كتاب الجزية
باب من يلحق بأهل الكتاب
قال الشافعي - رحمه الله -: "انتوت قبائل من العرب قبل أن يبعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم- وينزل عليه القرآن فدانت دين أهل الكتاب فأخذ عليه الصلاة والسلام الجزية من أكيدر دومةً، وهو رجل يقال إنه من غسان أو من كندة ومن أهل ذمة اليمن وعامتهم عرب ومن أهل نجران وفيهم عرب فدل ما وصفت أن الجزية ليست على الأحساب وإنما هي على الأديان".
قال في الحاوي: والأصل في أخذ الجزية وأن يصير المشركون بها أهل ذمة الكتاب والسنة: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
أما قوله هاهنا: ﴿قَاتِلُوا﴾ [التوبة: 29] ففيه وجهان:
أحدهما: يعني جاهدوا.
والثاني: اقتلوا، فعبر عن القتل بالمقاتلة لحدوثه في الأغلب عن القتال، وفي قوله: ﴿الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [التوبة: 29] وجهان:
أحدهما: لا يؤمنون بكتاب الله.
والثاني: لا يؤمنون برسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ لأن تصديق الرسول إيمان بالرسل وإلا فهم مؤمنون بأن الله تعالى واحد معبود.
وفي قوله: ﴿وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: 38] وإن كانوا يعتقدون البعث والجزاء وجهان:
أحدهما: أن إقرارهم باليوم الآخر يوجب الإقرار بجميع حقوقه، فصاروا بترك الإقرار بحقوقه كمن لم يقر به.
والثاني: أنهم لا يخافون وعيد اليوم الآخر، فذمهم ذم من لا يؤمن باليوم الآخر.
وقوله: ﴿ولا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
الجزء: 13 - الصفحة: 332
أحدهما: أنه ما أمر بنسخه من شرائعهم.
والثاني: أنه ما أحله لهم، وحرمه عليهم.
وقوله: ﴿وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: ما في التوراة والإنجيل من أتباع الرسول، وهو قول الكلبي.
والثاني: الدخول في شريعة الإسلام، وهو قول الجمهور، والحق هاهنا هو الله تعالى.
وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 101] فيه وجهان:
أحدهما: يعني من آباء الذين أوتوا الكتاب.
والثاني: من الذين أوتوا الكتاب؛ لأنهم في أتباعه كآبائهم.
وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: حتى يدفعوا الجزية، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يوجبه في أول الحول.
والثاني: حتى يضمنوا الجزية، وهو قول الشافعي؛ لأنه يوجبها بانقضاء الحول.
والجزية: اسم مشتق من الجزاء، إما على إقرارهم على الكفر، وإما على مقامهم في دار الإسلام، والجزية هو المال المأخوذ منهم عن رقابهم، وفيها وجهان:
أحدهما: أنها من المجمل الذي يفتقر إلى البيان.
والثاني: أنها من العموم الذي يعمل ما اشتمل عليه من قليل وكثير ما لم يخصه دليل.
وقوله: ﴿عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: عن غنى وقدرة.
والثاني: أن يروا لنا في أخذها منهم بدا عليهم.
وقوله: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] فيه وجهان:
أحدهما: أن يكونوا أذلاء مقهورين.
والثاني: أن تجري عليهم أحكام الإسلام، فدلت هذه الآية على ثلاثة أحكام:
أحدها: وجوب جهادهم.
والثاني: جواز قتلهم.
والثالث: حقن دمائهم بأخذ الجزية منهم.
ويدل عليه من السنة ما روى سليمان بن بريدة عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعث أميرا على جيش أوصاه بتقوى الله تعالى في خاصةً نفسه وبمن معه من المسلمين خيرًا، وقال له: إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى خصال ثلاث أيتهن أجابوك إليها فاقبل منهم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم،
الجزء: 13 - الصفحة: 333
وإن أبوا فالجزية، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وإن أبوا فاستعن بالله وقاتلهم".
وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هجر، وأخذها من أهل أيلة، وهم ثلاث مائة رجل أخذ منهم ثلاثمائة دينار، ولأن في أخذ الجزية منهم معونة للمسلمين، وأناة بالمشركين في توقع استنصارهم، وذلة لهم ربما تبعثهم على الإسلام، فجوز النص لهذه المعاني الثلاثة أخذها منهم.
فصل:
فإذا تقرر وجوب أخذ الجزية من الكفار، لإقرارهم على الكفر في مأخوذةً من بعضهم دون جميعهم.
واختلف في المأخوذ منهم على أربعة مذاهب:
أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها تؤخذ من أهل الكتاب عربًا كانوا أو عجمًا، ولا تؤخذ من غير أهل الكتاب عربًا ولا عجمًا، فاعتبرها بالأديان دون الأنساب.
والثاني: على ما قاله أبو حنيفة بأنها تؤخذ من جميع أهل الكتاب، ومن عبدة الأوثان إذا كانوا عجمًا، ولا تؤخذ منهم إذا كانوا عربًا.
والثالث: - ما قاله مالك - إنها تؤخذ من كل كافر من كتابي، ووثني، وعجمي، وعربي، إلا من كفار قريش، فلا تؤخذ منهم، وإن دانوا دين أهل الكتاب.
والرابع: - ما قاله أبو يوسف - إنها تؤخذ من العجم سواء كانوا أهل كتاب أو عبدة أوثان حكم أخذ الجزية منهم، ولا تؤخذ من العرب سواء كانوا من أهل الكتاب أو من عبدة الأوثان، فجعلها معتبرة بالأنساب دون الأديان، فصار الخلاف مع الشافعي في حكمين:
أحدهما: في عبدة الأوثان، فعند الشافعي لا تقبل جزيتهم، وعند غيره تقبل.
والثاني: في العرب، فعند الشافعي تقبل جزيتهم، وعند غيره لا تقبل.
فأما الحكم الأول في عبدة الأوثان، فاستدل من ذهب إلى قبول جزيتهم بحديث سليمان بن بريدة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان إذا بعثه على جيش قال له: "ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ولم يفرق بين عبدة الأوثان وأهل الكتاب، وإن كان أكثرهم عبدة أوثان، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من المجوس وليس لهم كتاب، فكذلك عبدة الأوثان، ولأنه استذلال يجوز في أهل الكتاب، فجاز في عبدة الأوثان كالقتل.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [التوبة: 29].
فجعل الكتاب
الجزء: 13 - الصفحة: 334
شرطًا في قبولها منهم، فلم يجز لعدم الشرط أن تقبل من غيرهم.
وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، فدل على اختصاص الجزية بهم.
وروى عمرو بن شعيب - عن أبيه - عن جده - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ الجزية من أهل الكتاب، فخصهم بالذكر لاختصاصهم بالحكم ولأنه وثني فلم يقر على حكمه بالجزية كالعربي، ولأن من لم يقر بالجزية من العرب لم يقر بها من العجم كالمرتد، ولأن لأهل الكتاب حرمتين:
إحداهما: حرمة الكتاب الذي نزل عليهم.
والثانية: حرمة دين الحق الذي كانوا عليه.
وهاتان الحرمتان معدومتان في عبدة الأوثان، فافترقا في حكم الإقرار بالجزية.
فأما الجواب عن حديث ابن بريدة، فمن وجهين:
أحدهما: تخصيص عمومه بأدلتنا.
والثاني: أنه لا يصح التعلق بظاهره حتى يقترن به إضمار، فهم يضمرون أخذ الجزية منهم إذا كانوا عجما، ونحن نضمر أخذ الجزية منهم إذا كانوا أهل كتاب، ولو تكافأ الإضماران سقط الدليل، واختيارنا أولى لثبوت حكمه عن إجماع.
وأما الجواب عن أخذها من المجوس، فهو ما سنذكره من بعد في أن لهم كتابًا.
وأما قياسهم على القتل، فغير صحيح لأمرين:
أحدهما: أن القتل لا يبقى معه إقرار على الكفر، وفي الجزية إقرار على الكفر فافترقا.
والثاني: أن القتل أغلظ من الجزية، فلم يجز أن يلحق به ما هو أخف منه إذا كان محمولًا على التغليظ.
فصل:
وأما الحكم الثاني: في العرب، فاستدل من منع من قبوله جزيتهم بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا عرض نفسه في المواسم قبل هجرته على القبائل قال لهم: "هل لكم في كلمة إذا قلتموها دانت لكم العرب، وأدت إليكم الجزية العجم، فأضاف الجزية إلى العجم ونفاها عن العرب".
وبما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لا يجري على عربي صغار".
والجزية صغار بالنص، وقد نفاه عنهم، فلم يجزه أخذها منهم، ولأن كل حرمة ثبتت بالإسلام منعت من قبوله الجزية ً كالإسلام، ولأن كل من لم يجز استرقاقه لم تؤخذ جزيته كالمرتد.
الجزء: 13 - الصفحة: 335
ودليلنا قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: 29].
فكان على عمومه من كل كتابي من عجمي وعربي، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من العرب، فأخذها من أكيدر دومة بعد أسره، وحمله إلى المدينة، وكان من غسان أو من كندة، وأخذها من أهل اليمن، وأكثرهم عرب، ومن أهل نجران، وفيهم عرب، ولأن كل من جاز إقراره على كفره جاز أخذ جزيته كالعجم، ولأن وجوب القتل أغلظ من أخذ الجزية، فلما لم يمنع النسب من القتل، فأولى أن لا يمنع من الجزية، ولأنه لما جاز أن يحقن بالجزية دم ضعفت حرمته من العجم، فلأن يحقن بها دم من قويت حرمته من العرب أولى.
فأما الجواب عن الخبر الأول، فهو أن المقصود به سرعة إجابة العرب إلى الإسلام، وإبطاء أهل الكتاب عنه، وهذا موجود ومعهود.
وأما الجواب عن قوله: "لا يجري على عربي صغار" فالقتل أغلظ، وهو يجري عليه، فكانت الجزية أقرب، وهو محمول على أحد وجهين: إما صغار الاسترقاق.
والثاني: أن يكون محمولًا على أهل مكة حين من عليهم بعد الفتح أنهم لا يغزون بعده، وبه قال الشافعي.
فأما قول أبي يوسف: إنه لا تؤخذ الجزيةً من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بثمن باطل لرددناه كما قال، وأن لا يجري على عربي صغار، ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم به.
فأما قياسهم على الإسلام فباطل؛ لأن الكفر ضد الإسلام، فلم يجز أن يقاس عليه.
وأما قياسهم على المرتد، فالمرتد لا يجوز أن يقر على ردته، فلم يجز قبول جزيته، والعربي يقر على كفره، فجاز أخذ جزيته.
فأما استرقاقه، ففيه قولان مضيا.
فأما قول الشافعي: " انتوت قبائل من العرب " ففيه تأويلان:
أحدهما: معناه قربت من بلاد أهل الكتاب.
والثاني: اختلطت بأهل الكتاب، فدانت دين أهل الكتاب، فأخذها عمر بالشام من تنوخ وبهراء وبني تغلب، فدلت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسنة خلفائه من بعدها على جواز أخذها من العرب كما جاز أخذها من غير العرب كما جاز أخذها من غير العرب.
مسألة:
قال الشافعي: " وكان أهل الكتاب - المشهور عند العامةً - أهل التوراةً من اليهود والإنجيل من النصارى وكانوا من بني إسرائيل، وأحطنا بأن الله تعالى أنزل كتبا من التوراة والإنجيل والفرقان بقوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
الجزء: 13 - الصفحة: 336
وَفَّى} [النجم: 36 - 37] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196] فأخبر أن له كتابا سوى هذا المشهور، قال: فأما قول أبي يوسف: لا تؤخذ الجزية من العرب، فنحن كنا على هذا أحرص، ولولا أن نأثم بتمني باطل لوددناه كما قال وأن لا يجري على عربي صغار ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما حكم الله به تعالى".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا ثبت أن الجزيةً تؤخذ من أهل الكتاب دون غيرهم، فالكتاب المشهور كتابان:
أحدهما: أن التوراة أنزلت على موسى، ودان بها اليهود، والإنجيل أنزل على عيسى، ودان به النصارى.
قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ﴾ [بالأنعام:156]. فكان اليهود والنصارى أهل كتاب مقطوع بصحته، فأما غير التوراة والإنجيل من كتب الله المنزلة على أنبيائه، فقد أخبر الله تعالى بها، وإن لم يسمها، ولم يعين من دان بها.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (36) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 36، 37]. وقال تعالى: ﴿الصُّحُف الْأُولَى﴾ [الأعلى: 18]، وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء: 196].
فإن عرفنا من كتب الله تعالى غير التوراة والإنجيل، وعرفنا من دان بها غير اليهود والنصارى، فقد اختلف أصحابنا هل يكونون أهل كتاب يقرون عليه بالجزية، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب يقرون على التدين به، وتؤخذ جزيتهم، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم كاليهود والنصارى، وهو الظاهر من مذهب الشافعي.
وبه قال أبو إسحاق المروزي: لأن حرمة الكتاب لنزوله من الله تعالى، وحرمة من دان به أنه كان على حق، فكان كتابهم مساويا للتوراة والإنجيل، وكانوا هم مساوين لليهود والنصارى، كما كانت التوراة والإنجيل في أيام موسى وعيسى مساويين للقرآن في نزوله على محمد - صلى الله عليه وسلم- وكان اليهود والنصارى في أيامها مساوين للمسلمين، وليس التفاضل بينهم بمانع من التساوي في الحق.
والثاني: أنهم لا يقرون على كتابهم، ولا تقبل جزيتهم، ولا تنكح نساؤهم، فيكونون مخالفين لليهود والنصارى في تمسكهم بالتوراة والإنجيل؛ لأن الله تعالى لما رفعها بعد نزولها دل على ارتفاع حكمها، فزوال حرمتها، ولما بقى التوراة والإنجيل دل على بقاء حكمهما وثبوت حرمتهما، وإطلاق هذين الجوابين عندي غير صحيح، فالواجب اعتبار كتابهم، فإن كان يتضمن تعبدًا وأحكامًا يكتفي أهله به عن غيره كان كالتوراةً
الجزء: 13 - الصفحة: 337
والإنجيل في ثبوت حرمته وإقرار أهله.
وإن لم يتضمن تعبدا وأحكامًا، وكان مشتملًا على مواعظ وأمثال يفتقر أهله في التعبد والأحكام إلى غيره كان مخالفًا لحرمة التوراة والإنجيل ولم يجز أن يقر أهله عليه.
فصل:
فإذا تقرر حكم أهل الكتاب أنهم مقرون بالجزية على ما تدينوا به من شرائعهم، فالكلام في تعيينهم، وحكم من دخل في أديانهم تعيين أهل الكتاب وحكم من دخل في أديانهم مشتمل على فصلين:
أحدهما: من عرف كتابه ودينه من اليهود والنصارى.
والثاني: من لم يعرف.
فأما المعروفون من اليهود المتدينون بالتوراة والنصارى المتدينون بالإنجيل فضربان:
أحدهما: من عاينه وآمن به وتدين بكتابه كاليهود الذين كانوا في عصر موسى، والنصارى الذين كانوا في عصر عيسى من بني إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأبناء هؤلاء الآباء مقرون على دينهم بالجزية، وهم أبناء من عاصر موسى وعيسى، فإن لم يبدلوا كانت لهم حرمتان: حرمة آبائهم أنهم كانوا على حق، وحرمة بأنفسهم في تمسكهم بكتابهم، وإن بدلوا أقروا مع التبديل لإحدى الحرمتين، وهي حرمة آبائهم، وليس لهم حرمة أنفسهم في التمسك بكتابهم: لأن المبدل لا حرمةً له.
والثاني: من دخل في دينهما من غيرهما، بعد انقضاء عصر نبوتهما، وهو أن يدخل في اليهودية بعد موسى، وفي النصرانية بعد عيسى، فهذا على ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه قبل تبديله.
والثاني: أن يدخلوا فيه بعد نسخه.
والثالث: أن يدخلوا فيه بعد تبديله وقبل نسخه.
فأما القسم الأول: وهو أن يدخلوا فيه قبل تبديله، فهم مقرون عليه بالجزية كالداخل فيه على عصر نبيه، وسواء كان أبناؤهم الآن مبدلين أو غير مبدلين، ولأن لهم حرمتين إن لم يبدلوا، وحرمة واحدة إن بدلوا: لأن دينهم على حق بعد موت نبيهم كما كان على حق قبل موته، فاستوت حرمة الدخول فيه من الحالين.
وأما القسم الثاني: وهو أن يدخلوا فيه بعد نسخه، وبعد نسخ شريعة عيسى في النصرانية بشريعة الإسلام.
فأما نسخ شريعة موسى ففيه وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: أنها تكون منسوخة بالنصرانية - شريعة عيسى - وهو أظهرها، لاختلافهما وأن الحق في أحدهما.
والثاني: أنها منسوخة بشريعة الإسلام دون النصرانية: لأن عيسى نسخ من شريعة
الجزء: 13 - الصفحة: 338
موسى ما خالفها، ولم ينسخ منها ما وافقها، وإنما نسخ الإسلام جميع ما تقدمه من الشرائع.
فإذا ثبت ما نسخ به كل شريعة، فمن دخل في دين بعد نسخه لم يقر عليه، لعدم حرمته عند دخوله فيه، فصار كعبدة الأوثان في عدم الحرمة.
وقال المزني: يقر الداخل فيه بعد نسخه كما يقر الداخل فيه قبل نسخه وتبديله، لقول الله تعالى: ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
وهذا فاسد بما عللنا به من عدم الحرمة فيما دخل فيه.
وقوله ﴿ومَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 51].
يعني في وجوب القتل؛ لأن من تولاهم منا مرتد لا يقر على ردته.
وأما القسم الثالث: وهو أن يدخلوا فيه بعد التنزيل وقبل النسخ، فعلى ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يدخلوا فيه مع غير المبدلين مثل الروم، فيكونوا كالداخل فيه قبل التبديل في إقرارهم بالجزية ونكاح نسائهم وأكل ذبائحهم؛ لأن حرمته في غير المبدلين ثابتة.
والثاني: أن يدخلوا فيه مع المبدلين كطوائف من نصارى العرب، فيكونوا كالداخل فيه بعد النسخ.
والثالث: أن يشكل حال دخولهم فيه هل كان مع المبدلين أو مع غير المبدلين، أو يشكل هل دخلوا قبل التبديل أو بعد التبديل كتنوخ وبهراء وبني تغلب، فهؤلاء قد وقفهم الإشكال بين أصلين:
أحدهما: يوجب حقن دمائهم واستباحة نكاحهم، كالداخل فيه مع غير المبدلين.
والثاني: يوجب إباحة دمائهم، وحظر مناكحهم كالداخل فيه مع المبدلين، فوجب أن يغلب في الأصلين معا حكم الحظر دون الإباحة، فيقروا بالجزية حقنا لدمائهم: لأن أصل الدماء على الحظر، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم: لأن أصل الفروج على الحظر، والحظر تعيين، والإباحة شك، فغلب حكم اليقين على الشك، وصاروا في ذلك كالمجوس، فهذا حكم الكتاب المشهور، والدين المعروف.
فصل:
وأما الضرب الثاني: وهو من ادعى كتابًا غير مشهور، ودينًا غير كالزبر الأولى، والصحف المتقدمة.
فإن قيل: إنه لا يجري عليهم حكم أهل الكتاب، لم يقروا على دينهم وإن تحققنا كتابهم.
الجزء: 13 - الصفحة: 339
وإن قيل: إنهم يقرون على دينهم وتحفظ حرمة كتابهم، فلا يخلو حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يتحقق صدقهم، يعرف كتابهم، فيكونوا كاليهود والنصارى في إقرارهم بالجزية، واستباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم.
والثاني: أن يتحقق كذب قولهم، وأن لا كتاب لهم، فيكونوا كعبدةً الأوثان في استباحة دمائهم، وحظر مناكحهم.
والثالث: أن يحتمل ما قالوه الصدق والكذب، وليس على أحدهما دليل يقطع به، فلا يقبل فيهم قول كفارهم.
فإن أسلم منهم عدد يكون خبرهم مستفيضًا حكم بقولهم في ثبوت كتابهم وإقرارهم بالجزية على دينهم، واستباحة مناكحهم.
وإن لم يسلم منهم من يكون خبره مستفيضا متواترا، ولم يعلم قولهم إلا منهم في حال كفرهم، فيقرون بالجزيةً: لأنها مال بذلوه لا يحرم علينا أخذه، وأصل الدماء على الحظر، فلا يحل لنا قتلهم.
فأما استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم، فلا يقبل قولهم فيها؛ لأنها على أصل الحظر، فلا تستباح بقول من لا يوثق بصدقه، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "والمجوس أهل كتاب دانوا بغير دين أهل الأوثان وخالفوا اليهود والنصارى في بعض دينهم كما خالفت اليهود والنصارى في بعض دينهم، وكانت المجوس في طرف من الأرض لا يعرف السلف من أهل الحجاز من دينهم ما يعرفون من دين اليهود والنصارى حتى عرفوه وأن النبي - صلى الله عليه وسلم- أخذها من مجوس هجر وقال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: هم أهل كتاب بدلوا فأصبحوا وقد أسري بكتابهم وأخذها منهم أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما ".
قال في الحاوي: وأما المجوس، فقد كانوا على بعد من الحجاز، وكانت ديارهم العراق وفارس، وهم يتدينون بنبوة زرادشت وإقرارهم بالجزية متفق عليه، لما رواه الشافعي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ الجزية من مجوس هجر.
وروي أن عمر أشكل عليه أمر المجوس حين افتتح بلادهم بالعراق، وقال: ما أدري ما أصنع في أمرهم: فقال له عبد الرحمن بن عوف: أشهد لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب".
فأخذ عمر منهم الجزيةً بالعراق وفارس، وقد
الجزء: 13 - الصفحة: 340
كان أبو بكر أخذها منهم فيما افتتحه من أطراف العراق، وأخذها بعدهما عثمان وعلي، فكان أخذها منهم سنةً عن الرسول - صلى الله عليه وسلم- وأثرا عن الخلفاء الراشدين.
فصل:
فأما كتاب المجوس، فلم يبق لهم في شريعة الإسلام كتاب، واختلف هل كان لهم، فذكر الشافعي - فيما نقله المزني هاهنا - أنهم أهل كتاب، وقد نص عليه في كتاب الأم، وقال في موضع آخر: لا كتاب لهم، وقد علق القول في موضع ثالث، فاختلف أصحابه في مذهبه، فذهب البغداديون إلى أنه على قولين بحسب اختلاف نصه في الموضعين:
أحدهما: أنهم أهل كتاب.
والثاني: ليس لهم كتاب.
وذهب البصريون إلى أن قوله لم يختلف فيهم، وحملوا قوله: إنهم أهل كتاب على أن حكمهم حكم أهل الكتاب في إقرارهم بالجزية خاصة، وقوله: إنه لا كتاب لهم في أنه لا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم، وأنهم لا يتلون كتابا لهم.
والذي عليه الجمهور من أصحابنا ما قاله البغداديون من القولين دون ما ذهب إليه البصريون من اختلاف الحالين.
فإذا قيل: إنه لا كتاب لهم، وهو مذهب أهل العراق، فدليله قول الله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [الأنعام: 156]. فدل على أنه لا كتاب لمن عداهما، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حين كاتب كسرى وقيصر، قال في كتابه إلى قيصر: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64].
فجعلهم من أهل الكتاب، ولم يكتب إلى كسرى بهذا، وكتب: أسلم تسلم، فدل على أنه ليس لهم كتاب، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، ولو كان لهم كتاب لاستغنى عن هذا بأن قال هم أهل الكتاب.
ولرواية ابن عباس أن المسلمين بمكة قبل الهجرة كانوا يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، وكان مشركو قريش يحبون أن يظهر فارس على الروم: لأنهم غير أهل كتاب، فلما غلبت فارس الروم سر المشركون، وقالوا للمسلمين: تزعمون أنكم ستغلبونا: لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم، والروم أهل كتاب، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بذلك فساءه فنزل عليه قوله تعالى: ﴿آلم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [الروم: 1 - 5].
الجزء: 13 - الصفحة: 341
ففرح المسلمون بذلك، وبادر أبو بكر إلى كفار قريش، فأخبرهم بما أنزل الله على رسوله من أن الروم ستغلب فارسا، وتقامر أبو بكر وأبي بن خلف على هذا بأربع قلائص إلى ثلاث سنين، وكان القمار يومئذ حلالًا، فلما علم رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أن أبا بكر قدر لهم هذه المدة أنكرها، وقال: ما حملك على ما فعلت؟ قال: ثقة بالله ورسوله.
قال: فكم البضع؟ قال: ما بين الثلاث إلى العشر.
فقال له: زدهم في الخطر، وازدد في الأجل فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين، فصارت القلائص ستا، والأجل خمسًا، فلما أراد أبو بكر الهجرةً علق به أبي بن خلف وقال له: أعطني كفيلًا بالخطر إن غلبت، فكفل به ابنه عبد الرحمن بن أبي بكر ثم إن الله تعالى أنجز وعده في غلبة الروم لفارس في عام بدر، ونصر رسوله على قريش يوم بدر، وقيل: إنه كان النصران في يوم واحد، فعلم بهذا الخبر أن الفرس، وهم المجوس، لم يكن لهم كتاب، وأن الروم من النصارى هم أهل الكتاب، ولأنهم لو كانوا أهل كتاب، لظهر فيهم كظهور التوراةً والإنجيل، ولجرت عليهم من استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم أحكام أهل الكتاب كاليهود والنصارى.
وإذا قلنا بالقول الثاني إنهم أهل كتاب، فدليلنا رواه الشافعي، عن سفيان بن عيينة، عن أبي سعيد بن المرزبان، عن نصر بن عاصم، قال: قال فروة بن نوفل الأشجعي على ما تؤخذ الجزية من المجوس، وليسوا بأهل كتاب، فقام إليه المستورد، فأخذ بلبته وقال: يا عدو الله تطعن على أبي بكر، وعمر وعلى أمير المؤمنين - يعني عليا - وقد أخذوا منهم الجزية، فذهب به إلى القصر فخرج علي - عليه السلام - فقال: اتئدا فجلسنا في ظل القصر، فقال: أنا أعلم الناس بالمجوس، كان لهم علم يعلمونه، وكتاب يدرسونه، وإن ملكهم سكر، فوقع على ابنته أو أخته، فاطلع عليه بعض أهل مملكته فلما صحا جاءوا يقيمون عليه الحد، فامتنع منهم فدعا أهل مملكته، فلما أتوه قال: أتعلمون دينًا خيرًا من دين آدم، وقد كان ينكح بنيه من بناته، وأنا على دين آدم ما نزعت بكم عن دينه، فبايعوه، وقاتلوا الذين خالفوهم حتى قتلوهم، فأصبحوا وقد أسري على كتابهم فرفع من بين أظهرهم، وذهب العلم الذي في صدورهم فهم أهل كتاب.
وقد أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر منهم الجزية، وانتشار هذا مع عدم المخالف فيه إجماع منعقد، ولأن الاتفاق على جواز أخذ الجزية منهم، وهي مقصورة على أهل الكتاب تجعلهم من أهل الكتاب الداخلين في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
ولأنهم قد كانوا ينتسبون إلى نبي مبعوث، ويتعبدون بدين مشروع، ولا يكون ذلك إلا عن كتاب يلتزمون أحكامه، ويعتقدون حلاله وحرامه.
الجزء: 13 - الصفحة: 342
فصل:
فإذا تقرر توجيه أحد القولين، فإن قيل بالأول منهما: إنه ليس لهم كتاب جاز إقرارهم على الجزية بالسنة والإجماع ولم يجز استباحة مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم.
وإن قيل بالثاني: إنهم أهل كتاب ففي استباحة مناكحهم، وأكل ذبائحهم وجهان حكاهما أبو إسحاق المروزي:
أحدهما: يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم لثبوت كتابهم، ولأن حذيفة بن اليمان نكح مجوسية بالعراق، وهذا قول أبي ثور.
والثاني: وهو أظهر أنه لا تحل نساؤهم، ولا أكل ذبائحهم، وإن كانوا أهل كتاب: لأن كتابهم رفع، فارتفع حكمه، وقد روي عن إبراهيم الحربي، مع ما انعقد عليه إجماع الأعصار أنه قول بضعة عشر من الصحابة، وما علمنا مخالفًا من المسلمين حتى بعث نبي من الكرخ يعني أبا ثور يريد أنه لما تفرد بقول خالف فيه من تقدمه صار كنبي يشرع الأحكام.
مسألة:
قال الشافعي - رحمه الله -: " والصابئون والسامرة مثلهم يؤخذ من جميعهم الجزيةً ولا تؤخذ الجزية من أهل الأوثان ولا ممن عبد ما استحسن من غير أهل الكتاب ".
قال في الحاوي: أما الصابئة، فطائفة تنضم إلى النصارى، والسامرة طائفة تنضم إلى اليهود، ولا يخلو حال انضمامهما إلى اليهود والنصارى من خمسة أقسام:
أحدها: أن نعلم أنهم يوافقون اليهود والنصارى في أصول دينهم، وفروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتنكح نساؤهم، وتؤكل ذبائحهم.
والثاني: أن يخالفوا اليهود والنصارى في أصول دينهم وفروعه، فلا يجوز إقرارهم بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا تؤكل ذبائحهم كعبدة الأوثان.
والثالث: أن يوافقوا اليهود والنصارى في أصول دينهم، ويخالفوهم في فروعه، فيجوز أن يقروا بالجزيةً، وتستباح مناكحهم، وأكل ذبائحهم: لأن الأحكام تجري على أصول الأديان، ولا يؤثر الاختلاف في فروعها كما لم يؤثر اختلاف المسلمين في فروع دينهم.
والرابع: أن يوافقوا اليهود والنصارى في فروع دينهم، ويخالفوهم في أصوله، فلا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا أكل ذبائحهم تعليلًا باعتبار الأصول في الدين.
والخامس: أن يشكل أمرهم، ولا يعلم ما خالفوهم فيه، ووافقوهم عليه من أصل
الجزء: 13 - الصفحة: 343
وفرع، فيقروا بالجزيةً حقنا لدمائهم، ولا تنكح نساؤهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبا للحظر في الأمرين كالذي قلناه فيمن أشكل دخوله في اليهوديةً والنصرانيةً، هل كان من المبدلين.
فإن أسلم اثنان من الصابئين والسامرة، فشهدوا بما وافقوا عليه اليهود والنصارى من أصل وفرع حكم بشهادتهما، وأجري عليهم حكمها، ولا يراعى في هذه الشهادة عدد التواتر، ويراعى عدد التواتر فيمن ادعوا أن لهم كتابًا غير التوراةً والإنجيل؛ لأن هذا إخبار عن أصل دين مجهول، فراعينا فيه خبر التواتر والاستفاضةً، ومعتقد الصابئين والسامرةً دين معروف يعول في صفته على الشهادةً فافترقا، وقد قال ابن أبي هريرة: إن السامرةً من نسل السامري، وإنهم اعتزلوا عن اليهود بأن يقولوا لا مساس، فإن كان هذا صحيحًا فهم من بني إسرائيل يحل نكاح نسائهم، وأكل ذبائحهم.
وقال أبو سعيد الإصطخري في الصابئين: إنهم يقولون: إن الملك حي ناطق وإن الكواكب السبعة آلهةً، واستفتي فيهم في أيام القاهر فأفتى، فهم القاهر بقتلهم، إن لم يسلموا، فاستدفعوا القتل ببذل مال جزيل، فإن كانوا على ما حكاه أبو سعيد فهم كعبدة الأوثان، لا يجوز أن يقروا بالجزية، ولا تستباح مناكحهم، ولا يحل أكل ذبائحهم، والله أعلم.
باب الجزية على أهل الكتاب والضيافة وما لهم وعليهم
قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: " أمر الله تعالى بقتال المشركين من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، قال: والصغار أن تؤخذ منهم وتجرى عليهم أحكام الإسلام ".
قال في الحاوي: اعلم أن ما تحقن به دماء المشركين ينقسم أربعة أقسام: هدنةً، وعهد، وأمان، وذمةً.
فأما القسم الأول: وهو الهدنة تعريفها: فهو أن يوادع أهل الحرب في دارهم على ترك القتال مدة أكثرها عشر سنين، كما هادن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قريشًا عام الحديبيةً، فلا يجوز أن يتولى عقدها إلا الإمام أو من يستنيبه فيها عند الحاجة إليها وظهور المصلحة فيها.
ويجوز أن يعقد على مال يؤخذ منهم إذا أمكن وعلى غير مال إذا تعذر، وعلى مال يدفع إليهم عند الضرورة كالذي هم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عام الخندق حين تمالأت عليه قريش، وغطفان والأحابيش أن يعطيهم شطر ثمار المدينة، لينصرفوا عنها، فقال أهلها من الأنصار: يا رسول الله، إن كنت تفعل هذا بوحي من السماء فالسمع والطاعة، وإن كان رأيا رأيته فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية تمرةً إلا قرى أو شرًا: فكيف وقد أعزنا الله بالإسلام: فلما عرف قوة أنفسهم كف، وصابرهم على القتال حتى انصرفوا، فكان فيما هم بفعله من ذلك دليل على جوازه.
الجزء: 13 - الصفحة: 344
وأما القسم الثاني: وهو العهد تعريفه: فهو أن يجعل لمن دخل من المشركين إلى دار الإسلام أمان إلى مدة مقدرةً بأربعة أشهر، ولا يجوز أن تبلغ سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان.
فإن كان على مال يؤخذ منهم كان أولى، وإن كان على غير مال جاز، ولا يجوز أن يعقد على مال يدفع إليهم، ولا أن يتولى عهدهم غير الإمام، فيكون العهد موافقا للهدنة من وجهين، ومخالفًا لها من وجهين: فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: أن لا يتولاهما إلا الإمام ونائبه.
والثاني: أن لا يجيب إليهما إلا عند المصلحة فيما للمسلمين دونهم.
وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن الهدنة يجوز أن تعقد على مال يدفع إليهم، ولا يجوز أن يعقد العهد على مال يدفع إليهم.
والثاني: في قدر المدةً، واختلافهما فيهما من وجهين:
أحدهما: أن انتهاء مدة الهدنة مقدرة بعشر سنين، وانتهاء مدة المقام في العهد أربعة أشهر.
والثاني: أنه يجوز في مدة العهد أن يتكرر دخولهم بذلك العهد، ولا يجوز بعد مدة الهدنة أن تتكرر موادعتهم إلا باستئناف عقد.
وأما القسم الثالث: وهو الأمان: فهو ما بذله الواحد من المسلمين أو عدد يسير لواحد من المشركين أو لعدد كثير فيكون موافقا للعهد من وجهين، ومخالفًا له من وجهين:
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: في تقدير مدتها بأربعة أشهر.
والثاني: التزام حكمهما في دار الإسلام من المسلمين، ولا يلزم في دار الحرب، ولا من المحاربين.
وأما الوجهان في المخالفة:
فأحدهما: أن العهد عام لا يتولاه إلا الإمام، والأمان خاص يجوز أن يتولاه غير الإمام.
والثاني: أن العهد يلزم فيه المماثلة، فنأمنهم إذا دخلنا إليهم كما نؤمنهم إذا دخلوا إلينا.
والأمان الخاص لا تلزم فيه المماثلة، فيجوز أن يؤمن آحادهم إذا دخلوا إلينا وإن لم يؤمنوا آحادنا إذا دخلنا إليهم.
وأما القسم الرابع: وهو عقد الذمة: فهو أن يقر أهل الكتاب على المقام في دار
الجزء: 13 - الصفحة: 345
الإسلام بجزيةً يؤدونها عن رقابهم في كل عام، وهو أوكد العقود الأربعة: لأنها موافقة لها من وجهين، ومخالفةً لها من وجهين، وزائدةً عليها من وجهين.
فأما الوجهان في الموافقة:
فأحدهما: الأمان.
والثاني: كفهم عن مطاولة الإسلام.
وأما الوجهان من المخالفة:
فأحدهما: اختصاص الذمة بأهل الكتاب، وعموم ما عداها في أهل الكتاب وغير أهل الكتاب.
والثاني: وجوب الجزية على أهل الذمة، وسقوطها عن غير أهل الذمة.
وأما الوجهان في الزيادة:
فأحدهما: أن عقد الذمة مؤبد، وما عداه مقدر، فإن قدرها بمدة فهي ناقصةً عن حكم الكمال، ويتقدر أقلها بسنة يستحق فيها الجزيةً، ولا يتقدر أكثرها بالشرع، وتتقدر بالشرط، وإن زادت على مدة الهدنة أضعافًا لأنها لما انعقدت على الأبد جاز أن تعقد مقدرةً بأكثر الأبد.
والثاني: أن عقد الذمة يوجب الذب عنهم من كل من أرادهم من مسلم وكافر، وما عداه يوجب ذب المسلمين عنهم دون غيرهم.
