قال أصحابنا: فيه قولان، ولعله خطأ لا لأنه لم يقل به، ولكن لأنه لم يثبت عنده السنة أحدهما: يكفن به وهو الصحيح؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفن ابنته أم كلثوم بالدرع" في جملة أكفانها، قالت أم عطية: أول ما أعطانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحقو ثم الدرع، ثم الخمار، نم الملحفة، ثم الثوب الآخر، وكان يناولها واحداً واحداً؛ ولأن المرأة في حال حياتها تخالف الرجل في اللباس فكذلك بعد الموت.
والثاني: لا يكفن به كما في الرجل، وهذا لأن القميص يحتاج إليه الحي لتصرفاته وحركاته ولا حاجة بالميت إلى ذلك، وقال في "الأم": ويشد على صدرها ثوب يضم ثيابها واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: ليس هذا الثوب من جملة [309 أ/3] الأكفان، وإنما أمر به ليشد أكفانها عليها فلا يتحرك في أكفانها، فإذا أضجعت في القبر حلت، وهذا هو اختيار أبي إسحاق، وقال ابن سريج: هو من جملة الأثواب الخمسة، لأن الشافعي أمر به ولم يأمر بحله، وظاهر كلام الشافعي الأول لأنه قال: يجمع عليها ثيابها.
وهذا يدل على أنه يكون فوق جميع الكفن، فإذا قلنا: بقول أبي إسحاق، وقلنا: يستحب الدرع فالترتيب فيه أن تؤزر وتدرع وتخمر، ثم يشد على صدرها وثدييها ثوب ثم تروح في الخامس.
وإن قلنا: الدرع لا يستحب فإنها تؤزر وتخمر ويشد على صدرها خرقة ثم يروح في لفافتين وهذا ذكره ابن أبي أحمد.
مسألة: قال: ومؤنة الميت من رأس ماله.
الفصل
وهذا هو كما قال.
مؤنة الميت مقدمة على الميراث والديون والوصايا، لأن ذلك مما استغرقته حاجته في نفسه فهو كالمفلس في حياته يترك له من ماله ما لا غناء به عنه، وقال خلاس بن عمرو: ويكون من الثلث بكل حال، وقال طاوس: إن كان موسراً فمن رأس ماله وإن كان معسراً [309 ب/3] فمن ثلثه، وهذا غلط لما روي في خبر الأعرابي الذي وقصت به ناقته "كفنوه في ثوبيه" ولم يسأل عن ثلثه، ولو أوصى رجل أن يكون كفنه ثلث ماله جازت.
مسألة: قال: فإن اشتجروا في الكفن فثلاثة أثواب.
الفصل
وهذا كما قال.
إذا اختلقت الورثة في الكفن اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يكفن في ثلاثة أثواب لا ينقص منها، كالحي المفلس يترك عليه ثلاثة أثواب قميص
الجزء: 2 - الصفحة: 556
وسراويل ومنديل، وهو ظاهر كلامه هاهنا، ومنهم من قال: يكفن في ثوب واحد؛ لأن ذلك يعمه ويستره وهو الأقل، وتأويل ما ذكر هاهنا أنهم اشتجروا في الأجمل وعلى كل حال يعتبر الجنس والغلظ والرقة بحال الميت.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن لم يكن عليه دين لا ينقص عن ثلاثة أثواب، وإن كان عليه دين فاختلف الغرماء والورثة فقال الغرماء: نكفنه في ثوب واحد وقال الورثة: بل في ثلاثة أثواب، فيه وجهان:
أحدهما: يكفن في ثوب واحد؛ لأنه ليس لمحل التجمل والمباهاة مع الدين، وأما إذا اشتجروا [310 أ/3] في الحنوط، قال أصحابنا: فيه قولان:
أحدهما: ما قال في "الأم" و "القديم" وكفن الميت وحنوطه ومؤنته من رأس المال وليس لورثته ولا لغرمائه منع ذلك.
فظاهره أنه واجب، لأن العادة جارية به كالكفن ويرجع في صفته إلى العرف والعادة لمثله، ولا يجب الكافور على هذا القول لأنه لا حاجة به إليه.
والثاني: لا يجب الحنوط، وإنما هو استحباب؛ لأنه يجري مجرى الطيب ولا يترك للمفلس الطيب كذلك هاهنا، فعلى هذا عند الاشتجار يترك، وقيل: فيه وجهان والصحيح ما ذكرنا.
فرع
كل من كانت مؤنته ونقضه في ماله في حياته كانت مؤنته في تركته بعد وفاته من المناسبين والمملوكين قولاً واحداً، وأما الزوجة قال أبو إسحاق: مؤنتها على زوجها موسرة كانت أو معسرة، وبه قال مالك، كما قلنا: في السيد مع عبده والأب مع ابنه، لأن كفايتها عليه في حياته وهو القياس.
وقال ابن أبي هريرة: يكون في تركتها فإن لم يكن لها تركة فهي كالتي لا زوج لها يكون كفنها على من تجب عليه نفقتها، وهم الوالدون والمولودون [310 ب/3] فإن لم يكن لها قريب فمن بيت المال، وهذا لأن النكاح قد زال بالموت، وهذا مذهب أبي حنيفة وأحمد، وهذا أصح عندي.
قال في "الحاوي": وهذا ظاهر مذهب الشافعي، لأن النفقة في حياتها تجب في مقابلة التمكين من الاستمتاع، ولهذا سقط بالنشوز والبينونة ويخالف المملوك، لأنه نفقته تجب بحق الملك لا بالانتفاع، بدليل أنه يجب نفقة الآبق، والموت لا يبطل أحكام الملك، لأن السيد هو أحق بدفنه وتوليه.
فرع
لو سرق كفنه من القبر يستحب للورثة أن يكفنوه ثانياً، ولا يجب لأنه يؤدي إلى ما لا
الجزء: 2 - الصفحة: 557
يتناهى ذكره في "الحاوي".
وقال بعض أصحابنا؛ قياس مذهبنا أنه يكفن ثانياً كابتدائه، لأن الميت عورة فلا به من ستره.
وقال الكرخي: إن تفسخ دفن من غير كفن وإلا كفن.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له، فإنه يكفن من بيت المال وفي العدد وجهان: أحدهما: ثلاثة، والثاني: ثوب واحد وهو اختيار القفال لأن مصعب بن عمير "كفن في ثوب واحد" قال: وكذلك لو مات عن ثوب واحد ليس على المسلمين أن يتمموه ثلاثة، ولكن لا بد [311 أ/3] من ثوب سابع ولا يكتفي بقدر ستر العورة، لأن فيه إزراء بحق الميت.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات ولا كفن له وهناك من معه فضل ثوب لزمه بذله بالقيمة، فهو كالمضطر إلى طعام الغير سواء.
فَرْعٌ آخرُ
لو مات جماعة من أقاربه دفعة واحدة بهدم أو غرق أو نحو ذلك فإنه يقدم من خيف فساده فإن لم يخف بدأ بالكبير وهو الأب، ثم الأم، ثم الأقرب فالأقرب، وإن كان أخوين قدم أسنهما، وإن كانت له زوجتان وقلنا: المؤنة عليه أقرعنا بينهما ولم ينظر إلى شيء ولا إلى غيره لأنه لا مزية لأحدهما بحال.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي رحمه الله: إذا ماتت المرأة الناشزة، وقلنا: كفن الزوجة على الزوج يحتمل أن يقال: يلزم كفنها عليه؛ لأن النشوز قد زال بالموت فصار كزواله بالعود إلى الطاعة، ويحتمل أن يقال: لا يلزم عليه لأن الطاعة لا توجد منها الآن كما لا يوجد النشوز فاعتبرت الحالة المتقدمة.
فَرْعٌ آخرُ
قال والدي رحمه الله: إذا طلق امرأته ثلاثاً وهي حامل فماتت فإنه يلزم كفنها على الزوج؛ لأن النفقة واجبة [311 ب/3] لها في حياتها فهي كالزوجة.
وعندي يحتمل وجهاً آخر لا يلزم خاصته إذا قلنا: إن النفقة للحمل.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضاً: لو ماتت زوجته الصغيرة، فإن قلنا: نفقتها على الزوج فكفنها على الزوج، وإن قلنا: لا نفقة لها على الزوج لصغرها فهل يجب كفنها على الزوج؟ وجهان: والأصح أنه يجب وعندي الأصح أنه لا يجب.
الجزء: 2 - الصفحة: 558
فرع
لو ماتت نصرانية وهي حبلى من مسلم وتحققنا موت الولد في بطنها قال المزني: القياس أن الحكم لها دون الحمل كما كان في حياتها فتدفع إلى أهل دينها ليتولوا غسلها ودفنها، ومن أصحابنا من قال: يدفن بين مقابر المسلمين ومقابر المشركين أو على طرف مقابر المسلمين؛ لأن للحمل أحكاماً في الشرع، وقيل: على هذا القول: يجعل ظهرها إلى القبلة لأن وجه الجنين يكون إلى ظهرها فيحصل به وجه الصبي إلى القبلة وكذلك إذا اختلط موتى المسلمين بموتى المشركين يدفنون في مثل هذا الموضع.
ومن أصحابنا من قال: يدفنون في مقابر المسلمين تعليناً بحكم الإسلام وتجعل الأم كأنها [312 أ/3] صندوق الولد وهو الأصح عندي.
وروي أن نصرانية ماتت وفي جوفها ولد مسلم "فأمر عمر رضي الله عنه بدفنها في مقابر المسلمين.
الذمي إذا مات ولا مال له ولا قرابة هل يكفن من بيت المال؟ وجهان: أحدهما لا يكفن، والثاني: يكفن كما يطعم إذا جاع.
فَرْعٌ آخرُ
إذا لمس الرجل امرأة بعد غسلها أو غسل الميت فلمسته المرأة ففيه ثلاثة أوجه مخرجة مما لو خرج من الميت حدث بعد الغسل.
مسألة: قال: ويغسل السقط ويصلى عليه إن استهل.
الفصل
وهذا كما قال: إذا ألقت المرأة جنينها فاستهل صارخاً، ثم مات فإنه يغسل ويصلى عليه ويدفن كالتكبير، وبه قال عامة العلماء، وقال سعيد بن جبير: لا يصلى على الميت غير البالغ، لما روت عائشة أن إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - مات وكان ابن ثمانية عشر شهراً فلم يصل عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أورده أبو داود.
ولأن هذا لا يحتاج إلى الشفاعة لأنه لا ذنب له والصلاة شفاعة.
وقال بعض العلماء: كان قد صلى عليه وإلا فلا.
وهذا غلط لما روى جابر وابن عباس رضي الله [312 ب/3] عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا استهل السقط صلي عليه"، وروي "وروث" وروى المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يصلى على المولود"، وروي "على السقط"، ويدعى لوالديه بالمغفرة والرحمة ولأنه ثبت له أحكام الدنيا فأشبه البالغ.
الجزء: 2 - الصفحة: 559
وأما خبرهم قلنا: روى عبد الله بن أبي أوفى أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى عليه.
وروى عطاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على ابنه إبراهيم" أورده أبو داود، وقال الخطابي: وهذا أولى وإن كان مرسلاً وقيل: إن الشمس كسفت يوم وفاته فاشتغل بصلاة الكسوف عن الصلاة عليه وأمر من يصلي عليه.
وقيل: إنه استغنى بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قربة الصلاة كما يستغنى الشهيد بقربة الشهادة عن الصلاة عليه، وهذا ليس بشيء، وأما قولهم: إنه لا ذنب له يبطل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - والمجنون.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: صلى على المنفوس، ثم قال: "اللهم أعذه من عذاب القبر"، وروى البراء بن عازب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن أحق ما صليتم عليه أطفالكم" وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [313 أ/3] "صلوا على أطفالكم فإنهم أفراطكم"، وروى ابن عباس: لما مات إبراهيم صلى عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "إن له مرضعاً يرضعه في الجنة، ولو عاش لعتقت أخواله القبط وما استرق قبطي"، وإن لم يستهل صارخاً ينظر، فإن بانت فيه الحياة مثل إن اختلج أو تحرك أو تنفس فهو بمنزلة الاستهلال يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلى عليه إلا أن يطول ذلك ويتيقن حياته، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يشترط الاستهلال، وهذا غلط، لأنه ظهرت فيه علامات الحياة فتجب الصلاة عليه كما لو استهل، وإن لم تبن فيه آثار الحياة فإن كان له دون أربعة أشهر لا يصلى عليه ولا يغسل، ويلف في خرقة ويدفن، وإن كانت له أربعة أشهر فأكثر، وقد تخلق وتصور ولكنه لا روح فيه بحال فلا بد من الكفن والدفن قولاً واحداً.
وأما الغسل والصلاة قال البويطي: لا يغسل ولا يصلى عليه وقال في "الأم" و "القديم": يغسل ويكفن ولم يذكر الصلاة.
وقيل: ذكر في "القديم": ويصلى عليه وقال أبو حامد: قرأت القديم كله فما رأيت هذا، وقال القاضي الطبري: قال في كتبه الجديدة: يغسل السقط ويصلى عليه إن استهل أو استكمل [313 ب/3] أربعة أشهر، فإنه أول ما ينفخ الروح، فصح القولان، وهذا أشهر.
أحدهما: يصلى عليه [لحديث] المغيرة بن شعبة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا بقي الولد في بطن أمه أربعة أشهر نفخ فيه الروح" ولأنه ثبت له حكمة الحي بوجوب الغرة فيه.
والثاني: لا يصلى عليه لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرط الاستهلال وهذا لم يستهل، ولأنه لم يثبت له حكم الدنيا، لأنه لا يرث ولا يورث ولا يصلى عليه.
فإذا قلنا: يصلى عليه
الجزء: 2 - الصفحة: 560
غسل، وإذا قلنا: لا يصلى عليه هل يغسل؟ قولان:
أحدهما: لا يغسل كالشهيد.
والثاني: يغسل نص عليه في "الأم"؛ لأن حكم الغسل أوسع، لأن الكافر يغسل ولا يصلى عليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قول واحد يغسل وفيه قول مخرج وهذا غلط لما ذكرنا من النص في البويطي.
وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه، فإذا قلنا: بهذا تكفيه خرقة تواريه، لأنه لم يثبت له حكم الأحياء.
فَرْعٌ آخرُ
إذا بلغت البنت حذا شهر لا يغسلها إلا النساء، وقيل: ذلك يغسلها الرجال أيضاً.
فَرْعٌ آخرُ
لو تحرك ولم يستهل ولم تعلم حياته بالحركة
قال بعض أصحابنا [314 أ/3] بخراسان: فيه قولان: أحدهما: الحركة هي علامة الحياة كالاستهلال فحكمه حكم الكبير.
والثاني: لا يثبت بها حكم الحي لأن الحي قد يختلج بعد الموت ويضطرب فلا حكم له، وقيل: هذا يغسل قولاً واحداً وهل يصلى عليه: قولان وليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولا بأس أن يدفن الميت ليلاً، ويستحب أن يدفن نهاراً وقال الحسن: يكره وهذا غلط لما روي أن مسكينة امرأة سوداء كانت تقم المسجد فتوفيت ودفنت ليلاً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا آذنتموني بها" فقالوا: كرهنا أن نوقظك وحقروا شأنها.
فقال: "دلوني على قبرها" فدلوه فصلى على قبرها.
وقوله: تقم أي: تكنس وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دخل قبراً ليلاً فأسرج له بسراج فأخذ من قبل القبلة، وقال رحمك الله، وقال: إن كنت لأواها تلاء للقرآن وكبر عليه أربعاً"، وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه دفن ليلاً وقالت عائشة رضي الله عنها: توفي أبو بكر ليلة الثلاثاء فما أصبحنا حتى دفناه.
وروي أنه دفن يوم الثلاثاء.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يكره الذبح عند الميت بدليل ما روى أنس أن [314 ب/3] النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
الجزء: 2 - الصفحة: 561
"لا عقر في الإسلام".
وأراد أن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك يعقرون الإبل عند قبر الميت الجواد، يقولون: تجازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها عند قبره ليأكلها السباع والطير فتكون مطعماً بعد مماته كما كانت مطعماً في حياته، ومنهم من قال: إذا عقرت راحلته عند قبره حشر في يوم القيامة راكباً، وكان هذا على مذهب من يرى البعث بعد الموت، وعندنا في الجبال يذبحون الشياه ويجمعون الناس ويتكلفون في ذلك مع لحوق المشقة بالورثة لفقرهم واحتياجهم، وهذا أيضاً مكروه.
باب الشهيد ومن يصلي عليه ويغسله
مسألة: قال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام.
الفصل
وهذا كما قال.
وجملته أن الشهيد المعروف: هو الذي يقتل في معترك المشركين بغير حق، يدفن بثيابه ودمه، هكذا السنة.
فإن شاء الأولياء بتبديل ثيابهم بأكفان حسنة كان لهم ذلك وهم بالخيار في ذلك لأن ما على بدنه صار ملكهم، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة ومالك: لا تذع عنه ثيابه ويكفن فيها، وهذا غلط لما روي [315 أ/3] أن صفية بنت عبد المطب أنفذت ثوبين ليكفن بهما حمزة رضي الله عنه، فوجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً فعل به مثل ما فعل بحمزة فكفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثوب وكفن حمزة في ثوب؛ ولأن الكفن لا يتعين كما في غير الشهيد ولا يغسل هذا الشهيد ولا يصلى عليه عندنا، وبه قال الأوزاعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة والثوري: إنه لا يغسل واختاره المزني، وروي ذلك عن ابن محمد رضي الله عنه، واحتج بما روى شداد بن الهاد أن رجلاً من الأعراب جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - واتبعه، وقال: أهاجر معك؟ فأوصى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - به بعض أصحابه ثم غزا معه غزوة غنم فيها فقسم له، فقال يا رسول الله: ما هذا؟ قال: "قسمت لك"، فقال ما على هذا اتبعتك، ولكن اتبعتك على أن أرمى هنا وأشار إلى عنقه بهم فأموت فأدخل الجنة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن يصدر الله تعالى يصدقه" فلبثوا قليلاً ثم نهضوا إلى العدو فحمل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك الأعرابي وقد أصابه سهم حيث أشار إليه بيده فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -[315 ب/3]: "أهو هو" قيل: نعم يا رسول الله فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صدق الله فصدقه" وكفنه النبي - صلى الله عليه وسلم - وقدمه وصلى عليه.
