كتاب التفليس
قال: أخبرنا ابن أبي فديك.
الخبر.
المفلس في اللغة [ق 290 ب] من ذهب خير ماله وبقي شر ماله, مثل إن ذهب من ماله الذهب والفضة والأثاث وبقيت معه الفلوس فهو ذو فلوس لقوله: فلان مغض أي ذو غضة.
وقيل: من ذهب ماله حتى الفلوس وهذا بضد الأول, والأول أصح.
ويقال: فلسه الحاكم إذا حجر عليه ومنعه من التصرف في ماله.
وأما في الشرع هو عبارة عمن تملك من المال دون ما عليه من الديون, ويقال كتاب الفلس, قال بعض أصحابنا: ويكره أن يقال: كتاب الإفلاس؛ لأن الإفلاس مستعمل في الإعسار بعد اليسار والتفليس يستعمل في حجر الحاكم على المديون فكان أليق بالحال.
فإذا تقرر هذا, فاعلم أن الديون سبب الحجر ولا تثبت إلا بالنية أو الإقرار, فإذا كان مال الإنسان عاجزًا عن ديونه واجتمع الغرماء, وأثبتوا ديونهم عند الحاكم وسألوه الحجر عليه وقسمة ماله بينهم حجر الحاكم عليه, وفائدة الحجر ثلاثة أشياء:
أحدها: تعلق الديون بعين ماله.
والثاني: أنه يمنع من التصرف في ماله, ولو تصرف لا يجوز, ولا يمكنه أن يبادر فيقضي ديون البعض دون البعض, فإنه لا يجوز قضاؤه للدين بنفسه بعد الحجر, بل القاضي يقضي ديونهم بالقسمة على القدر, ثم إن ظهر غرماء آخرون شاركوا الأولين في الأخذ منهم بقدر ديونهم حتى يستووا فيه, ففي الحجر نظر الغرماء [ق 291 أ] الحاضرين ولم يحضروا وظهر بعده.
والثالث: أن كل من وجد من عين ماله عنده كان أحق به من غيره, وإن كان ماله يفي بديونه وليس هناك أمارات الفلس, مثل إن كان عليه ألف درهم ومعه ألف درهم والنفقة من الربح لم يكن له الحجر عليه ولكنه يكلفه قضاء دينه, فإن فعل وإلا حبسه, فإن فعل وإلا باع عليه ماله, وإن كان معه فوق ما عليه ولكن هناك أمارات الفلس, مثل أن يكون أصل ماله وفاء ديونه ولا يفضل شيء للنفقة هل يستحق الحجر عليه؟ قولان:
أحدهما: يحجر عليه, لأن علة الحجر ثبوت الدين وقد وجد ذلك ولا يؤمن من المبادرة إلى إتلاف بعض ماله بالنفقة والتبرعات وغيرها, أو يظهر غرماء آخرون فيضيق المال عن حقوقهم.
والثاني: لا يحجر عليه, لأن المال يفي بالديون فلا معنى للحجر.
الجزء: 5 - الصفحة: 331
فإذا قلنا: يحجر عليه في هذا الموضع تعلقت حقوق الغرماء بأعيان ماله وينقطع تصرفه, وهل يختار البائع عين ماله التي لم يقبض منها ثمنها؟ وجهان:
أحدهما: يختار ذلك كما لو حجر عليه وليس معه وفاء.
والثاني: لا يختار ذلك لأنه قادر على ثمن سلعته من غير تبرع من أحد بخلاف ما إذا لم يكن وفاء, لأنه لا يتوصل إلى ثمن سلعته, وهكذا لو مات رجل وعليه ديون تعلقت ديون الغرماء [ق 291 ب [بماله ولا يحتاج إلى القرباء, ثم ينظر فإن لم يخلف وفاء فكل من وجد عين ماله فهو أحق بها من غيره قولًا واحدًا, وإن حلف وفاء كالذهب أنه لا يكون أحق بعين ماله بل يقسم ماله بينهم حتى يقضي ديونهم, ثم يقسم الباقي بين الورثة.
وقال الإصطخري: هو أحق بعين ماله بكل حالٍ لأنه ربما يظهر غرماء آخرون فينزعون معه ما قبض, وهذا غلط لأنه يتوصل إلى كمال حقه من غير تبرع أحد فلا يكون له الرجوع بعين ماله كما لو كان حيًا, واحتج بأن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه" ولم يقيد الموت بالإفلاس بل أطلق, قلنا: نحمله على ما لو مات مفلسًا بدليل ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا مبني على حال الحياة إذا كان ماله يفي بديونه هل يحجر أم لا؟ فإن قلنا: يحجر عليه يرجع عليه ههنا, وإن قلنا: هناك لا يحجر عليه فهل يحجر ههنا؟ فيه وجهان, وهذا غير صحيح فيروى نحو قولنا في الرجوع بعين المال عند الإفلاس والحجر عن عثمان, وعلي, وأبي هريرة, وعروة بن الزبير رضي الله عنهم وهو قول الأوزاعي, وأحمد, وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الحجر بحالٍ.
ولا يجوز ذلك وليس للبائع الرجوع في عين ماله ولكنهم يطالبون الحاكم بحبسه والأمر بقضاء ديونهم, ويطالبون الورثة بقضاء الدين من التركة, وبه قال الحسن والنخعي وابن [ق 292 أ] شبرمة, وقال مالك: يحجر على المفلس ويرجع البائع في عين ماله حال الحياة, وإذا مات مفلسًا لا يرجع البائع في عين ماله بل كل الغرماء سواء, واحتج بأنه إذا رجع البائع إلى عين ماله حال الحياة فسائر الغرماء يتوصلون إلى شيء آخر بتحمل المفلس له واستفادته المال من وجه آخر, وبعد الوفاة لا تكون إلا التركة فيشتركون فيها ولا يختص بعضهم بها.
وأيضًا روى الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن النبيّ صَلَى الله عليه وسلم قال: "أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض البائع من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به, وإن مات فهو أسوة الغرماء".
وهذا غلط لما روي عن عمر بن خلدة الزرقي قاضي المدينة قال: أتينا أبا هريرة رضي الله عنه في صاحب لنا أفلس, فقال أبو هريرة رضي الله عنه: الذي قضى فيه رسول الله صَلَى الله عليه وسلم: "أيما رجل مات أو
الجزء: 5 - الصفحة: 332
أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه".
وروى هشام بن يحيى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال: "إذا أفلس الرجل ووجد لبائع سلعته بعينها فهو أحق بها من الغرماء".
وفي رواية أخرى: "فبائع المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه".
وأما الخبر الذي ذكره مرسل وقيل: قوله: "ومات فهو أسوة الغرماء" [ق 292 ب] من قول أبي بكر بن عبد الرحمن أدرجه الراوي في الخبر, ثم يحتمل على ما لو خلف وفاء.
وأما ما ذكره من المعنى لا يصح؛ لأن البائع لا يتوصل إلى كمال حقه لخراب ذمة المشتري بالإفلاس فكان له الرجوع إلى عين ماله كما لو كان حيًا مفلسًا, وما ذكره من تحمل المفلس موهوم لا اعتبار به أيضًا, وأيضًا قال الشافعي:
يُقَالُ لِمَنْ قَبِلَ الحَدِيثَ فِي المُفْلِسِ فِي الحَيَاةِ دُونَ المَوْتِ قَدْ حَكَمَ رَسُول اللَّهِ صَلَى الله عليه وسلم بِالشُّفْعَةِ عَلَى الْحَيِّ فَحَكَمْتُمْ بِهَا عَلَى وَرَثَتِهِ".
فكذلك ههنا وجب أن يحكم على ورثته حتى لا يكون للوارث أكثر ما للمورث, إذ يستحيل أن يكون سلطان الورثة فوق سلطان الموروث فيما ورثوا عنه, وكذلك الرد بالعيب لا يسقط بموت البائع بل يرد على وارثه كذلك ههنا, لأنه حق يملك عليه بعوض.
واعترض المزني ههنا وابعد النجعة فيه فقال: قد جعل الشافعي للوارث في الوقف أكثر ما للمورث لأنه قال:
"إِذَا هَلَكَ أًهْلُهُ رَجَعَ الوَقْف إِلَى أَقْرَبِ النَّاسِ بِالوَقْفِ".
ولم يقل أنه يرجع إلى الواقف, ثم قال:
"وَهَذَا عِنْدِي غَيْرُ جَائِزٍ".
يعني جواب الشافعي في مسألة الوقف لا في مسألة المفلس.
قلنا: أما مسألة الوقف فإن في صحة الوقف الذي لم يبين انتهاؤه قولين:
أحدهما: الوقف باطل حتى يبين انتهاؤه وتعلقه على ما لا ينقرض في الغالب مثل أن يقول [ق 293 أ] فإذا انقرض أولاد أولادي يصرف إلى الفقراء والمساكين ونحو ذلك.
والثاني: يصح الوقف إذا انقرض الموقوف عليه.
روى الربيع أنه يرجع إلى أقرب الناس بالواقف بشرط الفقر.
فمن الأصحاب من قال: المذهب ما رواه حرملة وما رواه الربيع مطلق فمحمول على هذا المقيد, وقيل: فيه قولان, وفي الجملة ما قاله المزني: "لا يلزم", لأن كلام الشافعي في الوارث (والمورث)
الجزء: 5 - الصفحة: 333
وما يجري مجرى الميراث والوقف بمعزل عن ذلك, لأنه أخرج الشيء من ماله قربة إلى الله تعالى, فإذا لم يبين مصرفه طلبنا أولى وجوه القرب وهذا التصدق على الأقارب, فصرفنا إليه ذلك ولم يرده الواقف, لأنه لا يقف أحد على نفسه ولو فعل لا يجوز, وقد تقرب هو به إلى الله تعالى, وأزال ملكه, فلا يعود إليه, ولا له العود فيه.
وقال ابن حربويه من أصحابنا: البائع أحق بعين ماله على معنى أنه يستوفي حقه من ثمنه كالرهن, ويقدم به على سائر الغرماء ولا يفسخ, وهذا خلاف الإجماع ومذهب أبي حنيفة هذا إذا كان قبل قبض المبيع.
فرع آخر
البائع بالخيار بين أن يرجع بعين ماله وبين أن لا يرجع بعين ماله وهل الرجوع على الفور أم التراخي؟ وجهان:
أحدهما: أنه على الفور وهو الصحيح؛ لأنه لوجود العيب فكان على الفور [ق 293 ب] كخيار الرد بالعيب.
والثاني: أنه على التراخي لأنه حق رجوع لا يسقط على عوض فكان التراخي كالرجوع في الهبة.
وهذا لا يصح؛ لأن في التأخير ههنا ضرر بالغرماء بخلاف الرجوع في الهبة, وقيل: هو على التراخي ما لم يعزم الحاكم على بيع ماله فلا يؤدي إلى الضرر بأحدٍ.
فرع آخر
إذا أراد أن يرجع بعين ماله هل يحتاج إلى حكم الحاكم؟ المذهب أنه لا يحتاج إلى حكم الحاكم؛ لأن الشافعي قال: "لا يملك عين ماله إلا بالتفليس والاختيار" ولم يشترط فيه حكم الحاكم, ولأنه فسخ ثبت بالنص فلا يفتقر إلى حكم الحاكم كالفسخ باللعان والرد بالعيب.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: لابد من حكم الحاكم لأنه فسخ مختلف فيه ولم يذكر صاحب "الحاوي" غير هذا.
وقيل: إذا كان حاكم ليس له ذلك إلا بحكمه وإن لم يكن حاكم فله ذلك.
فرع آخر
بماذا يكون الفسخ؟ اختلف أصحابنا فيه, فمنهم من قال: بصريح القول والفعل كما في الفسخ بالخيار؛ لأن ملك المشتري في زمان الخيار غير مفتقر فجاز أن يفسخ بالفعل بخلاف ملك المفلس فإنه مستقر.
الجزء: 5 - الصفحة: 334
فرع آخر
لو كان مرهونًا, ثم فك من الرهن هل للبائع الاسترجاع؟ وجهان:
أحدهما: لا يكون له ذلك لأنه صار إلى حال [ق 294 أ] زال عنه حكم الاسترجاع.
والثاني: له ذلك لأنه قادر على الاسترجاع من غير إبطال حق الغير.
فرع آخر
إذا باع شقصًا وأفلس المشتري بالثمن, ثم علم الشفيع فيه ثلاثة أوجه:
أحدهما: الشفيع أولى ويؤخذ منه الثمن ويقسط على الغرماء وهذا أصح؛ لأن حق الشفيع سابق, ألا ترى أن المشتري لو باع قبل أن يعلم الشفيع كان للشفيع أخذه من المشتري الثاني لتقدم حقه على حقه, وإذا قدمنا حقه على حق البائع لم يجز أنه يخصه بثمنه ووجب أن يكون أسوة الغرماء فيه؛ لأن العين فاتت وما دفع الشفيع من الثمن في حكم مشتري لو اشتراه ودفع الثمن كان جميع الغرماء فيه أسوة, فكذلك فيما دفع الشفيع كان كل الغرماء فيه أسوة.
والثاني: البائع أولى؛ لأن الشفعة لإزالة الضرر فلا يجوز أن يزال عنه الضرر بإدخال الضرر على البائع.
والثالث: الشفيع اولى ولكن الثمن المأخوذ منه يدفع إلى البائع ويخص به جمعًا بين الحقين, وهو اختيار ابن سريج قياسًا على ما قال الشافعي في المكاتب إذا ركبته ديون وعليه مال الكتابة وفي يده ما لا يفي بالجميع يدفع المال إلى الغرماء ويرجع السيد في الرقبة.
ومثل هذه المسألة إذا تزوج امرأة وأصدقها سقطًا ثم طلقها قبل الدخول بها قبل أن يعلم [ق 294 ب] الشريك بالشفعة, فإن النصف الذي هو لها يأخذه الشفيع, والنصف الذي هو له فيه وجهان:
أحدهما: الشفيع أحق به, لأنه حقه ثابت.
والثاني: الزوج أحق به؛ لأن حقه ثبت بنص القرآن العظيم.
فإن قيل: أليس قلتم المحال عليه إذا أفلس ليس للمحتال الرجوع إلى المحيل فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن الحوالة كالقبض؛ لأن المطالبة تسقط عن المحيل بالحوالة على الإطلاق, وههنا لا يوجد هذا المعنى فثبت الرجوع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا أجْعَلُ لِلْغُرَمَاءِ مَنْعَهُ بِدَفْعِ الثَّمَن".
وإذا أراد البائع الرجوع في عين مال فقال الغرماء له: لا تفسخ ولك علينا تمام
الجزء: 5 - الصفحة: 335
الثمن ولا يكلفك المحاصة والمضاربة لم يبطل حقه من الفسخ؛ لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم جعل البائع أحق بالعين فهو أحق بها في جميع الأحوال, ولربما يأخذ الثمن دون العين فيظهر للمفلس غريم آخر, فليرجع عليه في ذلك الثمن بالقسط.
وكذلك ورثة الميت لو قالوا للبائع: نبذل لك الثمن له الفسخ أيضًا.
وقال مالك: يسقط في المسألة الأولى خياره بذلك, ولا يتصور الخلاف معه في المسألة الثانية.
واحتج بأنه يزول ضرره بذلك.
وهذا غلط لما ذكرناه؛ ولأن الغرماء متبرعون بذلك ولا يلزمه قبول التبرع للمنة كما لو تبرع رجل بقضاء دين رجل لا يلزمه قبوله.
مسألة:
[ق 295 أ] قال: "وَإِنْ تَغَيَّرت السِّلْعَةُ بِنقْصٍ فِي بَدَنِهَا بِعَوَرٍ أَوّ غيرِهِ".
الفصل: إذا وجد البائع عين ماله في يد المفلس لم يخل من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن تكون بحالها لم تزد ولم تنقص, أو نقصت أو زادت, فإن كانت بحالها نظر, فإن لم يكن تعلق بها حق الغير كان البائع أحق بها وله ترك الرجوع فيها والرضا بالمحاصة؛ لأن النبي صَلَى الله عليه وسلم قال في الخبر: "صاحب المتاع أحق" وهذا اللفظ يقتضي أن يكون مخيرًا, إن شاء رجع وإن شاء لم يرجع, وإن كان قد تعلق حق الغير بها بأن رهنها ثم أفلس لا يكون للبائع الرجوع فيها والمرتهن مقدم بثمنها على الغرماء فتباع في حقه, فإن كان وفق حقه انفرد به, وإن كان دون حقه بيع منه بقدر حقه والفاضل للبائع؛ لأنه عين ماله.
ولو كان قد باع ثم عاد إليه بهبة أو إرث قد ذكرنا وجهين في موضع من هذا الكتاب, ولو عاد بشراء جديد فيه أوجه:
أحدها: البائع الأول أولى بعين ماله؛ لأن حقه أقدم.
والثاني: البائع الثاني أولى في الرجوع إليه؛ لأن هذا الملك القائم في الحال متلفًا من قبله.
والثالث: هما سواء يتحاصان فيه بقدر حقوقهما كما لو استدان ديونًا كثيرة لا يراعى الترتيب فيها, بل يستوي أربابها.
ذكره أصحابنا بخراسان.
وإن كانت العين ناقصة لم يخل من أحد أمرين؛ إما [ق 295 ب] أن يكون نقصانًا يفرد بالعقد أو لا يفرد به, فإن كان نقصانًا يفرد بالعقد مثل إن كان المبيع ثوبين فهلك أحدهما أو ثوبًا واحدًا فهلك بعضه فالمذهب أن البائع بالخيار بين أن يضرب بالثمن مع الغرماء وبين ان يأخذ المأخوذ ويضرب مع الغرماء بحصة التالف.
وإن كان نقصانًا لا يمكن إفراده بالعقد مثل إن كان عبدًا فذهبت يده أو عينه ولم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يكون ذهابه بوجوب
الجزء: 5 - الصفحة: 336
أرش أو بغير أرش, مثل إن ذهب بأمر سماوي أو بإتلاف المشتري فالبائع بالخيار بين أن يقبله ناقصًا ولا شيء له غيره, وبين أن يدع ويضرب مع الغرماء بالثمن.
وإن كان النقصان بالأرش, مثل إن جنى عليه أجنبي فوجب الأرش, فالأرش يلزم للمفلس والبائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يأخذه ناقصًا ويضرب مع الغرماء بقدر النقص من الثمن, وإنما لا يرجع إليه الأرش لأنه بدل جزء تلف في يد المشتري, وإنما يكون أحق به من سائر الغرماء مع بقاء عينه.
فأما مع تلفه يكون أسوة الغرماء فيقال: كم قيمته ولا عيب به؟ قالوا: مائة.
قلنا: كم قيمته وبه هذا العيب؟ قالوا: تسعون, فالبائع يأخذه معيبًا ويضرب مع الغرماء بعشر الثمن.
فإذا تقرر هذا نقل المزني أن الشافعي شبه هذا [ق 296 أ] بالشقص المشفوع إذا نقص بهدم من السماء إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء تركه.
واختلف أصحابنا في هذه المسألة على طرق؛ منهم من قال: هذا الذي نقله المزني مما لا يعرف في شيء من كتبه, وقد ذكر في كتبه أن الشفيع يأخذ بحصته من الثمن أو يدع, إلا أن المزني ثقة فيجب أن تكون المسألة على قولين.
ومنهم من قال: هو على قولين: ومنهم من قال هو على حالين فالذي نقله المزني إذا نقصت بآفة سماوية أو بجناية من المشتري, والذي نقله غيره إذا كان النقص من جهة الآدمي الأجنبي فالأرش يحصل للمشتري, والشفيع يأخذ من الثمن.
ومنهم من قال: الذي نقله المزني إذا كانت الأعيان قائمة ولكن ذهب تأليفها والذي نقله غيره إذا كانت الأعيان تالفة.
ومنهم من قال: الذي نقله المزني إذا تلف البناء دون العرصة والذي نقله غيره إذا كان قد تلف بعض العرصة, وهذا لأن البناء تابع في الدار والعرصة هي المتبوعة كأطراف العبد تابعة للبدن, ولهذا تدخل في بيع الأرض من غير شرط.
فإذا ثبت هذا في الشفعة يجب أن يكون الفلس مثله, وإن كانت زائدة لا يخلو إما أن تكون الزيادة متميزة أو لا, فإن كانت متميزة مثل النتاج والثمار فهو مخير بين أن يضرب مع الغرماء [ق 296 ب] أو يرجع في عين ماله ولا حق له في الثمار, لأنه نماء متميز في ملك المفلس, وإن كانت الزيادة غير متميزة كالكبر والسمن ونحو ذلك, فهو بالخيار بين أن يضرب بالثمن, وبين أن يأخذه بالزيادة بكل الثمن؛ لأن الزيادة غير المتميزة أبدًا تتبع الأصل إلا في الصداق فإنه إذا طلقها قبل الدخول والصداق زاد زيادة غير متميزة, فالزائد أحق بها ويرجع الزوج بنصف القيمة وموضع الفرق "كتاب الصداق".