فإن عقدها لأهل الذمة على أن لا يذب أهل الحرب عنهم نظر.
فإن كانوا في بلاد الإسلام لم يجز، وإن كانوا في بلاد الحرب جاز؛ لأن التمكين منهم في بلاد الإسلام تسليط لأهل الحرب على المسلمين، ولو عقد العهد على أن يمنع أهل الحرب عنهم، فإن كانوا في بلاد الإسلام جاز، وإن كانوا في دار الحرب لم يجز إلا بشرطين:
أحدهما: أن يعلم الإمام من نفسه قوة على المنع.
والثاني: أن يعقدها على مال يبذلونه.
فإن عدم أحد الشرطين لم يجز.
فأما جريان أحكامنا عليهم جريان أحكام الإسلام على أهل الذمة، فقد قال الشافعي في تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
إن الصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، وله في المراد بهذه الأحكام قولان:
أحدهما: التحكم بالقوة والاستطالة.
والثاني: الأحكام الشرعية.
فعلى الأول لا تلزمهم أحكامنا.
وعلى الثاني تلزمهم أحكامنا، ولا تلزم من عداهم قولًا واحدًا، ولا يتولى عقد الذمة إلا الإمام، وإذا بذلوا الجزية وجب على الإمام أن يعقد لهم الذمة.
الجزء: 13 - الصفحة: 346
مسألة:
قال الشافعي: " ولا نعلم النبي - صلى الله عليه وسلم- صالح أحدًا على أقل من دينار، فمن أعطى منهم دينارًا غنيًا كان أو فقيرًا في كل سنة قبل منه ولم يزد عليه، ولم يقبل منه أقل من دينار من غني ولا فقير، فإن زادوا قبل منهم ".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء في أقل الجزية وأكثرها، فذهب الشافعي إلى أن أقلها مقدر بدينار لا يجوز الاقتصار على أقل منه من غني ولا فقير، وأكثرها غير مقدر، وهو موكل إلى اجتهاد الإمام.
فإن لم يجيبوا إلى الزيادةً على الدينار من غني ولا فقير وجب على الإمام إجابتهم إليه، وإن طبقوا أنفسهم بالغنى والتوسط، والذي عاقدهم عليه.
وقال أبو حنيفة: هي مقدرة الأقل والأكثر بحسب طبقاتهم، فيؤخذ من الغني ثمانيةً وأربعون درهما مصارفةً اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة درهمًا مصارفة اثنا عشر بدينار، ومن المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، ومن الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا.
وقال سفيان الثوري: لا يتقدر أقلها، ولا أكثرها، وهي موكولة إلى اجتهاد الإمام في أقلها وأكثرها، فإن رأى الاقتصار على أقل من دينار جاز، وإن رأى الزيادة على الأربعة فعل.
وقد حكي عن مالك كلا المذهبين من قول أبي حنيفة، وقول سفيان.
واستدل أبو حنيفة على تقدير أقلها وأكثرها بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ضرب الجزيةً على أهل الذمة فيما فتحه من سواد العراق، على الفقير المعتمل اثنا عشر درهمًا، وعلى المتوسط أربعة وعشرون درهمًا، وعلى الغني ثمانيةً وأربعون درهمًا عن رأي شاور فيه الصحابة، فصار إجماعًا، ولأنه مال يتعين وجوبه بالحول، فوجب أن يختلف بزيادةً المال كالزكاةً، ولأن المأخوذ بالشرك صار جزيةً وخراجًا، فلما اختلف الخراج باختلاف المال وجب أن تختلف الجزية باختلاف المال.
واستدل الثوري بأن قال: الهدنة لما كانت موكولةً إلى اجتهاد الإمام، ولم يتقدر أقلها وأكثرها وجب أن تكون الجزية بمثابتها لا يتقدر أقلها وأكثرها.
ودليلنا ما رواه أبو وائل شقيق بن سلمة، عن مسروق، عن معاذ بن جبل أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمره حين بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل حالم دينارًا، وعدله من المعافر، ومعلوم أنهم كانوا على اختلاف في الغنى والتوسط فسوى بينهم، ولم يفاضل.
وروي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- صالح أكيدر دومة على نصارى أيلةً، وهم ثلاثمائة رجل
الجزء: 13 - الصفحة: 347
على ثلاثمائة دينار، فجعلها معتبرة بعددهم، وليس يعتبرها بيسارهم وإعسارهم.
ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أخذ جزية نصراني بمكة يقال له أبو موهب دينارا، ولم يذكر يساره ولا إعساره، فدل على استواء الحالين.
وروى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر بأخذ الجزية من أهل الكتاب - من كل حالم دينارًا، ولم يفضل فدل على التساوي.
ومن القياس أن كل من حقن دمه بالجزيةً جاز أن يتقدر بالدينار - كالمقل، ولأن كل ما جاز أن يتقدر به جزية المقل جاز أن يتقدر به جزية المكثر كالأربعة، ولأن حرمةً دمهما واحدةً، فوجب أن تكون جزيتهما واحدة.
فأما الجواب عما فعله عمر، فهذا أنه قدره عليهم عن مراضاة بينه وبينهم لا ينكر مثلها إذا فعلوه.
وقياسهم على الزكاة منتقض بزكاة الفطر التي لا تزيد زيادة المال، ثم المعنى في الزكاةً وجوبها في عين المال، فجاز أن تختلف بقلته وكثرته، والجزية في الذمة عن حقن الدم كالأجرة، فلم تختلف بزيادة المال وكثرته كالإجارة.
وأما الجواب عن جمعهم بين الجزية والخراج، فهو أن الخراج عند الشافعي أجرة عن أرض ذات منفعة، فجاز أن يختلف باختلاف المنافع، والجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر، وذلك غير مختلف باختلاف المال، فلم يتفاضل بتفاضل المال.
وأما الجواب عن استدلال سفيان الثوري بالهدنةً، فهو أن الهدنةً لما جاز أن تكون موقوفةً على رأي الإمام في عقدها بمال وغير مال جاز عقدها على رأي الإمام في قدر المال، والجزيةً لا تقف على رأيه في عقدها بغير مال، فلم تقف على رأيه في تقدير المال.
مسألة:
قال الشافعي: " في كتاب السير ما يدل على أنه لا جزية على فقير حتى يستغني، قال المزني: والأول أصح عندي في أصله، وأولى عندي بقوله ".
قال في الحاوي: وأما المقل الذي يملك قدر الجزية ولا يملك ما سواها، فهي عليه واجبةً، لقدرته على أدائها، فأما الفقير الذي لا يملك قدر الجزية، فضربان:
أحدهما: أن يكون معتملًا يكسب بعمله في السنة قدر جزيته فاضلة عن نفقته، فالجزية عليه واجبة.
والثاني: أن يكون غير معتمل لا يقدر على الاكتساب إلا بالمسألة لقدر قوته من غير فضل، ففي وجوب الجزية عليه قولان:
الجزء: 13 - الصفحة: 348
أحدهما: وهو المنصوص عليه في كتاب الجزيةً، وعامةً كتبه أنها واجبةً عليه، ولا تعقد له الذمة إلا بها، وهو اختيار المزني.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي: أنه لا جزية عليه، ويكون في عقد الذمة تبعا لأهل المسكنة، كالنساء والعبيد، وبه قال أبو حنيفة، احتجاجا بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين طبق في الجزية أهل العراق ثلاث طبقات، جعل أدناها الفقير المعتمل، فدل على سقوطها عن غير المعتمل، ولأنه مال يجب في كل حول، فلم تجب على الفقير كالزكاةً، ولأن الجزية ضربان على الرءوس والأرضين، فلما سقطت عن الأرض إذا أعوز نفقتها، سقطت عن الرءوس إذا أعوز وجودها.
والدليل على وجوبها على الفقير: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 29].
إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ﴾ [التوبة: 29]
فلما كان قتالهم عامًا في الموسر والمعسر وجب أن يكون ما جعله غاية في الكف عن قتالهم من بذل الجزية عامًا في الموسر والمعسر: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال لمعاذ بن جبل - حين بعثه إلى اليمن: خذ من كل حالم دينارا، وقد علم أن فيهم فقيرا، ولم يميزهم، فدل على أخذها منهم.
فإن قيل: فالأمر بالأخذ في الكتاب والسنةً مشروط بالقدرةً، ويسقط فيما خرج من القدرةً.
قيل: هذا الأمر إنما توجه إلى الضمان دون الدفع: لأنه في ابتداء الحول، والدفع يكون بعد الحول، وقد يتوجه الضمان إلى المعسر ليدفعه إذا أيسر كسائر الحقوق.
ومن القياس أنه حر مكلف، فلم يجز إقراره على كفره في دار الإسلام بغير جزية كالموسر، وفيه احتراز من المرأةً: لأنها تدخل في اللفظ المذكر، ولأن كل من حل قتله بالأسر لم تسقط عنه الجزية بالفقر كالغني إذا افتقر، ولأنه أحد سببي ما يحقن به الدم، فوجب أن يقوى فيه الغني والفقير كالإسلام، ولأن الجزية في مقابلة أمرين:
أحدهما: حقن الدم.
والآخر: الإقرار في دارنا على الكفر.
وما حقن به الدم لم يسقط بالإعسار، كالدية.
وما استحق به المقام في مكان لم يسقط بالإعسار كالأجرة.
فأما الجواب عن فعل عمر - رضي الله عنه - فمن وجهين:
أحدهما: أن أخذها من الفقير المعتمل لا يوجب سقوطها عن غير المعتمل.
والثاني: أن المعتمل هو المكتسب بالعمل - وغير المعتمل قد يتكسب بالمسألة، وهي عمل فصار كالمعتمل.
والقياس على الزكاة فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الزكاة تجب في المال، فاعتبرناه في الوجوب، والجزية تجب في الذمة، فلم يعتبر المال في الوجوب.
الجزء: 13 - الصفحة: 349
والثاني: أن الجزيةً تجب على الفقير المعتمل، ولا تجب عليه الزكاةً، فلم يجز اعتبارها بالزكاة.
وأما الجواب عن الجمع بين الجزية والخراج مع اختلاله من وجهين:
أحدهما: أن الخراج لا يسقط بالفقر، فكذلك الجزية.
والثاني: أنه لما لم يسقط ما في مقابلة الجزية من حقن الدم في حق الفقير لم تسقط الجزيةً، ولما سقط ما قي مقابلة الخراج من المنفعة سقط به الخراج.
فصل:
فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا: إنه لا جزية على الفقير مطالبته بالجزية، كانت القدرة عليها شرطًا في الوجوب والأداء، فلا يخاطب بوجوبها مع الفقر، إذا أيسر بها استوقف حوله، وأخذت منه بانقضائه.
وإن قلنا: إن الجزية واجبة على الفقير، لم تكن القدرة شرطًا في وجوبها، فإذا حال الحول، وهو فقير وجبت عليه الجزيةً، وفيها وجهان دل كلام ابن أبي هريرة عليهما:
أحدهما: أنه ينظر بها إلى ميسرته مع إقراره في دار الإسلام كسائر الديون التي يجب الأنظار بها إلى وقت اليسار.
والثاني: لا يجوز أن ينظر بها لإعساره؛ لأن لها بدلًا في حقن دمه وهو قائم عليه، وهو الإسلام، فإذا امتنع منه لم يجز إنظاره.
وقيل: إن لم تسلم، ولم يتوصل إلى تحصيل الجزية بالطلب والمسألة، لم يجز أن تقر في دار الإسلام، وأبلغت مأمنك، ثم كنت حربًا، ألا ترى أن الكفارةً، لما كان الصوم فيها بدلًا لم تسقط بالإعسار؟ ولم يجب فيها أنظار إلى وقت اليسار؟ كذلك الجزية.
مسألة:
قال الشافعي: " وإن صالحوا على ضيافةً ضيافة ما ضفت ثلاثًا، قال: ويضيف الموسر كذا والوسط كذا، ويسمى ما يطعمونهم خبز كذا، ويعلفون دوابهم من التبن والشعير كذا، ويضيف من مر به من واحد إلى كذا وأين ينزلونهم من فضول منازلهم أو في كنائسهم، أو فيما يكن من حر وبرد ".
قال في الحاوي: يجوز أن يصالح أهل الذمة على عقد الجزية على ضيافة من يمر بهم من المسلمين، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم- صالح أكيدر دومةً عن نصارى أيلة على ثلاثمائة دينار، وكانوا ثلاثمائة رجل، وأن يضيفوا ما مر بهم من المسلمين ثلاثة أيام لا يغشوا
الجزء: 13 - الصفحة: 350
مسلماً.
وصالح عمر بن الخطاب رضي الله عنه نصارى الشام علي أن ضرب عليهم الجزية علي أهل الذهب أربعة دنانير، وعلي أهل الورق ثمانية وأربعون درهما وضيافة ثلاثة أيام، ولأنه مرفق يستزاد من المشركين ويستعين به سابلة المسلمين، وإذا كان كذلك فالكلام في عقد هذه الضيافة، مشتمل علي ثلاثة فصول.
أحدهما: حكمها فيمن يشترط عليه.
والثاني: حكمها فيمن تشرط له.
والثالث: حكم بيانها.
فأما الفصل الأول: فيمن يشترط عليه، فمعتبر بثلاثة شروط:
أحدهما أن يبذلوا طوعا لا يجبرون عليها، لأنها عقد مراضاة، فلم يصح إلا عن اختيار الجزية، فإن امتنعوا من الضيافة، ولم يجيبوا إلي غير الدينار قبل منهم، وأسقطت الضيافة عنهم كما تسقط عنهم الزيادة علي الدينار إذا امتنعوا منها فإن امتنع منها بعضهم، وأجاب إليها بعضهم سقطت عمن امتنع ولزمت من أجاب.
والثاني: أن يكون بهم قوة عليها لا يضعفون عنها إما لخصب بلادهم، وإما لكثرة أموالهم، فإن ضعفوا عنها لم يؤخذوا بها، واختص وجوبها بالأغنياء والمتوسطين دون المقلين، بخلاف الجزية، لأن الضيافة تتكرر في السنة، والجزية لا تتكرر.
والثالث: أن تشترط عليهم بعد جزية رؤوسهم وهو الدينار الذي هو أصل المأخوذ منهم، ليكون زيادة معونة ومرفق، فإن جعلت الضيافة في الجزية، ولم يؤخذ دينار الجزية، ففي جوازه لأصحابنا وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزى، وأبي علي بن أبي هريرة، وجمهور البغداديين أنه لا يجوز إلا بعد الدينار لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم صالح أهل أيلة عليهما، وكذلك عمر في صلح أهل الشام، ولأن الدينار معلوم يعم نفعه، فلم يجز أن يسقط بالضيافة التي يخص نفعها.
والثاني: وهو قول كثير من البصريين يجوز الاقتصار عليها، إذا لم يبذلوا الدينار معها، إذا كان مبلغها في السنة معلوما قدر الدينار فما زاد، لأن الضيافة جزية، فلم يلزم أن يجمع عليهم بين جزيتين، كما لم يلزم في نصارى بني تغلب حين ضاعف عمر عليهم الصدقة أن يأخذها مع دينار الجزية، لأن كل واحد منهما جزية، ولأنه لما جاز أن يصالحوا علي الدينار دون الضيافة جاز أن يصالحوا علي الضيافة دون الدينار فعلي الوجه
الجزء: 13 - الصفحة: 351
الأول: يجوز أن يشترط عليهم ضيافة من يمر بهم، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة، وإن لم يمر بهم أحد لم يؤخذ منهم ثمن الضيافة.
وعلي الوجه الثاني: لا يصح حتى يعلم عدد الأضياف في جميع السنة وإن لم يمر بهم أحد، أو يمر بهم بعض العدد حوسبوا، وأخذ منهم ثمن الضيافة من بقي، فيكون الفرق بين الوجهين من وجهين:
أحدهما: جوازه علي الوجه الأول، وإن لم يعلم عددهم في جميع السنة ولا يجوز علي الوجه الثاني حتى يعلم عددهم في جميع السنة.
والثاني: أن لا يؤخذ منهم علي الوجه الأول قيمة الضيافة إن تأخر الأضياف، وتؤخذ منهم علي الوجه الثاني قيمتها إن تأخروا.
وأما الفصل الثاني: وهو من يشترط له من الأضياف، فهم أهل الفئ من المجتازين بهم دون المقيمين بينهم، لأن الضيافة جزية، والجزية لأهل الفئ خاصة، فعلي هذا تكون مقصورة علي الجيش المجاهدين خاصة أو تكون لهم ولغيرهم من أهل الفئ علي قولين من مصرف مال الفئ هل يختص بالجيش أو يعم جميع أهل الفئ؟ فإن شرطت الضيافة لغير أهل الفئ من تجار المسلمين وجميع السابلة جاز علي الوجه الأول إذا قيل: إنها تشترط بعد الدينار، ولم تجز علي الوجه الثاني إذا قيل: إنه يجوز الاقتصار عليها وحدها، فإن أراد الضيف أن يأخذ منهم قدر ضيافته، ولا يأكل من عندهم نظر.
فإن طالبهم بثمن الضيافة لم يلزمهم دفعه، وإن طالبهم بطعام الضيافة لزمهم دفعه، وفارق ما أبيح من أكل طعام الولائم الذي لا يجوز أخذه لأن هذه معاوضة، والوليمة مكرمة، ولا يطالبهم بطعام الأيام الثلاثة في الأول منها، لأنه مؤجل فيها، فلا يطالبوا به قبل حلوله، ويطالب في كل يوم بقدر ضيافته، فإن لم يطالب بضيافة اليوم حتى مضي لم يجز أن يطالبهم به علي الوجه الأول إذا جعل تبعا للدينار وجاز أن يطالبهم به علي الوجه الثاني إذا جعل مقصودا كالدينار.
ولو تكاثر أهل الذمة علي ضيف تنازعوه كان الخيار إلي الضيف دون المضيف في نزوله علي من يشاء منهم بغير قرعة، ولو تكاثر الأضياف علي المضيف كان الخيار إلي المضيف دون الأضياف إلي أن يقصد عدد أهل الناحية عن إضافة جميعهم، فيقرع بينهم، ويضيف كل واحد منهم من قرع، والأولي أن يكون للأضياف عريف يكون هو المرتب لهم، لينقطع التنازع بينهم.
وأما الفصل الثالث: في بيان الضيافة، فيعتبر فيها ثلاثة شروط:
أحدهما: عدد الأضياف.
والثاني: أيام الضيافة.
الجزء: 13 - الصفحة: 352
والثالث: قدر الضيافة.
فأما الشرط الأول: في عدد الأضياف، فهو أن يشترط علي الموسر ما استقر عليه من خمسة إلي عشرة، وعلي المتوسط من ثلاثة إلي خمسة بحسب ما يقع عليه التراضي، ليضيف كل واحد منهم القدر المشروط عليه في يساره وتسوطه فإن سوى بين الموسر والمتوسط في عدد الأضياف جاز مع المراضاة كما يجوز أن يسوى بينهم في دينار الجزية، فإن شرط علي جميع الناحية عددا من الأضياف كأنه شرط علي الناحية ضيافة ألف رجل جاز، واجتمعوا علي تقسيط الألف بينهم علي ما ينفقون عليه من تفاضل أو تساو، فإن اختلفوا، وتنازعوا إلينا، قسطت بينهم التساوي دون التفاضل، فإن كانت لهم جزية رؤوس تفاضلوا فيها، ففي اعتبار الضيافة بها وجهان:
أحدهما: يتفاضلون في الضيافة بحسب تفاضلهم في جزية الرؤوس إذا جعلت الضيافة تبعا.
والثاني: يتساوون في الضيافة، وإن تفاضلوا في الجزية إذا جعلت الضيافة أصلا.
وأما الشرط الثاني: في أيام الضيافة: فالعرف والشرع فيها لكل ضيف ثلاثة أيام.
أما العرف المشهور في الناس تقديرها بالثلاث.
وأما الشرع: فلقول النبي صلي الله عليه وسلم "الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد عليها مكرمة".
وروى "صدقة"، ولأن الضيافة مستحقة للمسافر ومقامه في سفره ثلاث، وما زاد عليها مغير لحكم السفر إلي الإقامة والضيافة لا يستحقها مقيم، فإن زاد في الشرط علي ثلاث أو نقص منها كان الشرط أحق من مطلق الشرع والعرف، ويذكر عدد أيام الضيافة في السنة أنها مائة يوم أو اقل، أو أكثر ليكون أنفي الجهالة، فإن لم يذكر عدد الضيافة، وأيامها في السنة، واقتصر علي ذكر ثلاثة أيام عند قدوم كل قوم كان علي الوجهين في الضيافة:
أحدهما: يجوز إذات جعلت تبعا.
والثاني: لا يجوز إذا جعلت أصلا.
وأما الشرط الثالث: فهو قدر الضيافة، فمعتبره من ثلاثة أوجه:
أحدهما: جنس الطعام، وذلك غالب أقوالهم من الخبز والأدم، فإن كانوا يقتاتون الحنطة، ويتأدمون باللحم، فإن عليهم أن يضيفوهم بخبز الحنطة، وأدم اللحم.
وإن كانوا يقتاتون الشعير، ويتأدمون بالألبان أضافوهم منه أو بما سوى ذلك مما هو غالب قوتهم وأدامهم، وإن كانت لهم ثمار وفواجه يأكلونها غالبا في كل يوم شرطها
الجزء: 13 - الصفحة: 353
عليهم في زمانها وليس للأضياف أن يكلفوهم ما ليس بغالب من أقواتهم، وأدامهم، ولا ذبح حملانهم ودجاجهم، ولا الفواكه النادرة والحلوى التي لا تؤكل في يوم غالبا ولا ما لم يتضمنه شرط صلحهم.
والثاني: مقدار الطعام والأدام، وللطعام في الشرع أصل أكثره "مدان" من حب في فدية الأذي وأقله "مد" في كفارة الأيمان لأنه ليس يحتاج أحد في الأغلب إلي أكثر من "مدين" ولا يقتنع في الأغلب بأقل من مد و"المد" رطل وثلث، ويكون خبزه رطلين، والمدان أربعة أرطال خبزًا.
فأما الإدام فلا أصل له في الشرع، فيكون مقداره معتبرا بالعرف الغالب يشرط لكل ضيف من الخبز كذا، فإن ذكر أقل من رطلين لم يقتنع، وإن ذكر أكثر من أربعة لم يحتج إليها، ولو شرط ثلاثة كان وسطا، ويذكر جنس الإدام، ومقداره للضيف في كل يوم، وإن كانت له دواب ذكر ما يعقله الواحد منها في كل يوم من التبن والقت والشعير بمقدار كاف، لا سر فيه ولا تقطير، فإن شرط علفها، وأطلقه علقت التبن والقت، ولا يلزمهم للأضياف أجرة حمام، ولا طبيب، ويشترط عليهم أن من انقطع مركوبه حملوه إلي أقرب بلاد الضيافة لهم، فإن لم يشترط عليهم لم يلزمهم.
والثالث: السكن لحاجتهم إليه في الحر والبرد، فيشترط عليهم أن يسكنوهم من فضول منازلهم، وكنائسهم وبيعهم، ليكونوا فيها من حر وبرد، وكذلك لدوابهم.
وقد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلي الشام أن يؤخذ أهل الذمة بتوسيع أبواب كنائسهم وبيعهم، ليدخلها الراكب إذا نزلها، وليس للأضياف إخراجهم من مساكنهم إذا نزلوا عليهم، وإن ضاقت بهم ويثبت الإمام ما استقر من صلح هذه الضيافة في ديوان كل بلد من بلاد الضيافة، ليأخذهم عامل ذلك البلد بموجبه ثم يثبته في الديوان العام لثبوت الأموال كلها ليرفع إليه عند الحاجة إذا تنازع فيه المسلمون وأهل الذمة، وإن فقد الديوان، ولم يعرف فيه ما صولحوا عليه عمل ما يشهد به شاهدان من المسلمين، فإن لم يكن عندهم شهادة قبل فيه قول أهل الذمة إقرارا لا خبرا ولا شهادة، فإن عمل علي قولهم فيها ثم بان له زيادة رجع عليهم بها.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يؤخذ من امرأة ولا مجنون حتى يفيق ولا مملوك حتى يعتق ولا صبي حتى ينبت الشعر تحت ثيابه أو يحتلم أو يبلغ خمس عشرة سنة فيلزمه الجزية كأصحابه".
الجزء: 13 - الصفحة: 354
قال في الحاوي: ذكر الشافعي فيمن تسقط الجزية عنه أربعة أصناف النساء والمجانين والعبيد والصبيان.
فأما النساء، فلا جزية عليهم لخروجهن عن المقاتلة، وتحريم قتلهن عند السبي، والله تعالي يقول: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 29] وهن غير مقاتلات.
وقد مر رسول الله صلي الله عليه وسلم في بعض غزواته بامرأة مقتولة، فقال "ما بال هذه تقتل وهي لا تقاتل" فذلك قلنا: إنه لا جزية عليها، سواء كانت ذات زوج يؤدي الجزية أو كانت خالية لا تتبع رجلا، وهكذا الخنثي المشكل لا جزية عليه، لجواز أن يكون امرأة، فلو بذلت امرأة من أهل الذمة الجزية عن نفسها، لم يلزم لخروجها من أهل الجزية، فإن دفعتها مختارة جاز قبولها منها، وتكون هدية لا جزية، فإن امتنعت من إقباضها لم تجبر علي دفعها، لأن الهدايا لا إجبار فيها وإذا نزل جيش المسلمين حصنا، فبذل نساؤه الجزية لم يخل حالهن من أمرين:
أحدهما: أن يكون معهن رجال، فلا يصح عقد الجزية معهن، سواء بذلن الجزية من أموالهن أو من أموال رجالهن، لأنهن إن بذلنها من أموالهن، فليس من أهل الجزية، فلا تلزمن،، إن بذلنها من أموال رجالهن لم يلزم الرجال بعقد غيرهم.
والثاني: أن ينفرد النساء في الحصن عن رجل مختلط بهن، ففي انعقاد الجزية معهن منفردات قولان حكاهما أبو حامد الإسفراييني وأشار إليهما أبو علي بن أبي هريرة توجيها:
أحدهما: أنه لا تنعقد بهما الذمة لهن لخروجهن من أهل الجزية، فلم تنعقد معهم الجزية، فعلي هذا يصمم أمير الجيش علي حصارهن حتى يسبين:
والثاني: تنعقد معهن الذمة بما بذلنه من الجزية ويحرم سبيهن لأنه لما كان إقرارهن بالجزية تبعا كان إقرارهن بما بذلنه منفردات أولي، فعلي هذا هل تلزمهن الجزية يبذلهن أم لا علي وجهين أشار إليهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: يلزمهن أداؤها بعد إعلامهن عند عقدها أنهن من غير أهلها فإن امتنعن من بذلها بعد لزومها خرجن عن الذمة.
والثاني: أن لا يلزمهن أداؤها وتكون كالهدية تؤخذ منهن إذا أجبن إليها، ولا تؤخذ إذا امتنعن منها، وهل علي ذمتهن في حالتي الإجابة والمنع.
وإذا اجتمع الرجال والنساء، فبذل الرجال الجزية عن أنفسهم ونسائهم نظر.
فإن بذلوها من أموالهم جاز، ولزمهم ما بذلوه، وجري مجري زيادة بذلوها من
الجزء: 13 - الصفحة: 355
جزيتهم، ولا يؤخذ الرجال إلا بجزية أنفسهم دون نسائهم.
فصل:
وأما المجانين فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، وأنهم في جملة الذراري ولا يقتل المجنون إذا سبي، هذا إذا كان جنونه مطبقا، فأما إذا جن في زمان، وأفاق في زمان، فقد قال أبو حنيفة: يراعي فيه أغلب حالتيه.
فإن كان المجنون أكثر، فلا جزية، وإن كان أقل، فعليه الجزية.
ومذهب الشافعي يلفق زمان الإفاقة قل أو كثر يستكمل حولا، فإن كان يجن يوما ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من سنتين وإن كان يجن يومين ويفيق يوما أخذت منه جزية سنة من ثلاث سنين، وإن كان يجن يوما، ويفيق يومين أخذت منه جزية سنة من سنة ونصف، ثم علي هذا القياس، لأنه لما اختلف حكم الإفاقة، وحكم الجنون كان تميزها أولي من تغليب أحدهما، لأن في التمييز جمعا بين الحكمين وفي تغليب الأكثر إسقاط أحدهما.
فصل:
وأما العبيد، فلا جزية عليهم، لما روي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية علي العبيد".
وقال عمر: لا جزية علي مملوك.
ولأنهم تبع لساداتهم، ولأنهم لا يملكون، فكانوا أسوأ حالا من الفقراء، ولأنهم مماليك، فكانوا كسائر الأموال، وكذا لا جزية علي مدبر، ولا مكاتب، ولا أم ولد، لأنهم عبيد، ولا جزية علي من بعضه حر وبعضه مملوك، لأن أحكام الرق عليه أغلب.
وقيل: إنه يؤدي من الجزية بقدر ما فيه من الحرية، لأنه يملك بها، فإذا أعتق العبد علي كفره، وكان من أهل الكتاب اسؤنفت جزيته، وسواء أعتقه مسلم أو كافر.
وقال مالك: إن عتقه مسلم، فلا جزية عليه، لحرمة ولائة، وهذا خطأ، لأن حرمة النسب أغلظ، ولا تسقط الجزية بإسلام الأب، فكان أولي أن لا تسقط بإسلام المعتق، لكن إن كان المعتق مسلما استؤنفت جزيته عن مراضاة، وإن كان معتقه ذميا، ففيها ثلاثة أوجه:
أحدها: أنه يلزمه جزية معتقه، لأنها لزمته بعتقه.
والثاني: يلزمه جزية عصبته، لأنهم أخص بميراثه ونصرته.
الجزء: 13 - الصفحة: 356
والثالث: أنه لا يلزمه إلا ما استأنف الصلح عليه بمراضاته، ليفرده بها من غيره فإن امتنع منها بنذر إليه عهده، ثم صار حرا، وعلي الوجهين الأولين تؤخذ منه جبرا.
فصل:
وأما الصبيان، فلا جزية عليهم لارتفاع القلم عنهم، ولأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال لمعاذ: "خذ من كل حالم دينارا" فدل علي سقوطها عن غير الحالم، ولأنهم من غير أهل القتال، ولأنهم يسترقون إذا سبوا، فصاروا أموالا، فإذا بلغوا وجبت عليهم الجزية.
والظاهر من مذهب الشافعي أنهم لا يلتزمون جزية آبائهم من غير استئناف عقد معهم، لأنهم خلف لسلفهم.
وقال أبو حامد الإسفراييني: لا تلزمهم جزية آبائهم، ويستأنف معهم عقدها عن مراضاتهم، إما بمثلها أو بأكثر أو أقل إذا لم ينقص عن الدينار، وهذا وهم فيه يفسد من وجهين: مذهب، وحجاج.
أما المذهب: فإن الشافعي قد جعل جزية الولد إذا اختلفت جزية أبوية أن جزيته جزية أبيه دون أمه.
وأما الحجاج: فمن وجهين:
أحدهما: أنهم لما كانوا تبعا لآبائهم في أمان الذمة كانوا تبعا لهم في قدر الجزية.
والثاني: أن عقد الذمة مؤبد، وهذا يجعله مؤقتا يلزم استئنافه مع بلوغ كل ولد، وفيه أعظم مشقه، وما فعله أحد من الأئمة.
فأما البلوغ: فيكون بالاحترام، وباستكمال خمس عشرة سنة، ويحكم ببلوغه بإنبات الشعر، لأن سعد بن معاذ حكم في بني قريظة أن من جرت عليه المواسي قتل، ومن لم تجر عليه استرق.
فقال النبي صلي الله عليه وسلم: "هذا حكم الله من فوق سبعة أرقعة".
وهل يكون ذلك بلوغا فيهم كالسن والاحتلام، أو يكون دليلا علي بلوغهم، فيه قولان مضيا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا، وبلغ الصبي، وأعتق العبد، وأفاق المجنون نظر.
فإن كان ذلك في أول الحول: فقد ساووا أهل دينهم في حول جزيتهم، وإن كان ذلك في تضاعيف الحول مثل أن يكون قد مضي من الحول نصفه قيل لهم: لا يمكن أن يستأنف لكم حول غير حول أهل دينكم لأنه شاق، وأنتم بالخيار إذا حال حول الجماعة وقد مضي لكم من الحول نصفه بين أن تعطوا جزية نصف سنة ثم يستأنف لكم الحول مع
الجزء: 13 - الصفحة: 357
الجماعة، وبين أن تتعجلوا جزية سنة حتى تؤخذ منكم في السنة الثانية جزية نصف سنة، وبين أن تستنظروا بجزية نصف هذه السنة حتى تؤخذ منكم مع الجزية السنة الثانية إذا تمت جزية سنة ونصف فاق هذه الثلاثة سألوها أجيبوا إليها.
مسألة:
قال الشافعي: "ويؤخذ من الشيخ الفاني والزمن".
قال في الحاوي: وهذا مبني علي إباحة قتل من أسر منهم، وقد اختلف قول الشافعي في إباحة قتل الرهبان، وأصحاب الصوامع، والأعمى ومن لا نهضة فيه من الشيوخ والزمني الذين لا يقاتلون إما لتعبد كالرهبان أو لعجز كالشيخ الفاني، ففي جواز قتلهم قولان:
أحدهما: يجوز قتلهم، لأنهم من جنس مباح القتل، ولأنهم كان رأيهم، وتدبيرهم أضر علينا من قتال غيرهم، فعلي هذا لا يقرون في دار الإسلام إلا بجزية.
والثاني: أنه لا يجوز قتلهم، لأن القتل للكف عن القتال، وقد كفوا أنفسهم عنه، فلم يقتلوا، فعلي هذا يرون بغير جزية وهو مذهب أبي حنيفة فصار في إقرارهم بغير جزية قولان.
فصل:
فأما يهود خيبر، فالذي عليه الفقهاء أنهم ممن أخذ الجزية منهم كغيرهم، وقد تظاهروا في هذا الزمان بأمان رسول الله صلي الله عليه وسلم في كتاب نسبوه إليه وأسقطوا به الجزية عن نفوسهم، ولم ينقله أحد من رواه الأخبار، ولا من أصحاب المغازي، ولم أر لأحد من الفقهاء في إثباته قولا غير أبي علي بن أبي هريرة فإنه جعل مساقاة رسول الله صلي الله عليه وسلم في نخل خيبر حين افتتحها، وقوله لهم: "أقركم ما أقركم الله" أمانا، وجعلهم بالمساقاة حولا، وأن بهذين سقطت الجزية عنهم، وهذا قول تفرد به لا أعرف له موافقا عليه، وليس الأمان موجبا لسقوط الجزية، لأنها تجب الأمان، فلم تسقط به، ولا تسقط بالمعاملة كما لا تسقط بها جزية غيرهم، ولو جاز هذا فيهم لكان من أهل فدك أجوز، لأنه فتحها صلحا وفتح خيبر عنوة، وأحسب أبا علي بن أبي هريرة لما رأي الولاة، علي هذا أخرج لفعلهم وجهًا، وما لم يثبته الفقهاء لنقل أوجب التخصيص فحكم العموم فيه أمضي والله أعلم.
الجزء: 13 - الصفحة: 358
مسألة:
قال الشافعي: "ومن بلغ وأمه نصرانية وأبوه مجوسي أو أمه مجوسيه وأبوه نصراني فجزيته جزية أبيه لأن الأب هو الذي عليه الجزية لست أنظر إلي غير ذلك".
قال في الحاوي: وجملته أنه إذا اختلف حكم أبوي الكافر في حكم كفرهما المتعدي عنهما إلي ولدها، تعلق باختلافهما أربعة أحكام.
أحدهما: الجزية.
والثاني: النكاح والذبيحة.
والثالث: عقد الذمة.
والرابع: الدية.
فأما الحكم الأول: وهو الجزية، فهو أن يكون أبوه نصرانيا له جزية، وأمه يهودية لقومها جزية أخري، فجزية الولد جزية أبيه دون أمه سواء قلت جزية أبيه أو كثرت لأمرين:
أحدهما: أنه داخل في نسب أبيه دون أمه، فدخل في جزيته دونها.
والثاني: أن الجزية علي أبيه دون أمه، فدخل في جزية من تجب عليه الجزية دون من لا تجب عليه.
وأما الحكم الثاني: وهو استباحة النكاح والذبيحة، وهو أن يكون أحد أبويه يهوديا، والآخر مجوسيا، فينظر.
فإن كان أبوه مجوسيا وأمه نصرانية، لم تحل ذبيحة الولد ولم ينكح إن كان امرأة تغليبا لحكم الحظر واعتبارا بلحوق النسب.
وإن كان أبوه نصرانيا، وأمه مجوسية، ففيه قولان:
أحدهما: يعتبر بأبيه واستباحة نكاحه، وأكل ذبيحته، تعليلا بلحوق النسب به.