وهذا غلط لما روى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في
الجزء: 2 - الصفحة: 562
شهداء أحد: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة".
وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا، وروى أنس نحو ذلك، وروي أنه قال: "زملوهم بكلوئهم ودمائهم فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماء اللون لون الدم والريح ريح المسك"، فإن قيل: قد روى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين" قلنا: خبر ابن عباس رواه الحسن بن عمارة وهو متروك الحديث، وأنكر شعبة روايته لهذا الحديث أو نحمله على الدعاء لأنها لا تؤخر الصلاة الواجبة ثماني سنين ولا تتكرر الصلاة على الميت، وقال أنس: "لم يصل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أحد من الشهداء غير حمزة"، وقال: لما رأى المثلة به لولا أن صفية في نفسها لتركته حتى تأكله العافية حتى يحشو من بطونها والعافية السباع والطير التي تقع على الجيف فتأكلها فإن قيل: [316 أ/3] إذا سقط الغسل والصلاة وجب أن يسقط التكفين، قلنا: التكفين ضرب من الستر والمواراة، وفي تركه هتك حرمته فلم يسقط كالدفن والغسل للتطهير والصلاة للشفاعة وهو مستغن عن التطهير، لأن السيف قد طهره فلا يحتاج إلى شفاعة أحد.
فرع
لا فرق في الشهيد بين البالغ والصبي، والرجل والمرأة والعاقل والمجنون والحر والعبد.
وقال أبو حنيفة: لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال ولا يحتاج إلى الشهادة، لأنه لا ذنب له وهذا غلط، لأنه مسلم قتل في معترك المشركين فأشبه البالغ وما قاله يبطل بالمرأة.
فَرْعٌ آخرُ
القتل الذي يثبت حكم الشهادة هو أن يقتل المسلم في معترك المشركين بسبب من أسباب قتالهم، مثل أن يقتله المشركون أو يحمل على قوم منهم فيتردى في بئر أو يقع من جبل، أو يسقط من فرسه أو يرفسه فرس غيره، أو يرجع سهم نفسه فيقتله، أو سهم مسلم أخر أو أكرمه الله فقبض روحه في حال اشتغاله بالجهاد فيكون حكم المقتول بسلاح الكافر.
فَرْعٌ آخرُ
لو انكشف الصفان عن ميت من المسلمين فالظاهر أنه مقتول بسبب من أسباب القتال سواء كان [316 ب/3] عليه أثر الدم أو لم يكن حكمه حكم الشهيد، وقال أبو حنيفة وأحمد: إن لم يكن به أثر غسل وصلي عليه وإن كان به أثر فحكمه حكم الشهيد
الجزء: 2 - الصفحة: 563
ثم قال أبو حنيفة: فإن كان به أثر فإن كان قد خرج الدم من عينيه أو أذنيه لم يغسل، وإن خرج من أنفه ذكره أو دبره يغسل وهذا غلط؛ لأن الظاهر أنه مقتول بسبب الحرب فأشبه إذا كان به أثر.
فَرْعٌ آخرُ
لو أسر المشركون رجلاً وقتلوه بأيديهم صبراً ففي غسله والصلاة عليه وجهان:
أحدهما: يغسل ويصلى عليه، لأن خروج روحه لم تكن في المعترك.
والثاني: لا يغسل ولا يصلى عليه لأنه قتل ظلماً بيد المشرك الحربي ذكره في "الحاوي".
فرع
لو كان الشهيد جنباً قال أكثر أصحابنا: لا يغسل ولا يصلى عليه وهو ظاهر المذهب، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد.
وقال ابن سريج: يغسل ولا يصلى عليه وبه قال ابن أبي هريرة وأحمد وهذا غلط لظاهر الخبر الوارد فيه، ولأنه غسل ينوب عند التيمم فيسقط بالشهادة كغسل الميت.
وقال أبو حنيفة: يغسل ويصلى عليه، واحتج بما روي أن حنظلة الراهب قتل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأهله [317 أ/3] "ما شأن حنظلة، فإني رأيت الملائكة تغسله فقالوا: إنه جامع ثم سمع هنة فخرج إلى القتال".
ولأنه غسل واجب فلا يسقط بالموت كغسل النجاسة قلنا: لا حجة في الخبر، لأنه لو كان واجباً لم يسقط بغسل الملائكة، وأما إزالة النجاسة فيه وجهان: ولئن سلمنا فلأنه ليس من جنس الغسل، وغسل الجنابة يشبه بغسل الميت، فإذا سقط غسل الميت سقط الغسل الأخير، ولأن النجاسة ليست من آثار العبادة وهذا هو المذهب والوجه الآخر أنها تراد للصلاة وسقطت بالشهادة.
فرع
قال والدي رحمه الله: ولو قتلت الحائض قبل انقطاع الدم، فإن قلنا: إن الجنب يغسل ففي الحائض وجهان مبنيان على أن الغسل يتعلق برؤية الدم أو بانقطاعه فيه وجهان، والأصح أنه يتعلق بوجوده ويتأخر أداؤه.
فَرْعٌ آخرُ
لو خرج في المعترك وعاش حتى انقطعت الحرب، ثم مات غسل وصلي عليه كغيره من الموتى أكل أو شرب، أو لم يأكل، ولم يشرب، أوصى أو لم يوص، وبه قال أحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان سواء طعم وتكلم أو لم يطعم ولم يتكلم،
الجزء: 2 - الصفحة: 564
وقال أبو حنيفة: إن خرج عن صفة القتلى وصار إلى حالة الدنيا فذلك حكم [317 ب/3] الشهادة مثل أن يأكل أو يشرب أو يوصي وإلا فلا يزول حكمه، ويسمى هذا المرئت، وقال مالك: لا اعتبار بنقض الحرب وإنما يعتبر أن يأكل أو يشرب أو يبقى يومين أو ثلاثة فيغسل ويصلى عليه وهذا غلط؛ لأنه مات بعد تقضي الحرب فلم يثبت له حكم الشهادة كما لو أوصى أو بقي يوماً كاملاً، وإن مات قبل تقضي الحرب فلا يغسل ولا يصلى عليه، وإن كان قد تكلم بعد الجرح أو أكل أو شرب، وقال أبو حنيفة: إن أكل لا يكون حكمه حكم الشهيد هاهنا أيضاً.
واعلم أن المزني نقل لفظاً غير مستقيم، فقال: والشهداء الذين عاشوا وأكلوا الطعام وبقوا مدة ينقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا كغيرهم من الموتى، وقوله في أول المسألة: وأكلوا الطعام مع قوله في آخرها: وإن لم يطعموا متناقض، وكان ينبغي أن يقول: وأكلوا الطعام أو بقوا مدة تنقطع فيها الحرب وإن لم يطعموا حتى يكونا مسألتين.
فرع
قال بعض أصحابنا بخراسان: إذا زاد الولي أو غيره الصلاة على الشهيد هل له ذلك وجهان:
أحدهما: له ذلك؛ لأنا لا نوجب لاشتغالهم بالحرب فيجوز ذلك للفارغ من الحرب [318 أ/3].
والثاني: ليس له ذلك؛ لأن السيف طهره، وهذا أصح عندي والأول ليس بشيء.
فَرْعٌ آخرُ
سائر الشهداء بغير سبب القتال مثل: المبطون، والغريق، والمحرق، وصاحب الهدم، والمولدة إذا ماتت في الطلق يغسلون ويصلى عليهم، وقال الحسن: إذا ماتت المرأة في النفاس لا تغسل ولا يصلى عليها، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال لا إله إلا الله".
فَرْعٌ آخرُ
إذا قتل في غير المعترك ظلماً حكمه حكم سائر الموتى، سواء قتل بحديد أو غيره وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: إن قتل ظلماً بحديد لا يغسل.
وإن قتل بمثقل غسل؛ لأنه يوجب المال، وهذا غلط لما قال الشافعي وعمر رضي الله عنهما: كان شهيداً لكنه غسل وصلي عليه، لأنه لم يقتل في معترك الكفار، ولم ينكر أحد فصار إجماعاً، وقال الشافعي: الغسل والصلاة سنة، أي شريعة وطريقة لا يخرج إلا من أخرجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخرج عن جملتهم المقتول في معترك الكفار والباقي باق على حكم الأصل.
الجزء: 2 - الصفحة: 565
فرع
إذا خرج قوم من المسلمين على الإمام العادل وقاتلوا، فإن كان المقتول [318 ب/3] من أهل البغي غسل وصلي عليه وبه قال مالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: لا يغسل ولا يصلى عليه عقوبة له، وهذا غلط لأنه مسلم قتل بحق فوجب أن يغسل ويصلى كالزاني والقاتل، وأما قولهم: إنه عقوبة فينبغي أن لا يدفن أيضاً ولا يكفن عقوبة له.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان المقتول من أهل العدل فالمشهور أنه يغسل ويصلى عليه قاله في "القديم"، و"الجايد" وبه قال مالك، وقال في كتاب أهل البغي: لا يغسل ولا يصلى عليه وعن أحمد روايتان.
وقال أبو حنيفة: لا يغسلون واحتج بأن علياً -رضي الله عنه- لم يغسل من قتل معه، وأوصى عمار بن ياسر أن لا يغسل.
ووجه القول الأول أن أسماء بنت أبي بكر غسلت عبد الله بن الزبير ولم يذكر ذلك منكر، وأما ما روي عن علي قلنا: لم ينقل أنه صلى فكل جواب لهم عن الصلاة فهو جوابنا عن الغسل وحديث عمار روينا خلافه.
فَرْعٌ آخرُ
لو قاتل أهل القافلة قطاع الطريق، فإن كان المقتول من قطاع الطريق كان بمنزلة المقتول من أهل البغي، فإن قلنا: إنه يصلب أبداً [319 أ/3] فعل به قبل الصلب وإن قلنا: يصلب ثلاثاً ثم ينزل فبعد الثلاث يغسل ويصلى عليه.
وعند أبي حنيفة لا يغسل ولا يصلى عليه كما قال في الباغي، وإن كان المقتول في القافلة هل يكون بمنزلة الشهيد؟ وجهان بناء على القولين في المقتول من أهل العدل.
فَرْعٌ آخرُ
من قتل قصاصاً أو رجماً بالزنا غسل وصلي عليه، وقال الزهري: لا يصلى عليه، وقال مالك: لا يصلي الإمام ويصلي غيره، وهكذا عنده حكم كل من مات في حد، واحتج بأن ماعزاً لما رجمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليه، قال الزهري: ولم ينقل أنه أمر بالصلاة عليه، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجم الغامدية وصلى عليها.
فقال له عمر: ترجمها وتصلي عليها؟ فقال: لقد "تابت توبة لو قسمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم"، وروي أن علياً رضي الله عنه لما رجم شراحة الهمدانية جاء أهلها إليه، فقالوا: ما نصنع بها؟ فقال: "اصنعوا بها ما تصنعون بموتاكم"، وقال عبد الله بن مسعود أوصاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أن أصبح يوم صومك [319 ب/3] رضياً مرضياً ولا تصبح يوم صومك عبوساً، وأجب دعوة من دعاك من المسلمين وصلي على من مات من أهل قبلتنا، وإن كان مصلوباً أو مرجوماً.
ولأن تلقى بمثل قراب الأرض ذنوباً خير
الجزء: 2 - الصفحة: 566
لك من أن تثبت الشهادة على أحد من أهل القبلة، فإن سألك عز وجل: من أفتاك فأقبل علي، فإذا أقبلت علي أقبلت على الأمين جبريل - صلى الله عليه وسلم - "، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على زانية ماتت هي وابنتها في نفاسها ونقول: على مالك: إذا لم يكره لغير الإمام لا يكره الإمام كما في سائر الموتى.
وأما خبر ماعز فنحمل أنه أمر غيره ويجوز ذلك، ثم يقابل بما روى عمران بن الحصين رضي الله عنه أنه صلى على مرجومة.
فَرْعٌ آخرُ
من قتل نفسه يغسل ويصلى عليه، وقال الأوزاعي: إنه لا يغسل ولا يصلى عليه وكان عمر بن عبد العزيز يكره أن يصلى على من قتل نفسه، وحكي عن أحمد: لا يصلي عليه الإمام ويصلي غيره، واحتج بما روى جابر بن سمرة أن رجلاً قتل نفسه بمشقص وهو نصل عريض، فلم يصل عليه النبي [320 أ/3]- صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لأنه مسلم مقتول في غير معترك الكفار فأشبه إذا قتله غيره، وأما الخبر فنحمله على أنه صلى غيره.
فَرْعٌ آخرُ
إذا مات ولد الزنا فإنه يغسل ويصلى عليه وقال قتادة: لا يغسل ولا يصلى عليه وهذا غلط لما ذكرنا فيما تقدم.
مسألة: قال: وينزع عنه الخف والجلود.
وهذا كما قال: إذا كان على الشهيد آلة الحرب من الجلود والفرو والخف وما لم يكن من عام لباس الناس فإنه ينزع عنه، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال مالك: لا ينزع عن ذلك واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: "ادفنوهم بثيابهم" وهذا غلط لما روى ابن عباس رضي الله عنه أنه أمر في قتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا بدمائهم وثيابهم وهذا أخص مما روي يقدم عليه.
فرع
إذا غرق قوم أو أصابهم هدم أو حريق وفيهم مشركون كانوا أكثر من المسلمين أو أقل غسل الكل وصلي عليهم، وينوي بالصلاة المسلمون منهم، ويقال في الدعاء: اللهم اغفر له إن كان مسلماً.
ويصلى على واحد فواحد أو يقول عنه [320 ب/3] الجمع: اللهم اغفر للمسلمين منهم وبه قال مالك وأحمد وقال أبو حنيفة إن كان عدد المسلمين أكثر صلى عليهم وإن كان أقل سقط الغسل والصلاة، وهذا غلط لأنه اختلط من يصلى عليه بمن لا يصلى عليه فوجبت الصلاة عليه بالقصد والنية إلي المسلمين كما لو كان المسلمون أكثر قال الشافعي: وإذا جاز أن يتثني مشركاً واحداً من مائة مسلم جاز أن يستثني أكثر المائة، قال أصحابنا: وكذلك إذا اختلط الشهيد بغير الشهيد غسل الجميع وصلي عليهم ونوى بالصلاة غير الشهيد.
الجزء: 2 - الصفحة: 567
فَرْعٌ آخرُ
كل من غسلنا كله إذا وجد بعضه غسل ذلك البعض وصلي عليه قليلاً كان أو كثيراً، إذا علم أن صاحبه مات، وهذا بأن يأكله سبع ولم يبق منه إلا هذا القدر، وقال أبو حنيفة ومالك: إن وجد الأكثر صلي عليه وإلا فلا.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال إذا وجد نصفه سواء، فإن قطع عرضاً فوجد النصف الذي فيه الرأس غسل، وصلي عليه وإلا فلا، وإن وجد طولاً لم يغسل واحداً منهما ولا يصلى عليه، وهذا غلط لما روي: أن طائراً ألقى يداً بمكة من وقعة الجمل فعرفت [321 أ/3] بالخاتم، فكانت يد عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد فصلى عليها أهل مكة بعدما غلوها، ولم يذكره واحد من الصحابة، وروي عن أبي عبيدة بن الجراح: أنه صلى على رؤوس قتلوا بالشام من المسلمين، وصلى عمر رضي الله عنه على عظام بالشام.
وقال الشعبي: بعث عبد الملك بن مووان برأس ابن الزبير إلى أبي حازم فكفنه وصلى عليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو وجد شعره أو أظفاره لا نص فيه، وقال بعض أصحابنا: لو قلنا: يغسل ويصلى عليه جاز لأنه جزء منه، والمذهب أنه لا يصلى عليه ولا يغسل، لأنه لا حرمة له كحرمة الأعضاء وبيان تعبداً.
فَرْعٌ آخرُ
لو كان هذا في دار الإسلام ولا نعرف أنها يد مسلم أو يد كافر غسلت، وصلى عليها، لأن الظاهر بالدار الإسلام.
فرع
اختلف أصحابنا أنه كيف سوى على وجهين: أحدهما: ينوي الصلاة على ما وجب بعد غسل العضو وتكفينه، فإن لم يكفنه جاز إلا أن يكون العضو من عورة الميت فلا بد من تكفينه ودفنه بعد الصلاة عليه.
والثاني: ينوي بالصلاة عليه جملة الميت لأن حرمة العضو [312 ب/3] لزمت كحرمة جملته، إلا أن يعلم أن جملة الميت قد صلي عليها فتختص الصلاة بالعضو الموجود وجهاً واحداً.
ذكره في "الحاوي".
فرع
العضو المقطوع من الحي مثل يد السارق ونحوه لا يغسل ولا يصلى عليه، لأنه انفصل من جملته فلا يصلى عليها.
ذكره جميع أصحابنا، وقال في الحاوي: فيه وجهان: أحدهما: يغسل ويصلى عليه كما على عضو الميت وهذا غريب.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت نصرانية وفي جوفها ولد مسلم وقد تحقق ذلك قال القاضي الطبري: إن قلنا بقوله القديم: إن السقط الذي لم يستهل يصلى عليه، فهاهنا يصلى عليها، وينوي بالصلاة الولد الذي في جوفها.
الجزء: 2 - الصفحة: 568
باب حمل الجنازة
مسألة: قال: روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أنه حمل جنازة سعد بن معاذ بين العمودين".