ولكن نذكر ههنا حتى يزول الإشكال, فنقول: قال أبو إسحاق: الفرق أن الصداق على صفة لو تلف رجع الزوج إلى قيمته التي لا تزيد على الصداق فلم يجب أن يرجع مع البقاء بزيادة الصداق, والمبيع لو تلف رجع البائع بالثمن الذي قد يزيد على قيمة المبيع, فكان له أن يرجع مع اليقاء بزيادة المبيع.
وقال ابن أبي هريرة: إنه لم يكن للزوج حق قبل الطلاق ولا تعلق بالصداق بل
الجزء: 5 - الصفحة: 337
استحدث الحق بعد حدوث الزيادة في مسألتنا حق البائع متعلق بالمبيع قبل الزيادة متقدمًا على المفلس.
وقال أبو الفياض البصري: الفرق أن بطلاقه من فعله متهم بالطمع من الزيادة والتهمة انتفت من البائع بالطمع في الزيادة.
وقال أبو حامد: الفرق أن للبائع العدول عن [ق 297 أ] عين ماله مع الوجود إلى الثمن وإن كان أضعاف القيمة فكان له ان يأخذ عين ماله مع حدوث الزيادة وليس للزوج أن يعدل عن الصداق الموجود بحالٍ فلم يكن له فيه حق إذا كان زائدًا.
وقيل: الزوج يصل إلى كمال حقه من القيمة فوزانه إذا كانت المرأة مفلسة يأخذ الزوج نصف العين زائدًا.
فرع
لو كان في يد المشتري أعيان مال لم يؤد أثمانها وزادت أسعارها, وأن استرجعها أربابها عجز ماله عن الدين, وإن تركوها عليه كان في ماله وفاء بدينه هل يجري عليه حكم العاجز عن دينه أم حكم الملئ به؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجري عليه حكم العاجز؛ لأن تلك الأعيان مستحقة الاسترجاع فلم يعتبر زيادة أثمانها في ماله.
والثاني: يجري عليه حكم الملئ بدينه؛ لأن تلك الأعيان ملكه قبل الاسترجاع فكانت زيادة أثمانها ملكًا له.
فعلى هذا إن لم تظهر أمارات الإفلاس لم يحجر عليه, وإن ظهرت أماراته ففي جواز الحجر وجهان.
مسألة:
قال: "وَلَوْ بَاعَهُ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ أَوْ طَلْعٌ قَدْ أُبِرَ واسْتَثْنَاهُ المُشْتَرِي وَقَبَضَهَا وَأَكَلَ الثَّمَرَ وَأَصَابَتهُ جَائِحَةٌ ثُمَّ فَلَسَ أَوْ مَاتَ, فَإِنَّهُ يَاخُذُ عَيْنَ مَالِهِ وَيَكُونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ فِي حِصَّةِ الثَّمَرِ يَوْمَ أَصَابَتْهُ الْجَائِحَةُ".
إذا باع نخلًا عليها ثمرة أو طلع [ق 297 ب] قد أبر فإن هذين بمنزلة العينين, لأن الثمرة ليست بتابعة للأصول, ألا ترى أنه إذا قال: بعتك هذه النخلة لم تدخل الثمرة في البيع, وإذا شرطها المشتري دخلت في المبيع بالشرط على هذا الوجه.
وعبَّر الشافعي عن ذلك بالاستثناء, ثم إذا تلفت الثمرة بجائحة من السماء, أو بجناية من المشتري, فإن البائع بالخيار بين أن يضرب مع الغرماء بالثمن وبين أن يرجع بالنخيل ويضرب مع الغرماء بما يخص الثمرة من الثمن.
وكذلك إذا اشترى نخلتين أو عبدين أو ثوبين وطريق التقويم فيه حتى يعرف ما يقابل الثمرة من الثمن, وما يقابل النخيل منه أن يقال: كم قيمة
الجزء: 5 - الصفحة: 338
النخيل؟ فيقال: تسعمائة درهم.
ويقال: كم قيمة الثمرة؟ فيقال: مائة درهم, فيعلم أن عشر الثمن يقابل الثمرة وتسعة أعشاره يقابل النخيل.
وقال أصحابنا: ويعتبر قيمتها بأقل الأمرين من حين البيع والتسليم قد تلف في يده فلا يجوز أن يرجع به على المشتري.
وأما قول الشافعي:
وَيَكُونُ أُسْوَةَ الغُرَمَاءِ فِي حِصَّةِ الثَّمَرِ يَوْمَ قَبضِهِ".
أراد به إذا لم ينقص في يده وكان بحاله, أو كان ناقصًا, فأما إذا كان زائدًا فالزيادة للمشتري فلا يقوم عليه, وإنما يقوم في حال البيع, ويعتبر قيمة النخل بأكثر اليومين من يوم العقد ويوم القبض ليكون النقصان [ق 298 أ] محسوبًا على البائع أيضًا, وإنما أطلق الشافعي وقال: "يَوْمَ قَبْضِهِ"؛ لأن العادة أن القبض يتعقب البيع وأن القيمة فيها واحدة.
ومن أصحابنا من قال: يأخذ النخيل بكل الثمن وهو ضعيف لا وجه له.
فرع
لو باع نخلًا مطلعة ولم توبر فالطلع يدخل في البيع تبعًا, فلو هلك الثمر ثم أفلس المشتري بالثمن فيه وجهان:
أحدهما: يرجع بالنخل إن شاء ولا شيء له غيرها؛ لأن الطلع بمنزلة الزيادة المتصلة, فإذا نقصت في يد المشتري لا يضارب بقسط ذلك النقصان:
والثاني: يرجع بالنخل بحصتها من الثمن ويضرب مع الغرماء بحصة الطلع من الثمن؛ لأن الطلع عين وهو مع النخل بمنزلة العين.
وأصل هذين الوجهين أن الطلع هل يأخذ قسطًا من الثمن إذا لم يكن مؤبرًا؟ فيه وجهان مبنيان على أن الحمل هل له قسط من الثمن أم لا؟
فرع آخر
لو باع نخلًا مثمرة لم يبد صلاحها معًا وسلمها إلى المشتري ثم أفلس والثمرة قد أدركت فالبائع يأخذها مع ثمرتها؛ لأن هذه زيادة غير متميزة حدثت في يد المشتري فتبعت الأصل في الفسخ.
وكذلك إن كانت غير مؤبرة ثم أبرت عند المشتري.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على ان الثمرة قبل الإبار هل تعلم أم لا؟ فإن قلنا: لا تعلم كان للمشتري.
وإن قلنا: تعلم [ق 298 ب] كان للبائع.
مسالة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَهَا مَعَ ثَمَرِ فِيهَا قَدْ اخْضَرَّ ثُمَّ أَفْلَسَ وَالثَّمرُ رُطَبٌ, أَوْ تَمْرٌ أَوْ بَاعَهُ
الجزء: 5 - الصفحة: 339
زَرْعًا مَعَ أَرْضٍ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ ثُمَّ أَصَابَهُ مُدْرَكًا أَخْذَهُ كُلَّهُ".
ههنا مسألتان:
إحداهما: إذا باع نخلًا عليها ثمرة فأدركت في يد المشتري, وقد ذكرناها.
والثانية: إذا باعه أرضًا وفيها زرع وقد ذكرنا حكمها في"كتاب البيع".
وقال صاحب"الإفصاح": أراد ههنا إذا باع أرضًا فيها زرع نابت قد انعقد فيه الحب.
وقول الشافعي:
"خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ" يريد به خرجت السنابل من أصولها مع الحب أو لم تخرج, لأنه سماه زرعًا والبزر لا يسمى زرعًا, فإذا كبرت واشتدت وكانت الزيادة غير متميزة فلا يكون للمفلس فيها حق, كالثمرة التي عطفها الشافعي عليها إذا كبرت وأدركت أخذها البائع, وبيع السنابل قبل انعقاد الحب فيها يجوز قولًا واحدًا, وإنما القولان إذا اشتد فيها الحب.
وأما إذا باع أرضًا فيها زرع نابت لم ينعقد فيه الحب ثم أفلس وقد أخرج السنابل واشتد, فإن الحب للمفلس ولا حق للبائع فيه, ويأخذ الأرض بحصتها من الثمن ويضرب مع الغرماء بحصة الزرع؛ لأن الزرع الذي كان موجودًا حال البيع صار بمنزلة التالف.
وأما الحب فقد فقد حدث في ملك المشتري كالثمرة تحدث في ملكه فلا يكن للبائع فيه حق.
فأمَّا إذا كانت الارض مبذورة [ق 299 أ] فباعها وشرط أن يكون البذر داخلًا في البيع فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح في البذر ولا يدخل في البيع تبعًا.
ومن قال بهذا قال: إذا أفلس المشتري وقد صار البذر زرعًا فيه وجهان:
أحدهما: يكون للمشتري؛ لأن البذر انقلبت عينه وصار شيئًا آخر فلم يكن للبائع فيه حق.
والثاني: يأخذ الزرع؛ لأن النبات هو البذر, وإنما حصل فيه الزيادة والنماء.
وقول الشافعي:
"خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ" أراد خرج من الأرض أو لم يخرج, نبت أو لم ينبت.
ومن أصحابنا من قال: إذا باع أرضًا فيها زرع أخضر لم ينعقد فيه الحب, أو باع أرضًا مبذورة وشرط البذر وقلنا: بجوز فأفلس المشتري وقد أدرك الزرع كان أحق بالأرض مع الزرع, ويكون ذلك بمنزلة الزيادة المتصلة التي لا تتميز.
وقد نص الشافعي في "الأم" على هذا.
فحصل في هذا أن أصحابنا اختلفوا فيه على ثلاثة طرق:
الجزء: 5 - الصفحة: 340
أحدها: تغير البذر إلى الزرع زيادة غير متميزة.
وتغيره إلى الحب زيادة متميزة.
والثالث: كل ذلك يجري مجرى الزيادة المتصلة التي ليست بمتميزة، وعليه نص في «الأم».
وأمَّا تغير السنابل إلى حال الاشتداد فلا يختلفون أنه بمنزلة الزيادة المتميزة غير المتصلة.
ومن أصحابنا من رتب، وقال: في البذر إذا نبت وجهان، والمذهب أنه يرجع فيه وإن كان [ق 299 ب] الزرع قصيلًا فتسنبل وظهر سنبله، فإن قلنا: هناك لا يرجع فيه فههنا أولى.
وإن قلنا: هناك يرجع فههنا وجهان:
أحدهما: لا يرجع لأن الحنطة ثمرة الزرع كالرطب ثمرة النخل بخلاف البذر فإنه قد تخلف، والخارج عين أخرى والمذهب أن يرجع.
فرع
إذا اشترى بيضًا فحضنها المشتري ثم أفلس فوجدها البائع فراريج فهو أيضًا على وجهين؛ فمن قال من أصحابنا: إن تغير البذر إلى الزرع يجري مجرى الزيادة المتميزة قال في البيض مثله، ولا فرق بينهما؛ لأن الفروج من البيضة كالزرع من الحب، ولهذا يقول: من غصب بذرًا فأنبته يلزمه رده عليه، وهذا هو المذهب، والأول غلط.
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ بَاعَهُ حَائِطًا لَا ثَمَرَ فِيهِ أَوْ أَرْضًا لَا زَرْعَ فِيهَا».
الفصل:
إذا باع نخلًا حاملًا فأثمرت في يد المشتري أو أرضًا بيضاء فزرعها المشتري ثم أفلس، فإنَّا نقول: للبائع بالخيار بين أن يترك الأرض والنخل ويضرب مع الغرماء بالثمن، وبين أن يرجع بالنخل على أن تبني الثمرة عليها إلى أن تجد وترجع بالأرض على أن يبقى الزرع فيها إلى أن يحصد؛ لأن الثمار حدثت على ملك المشتري وهي زيادة متميزة، وكذلك الزرع؛ وإنما لا يقلع الزرع لأنه حصل في ملك الزارع بغير تعدي فلا [ق 300 أ] يجوز قلعه ولا يجوز له مطالبته بأجرة الأرض في مدة مقام الزرع فيها بعد الفسخ، لأنه ملك الأرض مسلوبة المنفعة، كما لو كان المبيع أمة فزوجها المشتري ثم أفلس أخذها البائع مسلوبة الاستمتاع، ولأن المشتري داخل في هذا العقد على أن لا يغرم أجرة المنافع فلا تلزمه الأجرة، وبهذا فارق إذا استأجر أرضًا ثم أفلس بعدما زرع، فاختار المكري فسخ الإجازة يبقى الزرع إلى وقت الحصاد بأجرة المثل ويسقط المسمى بهذا الفسخ لما
الجزء: 5 - الصفحة: 341
بقي من الزمان؛ لأن المنافع كانت مضمونة على المستأجر.
فلو قلنا: على المكري تبقية الزرع بلا شيء لم يكن له في الفسخ فائدة، بل يكون ضررًا.
وهكذا إذا اكترى دابة ليحمل عليها متاعًا فأفلس في الطريق ففسخ المكري العقد عليه أن يبلغ متاعه موضع الأمن بكراء المثل لما ذكرنا.
هذا إذا اختار المفلس والغرماء تبقية الزرع إلى الحصاد.
فأما إذا أراد المفلس تبقيته والغرماء قلعه للبيع وهو قصيل، أو أراد المفلس قلعه والغرماء تبقيته فالقول قول من يريد القلع، وإنما كان كذلك لأن من يريد القلع إن كان هو المفلس فله غرض في تبرئة ذمته [ق 300 ب] من الدين بما حضر من ماله، وفي تبقيته خطر؛ لأن الجائحة لا تؤمن عليه، وإن كان الغرماء فإن حقهم مؤجل فلا يكلفون تأخيره.
وقول الشافعي: «إِنْ أَرَادَ الْغُرَمَاءُ تَاخِيرَ ذَلِكَ» يوهم أن المشتري إن أراد تعجيل القطع دون الغرماء ليس له وليس كذلك على ما ذكرنا.
ومراد الشافعي بهذا اللفظ أن المشتري لو أراد التأخير ولم يرد الغرماء التأخير ليس للمشتري إجبارهم.
وقال أبو إسحاق: يعمل على ما فيه الحظ فإن الحظ في التبقية بقاؤه، وإن كان الحظ في القطع قطع.
وهذا خلاف النص، ولكن ليس له وجه صحيح، وذلك أنه قد يكون من الزرع والثمرة ما له قيمة تافهة أو لا قيمة له، والظاهر سلامته، ولهذا يجوز أن يزرع للصغير من ماله.
وقيل: ما قاله الشافعي إذا بقي بعد الجداد ما له قيمة، فإن كان إذا جد لا قيمة له فذاك إتلافه فلا يجاب واحد منهما إلى ذلك، ولو أن واحدًا من الغرماء أراد تعجيل القطع وامتنع غيره أجبروا على تعجيل القطع لحق هذا المستعجل في حق الثمرة.
وكذلك لو كان البائع غريمًا بدين آخر له المطالبة بتعجيل القطع لا بحكم أنه فسخ البيع في الأرض ولكن بحكم [ق 301 أ] أنه غريم فلا يلزمه الإنظار.
مسألة:
قَالَ: «وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَهُ أَمَةً فَوَلَدَتْ ثُمَّ أَفْلَسَ المُشْتَرِي».
إذا باع أمة لا يخلو إما أن تكون حائلًا أو حاملًا، فإن كانت حاملًا لا يخلو إما أن يفلس المشتري قبل أن تضع أو بعد الوضع، فإن كان بعد الوضع فالولد للمشتري لا حق للبائع فيه، وللبائع الخيار إن شاء ضرب مع الغرماء بثمن الأم وإن شاء بيعت الأم مع الولد وقسم ثمنها بينهما فيدفع إلى الأم ما يخصها من الثمن، وهو أن يقال: كم قيمة الجارية إذا كانت ذات ولد؟ فيقال: تسعون، ويقال: كم قيمة الولد؟ فيقال: عشرة دراهم، فيقسم الثمن بينهما على تسعة أعشار وعشر، وإن أراد الرجوع بعين الأم دون الولد لم يكن له، لأنه لا يجوز التفريق بين الأم وولدها فيما دون سبع سنين.
وإن أراد
الجزء: 5 - الصفحة: 342
الرجوع بعين الأم مع الولد على أن يدفع إلى المفلس قيمة الولد كان له.
ومن أصحابنا من قال: ليس له الرجوع في الأم ويكون أسوة الغرماء.
وهذا غلط، لأنه يجد عين ماله فلا يمنع من الاختصاص بها، ويمكن أن يباعا معًا وإن أفلس قبل أن تضع نص في عامة كتبه أن له أن يرجع بها حاملًا ويكون الحمل له دون المشتري [ق 301 ب].
قال أصحابنا: هذا على القول الذي يقول: لا يأخذ الحمل قسطًا من الثمن.
فأما إن قلنا يأخذ قسطًا من الثمن لا حق للبائع في الحمل ويصبر حتى تضع، فإذا وضعت كان الولد للمفلس ويكون الحكم على ما قلناه في المسألة قبلها.
وعلل المزني القول الأول فقال:
«لأَ نَّ النَّبيَّ صلى الله علي وسلم جَعَلَ الإِبَارَ كَالْوِلَادَةِ إِذَا لَمْ تُؤْبَرْ فَهِيَ كَالحَامِلِ لَمْ تَلِدْ».
ولا يستقيم نظم هذا التعليل فيحمل أنه ليس من جهة الشافعي.
ووجه الخلل فيه أنه ذكر مسألة الحمل ثم قاس على الحمل مسألة الإبار لا مسألة الحمل على الإبار، فكأنه صنف مسألة وقصد علتها فعلل في أخرى، ولو كانت مسألة الإبار بعد هذه المسألة وهذا التعليل يليق بتلك المسألة.
وإن باعها نظر، فإن أفلس وهي حامل لم تضع فإنه يأخذها حاملًا قولًا واحدًا، وإن كانت قد وضعت فإن قلنا: يأخذ الحمل قسطًا من الثمن يكون الولد للمشتري؛ لأن الاعتبار بحال حدوثه وإن أسقطت.
فإن قلنا: لا يأخذ قسطًا من الثمن لا شيء على المفلس للولد، ويكون للبائع أخذ الأم.
وإن قلنا: يأخذ قسطًا من الثمن يلزم قسطه على المفلس.
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ بَاعَهُ نَخْلًا لَا ثَمَرَ فِيهِ ثُمَّ أَثْمَرَتْ فَلَمْ تُؤْبَرْ حَتَّى أَفْلَسَ».
الفصل:
إذا باع نخلًا حائلًا فأطلعت ثم أفلس المشتري وهي مطلعة لم تؤبر فالطلع بمنزلة الحمل فيه قولان:
أحدهما: يأخذه مع الأصل [ق 302 أ] رواه المزني وحرملة.
والثاني: بمنزلة الثمرة الظاهرة تكون للمشتري، ولا حق فيها للبائع.
رواه الربيع.
ومن أصحابنا من قال: الحمل للبائع ولكن الثمرة للمشتري وإن لم تؤبر قولًا واحدًا.
والفرق أن الثمرة مما يمكن إفرادها بالعقد واستثناؤها عن العقد بخلاف الحمل والبطن، والفرق بين هذا وبين البيع حيث قلنا هناك يبيع غير المؤبرة الأصل قولًا واحدًا ما ذكرنا في البيع أنه انتقال الملك بالرضا بخلاف هذا.
ولو أفلس المشتري والنخل
الجزء: 5 - الصفحة: 343
مطلعة فلم يخبر البائع فسخ البيع حتى أبرها المفلس فإن الثمرة تكون للمفلس؛ لأن التأبير حصل في ملكه.
قال الشافعي: «لأن البائع إنما يملك عين المال بالتفليس والاختيار» وقد ذكرنا أن هذا يدل على أن هذا الفسخ لا يفتقر إلى الحاكم، وهذا تفريع على القول الذي يقول: يتبع طلع النخل في الفسخ.
قال الشافعي: «وكذلك الكلام في الكرسف وكل ما يخرج من كمامه ثم ينشق فيكون حكمه حكم الطلع ما تقدم بيانه».
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ قَالَ الْبَائِعُ اخْتَرْتُ عَيْنَ مَالِي قَبْلَ الإِبَارِ».
الفصل:
إذا اختلف البائع والمفلس فقال البائع: اخترت عين مالي قبل الإبار فالثمرة لي، وقال المفلس: اخترت بعد الإبار فالثمرة لي، فالقول قول المفلس مع يمينه.