والثاني: يعتبر بأنه في خطر نكاحه، وتحريم ذبيحته، تعليلا لتغليب الحظر علي الإباحة.
وأما الحكم الثالث: وهو عقد الذمة، فهو أن يكون أحد أبويه كتابيا يقر بالجزية، وثنيا لا يقر بالجزية، فقد اختلف كلام أصحابنا فيه، لأن الشافعي عطف به علي استباحة النكاح والذبيحة عطفا مرسلا، فخرج عن اختلافهم فيه أربعة أوجه:
أحدهما: أن يكون في ذمته ودينه ملحقا بأبيه دون أمه اعتبارا بنسبه، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كان وثنيا فهو وثني لا يقر بالجزية.
الجزء: 13 - الصفحة: 359
والثاني: أن يكون في دينه ملحقا بأمه دون أبيه اعتبارا بجزيته ورقه في لحوقه بأمه دون أبيه، ولحدوثه عن اختلاف الدين، فعلي هذا إن كانت أمه كتابيه، فهو كتابي يقر بالجزية، وإن كانت وثنية، فهو وثني لا يقر بالجزية.
الثالث: أن يلحق بأثبتهما دينا كما يلحق بالمسلم منهما دون الكافر، فعلي هذا إن كان أبوه كتابيا وأمه وثنية ألحق بأبيه، وجعل كتابيا يقر بالجزية، وإن كانت أمه كتابية، وأبوه وثنيا ألحق بأمه، وجعل كتابيا يقر بالجزية.
والرابع: أن يلحق بأغلظهما كفرا، لأن التخفيف رخصة مستثناة، فعلي هذا أيهما كان في دينه وثنيا، فهو وثني لا يقر بالجزية سواء كان الوثني منهما أبا أو أما، وهو ضد الوجه الثالث كما أن الوجه الثاني ضد الوجه الأول.
وأما الحكم الرابع، وهو الدية: إذا قتل، فهو أن يكون أحد أبويه نصرانيًا والآخر مجوسيًا، فهو ملحق في الدية بأكثر أبويه دية سواء كان أبًا وأمًا، نص عليه الشافعي في "الأم".
والفرق بين الدية والنسب من وجهين:
أحدهما: أن الدية لما اختلفت باختلاف الدين، ولم تختلف باختلاف النسب، وكان في الدين ملحقا بالمسلم منهما تغليظا كان في الدية ملحقا بأغلظهما دية.
والثاني: أن ما أوجب ضمان النفوس كان معتبرا بأغلظ الحكمين كالمحرم إذا قتل ما تولد من بين وحشي وأهلي أو مأكول، ومحظور لزمه الجزاء تغليظا.
مسألة:
قال الشافعي: "فأيهم أفلس أو مات فالإمام غريم يضرب مع غرمائه".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا مات الذمي أو أفلس بعد الحول لم تسقط عنه الجزية بموته وفلسه، وأسقطها أبو حنيفة بموته احتجاجا بأن الجزية عقوبة تسقط عن الميت كالحدود، لأنه يخرج بالموت من أهل القتال، فوجب أن تسقط عنه الجزية كالنساء والصبيان.
ودليلنا: هو أنه مال استقر قبوله في ذمته، فلم يسقط بموته كالديون ولأن الجزية عوض عن حقن دمه، وإقراره في دار الإسلام علي كفره، فلم يسقط ما وجب منها بموته كالأجور.
فأما الجواب عن اعتبارهم بالحدود، فهو أن الحد متعلق بالبدن، فسقط بالموت كالقصاص والجزية متعلقة بالمال، فلم تسقط بالموت كالدية.
وأما الجواب عن
الجزء: 13 - الصفحة: 360
استدلالهم بخروجه من أهل القتال، فهو أنها تؤخذ على ما مضى في حياته، وقد كان فيه من أهل القتال.
فإذا تقرر أنها لا تسقط بالموت والفلس، كانت كالديون المستقرة تقدم على الوصايا، والورثة، ويساهم فيها الغرماء بالحصص، ويكون ما عجز المال عنها دينًا في ذمة المفلس، وثابتًا على الميت.
وهكذا لو زمن أو عمي أو جن لم يسقط عنه، وأسقطها أبو حنيفة عنه، ودليله ما قدمناه.
مسألة:
قال الشافعي: "وإن أسلم وقد مضى بعض السنة أخذ منه بقدر ما مضى منها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا أسلم الذمي بعد وجوب الجزية عليه لم تسقط بإسلامه.
وقال أبو حنيفة: تسقط عنه بإسلامه استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
والمسلم لا صغار عليه، وبقوله تعالى: ﴿قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِن يَنتَهُوا يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:38]، وقد انتهى بالإسلام، فوجب أن يغفر له ما سلف من الجزية.
وبما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسلام يجب ما قبله".
وبما روى محارب بن دثار عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا جزية على مسلم" وهذا نص.
ومن القياس: أنها عقوبة تتعلق بالكفر، فوجب أن تسقط بالإسلام كالقتال.
ولأن الجزية تأخذ منه صغارًا وذلة، والمسلم لا صغار عليه، فوجب سقوطها عنه.
ودليلنا: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الزعيم غارم" وقد ضمنها، فوجب أن يلزمه غرمها.
ومن القياس: أنه مال استقر ثبوته في ذمته، فوجب أن لا يسقط بإسلامه كالديون.
فإن قيل: يبطل بالزوجين الوثنيين إذا أسلم الزوج منهما قبل الدخول سقط عنه صداقها بإسلامه.
الجزء: 13 - الصفحة: 361
قيل: صداقها إنما بطل بوقوع الفرقة كما يبطل صادقها بالردة، لوقوع الفرقة ألا ترى من تكلم من في صلاته، فبطلت بكلامه حل له الكلام يبطلان الصلاة لا بالكلام؟
فإن قيل: إنما لم يسقط عنه الدين بإسلامه، لأنه يجوز أن يثبت ابتداؤه في إسلامه، وسقطت الجزية بإسلامه، لأنه لا يجوز أن يثبت ابتداؤها في إسلامه.
فالجواب عنه: أنه تبطل علة الأصل بالموت، لأنه يمنع من ابتداء الدين، ولا يمنع من استدامته، وتبطل علة الفرع بالاسترقاق، ويمنع الإسلام من ابتدائه، ولا يمنع من استدامته، ولأن الجزية والخراج مستحقان بالكفر، لما لم يسقط بالإسلام ما وجب من الخراج لم يسقط به ما وجب من الجزية.
وتحريره قياسًا: أنه مال مستحق بالكفر، فلم تسقط ما وجب منه بالإسلام كالخراج، وعبر عنه بعض أهل خراسان بأن ما وجب على الكافر بالالتزام لم يسقط بالإسلام كالخراج، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فلم يسقط ما وجب منها بالإسلام كالأجرة.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29].
فهو أن الصغار علة في الوجوب دون الأداء، ووجوبها يسقط بالإسلام، وأداؤها لا يسقط.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿يُغَفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38] فهو أن الغفران مختص بالآثام دون الحقوق.
وأما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجب ما قبله" فهو أنه يقطع وجوب ما قبله، ولا يرفع ما وجب منه.
وأما الجواب عن قوله: "لا جزية على مسلم" فهو أنه محمول على ابتداء الوجوب دون الاستيفاء.
وأما الجواب عن قياسهم على القتل، فهو أن الجزية معاوضة، وليست عقوبة، ثم هو منتقض بالاسترقاق لا يبطل بالإسلام، وإن وجب بالكفر، ثم المعنى في القتل أنه وجب بالإصرار على الكفر، وقد زال الإصرار بالإسلام، فلذلك سقط.
والجزية وجبت معاوضة عن المساكنة لم تنزل، فلم تسقط بالإسلام.
وأما الجواب عن قولهم: إنهم صغار، فهو أنه منتقض بالاسترقاق، وبالخراج، ويفسد بالحدود، وهي عقوبة وإزلال، ولا تسقط بالعقوبة بعد الوجوب على أن الصغار عليه، في الوجوب دون الاستيفاء وقد يمنع الإسلام من وجوب ما لا يمنع من استيفائه كذلك الجزية.
فصل:
فإذا ثبت أن الإسلام لا يسقط ما وجب من الجزية، لم يخل إسلامه من أن يكون
الجزء: 13 - الصفحة: 362
بعد انقضاء الحول أو من تضاعيفه.
فإن كان بعد انقضاء الحول واستقرار الوجوب استوفيت منه جبرًا وحبس بها إن امتنع.
وإن كان إسلامه في تضاعيف الحول سقطت عنه جزية ما بقي من الحول وهل تؤخذ منه جزية ما مضى قبل إسلامه أم لا؟ على قولين من اختلاف قول الشافعي في حول الجزية: هل هو مضروب للوجوب أولًا.
فأحد قوليه: أنه مضروب للوجوب، كالحول في الزكاة، فعلى هذا لا جزية عليه فيما مضى منه قبل إسلامه.
والثاني: أنه مضروب للأداء كالحول في عقل الدية، فعلى هذا تجب عليه جزية ما مضى قبل إسلامه.
وخالف أبو حنيفة القولين معًا، وقال: الجزية تجب بأول الحول، وتؤخذ في أوله، وليس الحول فيها مضروبًا للوجوب، ولا للأداء، وإنما هو مضروب لانقضاء مدتها، احتجاجًا بقول الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة:29] إلى قوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29].
فأمر بالكف عن قتالهم بإعطاء الجزية، فدل على استحقاقها بالكف عنهم دون الحول.
والدليل على أنها لا يتعلق بأول الحول وجوبها، ولا أداؤها، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب إلى أهل اليمن أن تؤخذ جزية أهل الكتاب من كل حالم، دينارًا في كل سنة، فاقتضى أن يكون وجوبها وأداؤها بعد انقضاء السنة، ولأنه مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يلزم أداؤه قبل انقضاء حوله كالزكاة والدية العاقلة.
فأما الجواب عن الدية، فهو أن المراد بإعطاء الجزية ضمانها دون دفعها، لأجماعنا على أنه إذا ضمنوا الجزية حرم قتلهم قبل دفعها.
فصل:
وإذا تعذر أخذ الجزية من الذمي حتى مضت عليه سنوات لم تتداخل، وأخذت منه جزية ما مضى من السنين كلها.
وقال أبو حنيفة: تتداخل، ولا يؤخذ منه إلا جزية سنة واحدة، استدلالًا بأن الجزية عقوبة، فوجب أن لا تتداخل كالحدود.
ودليلنا: هو أنها مال يتكرر وجوبه في كل حول، فوجب أن لا يتداخل كالزكاة والدية على العاقلة، ولأن الجزية معاوضة عن حقن الدم والمساكنة، فوجب أن لا تتداخل كالأجرة.
وأما الجواب عن قياسه على الحدود مع انتقاضه بمن أفطر بجماع في شهر
الجزء: 13 - الصفحة: 363
رمضان، ثم أفطر فيه في يوم ثان، لم تتداخل الكفارتان وإن كانتا من جنس واحد، فهو أن المعنى في الحدود أن لا مال فيها، فجاز أن تتداخل كالقطع في السرقة، والجزية مال، فلم تتداخل كالمال فيها، فإذا ثبت هذا، وغاب الذمي سنين، ثم عاد مسلمًا، وادعى تقدم إسلامه، وسقوط جزيته في جميع مدته، قال الشافعي: قبل قوله في سقوطها عنها، وأحلف إن اتهم.
قال الربيع: وفيها قول آخر: أنه لا يقبل منه إلا ببينة، لأنها على أصل الوجوب، فلم تسقط بمجرد الدعوى.
والأشبه أنه قال مذهبًا لنفسه، وليس يصح، لأنه خلف في أصل الوجوب، والأصل براءة الذمة، والله أعلم بالصواب.
مسألة:
قال الشافعي: " ويشترط عليهم أن من ذكر كتاب الله تعالى أو محمدًا صلى الله عليه وسلم أو دينِ الله بما لا ينبغي أو زنى بمسلمةٍ أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلمًا عن دينه أو قطع عليه الطريق أو أعان أهل الحرب بدلالةٍ على المسلمين أو آوى عينًا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله عليه الصلاة والسلام، ويشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في غريرٍ والمسيح ولا يسمعونهم ضرب ناقوسٍ وإن فعلوا عزروا ولا يبلغ بهم الحد".
قال في الحاوي: وجملته أن المقصود بعقد الجزية تقوية الإسلام، وإعزازه وإضعاف الكفر وإذلاله ليكون الإسلام أعلى والكفر أخفض، كما قال النبي صلى الله عليه سلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى"، فكل ما دعا إلى هذا كان الإمام مأمور باشتراطه عليهم، وما يؤخذون به من ذلك في عقد جزيتهم ينقسم خمسة أقسام:
أحدها: ما وجب بالعقد دون الشرط.
والثاني: ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد.
والثالث: ما لم يجب بالعقد، ووجب الشرط.
والرابع: ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط.
والخامس: ما لم يجب بعقد ولا شرط.
فأما القسم الأول: وهو ما وجب بالعقد، وكان الشرط فيه مؤكدًا لا موجبًا فثلاثة أشياء:
أحدها: التزام الجزية، لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾
الجزء: 13 - الصفحة: 364
[التوبة:29].
أي يضمنوها.
والثاني: التزام أحكامها بالإسلام فيما أجابوه من المسلمين لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة:29] والصغار: أن تجري أحكام الإسلام عليهم.
والثالث: أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين، ليكونوا آمنين منهم كما أمنوهم نقضًا لعهدهم، فلو قاتل المسلمين بعضهم، وقعد عنهم بعضهم انتقض عقد المقاتل، ونظر في القاعد، فإن ظهر منه الرضا كان نقضًا لعهده، وإن لم يظهر منه الرضا كان على عهده، ولو امتنعوا جميعًا من بذل الجزية كان نقضًا لعهدهم سواء امتنعوا جميعًا من التزامها أو من أدائها وإن امتنع واحد منهم من بذلها نظر، فإن امتنع من التزامها كان نقضًا لعهده كالجماعة، وإن امتنع من أدائها مع بقائه على التزامها لم يكن نقضًا لعهده، وأخذت منه بخلاف الجماعة، لأن إجبار الجماعة عليها متعذر، وإجبار الواحد عليها ممكن.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض عهدهم إذا امتنعوا من أدائها، وينتقض إذا امتنعوا من بذلها كالآحاد، وفيما ذكرنا من الفرق.
وأما القسم الثاني: وهو ما وجب بالشرط، واختلف في وجوبه بالعقد وهو ما منعوا منه لتحريمه، وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يذكروا كتاب الله بطعن عليه ولا تحريف له.
والثاني: أن لا يذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتكذيب له، ولا إزراء عليه.
الثالث: أن لا يذكروا دين الله بذم له، ولا قدح فيه.
والرابع: أن لا يفتنوا مسلمًا عن دينه، ولا يتعرضوا لدمه أو ماله.
والخامس: أن لا يصيبوا مسلمة بزنا، ولا باسم نكاح.
والسادس: أن لا يعينوا أهل الحرب، ولا يؤوا عينًا لهم، ولا ينقلوا أخبار المسلمين إليهم.
فهذه الستة تجب بالشرط، وفي وجوبها بالعقد قولان:
أحدهما: تجب بالعقد، ويكون الشرط تأكيدًا، تعليلًا بدخول الضرر بها على المسلمين، فعلى هذا إن خالفوها انتقض عهدهم.
والثاني: إنها لا تجب بالعقد، تعليلًا بدخولهم تحت القدرة، وخروجها عن لوازم الجزية، لكنها تلزم بالشرط، لتحريمها، وظهور الضرر بها، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شروطهم"، فعلى هذا إن خالفوها بعد اشتراطها، ففي انتقاض عهدهم بها قولان:
أحدهما: ينقض بها عهدهم للزومها بالشرط.
والثاني: لا ينتقض بها عهد، لخروجها عن لوازم العقد.
الجزء: 13 - الصفحة: 365
أما القسم الثالث: وهو ما لا يجب بالعقد، ويجب بالشرط، وهو ما منعوا منه، لأنه منكر، فذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يعلو على المسلمين في الأبنية، ويكونوا إن لم ينخفضوا عنهم مساوين لهم.
والثاني: أن لا يحدثوا في بلاد الإسلام بيعة، ولا كنيسة، وإن أقروا على ما تقدم من بيعهم وكنائسهم.
والثالث: أن لا يجاهروا المسلمين بإظهار صلبانهم.
والرابع: أن لا يتظاهروا بشرب خمورهم، وخنازيرهم، ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعمونهم خنزيرًا.
والخامس: أن لا يتظاهروا بما قدره الشرع من قولهم: عزيز ابن الله، والمسيح.
والسادس: أن لا يظهروا بتلاوة ما نسخ من كتبهم، ولا يظهروا فعل ما نسخ من صلواتهم وأصوات نواقيسهم.
فهذه ستة تجب عليهم بالشرط، لأنها مناكير لزم المنع مناه بالشرع، فإن خالفوها، ففي بطلان عهدهم بها قولان على ما مضى.
وأما القسم الرابع: وهو ما لم يجب بالعقد، واختلف في وجوبه بالشرط، وهو ما منعوا منه، لتطاولهم به، وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن يمنعوا من ركوب الخيل عتاقًا، وهجانًا، ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير.
والثاني: تغيير هيئاتهم، بلبس الغبار وشد الزنار، ليتميزوا من المسلمين باختلاف الهيئة، ولواحدة نسائهم إذا برزت بأن يكون أحد الخفين أحمر، والآخر أسود ليتميز به نساؤهم.
وأن يكون على أبوابهم أثر يتميز بها دورهم، فقد أخذ عمر رضي الله عنه، بعض أهل الذمة بذلك، فكان أولى.
والثالث: أن يخفوا دفن موتاهم، ولا يظهروا إخراج جنائزهم.
والرابع: أن لا يظهرا على موتاهم لطمًا، ولا ندبًا، ولا نوحًا.
والخامس: أن لا يدخلوا مساجدنا صيانة لها منهم.
والسادس: أن لا يتملكوا من رقيق المسلمين عبدًا، ولا أمة، لئلا يذلوهم بالاسترقاق، ويحملوهم على الارتداد.
فهذه الستة إن لم تشترط عليهم لم تلزمهم، وفي لزومها إذا شرطت عليهم وجهان:
أحدهما: لا تلزم لخروجها على محرم ومنكر، فعلى هذا إن خالفوها بعد
الجزء: 13 - الصفحة: 366
اشتراطها، عزروا عليها، ولم ينتقض بها عهدهم.
والثاني: أنها تلزم بالشرط، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه" فعلى هذا إذا خالفوها بعد الشرط، فعلى انتقاض عهدهم بها قولان على ما مضى.
فأما القسم الخامس: وهو ما لا يجب بعقد، ولا شرط، وهو ما زاد على إذلالهم.
وذلك ستة أشياء:
أحدها: أن لا يعلو أصواتهم على المسلمين.
والثاني: أن لا يتقدوا عليهم في المجالس.
والثالث: لا يضايقوهم في الطريق، ولا يمشوا فيها إلا أفرادًا متفرقين.
والرابع: أن يبدؤهم بالسلام، ولا يساووهم في الرد، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اضطروهم إلى أضيق الطرق، ولا تبدءوهم بالسلام".
والخامس: إذا استعان بهم مسلم فيما لا يستضروا به أعانوه.
والسادس: أن لا يستبدلوا المسلمين من مهن الأعمال بأجر ولا تبرع.
فهذه الستة تشترط عليهم إذلالًا لهم، فإن خالفوها لم ينتقض بها عهدهم، وجبروا عليها، إن امتنعوا منها، فإن أقاموا على الامتناع عزروا.
فصل:
فإذا تقرر ما ينتقض به العهد، ولا ينتقض، فإن لم ينتقض به عهدهم أخذوا بما وجب عليهم من الحقوق، وأقيم من قتل، ولزمه من حدّ، وقوموا به من تأديب وإن انتقض عهدهم، نظر حالهم بعد نقضهم، فإن قاتلوا بطل أمانهم، وكانوا حربًا يقتلون، ويسترقون، وإن لم يقاتلونا ففي بطلان أمانهم بانتقاض عهدهم قولان:
أحدهما: نص عليه في كتاب الجزية أن أمانهم لا يبطل بنقض العهد، لأنه مستحق في عقد، فالتزمنا حكمه، وإن لم يلتزموه.
ولا يجوز بعد نقض العهد أن يقروا في دار الإسلام لزم أن يبلغوا مأمنهم، ثم يكونوا بعد بلوغ مأمنهم حربًا.
والثاني: نص عليه في كتاب النكاح من الأم أن أمانهم قد بطل، لأنه مستحق بالعهد، فبطل بانتقاضه ما استحق به كسائر العقود، فعلى هذا قد صاروا ببطلان الأمان حربًا، يجري عليهم حكم الأسرى إما الاسترقاق أو المنّ، أو الفداء، فلو أسلموا قبلها سقطت عنهم، ولم يجز أن يسترقوا، ويفادوا إسلامهم، وإن جاز استرقاق الأسير المحارب بعد إسلامه، لأن لهؤلاء أمانًا متقدمًا لم يكن للأسير، فصار حكمهم به أضعف وأخف من الأسير.
الجزء: 13 - الصفحة: 367
وأما أمان ذراريهم من النساء والصبيان، ففي بطلان أمانهم وجهان:
أحدهما: يبطلن لأنهم تبع في لزومه، فكانوا تبعًا في بطلانه، فيصيروا سببًا.
والثاني: وهو أظهر - أن أمانهم لا يبطل لاستقراره فيهم، فلم يبطل ببطلانه في غيرهم، فلا يجوز أن يسبوا، ويجوز إقرارهم في دار الإسلام، فإن سألوا الرجوع لدار الحرب أعيد الصبيان، لأن لا حكم لاختيار من لم يبلغ، وأقام الصبيان حتى يبلغوا، ثم يخاطبوا بالجزية، فإن التزموها استؤنف عهدهم عليها، وإن امتنعوا منها بلغوا مأمنهم، ثم كانوا حربًا، فإن لم يبلغ الصغار مطلبهم أهلوهم من دار الحرب نظر.
فإن كان طالبهم هو المستحق لحضانتهم أجيب إلى ردهم عليه، وإن كان غير المستحق لحضانتهم منع منهم.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يحدثوا في أمصار الإسلام كنيسة ولا مجمعًا لصلاتهم ولا يُظهروا فيها حمل خمرٍ ولا إدخال خنزيرٍ".
قال في الحاوي: وهذا قد دخل في جملة القسم الثالث من منكراتهم، فيمنعوا من إحداث البيع والكنائس في أمصار المسلمين، لما روي مسروق عن عبد الرحمن بن غنم قال: لما صالح عمر بن الخطاب نصارى الشام كتب لهم كتابًا، فذكر فيه أنهم لا يبنون في بلادهم، ولا فيما حولها ديرًا ولا كنيسة، , ولا صومعة راهب وأن لا يمنعوا المارة من المسلمين وأبناء السبيل، وأن لا يجدوا ما خرب منها - ذكره أبو الوليد في المخرج على كتاب المزني، ولأن إحداثها معصية، لاجتماعهم فيها على إظهار الكفر، ولذلك أبطلنا الوقوف على البيع والكنائس، وعلى كتب التوراة والإنجيل، ولأنهم يقتطعون ما بنوه من غير إظهار الإسلام فيها، ويجب أن يكون الإسلام في دار الإسلام ظاهرًا، فلهذه الأمور الثلاثة منعوا.
فإذا تقرر أن حكم بلاد الإسلام موضوعة على هذا لم يخل حالهم من ثلاثة أقسام:
أحدها: ما أحياه المسلمون.
والثاني: ما فتحوه عنوة.
والثالث: ما فتحوه صلحًا.
فأما القسم الأول: وهو ما ابتدأ المسلمون إنشاءه في بلاد الإسلام من موات لم يجر عليه ملك كالبصرة والكوفة، فلا يجوز أن يصالح لأهل الذمة في نزولها على إحداث بيعة ولا كنيسة فيها، لأنه لا يجوز أن يصالحوا على ما يمنع من الشرع، ويكون خارجًا
الجزء: 13 - الصفحة: 368
من جملة صلحهم، وإن تمسكوا فيه بعقد الصلح قيل لهم: إن رضيتم بإبطال هذا منه، وإلا نقضنا عهدكم، وبلغناكم مأمنكم، ولا يبطل آمانهم نقضًا بعهدهم لأنن نحن نقضناه بما منع الشرع منه.
فإن قيل: فقد نرى في هذه الأمصار بيعًا وكنائس كالبصرة والكوفة وبغداد، وهو مصر إسلامي بناه المنصور.
قلنا: إن عملنا أنها أحدثت وجب هدمها، وإن علمنا أنها كانت قديمة في المصر قبل إنشائه لأن النصارى قد كانوا يبنون صوامع وديارات، وبيعًا في الصحاري ينقطعون إليها، فتقر عليهم، ولا تهدم، وإن أشكل أمرها، أقرت استصحابًا، لظاهر حالها.
وأما القسم الثاني: وهو ما فتحه المسلمون عنوة من بلاد الشرك، فلا يجوزن أن يصالحوا على استئناف بيع وكنائس فيها، فأما ما تقدم من بيعهم وكنائسهم، فما كان منها خرابًا عند فتحها لم يجز أن يعمروه، لدروسها قبل الفتح، فصارت كالموات.
فأما العامر من البيع والكنائس عند فتحها، ففي جواز إقرارها عليهم إذا صولحوا وجهان:
أحدهما: يجوز إقرارها عليهم لخروجها عن أملاكهم المغنومة، وهو الصحيح، ولذلك أقرت البيع والكنائس في بلاد العنوة.
والثاني: يملكها المسلمون عليهم، ويزول عنها حكم البيع والكنائس وتصير ملكًا لهم مغنومًا لا حق فيها لأهل الذمة، لأنه ليس لما ابتنوه منها حرمة، فدخلت في عموم المغانم، فعلى هذا إن يبعث عليهم، لتكون على حالها بيعًا وكنائس لهم، ففي جواز وجهان:
أحدهما: يجوز استصحابًا لحالها.
والثاني: لا تجوز لزوالها عنهم بملك المسلمين لها، فصارت كالبناء المبتدأ.
وأما القسم الثالث: وهو ما فتحه المسلمون صلحًا، فضربان:
أحدهما: أن نصالحهم على أن يكون ملك الدار لنا دونهم، ويسكنون معنا فيها بالجزية فينظر في بيعهم وكنائسهم، فإن استثنوها في صلحهم أقرت عليهم، لأن الصلح يجوز أن يقع عامًا في جميع أرضهم، وخاصًا في بعضهم، فيقروا عليهم بالصلح، يمنعوا من استحداث غيرها، وإن لم يستثنوها في صلح صارت كأرض العنوة هل يملك المسلمون بيعهم وكنائسهم إذا فتحوها؟ على ما تقدم من الوجهين.
ويكون حكم هذا البلد في منع أهل الذمة في الأقسام الخمسة على ما قدمنا من أحكامنا.
والثاني: أن يصالحهم على أن يكون ملك الدار له دوننا على جزية يؤدونها إلينا،
الجزء: 13 - الصفحة: 369
عن رؤوسهم أو عن أرضهم أو عنهما جميعًا فيجوز أن يقروا على بيعهم وكنائسهم، ويجوز أن يستأنفوا فيها إحداث بيع وكنائس، إنه لم يجز عليها للمسلمين ملك.
فأما الأقسام الخمسة التي يؤخذ أهل الذمة في بلاد الإسلام، فيؤخذ هؤلاء في بلدهم بقسمين منها، وهو الأول والثاني، لأن الأول هو المقصود بعقد الجزية وهي الأحكام الثلاثة، لأنهم قد صاروا بهذا الصلح من أهل الجزية.
وبالقسم الثاني: وهي الشروط الستة، لأنها محرمات منع الشرع منها.
فأما الأقسام الثلاثة الباقية من منكراتهم واستغلائهم، فلا يؤخذوا بها، ولا يمنعوا منها، لأنها دارهم، وهي دار منكر في معتقد وفعل، فكان أقل أحوالهم فيها أن يكونوا مقرين على ما يقرون عليه في بيعهم وكنائسهم في بلاد الإسلام.
فصل:
فإذا تقرر ما ذكرنا من حكم البيع والكنائس التي لا يجوز أن تستحدث، فهي ما كانت مجمعًا لصلواتهم، وما اختص بعباداتهم، وتلاوة كتبهم، ودراسة كفرهم، فهي المخصوصة بالخطر والمنع، فأما بناء ما سواها فضربان:
أحدهما: أن تكون أملاكًا خاصة، يسكنها أربابها، فلا يمنعوا بنائها، ولا أن يبيعها المسلمون عليهم، ويشترونها منهم، لأنها منازل سكني، وليست بيوت صلاة.
والثاني: أن يبنوا ما يسكنه بنو السبيل منهم لكل مار ومجتاز، ولا يختص أحد منهم بملكه، فينظر.
فإن شاركهم المسلمون في سكناه، فجعلوه لكل مار من مسلم وذمي جاز، ولم يمنعوا من بقائه، وإن جعلوه مقصورًا على أهل دينهم دون المسلمين، ففي جواز تمليكهم من بنائه وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه منزل سكن، فصار كالمنزل الخاص.
والثاني: لا يجوز أن يمكنوا منه كالبيع والكنائس، لأنه صد صار مقصورًا عليهم عمومًا، ليتعبد فيه سابلتهم، فلم يكن بينه وبين البيع والكنائس فرق، وقد يؤول بهم إلى أن يصير بيعة أو كنيسة لهم.
فصل:
فأما ما استهدم من بيعهم وكنائسهم التي يجوز إقرارهم عليها مع عمارتها، ففي جواز إعادتهم لبنائها وجهان:
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: يمنعون من إعادة بنائها، ويكون إقرارهم عليها ما كانت باقية على عمارتها، لأن عمر رضي الله عنه شرط على نصارى
الجزء: 13 - الصفحة: 370
الشام أن لا يجددوا ما خرب منها.
والثاني: يجوز لهم إعادة بنائها استصحابا لحكمها، وأن الأبنية لا تبقي علي الأبد، فلو منعوا من بنائها بطلت عليهم.
والصحيح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن ينظر في خرابها، فإن صارت دراسة متسطرفة كالموات منعوا من بنائها، لأنه استئناف إنشاء، وإن كانت شعثة باقية الآثار والجدران جاز لهم بناؤهم، ولو هدموها لاستئنافها لم يمنعوا، لأن عمارة المستهدم استصلاح وإنشاء الدارس استئناف.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يحدثون بناء يتطولون به بناء المسلمين"
قال الحاوي: اعلم أنه لا تخلو مساكنهم في بلاد الإسلام من ثلاثة أقسام:
أحدهما: أن يستأنفوا بناءها.
والثاني: أن يستديموا سكناها.
والثالث: أن يعيدوا بناءها.
فأما القسم الأول: وهو أن يستأنفوا بناءها بعد العهد، فلا يخلو مجاورهم في موضعهم من مصر في ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكونوا مسلمين.
والثاني: أن يكونوا من أهل دينهم.
والثالث: أن يكونوا أهل ذمة من غير دينهم.
فإن كان مجاورهم مسلمين، لم يكن لهم أن يعلوا بأبنيتهم علي أبنية المسلمين، فيطولوا علي أبنيتهم لقول النبي صلي الله عليه وسلم "الإسلام يعلو ولا يعلي" فإن علوا بأبنيتهم هدمت عليهم، وهل يمكنون من مساواتهم في الأبنية أم لا؟ علي وجهين:
أحدهما: يمكنون من المساواة، لأنه قد أمن الاستعلاء والاستشراف.
والثاني: يمنعون من المساواة حتى تنقص أبنيتهم عن أبنية المسلمين كما يمنعون من المساواة في اللباس والركوب، لقوله صلي الله عليه وسلم "الإسلام لا يعلو ولا يعلي".
وهل يراعي المنع من الاستعلاء في موضعهم من المصر أو في جميعه علي وجهين:
أحدهما: في موضعهم الذي هم فيه جيرة، لأن ما بعد عنهم، فقد أمن إشرافهم عليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 371
والثاني: يمنعون في جميع المصر أن يتطاولوا بالاستعلاء علي أهل المصر.
وإن كان مجاورهم في موضعهم من أهل دينهم جاز لهم أن يتطاولوا فيه بأبنيتهم، فيعلو بعضهم علي بعض كما يعلو بعض المسلمين علي بعض، وهل يمنع جميعهم أن يعلو بأبنيتهم علي أبنية من لا يجاورهم من المسلمين في المصر أو لا؟ علي الوجهين المتقدمين.
وإن كان مجاورهم في موضعهم أهل ذمة علي غير دينهم كاليهود مع النصارى، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجوز أن يتعالي بعضهم علي بعض في الأبنية، لأن جمعيهم أهل ذمة.
والثاني: يمنع بعضهم على بعض إذا استعدونا، ولا يمنعون من المساواة، لأن علينا أن نمنع كل صنف منهم مما نمنع به أنفسنا.
وأما القسم الثاني: من مساكنهم أن تكون قديمة الأبنية، إما لأنهم سكنوها قبل صلحهم، أو لأنهم اشتروها من مسلم بعد الصلح، فيجوز إقرارهم عليها، وإن استعلوا بها علي المسلمين، كما نقرهم علي ما تقدم من البيع والكنائس، وإن منعوا من استحداثها، لكنهم يمنعون من الإشراف على المسلمين، وأن لا يعلوا على سطوحها إلا بعد تحجيرها، وإن لم يؤمر المسلم بتحجير سطحه من جاره، ويمنع من صبيانهم م الإسراف، وإن لن يمنع صبيان المسلمين من الإشراف، فيصيروا مأخوذين من المنع من إشرافهم علي المسلمين كما يؤخذ المسلم بالمنع من إشرافه علي جاره المسلم، ويؤمر بالتحجير، وإن لم يؤمر به المسلم، لأن المسلم مأمون وهم غير مأمونين.
وأما القسم الثالث: وهو أن يعيدوا أبنية مساكنهم بعد استهدامها، ففيها وجهان:
أحدهما: أنهم يصيرون كالمستأنفين لبنائها، فيمنعوا من الاستعلاء بها علي المسلمين، وإن كانت عالية قبل هدمها وهذا علي الوجه الذي يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت.
والثاني: أنهم لا يمنعون من إعادتها بعد الهدم إلي ما كانت عليه قبل الهدم من العلو الطائل، وهذا علي الوجه الذي تقول فيه أنهم لا يمنعون من إعادة بيعهم وكنائسهم إذا استهدمت.
فأما إذا أرادوا أن يرتفقوا في أبنيتهم بإخراج الرواشين والأجنحة إلي طرق السابلة ففيها وجهان:
أحدهما لا يمنعون ارتفاقهم بها كالمسلمين، لاشتراكهم في استطراقها.
والثاني: يمنعون منها، وإن لم يمنع منها المسلمون، لأنها طرق المسلمين دونهم كما يمنعون من إحياء الموات الذي لا يمنع منه المسلم، وهكذا القول في آثار حشوشهم
الجزء: 13 - الصفحة: 372
إذا أرادوا حفرها في أفنية دورهم كان علي هذين الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي: "وأن يقروا بين هيئتهم في الملبس والمركب وبين هيئات المسلمين وأن يعقدوا الزنانير علي أوساطهم".
قال في الحاوي: أما الفرق بين أهل الذمة والمسلمين في هيئات الملبس والمركب، فيؤخذون به في عقد ذمتهم مشروطا عليهم، ليتميزوا به، فيعرفوا، ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيخفوا، لما بينهم وبين المسلمين، من افتراق الأحكام.
والفرق بينهم وبين المسلمين في الهيئات معتبر من ثلاثة أوجه:
أحدهما: في ملابسهم.
والثاني: في أبدانهم.
والثالث: في مواكبهم.
فأما المعتبر في ملابسهم فالاختيار أن يجمع فيه بين أمرين:
أحدهما: لبس الغيار.
والثاني: شد الزنار.
فأما الغيار: فهو أن يغيروا لون ثوب واحد من ملابسهم ولا يلبس المسلمون مثل لونه، إما في عمائهم، وإما في قمصهم، ويكونوا فيما سواه مثل ملابس المسلمين، ويفرق بين غيار اليهود والنصارى، ليتميزوا، وعادة اليهود أن يكون غيارهم العسلي، وهو المائل إلي الصفرة كالعسل، وربما غيروا بنوع من الأزرق يخالف معهود الأزرق، وغيار النصارى أن يكون غيارهم الأدكن، وهو نوع من الفاختي، وربما غيروا بنوع من الصوف وليست هذه الألوان شرطا لا يتجاوز إنما الاعتبار بلون متميز فإذا صار مألوفا منعوا من العدول عنه وإلي غيره، لئلا يقع الاشتباه والإشكال، فإن تشابه اليهود والنصارى في لون الغيار جاز، وإن كان تميزهم فيه أولي.