وهذا كما قال: القصد من هذا الباب كيفية ما يستحب حمل الجنازة وإن حملها بين العمودين عند كثرة الناس مستحب وهو الأفضل من حملها من الجوانب الأربعة، وقال أحمد: التربيع أفضل، وقال النخعي والحسن وأبو حنيفة والثوري: يكره الحمل [322 أ/3] بين العمودين وروي عن الشافعي أنه قال: لم يرض أبو حنيفة إن حمل ما كان ينبغي أن يعلم حتى غاب على فعل وعلم، وقال مالك: التربيع وبين العمودين سواء، واحتج بما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إذا اتبع أحدكم جنازة فليأخذ بجوانب السرير الأربعة، ثم ليتطوع بعد أو ليذر" فإنه من السنة، وهذا غلط لما ذكرنا من حديث سعد بن معاذ.
وروي عن عثمان رضي الله عنه أنه حمل سرير ابنه بين العمودين، وعن سعد بن أبي وقاص أنه حمل سرير عبد الرحمن بن عوف بين العمودين، وعن أبي هريرة أنه حمل سرير سعد بن أبي وقاص كذلك، وحمل ابن الزبير سرير المسور بن مخرمة، وأما ما رووه رواه أبو عبيدة عن أبيه، ولم يلقه ثم نحمله على الجواز، وقال بعض أصحابنا بخراسان: ذكر الشافعي هذه الأخبار لا لأنه أولى من الحمل بين الجوانب، ولكن ليتبين الجواز، فإن أبا حنيفة ينكره ويقول: ليس بشيء.
وقيل: الأفضل الجمع بين العمودين والتربيع تارة تارة، فإن أراد الاقتصار بالحكم على ما ذكرنا، وقال المزني: أرى أن الأولى من مذهب الشافعي أن يدخل بين العمودين وليس كذلك؛ بل الأولى [322 ب/3] أن يجعل أحد العمودين على منكبه، فإن كثر الناس فلا بأس أن يدخل بين العمودين، فإذا تقرر هذا، فيكفيه حملها بين العمودين أن ينتصب رجل أمامها ويأخذ عموديها بيديه، والجنازة كأنها على كاهله، يعني ما بين العمودين وينتصب وراءها رجلان فيأخذ كل واحد بعمود واحد فيكون محموله بثلاثة، فإن ضعف الأول فمشى تحت الجنازة من يعينه فلا بأس، وإنما قلنا في المؤخر: يحتاج إلى رجلين لأنه لو أدخل رأسه تحت الجنازة لم ير بين يديه ولا يمكن الشيء وإن جعل وجهه إلى ورائه لا يمكن المشي أيضاً.
وقال بعض أصحابنا: يجعل العمودين على عاتقيه وليس هذا باختلاف، بل إن أمكن هذا فعل وإن لم يمكن، فإن كانت الجنازة عريضة واسعة فعل ما ذكرنا أولاً، وقال بعض أصحابنا: فإن لم يمكنه ذلك جعل واحد الخشبة المعترضة بين العمودين من مقدم الجنازة على كاهله ويأخذ آخران العمودين فيحصل الحمل بخمسة ويكون الحاملون في الحملة وتران.
قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مراد الشافعي في كل حال.
وأما صورة الحمل على التربيع لمن أراد التبرك بحمل الجنازة من جوانبها كلها [323 أ/3] هو ما قال في
الجزء: 2 - الصفحة: 569
"الأم": يضع بأسرة السرير المقدمة على عاتقه الأيمن، لان فيه يمين الميت ويمين الحامل وقد قال - صلى الله عليه وسلم - "ابدؤوا بميامنكم" ثم ياسرته المؤخرة على هذا العاتق أيضاً، وأراد يسلم ياسرته المقدم إلى غيره ويتقدم فيأخذ ياسرته المؤخرة ثم يأخذ يامنة السرير المقدمة ويضعها على عاتقه الأيسر أي يسلم ياسرته المؤخرة إلى غيره وتتقدم الجنازة فتتحول إلى اليامنة فيأخذ يامنته المقدمة، ثم يسلمها إلى غيره ويتأخر فيأخذ يامنته المؤخرة، وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وقال إسحاق: يدور عليها، فيأخذ بعد ياسرة المؤخر يامنة المؤخر، ثم يامنة المقدم، وروي مثل ذلك عن ابن مسعود وابن عمر وسعيد بن جبير والثوري رضي الله عنهم وروي ذلك عن أحمد لأنه أخف وهذا غلط لأنه أحد الجانبين فوجب أن يبدأ المقدمة كالجانب الأيسر، فإن ثقل عن أن يحمل أربعة أدخلوا تحت السرير عموداً فيصير من يحمله سبعة، وإن أدخلوا عمودين صار من يحمله ثمانية، وعلى هذا ذكره في "الأم" ثم بين أنه إذا كثر الزحام وشق عليه أخذ الجوانب وأحب أن يترك بالحمل ماذا يفعل فقال: إن كثر الناس [323 ب/3] أحببت أن يكون أكثر حمله بين العمودين.
فرع
حمل الرجال والنساء في ذلك سواء لا يختلف، ولا تحمل النساء الميت ولا الميتة.
فَرْعٌ آخرُ
يختار للنساء إصلاح النعش كالقبة على السرير لما فيه من الستر والصيانة، وهو الذي يسمى في وقتنا المكية، وقيل: أول جنازة وضع النعش عليها جنازة فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك أنه لما حضرتها الوفاة قالت: إني لا أحب أن يراني الرجال، فقالت لها أم سلمة أو أسماء: إن بالحبشة نعوشاً للنساء فاتخذوا لفاطمة النعش وقيل: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع النعش على ابنته التي ماتت في حياته، وأمر بذلك وأيهما كان فهو سنة.
وقيل: الأصل فيه أن زينب بنت جحش زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ماتت في خلافة عمر بن الخطاب وكانت خليقة ذات جسم، فلما أخرجوها رأى الناس جثتها فاشتد ذلك علي عمر، فقالت أسماء بنت عميس: قد رأيت في بلاد الحبشة نعوشاً لموتاهم فعملت نعشاً لزينب فلما عمل، قال عمر رضي الله عنه: نعم جفا الظعينة، وعندي هذا أصح.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": ويحمل الميت على السرير وهو [324 أ/3] الجنازة التي لها في كل رأس عمودان، فإن تعذر ذلك حمل على لوح، وفي محمل فإن كان في موضح عجلة حاجة أو خيف عليه التغير قبل أن يهيأ له ما يحمل عليه حمل على الأيدي والرقاب.
الجزء: 2 - الصفحة: 570
فَرْعٌ آخرُ قال الشافعي: وليس في حمل الجنازة دناءة ولا إسقاط مروءة بل ذلك مكرمة وثواب وبر، وهو فعال أهل الخير قد فعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم الصحابة ثم التابعون.
باب المشي بالجنازة
مسألة: قال: والمشي بالجنازة هو الإسراع.
الفصل
وهذا كما قال: يستحب الإسراع بالجنازة وهو فرق سجية المشي لا الإسراع الذي يشق على ضعفه الناس ممن يتبعها، إلا أن يخاف بغيرها أو إنجاسها فيسرعوا بها ما قدروا وزادوا في الإسراع، وهذا لأن عادة الحي إذا دعاه السلطان أن يبادر إليه مسرعاً، وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أسرعوا بالجنازة فإن كانت خيراً فإلى خير تقدمونها، وإن كانت شراً فشر تضعونه عن رقابكم".
وقد روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المشي [324 ب/3] مع الجنازة فقال: "ما دون الخبب" وإن خيف من الإسراع الانبجاس والتفجر لعلة كانت من الطاعون أو غيره فالأفضل التأني به والمشي على ما فيه الاحتياط.
مسألة: قال: والمشي أمامها أفضل.
وهذا كما قال: عندنا الأفضل المشي أمامها، ولا خلاف أنه يجوز خلفها وأمامها وعن جانبيها.
وروي ذلك عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن عمر وأبي هريرة والحسن بن علي وابن الزبير وأبي قتادة والقاسم بن محمد وشريح وسالم والزهري، وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد ومالك، وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل.
وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وسعيد بن جبير والأوزاعي وإسحاق، وقال الثوري: إن كان راكباً مشى خلفها، وإن كان ماشياً مشى كيف ما أراد وبه قال أنس رضي الله عنه، واحتجوا بما روي عن أبي سعيد الخدرى قال: سألت عليا رضي الله عنه فقلت: أخبرني.
يا أبا الحسن عن المشي مع الجنازة فقال: فضل الماشي خلفها على الماشي قدامها كفضل المكتوبة على التطوع.
فقلت: تقول: هذا برأيك [325 أ/3] أو سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: لا بل سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا غلط لما روي عن سالم بن عبد الله عن أبيه قال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يمشون أمام الجنازة، وقال الزهري: وأخبرني سالم أن أباه كان يمشي أمام الجنازة وروي ويقولون: هذا أفضل، ولأنهم شفعاء للميت فينبغي أن يتقدموا المشفوع له، وأما خبرهم فلم يذكره أصحاب الحديث وقالوا:
الجزء: 2 - الصفحة: 571
هو ضعيف، وقد نقل عن الحسن بن علي خلافه، ثم نحمله على من تقدمها وتبعها إلى موقع الصلاة أو الدفن وهكذا الجواب إذا رووا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الجنازة متبوعة ولا تتبع ليس منا من تقدمها".
فرع
المستحب والأكمل أن يمشي قدامها قريباً منها، فإن تقدم وجلس قبل أن يؤتى بالجنازة فلا بأس ذكره في "الأم" وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يكره له ذلك ولا يجلس حتى يوضح وبه قال الثقفي والنخعي وروي عن أبي حنيفة [325 ب/3] لا يجلس حتى يوضع في اللحد، وهذا غلط لما روي عن ابن عباس وعبيد بن عمير رضي الله عنهما أنهما مشيا أمام الجنازة فتقدما وجلسا يتحدثان فلما جازت بهما قاما، وروي عن عبادة بن الصامت قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يجلس حتى يوضح في اللحد، ثم نسخ ذلك فقعد وأمر بالقعود وروي أنه قيل له: إن اليهود يفعلون ذلك فجلس وقال: "خالفوهم".
فرع
قال: إذا مرت الجنازة بقاعد لا يقوم لها، بل يستحب له أن يدعو ويقول: لا إله إلا الله الحي الذي لا يموت، وقال في "الأم": لا يقوم للجنازة من يشهدها والقيام لها منسوخ، وعن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقوم، ثم جلس وأمر بالجلوس، ومن أصحابنا من قال: يستحب القيام لها، وإذا كان معها فلا يقعد حتى توضع الجنازة، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعد حتى توضع" ولا يكره ترك القيام ولا الجلوس قبل وضعها وهذا خلاف النص الذي ذكرنا.
وروي أن الحسن بن علي رضي الله عنهما مرت به جنازة فقام [326 أ/3] أصحابه فقال: ما لكم قمتم إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تأذياً بريح اليهود.
وقال جابر: إنما قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من نتن ريحها فإنها كانت جنازة يهودي، وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: لا بأس بالقيام والقعود أحب إلي لأنه الآخر من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي عن ابن مسعود البدري وجماعة أنه يجب القيام لها إذا مرت به لما روى عامر بن ربيعة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا لها حتى تخلفكم أو توضع"، وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا فمن تبعها فلا يقعدن حتى توضع عن أعناق الرجال"، وهذا صار
الجزء: 2 - الصفحة: 572
منسوخاً على ما ذكرنا وحكي عن أحمد أنه قال: إن شاء قام، وإن شاء لم يقم، لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه قام ثم قعد" وهكذا قال إسحاق.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب أن لا يركب ويكره الركوب لما روي عن ثوبان قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في جنازة فرأى ناساً ركباناً فقال: "ألا تستحيون إن ملائكة الله على أقدامهم [236 ب/3] وأنتم على ظهور الدواب"، وروى جابر بن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "اتبع جنازة أبي الدحداح ماشياً ورجع على فرس".
فرع
يكره للمسلم إتباع جنازة أقاربه من الكفار، ويستحب إتباع جنازة المسلم لما روي عن البراء بن عازب قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بإتباع الجنازة وعيادة المريض وتشميت العاطس وإجابة الداعي ونصر المظلوم".
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تبع جنازة وحملها ثلاث مرات، فقد قضى ما عليه من حقها" وقال أنس رضي الله عنه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعود المريض ويشهد الجنازة، ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد".
باب من أولى بالصلاة على الميت
مسألة: قال: والولي هو أحق بالصلاة عليه من الوالي.
وهذا كما قال: إذا لم يكن هناك مناسب فالوالي أحق بالصلاة إذا حضر، فإن حضر المناسب دون الوالي كان المناسب أولى، وإن اجتمعا معاً فالمذهب الذي نص عليه في القديم، والجديد أن المناسب أولى، وبه قال مالك، وقال في موضع من القديم: الوالي أولى به وبه قال أبو حنيفة وأحمد [327 أ/3] وإسحاق ويحكى عن مالك أيضاً، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وقد قال أبو حنيفة: إمام الحي والمحلة أولى قياساً على سائر الصلوات، وأشار الشافعي إلى الفرق بينهما فقال: لأن هذا من الأمور العامة، واحتجوا بما روي عن أبي حازم قال: شهدت حسيناً حين مات الحسن رضي الله عنه وهو يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول: تقدم فلولا السنة ما قدمتك، وسعيد كان أمير المدينة.
قلنا: يحتمل أنه أراد بذلك إطفاء النايرة وتسكين
الجزء: 2 - الصفحة: 573
الفتنة وهو من السنة.
مسألة: قال: وأحق قرابته الأب ثم الجد.
الفصل
وهذا قال.
الكلام الآن في ترتيب المناسبين فالأب أولى من كل أحد، ثم الجد أبو الأب، ثم الابن، ثم ابن الابن على ترتيب العصبات، وقال مالك: الابن أحق من الأب، لأن الابن أقوى تعصيباً من الأب، وهذا غلط لأنهما في الإدلاء سواء، فإن كل واحد منهما يدلي نفسه إلى الميت ودعاء الأب أرجى للإجابة، فإنه أحن وأرق وأشفق، فكان بالصلاة أولى والجد أولى من الأخ، وقال مالك: [327 ب/3] الأخ أولى من الجد، لأنه يدلي بالبنوة والجد يدلي بالأبوة، والبنوة عنده أولى من الأبوة، وهذا غلط لما ذكرنا.
والأخ من الأب والأم هو أولى من الأخ للأب.
قال في أكثر كتبه: وقال بعض أصحابنا فيه قول أخر: إنهما سواء ذكره القاضي أبو حامد "صاحب الإفصاح" واختلف أصحابنا فيه على طريقين، فمنهم من قال فيه قولان: كما في ولاية النكاح، هل يقدم الأخ من الأبوين على الأخ من الأب؟ قولان.
لأنه لا مدخل للنساء فيها فلم يكن لقرابة الأم في ذلك تأثيراً كما لا مدخل للنساء في ولاية النكاح، ولا يقدم الأخ من الأب والأم فيها في قول، ومن أصحابنا من قال قول واحد: يقام هاهنا الأخ من الأبوين، لأن النساء تدخل في الصلاة على الميت عند الانفراد أو عند الائتمام ولها الإمامة بالنساء فيها، ولا مدخل لهن في ولاية النكاح أصلاً.
قال القاضي الطبري: هذا ليس بمشهور، لأن الشافعي قال: تصلي النساء إذا لم يكن الرجال، فلم يجعل لهن مدخلاً إلا لضرورة، وقال القفال: الأشبه بالمذهب هذا، لأن لمن يدلي بالنساء مدخلاً فيها كالخال والأخ من [328 أ/3] الأم، وهذا غلط، لأنه لا ولاء به للأخ من الأم، ولا للخال فيها ذكره أهل العراق أجمع.
فإذا قلنا: هما سواء فأولادهما سواء، وإذا قلنا: يقام ذو القرابتين فابنه مقدم ثم العم إن لم يكن له أخ، وهل يقدم العم للأب والأم على العم من الأب؟ على الطريقين وكذلك إذا اجتمع أبناء عم أحدهما أخ من الأم هل يقدم على الطريقين أيضا؟ فإن لم يكن أحد من العصبات فالمولى المعتق كقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب".
مسألة: قال: فإن اجتمع له أولياء في درجة واحدة فأحبهم إلي أسنهم.
وهذا كما قال.
إذا اجتمع جماعة من الأولياء في درجة واحدة كالإخوة وبني الإخوة ونحوهم وتشاحوا قدم الأسن، وفي الإمامة في سائر الصلوات قدم الأقرأ والأفقه على المسن، والفرق أن القصد من سائر الصلوات حق الله تعالى فتقام فيها الأعلم والقصد
الجزء: 2 - الصفحة: 574
من صلاة الجنازة حق الميت والدعاء له، فكان الأشفق أولى بالإجابة، والأشفق هو الأسن ودعاؤه أرجى، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله تعالى يستحيي أن يرد دعوة ذي الشيبة [328 ب/3] المسلم.
ومن أصحابنا من قال هاهنا أيضاً: يقدم الأفقه والأقدر على الأسن كما في سائر الصلوات وهو ضعيف.
وقال بعض أصحابنا بالعراق: نص في سائر الصلوات أنه يقدم الفقيه والقارىئ.
ففي كلتا المسألتين قولان: أحدهما: يقدم الأسن في الكل، وهذا غلط ظاهر؛ لأن في سائر الصلوات نص الشافعي أنه يقدم الفقيه والقارئ على الأسن من غير إشكال، فإذا تقرر ما ذكرنا، قال الشافعي: فإن لم يحمد حاله، فأفضلهم وأفقههم.
وأراد فإن كان هذا الأسن فاسقاً أو غير مرض، فإن كان مبتدعاً أو يهودياً أسلم الآن، فحينئذ يقدم أفضلهم وأفقههم، وإن كان شاباً.