وهذا إذا قلنا: الطلع للبائع قبل الإبار، فأما على رواية الربيع لا معنى لهذا الاختلاف.
فإذا ثبت هذا، لا يخلو غرماؤه من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن [ق 302 ب] يصدقوا البائع، أو يصدقوا المفلس، أو يصدق بعضهم البائع وبعضهم المفلس، فإن صدقوا المفلس أخذوا الثمرة التي حلف عليها المفلس واقتسموها على قدر حقوقهم، وإن صدقوا البائع فإن كان فيهم عدلان شهدا للبائع وحكم له بالثمرة، وإن كان فيهم عدل واحد حلف معه واستحق الثمرة.
وإن لم يكن فيهم عدل فالمفلس يستحق الثمرة بيمينه ولم يقدح تكذيبهم إيَّاه في يمينه.
فإن اختار المفلس أن يدفع إليهم هذه الثمرة قيل لهم: إما أن تبروه من حقوقكم أو تقبضوها من الثمرة، فإن أبروه فلا مسألة، وإن لم يبروه أجبرهم الإمام على اقتسام الثمرة بينهم، فإذا اقتسموها أمرهم الحاكم بدفع ما قبضوه من الثمرة على البائع، لأنهم قد أقروا أنها ملكه، وأن المفلس ظلمه بيمينه الفاجرة.
وهذا كما قلنا في السيد إذا قال للمكاتب: هذا النجم سرقته من فلان وكذب المكاتب أجبر على إبرائه أو قبوله، فإذا قبله يلزمه دفعه إلى المقر له على ما بيَّناه.
ومن أصحابنا من قال: لا يجبرون على أخذها، ويفارق سيد المكاتب لأنه يريد الإضرار بالعبد ورده إلى الرق، وههنا لا ضرر على المفلس فيه.
وقيل: هذا بناء على أن الدين الحال إذا لم يكن للمؤدي غرض في أدائه هل يجبر على قبوله؟ وجهان.
الجزء: 5 - الصفحة: 344
ومن أصحابنا من قال: إن كان له مال سوى هذه الثمرة لا يجبرون على أخذها، لأنه لا غرض في ذلك وإن لم يكن له مال سواها يجبرون فحصل ثلاثة أوجه والمنصوص الأول.
وهذا إذا كانت الثمرة من جنس حقوقهم، فإن لم تكن من جنس حقوقهم لم يلزم قبضها بعينها، فتباع ويدفع ثمنها إليهم، ثم لا حق للبائع [ق 303 أ] فيها، وإن صدقه بعضهم وصدق بعضهم المشتري وشهدوا لهما، فمن شهد للمفلس لا تقبل شهادته لأنه يجر منفعة، ومن شهد للبائع تقبل شهادته على ما ذكرنا، وإن لم يشهدوا وكانوا فساقًا فالثمن للمشتري إذًا.
ثم قال الشافعي: «ويدفع الغرماء الذين صدقوا المشتري دون الذين كذبوه».
وقال ابن سريج: أراد الشافعي بهذا إن اختار المفلس ذلك فأما إذا أراد أن يقسمه بينهم كان له ذلك، ويجبر من كذبه على أخذ الثمرة أو إبرائه من الدين.
ومن أصحابنا من قال: لا يجبر الغرماء المكذبون على قبول الثمرة، لأنه يمكنه صرفها إلى الغرماء المصدقين فلا غرض له في صرفها إلى الكل.
وهذا قياس الوجه الذي ذكرنا إذا كذبه جميع الغرماء وله ما سواها، وإن صدق المفلس البائع وكذبه الغرماء، فإن هذا إقرار من المفلس للبائع، وإقرار المفلس مقبول قولًا واحدًا، وهل يشارك سائر الغرماء أم يأخذ ما يفضل عنهم؟ قولان؛ فإذا قلنا لا يشاركهم بأخذ ما يفضل، فإن سأل البائع يمين الغرماء أنهم لا يعلمون أنه اختار عين ماله قبل الإبار حلفوا على العلم قولًا واحدًا.
فإن حلفوا استحقوا الثمرة، وإن نكلوا عن اليمين حلف البائع لقد اختار عين المال قبل الإبار واستحق الثمرة.
ومن أصحابنا من قال: بل يحلف الغرماء ههنا قولان.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا وقال ههنا: يحلفون قولًا واحدًا، والفرق أن في تلك المسألة توجهت اليمين على الغرماء ابتداء فيحلفون قولًا واحدًا، وهذا هو الصحيح.
[ق 303 ب]: ثم قال الشافعي:
«فَإِنْ وَجَدَ بَعْضُ مَالِهِ كَانَ لَهُ بِحِصَّتِهِ».
وقد ذكرنا هذه المسألة.
فرع
إذا صدقه بعض الغرماء دون البعض قد ذكرنا أنه تصرف الثمرة إلى المكذبين رفقًا بالمصدقين على قول بعض أصحابنا، لأنها لو صرفت إليهم استرجع بهم، ثم هل يضاربون الباقين ببقية ديونهم، أم بكل ديونهم؟ فيه وجهان:
أحدهما: يضاربون ببقية ديونهم فيقسم على ذلك مال المفلس وعلى جميع الباقين وهذا أصح.
الجزء: 5 - الصفحة: 345
والثاني: كل واحد منهم يضارب بجميع دينه لا بالبقية يقولون للآخرين نحن لم نأخذ شيئًا بزعمكم تملكه بل أخذنا غصبًا على قولكم فجميع ديوننا باقية على المفلس فنخاصمكم بها.
قال الشيخ أبو محمد الجويني: وهذا هو الصحيح إن شاء الله.
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَغَرَسَهَا».
الفصل:
إذا باع أرضًا بيضاء فغرسها المشتري أو بنى فيها بناء، ثم أفلس المشتري واختار البائع عين ماله لا يخلو الغرماء والمفلس من ثلاثة أحوال: إما أن يختاروا قطع الغراس والبناء، أو يختاروا تركه ويبذل لهم البائع قيمته، أو يختاروا الترك ولا يبذل لهم البائع شيئًا، فإن اختاروا القلع كان لهم ذلك، ثم يرجع البائع في عين ماله وعليه تسوية الأرض بعد القلع لأنها حفرت لمصلحة ملكهم، كما لو دخل فصيل دار رجل فكبر ولا يخرج من الباب إلا بنقصه، فإن لم تنقص قيمة [ق 304 أ] الأرض فلا كلام، وإن نقصت قيمتها بهذا القلع فعلى المشتري أرش ذلك النقص، والذي يجيء على هذا المذهب أن يرجع البائع به في أصل المال، لأنه يضرب به مع الغرماء لأنه نقص حصل بعد الحجر عليه لمصلحة ملكه فصار كنفقة العبد وأجرة الحمال، فإن قيل: أليس لو وجد المبيع ناقصًا في يد المشتري لا يطالب المشتري بنقصه؟ قلنا: لأن النقص هناك حدث في ملك المشتري فلم يضمنه إلا فيما يتقسط عليه الثمن، وههنا حدث النقص بعد رجوع البائع في العين في ملكه ليخلص ملك المشتري فيضمن النقص، وإن اختاروا الترك لا يجبرون على قلعه لقوله صلى الله عليه وسلم: «ليس لعرق ظالم حق» وهذا ليس بظالم، ثم يقال للبائع: إن اخترت أن تبذل له قيمة الغراس والبناء ويضمن للمفلس والغرماء أرش النقص فلك ذلك، لأنه لا ضرر عليهم في ذلك كما لو استعار من رجل أرضًا بيضاء فغرس فيها، ثم أراد مالكها الرجوع في العارية كان له ذلك، وإن لم يبذل لهم قيمة الغراس والبناء ولا أرش النقص فهل للبائع أن يرجع في الأرض وحدها ليكون له البناء والغراس للمفلس، نقل المزني له ذلك، ثم قال.
وقال في موضع آخر ليس له ذلك، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق:
أحدها: المسألة على [ق 304 ب] اختلاف حالين، فالذي قال له ذلك إذا كانت الأرض هي المقصودة والغراس قليل وقيمة الأرض أكثر منه لأنه يكون كالتبع حينئذٍ، والموضع الذي قال ليس له ذلك إذا كان المقصود البناء والغراس بأن يكون كثيرًا قيمته
الجزء: 5 - الصفحة: 346
أكثر من قيمة الأرض، وهذا ضعيف وليس للشافعي ما يدل عليه فالطريقة الثانية هي على حالين من وجه آخر؛ فالوضع الذي قال له ذلك إذا قال: أخذ الأرض دون البناء بالثمن الذي بعت به.
والذي قال: ليس له ذلك إذا قال: أخذ الأرض والبناء بالثمن الذي بعت به ولا أزيد عليه؛ وهذا أضعف من الأول.
والطريقة الثالثة: قال أبو إسحاق، وابن سريج، والمزني وغيرهم: المسألة على قولين:
أحدها: له الرجوع بالأرض وحدها ويباع البناء والغراس للغرماء كما لو كان ثوبًا فصبغه المشتري ثم أفلس وامتنع البائع من دفع قيمة الصبغ لم يبطل حقه من عين الثوب.
والثاني: ليس له الرجوع في عينها كما لو نسي المشتري على الشقص المشفوع، قلنا للشفيع: إن أعطيته قيمة البناء وإلا فلا شفعة لك كذلك ههنا ولا عين ماله صارت مشغولة بحق غيره فسقط حقه من الرجوع، كما لو كان المبيع مسامير فسمرها في خشبة.
وهذا أصح عند أصحابنا، ولأنَّا لو قلنا: يرجع حصل للمفلس والغرماء غراسًا بلا أرض ولا شرب وحصل لهم البناء بلا طريق [ق 305 أ] ومنفذ ويضر ذلك بهم والضرر لا يزال بالضرر، فعلى هذا يقال له: أنت بالخيار بين أن تعطي قيمة البناء والغراس أو تقلع وعليك بعض ........... أو تضرب مع الغرماء بكمال الثمن، وإن قلنا له الرجوع في عين الأرض فرجع فالأرض له والغراس والبناء للمشتري فليس للمشتري دخول إلى ملكه ولا يبقى ماء شرب بحالٍ، فإن اتفق المشتري على البيع بعنا، وإن اختلفوا فقال البائع: لا أبيع أرضي ولا أدفع القيمة.
وقال المفلس: لا أقلع فهل يباعان معًا عليهما؟ فيه قولان.
المذهب أنه لا يباع.
وقال ابن سريج: فيه قول آخر يباع وهو ظاهر مذهب المزني؛ لأن المبيع لو كان ثوبًا فصبغه المشتري، ثم أفلس كان للبائع الرجوع ويباع لهما والأول أصح لا يمكن إفراد مال المفلس بالبيع فلا يجبر البائع على بيع ماله مع ماله.
وقد قال الشافعي: «الأرض للبائع والبناء يباع للغرماء»، ولم يقل يباعان، ثم قال المزني في موضع آخر: «إن لم يأخذ العبادة لم يكن له إلا الثمن فيبطل ما قاله ابن سريج.
وأما مسألة الصبغ فالفرق أن يبيع الصبغ وحده دون الثوب لا يجوز، وبيع البناء من غير الأرض يصح فافترقا، فإن قيل: أليس قلتم إذا باع جارية فولدت في يد المشتري، ثم أفلس فامتنع البائع من بذل قيمة الولد يباعات فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن له الرجوع [ق 305 ب] بعين الأم وحدها لا يجوز لأنه يؤدي إلى التفريق بين الأم والولد فمنعناهما للضرورة، وههنا الرجوع بعين الأرض دون الشجر جائز، فإن قيل: فهل خرجتم فيه قول آخر أن حق البائع يبطل من عين الأم كما قلتم في الأرض؟ قلنا: الولد غير مختلط بالأم ولا متصل بها وليس كذلك البناء والشجر، فإنه متصل بالأرض على وجه التعدي، فإذا لم يدفع إليه قيمته جاز أن يسقط حقه من عين الأرض، كما يسقط حق الشفيع من عين الشقص إذا لم يعط قيمة الشجر والبناء.
فإذا قلنا: لا يباعان تصرف المفلس في الغرماء في البناء والغراس على الانفراد على ما شاؤوا، وإذا قلنا يباعان بعنا الكل وأعطينا
الجزء: 5 - الصفحة: 347
البائع من الثمن ما قابل أرضًا ذات شجر؛ لأنه دخل على هذا فيقال: كم يساوي شجرها؟
قالوا: مائة.
قلنا: وكم تساوي الأرض مفردة؟ قالوا: تسعين، فله من الثمن تسعة أعشاره والباقي للمفلس.
ومن أصحابنا من ذكر طريقة رابعة وهي أنه لا خلاف أنه يرجع في الأرض ولكن في كيفية الرجوع قولان: أصحهما يأخذ الأرض وحدها ويباع البناء للغرماء.
والثاني: على ما ذكرنا وهذا ليس بشيء.
ومن أصحابنا من ذكر طريقة خامسة وهي أن المسألة على حالين فالذي قال: يرجع إذا قال: أرجع في بياض الأرض دون ما هو محل البناء والغراس.
والذي قال: لا يرجع بشيء إذا قال [ق 306 أ]: ارجع في جميع الأرض بياضها وما تحت أصول الشجر والنخل منها وهذا أيضًا ليس بشيء.
فرع
هذه المسألة لو اشترى ممن رجل أرضًا وممن آخر غراسًا غرسه في الأرض، ثم أفلس المشتري كان لهما أن يرجعا في الأرض والغراس فيأخذ صاحب الأرض أرضه وصاحب الغراس غراسه، فإن أراد صاحب الغراس قلعه كان له على أن يضمن ما يدخل في الأرض من النقص، وإن لم يرد قلعه ودفع صاحب الأرض قيمته أجبر على أخذها، فإن اتفقا على بيعها جاز، وإن اختلفا فقال صاحب الأرض: لا أبذل قيمة الغراس.
وقال صابح الغراس: لا أقلعه فيه وجهان:
أحدهما: لا يجبر ويترك فيها.
والثاني: يجبر على قلعه ويفارق المسألة الأولى؛ لأن هناك غرس فيها غراس نفسه كتبقيته وملك ذلك في ملكه، فإذا أزيل ملكه عن الأصل لم يجبر على قلعه وههنا ملك صاحب الغراس غراسه حين اختار
الرجوع في عين ماله وهو في أرض الغير، وقد باعه مقلوعًا فيجبر على قلعه.
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ كَانَ عَبْدَيْنِ بِمَائَةٍ فَقَبَضَ نِصْفَ الثَّمَنِ وَبَقِيَ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ».
الفصل:
هذه المسألة إما مقدمة لابد من تقديمها، وهي أن البائع إذا قبض بعض الثمن ثم أفلس بالباقي فيه قولان:
أحدهما: قاله في «القديم»: يبطل حقه من العين ويضرب [ق 306 ب] مع الغرماء ببقية الثمن لئلا تفرق الصفقة على المشتري، وبه قال مالك.
والثاني: قاله في «الجديد» وهو الأصح يأخذ من العين بقسط ما بقي من الثمن؛ لأن
الجزء: 5 - الصفحة: 348
الإفلاس سبب يرجع به إليه جميع ماله فكان من جنسه ما يرجع به إليه بعض عين ماله كالطلاق.
وحكي عن كالك أنه قال: هو بالخيار إن شاء رد ما قبض ورجع في جميع العين، وإن شاء حاص الغرماء في كل الثمن.
فإذا تقرر هذا وباع عبدين بألفي درهم وقيمتهما واحدة؛ فسلم إلى المشتري جميع العبدين وقبض ألف درهم وتلف أحد العبدين في يد المشتري، ثم أفلس بما بقي من الثمن.
فإذا قلنا: إذا قبض بعض الثمن بطل حقه من العين يضرب مع الغرماء بما بقي من الثمن.
وإذا قلنا: لا يبطل حقه فإنه يرجع في العين بقسط ما بقي من الثمن، وهل يرجع بجميع العبد الباقي أو بنصفه؟ فيه قولان عن العبدين جميعًا فقد قبض نصف ثمن هذا العبد الباقي فلم يجز له أن يرجع إلا بنصف العبد الباقي وضرب مع الغرماء بنصف العبد التالف، وهذا اختيار المزني وهو القياس، وظاهر المذهب الأول، واعترض المزني على احتجاج الشافعي في الرجوع فيما بقي بالرهن، فقال: ليس كالرهن لأنه معنى واحدٌ بمعنى واحدٍ أي كل الرهن مرهون [ق 307 أ] بباقي الحق وكل الحق مستوثق بباقي الرهن.
وأما الثمن فإنه يتوزع على الثمن ويتقسط عليه، وأجاب أصحابنا عن هذا بأن إمساك البائع بمنزلة إمساك الرهن، فإذا تعذر عليه الثمن عاد فيه لأنه في الابتداء كان له أن يمسك كل المبيع على بعض الثمن أيضًا، ولأنه إذا جاز له نقل الحق الذي في ذمة المشتري إلى عين المبيع جاز له نقل حقه من التالف إلى الباقي من المبيع فساوى في ذلك الرهن.
ومن أصحابنا من قال: نص ههنا أنه يرجع بكل ما بقي، وقال في الصداق: إذا أصدقها أربعين شاة فحال الحول وأخرجت شاة منها، ثم طلقها قبل الدخول رجع عليها بنصف الغنم الموجود فجعل حقه في الموجود دون المعقود، فقيل: فيها قولان، وقيل: ههنا قول واحد على ما نص ههنا بخلاف الصداق، والفرق أن ذمة الزوج ملية فلا يضر ترك نصف حقه من العين ونقله إلى ذمتها، وههنا ذمة المفلس خربة فلا يلزم البائع ترك حقه من العين إلى ذمته، وقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الزكاة.
مسألة:
قَالَ: «وَلَوْ أَكْرَاهُ أَرْضًا فَفَلَسَ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فِي أَرْضِهِ».
الفصل:
إذا اكترى رجل من رجل أرضًا ليزرعها زرعًا أو دارًا يسكنها ففلس المكتري قبل إيفاء الكراء فللمكري [ق 307 ب] فسخ العقد؛ لان الإجازة نوع من البيوع، وقال داود: لا يجوز فسخ الإجازة بالفلس بخلاف البيع؛ لأن الخبر ورد في البيع، ثم لا يخلو من
الجزء: 5 - الصفحة: 349
ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن يفلس قبل مضي شيء من المدة، أو بعد انقضاء المدة، أو في أثنائها، فإن كان قبل انقضاء شيء منها أخذ الأرض صاحبها ولا كلام، وإن اختار الإقامة على العقد أقام وضرب مع الغرماء بالأجرة، وإن كان في أثناء المدة فهو بالخيار بين أن يفسخ فيما بقي أو يقيم على العقد، فإن أقام عليه ضرب مع الغرماء بالأجرة، وإن فسخ عاد إلى عين ماله وضرب مع الغرماء بماله من الأجرة فيما مضى، فإذا فسخ وكانت الأرض فارغة فلا كلام، وإن كانت مزروعة لا يخلو إما أن يكون له قيمة أو لا قيمة له، فإن كان له قيمة بأن كان قصيلًا لا يخلو المفلس والغرماء من ثلاثة أحوال؛ إما أن يختاروا القلع أو التبقية أو اختلفوا، فإن اختاروا القلع قلعوا ولا كلام، وإن اختاروا التبقية لم يخل من أحد أمرين؛ إما أن يبذلوا أجرة المثل أو يمنعوا، فإن بذلوا أجرة المثل لزم المكري القبول وليس له مطالبتهم، بالقطع، لأنهه زرع بحق، وإن أراد المكري أن يعطيهم قيمة الزرع ليكون له مع الأرض لم يجبروا عليه؛ لأن اللزرع غاية إذا انتهى إليها حصده، وإن طلبوا التبقية بغير أجرة [ق 308 أ] لم يكن ذلك لهم؛ لأن المفلس دخل على أن المنفعة له بأجرة وليس له أن يستوفيها بغير أجرة ويفارق هذا إذا باع أرضًا فزرعها المشتري، ثم أفلس بالثمن ففسخ البائع البيع لا يجوز له مطالبتهم بقلع الزرع ولا أجرة عليهم؛ لأن المستأجر دخل على أن تكون المنافع مضمونة عليه بعوضٍ فلزمه الضمان، وليس كذلك المشتري، ولأن منافع الإجارة مقصودة لأنها هي المعقود عليها والمنافع تابعة في البيع فافترقا، وإن اختلفوا فقال بعضهم: أريد القلع والباقون امتنعوا منه فالمذهب أنَّا نقدم من طلب القطع.