وأما الزنار فهو كالخيط المستغلظ يشدونه في أوساطهم فوق ثيابهم، وأرديتهم، ويمنعوا أن يستبدلوا بشد المناطق والمنديل، لأن المنطقة من لبس المتخصصين بالرتب من المسلمين، والمناديل في الأوساط من لبس ذوى الصنائع من المسلمين، فلم يتميز بها أهل الذمة، وجميع الألوان من الزنانير سواء بخلاف الغيار، لأن أصل الزنار كالغيار.
فإن شرط علي أهل الذمة أحد الأمرين في غيار أو زنار جاز، لأنهم يتميزون به، وإن شرط عليهم الجمع بين الغيار والزنار أخذوا بهما معا، لأنه أبلغ في التميز من أحدهما.
الجزء: 13 - الصفحة: 373
فأما نساء أهل الذمة، فيؤخذون بلبس الغيار في الخمار الظاهر الذي يشاهد، ويلبسوا خفين من لونين أحدهما: أسود، والآخر: أحمر أو أبيض، ليتميز نسائهم عن نساء المسلمين، ويؤخذوا بشد الزنار دون الخمار، لئلا تصفها بثيابها بعد أن يكون ظاهرا، فإن اقتصر النساء علي التميز بأحدهما جاز، وإن كان الجمع بين الثلاثة أولي، فإن لبس أهل الذمة العمائم والطيالسة، لم يمنعوا.
وقال أبو حنيفة وأحمد بن حنبل: يمنعون من لبس العمائم والطيالسة، لأنها من أجمل ملابس المسلمين، وهذا ليس بصحيح، لأن المقصود تميزهم عن المسلمين، فإذا تميزوا بالغيار والزنار جاز أن يساووهم في صفات ملابسهم كما يساووهم في أنواع مأكلهم.
وأما لبس فاخر الديباج والحرير، فلا يمنعون منه في منازلهم، وفي منعهم منه ظاهرا وجهان:
أحدهما: يمنعون منه لما فيه من التطاول به علي المسلمين.
والثاني: لا يمنعون منه كما لا يمنعون من فاخر الثياب القطن والكتان، لأنهم يصيرون متميزين بلبسه من المسلمين، لتحريم لبسه عليهم.
فصل:
وأما الفرق المعتبر في أبدانهم، فمن وجهين:
أحدهما: في شعورهم.
والثاني: في أجسادهم.
فأما الشعور فيميزون فيها من وجهين:
أحدهما: أن ينحذفوا في مقدم رؤوسهم عراضا تخالف شوابير الأشراف.
والثاني: لا يفرقوا شعورهم في رؤوسهم، ويرسلونها ذوائب، لأن هذا من المباهاة بين المسلمين.
وأما في أجسادهم، فهو أن تطبع خواتيم الرصاص مشدودة، في أيديهم أو رقابهم، وهو أولي، لأنه أزل، وإنما أخذوا بالتميز في أبدانهم في هذين الوجهين، لأمرين:
أحدهما: عند دخول الحمامات، فإذا تجردوا فيها من ثيابهم، وقد اختير أن يدخلوها وفي أيديهم جلجل.
والثاني: لأنهم ربما وجدوا موتي، ليعرفوا، فيدفعوا إلي أهل دينهم، فيدفنوهم في مقابرهم ولا يتشبهوا بالمسلمين، فيصلوا عليهم، ويدفنوهم في مقابرهم، ولا يجوز أن يميزوا بميسم ولا وسم، لأنه مؤلم وغير مأثور، فإن اقتصروا علي أحد الأمرين في أبدانهم إما بالشعور أو بخواتيم الرصاص المطبوعة جاز، لوقوع التمييز به، إن كان
الجزء: 13 - الصفحة: 374
الجمع بينهما أولي، لأنه أظهر.
فأما النساء فلا يعرض لتحذيف شعورهن، ويمنعوا من الفرق والذوائب في الحمامات دون منازلهم، وهن في طابع خواتيم الرصاص إذا خرجن كالرجال.
فصل:
فأما الفرق المعتبر في مراكبهم فمن وجهين:
أحدهما: في جنس المركوب.
والثاني: في صفة المركوب.
فأما جنس المركوب، فيركبون البغال والحمير، ويمنعون من ركوب الخيل.
عتاقا، وهجانا، لقول الله تعالي: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ومِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60].
فأخبر بإعدادها لأوليائه في جهاد أعدائه.
وروى عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: "الخيل معقود بنواصيها الخير إلي يوم القيامة" يعني بالخير الغنيمة، وهم المغنومون، فلم يجز أن يصيروا بها غانمين.
وروى أنه قال: "الخيل ظهورها عز وبطونها كنز".
وأما صفة المركوب، فيختار أن يركبوا علي الأكف، عرضا لرواية عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن عمر بن الخطاب كتب إلي أمراء الأجناد يأمرهم أن يختتموا في رقاب أهل الذمة بالرصاص، وأن يظهروا مناطقهم، ويجزوا ونواصيهم، ويركبوا الأكف عرضا، ولا يتشبهوا بالمسلمين في لبوسهم.
فأما الختم بالرصاص في رقابهم، فقد ذكرنا،، أما إظهار مناطقهم، فهو شد الزنار في أوساطهم فوق ثيابهم،، أما جز نواصيهم فهو ما ذكرنا من تحذيفهم في مقدم رؤوسهم.
وأما ركوب الأكف عرضا فهو أن تكون رجلا الراكب إلي جانب، وظهره إلي جانب، فإن تجاوز الأكف إلي ضده بحمل الأثقال إلي السروج بما تميز من سروج المسلمين، وكانت ركبهم فيها خشبا، ولم تكن حديدا، ويمنعون من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو وسمت بغالهم من تختم الفضة والذهب لما فيها من التطاول والمباهاة، ولو سمت بغالهم بما يتميز به عما للمسلمين كان أولي.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يدخلوا مسجدا".
قال في الحاوي: وهذا معتبر بعقد الذمة معهم، فإن شرط فيه أن لا يدخلوا مسجد المسلمين منعوا من دخوله بحكم الشرط، وإن أغفل شرطه عليهم منعوا من دخوله لأكل
الجزء: 13 - الصفحة: 375
ومنام، لما فيه من استبدالهم له، وإن لم يمنع منه المسلم، لأن المسلم يعتقد تعظيمه دينا، والمشرك يري استبداله دينا.
وأما دخولها لغير ذلك من سماع القرآن، وما يعرض فيه من حاجة إلي مسلم، فيجوز بإذن ويمنعون منه بغير إذن.
قال الله تعالي: ﴿وإنْ أَحَدٌ مِّنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6] فدلت هذه الآية علي إباحة الدخول بعد الإذن.
فإن قدمت وفود المشركين، فالأولي أن ينزلهم الإمام في غير المساجد، فإن أراد إنزالهم في المساجد اعتبرت حالهم.
فإن خيف منهم تنجيس المسجد منعوا من نزوله، وإن أمن منهم تنجيسه نظر فيه، إن لم يرج إسلامهم منعوا من نزوله صيانة له من الاستبدال، وإن رجي إسلامهم عند سماع القرآن جاز إنزالهم فيه.
قد أنزل رسول الله صلي الله عليه وسلم وفد ثقيف في المسجد، فكان سببا لإسلامهم، وإسلام قومهم.
ولو دعت الضرورة فيمن لم يرج إسلامهم إلي إنزالهم في المسجد لتعذر ما ينزلون فيه، مستكنين فيه من حر أو برد جاز لأجل الضرورة أن ينزلوا، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنزل سبي بني قريظة وبني النضير من ضرورة حتى أمر بهم، فبيعوا وربط ثمامة بن أثال الحنفي إلي سارية في مسجده.
فأما من يصح منه الإذن ن فلا يخلو أن يكون لمقام أو اجتياز، فإن كان لمقام أكثر من ثلاثة أيام تزيد علي مقام السفر لم يصح الإذن فيه إلا من سلطان ينفذ أمره في الدين أو يجمع عليه أهل تلك الناحية من المسلمين، ويكون الإذن مشروطا أن لا يستضر به أحد من المصلين.
وإن كان دخوله لاجتياز أو لبث يسير نظر في المسجد.
فإن كان في الجوامع التي لا يترتب الأئمة فيها إلا بإذن السلطان لم يصح الإذن في دخوله إلا من سلطان لأنه لما اعتبر إذنه في إمامة الصلاة المفروضة، كان أولي أن يعتبر فيما أبيح من دخول أهل الذمة.
وإن كان المسجد من مساجد القبائل والعشائر التي يترتب فيها أئمتها بغير إذن السلطان لم يعتبر إذن السلطان في دخوله.
وفيمن يصح إذنه وجهان:
أحدهما: كل من صح أمانه لمشرك من رجل وامرأة، وحر وعبد، صح إذنه في المسجد، لأن حكم الأمان أغلظ.
والثاني: أنه لا يصح إلا إذن من كان من أهل الجهاد من الرجال الأحرار، لما
الجزء: 13 - الصفحة: 376
تعلق بهم حق الله تعالي، والأول أظهر.
فصل:
فأما تعليمهم القرآن، فيجوز به إذا رجي به إسلامهم، ولا يجوز إذا خيف به الاستهزاء به.
قد سمع عمر بن الخطاب أخته تقرأ سورة "طه" فأسلم.
وقال جبير بن مطعم: إذا سمعت القرآن كاد أن ينقطع قلبي.
وهكذا القول في تعلم الفقه والكلام، وإخبار الرسول إن رجي به إسلامهم لم يمنعوا منه، وإن خيف اعتراضهم وجرحهم فيه منعوا منه، ولا يمنعون من تعليم الشعر والنحو، ومنعهم بعض الفقهاء من تعلمه، لأنه في استقامة ألسنتهم به تطاولا علي من قصر فيه من المسلمين، وأنهم ربما استعانوا به في الاعتراض علي القرآن.
وهذا فاسد، لأنه ليس من حلوم الدين وأشبه علم الطب والحساب، ولأن الله تعالي قد صان كتابه عن قدم بدليل، واعتراض بحجة.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يسقوا مسلمًا خمرًا ولا يطعموه خنزيراً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ولهم في ذلك ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن يكرهوا المسلمين علي شرب الخمر، وأكل الخنزير، فإن التبعة فيه عليهم لا علي المسلم، فيعزروا سواء شرط عليهم في عهدهم أو لم يشرط، ولا ينتقض به العهد إن لم يشترط، وفي انتقاضه به إن شرط وجهان.
والحال الثانية: أن يغلبهم المسلم عليه كرها، فيشرب خمرهم، ويأكل خنزيرهم، فيقام علي المسلم حد الخمر، ويعزر لأكل الخنزير، ويعزر في حق أهل الذمة، لتعديه عليهم، ولا قيمة عليه، فيما شربه من الخمر وأكله من الخنزير.
والحالة الثالثة: أن يعرضوه علي المسلم من غير إكراه ويقبله المسلم منهم من غير تغليب، فيقام علي المسلم حد الخمر في حق الله تعالي، ولا يعزر في حقهم، ويعزر الذمي، إن كان ذلك مشروطا في عهدهم، ولا يعزر إن لم يشترط، وهكذا لو ابتدأ المسلم بطلبه، فأجابوه إلا أن تعزيزهم في الابتداء بعرضه أغلظ من تعزيزهم في إجابتهم، وإن استوت الحالات في حد المسلم وتعزيزه.
الجزء: 13 - الصفحة: 377
مسألة:
قال الشافعي: "فإن كانوا في قرية يملكونها منفردين لم نتعرض لهم في خمرهم وخنازيرهم ورفع بنيانهم وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طائل لبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وتركوا علي ما وجدوا ومنعوا إحداث مثله وهذا إن كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة وشرط هذا علي أهل الذمة وإن كانوا فتحوا بلادهم علي صلح منهم علي تركهم ذلك خلوا وإياه ولا يجوز أن يصالحوا علي أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثوا فيه ذلك".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وقد ذكرناه من قبل أن تفردوا بملكه وسكناه من القرى والبلاد لم يتعرض عليهم في إظهار خمورهم وخنازيرهم فيه، وضرب نواقيسهم، وابتناء بيعهم وكنائسهم، وتعلية منازلهم، وترك الغيار والزنار ولأنها زادهم، فأشبهت دواخل منازلهم.
فأما ركوبهم الخيل فيها فيحتمل وجهين:
أحدهما: لا يمنعون من ركوبها كما لم يمنعوا مما سواها.
والثاني: يمنعون من ركوبها، لأنها ربما صارت قوة لهم تدعوهم إلي نقض العهد، فخالفت بذلك ما سواها، ثم ذكر الشافعي بعد هذا من حكمهم في بلاد الإسلام التي فتحت عنوة وصلحا ما قد مضي شرحه.
مسألة:
قال الشافعي "ويكتب الإمام أسماءهم وحلاهم في ديوان ويعرف عليهم عرفاء لا يبلغ مولود، ولا يدخل فيهم أحد من غيرهم إلا رفعه إليه".
قال في الحاوي: وهو كما قال، لأن عقد الذمة موضوع للتأبيد، فاحتاج إلي ديوان يفرد له، وقد ديوان الجوالي، لأنهم أجلوا عن الحجاز، فسموا جوالي، وهذا الديوان موضوع فيهم لثلاثة أشياء:
أحدهما: أن يذكر فيه عقد ذمتهم، ومبلغ ما صولحوا عليه من قدر جزيتهم، وما شرط عليهم من الأحكام، ليحملوا عليها فيما عليهم، ولهم ممن تولاه من الأئمة، وذكر الإمام احتياط، وليس بواجب.
والثاني: أن يكتب فيه اسم كل واحد منهم، ويرفع في نسبه وفبيلته، وصناعته حتى يتميز عن غيره، ويذكر حلية بدنه التي لا تتغير بالكبر كالطول والقصر، والبياض والسمرة، والسواد، وحليه الوجه، والأعضاء، ليتميز إن وافق اسم اسما، ويذكر فيه الذكور من أولادهم دون الإناث، لاعتبار الجزية ببلوغ الذكور دون الإناث، وإن لأحدهم مولود
الجزء: 13 - الصفحة: 378
أثبته، وإن مات منهم ميت أسقطه.
والثالث: أن يثبت فيه ما أدوه الجزية، ليعلم به ما بقي وما استوفي، ويكتب لهم بالأداء براءة يكتب اسم المؤدي، ونسبه، وحليته، ليكون حجة له تمنع من مطالبته، ويختار أن يكون حول الجزية معتبرا بالمحرم، لأنه أول السنة العربية، وتعبر فيه السنة الهلالية كما تعتبر في الزكاة.
فصل:
وإذا تقرر ما وصفنا من حكم ديوانهم عرف الإمام عليهم العرفاء وضم إلي كل عريف قوما معينين أثبت معهم اسم عريفهم في الديوان ويكونوا عددا يضبطهم العريف الواحد فيما ندب له.
والعريف مندوب لثلاثة أشياء:
أحدهما: أن يعرف حال من ولد فيهم، فيثبته، وحال من مات منهم، فيسقطه، ومن قدم عليهم من غريب، ومن مسافر عنهم، ومقيم، ويثبت جميع ذلك في ديوانهم.
ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من الوفاء إلا مسلما يقبل خبره.
وجوز أبو حنيفة أن يكون ذميا بناء علي أصله في قبول شهادة بعضهم لبعض.
والثاني: أن يعرف حال من دخل في جزيتهم، ومن خرج منها فيثبته، والداخل فيها: الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والعبد إذا عتق والخارج منها: من مات أو جن بعد إفاقته، أو افتقر بعد غناه علي أحد القولين، وكذلك من عمى او زمن، ويعرف حال من نقض عهده، ولا يجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء إلا مسلم.
والثالث: أن يحضرهم إذا أريدوا لأداء الجزيرة، ولاستيفاء حق عليهم، وليشكوا إليه، ما ينهيه عنهم إلي الإمام من حق لهم يستوفونه، أو من تعدي مسلم عليهم يكف عنهم، ويجوز أن يكون من قام بهذا من العرفاء ذميا منهم، لأنها نيابة عنهم، لا يعمل فيها علي خبره.
مسألة:
قال الشافعي: "وإذا أشكل عليه صلحهم بعث في كل بلاد فجمع البالغون منهم ثم يسألون عن صلحهم فمن أقر بأقل الجزية قبل منه ومن أقر بزيادة لم يلزمه غيرها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا عقد الإمام معهم الذمة علي جزية وشروط يجوز مثلها، وجب علي من بعده من الأئمة إمضاء عهده، وأجري أهل الذمة فيه علي شرطه، لأن عقد الذمة مؤبد.
فإن كان في عقده ما يمنع من الشرع، وهو أن يصالحهم علي أقل من دينار، أو
الجزء: 13 - الصفحة: 379
يشترط لهم شروطا يمنع الشرع منها أبطل الإمام بعده ذلك، واستأنف الصلح معهم علي ما يجوز في الشرع، فإن أجابوا إليه غير في الديوان ما تقدم من الصلح الفاسد، وأثبت فيه ما استأنفه من الصلح الجائز.
إن امتنعوا من إجابتهم إليه نقص عهدهم، وبلغهم منهم، وعادوا حرما.
فصل:
فإذا تقرر هذا، وتطاول الزمان، وأشكل علي إمام الوقت قدر جزيتهم، فإن استفاضت بها الأخبار، وانتشر ذكرها في الأمصار، عمل فيها علي الخبر المستفيض.
وإن لم يعرف استفاضتها رجع إلي شهادة العدول من المسلمين، فإذا شهد منهم عدلان بمقدار من الجزية يجوز أن يصالحوا علي مثله حكم بشهادتهم، وإن لم يشهد به عدلان، وكان في ديوانهم الموضوع بجزيتهم قدر جزيتهم، وشروطهم صلحهم، فإن ارتاب به ولم يقع في النفس صحته، لخطوط مشتبهة، لم يجز أن يعمل عليه.
وإن انتفت عنه الريبة، وكان تحت ختم أمناء الكتاب، ففي جواز العمل عليه وجهان:
أحدهما: لا يجوز العمل عليه في حقوق بيت المال، كما لا يجوز أن يعمل عليه القضاة والحكام، وعلي هذا لو ادعي ذمي دفع جزيته ببراءة أحضرها لم يبرأ بها.
والثاني: يجوز أن يعمل عليه في حقوق بيت المال اعتبارا بعرف الأئمة فيه، لأن الديوان موضوع له، وكما يجوز في رواية الحديث أن يعمل الراوي علي خطه إذا تحققه، وخالف ما عليه القضاة والحكام من العمل بما دواوينهم من وجهين:
أحدهما: أن حقوق بيت المال عامة، فكان حكمها أوسع، وأحكام القضاة خاصة، فكان حكمها أضيق.
والثاني: أن حقوق بيت المال لا يتعين مستحقها، وبتعذر من يتولي الإشهاد فيها، وحقوق الخصوم عند القضاة، يتعين مستحقها، ولا يتعذر عليه أن يتولي الإشهاد فيها.
وعلي هذا لو ادعي ذمي جزيته ببراءة أحضرها تقع في النفس صحتها برئ منها.
فصل:
فإن لم يجد الإمام ما يعمل عليه من جزيتهم من خبر مستفيض، ولا شهادة خاصة، ولا ديوان موثوق، بصحته أو وجده، وقلنا: إنه لا يجوز أن يعمل به، فعليه أن يجمع أهل الذمة من جميع الأمصار، ويسألهم عن قدر جزيتهم، والأولي أن يسألهم أفرادا غير مجتمعين، فإذا اعترفوا بقدر يجوز أن تكون جزية لم يقبل منهم، وكان معهم (على) ما
الجزء: 13 - الصفحة: 380
مضى، لو صولحوا على ما لا يجوز.
وإن اعترفوا بقدر يجوز أن يكون جزية قبله منهمـ ولهم فيه حالتان:
إحداهما: أن يتفقوا جميعًا على القدر، فيعمل عليه مع جميعه بعد إحلافهم عليه، واليمين واحدة.
والثانية: أن يختلفوا فيها، فيقر بعضهم بدينار، ويقر بعضهم بأكثر، فيلزم كل واحد منهم ما أقر به، ولا تقبل شهادة بعضهم على بعض، وإن جوزه أبو حنيفة.
ويكتب الإمام في ديوان الجزية أنه رجع إلى قولهم حين أشكل عليهم صلحهم، فاعترفوا بكذا وكذا.
وإن اختلفوا أثبت أسماء المختلفين، وما لزم كل واحد بإقراره، وأنه أمضاه بعد إحلافه؛ لجواز أن تتجدد بينة عادلة، يخالفها، فيحكم بها، وإن قامت بينة بأكثرها أقروا به عمل عليها، واستوفى ما لم يأخذه من الزيادة، وعاد إلى ديوانه، فأثبت ما قامت به البينة، بعدما أخذ من الإقرار، وصار ذلك حكمًا مؤبدًا، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي: "وليس للإمام أن يصالح أحدا منهم على أن يسكن الحجاز بحال ولا يبين أن يحرم أن يمر بالحجاز مارا لا يقيم بها أكثر من ثلاث ليال وذلك مقام مسافر، لاحتمال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾] التوبة: 6] الآية ولولا أن عمر رضي الله عنه أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها بحال ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر رضي الله عنه يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة".
قال في الحاوي: اعلم أن بلاد الإسلام ثلاثة أقسام: حرم، وحجاز، وما عداهما فأما الحرم، فهو أشرفها، لما خصه الله تعالى من بيته الحرام الذي علق عليه الصلاة والحج، وشرفه بهاتين العبادتين ما ميزه من سائر البلاد بحكمين:
أحدهما: أن لا يدخله قادم إلا محرم بحج أو عمرة.
والثاني: تحريم صيده أن يصاد، وشجره أن يعضد.
ولما كانت له هذه الحرمة، فلا يجوز أن يدخله مشرك من كتابي، ولا وثني لمقام، ولا اجتياز.
وقال أبو حنيفة: يجوز دخولهم إليه للتجارة وحمل الميرة من غير استيطان ويمنعون
الجزء: 13 - الصفحة: 381
من الطواف بالبيت احتجاجًا بأن شرف البقاع لا يمنع منه المشرك وقال جابر بن عبد الله، وقتادة: يجوز أن يقيم فيه الذمي دون الوثني، والعبد المشرك إذا كان ملكًا لمسلم، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أخذ الجزية من نصراني بمكة يقال له موهب" ولا تؤخذ الجزية إلا من مستوطن، وهذا خطأ، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾] التوبة: 28] وفي قوله ﴿نَجَسٌ﴾ [التوبة: 28] ثلاثة تأويلات:
أحدهما: أنهم أنجاس الأبدان، وكنجاسة الكلب والخنزير، وهذا قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري، حتى أوجب الحسن البصري الوضوء على من ضاجعهم.
والثاني: أنه سماهم أنجاسًا لأنهم يجنبون، فلا يغتسلون، فصاروا لوجوب الغسل عليهم كالأنجاس/ وإن لم يكونوا أنجاسًا، وهذا قول قتادة.
والثالث: أنه لما كان علينا أن نجتنبهم كالأنجاس صاروا بالاجتناب في حكم الأنجاس، وهذا قول جمهور أهل العلم.
وقوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾] التوبة: 28] يريد به الحرم، فعبر عنه بالمسجد، لحلوه فيه، كما قال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] الإسراء: 71] يريد به مكة، لأنه أسرى به من منزل أم هانئ وهكذا كل موضع ذكر الله تعالى، فقال الله المسجد الحرام، فإنما أراد به الحرم إلا في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾] البقرة: 144] يريد به الكعبة.
وإذا كان كذلك، وقد منع أن يقربه مشرك، وجب أن يكون المنع محمولًا على عمومه في الدخول والاستيطان.
وقال تعالى: وَإِذْ قَالَ ﴿إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا﴾] البقرة: 126] يعني مكة، وحرمها ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾] البقرة: 126] يعني مكة، وهو قبل فتحها، فدل على تحريمها على الكافر بعد فتحها.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا لا يحجبن بعد هذا العام مشرك" وهذا محمول على القصد، فكان على عمومه، ولأنه لما اختص الحرم بما شرفه الله تعالى فيه على سائر البقاع تعظيمًا لحرمته، كان أولى أن يصان ممن عانده، وطاعته، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر فضائل الأعمال في البقاع، فضله على غيره، فقال: "صلاة في مسجدي بألف صلاة وصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة في مسجدي هذا".
وهذا التفضيل
الجزء: 13 - الصفحة: 382
يوجب فضل العبادة.
فأما الجواب عن أخذ الجزية من موهب النصراني بمكة، فهو أنه قبل نزول هذه الآية، لأنها نزلت سنة تسع.
وأما الجواب عن دخول المساجد، فهو أن حرمة الحرم أعظم، لتقدم تحريمه، ولوجوب الإحرام في دخوله، وللمنع من قتل صيده.
وأما الجواب عن المسلم الجنب، فهو أنه لما لم يمنع الجنب والحائض من الاستيطان لم يمنع من الدخول والمشرك ممنوع من الاستيطان فمنع من الدخول.
فإذا تقرر أنه لا يجوز أن يدخل الحرم مشرك، وورد المشرك رسولًا إلى الإمام وهو في الحرم، خرج الإمام إليه، ولم يأذن له في الدخول، فلو دخل مشرك إلى الحرم لم يقتل، وعزر إن علم بالتحريم، ولم يعزر إن جهل، وأخرج، فإن مات في الحرم لم يدفن فيه، فلو دفن فيه نبش، ونقل إلى الحل إلا أن يكون قد بلي، فيترك كسائر الأموات في الجاهلية.
ولو أراد مشرك أن يدخل الحرم، ليسلم به منع من دخوله، حتى يسلم، ثم يدخله بعد إسلامه، فلو صالح الإمام مشركًا على دخول الحرم بمال بذله كان الصلح باطلًا، ويمنع المشرك من الدخول، فإن دخل إليه أخرج منه، ولزمه المال الذي بذله، مع فساد الصلح، لحصول ما أراد من الدخول، واستحق عليه ما سماه دون أجرة المثل، وإن فسد، لأنه لا أجرة لمثله لتحريمه.
وحد الحرم من طريق المدينة دون التنعيم عند بيوت نفار على ثلاثة أميال.
ومن طريق العراق على بنية خل بالمقطع على سبعة أميال.
ومن طريق الجعرانة من شعب آل عبد الله بن خالد على سعة أميال.
ومن طريق الطائف على عرفة من بطن نمرة على سبعة أميال.
ومن طريق جدة منقطع الأعشاش على عشرة أميال.
فصل:
وأما الحجاز فلا يجوز أن يستوطنه مشرك، من كتابي ولا وثني، وجوزه أبو حنيفة كسائر الأمصار احتجاجًا بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم إلى أن قبضه الله تعالى إليه، ولأن كل أرض حل صيدها حل لهم استيطانها كغير الحجاز.
ودليلنا: ما رواه عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان آخر ما عهد به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قال: "لا يجتمع في جزيرة العرب دينان" وهذا نص.
الجزء: 13 - الصفحة: 383
ولما قبضه الله تعالى قبل عمله به لم يسقط قوله، وتشاغل أبو بكر في أيامه مع قصرها بأهل الردة، ومانعي الزكاة، وتطاولت الأيام بعمر رضي الله عنه وتكاملت له جزيرة العرب، وفتح ما جاورها، نفذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، فاجتمع رأيه، ورأي الصحابة، رضي الله عنهم على إجلائهم وكان فيهم تجار وأطباء وصناع، يحتاج المسلمون إليهم فضرب لمن قدم منهم تاجرًا، وصانعًا مقام ثلاثة أيام ينادى فيهم، بعدها أخرجوا، وهنا إجماع بعد نص لا يجوز خلافهما، ولأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال ليهود خيبر حين ساقاهم على نخلها: "أقركم ما أقركم الله" فدل على أن مقامهم غير مستدام، وأن لحظره فيهم حكمًا مستجدًا.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لئن عشت إلى قابل لأنفين اليهود من جزيرة العرب فمات قبل نفيهم" ولأن الحجاز لما اختص بحرم الله تعالى، ومبعث رسالته ومستقر دينه، ومهاجرة رسوله صلى الله عليه وسلم صارف أشرف من غيره، فكانت حرمته أغلظ، فجاز أن يصان عن أهل الشرك كالحرم.
فإذا ثبت حظر استيطان أهل الذمة للحجاز، فيجوز أن يدخلوه دخول المسافرين لا يقيموا من موضع منه أكثر من ثلاثة أيام، لأن عمر حين أجلاهم ضرب لمن قدم منهم تاجرًا أو صانعًا مقام ثلاثة أيام، فكان هذا القدر مستثنى من الحظر، استدل به على أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع دينان في جزيرة العرب" محمول على الاستيطان دون الاجتياز؛ ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾] التوبة: 6] ويكفيه أن يهتدي سماع كلام الله تعالى في مدة ثلاث؛ ولأنه لما انخفضت حرمة الحجاز عن الحرم، وفضلت على غيره أبيح لهم من مقام ما لم يستبيحوه في الحرم، وحرم عليهم من استيطان الحجاز ما استباحوه في غيره، فإذا كان كذلك اختصت الإباحة بمقام المسافر، وهو ثلاثة أيام لا يتجاوزونها.
ويمنعون من دخول الحجاز، وإن كانوا أهل ذمة إلا بإذن الإمام، لأن مقصوده التصرف دون الأمان.
فلو أذن لهم واحد من المسلمين لم يجز أن يدخلوا بإذنه، وإن كان لو أذن لحربي جاز أن يدخل دار الإسلام بإذنه.
والفرق بينهما: أن المقصود بإذنه للحربي أمانه، وأمان الواحد من المسلمين يجوز، والمقصود بإذنه للذمي في دخول الحجاز التصرف المقصور على إذن الإمام فلو دخل ذمي بغير إذن غزر وأخرج ولا يغنم ماله؛ لأن له بالذمة أمانًا ولو دخل
الجزء: 13 - الصفحة: 384
حربي بلاد الإسلام بغير إذن غنم ماله، لأنه لا أمان له، ويجوز إذا أقاموا ببلد من الحجاز ثلاثًا أن ينتقلوا إلى غيره، فيقيموا فيه ثلاثًا، ثم كذلك في بلد بعد بلد، فإن لم يقض حاجته في الثلاث، واحتاج إلى زيادة مقام؟ لاقتضاء الديون منح، وقيل له: وكل من يقبضها لك، ولو مرض، ولم يقدر على النهوض مكن من المقام، لأنها حال ضرورة حتى يبرأ، فيخرج بخلاف الدين الذي يقدر على قبضه؛ فإن مات في الحجاز لم يدفن فيه، لأن الدفن مقام تأبيد إلا أن يتعذر إخراجه، ويتغير إن استبقى من غير دفن فيدفن في الحجاز للضرورة كما يقيم فيه مريضًا.
فأما الحجاز، فهو بعض جزيرة العرب، ولأن كل قول لرسول الله صلى الله عليه وسلم متوجه إلى جزيرة العرب مختلف فيه، فهي في قول الأصمعي من أقصى عدن إلى أقصى ريف العراق في الطول، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام في العرض.
وقال أبو عبيدة: جزيرة العرب في الطول ما بين جعفر أبي موسى إلى أقصى اليمن، وفي العرض ما بين رمل إلى بيرين إلى منقطع السماوة، وفي جزيرة العرب أرض نجد وتهامة، مختلف فيه، فقال الأصمعي: إذا خلفت عجاز مصعدًا، فقد أنجدت، فلا تزال منجدًا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق، فإذا فعلت فقد أتهمت، ولا تزال متهمًا في ثنايا العرج حتى يستقبلك الأراك والمدارج.
وقال غيره: جبل السراة في جزيرة العرب وهو أعظم جبالها يقبل من ثغرة اليمن حتى ينتهي إلى وادي الشام فما دون هذا الجبل في غرسية من أسياف البحر إلى ذات عرق، والجحفة هو تهامة، وما دون هذا الجبل في شرقي ما بين أطراف العراق إلى السماوة، فهو نجد.
وأما الحجاز فهو حاجز بين تهامة ونجد، وهو منهما، وحده مختلف فيه، فقال قوم: هوا ما احتجز بالجبل في شرقيه وغربيه عن بلاد مذحج إلى فيد.
وقال آخرون: هو اثنا عشرة دارًا للعرب.
فالحد الأول: بطن مكة، وأعلا رملة، وظهره وحرة ليلى.
والحد الثاني: يلي الشام شفى وبدا، وهما جبلان.
والحد الثالث: يلي تهامة بدر، والسقيا، ورهاط، وعكاظ.
والحد الرابع: ساكة وودان.
واختلف في تسميته بالحجاز، فقال الأصمعي: لأنه حجز بين نجد وتهامة وقال ابن الكلبي: سمي حجاز لما أحجز من الجبال وأما غير الحجاز فضل من بلاد الإسلام، فمن دخلها من المشركين بغير ذمة، ولا عهد فهو حرث كالأسرى يغنم ويسبى، ويكون الإمام
الجزء: 13 - الصفحة: 385
فيه مخيرًا كتخييره في الأسير بين الأحكام الأربعة من القتل أو الأسر أو الممن أو الفداء، ويجوز أن يعفو من سبي ذريته بخلاف السبايا في الحرب؛ لأن الغانمين قد ملكوهم؛ فلا يصح العفو عنهم إلا بإذنهم، وذرية هذا الداخل بغير عهد لم يملكهم أحد، فجاز عفو الإمام.
فأما من دخل دار الإسلام بأمان، فضربان: أهل ذمة، وأهل عهد.
فأما أهل الذمة، فهو المستوطن، ولا يجوز استيطانهم إلا بجزية إذا كانوا من أهل كتاب، أو شبهة كتاب.
وأما أهل العهد، فهو الداخل إلى بلاد الإسلام بغير استيطان، فيكون مقامهم مقصورًا على مدة لا يتجاوزونها، وهي أربعة أشهر لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2].
فأما مدة سنة، فلا يجوز أن يقيموها إلا بجزية، وفي جواز إقامتهم بغير جزية فيما بين أربعة أشهر وبين سنة قولان:
أحدهما: يجوز لأنها دون السنة كالأربعة.
والثاني: لا يجوز، لأنه فوق الأربعة كالسنة، وسواء كانوا من أهل كتاب أو لم يكونوا.
مسألة:
قال الشافعي: رحمه الله تعالى: "ولا يترك أهل الحرب يدخلون بلاد الإسلام تجارا فإن دخلوا بغير أمان ولا رسالة غنموا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يجب على الإمام أن يراعي ثغور المسلمين المتصلة بدار الحرب من دخول المشركين إليها؛ لأنهم لا يؤمنون عليها من غرة يظفرون بها أو مكيدة يوقعونها، ومن دخلها منهم، فهو حرب مغنوم يتحكم الإمام فيه بخياره من قتله أو استرقاقه أو فدائه أو المن عليه إلا في حالتين:
أحدهما: أن يكون رسولًا للمشركين فيما يعود بمصلحة المسلمين من صلح يجدد أو هدنة تعقد أو فداء أسرى؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَامَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
قيل: إنها في المرسل فيكون له بالرسالة أمان على نفسه وماله، لا يحتاج معها إلى استئناف أمان، إلا أن يكون رسولًا في وعيد وتهديد، فلا يكون أمان، ويكون حربًا يفعل
الجزء: 13 - الصفحة: 386
فيه الإمام ما يراه من الأمور الأربعة، لأن في هذه الرسالة مضرة، وفي الأولى منفعة فصار بالمنفعة مواليًا، فأمن وبالمضرة معاديًا، فغنم.
فلو ادعى وقد دخل بلاد الإسلام أو رسول نظر في دعواه.
فإن علم صدقه فيها كان آمنا، وإن علم كذبه فيها كان مغنومًا وإن أشبهت حاله قبل قوله، وكان آمنا، ولم يلزم إحلافه على الرسالة، لأنه مبلغ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [المائدة: 99].
ولا يجوز إذا دخل الرسل بلاد الإسلام أن يظهروا فيها منكرًا من صلبانهم، وخمورهم وخنازيرهم، وجوز لهم أبو حنيفة إظهار خمورهم وخنازيرهم؟ لأنها عنده من جملة أموالهم المضمونة الاستهلاك وهذا فاسد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "الإسلام يعلو ولا يعلى".
والثانية: أن يكون لهذا الداخل من دار الحرب أمان يدخل به دار الإسلام، فيصير آمنا على نفسه وماله، ولا ينبغي أن يتولاه إلا الإمام أو من ناب من أولي الأمر؛ لأنه أعرف بالمصلحة من أشذاذ وأقدر على الاحتراز من كيده، فإن قدر له الإمام مدة الأمان أقر عليها إلى انقضائها ما انتهت إلى أربعة أشهر، ولا يبلغ به سنة إلا بجزية، وفيما بين الأربعة أشهر والسنة قولان مضيا.