وإن استووا بكل حال ولم يترجح بعضهم على بعض، ولم يتفقوا على تقديم واحد أقرع بينهم كما في ولاية النكاح.
فرع
إذا أوصى أن يصلي عليه رجل بعينه من غير أوليائه.
روي عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن سيرين وأحمد: أنه أحق بالصلاة عليه من الولي والوالي وهو قياس قول مالك لأنه [329 أ/3] حقه تنفذت فيه وصيته وعندنا الولي أولى؛ لأنه حق الولي، ولا تنفذ وصيته لانقطاع ولايته ويدخل به النقص على وليه كما يقول في ولاية النكاح.
مسألة: قال: والولي الحر أولى من الولي المملوك.
وهذا كما قال: إذا كان له وليان في درجة وأحدهما عبد والأخر حر، فالحر أولى بالصلاة من العبد، لأن للحر ولاية وليست للعبد ولاية، فكان من له الولاية أولى كالقريب والأجنبي، وعلى هذا قال أكثر أصحابنا: وإن كان العبد أقرب درجة فالولي الحر، فإن كان العبد فالعم الحر أولى من الأخ المملوك وهو مراد الشافعي لما ذكرناه أنه لا ولاية للعبد أصلاً.
فإن قيل: فلم سماه الشافعي ولياً؟ قلنا: هذا من كلام المزني والشافعي قال: والحر أولى من المملوك أو سماه ولياً بمجاز الوجود.
والسبب الذي يستحق به الولاية فيه، وليس هذا هو بولي حقيقة.
ومن أصحابنا من قال: أراد الشافعي عند استوائهما في الدرجة، فإذا كان العبد أقرب فيه قولان مخرجان، والأول أصوب، وهو اختيار القفال.
فرع
قال الشافعي: ولا بأس [329 ب/3] بصلاة المملوك على الجنازة؟ لأن الفريضة
الجزء: 2 - الصفحة: 575
والنافلة تجوز خلفه، وكذلك الصبي الذي يعقل الصلاة.
فَرْعٌ آخرُ
وقال والدي رحمه الله: لو صلى الصبيان على الميت، هل يسقط الفرض بصلاتهم؟ ينبغي أن لا يسقط، لأنه لا مدخل للصبي في فرض الكفاية فلا يسقط بفعله الفرض، وهذا كما لو سلم وجل على وجل فرد عليه غيره جواب السلام، لم يسقط عنه الفرض، لأن الراد لم يدخل في الفرض، ويحتمل أن يقال: يسقط الفرض بصلاته، لأنه لو صلى في أول الوقت ثم بلغ في أخر الوقت، فإنه لا تلزمه الإعادة على الصحيح من المذهب.
فَرْعٌ آخرُ
قال: إذا حضر صبي ولي أو غير ولي مع نسوة نقلاه سواء كان الميت رجلاً أو امرأة فهو أحق بالصلاة من النساء إذا عقل الصلاة، وإن لم يبلغ مملوكاً أو غير مملوك يقدم الصبي والرقيق على النساء، وإنما قدم لأنهما قد استويا في عدم الولاية، وانفرد هو بالذكورة، ولو اجتمع مملوك بالغ وصبي فالمملوك أولى، لأنه مكلف وتجوز إمامته إجماعاً بخلاف الصبي.
فرع
لو لم يكن هناك مملوك [330 أ/3] ولا صبي يعقل، صلت النساء على الميت صفاً منفردات، فإن أمتهن إحداهن قامت وسطهن، لم أر بذلك بأساً، فلم تجز صلاتهن إلا عند الضرورة، ولم يستحب لهن الجماعة في صلاة الجنازة، قال: ولو حضر الرجال بعد لا يلزمهم إعادة الصلاة.
وقال أبو حنيفة: يصلين جماعة لأنهن من أهل الجماعة.
وهذا غلط، لأن النساء لم يسن لهن الصلاة على الجنازة، فلم يشرع لهن الجماعة بخلاف سائر الصلوات.
فرع
قال في "الحاوي": تصلي النساء على المرأة، لأنه يجوز أن تتقدم النساء على النساء إذا لم يكن هناك رجال، وإنما: نص الشافعي أنهن يصلين فرادى بغير إمام في جنازة الرجال.
فَرْعٌ آخرُ
قال: وسنة وسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الموتى والأمر المعلوم بعده إلى اليوم أن يصلى عليهم بإمام ولو صلي عليهم أفراداً أجزأهم إن شاء الله قد صلى الناس على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفراداً لا يؤمهم أحد، وذلك لعظم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأبي هو وأمي، وتنافسهم لئلا يتولى الإمامة في الصلاة عليه واحد.
ومن [330 ب/3] أصحابنا من ذكر وجهاً يجب فيها جماعة وهو ضعيف.
فَرْعٌ آخرُ
فرض الكفاية في صلاة الجنازة لا يقع بأقل من ثلاثة إذا وجدوا، لأن الشافعي قال
الجزء: 2 - الصفحة: 576
في "الأم": لو صلى الإمام عليها وهو غير متوضئ، ومن خلفه متوضئون تجوز صلاتهم، فإن كان كلهم غير متوضئين أعادوا، فإن كان منهم ثلاثة متوضئون جازت فاعتبر أقل الجمع.
وقال المزني في "الجامع الكبير": قال الشافعي: عندي إن صلى واحد أجزأه.
فالظاهر أن المسألة على قولين: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: يكفي أن يصلي عليها واحد، لأنها صلاة ليس من شرطها الجماعة فلم يكن من شرطها العدد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه ثلاثة أوجه: والوجه الثالث: لا بد من أربعة نفر، وهذا ليس بشيء.
فرع
قلت: الأولى كثرة المصلين عليها بالجماعة وأن لا يكون أقل من ثلاثة صفوف لما روى مالك بن هبيرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يموت فيصلي عليه ثلاثة صفوف من المسلمين إلا أوجب".
وكان مالك بن هبيرة إذا صلى على جنازة فاستقل الناس [331 أ/3] جزأهم ثلاثة أجزاء.
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فيشفعوا له إلا شفعوا فيه"، وروي: مائة فما فوقها.
وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه".
وروى أن ابناً له مات بعسفان، فقال لكريب: انظر ما اجتمع له من الناس، فأخبره باجتماع الناس فقال: أربعون؟ فقال: نعم قال: أخرجوه.
فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذكر هذا الخبر.
فَرْعٌ آخرُ
قال في "الأم": وأحب أن تكون الصلاة على الميت صلاة واحدة ولا يحبس بعد الفراغ منها لصلاة من فاتته الصلاة عليه، ويصلي على القبر، اللهم إلا أن يرجى حضور الوالي فلا بأس أن يحبس حتى يحضر ويصلي عليه، وهذا إذا لم يخف التغير.
وأصحابنا لا يختلفون أن من لم يصل عليها يجوز له أن يصلي، وأما من صلى هل يصلي ثانياً؟ وجهان: أحدهما: يستحب أن يصلي مع الجماعة كما في سائر الصلوات.
والثاني: أنه لا يصليها، لأنه لا ينتقل بها وإذا صلى جماعة آخرون ينوون الفرض، لأن [331 ب/3] فعل غيرهم ما أسقط الفرض عنهم، بل أسقط الحرج.
وعند أبي حنيفة لا يصلى عليها إلا مرة واحدة.
الجزء: 2 - الصفحة: 577
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلى على الميت في المسجد.
وبه قال أحمد، وذكر بعض أصحابنا أنه أفضل وهذا ليس بمشهور، وقال في "الحاوي": لا يكره؛ بل يستحب، وقال أبو حنيفة ومالك: تكره الصلاة عليه في المسجد لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له".
أورده أبو داود وهذا غلط لما روي أن سعد بن أبي وقاص لما مات قالت عائشة: أدخلوه المسجد ليصلي عليه، فأنكروا عليها ذلك فقالت: "والله لقد صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ابني بيضاء، سهيل وأخيه في المسجد"، وروي أنها قالت: ما أسرع ما نسيتم، والله ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سهيل ابن بيضاء إلا في المسجد.
وثبت أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما صلى عليهما في المسجد ولم ينكر منكر.
وأما خبرهم فراويه صالح مولى التوءمة وهو ضعيف، ثم أراد به نقصان الأجر، لأن الغالب أن من صلى عليها في المسجد ينصرف إلى أهله ولا يشهد دفنه، وأن من سعى إلى الجبان وصلى عليها حتى يشهد دفنها يكون له قيراطان من الأجر، [332 أ/3] فصار من صلى عليها في المسجد كمن لا أجر له، بالإضافة إلى من صلى عليها في الصحراء.
باب وقت صلاة الجنازة
مسألة: قال: ويصلى على الجنازة في كل وقت.
وهذا كما قال.
لا يكره الصلاة على الجنازة في وقت، ويجوز في جمع الأوقات.
وبه قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة: يكره في ثلاثة أوقات: عند طلوع الشمس، وعند استوائها وعند اصفرارها حتى تغرب، وبه قال الثوري وأحمد وإسحاق، وقال الأوزاعي: يكره فعلها في الأوقات الخمسة المنهي عن الصلاة فيها.
وبه قال ابن عمر وعطاء والنخعي وابن المبارك وقال أبو سليمان: هذا أول الخبر وأنه قول الأكثرين واحتجوا بما روي عن عقبة بن عامر قال: "ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا أن نصلي فيهن أو نقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب"، وقوله: تتضيف أي: تميل وقوله: نقبر فيهن موتانا: أراد الصلاة على الجنازة.
وهذا غلط، لما روي
الجزء: 2 - الصفحة: 578
أن عقيل بن أبي طالب صلى عليه علي رضي الله عنه حين اصفرت الشمس.
وقالت عائشة: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: [332 ب/3] صل على الجنازة أي ساعة كانت.
وروي أن أبا هريرة صلى على جنازة والشمس على أطراف الجدر؛ لأنها صلاة لها سبب فجاز فعلها في الوقت المنهي عنه، كالعصر عند اصفرار الشمس، وأما ... فنحمله على التحري، وعندنا لا ينبغي أن يتحرى بها الأوقات المنهية، ولكن إذا اتفق حضورها في الوقت المنهي جاز فعلها فيه.
وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن تحري هذه الأوقات لصلاة الجنازة وغيرها.
مسألة: قال: وإذا اجتمعت جنائز الرجال.
الفصل
وهذا كما قال: إذا اجتمعت جنائز الرجال والصبيان والنساء فإن لم يكن هناك عجلة فالسنة أن يصلى على كل ميت على الانفراد، وإن كانت هناك عجلة ومبادرة فإنه يصلى عليهم دفعة واحدة، وتقدم المرأة إلى القبلة ثم الصبي ثم الرجل.
فإن كان هناك خنثى فالخنثى يجعل بين المرأة والصبي، فالذي يلي الإمام هو الرجل، ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة كما في صلاة الجماعة، وإنما قدم الصبي على الخنثى لجواز أن تكون امرأة، وقدم الخنثى على المرأة لجواز أن يكون رجلاً.
وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب.
يقدم [333 أ/3] الرجل إلى القبلة ثم الصبي ثم الخنثى، ثم المرأة تلي الإمام كما لو أرادوا الدفن في مكان واحد فإنه يقدم الرجل إلى القبلة.
وهذا غلط لما روى عمار بن ياسر قال: شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وفي الجنازة الحسن والحسين وابن عمر وابن عباس وأبو هريرة وثمانون رجلاً من الصحابة فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الإمام والمرأة وراءه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذه السنة.
وروي عن ابن عمر أنه صلى على تسع جنائز رجال ونساء، فجعل الرجال مما يلي الإمام والنساء مما يلي القبلة.
وأما الدفن قلنا: الفرق هو أن الرجال يلون الإمام في الصلاة، وقرب الإمام أفضل فجعلنا الرجل أقرب إليه والمرأة أبعد منه، وعند الدفن لا يوجد هذا المعنى.
وإنما الفضيلة هناك هي في القرب من القبلة، فقدمنا الرجل إلى القبلة.
وقال المزني هاهنا: والخناثى في معناه يعني في قياس قول الشافعي، ولا معنى لهذا، لأنه نص عليه في "الأم".
فرع
قال القفال: إذا كان هناك جنائز الرجال والنساء والخناثى، يوضع بعضها خلف بعض، فيلي الإمام الرجال واحداً واحداً، ثم الناس واحدة واحدة، وتجعل [333 ب/3]
الجزء: 2 - الصفحة: 579
الخناثى صفاً واحداً لا يوضع بعضهم خلف بعض، لاحتمال أن يكون المتقدم امرأة والمتأخر رجلاً.
وقال أبو حنيفة: تجعل جنائز الرجال صفاً واحداً، ويقف الإمام عند أخرها لتكون الجنائز عن يمينه، وذكر بعض أصحابنا بخراسان كذلك وقال: يوضع رأس كل واحد عند رجل الآخر.
فَرْعٌ آخرُ
لو تشاح ولاة الجنائز صلى ولي الجنازة التي سبقت.
قال في "الأم" والقديم: ثم إن شاء ولاه ما سواها أن يستغنوا بتلك الصلاة فعلوا.
وإن شاء كل واحد أن يعيد الصلاة على ميته فعل.
قال أصحابنا: هذا هو الدليل على تكرير صلاة الجنازة أنه يجور.
وقال بعض أصحابنا: معنى هذا أنه لم يكن ولي المسبوق صلى مع ولي السابق، فإن كان قد صلى لا يجوز له أن يعيد الصلاة: لأن صلاة الجنازة لا يجوز أن يكررها الواحد.
ولعل القائل الأول أراد بما ذكر هذا فإنه محتمل، ولا يحصل الخلاف.
فإن لم يكن أحدهما سابقاً قال أصحابنا: يقرع بينهما فمن خرجت قرعته فحكمه حكم من تقام بالسبق، وإن تشاحوا في المكان فقال كل واحد منهم: جنازتي تلي الإمام، فإن كانوا رجالاً فالسابق أولى، فإن استووا في [334 أ/3] السبق قال الشافعي: قدم أفضلهم إلى الإمام، وإن كانوا رجالاً ونساء فالرجال يلون الإمام سواء سبق النساء أو تأخرن لأن هذا ترتيب الصلاة.
ولو كانوا رجالاً وصبياناً فالسابق أولى.
فإن اختار ولي الرجل أن تكون جنازته خلف الصبي وإلا ذهب به إلى موضع غيره.
فإن قيل: سويتم بين الرجل والصبي هاهنا وقلتم: الصبي والرجل إذا استويا في السبق فإنه يقدم الرجل من غير قرعة، وفي المرأة قدمتم عليها الرجل في كلتا الحالين فما الفرق؟، قلنا: الفرق أن الصبي قد يكون مساوياً للرجل، فيقف مع الرجل في الصف الواحد، فإذا سبق وليه ووضعه بين يدي الإمام لا يجوز تنحيته وإزالته بخلاف المرأة.
فَرْعٌ آخرُ
قال: لو كبر على جنازة تكبيرة أو تكبيرتين، ثم وافت جنازة أخرى فوضعت فرغ من الصلاة على الأولى، ثم استأنف هو أو غيره الصلاة على الثانية، لأنه ما نوى الصلاة على الثانية.
ولو نوى في أثنائها بطلت صلاته، لأن نيته تعينت في الأولى.
فرع
قال والدي رحمه الله: لو يمم الميت عند عدم الماء وصلي عليه، ثم وجد الماء قبل الدفن، يلزمه غسله به.
وهل تلزم إعادة الصلاة؟ وجهان.
وعندي أنه لا يلزم [334 ب/3] غسله كما لا يلزم الصلاة عليه ثانياً في وجه.
الجزء: 2 - الصفحة: 580
فرع
قال والدي رحمه الله: إذا صلي على ميت وحي دفعة واحدة، فإن كان عارفاً بالحال لا تصح صلاته على الميت.
وإن كان عنده أنهما ميتان جازت صلاته على الميت والنية في الحي ملغاة، كما لو صلى العصر قبل وقته وهو عالم بالحال لم تصح، وإن كان عنده أن الوقت داخل صح عن النفل، ويجئ أن يقال: تصح الصلاة في حق الميت عند العلم أيضاً ويفارق مسألة العصر، لأن نية الفرض مضادة لنية النفل، فإذا نواها فيما يعلم أنه نفل كان قاطعاً لاستدامة نية الصلاة التي هو فيها متعمداً، فبطلت عليه كما لو صرف نيته إلى الفرض في صلاة النفل يبطل عن النفل أيضاً، وهاهنا نية الصلاة على الميت فتلغيها وتجوز الصلاة على الميت.
فَرْعٌ آخرُ
وقال أيضاً: إذا صلى على ميتين ثم نوى في أثناء صلاته قطع صلاته على أحدهما دون الآخر، بطلت هذه الصلاة في حق أحدهما، وفي الآخر وجهان: أحدهما: يبطل أيضاً لأنها إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي، كما لو نوى في صلاته إبطال [335 أ/3] إحدى الركعات تبطل كلها.
والثاني: لا تبطل لأنه كان يجوز له في الابتداء أن يصلي على أحدهما دون الآخر، فإذا نوى قطع الصلاة على أحدهما صار كأنه أحرم بالصلاة على أحدهما في الابتداء ويفارق ما ذكر.
ولأنه لا يجوز له في الابتداء أن يحرم بالظهر بنية ثلاثة ركعات، فإذا نوى إبطال ركعة بطل الكل والأول أظهر.
وهذا الفرق يبطل بمن افتتح النافلة ركعتين ثم نوى إبطال إحدى الرطعتين مطلقاً، وإن كان يجوز في الابتداء إفراد إحداهما عن الأخرى.
فَرْعٌ آخرُ
قال أيضاً: إذا صلى على أموات كثيرين دفعة واحدة ولا يعلم عددهم، ولكنه يشاهد لهم صح، لأن المشاهدة هي مغنية عن معرفة العدد، ولو صلى عليهم وعنده أنهم عشرة فإذا هم أحد عشر أعاد الصلاة على جميعهم؛ لأن فيهم من لم يصل عليه بالنية، ويحتمل أن يقال: إنه يعيد على الحادي عشر عينه، وينوي الصلاة على من لم يصل عليه أولًا.