وقال أبو إسحاق: نعمل على الأحظ، وإن قال الغرماء: لا نفسخ عقد الإجارة حتى يعطيك الأجرة المسماة لم يجبر على قبولها، فإن قيل: ما الفرق بين الأجرة المسماة وبين أجرة المثل؟ قلنا: الفرق أن الأجرة المسماة مستحقة بالعقد، فإذا أجبرناه على قبولها لم نأمن التبعة فيها على ما بينَّاه إذا بذل البائع الثمن لم يجبر على قبوله، وليس كذلك أجرة المثل بعد فسخ العقد لأنها مبذولة لمصلحة مال المفلس، وهي تبقية الزرع فأمن فيه التبعة، لأنه لو ظهر هناك غيرهم من الغرماء لم يكن لنقصه، وجرى ذلك مجرى كراء البيت والحمال ونحو ذلك، وإذا لم يكن [ق 308 ب] له قيمة لصغره نظر، فإن اتفقوا على التبقية فالحكم على ما ذكرنا، وإن اختلفوا قدمنا قول من طلب التبقية ههنا، لأنهلا فائدة في قطعه بوجه والشافعي يسميه بعلًا هذا كله إذا لم يقبض من الأجرة شيئًا، فإن كان قد قبض بعض الأجرة، ثم أفلس بالباقي فهل له فسخ العقد؟ قولان: كما إذا قبض بعض الثمن.
وإذا بذل المفلس أجرة مثل الأرض فأجبرنا المكري على تبقية الزرع فيها إلى أن يحصد فعطش الزرع واحتاج إلى السقي، فإن كان له ماء أنفق منه عليه؛ لأن فيه مصلحة المال المفلس الذي تعود منفعته على سائر الغرماء.
وقال بعض أصحابنا: لا ينفق عليه من مال المفلس، لأنه تغرير به، فإنَّا لا نعلم أن الزرع يسلم أو لا يسلم، ونقول للغرماء إن تبرعتم وأنفقتم من مالكم على أن يكون دينًا
الجزء: 5 - الصفحة: 350
في ذمة المفلس لا يمنعكم منه والأول أصح, وإن لم يكن له مال فإن اتفق الغرماء نظر, فإن كان بأمر الحاكم كان مقدمًا على سائر الغرماء؛ لأنها نفقة على ما فيه مصلحة لمال المفلس ككراء البيت, وإن أنفق بغير أمر الحاكم كان متطوعًا به لا يرجع على المفلس وإن أنفق بإذن المفلس دون الحاكم كان دينًا له على المفلس وإن لم يكن الأمر مقيدًا بشرط الرجوع في ظاهر المذهب.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ بَاعَهُ زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِمِثْلِهِ".
الفصل:
إذا اشترى من رجل زيتًا فخلطه بزيته, ثم أفلس لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يخلط بمثل زيته فيأخذ البائع منه مثل مكيلته قولًا واحدًا, ثم إن اتفقنا على القسمة قسمان نصفين إذا تساوى قدرهما كما لو ورثاه معًا, وإن طلب البائع أن يباع الكل ويأخذ نصف الثمن هل يجبر المشترى عليه؟ فيه وجهان:
أحدهما: يجبر عليه ويقتسمان الثمن نصفين؛ لأنه لو رجع في عين ماله أخذ بعضًا من زيت المفلس, وإن بيع أخذ ثمن نصف زيت فلهذا كان له المطالبة ببيعه.
والثاني: يقتسمانه ولا يجبر المفلس على البيع لأنهما فيه شريكان بالسوية فلا يجبر أحدهما على البيع.
ومن أصحابنا من خرج قولًا آخر في أصل المسألة أنه يسقط حقه من عينه؛ لأن الشافعي علل وقال: "الذَّائِبُ إِذَا اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ انْقَلَبَ حَتَّى لَا يُوجَدَ عَيْنُ مَالِهِ".
وهذا غير صحيح؛ لأنه إذا خلطه بمثله فلا ضرر على الغرماء في تسليم مقدرا رميته إليه منه؛ لأن أجزاء الزيتين متساوية, فإذا كان كذلك كان كأنه موجود غير مختلط, ومعنى تعليل الشافعي إذا اختلط.
بما هو أجود منه فكان على الغرماء ضرر في دفع مثل مكيلته منه, وأما إذا خلطه بأجود فيه قولان:
أحدهما: يبطل حق [ق 309 ب] البائع من عينه ويضرب مع الغرماء بثمنه.
قال الشافعي: "وهذا هو الصحيح", وبه أقول لأنَّا لو قلنا: يباعان جعلنا الزيت الجيد الذي للمفلس تابعًا للكردي ويخالف الثوب بصبعه المشتري والدقيق يلته بزيته, فإن الصبغ والزيت أثران فجاز أن يكونا تابعين لمال البائع, ولأن عين الثوب والدقيق موجود زائده بأثر الصبغ والدق, فلم يسقط حقه من عينها, والزيت صار مستهلكًا بخلطه بزيت أجود منه فافترقا.
والقول الثاني: لا يبطل حقه من عينه, فعلى هذا هما جميعًا يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما متميزين, وهذا اختيار المزني لأن الثوب إذا صبغه بصبغ من عنده
الجزء: 5 - الصفحة: 351
بيع الملتوت وقسم الثمن عليهما كذلك ههنا.
ومن أصحابنا من قال: يقسم الزيت بينهما على قدر قيمتهما كان زيته يسوي درهمين والمخلوط: يسوي ثلاثة دراهم يكون للبائع ثلثا صاع وهو ثلث الجميع ولا يكون ذلك ربا لأنه حطيطة وليس بمعاوضة.
قال القفال: حكاه ابن أبي أحمد, عن ابن سريج وهو منصوص في كتاب البويطي وقال فيه: إذا أخذه يجعل صاحبه في حل من الباقي, وقيل: نقله الربيع وذكره في "الأم" أيضًا فحصل قولان, والمذهب الأول لأنه يؤدي إلى الربا, لأنه يأخذ ذلك من الجملة المعاوضة لا بحكم الصلح والبراءة عن الباقي لا يجب, أما إذا خلطه بأرديء منه لا يختلف المذهب أنه يسقط حقه من عينه وله المطالبة بالقسمة, لأنه رضي بدون حقه فيقال للبائع: أنت بالخيار بين أن تأخذ مقدار زيتك منه وترضى بما دخله من النقص وبين [ق 310 أ] أن تتركه وتضرب مع الغرماء بقيمته.
وقال أبو إسحاق: يجئ فيه القول الذي قاله في الأجود, وهو أنهما يباعان ويقسم الثمن بينهما على قدر قيمتهما فيكون عدل بينهما وهذا غلط والفرق أن هناك على الغرماء ضررًا في دفعه مكيلة زيته من عينه فيسقط حقه منه, وليس كذلك في الأردئ فإنه لا ضرر على الغرماء في دفع مكيله زيته من عينه, وإنما الضرر فيه على البائع لأنه وجد ماله ناقصًا فخيرناه بين أن يأخذ ناقصاً وبين أن يضرب مع الغرماء بثمنه كما نقول في سائر المواضع إذا وجد ماله في يد المفلس ناقصًا, ويفارق الغاصب إذا خلط, هكذا يضمن النقصان إذا استرد منه مكيل لأنه متعدى بخلاف المفلس, لأنه غير متعدى بالخلط, وإذا تقاسماه إن شاءا فعلا ذلك وزنًا, وإن شاءا كيلًا لأنه لا جهالة له في واحد منهما.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ كَانَتْ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا".
الفصل:
إذا اشترى حنطة فطحنها, أو ثوبًا فقصره أو خاطه, ثم أفلس بالثمن فإنَّ حق البائع لا يسقط من عين ماله قولًا واحدًا, وهل يأخذ زائدًا أو يكون المفلس شريكًا فيه يباع الدقيق أو الثوب لهما؟ فيه قولان:
أحدهما: يكون البائع أحق بزيادته فيأخذه زائدًا.
والثاني: أنهما شريكان فيه ويباع ويقسم الثمن بينهما.
وجملة هذا الباب أن زيادة المبيع في يد المشتري على ثلاثة أضرب؛ ضرب يأخذه البائع بزيادته كالكبير والسمن ورياضة الدابة وتعليم العبد الخط, والشعر أو الصنعة ونحو ذلك, وضرب لا يأخذه
الجزء: 5 - الصفحة: 352
بزيادته ولكنه [ق 310 ب] يباع ويقسم الثمن بينهما مثل أن يصنع الثوب أو يلت الدقيق بزيته على ما نذكره من بعد إن شاء الله تعالى وضرب فيه قولان, وهو مثل الطحن والقصارة والخياطة.
أحدهما: يأخذه بزيادته كما يأخذ المغصوب منه من الغاصب بزيادته, وهذا اختيار المزني؛ لأن هذه آثار لا أعيان, فالدقيق أجزاء تلك الحنطة ولكنها كانت جملة فتفرقت والبياض كان كامنًا في الثوب فطهر بالقصارة.
والثاني: يكونان شريكين فيه وهو الصحيح؛ لأنه ربما حدث بفعله في البيع فلا يكون البائع أخذه كالصبغ, وعلى هذا تجرى هذه الآثار مجرى الأعيان, فإذا قلنا بالأول فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان استأجر من عمله يكون علا بأجرته يضرب بها مع سائر الغرماء.
وإذا قلنا بالقول الثاني يباع الثوب إلا أن يقول البائع: أنا أحذه بقيمته وأعطى المفلس ما زادت القصارة أو الطحن أو الخياطة, فيكون ذلك له, وإذا أبيع أعطى البائع مقدار قيمته غير مقصور ولا مطحون, أو مخيط وما زاد كان للمفلس إن كان قد تولاه بنفسه, وإن كان قد استأجر أجيرًا على فعل نظر في الزيادة, فإن كانت مثل أجرته أخذها الأجير, وإن كانت أكثر من أجرته أخذ الأجير مقدار أجرته وكان ما بقي للمفلس, وإن كانت أقل من أجرته أخذها [ق 311 أ] الأجير وضرب مع الغرماء بما بقي هذا كله إذا زادت قيمته, فأما إذا نقصت قيمته أو كانت بحالها أخذه البائع, فإن كان المفلس قد تولاه بنفسه فقد بطل عمله, وإن كان الأجير عمله يضرب مع الغرماء بأجرته, واحتج المزني بما اختاره أن القصارة أثر لا عين بست مسائل:
أحدها: أن الرجل إذا اشترى عبدًا فأحسن غذاءه وطعامه حتى ازدادت قيمته بالسمن, ثم أفلس كانت الزيادة أثرًا لا عينًا.
والثانية: تسمين الدابة بالعلف كذلك.
والثالثة: كبر الوادي على السقي.
والرابعة: عمل الأجير يبيع في الحانوت.
والخامسة: عمل الراعي في رعي الغنم ونحو ذلك.
والسادسة: رياضة الرائض الدواب.
ثم قال: فهذه الزيادات عن هذه الصناعات آثار لا أعيان, وحكمها عندي في القياس سواء إلا أنه يخمس الستة منها شيئًا فيترك لها القياس.
قلنا: هذه المسائل متقاربة الصورة ولا يدعي المزني أنها على مذهب الشافعي من باب الآثار أم من باب الأعيان, ولا أنها على قولين ولكن حكمها عندي في القياس واحد, وهو أنها آثار فلا بد فيها من تفصيل على مذهب الشافعي, ووجه الفصل فيها وفي نظائرها أن كل زيادة في عين أو في صفة يجوز استئجار الأجير على تحصيلها بعينها عقدًا معلومًا فهي بمنزلة القصارة [ق 311 ب] تخرج على قولين, وذلك مثل الرياضة والتعليم, إذ يجوز للرجل أن يستأجر
الجزء: 5 - الصفحة: 353
أجيرًا لرياضة دابة ويبين له حدًا معلومًا وغرضًا مقصودًا في مقدار الرياضة, وكذلك تعليم سورة بعينها أو يعلم جميع القرآن.
وأما تسمين الغلام بالطعام والدابة بالعلف وتنمية الودي فكذلك مما لا يجوز عقد الإجارة عليه, وأما بيع الأجير في الحانوت فلا يزداد الثوب بذلك صفة في العين فكان من باب الآثار ولا يدخل ذلك في مسائل القولين, وفي الغصب لا تجعل هذه عين مال لأنه تعدى بخلاف ههنا, فإن قال قائل: لم قال الشافعي على قول في الحنطة: إذا طحنت يأخذه البائع ويعطي قيمة الطحن, وقال في الثوب: إذا صار مقصورًا عند المشتري بيع لهم قيل يأخذه البائع ويعطيهم قيمة القصارة, قلنا: إنما فصل بين الجوابين لاختلاف الصورتين, ولو استوت الصورتان لاستويا في الجواب, ذلك أن مسألة الحنطة إذا طحنها المشترى بنفسه فازدادت قيمة الطحين.
وصورة مسألة القصارة كما فرع عليه فيه إذا استأجر أجيرًا لا إذا قصره المشتري بنفسه, فإن قيل: ولم يجب بهذا الفصل أن نفترق المسألتان في الحكم؟ قلنا: لأن المشتري إذا طحنها بنفسه ثم أفلس فالحق في تلك الحنطة بعاقد واحد وهو البائع [ق 312 أ] فإذا فسخ العقد عادت العين إليه وعليه قيمة الزيادة والحق في القصارة لأكثر من معاقد واحد, فإن القصارة عاقدة على استهلاك منافع نفسه في غير ذلك الثوب, ثم استهلكها فيه والبائع عاقده على العين حين باعه منه, فلم يكن للبائع أن يرد العين إلى ملكه على سخط من غيره, وعلى هذا لو كان الطحن من جهة أجير استأجره المشتري أو كانت القصارة من جهة المشتري باشرها بنفسه كان جوابه في الطحن منقولًا إلى القصارة, وجوابه في القصارة منقولًا إلى الطحن ذكره الإمام الحويني رحمه الله.
فرع
لو اشترى ثوباً فصبغه ثم أفلس فيه مسائل:
أحداها: أن يشتري من رجل ثوبًا بعشرة وصبغًا منه بعشرة وصبغ الثوب به ثم أفلس بالثمنين فلا يخلو قيمتها من ثلاثة أحوالٍ؛ إما أن تكون بحالها مثل أن يكون قيمة الثوب مصبوغًا عشرين, أو كانت ناقصة فإن البائع يأخذه وقد بطل عمل المفلس فيه, وإن كانت زائدة, فإن قلنا: إن عمل القصارة والخياطة والطحن بمنزلة الزيادة المتصلة ويباع الثوب فكذلك ههنا يباع الثوب ويكون ما زاد للمفلس على ما قلناه.
والثانية: أن يشتري ثوبًا بعشرة وصبغه بصبغ من عنده, فإن كانت [ق 312 ب] قيمتها بحالها بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب والمفلس قيمة الصبغ, وإن كانت ناقصة فالنقصان يحسب في قيمة الصبغ؛ لأن الثوب بحاله, وإنما تبدد الصبغ فيه فنقصت قيمته, ولأن الصبغ تابع والثوب متبوع فوجب أن يحسب النقصان منه, فإذا كان كذلك بيع الثوب وأخذ البائع قيمة الثوب غير مصبوغ وأخذ المفلس ما بقي وإن كانت زائدة فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة فهي بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة مع قيمة الصبغ
الجزء: 5 - الصفحة: 354
للمفلس وأخذ البائع قيمة الثوب من غير مصبوغ.
والثالثة: أن يشتري الثوب من واحد والصبغ من آخر, فإن كانت قيمتها بحالها كان البائعان شريكين فيه ويباع الثوب ويقسم ثمنه بينهما على قدر قيمة الثوب والصبغ, وإن كانت ناقصة فقد قلنا: إن النقصان يحسب من الصبغ دون الثوب ويقول لصاحب الصبغ: إن شئت ترضى به ناقصًا أخذته, وإن شئت تركته وضربت مع الغرماء بالثمن, فإن رضي به ناقصًا بيع الثوب ودفع إلى صاحب الثوب قيمته غير مصبوغ, وأما الزيادة تدفع إلى صاحب الصبغ, وإن تركته وضرب مع الغرماء بالثمن كان المفلس شريكًا للبائع فيأخذ ما زاد على قيمة الثوب غير مصبوغ [ق 313 أ] وإن زادت قيمته فإن قلنا: الزيادة بالعمل بمنزلة الزيادة المتصلة كانت الزيادة مقسومة بين صاحب الثوب والصبغ على قدر القيمتين, وإن قلنا: إنها بمنزلة الزيادة المنفصلة كانت الزيادة للمفلس على ما بينا.
فرع آخر
لو اشترى صبغًا بخمسة وصبغ به ثوب نفسه يسوي عشرة, فإن لم يزد ولم ينقص فللبائع ثمن الثوب بصبغه والثلثان له بثوبه, وإن كان قد نقص ثلاثة كان النقص مع الصبغ يضرب بثلاثة مع الغرماء ويكون الثوب بينه وبين المفلس له سدسه والباقي للمفلس, وإن كان قد زادت خمسة, فإن قلنا: هذه الزيادة كالأعيان كانت الزيادة كلها للمفلس فله ثلاثة أرباع الثوب والربع للبائع, فإن قيل: كيف ذكر الشافعي أحد القولين في الحنطة إذا طبخها أنه يأخذها ويعطي قيمة الطحن, ثم عطف عليه فقال:
"وَكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ".
والحنطة إذا طحنها المشتري للبائع على هذا القول أخذ الطحين ومنع المشتري والغرماء من تلك العين عن المبيع بعد الصبغ, ثم عطف القصارة على الصبغ فقال:
"وكَذَلِكَ الثَّوْبُ يَصْبَغُهُ أَوْ يُقَصِّرُهُ يَاخُذُهُ وَلِلْغُرَمَاَءِ زِيَادَتُهُ".
قلنا: هذا مشكل وإزالة هذا الإشكال ثلاثة أنواع من التأويل:
أحدها: أن يقال: يحتمل أن الشافعي [ق 313 ب] أراد بقوله: وكذلك الثوب يصبغه" أن يبين أن الصبغ عين مال كما أن الطحن عين مال في أحد القولين ولم يرد به التسوية بين الصبغ والطحن من جميع الوجوه.
والثاني: يحتمل أنه صور مسألة الصبغ في رجل اشترى ثوبًا وصبغًا من بائع ثم صبغ ذلك الثوب بذلك الصبغ فيكون للبائع أخذ الثوب المصبوغ على سخط المفلس وفي الأجرة حينئذٍ قولان على ما ذكرنا بخلاف ما كان الصبغ من جهة المشتري.
والثالث: يحتمل أن الشافعي جمع بين الصبغ والقصارة وجعل البائع أخذ الطحين على سخط منهم, وجعل له أخذ الثوب المصبوغ إذا وصى بذلك المفلس والغرماء, وإذا امتنعوا فليس له أخذ ذلك وبيع لهم كما قال في آخر كلامه ولكنه أوجز العبارة إيجازًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 355
مسألة
قَالَ: "وَلَوْ تَبَايَعَا بِالْخِيَارِ ثَلَاثًا ففَلَّسًا أَوْ أَحَدُهُمَا".
الفصل:
إذا أفلس المتبايعان أو أحدهما في مدة خيار المجلس أو خيار الثلث كان لكل واحد منهما فسخ البيع أو إجازته, وإن كان الخط للغرماء, وعلى هذا أكثر أصحابنا, وهو الظاهر من نقل المزني, لأنه عقد سلف قبل الحجر.
وقال صاحب "الإفصاح": إن لم يكن حابى في البيع فالحكم على ما ذكرنا, وإن كان قد حابى وفلس البائع, فإن قلنا: إنه على ملك البائع أو مراعى فليس له إجازته [ق 314 أ] وعليه فسخه؛ لأن المحاباة هبة وليس له أن يهب, وإن قلنا: إنه على ملك المشتري فإن شاء فسخه, وإن شاء أجازه.
وهذا غلط؛ لأن هذه المحاباة مستحقة بالعقد السابق, والحجر إنما وقع عليه في العقود المستقبلة دون العقود الماضية فبطل ما قاله.
ومن أصحابنا من قال: الذي نقله المزني لا يجئ لى مذهب الشافعي, ولا نعلم من أين نقله, وقد طلبناه في "الأم" فلم نجده, والذي يقتضي مذهب الشافعي أنه لا يصح بعد الحجر فسخه ولا إجازته؛ لأن الحجر يقطع تصرفه ويكون الخيار ثابتًا فينصب الحاكم من يختار له ما هو الأحظ له من الفسخ والإجازة, وليس إذا كان هذا التصرف متعلق بعقد سابق للحجر يجب أن يكون صحيحًا بعد الحجر, ألا ترى أنه ليس له قبض الثمن, وإن كان هذا متعلقًا بعقدٍ سابق وهذا لا يصح؛ لأن المزني ثقة فيما يرويه فلا يجوز مخالفته.