ولا تنقض علبه مدة أمانه، ولا يخرج قبل انقضائه إلا بموجب لنقض الأمان، لوجوب الوفاء بالعهود، فإن كان الذي أمنه في دخوله رجل من جملة المسلمين كان أمانه مقصورًا على حقن دمه وماله دون مقامه، ونظر الإمام في حاله، فإن رأى من المصلحة إقراره أقره على الأمان، وقرر له مدة مقامه، ولم يكن لمن أمنه من لمسلمين تقدي مدته، وإن لم ير الإمام من المصلحة إقراره، في دار الإسلام أخرجه منها آمنًا حتى يصل إلى مأمنه ثم يصير حربًا، فيكون أمان المسلم له موجبًا لحقن دمه ولمقامه، وإقراره، فافترقا في الحكم من وجه، واجتمعا فيه من وجه.
فصل:
وإذا دخل الحربي بأمان الإمام ثم عاد إلى دار الحرب انقضى حكم أمانه فإن عاد ثانية بغير أمان غنم حتى يستأنف أمانًا، لأنه خاص، فلم يتكرر، فلو عقد له الأمان على تكرار الدخول صح اعتبارًا بصريح العقد، وكان في عوده وتردده آمنًا يقيم في كل دفعة ما شرك له من المدة وإذا كان أمان الحربي من قبل الإمام كان عامًا في جميع بلاد الإسلام إلا أن يجعله مقصورًا على بلد بعينه؛ فلا يصير آمنًا في غيره، وإذا كان أمانه ممن استنابه
الجزء: 13 - الصفحة: 387
الإمام كان عامًا في بلاد ولايته ولا يكون عامًا في بلاد الإسلام كلها، لأن ولاية الإمام عامة، وولاية النائب عنه خاصة، وإذا كان أمانه من جهة واحد من المسلمين كان أمانه مقصورًا على بلده خاصة وفيما كان طريقًا له إلى دار الحرب، لأن الأمان يقتضي عوده إلى مأمنه، ولا يكون له أمان أن يتجاوز ذلك إلى غيره من بلاد الإسلام، وإذا دخل حربي دار الإسلام وادعى أنه دخلها بأمان مسلم، فإن كان من ادعى أمانه حاضرًا رجع إلى قوله، فإن صدقه على الأمان قبل قوله؛ لأنه لو أمنه في حال تصديقه صح أمانه، وإن أكذبه على الأمان كان الحربي مغنومًا، وإن كان من ادعى أمانه غائبًا ففي قبول قول الحربي وجهان:
أحدهما: يقبل قوله، ويكون آمنًا كما يقبل قول من ادعى الرسالة.
والثاني: لا يقبل وإن قبل في الرسالة؛ لأن إقامة البينة على الرسالة متعذر قبل قوله فيها، وإقامته على الأمان ممكنة، فلم يقبل قوله فيه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن دخلوا بأمان وشرط عليهم أن يؤخذ منهم عشر أو أقل أو أكثر أخذ".
قال في الحاوي: وجملته أنه يجب على الإمام أن يشترط في متاجر أهل الحرب إذا دخلوا في بلاد الإسلام لمنافعتهم، وكان انقطاعها عن المسلمين غير ضار بهم حتى يأخذه الإمام منهم من عشر أو أقل أو أكثر بحسب ما يؤديه اجتهاده إليه يكون عبئًا مصروفًا في أهل الفيء؛ لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صالح أهل الحرب في حمل متاجرهم إلى بلاد الإسلام على العشر، وصالح أهل الذمة في حملها إلى المدينة على نصف العشر ليكون ذلك ضعف ما يؤخذ في زكاة المسلم من ربع العشر، ولأن الإمام مندوب إلى توفي ما يصل إلى المسلمين من أموال المشركين إما بغنيمة إن قهروا، وإما بجزية وخراج إن صولحوا، فكذلك عشر أموالهم إذا اتجروا، وإن كان ذلك من الشروط الواجبة عليهم كان العرف الذي عمل به الأئمة العشر، وليس بجد لا يجوز مجاوزته إلى زيادة أو نقصان؛ لأنه موقوف على ما يؤدي إليه الاجتهاد المعتبر من وجهين:
أحدهما: في كثرة الحاجة إليه وقلتها، فإن كثرت الحاجة إليه كالأقوات كان المأخوذ منه أقل، وإن قلت الحاجة إليه كالطرف والدقيق كان المأخوذ منه أكثر، فإن عمر
الجزء: 13 - الصفحة: 388
رضي الله عنه أخذ من القطنية العشر، وأخذ من الحنطة والزبيب نصف العشر.
والثاني: الرخص والغلاء، فإن كان انقطاعها يحدث الغلاء كان المأخوذ أقل وإن كان لا يحدث الغلاء كأن المأخوذ أكثر، وإذا كان الاجتهاد فيه معتبرًا من هذين الوجهين عمل الإمام في تقريره على ما يؤديه اجتهاده إليه، فإن رأى من المصلحة اشتراط العشر في جميعها فعل، وإن رأى اشتراط نصف العشر فعل، وإن رأى اشتراط الخمس فعل، وإن رأى أن ينوعها بحسب الحاجة إليها، فيشرط في نوع منها الخمس، وفي نوع العشر، وفي نوع نصف العشر فعل، وصار ما انعقد شرطه عليه حقًا واجبًا في متاجرهم ما أقاموا على صلحهم، كالجزية لا يجوز لغيره من الأئمة أن ينقضه إلى زيادة أو نقصان، فإن نقضوا شرطهم بطل حكم الشرط بنقضهم، وجاز استئناف وصلح معهم يبتدئه بما يراه من زيادة على الأول أو نقصان منه.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل خال العشر من أن يكون مشروطًا في عين المال أو يكون في ذممهم عن المال، فإذا كان مشروطًا في المال وجب على كل من حمله إلى بلاد الإسلام من حربي وذمي ومسالم، أن يؤخذ منه العشر، ولا يمنع الإسلام من أخذه، ولا يكون أخذه من المسلم جزية، إنما يكون ثمنًا يضاف إلى الثمن الذي ابتاعه من أهل الحرب، ويكون ما أداه إليهم تسعة أعشار ثمنه، وما أداه إلى الإمام عشر الثمن أو عشر الأصل، وإن كان مشروطًا في ذممهم لأجل المال وعنه أخذ عشره من الحربي إذا حمله، ولم يؤخذ من المسلم؛ لأنه جزية محضة.
وفي أخذه من الذمي وجهان:
أحدهما: يؤخذ منه لشركه.
والثاني: لا يؤخذ منه لجريان حكم الإسلام عليه.
فأما الذمي إذا اتجر في بلاد الإسلام، فلا عشر عليه في ماله؛ لأن الجزية مأخوذة منه عن نفسه وعن ماله، إلا أن يدخل تاجرًا إلى الحجاز فيمنع من دخوله إلا بما يشترط عليه من عشر ماله؛ لأنه ممنوع من استيطان الحجاز فمنع من التجارة فيه إلا معشورًا، وهو لا يمنع من استيطان غيره، فلم يعشر.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن لم يكن شرط عليهم لم يؤخذ منهم شيء
الجزء: 13 - الصفحة: 389
وسواء كانوا بعشرون المسلمين إذا دخلوا بلادهم أو يخمسونهم أو لا يعرضون لهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا دخل أهل الحرب بأمان، ولم يشترط عليهم عشور أموالهم، فلا شيء عليهم فيها إذا حملوها معهم، ولا وجه لما قاله بعض أصحابنا إنهم يعشرون اعتبارًا بالعرف المعهود من فعل عمر.
وقال أبو حنيفة: يفعل معهم ما يفعلونه مع تجارنا إذا دخلوا إليهم، فإن كانوا يعشرونهم عشروا، وإن كانوا يخمسونهم خمسوا، وإن كان يتركونهم تركوا؛ لأنها عقولة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 26].
وهذا خطأ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "المسلمون على شرطهم" ولأن عمر لم يأخذ عشرهم إلا بعد اشتراطه عليهم، ولأنه مال مأخوذ عن أمان، فلم يلزم بغير شرط كالجزية؛ ولأن علو الإسلام يمنع من الاقتداء بهم كما يقتدي بهم في الغدر إن غدروا، فأما الآية فواردة في الاقتصاص ممن مثل به من قتلى أحد، ثم قال: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: 126].
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اتجروا في بلاد المسلمين إلى أفق من الآفاق لم يؤخذ منهم في السنة إلا مرة كالجزية وقد ذكر عن عمر عن عبد العزيز أنه كتب أن يؤخذ مما ظهر من أموالهم وأموال المسلمين وأن يكتب لهم براءة إلى مثله من الحول ولولا أن عمر رضي الله عنه أخذه منهم ما أخذناه ولم يبلغنا أنه أخذ من أحد في سنة إلا مرة.
قال: ويؤخذ منهم ما أخذ عمر من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر إتباعا له على ما أخذ.
قال المزني رحمه الله: قد روى الشافعي رحمه الله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه من حديث صحيح الإسناد أنه أخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ومن القطنية العشر.
قال الشافعي: ولا احسبه أخذ ذلك منهم إلا بشرط".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا أخذ من الحربي، عشر ماله في دخوله ثم نقله إلى بلد آخر لم يعشر، وكذلك لو طاف به في بلاد الإسلام، لأنها دار واحدة، فإنه باع ماله واشترى به متاعًا من بلاد الإسلام، وأراد حمله إلى دار الحرب روعي شرط صلحهم، فإن كان مشروطًا عليهم وتعشير أموالهم من دخولهم عشروا خارجين كما عشروا داخلين.
وإن لم يشترط عليهم لم يعشروا في الخروج وعشروا في الدخول، وإذا اتجروا في بلاد الإسلام حتى حال عليهم الحول، قال الشافعي: عشروا بعد انقضاء الحول ثانية
الجزء: 13 - الصفحة: 390
واعتبرهم بالمسلمين في أخذ الزكاة منهم في كل حول، وهذا عند معتبر بالشرط المعقود معهم، فإن تضمن تعشير أموالهم في كل حول عشروا، وإن تضمن تعشيرها ما حملوه من دار الحرب لم يعشروا اعتبارًا بموجب الشرط.
فأما الذمي إذا تجر في الحجاز بعد تعيشر ماله حتى حال عليه الحول عشر ثانية في كل حول؛ لأن للذمي في الجزية حولًا مقيدًا تتكرر جزيته فيه، فجعل أصلًا لعشر ماله في كل حول، وليس هو في حول الجزية أصلًا؛ ولأن أحكام الإسلام جارية على الذمي دون الحرب، فلما استقر حكم الإسلام على أخذ الزكاة من مال المسلم في كل حول، صار ذلك أصلًا في تعشير مال الذمي في الحجاز في كل حول.
فأما إذا اتجر الذمي في غير الحجاز من بلاد الإسلام، فلا عشر عليه لجواز استطيانه بها بخلاف بلاد الحجاز التي لا يجوز أن يستوطنها، فإن شرط الإمام عليهم ذلك حملوا على شروطه، وكان زيادة في جزيتهم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويحدد الإمام بينه وبينهم في تجاراتهم ما يبين له ولهم وللعامة ليأخذهم به الولاة وأنا الحرم فلا يدخله منهم أحد بحال كان له بها مال أو لم يكن ويخرج الإمام منه إلي الرسل ومن كان بها منهم مريضًا أو مات اخرج ميتًا ولم يدفن بها.
وروي أنه سمع عددًا من أهل المغازي يروون أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، حتى ينتشر في كافة المسلمين، وفيهم، يزول الخلاف معهم، فإذا انتشر في بلاد الإسلام كلها في عصر بعد عصر اكتفى بانتشاره عن تجديده، فإن خيف بتطاول الزمان أن يخفى جدده كما يفعل الحكام في الوقوف إذا خيف دروسها جددوا الإسجال بها، لتكون حجج سبيلها دائمة الثبوت.
فصل:
وإذا رأى الإمام أن يسقط عن أهل الحرب تعشير أموالهم بحادث اقتضاه نظره من جذب أو قحط أو لخوف من قوة تجددت لهم جاز إسقاطه عنهم، ولو رأى إسقاط الجزية عن أهل الذمة لم يجز إسقاطها؛ لأن الجزية نص والعشر اجتهاد.
وإذا زال السبب الذي تركه تعشير أموالهم لم يأخذهم بعشر ما كانوا حملوه، ونظر في الترك، فإن كان مسامحة لهم أخذ عشرهم بعد زوال السبب بالشرط الأول' وإن كان إسقاطًا لم يأخذه بعد زوال سببه إلا بشرط مستأنف.
وإذا دعت الإمام الضرورة في
الجزء: 13 - الصفحة: 391
الاستعانة بأهل الذمة على قتال أهل الحرب أن يترك عليهم الجزية، ليستعينوا بها على معونة المسلمين كان الأولى قبضها منهم، وردها عليهم، فإن لم يفعل وأرفقهم بتركها عليهم جاز، وكان ذلك إبراء منها في وقتها، ولم يك إسقاطًا من أصلها فإذا زال السبب عاد إلي أخذها بالعقد الأول.
فصل:
وإذا عقدت الذمة مع قوم وجب الذب عنهم من كل من مسلم ومشرك سواء اختلطوا بالمسلمين أو اعتزلوهم، فلو عجل الإمام بجزيتهم، وقصدهم العدو، فلم يذب عنهم وجب عليه أن يرد من جزيتهم ما قابل زمان متاركتهم مع عدوهم دون ما عداه، فإن اشترطوا في عقد صلحهم أن لا يذب أهل الحرب عنهم لم يصح الشرط إن كانوا مختلطين بالمسلمين لئلا يتعدى ذلك إلي المسلمين، وإن اعتزلوا المسلمين بقرية انفردوا بسكناها، فإن كان بينهم مسلم أو مال مسلم، أو كان بينهم وبين دار الحرب قرية للمسلمين لم يصح هذا الشرط، وإن لم يكن فيهم، ولا فيما بينهم وبين دار الحرب قرية للمسلمين لم يصح هذا الشرط، وإن لم يكن فيهم، ولا فيما بينهم وبين أهل الحرب، ولم يلزم الذب عنهم إلا أن يخاف عليهم الاصطلام، فيلزم استنقاذ نفوسهم دون أموالهم، لأن للذمة حقًا في حفظها، وسقط حفظ أموالهم بالشرط والله أعلم.
باب في نصارى العرب
تضعف عليهم الصدق ومسلك الجزية.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "اختلفت الأخبار عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نصارى العرب من تنوخ وبهراء وبني تغلب فروي عنه أنه صالحهم على أن يضعف عليهم الجزية ولا يكرهوا على غير دينهن وهكذا حفظ أهل المغازي.
قالوا: رامهم عمر على الجزية فقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض يعنون الصدقة.
فقال عمر رضي الله عنه؛ لأن هذا فرض على المسلمين.
فقالوا: فزد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية فراضاهم على أن يضعف عليهم الصدفة.
قال ضعفها عليهم فانظر إلي مواشيهم وذهبهم وورقهم وأطعمتهم وما أصابوا من معادن بلادهم وركازها وكل أمر أخذ فيه من مسلم خمس فخذ خمسين أو عشر فخذ عشرين أو نصف عشر فخذ عشرًا أو ربع عشر فخذ نصف عشر وكذلك ماشيتهم خذ الضعف منها".
الجزء: 13 - الصفحة: 392
قال في الحاوي: أما دين العرب، فلم يكونوا أهل كتاب، وكانوا عبدة أوثان، فجاورت طائفة منهم اليهود، فتهودوا وجاورت طائفة منهم النصارى، فتنصروا، فكان في قحطان بالشام بتنوخ وبهراء، وبنو تغلب مجاورين للنصارى، فتنصروا وأشكلت حالهم عند فتح الشام على عمر رضي الله عنه هل دخلوا في النصرانية قبل التبديل فيقرون أو بعد التبديل مع المبدلين، فلا يقرون، فغل فيهم حكم الحظر في حقن دمائهم، وتحريم مناكحهم وذبائحهم، فأقرهم على هذا، وشرط عليهم ألا ينصروا أولاهم، ثم طالبهم بالجزية حين أقرهم على النصرانية، فأبوا أنفة من ذل الجزية، وقالوا: نحن عرب لا نؤدي ما يؤدي العجم، ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض الصدقة، فقال عمر: لا آخذ من مشرك صدقة فرضها الله على المسلمين طهرة فنقر بعضهم ولحق بالروم، وكان الباقون أن يلحقوا بهم، فقال عبادة بن النعمان التغلبي يا أمير المؤمنين إن للقوم بأسًا وشدة، فلا تعز عدوك بهم، وخذ منهم الجزية باسم الصدقة، فأعاد من رحل إلي من أقام، وقالوا: زد ما شئت بهذا الاسم لا باسم الجزية، فراضاهم عمر على أن أضعف عليهم الصدقة وجعلوها جزية باسم الصدقة، تؤخذ من أموالهم الظاهرة والباطنة، كما تجب الصدقة على المسلمين في الأموال الظاهرة والباطنة من المواشي والزروع، والثماؤ، والذهب، والفضة، وعروض التجارة إذا بلغت نصابًا، ولا شيء عليهم دون النصاب، ولا في الدور والعقار، ولا في الخيل، والبغال، والحمير، فيؤخذ منهم عن كل خمس من الإبل شاتان، عن كل ثلاثين بقرة تسعين، وعن كل أربعين شاة شاتان، وعما سقته السماء من الزروع والثمار التي يجب فيها العشر الخمس، وعما سقي بنضح أو غرب يجب فيه نصف العشر العشر، وعما وجب فيه ربع العشر من الفضة والذهب نصف العشر، فيؤخذ من عشرين مثقالًا من الذهب، ومن مائتي درهم من الورق عشرة دراهم، وعما وجب في الخمس من الركاز والمعادن الخمسين، فكان لعقد صلحهم مع عمر مستقرًا على هذا، وحملهم عليه بعد عمر عثمان رضي الله عنهما وعلي عليه السلام، ولم يمنعوهم أن ينصروا أولادهم، فدل على أن اشتراط ذلك عليهم كان إرهابًا ولم يكن إلزامًا.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفناه من صلح عمر، فهو شيء يزيد، وينقص بكثرة المال وقلته، ويجب ولا يجب بوجود المال وعدمه، ويعلم ولا يعلم بظهور المال واستطبانه، فصار مجهولًا لتبرزه بين قليل وكثير ووجوب وإسقاط، ومكتوم ومشهور.
وقد ثبت أن عمر صالحهم عليه، ولم يأخذ منهم دينار الجزية، لأنهم امتنعوا من بذل الجزية لئلا يجري عليه صغار، فصارت مضاعفة الصدقة هي الجزية مأخوذة باسم
الجزء: 13 - الصفحة: 393
الصدقة، وقد قال عمر: هؤلاء قوم حمقي، أبوا الاسم، ورضوا بالمعنى.
واختلف أصحابنا في عقد الصلح على هذا الوجه على ثلاثة أوجه:
أحدهما: يجوز حملهم عليه سواء بلغ المأخوذ من كل واحد منهم دينارًا أو نقص عنه، ومن لم يبلغ ماله نصاب الزكاة لم يؤخذ منه، ومن لم يملك مالًا مزكى، فلا شيء عليه، وهو الظاهر من فعل عمر فكان إمضاؤه على هذا، وإن نقص المأخوذ من كل واحد على الدينار؛ لأنه قد يجوز أن يزيد في وقت آخر على الدينار لما يستفيده، ويجوز أن يملك من لا ملك له، فيؤدي، فيكون الاعتبار بها لا بالدينار، ويكون ما يخاف من نقصان الدينار في وقت مجبورًا لما يرجى من الزيادة عليه في وقت.
والثاني: يجوز أن يصالحوا على هذا إذا علم أن المأخوذ من ذوي الأموال منهم يفي بدينار عن كل رأس من جميعهم، وإن لم يف بالدينار عن كل رأس لم يجز.
مثاله: أن يكونوا ألف رجل، فإن علم أن المأخوذ بمضاعفة الصدقة ألف دينار فصاعدًا جاز، وإن علم أنه أقل من دينار لم يجز، ولا يضر أن يؤخذ من بعضهم أقل من دينار إذا أخذ من غيره أكثر منه، ولا شيء على من لا مال له من مزكى؛ لأنه قد أخذ من غيره ما جبره، فصار بدلًا منه، وحمل قائل هذا الوجه صلح عمر على أنه علم كثرة أموالهم، وأن المأخوذ من ذوي الأموال يفي بجزية جميعهم.
والثالث: وهو الظاهر من مذهب الشافعي بأنه يجوز حملهم عليه إذا بلغ المأخوذ من كل واحد منهم دينارًا فصاعدًا، فإن نقص عن الدينار أخذ منه تمام الدينار، ولا يجبر بزيادة غيره، ومن لم يملط نصابًا مزكى، أخذ منه دينار الجزية، ولم يسقط عنه بأخذها من غيره، لأن أهل الذمة لا يجوز أن يقروا في دار الإسلام على التأبيد بغير جزية، ولا يجوز أن ينقص واحد منهم عن دينار الجزية، وحمل صلح عمر على أنه علم أن جميعهم أغنياء، لما شاهده من كثرة أموالهم، وأنه ليس فيهم من يعجز عن المأخوذ منه عن الدينار، وهذا الوجه هو الأقيس والأول هو الأشبه بصلح عمر.
فصل:
فإذا ثبت ما ذكرنا كانت مضاعفة الصدقة مأخوذة من أموال الرجال دون النساء والصبيان.
وقال أبو حنيفة: آخذها من الرجال والنساء دون الصبيان، احتجاجًا بأن ما أخذ باسم الصدقة، وكان النصاب فيه والحول فيه معتبرين اشترك فيه الرجال والنساء كالزكاة على المسلمين، وخرج منه الصبيان، لأنه لا زكاة عليهم.
ودليلنا: هو أن المأخوذ بالإقرار على الكفر جزية فوجب أن يختص بالرجال دون النساء كالدينار، ولأن النساء محقونات الدماء، فلم تضاعف صدقة الجزية كالصبيان
الجزء: 13 - الصفحة: 394
والمجانين.
فأما الجواب عن قياسهم على الزكاة، فمن وجهين:
أحدهما: أنها جزية، فكان اعتبارها بالجزية أولي من اعتبارها بالزكاة.
والثاني: أنها لما خرجت عن الزكاة قدراً ومصرفًا خرجت عنها حكمًا والتزامًا.
فصل:
وإذا كان النصاب في مضاعفة الصدقة عليهم معتبراً، ففي زمانه وجهان:
أحدهما: أنه يعتبر بوجود النصاب في الحول كله كالزكاة.
والثاني: أنه يعتبر وجوده في رأس الحول؛ لأنه لما اعتبر اليسار بدينار الجزية، في رأس الحول كذلك النصاب؛ لأن المأخوذ منه جزية.
فإذا تقرر هذان الوجهان لم يخل النصاب من أربعة أحوال:
أحدهما: أن يكون موجودًا في الحول كله، فيؤخذ منه.
والثاني: أن يكون معدومًا في الحول كله، فلا شيء عليه.
والثالث: أن يكون موجودًا في آخره معدومًا في أوله، فعلى الوجه الأول لا شيء فيه اعتبارًا بالزكاة، وعلى الوجه الثاني يجب فيه ضعف الصدقة اعتبارًا بالجزية.
والرابع: أن يكون موجودًا في أول الحول معدومًا في آخره، فينتظر فيه فإن عدم بالتلف، فلا شيء فيه، وإن عدم بنقله إلي مال غير مزكى أخذ منه؛ لأنهم مهتمون لا يتدينون بأدائها، فأخذت منهم، والمسلمون لا يهتمون، لأنهم يتدينون بأدائها، فلم تؤخذ منهم.
فصل:
وإذا بذل قوم من أهل الحرب للإمام في وقتنا أن يعقد معهم الذمة على مضاعفة الصدقة كالذي فعله عمر جاز اقتداء به، وإتباعًا، ولو سألوه أن يعقدها على صدقة واحدة من غير مضاعفة جاز إذا لم تنقص عن دينار الجزية، فإن نقصت عنه لم يجز أن يعقدها معهم وجهًا واحدًا؛ لأن ما قدمنها من الأوجه الثلاثة، إنما هي في عقد أمضاه إمام مجتهد، فإذا عقد عقدًا مستأنفًا، فلا يمضي بأقل من دينار الجزية، فإذا بلغ أخدهما من بعضهم دينارًا على كل رأس منهم، ففي جوازه وجهان:
أحدهما: وقول أبي إسحاق المروزي لا يجوز، لأن فيهم من لا يؤدي دينارًا.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة يجوز؛ لأن المطلوب أخذ دينار عن كل رأس وقد أخذ.
الجزء: 13 - الصفحة: 395
فعلى هذين الوجهين، لو أن رجلًا من أهل الذمة عقد الجزية على نفسه، ومائة رجل من قومه على مائة دينار يؤدونها من ماله نظر في موضوعها، فإن أوجبها عليهم وتحملها عنهم جاز؛ لأنه تبرع بها وهم مأخوذون بها إن امتنع منها، وإن أوجبها على نفسه لتكون عنه وعنهم، ففي جوازه ما قدمناه من الوجهين:
أحدهما: هو قول أبي إسحاق، لا يجوز؛ لأنهم يقيمون بغير جزية تلزمهم.
والثاني: وهو قول أبي علي، يجوز لحصول الفرض المطلوب منهم.
فصل:
إذا قال: من بذل ضعف الصدقة أنفة من اسم الجزية قد أسقطت اسم الصدقة عنه، ورضي باسم الجزية، فقد اختلف أصحابنا في سقوطها، والاقتصار على دينار الجزية على وجهين:
أحدهما: تسقط مضاعفة الصدقة عليه؛ لأنها في مقابلة ما قد أسقط عن نفسه.
والثاني: وهو أصح أنه لا تسقط عنه؛ لأن حكم الجزية موجود في الحالين، فلم يكن لاختلاف الأسماء تأثير.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكل ما أخذ من ذمي عربي فمسلكه الفيء وما اتجر به نصارى العرب وأهل دينهم".
قال في الحاوي: وهذا صحيح المأخوذ من ذمة العربي باسم الصدقة جزية، وليست زكاة وإن كانت عند أبي حنيفة في إيجابها على النساء زكاة.
والدليل على أنها ليست زكاة قول الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة 103] الآية.
والكافر لا يتطهر بما يؤديه منها.
وقال أبو بكر رضي الله عنه: هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين فدل على أنها لا تجب على المشركين.
وقال عمر: الناس رجلان مسلم فرض الله عليه الصدقة، كافر فرض الله عليه الجزية.
وقال علي: لا زكاة على مشرك، فكان هذا إجماع الأئمة رضوان الله عليهم.
وإذا ثبت هذا وجب أن يكون مصروفًا في أهل الفيء دون أهل الصدقة.
الجزء: 13 - الصفحة: 396
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كانوا يهودًا تضاعف عليهم فيه الصدقة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح؛ لأن اليهود والنصارى في جواز صلحهم على مضاعفة الصدقة سواء، وإن كان صلح عمر معقودًا على نصار العرب، فليس يمتنع أن يعقد مع اليهود، ومع نصارى العجم؛ لأن جميعهم في الجزية، سواء فإذا اتجروا بأموالهم وجب أن يؤخذ منها بعد الحول ضعف الزكاة، لأن أموال التجارة مزكاة، فلو اتجر بعض نصارى العرب إلي الحجاز أخذ من العشر في دخول الحجاز، وضعف الصدقة بعقد الصلح، وجمع عليه بين الأمرين، وإن كان حربيين كما يجمع عليه بين الدينار والعشر، والله أعلم.
باب المهادنة على النظر للمسلمين
ونقص ما لا يجوز من الصلح.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "إن نزلت بالمسلمين نازلة بقوة عدو عليهم وأرجو أن لا ينزلها الله بهم هادنهم الإمام على النظر للمسلمين إلي مدة يرجو إليها القوة عليهم لا تجاوز مدة أهل الحديبية التي هادنهم عليها عليه الصلاة والسلام وهي عشر سنين".
قال في الحاوي: أما المهادنة، فهي المسالمة والموادعة عن عهد يمنع من القتال والمنافرة، وقد كان الله تعالى بعد فرض الجهاد منع منها بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 5] وجعل غاية أمرهم في قتلهم أن يسلموا، فقال: ﴿فَإن تَابُوا﴾ [التوبة 5] الآية ثم قوله: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة 29] فكان هذا بعد قوة الإسلام بكن بها تؤخذ جزيتهم، ثم إن الله تعالى أذن في مهادنتهم ومسالمتهم عند الحاجة إليها فقال تعالى: ﴿وإن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال 61].
وقال تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم﴾ [التوبة 4] إلي قوله ﴿عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة 4]، فوادع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير وبني قريظة، وبني قينقاع بالمدينة ليكفوا عن معونة المشركين، ويكونوا عونًا للمسلمين فكان ذلك من أول عهوده حتى نقضوا العهد، فكان أول من نقض عهده منهم بنو قينقاع في معونة قريش يوم بدر، فسار إليهم وأظفره الله بهم، وأراد قتلهم، فسأله عبد الله بن أبي ابن سلول فيهم، وكانوا ثلاثمائة
الجزء: 13 - الصفحة: 397
دارع وأربعمائة حاسر فنفاهم إلي أذرعات من الشام.
ثم نقض بنو النضير عهودهم بعد أحد، لأنهم هموا أن يفتكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسار إليهم، وأظفره الله بهم فأجلاهم إلي أرض خيبر.
ثم نقض بنو قريظة عهودهم بمعونة أبي سفيان على رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق، فسار إليهم فأظفره الله بهم وحكم سعد بن معاذ فحكم بسبي الذراري، وقتل من جرت عليه المواسي، فقتلهم، وكانوا سبعمائة رجل.
ثم هادن قريشًا عام الحديبية عشر سنين، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة 7].
حتى نقضت قريش العهد بمعونة أحلافهم من بني أبي بكر على قتال أحلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم من خزاعة فسار إليهم سنة ثمان حتى فتح مكة، وكان صلح الحديبية سنة ست، وعمرة القضية سنة سبع، وكان هذا الصلح عظيم البركة أسلم بعده أكثر ممن أسلم قلبه.
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حال المسلمين عند إرادة الهدنة من ثلاثة أحوال:
أحدهما: أن تكون بهم قوة، وليس لهم في الموادعة منفعة، فلا يجوز للإمام أن يهادنهم وعليه أن يستديم جهادهم؛ لقول الله تعالى: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران 139].
والثانية: أن يكون بهم قوة لكن لهم في الموادعة منفعة، وذلك بأن يرجوا بالموادعة إسلامهم، وإجابتهم إلي بذل الجزية، أو يكفوا عن معونة عدو ذي شوكة أو يعينوه على قتال غيرهم من المشركين إلي غير ذلك من منافع المسلمين، فيجوز أن يوادعهم مدة أربعة أشهر، فما دونها؛ لقول الله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ (1) فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة 1 - 2] وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوان بن أمية أربعة أشهر، فإن أراد الإمام أن يبلغ بمدة موادعتهم في هذه الحال سنة لم يجز؛ لنها مدة الجزية التي لا يجوز أن يقر فيها مشرك إلا بها، فأما ما دون السنة وفوق أربعة أشهر، ففي جواز موادعتهم قولان:
أحدهما: نص عليه هاهنا، وفي الجزية من كتاب الأم انه لا يجوز موادعتهم أكثر من أربعة أشهر؛ لقول الله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أربعة أَشْهُرٍ﴾ [التوبة 2] فجعلها حدًا لغاية الموادعة.
والثاني: نص عليه في سير الواقدي، يجوز أن يوادعهم ما دون السنة، وإن زاد على أربعة أشهر، لأنها دون مدة الجزية كالأربعة مع عموم قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة 1].
الجزء: 13 - الصفحة: 398
والثالثة: أن لا يكون بالمسلمين قوة، وهم على ضعف يعجزون معه عن قتال المشركين فيجوزن أن يهادنهم الإمام إلي مدة تدعوه الحاجة إليها أكثرهم عشر سنين؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم هادن قريشًا عام الحديبية عشرين سنة لا أغلال فيها، ولا أسلال، ودامت هذه المهادنة سنتين حتى نقضوها فبطلت فإن احتاج الإمام إلي مهادنتهم أكثر منها لم يجز؛ لأنها مخصوصة عن حظر، فوجب الاقتصار على مدة الاستئناف والتخصيص، وقيل للإمام: اعقد الهدنة عشر سنين، فإذا انقضت والحاجة باقية استأنفها عشرًا ثانية، فإن عقدها على أكثر من عشر سنين بطلت الهدنة فيما زاد على العشر، وفي بطلانها في العشر قولان، من تفريق الصفقة.
أحدهما: تبطل إذا منع تفريقها.
والثاني: تصح إذا أجيز تفريقها، وهو المنصوص، وهكذا إن دعته الحاجة أن يهادنهم خمس سنين لم يجز أن يهادنهم أكثر منها، فإن فعل كان ما زاد على الخمس باطلًا، وفي بطلان الهدنة في الخمس قولان.
ولو هادنهم عشر سنين لحاجة دعت إليها ثم ارتفعت الحاجة كانت الهدنة باقية إلي انقضاء مدتها بعد زوال الحاجة إليها، وإن لم يجز أن يبتدئ بها في هذه الحال التزامًا لما استقر من عقدها بقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة 1].
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن أراد أن يهادن إلي غير مدة على أنه متى بدا له نقض الهدنة فجائز وإن كان قويًا على العدو كم يهادنهم أكثر من أربعة أشهر لقوله تعالى لما قوي الإسلام ﴿بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة 1] الآية.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان بعد فتح مكة بسنين أربعة أشهر لا أعلمه زاد أحد بعد قوة الإسلام عليها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
يجوز في الهدنة أن تكون غير مقدرة المدة: إذا علقت بشرط أو على صفة؛ يجوز لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وادع يهود خيبر قال: "أقركم ما أقركم الله".
ويكون الإمام مخيرًا فيها إذا أراد نقضها وليست من عقود المعاوضات التي تمنع الجهالة فيها، وإذا جاز إطلاقها بغير مدة لم يجز أن يقول لهم: أقركم ما أقركم الله، وإن قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل خيبر؛ لأن الله تعالى يوحي إلي رسوله مراده دون غيره، وكذلك لو قال: أقركم ما
الجزء: 13 - الصفحة: 399
شئت فيجوز، ويكون موقوفًا على مشيئته، فيما يراه صلاحًا كم استدامة الهدنة أو نقضها فإن عقدها على مشيئتهم لم يجز، لأنهم يصيرون متحكمين على الإسلام وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يعلو ولا يعلى": وإن عقدها الإمام عل مشيئته غيره من المسلمين جاز إذا اجتمعت فيه ثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون من ذوي الاجتهاد في أحكام الدين.
والثاني: أن يكون من ذوي الرأي في تدبير الدنيا.
والثالث: أن يكون من ذوي الأمانة في حقوق الله تعالى وحقوق عباده.
فإذا تكاملت فيه صلح وقوف الهدنة على مشيئته، وإن أخل بشرط منها لم يصح.
فإذا انعقدت نظر:
فإن كان من ولاة الجهاد عمل على رأسه في استدامة الهدنة بالموادعة أو نقضها بالقتال، لم يلزمه استئذان الإمام في الحالين، وإن لم يكن من ولاة الجهاد جاز له استدامتها بغير إذن الإمام، ولم يكن له نقضها إلا بإذن الإمام؛ لأنه موافق في الاستدامة، ومخالف في النقض، وإن كان كذلك لم يخل حاله وحال الإمام من أربعة أحوال:
أحدهما: أن يتفقا على استدامتها فتلزم.
والثاني: أن يتفقا على نقضها فتنحل.
والثالث: أن يرى المحكم نقضها، ويرى الإمام استدامتها، فتغلب استدامة الإمام ويصير كالمبتدئ بها.
والرابع: أن يرى المحكم استدامتها، ويرى الإمام نقضها، فينظر فإن كان لعذر يقلب نقض الإمام، وإن كان لغير عذر غلب استدامة المحكم كالمدة المقدرة.
ولو أطلق الهدنة من غير شرط، أو على غير صفة، فقال: قد هادنتكم لم يجز؛ لأن إطلاقها يقتضي التأبيد، وهو لو أبدها بطلت كذلك إذا أطلقها، وإذا أراد الإمام نقض العهد لم يبدأ بقتالهم إلا بعد إنذارهم وإعلامهم، لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ [الأنفال 58].