وأصل هذا أنه إذا كان بين يديه أموات فصلى على البعض منهم بغير نية هل تصح أم لا؟ يحتمل وجهين، وإن كان عنده أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم أحد عشر فصلى ثم علم أنهم كانوا عشرة يحتمل وجهين.
أحدهما: لا تصح لأنه نوى فعل [335 ب/3] هذه الصلاة على ميت لم يحضر، ولا نعرفه بوجه أو على معدوم، والنية إذا بطلت في البعض بطلت في الباقي.
والثاني: تصح وهو الأظهر.
فَرْعٌ آخرُ
قال: ولو دخل في صلاة الجنازة وفي الثاني والمصلون عليها كثرة ليس له الخروج قبل إتمامها، لأنها تلزم جميع الناس في الابتداء ما لم يقع الفراغ من بعضهم.
فإذا
الجزء: 2 - الصفحة: 581
شرع فيها لم يجز الخروج من جهة أن تركها في الابتداء لا يسوغ له على كل وجه، لأنه لو لم يحضره غيره يلزمه الحضور وأداء الصلاة، فهو كالجمعة في حق العبد.
فَرْعٌ آخرُ
وقال: لو شرع في صلاة الجنازة بعدما صلى عليها من نية الكفاية، هل له الخروج؟ يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك.
والثاني: ليس له ذلك.
ولهذا أصل وهو أن هذه الصلاة تقع فرضاً أم لا؟ وفيه جوابان، والقياس عندي أنها لا تقع فرضاً، لأن الفرض ما لايجوز تركه على الإطلاق.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى رجل على جنازة وعنده أن الميت الفلاني عليها، ونوى الصلاة عليه ثم ظهر أن الميت الذي هو صلى عليه مات في بلد آخر ودفن فيه أو ذلك هل تصح الصلاة على ذلك أم لا؟ لاعتقاده أن الميت الذي يصلي على هذه الجنازة يحتمل أن [336 أ/3] يقال: يجوز لأن اعتبار عين الميت أولى من اعتبار المكان، لأن العين لا تتبدل والمكان يتبدل كما لو قال: زوجتك ابنتي الصغيرة فاطمة وسامها عائشة وفاطمة اسم الكبيرة، يصح النكاح على الصغيرة؛ لأن الاسم يتبدل بخلاف الصغير.
فرع
إذا صلى على جنازة الرجل وقف الإمام عند صدره، وإذا صلى على جنازة المرأة وقف الإمام عند عجيزتها، وبه قال أحمد وهو اختيار أصحابنا بالبصرة وصاحب "الإفصاح" ولا نص فيه للشافعي.
وقال البغداديون من أصحابنا: يقف عند رأس الرجل وعند عجز المرأة وهو وسطها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهذا أولى عندي.
وقال أبو حنيفة: يقف عند صدر الرجل والمرأة، وقال مالك: يقوم من الرجل عند وسطه ومن المرأة عند منكبها، لأن الوقوف في أعالي المرأة أمثل وأسلم، وروي عن ابن مسعود في الرجل ما قال مالك، وهذا غلط لما روى سمرة بن جندب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "صلى على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها"، وروى أبو غالب عن نافع قال: "صليت خلف أنس بن مالك رضي الله عنه على جنازة عبد الله بن عمير، فقام عند رأسه فكبر أربع تكبيرات ثم [336 ب/3] صلى على امرأة فقام عند عجيزتها فقيل له: هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الجنازة كصلاتك يكبر عليها أربعاً ويقوم عند رأس الرجل وعجيزة المرأة؟ قال: نعم".
وهذا خبر صحيح أورده أبو داود وغيره.
ولأن المرأة تخالف الرجل في موضعها مع الإمام في الصلاة فجاز أن يختلفا هاهنا.
الجزء: 2 - الصفحة: 582
فَرْعٌ آخرُ
يجوز أن يصلي على الميت بالنية، سواء كان الميت في جهة القبلة أو غيرها، فلو صلى أهل العراق على ميت بمكة، أو صلوا على ميت بخراسان جاز، ويكون الاعتماد على النية وصفة الصلاة كأن الجنازة موضوعة بين يديه.
وقال الساجي: سمعت الربيع يقول: مات رجل بالصعيد، فخرج بنا أبو يعقوب البويطي وصلينا عليه فعاب علينا أصحاب مالك فقلنا: السنة معنا.
ولا فرق بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة، تقصر فيها الصلاة أم لا، وقال مالك وأبو جنيفة: لا يجوز ذلك بحال وهذا غلط، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى للناس النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر أربع تكبيرات"، فإن قيل: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مخصوصاً به، فإنه كان في حكم المشاهدة للنجاشي [337 أ/3] وقد روي أنه قد سويت له أعلام الأرض حتى أبصر مكانه، قلنا: هذا تأويل باطل، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل شيئاً من أفعال الشريعة فإنه يلزمنا متابعة والاقتداء به والتخصيص لا يعلم إلا بدليل، وكيف يقال هذا وقد خرج بالناس إلى المصلى فصف بهم وصلوا معه وهم لم يشاهدوه بحال، فإن قيل: النجاشي كان رجلًا مسلماً آمن بنبوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه كان يكتم إيمانه، والمسلم إذا مات وجب على المسلمين أن يصلوا عليه، وكان هو بين ظهراني الكفار ولم يكن بحضرته من يقوم بحقه في الصلاة عليه، فلزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي عليه إذ هو نبيه ووليه وأحق الناس به، قلنا: أبو جنيفة لا يقول بهذا؛ لأنه قال: لو غرق واحد في البحر لا يصلى عليه أصلًا، ولأن النجاشي كان ملك الحبشة ويستحيل أن يسلم هو ولا يوافقه أحد على دينه يصلى عليه إذا مات، وذهب أبو سليمان الخطابي رحمه الله إلى هذا التأويل وقال: إذا مات الآن مسلم ببلد، فإن علم أنه لم يصل عليه لعائق، فالسنة أن يصلى عليه ولا يترك ذلك لبعد المسافة، وإن علم أنه قد صلى عليه لم يصل عليه من كان غائبا عنه وهذا عندي حسن [337 ب/3].
فرع
لو كان الميت في طرف البلد لم تجز الصلاة عليه حتى يحضره، وكذلمك إن كان في أحد جانبي البلد لم تجز حتى يحضره، لأنه يمكنه الحضور من غير مشقة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، وهما كالقولين في حواز تقديم المأموم على الإمام قالوا: وهكذا لو كانت الجنازة موضوعة فصلى أمامها وهي خلفه، هل يجوز؟ وجهان، وهذا غير مشهور.
فَرْعٌ آخرُ
لو صلى على أموات غائبين عن بلده وكان أقرباؤه غابوا عن البلد وماتوا ولا يعرف عددهم، فصلى عليهم دفعة واحدة جاز؛ لأنهم صاروا كالمتعينين بسمة القرابة، وهكذا لو
الجزء: 2 - الصفحة: 583
صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وغسلوا في بلده كذا دفعة واحدة ولا نعرف عددهم جاز أيضاً، لأنهم صاروا كالمعنيين بالإضافة إلى ذلك البلد، ذكره والدي رحمه الله.
فَرْعٌ آخرُ
هل تصج الصلاة على الجنازة في حال حملها قبل أن توضع؟ فيه وجهان، ولو افتتح وهي موضوعة بين يديه فرجعت هل تبطل صلاته؟ وجهان: أحدهما: لا تبطل لأن حكم الاستدامة أضعف، والثاني: تبطل لأنه لا يجوز الافتتاح في هذه الحالة.
باب التكبير على الجنازة
مسألة: قال: [338 أ/3] أخبرنا إبراهيم بن محمد .... الخبر.
وهذا كما قال.
الكلام الآن في صفة صلاة الجنازة، ولا تجوز إلا بطهارة والقيام فيها شرط عند القدرة.
قال في "الأم": لو صلوا جلوساً من غير عذر أو ركباناً أعادوا.
وذكر بعض أصحابنا أن القيام جوازها قاعداً، ولكن لم يجوزوها.
وحكي عن أبي حنيفة أنه لا يلزم القياس فيها ويكبر تكبيرة الإحرام يرفع بها يديه حذو منكبيه، وجملة تكبيراتها أربع تكبيرات لا يزاد عليها ولا ينقص، وكل تكبيرة هي ركن منها، ولهذا قال عمر وابن عمر والحسن بن علي ومحمد ابن الحنفية ويزيد بن ثابت وجابر وأبو هريرة والبراء بن عازب وعقبة بن عامر وعطاء وجماعة الفقهاء.
وقال محمد بن سيرين وأبو الشعثاء وجابر بن زيد: يكبر ثلاثا وروي ذلك عن ابن عباس وأنس رضي الله عنهما ذكره في "الحاوي"، وقال حذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم وابن أبي ليلى يكبر: خمساً وبه قالت الشيعة، وقال ابن مسعود رصي الله عنه يكبر ما شاء من غير حصر وقال: "كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز تسعاً وخمساً وسبعاً وأربعاً" فكبر وما كبر الإمام، وقال إسحاق: يكبر ما يكبر الإمام ولا يزيد على سبع وقد روي [338 ب/3] عن علي رضي الله عنه أنه كبر على أبي قتادة سبعاً وكان بدرياً، وكبر على سهيل بن حنيف ستاً وكان بدرياً، وروى عنه عبد خبر أنه كان يكبر على أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - غير أهل بدر خمساً وعلى سائر الناس أربعاً، وقال ابن سريج: هذا هو من الاختلاف المباح وليس بعضه أولى من بعض وهذا قريب من قول ابن مسعود، قال: وقد روى الكل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال إبراهيم النخعي: اختلفت الصحابة فيه فجمع عمر رضي الله عنه الصحابة فاستشارهم فأجمعوا على أن يكبروا أربعاً، فانعقد الإجماع وزال به ما تقدم من الخلاف، والدليل على ما قلناه ما رواه الشافعي عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى، وأيضاً خبر النجاشي وعثمان بن مظعون وخبر المسكينة التي دفنت ليلًا، وخبر أنس أنه صلى على عبد الله بن عمير بالبصرة.
الجزء: 2 - الصفحة: 584
وروى أبي بن كعب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الملائكة صلت على آدم - صلى الله عليه وسلم - وكبرت أربعاً وقالت: هذه سنتكم يا بني آدم".
وقال أنس رضي الله عنه: صلت الملائكة على آدم وكبرت أربعاً وقالت ما ذكرنا، وكبر الحسن [339 أ/3] بن علي على علي رضي الله عنه أربعاً وقال ابن عباس وابن أبي أوفى رضي الله عنه: آخر ما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر أربعاً، وروي عن إبراهيم النخعي قال: صليت مع ابن أبي أوفى على ابنته فكبر أربعاً، ثم قام حتى ظننا أنه يكبر الخامسة، ثم انصرف فقال: أظننتم أني أكبر الخامسة، لا ولكن هكذا رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صنع، وروى ابن عمر قال: آخر ما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربعاً وكبر أبو بكر على فاطمة أربعاً، وكبر الحسن بن علي على علي أربعاً، وكبر الحسين على الحسن أربعاً، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه أربعاً، وكبرت الملائكة على آدم أربعاً وكبر ابن الحنفية على ابن عباس بالطائف أربعاً.
وروى جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه وصلوا على موتاكم أربعاً"، واحتجوا بما روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يصلي على جنائزنا فيكبر أربعاً، فكبر يوماً خمساً، فسألناه عن ذلك فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر خمساً.
قلنا: ما رويناه هو أولى لكثرة روايتها وصحة أسانيدها وأنها متأخرة أو ما ذكرنا يدل [339 ب/3] على أن ما رووا صار منسوخاً.
فرع
لو كبر الإمام خمساً لا نتابعه في الزيادة، لأنها ليست بمسنونة للإمام، وقال أحمد: يتابعه إلى سبع وهذا غلط، لأنه وافقنا أنها لا تسن للإمام فصار كما لو قنت الإمام في الركعة الأولى فإنه لا يقنت معه.
فإذا تقرر هذا، هل يسلم أو ينتظر سلامه؟ وجهان: أحدهما: يسلم لأنه اشتغل بما ليس من صلاته.
والثاني: أنه ينتظر فراغه ليسلم معه حتى يكون خروجه بخروجه وهو الأشهر، وليس كما لو قام إلى الخامسة لا ينتظر تسليمه، لأن في الأفعال لا يمكن إلا متابعته بخلاف الذكر الزائد، ومن أصحابنا بطبرستان من قال: تبطل صلاة الإمام بالتكبيرة الخامسة، لأن كل تكبيرة هي بمنزلة ركعة من الركعات، ولو زاد ركعة تبطل الصلاة ولو كان ناسياً لا يسجد للسهو، لأنه لا سجود فيه ورأيته عن جماعة من أصحابنا.
مسألة: قال: ويرفع يديِه حذو منكبيهِ.
وهذا كما قال.
المستحب أن يرفع يديه في كل تكبيرة منها، وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنه، وقال أبو حنيفة ومالك والثوري: لا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى، وروي عن عمر رضي الله عنه كان يرفع يديه على الجنازة في كل تكبيرة"،
الجزء: 2 - الصفحة: 585
وروي مثله عن [340 أ/3] الحسن بن علي وأنس رضي الله عنهما، وقال زيد بن ثابت: وقد رأى رجلًا فعل ذلك فقال: أصابه السنة، والسنة أن يقبض بيمينه على شماله، وقال ابن المبارك: لا يقبض بيمينه على شماله فيها.
وهذا غلط لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كبر على جنازة زرفع يديه في أول تكبيرة ووضع اليمنى على اليسرى".
أورده أبو عيسى الترمذي - رحمه الله - وينوي الصلاة على الميت مع التكبير لا قبله ولا بعده، وهل يلزم نية الفرض؟ فيه وجهان كما قلنا في سائر الصلوات والأصح وجوبها، وذكر بعض أصحابنا أنه ينوي الفرض مطلقاً ولا ينوي الفرض على الكفاية، وبه أفتى، ولا يحتمل غيره لأنه إذا اختار أداءها كانت فرضاً في حقه، وإن كانت فرضاً على الكفاية في الجملة.
مسألة: قال: ثم يقرأ بفاتحة الكتاب.
وهذا كما قال.
ظاهر ما قال هاهنا: إنه يبتدئ بعد التكبيرة بقراءة الفاتحة يبتديها ببسم الله الرحمن الرحيم، ولا يأتي بالتعوذ ودعاء الاستفتاح، وبه قال أكثر أصحابنا؛ لأن مبنى هذه الصلاة على الحذف والاختصار، فلا يحتمل التطويل والإكثار.
ومن أصحابنا من قال: يستحب كلاهما ذكره القفال وهو اختيار القاضي الطبري، لأن الذكر المستحب في غير [340 ب/3] صلاة الجنازة إذا وجد محله كالتأمين، ومن قال بالأول أجاب عن هذا، فإن التأمين لا يطول الصلاة بخلاف هذا.
وحكى عن القاضي الطبري أنه قال: عندي لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولكنه يأتي بالتعوذ؛ لأن التعوذ هو من سنة القراءة كالتأمين بخلاف دعاء الاستفتاح فهو مالسورة لا يستحب، فإن أتى بهما جاز وهذا حسن عندي.
وقال صاحب "الحاوي": يتعوذ عندنا وفي دعاء الاستفتاح، وجهان، ولا يجوز الإخلال بالفاتحة لأنها ركن فيها، وقد قال الشافعي في "الأم": وأحب إذا كبر على الجنازة أن يقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى وهكذا نقل المزني في "الجامع الكبير"، وهذا يدل على الاستحباب إلا أن أصحابنا أجمعوا على وجوبها بتأويل قوله: إنه يستحب أن يقرأ بعد التكبيرة الأولى فإن أخرها إلى التكبيرة الثانية جاز.
فرجع الاستحباب إلى موضعها، وروي ذلم عن ابن الزبير وابن مسعود وابن عباس والحسن رضي الله عنهم، وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: لا تجب فيها القراءة ولا يسن فيها قراءة القرآن، وقال أبو حنيفة: لو قرأ القرآن كان دعاء، ويوريه عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال مالك: يكره [341 أ/3] فيها قراءة القرآن.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ فيها بفاتحة الكتاب وجهر بها وقال:
الجزء: 2 - الصفحة: 586
"إنما جعلت ذلك لتعلموا أنها سنة" يعني إنما جهرت بقراءة الفاتحة ليعلموا أن القراءة هي طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشريعته، ولم يرد به أنها غير واجبة؛ ولأن الجهر بها سنة والمستحب أن لا يجهر بقراءتها ليلًا ونهاراً، لأن القراءة إذا كانت مقصورة على الفاتحة لا يجهر كما في الركعتين الأخريين ظاهر النص، قال: ويخفي القراءة والدعاء، وقال الداركي: إن كان بالليل جهر فيها وغن كان بالنهار أسر فيها؛ لأنها صلاة تفعل ليلًا ونهاراً فيجهر فيها إذا كان ليلًا، قال أبو حامد: لا يجئ على المذهب غير هذا، وهذا لا يصح؛ لأن صلاة الليل التي يجهر فيها هي صلاة راتبة في وقت من الليل، ولها نظير راتب في وقت النهار وسن في نظيرها الإسرار فسن فيها الجهر، وصلاو الجنازة صلاة واحدة ليس لها وقت يختص به من ليل أو نهار، ولهذا إنه يسر بالدعاء فيها بلا خلاف، وهذا اختيار القاضي الطبري.
مسألة: قال: ثم يكبر الثانية [341 ب/3] ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو للمؤمنينَ والمؤمناتِ.
وهذا كما قال في "الأم": إذا كبر الثانية صلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات.