وأما قوله في الثمن: فالفرق أنه بالثمن تعلق حق الغرماء لما حجر عليه فلا يكون له قبضه والتصرف فيه, وليس كذلك المبيع في مدة الخيار فإنه لم يتناوله الحجر ولم يتعلق به حق الغرماء, وصح ما رواه المزني, وقال أبو إسحاق: ليس لواحد منهما أن يفعل إلا فيما فيه الحظ لأنه محجور عليه, وهذا أيضًا غلط لما ذكرنا.
[ق 314 ب] وقال بعض أصحابنا بخراسان إن كان إخراج شيء من ملكه فإن كان فيه الحظ له جاز, وإن كان الحظ فيه خلافه لم يجز, وإن منع دخول شيء في ملكه جاز بكل حال, مثل إن أفلس المشتري, وقلنا: الملك في زمان الخيار للبائع ففسخ جاز, وإن كان النظر في الإجازة لأنه بهذا الفسخ منع دخول المبيع في ملكه, وإن قلنا ملك بالعقد لم يجز لأنه بالفسخ يرده إلى ملك البائع وفي البائع كذلك, وقد قال الشافعي فيمن اشترى في مرض موته شيئًا, ثم وجد به عيبًا فلم يرد يعبر نقص العيب من الثلث؛ لأن قدر العيب كفقد جزء من المبيع فكأنه أخرج من ملكه ذلك القدر من المال.
مسألة:
قَالَ: "فَإِنْ أَخَذَهُ دُونَ صِفَتِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ".
الجزء: 5 - الصفحة: 356
الفصل:
اعلم أن المزني نقل جواب مسألة لم يذكرها, والمسألة أن يسلم في حنطة ثم يفلس, فإن عقد السلم بحاله وله قبض المسلم فيه على صفته فإن قبضه دون صفته مثل الردئ مكان الجيد لا يخلو من أحد أمرين, إما أن يكون بإذن الغرماء فلا يصح قبضه ويلزمه أن يرده عليه ومطالبته بالطام الجيد؛ لأن هذه محاباة فيما تعلق به حق الغرماء, وإن كان بإذن الغرماء صح قبضه قولًا واحدًا.
فإن قيل: قلتم في المكاتب إذا [ق 315 أ] في ماله بإذن سيده لم يجز في أحد القولين فما الفرق؟ قلنا: الفرق أنه منع المكاتب منه لنقصان ملكه ولا يكول ذلك بإذن السيد, وههنا المنع لحق الغرماء خاصة وملكه تام فجاز ذلك بإذنهم, فإن قال قائل: ظاهر ما قاله الشافعي ههنا يقتضى أن الغرماء الحاضرين إن رضوا بأخذ المسلم دون صفته كان له أخذه دون الصفة ولا ينتظر في ذلك رجوع الغائبين وهذا يضر بالغائبين.
قلنا: أراد الشافعي به الحاضرين والغائبين لأنه ليس لبعضهم الاعتراض على حق البعض, فإذا رجع غائب من سفر وقال: لم أرض بأخذه دون صفته كان له طلب حقه بمقداره.
فرع
لو وهب المفلس مالًا يرضي الغرماء فيه قولان:
أحدهما: يجوز كما قال الشافعي له أن يأخذ السلم دون صفته بإذن الغرماء.
والثاني: لا يجوز لأنه أخذ السلم دون صفته مسامحة في عقد تقدم المفلس فصح منه مع رضاء الغرماء اعتبارًا بعقد معنى, والهبة عقد مبتدأ واستهلاك مال مستأنفًا فلم يصح مع رضي الغرماء لأنه ربما يكون له غريم غائب لم يرضى به.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ أَسْلَفَهُ فِضَّةً بِعَيْنِهَا فِي طَعَامِ, ثُمَّ فَلَّسَ".
الفصل:
إذا كان المفلس المسلم إليه وهو بائع الطعام لا يخلو رأس المال من [ق 315 ب] أحد أمرين, إما أن يكون باقيًا في يده أو يكون تالفًا, فإن كان باقيًا في يده فله الخيار بين أن يقبضه وبين أن يؤخر ذلك حتى يحل حقه, ولا فرق بين أن يكون رأس المال دراهم أو عرضًا؛ لأن النقود عندنا تتعين بالتعيين, وإن كان تالفًا ليس له فسخ العقد لأنه لم يجد عين ماله فلا يفسخ وهو المذهب المنصوص.
قال أبو إسحاق: فيه وجه آخر أن السلف بالخيار بين أن يجيز البيع وبين أن يفسخ العقد ويضرب مع الغرماء برأس المال لا بالسلف فيه؛ لأن الشافعي قال: "إذا انقطع
الجزء: 5 - الصفحة: 357
السلف فيه له أن يفسخ العقد" لأن حقه قد تأخر كذلك ههنا, وهذا لأن خراب ذمة المفلس أبلغ من نفاذ جنس المسلم فيه بين أيدي الناس, وقول الانفساخ الذي نقول في الانقطاع لا يجئ ههنا وهو اختيار ومشايخ خراسان.
قالوا: ولا يؤخذ فسخ بسبب الإفلاس مع تلف ما يفسخ فيه إلا ههنا وهذا لا يصح, والفرق أنه إذا انقطع فللفسخ فائدة وهي أن يأخذ منه رأس المال في الحال ولا يتأخر حقه, وههنا لا غرض له لأنه يضرب مع الغرماء برأس المال كما يضرب معهم بالمسلم فيه, والظاهر أن السلم فيه أكثر من رأس المال في غالب العادة ففي الفسخ ضرر ولهذا قلنا إنه لا ينفسخ.
فإذا تقرر هذا, فإذا قلنا: يفسخ ففسخ ضرب [ق 316 أ] بقيمة رأس المال مع الغرماء وأخذ ما يخصه من جنس القيمة, وإذا قلنا: ضرب بقيمة رأس المال مع الغرماء وأخذ ما يخصه من جنس القيمة, وإذا قلنا: لا يفسخ ضرب مع الغرماء بماله الطعام فإن معرفة مقداره من سائر ديون الغرماء أن يقوم الطعام في الحال فيعرف قيمته ثم يقسم مال المفلس بين الغرماء على قدر حقوقهم فما خص قيمة الطعام عزل منه ويشتري به الطعام ودفع إليه, ولا يجوز أن يدفع الدراهم إليه لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض, ثم إذا كان وفق حقه فذاك, وإن رخصت الحنطة مثل إن كان ثمن الكر خمسين فعزلنا له فصار الكر بأربعين اشترينا الكر بأربعين, والباقي يضرب مع الغرماء لأنه لا يستحق إلا الطعام, وإن غلا الطعام فصار الكر بمائة اشترينا له العزول نصف كر ورجع على الغرماء بما نقص, لأنه ما ضرب معهم بحقه ويشتري ما بلغ عند المخاصة الحنطة وما بقي يكون في ذمة المفلس إلى الميسرة فإن قيل: هلا قلتم يدفع إليه جميع ما عزل له بكل حال؟ قلنا: لأنه لم يملكه بالعزل بل هو ملك المفلس بعد فتكون زيادته ونقصانه للمفلس لا له.
فرع
لو اشترى حبًا فزرعه واشترى ماء فسلاه فنبت ثم أفلس فإنهما يضربان بثمن الحب والماء مع الغرماء [ق 316 ب] ولا يرجعان في الزرع لا عين مالهما غير موجود فيه كما لو اشترى طعامًا فأطعمه عبده حتى كبر لا حق لصاحب الطعام في عين العبد.
مسألة:
قَالَ: "وَلَو اكْتَرَى مِنْهُ دَارًا ثُمَّ فَلَّسَ المُكْرِي".
الفصل:
إذا اكترى رجل من رجل دارًا أو عبدًا مدة معلومة بأجرة معلومة ثم أفلس المكري لا ينفسخ عقد الإجارة؛ لأن الحجر عليه في العقود المستقبلة دون الماضية فيكون
الجزء: 5 - الصفحة: 358
المكتري أحق بسكنى الدار, فإن انقضت مدة الإجارة على السلامة فقد استولى المستأجر حقه, وإن تلف المستأجر قبل مضي المدة فقط انفسخ عقد الإجارة ويرجع على المفلس بحصة ما بقي من المدة, فإن كان ماله باقيًا بعينه أخذ مقدار حقه, وإن كان تالفًا نظر, فإن لم يكن فرق الحاكم ماله بين الغرماء كان أسوة الغرماء في دينه وينقص القسمة؛ لأن هذا الدين مستحق بمعنى مقتدم على الحجز, ولهذا قلنا: إنه يكون أسوة لهم قبل قسمة المال.
والثاني: يقدمون عليه لأن الدين ثبت بعد الحجر, كما إذا استدان بعد الحجر فإن فضل عنهم شيء يدفع إليه, وإن أراد الغرماء بيع رقبة الدار قبل مضي مدة الإجارة, فإن باعوهما من المستأجر صح البيع قولًا واحدًا؛ لأنه ليس له دونه يد هائلة, وإن [ق 317 أ] باعوها من غيره فهل يجوز؟ قولان:
أحدهما: يجوز.
قال المزني: هذا قوله المعروف والآخر ليس بشيء, ووجهه أن يبيع المزوجة جائز, وإن كان الاستمتاع مستحقًا بالعقد فكذلك المؤاجر.
والثاني: لا يجوز بيعها لأنها مسلوبة المنفعة مدة, فأشبه إذا قال: بعتكها على أن يكون لي منافعها إلى سنة, وإذا قلنا: يجوز فإن اتفقوا على بيعها جاز, وإن اختلفوا قدمنا من طلب البيع؛ لأنه أصلح للمفلس والغرماء, ولا يلزمهم تأخير حقوقهم فيملك المشتري رقبتها والمكتري منفعتها, فإذا انقضت المدة أخذها المشتري على الإطلاق, والأولى لهم الصبر حتى تنقضي مدة الإجارة لأنها تباع بأكثر إذا لم تكن منفعتها مستحقة للغير.
مسألة
قَالَ: "وَلَوْ أَكْرَاهُ سَنَةً وَلَمْ يَقْبِض الكَرَاءَ ثُمَّ فَلَّسَ المُكْتَرِي".
فإن كان بعد مضي المدة ضرب بالأجرة مع الغرماء, وإن كان قبل مضي المدة كان له فسخ الإجارة واسترجاع المنفعة, وقد ذكرنا هذا فيما قبل.
فرع
قَالَ في "الأم": ولو اكترى رجلًا ليحمل له طعامًا إلى بلد من البلدان فحمله وفلس المكتري ضرب المكتري بأجرته مع الغرماء, ولو أفلس قبل أن يصل إلى البلد نظر, فإن كان الموضع الذي بلغ إليه آمنًا كان له فسخ الإجارة فيما بقي من المسافة ويضع الطعام [ق 317 ب] عند الحاكم, وإن تركه على يد عدل ثقة بغير إذن الحاكم فيه وجهان كما قلنا في الوديعة إذا أراد المودع سفرًا, وإن كان الموضع مخوفًا لزمه حمل الطعام إلى الموضع الذي اكتراه لحمله إليه أو إلى موضع دونه يأمن عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 359
فرع آخر
قال في "الأم": ولو اكترى ظهرًا بعينه ليركبه شهرًا ثم أفلس المكري كان المكري أحق به.
ولو كان ظهرًا في الذمة كان المكري أسوة الغرماء, وإنما كان كذلك لأنه إذا كان معينًا لحقه اختص بالعين قبل الحجر, وإذا كان حملاف في الذمة فهو كديون الغرماء فساواهم.
فرع آخر
لو اشترى من رجل سلعة فأفلس البائع قبل تسليم السلعة لم يكن له الرجوع في عين ماله, بل عليه أن يسلم السلعة ويقبض الثمن؛ لأن الرجوع إنما يكون عند الإفلاس وهذا المشتري مالي وإنما البائع هو المفلس.
فرع آخر
لو كان المشتري مليًا ولكنه امتنع من دفع الثمن هل يثبت له الخيار؟ ظاهر المذهب أنه لا خيار, ومن أصحابنا من قال: يثبت الخيار كما هو لو عجز عن أداء الثمن وهذا لا يصح, والفرق أن عند العجز وجد عيب المفلس, وههنا لم يجد فافترقا.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: لو مات قبل دفع الثمن فامتنع الوارث من دفعه هل يثبت له الخيار؟ يترتب على المسألة السابقة, فإن قلنا: ليس له الفسخ هناك [ق 318 أ] فههنا وجهان, والفرق أن هناك الذمة باقية وههنا خربت الذمة فافترقا.
فرع آخر
لو طلق زوجته بائنًا كان لها السكنى في بيت زوجها, فإن أفلس وأراد الغرماء بيع هذه الدار, فإن كانت عدتها بالحمل أو بالإقراء لم يجز قولًا واحدًا وإن كان بالأشهر فيه طريقان.
أحدهما: فيه قولان.
والثاني: لا يجوز قولًا واحدًا ويفارق بيع المؤاجر؛ لأن المستأجر لو مات لا ترجع السكنى إلى البائع, والمعتدة إذا ماتت ترجع السكنى إلى البائع, فيصير كأنه باع دارًا واستثنى لنفسه منفعتها, ولا يجوز ذلك, فإن قيل: هذا يبطل بما لو أجر داره من ابنه ولا وارث له غيره يجوز, وإن كان السكنى ترجع إلى الأب بملك مستأنف وليس كذلك الزوج المطلق, فإن السكنى ترجع إليه بملك مقتدم فافترقا.
فرع آخر
لو منع الحاكم البائع من الرجوع في عين ماله على مذهب أبي حنيفة وحكم عليه
الجزء: 5 - الصفحة: 360
بالمضاربة مع الغرماء لا ينقص حكمه لأنه مجتهد فيه.
وقال الاصطخري: ينقص حكمه لأنه يخالف نص السنة.
مسألة:
قَالَ: "وَلَوْ قَسَّمَ الحَاكِمُ مَالَهُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ".
الفصل:
إذا قسم الحاكم مال المفلس بين غرمائه الحاضرين، ثم قدم غرماء آخرون فإنهم يشاركون فيما أخذوه بمقدار ديونهم، كما لو كانوا حاضرين، ثم مذهب الشافعي أن الحاكم لا ينقص جميع القسمة وإنما يأخذ من كل واحد [ق 318 ب] منهم مقدار ما يخصه.
ومن أصحابنا من قال: ينقص القسمة في الجميع ثم يقسم بين جميع الغرماء على قدر حقوقهم فإنًا بينًا أن القسمة الأولى كانت باطلة، وهذا مخالف لما نص عليه الشافعي، ولأن الخطأ وقع في بعض القسمة فلا يجوز نقض جميعها.
وحكي أصحابنا عن مالك أنه لا يشاركهم ولا تنقض تلك القسمة وحقوقهم في ذمة المفلس على ما يحدث له من المال؛ لأن تلك القسمة نفذت بالاجتهاد، وهذا غلط؛ لأن الحجر لا يتبعض في هذه الحالة بل يقع ذلك الحجر لحق الغائب والحاضر، وقسمة المال بين الحاضرين على الظاهر، فإذا ظهر الأمر بخلاف الظاهر نقض كما لو حكم الحاكم باجتهاده ثم بان النص بخلافه، وكما لو قسم الورثة المال ثم قدم وارث آخر.
وأما قوله: "لا ينقض ما مضى بالاجتهاد" قلنا: ليس ذلك بحكم منه وهما كما قال الشافعي: "لو زوج الحاكم الصغيرة لا يصح نكاحه" لأنه لم يحكم به بل عقد على اعتقاده.
وذكر أصحاب مالك مثل مذهبنا سواء.
فإذا تقرر هذا لو كان له غريمًا في الابتداء لكل واحد ألف فقسم بينهما نصفين فأتلف أحدهما ما قبض وهو معسر لا شيء له ثم ظهر للمفلس الأول غريم ثالث بألف درهم فإنه يشاطر الأول الذي لم يتلف ما قبض فيأخذ منه مائتين وخمسين، لأنه يقول: حق ذلك الذي أخذ خمسمائة وأتلف في ثلث الألف وما زاد [ق 319 أ] وهو سدس الألف من حقنا جميعًا قد تلف عنده ما بقي يكون بيننا نصفين.
ولو كان عليه لأربعة من الغرماء لكل واحد منهم ألف فقسم بينهم أرباعا وبقي لكل واحد ثلاث أرباع ألف، ثم بعد الحجر استدان ألفين فحجر عليه وفي يده من المال المستحدث بعد الحجر الأول ألف درهمٍ، فإن الألف تقسم بين جميعهم على عشرين سهمًا لكل واحد من الأولين ثلاثة أسهم، ولكل واحد من الآخرين أربعة أسهم.
ولو استحدث ديونًا بعد الحجر الأول فلا مشاركة لأصحابه مع الأولين، فإن استحدث ديونًا ومالًا فحجر عليه مرة أخرى لم يخلص ماله للآخرين بل
الجزء: 5 - الصفحة: 361
يضرب فيه الآخرون بجميع حقوقهم والأولون بباقي حقوقهم.
ولو استحدث ديونًا وظهر له مال قديم فإنه للآخرين خاصة، إلا أن يفضل عنهم شيء فيضرب إلى الآخرين بالحصص.
مسألة:
قَالَ: "وَإِذاَ أَرَادَ الحَاكِم بَيْعَ مَتَاعه أَوْ رهْنَهْ".
الفصل:
إذا أراد الحاكم بيع مال المفلس فالمستحب أن يحضر المفلس؛ لأنه صاحب المال فيعرف الجيد من الرديء، وما كثرت قيمته وقلت، فلا يقع فيه غبن، ولأن بحضوره تقوى نفوس الراغبين في شرائه حتى لا يرد عليه ويذكر بكم اشترى كل شيء فيرغب فيه المشتري ويكون أبعد من [ق 319 ب] التهمة، ويكون أطيب لقلب المفلس وأسكن لنفسه.
ويستحب أن يحضر الغرماء لأنه يباع لهم، ولأن بعضهم ربما يرغب في شيء منه فيزيد في ثمنه ويكون أبعد من التهمة، فإن لم يكن ذلك وانفرد الحاكم أو أمينه بالبيع جاز، ولأنه مفوض إلى اجتهاده فإذا فعل جاز.
فإذا ثبت هذا بدأ في البيع بالرهن لتعلق حق المرتهن بعينة، ولأنه ربما يفضل من قيمته شيء فيقسم بين سائر الغرماء، ثم إذا باع الراهن فإن كان وفاء حقه أخذه، وإن كان أكثر منه جعل الفاضل لسائر الغرماء، ولا ينتظر حضور الباقين لأنه تقدم به، ولهذا قال الشافعي:
"فَيَدْفَع منه حَقً الرًهن مِن سَاعَتِهِ".
ثم يبيع العبد الجاني إن كان للمفلس عبد جني؛ لأن حق المجني عليه يتعلق برقبته، وربما يفضل منه شيء فيقسم بين الغرماء، فإذا بيع فإن لم تف قيمته بأرش الجناية لا يضرب بما بقي مع سائر الغرماء، لأنه لا يستحق أكثر من قيمة العبد الجاني.
قال في "الأم": وليس للمفلس أن يفديه من سائر ماله لأنه بمنزلة الشراء ولا يصح شراء المفلس.
مسألة:
قَال: "وَيَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لِغُرَمَاءِ الْمفَلًسِ: ارْتُضوا بِمَنْ يَكُونَ عَلَى يَديْهِ الثًمَنُ، وَبِمَنْ يُنَادِي عَلَى مَتَاعِهِ".
الفصل:
إذا أراد الحاكم [ق 320 أ] بيع ماله لابد من منادي ينادي عليه ولابد من عدل يجمع المال عنده فيقول الحاكم للمفلس والغرماء: اتفقوا على منادي وعدلٍ يوضع المال
الجزء: 5 - الصفحة: 362
عنده، فإن اتفقوا على واحد نظر الحاكم فيه، فإن كان عدلًا أمضاه، وإن كان فاسقًا رده.
فإن قيل: أليس المتراهنان إذا وضعا الرهن على يد الفاسق لم يكن للحاكم فيه اعتراض، وهنا قلتم: الحاكم يرده إذا كان فاسقًا.
قلنا: الفرق أن الحق هناك لا يتعدى عن المتراهنين، وهنا ربما يظهر غريم آخر فيحتاج الحاكم أن يختلط فيه، ولأن الحجر بحكم الحاكم كان ما يتعلق به من أحكام إلى اجتهاد الحاكم.
وإن اختلفوا فقال الغرماء: نضعه على يد فلانٍ وقال المفلس على يد غيره، فإن كان أحدهما عدلًا دون الآخر فالعدل أولى به، وكذلك إن كان أحدهما بأجرةٍ والآخر بغير إجرة، فالذي لا يطلب الأجرة أولى.
وإن استويا في العدالة وترك الأجرة وطلبها، قال في "الأم": "يضم أحدهما إلى الآخر".