مسألة:
قال الشافعي رحمة الله تعالى: "ولا يجوز أن يؤمن الرسول والمستأمن إلا بقدر ما يبلغان حاجتهما ولا يجوز أن يقيم بها سنة بغير جزية"؟
قال في الحاوي: قد مضى الكلام، وأن للرسول أمانًا يبلغ فيه رسالته، وأنه لا يعشر ما دخل معه من مال، وإن كان العشر مشروطًا عليهم؛ لأنه لما يتميز عنهم في أمان
الجزء: 13 - الصفحة: 400
الرسالة تميز عنهم في تعشير المال تغليبًا لنفع الإسلام برسالته، فإن انقضت رسالته فيما دون أربعة أشهر جاز أن يستكملها، ولم يجز أن يقيم سنة إلا بجزية، وإن لم تنقض رسالته إلا في سنة جاز أن يقيمها بغير جزية؛ لأن حكم الرسالة مخصوص في أحكام جماعتهم وهكذا الأسير إذا حبس في الأسر مدة لمصلحة رآها الإمام لم تجب عليه الجزية؛ لأن مقيم بغير اختيار، فصار مساويًا للرسول في سقوط الجزية ومخالفًا في العلة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يهادنهم على أن يعطيهم المسلمون شيئًا بحال لأن القتل للمسلمين شهادة وأن الإسلام أعز من أن يعطى مشرك على أن يكف عن أهله لأن أهله قاتلين ومقتولين ظاهرون على الحق إلا في حال يخافون الاصطلام فيعطون من أموالهم أو يفتدي مأسورًا فلا بأس لأن هذا موضع ضرورة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، والأولى من الهدنة أن تعقد على مال يبذله المشركون لنا إذا أجابوا إليه، فإن تعذرت إجابتهم إليه، ودعت الحاجة إلي مهادنتهم على غير مال جاز؛ فأما عقدها على مال يحمله المسلمون إليهم، فلا يجوز، لأن الله تعالى قد أعز الإسلام وأهله، وأظهره على الأديان كلها، وجعل لهم الجنة قاتلين ومقتولين، لقول الله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ [التوبة 111] فلم يجز مع ثواب الشهادة وعز الإسلام أن يدخلوا في ذل البذل وصغار الدفع ما لم تدع ضرورة إليه، فإن دعت إليه الضرورة وذلك في إحدى حالتين.
إما أن يحاط بطائفة من المسلمين، في قتال أو وطء يخافون مع الاصطلام، فلا بأس أن يبذلوا في الدفع عن اصطلامهم مالًا، يحقنون به دمائهم قد هم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الخندق أن يصالح المشركين على الثلث من ثمار المدينة، وشاور الأنصار، فقال: إن كان هذا بأمر الله سمعنا وأطعنا وإن كان بغير أمره لم نقبله.
وروى أبو سلمة عن أبي هريرة أن الحارث بن عمرو الغطفاني رئيس غطفان قال النبي صلى الله عليه وسلم إن جعلت لي شطر ثمار المدينة وإلا ملأنها عليك خيلًا ورجلًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى استأذن السعود"، يعني سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسعد بن زرارة فاستأمرهم فقالوا: إن كان هذا بأمر من السماء، فنسلم لأمر الله، وإن كان برأيك، فرأينا تبع لرأيك وإن لم يكن بأمر من السماء، ولا برأيك فوالله ما كنا نعطيهم في
الجزء: 13 - الصفحة: 401
الجاهلية ثمرة إلا بشرى أو قرى، فكيف، وقد أعزنا الله بك فقال له: هو ذا تسمع ما يقولون، ولم يعطه شيئًا، فهو وإن لم يعطهم فقد نبه بالرجوع إلي الأنصار على جواز عطائهم عند الضرورة، ولأن ما يدل المسلمين من نكاية الاصطلام أعظم ضررًا من ذلة البذل، فاقتدى به أعظم الضررين.
والثانية: افتداء من في أيديهم من الأسرى إذا خيف على نفوسهم، وكانوا يستذلونهم بعذاب أو امتهان، فيجوز أن يبذل له الإمام في افتكاكهم مالًا ليستنقذهم به من الذل والحظر، وإن اقتداهم بأسرى كان أولى.
وروى أبو الملهب عن عمران بن الحصين: "أن النبي صلى الله عليه وسلم فادى رجلًا برجلين".
وما بذله المسلمون من مال في اصطلام، أو فداء فهو كالمغصوب لأخذه منهم جبرًا بغير حق فإن ظفر به المسلمون عنوة لم يغنموه وأعيد إلي مستحقه الذي خرج منه من مال مسلم، أو من بيت المال، وإن وجدوه مع مستأمن نظر فيه، فإن كان سبب بذله لم يسترجع منه؟ لما في استرجاعه من عود الضرر، وإن زال سبب بذله استرجع منه وأعيد إلي مستحقه، ولم يعترض عليه في غيره من أمواله لأمانه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن صالحهم الإمام على ما لا يجوز فالطاعة نقضه كما صنع النبي صلى الله عليه وسلم في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن فجاءته أم كلثوم بنت عقبة بن معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما وأخر أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال وبهذا قلنا أعطى الإمام قومًا من المشركين الأمان على أسير في أيديهم من المسلمين أو مال ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم بلا عوض وإن ذهب ذاهب إلي أن النبي صلى الله في النساء وقد أعطى المشركين فيهن ما أعطاهم في الرجال ولم يستثن فجاءته أم كلثوم بنت عقبة معيط مسلمة مهاجرة فجاء أخواها يطلبانها فمنعها منهما وأخبر أن الله منع الصلح في النساء وحكم فيهن غير حكمه في الرجال وبهذا قلنا أعطى الإمام قومًا من المشركين الأان على أسير في أيديهم من المسلمين أو مال ثم جاءوه لم يحل له إلا نزعه منهم لا عوض وإن ذهب ذاهب إلي أن النبي صلى الله عليه وسلم رد أبا جندل بن سهيل إلي أبيه وعياش بن أبي ربيعة إلي أهله قيل أهلوهم أشفق الناس عليهم وأحرصهم على سلامتهم ولعلهم يقونهم بأنفسهم مما يؤذيهم فضلًا عن أن يكونوا متهمين على أن ينالوا بتلف أو عذاب، وإنما نقموا منهم دينهم فكانوا يشددون عليهم دينهم كرهًا وقد وضع الله المأثم في إكراههم أو لا ترى أن النساء إذا أريد بهن الفتنة ضعفن ولم يفهمن فهم الرجال وكان التقية تسعهن وكان فيهن أن يصيبهن أزواجهن وهن حرام عليهن.
قال: وإن جاءتنا امرأة مهادنة أو مسلمة من دار الحرب إلي موضع الإمام فجاء سوى زوجها في طلبها منع منها بلا عوض وإن جاء زوجها ففيها قولان: أحدهما يعطي ما أنفف وهو ما دفع إليها من المهر.
والآخر لا يعطى.
وقال في آخر
الجزء: 13 - الصفحة: 402
الجواب وأشبههما أن لا يعطوا عوضًا.
قال المزني: هذا أشبه بالحق عندي".
قال في الحاوي: لا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة وقد منع الشرع منها.
فمنها: أن يهادنهم على مال يحمله إليهم، فهو محظور لما قدمناه.
ومنها: أن يهادنهم على خارج يضربونه على بلاد الإسلام.
ومنها: أن يهادنهم على رد ما غنم من سبي ذراريهم؛ لأنها أموال مغنومة.
فإن قيل: فقد رد سول الله صلى الله عليه وسلم سبي هوازن عليهم.
قيل: إنما ردهم عليهم بعد إسلامهم عن طيب نفس منه تفضلًا عليهم، فخالف التزامه للمشركين عن عقد.
ومنها: أن يهادنهم على دخول الحرم أو استيطان الحجاز، فلا يجوز.
ومنها: أن يهادنهم على ترك قتالهم على الأبد، لما فيه من تعطيل الجهاد.
ومنها: أن يهادنهم، وليس به حاجة إلي مهادنتهم، لقوله عليهم عدم النفع بمهادنتهم.
ومنها: أن يهادنهم أكثر من عشر سنين، وإن كان محتاجًا إليها.
ومنها: أن يهادنهم على إظهار مناكيرهم في بلادنا من صلبانهم وخمورهم وخنازيرهم.
ومنها: أن يهادنهم على إسقاط الجزية عمن أقام في دار الإسلام منهم.
ومنها: أن يهادنهم على تعشير أموالنا إذا دخلنا إليهم.
ومنها: أن يهادنهم على ألا نستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها محظورة، قد منع الشرع منها، فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرطت بطلت ووجب على الإمام نقضها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ردوا الجهالات إلي السنن، ولا تبطل الهدنة، وإن كانت شرطًا فيها؛ لأنها ليست كالبيوع من عقود المعاوضات التي تبطل بفساد الشرط؛ لما يؤدي إليه من جهالة الثمن، وليست بأوكد في عقود المناكحات بها، فإن طالبوه بالتزامها أعلمهم حينئذ بطلانها في شرعنا، وأنه لا يجوز لنا العمل بها.
فإن دعوه إلي نقض الهدنة نقضها، إلا أن يخاف منهم الصطلام، فيجوز للضرورة، أن يلتزمها ما كان على ضرورته كما قلنا في بذل المال.
الجزء: 13 - الصفحة: 403
فصل:
فإذا تقررت هذه المقدمة، فصورة مسألتنا: أن يهادنهم على أن يرد عليهم من جاءنا مسلمًا منهم فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا في الحديبية على هذا، فنذكر حكمها في صلحه ثم نذكره في صلحنا.
أما حكمها في صلحه، فقد كانت هدنة بالحديبية معقودة على هذا أن يرد عليهم من جاء مسلمًا منهم، فجاءه أبو جندل ابن سهيل بن عمرو مسلمًا فقال له سهيل: هذا ابني أول من أقاضيك عليه، فرد إليه، وقال لأبي جندل: قم تم الصلح بيننا، وبين القوم فاصبر حتى يجعل الله لك فرجًا ومخرجًا، ثم رده بعده عياش بن أبي ربيعة، وأبا بصير، فرد هؤلاء الثلاثة من الرجال، ثم جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط مسلمة، فجاء أخواها في طلبها، عمارة والوليد ابنا عقبة، وجاءت سعيدة زوجة صيفي بن الراهب مسلمة، فجاء في طلبها، وجاءت سبيعة بنت الحارث الأسلمية مسلمة، فجاء زوجها واسمه مسافر من قومها في طلبها، وقالوا: يا محمد قد شرطت لنا رد النساء وطين الكتاب لم يجف، فاردد علينا نساءنا فتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ردهن توقعًأ لأمر الله تعالى فيهن حتى نزل قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ [الممتحنة 10] الآية، والتي بعدها، فامتنع حينئذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردهن، ومن رد النساء كلهن، ولم يمتنع من رد الرجال؛ لوقوع الفرق بين الرجال والنساء من وجهين:
أحدهما: أن الرجال أثبت من النساء، وأقدر على التوبة إن أكرهوا على الكفر.
والثاني: أن النساء ذوات الأزواج يحرمن على أزواجهن من الكفار، ولا يقدرون على الامتناع منهم والرجال بخلافهن، فلهذين وقع الفرق في الرد بين الرجال والنساء، فرد الرجال، ولو يرد النساء، والله أعلم.
فصل:
ونحن نبدأ بشرع ما تضمنته الآية من تفسير وقفه.
أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] ففيما يمتحن به وجهان:
أحدهما: بأن يشهدن بأن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
والثاني: بما في السورة من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة 12] الآية، ثم قال: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ بِإيمَانِهِنَّ﴾ [الممتحنة 10] يعني
الجزء: 13 - الصفحة: 404
بما في قلوبهن؛ لأن الامتحان يعلم به ظاهر إيمانهن، والله أعلم يعلم ظاهره وباطنه، ثم قال تعالى: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ يعني بالامتحان ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الكُفَّارِ﴾ [الممتحنة 10] يعني تمنعوهن من الرجوع إلي الكفار من أهليهن وأزواجهن، ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ﴾ [الممتحنة 10] يعني أن المسلمة لا تحل لكافر بحال ﴿ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] فيه وجهان:
أحدهما: يعني أن الكفار لا يحلون للمسلمات بحال.
والثاني: يعني أن المسلم لا يحل نكاح كافرة وثنية، ولا مرتدة، ثم قال تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] يعني مهورهن، وفيمن تدفع إليه مهورهن قولان:
أحدهما وهو قول الشافعي أزواجهن دون غيرهم من أهليهن، فعلى هذا يدفع ذلك إليهم إن كن قد أخذنه منهم، ولا يدفه إن لم يأخذنه.
والثاني: إن كل طالب لهن من زوج وأهل وهو شاذ.
فعلى هذا يدفع إلي من كل مستحقًا لطلبهن من زوج وأهل، سواء أخذنه أو لم يأخذنه، وهذا فاسد؛ لأنه قال: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] فلا يأخذ من لم ينفق ثم قال: ﴿ولا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الممتحنة 10] يعني المؤمنات اللاتي جئن من دار الشرك مسلمات عن أزواج مشركين أباح الله تعالى نكاحهن للمسلمين إذا انقضت عددهن، أو كن غير مدخول بهن.
وقوله: ﴿إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة 5] يعني مهورهن، وليس يريد بالإيتاء الدافع إلا أن يتضمنه العقد فيصير مستحقًا ثم قال: ﴿ولا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة 10] يعني أن الكافر إذا أسلم عن زوجة وثنية لم يقم على نكاجها تمسكًا بعصمتها إلا أن يسلم في عدتها، وفي العصمة هاهنا وجهان:
أحدهما: الجمال.
والثاني: العقد، ثم ثال تعالى: ﴿واسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ ولْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10] يعني أن المسلم إذا ارتدت زوجته، فلحقت بأهل العهد رجع المسلم عليها بمهرها، كما يرجع أهل العهد علينا بمهر من أسلم منهم، ثم قال: ﴿وإن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الممتحنة 11] يعني من ارتدت الكفار، وهي زوجة المسلم إذا ارتدت فلحقت بأهل العهد، وفواتها أن تنقضي عدتها في الردة، ثم قال: ﴿فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 11] فيه وجهان:
أحدهما: فعاقبتم المرتدة بالقتل، فلزوجها أن يرجع بمهرها في غنائم المسلمين وهذا قول شاذ ذهب إليه بعض المتكلمين.
الجزء: 13 - الصفحة: 405
والثاني: يعني: فعاقبتم الذين لحقت المرتدة بهم من الكفار، وفيما أريد بمعاقبتهم وجهان:
أحدهما: إصابة العاقبة منهم بالقتل والسبي والغنيمة فيدفع من غنائمهم مهر من ارتد إليهم.
والثاني: أنه كما يوجب عليهم مهر من ارتد إليهم، ووجب لهم مهر من أسلم أيضًا جعل ذلك قصاصًا تساويًا ورد فعل إن زاد فيكون معنى "فعاقبتم" أن تقاصصتم، وهو على الوجه الأول من العقب.
فصل:
وإذا كان الله تعالى قد منع رسوله بهذه الآية من رد النساء إذا أسلمن دون الرجال، وأوجب لأزواجهن مهورهن، فقد اختلف العلماء وأصاحبنا معهم: هل اشترط في عقد هدنته رد من أسلم من الرجال والنساء أو جعله منصورًا على الرجال دون النساء؟ على ثلاثة أقاويل:
أحدها: إنه خرج في شرطه أن يرد من أسلم من الرجال دون النساء؛ لأنه لا يجوز أن يشترط لهم ما لا يجوز، ولكن سألوه لما أسلم من نسائهم من أسلم أن يجريهم في الرد مجرى الرجال، ليمن عليهن برده؛ لظنهم أن ردهن جائز، فأنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم المنع من ردهن؛ ليكون حجة لرسوله صلى الله عليه وسلم من الامتناع، وإن كان ممتنعًا منه، وجعل رد المهر على الأزواج توكيدًا لعقد الهدنة.
والثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم أطلق في شرط العقد رد من أسلم؛ ولم يصرح بذكر النساء في رد ولا منع، فكان ظاهر العموم من الشرط اشتماله عليهن مع الرجال، وإن كان تخصيصه محتملًا في دين الله تعالى خروجهن من عمومه، وكذلك كان مراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
وتمسكت قريش بظاهر العموم في رد النساء، فأظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم خروجهن من الهموم بما نزل عليه من الاستثناء.
والثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم صرح بردهن في شرط هدنته كما صرح بذكر الرجال حتى منعه الله تعالى من ردهن بهذه الآية، فعلى هذا اختلف أصحابنا في وجه اشتراطه لردهن على ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه كان ذلك منه على وجه السهو، ولولا سهوه عنه، لما أقدم عليه، وقد يسهو كغيره من أمته لكن لا يقره الله تعالى على خطأ، فيكون مساويًا لهم في السهو مباينًا لهم في الإقرار، فنزلت الآية عليه (استدراكاً) لسهوه.
الجزء: 13 - الصفحة: 406
والثاني: أنه فعله مع علمه بحظره لكن دعته الضرورة إليه لمصلحة وقته في حسم القتال؛ لأنه كان في ألف وأربعمائة من أصحابه، وكان المشركون نحو أربعة آلاف، وقد يفعل في الاضطرار ما لا يجوز أن يفعل في الاختيار، فلما زالت ضرورته منع منه.
والثالث: أنه قد كان مباحًا في صدر الإسلام أن تقر المسلمة على نكاح كافر، ولذلك أقر رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته زينب على نكاح أبي العاص بن الربيع، وكان على كفره إلي أنت انتزعها منه حتى أسلم، ثم ردها عليه، فلذلك شرط رد من أسلم من نسائهم عليهم، ثرم حرم الله تعالى ذلك، ونسخه، فامتنع منه وأبطل شرطه فيه.
فإن قيل: فمذهبكم أنه لا يجوز أن ننسخ السنة إلا السنة، والقرآن إلا القرآن فكيف ننسخ السنة هاهنا بالقرآن.
قيل: أما نسخ القرآن بالسنة، فلا يختلف مذهبنا أنه لا يجوز وأما نسخ السنة بالقرآن، فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين:
أحدهما: وهو مذهب ابن سريج أنه يجوز أن ننسخ السنة بالقرآن فعلى هذا سقط السؤال.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وهو قول جمهور أصحابه أنه لا يجوز نسخ السنة بالقرآن، كما لا يجوز نسخ القرآن بالسنة، فعلى هذا عن هذا النسخ جوابان:
أحدهما: أنه قد كان مستباحًا بعموم ما نزل من القرآن في إباحة النكاح، ثم نسخ ذلك بتخصيص العموم، فكان نسخ القرآن بقرآن.
والثاني: أنه قد كان مستباحًا بالسنة ثم نسخته السنة بما روي من إبطال الشرط في هدنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فصل:
فأما حكم الشرط في هدنة من بعده من أئمة الأعصار، فلا يجوز أن يهادنوا على رد من أسلم من نسائهم بحال، ولئن فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قدمناه من الاختلاف في هدنته، فقد كان قبل الاستقرار الشرط في حظر الرد، قد استقر منه ما لا جوز خلافه.
فأما الشرط رد من أسلم من الرجال، فمعتبر بأحوالهم عند قومهم، وفي عشائرهم، إذا رجعوا إليهم، فإن كانوا مستذلين فيهم ليس لهم عشيرة تكف الأذى عنهم، وطلبوهم ليعذبوهم، ويفتنوهم عن دينهم كما كانت قريش تعذب بلالًا، وعمارًا وغيرهما من المستضعفين بمكة، لم يجز ردهم عليهم، وكان الشرط في ردهم باطلًا، كما بطل في رد النساء حقنًا لدمائهم، وكفا عن تعذيبهم واستذلالهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أن الله حرم من
الجزء: 13 - الصفحة: 407
المسلم ماله ودمه، وأن لا يظن به إلا خيرًا" ولأنه لما وجب على الإمام فك الأسير المسلم وجب أن لا يكون عونًا على أسر مسلم.
فأما من كان في عز من قومه، منعة من عشيرته قد أمن من أن يفتن عن دينه أو يستذله، مستطل عليه، جاز رده عليه وصحت الهدنة باشتراط رده.
قدر رد سول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية أبا جندل بن سهيل بن عمرو على أبيه، ورد عياش بن أبي ربيعة على أهله، ورد أبا بصير على أبيه، وأنهم كانوا ذوي عشيرة، وطلبهم أهلوهم إشفاقًا عليهم، وفادى العقيلي بعد إسلامه برجلين من المسلمين كانا أسرين في قومه، لقوة عشيرته فيهم.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد مراسلة قريش بالحديبية، فعرض على أبي بكر أن يتوجه إليهم، فقال: إني قليل العشيرة بمكة، ولا آمنهم على نفس.
فعرض على عمر.
فقال مثل ذلك فقال لعثمان: "أنت كثير العشيرة بمكة" فوجهه إليهم، فلما توجه فلقوه الإكرام وقالوا له: طف بالبيت وتحلل من أحرامك، فقال: لا أطوف بالبيت ورسوله الله صلى الله عليه وسلم محصور عن الطواف، فانقلبوا عليه، حتى بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قتل، فبايع أصحابه من أحله بيعة الرضوان تحت الشجرة، فدل هذا على الفرق بين ذي العشيرة المانعة وبين غيره في الرد.
ومثله ما قلناه: في وجوب الهجرة على من أسلم في دار الحرب إن كان ممتنعًا بعشيرته إذا أظهر إسلامه لم تجب عليه الهجرة، وإن كان مستضعفًا وجبت عليه الهجرة، فصار الرد مقصورًا على طائفة واحدة، وهي الممتنعة بيوتها لقوتها والمنع الرد مشتملًا على طائفتين:
أحدهما: جميع النساء من الممتنعات، والمستضعفات.
والثاني: المستضعفون من الرجال، وكذلك الصبيان إذا وصفوا الإسلام عند المراهقة ممنوعة من الرد، وإن كانوا ممتنعين؛ لأنهم قد يفتنون عن دينهم.
نص عليه الشافعي، فجعل أبو علي بن أبي هريرة هذا دليلاً على صحة إسلامه قبل بلوغه، وذهب جميع أصحاب الشافعي، وهو ظاهر مذهبه، ومنصوصه في سائر كتبه إن إسلامه لا يصح قبل بلوغه، وإنما منع من رده استظهارًا لدينه حتى يتحقق ما هو عليه بعد بلوغه.
فإن وصف الإسلام رد إن كان ممتنعًا، ولم يرد إن كان مستضعفًا، وإن وصف الكفر حمل على هدنة قومه.
فلو شرط في الهدنة رد من أسلم مطلقًا من غير تفصيل بطلت؛ لأن إطلاقه يقتضي عموم الرد ممن يجوز أن يرد، وممن لا يجز أن يخص عمومه بالعرف فيمن يجوز رده.
الجزء: 13 - الصفحة: 408
فصل:
فإذا تقرر هذا التفصيل، فالكلام فيه يشتمل على فصلين:
أحدهما: في النساء.
والثاني: في الرجال.
فأما الفصل الأول: في النساء، فليس لهم إلا حال واحدة في المنع من ردهن، فإذا منع الإمام منه نظر في الطالب لهن:
فإن كان غير زوج من ابن أو أخ أو عم، فلا شيء له إذا امتنع؛ لأنه لا يملك عن بضعها بدلاً.
وإن كان الطالب لها زوجها قيل له: إن أسلمت في عدتها كنت على نكاحك لها، وإن لم تسلم منعت منها، ونظر في مهرها، فإن لم يدفعه إليها لم يرجع به، وإن دفعه إليها، فعنى رجوعه به قولان بناء على الاختلاف المتقدم في امتناع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردهن، هل كان لنسخ بعد الإباحة، أو كان مع تقدم الحظر، لأن الله تعالى أوجب رد المهم في عقد هدنته، فكان مستحقًا في منعه، وإن لم يدفعه لم يطال.
فإن قيل: إنه اشترط ردهن مع إباحته، ثم نسخه الله تعالى بعد هدنته، فلا مهمر لزوج المسلمة من بعده، لأنه لا يجوز اشتراط ردها عليه؛ لما استقر من تحريمه.
وإن قيل: إن حظره كان متقدمًا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يشترط ردهن أو شرطه سهوًا أو مضطرًا وجب لزوج المسلمة في هدنة الإمام بعده الرجوع بمهرها؛ لأن ردهن في الحالين محظور، والشرط فيها ممنوع، فصار الفولان في رد المهر مبنيين على هذين:
أحدهما: وهو الأصح، واختاره المزني، وبه قال أبو حنيفة ومالك: لا مهر له، ووجهه شيئان:
أحدهما: أنه لما لم يرجع به غير زوجها أهلها لم يرجع به زوجها كالنفقة والكسوة.
والوجه الثاني: لما لم ترجع زوجة من أسلم بما استحقته من المهم وجب أن لا يرجع زوج من أسلمت بما دفعه المهر، لتكافئهما في النكاح.
والقول الثاني: وبه قال عطاء له الرجوع بالمهر؛ لأمرين:
أحدهما: عموم قوله تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10]، فاقتضى أن يستوي فيه حكم الجميع.
والثاني: أن عقد الهدنة قد أوجب الأمان على الأموال، ويضع الزوجة في حكم
الجزء: 13 - الصفحة: 409
المال؛ لصحة المعاوضة عليه نكاحًا وخلعًا، فاقتضى أن يجب في المنع منه الرجوع ببدله، وهو المهر وعلى هذا القول يكون التفريغ، فيكون استحقاق مهرها معتبرًا بتسعة شروط:
أحدهما: أن يكون الطالب لها زوجها، فإن طلبها غيره من أهلها لم يستحق مهرها؛ لأنه لا يملك منافع بضعها، فإن ادعى زوجتها فصدقته قبل قولها، وإن أنكرته لم تقبل دعواه إلا بشاهدين من عدول المسلمين يشهدان بنكاحه، ولا يقبل منه شاهد وامرأتان، ولا شاهد ويمين؛ لأنه بينة على عقد نكاح.
والثاني: أن يكون قد ساق إليها مهرها، فإن لم يسقه لم يستحقه، وقولها في قبضه مقبول، فإن أنكرته لم يجب عليها يمين؛ لأن رده مستحق على غيرها، وطول الزوج بالينة، ويقبل منه شاهد وامرأتان، وشاهد ويمين؛ لأنها بينة على مال، فإن كان ما دفعه من المهر حرامًا كالخمر والخنزير لم يستحق الجوع بمهرها؛ لأنه دفع ما لا يستحق فيه مثل، ولا قيمة.
والثالث: أن تكون قد هاجرت بإسلامها إلي بلد الإمام أو من ينوب عنه وفي هذا النائب عنه وجهان:
أحدهما: هو النائب عنه في عقد الهدنة لمباشرته لها.
والثاني: النائب عنه في بيت المال؛ لأن المهر يستحق فيه، فإن هاجرت إلي غير بلده لم يستحق مهرها بعد من ينفذ تصرفه في بيت المال.
والرابع: أن يستقر إسلامها بالبلوغ والعقل، فإن كانت صغيرة أو مجنونة، وقف أمرها على البلوغ والإقامة، ومنه منها، لئلا تفتن عن دينها إذا بلغت أو أفاقت، فإن صبر الزوج منتظرًا يمنع من المهر، فإن بلغت الصغيرة، وأفاقت على الإسلام دفع إليها مهرها، وإن وصفت الكفر لم يدفع إليها مهرها، ويمكن منها.
وإن امتنع من الصبر والانتظار، وقال: إما التمكين منها أو دفع مهرها، ففيه وجهان:
أحدهما: يجبر على الصبر انتظارًا لها، ولا يمكن منها، لجواز إسلامها، ولا يدفع إليه مهرها، لجواز كفرها.
والثاني: يدفع إليه مهرها؛ لأنه مستحق لا يعجل له أيسرهما، وروعي حالها إذا بلغت، فإن أقامت على الإسلام استقر ملكه على المهر منعه منها، وإن وصفت الكفر استرجع منه مهرها، مكن منها.
فأما المجنونة، فإن كانت قد وصفت الإسلام قبل جنونها دفع إليه مهرها، وإن
الجزء: 13 - الصفحة: 410
وصفته في جنونها كانت كالصغيرة في انتظار إقامتها.
والخامس: أن تكون باقية الحياة لم تم؛ ليصير الزوج ممنوعًا منها، فإن ماتت نظر في موتها، فإن كان بعد طلب الزوج لها استحق مهرها؛ لأنه قد استوجب بالطلب فلم يسقط بالموت، وإن ماتت قبل طلبه، فلا مهر له؛ لأنه لم يتقدم منه يستحق به المهر، وكذلك لو مات الزوج دونها، وكان قبل طلبه، فلا مهر لوارثه، وإن مات بعد طلبه استحق وارثه المهر لوجوبه بالمنع قبل الموت.
والسادس: أن تكون باقية في عدتها، فإن طلبها بعد انقضاء العدة، فلا منزلة لوقوع الفرق بانقضائها إلا أن يطلبها في العدة، ولا يسقط المهم بتأخيره إلي انقضائها كما لا يسقط بالموت.
والسابع: أن تكون مقيمة على إسلامها، فإن ارتدت عنه منع منها، وفي استحقاقه لمهرها لهذا المنع وجهان:
أحدهما: يستحقه لمنعه منها بحرمة الإسلام كالمسلمة.
والثاني: لا تستحقه؛ لأنه منع لإقامة الجد وليس يمنع لثبوت الإسلام، والأول أصح لأن فرج المرأة المرتدة محظور على الكافر كالمسلمة.
والثامن: أن يكون الزوج مقيمًا على كفره؛ ليكون على المنع منها، فإن أسلم، فعلى ضربين:
أحدهما: أن يكون إسلامه قبل انقضاء عدتها، فيكونان على النكاح، ولا مهر له لتمكينه منها، فلو كان قد أخذ المهر قبل إسلامه استرجع منه؛ لئلا يكون مالكًا لبعضها بغير مهر.
والثاني: أن يكون إسلامه بعد انقضاء عدتها، فقد بطل النكاح، بانقضائها ثم ينظر في المهر، فإن كان قد أخذ بالطلب قبل الإسلام لم يسترجع منه، وصار بالقبض متسهلكًا في الشرك، وإن لم يأخذ المهر قبل إسلامه نظر.
فإن لم يكن قد طلبها حتى أسلم، فلا مهر له؛ لأنه غير ممنوع أن يستأنف نكاحها، وإن قدم الطلب، ولم يأخذ منها حتى أسلم، ففي استحقاقه لمهرها وجهان:
أحدهما: يستحقه ولجوبه بالطلب.
والثاني: لا يستحقه؛ لأنه ممكن من نكاحها من إن أحب.
والتاسع: أن يكون الزوج مقيمًا على نكاحها، فإن طلقها، فضربان:
أحدهما: أن يكون طلاقه بعد المطالبة لها، فله المهر؛ لأنه قد استحقه بالمنع، ولا يسقط بالطلاق كما لا يسقط الموت.
الجزء: 13 - الصفحة: 411
والثاني: أن يكون طلاقه قيل المطالبة بها، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون بائنًا بثلاث أو خلع، فلا مهر له؛ لأنه راض بتركها.
والثاني: أن يكون طلاقه رجعيًا، فهو موقوف على رجعته، فإن لم يراجع، فلا مهر له، لتركها عن رضي، وإن راجعها، فله المهر لارتفاع الطلاق بالرجعة، فصار باقيًا على التمسك بها.
فإذا ستقر مهرها باستكمال هذه الشروط التسعة، وكانت المطالبة بزوجة أو زوجتين أو ثلاث أو أربع، حكم له بهمورهن كلهن، ولو طالب بعشر زوجات أسلمن عنه وقد نكحهن في الشرك قيل له: اختر من جملتهن أربعًا، ولك مهورهن، ولا مهر لك، فيما عداهن، لاستقرار الشرع على تحرم من زاد على الأربع، وإذا كان المهر مستحقًا، فقد قال أبو حامد الإسفراييني: المستحق فيه هو القدر الذي هو القدر الذي دفعه من قليل وكثير دون مهر المثل، لقول الله تعالى: ﴿وآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا﴾ [الممتحنة 10]، والذي عندي أنه يستحق أقل الأمرين من مهر مثلها أو ما دفع، فإن كان أٌلها مهر مثلها رجع به، ولم يرجع بما غرمه من الزيادة عليه؛ لأنه بدل البضع الفائت عليه.
وإن كان أقلها ما غرمه رجع به، ولم يرجع بالزيادة عليه؛ لأنه لم يغرمها، وسواء في استحقاقه المهر بين أن يشترط ردهن في عقد الهدنة، أو لا يشترط، إلا أن الهدنة تبطل باشتراطها ردهن ولا تبطل إن لم يشترط.
فصل:
وأما الفصل الثاني في الرجال فضربان:
أحدهما: في استحقاق رد الأقوياء، فصفة الرد أن يكون إذنًا منه بالعود، وتمكينًا لهم في الرد، ولا يتولاه الإمام جبرًا إن تمانع المردود، وكذلك أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جندل وأبي بصير في العود، فإن أقام المطلوب على تمانعه من العود قيل للطالب: أنت ممكن من استرجاعه، فإذا قدرت عليه لم تمنع منه، وإن عجزت عنه لم تعن عليه، وروعي حكم الوقت فيما يقتضيه حال المطلوب، فإن ظهرت المصلحة في حثه على العود لتألف قومه أشار به الإمام عليه بعد وعده بنصر الله، وجزيل ثوابه، ليزداد ثباتًا على دينه، وقوة في استنصاره وإن ظهره المصلحة في تثبيطه عن العود أشار به سرًا وأمسك عن خطابه جهرًا، فإن ظهر من الطالب عنف بالمطلوب واعده الإمام، فإن كان لفرط إسفاف تركه، وإن كان لشدة منعه، فإن كان مع المطلوب مال أخذه من الطالب الذي نظر فيه:
فإن كان أخذه قبل الهدنة كان المطلوب أحق به، وإن أخذه بعد الهدنة كان الطلب أحق به؛ لأن أمواله قبل الهدنة مباحة، وبعدها محظورة.
فأما إن كان المطلوب منها مقيمًا على شركه بعد ولو يسلم مكن طالبه منه سواء كان
الجزء: 13 - الصفحة: 412
قويًا أو ضعيفًا رجلًا كان أو امرأة خيف عليهم منهم أو لم يخف، لأن الهدنة قد أوجبت أمانه منا، ولو توجب أن تؤمنه منهم، واستحق بمطلق الهدنة تمكينهم منهم، واستحق بمطلق الهدنة تمكينهم منهم، ولم يستحق بها أن نقوم برده عليهم إلا أن يشترطوا ذلك علينا، فيلزمنا بالشرط أن نرده بخلاف المسلم الذي لا يجوز أن يرد، ولا يلزمنا أن نعاوضهم عنه.
فإن شرطها في عقد الهدنة، أن نعاوضهم عمن لحق بنا من كفارهم كان الشرط باطلًا؛ لأنه لا يملك أن يبذل أموال المسلمين عن المشركين للمشركين.
وأما الضرب الثاني: والضعفاء فلا يلزم معاوضة الطالب في دفعه عن المطلوب بخلاف النساء في حقوق الأزواج؛ لأن رقبة الحر ليست بمال يصح فيه المعاوضة بخلاف بضع الحرة، فإن كان المطلوب عبدًا غلب على سيده، وهاجر مسلمًا، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يغلب على نفسه قبل إسلامه، فيعتض بهجرته بعد إسلامه سواء فعل ذلك قبل الهدنة أو بعدها، لأن الهدنة توجب أمانهم منا، ولا تجوب أمان بعضهم من بعض.
والثاني: أن يغلب على نفسه بعد إسلامه، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن يفعل ذلك قبل الهدنة، فيعتض بهجرته مسلمًا؛ لأنه أغلب على نفسه في حالة الإباحة.
فإذا أعتق في هذه الحال، فعل يلزم الإمام غرم قيمته لسيده أم لا؟ على قولين كالزوجة.
والثاني: أن يفعل ذلك بعد الهدنة، فلا يعتض لحظره أموالهم بعدها، فلم يملكها مسلم بالغلبة، ويكون على رقه لسيده، ويمنع من دفعه إليه، استيفاء رقه عليه؛ لئلا يستذل بالاسترقاق، ويقال لسيده: إن أعتقه كان لك ولاؤه، ولا قيمة لك عنه بعد عتقه، وإن امتنعت من عتقه لم يعتق عليك جبرًا، لما أوجبته الهدنة من حفظ مالك، وكان الإمام فيه مجتهدًا في خيارين: إما أن يبيعه على مسلم أو يدفع قيمته من بيت المال، ويعتقه عن كافة المسلمين ولهم ولاؤه.
فلو كان المطلوب أمة ذات زوج غلبت على نفسها وهاجرت مسلمة، فحضر سيدها وزوجها في طلبها، كان حكمها مع السيد على ما ذكرنا من حكم العبد في العتق والرد، وغرم القيمة على التقسيم المقدم.
وأما حكمها مع الزوج، فلا يخلو أن يكون حرًا أو عبدًا، فإن كان حرًا كان في استحقاقه لمهرها من بيت المال قولان كالحرة، ولا يكون غرم قيمتها لو أخذها السيد مانعًا من غرم مهرها للزوج.
الجزء: 13 - الصفحة: 413
وإن كان الزوج عبدًا، ففي استحقاق المهر قولان أيضًا، لكنه ملك لسيده دونه، فلا يسلم إذا استحق إلا باجتماع الزوج مع سيده، لأن ملك البضع للعبد.