وقال في "الجامع الكبير": ويدعو جملة للمؤمنين والمؤمنات ولم يذكر الاستغفار ونقل المزني أنه يحمد الله تعالى ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات يذكر ثلاثة أشياء، قال أصحابنا: أما التحميد فلم يحكه عن الشافعي ولم يذكره في المختصر الكبير، وقيل: رواها سماعاً من لفظه فلا خلاف أن التحميد في التكبيرة الثانية لا يجب، وهل يستحب؟ وجهان: أحدهما: يستحب فيقول: الحمد لله والصلاة على محمد وآله، والثاني: لا يستحب، وقال يعقوب الأبيوردي: لم يذكره الشافعي، ولكن لو أتى بما ذكره المزني كان حسناً، فيقول نحو ما ذكرنا.
وأما الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فواجبة لأن كل صلاة كان من شرطها القراءة فمن شرطها الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كسائر الصلوات، ولأنه روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا صلاة لمن لم يصل على نبيه" [342 أ/3]- صلى الله عليه وسلم -، وأما الدعاء للمؤمنين والمؤمنات فيها فلا خلاف أنه لا يجب بل هو استحباب فيقول: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسليمن والمسلمات الأحياء منهم والأموات، تابع بيننا وبينهم في الخيرات، وألف بين فلوينا وقلوبهم على الخيرات، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة نبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - إمك مجيب الدعوات.
وإنما اخترنا الدعاء للمؤمنين والمؤمنات عقيب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليكون أسرع للإجابة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:"إذا سأل أحدكم ربه تعالى في حاجة فليبدأ بالصلاة عليّ، فإن الكريم إذا سئل حاجتين لم تجب إحداهما ويترك
الجزء: 2 - الصفحة: 587
الأخرى" ثم يكبر الثالثة ويدعو للميت وحده لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا صليتم على الميت فأخلصوا الدعاء له: وكان القصد منه الدعاء للميت فيجب ذلك.
وقال في: الأم": يخلص الدعاء وليس في الدعاء ش ئ مؤقت ولا دعاء معين وأحب أن يقول: اللهم إن هذا عبدك وابن عبدك.
وروي وابن عبديك وروي وابن عبدك وأمتك خرج من روح الدنيا وسعتها ومحبوبها وأحبابه فيها [342 ب/3] إلى ظلمة القبر وما هو لاقيه، كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولمك، وأنت أعلم به.
اللهم نزل بك وأنت خير منزول به، وأصبح فقيراً إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك راغبين إليك شفعاء له.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه والقه برحمتك إلا من عذابك حتى تبعثه إلى جنتك برحمتك يا أرحم الراحمين، رواه أبو قتادة.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة فقال: "اللهم اعفر لحينا وميتنا صغيرنا وكبيرنا ذكرنا وأنثانا، وشاهدنا وغائبنا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره" وقيل: "لا تفتنا بعده"، وذكر ابن أبي احمد هذا وزاد: اللهم اغفر لأولنا وآخرنا وحينا.
إلى آخره وعلى هذا أكثر أهل خراسان.
وروي عن عوف بن مالك قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول: "اللهم اعفر له وارحمه وعافه واعف عنه وأكرم [343 أ/3] نزله، ووسع مدخله واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره وأهلًا خيراً من أهله وزوجاً خيراً من زوجه وأدخله الجنة وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار" قال: حتى تمنيت أن أكون أنا ذلك الميت.
وروى: وقه فتنة القبر وعذاب النار.
ولو كان الميت طفلًا دعا لوالديه فيقول: "اللهم اجعله لهما فرطاً وسلفاً وذخراً، وعظة واعتباراً وشفقة لهما وثفل به موازينهما وأفرغ الصبر على قلوبهما ولا تفتنهما بعده ولا تحرمهما أجره" وإنما اخترنا هذا الدعاء لأنه مأثور عن السلف، وإن كان الميت امرأة قال: هذه أمتك وابنة عبدك وأمتك بالتأنيث، ثم يكبر الرابعة ويسلم عن يمينه وشماله، ولم يذكر
الجزء: 2 - الصفحة: 588
الدعاء بعد التكبيرة الرابعة في "الأم".
وقال في "البويطي": يقول: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده وقيل: ولا تفتنا بعده واغفر لنا وله ثم يسلم، وروى أبو هريرة أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول نحو ذلك بعد التكبيرة الرابعة، وقال في "الحاوي" قال في "البويطي": إذا كبر الرابعة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا (343 ب/ 3) وشاهدنا وغائبنا.
قال أصحابنا: ليس هذا باختلاف القول بل هو بالخيار إن شاء سلم عقيب الرابعة، وإن شاء ذكر هذا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يستحب أن يقول هذا، وهذا أحسن عندي ولكن عمل مشايخنا على الأول.
وحكى ابن أبي هريرة أن المتقدمين كانوا يقولون في الرابعة: ربنا آتنا في الدنيا جسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وليس هذا عن الشافعي فإن نقل كان حسنا.
وأنا السلام فقال في "الأم": يسلن تسليمة يسمع من يليه، وإن شاء يسلم تسليمتين وقال في "الجامع الكبير": يسلم تسليمتين، وهكذا قال في البويطي وقال في "القديم": إنه إن كان إماما والناس كثيرون يسلم تسليمتين، فإن قل الناس أو كان منفردا أو مأموما كفاه تسليمة وتحدة يبدأ بيمينه ويختم بشماله، فمن أصحابنا من قال: فيه قولان، ومنهم من قال قول واحد يسلم تسليمتين استحبابا ويجب تسليمة واحدة.
وروى عبد الله بن مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - " كان يسلم في صلاة الجنازة مثل التسليم في سائر الصلوات".
والذي يدل على وجوب السلام أنها صلاة يجب لها [344 أ/3] الإحرام فيجب الخروج منها بالسلام كسائر الصلوات.
ومن أصحابنا من قال: المستحب هاهنا تسليمة واحدة قولا واحدا؛ لأنها بنيت على الاختصار، وقال أحمد: يحرج بتسليمة واحدة عن يمينه وأقل ما يجزي عن عمل هذه الصلاة أنه يكبر مع النية ويقرأ الفاتحة، ثم يكبر فيقول: اللهم صل على محمد، ثم يكبر ويدعو للميت بمايقع عليه الاسم، وهو أن يقول: اللهم ارحمه، ثم يكبر الرابعة ويسلم تسليمة واحدة فيقول: السلام عليكم، وعند أبي حنيفة لا تجب الصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا الدعاء للميت.
وأما قراءة السورة فالمذهب المشهور أنها لا تستحب، ومن أصحابنا من قال: يستحب قراءة سورة قصيرة، وروي ذلك عن المسنون وابن عباس رضي الله عنهما.
ذكره القاضي الطبري قال الشافعي: ويجهر بالتسليم وأراد إذا كان إماما ليقتدي به من خلفه كما يجهر بالتكبيرات.
مسألة: قال: ومن فاتته بعض الصلاة مع الإمام افتتح ولم ينتظر تكبير الإمام، ثم يقضي مكانه.
وهذا كما قال.
إذا أدرك المأموم الإمام في أثناء الصلاة كبر ودخل معه فيها ولا
الجزء: 2 - الصفحة: 589
ينتظر تكبيرة الإمام ليدخل معه فيها مكبرا، وبه [344 ب/3] قال أبو يوسف، وقال أبو حنيفة ومحمد: إنه ينتظر تكبيره حتى يكبر معه، وعن مالك روايتان، واحتج بأن التكبيرات تجري مجرى الركعات، بدليل أنه يقضيها بعد فراغ الإمام، فإذا فاتته ركعة مع الإمام، وهذا غلط، لأنه أدرك الإمام في أثناء صلاته، فوجب أن يدخل معه فيها في الحال كما في سائر الصلوات، وأما ما قالوا: لا يصح لأنه لو كان يجري مجرى الركعات لكان إذا حضر وكبر الإمام قبل أن يكبر المأموم لا يكبر حتى يكبر أخرى، كما لو حضر ولم يدخل مع الإمام حتى صلى ركعة، فإنه لا يشتغل بقضائها، فإن كبر هو ثم كبر الإمام التكبيرة الثانية في الحال.
قال بعض أصحابنا: تبعه وسقطت القراءة عنه، وإن أدرك بعض القراءة قرأ ذلك القدر وسقط الباقي إذ كبر الإمام ثانيا والأول أصح، وقال بعض أصحابنا: على هذا، هل يأتي بالقراءة بعد التكبيرة الثانية؟ يحتمل أن يقال: يأتي بالقراءة بعد الثانية، لأن بعد التكبيرة الثانية محل القراءة؛ لأنه لو أدركه في التكبيرة الثانية قرأ المأموم، ويخالف هذا إذا ركع الإمام قبل إتمام المأموم قراءة [345 أ/3] الفاتح لا يقرأ الباقي، لأن الركوع ليس بمحل القراءة أصلا ويحتمل أن يقال: لا يأتي بها لأنه لما أدرك قراءة الإمام صار محل القراءة ما قبل التكبيرة الثانية في حقه فلا يأتي بها بعد الثانية، ولو أدركه وقد كبر التكبيرة الثانية فإنه يكبر في ال حال ويكون ذلك تكبيرة الافتتاح ويشتغل بالفاتحة، وإن كان الإمام يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا إن أدركه في الثالثة يكبر ويقرأ، وإن كان الإمام يدعو لأن ما أدركه يكون أول صلاته عندنا فيأتي بالتكبيرات على الترتيب، ولو أدركه في الرابعة كبر معه، فإذا سلم أتى بهن متواليات، لأن الجنازة ترفع قبل أن يفرغ من الصلاة فلا فائدة لدعائه بعد غيبة الميت.
وقال في البويطي: يقضي ما فاته من التكبيرات تسعا متتابعات، ثم يسلم ثم قال: فقد قيل: يدعو بينهما للميت.
وحكى القاضي أبو علي الزجاجي الطبري أن الشافعي قال في "كتاب الجنائز": إذا سلم الإمام قضى من خلفه من صلاته، وإن زال الخسوف وانقطع المطر يعني عند الجمع في المطر فالظاهر أن المسألة على [345 ب/3] قولين، ولا فرق بين أن ترفع الجنازة أو لا ترفع، غابت عنه أو لم تغب، وتكون، نيته تمام الصلاة عليه وهذا بخلاف ما لو صلى والجنازى خلفه لا تجوز على أجد الوجهين؛ لأن هذا هو إتمام الصلاة الصحيحة وحكم الإتمام أخف فيجوز، وإن رفعت الجنازة قولا واحدا، وقال أبو جنيفة: يقضي كما فاته إلا أن ترفع الجنازة تبطل الصلاة.
فرع
قال في "الأم": ولو أحدث الإمام انصرف وكبر من خلفه ما بقى فرادى.
قال: ولو كان موضع وضوءه قريبا فانتظروه فجاء وبنى على التكبير رجوت أن لا يكون به بأس.
قال الربيع: مذهب الشافعي الذي مات عليه أنه إذا أحدث لا يبني عليه، وأراد بالحدث هاهنا
الجزء: 2 - الصفحة: 590
أن يكون مسبوقا به، وفيه قولان مشهوران، والصحيح أنه رجع عن البناء.
مسألة: قال: ومَنْ لَمْ يدركْ صلى على القبرِ.
وهذا كما قال: يستحب أن تكون الصلاة على الجنازة دفعة واحدة، فإن كررت الصلاى عليها جاز، نص عليه في اجتماع الجنائز وقال في "الأم": ولا بأس أن يصلي على القبر بعدما يدفن بل يستحب، روي ذلك عن علي بن أبي طالب وعمر وأبي موسى الأشعري [346 أ /3] وابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، وبه قال الأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وابن سيرين، وقال النخعي ومالك وأبو حنيفة: لا يصلي على القبر ولا يصلي على الجنازة مرتين.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يصلي على القبر ولي الميت إذا كان غائبا وقت الدفن، قال محمد: إلى ثلاثة أيام، وقال أبو يوسف: إلى أيام وأطلق، واحتج بأنه لو جازت الصلاة على القبر لجازت على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهذا غلط لما روينا من خبر المسكينة التي توفيت ليلًا، وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على قبرها.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة، وقد مات البراء بن معرور وقد وصلا له فقبل الوصية"، وصلى على قبر رجل كان يقم المسجد ودفن ليلًا".
وروت عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وجد الميت قد دفن فليصل وحده وليقم عند رأس القبر"، فإن قيل: لأن صلاة الجنازة لم تكن تسقط فرضها إلا بصلاته ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي على ميت ما دمت بين أظهركم أحد غيري، فإن صلاتي عليه رحمة".
قلنا: لم [346 ب/3] تكن الصلاة على الجنازة متعينة عليه، وإنما كان يقصد الفضيلة بها، ولهذا أنه لم يصل على جنائز كثيرة، وقال في الرجل الميت المديون: "صلوا على صاحبكم"، وقال القوم في المسكينة: كرهنا أنو نوقظك.
ولم يقل لهم: الصلاة عليها من دوني لا تجوز، وأما قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال أكثر أصحابنا: لا خلاف على المذهب أنه لا يجوز والنبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوص بذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تتخذوا قبري مسجدا كما جعلت اليهود قبور أنبيائهم مساجد".
وروي "وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم".
ومن أصحابنا من قال: هذا مبني على الأقوال إلى متى تجوز الصلاة على القبر، ومن أصحابنا من قال: تجوز الصلاة عليه إلى شهر ذكره ابن أبي أحمد، ولعله أخذ ذلك من صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي النجاشي وكان بينهما مسافة شهر، وهذا غلط لأنه - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر البراء بن معرور بعد شهر".
ولم ينقل أكثر من ذلك.
وروي، أنه صلى على أم سعد [347 أ/3] ابن عبادة بعدما دفنت بشهر.
وروى أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر بعد شهرين.
وروى ابن عباس بعد شهر، ومن أصحابنا من قال: يجوز حتى يعلم أنه بلي في قبره فلا يجوز جينئذ لأنه ذهبت حرمته، وهذا أصح عندي، ومن أصحابنا من قال: يجوز أبدًا؛ لأن القصد الدعاء حتى يجوز اليوم أن يصلي على قبر آدم عليه السلام وعلى قبر جميع
الجزء: 2 - الصفحة: 591
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
ومن أصحابنا من قال: هو الأظهر، واختيار الشيخ أبي زيد المروزي: يصلي عليه من كان من أهل فرض الصلاة عليه يوم مات، فأما من ولد بعده أو كان صبيا فبلغ بعده فلا يصلي عليه؛ لأنه يكون متبوعا، ولا يجوز أن يتطوع لصلاة الجنازة وإذا كان يوم موته من أهل الفرض كان من جملة من يؤدي الفرض؛ لأن المؤدي الفرض على الكفاية وإن كثر ويوصف كلهم بأنهم يؤدون الفرض، وإن كان الفرض يسقط بدونهم.
ومن أصحابنا من لم يقيد بالفرض هاهنا، وقال في الصبي: إذا بلغ: تجوز الصلاة عليه ذكره أهل العراق، وهو اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال: تجوز إلى ثلاثة أيام ذكره والدي رحمه الله، وعندي أن هذا أخذه مما قال أبو حنيفة: إنه إن دفن [347 ب/3] قبل الصلاة عليه صلى على قبره إلى ثلاثة أيام فقط.
فحصل من الحمالة ستى أوجه عند القائل فإن، قلنا بالأول: كانت تجوز الصلاة على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى شهر وقد مضى، وإن قلنا: بالثاني فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يبلى ولكنه قال: لا أترك في قبري.
فلا تجوز الصلاة على قبره، وإن قلت بالثالث ففيه وجهان: أحدهما: لا تجوز الصلاة على قبره لما ذكرنا.
والثاني: تجوز ولكن يصلون أفرادًا كما صلت الصحابة أفرادًا.
فرع
لو ترك الصلاة على الميت ودفن، فإنه لا ينبش بل يصلي على القبر، ولو دفن من غير غسيل أو لغير القبلة قال في "الأم": لا بأس عندي أن يحاط عنه التراب ويحول وجهه إلى القبلة، وأن يخرج فيغسل ويصلى عليه ما لم يتغير، قال أصحابنا: الغسل فرض فإذا ترط مبش وغسل، وقال أبو حنيفة: إذا أهيل عليه التراب لا ينبش؛ لأن النبش مثلة، وقد نهى عن المثلة وهذا غلط؛ لأن الميت إذا كان بحاله لا يكون النبش مثلة، وأما التوجيه إلى القبلة فهو سنة مؤكدة، فالأولى أن ينبش ويرد إلى السنة إلا أن يكون قد [348 أ/3] تغير فلا ينبش؛ لأن القصد الستر وقد حصل الستر بالتراب ونبشه هتك لستره.
والثاني: ينبش لأن التكفين فرض كالغسل.
فَرْعٌ آخرُ
إذا وقع في القبر ش ئ له قيمة كان لصاحبه أن يكشفه عنه حتى يأخذ ما سقط فيه.
وروي أن المغيرة بن شعبة طرح خاتمه في قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: خاتمي ففتح موضعًا منه، وأخذ خاتمه وكان يقول: أنا أقربكم عهدا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولأنه يمكن إيصال المال إلى صاحبه فوجب إيصاله إليه.
فَرْعٌ آخرُ
لو بلع جوهرة لغيره، ثم مات فإنه تشق بطنه وترد إلى صاحبها إلا أن تضمن ورثته مثلها أي قيمتها فلا يخرج، ذكره أصحابنا من غير خلاف، والمثل يكون للدنانير ونحوها وينطلق عليها اسم الجوهر، ولو بلع جوهرة لنفسه ومات هل تخرج منه
الجزء: 2 - الصفحة: 592
وجهان: أحدهما: للورثة إخراجها لأنها صارت ملكهم بموته.