ومن أصحابنا من قال: يجتهد الحاكم في أعدلهما وأصلحهما، وإن لم يرجع الحاكم إلى المفلس والغرماء في المنادي والعدل وتولى بنفسه دون أمرهم جاز، ثم قال الشافعي: "وَلَا يَقْبَلُ إِلًا ثِقَةٍ".
وفي بعض النسخ:
"وَلَا يَقْبَلُ إِلًا مِنْ ثِقَةٍ".
وأراد بالأول المنادي.
والعدل ينبغي أن [ق 320 ب] يكون ثقة على ما ذكرنا.
وقوله:
"إِلًا مِنْ ثِقَةٍ".
معناه من يزيد في الثمن عند النداء فلا تقبل تلك الزيادة إلا من ثقة، لأنه يزيد ويقصد الفساد على الغير.
ورأيت في بعض النسخ:
"وَلَا تُقْبَلُ الزيَادَةَ إلَّا مِنْ ثِقَةٍ".
ثم ينظر فإن وجد مناديًا يعمل بغير أجرٍة لم يجز أن يعطي عليه الأجرة، لأن فيه تضييع ماله، وإن لم يجد إلا بأجرة يجب أن يدفع الأجرة من بيت المال؛ لأن بيع مال المفلس وحفظه يتعلق بمصالح الناس دون الغرماء، ويأمرهم أن يشارطوه على مقدار معلوم، فإن لم يشارطوه أعطى أجرة المثل، وإن لم ينازعوا في الأجرة اجتهد الحاكم فيها واكترى على ما يراه من ماله.
فإن قال قائل: لم قال الشافعي:
وَأَحَب? أَنْ يُرْزَقَ مِنْ وَلِي هَذَا مِن بَيْتِ المَالِ" ولم يذكر المشارطة لتقدير الرزق.
ثم قال:
"فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَعْمَلْ إِلا? بِجُعْلٍ شَارَطُوهُ".
وأمر بالمشارطة وتقدير الأجرة إذا كانت العمالة في مال المفلس؟ قلنا: وإن لم
الجزء: 5 - الصفحة: 363
يقيد كلامه بالمشارطة حيث ذكر رزقه من بيت المال؛ لأنه لم يرد بذلك الرزق عند الإجازة، بل أراد بذلك الجراية التي تجري على أمثاله من بيت المال للبيع في مصالح المسلمين على قدر الكفاية بالمعروف، وذكر المشارطة في الجانب الثاني؛ لأنه أراد بها عند الإجازة، ولا بد في عقد الإجازة من إعلام الأجرة.
ثم ينبغي أن يبيع كل شيء [ق 321 أ] في سوقه فيباع البز في البزازين، والكتب في الوراقين ونحو ذلك؛ لأن الطلب فيه أكثر والرغبات أثم، ولأنهم لأعرف بثمنه من غيرهم فلا يقع فيه غبن، ف
غن باعه في غير سوقه بثمن مثله جاز؛ لأن السوق إنما يراد لزوال الغبن، ولهذا لو وكل وكيلًا في بيع سلعة في سوق بعينه فباعها في سوق آخر بثمن المثل جاز.
وعلى هذا كل خصلة فيها صلاح ثمن المبيع، فعلى الحاكم مراعاتها لأنه منصوب للنظر والشفقة.
فرع
لو باع شيئًا بثمن مثله ثم جاء من يزيد بعد لزم البيع بانقطاع الخيار.
قال الشافعي: لو سأل المشتري الإقالة أو بذل الزيادة استحب للمشتري الإجابة إلى ذلك، لتعلقه بمصالح المفلس وقضاء ديونه، فإن لم يفعل لم يجب عليه.
ولو كان في المجلس يلزم الحاكم قبولها وفسخ البيع، فإن لم يقبل انفسخ البيع.
مسألة:
قَالَ: "وَلَا َيَدْفَعُ إِلَى مَنْ اشْتَرَى شَيْئًا حَتًى يَقْبِضَ الثًمَنَ".
إذا باع من مال المفلس شيئًا فإن كان المشتري لم يحضر الثمن لا يجوز له تسليم المبيع إليه، وإن أحضر الثمن واختلفا فيمن يسلمه أولًا فهو على ثلاثة أقوال في غير المفلس لا يجني، القول الثالث: أنه يجبر واحد منهما على التسليم ويقول: من يتبرع بالتسليم أجبرت الآخر عليه لأن تأخيره لا يجوز ههنا لحقوق الغرماء، ويكون فيه قولان:
أحدهما: يجبر البائع على التسليم.
والثاني: [ق 321 ب] يجبران معًا.
ومن أصحابنا من قال في غير المفلس قول رابع أنه يجبر المشتري أولًا، فهنا لو سلم قبل أخذ الثمن ضمن إن تلف ولم يصل إليه الثمن، وإن سلم قبل أخذ الثمن بإذن الحاكم.
قال أبو يعقول الأبيوردي من أصحابنا: الأشبه أنه لا يضمن، لأن هذا كالحكم نفذ منه فلا يرد عليه.
وإن قلنا: لا يجبر المشتري أولًا كما معناه لا يدفع إلى من اشترى احتياطًا لا واجبًا.
الجزء: 5 - الصفحة: 364
مسألة:
قَالَ: "وَمَا ضَاعَ مِن الثمَنِ فَمِنْ مَالِ الْمُفْلِسِ".
إذا ضاع الثمن من يد المنادي أو من يد العدل فلا ضمان عليه ويكون ضمانه من مال المفلس وقد بيناه في "كتاب الرهن"، وهذا لأن ملكه كالرهن يضيع يكون من ضمانه راهنه.
وقال مالك: إن كان من جنس حقهم فهو تالفٌ من مالهم، وإن لم يكن من جنسه كان تالفًا من مال المفلس.
مسألة:
قَالَ: "وَيَبْدَأُ فِي البَيْعِ بِالْحَيَوَانِ".
الفصل:
قال أصحابنا: أراد إذا لم يكن في ماله ما يخاف عليه الفساد كالفواكه الرطبة ونحوها.
فإن كان في ماله ذلك يبدأ ببيعه لأنه يتلف يقينًا، ثم يبدأ ببيع الحيوان؛ لأنه يخشى عليه ويحتاج فيه إلى مؤن.
وقيل: في إمساك الحيوان مؤنه حرسٍ وضمان حيوانٍ، ثم يباع بعد الحيوان ما ينقل وتحول؛ لأنه يخاف عليه وتتناوله الأيدي.
ثم إذا لم يبق إلا العقار باعه، وكل ما يباع ينادى عليه إلا العقار فإنه يباع [ق 32 أ] في غير النداء، ولأن النداء يخلق العقار فإنه يباع [ق 322 ب] في غير النداء، ولأن النداء يخلق العقار ولا يشتريه إلا أعيان الناس، ومن يشتري السلع لا ينحصر فالنداء عليها أولى.
وقوله:
"وَيَتَأَتًى بِالمَسَاكِنِ" أراد يصير مدة انتشار أمره وظهوره في الناس ليكثر الطلاب.
وقد قال الشافعي: ينادى به ثلاثًا ولا يؤخر أكثر من ذلك، فإن كان بالقرب من البلد من يرغب في هذا العقار بعث إليهم وعرفهم ذلك، فإن رأى أهل البصر أن قد بلغت أثمانها تباع وإلا ترك وأخر، ولا يباع بأقل من ثمن مثله بحالٍ، وكل موضع قلنا يبيع ماله فإنما يباع بثمن مثله بنقد البلد وإن كان من غير جنس حق الغرماء؛ لأنه أوفر.
ثم إن كان حقهم ثبت لا من جهة السلم دفع إليهم نقد البلد بالعوض إن تراضوا، وإن لم يتراضوا وكان سلمًا اشترى لهم من جنس حقهم وصرف إليهم.
مسألة:
قَالَ: "وَإِنْ وَجَدَ الإِمَامُ ثِقَة? يُسَلَفُهُ المَالَ حَالًا لَمْ يَجْعَلْهُ أَمَانَة?".
إذا باع الحاكم شيئًا من مال المفلس، فإن كان الغريم واحدًا يدفع إليه في الحال، وإن كان له غرماء نظر، فإن كان ما حصل من الثمن قدرًا يقع من الغرماء إذا قسم بينهم
الجزء: 5 - الصفحة: 365
موقعًا لم يقرضه ولم يعدله، بل يصرفه إليهم في الحال.
وإن كان قليلًا لا يقع منهم الموقع فلا بد من أمين يوضع المال على يده حتى يحصل بيع الجميع، وربما يمتد ذلك أيامًا، فإن وجد مليًا ثقة يقرضه ذلك حتى يبيع الباقي فلا [ق 332 ب] يجعله أمانة؛ لأن القرض مضمون على المستقرض فيكون أحفظ للمفلس، وإن لم يكن المستقرض ثقًة لا يقرض بحالٍ.
فإن قال قائل: إذا كان السلف لا يقبل الأجل ولو ذكر فيه الأجل كان حالًا فما معنى تقييد الشافعي كلامه بالحلول حيث قال:
"وَإِنْ وَجَدَ الإِمَامُ ثِقَة? يُسَلًفُهُ المَالَ حَالًا".
قلنا: هذا ليس بشرط بل هو وصف للقرض، فكأنه قال: يسلفه المال السلف الذي هو حال، فإن الأجل لا يثبته في القرض بحالٍ.
وقيل لئلا يشترط الأجل فيرفع إلى مالكي المذهب يرى ثبوت الأجل في القرض فيجبره عليه فيكون فيه ضررا بالغرماء، وقيل: إنما ذكر هذا لأن القرض إذا كان مقيدا بالحلول حسنت المطالبة به كل حين، وإذا سار مقيدا بالتأجيل لم تحسن المطالبة به حالا؛ لأن الوفاء بالوعد من معالم الشريعة والتغرير قبيح.
وقيل: أراد حالًا بغير تشديد، يعني أنه يقرضه في الحال، وهذا ليس بشيء.
فإن قيل: أليس قال الشافعي في ولي الصبي يودع مالا ف ولا يقرضه، فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن مال الصبي يعد لمصلحة تظهر له من شراء عقارٍ أو تجارة وفي القرض تتعذر المبادرة إلى ذلك، ومال المفلس معد للصرف إلى الغرماء خاصة فالقرض أولى.
مسألة:
[ق 323 أ] قَالَ: "وَيَنْبَغِي إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ أَنهُ وَقَفَ مَالَهُ عَنْهُ".
إذا رفع إلى الحاكم أن فلانًا أفلس لا يجوز له أن يحجر عليه إلا بثلاثة شروط:
أحدهما: أن يثبت عنده الدين للغرماء بما يثبت به مثله من إقرار وبينة.
والثاني: أن يطالب الغرماء بالحجر عليه.
والثالث: أن يكون ماله لا يفي بديونهم، فإن كان ماله لا يفي بديونه فإن لم تظهر أمارات الفلس فقد ذكرنا وجهين، والصحيح أنه لا يحجر.
فإن قيل: فما تأويل قول الشافعي: إذا باع المحجور شيئًا من ماله في أحد القولين يصح ويكون الفاضل من ديون الغرماء.
وهذا يدل على جواز الحجر، وإن كان له مال يفضل عن الديون؟ قلنا: أراد إذا زادت السلعة التي عنده فتصرفه نافذ في الفاضل، يعني في الزيادة.
والحجر عليه أن يقول الحاكم: وقفت ماله عليك ومنعتك من التصرف فيه،
الجزء: 5 - الصفحة: 366
أو يقول: حجرت عليك ومنعتك من التصرف فيه.
وقيل: في اللفظ الذي يقع به الحجر وجهان:
أحدهما: وهو اختيار البغداديين أن يقول الحاكم: قد وقفت مالك ومنعتك من التصرف فيه؛ لأن هذا هو المقصود بالحجر.
والثاني: وهو اختيار البصيرين: أن يقول: حجرت عليك بالفلس؛ لأن الحجر يتنوع ولكل واحد منه حكم فلا بد من التصريح به ليمتاز عن غيره؛ ولأن وقف المال والمنع من التصرف من أحكام الحجر فلم يقع به [ق 323 ب] الحجر.
ثم الاحتياط أن يشهدا الحاكم على حجره؛ لأن فيه تشهير أمره فلا يباع ولا يشاري، ولأن الحاكم ربما عزل؛ فإذا لم يكن أشهد عليه لا يقبل قوله فيه.
وقيل: الإشهاد هل هو شرط في تمام الحجر؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يشترط لأن نفوذ الحكم لا يحتاج إلى الإشهاد.
والثاني: يشترط لأن المقصود به الشهرة ولا يكون مشتهرًا إلا بالإشهاد فجرى مجرى اللعان الذي يقصد به الشهرة.
وإذا أراد الحاكم أن يعلم عجزه عن قضاء ديونه، فالوجه فيه أن يقوّم ماله ويقابل بينه وبين ديونه، وهل تقوّم أعيانه التي اشتراها ولم يؤد ثمنها فيه وجهان:
أحدهما: لا تقوّم لأنه لا فائدة في ذلك فإن يرجع صاحبها فيها.
والثاني: لجواز أن لا يختار البائع الرجوع فيها ويختار المضاربة وإن طلب بعض الغرماء الحجر عليه في موضع الحجر ولم يطلب البعض أجيب من طلبه لأنه حق له.
وإذا امتنع من قضاء دينه مع اليسار لا يحجر عليه ويطلبه دينه ويحبسه عليه، فإن قضاه وإلا باع عليه.
وبه قال مالك، وأبو يوسف، ومحمد.
وقال أبو يوسف: لا يبيع عليه مالكه بحسبه حتى يبيعه إلا أن يكون ماله أحد النقدين وعليه النقد الآخر فله صرفه إليه.
وهذا غلط؛ لما روى كعب بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معا رضي الله عنه [ق 324 أ] وباع عليه ماله.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في خطبته: ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، فأدان معرضًا فأصبح قد دين به، فمن كان له عليه دين فليحضر غدا فإنًا بايعوا مالوا وقاسموه بين غرمائه.
ثم قال: إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حزن.
الجزء: 5 - الصفحة: 367
وقوله: "أدان معرضًا" هو الذي يعرض للناس فيستدين من يليه، ويقال: قد دين بالرجل دينًا، إذا وقع فيما لا يستطيع الخروج منه ولا قبل له به.
وقيل: إنه كان يشتري الرواحل فيغالي بها ثم يسرع السير فيسبق الحاج فأفلس فرفع أمره إلى عمر رضي الله عنه فقال هذا.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا فَعَلَ هّذَا لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ".
الفصل:
إذا حجر عليه فقد قلنا إنه يصير ممنوعًا من التصرف.
وقال أصحابنا: هذا الحجر للإفلاس هل يجري مجرى السفه أم حجر المرض؟ قولان:
أحدهما: أنه كحجر السفه؛ لأنه الخوف التبذير والتوفر، ولا يثبت إلا باجتهاد الحاكم.
والثاني: أنه كحجر المرض؛ لأنه لأجل الغير كما أن حجر المرض للوارث والغرماء، ولأن المفلس لا يقدح في عدالته كالمرض.
وعلى كلا القولين لو تصرف بما يتعلق بذمته دون ماله الذي في يده كالضمان [ق 324 ب] والشراء في الذمة يصح، والاعتراض للغرماء في ذلك؛ لأن الحجر عليه اختص بماله دونه ذمته؛ لأنه ليس بسفيه ولا مجنون فترد جميع تصرفاته، فإن باع عينًا من الأعيان التي في يده أو تصدق بها أو وهبها فيه قولان:
أحدهما: باطل وهو اختيار المزني، وبه قال مالك لأنه محجوز عليه بحكم الحاكم كالسفيه وليس كالمريض؛ لأنه ممنوع من صرف ماله في شهواته ولذاته بخلاف هذا.
والثاني: أنه صحيح ويوقف، فإن كان فيما بقي من ماله وفاء الغرماء نفذ تصرفه وإن لم يكن فيه وفاء أبطل، وهذا لأن من صح شراءه صح بيعه.
فإذا قلنا بهذا القول، فإن الحاكم يؤخر بيع ما تصرف فيه من الأعيان، فإن كان لا يفي بحقوق الغرماء أبطل الأضعف فالأضعف، فإن كان وهب عينًا وباع عينُا أخرى، واحتاج إلى إبطال إحداهما بطل عقد الهبة.
قال: وفي ترك البيع وإمضاءه وإن كان باع وأعتق يبطل البيع أولًا، لأنه يلحقه الفسخ ثم يبطل العتق آخرًا.
وإن كاتب قال المزني: تكون كتابته فاسدة واحتج بهذا على اختياره.
وقال أصحابنا: في الكتابة أيضا قولان، والمزني حكي أحد القولين.
وقيل:
الجزء: 5 - الصفحة: 368
يحتمل أن يقال: يفسخ الآخر فالآخر كما قلنا محاباة المريض إذا ضاق.
فإن قيل: أكثر ما في الكتابة أنها فاسدة فينبغي إذا أد?ى [ق 325 أ] المال بعد الإطلاق أن يعتق.
قيل: إذا أبطلنا هذه الكتابة أبطلناها لأن عاقدها ليس من أهلها كالصبي والمجنون، وليس من أهل إنشاء العتق، وفي غير هذا الموضوع عاقدها من أهل إنشاء العتق تعليقًا وتنجيزًا، فإذا كانت الكتابة فاسدة كان تعليق العتق فيها موجودًا فنفذ.
مسألة:
قَالَ: "فَإِذَا أَقَر? بِدَيْنٍ زَعَمَ أَنًهُ لَزِمَهُ قَبْلَ الوَقْفِ".
الفصل:
إذا لزم المحجور عليه لفلس دين بعد الحجر لا يخلو إما أن يلزم بسبب سبق الحجر أو بعده، فإن كان بسبب سبق الحجر، فإن كانت ببنية ثبت الحق بها عليه يكون أسوة الغرماء فولًا واحدًا، وإن كان باعتراف ثبت الدين في الذمة قولًا واحدًا، وهل يشارك المقر له سائر الغرماء؟ قولان:
أحدهما: إذا كان قبل الحجر فيشاركهم كما لو ثبت بالنية.
والثاني: لا يشاركهم وبه قال مالك.
كما لو كان على الميت دين يستغرق تركته فأقر الوارث بدين آخر لم يشارك المقر له سائر الغرماء؛ لأن حقوقهم تعلقت بعين التركة كذلك هنا.
ومن قال بالأول فرق بينهما بأن الوارث لا يملك التركة ملكا صحيحا، واحتج مالك بأنه متهم في هذا الإقرار فلا يسقط به حق الغرماء.
قلنا: الظاهر أنه غير متهم وأنه لا يقر بدين ليس عليه ليقع التقصير في أداء ما عليه، وإن أقر بعين في يده لإنسان، فإن [ق 325 ب] قلنا بالقول الأول كان المقر له أحق بالعين من سائر الغرماء.
قال الشافعي: "لو كان المفلس قصارًا أو صائغًا وحجر عليه وعنده ثياب الناس وحليهم لا يقبل قوله في رد أموال الناس.
وإذا قلنا بالقول الثاني لم تسلم العين إليه إلا أن يفصل عنهم أو يقيم المقر له بينة ويقدم قضاء دينه من غير هذه العين حتى ربما تبقى هذه العين فيدفع إلى المقر له بها.
وإذا بيع هذه عند الاحتياج للغرماء فقيمتها في ذمة المفلس لمن أقر? له بها.
وعلى هذا لو ادعى رجل عليه دينًا فأنكر فالقول قوله، فإن حلف برئ، وإن نكل حلف المدعي وثبت المال له في ذمة المفلس.
وهل يشارك الغرماء؟ من أصحابنا من قال: النكول واليمين في رد اليمين بمنزلة الإقرار فيصير كأنه أقر، وقد ذكرنا قولين في إقراره.
ومن أصحابنا من قال: النكول إلى اليمين في رد اليمين تجري مجرى البينة فيكون
الجزء: 5 - الصفحة: 369
أسوة الغرماء، وهذا ضعيف.
وإن ثبت عليه بسبب بعد الحجر نظر، فإن كان باختيار من له الحق كالقرض والشراء في الذمة لا يشارك من ثبت له الحق للغرماء، وما ملكه من المبيع إذا كان مثمن إلى أجل كسائر أعيان ماله يتعلق به حقوق الغرماء.
وإن كان الحق ثبت عليه بغير اختيار من له حق مثل إن جني على مال غيره جناية [ق 326 أ] أرشًا في ذمته يكون أسوة الغرماء فيه وإن كان بعد الحجر، لأنه ما رضي بتأخير حقه عليه.
ويخالف هذا إذا جني عبده فالمجني عليه يكون أحق بالعبد الجاني من سائر الغرماء؛ لأن أرشه متعلق برقبته فكان أكد من غيره.