وملك المهر لسيده، فإن تفرد أحدهما بطلبه منع، وإن اجتمعا عليه دفع باجتماعها إلي السيد دون العبد كما لو ملك العبد بالطلاق قبل الدخول نصف الصداق، كان ملكًا للسيد ولم ينفرد بقبضه، إلا باجتماع مع عبده.
ولو كانت المطلوبة أم ولد، فجاء سيدهما في طلبها كانت في العتق، واستحقاق القيمة كالأمة، ولو كانت مكاتبة، فإن حكم بعتقها على ما قسمناه في الأمة بطلب كتابتها، وفي استحقاقه لقيمتها قولان.
وإن لم يحكم بعتقها، كانت على كتابتها، ولم تبع عليه، وإن أدت مال كتابتها عتقت بالكتابة، وكان له ولاؤها، وسواء كان ما أدته من الكتابة أقل من قيمتها أو أكثر، وإن عجزت ورقت حسب من قيمتها بما أخذه من مال كتابتها بعد إسلامها، ولم يحتسب عليه مأخذه منها قبل الإسلام، فإن بلغ قدر القيمة، فقد استوفى حقه، وعتقت، وكان ولاؤها للمسلمين، وهول يرد عليها من بيت المال أم لا؟ على قولين:
أحدهما: لا يرد إذا قيل: إن سيد الأمة لا يستحقه.
والثاني: يرد إذا قيل إن سيد الأمة يستحقه، فإن كان ما أدته أكثر من القيمة، لم يسترجع فاضل القيمة من سيدها، وإن كان ما أدته أقل من قيمتها استحق سيدها تمام قيمتها قولًا واحدًا؛ لأنه عتق بعد ثبوت الرد، وكان ذلك من بيت المال.
فصل:
فأما من ارتد بعد الهدنة من المسلمين ولحق بهم لم يخل حال الإمام في عقد هدنته من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون قد اشترط فيها رد من ارتد إليهم ليؤخذوا برده وتسليمه سواء كان المرتد رجلًا أو امرأة، فإن امتنعوا من رده كان نقضًا لهدنتهم.
والقسم الثاني: أن يشترط فيه أن لا يردوا من ارتد إليهم من المسلمين، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شرط ذلك لقريش في هدنة الحديبية.
فأما الآن ففي جواز اشتراطه الهدنة قولان:
أحدهما: يجوز اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في هدنة الحديبية؛ لأن الردة قد أباحت دماءهم فسقط عنا حفظهم.
والثاني: أنه شرط باطل؛ لأن هدنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحديبية لما بطلت في رد من
الجزء: 13 - الصفحة: 414
أسلم بطلت في ترك من ارتد؛ لأن أحكام الإسلام عليها جارية.
والصحيح عندي من إطلاق هذين القولين أنها تبطل في ترك من ارتد من النساء ولا تبطل في ترك من ارتد من الرجال كما بطلت في رد من أسلم من النساء، ولم تبطل في رد من أسلم من الرجال؛ لأن النساء ذوات فروج يحرم على الكافر من المرتدة مثل ما يحرم عليه من المسلمة، ولعل اختلاف القولين محمول على ما ذكرنا من الفرق بين الفريقين.
فإن قلنا بوجوب الرد كان عليهم لتمكين منهم، وأن لا يذبوا عنهم، ولا يمكنوا منهم، وكانوا فيه على عهدهم.
والقسم الثالث: أن يكون عهد الهدنة مطلقًا لم يشترط فيه رد من ارتد إليهم، ولإقراره معهم، فإطلاقه يوجب رد من ارتد منا، ولا يوجب رد من أسلم منهم؛ لأن إطلاقه موجب لإمضاء حكم الإسلام فيه؛ لأن حكمه أعلى، فكان العقد عليه بمعنى، فيلزمهم لتمكن منهم، ولا يلزمهم تسليمهم، فإن ذبوا عنهم، ولم يمكنوا انتقض عهدهم، فصارت أحكام المرتد إليهم من هذه الأقسام ثلاثة تنقسم على أحكام ثلاثة:
أحدها: أنه يجب عليهم تسليم المرتدين.
والثاني: أنه يجب عليهم التمكين من المرتدين، ولا يجب عليهم تسليمهم.
والثالث: لا يجب عليهم تسليمهم، ولا التمكين منهم، فإن لم يجب عليهم تسليمهم، ولا التمكين منهم وجب عليهم أن يغرموا مهور من ارتد من نسائنا وقيمة من ارتد من عبيدنا وإمائتنا، ولم يجب عليهم عمن ارتد من الرجال الأحرار غرم كما لم يجب عليهم عمن أسلم من أحرارهم غرم؛ لأن رقبة الحر تضمن بغير جناية، فلو عاد المرتدون إلينا لم نرد على أهل الذمة ما أخذناه من مهور النساء، ورددنا ما أخذناه من قيمة العبيد؛ لأنهم قد صاروا لهم بدفع القيمة ملكًا، فلم يصر لنسائهم بدفع المهور أزواجًا.
وإن وجب عليهم التمكين منهم، ولم يجب عليهم تسليمهم لم يجب عيهم غرم مهر، ولا قيمة مملوك؛ لأننا أن وصلنا إليهم بالتمكين، فقد وصلنا إلى حقنا، وإن لم نصل إليهم مع التمكين فلعجزنا.
وإن وجب عليهم تسليمهم أخذوا به جبرًا إذا كان تسليمهم ممكنًا، ولا غرم إذا سلموهم، فإن فات تسليمهم بالموت أغرموا مهور النساء، وقيمة العبيد والإماء، وإن تعذر تسليمهم بالهرب، فإن كان قبل القدرة على ردهم لم يغرموا مهرًا، ولا قيمة، وإن كان بعد القدرة على ردهم غرموا مهور النساء وقيم العبيد والإماء.
فإذا تقرر هذا ووجب لنا عليهم مهور من ارتد من نسائنا، وقيمة من ارتد من عبيدنا
الجزء: 13 - الصفحة: 415
وإمائنا، ووجب لهم علينا مهور من أسلم من نسائهم وقيمة من أسلم من عبيدهم وإمائهم جعلناه قصاصًا قولًا واحدًا، لما في القبض والتسليم من الخطر الشاق، فإن استويا في القدر برئت منه الذمتان، وإن فضل لنا رجعت بالفضل عليهم، وإن فضل لهم دفعنا الفضل إليهم، ودفع الإمام ما قاصصهم به من بيت المال إلي مستحقيه من المسلمين وكتب إليهم أن يدفعوا ما قصصوا به إلي مستحقه من المشركين، والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وليس لأحد أن يعقد هذا العقد إلا الخليفة أو رجل بأمره لأنه يلي الأموال كلها".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: لا يصح أن يتولى عقد الهدنة العامة إلا من إليه النظر في الأمور، وهو الخليفة أو من استنابه به فيها الخليفة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاهد بني قريظة وبني النضير بنفسه، وهادن قريشًا عام الحديبية بنفسه؛ ولأن الخليفة، لإشرافه على جميع الأمور أعرف بمصالحها من أشذاذ الناس؛ ولأن أمره بالولاية أنفذ، وهو على التدبير والحراسة أقدر.
فإن استناب فيها من أمره بعقدها صح؛ لأنها صدرت عن رأيه، فلم يلزمه أن يباشرها بنفسه؛ لأن عام النظر، فلم يفرغ لمباشرة كل عمل، فإن استناب فيها من فوض عقدها إلي رأيه جاز إذا كان من أهل الاجتهاد والرأي، وهما في اللزوم على سواء.
وأما ولاة الثغور، فإن كان تقليدهم تضمن الجهاد وحده لم يكن لواحد منهم أن يعقد الهدنة إلا قدر فترة الاستراحة، وهي أربعة أشهر، ولا يجوز أن يكون سنة، لأن عليه أن يجاهد في كل سنة، وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان؛ لنه فقد في هذه المدة عن الجهاد من غير هدنة جاز، فكان مع الهدنة أولى بالجواز.
وإن تضمن تقليد ولي الثغور أنه يعمل برأيه في الجهاد والموادعة جاز أن يعقد الهدنة عند الحاجة إليها؛ لدخولها في ولايته، والأولى أن يستأذن فيها الخليفة، فإن لم يستأذنه انعقدت.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وعلى من بعده من الخلفاء إنفاذه".
الجزء: 13 - الصفحة: 416
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا اجتهد الإمام في الهدنة حتى عقدها ثم مات أن خلع لزم من بعده من الأئمة إمضاؤها إلي انقضاء مدتها، ولو يمكن له فسخها، وإن استغنى المسلمون عنها لقول الله تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة 4] ولما روي أن نصارى نجران أتوا عي بن أبي طالب عليه السلام في ولايته، وقالوا له: إن الكتاب بيدك وإن الشفاعة إليك، وإن عمر أجلانا من أرضنا، فزدنا إليها، فقال: إن عمر كان رشيد الأمر، وإني لا أغير أمر فعله.
ولأن ما نفذ بالاجتهاد ولم يجز أن يفسخ بالاجتهاد كالأحكام، فإن كان عقد الهدنة فاسدًا، فإن كان فسادها من طريق الاجتهاد لم يفسخ لنفوذ الحكم بإمضائها، وإن كان فسادها من نص أو إجماع فسخت.
ولم يجز الإقدام على حربهم إلا بعد إعلامهم فساد الهدنة، وقد تظاهر يهود خيبر بكتاب نسبوه إلي علي عليه السلام كتبه لهم في وضع الجزية عنهم، ولم ينقله أحد من الرواة عنه، فلم يجز قبول قولهم فيه، ولو كان صحيحًا لجاز أن يكون لسبب اقتضاه الوقت، ثم سقط؛ لأنه لا يستجيز أن يعاملهم بما يعدل فيه عن كتاب الله تعالى وقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة 29] ولذلك لم يعمل عليها الفقهاء، وأوجبوها عليهم كغيرهم من اليهود.
وتفرد أبو علي بن أبي هريرة بإسقاطها عنهم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاملهم على نخيل خيبر حين فتحها، وهذا خطأ؛ لأن المعاملة لا تقتضي سقوط الجزية.
وينبغي للإمام إذا أهان قومًا أن يكتب عقد الهدنة في كتاب يشهد فيه المسلمون ليشمل به الأئمة بعده، ويجوز أن يقول فيه: لكم ذمة الله وذمة رسوله وذمته، وكذا في الأمان: لكن أمان الله، وأمان رسوله وأماني، وحرم بعض الفقهاء ذلك، وكرهه آخرون؛ لأنه ربما خفرت الذمة، فأفضى ذلك إلي أن تخفر ذمة الله وذمة رسوله، وهذا خطأ؛ لأن معناه: أن لكم ما أوجبه ورسوله من الوفاء بالذمة والأمان، فلم ينسب إليهما ما تخفر به ذمتهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا بأس أن يصالحهم على خرج على أراضيهم يكون في أموالهم مضمونًا كالجزية".
قال في الحاوي: وصورتها أن يصالح أن يصالح الإمام أهل بلد من دار الحرب على خراج
الجزء: 13 - الصفحة: 417
يضعه على أرضهم، يستوفيه كل سنة من أموالهم، فهو على ضربين:
أحدهما: أن ينعقد الصلح على أن تكون أرضهم للمسلمين، فقد صارت بهذا الصلح من دار الإسلام، وصاروا بإقرارهم فيها أهل ذمة لا يقروم إلا بجزية ولا يجزئ الخراج المأخوذ من أرضهم عن جزية رؤوسهم، لأنه أجرة، حتى يجمع عليهم بين خراج الأرض وجزية الرؤوس، فإن أسلموا سقطت عنهم جزية رؤوسهم، لو يسقط عنهم خراج أرضهم.
والثاني: أن ينعقد الصلح على أن تكون الأرض باقية على أملاكهم، والخراج المضروب عليها مأخوذًا منهم، فهذا على ضربين:
أحدهما: أن ينعقد الشرط على أمانهم منا، ولا ينعقد على ذنبا عنهم، فتكون أرضهم مع هذا الشرط من حملة دار الحرب، ويكونوا فيها أهلي عهد، ولا يكونوا أهل ذمة، ولا تؤخذ منهم جزية رؤوسهم؛ لأنهم مقيمون في دار الحرب، لا في دار الإسلام، فيقتصر على أخذ الخارج منهم قل أو كثر، ويكون الخراج كالصلح يجري عليه حكم الجزية، وليس بجزية.
فإن أسلموا أسقط الخراج عنهم، وصارت أرضهم أرض عشر.
وقال أبو حنيفة: لا يسقط عنهم خراج الأرض بإسلامهم؛ لأنها قد صارت بالصلح أرض خراج، فلم يجز أن ينتقل إلي العشر؛ لنفوذ الحكم به، وهذا غير صحيح؛ لأن ما استحق بالكفر سقط بالإسلام كالجزية.
واحتجاجه بنفوذ الحكم فنفوذه مقصور على مدة الكفر.
والثاني: أن ينعقد الشرط على أمانهم منا، وذبا عنهم، فقد صارت أرضهم بهذا الشرط دار الإسلام، وصاروا فيها أهل الذمة لا يقرون إلا بجزية، ويكون خراج أرضهم مع بقائها على ملكهم جزية عن رؤوسهم، فلا يلزم أن يجمع عليهم بين خراج الأرض وجزية الرؤوس.
وقال أبو حنيفة: لا تسقط جزية رؤوسهم بخراج الأرض، وأجمع عليهم بين الجزية والخراج، لأن خراج الأرض عوض عن إقرارها عليهم، والجزية عن حراسة نفوسهم، فلم يسقط أحدهما بالآخر، وهذا فاسد؛ لأنه لما جاز أن يقرهم بالجزية دون الخراج، ويكون ذلك عوضًا عنهما جاز أن يقرهم بالخراج دون الجزية، فيكون ذلك عوضًا عنها؛ لأن كل واحد منهما ينوب عنهما.
فصل:
فإذا تقرر الاقتصار على خراج الأرض كانت صحته معتبرة بشرطين:
أحدهما: أن يكون خراج كل رجل منهم لا ينقص عن جزيته، فإن نقص عنها أخذ بتمامها.
الجزء: 13 - الصفحة: 418
والثاني: أن من لا أرض له منهم لا يقر معهم إلا بجزية رأسه، ويؤخذ هذا الخراج من أرضهم زرعت أو لم تزرع؛ لأنها جزية.
فإن شرط أخذ الخراج منها إذا زرعت وإسقاطه إذا لم تزرع كان الشرط باطلًا؛ لأنهم قد يعطلونها فتسقط.
وقال أبو علي بن أبي هريرة: إن لم يكن لهم معاش غير الزرع جاز، لأنهم لا يعطونها إلا من ضرورة، وإن كان لهم معاش غيره لم يجز.
ويؤخذ هذا الخراج من كل مالك من الرجال والنساء وإن كانت جزية الرؤوس مأخوذة من الرجال دون النساء؛ لأنها في مقابلة منفعة الأرض التي يشترك فيها جميعهم، فصار الخراج أعم نفعًا من الجزية، فلذلك صار أعم وجوبًا.
فإن جمع الإمام عليهم في شرط بين خارج الأرض وجزية الرؤوس جاز، وصار خراج الأرض زيادة على الجزية، فيؤخذ قليلًا كان أو كثيرًا من الرجال والنساء، وتؤخذ جزية الرؤوس من الرجال دون النساء، فإن أسلموا أسقط عنهم الخراج والجزية وأسقط أبو حنيفة الجزية دون الخراج.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز عشور ما زرعوا لأنه مجهول".
قال في الحاوي: وهذا على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الأرض قد صارت ملكًا للمسلمين، وهي دار الإسلام، وهم فيها أهل ذمة يلزمهم خارج الأرض، وجزية الرؤوس، فلا يجوز الاقتصار منهم على عشور ما زرعوا؛ لأن عليهم حقين: الخراج والجزية، فإن جعل العشر خراجًا بقيت الجزية، وكان الخراج فاسدًا؛ لأنه أجرة لا تصح إلا معلومة، وهذه مجهولة؛ لأنهم قد يزرعون ولا يزرعون، ويكون زرعهم قليلًا أو كثيرًا.
وإن جعل العشر جزية بقي الخراج، وكانت الجزية فاسدة لما ذكرنا من الجهالة بها.
والثاني: أن تكون الأرض لهم وهي دار حرب، وهم فيها أهل عهد، فيجوز أن يصالحوا على عشور ما زرعوا؛ لأنه لا خراج على أرضهم لبقائها على ملكهم، ولا جزية على رؤوسهم لمقامهم في دار الحرب، فيصير عشر زرعهم مال صلح ليس بخراج ولا جزية، فجاز قليله وكثيره في العلم به، والجهل؛ لأنه مال تطوع.
والثالث: أن تكون الأرض باقية على ملكهم، وهي دار الإسلام؛ لأنهم فيها أهل
الجزء: 13 - الصفحة: 419
ذمة تلزمهم جزية رؤوسهم، ولا يلزمهم خارج أرضهم، فيكون صلحهم على عشور ما زرعوا الجزية عن الرؤوس، فقد قال الشافعي: لا يجوز؛ لأنه مجهول.
فاختلف أصحابنا في وجه فساده على ثلاثة أوجه:
أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي إنه لم يجز، لأنه لم يعلم هل يفي أقله بقدر الجزية أو لا يفي، فإن علم أنه يفي بقدر الجزية جاز.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة إنه لا يجوز إذا كان لهم مكسب غير الزرع؛ لجواز أن لا يزرعوا، فإن لم يكن لهم كسب غير الزرع جاز؛ لأنهم لا يدعونه إلا من ضرورة.
والثالث: وهو الأصح أنه لا يجوز إذا لم يضمنوا تمام الجزية عند فصوره أو فواته.
ويجوز أن ضمنوا تمام ما قصر أو فات؛ لأن قدر الجزية إذا تحقق حصوله لم تؤثر الجهالة فيما عداه من الطوع، والله أعلم.
باب تبديل أهل الذمة دينهم
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أضل ما أبنى عليه أن الجزية لا تقبل من أحد دن دين كتابي إلا أن يكون آباؤه دانوا به قبل نزول الفرقان".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في مواضع شتى، وذكرنا أن من خالف دين الإسلام من الكافر ينقسمون ثلاثة أقسام:
قسم هم أهل كتاب كاليهود والنصارى، فتقبل جزيتهم، وتحل مناكحتهم وذبائحهم.
وقسم لا كتاب لهم ولا شبهة كتاب كعبدة الأوثان فلا تقبل جزيتهم ولا تحل مناكحتهم، ولا تؤكل ذبائحهم تغليبًا لحكم التحريم.
وإذا كان كذلك صار كمال الحرمة فيهم لأهل الكتاب من اليهود والنصارى وهؤلاء ضربان:
أحدهما: بنو إسرائيل، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فبعث الله تعالى نبيه موسى في بني إسرائيل بالتوراة، فآمن به جميعهم، ودعا غيرهم، فآمن بعضهم،
الجزء: 13 - الصفحة: 420
ودخل بعده في دينه قوم ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه، وسمي من دخل في دينه اليهود، فبعث الله تعالى بعده عيسى ابن مريم بالإنجيل إلى بني إسرائيل وغيرهم، فآمن بع بعض بني إسرائيل من اليهود، وآمن به طوائف من غيرهم ثم بدلوا دينهم حتى عدلوا عن الحق فيه، وسمى من دخل في دينه النصارى، فبعث الله تعالى بعده محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن، وجعله خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين، فدعا جميع الخلق بعد ابتدائه بقريش؛ لأنهم قومه، ثم بالعرب، ثم بمن عداهم، فآمن به من هداه الله تعالى من كافة الخلق، فصارت شريعة الإسلام ناسخة لكل شريعة تقدمتها فلم يختلف مذهب الشافعي بعد نسخ جميع الشرائع المتقدمة بالإسلام أن النصرانية منسوخة بشريعة الإسلام، واختلف أصحابه في اليهودية بما إذا نسخت، على وجهين:
أحدهما: وهو الأشهر نسخت بالنصرانية، حيث بعث الله عيسى بالإنجيل.
والثاني: أنها منسوخة بالإسلام حيث بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم بالقرآن: فإذا تقررت هذه الجملة، فكل من كان من اليهود والنصارى من بني إسرائيل، فهم مقرون على دينهم تقبل جزيتهم، وتحل مناكحتهم، وتؤكل ذبائحهم، لعلمنا بدخولهم هذين الدينين قبل تبديلهم، فثبتت لهما حرمة الحق، فلما خرج أبناؤهم عن الحق بالتنزيل حفظ الله فيهم حرمة إسلامهم، فأقرهم على دينهم مع تبديلهم، كما قال تعالى في قصة الجدار: ﴿وكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ [الكهف:82] الآية، وحفظ الله تعالى بينهما إصلاح أبيهما، وقيل: إنه كان الأب السابع حتى أوصلهما إلى كنزهما.
وأما غير بني إسرائيل من اليهود والنصارى، فينقسمون أربعة أقسام:
أحدها: أن يكونوا قد دخلوا اليهودية والنصارى قبل تبديلهم فيكونوا كبني إسرائيل في إقرارهم بالجزية واستباحة مناكحتهم وذبائحهم؛ لدخول سلفهم في دين الحق.
والثاني: أن يكونوا قد دخلوا فيها بعد التبديل مع غير المبدلين، فهم كالداخل قبل التبديل في قبول جزيتهم، وإباحة مناكحتهم وذبائحهم؛ لأنهم دخلوا فيه من أهل الحق.
والثالث: أن يكونوا قد دخلوا فيه بعد التبديل مع المبدلين فيكونوا عن حكم عبدة الأوثان؛ لأنهم لم يدخلوا في حق؛ لأن التبديل باطل، فلا تقبل جزيتهم، ولا تستباح مناكحتهم، ولا ذبائحهم، ويقال لهم ما يقال لعبدة الأوثان: إما الإسلام أو السيف.
والرابع: أن يقع الشك فيهم: دخلوا قبل التبديل أو بعده، وخل دخلوا مع المبدلين أو مع غير المبدلين، فهؤلاء يغلب منهم حكم التحريم في الأحكام الثلاثة، فتحقن دماؤهم بالجزية تغليبًا لتحريمها، ولا تستباح مناكحتهم، ولا ذبائحهم تغليبًا لتحريمها كما فعل عمر رضي الله عنه في نصارى العرب، حين أشكل عليه أمرهم هل دخلوا في
الجزء: 13 - الصفحة: 421
النصرانية قبل التبديل أو بعده، فأمرهم بالجزية حقنًا لدمائهم، وحرم نكاح نسائهم وأكل ذبائحهم، وجعلهم في ذلك كالمجوس.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلا تقبل ممن بدل يهودية بنصرانية أو نصرانية بمجوسية أو مجوسية بنصرانية أو بغير الإسلام وإنما أذن الله بأخذ الجزية منهم على ما دانوا به قبل محمد عليه الصلاة والسلام وذلك خلاف ما أحدثوا من الدين بعده فإن أقام على ما كان عليه وإلا نبذ إليه عهده وأُخرج من بلاد الإسلام بماله وصار حربًا ومن بدل دينه من كتابية لم يحل نكاحها.
قال المزني رحمه الله: قد قال في كتاب النكاح.
وقال في كتاب الصيد والذبائح: إذا بدلت بدين يحل نكاح أهله فهي حلال وهذا عندي أشبه وقال ابن عباس: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم" قال المزني: فمن دان منهم دين أهل الكتاب قبل نزول الفرقان وبعده سواء عندي في القياس وبالله التوفيق".
قال في الحاوي: وصورتها أن ينتقل أهل الذمة في الإسلام من دين إلى دين، فذلك ضربان:
أحدهما: أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله.
والثاني: إلى دين لا يقر عليه أهله.
فأما الضرب الأول: وهو أن ينتقلوا إلى دين يقر عليه أهله كمن بدل يهودية بنصرانية أو بمجوسية أو بدل نصرانية بيهودية أو مجوسية، أو بدل مجوسية بيهودية أو نصرانية، ففي إقراره على ذلك قولان:
أحدهما: إنه يقر عليه، وهو قول أبي حنيفة والمزني؛ لأن الكفر كله ملة واحدة يتوارثون بها مه اختلاف معتقدهم، فصاروا في انتقاله فيه من دين إلى دين، كانتقال المسلمين من مذهب إلى مذهب.
والثاني: وهو أظهر أنه لا يقر عليه؛ لقول الله تعالى: ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85]؛ ولأنه لما كان الوثني إذا انتقل إلى نصرانية لم يقر، والنصراني إذا انتقل إلى وثنية لم يقر، وجب إذا انتقل النصراني إلى يهودية أن لا يقر؛ لأن جميعهم منتقل إلى دين ليس بحق.
فإذا تقرر القولان، فإن قيل بالأول إنه مقر في انتقاله، لم يخل حاله فيما انتقل إليه من ثلاثة أقسام:
الجزء: 13 - الصفحة: 422
أحدها: أن يكون مكافئًا لدينه كيهودي تنصر أو نصراني تهود، فأصل هذين الدينين سواء في جميع الأحكام ولا يختلف حكمهما بانتقاله من أحد الدينين إلى الآخر إلا في قدر الجزية، فتصير جزيته جزية الدين الذي انتقل إليه دون جزية الذي انتقل عنه سواء كانت أقل أو أكثر.
والثاني: أن يكون الدين الذي انتقل إليه أخف حكمًا من الدين الذي كان عليه، كنصراني تمجس، فينتقل عن أحكامه من الجزية والمناكحة والذبيحة والدية إلى أحكام الدين الذي انتقل إليه، فتقبل جزيته، ولا تحل مناكحته، ولا تؤكل ذبيحته، وتكون ديته ثلثي عشر دية المسلم، بعد أن كانت نصفها كالمجوس في أحكامه كلها، فيصير بذلك منتقلًا من أخف الأحكام إلى أغلظها.
والثالث: أن يكون الدين الذي انتقل إليه أعلى حكمًا من الدين الذي كان عليه كمجوسي تنصر، ففيه وجهان:
أحدهما: أنه يجري عليه حكم الدين الذي انتقل إليه لإقراره عليه في إباحة المناكحة والذبيحة، وقدر الدية، فيصير منتقلًا من أغلظ الأحكام إلى أخفها.
والثاني: أنه يجري عليه أحكام الدين الذي كان عليه في تحريم مناكحته وذبيحته وقدر ديته، تغليبًا لأحكام التغليظ لما تقدم من حرماتها عليه كالمشكوك في دينه من نصارى العرب.
وإن قيل بالقول الثاني: إنه لا يقر على الدين الذي انتقل إليه وجب أن يؤخذ جبرًا بالانتقال عنه إلى دين يؤمر به: وفي الدين الذي يؤمر به قولان:
أحدهما: دين الإسلام، أو غيره؛ لأنه انتقل إلى دين قد يكون مقرًا ببطلانه، وانتقل عن دين هو الآن مقر ببطلانه، فلم يجز أن يقر على واحد من الدينين؛ لإقراره ببطلانهما، فوجب أن يؤخذ بالرجوع إلى دين الحق، وهو الإسلام.
والثاني: أنه إذا انتقل إلى دين الإسلام أو إلى دينه الذي كان عليه أقر عليه؛ فنزل لأننا كنا قد صالحناه على الأول على دينه، وإن كان عندنا باطلًا فجاز أن يعاد إليه وإن كان عنده باطلًا، فعلى هذا اختلف أصحابنا في صفة دعائه إلى دينه الذي كان عليه على وجهين:
أحدهما: ويشبه أن يكون قول أبي إسحاق المروزي إننا ندعوه إلى العود إلى الإسلام، ولا يجوز أن يدعى إلى العود إلى الكفر، فإن عاد إلى دينه في الكفر أقر عليه؛ لأن الدعاء إلى الكفر معصية، ويجوز إذا لم يعلم أنه يقر عل دينه الذي كان عليه يقال له: نحن ندعوك إلى الإسلام، فإن عدت إلى دينك الذي كنت عليه أقررناك.
الجزء: 13 - الصفحة: 423
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: إننا ندعوه ابتداءً إلى الإسلام وإلى دينه الذي كان عليه ولا يكون ذلك أمرًا بالعود إلى الكفر؛ لأنه إخبار عن حكم الله تعالى، فلم يكن أمرًا بالكفر، ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الشهادة أو الجزية، فلم يكون ذلك منه أمرًا بالمقام على الكفر، ولكنه إخبار عن حكم الله فيهم، فإذا توجه القولان فيما يؤمر بالعود إليه، فإن عاد إلى الدين المأمور به أقر عليه وإن لم يعد إليه ففيما يلزم من حكمه قولان:
أحدهما: وهو الذي نقله المزني هاهنا أنه ينبذ إليه عهده، ويبلغ مأمنه، ثم يكون حربًا، لأن له أمانًا على الكفر، فلزم الوفاء به، فعلى هذا يجوز تركه، ليقضي أشغاله ونقل ماله، ولا يتجاوز به أكثر من أربعة أشهر، فإذا بلغ أدنى مأمنه بذريته وماله صار حربًا.
والثاني: أن يصير في حكم المرتد؛ لأن ذمته ليست بأوكد من ذمة الإسلام، فعلى هذا يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل صبرًا بالصيف، وفي الانتظار بقتله ثلاثًا قولان: ويكون أمان ذريته باقيًا وأما ماله، فيكون فيئًا لبيت المال، ولا يورث عنه؛ لأنه من قتل بحكم الردة لم يورث.
وأما الضرب الثاني: في انتقاله إلى دين لا يقر عليه أهله، كانتقاله من يهودية أو نصرانية أو مجوسية إلى وثنية أو زندقة، فإنه لا يقر عليه، ويؤخذ بالانتقال عنه؛ لأنه لا حرمة لما انتقل إليه، ولا يجوز إقرار أهله عليه، فكان إقرار غير أهله أولى أن لا يجوز، وإذا كان كذلك ففي الذي يؤمر بالرجوع إليه ثلاثة أقاويل:
أحدها: الإسلام لا غير؛ لأنه دين الحق، فكان أحق بالعود إليه.
والثاني: الإسلام أو دينه الذي كان عليه لما تقدم من صلحه عليه.
والثالث: الإسلام أو دينه الذي كان عليه أو دين يقر أهله عليه، ففيما علا كاليهودية، والنصرانية، أو انخفض كالمجوسية؛ لأن الكفر كله ملة واحدة، وفي صفة دعائه إلى ذلك ما قدمناه الوجهين.
فإن عاد إلى المأمور به من الدين أقر عليه، ولا جزية عليه فيما بين انتقاله وعوده؛ لأنه في حكم المرتدة، ولا جزية على مرتد، وإن امتنع من العود إلى الدين المأمور به ففيما يلزم من حكمه قولان على ما مضى.
أحدهما: ينبذ إليه عهده، ويبلغ مأمنه بماله وبمن أطاعه من ذريته، ثم يكون حربًا.
فأما من تمانع عليه من ذريته فمن كان منهم بالغًا من نسائه وبناته، كان أملك بنفسه، ومن كان منهم صغيرًا روعي مستحق حضانته، فإن كان هو المستحق لها، كان له
الجزء: 13 - الصفحة: 424
إخراجهم جبرًا، وعاونه الإمام عليه، وإن كان المقيم أحق بحضانته منع منهم، وأقر مع المقيم.
والثاني: أنه يصير في حكم المرتد يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل، ويكون ماله فيئًا لبيت المال.
فأما ذريته فمن كان منهم بالغًا، فله حكم معتقده بنفسه، فإن أقام على دينه أقر عليه، وإن انتقل عنه مع وليه صار على حكمه.
فأما من كان منهم صغيرًا، فهو على دينه الأول لا يزول عنه حكمه بانتقال أبيه كما لا يصير ولد المرتد مرتدًا؛ فإن كان لصغار أولاده أم وعصبة كانوا في كفالة أمهم، وفي جزية عصبتهم.
وإن كان لهم أم، وإن لم يكن لهم عصبة كانوا في كفالة أمهم، وفي جزية قومها، وإن كان لهم عصبة، ولم يكن لهم أم كانوا في كفالة عصبتهم، وفي جزيتهم وإن لم يكن لهم أم ولا عصبة كانوا في كفالة أهل دينهم، وفي جزيتهم، لقول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال:73]، فكانوا ألحق بكفالتهم من المسلمين، فإن تمانعوا من كفالتهم أقرع بينهم، وأجبر عليها من قرع منها.
فأما نفقاتهم إذا لم يكن لهم مال، ولا ذو قرابة يلتزمها، ولا وجد في قومهم متطوع بها، فهي مستحقة لمن تركه من مات منهم من غير وارث؛ لأنها وإن كانت تصير إلى بيت المال، فبعد فواضل الحقوق.
ولو قيل: إنها في سهم المصالح من خمس الخمس كان مذهبًا والله تعالى أعلم.
باب نقض العهد
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا نقض الذين عقدوا الصلح عليهم أو جماعة منهم فلم يخالفوا الناقض بقول أو فعل ظاهر أو اعتزال بلادهم أو يرسلون إلى الإمام أنهم على صلحهم فللإمام غزوهم وقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم وغنيمة أموالهم وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببني قريظة عقد عليهم صاحبهم فنقض ولم يفارقوه وليس كلهم أشرك في المعونة على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكن كلهم لزم حصنه فلم يفارق الناقض إلا نفر منهم وأعان على خزاعة وهم في عقد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أنفار من قريش فشهدوا قتالهم فغزا النبي صلى الله عليه وسلم قريشًا عام الفتح بغدر ثلاثة نفر منهم وتركهم معونة خزاعة وإيوائهم من قاتلها".
الجزء: 13 - الصفحة: 425
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا عقد الإمام الهدنة مع أخل الحرب كان عقدها موجبا لأمرين.
أحدهما: للموادعة، وهي الكف عن المحاربة جهرًا، وعن الخيانة سرًا، قال الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:58].
والثاني: أن يشترك فيها الفريقان، فيلتزم كل واحد منهما حكمهما، ولا يختص بأحدهما، ليأمن كل واحد منهما صاحبه.
قال الله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ المَسْجِدِ الحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة:7].
فإذا ثبت بهذين الشرطين وجب الوفاء بها، ولم يجز نقضها.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة:1].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا أحق من وفى بذمته" فإن نقض المشركون ارتفع حكم العقد، وبطل أمانهم من المسلمين، وصاروا بنقضه حربًا قال الله تعالى: ﴿وإن نَّكَثُوا أَيْمَانَهُم مِّنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ﴾ [التوبة:12].
فصل:
فإذا تقررت هذه الجملة لم يخل حالهم في نقض العهد من أحد أمرين.
إما أن يكون من جميعهم أو بعضهم.
فإن كان من جميعهم، صار جميعهم حربًا، وليس لواحد منهم أمان على نفس ولا مال، وإن نقضه، لم يخل حال الناقض من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يظهر منهم الرضا بنقضه في قول أو فعل، فينتقض عهدهم بالرضا كما انتقض به عهد المباشرة، ويصير جميعهم حربًا.
والثاني: أن يظهر منهم الكراهة لنقضه بقول أو فعل، فيكونوا على عهدهم، ولا ينتقض فيهم بنقض غيرهم، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:165].
والثالث: أن يمسكوا عنه، فلن يظهر منهم رضا به، ولا كراهة له في قول، ولا فعل، فيكون إمساكهم نقضًا لعهدهم.
قال الله تعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال:25] وكذلك كانت سنة الله تعالى في عاقر ناقة صالح باشر عقرها
الجزء: 13 - الصفحة: 426
أحيمر وهو القدار بن سالف وأمسك قومه عنه فأخذ الله جميعهم بذنبه، فقال تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)﴾ [الشمس:14 - 15]، وفي قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ [الشمس:14] ثلاثة تأويلات:
أحدها: فسوى بينهم في الهلاك.
والثاني: فسوى بهم الأرض.
والثالث: فسوى بهم من بعدهم من الأمم.
وفي قوله: ﴿ولا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)﴾ [الشمس:15] ثلاثة تأويلات:
أحدها: ولا يخاف الله عقبى ما صنع بهم من الهلاك.
والثاني: ولا يخاف الذي عقرها ما صنع من عقرها.
والثالث: ولا يخاف صالح عقبى عقرها؛ لأنه قد أنذرهم، ونجاه الله حين أهلكم.
وقد وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود بني النضير، وهمّ بعضهم بقتله، فجعله نقضًا منهم، لعهده، فعزلهم وأجلاهم.
ووادع يهود بني قريظة، فأعان بعضهم أبا سفيان بن حرب على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق.
وقيل: إن الذي أعانه منهم ثلاثة: حيي بن أخطب، وأخوه، وآخر فنقض به عهدهم، وغزاهم، حتى قتل رماتهم، وسبى ذراريهم.
وهادن قريشًا في الحديبية، وكان بنو بكر في حلف قريش، وخزاعة في حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فحارب بنو بكر خزاعة، وأعان نفر من قريش بني بكر على خزاعة وأمسك عنهم سائر قريش، فجعله رسول الله صلى الله عليه وسلم نقضًا لعهد جميعهم، فسار إليهم محاربًا، وأخفى عنهم أثره حتى نزل بهم، وفتح مكة، فدل على أن الممسك يجري عليه في نقض العهد حكم المباشر؛ ولأنه لما كان عقد بعضهم للهدنة موجبًا لأمان جميعهم، وإن أمسكوا كان نقض عهدهم موجبًا لحرب جميعهم إذا أمسكوا.
فصل:
فإذا ثبت ما وصفنا، وجعلنا ذلك نقضًا لعهد جميعهم، جاز أن يبدأ الإمام بقتالهم بإنذار وغير إنذار، كما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ناقض عهده فجاءه بغير إنذار، وجاز أن يهجم عليهم غرة وبياتًا، فيقتل رجالهم، ويسبي ذراريهم، ويغنم أموالهم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني قريظة.
وإن جعلناه نقضًا لعهد من باشر، ولم نجعله نقضًا لعهد من لم يباشر لم يخل حالهم أن يكونوا متميزين عنهم أو مختلطين بهم، فإن تميزوا عنهم في موضع انحازوا عنه أجرى على كل واحد من الفريقين حكمه، فقوتل الناقضون للعهد، وقتلوا، وكف عن غير الناقضين وأمنوا، وإن اختلطوا بهم في مواضعهم غير متميزين عنهم، لم يجز
الجزء: 13 - الصفحة: 427
أن نقاتلهم إلا بعد إنذارهم، ولا يجوز أن يشن عليهم الغارة، ولا يهجم عليهم غرة وبياتًا، ويقول لهم: يتميز منكم ناقض العهد ممن لم ينقضه، فإن تميزوا عمل بما تقدم، وإن لم يتميزوا نظر: فإن كان المقيمون على العهد أكثر أو أظهر لم ينذروا بالقتال، وقيل لهم: ميزوا عنكم ناقضوا العهد منكم، إما بتسليمهم إلينا، وإما بإبعادهم عنكم.
فإذا فعلوه، فقد تميزوا به، وخرجوا من نقض العهد، وإن لم يفعلوا واحدًا منهما، وأقاموا على اختلاطهم بهم بعد المراسلة بالتميز عنهم صاروا مماثلين لهم، فصار ذلك حينئذٍ نقضًا منهم للعهد، فجرى على جميعهم حكم النقض؛ لأن موجب العهد أن لا يمايلوا علينا عدوًا لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ المُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة:4] الآية، وقد ظاهروهم بالممايلة، فانتقض عهدهم، وإن كان الناقضون للعهد أكثر وأظهر لم يجز أن يشن عليهم الغارة، ولا يقتلوا في غرة وبيات وحوربوا جهرًا، ولم يجب الكف عن قتالهم؛ لأجل من بينهم من أهل العهد؛ لأنهم كالأسراء فيهم، فإن أسروا لم يجز قتل الأسرى إلا بعد الكشف عنهم: هل هم ممن نقض العهد أو أقام عليه، فإن لم يوصل إليه إلا منهم جاز أن يقبل قولهم في أنفسهم، وكذلك في ذراريهم إن سبوا، وأموالهم إن غنمت، ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض، فإن ادعوا من الذراري والأموال ما أنكره الغانمون نظر: فإن كان في أيديهم، فالقول فيه قولهم مع أيمانهم، وإن كان في أيدي الغانمين لم يقبل قولهم فيه إلا ببينة فشهد لهم من المسلمين، ولا يحلف الغانمون عليه؛ لنهم لا يتعينون في استحقاقه، وكان مغنومًا مع عدم البينة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "متى ظهر من مهادنين ما يدل على خيانتهم نبذ إليهم عهدهم وأبلغهم مأمنهم ثم هم حرب قال الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً﴾ [الأنفال:58] الآية".
قال في الحاوي: اعلم أن عقد الهدنة موجب لثلاثة أمور:
أحدها: الموادعة في الظاهر.
والثاني: ترك الخيانة في الباطن.
والثالث: المجاملة في الأقوال والأفعال.
الجزء: 13 - الصفحة: 428
فأما الأول وهو الموادعة في الظاهر فهي الكف عن القتال وترك التعرض للنفوس والأموال، فجيب عليهم للمسلمين مثل ما يجب لهم على المسلمين، فيستويان غيه، ولا يتفاضلان، ويجب عليهم أن يكفوا عن أمل ذمة المسلمين، ولا يجب على المسلمين أن يكفوا عن أهل ذمتهم إلا أن يدخلوها في عقد مهادنتهم، فيختلفان في الذمتين، وإن تساويا في الموادعتين، فإن عدلوا عن الموادعة إلى ضدها، فقاتلوا قومًا من المسلمين أو قتلوا قومًا من المسلمين أو أخذوا مال قوم من المسلمين انتقضت هدنتهم بفعلهم، ولم يفتقر إلى حكم الإمام لنقضها.
وجاز أن يبدأ بقتالهم من غير إنذار ويشن عليهم الغارة، ويهجم عليهم غرة وبياتًا، وجرى ذلك في نقض الهدنة مجرى تصريحهم بالقول إنهم قد نقضوا الهدنة.
وأما الثاني: وهو ترك الخيانة، فهو أن لا يستسروا بفعل ما ينقض الهدنة لو أظهروه مثل أن يمايلوه في السر عدوًا أو يقتلوا في السر مسلمًا أو يأخذوا له مالًا أو يزنوا بمسلمة وهذا مما يستوي الفريقان في التزامه، فإن خانوا بذلك حكم الإمام تنتقض هدنتهم، ولم تنتقض بمجرد خيانتهم، ويكونوا على الهدنة، ما لم يحكم الإمام بنقضها لقول الله تعالى: ﴿وإمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال:58].
وقد نقض رسول الله صلى الله عليه وسلم هدنة قريش بما أسروه من معونة بني بكر على خزاعة، ويجوز أن يبدأ بقتالهم مجاهرة ولا يشن عليهم الغارة والبيات في الابتداء، ويفعل ذلك في الانتهاء، فصار هذا القسم مخالفًا للقسم الأول من وجهين:
أحدهما: أن الهدنة تنتقض في القسم الأول بالفعل، وتنتقض في هذا القسم بالحكم.
والثاني: أنه يجوز أن يبتدأ في الأول بشن البيات والغارة، ويجب أن يبدأ في هذا بقتال المجاهرة.
وإذا خاف خيانة أهل الهدنة جاز أن ينقض هدنتهم، ولو خاف خيانة أهل الذمة لم يجز أن ينقض بها ذمتهم.
والفرق بينهما من وجهين:
أحدهما: أن النظر في عقد الهدنة لنا، والنظر في عقد الذمة لهم، ولذلك وجب علينا إجابة أهل الذمة إذا سألوها، ولم يجب علينا إجابة أهل الهدنة إذا سألوها.
والثاني: أن أهل الذمة تحت القدرة يمكن استدراك خيانتهم، وأهل الهدنة، خارجون عن القدرة لا يمكن استدراك خيانتهم.
والثالث: وهو المجاملة في الأقوال والأفعال، فهي في حقوق المسلمين أغلظ منها في حقوقهم، فيلزمهم في حقوق المسلمين عليهم أن يكفوا عن القبيح من القول والفعل، ويبذلوا لهم الجميل في القول والفعل، ولهم على المسلمين أن يكفوا عن القبيح في القول
الجزء: 13 - الصفحة: 429
والفعل، وليس عليهم أن يبذلوا لهم الجميل في القول والفعل لقول الله تعالى: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة:33] فإن عدلوا عن الجميل في القول والفعل، فكانوا يكرمون المسلمين، فصاروا يستهينون بهم، وكانوا يضيفون الرسل، ويصلونهم، فصاروا يقطعونهم، وكانوا يعظمون كتاب الإمام، فصاروا يطرحونه، وكانوا يزيدونه في الخطاب، فصاروا ينقصونه، فهذه ريبة؛ لوقوفها بين شكين؛ لأنها تحتمل أن يريدوا بها نقض الهدنة، ويحتمل أن يريدوا بها نقضها، فيسألهم الإمام عنها، وعن السبب فيها، فإن ذكروا عذرًا يجوز مثله قبله منهم، وكانوا على هدنتهم، وإن لم يذكروا عذرًا أمرهم بالرجوع إلى عادتهم من المجاملة في أقوالهم وأفعالهم، فإن عادوا أقام على هدنتهم، وإن لم يعودوا نقضها بعد إعلامهم بنقضها، فصارت مخالفة للقسمين الأولين من وجهين:
أحدهما: أنه لا يعدل عن أحكام الهدنة إلا بعد مسألتهم، ولا يحكم بنقضها إلا بعد إعلامهم.
فأما سب رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو مما ينتقض به عقد الهدنة، وعقد الذمة وكذلك سب القرآن، فإن كان جهرًا، فهو من القسم الأول، وإن كان سرًا فهو من القسم الثاني.
وقال أبو حنيفة: لا ينتقض بهما عقد الهدنة، ولا عقد الذمة، احتجاجًا لما روى أن رهطًا من اليهود دخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: "السام عليك" فقال: "وعليكم"، فقالت عائشة رضي الله عنها: "يا رسول الله ألم تسمع ما قالوا؟ " فقال: "قد قلت: وعليكم"، ثم قال: "مهلًا يا عائشة، فإن الله يحب الرفق في الأمر كله".
فلم يجعل ذلك نقضًا لعهدهم، وإن كان سبًا، ولأن قولهم: إن الله ثالث ثلاثة أعظم من شتمهم الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم لم يكن ذلك نقضًا لعهدهم، فهو أولى أن لا يكون نقضًا لعهدهم.
ودليلنا: ما روي أن رجلًا قال لعبد الله بن عمر: سمعت راهبًا يشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عبد الله: لو سمعته أنا لقتلته، إنا لم نعطه الأمان على هذا.
وليس يعرف له من الصحابة مخالف، فكان إجماعًا، ولأن ما كان شرطًا في صحة الإسلام كان شرطًا في عقد الأمان؛ قياسًا على ذكر الله؛ ولأن ما حقن به دم الكافر، انتقض بشتم رسول الله صلى الله عليه وسلم كالإيمان.
وأما الخبر، فعنه جوابان:
أحدهما: أنهم قالوا ذمًا، ولم يقولوه شتمًا.
والثاني: أنه كان في ضعف الإسلام، ولم يكن في قوته.
وأما الجواب عن قولهم: إن الله ثالث ثلاثة فمن وجهين:
الجزء: 13 - الصفحة: 430
أحدهما: أنهم قالوه اعتقاداً للتعظيم، وهذا الشتم اعتقاد للتحقير.
والثاني: أنهم يقرون على قولهم، إن الله ثالث ثلاثة، فلم ينتقض به عهدهم، وغير مقرين على شتم رسول الله صل الله عليه وسلم فانتقض به عهدهم.
باب الحكم في المهادنين والمعاهدين
وما أتلف من خمرهم وخنازيرهم وما يحل منه وما يرد
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "لم أعلم مخالفاً من أهل العلم بالسير أن النبي صل الله عليه وسلم لما نزل المدينة وادع يهود كافة على غير جزية وأن قول الله عز وجل ﴿فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] إنما نزلت فيهم ولم يقروا أن يجري عليهم الحكم وقال بعضهم: نزلت في اليهوديين اللذين زنيا وهذا أشبه بقول الله عز وجل ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ [المائدة:43] الآية.
قال: وليس للإمام الخيار في أحد من المعاهدين الذين يجرى عليهم الحكم إذا جاؤوه في حد لله تعالى وعليه أن يقيمه لما وصفت من قول الله تعالى: ﴿وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
قال المزني رحمه الله: هذا أشبه من قوله في كتاب الحدود لا يحدون وأرفعهم إلى أهل دينهم ".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة في مواضع شتى.
وجملته أن من خالف دين الإسلام من أهل الأمان صنفان: أهل ذمة وأهل عهد، فأما أهل العهد إذا تحاكموا إلينا، فحاكمنا بالخيار بين أن يحكم بينهم، وبين أن يمتنع؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإن جَاءُوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] فلم يختلف أهل العلم أنها نزلت فيمن وادعه رسول الله صل الله عليه وسلم من يهود المدينة قبل فرض الجزية، فكانوا أهل عهد لا ذمة لهم، واختلف فيها هل نزلت عامة أو على سبب، فالذي عليه قول الأكثرين، أنها نزلت عامة؛ لغير سبب.
وقال بعضهم: بل نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، فكان سببها خاصاً وحكمها عاماً، فإن حكما حاكمنا بينهم كانوا مخيرين بين التزامه، وبين رده.
فإن قيل: فقد رجم اليهوديين الزانيين بغير اختيارهما؛ لأنهما أنكرا الرجم.
قيل لهم: كان الإنكار لوجوب الرجم في الشرع، ولم يكن ذلك امتناعاً من التزام حكمه.
وأما أهل الذمة، ففي وجوب الحكم إذا تحاكموا إلينا قولان:
أحدهما: أنهم كأهل العهد يكون حاكمنا في الحكم بينهم مخيراً، وهم في التزامه
الجزء: 13 - الصفحة: 431
إذا حكم بينهم مخيرين؛ لعموم الآية، لاشتراك الفريقين في المخالفة.
والثاني: وهو أصح اختاره المزني: أنه يجب على حاكمنا أن يحكم بينهم، ويجب إذا حكم أن يلتزموا حكمه عليهم، لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] والصغار أن يجري عليهم أحكام الإسلام، ولأنهم قد صاروا بالذمة تبعاً للمسلمين فجرت عليهم أحكامهم.
فإن كان التحاكم بين مسلم ومعاهد أو بين مسلم وذمي وجب الحكم بينهما، سواء كان المسلم طالباً أو مطلوباً؛ لأن كل واحد منهما يدعو إلى دينه، ودين الإسلام هو الحق المطاع.
ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد لم يجز قولاً واحداً تغليباً لحكم الإسقاط.
ولو كان بين ذميين من دينين كيهودي ونصراني فعلى وجهين:
أحدهما: أنهما فيه سواء؛ لأن جميع الكفر ملة واحدة، فيكون على الوجهين.
والثاني: وهو قول أبي هريرة: إنه يجب الحكم بينهما قولاً واحداً، ويجب عليهما التزامه؛ لأنه اختلاف معتقدهما يوجب قطع التنازع بينهما بالحق فأما إن كان المتحاكمان من ملة واحدة على مذهبين مختلفين:
أحدهما: نسطوري، والآخر: يعقوبي، فالمعتبر فيه اجتماعهما على أصل الدين، وهو واحد، فصارا فيه كالمذهب الواحد؛ لأن دينهما واحد.
فلو قلد الإمام على أهل الذمة حاكماً منهم كان حكمه غير لازم لهم، وكان فيه كالمتوسط بينهم.
وقال أبو حنيفة: ينفذ حكمه عليهم؛ لأنهم يلتزمون أحكام شرعهم، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن صحة المعتقد شرط في نفوذ الحكم، ومعتقده باطل.
والثاني: أن صحة الحكم شرط في نفوذه، وحكمهم باطل.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما كانوا يدينون به فلا يجوز حكمنا عليهم بإبطاله وما أحدثوا مما ليس بجائز في دينهم وله حكم عندنا أمضى عليهم.
قال: ولا يكشفون عن شيء مما استحلوه مما لم يكن ضرراً على مسلمٍ أو معاهدٍ أو مستأمن غيرهم ".
الجزء: 13 - الصفحة: 432
قال في الحاوي: وجملة ما يفعله أهل الذمة في بلادنا من عقد وأحكام ينقسم أربعة أقسام:
أحدها: ما كان جائزاً في شرعهم وشرعنا، فهم مفرون عليه في دينهم إذا ترافعوا إلينا فيه.
والثاني: ما كان باطلاً في شرعهم وشرعنا، فهم ممنوعون منه إذا ظهر لنا؛ لأنهم اقروا في دارنا على مقتضى شرعهم.
والثالث: ما كان جائزاً في شرعنا باطلاً في شرعهم، فيقرون عليهم؛ لأنهم فيه على حق، وفيما عداه باطل.
والرابع: ما كان باطلاً في شرعنا جائزاً في شرعهم، فإن تحاكموا فيه إلينا أبطلناه، وإن لم يتحاكموا فيه إلينا تركناه إن أخفوه، فإن أظهروه لنا فهو ضربان:
أحدهما: أن لا يتعلق بالمنكرات الظاهرة، كالمناكح الفاسدة والبيوع الباطلة، فيقرون عليها، ولا يمنعون منها.
والثاني: أن يكون من المنكرات الظاهرة، كالتظاهر بنكاح ذوات المحارم والمجاهرة بابتياع الخمور، والخنازير، فيمنعون، ويعزرون عليها؛ لأن دار الإسلام تمنع من المجاهرة بالمنكرات.
وفي نسخ عقودهم عليهم، وإن لم يتحاكموا فيها إلينا وجهان:
أحدهما: تفسخ عليهم؛ لأن المجاهرة ظهور منكر فيهم.
والثاني: أنها لا تفسخ عليهم، ويتركون في عقدها على ما يرونه في دينهم، لأن تجاهرهم بالكفر الذي يقرون عليه أعظم.
فأما ما تعلق بأفعالهم من دخول ضرر على مسلم أو معاهد من غيرهم، فيمنعون منه، وإن كانوا يعتقدونه ديناً؛ لأنهم يعتقدون إباحة دماء من خالفهم وأموالهم، ولا يقرون على استباحتها فكذا كل مضرة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن جاءت امرأة رجل] منهم تستعدي بأنه طلقها أو آلى منها حكمت عليه حكمي على المسلمين وأمرته في الظهار أن لا يقربها حتى يكفر رقبة مؤمنة كما يؤدي الواجب من حد وجرحٍ وأرضٍ وإن لم يكفر عنه وأنفذ عتقه
الجزء: 13 - الصفحة: 433
ولا أفسخ نكاحه لأن النبي صل الله عليه وسلم عفا عن عقد ما يجوز أن يستأنف ورد ما جاوز العدد إلا أن يتحاكموا وهي في عدةٍ فنفسخه وهكذا كل ما قبض من ربا أو ثمن خمر أو خنزير ثم اسلما أو أحدهما عفي عنه ".
قال في الحاوي: وجملة ذلك أنه لا يخلو حال ما استعدت فيه على زوجها من أن يكون من محظورات دينهم أو من مباحاته.
فإن كان من محظورات دينهم المنكرة وجب على حاكمنا أن يعديها عليه؛ لأن دار السلام تمنع من إقرار ما ينفق على إنكاره، وإن كان من مباحات دينهم، ففي وجوب إعدائها عليه قولان:
أحدهما: أنه يجوز، ولا يجب.
والثاني: أنه يجب، وهو على اختلاف القولين في جريان أحكامنا عليهم.
فإن أعداها عليه وجوباً أو جوازاً لم يحكم بينهما إلا بما يوجبه دين الإسلام، ولا يحكم بينهما بأحكامهم في دينهم، لقول الله تعالى: ﴿وأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49].
فإن كان الحكم من طلاق بائن لم تجر له الرجعة في العدة، إذا كان أقل من ثلاثة، وحرمها عليه بعد الثلاث حتى تنكح زوجاً غيره، وإن كان في إيلاء أصله أربعة أشهر ثم ألزمه الفئ او الطلاق.
وإن كان في ظهار حرمها عليه بعد العود حتى يكفر بعتق رقبة مؤمنة، ولم يجز أن يصوم فيها حتى يسلم، وفي جواز إطعامه فيها وجهان:
أحدهما: يجوز، لأنه إطعام.
والثاني: لا يجوز لأنه بدل عن الصيام.
وإن كان في عقد نكاح راعاه، فإن كانت ممن تحرم عليه من ذوات المحارم أبطل نكاحها، وإن كانت ممن تحل له لم يكشف عنه عقد النكاح، وحكم بينهما بإمضاء الزوجية، كما يقرون عليه إذا أسلموا.
وإن كان في مهر تقابضاه.
أمضاه حلالاً كان أو حراماً، وإن كان يتقابضاه لم يحكم بقبضه، ولا بقيمته، وحكم لها بمهر المثل، وكذلك سائر الأحكام، وكذلك في استعداء غير الزوجين.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ومن أراق لهم خمراً أو قتل لهم خنزيراً لم
الجزء: 13 - الصفحة: 434
يضمن لأن ذلك حرام ولا ثمن لمحرم فإن قيل فأنت تقرهم على ذلك قيل نعم وعلى الشرك بالله وقد أخبر الله تعالى أنهم لا يحرمون ما حرم الله ورسوله فهو حرام لا ثمن له وإن استحلوه ".
قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب "الغصب "وذكرنا أن من أراق على ذمي خمراً، أو قتل له خنزيراً لم يضمن سواء كان متلفه ذمياً أو مسلماً.
وأوجب أبو حنيفة ضمانة على المسلم والذمي، وقد مضى الكلام معه، وإن ما لم يضمنه في حق المسلم لم يضمن في حق المشرك كالميتة.
وهكذا لو أراق على مسلم أو ذمي نبيذاً لم يضمنه عندنا؛ لأنه لا قيمة للنبيذ، وإن كان مختلفاً فيه، كما لم يكن للخمر فيه، وإن كان متفقاً عليه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا كسر لهم صليب من ذهب لم يكن فيه غرم وإن كان من عود وكان إذا فرق صلح لغير الصليب فما نقص الكسر العود، وكذلك الطنبور والمزمار ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال؛ لأن شكل الصليب موضوع على زور، وهو أنهم جعلوه شبهاً بما ادعوه من صلب عيسى عليه السلام، فإذا كسر صليبهم، فإن كان من ذهب أو فضة أو ما لا يؤثر كسره في قيمة جنسه، لم يضمنه بالكسر، لأن تأثير الكسر فيه إزالة المطلوب منه.
وسواء كان كاسره مسلماً أو نصرانياً.
وإن كان الصليب من عود أو خشب يؤثر كسره في قيمته، فإن فصله، ولم يتعد تفصيله إلى الكسر، فلا ضمان عليه، وإن تعدى تفصيله إلى الكسر نظر فيه.
فإن كان في شبهه لو فصل لم يصلح لغير الصليب، فلا ضمان عليه، وإن كان يصلح مفصلاً لغير الصليب ضمن ما بين قيمته مفصلاً، ومكسوراً.
وهكذا القول في الطنابير والمزامير، إذا فصلت، ولم تكسر، فلا ضمان فيها، وإن كسرت فإن كان خشبها لا يصلح بعد التفصيل لغيرها لم يضمن وإن كان يصلح لغيرها، ضمن ما بين قيمتها مفصلة ومكسورة.
فأما أواني والفضة إذا كسرها عليهم أو على مسلم، ففي غرم ما نقص بكسرها من العمل وجهان من اختلاف قوليه في إباحة اقتنائها من غير استعمال.
الجزء: 13 - الصفحة: 435
فإن قيل بإباحته ضمن نقص العمل، وإن قيل بحظره لم يضمنه، وكان أبو حامد الإسفراييني يخرج كسر الصليب من الذهب على هذين الوجهين.
وهو خطأ؛ لأن ادخار الصليب محظور باتفاق، وادخار الأواني على اختلاف، فلم يجز الجمع بينهما مع اختلاف حكمهما.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويجوز للنصراني أن يقارض المسلم وأكره للمسلم أن يقارض النصراني أو يشاركه ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: يجوز أن يأخذ المسلم من النصراني مالاً قراضاً، ولا يكره له؛ لأن عقود المسلم تتوجه إلى المباح، ويكره للمسلم أن يدفع إلى النصراني مالاً قراضاً، لأنه ربما صرفه في محظورات الإسلام من الزنا وأثمان الخمور والخنازير، ولا يبطل القراض تغليباً لحمله على المباح، فإن صرفه النصراني في محظور من أثمان خمور وخنازير، فإن كان المسلم قد صرح له بالنهي عنه، كان النصراني ضامناً لما صرفه في ثمنه؛ لحظره ومخالفته وإن لم يصرح له بالنهي عنه، ففي ضمانه له وجهان:
أحدهما: يضمنه لما أوجبه عقد المسلم من حمله على مقتضى شرعه.
والثاني: لا يضمنه، لجوازه في دين عاقده، فإن ربح في الخمور والخنزير.
حرم ذبحه على المسلم، فإن لم يختلط بأصل ماله حل له استرجاع ماله، وحرم عليه أخذ ربحه، وإن اختلط ربحه بماله حرم على المسلم استرجاعه، وفي رجوعه بغرمه على النصراني وجهان، واختلاف الوجهين في ضمانه، إذا صرفه في ثمنه.
وهكذا يكره للمسلم أن يشارك النصراني في مال ينفرد كل واحد منهما بالتصرف في جميعه، ولا يكره اشتراكهن في مال لا يتصرف أحدهما فيه إلا باجتماعهما؛ لأن النصراني إذا تفرد بالتصرف فيه صرفه في أثمان المحظورات، وإذا اجتمع مع المسلم فيه صار ممنوعاً منه فإن تفرد النصراني بالتصرف، وظهر الربح في المال، فأراد المسلم أن يقاسمه عليه، لم يخل ماله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يعلم حصوله من حلال، فيحل للمسلم أن يأخذ حقه من المال وربحه.
والثاني: أن يعلم حصوله من حرام، فيحرم عليه أخذه، فأما المال فإن لم يمتزج ربحه، ولا عاد أصله من ثمنه حل له أخذ حقه منه، وإن امتزج بربحه أو عاد أصله من ثمنه حرم عليه أخذه، وفي رجوعه بغرمه على شريكه ما قدمناه من الوجهين:
الجزء: 13 - الصفحة: 436
والثالث: أن يشك في حصوله هل هو مباح او من محظور، فلا يحرم عليه بالشك حكماً، ويكره له مع الشك ورعاً.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وأكره أن يكري نفسه من نصراني ولا أفسخه ".
قال في الحاوي: إذا آجر المسلم نفسه من نصراني بعمل يعمله له، فهو على ضربين:
أحدهما: أن تكون الإجارة معقودة في ذمته على عمل موصوف فيها، فالإجارة جائزة، وحصول العمل في ذمته كحصول الأثمان والقروض فيها.
والثاني: أن تكون الإجارة معقودة على عينه، فقد خرجه أصحابنا على قولين، كبيع العبد المسلم على نصراني:
أحدهما: أن الإجارة باطلة إذا قيل: إن البيع باطل.
والثاني: أن الإجارة جائزة إذا قيل: إن البيع جائز.
والصحيح- عندي- أن يعتبر حال الإجازة، فإن كانت معقودة على عمل يعمله الأجير في يد نفسه لا في يد مستأجره، ويتصرف فيه على موجب عقده لا على رأي مستأجره كالخياطة والنساجة والصياغة، صحت الإجازة، وإن كانت معقودة على تصرف الأجير في يد المستأجر عن أمره كالخدمة لم يجز، لأنه في هذا مستذل وفي الأول مصان.
فإن قيل ببطلان الإجارة كان للأجير أجرة المثل فيما عمل، ولم يلزمه إتمام ما بقي.
وإن قيل بصحة الإجارة، فإن كان مما يعمله الأجير في يد نفسه أخذ بعمله، وإن كان يعمله في يد مستأجره، وبأمره منع من استذلاله بالعمل، وأوجر الأجير على ذلك العمل، ودفعت أجرته إلى المستأجر، ليستأجر بها إن شاء من يجوز أن يكون أجيراً له، كما يباع عليه العبد المسلم إذا ابتاعه، إذا صح بيعه.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإذا اشترى النصراني مصحفاً أو دفتراً فيه أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم فسخته ".
الجزء: 13 - الصفحة: 437
قال في الحاوي: أما المصحف فممنوع من بيعه على المشركين، لما روي عن النبي صل الله عليه وسلم "أنه نهى أن يسافر بالمصحف مخافة أن تناله أيديهم "فإذا منعوا من مسه تعظيماً لحرمته كان منعهم من تملكه واستبذاله أولى.
فإن بيع على مشرك كان البيع باطلاً قولاً واحداً وإن كان بيع العبد المسلم على قولين؛ لأن المصحف لتحريم مسه أغلظ حرمة منه العبد الذي لا يحرم مسه.
فأما أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم فقد جمع الشافعي بينها وبين المصحف في المنع من البيع، وإنما يستويان في المنع، ويفترقان في البيع، وإنما منعوا من ابتياع كتب أحاديث رسول الله صل الله عليه وسلم صيانة لها من تعرضهم لاستبذالها، وإن جاز لهم مسها، فإن ابتاعوها، فهي ضربان:
أحدهما: أن يكون فيها سيرته وصفته فابتياعهم لها جائز.
والثاني: أن يكون فيها كلامه من أوامره ونواهيه، وأحكامه، ففي البيع وجهان:
أحدهما: باطل كالمصحف؛ لأنه شرع مصان.
والثاني: جائز لقصوره عن حرمة القرآن.
فأما تفسير القرآن، فهم ممنوعون من ابتياعه كالقرآن لإستبداعهم فيه، وأنهم ربما جعلوه طريقاً إلى القدح فيه، فإن ابتاعوه كان البيع باطلاً.
وأما كتب الفقه، فإن صينت عنهم كان أولى، وإن بيعت عليهم كان البيع جائزاً.
وأما كتب النحو واللغة وأشعار العرب، فلا يمنعون منها، ولا تصان عنهم لأنه كلام لا يتميز بحرمة.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو أوصى ببناء كنيسة لصلاة النصارى فمفسوخ ولو قال ينزلها المارة أجزته وليس في بنائها معصية إلا بأن تبنى لصلاة النصارى ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال إذا أوصى رجل ببناء كنيسة لصلاة النصارى أو بيعه لصلاة اليهود في دار الإسلام لم يجز، وكانت الوصية به باطلة، سواء كان الموصي مسلماً أو ذمياً، لأمرين:
أحدهما: أنها مجمع لما أبطله الله تعالى، من صلاتهم وإظهار كفرهم.
والثاني: لتحريم ما يستأنف إحداثه في بلاد الإسلام من البيع والكنائس فإن أحد من أهل الذمة أوصى أن تبنى داره بيعة أو كنيسة لم يجز، وسواء تحاكموا إلينا في الوصية
الجزء: 13 - الصفحة: 438
أو إلى حاكمهم إلا أنهم إن تحاكموا إلينا أبطلنا الوصية، ومنعنا من البناء، وإن لم يتحاكموا إلينا منعنا من البناء، ولم نعترض للوصية.
فإن كانت الوصية بعمارة بيعة قد استهدمت أبطلنا الوصية إن ترافعوا إلينا، ومنعنا من البناء لبطلان الوصية،
وإن لم يترافعوا إلينا لم نعترض للوصية، فإن بنوها لم يمنعوا الاستحقاق إقرارهم الذي يقدم عليها.
ولو أوصى ببناء كنيسة أو بيعة في دار الحرب لم يعترض عليهم في الوصية، ولا في البناء؛ لأن أحكامنا لا تجري على دار الحرب، فإن ترافعوا في الوصية إلينا حكمنا بإبطالها، ولم نمنع من بنائها.
فصل:
فأما إذا أوصى ببناء دار يسكنها المارة من النصارى، فلذلك ضربان:
أحدهما: أن يجعل لمارة المسلمين بسكناها معهم، فهذه وصية جائزة.
والثاني: أن يجعلها خاصة لمارة النصارى، ففيها وجهان:
أحدهما: يجوز؛ لأنها للسكنى كالمنازل.
والوجه الثاني: لا يجوز أن تفردهم بها يقضي إلى اجتماعهم على كفرهم، وصلاتهم فيها، وقد قال الله تعالى: ﴿فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأنفال: 57].
فأما إن أوصى بالصدقة على فقراء اليهود والنصارى جاز، لقول الله تعالى: ﴿ويُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا ويَتِيمًا وأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8]، وسواء كان هذا الموصي مسلماً أو ذمياً.
فصل:
ولو أوصى مسلم أو مشرك بعبد مسلم لمشرك، ففي الوصية ثلاثة أوجه:
أحدها: باطلة؛ لأنه غير مقر عليها، فلا يملك بها، وإن اسلم قبل قبولها.
والثاني: أنها صحيحة يملكه بها، ولو كان مقيماً على شركه، ويقال له: إن أسلمت أقر العبد على ملكك، وإن لم تسلم فبعه أو اعتقه، وإلا بيع عليك، فإن كاتبه أقر على كتابته حتى يؤدي، فيعتق أو يعجز، فيرق، ويباع عليه.
قد بيع سلمان في رقه، فاشتراه يهودي، ثم اسلم، فكاتب اليهودي على أن يغرس
الجزء: 13 - الصفحة: 439
له وادياً، ففعل وعتق.
والثالث: أن الوصية موقوفة مراعاة، فإن أسلم قبل قبولها ملكها، وإن لم يسلم قبل القبول لم يملكها؛ لأن وقف الوصية جائز.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو قال: اكتبوا بثلثي التوراة والإنجيل فسخته لنبديلهم قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ﴾ [البقرة: 79] الآية ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح بكتب التوراة والإنجيل باطلة، سواء كان الموصى بها مسلماً أو ذمياً، وتصح عند قوم استدلالاً، بأمرين:
أحدهما: أنها من كتب الله المنقولة، بالاستفاضة، فاستحال فيه التبديل كالقرآن.
والثاني: أن التبديل وإن ظهر منهم، فقد كان في حكم التأويل، ولم يكن في لفظ التنزيل والله تعالى قد اخبر عنهم، وخبره أصدق أنهم بدلوا كتبهم، فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً﴾ [البقرة: 79] وقال تعالى: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ﴾ [النساء: 46] فأخبر أنهم قد نسبوا غليه ما ليس منه وحرفوا عنه ما هو منه، وهذا صريح في تبديل المعنى واللفظ، فإذا كان مبدلاً كانت تلاوته معصية لتبديله، لا لنسخه، فإن في القرآن منسوخاً يتلى كتلاوة الناسخ، وإذا كانت تلاوته معصية كانت الوصية بالمعصية باطلة.
فأما قولهم: إنه مستفيض النقل، فاستحال فيه التبديل، فالجواب عنه: أن الاستفاضة شرطان:
أحدهما: أن ينقله جم غفير، وعدد كثير ينتفي عنهم التواطؤ والتساعد على الكذب والتغيير.
والثاني: أنه يستوي حكم طرفي النقل ووسطه.
وهذا، وإن وجد فيه أحد الشرطين من كثرة العدد، فإنه لم يوجد فيه الشرط الثاني في استواء الطرفين والوسط؛ لأن التوراة حين أحرقها بخنصر اجتمع عليها أربعة من اليهود لفقوها من حفظهم، ثم استفاضت عنهم، فخرجت عن حكم الاستفاضة.
فإن قيل: فهذا يعود على القرآن في استفاضة نقله؛ لأن الذي حفظه من الصحابة ستة، فلم توجد الاستفاضة في طرفيه ووسطه.
قيل: لئن كان الذي يحفظ جميع القرآن على عهد رسول الله صل الله عليه وسلم ستة، فقد كان أكثر الصحابة يحفظون منه سوراً أجمعوا عليها،
الجزء: 13 - الصفحة: 440
واتفقوا على صحتها، فوجدت الاستفاضة فيهم بانضمامهم إلى الستة.
وقولهم: إنهم غيروا التأويل دون التنزيل؛ لأنهم قد أنكروا تغيير التأويل كما أنكروا تغيير التنزيل، ولم يكن إنكارهم حجة في تغيير التأويل، وكذلك لا يكون حجة في تغيير التنزيل؛ لأن الله تعالى قد أخبر أنهم غيروه، فاقتضى حمله على عموم الأمرين غير تخصيص.
فصل:
وإن أوصى أن تكتب شريعة موسى وعيسى نظر: فإن أراد كتب شريعنهم، وأخبار قصصهم الموثوق بصحتها جاز؛ لأن الله تعالى: قصها عليها في كتابه العزيز، وإن أراد الكتب الموضوعة في فقه دينهم لم يجز كالتوراة والإنجيل.
وهكذا لو أوصى بكتب النجوم كانت الوصية بها وصية باطلة، لقول النبي صل الله عليه وسلم: "من صدق كاهناً أو عرافاً، فقد كفر بما أنزل على محمد "ولو وصى بكتب الطب والحساب جاز؛ لأن الشرع لا يمنع منها مع ظهورهما في بلاد الإسلام والانتفاع بها، والله أعلم.
تم الجزء الثالث عشر
ويليه إن شاء الله الجزء الرابع عشر
وأوله؛ كتاب القاضي (إلى) القاضي
الجزء: 13 - الصفحة: 441
بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي
تأليف العلامة القاضي فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفى سنة 502 هـ
تحقيق طارق فتحي السيد الجزء الرابع عشر
يحتوي على الكتب التالية: القاضي إلى القاضي- الشهادات- الأقضية واليمين مع الشاهد القسامة- الشهادات الثاني- الدعوى والبينات
دار الكتب العلمية DKI
الجزء: 14 - الصفحة: 1
بسم الله الرحمن الرحيم