والثاني: ليس لهم ذلك، لأنها ماله استهلكه في حياته فهو كما لو اشترى به الشهوات وأكلها، وهذا هو اختيار القاضي الطبري، وقال القاضي الطبري: الأول بمذهب الشافعي أن لا يشق جوفه في المسألة قبلها [348 ب/3] ويضمن له قيمتها من تركته، كما في الخيط إذا خاط به الغاصب وأخرجه لا ينزع، وعلى هذا قلت: إذا بلى الميت في القبر ونفقت الجوهرة فيما بين التراب ترد إلى صاحبها وتسترجع القيمة، ومن قال بالأول أجاب وقال: ليس هي كالخيط، لأنه يجوز له ابتداء غصبه بحال ليخبط خرجه لقلة خطره وعظم حرمة الآدمي، ولا يجوز ابتلاع جوهرة الغير بجال وهي الآن ملك الغير مقدور على ردها من غير إيلام حيوان فيلزم الرد عند الإمكان.
فَرْعٌ آخرُ
لو ماتت امرأة وفي بطنها جنين متحرك، قال ابن سريج: يشق بطنها ويخرج الجنين، لأن مراعاة الحي أولى، لهذا يجوز للحي أن يأكل الآدمي الميت عند الضرورة، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا قالت القوابل الثقات: أن مثله يعيش متى أخرجنا فيخرج، وإن كان لا يعيش مثله تركناه فمن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: يشق وبه قال أبو حنيفة، والثاني: لا يشق لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسر عظام الميت ككسر عظام الحي".
وهذت الولد لا يعيش في العادة.
ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح مراد ابن سريج [349 أ/3] مراد هذا القائل أيضًا والذي له ستة أشهر، فإنه لا يخرج بحال.
وذكر شيخنا الإمام ناصر رحمه الله وجهًا في رؤوس المسائل أنه لا يشق أصلًا؛ لأنه لا يتحقق وفيه هتك حرمتها وهو بعيد لم يذكره غيره.
وحكي عن أحمد أنه قال: تصطلمه القوابل، فإن خرج وإلا ترك حتى يموت ثم يدفن، وهذا غلط، لأن هذا شبه القتل فلا يجوز ذلك بحال، فإذا قلنا: يشق فينبغي أن يشق إذا وضعت في اللحد فإنه أستر لها ذكره أصحابنا.
وعندي أنه يشق قبله لأنه ربما يموت بضيق النفس.
وحكي أن محمد بن عجلان ولدته أمه في القبر فجاء نباش فوجده فأخرجه.
وقيل: إذا قلنا: لا يشق تمسح القابلة بطنها فربما يخرج، فإن لم يخرج صبر حتى يسكن.
مسألة: قال: "ولا يُدخِلُ الميتَ قبرَهُ إلًّا الرجال ما كانوا موجودين".
الفصل
وهذا هو كما قال.
وجملته أن ينوي دفن الميت وإدخاله القبر إلا الرجال ما كانوا موجودين، سواء كان الميت رجلًا أو امرأة، لأن هذا فعل يحتاج إلى البطش والقوة، والرجال أقوى على ذلك في نقله ووضعه في اللحد، ولأن المرأة عورة ولا [349 ب/3] يمكنها ذلك إلا بكشفها وجهها وذراعيها.
فإذا تقرر هذا، فإن كان الميت رجلًا وله عصبات تساووا في الفقه فإن يتولى ذلك الأقرب فالأقرب على ما بينا في الصلاة عليه، فإنه لم يكن له عصبة فالأجانب، وإن كان أحدهم أفقه قدم الأفقه، لأن الوضع في اللحد وتناول الميت
الجزء: 2 - الصفحة: 593
إليه يحتاج إلى الفقه، ودعاء الفقيه أسرع إلى الإجابة نص عليه في "الأم"، وإن كان الميت امرأة قال في "الأم": استحب أن يكون الذي يحملها من المغتسل إلى الجنازة ومن الجنازة إلى من يحملها إلى القبر النساء، وأما إدخلها القبر فإن كان لها زوج فالزوج أحق لأنه يتعلق بمباشرتها والنظر إليها، وإن لم يكن لها زوج فعصباتها المحارم فيقدم الأب ثم الجد على الترتيب، وإن لم يكن لها خادم فخصيان الرجال أولى من الفحل، وإن كانوا أجانب فإن لم يكونوا فعصابتها الذين ليسوا بمحارم مثل ابن العم ونحوه، فإن لم يكونوا فسائر القرابات الذين ليس لهم تعصيب فإن لم يكونوا فالأجانب للضرورة.
وأما النساء فلا مدخل لهن [350 أ/ 3] في ذلك ولكن إن كانت أكفانها مشدودة يجوز أن يتولى كل ذلك النساء عتد الضرورة، ومن أصحابنا من قال: عطف الشافعي قوله: وأقربهم به رحما على الزوج بحرف النسق وهذا يدل على أنه لا يقدم الزوج على ذي الرحم ولكن أيهما أدخلها قبرها حسن.
وقال أبو حامد: يقدم من كان محرما لها من ذوي الأرحام كأب الأم والخال والعم من الأم على الخادم.
وهذا أصح عندي، وذكر بعض أصحابنا بخراسان أن الشافعي نص على الخادم والخصيان وهو غريب.
مسألة: قال: "ويسترُ عليها بثوبٍ".
وهذا كما قال.
هذا لا يوهم أن قبر المرأة مخصوص بالستر بثوب وليس كذلك بل الفرق في ذلك بين الرجل والمرأة، هكذا نص في "الكبير" وقال في "الأم": يستر القبر بثوب نظيف حتى يستوي على الميت لحده، وستر المرأة أوكد من ستر الرجل.
وقال أبو حنيفة: إن كان رجلًا فلا يستر بخلاف المرأة، وهذا غلط لما روي أن سعد بن معاذ لما دفنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال سعد بن مالك: كنت متمسكاً بحافة ثوبه، فأصغى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أسامة بن زيد، فقلت له: ما قال لك [350 ب/3] فقال: قال: صرت قوائم العرش لموت سعد بن معاذ، وقال ابن عباس: جلل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبر سعد بن معاذ بثوب.
وإنه ليعظم قدر الميت وهو كاستحباب أن يكون موضع مغتسله مستورا فالرجل والمرأة فيه سواء، والمستحب أن يكونوا وتراً إما ثلاثة أو خمسة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "قال إن الله وتر يجب الوتر".
وروي أن عبد الرحمن بن عوف كان رابعهم وأنه الذي نزل القبر، فإن صح هذا دل على أن الشفع جائز، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان، وذكر مشايخ العراق أنه دفنه العباس وعلي واختلفوا في الثالث، فقيل: كان الفضل بن
الجزء: 2 - الصفحة: 594
العباس وقيل: كان أسامة بن زيد وهذا أظهر وأصح عندي.
مسألة: قال: ويسلُّ الميتُ مِنْ قبلِ رأسهِ سلًا.
وهذا كما قال.
عندنا يسل الميت من قبل رأسه، وذلك أن يوضع رأس السرير عند رأس القبر، ثم يسل سلَا، لأن القبر منزله، والحي إذا دخل منزله أدخل رأسه فيه من قبل رجليه، وقال أبو حنيفة: توضع الجنازة بين القبر والقبلة [351 أ/3] ويدخل الميت القبر مغترضاً ويرون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أدخل معترضاً من قبل القبلة وهذا من أفحش الغلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قبره ملصقاً بجدار القبلة حتى كان لحده تخت الجدار، فلم يكن هناك بين القبر والقبلة موضع يمكن وضع الجنازة فيه.
وروينا عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه سلًا.
ولأن عليه عمل أهل الحرمين فكان أولى، لأنه يستحيل أن يجمعوا على ترك السنة الظاهرة إلا بسلطان ظالم قاهر، ولم يكن ش ئ من ذلك.
باب ما يقال إذا دخل الميت قبره
مسألة: قال: وإذَا أُدخِلَ الميتُ قبرَهُ.
الفصل
وهذا كما قال الشافعي.
جمع في هذا الباب أذكاراً ودعوات يستحب أن يقولها الذين يدخلون الميت قبره، أي: يدعو كل واحد منهم بذلك، وهو أن يقول: بسم الله وعلى ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروي بسم الله، وبالله اللهم أسلمه إليك الأشحاء- أي: المشفقون عليه من [351 ب/3] ولده وأهله وقرابته وإخوانه-، وفارق من كان يحب قربه وخرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر وضيقه، ونزل بك وأنت خير منزول به، إن عاقبته فبذنبه وإن عقوت فأنت أهل العفو، أنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك.
اللهم اشكر حسنته واغفر سيئته وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك إلا من عذابك، واكفه كل هول دون الجنة.
اللهم أخلفه في تركته في الغابرين - أي: كن خليفته فيمن تركه من الباقين من أهل قرابته - وارفعه في عليين - أي: وارفع درجته في الجنة - وجد عليه أن يفضل عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين.
وهذا كله مما قد جاءت به الأخبار.
وقال بعض أصحابنا: يقول: بسم الله الرحمن الرحيم وعلى ملة رسول الله إلى آخره.
ولا وقت في الدعاء، وروي عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي سلمة فضج ناس من أهله فقال: "لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون.
اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين وأخلفه في عقبه الغابرين، واغفر له يارب العالمين اللهم افسح له في قبره ونور له فيه" [352 أ/3].
الجزء: 2 - الصفحة: 595
باب التعزية
مسألة: قال: وأحبُّ تعزيةَ أهلِ الميتِ رجاءَ الأجرِ بتعزيتهمْ.
وهذا كما قال.
معنى التعزية هو ترغيب المصاب في الصبر وحثه عليه، والعزاء هو الصبر، والتعزية: هي التصبر، وهي سنة لأهل المصيبة، والأصل في ذلك ما روي أنه قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءت التعزية، فسمعوا صوتاً من ناحية البيت وهو يقول: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفاً من كل هالك، ودركاً من كل فائت، فبالله ثقوا، وإياه فارجو، فإن المصاب من حرم الثواب، ويقال: إنه كان الخضر - صلى الله عليه وسلم - جاء يعزي زوجات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأهل قرابته، فسمعوا صوته ولم يروا شخصه يعزي الناس بعضهم بعضاً.
قال الشافعي: فأحب أن يقول: قائل هذا، ويترحم على الميت يدعو له ولمن خلفه، ثم الكلام فيها ثلاثة فصول: في وقتها وفي المعزي وفي لفظ التعزية.
فأما وقتها: فإنه من حين الموت في المنزل والمسجد وطريق القبر وبعد الدفن ومتى عزى فحسن.
قال: وإذا [352/ 3] شهد الجنازة أحببت أن يؤخر التعزية إلى أن يدفن الميت؛ لأن بعد الدفن يكون الجزع أعظم والحزن أشد، فهو أولى بالتعزية.
قال بعض أصحابنا: التعزية ثلاث إلا أن يكون صاحب المصيبة غائباً، واتفق رجوعه بعد الثلاث، فلا بأس بالتعزية، وذكر بعض أصحابنا: أنه إذا دفن انقطعت التعزية، وأن الشافعي قال: وأكره التعزية بعد الدفن.
وأراد به التعود للعزاء اليوم واليومين على ما عليه الناس اليوم، وأما عقيب الدفن فلا يكره، وليس هذا بخلاف، قال سفيان الثوري: لا يعزى بعد الدفن بحال لأن الدفن خاتمة أمره، وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من عزى مصاباً فله مثل أجره".
رواه ابن مسعود ولم يفصل؛ ولأن الخوف عقيب الدفن أشد فكان بالتعزية أولى، وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من عزى ثكلى كُسِي برداً في الجنة" وهذا خبر غريب أورده أبو عيسى.
وأما من يعزي: قال: ويعزي الصغير والكبير والمرأة، إلا أن تكون شابة فلا أحب مخاطبتها، وتعزي الشابة [353 أ/3] محارمها، وينبغي أن يخص بها من الأهل من كان أضعف قلباً، وأضعفهم عن حمل المصيبة كيلا يتكلم بما يحبط أجره، ويعزي الأفاضل منهم والمنظور إليه فإنه إذا تعزى تبعه من دونه.
قال في "الأم": وأحب مسح رأس اليتيم وتدهينه وإكرامه وأن لا ينهر ولا يقهر فإن الله تعالى قد أوصى به، وسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التصافح في التعزية فقال: "هو سكن للمؤمن ومن عزى مصابا فله مثل أجره".
الجزء: 2 - الصفحة: 596
وأما لفظ التعزية: قال: إذا عزى مسلم مسلماً قال له: أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك وغفر لميتك وخلف عليك، يعني صار لك خليفة عنه.
وإن عزي مسلماً بنصراني قال: أعظم الله أجرم وأحسن عزالك وأخلف عليك، وإن عزي نصرانياً بنصراني قال: أخلف الله عليك ولا نقص عددك، وينوي كثرة عدده لتكثر الجزية، وإن عزي نصرانياً بمسلم قال: غفر الله لميتك وأحسن عزاءك وأخلف عليك بالخير، أو جبر مصيبتك فخرج من هذا أربع مسائل:
إحداها: أن يكون الميت والمعزي مسلمين فيدعو للمعزى بالأجر وللميت بالمغفرة.
والثانية: أن يكونا كافرين فلا يجوز [353 ب/3] أن يدعو للمعزى بالأجر ولا للميت بالمغفرة؛ لأنه لا يجو زالدعاء للكافر بالمغفرة.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113] الآية.
والثالثة: أن يكون المعزي مسلماً والميت كافراً فيدعو له بالأجر والإخلاف عليه، ولا يدهو للميت.
والرابعة: على عكس هذا، فيدعو للميت بالمغفرة وللمعزى بجبر المصيبة والإخلاف عليه.
قلت: ويستحب إذا كان الميت طفلًا أن يقول عند التعزية: وجعله فرطاً لك.
وروى ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة"، فقالت عائشة رضي الله عنها: فمن كان له فرط من أمتك؟ قال: "ومن كان له فرط يا موفقة" قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك قال: "فأنا فرط أمتي لم يصابوا بمثلي" وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لايموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم".
مسألة: قال: وأحب لقرابة الميت وجيرانه أن يعملوا لأهل الميت في يومهم وليلتهم طعاما.
الفصل
وهذا كما قال.
أراد أن يتخذ في [354 أ/3] الوقت الذي مات فيه ميتهم طعاماً لتبعهم فإنه سنة، وهو فعل أهل الخير، وأراد بالسنة ما روي في قصة عروة في موته، لما قتل جعفر بن أبي طالب، وبلغ النعي أهل جعفر، دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهله فقال: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً، فقد نزل بهم ما يشغلهم" يعني عن الطعام.
قال: وهو من فعل الخير.
وهذا لأنه من باب الجود والإفضال والإعانة على نوائب الحق، فإن أهل الميت لا يتفرغون لاتخاذ الطعام لأنفسهم في الغالب، ويعيرون لو اشتغلوا به
الجزء: 2 - الصفحة: 597
فكان إنفاذ الطعام إليهم من باب الخير والتعاون على البر والمعروف، وأراد الشافعي بقرابة أهل الميت الأبعدين منهم، وأما إصلاح أهل الميت طعاما وجمع الناس غليه كما يفعل في جبال طبرستان فلم ينقل فيه ش ئ وهو بدعة غير مستحب.
باب البكاء على الميت
مسألة: قال: وأرخصُ في البكاء بلا ندبٍ.
الفصل
وهكذا كما قال: جملته أنه يكره البكاء بالنوح والندب والتعديد، ونشر الشعور، وخمش الوجوه وتخريق الثياب، وهذه الكراهة هي [354 ب/3] كراهة تحريم.
قال الشافعي لما في النوح من تجديد الحزن ومنع الصبر وعظيم الإثم، وهذا يدل على أن قوله: وأكره النياحة هي كراهية تحريم.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنها كم عن صوتين فاجرين صوت مزمار عند نغمة، وصوت عند حادث مصيبة"، وقالت أم عطية: أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع البيعة أن لا ننوح، فما وفت منا امرأة إلا خمس منهن أم سليم وأم العلا، وابنة أبي سبرة، وامرأة معاذ وقالت: أيضاً لما نزل قوله تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿ولا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة:12] قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا آل فلان.
وروى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعهن الناس: النياحة والطعن في الأنساب، والعدوى أجرب بعير فأجرب مائة بعير من أجرب البعير الأول [355 أ/3] والأنواء مطرنا بنوء كذا".
وروى أبو مالك الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران" وروي عن علي بن ربيعة الأسدي قال: مات رجل من الأنصار يقال له: قرظة بن كعب، فنيح عليه، فجاء المغيرة بن شعبة فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: ما بال النوح في الإسلام أما إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من نيح عليه عذب ما نيح عليه".
وروى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس منا من شق الجيوب وضرب الخدود ودعا بدعوى الجاهلية".
وقال أيضاً: "ليس منا من حلق
الجزء: 2 - الصفحة: 598
أو سلق" والسلق: النياحة لقوله تعالى: ﴿سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: 19] ويقال: خطيب مسلق.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن النائحة والمستمعة".
وأما البكاء المجرد يجوز ويباح لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مات ابنه إبراهيم أخذه في حجره وهو يدمع فقال: "تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الرب وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون".
وروى أسامة بن زيد أن بنت رسول [355 ب/3] الله - صلى الله عليه وسلم - أرسلت إليه أن ابني أو بنتي قد حضر فاشهد فأرسل يقرأ السلام.
وقال: لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل ش ئ عنده إلى أجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب.
فعاد الرسول فقال ذلك: فأرسلت ثانياً تقسم عليه ليأتينها فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقام معه سعد بن عبادة.
ومعاذ بن جبل فأتاها فوضع الصبي في حجره ونفسه تقعقع ففاضت عيناه فقال له سعد بن عبادة: نا هذا يا رسول الله؟ فقال: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده وإنما يرحم الله من عباده الرحماء".