فرع
لو ابتاع في حال الحجر سلعة بثمن في ذمته فأراد البائع أن يرجع بالفلس، فإن كان البائع عالمًا وقت البيع لم يكن له الرجوع، وإن لم يكن عالمًا به وجهان:
أحدهما: له الرجوع؛ لأن عقده قبل الحجر أقوى منه بعده، وجاز استرجاع ما ابتاعه قبل الحجر فهذا أولى.
والثاني: لا يرجع؛ لأنه كان يقدر على استعلام حاله قبل العقد فصار في حكم العالم به.
والأول أصح كما نقول في الرد بالعيب ثبت وإن أمكن الاستعلام قبل العقد.
فرع آخر
لو باعه مع العلم بفلسه قبل الحجر.
قال أصحابنا: فيه وجهان:
أحدهما: له أن يفسخ لأنه قد رضي قبل وقت الفسخ، كما لو رضيت بزوج معسر المطالبة بالفسخ لعجز النفقة.
والثاني: ليس له الفسخ، لأنه عالم بعيبه وهو خراب ذمته، فصار كما لو اشترى معيبًا مع العلم بعيبه.
مسألة:
قَالَ: "وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ المُفْتِينَ إِلَى أَن? دُيُونَ المُفْلِسِ إِلَى أَجَلٍ تَحِل حُلُولَهَا عَلَى المَيًتِ".
الفصل:
صورة المسألة أن يكون على المفلس ديون حالة [ق 326 ب] وديون مؤجلة، وسأل أصحاب الديون الحالة الحجر عليه فحجر عليه الحاكم، هل تحل الديون المؤجلة؟ فيه قولان:
الجزء: 5 - الصفحة: 370
أحدهما: تحل عليه, وبه قال مالك؛ لأنه حديث حالة تعلقت حقوق الغرماء بأعيان ماله فوجب أن تحل الديون المؤجلة كما لو مت.
والثاني: لا تحل عليه - وهو الأصح- وبه قال أبو حنيفة, واختاره لأنه معنى لا يقطع تصرفه في ذمته فلا يجب حلول الدين المؤجل كنفس الإفلاس قبل الحجر.
والفرق بينه وبين الموت, أن الرجل إذا مات بطلت ذمته ولا يملك بعد الموت شيئًا, والمحجور عليه ذ ذمة والأجل محل الذمة فلا يسقط ما لم تخرب وخرابها بالموت.
فإن قلنا: لا تحل قسم ماله بين الغرماء الذين ديونهم حالة, فإن كانت أعيان ماله لأصحاب الديون المؤجلة هل تباع في حق أصحاب الديون الحالة؟
المنصوص أنها تباع في حقهم, لأنه مال من أموال المفلس كسائر أمواله, ومن أصحابنا من قال: لا تباع في حقهم, وأشار إليه الشافعي في "الإملاء" وشبه بالرهن في يديه حتى يحل الحق فيطالبه بالثمن أو يرجع فيه ويعاد الحجر عليه لأجلهم إن طلبوا ولا القياس, وإذا قلنا تحل عليه الديون المؤجلة [ق 327 أ] صارت كلها حالة, فمن كان له عين ماله فله الرجوع فيه, ومن لم يكن له عين مال ضارب الغرماء بالثمن, وهذا هو المذهب؛ لأن الشافعي شبهه بالميت على هذا القول فكان حكمها سواء.
وقال أبو إسحق وابن أبي هريرة: إن كان دينه في ذمته ضرب مع الغرماء بحصته, وإن كان مبيعًا في يديه يعزل من جملة ماله إلى أن ينقضي الأجل ولا يدفع إليه في الحال, ثم ينظر فإن كان المشتري أفاد مالًا قبض منه ثمنه, وإن لم يفد مالًا كان أحق بعين ماله.
وقال صاحب "الإفصاح": العين والدين سواء في هذا, وهو أن يعزله من ماله ولا يدفع إليه شيئًا إلا بعد حلول الأجل.
ومعنى قولنا: "تحل ديونه" أي يضارب الغرماء, فأما القبض فلا يجوز إلا بعد مضي أجله, وهذا كله تخليط, وليس للشافعي في التفريع على هذا القول نص, والذي يقتضيه مذهبه كما ذكرنا.
وإن قال قائل: قال الشافعي في "الإملاء": ولا يفسخ البيع حتى يحل أجله مفلسًا, لأنه يمكن أن يؤسر قبل الأجل, قال أبو إسحاق في "الشرح": هذا على القولين جميعًا.
قلنا: هذا الفول الذي يقول يحل الدين وعلى هذا حمله المزني في "المختصر" فبطل ما قاله أبو إسحاق وصاحب "الإفصاح" وهذا لأن الدين إذا حل لا معنى للحبس على الأول.
وإن كانت الديون كلها [ق 327 ب] مؤجلة لا يختلف المذهب أن الحاكم لا يحجر عليه سواء ظهرت أمارات الفلس أو لم تظهر؛ لأنه لا مطالبة لهم في الحال, ولا يصح الحجر إلا بمطالبة الغريم.
فرع
إذا مات وله ديون مؤجلة قد ذكرنا أن الأجل يسقط, وبه قال عامة الفقهاء, وقال
الجزء: 5 - الصفحة: 371
ابن أبي ليلى: يبقى الأجل ولا يحل بموته, وروي ذلك عن الزهري, وعمرو بن دينا, وهذا غلطا لما روى نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا مات الرجل وله دين إلى أجل وعليه دين إلى أجل فالذي عليه حال, والذي له إلى أجله" ولأن في تبقية الأجل إضرارًا بالميت فإن ذمته مرتهنة بدينه, ولا تنتفع به الورثة أيضًا؛ لأنهم لا يقدرون أن يتصرفوا في الأعيان لتعلق الدين بها فلا وجه لبقاء الأجل.
مسألة:
قال: "ولو جني عليه عمدًا".
الفصل:
إذا جني على مفلس لا يخلو إما تكون الجناية عمدًا أو خطأ, فإن كانت خطأ أو عمدًا يوجب المال لم يصح عفوه عليه؛ لأن ذلك تبرع منه وإن كانت عمدًا يوجب القصاص فإذا قلنا: موجب العمد القصاص فقط والمال إنما يجب بالعفو على ماله كان له أخذ القصاص وله العفو على غير مال؛ لأن المال لا يجب إلا بالاختيار ولا يلزمه اختيار المال [ق 328 أ] وليس للغرماء منعه من ذلك.
وإن قلنا: موجبة أحد شيئين إما القصاص وإما الدية فعفا عن القصاص ثبت على هذا القول فلا يصح عفوه على مال ثابتٍ.
مسألة:
قال: " وليس على المفلس أن يؤاجر".
إذا فرق ماله على الغرماء ولم يبق شيء يفك الحجر عنه وليس للغرماء ملازمته وبقولنا قال مالك, وهذا لا عن من ليس له مطالبته ليس له ملازمته, كما لو كان الدين مؤجلًا.
واحتج بما روى صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لصاحب الحق اليد واللسان" وقلنا: نحمله على الموسر بدليل ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها فكثر دينه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خذوا ما وجدتم ليس لكم إلا ذلك".
وقيل: بماذا ينفك حجره؟ وجهان:
أحدهما: بقيام البينة بإعساره مع يمينه, ولا يفتقر إلى فك الحاكم, وهو اختيار أبي إسحاق.
الجزء: 5 - الصفحة: 372
والثاني: لا ينفك إلا بحكم الحاكم؛ لأنه ثبت بحكمه فلا يزول إلا بحكمه وهذان الوجهان مبينان على أن حجره كحجر المرهون, أو كحجر السفيه, وإن كان مكتسبًا لا يجبره على أو يؤاجر نفسه لتؤخذ أجرته وتصرف إلى غرمائه [ق 328 ب] كما لا يجبر على خلع زوجته على مال أو على قبول الهبات.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, ومالك, وعبيد الله العنبري, وأحمد إسحاق: يجبر على أن يؤاجر نفسه وتقضي من أجرته باقي ديونه.
وروي عن مالك أنه قال: هذا فيمن عادته أن يؤاجر نفسه, واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم باع سرقًا في دينه وكان رجلًا دخل المدينة وذكر أن وراءه مالًا فداينه الناس فركبته ديون ولم يكن له مال, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسماه سرقًا وباعه بخمسة أبعرة.
ومعناه باع منافعه وآجره, فإن بيع الحر لا يجوز, وهذا غلط لما ذكرنا من خبر أبي سعيد الخدري.
واحتج الشافعي فقال: "وذو العسرة ينظر إلى ميسرة".
ويشير به إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]؛ ولأنه إذا أعتق شركًا له في عبد لم يجب أن يؤاجر نفسه ليقوم عليه الباقي كذلك ها هنا, ولأنه مكتسب للمال فلا يجبر عليه, وأما خبرهم قلنا: منسوخ بالإجماع؛ لأن البيع وقع على رقبته, ولهذا قال غرماؤه للذي يشتريه: ما تصنع به؟ فقال: أعتقه فقالوا: لسنا بأزهد منك في إعتاقه فأعتقوه.
مسألة:
قال: "ويترك له من ماله قدر ما لا غنى به عنه".
الفصل:
الحاكم إذا أراد قسمة ماله [ق 329 أ] بين غرمائه لا يجوز أن يستلب جميع ماله حتى لا يبقى شيئًا؛ لأن له من ماله حقًا كما أن للغرماء فيه حقًا فينفق عليه وعلى من يلزمه نفقته من ماله من يوم الحجر إلى أن يباع عليه ماله ويقسم بين غرمائه.
وكذلك اليوم الذي يقسم فيه ماله لأنه كان غنيًا في أول هذا اليوم فوجب أن ينفق عليهم, وفقرة لا يتحقق قبل قسمة ماله ويكون مقدمًا على حقوق الغرماء, وكذلك كسوته وكسوة من تلزمه كسوته, والكسوة أقل ما يكفيه في الصيف والشتاء, فأما في الصيف فقميص وسراويل ونعل.
قال الشافعي: "وعمامة" يريد بها المنديل, وإن كان له عادة بالإزار فيها إزار,
الجزء: 5 - الصفحة: 373
وكذلك الطيلسان أو الرداء إن كانت عادته.
وأما في الشتاء يضم إليها جبة ويكون بدل النعل خفًا وشمكًا, وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يستبقي لأقاربه من ماله في يومهم وليلتهم النفقة, وإنما يستبقي لأهله لأن نفقة الأقارب لا تلزم الفقراء وإنما تلزم الأغنياء, وقالوا: نفقته في هذه الأيام نفقة المعسرين, لأنه ليس من جملة الموسرين, وهذا أقيس ولكنه خلاف المذهب المشهور, وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول" وملكة قبل القسمة باق على ما كان [ق 329 ب] وهذا إذا لم يكن له صنعة يكتسب بها, فإن كانت له صنعة يمكنه أن يكتسب بها فنفقته ونفقة من تلزمه نفقته من كسبه, ولا ينفق عليهم من ماله؛ لأن حقوق الغرماء تعلقت به.
ولا وجه للإنفاق من المال ورد الكسب في المال, وإن لم يف كسبه بنفقتهم أكملت من ماله, فإن فضل منه شيء رد الفضل إلى ماله وقسم على غرمائه.
قال الشافعي: "وإن كانت ثيابه كلها عوالي مجاوزة القدر اشترى له من ثمنها أقل ما يلبس" من هو في مثل حالة التعفف لا حالة التجمل وقضاء حقوق الناس به أولى من استحسان الملابس, ولا يقتصر على قميص واحد بحال بل يشتري منه دست ثوب يليق به.
وإذا كان الرجل متجملًا يلبس فوق القميص ذراعه يشتري له ذلك, وإن كان يلبس دون ما يليق بحالة لم يزد على ما اعتاد لبسه إذ حاله الآن ليست بأحسن مما كان من قبل.
مسألة:
قال: "وإن مات كفن رأس ماله".
الفصل:
إذا مات المفلس كفن من ماله؛ لأن نفقته كانت واجبه في ماله حال حياته فوجب تجهيزه منها بعد وفاته, وكذلك إذا مات واحد ممن يلزمه نفقته في حياته من أقاربه, وفي كفن زوجته وجهان, واختار أبو حامد أنه في ماله أيضًا.
ثم قال أكثر أصحابنا: يكفن في ثلاثة أثواب [ق 330 أ] كما كان يلبس في حياته.
وقال أبو إسحاق: يكفن في ثوب واحد يستر عورته ويخالف حال الحياة لأنه لابد له من تغطية رأسه؛ لأن كشفه يؤذيه بخلاف الميت, وقيل عن أبي إسحاق: يكفن في لفافةٍ واحدةٍ بجميع بدنه؛ لأن هذا أقل ما يكفي الحد ثلاثة أثواب, وهذا اختيار جماعةٍ من أصحابنا, وعلى هذا إذا ماتت المرأة مفلسة يجب أن تكفن في لفافةٍ واحدةٍ فإن فيها كفاية لها.
مسألة:
قال: "ويباع عليه مسكنه (وخادمه) "
الجزء: 5 - الصفحة: 374
الفصل:
إذا كان له مسكن وخادم يحتاج إليهما يباعان في دين الآدميين, لأنه يمكنه أن يسكن ويستخدم بكرًا, ولو وجبت عليه الكفارة لا يلزمه بيع مسكنه, وكذلك إذا كانت له رقبة تحتاج إليها للخدمة لا يلزمه إعتاقها وينتقل إلى الصوم, والفرق من وجهين:
أحدهما: أن حقوق الآدميين مبنية على التشديد والتغليظ, وحقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والتسهيل.
والثاني: أن للرقبة بدلًا من الصوم ينتقل إليه وليس لحقوق الآدميين بدل فلا يمكن استيفاؤه إلا من مسكنه وخادمه.
ويجوز أخذ الصدقات مع وجودها؛ لأن الصدقة تؤخذ بالحاجة وهو محتاج والدين يجب قضاؤه مما في يده مع حاجته إليه فافترقا.
وقال [ق 330 ب] أحمد وإسحاق: لا يباع مسكنه ولا خادمه فيه, وروي عن ذلك عن عمر بن عبد العزيز.
فإن قيل: لم قال الشافعي: إذا بيعت ثيابه الغوالي اشترى له من ثمنها, وللحاكم أن يشتري من غير ثمنها, وجميع مال المفلس في هذا سواء, قيل: يحتمل أن يكون هذا توسعًا في الكلام من غير أن تتعلق فائدة بهذا التقييد ويجوز أن يقال: إنما يلبس الرجل من ماله أطيبه نظرًا لنفسه واحتياطه لدينه, فلعل له غرضًا في صرف ثمن ما يلبسه إلى ما يشتري ليلبس.
فرع
إذا كان للمفلس أم ولدٍ فإنها تؤاجر في الدين لأنها في حكم ملكة ذكره القاضي الطبري وجماعة, ومن أصحابنا من قال: لا تؤاجر كما لا يلزم إجارة نفسه, والمذهب الأول.
فرع آخر
لو كانت مفلسة لا زوج لها, وهي تخطب بمهرٍ عظيم لم يجب عليها أن تتزوج لحق الغرماء بلا خلاف.
فرع آخر
جميع ما ملكه في حال الحجر بإتباع واصطياد, أو قبول هبة, أو وصية يصير داخلًا تحت الحجر كأنه موجودًا وقت الحجر.
مسألة:
قال: "وإن أقام شاهدًا على رجل بحق".
الجزء: 5 - الصفحة: 375
الفصل:
إذا أقام المفلس شاهدًا على رجل كان له أن يحلف معه, فإن أبى أن يحلف فهل للغرماء أن يحلفوا؟ قولان:
قال في "القديم": يحلفوا بالله الذي يحلفوا بالله الذي لا إله إلا هو أن هذا يستحق على فلان كذا وكذا فيحلف كل [ق 331 أ] واحد منهم.
وقال في "الجديد": لا يحلفون وهو الأصح؛ لأنه إثبات المال للغير بيمين الغير وذلك لا يجوز.
وعلى هذا إذا لم يكن معه شاهد فنكل المدعى عليه عن اليمين ورددنا اليمين على المدعي المفلس فلم يحلف هل يحلف الغرماء؟ قولان ومن أصحابنا من قال: ها هنا قول واحد لا يحلفون, وإنما القولان في غرماء الميت إذا أقام الوارث شاهدًا واحدًا بدين الميت ولم يحلف مع شاهده هل يحلف الغرماء؟ قولان؛ لأن الوارث يحلف على ظاهر علمه بموت مورثه وقد يدخله شك في ذلك, ويكون الغرماء أعلم بالأمر منه, وفي الحي هو أعلم بالأمر نفسه من غرمائه فنكوله يمنع أن يكون ظاهر الحال معه فلا يجوز أن يحلف الغرماء.
فرع
لو أقام المكاتب شاهدًا واحدًا ولم يحلف لم يجز للورثة أن يحلفوا معه, فأما الورثة بعد الورث يحلفون لأنهم يثبتوه ملك أنفسهم والغرماء يثبتون ملك المفلس.
باب العهدة في مال المفلس
مسألة:
قال: "ومن بيع عليه في دين بعد موته أو في حياته بفلسٍ فكله سواء".
الفصل:
إذا باع الحاكم مال المفلس ووضع عنه على يد عدل, أو باع العدل بأمره أو باع ولي اليتيم ماله فتلف الثمن في أيديهم [ق 331 ب] بلا تفريط فلا ضمان على واحد منهم, وكان تلفه من مال من بيع عليه على ما ذكر, ولو استحق المبيع من يد المشري فعهدة المشتري على المفلس الذي بيع عليه خلافًا لأبي حنيفة.
وقد ذكرنا هذه المسألة في "كتاب الرهن" وهل يقدم المشتري بعهدة الثمن على سائر الغرماء؟ قد ذكرنا قولين والأصح أنه يقدم قولًا واحدًا, وقول الشافعي:
"يُقال للمشتري: أنت غريم المفلس كغرماء سواء".
أراد انتظار ظهور المال لا في المضاربة عند الوجود, وقيل: إنه على اختلاف
الجزء: 5 - الصفحة: 376
حالين فالذي قال: يقدم إذا ظهر الدرك قبل قيمة المال والذي قال: يكون أسوة الغرماء إذا ظهر الدرك بعد القسمة فيكون أسوة الغرماء في الحجر الثاني أو هذا ضعيف.
باب حبس المفلس
مسألة:
قال: "إذا ثبت عليه الدين بيع ما ظهر له".
الفصل:
وهذا كما قال إذا كان عليه دين لا يخلو إما أن يكون في يده مال ظاهر أو لا, فإن كان في يده مال ظاهر وجب عليه بيعه وقضاء دين منه, فإن امتنع فالحاكم بالخيار بين أن يعزره على ذلك ويحبسه إلى أن يبيعه, وبين أن يتولى الحاكم بيعه ويؤدي ديونه.
والأصل في هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "مال الغني ظلم" وقال أيضًا: "لي الواجد ظلم [ق 332 أ] يحل عرضه وعقوبته".
واللي: المطل, وعرضه أن يقال له: يا ظالم يا معتدي, والعقوبة والتعزير والحبس, فإذا لم يكن له مال ظاهر وادعى أنه معسر لا مال له وأظهر مالًا لا يفي بديونه, وادعى أنه لا يملك غيره, فإنه صدقة الغرماء لا يخلو الدين ثبت عليه من أحد أمرين؛ إما أن يكون بعوض أو بغير عوض, فإن كان بعوض حصل له مثل القرض والبيع لا يقبل قوله على تلف ما حصل عنده إلا ببينه, فإن أقام البينة نظر, فإن كان أقامها على هلاك العوض الذي حصل له قبل منه شاهدان عادلان سواء كانا يعلمان باطن أمره أو لا يعلمان, وليس عليه أن يحلف ها هنا مع الشاهدين؛ لأنه تكذيب للشهود وأن إقامة البينة على إعدامه لا تقبل هذه الشهادة إلا من شاهدين عدلين يخبران باطن أمره, مثل أن يكونا شريكين له أو مجاورين لسكنه أو متجره, أو مختلطين به, وقال مالك - رحمه الله: لا تسمع البينة على الإعسار لأنها شهادة النفي, وهذا غلط لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقبيصة بن مخارق: "المسألة حرمت إلا في إحدى ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يؤديها [ق 332 ب] ثم يمسك, ورجل أصابته جائحة حتى شهد, أو تكلم ثلاثة من ذوي الحجى من قومه أن به جائحة فحلت له المسألة حتى يصيب سدادًا من عيش أو قوامًا من عيش".
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأن هذه الشهادة تتضمن إثبات حال نتوصل إلى معرفته ظاهرًا ويقف عليه الشهود, ويغلب على الظنون صدق الشهود, فهو كما لو شهدوا أن فلانًا وارث
الجزء: 5 - الصفحة: 377
فلان ولا وارث له سواه تسمع إذا كانوا من أهل الخبرة الباطنة, وإن كان على النفي.
فإذا تقرر هذا, فادعى الغريم أن له مالًا باطنًا يخفي على الشاهدين يحلف مع الشاهدين لجواز أن يكون له مال في الباطن قد خفي عليهما, ثم هذه اليمين هل تجب أم تسحب؟ قال في "القديم" وحرملة: تستحب, وقال في "الأم" ونقله المزني: أنها واجبة فالمسألة على قولين:
أحدهما: واجب لما ذكرنا ولا يؤدي إلى تكذيب الشهود.
والثاني: مستحبة لأن فيه طعنًا على البينة إذ شهدت بأنه لا مال له فصار كما لو شهدوا على إقرار رجل بشيء, فقال المشهود عليه: حلفوه أني أقررت له "يحلف, والأول أولى لأنه لو كان فيها طعن على الشهود لما استحب التحليف أيضًا كما في مسألة الإقرار, وقال أبو حنيفة: لا يحلف أصلًا, وقال بعض أصحابنا [ق 333 أ] بخراسان: يشترط ها هنا ثلاثة شهود على الإعسار ولا يكفي اثنان, ولعل هذا القائل قال: هذا من قوله صلى الله عليه وسلم في خبر قبيصة "حتى يشهد ثلاثة من ذوي الحجة من قومه" وهذا غلط لأن مراد النبي صلى الله عليه وسلم استفاضة حاله بقولهم لا على طريق الشهادة حتى لو استفاض ذلك بقول واحد أو بقول نسوة أو عبيد يكفي في جواز دفع الصدقة, وإن لم تقم البينة وقال: إن غريمي يعلم هلاك مالي أو يعلم إعساري وإنه لا مال حلف الغريم على العلم بالله الذي لا إله إلا هو أنه لا يعلم إعدامه وهلاكه, فإذا حلف حبس نظرًا للغريم في حبسه ولا غاية لحبسه أكثر من الكشف, فإذا عرف بعد ذلك حاله في الإعسار حرم تطويل حبسه؛ لأن المقصود ماله لا تعذيبه, وقال أبو حنيفة رحمه الله في رواية: الأصول لا تسمع بينة الإعسار في الحال بل يحبس شهرين, ثم تسمع البينة على إعساره.
وروي عنه رواية شاذة يحبس أربعة أشهر, رواه الحسن بن زياد, وروى محمد عنه ستة أشهر.
وقال الطحاوي: يحبس شهرًا, وروي عنه يحبس ثلاثة أشهر, وربما يقولون: ليس له غاية فيحبس قدرًا يغلب على ظن الحاكم أنه لو كان له مال [ق 333 ب] لظهر بما لحقه من الضجر بالحبس, ويختلف ذلك باختلاف أحوال الناس, فمنهم من يضجر بمدة يسيرة, ومنهم من لا يضجر إلا بمدة طويلة, وربما يقولون بحبسه حتى يختبر الحاكم حاله, فإن أمكنه ذلك في مدة يسيرة فعل, وإن لم يمكنه ذلك لكثرة أسبابه إلا في مدة طويلة فعل, ثم قال أبو حنيفة بعد هذا كله لا يتحقق الفلس بحال, واحتج عليه الشافعي رحمة الله عليه - بقوله تعالى ﴿وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280] فلو كانت العسرة لم تتحقق لما أفاد الأمر في هذه الآية فائدة, والدليل على بطلان ما ذكره من المدة أن كل سنة جاز سماعها في الحال كسائر البينات, وإن كان الدين ثبت عليه بما لا عوض له من إتلاف أو صداق امرأة أو كفالة, ونحو ذلك لا يخلو من أحد أمرين؛ إما أن يكون قد عرف له مال أو لا؛ فإن عرف له مال فالحكم فيه على ما مضى لأن الظاهر
الجزء: 5 - الصفحة: 378
بقاء ماله, وإن لم يعرف ذلك فالأصل الفقر فيكون القول قوله وعلى الغرماء البينة, وهذا لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: حبة وسواء ابني خالد: لا يتأسى من رزق الله تعالى ما اهتزت رؤوسكما فإن ابن آدم يخلق ليس عليه إلا قشرتاه ثم يرزقه الله عز وجل".
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه ثلاثة أوجه [ق 334 أ]:
أحدهما: لابد من البينة على إعدامه بكل حال.
والثاني: إن لزمه الدين باختياره بالضمان أو النكاح يلزمه إقامة البينة على إعدامه لأنه لا يختار التزامه إلا أن يكون له مال, وإن كان لزمه لا باختياره مثل تلف مال رجل على يده على وجه يكون من ضمانة تكفي يمينه على الإعدام ولا يحتاج إلى البينة.
والثالث: ما ذكره وهو اختيار ابن سريج -رحمه الله- وعامة أصحابنا, وبه قال أبو حنيفة -رحمه الله- وقال ابن أبي أحمد في أدب القاضي: سمعت ابن سريج يقول على مذهب الشافعي -رحمة الله عليه-: كل حق وجب عليه صداقًا كان أو ضمانًا لا يقبل قوله: إني معسر إلا بشاهدين عدلين واليمين معه, إلا العاقلة إذا ادعى العدم في دية الخطأ يقبل قولهم مع اليمين, وهذا هو الوجه الثاني الذي ذكرنا.
وحكي عن عمر بن عبد العزيز, والليث: أنهما لا يجوزان حبس أحد في دين.
وقال مالك لا يحبس لبعضهم إذا أطلعه الباقون حتى يجتمعوا على حبسه, وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع
قال بعض العلماء: تجب نفقته في مدة حبسه على غرمائه, وبه قال بعض أصحابنا ذكره في "الحاوي" وهذا قول باطل؛ لأنه حبس ليتوصلوا إلى حقوقهم, وفي النفقة زيادة إضرار بهم [ق 334 ب].
فرع آخر
لو كان حرفة يعملها في حبسه هل يمنع؟ وجهان, والأصح أنه لا يمنع لأنه بكسبه يفضي إلى قضاء دينه.
فرع آخر:
لا يلزم إخراجه إلى الجمعة والجماعات, ولا يلزمه الاستئذان للخروج إلى الجمعة إذا علم بشاهد الحال لو أنه استأذن لم يؤذن له.
وقال بعض الفقهاء: يلزمه الاستئذان في كل, ثم إن منعه امتنع لأن ابن سيرين -رحمه الله- حبس في ثمن زيت كان عليه فكان يغتسل في كل جمعة ويلبس ثيابه ويستأذن فإذا منعه السجان رجع.
الجزء: 5 - الصفحة: 379
فرع آخر
لو مات فمنع الغرماء من دفنه عزورًا.
فرع آخر:
لو ادعى رجل على المحبوس حقًا جاز للحاكم إحضاره من حبسه لاستماع الدعوى عليه, وقال مالك: لا يجوز ذلك, وهذا غلط لأنه يمكن أن يستوفي في حق الثاني من دعواه ويرد إلى حق الأول في حبسه, ولو كان كما قال مالك لكان الحبس نافعًا في دفع الدعاوى عنه.
فرع آخر:
لو هرب المحبوس لم يجب على الحاكم طلبه وكان للخصم أن يطلبه, فإن وجده في موضع وتعذر عليه إحضاره لزم الحاكم إحضاره إذا سأله الخصم, ثم سأله عن سبب هربه, فإن قال: هربت لإعساري لم يعزره لأنه شبهة, وإن لم يكن عذر عذره.
فرع آخر
لا يمنع المحبوس من التطلع إلى الطريق [ق 335 أ] من كوة ولا محادثة من يزوره.
فرع آخر:
لو وجب الحبس على امرأة حبست عند نساء ثقات أو عند ذي رحم محرم ومنع الزوج منها.
إذا حبس المفلس لغرمائه لعدم البينة بعسرته استكشف الحاكم عن أمره, ولم يجز التغافل.
وقال مالك: لا يجوز أن يتولى الكشف عن حالة, لأن ذلك ميل وإسقاط الحق ويجب عليه الإعراض عنه حتى يقيم البينة بعسرته, وهذا غلط لأنه كما يلزمه ترك الميل يلزمه رفع الظلم وحبسه إن كان معسرًا ظلم, ولا يقدر على إقامة البينة لكونه محبوسًا فيلزم الحاكم التمكن حتى يتخلص من الظلم.
فرع آخر
إذا قسم الحاكم ما وجد من ماله بين غرمائه يزول الجحر عنه على الصحيح من المذهب, وهو اختيار أبي إسحاق على ما ذكرنا, ولا يحتاج إلى حكم الحاكم في رفع الحجر, لأن الشافعي قال:
"وإذا أفاد ما لا فجائز ما صنع فيه حتى يحدث له السلطان حجرًا آخر".
الجزء: 5 - الصفحة: 380
وفرق الشافعي بين المبذور وبين المفلس بلفظ موجز, فقال:
"لأن الوقف الأول لم يكن له لأنه غير رشيد".
يعني أن وقف مال المفلس لم يكن لعدم رشده فصح عقده بعد قسمة ماله من غير أمر الحاكم.
بخلاف حجر السفيه, وقيل: المحجور عليهم أربعة, المحجور عليه لسفهٍ [ق 325 ب] لا يزول الحجر عنه إذا صار رشيدًا إلا بالحاكم, والثاني: المحجور عليه بالجنون متى زال الجنون زال الحجر بغير الحاكم, والثالث: المحجور عليه للفلس, وقد ذكرنا.
والرابع: المحجور عليه لصغره, إذا بلغ ورشد هل يزول الحجر عنه بغير من له الولاية عليه من أب أو حاكم؟ وجهان, وقيل: إنهم ستة, والخامس: المريض يصير محجوزًا عليه فيما زاد على الثلث من غير الحاكم, وإذا زال المرض زال الحجر من غير الحاكم, والسادس: المرتد هل يصير محجورًا عليه بنفس الردة؟ قولان: حكاهما أبو حامد في "الجامع":
أحدهما: يصير محجورًا لتعلق حق المسلمين بماله فأشبه حجر المريض لتعلق حق الورثة بماله.
والثاني: لا يصير محجورًا إلا بالحاكم كحجر السفيه, لأنه حجرًا وجبه فعل المعصية والسفه إذا أسلم زال الحجر بلا خلاف.
مسألة:
قال: "فإن شهدوا أنهم رأوا في يديه مالا سألته".
الفصل:
وهذا كما قال, إذا ادعى الغرماء أنه أفاد مالًا بعد فك الحجر عنه لم يخل من ثلاثة أحوال, إما أن ينكر, أو يعترف به لنفسه, أو يعترف به لغيره, فإن أنكر فالقول قوله؛ لأن الحاكم الحجر عنه حتى يثبت إعساره عنده فكان الأصل الإعسار حتى يعرف المال, وإن قال: ملكت مالًا ملكوا ........... مطالبته بالدين [ق 336 أ] فإن سألوا أن يعيد الحجر عليه نظر, فإن كان ما معه أكثر مما عليه لم يحجر عليه, وإن كان دون ذلك حجر عليه, ثم غرماء الحجر الأول والغرماء الذين تجددوا بعده في الضرب بعد الحجر الثاني سواء.
وقال مالك - رحمه الله-: يختص به الغرماء المتأخرون لأنه استفاد من جهتهم, وهذا غلط؛ لأن حقهم كلهم في ذمته حال الحجر, فكانوا سواء وما ذكروه لا يعلم حقيقة, ثم مهر الزوجة وسائر الديون سواء, وإن لم يحصل له منها مال, وإن أقر الإنسان, وقال: هذا مضاربة لفلان أو وديعة, فإن كان المقر له حاضرًا سألناه, فإن قال كذب مالي قبله حق حكمنا بالمال للمفلس وكان للغرماء المطالبة بالدين.
الجزء: 5 - الصفحة: 381
وإن قال: صدق في ذلك سلمناه إليه وليس للغرماء أخذه ولا لهم تحليفه, لأنه أقر به للحاضر ولا فائدة لعرض اليمين عليه, ولو رجع لا يقبل رجوعه.
ومن أصحابنا من قال: يحلف المفلس لأنه يحتمل أنه كاذب في إقراره, فإن نكل عن اليمين حبس حتى يسلم المال أو يحلف, وهذا ضعيف, والأول أصح وبه قال أبو حنيفة وجماعة, وإن كان المقر له غائبًا فالقول قوله مع يمينه ولم يحبس, وإن نكل عن اليمين, قال أبو إسحاق: قال الشافعي: "حبس" قال أبو إسحاق: إنما حبسه [ق 336 ب] لأن الظاهر أن الذي في يده له فحبسه لذلك لا لأجل النكول, وإنما حبسه إلى أن يقدم الغائب ويستكشف أمره, ويخالف هذا إذا أقر به لحاضر فصدقه لأنه لا معنى لعرض اليمين عليه مع إقراره ولا يحلف فيه, وإن طلبوا يمين المقر له؟
قال أصحابنا: يحلف لأنه لو كذب المقر له ثبت المال لهم, فإن صدقه حلف فإن قال قائل: لم قال الشافعي: "فمتى استقر عند الحاكم ما وصفت لم يكن له حبسه ولا يغفل المسألة عنه".
أي يداوم على المسألة والبحث والقاضي ممنوع عن تجسيس الخصومات والمسألة عنها من غير استدعاء, قلنا: أراد استدعاه الغرماء استئناف المسألة وتجديدها وإلا فلا يكون له التعرض والتجسس.
مسألة:
قال: "وإذا أراد الذي عليه الدين إلى أجل السفر".
الفصل:
وهذا كما قال: إذا كان عليه دين فأراد السفر لا يخلو الدين من أحد أمرين: إما أن يكون حالًا أو مؤجلًا, فإن كان حالًا لصاحب الدين منعه حتى يقضي دينه, وإن كان مؤجلًا ليس له منعه سواء كانت مدة السفر أبعد من أجل الدين أو أقرب منه, وليس له مطالبته بوثيقة من رهن أو كفيل.
وحكي أصحابنا عن مالك أن له منعه حتى يقيم كفيلًا بالحق؛ لأن عليه ضررًا في آخر حقه, وهذا [ق 337 أ] غلط؛ لأن صاحب الدين المؤجل كالأجنبي لأنه لا يملك مطالبته بوجه والأجنبي لا يمنعه من السفر كذلك هذا, وأما الضرر فإنما لحقه بتأجيله الحق ورضاه بغير كفيل فلم يكن له تداركه بعد ذلك, وهذا إذا كان الغالب من سفره السلامة, فأما إذا كان مخوفًا كسفر الجهاد والسفر في البحر الذي يكون الغالب منه التلف.
اختلف أصحابنا فيه فقال أبو إسحاق: لا فرق وهو المذهب؛ لأن الأصل السلامة وقد قال الشافعي رحمة الله عليه؛ لأنه ترك التحفظ حين وجوب الدين له وهو عام في كل سفر.
الجزء: 5 - الصفحة: 382
والثاني: له منعه إلا بكفيل ورهن لأن الظاهر منه التلف فيستضر الغريم بتلف حقه, ولهذا قال الشافعي في "كتاب السيرة": "ولا يجاهد إلا بإذن أهل الدين" ولم يفصل بين الحال والمؤجل.
فرع
لو أفلس رجل وكان قد وهب هبة لمن دونه لا يلزم الثواب قولًا واحدًا, وإن كان وهبها لنظيره أو أعلى منه فيه قولان:
أحدهما: يقتضي الثواب.
والثاني: لا يقتضي الثواب.
فإذا قلنا: يقتضي الثواب ففي الثواب ثلاثة أوجه:
أحدهما: قدر قيمة الهبة.
والثاني: ما جرت العادة به, والثالث: ما يرضي الواهب, فإذا قلنا بالأول والثاني: لا يجوز له أن يقبل أقل منه
فإذا قلنا [ق 337 ب]: بالثالث لو رضي الواهب المفلس بدانق في مقابلة ألف لم يكن للغرماء الاعتراض عليه نص عليه في "الأم".
فرع آخر
لو تصرف الوارث في التركة قبل قضاء الدين فيه وجهان:
أحدهما: لا يصح لأنه مال تعلق به دين فلا يصح التصرف فيه من غير رضا من له الحق كالرهن.
والثاني: يصح لأنه حق تعلق بالمال بغير رضا المالك ولا يمنع التصرف كمال المريض فعلى هذا إن قضاء الوارث الدين فإن لم يقض فسخنا.
فرع آخر
لو باع عبدًا ومات وتصرف الورثة في التركة, ثم وجد المشتري بالعبد عيبًا فرده أو وقع في بئر كان حفرها في حياته ظلمًا بهيمة فلزمه ضمانها ففي تصرف الورثة وجهان:
أحدهما: يصح لأنهم تصرفوا في مالٍ لهم لا يتعلق به حق أحد.
والثاني: يبطل لأنا بينا أنهم تصرفوا والدين متعلق بالتركة.
فرع آخر
قال والدي رحمه الله: إذا ادعى واحد من الغرماء عن المفلس مالًا على رجل بغير إذنه وأراد إثباته بالبينة مع حضور المفلس وامتناعه من الخصومة يحتمل أن يقال له ذلك؛ لأن حق الغريم يتعلق به عند ثبوته ويحتمل أن يقال: لا يجوز له ذلك, لأن المفلس من
الجزء: 5 - الصفحة: 383
أهل الدعوى, فلا تصح الدعوى عنه من غير إذنه كغير المفلس, ولأن الأصل لتعلق حق الغريم [ق 338 أ] بالمال ثبوت الملك للمفلس, وهذا الأصل لا يثبت لأن المفلس لا يدعبه بل يجحده فكيف يصح إثبات ما هو فرع له؟ وأصل هذين الاحتمالين إذا أقام المفلس شاهدًا واحدًا على ما ادعاه ولم يحلف معه هل للغريم أن يحلف معه؟ فيه قولان.
فرع آخر
إذا أقر رجل للمفلس بمال فكذبه المفلس هل يسقط الإقرار؟ يحتمل أن يقال: يسقط؛ لأن المقر له كذبه وليس هذا كإتلاف في المال؛ لأن المال لم يثبت له فإن صحة الإقرار محتاجة إلى التصديق, ويحتمل أن يقال: صحة الرد مبينة على جواز إقرار المفلس بعين ماله لرجل, وفيه قولان, وهذا لأن صحة الإقرار لا تفتقر إلى القبول, ألا ترى أنه لو أقر بمال لمجنون صح, وصار ذلك مالًا من أمواله, وإن لم يحصل من جهته التصديق والقبول بوجه.
فرع آخر
إذا كان له دين على ممتنع وللممتنع دين فأراد استيفاء حقه من الدين الذي عليه وهما جنسان ويغلب على ظنه أنه إن دفع ما عليه إلى الممتنع لم يتمكن من استرجاعه بوجه كيف يستوفي ذلك؟
قال والدي رحمة الله: الأظهر عندي أنه يشتري شيئًا بما عليه من الدين من غير إذن الحاكم في أحد قولين, وفي القول الثاني يدفع ما عليه إلى الحاكم أو أمينة بإذنه, ثم يستوفيه [ق 338 ب] بدينه على معنى استيفاء من ثمنه ببيع يقع بإذنه, وهذا لأنه وجد عين مال الممتنع من غير جنس حقه, هل يبيعه بنفسه أو لا بد من الحاكم؟ قولان, وبيع ما في ذمته لا يتصور إلا بشراء مال به وهو حقيقة البيع أيضًا؛ لأن المبايعين كل واحد منهما بائع ومشترى على التحقيق, فإذا صح هذا فإن أمكنه شراء جنس من حقه فعله, وإن لم يمك اشترى غير جنس حقه, ثم يصرفه في جنس حقه, ثم استوفاه بحقه, وهذا إذا كان الدين الذي عليه مما يجوز بيعه قبل القبض كالقرض ونحو, فإن كان مما لا يجوز بيعه كالمسلم فيه فعلى أحد القولين يدفعه إلى الحاكم أو أمينة ثم يباع بإذنه ولا يحتاج إلى الممتنع, وعلى القول الآخر يحتمل أن يقال يعزل من ماله بقدر ما عليه, فإذا فعل ذلك صار كأن اللقطة إذا كان طعامًا رطبًا أكله من ماله قامت هذه القيمة مقام اللقطة حتى تلفت قبل الحول من غير تعدي لا ضمان على الملتقط, ولا يبعد ها هنا أن يعزل من ماله ذلك ويكون للمالك للضرورة, ويؤكد أن الشرع ورد بقبض المال من نقسه لنفسه في حق الأب والجد فلا ينكر للضرورة في هذه [ق 339 أ] المسألة تجويز ذلك قياسًا على ما ورد به الشرع.
الجزء: 5 - الصفحة: 384