وروي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: شكا سعد بن عبادة شكوى له فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود فلما دخل عليه وجده في غشيته فقال: قد مضى قالوا: لا يا رسول الله فبكى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلما رأي القوم بكاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكوا فقال: "ألا تسمعون أن الله لا يعذب بأدمع الغير ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم".
قال الشافعي: ويكره المأتم [356 أ/3] وهو الذي يجتمع فيه النساء والرجال، وإن لم يكن بكاء، وإنما كرهناه، لما جاء فيه من الإثم وتكلف المؤنة وتجديد الحزن، وقال في "الأم": فإذا مات أمسكن فاستحب قطع البكاء بعد الموت.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب، فصاح به فسلم لحينه، فاسترجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "غلبنا عليم يا أبا الربيع" فصاح النسوة يبكين فجعل ابن عتيك يسكتهن، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "دعهن فإذا وجبت فلا تبكين باكية" قالوا: وما الوجوب يا رسول الله فقال: "الموت".
قال أصحابنا: والفرق بين ال حالين هو أن الذي شارف الموت إذا كان يرى علامات الموت على نفسه، ورأى فيمن حوله لا يبكون فربما ساءه ذلك، وإذا مات زال هذا المعنى، فإن علبه الدمع فذلم مما لا يملكه البشر، فلا يدخل تحت النهي، كما روي في خبر إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهكذا تنفس الصعداء وحزن القلب.
وانكسار النفس لا بد منه بل ضد ذلك قسوة في القلب.
وروي
الجزء: 2 - الصفحة: 599
عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أصاب أحدكم مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون [356 ب/3] اللهم عندك أحتسب مصيبتي فاجرني عليها وأبدلني بها خيراً منها".
والندب: قول النسوة: وافلاناه واسيداه واجبلاه ونحو هذا من تعداد فضائل الميت على وجه التأسف عليه، والنياحة: هي كلمات منظومة تشبه الشعر.
وروي أن خالد بن الوليد لما أشرف على الموت ندبه بعض من حضره يقول: واكفهاه واجبلاه واسنداه، وكان يعشى عليه ويفيق فأفاق فقال: ما ندبتموني بش ئ إلا خوفت به، وقيل لي: أنت هكذا.
فإذا تقرر هذا، فقد ذكر الشافعي بعد هذا ما جاء في التشديد في البكاء على الميت، وروى حديث عمر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه"، وقال: "حسبكم القرآن"، وهذا إشارة إلى قصة وهو أنه لما طعن عمر رضي الله عنه خرج أمعاؤه في مواضع كان يغشى عليه ويفيق، فأقبل صهيب رضي الله عنه وهو يتأوى ويندبه فيقول: واجبلاه واكهفاه واسنداه وأميراه، فأفاق عمر فسمع صوته فقال له: أتبكي علي وقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمع ابن عباس فحفظه فلما توفي عمر ومضى زمان فتوفي بعض آل عمر وكان عبد الله بن [357 أ/3] عم روابن عباس رضي الله عنهما جالسين على باب حجرة عائشة ينتظران تلك الجنازة، فلما أقبلوا بالجنازة كان النساء يبكين، فقال ابن عباس لابن عمر: هلا نهيتهن فإني سمعت أباك قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه" فسمعت عائشة ذلك من وراء الستر فقالت: رحم الله عمر والله ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا وإنما قال: "إن الله يزيد الكافر عذاباً ببكاء أهله عليه ثم قالت حسبكم القرآن قال الله تعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] أي: لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ثم قال ابن عباس: عند ذلك تصديقاً لقول الله: ﴿هُوَ أَضْحَكَ وأَبْكَى﴾ [النجم: 43] أي ما ذنب الميت في بكاء أهله عليه.
هذا شرح القصة مع أن الشافعي مال إلى ما قالت عائشة ورجح روايتها على رواية عمر.
قال: ما روت عائشة أشبه بدلالة الكتاب ثم السنة، ثم فسر دلالة الكتاب بما ذكرت عائشة من قول الله تعالى ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وزاد عليها فقال: وقال تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: 15] وقال: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: 39] ثم فسر دلالة السنة فقال قال النبي [357 ب/3]- صلى الله عليه وسلم - لرجل في ابنه "أما أنه لا يجني عليم ولا تجني عليه" وتمام هذا الخبر هو أن رجلين دخلا على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أكبرهما سناً فقال: ما هذا منك؟ فقال: هذا ابني فقال: "أما أنه لا
الجزء: 2 - الصفحة: 600
يجني عليك ولا تجني عليه" أي لا يؤاخذ أحدكما بذنب الآخر، فهذا هو وجه ترجيح رواية عائشة على رواية عمر رضي الله عنهما، ثم اعلم أنه لا بد من تأويل حديث عائشة أيضاً، فإن فيه بعض ما في حديث عمر وذلك أنه كما لا يجوز أن يعذب المسلم ببكاء أهله عليه لا يجوز أن يزيد في عذاب الكافر ببكاء أهله عليه؛ لأنه كما لا يظلم المسلم لا يظلم الكافر مثقال ذرة.
فأول الشافعي هذا القدر تأويلًا مجملًا فقال: وما يزيد في عذاب الكافر فباستجابه أي باستحقاقه لا بذنب غيره، وهذا يحتاج إلى بيان فبيانه ما ذكره المزني فقال: بلغني أنهم كانوا يوصون بالبكاء أو بالنياحة عليهم أو بهما وهي معصية، وإذا أمر بها وعملت بعده كانت له ذنباً، فيجوز أن يزداد بذنبه [358 أ/3] عذاباً كما قال الشافعي لا بذنب غيره، ولا فرق بين أن هذه الوصية من مسلم أو كافر، وهذا موجود في أشعارهم:
إذا مت فانعوني بما أنا أهله وشقي عليَّ الجَيْبَ يا أم معبد
ومن أصحابنا من قال الصحيح من رواية عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الميت ليعذب وأهله يبكون عليه"، وذكر مسلم في صحيحه عن عائشة أنه ذكر لها هذا الخبر، عن ابن عمر رضي الله عنهما فقالت: "رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئاً فلم يحفظه إنما مرت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جنازة يهودي، وهم يبكون عليه فقال: "إنهم يبكون وإنه ليعذب" وقالت أيضا: إنما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن"، وقالت: إنما مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على يهودية يبكي عليها فقال: "إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في فبرها" ومن أصحابنا من قال معناه: أن بكاءهم عليه يكون سبباً لمؤاخذة الله هذا الكافر أو العاصي بذنب نفسه، وأنه كان في [358 ب/3] معلومه أنهم لو لم يبكوا عليه لكان لا يؤاخذه بذنبه وقيل: معناه أن الميت ليعذب عند بكاء أهله كما يقال: عتق المكاتب بالأداء - أي عند الأداء بالقول السابق - وقيل: إنهم كانوا ينوحون عليه ويعددون أفعالهم التي هي قيل .... والغارات، فأراد أنهم يعذبون بما يبكون به عليهم.
ويكره مرثية الميت بذكر أيامه وفضائله وأفعاله، والأولى الاستغفار له، لما روى ابن أبي أوفى سمع نسوته يرثين ميتاً فنهاهن وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ينهي عن المراثي".
فرع
يستحب زيارة القبور للرجال، لما روى أبو سعيد الخدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا" وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت"، وروى بريدة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور
الجزء: 2 - الصفحة: 601
فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها فإنها تذكر الآخرة"، وقال في "الأم": لا بأس بزيارة القبور، فإنك إذا زرت القبور تستغفر للميت [359 أ/3] ويرق قلبك" وتذكر أمر الآخرة فهذا مما أحبه، وبهذا قال ابن المبارك وأحمد وإسحاق.
فَرْعٌ آخرُ
قال أصحابنا: يكره زيارة القبور للنساء لما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لعن زوارات القبور" وروى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لعن زائرات القبور أو المتخذين عليها المساجد والسرح".
قال القاضي الطبري: لا أعرف هذا للشافعي.
قلت: قال في بعض أصحابنا: يحتمل أنه كره لهن ذلك لعلة صبرهن وكثرة جزعهن.
وقيل: كان هذا قبل أن يرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في زيارة القبور فلما رخص دخل في رخصته الرجال والنساء، وهذا أصح عندي إذا أمنت الافتتان والتعدي عما فيه رضي الله تعالى.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يكره لها اتباع الجنازة والخروج إلى المقبرة مع النساء لما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبرنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً ميتاً فلما فرغنا انصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانصرفنا معه فلما جاؤوا بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة فعرفها فكانت فاطمة رضي [359 ب/3] الله عنها فقال لها: ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فلعلك بلغت معهم الكدى قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر قال: "لو بلغت معهم الكدى" وذكر تشديداً.
والكدى: هي القبور قاله ربيعة: وقيل الكدى جمع الكدية: وهي القطعة الصلبة من الأرض والقبور إنما تحفر في المواضع الصلبة لئلا تنهار.
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا اجتاز بالمقبرة أن يسلم على أهلها فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
قال الشافعي: يقول: اللهم اغفر لنا ولهم يدعو بعد هذا بما يريد، وقالت عائشة: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما كانت ليلتي منه يخرج من آخر الليل إلى البقيع يقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غداً مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد" وقالت أيضا للجماعة: "ألا أحدثكم عني وعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجه فلم يلبث إلا ريثما ظن أني قد رقدت فأخذ رداءه رويداً وانتقل رويداً أو فتح الباب وخرج، ثم أجافه رويداً وجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري، ثم انطلقت على أثره حتى جاء البقيع فقام فطال القيام ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 602
رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فاحتضرت فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال: ما لك يا عائشة؟ قلت: لا ش ئ فقال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير: قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي فأخبرته قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: "أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله" قلت: مهما يكتمه الناس يعلمه الله.
قال: نعم، قال: فإن جبريل أتاني حتى رأيته فناداني فاخفاه منك فأجبته فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك، وقد وضعت ثيابك وظننت أنك قد رقدت فكرهت أن أوقظك [360 ب/3] وخشيت أن تستوحشي فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم فقلت: كيف أقول يا رسول الله؟ قال قولي: "السلام على أهل الديار من المؤمنين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله للاحقون"، وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بقبور أهل المدينة فقال: "السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر" وروي في خبر آخر أنه قال: "أنتم لنا فرط وإنا بكم لاحقون، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم نسأل الله لنا ولكم العافية" وقوله: إن شاء الله بكم لاحقون ليس على معنى الاستثناء للشك والارتياب، ولكنه لتحسين الكلام كما يقول القائل: إن أحسنت إلى شكرتك إن شاء الله، وقيل: كان معه قوم يظن بهم النفاق فاستناده ينصرف إليهم، ومعناه: اللحوق بهم في الإيمان وقبل الاستثناء إنما وقع في استصحاب الإيمان إلى الموت لا في نفس الوقت.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يجوز له زيارة قبر الوالدين والأقارب وإن كانوا مشركين، لما روى أبو هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم [361 أ/3] يأذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي"، وروي أنه زار قبر أمه فبكى من حوله فقال: "استأذنت ربي أن أستغفر لكم فلم يأذن لي واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي".
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب الثناء الحسن على الميت لما روى أنس بن مالك قال: مر بجنازة فأثنى عليها خيراً، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وجبت وجبت وجبت".
فقال عمر رضي الله عنه: قداك أبي وأمي ما معناه؟ فقال: "من أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ومن أثنيتم عليه شرا وجبت له النار أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض"، وقال أبو الأسود الدؤلي: قدمت المدينة فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمروا بجنازة فأثنوا عليها خيراً فقال عمر: وجبت فقلت لعمر: ما وجبت؟ قال: أقول كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يشهد له ثلاثة إلا
الجزء: 2 - الصفحة: 603
وجبت له الجنة" قلنا: واثنان قال: واثنان قال: ولم نسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الواحد، وقال: أيضا "اذكروا محاسن موتاكم وكفوا عن مساوئهم".
فَرْعٌ آخرُ
قلت: قال الله تعالى: ﴿وبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ [البقرة: 155 و 156] [361 ب/3] الآية والصبر عند الصدمة حتى يستحق ما وعد الله تعالى، وروى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى على امرأة تبكي على صبي لها فقال: اتق الله واصبري، فقالت: وما تبالي بمصيبتي فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالت: فأخذها مثل الموت فأتت بابه فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى" أو قال عند أول صدمة.
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من قدم ثلاثة لم بيلغوا الحنث كانوا له حصنا حصيناً" قال أبو ذر: قدمت اثنين قال: واثنين قال أبي بن كعب سيد القراء قدمت واحداً قال: وواحداً، لكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى، وروى أبو موسى الأشعري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي، فيقولون: نعم فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم فيقول: ماذا قال عبدي فيقولون: حمدك واسترجه فيقول الله تعالى: "ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه [362 أ/3] بيت الحمد".
فرع
قلت: يستحب له أن يقصد جنازة الشهداء وزيارتهم إذا دفنوا أكثر مما يكون في غيرهم، وقد روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الشهداء خمسة المطعون والمبطون والغريق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله"، وروي أنه قال لأصحابه: "ما تعدون الشهادة؟ قال: القتل في سبيل الله، فقال: الشهادة سبع سوى القتل في سبيل الله المطعون شهيد، والغريق شهيد وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، وصاحب الحريق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد والمرأة تموت بجمع شهيدة" وهي أن تموت وفي بطنها ولد.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قتله بطنه لم يعذب في قبره".
الجزء: 2 - الصفحة: 604
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يكره الفرار من الطاعون لما روى أسامة بن زيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الطاعون فقال: "بقية رجز أو عذاب أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا، وإذا وفع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا فيها".
وقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[362 ب/3] يقول: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً" وقوله: "لا تقدموا عليه" إثبات الحذر والنهي عن التعرض للتلف، وقوله: "ولا تخرجوا فراراً منه" فيه إثبات التوكل والتسليم لأمر الله تعالى وقضائه، فأحد الأمرين تأديب وتعليم والآخر تفويض.
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب إذا مات في ليلة الجمعة أو يوم الجمعة أو في يوم عاشوراء أو يوم في يوم عرفة أن يتفاءل له خيراً ويرغب في حضور جنازته، لما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من مسلم يموت يوم الجمعة أو ليلة الجمعة إلا وقاه الله وحشة القبر".
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب إذا نزل به آيات الموت أنه لا يجزع من الموت، ولا بأس أن يجزع من الذنوب، وروى عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه"، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال ذلك، قالت عائشة: يا نبي الله كلنا نكره الموت فقال: "ليس كذلك ولكن المؤمن إذا [363 أ/3] بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه، والكافر إذ بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه".
وقال عبد الله بن مسعود: "إذا جاء ملك الموت يقبض روح المؤمن قال: ربك يقرئك السلام، فمن كان حاله هذا ينبغي أن يستأثر الموت ويختاره، اللهم ارزقنا هذا برحمتك".
فَرْعٌ آخرُ
قلت: يستحب إذا أراد أن يسأل من الله تعالى حاجة أن يفعل ما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رواية عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: "من كانت له حاجة إلى الله تعالى أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ وليجسن الوضوء، ثم ليصل ركعتين، ثم ليثنين على الله تعالى وليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك وعزائم مغفرتك والعافية من كل بر، والسلامة من كل إثم، ثم لا تدع لي ذنباً إلا غفرته ولا هماً إلا فرجته، ولا حاجة هي لك
الجزء: 2 - الصفحة: 605
رضى إلا قضيتها يا أرحم الراحمين" قلت: ويتحرى غداة يوم السبت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من عدا [363 ب/3] غداة يوم السبت في حاجة عمل طلبها فأنا ضامن لقضائها".
فَرْعٌ آخرُ
يستحب إذا أراد أن يبتدئ أن يقدم صلاة الاستخارة وهي ما روى جابر رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن يقول: إذا هم أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة ثم ليقل: اللهم إني استخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني، ومعيشتي، وعاقبة أمري، فيسره لي، ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني، ومعيشتي، وعافبة أمري، فاصرفه عني، واصرفني عنه واقدر لي الخير كان، ثم أرضني، ويسمي حاجته".
فصل
اعلم أن الخبر ورد بصلاة التسابيح وهي صلاة مرغوب فيها ويستحب أن يعتادها كل حين ولا يتغافل عنها وهكذا قال ابن المبارك وجماعة العلماء وقال ابن وهب: سألت عبد الله بن المبارك عن صلاة التسابيح فقال: يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله [364 أ/3] غيرك ثم يقول خمس عشرة مرة: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يتعوذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة ثم يقول عشر مرات: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ثم يركع فيقولها: عشراً، ثم يرفع فيقولها: عشراً ثم يسجد فيقولها: عشراً ثم يرفع رأسه فيقولها: عشراً ثم يسجد الثانية فيقولها: عشراً، يصلي أربع ركعات على هذا فذلك خمس وسبعون تسبيحة في كل ركعة يبدأ في كل ركعة بخمس عشرة تسبيحة ثم يقرأ ثم يسبح عشراً، وقال: يبدأ في الركوع سبحان ربي العظيم وفي السجود سبحان ربي الأعلى ثلاثا اسبح التسبيحات وقيل لعبد الله بن المبارك: إن سهى فيها يسبح عشر عشراً قال لا إنما هي تسبيحة والله أعلم.
تم الجزء الثاني من كتاب بحر المذهب حسب تقسيم المحقق
ويتلوه في الجزء الثالث إن شاء الله تعالى كتاب الزكاة
الجزء: 2 - الصفحة: 606
الجزء: 2 - الصفحة: 607
الجزء: 2 - الصفحة: 608
بَحْرُ المَّذْهَبِ في فرُوع المذْهَب الشّافعي
تأليف القاضي العلاّمة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي 502
تحقيق طارق فتحي السيد
الجزء الثالث يحتوي على الكتب التالية: الزكاة- زكاة الفطر- الصيام- الاعتكاف- الحج
الجزء: 3 - الصفحة: 1
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم