بحر المذهب للرويانيكتاب البيوع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

باب ما أمر الله به ونهي عنه من المبايعات وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه

مسالة: قال الشافعى: قال الله جل وعز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] فلما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيوع تراضى بها المتتابعان استدللنا أن الله جل وعز احل البيوع إلا ما حرم الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - أو ما كان في معناه.
قال في الحاوي: الأصل في إحلال البيوع: كتاب الله، وسنه نبيه، وإجماع الأمة.
فأما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] وقوله سبحانه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275] وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282] قال ابن عباس: نزلت في السلم وقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة 198]. قال ابن عباس: نزلت في إباحة التجارة في مواسم الحج.
أما السنة: فقد رويت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قولاً وفعلاً: أما القول: فما روي الأعمش، عن أبي وائل، عن قيس بن أبي غرزة، قال: كنا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نسمي السماسرة فمر بنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فسمانا باسم هو أحسن منه، فقال: "يا معشر لتجار إن البيع يحضره اللغو والحلف، فشوبوه بالصدقة".
وروي عن عبد الله بن عصمة، أن حكيم بن حزام حدثه أنه قال: يا رسول الله إني أشتري بيوعاً ما يحل لي منها، وما يحرم، قال: "إذا اشتريت بيعاً فلا تبيعه حتى تقبضه، ولا تبع ما ليس عندك".
فدل على إباحة ما عدا ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 339

وروى ابن أبي كثير عن أبي راشد عن عبد الرحمن بن شبل قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن التجار هم الفجار" قيل: يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع؟ قال: "بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون".
وروى يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا خير في التجارة إلا لمن لم يمدح بيعاً، ولم يذم شرى، وكسب حلالاً فأعطاه في حقه، وعزل من ذلك الحلف" وروى أبو عبيد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تسعة أعشار الرزق في التجارة والجزء الباقي غي السبايا"، قال أبو عبيد: السبايا: النتاج.
وأما الفعل: من بيوعه التي عقدها بنفسه فكثيرة لا تحصى عدداً، غير أن المنقول منها ما اختص بأحكام، مستفادة فمن ذلك، ما روى أبو الزبير، عن جابر قال: اشترى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من رجل من الأعراب حمل خبط، فلما وجب البيع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اختر" قال الأعرابي: عمرك بيعاً".
وروى سماك بن حرب عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبدي بزاً من هجر، فأتينا به مكة، فجاءنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشترى منا سراويل ووزان يزن بالأجر، فقال للوزان: "زن وأرجح ". وروى عطاء عن جابر قال: كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر على جمل إنما هو في آخر القوم فمر بي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال: "أمعك قضيب؟ " قلت: نعم، فأعطيته، فنخسه وزجره، فكان في أول القوم، فقال: "بعنيه" قلت: هو لك يا رسول الله، قال: "ل بعنيه " قال: "قد أخذته بأربعة دنانير ولك ظهره حتى نأيي المدينة".
فلما قدمنا المدينة، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا بلال اقضه وزده" فأعطاه أربعة دنانير وقيراطاً زاده، قال جابر: لا تفارقني زيادة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وروى أبو بكر الحنفي عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باع لرجل من الأنصار

الجزء: 4 - الصفحة: 340

شكا فقراً قدحاً وحلساً بدرهمين فيمن يزيد.
وأما إجماع الأمة: فظاهر فيهم من غير إنكار بجملته، وان اختلفوا في كيفيته وصفته، حتى أن كبراء الصحابة ارتسموا وندبوا نفوسهم له، فروي أن أبا بكر - رضي االله عنه _ كان تاجراً في البز وروي عن عمر _ رضي الله عنه _ أنه كان تاجراً في الطعام والأقط.
وروي عن عثمان _ رضي الله عنه _ أنه كان تاجراً في البر والبحر.
وروي عن العباس.
رضي الله عنه _ أنه كان تاجراً في العطر.
وعلى ذلك جرت أحوال الصحابة قبل الهجرة وبعدها، فمنهم من تفرد بجنس منها، ومنهم من جلب في جميع صنوفها كعثمان وعبد الرحمن _ رضي الله عنهما - فدل مما ذكرنا أن البيع مباح.
فصل في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29] أما قوله: ﴿لاَ تَاكُلُوا﴾ فمعناه: لا تأخذوا، فعبر عن الأخذ بالأكل، لأنه معظم ما يقصد بالأخذ، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً﴾ [النساء: 10]، أي: يأخذون.
وأما قوله: ﴿أَمْوَالَكُمْ﴾ ففيه تأويلان: أحدهما: أنه أراد مال كل إنسان في نفسه أن لا يأخذه فيصرفه في المحظورات.
والثاني: أن معناه: لا يأخذ بعضكم مال بعض، كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] أي: لا يقتل بعضكم بعضاً.
وأما قوله تعالى: ﴿بِالْبَاطِلِ﴾ ففيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه أراد أن يصرف في المحظورات.
والثاني: أن المراد به أن لا يؤخذ بالانتهاب والغارات على عادتهم في الجاهلية.
والثالث: أن المراد بالباطل التجارات الفاسدة المألوفة عندهم في بيوع الجاهلية.
وأما قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً﴾ فلفظ إلا موضوع في اللغة للاستثناء، ولكن اختلف الناس وأصحابنا معهم في المراد به في هذا الموضع على أربعة أقوال: أحدها: أن إلا في هذا الموضوع لم يرد بها الاستثناء، وإنما معناها: لكن فيصير تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولكن كلوها تجارة عن تراض منكم، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: 92] معناه: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا عمداً ولا خطأ، لكن إن قتله خطأ، فتحرير رقبة مؤمنة.
وبهذا قال أبو إسحاق المروزي.
والثاني: أن معنى إلا: في هذا الموضع معنى: الواو، فيكون تقدير الآية: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، وكلوها تجارة عن تراض، كقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا

الجزء: 4 - الصفحة: 341

آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] أي والله لفسدتا.
وقوله الشاعر: وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُة أخوهْ لعَمْرُ أبِيكَ إلاَّ الفَرْقَدْانِ أي والفرقدان أيضاً سيفترقان، ولو أراد الاستثناء لقال: إلا الفرقدين.
والثالث: أن معنى إلا، في هذا الموضع معنى الاستثناء، غير أنه من مضمر دل عليه مظهر، ليصح أن يكون استثناء من جنسه، فيكون تقدير الكلام: لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا بالتجارة، إلا أن تكون عن تراض منكم، وهذا قول من منع الاستثناء من غير جنسه، وجعلوا ذلك كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 1] وإنما معناه: أحلت لكم بهيمة الأنعام والصيد إلا أن تكونوا محرمين، فيحرم عليكم الصيد.
والرابع: أن ذلك استثناء من غير جنسه، والدليل على جواز الاستثناء من غير جنسه.
وهو أشبه بمذهب الشافعي ـ قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً إِلَّا سَلَاماً﴾ [مريم: 62] وليس السلام من جنس اللغو.
وقال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلاَّ إِبْلِيسَ﴾ [الحر: 30] وليس إبليس من الملائكة.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 77] وتعالى الله أن يكون من جنس من استثنى منه.
وقال الشاعر: وَبَلْدةٍ ليْسَ بِهَا أنيسُ إلَّا الَيًعافِيرُ وإِلَّا العِيسُ والأنيس: الناس: واليعافير: حمير الوحش، وقيل: الظباء، واحدها يعفور مقلوب أعفر.
والعيس: الإبل.
واستثنى الحمير والإبل من جملة الناس.

الجزء: 4 - الصفحة: 342

وقال النابغة الذبياني: وقَفَتُ فِيهَا أُصَيْلاَلاً أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَاباً ولَاَ بالرَّبْعِ مِنْ أحَد إلَّا أوَاريّ لأياماً أبيِّنُّهَا والنّؤيُ كَالحَوْضِ بِالمَظْلُومَةِ الجَلدِ فذكر أنه لم يبق بالربع أحد من الناس يسأله إلا الأواري، والعامة تقول: الأواري: هي المعالف.
وقال العتبي: هي الحبال الممدودة يشد عليها الدواب، وهو جمع واحدة أورى.
فصل: في تفسير قوله تعالى: ﴿وأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وذكر الشافعي معاني الآية مستوفاة جميعها في كتاب "الأم " بكلام وجيز، فقال: احتمل إحلال الله تعالى البيع في هذه الآية معنيين: أحدهما: أن يكون أحل كل بيع تبايعه متبايعان جائزاً الأمر فيما يتبايعاه عن تراضٍ منهما، وهذا أظهر معانيه.
الثاني: أن يكون أحل البيع إذا كان مما لم ينه عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المبين عن الله معنى ما راد.
فيكون من الجمل التي أحكم فرضها في كتابه، وبين كيف هي على لسان نبيه، أو من العام الذي أريد به الخاص، فبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما أراد بإحلاله منه وما حرّم، أو يكون داخلاً منهما، أو من العام الذي أباحه إلا ما حرم على لسان نبيه منه وما في معناه - ثم قال: وأي هذه المعاني كان، فقد ألزم الله خلقه، بما فرض من طاعة رسوله، وأنَّ ما قيل عنه فعن الله قيل، لأنه بكتاب الله قيل فهذا قول الشافعي في معنى الآية.
وجملته: أن للشافعي فى معنى الآية أربعة أقاويل: أحدها: أنها عامة، وأن لفظها لفظ عموم يتناول إباحة كل بيع إلا ما خصه الدليل.
ووجه ذلك هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نهى عن بياعات كانوا يستعملونها، ولم يقصد إلى بيان الجائز منها، وإنما قصد إلى بيان فاسدها منه فدَّل بذلك على أن الآية قد شملت إباحة البياعات كلها، فاستثنى ما لا يجوز منها.
فعلى هذا هل هي عموم أريد به العموم؟ أو عموم أريد به الخصوص؟ على قولين: أحدهما: أنها عموم أريد به العموم وإن دخله دليل التخصيص.
والثاني: أنها عموم أريد به الخصوص.
والفرق بينهما من وجهين: أحدهما: هو أن العموم المطلق الذي يجري على عمومه وان دخله التخصيص ما

الجزء: 4 - الصفحة: 343

يكون المراد باللفظ أكثر، وما ليس بمراد باللفظ أقل، والعموم الذي أريد به الخصوص ما يكون المراد باللفظ أقل وما ليس بمراد باللفظ أكثر.
الثاني: أن البيان فيما أريد به الخصوص متقدم على اللفظ، وفيما أريد به العموم متأخر عن اللفظ أو مقترن به.
وعلى كلا القولين يجوز الاستدلال بها على إباحة البيوع المختلف فيها، ما لم يقم دليل التخصيص على إخراجها من عمومها.
فصل القول الثاني: إنها مجملة لا يعقل منها صحة بيع من فساده إلا ببيان من السنة ووجه ذلك: هو أن من البياعات ما يجوز، ومنها ما لا يجوز، وليس في الآية ما يتميز به الجاثز من غير الجائز، فاقتضى أن يكون من المجمل الذي لا نعقل المراد من ظاهره إلا ببيان يقترن به.
فعلى هذا اختلف أصحابنا.
هل هي مجملة بنفسها؟ لتعارض فيها أو هي مجملة بغيرها؟ على وجهين: أحدهما: مجملة بنفسها لتعارض فيها.
وذلك أن قوله: ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يقتضي جواز البيع متفاضلاً، وقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يقتضي تحريم البيع متفاضلاً، فصار آخرها معارضاً لأولها، فوقع الإجمال فيها بنفسها.
الثاني: أنها مجملة بغيرها، وذلك أنها تقتضي جواز كل بيع من غرر، ومعدوم، وغيره.
وقد وردت السنة بالمنع من بيع الغرر، والملامسة، والمنابذة، وغير ذلك فصارت السنة معارضة لها، فوقع الإجمال فيها بغيرها.
فإذا ثبت أنها مجملة بنفسها على أحد الوجهين، أو بغيرها على الوجه الثاني، فقل اختلف أصحابنا: هل وقع الإجمال في صيغة لفظها وفي المعنى المراد بها؟ أو وقع الإجمال في المعنى المراد بها دون صيغة لفظها؟ على وجهين: أحدهما: أن الإجمال في المعنى دون اللفظ، لأن لفظ البيع، اسم لغوي لم يرد من طريق الشرع، ومعناه معقول، إلا أنه لما قام بإزائه ما يعارضه تدافع العمومان، ولم يتعين المراد منهما إلا بالسنة، صارا مجملين لهذا المعنى، لأن اللفظ مشكل المعنى.
الثاني: أن اللفظ مجمل، والمعنى المراد به مشكل، لأنه لما لم يكن المراد باللفظ ما وقع عليه الاسم، وصار مضمّناً بشرائط لم تكن معقولة في اللغة، خرج اللفظ بالشرائط عن موضوعه في اللغة إلى ما استقرت عليه شرائط الشرع، وإن كان له في اللغة معاني معقولة، كما قلنا في الصلاة: إنها مجملة، لأنها مضمنة بشرائط لم تكن معقولة في اللغة، وإن كان فيها معاني معقولة في اللغة كالخضوع وما يقع فيها من الدعاء، فكذلك لفظ البيع.
وعلى كلا الوجهين لا يجوز الاستدلال بها على صحة بيع من فساده، وإن دلت على إباحة البيع في أصله.
وهذا فرق ما بين العموم والمجمل، حيث جاز الاستدلال بظاهرة العموم، ولم يجز الاستدلال بظاهر المجمل.
والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 344

فصل والقول الثالث: أنه داخل فيهما جميعاً، فيكون عموماً دخله الخصوص، ومجملاً لحقه التفسير، لقيام الدلالة عليهما.
فاختلف أصحابنا في وجه دخول ذلك فيهما على ثلاثة أوجه:.أحدها: أن العموم في اللفظ والإجمال في المعنى.
فيكون اللفظ عموماً دخله الخصوص، والمعنى مجملاً لحقه التفسير.
الثاني: أن العموم في أول الآية، وهو قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ والإجمال في آخرها، وهو قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ فيكون أول الآية عاماً دخله التخصيص، وآخرها مجملاً لحقه التفسير.
الثالث: أن اللفظ كان مجملاً، فلما بينه النبي - صلى الله عليه وسلم - صار عاماً.
فيكون داخلاً في المجمل قبل البيان، وفي العموم بعد البيان.
فعلى هذا الوجه يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الأول.
وعلى الوجهين الأولين: لا يجوز الاستدلال بظاهرها في البيوع المختلف فيها كالقول الثاني.
فصل والقول الرابع: أنها تناولت بيعاً معهوداً، ونزلت بعد أن أحل النبي - صلى الله عليه وسلم - بيوعاً وحرم بيوعاً، وكان قوله: ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ يعني: الذي بينه الرسول من قبل، وعرفه المسلمون منه، فترتب الكتاب على السنة وتناولت الآية بيعاً معهوداً.
وإنما كان كذلك، لأن الله تعالى قال: ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ فأدخل فيه الألف واللام، وذلك يدخل في الكلام لأحد أمرين.
إما لجنس، أو معهود.
فلما لم يكن الجنس مراداً، لخروج بعضه منه، ثبت أن المعهود مراد.
فعلى هذا، لا يجوز الاستدلال بظاهرها على صحة بيع ولا فساده، بل يرجع في حكم ما اختلف فيه إلى الاستدلال بما تقدمها من السنة التي عرف بها البيوع الصحيحة من الفاسدة.
وإذا كان كذلك صار الفرق بينه وبين المجمل من وجه واحد.
وبينه وبين العموم من وجهين.
فأما الوجه الذي يقع به الفرق بينه وبين المجمل: فهو أن بيان النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما نهى عنه من البيوع وأمر به سابق للآية.
وبيان المجمل مقترن باللفظ، أو متأخر عنه على مذهب من يجوز تأخير البيان فافترقا من هذا الوجه.
أما الوجهان اللذان يقع بهما الفرق بينه وبين العموم: فأحدهما: ما مضى من تقديم البيان في المعهود، واقتران بيان التخصيص بالعموم.
والثاني: جواز الاستدلال بظاهر العموم فيما اختلف فيه من البيوع، وفساد الاستدلال بظاهر المعهود فيما اختلف فيه من البيوع.
فصل: فإذا تقرر إحلال البيوع في الجملة.
فحقيقة البيع في اللسان: تبدل شيء بشيء.
وحقيقته في الشرع: نقل ملك بعوض على الوجه المأذون فيه.
وإنما قلنا: نقل ملك، احترازاً مما لا يملك، وممن لا يملك.
وقلنا: بعوض احترازاً من الهبات،

الجزء: 4 - الصفحة: 345

ومما لا يجوز أن يكون عوضاً.
وقلنا: على الوجه المأذون فيه، احترازاً من البيوع المنهى عنها كالملامسة والمنابذة.
وإذا كان ذلك حقيقة البيوع الجائز في الشرع.
فقد اختلف الناس: هل البيوع الجائزة من أجل المكاسب وأطيبها؟ أو غيرها من المكاسب أجل منها؟ فقال قوم: الزراعات أجلّ المكاسب كلها، وأطيب من البيوع وغيرها، لأن الإنسان في الاكتساب بها أحسن توكلاً، وأقوى إخلاصاً، وأكثر لأمر الله تعالى تفويضاً وتسليماً.
وقال آخرون: إن الصناعات أجلّ كسباً منها وأطيب من البيوع وغيرها، لأنها اكتساب تنال بكَد الجسم وإتعاب النفس، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله يحب العبد المحترف" فظاهر الاحتراف بالنفس دون المال.
وقال آخرون: البياعات أجَل المكاسب كلها، وأطيبُ من الزراعات وغيرها، وهو أشبه بمذهب الشافعي والعراقيين، حتى أن محمد بن الحسن قيل له: هلاَّ صنعت كتاباً في الزهد، قال: قد فعلت، قيل: فما ذلك الكتاب؟ قال: هو كتاب البيوع.
والدليل على أن البيوع أجل المكاسب كلها إذا وقعت على الوجه المأذون فيه: إن الله عز وجل صرح في كتابه بإحلالها، فقال ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ ولم يصرح بإحلال غيرها، ولا ذكر جوازها وإباحتها.
وروت عائشة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أطيب ما أكل الرجل من كسبه" والكسب في كتاب الله التجارة.
وروى رافع بن خديج قال: قال رجل: يا رسول الله أي العمل أطيب؟ فقال: "عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور".
ولأن البيوع أكثر مكاسب الصحابة، وهي أظهر فيهم من الزراعة والصناعة.
ولأن المنفعة بها أعم، والحاجة إليها أكثر، إذ ليس أحد يستغني عن ابتياع مأكول أو ملبوس، وقد يستغني عن صناعة وزراعة.
فإن قيل: فقد روى سلمان فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإن فيها باض الشيطان وفرخ " فاقتضى أن يكون البيع مكروهاً، ليصح أن يكون عن ملازمته منهياً.

الجزء: 4 - الصفحة: 346

قيل: هذا غلط، كيف يصح أن يكره ما صرح الله بإحلاله في كتابه؟ وإنما المراد بذلك أن لا يصرف أكثر زمانه إلى الاكتساب، ويشتغل به عن العبادة حتى يصير إليه منقطعاً، وبه متشاغلاً، كما روي عن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن السوم قبل طلوع الشمس" يريد أن لا يجعله أكبر همه، حتى يبتدئ به في صدر يومه، لا أنه حرام.
فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يا تجار كلكم فجار إلا من أخذ الحق وأعطى الحق" فجعل الفجور فيهم عموماً، ومعاطاة الحق خصوصاً، وليست هذه صفات أجل المكاسب.
قيل: إنما قال ذلك، لأن من البيوع ما يحل، ومنها ما يحرم، ومنها ما يستحب ومنها ما يكره، كما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لو اتجر أهل الجنة في الجنة ما اتجروا إلا في البر، ولو اتجر أهل النار ما اتجروا إلا في الصرف" قال ذلك استحباباً لتجارة البر، وكراهة لتجارة الصرف.
وقد روى عبد اثه بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يبيع الطعام وليس له تجارة غيره، حاط، أو باع، أو طاغ، أو زاغ " يريد بذلك كراهة التفرد بالتجارة في هذا الجنس.
وليس كلامنا فيما كره منها، وإنما الكلام فيما استحب منها، وهو ما استثناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منها.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا في حقيقة البيع وانتقال الملك به.
فقد ذكر الشافعي في كتاب "الأم" ما يلزم به البيع وما يجوز أن يفسخ به البيع.
فقال: وجماع ما يجوز من كلّ بيع آجل وعاجل، وما لزمه اسم بيع بوجه، لا يلزم البائع والمشتري حتى يجتمعا أن يتبايعاه برضا منهما بالتبايع به ولا يعقداه بأمر منهي عنه، ولا على أمر منهي عنه، وأن يتفرقا بعد تبايعهما عن مقامهما الذي تبايعا فيه على التراضي بالبيع، فإذا اجتمع هذا لزم كلّ واحد منهما البيع فلم يكن له رده إلا بخيار، أو في عيب يجده، أو شرط يشترطه، أو خيار الرؤية.
إن جاز خيار الرؤية.
ومتى لم يكن هذا لم يقع البيع بين المتبايعين.
وحكى المزني عن الشافعي في جامعه الكبير: مثله سواء فأراد الشافعي بهذه الجملة أن يبين شروط العقد، وشروط الرد.

الجزء: 4 - الصفحة: 347

فأما شروط العقد التي يصير بها لازماً فأربعة: أحدها: أن يتبايعاه برضا منهما بالتبايع به حتى لا يكونا مكرهين ولا أحدهما، لأن بيع المكره لا يصح.
والثاني: أن لا يعقداه بأمر منهي عنه يعني بذلك الأجل المجهول والشروط المبطلة للعقود، وما ورد النهي في تحريمه من البيوع كالملامسة والمنابذة.
والثالث: أن لا يعقداه على أمر منهي عنه، يعني بذلك الأعيان المحرمة كالخمر والخنزير، وما لا منفعة فيه كالهوام والحشرات.
وهذه الثلاثة هي شروط في صحة العقد، فمتى أخلَّ بشرط منها، فسد العقد.
والرابع: أن يفترقا بعد تبايعهما عن مقامهما الذي تبايعا فيه على التراضي بالبيع.
وهذا شرط في لزوم العقد بعد وقوع صحته.
وكان ابن المرزبان وغيره من أصحابنا يضمون إلى الأربعة شرطاً خامساً: وهو أن يكون المتبايعان جائزي الأمر، فلا يكونا، ولا أحدهما محجوراً عليه بصغر أو جنون، أو سفه، لأن بيع المحجور عليه باطل.
وامتنع سائر أصحابنا من تخريج هذا الشرط الخامس.
وأجابوا عنه بجوابين: أحدهما: أن هذا شرط في البائع لا في البيع، والشافعي إنما ذكر شروط البيع، وهذا جواب البغداديين.
والثاني: وهو جواب البصريين أن ذلك داخل في جملة الشرط الثاني وهو أن لا يعقداه بأمر منهي عنه، لأن عقد المحجور عليه منهي عنه، فلم يحتج أن يجعله شرطاً خامساً.
وهذا أصح الجوابين، لأن الشافعي قد ذكر في الشرط الأول أن يعقداه عن تراض، وهذا شرط في البائع دون البيع.
فهذه شروط العقد.
فأما شروط الرد وما يكون به الفسخ فأربعة أيضا: أحدها: الخيار الموضوع للفسخ، وهو أحد خيارين: إما خيار المجلس أوخيار الثلاث.
والثاني: وجود العيب بالمبيع، فيستحق به خار الفسخ.
والثالث: شرط يشترطه في العقد فيعقده، مثل أن يشترط في العقد رهناً في الثمن به أو كفيلا به، فيمتنع المشتري من دفع الرهن فيه أو الكفيل به، فيكون للبائع الفسخ، أو يشترط المشتري في ابتياع العبد أنه ذو صنعة، فيجده لا يحسنها فيكون للمشتري الفسخ.
والرابع: الرؤية في بيع العين الغائبة على خيار الرؤية، إذا قيل بجوازه، فيستحق به الفسخ على ما سيأتي.
فهذه شروط الرد مع ما تقدم من شروط العقد.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإذا عقدا بيعاً مما يجوز وأفترقا عن تراض منهما به لم يكن لأحد منهما رده إلا بعيب أؤ بشرط خيار.
قال المزني: وقد أجاز في الإملا، وفي كتاب الجديد والقديم وفي الصداق وفي الصلح خيار الرؤية وهذا كله غير جائز في معناه.
قال المزني: وهذا بنفي خيار الرؤية أولى به إذ (أصل) قوله

الجزء: 4 - الصفحة: 348

ومعناه أن البيع بيعان لا ثالث لهما صفة مضمونة وعين معروفة وأنه يبطل بيع الثوب لم ير بعضه لجهله به فكيف يجيز شراء ما لم ير شيئاً منه قط ولا يدري أنه ثوب أم لا حتى يجعل له خيار الرؤية".
قال في الحاوي: هذا كما قال: البيوع نوعان: بيع رقبة، وبيع منفعة: فأما بيع المنافع فهو الإجارات، وقد قال الشافعي: إنها صنف من البيوع، ولها كتاب: وأما بيع الرقاب، فضربان: بيوع أعيان، وبيوع صفات: فأما بيوع الصفات: فالسلم، وله باب.
وأما بيوع الأعيان، فضربان: عين حاضرة، وعين غائبة.
فأما العين الحاضرة، فبيعها جائز.
وأما العين الغائبة فعلى ضربين: موصوفة، وغير موصوفة: فإن كانت غير موصوفة، فبيعها باطل.
وإن كانت موصوفة ففي جواز بيعها قولان: وقال أبوحنيفة: يجوز بيع العين الغائبة موصوفة كانت أو غير موصوفة.
وقال مالك: يجوز بيعها موصوفة، ولا يجوز بيعها غير موصوفة.
الأدلة: استدل من أجاز بيع العين الغائبة: بعموم قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ وبما روى هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ـ أنه قال "من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه" وقالوا: ولأنه إجماع الصحابة: روي أن عثمان بن عفان وطلحة بن عبيد الله.
رضي الله عنهما _ تناقلا دارين: إحداهما بالكوفة، والأخرى بالبصرة، فقيل لعثمان: غبنت فقال: لا أبالي لي الخيار إذا رأيتها، فترافعا إلى جبير بن مطعم، فقضى بالخيار لطلحة.
وروي أن عبد الله بن عمر اشترى أرضاً لم يرها.
وروي أن عبد الرحمن بن عوف اشترى إبلاً لم يرها.
فصار هذا قول خمسة من الصحابةء وليس لهم مخالف، فثبت أنه إجماع.
ولأنه عقد معاوضة، فوجب أن لا يمنع منه فقد رؤية المعقود عليه كالنكاح.
ولأن فقد رؤية المبيع ليس فيه أكثر من الجهل بصفات المبيع، والجهل بصفات المبيع، لا يمنع من صحة العقد عليه، وإنما يثبت الخيار فيه كالمبيع إذا ظهر على عيبه والمفقود للرؤية بقشره، ولأن الرؤية لو كانت شرطاً في بيوع الأعيان كالصفة في بيوع الصفات لوجب أن يكون رؤية جميع المبيع شرطاً في صحة العقد، كما أن صفة جميع السلم فيه شرط في صحته، فلما كان مشتري الصبرة إذ رأى بعضها جاز له أن يبتاع جميعها، علم أن الرؤية ليست شرطاً في بيوع الأعيان.
ولأن الرؤية لو كانت شرطاً في صحة العقد.
لكان وجودها شرطاً في حال العقد، ولم يستغن برؤية تقدمت العقد، كالصفات في السلم، وذكر الثمن، فلما صح العقد بالرؤية المتقدمة على العقد ثبت

الجزء: 4 - الصفحة: 349

أنها ليست بشرط في صحة العقد.
والدلالة على بطلان البيع: رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الغرر" وحقيقة الغرر؛ ما تردد بين جائزين أخوفهما أغلبهما.
وبيع خيار الرؤية غرر من وجهين: أحدهما: أنه لا يعلم هل المبيع سالم أو هالك؟ والثاني: أنه لا يعلم هل يصل إليه أو لا يصل؟ وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن بيع غائب بناجز" ولم يفصل بين صرف وغيره، فهو على عمومه.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن بيع الملامسة"، فالملامسة: بيع الثوب المطوي.
فإذا نهى عن الملامسة لجهل بالمبيع، وإن كان الثوب حاضراً، كان بطلانه أولى إذا كان غائباً.
ولأن بيع الصفة إذا علق بالعين بطل، كذلك بيع العين إذا علق بالصفة بطل.
وتحريره قياساً: أنه بيع عين بصفة، فوجب أن يكون باطلاً، كالسلم في الأعيان.
ولأنَّ الاعتماد في السلم على الصفة، والاعتماد في بيع الأعيان على الرؤية، لأنَّ السلم يصير معلوماً بالصفة، كما أن العين تصير معلومة بالرؤية.
فإذا تقرر أن السلم إذا لم يوصف حتى يصير السلم فيه معلوماً بطل العقد، وجب إذا لم ير العين حتى تصير معلومة بالرؤية أن يبطل العقد، إذ الإخلال بالرؤية في المرئيات كالإخلال بالصفة في الموصوفات.
وتحرير ذلك قياساً: إن جهل المشتري بصفات المبيع يمنع صحة العقد كالسلم إذا لم يوصف.
ولأنه بيع مجهول الصفة عند المتعاقدين فوجب أن يكون باطلاً، كقوله: بعتك عبداً أو ثوباً.
فإن قيل: إنما بطل إذا باعه عبداً، لا أنه غير معين ولا يمكن تسليمه لأنه بطل لكونه مجهول الصفة.
قيل: فلا يصح أن يكون بطلانه لكونه غير معين، لأن السلم يصح وهو غير معين، فثبت أنه بطل لكونه مجهول الصفة، ويمكن تسليم عبد وسط.
ولأنه بيع عين لم ير شيئاً منها، فوجب أن لا يصح كالسمك في الماء والطير في الهواء.
ولأنه خيار ممتد بعد المجلس غير موضوع لاستدراك الغبن، فوجب أن يمنع صحة العقد، أصله إذا اشترط خياراً مطلقاً.
فأما الجواب عن الاستدلال بالآية: إن سلم أنها عامة فخصصها بما ذكرنا من الأدلة.
وأما الجواب عن حديث أبي هريرة: فقد قال الحفاظ من حملة الآثار والجهابذة من نقلة الأخبار: أن عمر بن إبراهيم الأهوازي تفرد بروايته، وهو مشهور باختراع الأحاديث ووضعها، ومن كانت هذه منزلته، ففير ملتفت إلى روايته.
على أنه لو صح، لأمكن استعماله من ثلاثة أوجه:

الجزء: 4 - الصفحة: 350

أحدها: أن قوله "من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه" في الاستئناف للعقد عليه، لا في استصحاب العقد المتقدم منه.
والثاني: أنه محمول على السلم الذي لم يره، فهو بالخيار إذا رآه ناقصاً عن الصفة.
والثالث: أنه محمول على من اشترى ما لم يره في حال العقد إذا كان قد رآه قبل العقد، فهو بالخيار إذا وجده ناقصاً فيما بعد.
أما الجواب عما ذكره من الإجماع: فقد خالف فيه عمر، فبطل أن يكون إجماعاً يحتج به، أو دلالة تلزم، ولو لم يكن عمر مخالفاً، لكان قول خمسة لا يعلم انتشاره في جميعهم، والقياس يخالفه، فوجب أن يقدم عليه.
وأما الجواب عن قياسهم على النكاح، فالفرق بينهما يمنع من صحة الجمع، وهو أن الرؤية موضوعة لاستدراك الصفة وليس المقصود في النكاح صفة المنكوحة، وإنما المقصود فيه الوصلة، ألا تراه لو وجدها معيبة لم يكن له خيار، فكذلك لم يكن الجهل بصفاتها مانعاً من صحة العقد عليها، وصفات المبيع مقصودة في البيع، بدليل أنه لو وجده معيباً كان له الخيار، وكذلك كان الجهل بصفاته مانعاً من صحة العقد عليه.
على أن أبا حنيفة قد فرق بين النكاح والبيع في الرؤية، فقال: عقد النكاح لازم قبل الرؤية، وعقد البيع في العين الغائبة لا يلزم إلا بالرؤية.
فيقال له: لما كانت الرؤية شرطاً في لزوم البيع، كانت شرطاً في انعقاده، ولما لم تكن الرؤية شرطاً في لزوم البيع، كانت شرطاً في انعقاده، ولما لم تكن الرؤية شرطاً في لزوم البيع، كانت شرطاً في انعقاده، ولما لم تكن الرؤية شرطاً في لزوم النكاح، لم تكن شرطاً في انعقاده.
وأما الجواب عن قولهم: إن فقد الرؤية يوقع الجهل بصفات المبيع، والجهل بصفات المبيع، يوجب الخيار، ولا يوجب فاد العقد كالمعيب والمستور بقشره.
فهو أن المعيب والمستور بقشره قد جهل بعض صفاته، والغائب قد جهل جميع صفاته، والجهل ببعض الصفات لا يساوي حكم الجهل بجميعها، لأمرين: أحدهما: أنه قد يستدل بالأمر المشاهد على ما ليس بمشاهد، فيصير الكل في حكم المعلوم وليس كذلك الغائب الذي لم يشاهد شيئاً منه.
والثاني: أن الرؤية على ضربين: رؤية لا تلحق فيها المشقة وهي رؤية الجمل دون جميع الأجزاء، ورؤية تلحق فيها المشقة وهي رؤية جميع الأجزاء كالعيوب الخفية والمأكولات التي في قشورها.
فالرؤية التي تجب وتكون شرطاً في صحة العقل، هي رؤية الجملة لعدم المشقة فيها دون رؤية جميع الأجزاء لوجود المشقة فيها.
وأما الجواب عن قولهم: لو كانت الرؤية شرطاً كالصفة، لوجب أن تكون رؤية الجميع شرطاً كالصفة: فهو أن رؤية البعض قد أقيمت في الشرع مقام رؤية الكل، بدليل أن ما لم يشاهد منه لا خيار فيه إذا شوهد إلا بوجود عيب، ولو لم يكن كالمشاهد، لثبت فيه الخيار كالغائب، وليس كذلك الصفة؛ لأن صفة البعض لم يجر عليها في الشرع حكم صفة الكل، فافترقا من حيث ظن أنهما قد اجتمعا.
وأما الجواب عن قولهم: لو كانت الرؤية شرطاً، لكان وجودها حال العقد شرطاً

الجزء: 4 - الصفحة: 351

كالصفة في السلم.
فهو أن الرؤية قبل العقد تجعل المبيع معلوماً في حال العقد، والصفة قبل العقد لا تجعل المسلم فيه معلوماً في حال العقد، فلذلك لزم أن تكون الصفة مع العقد، ولم يلزم أن تكون الرؤية مع العقد.
فصل فإذا ثبت أن بيع العين الغائبة باطل إذا لم توصف، ففي جواز بيعها إذا وصفت قولان: أحدهما: يجوز.
نص عليه في ستة كتب: في القديم، والإملاء، والصلح، والصداق، والصرف، والمزارعة، وبه قال جمهور أصحابنا.
الثاني: أنه لا يجوز، وهو أظهرهما نص عليه في ستة كتب: في الرسالة، والسنن، والإجارة، والغصب، والاستبراء، والصرف في باب العروض.
وبه قال حماد بن أبي سليمان، والحكم بن عتيبة، وهو اختيار المزني والربيع، والبويطي.
وقد يدخل توجيه القولين فيما تقدم من الحجاجين.
فأما المزني: فإنه احتج من قول الشافعي على بطلان بيع العين الغائبة، بشيئين: أحدهما: أن قال: أصل قوله ومعناه: أن البيع بيعان لا ثالث لهما: صفة مضمونة، وعين معروفة.
والثاني: أن قال: فإنه يبطل بيع الثوب يرى بعضه، فكيف يجيز يري ما لم ير شيئاً منه قط، ولا يدري أنه ثوب أم لا، حتى يجعل له خيار الرؤية.
والجواب عما ذكره من الفصل الأول من وجهين: أحدهما: أن الشافعي إنما قال: البيع بيعان لا ثالث لهما، على القول الذي لا يجيز فيه بيع خيار الرؤية.
فأما على القول الأخير، فقد قال في كتاب الصرف في باب بيع العروض ولا يجوز من البيوع إلا ثلاثة: بيع عين حاضرة، وبيع عين غائبة، فإذا رآها المشتري فله الخيار، وصفة مضمونة، فبطل هذا.
والثاني: أن الشافعي قصد بقوله: البيع بيعان، الفرق بين بيوع الصفات المضمونة في الذمم، وبين بيوع الأعيان غير المضمونة في الذمم.
وهذا ينقسم قسمين: عين حاضرة، وعين غائبة.
وأما الفصل الثاني: في بيع الثوب يرى بعضه: فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي أن الشافعي إنما أبطل بيع الثوب يرى بعضه، على القول الذي لا يجيز فيه بيع خيار الرؤية، فأما على القول الذي يجيزه، فهذا البيع أجوز، وكيف يجيز بيع ما لم ير شيئا منه؟ ولا يجيز بيع ذلك الشيء وقد رأى بعضه؟ هذا مما لا يتوهم على الشافعي.
فعلى هذا يسقط احتجاج المزني به.
الثاني: وهو قول كثير من أصحابنا البصريين وغيرهم أن بيع الثوب يرى بعضه لا يجوز على القولين معاً.
والفرق بينه وبين العين الغائبة من وجهين: أحدهما: أن الثوب إذا رأى بعضه اجتمع فيه حكمان مختلفان، لأن ما رأى منه لا خيار له فيه، وما لم ير منه له فيه الخيار، فصارا حكمين متضادين جمعهما عقد واحد،

الجزء: 4 - الصفحة: 352

فبطل، وليس كذلك إذا كان غائباً كله.
والثاني: أن بيع العين الغائبة إنما أجيز على خيار الرؤية، للضرورة الداعية عند تعذر الرؤية، لينفع النفع العاجل للبائع بتعجيل الثمن، وللمشتري بالاسترخاص وليس كذلك في العين الحاضرة؛ لأن الضرورة ليست داعية إليه ولا الرؤية متعذرة منه.
فصل فإذا تقرر أن بيع العين الغائبة إذا وصفت على قولين: فإن قيل: إن بيعها غير جائز فلا تفريع عليه.
وإن قيل: إن بيعها جائز إذا وصفت، فلا يخلو حال البائع الواصف لها من أحد أمرين: إما أن يكون قد وصفها عن مشاهدة، أو عن صفة فإن كان قد وصفها عن مشاهدة، جاز.
وإن كان قد وصفها عن صفة؛ لأنه كان قد وكل في ابتياعها وكيلاً، ووصفها الوكيل له بعد الابتياع من غير مشاهدة، ثم وصفها البائع عن صفة الوكيل، ففي جواز ذلك وجهان: أحدهما: أنه جائز؛ لأنه لما جاز أن يشتري المشتري بالصفة من غير رؤية؛ جاز أن يبيع البائع بالصفة من غير رؤية.
الثاني: أنه لا يجوز، وبه قال ابن أبي هريرة لأمرين: أحدهما: أن المبيع إذا لم يره البائع والمشتري، كان أكثر غرراً، وإذا لم يره المشتري وحده، كان أقل غرراً، والغرر إذا قل في العقد عفي عنه، وإذا كثر لم يعف عنه.
والثاني: أن البائع إذا وصفها من غير رؤية، صار بائعاً لها بصفة عن صفة.
وذلك غير جائز كالأعمى في بيوع الأعيان لا يصح منه؛ لأنه يبيعها بصفة عن صفة.
فعلى هذين التعليلين لو كان المشتري قد رأى المبيع ولم يره البائع لكن وصفه له، فعلى الأول يجوز لقلة الغرر برؤية أحدهما، وعلى التعليل الثاني لا يجوز، لأنه يصير بائعاً بصفة عن صفة.
فصل فأما كيفية الصفة: فلا بد من ذكر الجنس والنوع.
فالجنس أن يقول: عبد أو ثوب.
والنوع أن يقول في الثوب: إنه قطن أو كتان، وفي العبد أن يقول: رومي أو زنجي، ليصير المبيع معلوم الجملة عند المشتري وهل يحتاج مع ذكر الجنس والنوع إلى ذكر الصفة أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يحتاج إلى ذكر الصفة، ويجوز أن يقتصر على ذكر الجنس والنوع؛ لأنه مبيع لم يتعلق بالذمة، فلم يحتج إلى صفة كسائر الأعيان.
الثاني: لا بد من ذكر الصفة، لأنه مبيع غائب، فافتقر إلى ذكر الصفة كالمسلم فيه.
فعلى هذا إذا قيل: إن الصفة شرط في صحة العقد، فهل يصح أن يصفه بأقل صفاته أو لا يصح إلا بذكر أكثر صفاته؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه يصح أن يصفه بأقل صفاته، لأنه قد يخرج بذلك عن الجهالة.
فعلى هذا يذكر في العبد الرومي بصفة أنه خماسي أو سداسي، وفي الثوب القطن أنه مروي أو هروي.
الثاني: أنه لا يصح حتى يصفه بأكثر صفاته؛ ليتميز بكثرة الصفات عن غيره من

الجزء: 4 - الصفحة: 353

الموصوفات.
فعلى هذا يذكر في العبد الرومي الخماسي قده وبدنه، وفي الثوب القطن المروي طوله وعرضه.
فأما ذكر جميع صفاته فليست شرطاً باتفاق أصحابنا، فإن وصفه بجميع صفاته فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال البغداديون: يجوز؛ لأنه أنفى للجهالة، وأبلغ في التمييز.
وقال البصريون: لا يجوز؛ لأنه يخرج عن بيوع الأعيان، ويصير من بيوع السلم، والسلم في الأعيان لا يجوز، فكذلك وصف العين الغائبة بجميع صفاتها لا يجوز.
فهذا حكم الصفة.
فصل فأما ذكر موضع المبيع، فيختلف بحسب اختلاف المبيع.
فإن كان المبيع مما لا ينقل كالأرض والعقار، فلا بد من ذكر البلد الذي فيه، فيقول: بعتك داراً بالبصرة أو بغداد، لأن بذكر البلد، يتحقق ذكر الجنس، ويصير في جملة المعلوم.
فأما ذكر البقعة من البلد؟ ففيه وجهان: أحدهما: يلزم ذكرها.
والثاني: لا يلزم ذكرها؛ لأن البقعة تجري مجرى الصفة.
فأما إن كان المبيع الغائب مما ينقل ويحول كالعبد والثوب، فلا بد من ذكر البلد الذي هو فيه، لأن القبض يتعجل إن كان البلد قريباً، ويتأخر إن كان البلد بعيداً، فافتقر العقد إلى ذكره؛ ليعلم به تعجيل القبض من تأخيره.
فأما ذكر البقعة من البلد، فلا يلزم، لأن البلد الواحد لا يختلف أطرافه كالبلاد المختلفة.
فإذا ذكر له البلد الذي هو فيه، فالواجب أن يسلمه إليه في ذلك البلد لا في غيره، فإن شرط المشتري على البائع أن يسلمه إليه في البلد الذي تبايعا فيه وهو في غيره لم يجز، وكان البيع فاسداً.
فإذا قيل: أليس لو شرط في السلم أن يسلمه في بلد بعينه جاز، فهلا جاز مثل ذلك في العين الغائبة؟ قيل: لأن السلم مضمون في الذمة، وليس يختص بموضع دون غيره، فاستوي جميع المواضع فيه، فافتقر إلى ذكر الموضع الذي يقع القبض فيه، وليس كذلك العين الغائبة، لأنها غير مضمونة في الذمة، وهي معينة قد اختصت بموضع هي فيه فلم يجز اشتراط نقلها إلى غيره، لأنه يصير تبعاً وشرطاً في معنى بيع ثوب على أنه على البائع خياطته، أو طعام أن على البائع طحنه.
هل العقد قبل الرؤية تام أم لا؟ فإذا عقد بيع العين الغائبة على الوصف المشروط فيه.
فقد اختلف أصحابنا هل يكون العقد تاماً قبل الرؤية أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن العقد ليس بتام قبل الرؤية، لأن تمام العقد يكون بالرضا به وقبل الرؤية لم يقع الرضا به، فلم يكن العقد تاماً، فعلى هذا، لو مات أحدهما بطل العقد، ولم يقم وارثه مقامه، لأن العقود غير اللازمة، تبطل بالموت، وكذلك لو جن أحدهما، أو حجر عليه بسفه بطل العقد.
وعلى هذا لكل واحد من البائع والمشتري أن يفسخ العقد قبل الرؤية.

الجزء: 4 - الصفحة: 354

والوجه الثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن العقد قد تم قبل الرؤية بالبذل والقبول، وإنما فيه خيار المجلس ما لم يتفرقا، كسائر البيوع.
فعلى هذا لو مات أحدهما لم يبطل العقد، وقام وارثه مقامه وكذلك لو جن أحدهما، أو حجر عليه بسفه، لم يبطل العقد وقام وليه مقامه.
وعلى هذا ليس لواحد منهما بعد الافتراق وقبل الرؤية أن يفسخ العقد.
فصل فإذا رأى المشتري السلعة المبيعة، فهل يثبت له خيار المجلس أو خيار العيب؟ على وجهين: أحدهما: يثبت له خيار المجلس- وهو قول أبي إسحاق- لأن عنده بالرؤية تم العقد.
فعلى هذا له الخيار في الفسخ على التراخي، ما لم يفارق مجلسه، سواء وجد السلعة ناقصة عما وصفت أم لا.
وله أن يشترط في المجلس خيار الثلاث، وتأجيل الثمن، والزيادة فيه، والنقصان منه.
والوجه الثاني: يثبت له بالرؤية خيار العيب- وهو قول أبي علي بن أبي هريرة- لأن عنده أن بالبذل والقبول، قد تم العقد.
فعلى هذا إن وجدها على ما وصفت لم يكن له خيار، وإن وجدها ناقصة، كان له الخيار في الفسخ على الفور.
ولا يجوز أن يشترط بعد الرؤية خيار الثلاث، ولا تأجيل الثمن، ولا الزيادة فيه والنقصان منه.
فصل فأما خيار البائع، فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون بيعه عن رؤية، أو عن صفة: فإن كان بيعه عن رؤية، فهل له الخيار أم لا؟ على وجهين: أحدهما: له الخيار- وهو قول أبي إسحاق.
لأن عنده أن بالرؤية يثبت خيار المجلس.
الثاني: لا خيار له- وهو قول أبي علي بن أبي هريرة- لأنه يقول: إن العقد قد تم، وبالرؤية يثبت خيار العيب.
وإن كان بيعه عن صفة، وجوزناه على أحد الوجهين، فلا يخلو حاله عند رؤية المبيع من أحد أمرين: إما أن يجده زائداً على ما وصف له، أو غير زائد.
فإن وجده زائداً عما وصف له، فله الخيار في الفسخ، لا يختلف كالمشتري إذا رآه ناقصاً.
وهل يكون خياره على الفور أو على التراخي؟ على وجهين: أحدهما: على التراخي ما لم يفارق مجلسه، وهو قول أبي إسحاق.
والثاني: على الفور، وهو قول أبي علي.
فإن لم يجده زائداً، فهل له بالخيار أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق: له الخيار؛ لأن عنده أن العقد يتم بالرؤية، ويثبت بعدها خيار المجلس.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: لا خيار له، لأن عنده أن العقد قد تم بالبذل والقبول، ويثبت بالرؤية خيار العيب.
فهذا الكلام في بيع العين الغائبة على خيار الرؤية وما يتعلق عليه من أحكام.

الجزء: 4 - الصفحة: 355

فصل فأما بيع العين الغائبة بغير شرط خيار الرؤية فباطل لا يختلف فيه المذهب، لأنه بيع ناجز على عين غائبة، وهو أصل الغرر.
وأما بيع العين الحاضرة على شرط خيار الرؤية، كثوب في سفط، أو مطوي، يبيعه موصوفاً من غير رؤية، بشرط خيار الرؤية.
فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: أنه كبيع العين الغائبة على قولين؛ لأن الحاضر يساوي الغائب في العلم به إذا وصف، ويزيد عليه في زوال الغرر بتعجيل القبض.
الثاني: أنه لا يجوز قولاً واحداً، بخلاف العين الغائبة، وهو قول أكثر أصحابنا، واليه أشار أبو إسحاق المروزي، وابن أبي هريرة، لأن الحاضر مقدور على رؤيته، فارتفعت الضرورة في جواز بيعه على خيار الرؤية، والغائب لما لم يقدر على رؤيته دعت الضرورة إلى جواز بيعه على خيار الرؤية.
فأما بيع السلجم، والجزر، والبصل، والفجل، في الأرض قبل قلعه على شرط خيار الرؤية.
فقد كان بعض أصحابنا يخرج جواز بيعه على قولين كالعين الغائبة.
وقال سائر أصحابنا: إن بيع ذلك باطل قولاً واحداً.
والفرق بين هذا وبين العين الغائبة من وجهين: أحدهما: أن وصف الغائب ممكن؛ لتقدم الرؤية له، ووصف هذا في الأرض قبل قلعه غير ممكن.
والثاني: أن المشتري إذا فسخ بيع الغائب، أمكن رده إلى حاله، وإذا فسخ بيع هذا المقلوع من الأرض، لم يمكن رده إلى حاله.
فأما بيع التمر المكنون في قواصره وجلاله: فقد كان بعض أصحابنا يخرج بيعه على قولين كالغائب.
وقال سائر أصحابنا البصريين: يجوز بيعه في قواصره، قولاً واحداً إذا شاهد رأس كل قوصرة؛ لأن في كسر كل قوصرة لمشاهدة ما فيها مشقة وفساداً، وقد أجمع عليه علماء الأعصار بالبصرة.
وأما ما سوى التمر من الأمتعة التي في أوعيتها، فلا يخلو حالها من أحد أمرين: إما أن يكون ذائباً، أو غير ذائب.
فإن كان ذائباً كالزيت والعسل، فإذا شاهد يسيراً مما في الوعاء أجزأه عن مشاهدة جميعه وجاز بيعه قولاً واحداً، كالصبرة من الطعام.
وإن كان غير ذائب فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون مما تتفاوت أجزاؤه، ويباين بعضه بعضاً، كالثياب، فلا يجوز بيعها إلا بشاهدة جميعها، إلا أن يبيعها من غير مشاهدة بشرط خيار الرؤية، فيكون في حكم بيع العين الغائبة أو الحاضرة على خيار الرؤية.
والثاني: إن كان مما تتماثل أجزاؤه في الغالب، أو تتقارب كالدقيق والقطن.
فقد اختلف أصحابنا فيه، فقال بعضهم: لا يصح بيعه إلا برؤية جميعه كالثياب.
وقال آخرون: يجوز بيعه برؤية بعضه كالذائب.
فصل قال الشافعي رحمه الله في كتاب "الصرف": ولا يجوز بيع خيار الرؤية مؤجلاً ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 356

بصفة.
فأما قوله: مؤجلاً: يعني به تأجيل تسليم المبيع، كقوله بعتك داراً بالبصرة، أو بغداد، على أن أسلمها إليك بعد شهر، فهذا باطل، لأنه عقد على عين بشرط تأخير القبض، وذلك غير جائز.
فإن قيل: فقبض الغائب لا بد أن يكون مؤخراً.
قيل: هو مؤخر بغير أجل محدود، فجاز، وليس كذلك مع الشرط؛ لأنه قد يقدر على التسليم قبل الأجل، فيؤخره لأجل الشرط، وقد لا يقدر عليه عند الأجل، فيلزم تسليم ما لا يقدر عليه بالشرط.
وأما قوله: ولا بصفة.
فقد اختلف أصحابنا في تأويلها على وجهين: أحدهما: وهو تأويل البصريين: أن يصف العين الغائبة بجميع صفاتها، فلا يجوز، لأنها تصير على قولهم في معنى السلم في الأعيان.
والثاني: تأويل البغداديين: أن يجعل بيع العين الغائبة مضموناً في ذمته، فلا يجوز كالعلم في الأعيان.
قال الشافعي: ويجوز بيع العين الغائبة بثمن حال ومؤجل؛ لأن بيوع الأعيان يصح تأجيل الثمن فيها، سواء كانت العين حاضرة أو غائبة، لأنه بيع عين بدين، وليس كالسلم المضمون في الذمم، فلا يصح بيعه بمؤجل؛ لأنه يصير في معنى بيع الدين بالدين.
فهذا جملة الكلام في بيع خيار الرؤية وما يتفرع عليه ويتصل به.
فصل فأما بيع العين الغائبة مع تقدم الرؤية، وهو أن يكون البائع والمشتري قد شاهدا السلعة ثم غابا عنها، وعقدا البيع عليها.
فلا يخلو حال الرؤية من أحد أمرين: إما أن تكون قريبة المدة، أو بعيدتها.
فإن كانت المدة قريبة وليس لها حد مقدر فمذهب الشافعي وجمهور أصحابه أن البيع جائز.
وقال أبو القاسم الأنماطي من أصحابه: البيع باطل، حتى تكون الرؤية مقارنة للعقد.
وقال أبو سعيد الاصطخري: قلت لمن يناظر عن الأنماطي: ما يقول صاحبك في الدار إذا رآها المشتري، وخرج إلى الباب، واشتراها؟ قال: لا يجوز.
قلت: فإن رأى خاتماً وأخذه في كفه ثم اشتراه؟ قال: لا يجوز قلت: فإن رأى أرضاً وخرج منها إلى جانبها ثم اشتراها؟ قال: فتوقف، لأنه لو قال: يجوز لناقض مذهبه، ولو قال: لا يجوز، لما أمكن ابتياع الأرض.
فهذا قول الأنماطي، وقل من تابعه على ذلك من الفقهاء.
واستدل على ذلك: بأن الرؤية لما كانت شرطاً في بيوع الأعيان، وجب أن تقترن بالعقد، كالصفة في بيع السلم.
وهذا المذهب شاذ الاعتقاد واضح الفساد؛ لأن الرؤية إنما أريدت ليصير المبيع معلوماً، ولا يكون مجهولاً، وهذا المعنى موجود في الرؤية المتقدمة على العقد، كوجوده في الرؤية المقترنة بالعقد، وليس كذلك الصفة.
فهذا حكم الرؤية المتقدمة إذا كانت المدة قريبة.
فأما إذا كانت مدة الرؤية بعيدة، فلا يخلو حال المشتري من أحد أمرين: إما أن يكون ذاكراً لأوصاف المبيع أو غير ذاكر: فإن كان غير ذاكر لأوصاف المبيع لبعد العهد وطول المدة، فهذا في حكم من لم يره، فإن ابتاعه على غير خيار الرؤية، لم

الجزء: 4 - الصفحة: 357

يجز.
وإن ابتاعه بخيار الرؤية، كان على قولين، وإن كان ذاكراً لأوصاف المبيع، لم تخل حاله من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون مما لا يتغير في العادة، كالحديد، والنحاس، فبيعه جائز، فإن رأى فيه بعد العقد عيباً، فله الخيار.
الثاني: أن يكون مما يتغير فلا يبقى مع طول المدة، كالفواكه الرطبة، والطبائخ.
فينظر في حاله حين العقد فإن كان قد مضى عليه المدة لا يبقى فيها كان بيعه باطلاً وإن كان قد مضى عليه من المدة ما يعلم بقاؤه فيها فبيعه جائز.
وإن كان قد مضى من المدة ما يجوز أن يبقى فيها ويجوز أن يتلف، فبيعه باطل؛ لأنه عقد على عين لا يعلم بقاؤها.
وفيه وجه آخر: أن بيعه جائز، لأن الأصل بقاء العين ما لم يعلم تلفها.
الثالث: أن يكون مما يجوز أن يتغير ويجوز أن لا يتغير كالحيوان، ففيه قولان: أحدهما: يجوز بيعه بالرؤية المتقدمة، وقد نص عليه في البيوع، لأن الأصل سلامته وبقاؤه على حاله، وبه قال أكثر أصحابنا.
والقول الثاني: أن بيعه لا يجوز، وقد أشار إليه الشافعي في كتاب الغصب واختاره المزني؛ لأنه متردد بين سلامة وعطب.
والقول الأول أصح، وعليه يكون التفريع، فإذا تبايعا بالرؤية المتقدمة، ثم رآه المشتري بعد البيع على ما كان رآه من قبل، فلا خيار له، وإن رآه متغيراً، فله الخيار.
فلو اختلفا، فقال المشتري: وجدته متغيراً، وقال البائع: بل هو على ما كان عليه من قبل.
قال الشافعي في كتاب الصرف: القول قول المشتري مع يمينه؛ لأنه يريد انتزاع الثمن من يده، فلا ينتزع منه إلا بقوله.
والله أعلم بالصواب.

باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار".
قال الشافعي: وفي حديث آخر إن ابن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع وفي تحديث أبي الوضيء قال: كنا في غزاة فباع صاحب لنا فرساً من رجل فلما أردنا الرحيل خاصمه فيه إلى أبي برزة فقال أبو برزة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
قال: وفي الحديث ما لم يحضر يحيى بن حسان حفظاً وقد سمعته من غيره أنهما باتا ليلة ثم غدوا عليه، فقال: لا أراكما تفرقتما وجعل لهما الخيار إذ بقيا في مكان واحد بعد البيع.
وقال عطاء: يخير بعد وجوب البيع.
وقال شريح: شاهدا عدل أنكما تفرقتما بعد رضا ببيع أو خير أحدكما صاحبه بعد البيع.
قال الشافعي: وبهذا نأخذ وهو قول الأكثر من أهل الحجاز

الجزء: 4 - الصفحة: 358

والأكثر من أهل الآثار بالبلدان.
قال: وهما قبل التساوم غير متساومين ثم يكونان متساومين ثم يكونان متبايعين فلو تساوما فقال رجل: امرأتي طالق إن كنتما تبايعتما كان صادقاً وإنما جعل لهما النبي - صلى الله عليه وسلم - الخيار بعد التبايع ما لم يفترقا فلا تفرق بعدما صارا متبايعين إلا تفرق الأبدان".
قال في الحاوي: اعلم أن العقود على أربعة أقسام: أحدها: ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال ولا يفضي إلى اللزوم في ثاني حال.
والثاني: ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال، ولكن قد يفضي إلى اللزوم في ثاني حال.
والثالث: ما كان لازماً من جهة أحد المتعاقدين في الحال دون العاقد الآخر بكل حال.
والرابع: ما كان لازماً من جهة المتعاقدين في الحال.
فأما القسم الأول: وهو ما كان غير لازم من جهة المتعاقدين في الحال، ولا يفضي إلى اللزوم في ثاني حال، فهو خمسة عقود: الوكالة، والشركة، والمضاربة، والعارية، والوديعة.
فالخيار فيها مؤبد من جهتي المتعاقدين معاً.
فإن شرط فيها إسقاط الخيار، بطلت، لأنها تصير بإسقاط الخيار لازمة، وهي عقود جائزة غير لازمة.
وأما القسم الثاني: وهو ما كان غير لازم في الحال، ولكن قد يفضي إلى اللزوم في ثاني حال، فهو خمسة عقود: الجعالة: وهي قول الرجل: من جاءني بعبدي الآبق فله دينار.
والعتق بعوض كقوله: أعتق عبدك عني بدينار.
واستهلاك الأموال بالضمان كقوله: ألق متاعك في البحر وعلي قيمته.
والقرض، والهبة.
فهذه العقود الخمسة غير لازمة في الحال، فإن جيء بالأبق، وأعتق العبد، وألقي المتاع في البحر، واستهلك القرض، وأقبضت الهبة، لزمت.
فيكون الخيار فيها قبل لزومها للمتعاقدين معاً.
فإذا لزمت سقط الخيار.
فلو شرط فيها إسقاط الخيار قبل لزومها، أو شرط إثبات الخيار فيها بعد لزومها، بطلت.
وأما القسم الثالث: وهو ما كان لازماً من جهة أحد المتعاقدين دون الأخر، فهو ثلاثة عقود: الرهن والضمان والكتابة.
فالخيار فيها ثابت للمرتهن دون الراهن، وللمضمون له دون الضامن، وللمكاتب دون السيد.
فإن شرط إسقاط الخيار في الجهة التي فيها الخيار، أو شرط إثبات الخيار في الجهة التي ليس فيها الخيار، بطلت.
وأما القسم الرابع: وهو ما كان لازماً من جهة المتعاقدين معاً فهو على أربعة أقسام: أحدها: ما لا يثبت فيه الخيار لواحد من المتعاقدين بحال، لا في المجلس، ولا بالشرط، وذلك ثلاثة عقود: النكاح، والخلع، والرجعة.
ليس فيها إذا تمت خيار مجلس ولا خيار شرط.
فإن شرط فيها أحد الخيارين، بطلت.
الثاني: ما لا يدخله خيار الشرط.
واختلف أصحابنا في دخول خيار المجلس فيه على وجهين، وذلك ثلاثة عقود: الإجازة، والمساقاة، والحوالة.
وهل تبطل باشتراط خيار المجلس؟ على وجهين: الثالث: ما لا يدخله خيار الشرط ويدخله خيار المجلس قولاً واحداً: وهو ما كان القبض قبل الافتراق شرطاً في صحته، وذلك عقدان: المصرف، والسلم.
فإن شرط

الجزء: 4 - الصفحة: 359

فيها خيار الثلاث بطلا.
الرابع: ما يدخله خيار المجلس بغير شرط، وخيار الثلاث بالشرط.
وهو سائر عقود البياعات.
يثبت فيها خيار المجلس بالعقد من غير شرط.
وبمذهبنا في ثبوت خيار المجلس في سائر البياعات قال من الصحابة: عثمان، وابن عمر، وابن عباس، وأبو برزة الأسلمي.
ومن التابعين: شريح، وابن المسيب، والحسن، وعطاء، وطاوس.
ومن الفقهاء: الزهري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق.
وقال أبو حنيفة، ومالك: البيع لازم بالإيجاب والقبول، ولا يثبت فيه خيار المجلس بحال.
استدلالاً بقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:282]، فندب إلى الإشهاد على البيع، لأجل الاستيثاق فيه، فلو كان لأحدهما الفسخ بعد العقد المشهود عليه، لم يحصل الاستيثاق، ولبطلت فائدة الإشهاد.
وبرواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن يكون صفقة خيار، فلا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله".
ولو جاز لأحدهما الفسخ من غير استقالة لم يكن لنهيه عن الافتراق خشية الاستقالة معنى، فدل على أن الفسخ لا يستحق إلا بالاستقالة.
وبما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: "البيع عن صفقة أو خيار".
فنوع البيع نوعين: نوعاً أثبت فيه الخيار بالشرط، ونوعاً نفى عنه الخيار من غير شرط، فعلم أنه لا يثبت فيه خيار المجلس كالنكاح.
ولأنه عقد معاوضة، فوجب أن لا يثبت فيه خيار مجلس كالنكاح.
ولأنه عقد يلحقه الفخ، فوجب أن لا يثبت فيه خيار المجلس كالكتابة.
ولأنه خيار مجهول، لم يوجبه نقص، فوجب أن لا يثبت في البيع كالمشروط من الخيار المجهول.
ولأن تأثير التفرق إنما هو الفسخ لا اللزوم، ألا ترى أنهما إذا تصارفا، ثم افترقا من غير قبض، بطل الصرف، وإذا كان تأثير التفرق هو الفخ، لم يجز أن يلزم به العقد: لأنه لا يجوز أن يكون الشيء الواحد مؤثراً في فسخ العقد وفي إلزامهما معاً في حال واحدة، لأنهما ضدان.
ولأن البيع لما لزم بتراضيهما بعد العقد، وهو أن يقول أحدهما لصاحبه: اختر البيع، فيختار، لم يجز أن يلزم بتراضيهما حال العقد، ووجب أن يكون لازماً بمجرد الإيجاب والقبول، لأن الإيجاب والقبول، إنما هو رضاً منهما بالعقد، ألا ترى أنهما لو كانا عند الإيجاب والقبول مكرهين لم يصح العقد.
فصل والدلالة على صحة ما ذهبنا إليه: ثبوت السنة به من خمسة طرق: فأحدها: حديث ابن عمر، وهو وارد من طريقين:

الجزء: 4 - الصفحة: 360

أحدهما: من طريق نافع.
والثاني: من طريق عبد الله بن دينار.
فأما نافع فقد روى عنه من طريقين: أحدهما: ما رواه الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا".
والثاني: رواه الشافعي عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تبايع المتبايعان البيع، فكل واحد منهما بالخيار من بيعه ما لم يتفرقا أو يكون بيعهما عن خيار، فإن كان عن خيار فقد وجب" قال نافع: وكان ابن عمر إذا ابتاع البيع، فأراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع".
وأما عبد الله بن دينار فقد روي عنه من طريقين: أحدهما: رواه الشافعي عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، أو يكون بيعهما عن خيار، فإذا كان البيع عن خيار فقد وجب".
والثاني: رواه الشافعي عن وكيع عن سفيان عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يتفرقا، أو يقول احدهما لصاحبه: اختر".
والثاني: حديث أبي برزة.
رواه الشافعي قال: أخبرنا الثقة يحيى بن حسان عن حماد بن زيد عن جميل بن مرة، عن أبي الوضيء قال: كنا في غزاة، فباع صاحب لنا فرساً من رجل، فلما أردنا الرحيل خاصمه فيه إلى أبي برزة، فقال أبو برزة: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
قال الشافعي: وفي الحديث ما يبين هذا لم يحضر يحيى بن حسان حفظه، وقد سمعته من غيره: أنهما باتا ليلة، ثم غدوا عليه، فقال: ما أراكما تفرقتما، وجعل لهما الخيار إذا باتا مكاناً واحداً بعد البيع.
والثالث: حديث حكيم بن حزام رواه الشافعي قال: أخبرنا الثقة يحيى بن حسان عن حماد بن سلمة عن قتادة، عن أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث عن حكيم بن حزام قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا وجبت البركة في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت البركة من بيعهما".
والرابع: حديث أبي هريرة.
رواه أبو زرعة عن عمرو بن حريث عن أبي هريرة أن

الجزء: 4 - الصفحة: 361

النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مناديه أن ينادي ثلاثاً: "لا يفترقن بيعان إلا عن تراض".
والخامس: حديث عمرو بن شعيب: وقد تقام ذكره في دليل المخالف.
فدلت هذه الأخبار كلها بصريح القول ودليله على ثبوت خيار المجلس للمتعاقدين معاً ما لم يتفرقا بالأبدان، أو يجعل أحدهما لصاحبه الخيار، فيختار.
فإن قيل: فإنما جعل لهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الخيار ما لم يتفرقا بالكلام: فيكون المراد بالافتراق افتراق الكلام دون افتراق الأبدان: وهو أن يكون للمشتري الخيار بعد بذل البائع في أن يقبل أو لا يقبل، وللبائع الخيار قبل قبول المشتري في أن يرجع في البذل أو لا يرجع، فإذا قل المشتري ولم يكن قد رجع البائع، فقد تم البيع، وانقطع الخيار سواء افترقا بالأبدان أو لم يفترقا.
قالوا: وهذا أولى من حمله على افتراق الأبدان من وجهين: أحدهما: أنه معهود الافتراق في الشرع قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:130] يعني: بالطلاق والطلاق كلام.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" يعني: في المذاهب.
والثاني: أن حمله على التفرق بالكلام حقيقة، وعلى التفرق بالأبدان مجاز، لأنه جعل الخيار للمتبايعين، وهما يسميان في حال العقد متبايعين حقيقة، وبعد العقد مجازاً، كما يقال: ضارب، فيسمى بذلك في حال الضرب حقيقة، وبعد الضرب مجازاً، وإذا كان كذلك كان حمله على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، فثبت بهذين الوجهين أن المراد به التفرق بالكلام دون التفرق بالأبدان.
فالجواب عنه: دليل، وانفصال.
فأما الدليل على أن المراد به التفرق بالأبدان دون الكلام فمن ثلاثة أوجه: أحدها: أن التفرق لا يكون إلا عن اجتماع، فإذا تفرقا بالأبدان بعد البيع، كان تفرقاً عن اجتماع في القول حين العقد وعن اجتماع بالأبدان.
ولا يصح تفرقهما بالكلام، لأنهما حال التساوم متفرقان، لأن البائع يقول: لا أبيع إلا بكذا، والمشتري يقول: لا أشتري إلا بكذا.
فإذا تبايعا فقد اجتمعا في القول بعد أن كانا مفترقين فيه.
وهذه دلالة أبي إسحاق المروزي.
والثاني: أن خيار المشتري بعد بذل البائع وقبل قبوله معلوم بالإجماع، إذ لو سقط خياره ببذل البائع لوجبت البياعات جبراً بغير اختيار بعد اختيار ولأفضى الأمر فيها إلى ضرر وفساد، والخيار بعد البيع غير مستفاد إلا بالخبر، فكان حمل الخبر على ما لم يستفد إلا منه أولى من حمله على ما استفيد بالإجماع، لأن لا يعرى الخبر من فائدة.
وهذه دلالة ابن جرير الطبري.
والثالث: أن اللفظ إذا ورد، وكان يحتمل معنيين، وكان المراد أحدهما بالإجماع لا هما معاً، ولم يكن في اللفظ تمييز المراد منهما، كأن ما صار إليه الراوي هو المراد

الجزء: 4 - الصفحة: 362

به دون الآخر، فلما كان الافتراق يحتمل أن يراد به الافتراق بالكلام مع بعده، ويحتمل أن يكون المراد به الافتراق بالأبدان مع ظهوره، وكان ابن عمر، وأبو برزة، وهما من رواة الخبر يذهبان إلى أن المراد به التفرق بالأبدان، لأن ابن عمر كان إذا أراد أن يوجب البيع مشى قليلاً ثم رجع، وأبو برزة قال للمتبايعين حين باتا ليلة ثم غدوا عليه قال: ما أراكما تفرقتما عن رضا منكما ببيع اقتضى أن يكون هو المراد بالخبر دون المعنى الآخر.
وهذه دلالة الشافعي رضي الله عنه.
فإن قيل: فقد روى أبو هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه، واغسلوه سبعاً" ثم أفتى أبو هريرة رضي الله عنه بالثلاث، فلم تصيروا إلى قوله، واستعملتم الخبر على ظاهره.
قيل: نحن لا نقبل قول الراوي في التخصيص، ولا في النسخ، ولا في الإسقاط وإنما نقبله في تفسير أحد محتمليه إذا أجمعوا على أن المراد أحدهما.
وقوله: "اغسلوه سبعاً" يقتضي وجوب الغسل سبعاً، وفتوى أبي هريرة بالثلاث إسقاط لباقي السبع، فلم يقبل، وكما روى ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من بدل دينه فاقتلوه" وكان يذهب إلى أن المرتدة لا تقتل.
فلم نقض بمذهبه على روايته، لأن فيه تخصيصاً، وقول الراوي لا يقبل في التخصيص.
على أن أبا علي بن أبي هريرة قال: أحمله على الأمرين معاً، فأحمله على التفرق بالكلام، وعلى التفرق بالأبدان، فأجعل لهما في الحالين الخيار بالخبر.
وهذا صحيح لولا أن الإجماع منعقد على أن المراد به أحدهما.
فأما الانفصال عن قولهم: إن معهود الافتراق إنما هو بالكلام دون الأبدان فمن وجهين: أحدهما: أن هذا تأويل مستحدث يدفعه إجماع من سلف، لأن كل من تقدم من السلف حمله على التفرق بالأبدان، حتى أن مالكاً روى الخبر، فقيل له: فلم خالفته؟ قال: وجدت عمل بلدنا بخلافه، وروي لأبي حنيفة فقال: أرأيت لو كانا في سفينة فحصل التسليم منهما، إن المراد به التفرق بالأبدان، ولم يتنازعا في تأويله، وإنما ذكرا شبهة واهية في ترك العمل به.
والثاني: أنه لو يجتمع السلف على أن المراد به التفرق بالأبدان لكان هو حقيقة التفرق في اللسان، والشرع، وإن كان ربما استعمل في التفرق بالكلام استعارة ومجازاً، وقد حكي الرياشي ذلك عن الأصمعي وشاهد ذلك أظهر من أن يذكر.
على أن هذا وإن ساغ في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر على وهن وضعف، فليس يسوغ في حديث غيره؛ لأن النص يدفعه من قوله: أو يقول لصاحبه: اختر، فإن ما بعد ذلك يخالف ما قبله.
وأما الانفصال عن قولهم: إن حمله على الخيار حين التساوم حقيقة وبعد العقد مجاز: فمن وجهين:

الجزء: 4 - الصفحة: 363

أحدهما: أن حمله عليها وقت التساوم مجاز، وبعد العقد حقيقة لغة وشرعاً: فأما اللغة، فلأن البيع مشتق من فعل، والأسماء المشتقة من الأفعال لا تنطلق على مسمياتها إلا بعد وجود الأفعال، كالضارب والقاتل: لا يتناول المسمى به إلا بعد وجود الضرب والقتل، كذلك البائع لا ينطلق عليه اسم البيع إلا بعد وجود البيع منه، والبيع إنما يوجد بعد العقد، فأما حين التساوم فلا.
فأما الشرع، فلأنه لو قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر لم يعتق عليه بالمساومة، فإذا تم العقد عتق عليه، فلذلك قال مالك وأبو حنيفة: إذا باعه بيعاً لا خيار فيه، لم يعتق عليه، لأنه يصير بائعاً بعد العقد، وقد زال ملكه بالعمد، وانقطع خياره، فلم يعتق عليه من بعد.
والثاني: أن تسميتنا له بائعاً بعد انقضاء البيع، إن كان مجازاً من حيث يقال: كانا متبايعين، فالحمل عليه وقت التساوم وجاز أيضاً حتى يوجد القبول، وإلا فيقال: سيكونان متبايعين، وإذا كان ذلك مجازاً فيهما جميعاً، كان ما ذكرنا أولى من وجهين: أحدهما: أن الاسم وإن انطلق عليهما بعد العقد مجازاً، فقد استقر بوجود البيع، وهو قبل العقد غير مستقر، لجواز أن لا يتم البيع.
والثاني: أن اسم البائع والمشتري من الأسماء المشتركة، كالوالد والولد، فلا يوجد المشتري إلا في مقابلة البائع، ولا يوجد البائع إلا في مقابلة المشتري، فلو كان البائع بعد البذل وقبل القبول يسمى بائعاً، لجاز أن يكون الطالب قبل القبول يسمى مشترياً، فلما لم يسم الطالب مشترياً إلا بعد القبول، لم يسم الباذل بائعاً إلا بعد القبول.
على أن هذا التأويل إنما يسوغ مع وهاية في قوله: المتبايعان فأما في قوله البيعان فلا يسوغ فيه.
فنستعمل الروايتين، ونحمله على اختلاف معنيين، فيكون أولى من حمله على أحدهما.
فبطل هذا التأويل بما ذكرنا من الدليل والانفصال، واستقر ما ذكرنا من الوجوه في أدلة الأخبار.
فأما المعنى النظري فهو أنه خيار ورد به الشرع، فوجب أن يعتبر حكمه بعد العقد، أصله خيار الثلاث.
ولأنه عقد معاوضة محضة، فوجب أن يكون للتفرق تأثير فيه، كالصرف والسلم.
ولأن الخيار ضربان: ضرب يتعلق بالصفات، وضرب يتعلق بالزمان.
ثم كان الخيار المتعلق بالصفات ينقسم قسمين: قم وجب بالشرط وقسم وجب بالشرع.
فالقسم الواجب بالشرط: أن يبتاع عبداً على أنه كاتب أو مانع، فيجده بخلاف ذلك، فيجب له الخيار لعدم الفضيلة المستحقة بالشرط.
والواجب بالشرع: هو خيار العيب لنقص وجده عن حال السلامة، فيجب له الخيار بالشرع، فاقتضى أن يكون الخيار المتعلق بالزمان ينقسم قسمين: قسم وجب بالشرط: وهو خيار الثلاث.
وقسم وجب بالشرع: وهو خيار المجلس.
وتحريره قياساً: أنه أحد جنسي الخيار، فوجب أن يتنوع نوعين: شرطاً وشرعاً قياساً على خيار الصفات.
ولأنه عقد يقصد به تمليك المال، فلم يلزم بالبذل والقبول كالهبة.
ولأن عقد البيع بذل وقبول، فلما ثبت الخيار بعد البذل، وجب أن يثبت بعد القبول.
وتحريره قياساً: أنه قول أحد المتبايعين، فوجب ثبوت الخيار بعده كالبذل.

الجزء: 4 - الصفحة: 364

فأما الجواب عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:282] أن المراد به الإشهاد بعد الافتراق في الحال التي يلزم فيها العقد.
ولا يمنع أن يكون ذلك إشهاداً على العقد ووثيقة فيه كما أن الإشهاد في خيار الثلاث، يكون بعد تقضي الثلاث، ولا يمنع أن يكون ذلك إشهاداً على العقد ووثيقة فيه.
وأما الجواب عن حديث عمرو بن شعيب، وقوله "ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقبله" فهو أن لهذا اللفظ ظاهرين: أحدهما: حجة عليهم.
والثاني: حجة لهم.
فقوله: "ولا يحل له أن يفارقه" حجة عليهم، لأنه يدل على أن البيع لم يقع لازماً، وأن فيه خياراً يسقط بالتفرق.
وقوله: "خشية أن يستقبله" حجه لهم، لأنه يدل على أن الخيار لا يستحق إلا بالإقامة.
فلم يكن بد من تغليب أحد الظاهرين لتعارضهما، فكان تغليب الظاهر في إثبات الخيار أحق لأمرين: أحدهما: أن أول الخبر يقتضيه، وهو قوله "المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار".
والثاني: أن الإقامة لا تختص بمجلس التبايع وتبطل بالتفرق لجوازها بعد الافتراق كجوازها قبله.
وإنما الخيار يختص بالمجلس ويبطل بالتفرق، فصح أنه المراد.
وأما الجواب عن ما روي عن عمر "البيع صفقة أو خيار" فهو أنه مرسل، لأنه يروى عن رجل من بني كنانة، ولو صح لاحتمل أمرين: أحدهما: أن البيع عن صفقة وخيار، لأنه قسم البيع إلى قسمين: أحدهما: صفقة، والثاني: خيار.
والخيار بمجرده لا يكون بيعاً إلا مع الصفقة، فثبت أن معناه عن صفقة وخيار.
والثاني: أن معناه أن البيع على ضربين: ضرب: فيه خيار الثلاث.
وضرب: ليس فيه خيار الثلاث.
يوضح ذلك يؤيده ما روى مطرف عن الشعبي أن عمر بن الخطاب قال: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا.
وأما الجواب عن قياسهم على النكاح: فهو أن المعنى في النكاح أنه عقد تبتغى به الوصلة دون المعاوضة فلم يثبت فيه الخيار الموضوع لارتياد أوفر الأعواض، ولهذا المعنى لم تكن الرؤية شرطاً في صحته، وخالف سائر عقود المعاوضات من البيوع وغيرها، ألا ترى أن خيار الثلاث لا يصح فيه وإن صح في غيره.
وأما الجواب عن قياسهم على الكتابة: فهو أن الخيار موضوع في العقد، لارتياد الحظ فيه، وعقد الكتابة لم يثبت فيه الخيار من جهة السيد لأنه قصد به إرفاق عبده، لا طلب الحظ لنفسه إذ معلوم أنه لا حظ له في بيع ملكه بملكه، فسقط خياره.
ولأنه ليس يستدرك به ما خفي عنه، وأما العبد فخياره ممدود، وليس كذلك البيع.
وأما الجواب عن قياسهم على الخيار المجهول: فهو أن خيار المجلس من موجبات العمد، والخيار المجهول من موجبات الشرط.

الجزء: 4 - الصفحة: 365

وفرق في الأصول بين ما ثبت بالعقد.
فيصح فيه الجهالة، وما ثبت بالشرط، فلا يصح فيه الجهالة، ألا ترى أن خيار العيب لما ثبت بالعقد جاز أن يكون مجهولاً، وخيار المدة لما ثبت بالشرط لم يجز أن يكون مجهولاً، وكذا القبض إذا استحق بإطلاق العقد جاز أن يكون مجهول الوقت وإذا كان مستحقاً بالشرط لم يجز أن يكون مجهول الوقت.
وأما الجواب عن قولهم: إن الافتراق يؤثر في فسخ البيع لا في لزومه كالصرف قبل القبض: فهو أن هذه دعوى غير مسلمة، لأن الافتراق في الصرف مؤثر في لزومه كالبيع، وليس يقع الفسخ في الصرف بالافتراق، وإنما يقع بعدم القبض قبل الافتراق، فإذا تقابضا، صح، ولم يلزم إلا بالافتراق.
وأما الجواب عن قولهم: لما لزم البيع بتراضيهما بعد العقد، فلأن يكون لازماً بتراضيهما حين العقد أولى: فهو أن الرضا بالبيع بعد العقد يتنوع نوعين: نوع يكون بالصمت، ونوع يكون بالنطق: فأما الرضا بالصمت بعد العقد فلا يلزم به البيع، فكذا الرضا بالصمت حين العقد لا يلزم به البيع.
وأما الرضا بالنطق بعد البيع، فهو أن يقول: قد اخترت إمضاء البيع.
فهذا يلزم به البيع.
ومثله بالنطق في حال البيع أن يشترط في العقد سقوط خيار المجلس، فهذا قد اختلف أصحابنا فيه هل يلزم به البيع ويصح معه العقد أم لا؟ على ثلاثة أوجه: أحدها: يصح معه العقد، لأن غرر الخيار يرتفع به، ويلزم به البيع، لأنه موجب شرطه، ولا يثبت في البيع خيار المجلس.
وقائل هذا الوجه من أصحابنا تأوله من كلام الشافعي في كتاب الأيمان والنذور.
فعلى هذا قد استوي حكم هذا الرضا في لزوم البيع بعد العقد وقبله.
الثاني: يصح معه العقد، لكن لا يلزم به البيع، ولا يسقط معه خيار المجلس، وإن كان مشروطاً، لأنه من موجب العقد فلم يسقط بالشرط، كالولاء في العتق والرجعة في الطلاق.
فعلى هذا يكون هذا النوع من الرضا يلزم به البيع إذا كان بعد العقد، ولا يلزم به البيع إذا كان مع العقد.
والفرق بينهما أنه بعد العقد يتضمن إبطال خيار ثابت، فصح إبطاله بعد ثبوته.
وحين العقد يتضمن إبطال خيار غير ثابت، فلم يصح إبطاله قبل ثبوته، كاستحقاق الشفعة لما بطل بعد البيع للرضا بعد ثبوته، لم يبطل حال البيع مع الرضا به، لعدم ثوبته.
الثالث: أن البيع باطل بهذا الشرط، لأنه مناف لموجبه، إذ موجب العقد ثبوت الخيار به، ولا شرط إذا نافى موجب العقد أبطله، وهو منصوص الشافعي في القديم، والبويطي والأم.
فعلى هذا يكون هذا النوع من الرضا يلزم به البيع بعد العقد، ويبطل به البيع إن كان مع العقد والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "فكل متبايعين في سلعة وعين وصرف وغيره فلكل واحد منهما فخ البيع حتى يتفرقا تغرق الأبدان على ذلك أو يكون بيعهما عن خيار وإذا

الجزء: 4 - الصفحة: 366

كان يجب التفرق بعد البيع فكذلك يجب إذا خير أحدهما صاحب بعد البيع وكذلك قال طاوس: خير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلاً بعد البيع فقال الرجل: عمرك الله ممن أنت؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "امرؤ من قريش" قال فكان طاوس يحلف ما الخيار إلا بعد البيع.
قال في الحاوي: قد ثبت بما مضى خيار المجلس في البيوع كلها، وفي الصرف، والسلم، لأنهما نوعان منها غير أن خيار الثلاث وإن دخل في البيوع، فهو غير داخل في الصرف والسلم.
لأن القبض قبل الافتراق لما كان شرطاً في صحتهما، منع من بقاء علق العقد بعد الافتراق، وخيار الثلاث يبقى علق العقد بعد الافتراق فمنع منه.
فإذا ثبت ذلك فعقد البيع يلزم بشيئين: هما: العقد، والافتراق.
وإذا كان لا يلزم إلا بهما وجب بيان كل واحد منهما.
فنبدأ ببيان العقد وحكمه، ثم بالافتراق ولزوم البيع به.
فصل فأما العقد فيصح باعتبار ثلاثة شروط: أحدها: اللفظ الذي يعقد به.
والثاني: كيفية العقد به.
والثالث: بيان ما يصير العقد تابعاً به.
فأما الشرط الأول: وهو اللفظ الذي يعقد به.
فألفاظه على ثلاثة أضرب: ضرب: يصح العقد به؛ وضرب لا يصح العقد به؛ وضرب مختلف فيه هل يصح العقد به أم لا؟ فأما ما يصح العقد به، فلفظة واحدة من جهة البائع، وهي قوله: قد بعتك، وإحدى لفظتين من جهة المشتري، هما: قوله: قد اشتريت، أو قد ابتعت، لأن معنى الشراء والابتياع سواء.
وأما ما لا يصح العقد به: فهو كل لفظ كان يحتمل معنى البيع وغيره، كقوله: قد أبحتك هذا العبد بألف، أو قد سلطتك عليه، أو قد أوجبته لك، أو جعلته لك.
كل هذه الألفاظ لا يصح عقد البيع بها، لاحتمالها، وأن معنى البيع ليس بصريح فيها.
وأما المختلف فيه: فهو قوله: قد ملكتك.
فيه لأصحابنا وجهان: أحدهما: يصح العقد به، لأن حقيقة البيع: تمليك المبيع بالعوض، فلا فرق بين ذلك وبين قوله: بعتك.
الثاني: وهو الصحيح لا يصح العقد به، لعلتين: إحداهما: أن لفظ التمليك يحتمل البيع ويحتمل الهبة على العوض، فصار من جملة الألفاظ المحتملة.
والأخرى: أن التمليك هو حكم البيع وموجبه، فاحتاج إلى تقديم العقد، ليكون التمليك يتعقبه.
فصل فأما كيفية العقد بألفاظه المختصة به فيحتاج أن يكون لفظ البائع خارجاً على أحد الوجهين: إما مخرج البذل، أو مخرج الإيجاب.
ولفظ المشتري خارجاً على أحد

الجزء: 4 - الصفحة: 367

الوجهين أيضاً: إما مخرج القبول، أو مخرج الطلب.
وإذا كان كذلك، فإن، لهما في عقد البيع بلفظه ثلاثة أحوال: إحداهن: أن يعقداه بلفظ الماضي.
والثانية: بلفظ المستقبل.
والثالثة: بلفظ الأمر.
فأما عقده بلفظ الماضي: فهو أن يبدأ البائع، فيقول: قل بعتك عبدي بألف، ويقول: المشتري قد اشتريته منك بها، فيصح العقد؛ لأن قول البائع: قد بعتك، يكون بذلاً، وقول المشتري: قد اشتريت، يكون قبولاً، والبيع يصح بالبذل والقبول.
وكذا لو قال المشتري مبتدئاً: قد اشتريت هذا العبد بألف، فيقول البائع: قد بعتك بها، صح البيع، ولم يحتج المشتري إلى إعادة القبول بعد بذل البائع بوفاة أبي حنيفة؛ لأن هذا القول من المشتري إذا تقدم وإن كان بلفظ القبول يتضمن معنى الطلب، وقول البائع إذا تأخر وإن كان بلفظ البذل يتضمن معنى الإيجاب، والبيع يصح بالطلب والإيجاب، كما يصح بالبذل والقبول.
فأما إذا ابتدأ البائع، فقال: قد اشتريت مني عبدي بألف، فقال: قد اشتريته، لم يصح البيع بهذا اللفظ، حتى يقول البائع بعد ذلك: قد بعتك؛ لأن قول البائع للمشتري: قد اشتريت مني، هو استخبار، وليس ببذل منه ولا إيجاب، وما لم يكن بذلاً ولا إيجاباً، لم يصح عقد البيع به من جهة البائع.
وهكذا لو ابتدأ المشتري فقال للبائع: قد بعتني عبدك بألف، فقال: قد بعتك، لم يصح البيع، حتى يقول المشتري بعد ذلك: قد اشتريت؛ لأن هذا القول من المشتري، ليس بقبول ولا طلب، وما لم يكن قبولاً ولا طلباً، لم يصح عقد البيع به من جهة المشتري.
وأما عقده بلفظ المتقبل: فهو أن يبدأ البائع فيقول: سأبيعك عبدي بألف، أو يقول: أبيعك عبدي بألف، ويقول المشتري: اشتريته بها أو سأشتريه.
أو يقول المشتري: تبيعني عبدك بألف، فيقول: أبيعك، أو يقول البائع: تشتري عبدي بألف، فيقول: اشتريته، فلا يصح عقد البيع بذلك؛ لأنه خارج مخرج الوعد.
وهكذا جميع ما تلفظا به من الألفاظ المتقبلة، لا يصح عقد البيع بها لما ذكرنا.
ومن هذا النوع أيضاً أن يكون اللفظ خارجاً مخرج الاستفهام كقوله: أتشتري عبدي بألف؟ فيقول: قد اشتريته، أو يقول المشتري: أتبيع عبدك بألف؟ فيقول: قد بعته، فلا يصح البيع أيضاً لما ذكرنا.
وأما عقده بلفظ الأمر.
فإن ابتدأ البائع فقال للمشتري: اشتر عبدي بألف، فقال: قد اشتريت، لم يصح البيع، إلا أن يعود البائع فيقول: قد بعت، ولو ابتدأ المشتري فقال للبائع: بعني عبدك بألف، فقال: قد بعتك بها، صح البيع، ولم يحتج المشتري إلى إعادة القبول عندنا.
والفرق بين أن يقول البائع مبتدياً للمشتري: اشتر عبدي بألف، قد اشتريت، فلا يصح البيع، وبين أن يبتدئ المشتري فيقول للبائع: بعني عبدك بألف، فيقول: قد بعتك بها، فيصح البيع، وإن كان كلا اللفظين أمراً: أن البائع إنما يراد من جهته البذل

الجزء: 4 - الصفحة: 368

مبتدياً أو الإيجاب مجيباً، ولفظ الأمر بقوله: اشتر، لم يوضع للبذل ولا للإيجاب.
والمشتري إنما يراد من جهته القبول مجيباً أو الطلب مبتدياً، ولفظ الأمر بقوله: بعني، موضوع للطلب وإن لم يوضع للقبول.
فهذا فرق ما بين لفظي البائع والمشتري في الابتداء به على وجه الأمر عن طريق اللغة ومعاني الألفاظ وقال أبو حنيفة: هما سواء، إذا ابتدأ المشتري فقال: بعني عبدك بألف، فقال البائع: قد بعتك بها، لم يصح البيع، حتى يعود المشتري فيقول: قد اشتريته، فيكون هذا قبول كما لو ابتدأ البائع فقال: اشتر عبدي بألف، وما ذكرناه من الفرق بين معنى اللفظتين كاف.
ثم الدليل عليه من جهة المعنى الشرعي أن كل ما لزم اعتباره في صحة عقد البيع من صفات لفظه، لزم اعتباره في صحة عقد النكاح من صفات لفظه.
فلما لو كان ابتدأ الزوج فقال للولي: زوجي ابنتك، فقال: قد زوجتك، صح النكاح، ولم يحتج الزوج إلى القبول بعد إجابة الولي، وقام ذلك مقام أن يبتدئ الولي فيقول للزوج: قد زوجتك بنتي، ويقول: الزوج: قل تزوجت، وجب أن يكون حكم البيع بمثابته.
ويتحرر من هذا الاستدلال قياسان: أحدهما: أنه عقد لو تقدم فيه البذل كفاه القبول، فإذا تقدم فيه الطلب كفاه الإيجاب كالنكاح.
والثاني: أن كلما لا كان بلفظ النكاح كان نكاحاً، فماذا كان بلفظ البيع كان بيعاً، لو تقدم البذل.
فصل فأما إذا كان المبيع عبداً بعبد، وعقداه بلفظ الأمر، والمتبايعان متساويان فيه فأيهما جعل نفسه باللفظ بائعاً أو مشترياً، لزمه حكمه.
فإذا قال أحدهما: بعني عبدك هذا بعبدي، فقال الأخر: قد بعتك به، صح به البيع، لأن المبتدى، أنزل نفسه منزلة المشتري، فلزمه حكمه.
ولو كان الأول قال: اشتر مني عبدي هذا بعبدك، فقال: قد اشتريته منك، لم يصح البيع، لأنه أنزل نفسه منزلة البائع، فلزمه حكمه.
فصل فأما ما يصير العقد تاماً به، فشيئان: أحدهما: تعجيل القبول على الفور إن تقدم البذل، أو تعجيل الإيجاب على الفور، إن تقدم الطلب، من غير فصل، ولا بعد، فإن فصل بين البذل والقبول بكلام ليس منه، أو تطاول ما بين البذل والقبول بالإمساك حتى بعد منه.
لم يتم العقد، ولم يكن للقبول تأثير إلا أن يعقبه البائع بالإيجاب، فيصير القبول طلباً والإيجاب جواباً، ويتم البيع، ولكن لو حصل بين القبول والبذل إمساك لبلع الريق وقطع النفس، تم العقد، ولم يكن لهذا الإمساك تأثير في فساده.
والثاني: أن يكون قبول المشتري يقتضي ما تضمنه بذل البائع من الثمن، وهو أن يقول البائع: قد بعتك عبدي بألف، فيقول المشتري: قد اشتريته بالألف، أو يقول: قد اشتريته بها، فيصح الشراء؛ لأن القبول قد تضمن ما تناوله البذل من الثمن، وكذلك لو

الجزء: 4 - الصفحة: 369

قال المشتري- حين قال البائع: قد بعتك عبدي بألف-: قد قبلت هذا البيع، صح البيع، ولزم فيه الألف، وإن لم يصرح المشتري بها في قبوله؛ لأن بذل البائع قد تناولها، وقبول المشتري توجه إليها.
فإن قيل: أليس لو قال الولي في النكاح: قد زوجتك بنتي على صداق ألف، فقال الزوج: قد قبلت تزويجها؟ أو قال: قد تزوجتها، ولم يقل: على هذا الصداق، صح النكاح، ولم يلزم الصداق حتى يصرح به في قبوله؟ فما الفرق بينه وبين البيع؟ قيل: الفرق بينهما: أن البيع لا يصح إلا بثمن فإذا حصل فيه القبول، تضمن ما يتناوله البذل من الثمن، والنكاح قد يصح مع خلوه من الصداق، فلذلك لم يلزم فيه الصداق إلا أن يصرح به في قبوله.
ولو قال البائع: قد بعتك عبدي بألف إن قبلت الشراء مني، فقال: نعم، صح البيع وتم.
وكذا لو كان بينهما متوسط في العقد، فقال للبائع: بعته عبدك بألف، فقال: نعم، وقال للمشتري: اشتريته بها، فقال نعم، صح البيع وتم.
وكذا لو ابتدأ المتوسط بالمشتري فقال: اشتريت هذا العبد من فلان بألف، فقال: نعم، وقال للبائع: بعته عليه بالألف، فقال: نعم، صح البيع وتم.
ويفارق النكاح في أحد الوجهين بما نذكره هناك من الفرق بينهما.
ولكن لو قال البائع: قد بعتك عبدي هذا بألف، فقال المشتري: قد ابتعته بخمسمائة، لم يصح البيع.
وهكذا لو قال المشتري: قد قبلته بألفين، لم يصح البيع أيضا؛ لأنهما لم يجتمعا في البذل والقبول على ثمن واحد، ولا يصح البيع، حتى يكون الثمن معلوماً يتفقان عليه.
وقال أبو حنيفة: يصح البيع بالألف؛ لاجتماعهما عليها، والألف الأخرى زيادة، إن شاء البائع قبلها، وإن شاء ردها.
قال: ولو قال المشتري: بعني هذا العبد بألف، فقال البائع قد بعتك بخمسمائة، صح البيع بخمسمائة، وقد حطه خمسمائة، وحل ذلك حظا؛ لأن الثمن مختلف في حال العقد لم يجتمع عليه في البذل والقبول سواء عاد البائع، فقبل الزيادة، أو المشتري فقبل الحطيطة أم لا؟ ولا يصح البيع إلا باستئناف العقد لما ذكرناه.
فهذا حكم العقد.
فصل وأما الافتراق: فهو موضوع لقطع الخيار، ولزوم البيع، لأن الخيار ثابت لكل واحد منهما بعد العقد في الفسخ والإمضاء، وقطع هذا الخيار يكون بأحد وجهين: إما بالافتراق.
وإما بالتخيير القائم في قطع الخيار مقام الافتراق.
فأما حد الافتراق، فقد ورد الشرع به مطلقاً، وما أطلقه الشرع ولم يكن محدوداً في اللغة كان الرجوع في حده إلى العرف كالقبض في المبيعات، والإحراز في المسروقات.
فإذا فارق أحدهما صاحبه إلى حيث ينسب في العرف أنه مفارق له، انقطع الخيار ولزم البيع، مثال ذلك إن تبايعا في دار فيخرج أحدهما منها، فيكون هذا افتراقاً سواء صغرت الدار أو كبرت، تعد الخارج منها أم قرب.
فأما إن لم يخرج منها، ولكن قام من أحد جانبيها الذي تبايعا فيه إلى الجانب

الجزء: 4 - الصفحة: 370

الآخر، نظر: فإن كانت الدار واسعة، كان ذلك تفرقاً، وإن كانت الدار صغيرة، لم يقع التفرق إلا بالخروج منها أو الصعود إلى علوها.
وكذا السفينة إذا تبايعا فيها؛ فإن كانت صغيرة، لم يقع التفرق إلا بخروج أحدهما منها إلى الأرض، أو إلى سفينة غيرها، أو إلى الماء.
وإن كانت السفينة كبيرة وقع الافتراق بقيام أحدهما من أحد جانبيها الذي تبايعا فيه إلى الجانب الآخر، كأنهما تباعيا في الصدر، ثم قام أحدهما إلى المؤخر، أو تبايعا في المؤخر ثم قام أحدهما إلى الصدر.
فأما إن تبايعا في سوق كبير، فقد قال الشافعي: فالتفرق: أن يولي أحدهما ظهره، قال أصحابنا: أراد بذلك أن يولي ظهره ويمشي قليلاً حتى يزايل موضع العقد في العرف، كما كان يفعل عبد الله بن عمر في بيوعه.
فأما إذا كانا في موضع تبايعهما ومجلس عقدهما، فبني بينهما حائط، لم يكن ذلك تفرقاً، لأن الحائط المبني حائل، والحائل لا يفرق بينهما، كما لو حال بينهما رجل بوقوفه.
فأما إذا قاما جميعاً عن مجلس تبايعهما، ومشيا مجتمعين، ولم يفترقا بأبدانهما، فهما على خيارهما، وإن طال الزمان وبعد.
وحكي عن عبد الله بن الحسن العنبري: أن خيارهما قد انقطع بمفارقة مجلسهما.
وحديث أبي برزة الأسلمي حيث أثبت الخيار للمتبايعين وقد غدوا عليه، وقوله لهما: ما أراكما تفرقتما عن رضا منكما ببيع دليل على أنه قد عقل معنى الافتراق عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فهذا الكلام في افتراق المتبايعين.
فصل فأما حكم الافتراق في عقد البيع إذا تم بواحد، وهو الأب إذا ابتاع من ابنه الصغير لنفسه، أو باع عليه من نفسه بنفسه، ففيه وجهان: أحدهما: وهو يحكى عن أبي إسحاق المروزي فيما علق عنه: أن حد الافتراق في بيعه أن يفارق مجلس بيعه الذي ابتاع فيه من ابنه إلى حيث لا ينسب في العرف إليه، فيكون ذلك تفرقاً يلزم به البيع.
الثاني: وهو قول جمهور أصحابنا: أن الخيار باق وإن فارق مجلسه، لأنه لا يصح أن يكون مفارقاً لنفسه، ويكون الخيار باقياً إلى بلوغ ابنه، أو يخير الأب نفسه عن ابنه، فيختار لنفسه وعن ابنه إمضاء البيع وقطع الخيار، فيلزم حينئذ البيع.
فأما إذا مات أحد المتبايعين قبل التفرق، فانتقل الخيار إلى وارثه، وإن كان غائباً، فله الخيار في موضعه الذي بلغه حيث كان، فإن زال عن الموضع، سقط خياره.
وإن اختار أحدهما الفسخ والأخر الإمضاء، غلب الفسخ على الإمضاء؛ لأن موضوع الخيار الفسخ.
ولا فرق بين أن يفترق المتبايعان عن قصد لقطع الخيار ولزوم البيع، أو غير قصد ناسيين.
فهذا الكلام في حد الافتراق وحكمه وما يتعلق عليه من فروعه.
فصل فأما التخيير القائم في قطع الخيار ولزوم البيع مقام الافتراق:

الجزء: 4 - الصفحة: 371

فهو أن يخير أحدهما صاحبه بعد البيع فيختار الإمضاء، فينقطع بذلك الخيار، ويلزم معه العقد وإن كانا في مجلس بيعهما لم يتفرقا.
وقال أحمد بن حنبل: لا حكم للتخيير في لزوم البيع، وهما على خيارهما ما لم يتفرقا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا".
والدلالة عليه: الخبر المروي في كتابنا رابعاً عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كل بيعين فلا بيع بينهما حتى يفترقا أو يقول أحدهما لصاحبه: "أختر".
وروي أنه - صلى الله عليه وسلم - ابتاع من أعرابي فرساً فقال له: "أختر" فقال: عمرك الله ممن أنت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - "امرؤ من قريش".
ولأن الخيار خياران: خيار شرط، وخيار عقد.
ثم ثبت أن خيار الشرط ينقطع بالتخيير، فكذلك خيار العقد يجب أن ينقطع بالتخيير.
فإذا ثبت أن التخيير يقوم مقام الافتراق في قطع الخيار ولزوم البيع، فخير أحدهما صاحبه: فإن اختارا جميعاً الإمضاء، انقطع الخيار ولزم البيع.
وإن اختارا جميعاً الفسخ، انفسخ البيع وإن اختارا أحدهما الفسخ والآخر الإمضاء غلبا الفسخ على الإمضاء، وفسخ البيع، لأن موضوع الخيار الفسخ.
فصل وقد يكون صريحاً: بأن يقول: فسخت.
وقد يكون بما يقوم مقام قوله: قد فسخت وهو أن يقول البائع في المجلس والثمن مؤجل: لست أمضي البيع إلا بتعجيل الثمن، ويقول المشتري: لست أعجل الثمن، فيكون ذلك فسخاً للعقد ويقوم مقام قوله: قد فسخت، وكذلك نظائر ذلك وأشباهه.
فلو قال المشتري والثمن ألف درهم صحاح: لست أختاره إلا بألف غلة، فقال البائع: لست أمضيه بالغلة، كان فسخاً، وإن لم يفترقا وأمضاه البائع بالألف الغلة كان ذلك استئناف عقد غير الأول وكان لهما الخيار ما لم يفترقا، أو يختارا الإمضاء.
ومما يكون للبيع ويقوم مقام قوله: قد فسخت، أن يتلف المبيع قبل الافتراق، فيكون فسخاً للعقد لتلفه قبل انبرام العقد.
فلو قبض المشتري السلعة، ثم تلفت في يده قبل الافتراق، بطل العقد وكانت السلعة مضمونة على المشتري بالقيمة دون الثمن لفساد العقد بالتلف، ووجوب الضمان باليد.
ولو قبضها المشتري، ثم أودعها البائع في المجلس، ثم تلفت في يد البائع قبل الافتراق، بطل البيع، وكانت مضمونة على المشتري بالقيمة، ولا تكون مضمونة على البائع؛ لأنها كانت في يده وديعة للمشتري.
ومما يكون فسخاً للبيع أن يؤجره أو يوصي به، أو يعرضه على البيع من غيره أو يقفه، أو يكون عبداً فيعتقه، أو ثوباً فيلبسه، إلى أشباه ذلك.
فلو اختلفا بعد الافتراق، فقال أحدهما: افترقنا عن فسخ، وقال الآخر: افترقنا عن تراض: ففيه لأصحابنا وجهان:

الجزء: 4 - الصفحة: 372

أحدهما: أن قول من ادعى الافتراق عن تراض؛ لأن دعواه تتضمن إنفاذ البيع، وهو الظاهر من حال العقد.
الثاني: أن القول قول من ادعى الافتراق عن فسخ؛ لأن دعواه تتضمن فسخ البيع.
وإذا اختلف المتبايعان في إثبات العقد وإنكاره، كان القول قول منكره دون مثبته، فكذلك إذا كان الاختلاف في إنفاذه وفسخه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن اشترى جارية، فأعتقها المشتري قبل التفرق أو الخيار، واختار البائع نقض البيع، كان له، وكان عتق المشتري باطلاً، لأنه أعتق ما لم يتم ملكاً، فإن أعتقها البائع كان جائزاً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ولهذه المسألة مقدمة يترتب عليها الجواب وهي أن المشتري متى يملك المبيع في خيار المجلس وخيار الثلاث؟ فللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: نص عليه في كتاب زكاة الفطر: أن المشتري يملك المبيع بنفس العقد، ويستقر ملكه بقطع الخيار، فيكون الملك حاصلاً بالعقد وحده، واستقرار الملك يكون بقطع الخيار.
الثاني: نص عليه في كتاب الأم: أن المشتري لا يملك المبيع إلا بالعقد وقطع الخيار، فلا يحصل الملك مستقراً، إلا بالعقد وقطع الخيار جميعاً.
الثالث: أن ملك المشتري للمبيع موقوف مراعى، فإن انقطع الخيار بعد العقد عن تراض منهما به، بان أن المشتري كان مالكاً للمبيع بنفس العقد، وإن نقض الخيار عن فسخ، بان أن المبيع، لم يزل عن ملك البائع، وأن المشتري لم يكن مالكاً له.
وقال أبو حنيفة: إذا كان الخيار لهما أو للبائع وحده، كان المبيع على ملك البائع في مدة الخيار، فإذا انقضت مدة الخيار، ملكه المشتري حينئذ بالعقد المتقدم، وإن كان الخيار للمشتري وحده، فالمبيع قد زال عن ملك البائع بالعقد، ولا يملكه المشتري إلا بعد تقضي مدة الخيار، فإذا انقضت ملكه حينئذ بالعقد المتقدم.
وهذا المذهب مخالف لمذاهبنا الثلاثة، وفي توجيهها دليل عليه.
فأما القول الأول: وهو أن المشتري قد ملك بنفس العقد، -وهو أصح الأقاويل- فوجهه ثلاثة أشياء: أحدها: حديث نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "المتبايعان كل واحد منهما على صاحبه بالخيار ما لم يتفرقا".
فسماهما متبايعين، فدل على حصول البيع، وموجب البيع حصول الملك.
والثاني: أن الخيار نوعان: خيار عقد، وخيار عيب.
فلما لم يكن خيار العيب مانعاً من حصول الملك، لم يكن خيار العقد مانعاً من حصول الملك.
والثالث: أن الأملاك تستفاد بأحد وجهين: بقول، وبفعل.

الجزء: 4 - الصفحة: 373

فلما كان ما يملك بالفعل كالاصطياد والاحتشاش، لا يكون مرور الزمان مؤثراً في تملكه، وجب أن يكون ما يملك بالقول كالبيع والهبة لا يكون مرور الزمان أيضاً مؤثراً في تملكه.
وأما القول الثاني: وهو أن المشتري لا يملك المبيع إلا بالعقد وقطع الخيار، فوجهه شيئان: أحدهما: حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل بيعين فلا بيع بينهما، حتى يتفرقا أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر" فنفى البيع قبل الافتراق، فدل على أن الملك يحصل بالافتراق.
والثاني: أن حصول الملك يقتضي ثبوت موجبه، وموجب الملك جواز التصرف، فلما كان المشتري ممنوعاً من التصرف، دل على أن الملك غير منتقل.
وأما الثالث: وهو أن الملك موقوف مراعى، فوجهه شيء واحد: وهو أن العقد يثبت الملك، والخيار ينفي الملك وأمرها متردد بين أن يغلب حكم العقد في إثبات الملك بقطع الخيار عن تراض، وبين أن يغلب حكم الخيار في نفي الملك بالفسخ قبل تقضي الخيار، فصار كالقبض الذي يقتضيه العقد ويقف تصحيحه عليه، فإن أقبضه بان صحة العقد، وإن تلف بان فساد العقد، فكذا يجب أن يكون حال الخيار، فإن تقضى عن تراض، بان صحة العقد وانتقال الملك، وإن تقضى عن فسخ بان بطلان العقد، وأن الملك لم ينتقل به.
فصل فإذا تقرر ما ذكرنا من توجيه الأقوال: فالجواب عن عتق المشتري في زمان الخيار، مبني عليه: وهو أنه لا يخلو حال البائع بعد عتق المشتري من أحد أمرين: إما أن يمضي البيع.
أو يفسخه.
فإن أمضى البائع البيع نفذ عتق المشتري على قولين من ثلاثة، وهو على القول الذي يزعم أن الملك قد انتقل إلى المشتري بنفس العقل، وعلى القول الذي يزعم أن الملك موقوف مراعى؛ لأن عتق المشتري صادف ملكاً تاماً.
فأما على القول الثالث، وهو أن المشتري لا يملك، إلا بالعقد والتفرق، فعتق المشتري، باطل غير نافذ؛ لأنه قد تلفظ بالعتق قبل ملكه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا عتق قبل ملك".
ثم المشتري على هذا القول، بالخيار بين أن يستأنف عتقه، وبين أن يستديم رقه وإن فسخ البائع البيع، بطل عتق المشتري على قولين من ثلاثة: وهو إذا قيل: إنه لا يملك بالعقد والافتراق، أو أن الملك موقوف مراعى؛ لأنه تلفظ بعتق ما لا يملك.
فأما على القول الثالث: وهو أن المشتري يملك بنفس العقد، فلا يخلو حال المشتري المعتق من أحد أمرين: إما أن يكون موسراً، أو معسراً: فإن كان المشتري معسراً، فعتقه باطل بوفاق أصحابنا كافة، لأن للبائع فسخ البيع؛ لحفظ الرقبة، وطلب الحظ، فلم يجز أن يبطل المشتري بعتقه ما يستحقه البائع بالفسخ.

الجزء: 4 - الصفحة: 374

وإن كان المشتري موسراً، فقد كان أبو العباس بن سريج يخرج نفوذ عتقه على وجهين من اختلاف قولي الشافعي في عتق الراهن لعبده المرهون.
أحد الوجهين: أن عتقه باطل؛ لحجر البائع عليه.
والثاني: أن عتقه جائز؛ لأن العتق لما سرى إلى غير الملك في حصة الشريك، كان وقوعه في الملك ورفعه لحجر البائع أولى.
وكان أبو الطيب بن سلمة، وأبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة، ينكرون تخريج أبي العباس، ويبطلون العتق وجهاً واحداً، لأن المشتري وإن كان على هذا القول مالكاً، فخيار البائع يوقع عليه حجراً والمحجور عليه في ماله لا ينفذ عتقه كالسفيه.
والفرق بين هذا وبينا الراهن حيث ينفذ عتقه في عبده المرهون على أحد القولين وإن كان عليه حجر للمرتهن، أن حق المرتهن متعلق بذمة الراهن، والرهن وثيقة فيه، فضعف حجره عليه، وليس كذلك البائع.
فإن قيل: ببطلان عتق المشتري- وهو الصحيح- استرجع البائع عبده بالفسخ، ولم يلزم المشتري قيمة ولا ثمن، لبطلان العتق.
وإن قيل: بنفوذ عتق المشتري فلا بد للبائع على العبد، لنفوذ عتقه، وصحة حريته.
وعلى المشتري ضمانه للبائع، وفيما يضمنه به وجهان: أحدهما: أنه يضمنه بالثمن المسمى، ويصير عتق المشتري مبطلاً لفسخ البائع.
الثاني: -وهو أصح- يضمنه بالقيمة؛ لأن بقاء الخيار، يثبت فسخ البائع، وفسخ البائع يوجب رفع العقد والثمن المسمى فيه، وإذا بطل العقد، صار المشتري مستهلكاً للعبد بغير عقد، فوجب أن يضمنه بقيمته كسائر المتلفات.
فهذا حكم عتق المشتري.
فصل فأما إذا فعل المشتري بالمبيع في وقت الخيار تصرفاً غير العتق، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: ما يكون حكمه حكم العتق على ما مضى من إمضاء البائع دون فسخه، وذلك: الوقف، والتدبير، والوصية.
الثاني: ما كان مردوداً باطلاً على الأحوال كلها، سواء انفسخ البيع أو تم، وذلك: البيع، والإجارة، والرهن، والهبة.
الثالث: ما اختلف أصحابنا فيه، وذلك: الكتابة، ففيها وجهان: أحدهما: كالضرب الأول، فتكون كالعتق؛ لأنه يفضي إليه.
الثاني: أنه كالضرب الثاني، فيكون باطلاً؛ لأنه عقد معاوضة كالبيع.
وجميع ما ذكرنا من تصرف المشتري في المبيع بعتق كان أو غيره إذا كان بغير أمر البائع.
فأما إذا كان بأمر البائع وعن إذنه، فجميعه نافذ ماض، ويكون تصرف المشتري بذلك عن إذن البائع اختياراً منهما لإمضاء البيع وقطع الخيار.
فإن قيل: أفيكون تصرف المشتري بما ذكرنا من العتق وغيره عن غير أمر البائع رضا منه لإمضاء البيع وقطع الخيار من جهته؟ قيل: لا يخلو حال تصرفه من أحد أمرين: إما أن يكون في خيار الثلاث.
أو في خيار المجلس.

الجزء: 4 - الصفحة: 375

فإن كان تصرفه بما ذكرنا في خيار الثلاث، كان ذلك رضا منه لإمضاء البيع وقطع الخيار، ويكون خيار البائع باقياً؛ لأن خيار الثلاث لا يمتنع ثبوته لأحد المتبايعين دون الأخر، وكذا لو اختار إمضاء البيع بصريح القول، فقال: قد اخترت الإمضاء، انقطع خياره، ويكون خيار البائع باقياً له بحاله.
وإن كان تصرفه بما ذكرنا في خيار المجلس، أو قال: قد اخترت إمضاء البيع: فإن قابله البائع بالإمضاء على الفور كان ذلك قطعاً لخيارهما: أما الأول: فبالتصرف الدال على الرضا من جهته، أو بصريح اختياره.
وأما الثاني: فبمقابلته له على إجازة تصرفه.
وإن لم يقابله البائع بالإمضاء على الفور، بل أمسك عن الرضا، ولم يصرح في تصرفه بالاختيار.
فلا يخلو تصرف المشتري من أحد أمرين: إما أن يكون مما يلزمه حكمه في الحال كالعتق والوقف والتدبير، فيكون ذلك قطعاً لخياره ورضاً للإمضاء من جهته ويكون خيار البائع باقياً.
وإنما بطل خيار المشتري؛ لأن بقاء خياره يمنع من لزوم حكم تصرفه، فلما كان حكم تصرفه لازماً له، أوجب سقوط خياره.
وإن كان تصرفه مما لا يلزم حكمه في الحال كالبيع، والإجارة لافتقارهما إلى صريح الاختيار.
فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين: أنه يكون قطعاً لخياره، وإن كان خيار البائع باقياً، كما لو اختار قطع ذلك في خيار الثلاث.
الثاني: وهو قول البصريين وهو الصحيح: أنه لا يكون ذلك قطعاً لخياره، وإنما كان كذلك، لأن من حكم خيار المجلس أن يثبت للمتبايعين معاً، ولا يثبت لأحدهما دون الأخر، فلما كان الخيار باقياً للبائع وإن حدث من تصرف المشتري وقوله ما حدث، اقتضى أن يكون الخيار باقياً للمشتري وإن حدث من تصرفه وقوله ما حدث؛ ليكونا سواء فيما أوجب العقد تساويهما فيه.
وبهذا المعنى فارق خيار الثلاث حيث كان هذا التصرف من المشتري قاطعاً لخياره وإن بقي خيار البائع؛ لأن خيار الثلاث يجوز ثبوته لأحدهما دون الأخر.
فهذا الكلام في عتق المشتري وتصرفه.
فصل فأما عتق البائع للعبد المبيع في زمان الخيار، فنافذ على الأقاويل كلها، وليس للمشتري اعتراض وإن قيل: إنه قد ملك، والفرق بين عتق البائع- حيث نفذ على الأقاويل كلها- وبين عتق المشتري: أن عتق البائع، فسخ، وعتق المشتري، إمضاء.
وفسخ البائع مقدم على إمضاء المشتري، فلذلك نفذ عتقه، وإن لم ينفذ عتق المشتري.
وكذلك تصرف البائع بغير العتق ماض، ويكون فسخاً، كما لو آجر.
أو رهن، أو وهب، أو وصى، أو وقف، أو دبر، كان جميعه ماضياً، وكان للعقد فاسخاً.
وسواء كان البائع قد أقبض المبيع في زمان الخيار، أو لم يحصل القبض.

الجزء: 4 - الصفحة: 376

قال أبو العباس بن سريج: فلو كان البائع بعد أن تقابضا العبد المبيع، وهبه للمشتري في زمان الخيار، جازت الهبة، وافنسخ البيع، واحتاج المشتري إلى تجديد قبض الهبة؛ لأنه كان مقبوضاً في يده بالبيع لا بالهبة.
فإن مات العبد قبل تجديد القبض، مات على ملك البائع الواهب، لأن الهبة لم تتم قبل القبض، وكان مضموناً على المشتري بالقيمة دون الثمن، لأنه مضمون عليه بالفسخ، والهبة لم تتم بالقبض، فلم يسقط الضمان.
وفي المسألة قول ثان، لم يحكه أبو العباس: أن العبد إذا كان في قبض الموهوب له، لم يحتج إلى تجديد قبض، وإنما تصح الهبة بالعقد وأن يمضي بعده زمان القبض.
فعلى هذا القول يكون العبد تالفاً من ملك المشترى، ولا ضمان عليه، لصحة الهبة.
فصل إذا قال المشتري في خيار المجلس للعبد المبيع: إن تم العقد بيننا وانبرم فأنت حر.
فهذا القول لا يمنعه من اختيار الفسخ، بخلاف ما مضى من تعجيل عتقه.
ثم ينظر: فإن انفسخ البيع بفسخ البائع، أو بفسخ المشتري، رجع العبد إلى البائع، ولم يعتق، فإن تم البيع وصح، عتق على المشتري، إن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، أو قيل: إنه موقوف مراعى، لوجود الصفة، وتقدم القول في ملكه.
وإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق، لم يعتق عليه العبد، وإن وجدت صفة عتقه بتمام البيع؛ لأنه علق قوله بالعتق في زمان لم يكن له ملك، فجرى مجرى قوله لعبد غيره: إن ملكتك فأنت حر، فملكه، لم يعتق عليه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا عتق قبل ملك".
فلو كان المشتري قال: إن انفسخ البيع بيننا فأنت حر، لم يعتق عليه، وإن حصل الفسخ، لأنه بالفسخ قد صار في ملك غيره، وإن تم البيع فأحرى أن لا يعتق، لأن تمام البيع ليس صفة لعتقه.
فلو كان البائع، قد قال في زمان الخيار للعبد المبيع: إن انفسخ البيع، فأنت حر، فانفسخ البيع إما بفسخه أو بفسخ المشتري، عتق على البائع على الأقاويل كلها، لأنه كان عند عقد الصفقة بعتقه ممن يصح منه تعجيل عتقه، وقد وجدت الصفة في ملكه.
فلو كان البائع قال: إن تم البيع فأنت حر، فتم البيع، لم يعتق عليه، لوجود الصفة في غير ملكه.
فصل إذا اشترى من يعتق عليه بالملك من والد أو ولد، جاز أن يشتريه مطلقاً من غير اشتراط خيار، فيثبت فيه خيار المجلس بالعقد ولا يثبت فيه خيار الثلاث لفقد الشرط، ويجوز أن يشتريه مقيداً بشرط خيار الثلاث، فيثبت فيه خيار المجلس بالعقد، وخيار الثلاث بالشرط، فإن أراد البائع فسخ البيع في مدة الخيار، فذلك له على الأقاويل كلها، سواء كان في مدة خيار المجلس أو خيار الثلاث.
ويفارق استئناف المشتري عتق الأمة في مدة الخيار، حيث كان مانعاً من فسخ البائع في تخريج أبي العباس على أحد الأقاويل؛ لأن العتق إنما يقع في هذا الموضع حكماً

الجزء: 4 - الصفحة: 377

لموجب البيع ويثبت بالعقد الذي يجتمعان عليه، وعتق المشتري إذا انفرد به جرى مجرى الإتلاف.
فأما إن أراد المشتري فسخ البيع في مدة الخيار: فإن كان الخيار لهما جميعاً، جاز للمشتري فسخ البيع على الأقاويل كلها، لما ذكرنا من التعليل، وهو أنه يعتق حكماً بالعقد الذي يجتمعان عليه.
وإن كان الخيار للمشتري وحده، جاز أن يفسخ إذا قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق، أو إنه مراعى، لأنه يفسخ قبل تمام ملكه.
فأما إذا قيل: إنه قد يملك بمجرد العقد، فعلى وجهين: أحدهما: له الفسخ، ولا يعتق عليه ما لم يمض زمان خياره؛ لأن خيار الفسخ من موجبات العقد، فلم يجز أن يثبت العقد مع انتفاء موجبه.
الثاني: وهو الصحيح: ليس له أن يفسخ، وقد عتق عليه وسقط حكم خياره، لأن الخيار موضوع لطلب الحظ، وتوفير الربح فيما وقع عليه العقد، وهذا المعنى مفقود فيمن يعتق بالملك، فلم يكن لثبوت الخيار في ابتياعه وجه.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو عجل المشتري فوطئها فأحبلها قبل التفرق في غفلة من البائع، واختار البائع فسخ البيع، كان على المشتري مهر مثلها، وقيمة ولده منها يوم تلده، ولحقه بالشبهة".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا وطئ المشتري الجارية المبيعة في مدة الخيار، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون وطؤه فيما دون الفرج، فلا مهر فيه سواء تم البيع أو انفسخ.
وهل يوجب ذلك تحريم المصاهرة أم لا؟ على قولين: والثاني: أن يطأ في الفرج، فهذا على ضربين: أحدهما: أن تحبل بوطئه.
والثاني: أن لا تحبل.
فإن لم تحبل بوطئه، فلا حد عليه فيه على الأقاويل كلها، لشبهة الملك.
فأما المهر، فمعتبر بتمام البيع وفسخه: فإن تم البيع بينهما، فلا مهر عليه إن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، أو قيل: إنه مراعى، لأن وطأه: صادف ملكه.
وإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق، ففي وجوب المهر عليه وجهان مبنيان على اختلاف الوجهين في خيار المجلس والشرط، هل يجري مجرى خيار العيب أو مجرى خيار البذل والقبول؟ أحدهما: أنه يجري مجرى خيار العيب فعلى هذا لا مهر عليه.
والثاني: أنه يجري مجرى خيار البذل والقبول، فعلى هذا عليه المهر.
وإن انفسخ البيع بينهما، فعليه المهر إن قيل: لا يملك إلا بالعقد والافتراق، أو قيل: إنه مراعى.
فأما إن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي وجوب المهر عليه وجهان على ما مضى.

الجزء: 4 - الصفحة: 378

فصل وإن أحبلها بوطئه، فالولد حر يلحق به: ويتعلق على ذلك ثلاثة أحكام: أحدها: في المهر، وهو على ما مضى سواء.
والثاني: في قيمة الولد، وهو كالمهر.
إن تم البيع بينهما، فلا قيمة للولد عليه، إن قيل: إنه قد ملك بنس العقد، أو قيل: إنه مراعى.
وإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد والافتراق، ففي وجوب قيمته وجهان: أحدهما: عليه القيمة، لأنها حملت به في غير ملكه.
والثاني: لا قيمة عليه، لأنها تضعه في ملكه.
وإن انفسخ البيع بينهما، فعليه قيمة الولد إن قيل: لا يملك إلا بالعقد والافتراق، أو قيل: إنه مراعى.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي وجوب قيمته وجهان: أحدهما: ليس عليه قيمته، لأنها علقت به في ملكه.
والثاني: عليه قيمته؛ لأنها تضعه في غير ملكه.
والثالث: في كونها أم ولد أم لا؟ وهو مبني على أصل نذكره، ثم نبني جواب المسألة عليه، وذلك أنه لا يخلو ولد الأمة من ثلاثة أضرب: أحدها: إن تعلق بمملوك، إما من زواج أو زنا، فلا تصير به أم ولد للواطئ في الحال ولا في ثاني حال.
والثاني: إن تعلق بحر في ملك كالسيد يطأ أمته، فتعلق منه، فقد صارت به أم ولد في الحال.
فلو كان قد تعلق برقبتها حق الغير فبيعت فيه كالمرتهن إذا بيعت في حقه، ثم ملكها من بعد، صارت أم ولد قولاً واحداً.
والثالث: إن تعلق بحر في غير ملك كوطء الشبهة، فلا تصير به أم ولد في الحال.
وهل تصير به أم ولد إذا ملكها في ثاني حال؟ على قولين: فإذا ثبت هذا الأصل، فلا يخلو حال العقد عليها من أحد أمرين: إما أن يتم بينهما، أو ينفسخ.
فإن تم البيع بينهما، صارت أم ولد له، إذا قيل: إنه قد ملك بنفس العقد أو قيل: إنه مراعى؛ لأنها علقت منه بحر في ملك.
فأما إن قيل: إنه يملك إلا بالعقد والافتراق، فهل تصير له أم ولد أم لا؟ على قولين، لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك.
وإن انفسخ البيع بينهما، صح الفسخ وكان للبائع أن يتصرف فيها بعد الفسخ كيف شاء من بيع أو غيره؛ لأن تعلق حقه برقبتها مقدم على حرية ولدها، كحق المرتهن، إذا صارت الأمة المرهونة أم ولد للراهن.
وإن ملكها المشتري فيما بعد، فإن قيل: إنه قد كان ملكها بنفس العقد، صارت له أم ولد، لأنها قد كانت علقت منه بحر في ملكه.
وإن قيل: إنه لم يكن مالكاً إلا بالعقد والافتراق، أو قيل: إن الملك مراعى، فهل تكون أم ولد له أم لا؟ على قولين، لأنها قد كانت علقت منه بحر في غير ملك.
فصل وأما قول الشافعي: ولو عجل المشتري، فوطئها، فأحبلها قبل التفرق.

الجزء: 4 - الصفحة: 379

فقد أنكر عليه قوم، وقالوا: إحبالها قبل التفرق مستحيل.
وعنه جوابان: أحدهما: أنه على التقديم والتأخير، وتقدير الكلام: ولو عجل المشتري فوطئها قبل التفرق في غفلة من البائع في حبلها، وهذا مستقيم، فقدم لفظ الإحبال، وإن كان في المعنى مؤخراً.
والثاني: أن الكلام على حاله لا تقديم فيه ولا تأخير، ومعناه مستقيم؛ لأن الإحبال يقع قبل التفرق؛ لأنه حادث عن الوطء، وإنما يتأخر ظهوره، وليس تأخر ظهوره بمانع من حصوله.
وأما قوله: في غفلة من البائع: ففيه تأويلان: أحدهما: أنه شرط في بقاء الخيار للبائع، ولو رآه البائع يطأ كان رضاً منه لإمضاء البيع وقطعاً لخياره.
وهذا قول أبي العباس بن سريج، لأن البائع يستحق بخياره منع المشتري من التصرف، فإذا رآه يتصرف، فأمسك عن منعه، كان راضياً به، فبطل خياره.
والثاني: أنه قال ذلك لتحقيق صورة المسألة، إذ بعيد في العادة أن يطأ الناس بحضرة الناس، فأحب أن يصورها على ما يصح وجودها في العرف، ولا يكون ذلك شرطاً في خيار البائع، ولا تكون رؤية البائع.
وعدم إنكاره قطعاً لخياره، لأن الرضا لا يكون مأخوذاً من فعل الغير والله أعلم.
فصل فأما وطء المشتري، فهل يكون قاطعاً لخياره ورضاً منه لإمضاء البيع أم لا؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج: يكون قاطعاً لخياره كوطء البائع.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: إن وطء المشتري لا يكون رضاً لإمضاء البيع، وإن كان وطء البائع رضاً للفسخ.
والفرق بينهما: أن البيع لما لم يصح إلا بالقول، لم يصح إمساكه والرضا به إلا بالقول.
ولما كان الملك قد يحصل بالفعل كالاصطياد والاحتشاش، جاز أن يكون الرد إلى الملك بالفعل يفسخ البيع فيصح بالفعل.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن وطئها البائع، فهي أمته والوطء اختيار لفسخ البيع".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وإذا وطئ البائع الجارية المبيعة في مدة الخيار، كان فسخاً للبيع على الأقاويل كلها، لما ذكرنا: من أن الملك لما حصل بالفعل، جاز أن يكون الرد إليه يحصل بالفعل، وبهذا المعنى يقع الفرق بين فسخ البيع حيث كان بالوطء، وبين رجعة المطلقة، حيث لم يجز أن يكون بالوطء: لأن النكاح لما لم يصح إلا بالقول لم تصح الرجعة إليه إلا بالقول، والملك لما حصل بالفعل جاز أن يصح الرد إليه بالفعل.
مسألة: قال المزني: وهذا عندي دليل على أنه إذا قال لامرأتين له: إحداكما طالق، فكان له الخيار، فإن وطئ إحداهما أشبه أن يكون قد اختارها، وقد طلقت الأخرى.
كما جعل الوطء اختياراً لفسخ البيع".

الجزء: 4 - الصفحة: 380

قال في الحاوي: ولهذه المسألة حالتان: إحداهما: أن يقول لإحدى زوجتيه: إحداكما طالق أو لأمتيه: إحداكما حرة، ويعين وقوع الطلاق في إحدى زوجتيه والعتق في إحدى أمتيه: فإن كان كذلك لم يكن وطء إحداهما بياناً لوقوع الطلاق والعتق لغير الموطوءة، لأنه قد وقع معيناً باللفظ قبل الوطء.
والثانية: أن يكون قد أبهم الطلاق في زوجتيه والعتق في أمتيه من غير أن يكون قد عينه في واحدة منهما، ففيه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروزي: الوطء يكون اختياراً لإمساك الموطوءة وطلاق الأخرى إن كانت زوجته، وعتقها إن كانت أمة، كما ذكره المزني.
والثاني: وهو قول أبي سعيد الإصطخري: إن الوطء لا يكون بياناً في الموضوع وإن كان بياناً في فسخ البيع.
والفرق بينهما: أن الطلاق والعتق إزالة للملك، وإزالة الأملاك لا تقع إلا بالقول دون الفعل.
وفسخ البيع استرجاع للملك، والأملاك قد تحصل بالقول والفعل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فإن مات أحدهما قبل أن يتفرقا فالخيار لوارثه".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي في هذا الموضع من كتاب البيوع أن خيار المجلس لا يبطل بالموت ويكون موروثاً.
وقال في كتاب المكاتب: إن مات المكاتب وقد باع أو اشترى قبل أن يتفرقا، فقد وجب البيع.
زاد أبو حامد في جامعه: ولم يكن للسيد الخيار.
فظاهر قوله: فقد وجب البيع: يوجب قطع الخيار بالموت وأن لا يكون موروثاً لسيده، وقد صرح به أبو حامد في الزيادة التي ذكرها.
واختلف أصحابنا في اختلاف نصه في هذين الموضعين على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب أبي إسحاق المروزي: أن المسألة على قولين في الموضعين: أحدهما: أن الموت يقطع خيار المجلس في بيع الحر والمكاتب، ولا ينتقل إلى وارث الحر ولا إلى سيد المكاتب، لأنه لما انقطع الخيار بمفارقة الأبدان، فأولى أن ينقطع بالموت المفرق بين الأرواح والأبدان.
والثاني: أن الخيار لا ينقطع بالموت، وينتقل إلى وارث الحر وسيد المكاتب- وهو أصح القولين- لأن الخيار قد ثبت في المجلس بالعقد وفي الثلاث بالشرط، فلما لم ينقطع خيار الثلاث بالموت وكان موروثاً، وجب أن لا ينقطع خيار المجلس بالموت ويكون موروثاً.
ولأنه لما لم ينقطع خيار المجلس بالتفرق على وجه الإكراه، كان أولى أن لا يبطل بالموت، لأنه أكثر إكراهاً.
والمذهب الثاني من مذاهب أصحابنا: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة: أن المسألة على قول واحد في الموضعين، وأن الخيار لا ينقطع بالموت، لما ذكرنا، ويكون منتقلاً إلى وارث الحر وسيد المكاتب.
وقوله في

الجزء: 4 - الصفحة: 381

المكاتب: فقد وجب البيع: قصد به الرد على من زعم أن المكاتب إذا مات في مدة الخيار بطل البيع، لأنه يموت عبداً.
والمذهب الثالث: أن الجواب مختلف على اختلاف نصيه في الموضعين، فيكون الخيار متنقلاً عن الحر إلى وارثه، ولا ينقطع بموته.
ولا ينتقل عن المكاتب إلى سيده، وينقطع بموته.
والفرق بينهما: أن الحر ينتقل ماله إلى وارثه بالإرث وحدوث الموت، فقام في الخيار مقام مورثه، كما قام مقامه في غيره.
وليس كذلك المكاتب، لأنه ينتقل ماله إلى سيده بالملك المتقدم، لا بالإرث، فلما بطل خيار المكاتب بالموت لم ينتقل إلى سيده بحق الملك، كالوكيل إذا مات في مدة الخيار لم ينتقل الخيار إلى موكله، لأنه ينتقل إليه بحق الملك لا بالإرث.
فصل فإما إذا جن أحد المتبايعين في خيار المجلس، فالخيار ثابت لا ينقطع بما حدث من الجنون، لأن الحقوق لا تبطل بحدوثه، وسواء فارق المجنون المجلس أو قام فيه، لأن فعل المجنون لا حكم له، فلم ينقطع الخيار بفراقه.
وينتقل الخيار عنه إلى وليه، كما ينتقل خيار الميت إلى وارثه.
ويكون الخيار باقياً لولي المجنون ووارث الميت ما لم يعلما بالحال ولم يفارق العاقد الآخر المكان.
فإذا علم ولي المجنون ووارث الميت، فلهما الخيار في مجلسهما الذي علما فيه ما لم يفارقاه.
فإن فارقا المجلس الذي علما فيه، أو فارق العاقد الآخر المكان الذي عقد البيع فيه، فقد انقطع الخيار ولزم البيع.
فصل فأما خيار الثلاث، فلا يختلف مذهب الشافعي أنه موروث لا يبطل بالموت.
وقال أبو حنيفة: خيار الثلاث يبطل بالموت ولا يورث.
استدلالاً بأنه خيار يمنع من انتقال الملك، فوجب أن يبطل بالموت كخيار القبول.
قال: ولأن الخيار في المبيع ينفي موجب العقد من جواز التصرف فيه، كما أن الأجل في الثمن ينفي موجب العقد فمنع من جواز تصرف البائع فيه، ثم ثبت أن الأجل يبطل بالموت، فاقتضى أن يكون الخيار باطلاً بالموت.
وتحريره قياساً: أنه معنى ينفي موجب العقد، فوجب أن يبطل بالموت كالأجل.
قال: ولأن الخيار من حقوق العقد، لا من حقوق الملك، والورثة إنما يخلفون الميت في الملك لا في العقد، فوجب أن لا يكون لهم في الخيار حق.
ألا ترى أن الموكل لا يثبت له ما ثبت لوكيله من خيار الشرط، لأنه من حقوق العقد.
ويثبت له خيار العيب، لأنه من حقوق الملك.
ولأن هذا الخيار مستحق بالشرط، فوجب أن يكون مقصوراً على من شرط له، والوارث لم يشترط له الخيار، فوجب أن لا يستحقه.
ودليلنا: هو أنه خيار ثابت في بيع، فجاز أن يقوم الوارث فيه مقام مورثه كخيار العيب.

الجزء: 4 - الصفحة: 382

ولأنه معنى يسقط التكليف، فوجب أن لا يقطع الخيار المستحق كالجنون.
ولأن كل خيار لا ينقطع بالجنون لا ينقطع بالموت كخيار العيب.
ولأن الخيار من حقوق الملك لا من حقوق العقد، بدليل ثبوته بعد تقضي العقد، فوجب إذا انتقل الملك إلى الوارث أن ينتقل إليه بحقوقه كالرهن المشروط في حقه.
وفي هذا الاستدلال انفصال.
فأما الجواب عما ذكروه من قياسهم على خيار القبول: فهو أن المعنى في خيار القبول أنه لما بطل بالجنون، بطل بالموت، على أن من أصحابنا من يقول: لم يبطل بالموت، وإنما بطل بالتراخي ومن شروط صحته أن يكون على الفور، وهذا قول أبي القاسم الداركي.
حتى قال: لو كان الموت عقيب البذل، فقال الوارث في الحال: قد قبلت، صح العقد، إذا لم يقع التراخي بين بذل البائع وقبول الوارث.
وهذا قول يخالف الإجماع.
والجواب الأول: هو الصحيح.
وأما الجواب عن قياسهم على الأجل: فالمعنى فيه: أن الموت لما أتلف الذمة التي أثبت فيها الدين المؤجل، أبطل الأجل، لتلف محله، ولم يجز أن ينتقل الدين بأجله إلى ذمة الوارث، لأن صاحب الدين لم يرض بذمته.
وليس كذلك الخيار، لأنه مستحق في المبيع الموجود بعد الموت، كوجوده قبل الموت، فجاز أن لا يبطل بالموت، ألا ترى أن موت من له الدين لما لم يكن متلفاً للذمة التي يثبت فيها الأجل لم يكن موته مبطلاً للأجل.
وأما الجواب عن قولهم: لأنه مستحق بالشرط، فوجب أن يكون مقصوراً على من له الشرط: فهو أنه باطل بالصفة المشروطة في المبيع، وهو أن يبتاع عبداً على أنه صانع فيوجد غير صانع فللوارث الخيار في فسخ البيع، لعدم الصفة المستحقة بالشرط وإن كان الشرط لغيره، على أن الخيار حق عليه فلم يصح إعراضه في اختلاف مستحقيه كالدين.
فصل فإذا ثبت أن خيار الثلاث موروث.
فإن كان الوارث واحداً، كان بالخيار في مدة الخيار بين إمضاء البيع في المبيع كله أو فسخ جميعه.
وإن كانوا جماعة: فإذا اتفقوا على إمساك المبيه كله أو رد جميعه، فذاك لهم.
وإن أراد بعضهم الرد وبعضهم الإمساك؟ فمذهب الشافعي: أنه ليس لهم ذلك، وقيل لمن أراد الرد: لا حق لك في الرد إلا أن يرد الباقون معك، لأن الصفقة واحدة، فلم يجز تبعيضها على البائع.
وفيه وجه آخر أنه يجوز لكل واحد من الورثة أن ينفرد برد حصته دون شركائه، لأنه يرد جميع ما استحقه بالعقد، فصار في حكم المشترين صفقة.
هذا كله إذا كان الميت هو المشتري.
أما إن كان الميت هو البائع، فلكل واحد من ورثته أن ينفرد، فيفسخ البيع في حصته، لا يختلف فيه المذهب بخلاف ورثة المشتري، وإنما كان كذلك، لأنه إذا فسخ بعض ورثة البائع في حصته، ثبت للمشتري خيار الفسخ في الباقي، لتبعيض الصفقة، فأمكنه دفع الضرر عن نفسه.
وليس كذلك إذا مات المشتري فأمسك بعض ورثته ورد بعضهم، لأن البائع لا يثبت له بذلك خيار يمكنه أن يدفع به الضرر عن نفسه.

الجزء: 4 - الصفحة: 383

فصل إذا مات أحد المتعاقدين في مدة خيار الثلاث، فلم يعلم الوارث حتى مضت الثلاث، سقط الخيار ولزم البيع، لأن تحديد الخيار بالثلاث يمنع من ثبوته بعد الثلاث.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإن كانت بهيمة فنتجت قبل التفرق ثم تفرقا، فولدها للمشتري، لأن العقد وقع وهو حمل".
قال في الحاوي: وهذه المسألة مبنية على أصلين: أحدهما: ملك المبيع بماذا ينتقل إلى المشتري؟ وفيه ثلاثة أقاويل مضت.
والثاني: في الحمل، هل يأخذ قسطاً من الثمن أو يكون تبعاً؟ على قولين: أحدهما: يكون تبعاً، ولا يأخذ من الثمن قسطاً كالسمن والأعضاء، لأنه لو أعتق الأم سرى العتق إلى حملها كسرايته إلى أعضائها التابعة لها.
والثاني: يأخذ قسطاً من الثمن كاللبن، لأنه لو أعتق الحمل لم يسر العتق إلى أمه، ولو كان تبعاً لها كأعضائها لسرى عتقه إليها كما يسري عتق أعضائها إليها.
فإذا ثبت هذان الأصلان: فصورة مسألة الكتاب في رجل ابتاع بهيمة حاملاً، فوضعت بعد العقد وقبل الافتراق.
فإن قلنا: إنه يأخذ قسطاً من الثمن، صار العقد كأنه قد تناولهما معا.
فإن تم البيع كان الولد للمشتري مع الأم.
وإن انفسخ البيع كان الولد للبائع.
وهذا على الأقاويل كلها- ويكون الولد مضموناً على البائع، حتى يسلمه، ومضموناً على المشتري إذا تسلمه.
وإن قلنا: إن الحمل تبع: فلا يخلو حال البيع من أن يتم، أو ينفسخ: فإن تم البيع، فحكم الولد مبني على الأقاويل الثلاثة في انتقال الملك.
فإن قلنا: إن الملك ينتقل بنفس العقد، أو قلنا: إنه مراع، فالولد للمشتري، لحدوثه في ملكه.
وهل يكون مضموناً على البائع، حتى يسلمه؟ على وجهين مخرجين من اختلاف قوله في نماء الصداق.
هل يكون مضموناً على الزوج أم لا؟ وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل إلا بالعقد وقطع الخيار، ففي الولد وجهان مبنيان على اختلاف أصحابنا في خيار المجلس، هل يجري مجرى خيار العيب أو مجرى خيار القبول؟ على وجهين: أحدهما: أنه يكون للمشتري، وهذا إذا قيل: إنه يجري مجرى خيار العيب.
فعلى هذا هل يكون مضموناً على البائع إذا كانت الولادة قبل التسليم؟ على وجهين: والثاني: أنه يكون للباع، وهذا إذا قيل: إنه يجري مجرى خيار القبول.
فعلى هذا لو كانت الولادة بعد التسليم، لزم المشتري رده، ولم يكن مضموناً عليه إلا بالتعدي وجهاً واحداً، لأن المشتري يضمن المبيع في حق نفسه، فلم يلزمه ضمان النماء في حق غيره، ولما كان البائع يضمن المبيع في حق غيره، جاز أن يلزمه ضمان النماء في حق غيره.

الجزء: 4 - الصفحة: 384

فصل وإن انفسخ البيع بينهما.
فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بالعقد وقطع الخيار، أو قلنا: إنه موقوف مراعى، فالولد للبائع، وهو أمانة في يد المشتري لا يضمنه إلا بالتعدي.
وإن قلنا: إن المشتري قد ملك بنفس العقد فعلى وجهين: أحدهما: أن الولد للبائع إذا قيل: إن هذا الخيار مجرى خيار القبول، ويكون أمانة في يد المشتري.
والثاني: الولد للمشتري إذا قيل: إن هذا الخيار يجري مجرى خيار العيب.
وهل يكون على البائع ضمانه أم لا؟ على وجهين: وكذا الحكم في كل نماء حدث بعد العقد وقبل قطع الخيار من ثمرة، وكسب، كالولد سواء والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكذلك كل خيار بشرط جائز في أصل العقد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، ويريد به أن جميع ما تقدم من المسائل في عتق المشتري، وعتق البائع، ووطء المشتري، ووطء البائع، ونتاج البهيمة، إذا حدث في خيار الثلاث، فحكمها على ما مضى في خيار المجلس سواء.
وانتقال الملك في خيار الثلاث كانتقاله في خيار المجلس على ثلاثة أقاويل.
نحن نوضح معانيها بالتفريع عليها، فمن ذلك: أن يشتري أمة، فتحيض بعد العقد وقبل تقضي الخيار فإن قلنا: إن المشتري لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، لم تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء.
وإن قلنا: إنه قد ملك بالعقد أو إنه موقوف مراعى، فعلى وجهين: أحدهما: تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، لحدوثها في ملكه.
والوجه الثاني: وهو ظاهر نصه في كتاب الاستبراء: أنه لا تعتد بهذه الحيضة عن الاستبراء، لأن الفرج في زمان الخيار محظور عليه، وينبغي أن يقع الاستبراء في زمان الإباحة.
وكذا لو ولدت في زمان الخيار من زنا، كان وقوع الاستبراء به كالحيض سواء.
فصل وإذا اشترى الرجل زوجته الأمة، ففي جواز وطئها في مدة الخيار وجهان: أحدهما: يجوز له وطؤها، لأنها لا تخلو من أن تكون أمته أو زوجته، وأيهما كانت، حل له وطؤها.
والوجه الثاني: وهو ظاهر نص الشافعي: لا يجوز له وطؤها، قال الشافعي: لأنه لا يدري أيطأ بالملك أم بالزوجية؟ فإن تم البيع بينهما، بطل نكاحها، وصارت أمة

الجزء: 4 - الصفحة: 385

يجوز له وطؤها، وهل عليه أن يستبرئها قبل وطئه أم لا؟ على وجهين مبنيين على الوجهين، هل حرم عليه وطؤها بعد العقد وقبل مضي الخيار أم لا؟ فإن قيل: قد حرم عليه وطؤها، وجب عليه الاستبراء، لحدوث الملك.
وإن قيل: لا يحرم عليه وطؤها، لم يجب عليه الاستبراء.
وإن انفسخ البيع بينهما: فإن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو أنه موقوف مراعى، فالنكاح بحاله، وهما على الزوجية.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي فسخ النكاح وجهان: أحدهما: ينفسخ لوقوع ملكه.
والثاني: وهو ظاهر مذهبه: أن النكاح بحاله لا ينفسخ، لأن ملكه وإن تم فهو ملك غير مستقر.
فصل إذا اشترى الرجل زوجته الأمة، ثم طلقها ثلاثاً في مدة الخيار؟ فإن تم البيع بينهما، لم يقع الطلاق، إن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، أو هو موقوف، وإن قيل: لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، ففي وقوع الطلاق وجهان: أحدهما: لا يقع، لما ذكرنا، ويحل له وطؤها.
والثاني: قد وقع، ولا يحل له وطؤها إلا بعد زوج.
وإن انفسخ البيع بينهما، وقع الطلاق، إن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراعى.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، ففي وقوع الطلاق وجهان والله أعلم.
فصل وإذا اشترى زوجته الأمة، وكان قد طلقها قبل العقد فراجعها في مدة الخيار: فإن تم البيع، لم يكن للرجعة تأثير، لأن النكاح قد انفسخ.
وإن انفسخ البيع بينهما، صحت الرجعة، إن قيل: إنه لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراعى.
فإن قيل قد ملك بنفس العقد، ففى صحة الرجعة وجهان.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا بأس بنقد الثمن في بيع الخيار".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: يجوز للمشتري أن يدفع الثمن في مدة الخيار إلى البائع، وللبائع أن يدفع المبيع فيها إلى المشتري.
وكره مالك دفع الثمن في مدة الخيار، ولم يكره دفع المبيع، لأن بالمشتري حاجة إلى تقليب المبيع ونظر عينيه.
وهذا خطأ، لأن تسليم الثمن وقبض المبيع من موجب العقد، وما أوجبه العقد لم يمنع منه بعد العقد.
وإذا صح جواز ذلك، وقبض المشتري المبيع، لم يكن ذلك قطعاً لخيار البائع، ولا يكون قبض البائع قطعاً لخيار المشتري.
ويمنع البائع من التصرف في الثمن، والمشتري في التصرف في المبيع حتى تنقضي مدة الخيار، لأن الخيار يوقع حجراً في التصرف.
فإن تم البيع، استقر وجاز التصرف.
وإن انفسخ البيع، استرجع المشتري الثمن من البائع، واسترجع البائع المبيع من المشتري.

الجزء: 4 - الصفحة: 386

فلو قال المشتري: لست أرد المبيع إلا بعد استرجاع الثمن، وقال البائع: لست أرد الثمن إلا بعد استرجاع المبيع، لم يكن لواحد منهما حبس شيء مما بيده، ووجب لمن بدأ بالمطالبة أن يسترجع ما بيد صاحبه ثم يرد عليه ما بيده.
والفرق بين هذا، حيث لم يكن لواحد منهما حبس ما بيده على استرجاع ما بيد صاحبه، وبين أن يتمانعا القبض مع صحة العقد، فيقول البائع: لا أسلم المبيع إلا بعد قبض الثمن، ويقول المشتري: لا أدفع الثمن إلا بعد قبض المبيع، فيكون لكل واحد منهما حبس ما بيده على قبض ما بيد صاحبه.
إن فسخ البيع قد رفع حكم العقد، فكان التسليم لأجل اليد، لا بالعقد، واليد توجب الرد، وليس كذلك إذا تمانعا مع بقاء العقد، لأن التسليم مستحق بالعقد، والعقد وإن أوجب عليه تسليم ما بيده، فقد أوجب له قبض ما في مقابلته، فجاز أن يكون أحدهما محبوساً على قبض الأخر له كما في الموجبين.
فصل فلو تلف المبيع في يد المشتري قبل رده على البائع، فعلى ضربين: أحدهما: أن يكون تلفه قبل الفسخ.
والثاني: أن يكون بعد الفسخ.
فإن كان تلفه قبل الفسخ في مدة الخيار، فلا يخلو حال الخيار من أحد أمرين: إما أن يكون خيار المجلس، أو خيار الشرط.
وإن كان خيار المجلس، فهو مضمون على المشتري بالقيمة دون الثمن على الأقاويل كلها، لا يختلف فيه المذهب، وسواء كان مما له مثل كالحنطة والشعير، أو مما لا مثل له كالثياب والعبيد، لأن ما له مثل، إنما يضمن بالمثل دون القيمة إذا لم يكن مضموناً على وجه المعاوضة كالغصب، فأما إذا كان مضموناً على وجه المعاوضة كالمقبوض للسوم أو بعقد بيع فاسد، أو مفسوخ، فإنه يضمن بالقيمة دون المثل.
وإن كان خيار شرط نظر.
فإن كان الخيار لهما أو للبائع وحده، فهو مضمون على المشتري بالقيمة دون الثمن، لا يختلف.
وإن كان الخيار للمشتري وحده دون البائع، فإن قيل: لا يملك إلا بالعقد وتقضي الخيار، أو هو موقوف مراع، فهو ضامن له بالقيمة دون الثمن.
وإن قيل: إنه قد ملك بنفس العقد، فعلى وجهين: أحدهما: - وهو ظاهر نصه في البيوع- أنه ضامن له بالقيمة دون الثمن، لأن البيع لم يتم.
والثاني: -وقد أشار إليه في كتاب الصداق.
أنه ضامن له بالثمن المسمى دون القيمة، لأن ثبوت الخيار له وحده يجري مجرى خيار العيب، وإذا تلف المبيع، وقد ثبت فيه خيار العيب كان مضموناً بالثمن دون القيمة، فكذلك في خيار الشرط.
فأما إذا كان تلفه في يد المشتري بعد الفسخ، فلا يضمنه بالثمن، لا يختلف، لاستقرار الفسخ، وإنما يضمنه بالقيمة.
فإن تلف قبل الطلب، كان المشتري ضامناً للقيمة سواء كان مما له مثل أم لا، لأنه مقبوض على وجه المعاوضة.
وإن تلف بعد طلب البائع وبيع المشتري: فإن كان مما لا مثل له، ضمنه بالقيمة في أكثر الأمرين.

الجزء: 4 - الصفحة: 387

وإن كان مما له مثل، فعلى وجهين: أحدهما: يضمنه بالقيمة أيضاً؛ لأنه مقبوض على وجه المعاوضة.
والثاني: يضمنه بالمثل، لأنه لما منع من الرد بعد الفسخ والطلب، صار غاصباً، وخرج عن أن يكون معاوضاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز شرط خيار أكثر من ثلاث ولولا الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخيار ثلاثة أيام في المصراة ولحبان بن منقذ فيما اشترى ثلاثاً لما جاز بعد التفرق ساعة ولا يكون للبائع الانتفاع بالثمن ولا للمشتري الانتفاع بالجارية فلما أجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما وصفناه ثلاثاً اتبعناه ولم نجاوزه وذلك أن أمره يشبه أن يكون ثلاثاً حداً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، خيار الشرط، لا يجوز أكثر من ثلاث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد وإسحاق: خيار الشرط يجوز مؤبداً من غير تحديد بمدة معلومة.
وقال ابن أبي ليلى، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور: يجوز مؤبداً إذا كان محدوداً بمدة معلومة.
وقال مالك: يجوز من خيار الشرط في المبيعات على قدرها وبحسب ما تدعو إليه الحاجة في تعرف أحوالها، فما أمكن تعرف حاله في يوم، لم يجز أن يشترط فيه ثلاثاً، وما لم يمكن تعرف حاله إلا في شهر، جاز أن يشترط فيه شهراً واستدلوا على جواز اشتراط الخيار فوق ثلاث: بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المسلمون على شروطهم".
ولأنه خيار معلوم، فوجب أن يثبت في البيع، أصله خيار الثلاث؛ ولأنه شرط ملحق بالبيع يجوز ثلاثاً فوجب أن يجوز أكثر من ثلاث كالأجل؛ ولأن الخيار ضربان: خيار مجلس، وخيار شرط.
فلما جاز أن يمتد خيار المجلس فوق ثلاث، جاز أن يكون الشرط فوق ثلاث.
ودليلنا: رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع الغرر" فاجيز بالدلالة خيار الثلاث، وبقي ما سواه على حكم المنع.
وروى الشافعي عن سفيان عن ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر: أن حبان بن منقذ كان شج في رأسه مأمومة، فثقل لساناً، وكان يخدع في البيع، فجعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يبايع من شيء فهو بالخيار ثلاثاً، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قل لا خلابة" قال ابن عمر رضي الله عنه سمعته يقول: "لا جذابة".
قال الشافعي: وينبغي للمسلمين أن لا يخلبوا، والخلابة: الخديعة.
وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - في المصراة الخيار ثلاثاً: فكانت الدلالة في ذلك من وجهين:

الجزء: 4 - الصفحة: 388

أحدهما: أن حبان كان أحوج الناس إلى الزيادة في الخيار لمكانه من ضعف النظر وحاجته إلى استدراك الخديعة، فلما لم يزد بالشرط على الثلاث دل على أنها غاية الحد في العقد.
والثاني: أنه حده بالثلاث، والحد يفيد المنع إما من المجاوزة أو من النقصان، فلما جاز النقصان من الثلاث، علم أنه حد للمنع من مجاوزة الثلاث.
ولأن الخيار يمنع من التصرف وموجب العقد جواز التصرف، والشرط إذا كان منافياً لموجب العقد أبطله، كما لو باعه بشرط أن لا يتصرف فيه ببيع ولا غيره.
وتحرير ذلك قياساً: أنه معنى يمنع مقصود العقد، فوجب أن يفسد به العقد مع استغنائه عنه، أصله إذا باعه بشرط أن لا يبيعه، ولا يدخل عليه خيار الثلاث لأنه لا يستغنى عنه.
ولأن الخيار غرر والعقد يمنع من كثير الغرر ولا يمنع من قليله كعقد الرؤية لما كان غرراً جوز في توابع البيع ولم يجوز في جميعه، والثلاث في حد القلة، وما زاد عليها في حد الكثرة بدليل قوله تعالى في قصة ثمود ﴿فَيَاخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود:64] ثم بين القريب فقال تعالى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود:65] فثبت أن الثلاث في حد القلة، فجاز اشتراط الخيار بها في العقد لقلة غررها، ولم يجز فيما زاد عليها لكثرة غررها.
فأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون على شروطهم" فقد استثنى منه "إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً".
وأما الجواب عن قياسهم على خيار الثلاث فالمعنى فيها قلة الغرر بها على أن الثلاث رخصة مستثناة من جملة محظورة، فلم يجز القياس عليها.
وأما الجواب عن قياسهم على الأجل: فالمعنى فيه أن تأجيل الثمن لا يمنع مقصود العقد، لأن مقصوده طلب الفضل فيه بتوفير الثمن، وهذا موجود في زيادة الأجل، وليس كذلك الخيار، لأنه يمنع مقصود العقد من جواز التصرف في الثمن والمثمن.
وأما الجواب عن استدلالاهم بخيار المجلس فالمعنى فيه أنه من موجبات العقد، فجازت فيه الجهالة، وخيار الثلاث من موجبات الشرط فلم تجز فيه الجهالة، كالقبض إذا كان مستحقاً بالعقد جاز أن يكون مجهول الوقت، وإذا كان مستحقاً بالشرط لم يجز أن يكون مجهول الوقت.
فصل فإذا تقرر أن خيار ما زاد على الثلاث لا يصح.
فمتى عقد البيع بشرط خيار يزيد على الثلاث أو خيار مجهول، كان البيع فاسداً، سواء أبطلا الزيادة على الثلاث في مدة الثلاث أم لا.
وقال أبو حنيفة: إن اتفقا على إبطال ما زاد على الثلاث قبل تقضي الثلاث، صح البيع.
وإن لم يبطلاه حتى مضت الثلاث، فد حينئذ البيع.
استدلالاً بأن الشرط في مدة الخيار بعد العقد في حكم الشرط حال العقد، ألا ترى أنهما لو زادا في الثمن أو نقصا منه في مدة الخيار، أو زادا في الأجل أو نقصا منه، لزم ما اشترطاه من الزيادة والنقصان بعد العقد، كما يلزم لو شرطاه حال العقد، فلما ثبت أنهما لو شرطا حال

الجزء: 4 - الصفحة: 389

العقد إبطال ما زاد على الثلاث، صح العقد، وجب إذا اشترطا بعد العقد إبطال ما زاد على الثلاث أن يصح العقد.
ودليلنا: نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الغرر والنهي يقتضي فساد المنهي عنه؛ ولأنه عقد فاسد، فوجب أن لا يلحقه الصحة قياساً.
على بيع الدرهم بالدرهمين؛ ولأنه عقد شرط فيه خيار فاسد، فوجب أن يفسده، أصله: إذا لم يبطلاه حتى مضت الثلاث؛ ولأن كلما أبطل العقد إذا لم يتفقا على تصحيحه بعد العقد، أبطله وإن اتفقا على تصحيحه بعد العقد كالثمن المجهول.
ولأنه شرط ينافي صحة العقد، فوجب أن يبطل به العقد كالأجل المجهول.
ولأن الخيار في مقابلة جزء من الثمن، ألا ترى أن الثمن في العرف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه، فإذا بطل خيار ما زاد على الثلاث، سقط من الثمن ما قابله، فصار باقي الثمن مجهولاً، والبيع يبطل بالثمن المجهول فكذلك بما أوجبه من الخيار الفاسد.
فإن قيل: هذا الاستدلال يفسد بخيار الثلاث إذا شرطا إسقاطه بعد العقد، لأنه قد أسقط من الثمن ما قابله، فأفضى إلى جهالة في باقية ولم يفسد البيع: قيل: هذا لا يلزم، لأن الجهالة صارت في الثمن لمعنى حادث بعد العقد، فلم يقدح في صحة العقد، وهناك لمعنى قارن العقد، فقدح في صحة العقد، ألا ترى أنه إذا وجد بالمبيع عيباً فأخذ أرشه صار الثمن مجهولاً ولم يفسد العقد، لأنه لمعنى حادث بعد العقد، ولو قال: قد بعتكه بمائة درهم إلا أرش عيبه فسد العقد، لأنها جهالة بمعنى قارن العقد.
فأما الجواب عن استدلاله بعد فساده بالأجل المجهول: فهو أن العقد إذا زيد في ثمنه أو نقص منه فقد كان وقع صحيحاً وفي هذا الموضع وقع فاسداً، فلم يصح بعد فساده.
فصل فإذا ثبت أن خيار الثلاث جائز، فإن الزيادة على الثلاث فاسدة، والبيع معها فاسد.
فلا بأس باشتراط الثلاث للبائع والمشتري، فلا يجوز للبائع التصرف فيما قبضه من الثمن، لثبوت الخيار للمشتري، ولا يجوز للمشتري التصرف فيما قبضه من المبيع، لثبوت الخيار للبائع.
ويجوز أن يكون خيار الثلاث مشروطاً للبائع دون المشتري، فلا يتصرف المشتري في المبيع، لثبوت الخيار، ويجوز للبائع أن يتصرف في الثمن، لأنه لا خيار عليه للمشتري، ويكون تصرفه في الثمن اختياراً للإمضاء.
ويجوز أن يكون خيار الثلاث مشروطاً للمشتري دون البائع، فلا يتصرف البائع في الثمن، لثبوت الخيار للمشتري، ويجوز للمشتري أن يتصرف في المبيع، لأنه لا خيار عليه للبائع وهل يكون تصرفه في المبيع اختياراً للامضاء؟.
على وجهين ذكرناهما في وقته، وفرقنا بين تصرف البائع وتصرف المشتري بما مضى.
فصل وإذا جاز اشتراط خيار الثلاث، جاز اشتراط خيار ما دون الثلاث، فيجوز أن

الجزء: 4 - الصفحة: 390

يشترطا خيار يوم، ويجوز أن يشترطا خيار يومين، ويجوز أن يشترط أحدهما خيار يوم والآخر خيار يومين، أو أحدهما خيار ثلاث والآخر خيار يوم.
فلو تبايعا بغير خيار، فقبل افتراقهما شرطاً في العقد خيار يوم، ثبت لهما خيار اليوم، فلو افترقا ثم اجتمعا قبل تقضيه، فزادا في الخيار يوماً آخر، ثبت الخيار في اليوم الثاني، فإن اجتمعا في اليوم الثاني، فزاد فيه يوما ثالثاً، ثبت الخيار لهما فيه، فإن اجتمعا قبل تقضي الثالث، فزاد فيه يوماً رابعاً، بطل البيع، لأنهما لو شرطا ذلك في العقد، بطل، فكذلك إذا ألحقاه بالعقد في مدة الخيار يجب أن يبطل.
فلو أنهما أسقطا اليوم الرابع، لم يصح العقد، لفساد باشتراطه.
فصل وإذا تبايعا نهاراً وشرطا الخيار إلى الليل، ينقضي الخيار بغروب الشمس.
ولو تبايعا ليلاً بشرط الخيار إلى طلوع الفجر، يقضي الخيار بطلوع الفجر، ولا تكون الغاية داخلة في شرط الخيار.
وقال أبو حنيفة: تدخل الغاية في شرط الخيار، فإذا شرطا في بيع النهار الخيار إلى الليل، دخل الليل في الخيار.
وإذا تبايعا ليلاً بشرط الخيار إلى النهار، دخل النهار في الخيار.
ودليلنا: هو أن أهل اللغة مجمعون على أن "من" لابتداء الغاية و"إلى" لانتهاء الغاية، ألا ترى أنهم لو قالوا: سافرت من البصرة إلى الكوفة: دلوا بذلك على أن البصرة ابتداء سفرهم والكوفة غاية سفرهم، فاقتضى أن تكون الغاية خارجة من الحكم، لأنها حد، والحد لا يدخل في المحدود، فعلى هذا لو قال: له علي من درهم إلى عشرة كان مقراً بتسعة، لأن العاشر غاية.
ولو قال لزوجته: أنت طالق من واحدة إلى ثلاث، طلقت طلقتين، لأنه جعل الثالثة غاية.
فصل فإذا اجتمع في العقد خياران: خيار شرع، وخيار شرط.
فخيار الشرع، مقدر باجتماع الأبدان، وخيار الشرط، مقدر بما شرطا من الزمان.
فلو كان خيار الشرط ثلاثاً، فلأصحابنا في ابتدائها وجهان: أحدهما: وهو قول جمهور أصحابنا: أن ابتداءها من بعد انقطاع خيار المجلس، إما بالتفرق أو التخاير، ولا يدخل أحد الخيارين في الآخر، لأن خيار المجلس مستفاد بالشرع وخيار الثلاث مستفاد بالشرط، وإذا كان موجبهما مختلفاً، تميزا ولم يتداخلا.
والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي: أن ابتداء خيار الثلاث من وقت العقد، ويكون خيار المجلس داخلاً فيه، لأنه لو اعتبر ابتداؤه من بعد خيار المجلس، لأفضى إلى الجهالة في ابتدائه وانتهائه بجهالة خيار المجلس، وإذا كان خيار الشرط مجهولاً، لم يجز، فاعتبر ابتداؤه من حين العقد فيكون معلوماً، فيجوز.
فعلى هذا إن تفرقا قبل مضي الثلاث ثبت خيار الثلاث، ولم يكن لخيار المجلس تأثير، وإن لم يتفرقا حتى مضت الثلاث، ثبت خيار المجلس، ولم يكن لخيار الثلاث تأثير.

الجزء: 4 - الصفحة: 391

فصل فإذا كان زمان الخيار باقياً، فلكل واحد من المتعاقدين فسخ العقد من غير حضور صاحبه، وبه قال مالك واليه رجع أبو يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجوز لواحد منهما فسخ البيع إلا بحضور صاحبه استدلالاً بأنه فسخ عقد، فلم يصح إلا بحضور من يجب عليه الرد كالإقالة.
ولأن الفسخ يوجب انتقال الملك، كما أن العقد يوجب انتقال الملك، فلما كان العقد لا يصح إلا بهما، وجب أن يكون الفسخ لا يصح إلا بحضورهما.
ودليلنا: ما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جعل لحبان الخيار ثلاثاً وقال: "قل: لا خلابة في الإسلام" ولم يشترط في خياره حضور صاحبه، فدل على استواء حكمه.
ولأنه اختيار فسخ البيع في مدة خياره، فوجب أن ينفسخ، أصله إذا كان بحضور صاحبه.
ولأنه معنى يقطع الخيار، فوجب إذا لم يكن من شرطه رضا المتعاقدين أن لا يفتقر إلى حضورهما.
أصله إجازة البيع.
ولأن كلما كان فسخاً بحضور المتعاقدين، كان فسخاً بغيبة أحدهما كوطء الباءع وقبلته للجارية المبيعة.
ولأن كل من لم يفتقر رفع العقد إلى رضاه، لم يفتقر إلى حضوره، كالزوج في طلاق امرأته طرداً والإقالة عكساً.
وفيه انفصال عن الاستدلالين: لأنه لما افتقر العقد والإقالة إلى رضاهما، افتقر إلى حضورهما، ولما لم يفتقر الفسخ إلى رضاهما، لم يفتقر إلى حضورهما.
فصل إذا وكل رجل رجلاً في بيع شيء أو ابتياع شيء، فهل يجوز للرجل أن يشترط في عقد البيع خيار الثلاث من غير إذن الموكل أم لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يجوز أن يتشرط خيار الثلاث إلا بإذن من الموكل صريح، لأن الخيار لا يتناوله العقد إلا بشرط، فلم تتضمنه الوكالة إلا بإذن كالأجل.
والوجه الثاني: يجوز له اشتراط خيار الثلاث من غير إذن الموكل، لأن الخيار زيادة نظر وطلب حظ بخلاف الأجل.
وإذا كان كذلك، وشرط الوكيل في عقد البيع خيار الثلاث، فهو ثابت للوكيل والموكل، أما الوكيل، فلأجل عقده، وأما الموكل، فلحق ملكه.
وإذا كان الخيار لهما، فأيهما سبق صاحبه إلى قطع الخيار بفسخ أو إجازة، صح، لأن كل واحد منهما قائم مقام صاحبه، فإن سبق الوكيل إلى ذلك ولم يرض به الموكل لزمه، وكذا لو سبق الموكل من غير علم الوكيل صح.
والله أعلم.
فصل إذا باع سلعة على أن يكون خيار الثلاث فيها لزيد.
قال الشافعي في كتاب الصرف: جاز، وكان الخيار لزيد، ولم يكن للبائع فيه خيار، ومنع منه في موضع أخر.
فاختلف أصحابنا في هذا الشرط على ثلاثة مذاهب: أحدها: حمل الجواب على ظاهر نصه الأول، ويصح الشرط، ويكون الخيار لزيد المسمى دون البائع، لأن العقد يمنع اشتراط الخيار، ومستحق الخيار موقوف على قول من شرط الخيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 392

والثاني: أن هذا الشرط فاسد، ولا يجوز أن يستحق الخيار في البيع إلا من عقده أو عقد له، وليس زيد المسمى في استحقاق الخيار له عاقداً ولا معقوداً له، فلم يجز أن يثبت له في العقد خيار.
والثالث: إن جعل الخيار لزيد على طريق التوكيل له في النظر عن البائع، صح، وثبت الخيار لزيد المسمى وللبائع معاً، وكان زيد وكيلاً للبائع، فأيهما اختار الفسخ أو الإمضاء لزم: الوكيل أو الموكل.
فإن جعل له الخيار ملكا له دون البائع، أو أطلق الشرط، لم يجز وكان باطلاً.
وتعليل هذا المذهب مشترك من تعليل المذهبين الأولين وهو أظهر المذاهب الثلاثة ولأنه لا يجوز أن يثبت الخيار لوكيله دونه.
فإذا قيل: بصحة هذا الشرط على التفصيل المذكور، صح البيع وثبت فيه الشرط.
فإذا قيل: بفساد هذا الشرط، فالصحيح أن البيع يفسد بفساده، ويكون العقد بهذا الشرط باطلاً لمنافاته.
وفيه وجه آخر محكي عن أبي العباس بن سريج: أن الشرط فاسد والبيع صحيح.
وفيما يتناوله الفساد من الشرط وجهان: أحدهما: جملة الخيار، فيصير البيع لازماً ولا خيار فيه.
والثاني: أن الفساد إنما توجه إلى اشتراط الخيار لزيد المسمى، ويكون الخيار ثابتاً للبائع.
والله أعلم.
فصل فإذا قال: بعتك هذه السلعة على استئمار زيد: قال الشافعي في كتاب الصرف: لم يكن له الرد إلا أن يقول قد استأمرت زيداً فأذن لي في الرد.
فاختلف أصحابنا في ذلك على وجهين: أحدهما: أن هذا الشرط لازم.
والجواب فيه على ظاهره وليس له أن يرد إلا بعد استئمار زيد وإذنه لأجل شرطه.
الثاني: وهو قول أبي إسحاق وكافة البصريين: أن هذا الشرط ليس بلازم، وله الرد في مدة الخيار، سواء استأمر زيداً أم لم يستأمره، لأن استحقاق الخيار يمنع من أن يكون ممنوعاً من الخيار.
فمن قال بهذا لهم عن جواب الشافعي: لم يكن له الرد إلا بعد استئماره، تأويلان: أحدهما: يريد به ليس له إذا رد أن يقول: قد أذن لي في الرد، إلا بعد استئماره لئلا يكون كذاباً، فكان هذا النهي منه عن الكذب لا عن الرد.
والثاني: أنه عنى الاحتياط إذا كان زيد أعرف، فيكون معنى قوله: لم يكن له الرد إلا بعد استئماره: أي لم يكن الحظ في الرد إلا بعد استئماره، وإن لم يكن ذلك مانعاً من استحقاق الرد والله أعلم بالصواب.

باب الربا وما لا يجوز بغضه ببغض متفاضلاً ولا مؤجلاً والصرف

سمعت المزني يقول: قال الشافعي: أخبرني عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي

الجزء: 4 - الصفحة: 393

[عن] أيوب عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا المر بالمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عيناً بعين يداً بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يداً بيد كيف شئمم" قال: ونقص أحدهما التمر والملح وزاد الآخر فمن زاد أو استزاد فقد أربى.
قال الشافعي: وهو موافق للأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصرف وبه قلنا".
قال في الحاوي: الأصل في تحريم الربا بالكتاب والسنة ثم الإجماع.
فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَاكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران:130]. معنى قوله: "أضعافاً" مضاعفاً، أي: أضعاف الحق الذي دفعتم، لأن أهل الجاهلية كان الواحد منهم إذا حل دينه قال لغريمه إما أن تعطى أو تربى، فإن أعطاه وإلا أضعف علمه الحق وأضعف له الأجل ثم يفعل كذلك إذا حل حتى يصير الحق أضعافاً مضاعفة، فحظر الله تعالى ذلك لما فيه من الفساد، ثم أكد الزجر عليه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)﴾ [آل عمران:131]؛ فأخبر أن نار أكل الربا كنار الكافر.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ﴾ [البقرة:275]- يعنى لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان في الدنيا من المس.
يعنى: الجنون.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وهذه الآية نزلت في ثقيف وذلك أنهم كانوا أكثر العرب ربا فلما نزل تحريم الربا قالوا: كيف يحرم الربا وإنما البيع مثل الربا، فرد الله تعالى عليهم قولهم وأبطل جمعهم.
ثم قال: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ يعنى القرآن ﴿فَانتَهَى﴾ ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ يعنى ما أكل من الربا.
وقال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ (278)﴾ [البقرة:278] معنى ما لم يقبض من الربا إذا أسلموا عليه تركوه، وما قبضوه قبل الإسلام لم يلزمهم أن يردوه.
ثم توعد على ذلك لتوكيد الزجر فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَاذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة:279]، بأن تمنعوا ﴿رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ ثم قال تيسيراً على خلقه.
﴿وَإِنْ كَانَ﴾ - من قد أربيتموه- ﴿ذُو عُسْرَةٍ﴾ برأس المال ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة:280] يعنى إلى وقت اليسار.
وهذه آخر آية نزلت من القرآن على ما روى سعيد بن المسب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: آخر ما نزل من القرآن آية الربا فإن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قبض قبل أن يفسرها فدعوا الربا والربيبة.
وأما السنة فما روى عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا ومؤكله وشاهده وكاتبه.

الجزء: 4 - الصفحة: 394

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في خطبة الوداع: "ألا وإن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون.
فأول ربا أضعه ربا عمي العباس، ألا وإن كل دم من دم الجاهلية موضوع وأول دم أضعه دم الحارث بن عبد المطلب".
ثم قد اجمع المسلمون على تحريم الربا وإن اختلفوا في فروعه وكيفية تحريمه حتى قيل إن الله تعالى ما أحل الزنا ولا الربا في شريعة قط، وهو معنى قوله: ﴿وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء:161] يعني: في الكتب السالفة.
فصل فإذا ثبت تحريم الربا بما ذكرنا من الكتاب والسنة والإجماع فقد اختلف أصحابنا فيما جاء به الكتاب من تحريم الربا على وجهين: أحدهما: أنه مجمل فسرته السنة.
وإن ما جاءت به سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تفسير لما تضمنه مجمل كتاب الله عز وجل من الربا نقداً أو نساء.
والثاني: أن تحريم الربا من كتاب الله تعالى إنما يتناول معهود الجاهلية من الربا في النساء وطلب الفضل بزيادة الأجل ثم وردت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزيادة الربا في النقد فاقترنت بما تضمنه التنزيل، وإلى هذا كان يذهب أبو حامد المروزي.
فصل فإذا تقرر أن الربا حرام فلا فرق في تحريمه بين دار الإسلام ودار الحرب.
فكل عقد كان رباً حراماً بين مسلمين في دار الإسلام، كان رباً حراماً بين مسلم وحربي في دار الحرب سواء دخل المسلم إليها بأمان أو بغير أمان.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم الربا على المسلم من الحربي في دار الحرب سواء دخل بأمان أو بغير أمان.
احتجاجاً بحديث مكحول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: لا ربا بين مسلم وحربي في دار الحرب، ولأن أموال أهل الحرب مباحة للمسلم بغير عقد فكان أولى أن يستبيحها بعقد.
والدلالة على أن الربا في دار الحرب حرام كتحريمه في دار الإسلام، عموم ما ذكرنا من الكتاب والسنة.
ثم من طريق المعنى والعبرة: أن كل ما كان حراماً في دار الإسلام كان حراماً في دار الشرك كسائر الفواحش والمعاصي ولأن كل عقد حرم بين المسلم والذمي، حرم بين المسلم والحربي كدار الإسلام، ولأنه عقد فاسد فوجب ألا يستباح به المعقود عليه كالنكاح.
فأما احتجاجه بحديث مكحول فهو مرسل والمراسيل عندنا ليست حجة.
فلو سلم لهم لكان قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا رباً" يحتمل أن يكون نفياً لتحريم الربا ويحتمل أن يكون نفياً لجواز الربا فلم يكن لهم جملة على نفي التحريم إلا ولنا حمله على نفي الجواز ثم حملنا أولى لمعاضدة العموم له، وأما احتجاجه بأن أموالهم يجوز استباحتها بغير عقد

الجزء: 4 - الصفحة: 395

فكان أولى أن تستباح بعقد فلا نسلم إذا كانت المسألة مفروضة في دخوله إليهم بأمان لأن أموالهم لا تستباح بغير عقد فكذا لا يستبيحها بعقد فاسد.
ولو فرضت المسألة مع ارتفاع الأمان لما صح الاستدلال من وجه آخر وهو أن الحربي إذا دخل دار الإسلام جاز استباحة ماله بغير عقد ولا يجوز استباحته بعقد فاسد.
ثم نقول: ليس كل ما استبيح منهم بغير عقد جاز أن يستباح منهم بالعقد الفاسد.
ألا ترى أن الفروج يجوز استباحتها منهم بالفيء من غير عقد ولا يجوز استباحتها بعقد فاسد، فكذا الأموال وإن جاز أن تستباح منهم بغير عقد لم يجز أن تستباح بالعقد الفاسد.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وبها تركنا قول من روى عن أسامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنما الربا في النسيئة" لأنه مجمل وكل ذلك مفسر فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الربا أفي صنفين مختلفين ذهب بورق أم تمر بحنطة؟ فقال: "الربا في النسيئة" فحفظه فأدى قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يؤد المسألة".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
والربا ضربان: نقد، ونساء.
وأما النساء: فهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل وهو المعهود من ربا الجاهلية والذي قد أجمع على تحريمه جميع الأمة.
وأما النقد: فهو بيع الدرهم بالدرهمين يداً بيد، فمذهب جمهور الصحابة وكافة الفقهاء تحريم ذلك كالنساء، وذهب خمسة من الصحابة إلى إحلاله وإباحته وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأسامة بن زيد، وزيد بن أرقم والبراء بن عازب تعلقاً بخبرين: أحدهما: ما استدل به ابن عباس أن أسامة بن زيد روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنما الربا في النسيئة".
فلما أثبت الربا في النسيئة دل على انتفاء الربا في النقد.
والثاني: ما رواه عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: باع شريك لي دراهم بدراهم بالكوفة وبينهما فضل.
فقلت: ما أراه يصلح هذا فقال: لقد بعتها في السوق فما عاب علي ذلك أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته فقال: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة وتجارتنا كذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ما كان يداً بيد فلا بأس به وما كان نسيئة فلا خير فيه.
وأتيت زيد بن أرقم فإنه كان أعظم تجارة منا، فأتيته فسألته فقال لي مثل ذلك وهذا نص.
والدلالة على تحريم ذلك أربعة أحاديث: أحدها: حديث عبادة بن الصامت المقدم ذكره في صدر الباب.
وقوله: "إلا سواء بسواء يداً بيد".
والثاني: حديث أبي المتوكل عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الفضة بالفضة والذهب بالذهب سواء بسواء فمن زاد واستزاد فقد أربى.
الآخذ [والمعطي سواء]

الجزء: 4 - الصفحة: 396

والثالث: حديث مالك بن عامر عن عثمان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الدينار بالدينارين ولا الدرهم بالدرهمين".
والرابع: حديث سعيد بن يسار عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما".
وأما حديث أسامة وقوله "إنما الربا في النسيئة" ففيه جوابان: أحدهما: وهو جواب الشافعي: أنه جواب من النبي - صلى الله عليه وسلم - لسائل سأله عن التفاضل في جنسين مختلفين فقال: إنما الربا في النسيئة فنقل أسامة جواب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأغفل سؤال السائل.
والثاني: أنه محمول على الجنس الواحد يجوز التماثل فيه نقداً ولا يجوز نسيئة.
على أن ابن عباس المستدل بحديث أسامة رجع عن مذهبه حين لقيه أبو سعيد الخدري وقال له: يا ابن عباس إلى متى تأكل الربا وتطعمه الناس وروى له حديثه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال ابن عباس: يا أيها الناس إن هذا رباً كان مني وإني أستغفر الله وأتوب إليه.
وأما حديث أبي المنهال عن البراء بن عازب وزيد بن أرقم فمنسوخ؛ لأنه مروي عن أول الهجرة وتحريم الربا متأخر.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ويحتمل قول عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء" يعطي بيد ويأخذ بأخرى فيكون الأخذ مع الإعطاء ويحتمل أن لا يتفرق المتبايعان من مكانهما حتى يتقابضا فلما قال ذلك عمر لمالك بن أوس لا تفارقه حتى تعطيه ورقة أو ترد إليه ذهبه وهو راوي الحديث دل على أن مخرج "هاء وهاء" تقابضهما قبل أن يتفرقا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
كل شيئين ثبت فيهما الربا بعلة واحدة لم يصح دخول الأجل في العقد عليهما ولا الافتراق قبل تقابضهما.
سواء كانا من جنس واحد كالبر بالبر أو من جنسين كالشعير بالبر حتى يتقابضا قبل الافتراق في الصرف وغيره.
وقال أبو حنيفة في الذهب والورق كقولنا لا يصح فيهما العقد إلا بالقبض قبل الافتراق ولا يثبت فيهما الأجل ولا خيار الشرط.
وأجاز فيما سوى الذهب والورق وخيار القبض وخيار الشرط وإن لم يدخل فيه الأجل.
استدلالاً بأنه عقد لم يتضمن صرفاً فلم يكن التقابض فيه قبل الافتراق شرطاً كالثياب بالثياب.
قال: ولأن القبض يراد لتعيين ما تضمنه العقد فلما كان الذهب والورق لا يتعين بالعقد

الجزء: 4 - الصفحة: 397

لزم فيه تعجيل القبض ليصير المعقود عليه معيناً، ولما كان ما سوى الذهب والورق من البر والشعير وغيرهما يتعين بالعقد لم يلزم فيه تعجيل القبض؛ لأن المعقود عليه قد صار معيناً.
والدلالة عليه: حديث عبادة بن الصامت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء، عيناً بعين، يداً بيد، ولكن بيعوا الذهب بالورق، والورق بالذهب، والبر بالشعير، والشعير بالبر، والتمر بالملح، والملح بالتمر يداً بيد كيف شئتم".
فشرط في بيع ذلك كله تعجيل القبض بقوله إلا يداً بيد.
فإن قيل: فقوله يداً بيد نفياً لدخول الأجل فيه وأن يكون العقد عليه بالنقد وليس بشرط في تعجيل القبض.
قيل: يبطل هذا التأويل بثلاثة أشياء.
أحدهما: أنه جمع في الخبر بين الذهب والورق وبين البر والشعير فلما كان قوله "إلا يداً بيد" محمولاً في الذهب والورق على تعجيل القبض وجب أن يكون في البر والشعير مثله لأنها جملة معطوف عليها حكم.
والثاني: أن نفي الأجل مستفاد من هذا الحديث بقوله إلا عيناً بعين، لأن المؤجل لا يكون عيناً إذ العين لا يدخل فيها الأجل وإنما يكون عيناً بعين، لأن المؤجل لا يكون عيناً إذ العين لا يدخل فيها الأجل وإنما يكون عيناً بدين.
فوجب أن يكون قوله إلا يداً بيد محمولاً على غير نفي الأجل وهو تعجيل القبض ليكون الخبر مقيداً لحكمين متغايرين، واختلاف اللفظين محمولاً على اختلاف معنيين.
والثالث: أن قوله إلا يداً بيد مستعمل في اللغة على تعجيل القبض لأجل أن القبض يكون باليد وليس بمستعمل في نفي الأجل إلا على وجه المجاز فكان حمل الكلمة على حقيقتها في اللغة أولى من حملها على المجاز.
ومما يدل على أصل هذه المسألة ونفي هذا التأويل أيضاً: ما استدل به الشافعي من حديث عمر رواه مالك عن ابن شهاب عن مالك بن أوس عن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الذهب بالذهب رباً إلا هاء وهاء، والورق بالورق رباً إلا هاء وهاء، والبر بالبر رباً إلا هاء وهاء، والشعير بالشعير رباً إلا هاء وهاء، والتمر بالتمر رباً إلا هاء وهاء.
قال الشافعي فاحتمل قوله: "إلا هاء وهاء" معنيين: أحدهما: أن يعطي بيد ويأخذ بأخرى فيكون الأخذ مع الإعطاء، واحتمل ألا يتفرق المتبايعان عن مكانهما حتى يتقابضا، فلما روي أن مالك بن أوس بن الحدثان صارف طلحة بن عبيد الله بمائة دينار باعها عليه بدراهم فقال طلحة لمالك: حتى يأتي خازني من الغابة وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع فقال عمر لمالك: لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه ورقك أو يرد عليك ذهبك.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الذهب بالورق رباً إلا هاء وهاء.
دل على أن المراد بهذا الحديث من المعنيين المحتملين التقابض قبل الافتراق لأمرين: أحدهما: أن راوي الحديث إذا فسره على أحد معنيين كان محمولاً عليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 398

والثاني: أن في تكليف الناس الإعطاء بيد والأخذ بأخرى مشقة غالبة والشريعة موضوعة على التوسعة والسماحة فامتنع أن يكون هذا مراداً.
ثم الدليل على ذلك من طريق المعنى: أنه عقد معاوضة يمنع من ثبوت الأجل فوجب أن يمنع من التفرق قبل القبض كالصرف ولأن كل ما كان شرطاً معتبراً في عقد الصرف كان شرطاً معتبراً فيما دخله الربا من غير الصرف كالأجل.
وأما الجواب عن قياسهم على بيع الثياب بالثياب فمنتقض بالسلم حيث لزم فيه القبض ثم المعنى في بيع الثياب بالثياب عدم الربا فيها فجاز تأخير قبضهما وما ثبت الربا فيه لم يجز تأخير قبضه كالصرف.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن القبض إنما يراد لتعيين ما تضمنه العقد والبر والشعير مما يتعين بالعقد فلم يفتقر إلى القبض فهو أن هذا يفسد ببيع الحلي بالحلي يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد.
ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل القبض وإن كان متعيناً بالعقد.
ثم لو سلم من هذا الكسر لكان عكس هذا الاعتبار أشبه بالأصول لأن السلم يتعين فيه الثمن ولا يتعين فيه المثمن، ثم يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن كان معيناً ولا يلزم فيه تعجيل قبض الثمن وإن لم يكن معيناً فكان اعتبار هذا يوجب تعجيل القبض فيما كان معيناً، ولا يوجبه فيما ليس بمعين، ولما انعكس هذا الاعتبار عليه بطل أن يكون له دليل فيه.
فصل فإذا ثبت أن القبض قبل الافتراق شرط في صحة العقود التي لا تدخلها الآجال ويلحقها الربا من صرف وغيره وأن حكم ما فيه الربا وإن لم يكن صرفاً كحكم ما فيه الربا إذا كان صرفاً فتصارف الرجلان مائة دينار بألف درهم وتقابضا الدراهم ولم يتقايضا الدنانير أو تقابضا الدنانير ولم يتقابضا الدراهم حتى تفارقا فلا صرف بينهما ولزم رد المقبوض منهما سواء علما فساد العقد بتأخير القبض أو جهلا.
فلو لم يتفرقا ولكن خير أحدهما صاحبه فاختار الإمضاء القائم مقام الافتراق قبل أن يتقابضا كان هذا التخير باطلاً ولم يبطل العقد لأن اختيار الإمضاء إنما يكون بعد تقضي علق العقد، وبقاء القبض يمنع من نقض علقه فمنع من اختيار إمضائه، فإن تقابضا بعد ذلك وقبل الافتراق صح العقد واستقر وكانا بالخيار ما لم يتفرقا أو يتخايرا.
فلو وكل أحدهما في القبض له والإقباض عنه، فإن قبض الوكيل وأقبض قبل افتراق موكله والعاقد الآخر صح العقد، وإن أقبض بعد افتراقهما لم يجز وكان العقد باطلاً لافتراق المتعاقدين قبل القبض، فلو تقابض المتصارفان ما تصارفا عليه في مداد قبل الافتراق جاز ولم يلزم دفع جميعه مرة واحدة وإنما يلزم قبض جميعه قبل الافتراق وسواء طالت مدة اجتماعهما أو قصرت.
فلو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما تفارقنا عن قبض وقال الأخر بخلافه كان القول قول من أنكر القبض ويكون الصرف باطلاً.
فإن قيل أليس لو اختلفا بعد الافتراق في

الجزء: 4 - الصفحة: 399

الإمضاء والفسخ فقال أحدهما: افترقنا عن فسخ.
وقال الآخر: عن إمضاء، كان القول في أحد الوجهين قول من ادعى الإمضاء والبيع لازم فهلا كان اختلافهما في القبض مثله.
قيل الفرق بينهما أن مدعي الفسخ ينافي بدعواه مقتضى العقد أن مقتضاه اللزوم والصحة إلا أن يتفقا على الفسخ فكان الظاهر موافقاً لقول من ادعى الإمضاء دون الفسخ وليس كذلك من ادعى القبض لأن الأصل عدم القبض على أن أصح الوجهين هناك أن القول قول مدعي الفسخ إذا تصارفا مائة دينار بألف درهم فتقابضا من المائة خمسين ديناراً ثم افترقا وقد بقي خمسون ديناراً كان الصرف في الخمسين الباقية باطلاً.
ومذهب الشافعي جوازه في الخمسين المقبوضة قولاً واحداً لسلامة العقد وحدوث الفساد فيما بعد: وكان أبو إسحاق المروزي يخرج الصرف في الخمسين المقبوضة على قولين من تفريق الصفقة.
وليس هذا التخريج صحيحاً لأن القولين في العقد الواحد إذا جمع جائزاً وغير جائز في حال العقد.
وإذا صح الصرف في الخمسين المقبوضة فالمذهب أنها لازمة بنصف الثمن وهو خمسمائة درهم وليس للبائع ولا للمشتري خيار في الفسخ لأجل تفريق الصفقة، لأن افتراقهما عن قبض البعض رضا منهما بإمضاء الصرف فيه وفسخه في باقيه.
وكان بعض أصحابنا يخرج قولاً ثانياً أنها مقبوضة بجميع الثمن.
وكلا التخريجين فاسدا والتعليل في فسادهما واحد.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "والربا من وجهين.
أحدهما في النقد بالزيادة وفي الوزن والكيل والآخر يكون في الدين بزيادة الأجل".
قال في الحاوي: لأصحابنا في هذا الكلام تأويلان.
أحدهما: أنه أراد الرد على من أثبت الربا في النساء وأباه في النقد وقال: والربا من وجهين: أحدهما: النساء المتفق عليه.
وهو بيع الدرهم بالدرهمين إلى أجل.
والثاني: ما كان مختلفاً فيه وهو بيع الدرهم بالدرهمين نقداً فجعل كلا الوجهين ربا وقد مضى الكلام فيه مع من استدل بحديث أسامة فهذا أحد التأويلين.
والتأويل الثاني: أنه أراد أن الجنس الواحد قد يدخله الربا من وجهين: أحدهما: التفاضل سواء كان نقداً أو نساء فلا يجوز بيع درهم بدرهمين عاجلاً ولا آجلاً.
والثاني: الآجل سواء كان متفاضلاً أو متماثلاً فلا يجوز بيع الفضة بالفضة نساء متفاضلاً ولا متماثلاً.
فأما الجنسان المختلفان فلا يدخلهما الربا إلا من وجه واحد وهو الأجل.
فأما التفاضل أو التماثل فيجوز فيهما: فإذا باع الفضة بالذهب أو البر بالشعير نقداً جاز سواء كان متفاضلاً أومتماثلاً وإن باعه إلى أجل لم يجز.
سواء كان متماثلاً أو متفاضلاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى".
قال في الحاوي: أما المنصوص عليه في الربا فستة أشياء وردت السنة بها وأجمع

الجزء: 4 - الصفحة: 400

المسلمون عليها وهي: الذهب والفضة، والبر، والشعير، والتمر، والملح.
واختلف الناس في ثبوت الربا فيما عداها.
فحكي عن طاوس، وقتادة، ومسروق، والشعبي وعثمان البتي، وداود بن علي الظاهري.
ونفاة القياس بأسرهم انه لا ربا فيما عدا الستة المنصوص عليها فلا يجوز التخطي عنها إلى ما سواها تمسكاً بالنص، ونفياً للقياس، واطراحاً للمعاني.
وذهب جمهور الفقهاء ومثبتو القياس إلى ان الربا يتجاوز المنصوص عليه إلى ما كان في معناه.
وهذه المسألة فرع على إثبات القياس والكلام فيها يلزم من وجهيىن: أحدهما: من جهة إثبات القياس، فإذا ثبت كونه حجة ثبت أن الربا يتجاوز ما ورد عليه النص من الأشياء الستة وهذا يأتي في موضعه من كتاب أدب القاصي إن شاء الله تعالى.
والثاني: من طريق الاستدلال الظاهر والدليل عليه من هذا الطريق ثلاثة أشياء: -أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة:275]. والربا اسم للزيادة والفضل من طريق اللغة والشرع.
أما اللغة فكقولهم قد ربا السويق إذا زاد، وقد أربى علي في الكلام إذا زاد في السب، وهذه ربوة من الارض إذا زادت على ما جاورها.
وأما الشرع: فكقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة:276]. أي يضاعفها ويزيد فيها وقوله: ﴿فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج:5].
أي زادت ونمت.
وإذا كان الربا ما ذكرنا اسماً للزيادة لغة وشرعاً دل عموم الاية على تحريم الفضل والزيادة إلا ما خص بدليل.
والدلالة الثانية: ما روي عى النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
والطعام اسم لكل مطعوم من بر وغيره في اللغة والشرع.
أما اللغة فكقولهم طعمت الشيء أطعمه وأطعمت فلاناً كذا إذا كان الشيء مطعوماً وإن لم يكن براً.
وإما الشرع فلقوله تعالى ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران:93] يعني كل مطعوم فأطلق عليه اسم الطعام.
وقوله: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة:249] فسمى الماء مطعوماً لأنه مما يطعم.
وقالت عاثشة: عشنا دهراً وما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء.
وإذا كان اسم الطعام بما وصفنا من شواهد اللغة والشرع يتناول كل مطعوم من بر وغيره.
كان نهيه عن بيع الطعام بالطعام محمولاً على عمومه في كل مطعوم إلا ما خص بدليل.
فإن قيل فهذا وإن كان عاماً فمخصوص ببيان النبي - صلى الله عليه وسلم - الربا في الأجناس الستة.
قيل: بيان بعض ما يتناوله العموم لا يكون تخصيصاً لأنه لا ينافيه، وإن شذ بعض أصحابنا فجعله تخصيصاً.
والدلالة الثالثة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على البر وهو أعلى المطعومات، وعلى الملح وهو أدنى المطعومات فكان ذلك منه تنبيهاً على أن ما بينهما لاحق بأحدهما.
لأنه ينص تارة على الأعلى لينبه به على الأدنى كما قال تعالى: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ

الجزء: 4 - الصفحة: 401

تَامَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران:75] فنبه به على الأدنى.
وينص تارة على الأعلى فإذا ورد النص على الأعلى والأدنى كان أوكد تنبيهاً على ما بينهما وأقوى شاهداً في لحوقه بأحدهما.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولم يجز أن نقيس الوزن على الوزن من الذهب والورق لأنهما غير مأكولين ومباينان لما سواهما وهكذا قال ابن المسيب لا رباً إلا في ذهب أو ورق أو ما يكال أو يوزن يما يؤكل ويشرب.
قال: وهذا صحيح ولو قسمنا عليهما الوزن لزمنا أن لا نسلم ديناراً في موزون من طعام كما لا يجوز أن نسلم ديناراً في موزون من ورق ولا أعلم بين المسلمين اختلافاً أن الدينار والدرهم يسلمان في كل شيء ولا يسلم أحدهما في الآخر غير أن من الناس من كره أن يسلم دينار أو درهم في فلوس وهو عندنا جائز لأنه لا زكاة فيها ولا في تبرها وإنها ليست بثمن للأشياء المتلفة وإنما أنظر في التبر إلى أصله والنحاس مما لا رباً فيه وقد أجاز عدد منهم إبراهيم النخعي السلف في الفلوس وكيف يكون مضروب الذهب دنانير ومضروب الورق دراهم في معنى الذهب والورق غير مضروبين ولا يكون مضروب النحاس فلوساً في معنى النحاس غير مضروب".
قال في الحاوي: إذا ثبت أن الربا يتجاوز المنصوص عليه لمعنى فيه، وعلته مستنبطة منه.
فالعلة في الذهب والفضة غير العلة في البر والشعير والتمر والملح.
فأما العلة في البر والشعير فقد اختلف أصحاب المعاني فيها على مذاهب شتى.
أحدهما: مذهب محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فأجرى الربا في جميع الأجناس ومنع التفاضل فيه حتى التراب بالتراب.
والمذهب الثاني: وهو مذهب الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فيجوز بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار ومنع من بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران.
والثالث: وهو مذهب سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس فمنع من التفاضل في الحنطة بالشعير لتقارب منافعهما، ومن التفاضل في الباقلاء بالحمص وفي الدخن بالذرة لأن المنفعة فيهما متقاربة.
والرابع: وهو مذهب ربيعة أن علة الربا جنس يجب فيه الزكاة فأثبت الربا في كل جنس وجبت فيه الزكاة من المواشي والزروع ونفاه عما لا تجب فيه الزكاة.
والخامس: وهو مذهب مالك أنه مقتات مدخر جنس فأثيبت الربا فيما كان قوتاً مدخراً ونفاه عما لم يكن مقتاتاً كالفواكه وعما كان مقتاتاً ولم يكن مدخراً كاللحم.
والسادس: وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن علة الربا في البر أنه مكيل جنس فأثبت الربا في كل ما كان مكيلاً وإن لم يكن مأكولاً كالجص، والنورة، ونفاه عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً كالرمان والسفرجل.
والسابع: وهو مذهب سعيد بن المسيب وبه قال الشافعي في القديم أنه مأكول مكيل

الجزء: 4 - الصفحة: 402

أو موزون جنس.
ومن أصحابنا من عبر عن هذه العلة بأحصر من هذه العبارة فقال: مطعوم مقدر جنس.
فعلى هذا القول ثبت الربا فيما كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وينتفي عما كان غير مكيل ولا موزون وإن كان مأكولاً أو مشروباً مكيلاً أو موزوناً وعما كان غير مأكول ولا مشروب وإن كان مكيلاً أو موزوناً.
والثامن: وهو مذهب الشافعي في الجديد أن علة الربا أنه مأكول جنس ومن أصحابنا من قال مطعوم جنس وهذه العبارة أعم وهو قول من أثبت في الماء الربا فهذا جملة المذاهب المشهورة في علة الربا.
وسنذكر حجة كل مذهب منها وندل على فساده.
فصل أما المذهب الأول وهو قول محمد بن سيرين أن علة الربا الجنس فاحتج له بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر أجناساً منع من التفاضل فيها ثم قال: "فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد".
فشرط في جواز التفاضل اختلاف الجنس فثبت أن علة الربا الجنس فلا يجوز أن يباع شيء بجنسه متفاضلاً أبداً.
والدليل على فساد هذا القول ما روى عبد الله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهز جيشاً فنفدت إبله فأمرني أن اشتري بعيراً ببعيرين إلى إبل الصدقة" فلما ابتاع - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين بطل أن يكون الجنس علة لوجود التفاضل فيه وأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - به.
وقد فعلت الصحابة مثل فعله وروي عن علي رضي الله عنه أنه باع جملاً له بعشرين جملاً إلى أجل.
وعن ابن عمر أنه باع راحلة له بأربعة رواحل إلى أجل ولم يظهر لهما مخالف فكان إجماعاً.
فأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: فإذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم.
فعطف على ما قدم ذكره من الأجناس الستة التي أثبت فيها الربا بالنص فجوز فيها التفاضل مع اختلاف الجنس فلم يدل ذلك على تحريم التفاضل مع اتفاق الجنس في غير ما ورد فيه النص.
فصل وأما المذهب الثاني وهو قول الحسن البصري أن علة الربا المنفعة في الجنس فاحتج له بأن ثبوت الربا مقصود به تحريم التفاضل، وفضل القيمة يقع ظاهراً كفضل القدر فلما ثبت أن الربا يمنع من التفاضل في القدر وجب أن يمنع التفاضل في القيمة.
والدليل على فساد هذا القول مع ما قدمناه من ابتياع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين وفضل القيمة بينهما كفضل القدر، وأن مقصود البياعات طلب النفع والتماس الفضل فلم يجز أن يكون ما هو مقصود البياعات علة في تحريم البياعات.
ولأن تحريم تفاضل القيمة في الجنس مع تساوي القدر يقتضي تحليل تساوي القيمة في الجنس مع تفاضل القدر وهذا محظور بالنص وفي هذا انفصال عما تعلق به من الاستدلال.

الجزء: 4 - الصفحة: 403

فصل وأما المذهب الثالث وهو قول سعيد بن جبير أن علة الربا تقارب المنافع في الأجناس، فاحتج له بأن الجنسين إذا تقاربا في المنفعة تقاربا في الحكم والمتقاربان في الحكم مشتركان فيه.
والدليل على فساد هذا القول ورود النص بجواز التفاضل في البر بالشعير مع تقارب منافعهما وما دفعه النص كان مطرحاً.
فصل فأما المذهب الرابع وهو قول ربيعة إن علة الربا جنس تجب فيه الزكاة فاحتج بأن الربا تحريم التفاضل حثاً على المواساة بالتماثل، وأموال المواساة ما ثبت فيها الزكاة فاقتضى أن تكون هي الأموال التي ثبت فيها الربا.
والدليل على فساد هذا القول: ابتياع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعيراً ببعيرين، والإبل جنس تجب فيه الزكاة، وأثبت الربا في الملح وهو جنس لا تجب فيه الزكاة فثبت بهذين فساد مذهبه.
فصل فأما المذهب الخامس وهو قول مالك إن علة الربا أنه مقتات مدخر جنس، فاحتج له بأنه اعتلال يشابه الأصل بأوصاف وما كان أكثر شبهاً بالأصل كان أولى.
والدليل على فساد هذا القول عدم هذه الأوصاف في الأصل لأن الملح ليس بقوت، وقد جاء النص بثبوت الربا فيه فبطل اعتبار القوت، والرطب فيه الربا وليى بمدخر وقد وافق أن فيه الربا.
فإن قال إن الرطب يؤول إلى حال الادخار في ثاني حال قيل: فالرطب الذي لا يصير تمراً ليس يؤول إلى حال الادخار وفيه الربا على أن هذا لا يخرج الرطب من أن يكون غير مدخر في الحال وإن جاز أن يفضي إلى حالة الادخار كاللحم الذي ليس بمدخر في الحال وإن أمكن أن يدخر في ثاني حال فبطل اعتبار الادخار فصار كلا الوصفين باطلاً.
فإن عدل عن هذا التعليل وعلل بما كان يعلل به المتقدمون من أصحابه أنه قوت أو ما يصلح به القوت قيل هذا القول أفسد من الأول.
لأنه إن أراد اجتماع ذلك في الأربعة لم يصح لأن الملح ليس بقوت وليس التمر مما يصلح به القوت.
وإن أراد أن القوت في الثلاثة علة وما يصلح القوت في الملح علة قيل: قد فرقت الأصل وعلته بعلتين مختلفتين وقد اتفقوا أنه معلل بعلة واحدة ولو جاز تعليل الأصل بعلتين لجاز إسلاف الملح في الثلاثة لاختلافهما في العلة كما يجوز إسلاف الذهب والفضة في الأربعة لاختلاف العلة، وقد جاءت السنة وانعقد الإجماع على خلاف هذا.
ثم يقال له إن كنت تريد بقولك وما يصلح القوت جميع الأقوات فالتمر والزبيب قوتان ولا يصلحان بالملح، وإن أردت به بعض الأقوات فينبغي أن يثبت الربا في النار والحطب، لأنه يصلح به بعض الأقوات وهذا دليل على فساد ما ذكره من التعليل.
والله أعلم.
فصل وأما المذهب السادس وهو قول أبي حنيفة أنه مكيل جنس.
فالاحتجاج له من طريقين:

الجزء: 4 - الصفحة: 404

أحدهما: إثبات الكيل علة.
والثاني: إبطال أن يكون الطعم علة.
فأما ما احتج به في إثبات أن الكيل علة فما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تبيعوا البر بالبر ولا الشعير بالشعير إلا مثلاً بمثل وكذلك ما يكال ويوزن" فنهى عن الكيل فاقتضى أن يكون علة الحكم.
ولأن التساوي في بيع البر بالبر مباح والتفاضل فيه محظور وليس يعلم التساوي المباح من التفاضل المحظور إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علته للحكم لأنه به يمتاز المباح من المحظور، ولأن الجنس صفة والكيل مقدار والتعليل بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً وهما المقصود في الربا فثبت أنها علة الربا.
فهذه ثلاث دلائل احتج بها أبو حنيفة وأصحابه في إثبات أن الكيل علة.
فأما ما احتج به في إبطال أن يكون المطعوم علة فأمور منها: أن الطعم هي المطعومات مختلف، والكيل في المكيلات مؤتلف؛ لأن من الأشياء ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل إدماً، ومنه ما يؤكل تفكهاً، والكيل لا يختلف فكان أولى أن يكون علة من المطعوم الذي يختلف، ولأن المطعوم صفة آجلة لأن البر لا يطعم إلا بعد علاج وصنعة، والكيل صفة عاجلة لأنه يكال من غير علاج ولا صنعة، وإذا كان الحكم منه متعلقاً بإحدى الصفتين كان تعليقه بالصفة العاجلة أولى من تعليقه بالصفة الآجلة.
ولأن علة الربا في البر هي ما منعت من التفاضل وأوجبت التساوي وقد يوجد زيادة الطعم ولا ربا ولا يوجد زيادة الكيل إلا مع حصول الربا وبيانه: لو باع صاعاً من طعام ثقيل له ربع بصاع من طعام خفيف ليس له ربع جاز وإن تفاضلا في الكيل فبطل أن يكون الطعم علة لوجود التفاضل فيه مع عدم الربا ووجود التساوي فيه مع حصول الربا، وثبت أن الكيل علة لأن التفاضل فيه مثبت للربا والتساوي فيه كاف للربا، فهذا أقوى ترجيحاتهم الثلاثة.
فصل والدليل على فساد ما ذهب إليه من طريقين: أحدهما: إثبات أن المطعوم علة.
والثانى: إبطال أن الكيل علة.
فأما الدليل على أن المطعوم علة: فما روى بشير بن سعد عن معمر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
واسم الطعام يتناول كل مطعوم في اللغة والشرع بما بيناه من قبل فكان عموم هذا الخبر إشارة إلى أن علة الربا الطعم لأن الحكم إذا علق باسم مشتق من معنى كان ذلك المعنى علة لذلك الحكم كحد الزاني لأن اسمه مشتق من الزنا وقطع يد السارق لأن اسمه مشتق من السرقة.
ولأن علة الشيء في ثبوت حكمه ما كان مقصوداً من أوصافه، ومقصود البر هو الأكل فاقتضى أن يكون علة الحكم.
ولأن الأكل صفة لازمة لذات المعلول والكيل صفة زائدة عن المعلول والصفة اللازمة أولى أن تكون علة من الصفة الزائدة.

الجزء: 4 - الصفحة: 405

ولأن الأكل علة يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، والكيل علة يوجد الحكم مع عدمها ويعدم الحكم مع وجودها، وهو أن الزرع إذا كان حشيشاً أو قصيلاً لا ربا فيه لعدم الأكل عندنا وعدم الكيل عندهم فإذا صار سنبلاً ثبت فيه الربا عندنا لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل.
فإن قيل يصير مكيلاً.
قيل: وكذلك إذا كان حشيشاً.
فإذا صار السنبل خبزاً ثبت فيه الربا عندنا؛ لأنه مأكول وثبت فيه الربا عندهم وهو غير مكيل.
فإن قيل يحصل فيه الربع لأنه موزون قيل: ما ثبت فيه الربا لا تختلف علته باختلاف أوصافه، فإذا صار الخبز رماداً فلا ربا فيه عندنا لأنه غير مأكول ولا ربا فيه عندهم وهو مكيل، فثبت أن علتنا يوجد الحكم بوجودها ويعدم بعدمها، وعلتهم يوجد الحكم مع عدمها في السنبل وبعدم الحكم مع وجودها في الرماد فثبت أن التعليل بالأكل أصح لهذه الدلائل الأربعة.
وأما الدليل على إبطال الكيل أن يكون علة فمن خمسة أوجه: أحدهما: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نص على أربعة أجناس كلها مكيلة فلو كان ذلك تنبيهاً على الكيل لاكتفى بذكر أحدها.
فإن قيل فهذا يرجع عليكم في الأكل لأن الأربعة كلها مأكولة ولو أراد الأكل لاكتفى بذكر أحدها قيل: ليس يلزمنا هذا؛ لأن الكيل في الأربعة لا يختلف والأكل فيها مختلف فالبر يؤكل في حال الاختيار والشعير يؤكل في حال الاضطرار، والتمر يؤكل حلواً والملح استطابه فلم يقتنع بذكر إحدى المأكولات لتفرده بإحدى الصفات.
والثاني: أن الكيل قد يختلف في المكيلان على اختلاف البلدان وتقلب الأزمان فالتمر يكال بالحجاز ويوزن بالبصرة والعراق، والبر يكال تارة في زمان ويوزن أخوى، والفواكه قد تعد في زمان وتوزن في زمان، فلم يجز أن يكون الكيل علة لأنها تقتضي أن يكون الجنس الواحد فيه الربا في بعض البلدان ولا ربا فيه في بعضها، وفي بعض الأزمان ولا ربا في غيرها، وعلة الحكم يجب أن تكون لازمة في البلدان وسائر الأزمان وهذا موجود في الأكل.
والثالث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الكيل علماً على الإباحة لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع البر بالبر إلا كيلاً بكيل فلم يجز أن يجعل الكيل علماً على الحظر.
ألا تراه لما جعل القبض قبل الافتراق علماً على الإباحة لم يجز أن يجعل علة في الحظر.
وتحريره قياساً أن ما سلم به من تحريم الربا لم يجز أن يكون علة للربا كالقبض قبل الافتراق.
فإن قيل: علة الحظر هي زيادة الكيل قيل: هذا قول بعض المتأخرين من أصحاب أبي حنيفة على أنه لما لم يجز أن يكون الكيل علة في الحظر لأنه علم على الإباحة، لم يجز أن يكون الكيل صفة في الحظر، لأنه علم على الإباحة أيضاً.
والرابع: أن الكيل موضوع لمعرفة مقادير الأشياء فلم يجز أن تكون علة الربا كالزرع والعدد.
والخامس: أن من جعل الكيل علة أخرج من المنصوص عليه ما لا يمكن كيله لقلته، فجوز بيع تمرة بتمرتين وكف طعام بكفين.
وكل علة أوجبت النقصان من حكم النص لم يجز استعمالها فيما عداه لأمرين: أحدهما: أن المعنى معقول الاسم فلم يجز أن يكون ما عقل عن الاسم رافعاً لموجب الاسم.

الجزء: 4 - الصفحة: 406

والثانى: أن استعمالها فيما عدا المذكور يوجب زيادة حكم، ومحال أن تكون علة واحدة توجب نقصان الحكم من المذكور والزيادة عليه لتضاد الموجبين.
لأن أحدهما إسقاط حكم ونفيه، والآخر إيجاب حكم وإثباته.
فإن قيل ما لا يمكن كيله غير مراد بالنص لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل.
فلما كان الاستثناء مكيلاً وجب أن يكون المستثنى منه مكيلاً لأن حكم المستثنى منه يجب أن يكون كحكم الاستثناء، فصار تقدير ذلك، لا تبيعوا البر المكيل بالبر المكيل إلا كيلاً بكيل، فعلم أن ما ليس بمكيل ولا يمكن كيله غير مراد بالنص.
فالجواب عنه من ثلاثة أوجه: أحدها: أن الاستثناء يجب أن يكون بعض المستثنى منه ولا يكون كل المستثنى منه.
ألا ترى أنه لو قال: جاءني الناس إلا بني تميم لم يقتض أن يكون كل الناس بني تميم فكذا إذا كان الاستثناء كيلاً لم يجز أن يكون كل المستثنى منه مكيلاً.
والثاني: أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر" عام في الحظر، وقوله إلا كيلاً بكيل خاص في الإباحة، وعلة الربا مستنبطة من الحظر لا من الإباحة، فاقتضى أن يكون ما أوجبته من حكم الحظر عاماً في القليل والكثير.
والثالث: أن قليل التمر والبر موصوف بأنه مكيل؛ لأن له حظاً في المكيال ألا ترى أنه لو احتاج وفاء المكيال إلى تمرة فتم بها تم الكيل وحل البيع.
فلولا أن التمرة مكيلة ما تم المكيال بها وهم أولى الناس بهذا القول.
لأنهم يقولون إن القدح العاشر بانفراده هو المسكر.
فكذلك التمرة الواحدة بانفرادها هي التي تم المكيال بها.
فإن قيل فيختص عموم الظاهر بالقياس فنقول: لأنه مما لا يكال ولا يوزن فوجب ألا يثبت فيه الربا كالثياب.
قلنا: نحن نعارضكم بقياس مثله فنقول.
ما ثبت الربا في كثيره ثبت في قليله كالذهب والورق.
ثم نقول: قياسكم لا يجوز أن يخص به الظاهر لأن أصله مستنبط منه والظاهر لا يجوز أن يكون مخصوصاً بعلة مستنبطة منه.
فصل فأما الجواب عن استدلالهم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء" وكذلك ما يكال ويوزن فهو أنها زيادة مجهولة لم ترد من طريق صحيح، وعلى أنها زيادة متأولة إذا كان ما يكال ويوزن مأكولاً أومشروباً بدليل نهيه عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلاً بمثل.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن ما أبيح من التساوي لا يعلم إلا بالكيل فوجب أن يكون الكيل علة الحكم.
فهو أن الكيل علم الإباحة وعلة الربا مستنبطة من الحظر فلم يجز أن يكون الكيل علة الحكم.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعليلهم بكونه مكيلاً جنساً يجمع حالتي البر صفة وقدراً فهو إن جاز أن يكون هذا دليلاً لأنه يجمع حالتي البر صفة وقدراً قابلناكم بمثله فقلنا: تعليلنا بكونه مطعوماً جنساً يجمع حالتي البر صفة وجنساً.
ثم يكون هذا الاستدلال أولى لأن الطعم ألزم صفة من الكيل فاقتضى أن يكون بالحكم أخص.
ولا يصح قولهم بأن الجنس صفة لأن الصفة ما اختصت بالموصوف، والجنس اسم مشترك يتناول كل ذي جنس فلم يصح أن يكون صفة.

الجزء: 4 - الصفحة: 407

وأما الجواب عن استدلالهم بأن الكيل متفق في المكيلات والأكل مختلف في المأكولات فكان التعليل بالمتفق أولى من التعليل بالمختلف.
فهو أن الأكل متفق وإنما صفة الأكل تختلف، كما أن الكيل وإن كان متفقاً وصفته قد تختلف فبعضه قد يكال بالصاع، وبعضه بالمد، وبعضه بالقفير، وبعضه بالمكوك ثم يقال: الكيل يختلف باختلاف البلدان والأكل لا يختلف فكان الأكل لاتفاق البلدان أولى أن يكون علة من الكيل المختلف باختلاف البلدان.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الطعم صفة آجلة والكيل صفة عاجلة فهو أن هذا القول فاسد، لأن البر موصوف بهذه الصفة، وإن كان يوجد بعد علاج وصنعة كما يوصف بأنه مشبع وإن كان لا يوجد إلا بعد استهلاكه بالأكل، كما يوصف الماء بأنه مروي وإن كانت صفته توجد بعد الشرب، ثم لو قيل إن الأكل أعجل صفة من الكيل لكان أولى، لأن الأكل ممكن مع فقد الآلة والكيل متعذر إلا بوجود الآلة.
وأما الجواب بأن زيادة الطعم قد توجد مع تساوي الكيل ولا تحريم ولا توجد زيادة الكيل مع تساوي الطعم إلا مع وجود التحريم فهو أن يقال: إنما يلزم هذا إذا وقع التسليم بأن التساوي يعتبر بالوزن تاماً، ونحن نقول إن التساوي يعتبر بالكيل.
فلا يلزم أن الطعم متساو فيهما وإن تفاضلا في الوزن.
كما لو تساويا في الوزن وتفاضلا في الكيل كانا متفاضلين وإن تساويا في الوزن على أنه لا يستمر على مذهبهم أن علة الربا زيادة الكيل، لأنهما لو تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام كان باطلاً للجهل بالتساوي وإن لم يعلم زيادة الكيل فلما كان الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل بطل أن يكون زيادة الكيل علة.
فصل فأما المذهب السابع وهو قول سعيد بن المسيب، والشافعي في القديم أن علة الربا مأكول مكيل أوموزون جنس احتجاجأ بأن المنصوص عليه يختص بصفتين: الأكل والكيل، وليست إحدى الصفتين أولى فاقتضى أن يكونا معاً علة الحكم، ولأن الربا إنما جعل في الأشياء التي يمكن استباحة بيع بعضها ببعض بكيل أو وزن فكان الكيل والوزن علة الحكم.
وهذا غير صحيح؛ لأننا قد أبطلنا فيما مضى أن يكون الكيل علة وسنبطل أن يكون الوزن علة، وإن لم يجز أن يكونا علة لم يجز أن يكونا وصفاً في العلة فثبت أن الأكل وحده علة.
فصل فإذا ثبت هذا فما عدا الذهب والفضة تنقسم ثلاثة أقسام: قسم فيه الربا على القولين معاً، وهو ما أكل أو شرب مما كيل أو وزن.
وقسم لا ربا فيه على القولين معاً وهو ما ليس بمأكول ولا مشروب كالثياب والحيوان والصفر والنحاس.
وقسم اختلف قوله فيه وهو ما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن كالرمان، والسفرجل، والبقول والخضر، فعلى قوله في القديم لا ربا فيه، لأنه علل ما فيه الربا لأنه مأكول أو مشروب مكيل أو موزون.
وعلى قوله في الجديد فيه الربا لأنه مطعوم جنس.
واختلف أصحابنا هل يثبت فيه الربا على قوله في الجديد بعلة الأصل أو بعلة الأشباه.
فمن متقدمي أصحابنا من قال: إنما جعل فيه الشافعي الربا على قوله في الجديد

الجزء: 4 - الصفحة: 408

بعلة الأشباه لأنه قال: وإنما حرمنا غير ما سمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المأكول المكيل والموزون لأنه في معنى ما سمى.
فجعل في المكيل والموزون الربا بعلة الأصل ثم قال بعد هذا؟ وما خرج من الكيل والوزن من المأكول والمشروب فقياسه على ما يؤكل ويكال أولى من قياسه على ما لا يكال ولا يؤكل، فجعل ملحقاً بالأصل من حيث الشبه.
وقال آخرون من أصحابنا: بل فيه الربا على الجديد بعلة الأصل لا من حيث الشبه وإنما قال الشافعي ما احتج به الأولون ترجيحاً للعلة.
والله تعالى أعلم.
فصل فأما علة الربا في الذهب والفضة فمذهب الشافعي أنها جنس الأثمان غالباً.
وقال بعض أصحابنا قيم المتلفات غالباً.
ومن أصحابنا من جمعهما وكل ذلك قريب.
وقال أبو حنيفة: العلة فيهما أنه موزون جنس فجعل علة الذهب والفضة الوزن كما جعل علة البر والشعير الكيل، ودلائله في المسألتين مشتركة ثم خص الاحتجاج في هذه المسألة بترجيح علته وإفساد علتنا.
واحتج لذلك بثلاثة أشياء: أحدهما: أن ثبوت الربا في الذهب والفضة مستفاد بالنص ولا فائدة في استنباط علة يستفاد منها حكم أصلها حتى لا يتعدى إلى غيرها والتعليل بالوزن متعد وبالأثمان غير متعد.
والثاني: أنه لو جاز تعليل الذهب والفضة بكونهما ثمناً وذلك غير متعد.
لجاز تعليلهما بكونهما فضة وذهباً، فلما لم يجز أن يعلل الذهب بكونه ذهباً ولا فضة بكونهما فضة لعدم التعدي لم يجز أن يعللا بكونهما ثمناً لعدم التعدي.
والثالث: أن التعليل بالأثمان منتقض في الطرد والعكس فنقض طرده بالفلوس، هي أثمان في بعض البلدان ولا ربا فيها عندكم.
ونقضه عكساً بأواني الذهب والفضة ليست أثماناً وفيها الربا، والتعليل بالوزن مستمر لا يعارضه نقض في طرد ولاعكس.
والدليل على صحة علتنا وفساد علته مع ما قدمنا من الدليل من قبله ثلاثة أشياء: أحدها: أن التعليل بالوزن يثبت الربا في الموزون من الصفر والنحاس والقطن والكتان، ولو ثبت فيه الربا بعلة الوزن كما ثبت في الذهب والفضة بهذه العلة لوجب أن يستوي حكم معموله ومكسوره في تحريم التفاضل فيه كما استوى حكم معمول الذهب والفضة ومكسوره في تحريم التفاضل فيه.
فلما جوزوا التفاضل في معمول الصفر والنحاس دون مكسوره وتبره حتى أباحوا بيع طشت بطشتين وسيف بسيفين ولم يجوزوا التفاضل في معمول الفضة والذهب، ومنعوا من بيع خاتم بخاتمين وسوار بسوارين دل على افتراقهما في العلة واختلافهما في الحكم ولو اتفقا في العلة لاستويا في الحكم فبطل أن يكون الوزن علة الحكم.
والثاني: أنه لو كان الوزن في الذهب والفضة علة يثبت بها الربا في موزون الصفر والنحاس لوجب أن يمنع من إسلام الذهب والفضة في الصفر والنحاس لاتفاقهما في علة الربا كما منع من إسلام الفضة في الذهب لاتفاقهما في علة الربا.
فلما جاز إسلام الذهب والفضة من الصفر والنحاس ولم يجز إسلام الفضة في

الجزء: 4 - الصفحة: 409

الذهب دل على افتراق للحكم بين الفضة والذهب وبين الصفر والنحاس في علة الربا فبطل أن يكون الوزن علة الربا.
وهذان الدليلان احتج بهما الشافعي رحمه الله في إبطال الوزن أن يكون علة الربا.
والثالث: أن الأصول مقررة على أن الحكم إذا علق على الذهب والفضة اختص بهما ولم يقس غيرهما عليهما.
ألا ترى أن الزكاة لما تعلقت بهما لم يتعد إلى غيرهما من صفر أو نحاس أو شيء من الموزونات ولما حرم الشرب في أواني الفضة والذهب اختص النهي بهما دون سائر الأواني من غيرهما.
كذلك وجب أن يكون الربا المعلق عليهما مختصاً بهما وأن العلة فيهما غير متعدية إلى غيرهما.
وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لا فائدة في استنباط علة ثبت حكمها بالنص من غير تعد فهو أن يقال: ليس يخلو هذا القول من أحد أمرين إما أن يكون إبطالاً لغير المتعدية، أو يكون علة لعدم الفائدة وهو الظاهر من الاستدلال، أو يكون إثباتاً لها علة وجعل غيرها إذا تعدت أولى منها.
فإن كان هذا إبطالاً لغير المتعدية أن تكون علة خالفناكم لأن غير المتعدية قد تكون عندنا علة فإن دعوا إلى الكلام فيها انتقلنا عن المسألة، ثم نقول: العلل أعلام نصبها الله تعالى للأحكام فربما أراد ببعضها التعدي فجعلها علماً عليه وربما أراد ببعضها الوقوف على حكم النص فجعلها علما عليه.
كما أنه جعل المتعدية تارة عامة وتارة خاصة.
كذلك جعلها تارة واقفة وتارة متعدية.
فإن قيل: فالواقفة غير متعدية فيجعل الحكم معلقاً بالنص دون المعنى كأعداد الركعات لما لم تكن متعدية المعنى لم يستنبط لها معنى لعدم الفائدة.
فالجواب أن الواقفة مفيدة والذي يستفاد بها أمران: أحدهما: العلم بأن حكمها مقصور عليها وأنها لا تتعدى إلى غيرها وهذه فائدة.
والثاني: أنه ربما حدث ما يشاركه في المعنى فيتعدى حكمه إليه.
فأما أعداد الركعات فغير معقول المعنى فلذلك لم يمكن استنباط علة منها.
فهذا الكلام عليهم إن أبطلوا العلة الواقفة.
وإن أثبتوها وجعلوا المتعدية أولى منها كان هذا مسلماً ما لم تبطل المتعدية بنقض أو معارضة وقد أبطلنا تعليلهم بالوزن من وجهين ذكرهما الشافعي ولولاهما لكان التعليل بالوزن أولى.
وأما الجواب عن قولهم بأن الاسم لما لم يكن علة لعدم تعديه.
فهو أن هذا رجوع إلى الكلام في إبطال العلة الواقفة وقد مضى على أن الاسم لم يجز أن يكون علة لأنه مستفاد قبل الاستنباط لا لما ذكره من عدم التعدي.
والعلة الواقفة مستفادة بعد الاستنباط فجاز أن يكون علة مع عدم التعدي.
وأما الجواب عما ذكروه من نقض علتنا في الطرد بالفلوس وفي العكس بالأواني فهو أن علتنا سليمة من النقض في الطرد والعكس لأنها جنس الأثمان غالباً، والفلوس وإن كانت ثمناً في بعض البلاد فنادو فلم الطرد، وأما العكس فلا ينتقض أيضاً بالأواني لأننا قلنا جنس الأثمان والأواني من جنس الأثمان وإن لم تكن أثماناً فسلمت العلة من النقص في الطرد والعكس.
وإذ قد انتهى الكلام بنا إلى هذا فسنذكر فصلاً من العلل وما يتعلق عليها ويصح بها القياس الذي يتضمنها والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 410

فصل اعلم أن القياس قياسان، قياس طرد وقياس عكس.
فأما قياس الطرد: فهو إثبات حكم الأصل في الفرع لاجتماعهما في علة الحكم.
وهذا أقوى القياسين حكماً، وليس يختلف أهل القياس في القول به.
وأما قياس العكس: فهو إثبات حكم نقيض حكم الأصل في الفرع باعتبار علته.
وهذا قد أثبته أكثر الفقهاء قياساً وإن خالفهم أكثر المتكلمين.
وقياس الطرد، لا يخلو من أربعة أشياء: من أصل، وفرع، وعلة، وحكم.
فأما الأصل فهو الذي يتعدى حكمه إلى غيره، وأما الفرع فهو الذي يتعدى إليه حكم غيره، وأما العلة فهي التي لأجلها ثبت الحكم.
وقيل الصفة الحالية للحكم، وأما الحكم فهو المنقسم إلى: الإباحة، والحظر، والوجوب، والندب، والكراهة، والاستحباب فالبر في الربا أصل، والأرز فرع، والأكل علة، والربا حكم.
ثم العلة والحكم لا بد من وجودهما في الأصل والفرع معاً غير أن العلم بوجودهما في الأصل أسبق من العلم بوجودهما في الفرع، والعلم بالحكم المعلق بالأصل أسبق من العلم بعلة الحكم في الأصل، لأن العلة تعلم بعد الاستنباط لها والحكم متقدم على الاستنباط.
والعلم بالعلة في الفرع أسبق من العلم بحكم الفرع بخلاف الأصل.
لأن بوجود العلة في الفرع يعلم حكم الفرع، وبوجود الحكم في الأصل يعرف علة الأصل.
ثم لا يخلو حال الحكم في الأصل من أن يكون مستفاداً من ثلاثة أوجه: من نص أو إجماع أو قياس على أصل آخر.
فإن كان الحكم مستفاداً من نص أو إجماع، كان المنصوص عليه أصلاً بذاته فيجب حينئذ استنباط علته وتعليق حكمه على فروعه.
وإن كان الحكم مستفاداً من قياس على أصل آخر فلا يخلو حاله من أحد أمرين: إما أن يكون الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بمثل العلة التي يثبت بها الحكم في هذا الفرع أو يكون الحكم قد ثبت فيها بعلة أخرى.
فإن كان قد ثبت الحكم في الأصل بمثل العلة المستنبطة منه لم يثبت الحكم في هذا الفرع.
مثاله: أن تقيس الذرة على الأرز بعلة الأكل، والأرز قد ثبت فيه الربا فهذه العلة قياساً على البر.
فإن كان هكذا لم يجز جعل هذا أصلاً وكان هذا الأصل مع ما ألحق به فرعين على الأصل الأول.
فجعل الذرة والأرز فرعين على البر المنصوص عليه لوجود علة البر فيهما على سواء، وليس جعل الأرز المقيس على البر أصلاً للذرة بأولى من جعل الذرة أصلاً للأرز لاستوائهما فرعاً للآخر.
وإن كان الحكم قد ثبت في ذلك الأصل بعلة ورد الفرع إليه بعلة أخرى مستنبطة منه غير تلك العلة فقد اختلف أصحابنا في جواز ذلك.
فقالت طائفة لا يجوز ومنعوا منه، لأن الفرع إنما يرد إلى الأصل إذا شاركه في علة حكمه، وعلة هذا الأصل التي ثبت بها حكمه هي علة أخرى لا توجد في الفرع الثاني وهذا مذهب من منع من القول بالعلتين.

الجزء: 4 - الصفحة: 411

وقالت طائفة أخرى بجواز ذلك لأن العلة التي ثبت بها الحكم في الأصل هي كالنص في أنها طريق الحكم وليس يمتنع أن يعلم بالدليل أن لعلة أخرى تأثيراً في ذلك الحكم فيرد بها بعض الفروع إليه، وهذا مذهب من أجاز القول بالعلتين.
فصل فإذا ثبت حكم الأصل من أحد هه الوجوه الثلاثة وجب على القياس اعتبار علة الحكم في الأصل لتحريها في الفرع.
وقد يعلم علة الأصل من أحد ثلاثة أوجه أيضاً.
أحدها: النص الصريح.
والثاني: التنبيه.
والثالث: الاستنباط.
وأما النص الصريح فنحو قوله تعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور:31].
ونحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما نهيتكم لأجل الدافة".
فنص على العلة كما نص على الحكم.
وأما التنبيه.
فمثل ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه امتنع من الدخول على قوم عندهم كلب ودخل على آخرين وعندهم هرة، وقال: إنها ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات.
فنبه بذلك على نجاسة الكلب لأنه ليس من الطوافين والطوافات.
وفي معنى التنبيه الجواب بالفاء نحو قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً﴾ [المائدة:38].
فنبه بذلك على أن علة القطع السرقة.
وأما الاستنباط فهو ما ورد النص بإطلاق حكمه من غير إشارة إلى علته ووكل العلماء إلى اجتهادهم في استنباط علته كالستة الأشياء التي نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ثبوت الربا فيها.
فاجتهد الفقهاء في استنباط معناها.
وهذا النوع إنما يمكن استنباط علته بعد العلم بالدليل على صحة العلة ليعلم به العلة الصحيحة التي يجوز تعليق الحكم بها من العلة الفاسدة التي لا يجوز تعليق الحكم فيها.
وقد اختلف أصحابنا في الشروط الدالة على صحة العلة.
فقال بعضهم هي أربع: وجود الحكم بوجودها، وارتفاعه بارتفاعها، وسلامتها على الأصول، وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها فجعل الطرد والعكس شرطين من شروط صحتها.
وقال آخرون هي ثلاثة شروط: وجود الحكم بوجودها، وسلامتها على الأصول وعدم ما يعارضها مما هو أولى منها.
فجعل هذا القائل الطرد شرطاً ولم يجعل العكس شرطاً.
وقد اختار هذا القول ابن أبي هريرة وزعم أن العلل الشرعية لا يستمر في جميعها الطرد والعكس، وإنما يستمر في العلل العقليات.
وقال الأولون: بل هذا الشرط مستمر في الشرعيات أيضاً ما لم يخلف تلك العلة علة أخرى توجب مثل حكمها، وهذا أصح المذهبين عندي لأن العلة إذا كانت موجبة بحكم واقتضت أن يكون الحكم بوجودها موجوداً لزم أن يكون الحكم بعدمها وما ليقع الفرق بين وجودها وعدمها.
والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 412

فصل فأما فساد العلة فقد يكون من أحد ثمانية أوجه.
بعضها متفق عليه وبعضها مختلف فيه.
فأحدها: التعليل بالاسم وهو على ضربين: أحدهما: أن يكون اسماً مشتقاً من فعل كعاقد وقاتل ووارث فيجوز أن يكون علة.
والثاني: أن يكون اسم لقب فهذا على ضربين: أحدهما: أن يعلل تحريم الخمر، لأن العرب سمته خمراً.
فهذا تعليل فاسد، لأنه يبعد أن يكون لتسمية العرب مع تقدمه على الشرع تأثيراً في تحريم الخمر.
والثاني: أن يعلل تحريمه بجنسه ويعبر عن الجنس باسمه فيعلل تحريمه بكونه خمراً فهذا جائز.
لأنه لما جاز التعليل بالصفة جاز التعليل بالجنس فيجوز أن تقول في نجاسة بول ما يؤكل لحمه، لأنه بول فوجب أن يكون نجساً قياسا على بول الآدمي.
والثاني: اختلاف الموضوع.
وهو أن يكون أحد الحكمين مبنياً على التخفيف، والحكم الآخر مبنياً على التغليظ فيجمع بينهما بعلة توجب حكماً آخر.
فقد اختلف أصحابنا هل يكون اختلاف موضوعهما مانعاً من صحة الجمع بينهما؛ فقال بعضهم: يكون هذا مفسداً للعلة مانعاً من صحة الجمع لأن الجمع بينهما يوجب تساوي حكمهما، واختلاف موضوعهما يوجب التفريق بينهما.
وقال آخرون: لا يمنع ذلك من صحة الجمع ولا يوجب فساد العلة لأنه يجوز أن يكون الفرع مساوياً لأصله في حكم وإن خالفه في غيره لأن أحكامهما من كل وجه متعذر.
والوجه الثالث من وجوه الفساد عدم التأثير.
وهو أن يضم المعلل إلى أوصاف علته وصفاً لو عدمته العلة في الأصل لم يعدم الحكم.
ففسد بذلك أن يكون مجموع تلك الأوصاف علة ووجب إسقاط الوصف الذي لا يؤثر علته في الأصل.
لأنه لو جاز أن يجعل من أوصاف العلة ما لا يضر فقده في الحكم إثبات ما لا نهاية له من الأوصاف.
والرابع: الكسر.
وهو أن يكون الوصف المزيد في علة الأصل احترازاً من انتقاضها بفرع من الفروع فلا يجوز ضم هذا الوصف إليها وتصير العلة منتقضة على قول جمهور أصحابنا، لأن علة الأصل يجب أن يتقدم العلم بصحتها ثم يجري في فروعها.
فإن لم يؤثر وصف منها في فساد العلة وهذا الوجه مؤلف من عدم التأثير والنقض.
والخامس: القلب.
وهو أن يعلق بعلة الأصل نقيض حكمها مثاله: أن يعلل الحنفي وجوب الصيام في الاعتكاف بأنه لبث في مكان مخصوص فوجب أن يكون من شرطه اقتران معنى آخر إليه.
أصله الوقوف بعرفة: فنقلب هذا القياس عليه ونقول لأنه لبث في مكان مخصوص فوجب ألا يكون من شرطه الصوم كالوقوف بعرفة فيكون هذا فساداً للعلة.
ولك في هذا المثال أن تمنع العلة.
والسادس: وهو القول بموجب العلة وهو أن تقول أنا أضم إليه معنى آخر وهو النية فيكون هذا قولاً بموجب العلة.
وهذا إنما يختص بالحكم إذا كان مجملاً ويصير النزاع

الجزء: 4 - الصفحة: 413

في الحكم مانعاً من العلة أن تكون موجهة لما ادعاه من الحكم.
والسابع: النقض ويكون بحسب العلة.
والعلل ضربان.
علة نوع، وعلة جنس.
فأما علة النوع فمثل تعليل البر لثبوت الربا فيه بأنه مطعوم.
وأما علة الجنس فمثل تعليل جنس الربا بأنه مطعوم.
فإن كان التعليل لنوع.
كان نقض العلة فيه بوجودالعلة مع ارتفاع الحكم فإذا وجد مطعوم ليس فيه ربا كان نقضاً.
ولا ينتقض بوجود الربا فيما ليس بمعلوم من الذهب والورق.
وإن كان التعليل للجنس كتعليل جنس الربا بأنه مطعوم انتقضت هذه العلة من وجهين: أحدهما: وجود العلة مع ارتفاع الحكم حتى إن كان مطعوماً لا ربا فيه كان نقضاً.
والثاني: وجود الحكم مع ارتفاع العلة حتى إذا ثبت الربا فيما ليس بمطعوم من الذهب والورق كان نقضاً، ومتى كان الحكم جملة لم ينتقض بالتفصيل ومتى كان مفصلاً انتقض بالجملة والتفصيل.
وقد يحترز من النقض إذا كان بوجود العلة وارتفاع الحكم بأحد وجهين: إما احتراز بحكم ثبت في الأصل، وإما احتراز بشرط مقيد بالحكم فإن كان الاحتراز بحكم ثبت في الأصل مثاله: تعليل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم كالمسلمين.
فإذا نوقض بقتل الخطأ وعدم القود فيه قال: قد احترزت من هذا النقض بالرد إلى المسلمين، فإن القود بينهما يجري في العمد دون الخطأ فكذا في الفرع.
وهذا الجواب ليس بصحيح والنقض لازم لأن العلة هي المنطوق بها والحكم ما صرح به، والنقض يتوجه إلى المظهر دون المضمر.
وإن كان الاحتراز بشرط فقيد بالحكم.
فمثاله: إذا علل الحنفي قتل المسلم بالذمي بأنهما حران مكلفان محقونا الدم، أن يقول: فوجب أن يثبت القصاص في العمد.
فقد اختلف أصحابنا: هل يكون هذا الاحتراز مانعاً من النقض؟ فقال بعضهم: لا يمنع هذا الاحتراز من النقض ويكون هذا اعترافاً ينقض العلة، لأن العلة ما استقلت بالذكر وكانت هي المؤثرة في الحكم وهذه العلة لا تؤثر إلا بشرط يقترن بالحكم.
وقال آخرون بل هذا الاحتراز مانع من النقض والعلة صحيحة لأن الشرط المذكور في الحكم وإن كان متأخراً في اللفظ فهو متقدم في المعنى.
والوجه الثامن: المعارضة.
وقد تكون من وجهين: أحدهما: بالنص.
والثاني: بعلة فأما معارضة العلة بالنص فينظر حال النص، فإن كان غير مجمل كانت العلة التي عارضته فاسدة.
لأن النص أصل مقدم والقياس فرع مؤخر.
وإن كان النص مجملاً جاز تخصيصه بالقياس إن كان جلياً، وفي جواز تخصيصه بالقياس إن كان خفياً.
وجهان.
وأما معارفة العلة بعلة فضربان: أحدهما: المعارضة في علة الأصل.
والثاني: المعارضة بقياس آخر مع تسليم علة الأصل، فإن كانت المعارضة في علة الأصل نظر في المعلل فإن كان ممن لا يقول بالعلتين لم تسلم له العلة إلا أن يدل على

الجزء: 4 - الصفحة: 414

صحتها أو على فسادها ما عارضها مثل تعليل الحنفي البر بأنه مكيل فيعارض الشافعي في علة البر بأنه مطعوم فلا نسلم التعليل بالكيل إلا أن يدل على صحته وفساد ما عارضه.
وإن كان المعلل ممن يقول بالعلتين نظر في الحكمين فإن كانا متنافيين لم تسلم العلة بالمعارضة إلا بالدليل على صحتها أو فساد ما عارضها.
وإن لم يتناف الحكمان فقد قيل لا تمنع المعارضة من صحة العلة وللمعلل أن يقول: أقول بالعلتين معاً.
وقيل: بل هذه المعارضة مانعة من صحة العلة حتى يدل على أن علته هي التي أوجبت الحكم الذي ادعاه ثم يصح حينئذ قوله بالعلتين.
وأما معارضة القياس بقياس أخر فمانع من صحة القياس أيضاً سواء قال المعلل بالعلتين أو لم يقل.
لأنه ليس رد الفرع إلى أحد الأصلين بأولى من رده إلى الأصل الآخر إلا أن يترجح أحد القياسين على الآخر بأحد ثلاثة أوجه.
إما بما يرجع إلى أصله وإما بما يرجع إلى حكمه وإما بما يرجع إلى علته فيكون القياس المترجح بأحد هذه الوجوه أولى.
فصل وإذا ثبت أن صحة العلة وفسادها يعتبر بما وصفنا فينبغي للمعلل إذا أراد أن يستنبط علة الأصل المنصوص على حكمه أن يعتبر أوصاف الأصل وصفاً بعد وصف فإن كان الوصف الذي بدأ باعتباره مطرداً على الشروط المعتبرة علم أنه العلم الذي جعله الله تعالى علة الحكم.
وإن لم يطرد واعترضه أحد وجوه الفساد انتقل إلى وصف ثان فإذ وجده مطرداً علم أنه علة الأصل، وإن لم يطرد انتقل إلى وصف ثالث فاعتبره كذلك حتى يأتي على جميع الأوصاف فإذا سلم له أحدها جعله علة الحكم.
فلو سلم له وصفان وصح تعليق الحكم على كل واحد منهما لاطراده على الأصول، لم يجز تعليق الحكم بهما لكن يقع الترجيح بينهما فماذا ترجح أحد الوصفين بعمومه وكثرة فروعه أو بأحد الوجوه التي يكون بها ترجيح العلل علم أن الوصف الذي ترجح هو علة الحكم دون غيره، ولو كانت أوصاف الأصل حين اعتبر بها لا يطرد واحد منها على الأصول ضممت أحد الأوصاف إلى الآخر فإذا صلح لك اجتماع وصفين مطردين جعلتهما معاً علة الحكم.
وإن لم يطرد الوصفان باجتماعهما ضممت إليهما وصفاً ثالثاً، فإذا وجدتها مطردة جعلتها مجموعها علة الأصل، وإن لم تطرد باجتماعها ضممت إليها رابعاً، ثم خامساً ثم سادساً ولا ينحصر بعد ذلك إلى أن ينتهي إلى أن يجمع أوصاف الأصل كله ويقتصر بالعلة على نفس الأصل المنصرص على حكمه كما قلنا في علة الذهب والفضة أنه لما لم يكن يصح تعليق الحكم على أحد أوصافها انتهى بنا التعليل إلى الاقتصار على نفس المنصوص عليه وقلنا: إن علتهما كونهما أثماناً وقيماً.
ومنع أبو حنيفة من هذا بمنعه من العلة الواقعة.
ومع بعض أصحابنا من الزيادة على خمسة أوصاف وهذا فاسد، لأنه لا نجد فرقأ بين الخمسة وبين ما زاد عليها أو نقص منها.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يجوز أن يسلف شيئاً بما يكال أو يوزن من

الجزء: 4 - الصفحة: 415

المأكول والمشروب في شئ، منه وإن اختلف الجنسان جازا متفاضلين يداً بيد قياساً على الذهب الذي لا يجوز أن يسلف في الفضة والفضة التي لا يجوز أن تسلف في الذهب".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
وجملته أن الرجلين إذا تبايعا لم يخل ما يضمنه عقد بيعهما عوضاً ومعوضاً من أربعة أقسام: أحدها: أن يكون العوضان مما لا ربا فيه فلا بأس ببيعه نقداً ونساء متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا من جنسين كبيع ثوب بعبد، أو كانا من جنس واحد كبيع ثوب بثوبين، وعبد بعبدين.
والثاني: أن يكون في أحد العوضين الربا دون الآخر كبيع عبد بدراهم أو ثوب بطعام فهذا كالقسم الذي قبله يجوز العقد عليهما نقداً ونساء، ويجوز أن يسلم أحدهما في الآخر.
والثالث: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلتين مختلفتين كالبر بالذهب أو الشعير بالفضة فهذا كالقسمين الماضيين في جواز العقد عليهما نقداً ونساء وإسلام أحدهما في الآخر.
والرابع: أن يكون العوضان مما فيه الربا بعلة واحدة كالبر بالشعير أو بالبر، والذهب بالفضة أو بالذهب، فلا يجوز إسلام أحدهما في الآخر لاشتراكهما في العلة.
ثم ينظر في حال العوضين فإن كانا من جنس واحد كالبر بالبر أو الشعير بالشعير فلا يصح بيعهما إلا بشرطين: التساوي، والتقابض قبل الافتراق.
وقال أبو حنيفة يصح وإن تفرقا قبل القبض وقد مضى الكلام معه.
وإن كان العوضان من جنسين كالبر بالشعير، أو التمر بالزبيب فبيعه معتبر بشرط واحد وهو التقابض قبل الافتراق، والتفاضل فيه يجوز وقد مضى في هذا المعنى ما يغني.
والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وكل ما خرج من المأكول والمشروب والذهب والفضة فلا بأس ببيع بعضه ببعض متفاضلاً إلى أجل وإن كان من صنف واحد".
قال في الحاوي: قد تقرر بما تمهد من علتي الربا أن ما عدا المأكول والمشروب والذهب والفضة لا ربا فيه كالصفر والنحاس والثياب والحيوان، فلا بأس أن يباع الجنس منه بغيره أو بمثله عاجلاً وآجلاً، ومتفاضلاً، فيجوز أن يبيع ثوباً بثوبين وعبداً بعبدين وبعيراً ببعيرين نقداً ونساء.
وقال أبو حنيفة: الجنس يمنع من النساء متفاضلاً ومتماثلاً، فلا يجوز بيع الثياب بالثياب نساء، ولا بيع الحيوان بالحيوان نساء.
استدلالاً برواية قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة.
وروى أبو الزبير عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحيوان واحد باثنين لا بأس به يداً بيد ولا خير فيه إنساء".
ولأنه بيع جنس فلم يجز دخول النساء فيه كالبر.
ولأن الجنس أحد صفتي علة الربا

الجزء: 4 - الصفحة: 416

لأن علة الربا على قول الشافعي مطعوم جنس وعلى قول أبي حنيفة مكيل جنس، وإذا كان الجنس أحد صفتي علة الربا لم يجز دخول النساء فيه كالطعم أو الكيل.
وتحريره قياساً أن ما كان وصفاً في علة الربا كان مانعاً من دخول النساء كالكيل.
والدلالة على خطأ هذا القول ما روي عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يجهز جيشاً ففرت الإبل فأمره أن يأخذ من قلاص الصدقة.
فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة.
رواه أبو داود في سننه.
وروى الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر قال: جاء عبد فبايع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الهجرة ولا يشعر النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه عبد فجاء سيده يريده، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - بعنيه فاشتراه بعبدين أسودين ثم لم يبايع أحداً بعد حتى يسأله أعبد هو.
رواه الشافعي في الأم.
وقد روي جواز ذلك عن علي وابن عمر رضي الله عنهما.
فروي عن علي رضي الله عنه أنه باع جملاً له يقال له العصيفير بعشرين جملاً إلى أجل.
وروي عن ابن عمر أنه باع بعيراً بأربعة أبعرة مضمونة بالربذة.
وليس لهما في الصحابة مخالف فكان إجماعاً.
ولأن كل عقد صح اشتراط الخيار فيه، صح دخول الأجل فيه، كالجنين من حيوان وثياب.
ولأن كل جنس جاز دخول التفاضل فيه جاز دخول الأجل فيه كالثياب المروية بالهروية.
فإن قيل: "الهروي والمروي" جنسان فلذلك جاز دخول الأجل فيهما قيل: جنسهما واحد.
ألا ترى أنه لو باعه ثوباً على أنه هروي فبان أنه مروي، كان البيع جائزاً وله الخيار، ولو كان من غير جنسه لبطل البيع، كما لو باعه ثوباً على أنه قطن فبان أنه كتان، كان البيع باطلاً لأنهما جنسان.
ولأن الربا قد يثبت في الجنس من وجهين: التفاضل، والأجل.
فلما كان التفاضل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً وجب أن يكون الأجل في جنس ما لا ربا فيه جائزاً.
وتحرير ذلك قياساً: أنه أحد نوعي الربا فوجب ألا يحرم فيما ليس فيه ربا كالتفاضل.
وأما الجواب عن خبري سمرة، وجابر، فهو أن يحمل النهي على دخول الأجل في كلا العوضين، وذلك عندنا غير جائز.
وأما قياسهم على البر بالبر فالمعنى تحريم التفاضل فيه، فذلك حرم الأجل، وليس كذلك في مسألتنا.
وأما استدلالهم بأنه أحد صفتي الربا كالكيل، فالمعنى في الكيل أنه إذا علق به تحريم الأجل، اختص ذلك بما فيه الربا، وإذا علق بالجنس عم ما فيه الربا وما لا ربا فيه، ولا يجوز أن يسوى بين ما فيه الربا، وبين ما لا ربا فيه في أحد نوعي الربا.
ولله أعلم.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "فلا بأس أن يسلف بعيراً في بعيرين أريد بهما الذبح أو لم يرد ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين إذا دفع العاجل ووصف الآخر.

الجزء: 4 - الصفحة: 417

قال في الحاوي: قد مضى الكلام في جواز بيع الحيوان بالحيوان نساء، فعلى هذا يجوز أن يسلم بعيراً في بعيرين وأكثر.
وقوله: أريد بهما الذبح أو لم يرد إنما عنى به مالكاً حيث منع من بيع بعير ببعيرين أو بعير إذا أريد بهما الذبح أو بأحدهما، والمراد للذبح أن يكون كسيراً أو حطيماً.
استدلالاً بأن ما لا يصلح إلا للذبح يجري في الحكم مجرى اللحم، وبيع اللحم بالحيوان لا يجوز.
والدلالة على خطأ هذا القول وجواز هذا البيع صح ما تقدم من عموم الظواهر الدالة أن كل حيوان جاز بيع بعضه ببعض صحيحاً، جاز بعضه ببعض كسراً كالعبد الصحيح بالعبد الزمن.
ولأنه حيوان فجاز بيع بعضه ببعض كالصحيح.
ولأن كسير الحيوان في حكم الصحيح في تحريم أكله حتى يستباح بالزكاة فوجب أن يكون كالصحيح في جواز بيعه.
وبهذا ينكسر ما استدل به.
وأما قول الشافعي.
ورطل نحاس برطلين وعرض بعرضين.
فلأن ما لا ربا فيه يجوز فيه التفاضل والنساء معاً.
وقوله: إذا دفع العاجل ووصف الآجل فلأن السلم لا يصح إلا بهذين الشرطين.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما أكل أو شرب مما لا يكال ولا يوزن فلا يباع منه يابس برطب قياساً عندي على ما يكال ويوزن مما يؤكل أو يشرب وما يبقى ويدخر أو لا يبقى ولا يدخر وكان أولى بنا من أن نقيسه بما يباع عدداً من غير المأكول من الثياب والخشب وغيرها ولا يصلح على قياس هذا القول رمانة برمانتين عداً ولا وزناً ولا سفرجلة بسفرجلتين ولا بطيخة ببطيختين ونحو ذلك ويباع جنس منه بجنس من غيره متفاضلاً وجزافاً يداً بيد ولا بأس برمانة بسفرجلتين كما لا بأس بمد حنطة بمدين من تمر ونحو ذلك".
قال في الحاوي: اعلم أن المأكولات كلها ضربان.
ضرب استقر في العرف كيله أو وزنه فهذا فيه الربا على قوله في القديم والجديد معاً.
وضرب استقر في العرف أنه غير مكيل ولا موزون كالرمان والسفرجل، والبطيخ، والقثاء، والبقول، فعلى قوله في القديم: لا ربا فيه ويجوز بيع بعضه ببعض متفاضلاً ومتماثلاً، رطباً ويابساً، عاجلاً وآجلاً وعلى قوله في الجديد فيه الربا.
فعلى هذا يمنع من التفاضل والنساء في الجنس الواحد منه.
ثم لا يخلو حال ما كان رطباً من المأكولات من الفواكه والبقول من أحد أمرين: إما أن يكون أغلب منافعها في حال يبسها وادخارها كالرطب الذي يصير تمراً، والعنب الذي يصير زبيباً، فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد منه رطبه بيابسه، كما لا يجوز بيع التمر بالرطب حتى إذا صار يابساً مدخراً بيع بعضه ببعض يداً بيد.
وإما أن يكون أغلب منافعه في حال رطوبته كالرمان والسفرجل والبطيخ والبقول فقد اختلف أصحابنا في جواز بيع بعضه ببعض رطباً.

الجزء: 4 - الصفحة: 418

فذهب أبو العباس إلى جواز بيع بعضه ببعض رطباً إذا اعتبر فيه التماثل بالكيل والوزن إلحاقاً باللبن الذي يجوز بيع بعضه ببعض قبل الادخار واليبس لأن أغلب منافعه في حال رطوبته.
وذهب جمهور أصحابنا وهو الظاهر من منصوص الشافعي إلى أنه لا يجوز بيعه رطباً برطب ولا يابساً برطب حتى يصير يابساً مدخراً.
لأن بعضه إذا يبس مختلف، والاعتبار فيه بالمنفعة وخالف الألبان والمائعات من الأدهان لأنها لا تيبس بأنفسها.
وكان أبو علي بن أبي هريرة يجعل مذهب أبي العباس قولاً للشافعي ويخرج المسألة على قولين: أحدهما: جواز ذلك وهو المحكي عن أبي العباس تعلقاً بأن الشافعي قال هي موضع من كتاب البيوع.
ولا يجوز بيع البقل المأكول من صنفه إلا مثلاً بمثل فعلى هذا القول يعتبر فيه المماثلة: فإن كان ما يتجافى في المكيال كالبطيخ والرمان اعتبرت فيه المماثلة بالوزن، وإن كان مما لا يتجافى في المكيال كالنبق والعناب ففيه وجهان.
أحدهما: أنه يعتبر فيه المماثلة بالكيل؛ لأنه المنصوص عليه في كتاب الأصل.
والثاني: وهو الصحيح من المذهب والمشهور من قول الشافعي: إن بيع ذلك رطباً لا يجوز بجنسه فعلى هذا لا يجوز أن تباع رمانة برمانتين لظهور التفاضل، ولا رمانة برمانة لعدم التماثل لكن يجوز بيع رمانة بسفرجلتين يداً بيد لاختلاف الجنسين.
فصل فأما ما يكون مأكوله في جوفه كالجوز واللوز فلا يجوز بيع بعضه ببعض عدداً، ولا كيلاً، ولا وزناً لأن المقصود منه اللب، والقشر يختلف.
فإذا خرج عن قشره حتى صار لباً فرداً جاز بيع بعضه ببعض كيلاً إن كان مكيلاً ووزناً إن كان موزوناً، فأما مع اختلاف الجنسين فلا بأس به وإن كان في قشره.
وهذا نص الشافعي.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وما كان من الأدوية هليلجها وبليلجها وإن كانت لا تقتات فقد تعد مأكولة ومشروبة فهي بأن تقاس على المأكول والمشروب للقوت، لأن جميعها في معنى المأكول والمشروب لمنفعة البدن أولى من أن تقاس على ما خرج من المأكول والمشروب من الحيوان والثياب والخشب وغيرها".
قال في الحاوي: واعلم أن المأكولات قد تختلف جهات أكلها على أنواع ستة: أحدها: ما يؤكل قوتاً كالبر والشعير، ويتبع هذا النوع التمر والزبيب.
والثاني: ما يؤكل إدماً كالزيتون والبصل وقد يلحق بهذا النوع الألبان والأدهان.
والثالث: ما يؤكل إبزاراً كالكمون والفلفل، وقد يدخل في هذا النوع الملح.
والرابع: ما يؤكل تفكهاً كالرمان والسفرجل.
وقد يضاف إلى هذا النوع الخضر.
والخامس: ما يؤكل حلواً كالسكر والعسل.
والسادس: ما يؤكل دواء كالإهليلج والبليلج فيجري الربا في جميعها حتى يجمع بين السقمونيا والبر في حصول الربا فيهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 419

وإن كان البر يؤكل قوتاً عاماً والسقمونيا تؤكل دواء نادراً لوجود علة الربا فيهما على سواء.
فما كان من هذه المأكولات مكيلاً أو موزوناً ثبت فيه الربا على العلتين معاً وما كان منه غير مكيل ولا موزون ثبت فيه الربا على علته في الجديد دون القديم وعليه يقع التفريع، وأما ما كان مأكول البهائم كالحشيش والعلف فلا ربا فيه لأن التعليل بالأكل متوجه إلى أكل الآدميين دون البهائم.
فأما ما يشترك في أكله الآدميون والبهائم فالواجب أن يعتبر فيه أغلب حالتيه.
فإن كان الأغلب منهما أكل الآدميين ففيه الربا اعتباراً بأغلب حالتيه كالشعير الذي قد يشترك في أكله الآدميون والبهائم وأكل الآدميين له أغلب فثبت فيه الربا وإن كان الأغلب من حالتيه أكل البهائم فلا ربا فيه كالعلف الرطب الذي قد ربما أكله الآدميون عند تقديمه.
وإن استوت حالتاه فكان أكل البهائم له كأكل الآدميين من غير أن تكون إحدى الحالتين أغلب.
فقد اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا ربا فيه لأن الصفة لم تخلص.
والثاني: فيه الربا وهو الصحيح لوجود الصفة وحصول الزيادة.
فصل وإذا تقرر هذا الأصل فسنوضحه بالتفريع عليه وذكر ما اختلف أصحابنا فيه.
اعلم أن الريحان، والنيلوفر، والنرجس، والورد، والبنفسج، لا ربا فيها.
لأنها قد تتخد مشمومة إلا أن يريب شيء منها بالسكر أو بالعسل كالورد المعمول جلجبين فيصير فيه الربا لأنه صار مأكولاً.
واختلف أصحابنا في ماء الورد.
هل فيه الربا أم لا على وجهين: أحدهما: لا ربا فيه اعتباراً بأصله.
والثاني: فيه الربا لأنه قد يستعمل في الطعام مأكولاً.
فأما العود، والصندل، والكافور، والمسك، والعنبر.
فلا ربا في شيء منها، لأنها طيب غير مأكول.
وأما الزعفران ففيه وجهان: أحدهما: لا ربا فيه لأن المبتغى منه لونه كالعصفر.
والثاني: فيه الربا لأنه مأكول وطعمه مقصود.
فأما الأترج والليمون والنارنج ففيه الربا؛ لأنه وإن كان طيباً ذكياً فهو مأكول والأكل أغلب حالتيه.
فأما العشار والأشج فلا ربا فيهما وكذلك الشيح لأنها تستعمل بخوراً.
وأما اللبان والعلك ففيهما الربا، لأن الأكل أغلب حالتيهما، وكذلك المصطكى.
وأما اللوز المر والحبة الخضراء والبلوط ففيها الربا، لأنها مأكولة وإن كانت مباحة النبت، وكذلك القثاء وحب الحنظل.
فأما القرطم وحب الكتان ففيهما وجهان: أحدهما: أن فيهما الربا لأنهما قد يؤكلان.
والثاني: وهو أصح أنه لا ربا فيهما لأن الأغلب من أحوالهما عدم الأكل وإن أكلا

الجزء: 4 - الصفحة: 420

نادراً.
وأما الطين فإن كان أرمنياً ففيه الربا؛ لأنه يؤكل دواء وكذلك إن كان مختوماً.
وإن كان من غير الأدوية كالطين الذي قد ربما أكله بعض الناس شهوة فلا ربا فيه لأن أكله ممنوع منه فصار أكله كأكل التراب.
فأما الأدوية التي لا تؤكل وإنما تستعمل من خارج البدن طلاء أو ضماداً، فلا ربا فيها لفقد الصفة.
واختلاف أصحابنا في الصمغ فأثبت بعضهم فيه الربا ونفى عنه بعضهم الربا لأنه طلاء.
وأما البذور التي لا تؤكل إلا بعد نبتها كبذر الجزر والبصل والفجل والسلجم ففيها وجهان: أحدهما: فيها الربا لأنها فرع لمأكول وأصل لمأكول.
والثاني: لا ربا فيها لأنها غير مأكولة في أنفسها فجرت مجرى العجم والنوى الذي لا ربا فيه.
وإن كان فرعاً لمأكول وأصلاً لمأكول.
والوجه الأول أصح، بخلاف النوى، لأن النوى لا يؤكل بحال، وهذه البذور تؤكل، وإنما يؤخر أكلها طلباً لإكمال أحوالها كالطلح والبلح.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وأصل الحنطة والتمر الكيل فلا يجوز أن يباع الجنس الواحد بمثله وزناً بوزن ولا وزناً بكيل لأن الصاع يكون وزناً أرطالاً وصاع دونه أو أكثر منه فلو كيلا كان صاع بأكثر من صاح كيلاً".
قال في الحاوي: وهذا كما قال.
كل شيء فيه الربا إذا بيع بجنسه فالاعتبار في تماثله بالكيل والوزن عادة أهل الحجاز في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن كان بالحجاز في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيلاً، كان أصله الكيل، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا كيلاً.
وما كان موزوناً كان أصله الوزن، فلا يجوز أن يباع بعضه ببعض إلا وزناً، ولا اعتبار بعادة غير أهل الحجاز ولا بما أحدثه أهل الحجاز بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال مالك: يجوز أن يباع ما كان مكيلأً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزناً بوزن، كالتمر الذي قد جرت عادة أهل البصرة ببيعه وزناً، ولا يجوز أن يباع ما كان موزوناً كيلاً بكيل.
وقال أبو حنيفة: أما الأربعة المنصوص عليها فلا يجوز بيع بعضها ببعض إلا كيلاً بكيل.
ولا اعتبار بما أحدثه الناس من بعد، وأما ما سوى الأربعة فالاعتبار فيها بعادة الناس في بلدانهم وأزمانهم ولا اعتبار بالحجاز ولا بما كان في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأما مالك فاستدل على ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه "نهى عن بيع البر بالبر إلا مثلاً بمثل".
والتماثل معلوم بالوزن كما هو معلوم بالكيل.
قال: ولأن الوزن أخص من الكيل، فلذلك جاز بيع المكيل وزناً ولم يجز بيع الموزون كيلاً.
وأما أبو حنيفة فاستدل بأن الأربعة منصوص على الكيل فيها فلم يجز مخالفة النص وما سوى الأربعة فالاعتبار فيه بالعادة.
وعادة أهل الوقت أولى أن تكون معتبرة من أوقات سالفة وبلا مخالفة.
لأن التفاضل موجود بمقادير الوقت.
والدلالة

الجزء: 4 - الصفحة: 421

على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلاً بكيل يداً بيد".
فنص على التساوي بالكيل فاقتضى ألا يعتبر فيه التساوي بالوزن لأنه قد يخالف ما أمر به من الكيل.
ولأنه قد يتساوى البر بالبر كيلاً ويتفاضلان وزناً، كما أنهما قد يتساويان وزناً ويتفاضلان كيلاً، والتفاضل فيه محرم، فلو اعتبر التساوي بالوزن لأن أخص لاقتضى ألا يعتبر التساوي بالكيل لأنه ليس أخص.
ولأنه ربما أدى إلى التفاضل في الوزن الذي هو أخص فلما جاز اعتبار التساوي فيه بالكيل وإن جاز التفاضل في الوزن، وجب ألا يجوز اعتبار التساوي بالوزن لجواز التفاضل في الكيل، ولو كان مخيراً في اعتبار التساوي فيه بالكيل والوزن لكان مخيراً بين أن يجري عليه حكم التماثل فيحل أو يجري عليه حكم التفاضل فيحرم.
وهذا متناقض.
وأما أبو حنيفة فالدلالة عليه ما روى طاوس عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة" وليس هذا القول إخباراً منه بانفراد المدينة بالمكيال ومكة بالميزان.
لأن مكيال غير المدينة وميزان غير مكة يجوز التبايع به واعتبار التماثل فيه، فعلم أن مراده عادة أهل المدينة فيما يكيلونه وعادة أهل مكة فيما يزنونه.
ولأنه لو أحدث الناس عادة في الدراهم والدنانير أن يتبايعوها عدداً لم يجز أن يكون العدد معتبراً في بعضها ببعض اعتباراً بما كانت عليه في الحجاز من قبل.
وكذا الأربعة التي قد ورد فيها النص، لو خالف الناس فيها العادة لم يجز أن يكون الحادث رافعاً لسالف العادة فوجب أن يكون ما سوى ذلك معتبراً في تماثله بسالف العادة.
وتحرير ذلك علة أنه جنس يحرم فيه التفاضل فوجب أن يكون اعتبار التماثل فيه بالمقدار المعهود على زمن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كالذهب والفضة والأشياء الأربعة.
وهذه علة تعم مالكاً وأبا حنيفة وفيها انفصال عما استدلا به.
فصل فإذا ثبت أن اعتبار المكيل والموزون بما كان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكيلاً أو موزوناً لم يخل حال الجنس الذي فيه الربا من أحد أمرين: إما أن يكون معروف الحال على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو مجهول الحال.
فإن كان معروف الحال راعيت فيه ما عرف من حاله.
فإن كان مكيلاً جعلت الكيل فيه أصلاً ومنعت من بيعه وزناً.
وإن كان موزوناً جعلت الوزن فيه أصلاً ومنعت من بيعه كيلاً.
فعلى هذا قد كانت الحبوب على عهده مكيلة، والأدهان مكيلة، والألبان مكيلة، وكذلك التمر والزبيب وإن كان مجهول الحال أو كان من مأكل غير الحجاز راعيت فيه عرف أهل الوقت في أغلب البلاد فجعلته أصلاً.
فإن كان العرف وزناً جعلت أصله الوزن، وإن كان العرف كيلاً جعلت أصله كيلاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 422

وإن لم يكن للناس فيه عرف غالب فكانت عادتهم تستوي في كيله ووزنه فقد اختلف فيه أصحابنا على أربعة مذاهب: أحدها: تباع وزناً لأن الوزن أخص.
والثاني: تباع كيلاً لأن الكيل في المأكولات نص.
والثالث: أنه يعتبر بأشبه الأشياء به مما عرف حاله على عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيلحق به لأن الأشياء متقاربة.
والرابع: أنه مخير فيه ين الوزن والكيل لاستواء العرف فيه.
فصل إذا كانت ضيعة أو قرية يتساوى طعامها في الكيل والوزن، ولا يفضل بعضه على بعض بما قد عرف من حاله أن التماثل فيه بالكيل فقد اختلف أصحابنا.
هل يجوز بيع بعضه ببعض وزناً.
على وجهين: أحدهما: لا يجوز لما فيه من مخالفة النص وتغيير العرف.
والثاني: يجوز ويكون الوزن فيه نائباً عن الكيل للعلم بموافقته كما كان مكيال العراق نائباً عن مكيال الحجاز لموافقته في المساواة بين المكيلين.
فصل إذا تبايعا صبرة طعام بصبرة طعام جزافاً ثم كيلا من بعد فوجدتا سواء كان البيع باطلاً لأن الجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل، ولو تبايعا على المكايلة والمماثلة صح البيع.
فإن كانتا سواء لزم العقد ولا خيار لواحد منهما.
ولو فضلت إحدى الصبرتين على الأخرى ففيه قولان: أحدهما: بطلان العقد لأن العقد يتناول جميع الصبرتين مع ظهور التفاضل.
والثاني: جواز العقد لاشتراط التماثل.
فعلى هذا يأخذ صاحب الفضل زيادته ويكون لصاحب الصبرة الناقصة الخيار في فسخ البيع لتفريق الصفقة أو إمضاء البيع بمثل صبرته.
[1/أ] مسألة: قال: "ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة" عند الشافعي رضي الله عنه.
لا يجوز بيع الحنطة بدقيقها بحال لا متفاضلاً ولا متماثلاً لا كيلاً ولا وزناً، وبه قال حماد والثوري وأبو حنيفة.
وروي ذلك عن الحسن ومكحول والحكم وهو رواية عن أحمد.
وقال مالك وربيعة والليث وابن شبرمة: يجوز ذلك، وروي ذلك عن النخعي وقتادة.
وقال أحمد في الرواية الثانية وإسحاق: يجوز ذلك وزناً، وبه قال الأوزاعي، وقال أبو ثور: يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً لأنهما يختلفان في الاسم، وهذا باطل فإن أنواع الجنس يختلف اسمها وكلها اسم جنس واحد.
وكذلك بيع اللحم بالحيوان لا يجوز واختلف اسمها ولابد جنس فيه الربا زال هيئة الادخار

الجزء: 4 - الصفحة: 423

كخل التمر لا يجوز بيعه بالتمر.
واحتج مالك رحمه الله بأن الدقيق نفس الحنطة، وإنما تفرقت أجزاؤها فصار كالحنطة الرخوة، والحنطة الركلة واحتج [1/ب] أحمد بأن الكيل يختلف فيهما والوزن يحضرهما فيجوز بالوزن، وهذا لا يصح لما ذكرنا من العلة والأصل فيها الكيل فلا يجوز بيعها وزناً بالبعض فيها.
واعلم أن الطيب بن سلمة قال: فيه قول آخر للشافعي: أنه يجوز ذلك.
كما قال مالك وحكاه الكرابيسي عن الشافعي فقيل: قولان، وقال أكثر أصحابنا: المسألة على قول واحد، إنه لا يجوز ولم يوجد في شيء من كتبه جوازه.
وقد قال الكرابيسي: قال أبو عبد الله: يجوز ذلك.
فيحتمل أنه أراد مالكاً وأحمد فإنه يكني كل واحد منهما أبا عبد الله.
فرع يجوز بيع دقيق الحنطة بالشعير وبدقيق الشعير لأنهما جنسان.
فرع آخر بيع دقيق الحنطة بدقيقها لا يجوز، نص عليه في القديم والجديد وهو المشهور، لأنه يجوز أن يكون أحدهما أنعم من الآخر، ولأنهما تماثلاً عن حالة الادخار.
ونقل البويطي والمزني في المنثور عن الشافعي أنه قال: يجوز ذلك وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع الناعم منه بالناعم والخشن منه بالخشن.
[2/أ] فرع آخر بيع لب الجوز بلب الجوز حكمه حكم الدقيق بالدقيق.
فرع آخر لا يجوز بيع الحنطة بالسويق ولا الدقيق بالسويق، ولا السويق بالسويق لما ذكرنا من العلة وفيه زيادة فساد، وهي أن النار تدخل في أجزائه فيأخذ من بعضها أكثر من بعض وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالخبز لما مضى وزيادة وهي أن أصل الحنطة الكيل فلا يجوز وزناً، ولأنه بيع دقيق وملح بدقيق وملح، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة بالفالوذج لأنه بيع حنطة بنشاء وعسل ودهن، وكذلك لا يجوز بيع الجريش بالجريش، ولا الحنطة المقلية بالمقلية وغير المقلية، وكذلك لا يجوز بيع الحنطة المبلولة بغير المبلولة ولا المبلولة، لأن الحبات تنتفخ بالبلل فيؤثر ذلك في الكيل.
وقال مالك وأبو يوسف: يجوز بيع الدقيق بالسويق متفاضلاً.
ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة.
وروي عنه تجوز متساوياً وفي رواية الأصل قال: لا يجوز بحال.
واحتجوا بأن السويق بالصنعة صار جنساً آخر وهذا غلط لأن الدقيق بالطحن لا يصير جنساً آخر.
[2/ب] وكذلك السويق، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يجوز بيع الحنطة بالخبز أيضاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 424

فرع آخر لا يجوز بيع الخبز بالخبز رطباً لما ذكر من العلة، وقال أحمد: يجوز إذا تماثلا في الوزن لأن معظم منفعتهما في حال رطوبتهما كاللبن باللبن، وهذا لا يصح لأن أكمل أحوال اللبن كونه لبناً وأكمل الأحوال هاهنا حين كان حياً فيعتبر التساوي في تلك الحالة ولا يمكن ذلك هاهنا.
فرع آخر لو كانا يابسين فإن لم يكن مدقوقاً لا يجوز وإن كان مدقوقاً بأن جعله كعكاً ثم دقه قال في عامة كتبه: لا يجوز لعدم التساوي كيلاً حال كونهما برين ولأنه بيع بر وملح بلبن وملح.
وقال في "حرملة": يجوز، لأن ذلك حالة كمال وادخار أيضاً فيباع كيلاً ولا يمتنع أن يكون للشيء الواحد حالتان للادخار كالعنب يدخر زبيباً وخلاً، وأما الاختلاط بالملح فلا يضر، لأنه لا يظهر في الكيل ويصير الملح صفة فيه والمذهب الأول.
قال القفال رحمه الله: ولا يحتمل غير هذا [3/أ] على المذهب ولعل ذاك قول مرجوع عنه.
قال أصحابنا وعقد الباب فيه على ما ذكر الشافعي في الصرف كل ما عمل من الأثمان يجوز بيعه بالأثمان وكل ما عمل من المأكول لا يجوز أصله فالدبس لا يباع بالعنب وبالتمر، والدقيق لا يباع بالحنطة وما يعمل من اللبن لا يباع باللبن.
والفرق أن المصوغ من الذهب لا يستحيل بالصياغة بل هو ذهب على ما كان وما يتخذ من المطعوم يستحيل عن صفته.
مسألة: قال: "ولا بأس بخل العنب بعضه ببعض".
بيع خل العنب بخل العنب يجوز متماثلاً وكذلك العصير بالعصير لأن أجزاءه متقاربة ويخالف بيع الدقيق بالدقيق ولأن للعنب حالتين في الادخار إذا صار زبيباً وإذا صار عصيراً فيجوز بيع بعضه ببعض في كلتا الحالتين وعلى هذا يجوز بيع العصير بالخل لأنهما مدخران وهذا لأن العصير إذا صار خلاً لا يظهر فيه نقصان كالتمر الحديث بالعتيق، وفيه وجه آخر لا يجوز لأن أحدهما على حالة الادخار دون الآخر [3/ب] وإن كان فيهما ماء أو في أحدهما ماء لا يجوز، ولا يجوز بيع العصير والخل بالعنب لأن العصير الذي في العنب قد يزيد عليه وقد ينقص منه فيؤدي إلى التفاضل.
وأما خل الزبيب بخل الزبيب لا يجوز قولاً واحداً لأنه ينقع في الماء وهل يجري الربا في الماء؟ وجهان والأصح أن فيه الربا فإن قلنا: بهذا يجوز أن يقل الماء في أحدهما ويكثر في الآخر فيكون بيع الماء بالماء متفاضلاً والخل بالخل متفاضلاً أيضاً، لأن الماء إذا تفاضل تفاضل الخل أيضاً، وإن قلنا: لا ربا في الماء لا يجوز لمعنى واحد وهو تفاضل الخلين لقلة الماء في أحدهما وكثرته في الآخر.
وإن باع خل الزبيب بخل العنب لا يجوز، لأنهما جنس واحد وفي أحدهما ما يجوز أيضاً، وإن كان فيهما ما فيه وجهان مبنيان على جريان الربا في الماء وكذلك خل الزبيب بخل

الجزء: 4 - الصفحة: 425

الرطب لأن فيهما ماء وهما جنسان وظاهر قول الشافعي هاهنا: فإذا اختلف الجنسان فلا بأس يدل على أنه لا ربا في الماء وأما خل الرطب بخل الرطب لا يجوز بحال كخل [4/أ] تقطع به العلقة بينهما وإذا تفرقا عن علقة بينهما بطل العقد الذي من شرطه التقابض ثم إذا كالا بعد التفرق فخرجا متفاوتين فالزيادة لا تدخل في العقد، وهل يصح في القدر الذي تساويا فيه؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه قابل الصاع بالصاع وقد تساويا، والثاني: لا يجوز لعلتين: إحداهما: أنه قابل الصبرة بالصبرة وهما متفاوتتان، والثانية: أن الكيل في بعض المكايلة من تمام التسليم وقد تفرقا قبله فبقيت على ما ذكرناه.
وإن خرجتا متماثلتين فيه وجهان أيضاً بناء على العلتين فإن قلنا: بالعلة الأولى فلا تفارق هاهنا، وإن قلنا: بالعلة الثانية فقد وجدت هاهنا وعلى هذا لو كانا في المجلس فكيلتا فخرجتا متساويتين يصح، وإن خرجتا متفاوتتين فوجهان بناء على العلتين.
ولو كانت إحدى الصبرتين صغيرة فقال: بعتك بما يقابلها من الكبيرة يصح بشرط أن يكيلا في المجلس، فإن تفرقا من غير كيل فعلى الوجهين.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة بصبرتك كل صاع بصاع فإن كانتا جنساً واحداً [4/ب] فقد ذكرنا وإن كانتا جنسين فخرج أحدهما ناقصاً يقال لمن نقص صبرته: أترضى بترك الفضل لصاحبك؟ فإن رضي فلا كلام وإن لم يرض يقال لصاحب الفضل: أترضى بإعطاء الفضل؟ فإن أبى فسخ البيع حينئذ وهذا لأنه يجوز فيه التفاضل، ولهذا لو قال: بعتك هذه الصبرة بتلك الصبرة جزافاً جاز لهذا المعنى وقيل إن عند مالك يجوز بيع خل التمر بخل التمر إذ تجري فيه خلال بصير بصنعته وأخبر أن ما في أحدهما من الماء مثل ما في الأخر، وإياه أراد الشافعي في قوله: "ولا خير في التحري".
الفصل.
مسالة: قال: "ولا خير في مد عجوة ودرهم بمد عجوة".
جملته: أن كل جنس ثبت فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلاً بمثل بسواء خالصاً لا يكون معه غيره، فإن كان كل واحد من العوضين أو مع أحدهما من غيره فالبيع باطل فلا يجوز بيع ثوب ودرهم بدرهمين، ولا ثوب ودينار بدينارين ولا ثوب وقفيز حنطة بقفيزين، ولا مد عجوة ودرهم بمدي عجوة ولا [5/أ] بدرهمين ولا بمد عجوة ودرهم، ولا سيف محلى بفضة، بفضة ولا محلى بذهب بذهب ولا خاتم فضة فصه من غيره بفضة وإن كان مع كل واحد منهما أو مع أحدهما من جنسه ولكنه نوع أخر لا يجوز أيضاً مثل دينار قاشاني ودينار نيسابوري بدينارين نيسابوريين ولا مد عجوة ومد صيحاني بمدي صيحاني أو مد صيحاني ومد عجوة، ولا بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين أو مكسرين أو درهم صحيح ودرهم مكسر، ولا يجوز بيع رديء بجيدين ولا برديئين وبه قال مالك: ذكر في "الموطأ" وشريح والنخعي وإسحاق وهكذا قال أحمد: إلا في الجنس الواحد فإنه قال يجوز أن يبيع دينارين مختلفين

الجزء: 4 - الصفحة: 426

بدينارين متفقين ومكسوراً وصحيحاً بمكسورين أو صحيحين لأن الصنعة لا قيمة لها في الجنس الواحد.
وقال أبو حنيفة: يجوز كل ذلك حتى لو باع ديناراً في خرقة بألف دينار جاز، فيكون الدينار بالدينار والباقي بمقابلة الخرقة.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا باع درهماً صحيحاً ودرهماً مكسوراً بدرهمين صحيحين يجوز لأنه يجعل كأن [5/ب] صاحب الصحيح حابى لصاحبه بقدر ما في صحيحه من زيادة القيمة وقال هذا القائل: فإذ بالغ كل واحد منهما في المماسكة فلا محاباة حينئذ فلا يجوز وهكذا قال في جيد ورديء بجيدين وهذا التخريج غير صحيح على أصل الشافعي، لأن أصله أن الصفقة إذا اجتمعت في أحد الشقين شيئين مختلفي القيمة فما في الجانب الأخر تتوزع عليهما في طريق القيمة، ألا ترى أنه لو اشترى شقصاً وسيفاً بألف درهم فأراد الشفيع أخذ الشقص بالشفعة فلا بد من توزيع الألف على قيمة السيف وقيمة الشقص حتى يظهر ما يخص قيمة الشقص من المسمى في العقد، فيأخذ الشفيع بتلك الحصة حقه من الشفعة فكذلك إذا باع مد عجوة قيمته درهمان ومع المد درهم آخر بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهمان فلا بد من التوزيع وإذا وزعنا فلا بد من إبطال العقد لأن المد الذي يساوي درهمين في جانب الدرهم إذا وزعنا على المدين اللذين في الجانب الثاني وقف بإزاء ثلثي المدين وذلك مد وثلث لأن المد الذي مع الدرهم [6/أ] قدر ثلثي مال هذا الجانب فيقابل ثلثي مال ذلك الجانب، والثلث وهو الدرهم يقابل الثلث وهذا بيع تمر بتمر متفاضلاً وهذا المعنى موجود في بيع درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهمين صحيحين.
واعلم أنه لم يخف على أبي حنيفة ما يؤدي إليه التوزيع الذي ذكرنا، ولكنه أصل لنفسه في هذا العقد أصلاً بخلاف أصول البيع لئلا يفسد العقد وهذا محض التحكم على الشرع وكان من الواجب أن ينص المتعاقدان على ما يؤدي إلى الصحة عند العقد، فيقول بعت منك المد بالمد والباقي بالدرهم حتى يصح ذلك ويكون كعقدين، فلما أطلق وجب علينا أن يبطل العقد إذا كان بخلاف أصول الشرع.
فإذا تقرر هذا، قال الشافعي في تعليل هذه المسألة: حتى يكون التمر بالتمر مثلاً بمثل، وظاهره يقتضي جواز البيع في صورة واحدة وهي أن يبيع عجوة قيمته درهم مع درهم بمدي عجوة قيمة كل واحد منهما درهم لأنا إذا وزعنا الدرهم على المدين خص كل مد نصف درهم، وإذا وزعنا المد الذي مع الدرهم خص كل [6/ب] مد من المد الموزع نصفه، فيصير بيع مد قيمته درهم نصف مد ونصف درهم فيقف المد بإزاء نصف المد، ولا يؤدي إلى التفاضل في الصورة الأولى.
قال الإمام أبو محمد الجويني: سمعت بعض من رجعت إليه نوبة العصر من أئمة أصحابنا، يجوز هذا البيع ويحتج بتعليل الشافعي وعندي أنه لم يسبق إلى هذا التخريج والذي عليه عامة أصحابنا قديماً وحديثاً أن البيع باطل هاهنا أيضاً لأصل آخر سوى

الجزء: 4 - الصفحة: 427

المفاضلة، وذلك أن التحري في مسائل الربا ممنوع كما نص عليه قبل هذه المسألة والتقويم ضرب من التحري لأن المقوم ربما يخطئ وربما يصيب وربما يخطئ خطأ يسيراً وقد يختلف تقويم المقومين وقد تختلف الأسواق في البلدان فهذه المماثلة مستدركة بطريق التحري ولا يكفي ذلك في مسائل الربا.
وقال القاضي الإمام الطبري في "المنهاج": لا يختلف المذهب أنه يجوز في هذه الصورة إذا تحققنا المماثلة وهو الصحيح وقد يتحقق ذلك إذا اجتنينا من شجرة واحدة بحيث تتحقق المساواة ولا [7/أ] مجال للتحري في ذلك بوجه، والتشكيك في مثل هذا الموضع نوع من الوسواس والله أعلم.
وهذا أصح عندي وهكذا في درهم صحيح ودرهم مكسر بدرهم صحيح ودرهم مكسر إذا تحققنا المساواة.
فرع لو باع داراً فيها صفائح الذهب بالذهب فإن أمكن جمع شيء بعينها لا يصح العقد، وإن لم يمكن يصح العقد وكذلك لو كان الذهب فيهما.
فرع آخر لو باع داراً فيها صفائح الذهب بفضة فهو صرف وبيع هل يصح؟ قولان.
فإذا قلنا: لا يصح لا بد من تسليم الدار وما يقابل الصفائح من البدل في المجلس وما يقابل الدار لا يعتبر قبضه في المجلس.
فرع آخر إذا باع داراً فيها صفائح الذهب بدار فيها صفائح الفضة يمكن جمعها، وقلنا: يصح، لا بد من قبض الدارين في المجلس لأن قبض ما عليهما يكون بقبض الدارين.
فرع آخر الشفيع إذا أراد أن يأخذ هذه الدار بالشفعة لا بد أن يسلم قدر ما يقابل الصفائح في المجلس ويسلم [7/ب] الدار؛ لأن حكم الشفعة حكم المعاوضات وإنما سقط فيه اعتبار الرضا للدفع الضرر.
فرع آخر لو باع صاعاً جيداً بصاع رديء يجوز، لأنه إذا وزع قابل نصفه نصفه وثلثه ثلثه فلا يؤدي إلى التفاضل في الكيل كيف ما زاد الأمر ولا يراعي القيمة إذا لم يجمع الصفقة في أحد الشقين شيئين.
فرع آخر لو لم يكن بين العوضين ربا الفضل بل كان بينهما ربا النسيئة فجمع بين أحد العوضين وبين جنس غيره مما لا ربا فيه يخرج على القولين في الصفقة التي تجمع عقدين مختلفي الحكم، كصرف وبيع قولين للشافعي، وصورة المسألة أن يبيع صاع حنطة وثوباً بصاع شعير ثم التقابض إنما يجب في الشعير وفي القدر الذي نقابله من

الجزء: 4 - الصفحة: 428

الحنطة فأما في الباقي فلا يجب لأنه حنطة قابلت ثوباً وكذلك إذا باع سيفاً محلى بعضه بدنانير، فيه قولان لأنه صرف وبيع.
مسألة: قال: وكل زيت ودهن ولوز وجوز لا يجوز من الجنس الواحد إلا مثلاً بمثل.
نص الشافعي هاهنا على [7 ب/6] أن الأدهان أجناس مختلفة فيجوز التفاضل بين دهن اللوز وبين دهن الجوز وبين الزيت ودهن السمسم، ونص في الخلول والألبان أيضاً: أنها أجناس مختلفة ولدى الأدقة والثمار وفي اللحمان علق القول ومال إلى أنها أجناس غير أنه فوع على كلا القولين فيه وتفصيل ذلك أن يقول: لا يختلف أصحابنا في الأدقة والثمار أنها أجناس قولاً واحداً.
وقيل: ذكر في حرملة أن الأدقة والأخباز جنس واحد وهذا لا يحكى لأنه لا وجه له، ولم يختلفوا في اللحمان أيضاً على قولين وأما الخلول والأعصار والأدهان فمن أصحابنا من جعل فيها قولاً واحداً إنها أجناس ومنهم من جعل فيها قولين.
وأما الألبان فأكثر أصحابنا على أن فيها قولين كاللحمان، والمعنى في الألبان واللحمان أنها متولدة من أصول لا ربا فيها وقد جمعها اسم خاص في أول دخولها في الربا حتى لا يتميز البعض عن البعض إلا بالإضافة فصار أنواع اللحمان والألبان كأنواع التمور والأعناب والحنطة، فإن القصيل لا ربا فيه فإذا صار حباً فاسم [8/ب] جميع أنواع الحنطة خاص وإنما يعرف بعضها عن بعض بالإضافة، واللعب فيقال: حنطة شامية وحنطة ميسانية كذلك يقال: لحم البقر ولحم الغنم ولحم الإبل ولبن البقر ولبن الإبل بخلاف اسم الثمار فإنه وإن كان اسماً جامعاً فلكل واحد اسم خاص فلهذا صارت أجناساً.
وأما الخلول والأدهان فاسم الخل جامع ولكن قبل أن صارت خلولاً فلها أصول مختلفة يجري فيها الربا بخلاف الحيوانات فإنها وإن كانت أجناساً مختلفة فليس فيها ربا فلم نظهر اختلاف أجناسها في حكم الربا.
وأما الأدقة فإنها عين الحنطة والشعير وهما مختلفان وليس بشيء تولد منهما: واستخرج كاللبن واللحم حتى يحتمل أن يجعل جنساً واحداً والدقيق بمعنى المدقوق فكأنا نقول: حنطة مدقوقة وشعير مدقوق ومن أراد أن يفصل بين الألبان واللحمان فيجعل الألبان أصنافاً قولاً واحداً، واللحمان في أحد القولين صنفاً واحداً فرق بأن اللبن يثبت فيه حكم الربا وهو في أصوله المختلفة فإن في اللبن في ضرع البقر والغنم [9/أ] ربا إذ لا يجوز بيع اللبون باللبن اعتباراً لحكم الربا فإذا ثبت لها حكم الربا وهي مختلفة لكونها كامنة في الأصول المختلفة لم يجز أن يصير بالحلاب صنفاً واحداً.
واللحم لا ربا فيه ما دام في أصله فجاز أن يجعل صنفاً واحداً ولا خلاف أن السمن مع سائر الأدهان جنسان لأن اسم الأدهان لا يقع على السمن.
وأما سمن البقر والغنم فيجب أن يكون على قولين كالألبان، وإذا تقرر هذا قال أصحابنا: الأدهان على أربعة أضرب: دهن يعد للأكل ودهن يعد للدواء ودهن يعد للطيب ودهن يعد للاستصباح،

الجزء: 4 - الصفحة: 429

فأما الذي يعد للأكل كالزيت والشيرج وزيت الفجل ودهن الجوز وحب الصنوبر ونحوها يجري فيها الربا.
وقد قال الشافعي: ودهن الصنوبر والخردل والحب الأخضر كلها مأكولة بعد استخراجها ومأكولة الأصل قبل استخراجها ففيها الربا لأنها إن كانت معتبرة بأنفسها فهي مأكولة فلم تحل في كلا الحالين من ثبوت الربا فيها ويجوز بيع بعضها ببعض من جنسه متماثلاً، وإن مست النار أصول بعضها لأنها [9/ب] قد بلغت حالة الادخار، ولا يختلف أصحابنا في شيء من ذلك إلا الشيرج، فإن المذهب أنه يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً، لأنه شيرج وماء وملح وهذا غلط لأن الماء لا يمازج الدهن وكذلك الملح بل يبقيان في الكسبة ويخلص الشيرج عنها ويبقى فيه طعم الملح لا عينه وذلك لا يؤثر، ولو باع جنساً بجنس آخر يجوز على ما ذكرنا ولا خلاف في ذلك إلا في زيت الزيتون وزيت الفجل، فإن الشافعي نص فيه على قولين: أحدهما: أنهما جنسان لأنهما مختلفان أحدهما من شجر والأخر من نبات، ويخالف أحدهما صاحبه في الطعم واللون والريح، وهذا أشهر وأصح، لأن الشافعي قال: وقد يعصر من الفجل دهن يسمى زيتاً وهو مباين للزيت.
والثاني: أنهما جنس واحد لأنه يجمعهما اسم الزيت، ويحتمل أن هذين القولين مأخوذان من القولين في اللحمان.
ولا يجوز بيع الزيت بالزيتون ولا بيع الشيرج بالسمسم المدقوق ويجوز بيع الدهن بالكسبة لأنهما جنسان، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز [10/أ] لأنها لا تنفرد عن الدهن وإن قل، فإن كان فيها دهن فلا يجوز، وإن لم يبق فيها الدهن فعلى ما ذكرنا يجوز.
وأما الدهن الذي يعد للدواء كدهن اللوز المر، ودهن الخروع وحب المشمش يجري فيه الربا لأنه مأكول ولكنه دواء كالسقمونيا.
وأما الدهن الذي يعد للطيب مثل دهن الورد ودهن البنفسج والياسمين، اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا ربا فيه لأنه لا يعد للأكل بل يقصد رائحته وطيبه ويستعمل طلاء، ومنهم من قال: فيه الربا وهو الأصح لأنه يستخرج وهو مأكول وإذا طيب لا يخرج من أن يكون مأكولاً ولكن يعد بما هو أعلى من الأكل فهو كالزعفران.
فإذا قلنا: هذا يجوز بيع بعضه ببعض متماثلاً وهذا إذا طرح على السمسم ورداً أو بنفسجاً حتى يطيبه ثم يميز عنه ويكرر ذلك ويطحن بعده فالرائحة فيه رائحة مجاورة لا مخالطة والدهن خالص فأما إذا طبخ مع الورد والبنفسج فلا يجوز بيع بعضه ببعض أصلاً لأنه يختلط به أجزاء الورد والبنفسج وقيل: هذا الدهن لا يؤكل عرفاً ولكنه مستخرج من أصل مأكول ففي أحد [10 أ/6] الوجهين لا ربا اعتباراً بأصله وعلى هذا يجوز بيع دهن الورد بدهن البنفسج والشيرج متماثلاً لأن الأصل واحداً وإنما تختلف رائحتهما ولونهما.
وقال أصحاب أبي حنيفة: يجوز متفاضلاً إذا اختلف طيبه فيجوز دهن الورد بدهن الخيري والبنفسج متماثلاً لأن مقصودهما مختلف ويجوز أيضاً بغير الطيب متفاضلاً وهذا غلط لأنه فروع لأصل واحد فيه الربا فصارت كالأدقة من أنوع الحنطة فإن قيل أليس كل واحد منهما يختص باسم؟ قلنا: أصل الكل من السمسم والاسم الخاص يجمع الكل وهو الدهن.

الجزء: 4 - الصفحة: 430

وأما الدهن الذي يعد للاستصباح كالبزر ودهن السمك، قال أبو حامد: لا ربا فيه لأنه يؤكل تسفها كالطين وقال غيره فيه وجهان، أحدهما: لا ربا فيه لأنه يعد للسراج لا للأكل، والثاني: فيه الربا وهو ظاهر المذهب لأنه مأكول يستخرج من حب الكتان وهو مأكول يشرب دهنه طرياً ويقلى به السمك ولا فرق بين ما يستبعد طعمه وبين ما لا يستبعد كما لا فرق بين الأقوات والأدوية التي تتناول نادراً وهذا اختيار [11/أ] القاضي الطبري قال: ويجب أن يكون في دهن الطتر وهي الحوت التي بطبرستان وجهان.
وقال في "الحاوي": هل يجري الربا في حب الكتان والقرطم؟ وجهان، فإن قلنا: لا ربا فيهما، لا ربا في دهنهما وإن قلنا فيهما الربا ففي الربا في دهنهما وجهان، لأن الأصل مأكول، والفرع غير مأكول ولذلك دهن السمك من أصل مأكول ولكنه في نفسه غير مأكول ففيه وجهان.
قال: ولو كان الدهن من أصل غير مأكول ولكنه بعد استخراجه مأكول كدهن حب القرع فيه وجهان: أحدهما: فيه الربا اعتباراً بنفسه.
والثاني: لا ربا فيه كدهن البان والكافور.
مسألة: قال: ولا يجوز من الجنس الواحد مطبوخاً بنيء منه.
الكلام الآن في العصير من الأشياء، كعصير العنب والرمان والسفرجل وقصب السكر، كل واحد من هذا جنس بانفراده على الصحيح من المذهب، وقيل: يجوز بيع الدبس بالخل لأنهما اختلفا في الاسم والصورة والطبع فإذا باع عصيراً بعصير لم يخل من أحد أمرين.
فإما: أن يكونا جنسين أو جنس [11/ب] واحداً، فإن كانا جنسين جاز متفاضلاً ومتماثلاً سواء كانا نيئين أو مطبوخين أو كان أحدهما نيئاً والآخر مطبوخاً، وإن كانا من جنس واحد كعصير العنب بعصير العنب نظر فإن كانا نيئين جاز لأن معظم منفعته في هذه الحالة، وإن كانا مطبوخين لم يجز لأن عمل النار يختلف فيهما فيؤدي إلى التفاضل وكذلك إذا كان أحدهما مطبوخاً لم تجز لأن النار نقصته فيؤدي إلى التفاضل وليس كجفاف التمر لأن له غاية ينتهي إليها بخلاف الطبخ وعلى هذا يجوز بيع اللحم القديد بالقديد ولكن لا يجوز بالمطبوخ، وأما ما يطبخ للتمييز ويكون له غاية لا تمنع من التماثل كالسمن يطبخ للتمييز فيميز المخيص وله غاية في الطبخ لا يجاوزها فيجوز بيع بعضه ببعض فإن زيد على ذلك حتى انعقدت أجزاؤه لا يجوز حينئذ بيع بعضه ببعض.
وإن قل انعقاده وأخذ النار منه، ومن أصحابنا من ذكر وجهاً أخر أنه إذا دخل النار فيهما لا يجوز بيع بعضه ببعض كما لو دخل النار في الزيت وهذا غلط والفرق ظاهر [12/أ].
وأما السكر والفانيذ قال أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيع بعضه ببعض وهو الصحيح لأن النار عقدته.
والثاني: يجوز لأن انعقاده غاية معلومة بخلاف الناطف والدبس وهو اختيار أكثر

الجزء: 4 - الصفحة: 431

أصحابنا بالعراق، والصحيح أن يقال: إن دخلت النار فيهما لتعيينهما وتمييزهما من غيرهما وهو الغالب فيما نشاهد يجوز، وإن دخلت لانعقادهما واجتماع أجزائهما لا يجوز وكذلك دبس التمر ورب الفواكه ذكره في "الحاوي".
قال القفال: ولهذا جوز بعض أصحابنا السلم في الخبز لأن لطحنه غاية ينتهي إليها حتى لو زيد لفسد.
فرع في بيع الدبس بالدبس وجهان: لأن للنار فيه غاية يعرفها أهل الصنعة كالسكر بالسكر سواء.
فرع آخر السكر بالفانيذ إن كان أصلهما مختلف يجوز، وإن كان أصلهما واحد فيه وجهان، فإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل هاهنا فقال: إذا كان إنما يدخر مطبوخاً، ولا مطبوخاً منه بمطبوخ، وقوله إذا كان إنما يدخر مطبوخاً [12/ب] يتولى مطبوخاً منه، وقوله: "إذا كان إنما يدخر مطبوخاً" لا يصلح لتعليل المسألة الأولى ولا لتصويرها ولا فائدة في هذه اللفظة، وهي توهم جواز البيع في المطبوخ بالنيء إذا كان لا يدخر مطبوخاً وليس كذلك، والشافعي حيث ذكر هذه المسألة فسوى بين المنظوم والمفهوم فلم يفصل بين ما يدخر مطبوخاً وبين ما لا يدخر مطبوخاً وأبطل البيع في الجميع، وقيل: عبارة الشافعي: ولا يجوز في الجنس الواحد مطبوخاً منه بنيء بحال ولا مطبوخ طبخ ليدخر بمطبوخ.
فنقل المزني هذا فقدم بعض كلامه وأخر بعضه وعطف على المسألة الأولى، وقيل: معنى ما نقل المزني وإن كان إنما يدخر مطبوخاً.
مسألة: قال: "ولا يباع عسل نحل بعسل نحل إلا مصفيين".
إذا باع عسل نحل بعسل نحل لا يخلو إما: أن يكون مصفى أو غير مصفى فإن لم يكن مصفى فيباع الشهد بالشهد فالبيع باطل لمعنيين، أحدهما: ما ذكر الشافعي وهو أنه عسل بعسل مجهول، لأن الشمع يقل فيه ويكثر.
والثاني: [13/أ] أنه بيع عسل وشمع بعسل وشمع فهو كبيع مد عجوة ودرهم بمد عجوة ودرهم، فإن قيل: أليس بيع التمر بالتمر يجوز، وإن كان فيه النوى ولذلك يجوز بيع اللحم باللحم، وإن كان مع العظم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن الشمع مقصود ويأخذ قسطاً من الثمن ورب موضع يكون الشمع فيه أعز من العسل، والنوى والعظم فهما غير مقصودين فلا يأخذان قسطاً من الثمن كقشر الجوز واللوز لأن في بقاء النوى والعظم صلاحاً وليس في تنقية الشمع صلاح العسل فافترقا، وإن كانا معينين من الشمع نظر فإن صفي بالشمس جاز بلا خلاف: لأنها لا تعقد الأجزاء وإن صفي بالنار فقد ذكرنا الخلاف والمذهب ما ذكرنا، لأن الشافعي لم يفصل بين التصفية بالشمس أو بالنار وإن كان في أحدهما شمع وفي الآخر مصفى من الشمع لم يجز لأن العسل متفاضل ولو بقي بعض الشمع فيهما أو في

الجزء: 4 - الصفحة: 432

أحدهما لم يجز أيضاً؛ فإن قيل: أليس لو باع اللبن باللبن يجوز ويشتمل ذلك على المخيض والسمن؟ قلنا: المخيض والسمن مطعومان واللبن [13/ب] بمجموعة طعام على حدته فلا يعتبر بحالة أخرى حتى يقال: هما مطعومان مخلوطان بخلاف الشهد فإذا تقرر هذا أخل المزني رحمه الله بالنقل حيث قال: لأنهما لو بيعا وزناً وفي أحدهما شمع وهو غير العسل كان العسل بالعسل غير معلوم.
وهذا غلط ظاهر لأنهما إذا بيعا وأحدهما غير مصفى كان معلوم المفاضلة فلا معنى لقوله: غير معلوم وإنما يستقيم هذا التعليل في الشهد بالشهد لأنهما بما فيهما من الشمع غير معلوم المماثلة.
والشافعي ذكر هناك هذا فاستعمل علة أحد المسألتين في الأخرى ثم قال: وكذلك لو بيعا كيلاً أي يفترق الكيل والوزن في هذه المسائل التي ذكرناها في العسل حيث جوزنا وحيث أبطلنا لأنهما نوعان من المقدار يستدرك بكل واحد منهما المماثلة والمفاضلة، وهذا اللفظ يدل على تصحيح أحد الوجوه في فرع تقدم ذكره وهو إذا لم يعلم للشيء معيار معهود في عصر الرسول - صلى الله عليه وسلم -[14/أ] إذا أردنا بيع بعضه ببعض فما معياره؟ فيه أوجه: وقيل إن الشافعي قال: في الصرف فإن كان أصل العسل الكيل بيع كيلاً وإن كان أصله الوزن بيع وزناً فيوقف فيه، وقال في موضع آخر: والوزن في العسل والسكر والسمن أحوط.
فنص على الوزن.
وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: أصل العسل الكيل فلا يباع بعضه ببعض إلا كيلاً.
وقيل: أراد الشافعي قوله: لأنهما لو بيعا وزناً إذا انعقد لبرد الهواء وغلظ حتى لا يمكن كيله فيباع حينئذ وزناً فأما إذا أمكن دقه وكيله لا يباع إلا كيلاً.
وهو قريب من قول أبي إسحاق والمذهب المنصوص ما تقدم.
فرع عسل الطبرزد، وعسل القصب جنس واحد وهما من قصب السكر وهل يجوز بيع بعضه ببعض على ما ذكرنا في السكر؟ ويجوز بيعهما بعسل النحل كيف شاء متماثلاً ومتفاضلاً لأنهما جنسان فإن قيل: هلا قلتم العسل كله صنف واحد للاشتراك في الاسم؟ قلنا: قال الشافعي: وإطلاق العسل ينصرف إلى عسل النحل وإن كانت العرب [14/ب] تسمي كل حلو عسلاً، ولهذا قالوا للحديث الحلو والوجه الحسن معسول، وقالوا للجماع: عسيل قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في المطلقة ثلاثاً: "حتى تذوقي عميت ويذوق عسيلتك"، فإذا لم يشاركه في إطلاق الاسم لم يساوه في هذا الحكم.
فرع آخر المشمش مع سائر الأعناب جنس واحد والتمر الهندي مع التمر المعروف جنسان لاختلافهما في الطعم والطبع والمقصود والصورة، وكذلك الجوز المعروف مع الجوز الهندي، وحكى ابن القطان وجهاً آخر أنهما جنس واحد لأن الاسم يشمل الكل.

الجزء: 4 - الصفحة: 433

فرع آخر البطيخ المعروف والبطيخ الآخر الذي يقال له: الهندي فيه وجهان، أحدهما: جنس واحد للاسم، والثاني: جنسان لاختلافهما في المقصود والصورة.
فرع آخر بيع الشمع بالشهد يجوز؟ لأن الشمع ليس من مال الربا ولو باع بالعسل أولى أن يجوز.
مسألة: قال: "ولا خير في مد حنطة فيها قصل [15/أ] أو زوان بمد حنطة لا شيء فيها من ذلك".
القصل: عقد التبن، والزوان: حب دقيق الطرفين غليظ الوسط أصغر من الطعام يقال له بالفارسية: أحجم وهو الذي يسكر آكله فلا يجوز بيع الحنطة بمثلها وفي أحدهما أو فيهما شيء من ذلك لأنه يأخذ من المكيال موضعاً فيؤدي إلى التفاضل في الحنطة.
وإن كان فيهما قليل من تبن أو تراب جاز، لأنه لا يأخذ قسطاً من المكيال فإنه يحصل في شقاق الحنطة وفي الخلل الذي يكون بينهما، فإن الحنطة دقيقة الطرفين غليظة الوسط، فإذا حصل حب بجنب حب حصل المكان خالياً فيحصل التراب فلهذا جاز ويفارق الموزون إذا كان في الفضة تراب لم يجز وإن قل لأن الميزان يأخذ قسطاً منه وإن قل وكذلك إذا باع الزعفران بالزعفران وزناً وفي إحدى الكفين يسير تراب لا يجوز البيع، وإذا تقرر هذا أخل المزني بالنقل فقال في علة هذه المسألة: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة.
وقوله: متفاضلة هو التعليل في [15/ب] هذه المسألة فلا معنى لقوله ومجهولة لأن الجهالة لا تأثير لها مع تعين المفاضلة، وإنما يحسن ترادف هاتين العلتين بعد تقديم الصورتين فكان ينبغي أن يذكر فساد البيع إذا كان القصل في أحدهما ثم نذكر فساد البيع إذا كان القصل فيهما، ثم نعطف على المسألتين فنقول: لأنها حنطة بحنطة متفاضلة ومجهولة فتنعطف إحدى العلتين على إحدى الصورتين، والثانية على الثانية وهذا قريب مما وقع له في مسألة العسل وقول الشافعي: لا خير فيه أراد التحريم، وكنا نتوهم أن هذه اللفظة له حتى وجدنا لمالك في مسائل الربا فتوهمنا له حتى وجدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعملها في مثل هذه المسائل.
مسألة: قال: "ولبن الغنم ماعزه وضائنه صنف".
الفصل نص الشافعي هاهنا أن الألبان أجناس مختلفة، وقد ذكرنا ذلك فعلى هذا يجوز أن يباع لبن البقر بلبن الغنم متفاضلاً وبكل ما يتخذ من لبن الغنم، وأما [16/ أ] لبن الضأن والمعز فصنف واحد كما أن الضأن والمعز صنف واحد، وكذلك لبن الإبل مهريها وعرابها صنف واحد، ولبن غنم البري وهي الظبا منف آخر سوى لبن غنم

الجزء: 4 - الصفحة: 434

الأهلي، وإذا قلنا: الألبان صنف واحد، وهو قول مالك وأحمد فكل لبن يشرب من أي حيوان كان فكله صنف واحد فإذا تقرر هذا فبيع اللبن باللبن جائز في الجملة على ما ذكرنا، فإن قيل: أليس لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندكم فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن معظم منفعته في غير هذه الحالة وهي عند كونها تمراً وهاهنا معظم منفعته في هذه الحالة، لأنه يصلح لجميع ما يتخذ من اللبن فإذا صرف إلى جهة مخصوصة لا يمكن ذلك فجرت هذه الحالة مجرى حالة الادخار في التمر، أو نقول: الرطوبة هناك ليست من مصلحته ولا حافظة لمنفعته بخلاف الرطوبة في اللبن، أو نقول: الرطب يصير على هيئة الادخار بنفسه، لأنه لو ترك في نحله تساقط هو بنفسه بعدما يصير [16/ب] تمراً فقبل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض، لأنه قبل حالة الادخار بخلاف اللبن.
فإذا تقرر هذا فبيع اللبن الحليب يجوز لأنه لبن خالص.
وكذلك يجوز بيع الرائب بالرائب وهو اللبن الذي حصل فيه قليل حموضة لأنه لبن خالص.
وكذلك يجوز بيع اللبن الحليب بالرائب، وإن كان فيهما أو في أحدهما ما لا يجوز وإن مسه نار فإن كان للتسخين يجوز وإن غلياً أو أحدهما لا يجوز.
ولا يجوز بيع اللبن بشيء مما يتخذ من اللبن لا متماثلاً ولا متغافلاً، وقيل: الذي يتخذ من اللبن سبعة أشياء الزبد والسمن والمخيض واللبن والأقط والمصل والجبن، وزاد بعض أصحابنا الشيراز والرخبين والكشك والبطيخ والكواميخ، وأما الزبد باللبن لا يجوز قال الشافعي: لأن الزبد شيء من اللبن يريد بذلك أصله ولا يجوز بيع ما استخرج من شيء بأصله، كما لا يجوز بيع الشيرج بالسمسم.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أن الزبد شيئاً من اللبن فيكون بيع لبن معه شيء آخر بلبن وذلك لا يجوز.
[17/أ] كما لا يجوز بيع درهم ومد عجوة بمدي عجوة.
فإن قيل: فيجب أن لا يجوز بيع لبن بلبن لأنه لبن وزبد بلبن وزبد قيل: إنما يتعلق به حكم الربا إذا تميز فأما قبل التميز فلا حكم له كالسمسم بالسمسم يجوز وإن كان في كل واحد منهما شيرج وسمسم، وإن كان بيع الشيرج بالسمسم لا يجوز.
وأما بيع السمن باللبن لا يجوز لعلة الشافعي وهي: أن السمن شيء من اللبن، وعلة أبي إسحاق تقف هاهنا لأنه لا يجوز هذا وإن لم يكن في السمن شيء من اللبن فدل على بطلان علته، وأما بيع المخيض باللبن وهو اللبن الذي استخرج منه الزبد ويسمى الدوغ لا يجوز لأن في اللبن مخيضاً ولأنه مستخرج منه.
وقال: قال الشافعي في "الأم": ولا خير في بيع الحليب بالمضروب لأن في المضروب ماء فإن كان يطرح فيه ماء فهذا معنى آخر يمنع البيع والمضروب هو المخيض، وأما اللبن باللبن لا يجوز لأن أصله الكيل واللبن المعمول للأكل لا يكال ولأن النار قد عقدت أجزاءه فيؤدي إلى التفاضل.
وأما الأقط والمصل والجبن وسائر ما ذكرنا [17/ب] لا يجوز باللبن لمعاني: أحدها أن أصله الكيل فلا يباع وزناً ولأن النار قد اختلف عملها في أجزائه فيؤدي إلى التفاضل، ولأنه قد خالطه غيره فإن المصل قد خالطه ملح وكذلك الأقط والجبن خالطه ملح وأنفحة وكذلك الرخبين والكشك والكامخ وأما ما يتخذ منه إذا باع بعضه ببعض، فإن باع الزبد بالزبد لا يجوز لأن المقصود منه السمن الذي فيه وذلك مجهول التماثل لقلة اللبن في أحدهما وكثرته

الجزء: 4 - الصفحة: 435

في الآخر نص عليه الشافعي فيما نقله القاضي أبو حامد ومن أصحابنا من قال فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لما ذكرنا.
والثاني: يجوز لأن اللبن في الزبد يسير غير مقصود، فهو كالنوى في التمر وصار كبيع السمن بالسمن يجوز، قال صاحب "الحاوي": وهو الأصح عندي.
وأما السمن بالسمن قال الشافعي: يجوز معه وزناً أحوط وهذا لأنه لا يخالطه غيره ولو كان جامداً.
قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن.
والثاني: يجوز لأن الكيل فيه متعدد والوزن أحصر وهذا خلاف ما ذكرنا [18/أ] في النص.
وأما اللبن باللبن والأقط بالأقط والجبن بالجبن لا يجوز لأن أصله الكيل ولا يمكن فيه ولأن النار قد اختلف عملها فيه.
قال القاضي الطبري: الجبن بالجبن لا يجوز لأن فيهما أنفحة فيؤدي إلى التفاضل ولا يجوز بيع الجبن بالمصل أيضاً لهذا ولكن بيع المصل بالمصل إنما لا يجوز لأنه لا يمكن كيلهما فإن دقا جميعاً حتى أمكن الكيل يجب أن يجوز بيع بعضه ببعض وبيعه باللبن أيضاً وهذا عندي إذا لم يخالطه ملح فإن خالطه ملح فلا يجوز على ما ذكرنا بلا خلاف.
وقال في "الحاوي": إن كان الجبن طرياً لا يجوز وإن كان يابساً فيه قولان: أحدهما: يجوز رواه حرملة وهذا إذا تناهى بنفسه فيباع بالوزن لصحة المماثلة فيه وإنه غاية اللبن التي ينتهي إليها وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: رواه الربيع وهو الأصح لا يجوز واختلفوا في العلة فقال ابن سريج: العلة أن أصله الكيل وقد تعذر وقال غيره: لأن فيه أنفحة يعمل بها فيمنع التماثل فيه فعلى هذا لو دق الجبن حتى صار ناعماً يجوز على قول ابن سريج وعلى قول غيره لا يجوز.
وأما بيع نوع بنوع آخر إما الزبد بالسمن [18/ب] لا يجوز، لأنه بيع بثمن ولبن بسمن، وأما بيع السمن بالمخيض يجوز لأنه ليس في السمن مخيض ولا في المخيض سمن.
وأما بيع الزبد بالمخيض قال الشافعي: يجوز لأنه قال: فإذا اخرج منه الزبد وصار مخيضاً يجوز بيعه بزبد وسمن.
وقال أبو إسحاق: لا يجوز ذلك على مقتضى تعليله وهو أن في الزبد شيئاً من اللبن، ونص الشافعي على جوازه فدل على فساد تعليل أبي إسحاق.
قال أبو حامد: أجاب الشافعي بهذا ظناً منه أنه لا لبن في الزبد وليس كما ظن فإن الزبد لا ينفك من اللبن فلا يجوز وهذا قياس المذهب.
وأجاب أصحابنا بأن الشافعي إنما قال: إذا لم يكن فيه اللبن ظاهراً.
وذلك القدر يسير لا يتبين إلا بالنار والتصفية فلا حكم له، وقال القفال: المذهب ما نص عليه لأن المقصود من الزبد السمن والمخيض ليس من جنس السمن إذا كان منزوع الزبد فهما جنسان مختلفان وهكذا ذكر القاضي الطبري فيجوز متفاضلأً وعلى هذا يجوز بيع الدهن بالكسبة، لأنهما جنسان كالسمن بالمخيض وأكثر ما في هذا الباب أن اللبن الذي فيه يأخذ جزء من

الجزء: 4 - الصفحة: 436

الوزن [19/أ] فيصير الزبد باللبن غير متماثلين وهذا لا يضر، لأن بيع اللبن المنزوع زبده بالزبد جزافاً جائز قال: وخرجت على هذا أن بيع الحنطة التي فيها شعيرات بالحنطة التي فيها شعيرات أخذت جزءاً من الكيل فتجهل المماثلة وكذلك لا يجوز بيع الحنطة الخالصة بالحنطة التي فيها شعيرات لهذا المعنى، وأما بيع حنطة فيها شعيرات بالشعير يجوز، لأن المقصود هو الحنطة والحنطة والشعير مختلفان والشعيرات التي فيها غير مقصودة، وهذا مثل بيع الدنانير بالدراهم وكانت في الدراهم حبات سمسم أو قليل تراب لم يضره لأن المماثلة فيه غير معتبرة وبمثله لو باع الورق بالورق أو الذهب بالذهب وفي أحدهما حبات سمسم أو قليل تراب لا يجوز وأصحابي يخالفوني كثيراً في هذه المسألة غير أنها وأمثالها لا تخرج إلا على هذا الأصل الذي أصلت.
وقال الشيخ أبو محمد الجويني في "المنهاج المختصر": الذي في الزبد قليل فلا حكم له، كما لو باع حنطة لا شعير فيها بحنطة فيها حبات شعير قليلة يجوز، وهذا خلاف ما ذكر القفال وهو الأصح، وعلى ما ذكرنا [19/ب] قال أصحابنا: بيع الدقيق بالنخالة الصافية عن الدقيق تجوز لأنهما جنسان والنخالة ليست من مال الربا، وأما بيع اللبن بالأقط أو بالجبن أو بالمصل لا يجوز بحال لما ذكرنا.
فرع لو باع الكسبة بالكسبة، حكي عن ابن أبي هريرة أنه يجوز وزناً إذا استخرج الدهن وقال غيره: لا يجوز لأن أصله الكيل وقد تعذر ويختلف عصره فربما يبقى الدهن في أحدهما أكثر ولأن في الكسبة ماء وملحاً لا يمكن استخراج الدهن إلا بهما.
فرع آخر لو باع العلس بالعلس لا يجوز إلا بعد الإخراج من قشرته وكذلك لا يجوز بيع العلس بالحنطة ولكن يجوز بيعه بالشعير لأنهما جنسان يجوز فيهما التفاضل.
فرع آخر بيع الأرز بالأرز قبل إخراجه من القشر العليا لا يجوز كالعلس، وأما قبل إخراجه من القشرة الثانية الحمراء، قال بعض أصحابنا: لا يجوز أيضاً لأنه كالعلس ونصابه عشرة أوسق كالعلس.
وقال جماعة أصحابنا: هذه القشرة اللاحقة به تجري مجرى أجزاء الأرز لأنه يؤكل [20/أ] ويطحن معها وإنما يخرج منها ناهياً في استطابته كما تخرج النخالة من الحنطة ولا يمنع ذلك بيع الحنطة بالحنطة ونصابه في الزكاة خمسة أوسق كالحنطة مع قشرتها الحمراء.
ذكره في الحاوي.
وهذا القول الثاني هو الصحيح عندي ولا يحتمل الوجه الآخر والصحيح أنه يجوز الأرز في قشرته العليا أيضاً لأنها من صلاحه ويدخر معها وكذلك الباقلي بالباقلاء في قشره يجوز وهو المذهب.

الجزء: 4 - الصفحة: 437

فرع آخر بيع الحنطة المسوسة بالمسوسة ولم يبق في واحد منهما لب يجوز لأنه نخالة فإن بقي قليل لب لا يجوز وكذلك لو باع المسوس بالصحيحة.
مسألة: قال: "ولا خير في شاة فيها لبن بلبن يقدر على حلبه".
الفصل في هذا الكلام تقديم وتأخير أي: لا خير في شاة في ضرعها لبن يقدر على حلبه بلبن، ثم اعلم أنه لا يجوز هذا البيع لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من اللبن المقابل للشاة ولا بد من تقويم الشاة [20 ب] واللبن لتوزيع الثمن عليهما فصار كبيع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة وإنما قلنا كذلك لأن اللبن في الضرع يأخذ قسطاً من الثمن بدليل خبر المصراة حيث جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بدل اللبن صاعاً من تمر ولأن اللبن في الضرع كاللب في الجوز لأن صاحبه يستخرجه متى شاء ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير إذنه أيحب أحدكم أن تؤتى خزانته فينتشل ما فيها"، فلما لا يجوز بيع لب الجوز بالجوز للجهل بالتماثل بين اللبين، كذلك هاهنا لا يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع لب الجوز بالجوز إذا كان اللب الخارج أكثر ليقابل الزيادة القشر، وكذلك يجوز بيع اللبن باللبون إذا كان اللبن الخارج أكثر على هذا التقدير.
قال الشافعي: "وليس كالولد لا يقدر على استخراجه" ليس أنه يحتاج إلى فرق بين اللبن والحمل في أمر الربا لأنه لا ربا في الحمل ولكن كان قائلاً قال له: جعلت للابن قسطاً من الثمن حتى أثبت فيه الربا ولم يجعل [21/أ] للحمل قسطاً من الثمن في أحد القولين ففرق بأن الحمل لا يقدر على استخراجه فجاز أن يجعل كالمعدوم ما لم يخرج وهذا مقدور عليه.
فإن قيل: لو كان للبن قسط من الثمن لما جاز بيع شاة فيها لبن أصلاً لأنه بيع مجهول ومعلوم صفقة واحدة وأجمعنا على جوازه بغير اللبن كما لا يجوز بيع شاة ولبن في قدح مغطى بدينار قلنا: الفرق أن اللبن في الضرع مستور بما فيه مصلحته فجاز بخلاف ما لو كان في القدح وهو كبيع الجوز بجوز فإن كان اللب مستوراً بخلاف ما لو كان مستوراً بغير القشر ولأن اللبن في الضرع تبع للشاة تدخل في البيع بالإطلاق بخلاف ما لو كان في القدح والجهل بالبائع لا يضر كالجهل بأساس الدار.
فرع لو باع شاة في ضرعها لبن بلبن أو بقراً أو إبل فإن قلنا: الألبان صنف واحد لا يجوز على ما ذكرنا وإن قلنا: الألبان أصناف يجوز كما لو باعها بدراهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 438

فرع آخر لو كان هذا البيع نسيئة فهو أفسد البيع فيكون ربا على ربا وإن كان التي في ضرعها لبن مذبوحة فالحكم [21/ب] فيها كما لو كانت حية بل أفسد لأنها قد صارت لحماً وفيه الربا فكأنه باع لبناً ولحماً بلبن.
فرع آخر لو لم يكن في ضرعها لبن جاز بيعها بلبن لأنهما عينان لا ربا في إحداهما فهو كبيع الشاة بالتمر، وقال في كتاب حرملة: لو حلب بلبنها ثم بيعت بلبن في الحال جاز لأن ذلك القدر الذي فيها من اللبن يسقط حكمه في البيع كما لو باع داراً مسقفاً بذهب يجوز لأن ذلك كالمستهلك ومفهوم قوله هاهنا: يقدر على حلبه يدل على هذا لأن هذا القدر لا يقدر على حلبه ولا يمكن استقصاء اللبن بالحلاب، وهو كما لو قال: والله لأشربن ماء هذه الأداوة فشرب وغادر بللاً يسيراً بر في يمينه لأنه عاجز عن انتشاف بلل الإداوة بالشرب.
فرع آخر لو باع شاة مذبوحة مسلوخة لا لبن فيها بلبن فلا شك في الجواز لأنها جنسان.
فرع آخر لو باع شاة فيها لبن بشاة فيها لبن فالمذهب أنه لا يجوز، وبه قال عامة أصحابنا.
وقال أبو الطيب بن سلمة: يجوز كما يجوز بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء وكما يجوز بيع [22/أ] سمسم بسمسم وإن كان في كل واحد منهما شيرج وكسبة وهذا غلط لأنه لا يجوز بيع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة، وكذلك لا يجوز بيع لبن في إناء بلبن في إناء على أن يدخل الإناءان في البيع وأما بيع دار فيها ماء بدار فيها ماء، قال عامة الأصحاب: يجوز لأنه لا ربا في الماء وهو المذهب، وإن قلنا في الماء ربا، فإن كان محوزاً في الحباب فهو مملوك بلا خلاف ولا يجوز هذا البيع خوف التفاضل وإن كان الماء في البئر، قال بعض أصحابنا: هو مملوك أيضاً فلا يجوز إلا أن يكون الماء ملحاً غير شروب فيجوز لأنه لا ربا فيه، وقال جمهور أصحابنا وهو ظاهر المذهب: إنه لا يملك إلا بالأخذ وكذلك ماء العين وإنما يكون لمالك البئر منع غيره من التصرف في بئره أو نهره فإن جازه الغير ملك والذي يدل على هذا أن من اشترى داراً فاستعمل ماءها ثم ردها بعيب لا يلزمه غرم الماء بالإجماع بخلاف لبن الضرع، وأيضاً يجوز لمستأجر الدار استعماله ولو كان على ملك صاحب الدار لم يجز ذلك [22/ب] فعلى هذا يجوز البيع في هذه المسألة.
فإن قيل: أليس لو اشترى داراً وفيها بئر لا ماء فيها ليردها بالعيب فدل أن الماء يملك بالعقد قلنا: إنما قلنا كذلك لأن الدار تصير معيبة بجفاف البئر فيردها بالعيب لا لأجل أن الماء مملوك وهو في البئر، وقيل: إذا باع داراً في بئرها ماء فإن لم يكن للماء قيمة في ذلك البلد لا يجعل للماء حكماً ولكن يدخل في العقد تبعاً، وإن كان للماء قيمة لا يدخل الماء الموجود في البيع إلا بالشرط، فإن شرط فإن كان قدر الماء

الجزء: 4 - الصفحة: 439

معلوماً بالعرض والعمق يجوز، وإن كان مجهولاً لا يجوز ففي مسألتنا إن لم يكن للماء قيمة يجوز وإن كان للماء قيمة ونصا عليه من الجانبين فهو مبني على أن في الماء ربا أم لا على ما ذكرنا.
فإن قيل: أليس تسقطون حكم الجهالة في اللبن للتبعية؟ فأسقطوا فيه حكم الربا للتبعية، قلنا: حكم الربا يثبت مع التبعية كما في الثمرة غير الموبرة إذا باعها مع النخلة بمثلها لم يجز.
وأما بيع السمسم بالسمسم إنما جاز لأن الشيرج الذي فيه لا يأخذ قسطاً من الثمن [23/أ] بخلاف اللبن وقيل: الفرق أن السمسم بالسمسم بيع شيرج بشيرج والكسب فيه غير مقصود كالنوى في التمر، وهاهنا اللبن والشاة مقصودان.
فرع آخر لو باع دجاجة فيها بيض ببيض، قال أصحابنا: لا يجوز وجهاً واحداً لأنه معتبر وهو موجود في جوفها.
وقال في "الحاوي": فيه قولان مخرجان من القولين في الحمل هل له قسط من الثمن أو هو تبع لأن البيض كالحمل فإن قلنا: أخذ قسطاً من الثمن لا يجوز لأن بيع البيض بالبيض لا يجوز على قوله الجديد، وإن قلنا: بيع يجوز، وعلل والدي الإمام رحمه الله لهذا القول بأنه كالمستهلك ما دام في جوفها.
مسألة: قال: "وكل ما لم يجز التفاضل فيه فالقسم فيه كالبيع".
هذا جواب على أظهر قوليه وأجراهما على القياس وهو أن القسمة بيع لإفراز حق.
وبه قال أبو حنيفة: ووجهه أن كل جزء من الدار مشترك بينهما فعند الاقتسام يصير كأن كل واحد منهما باع ما في يد شريكه من نصيبه بما في يده من نصيب [23/ب] شريكه، ومن قال إنها إفراز حق احتج بأنها لو كانت تبعاً ما صحت بالقرعة ولا استحقت الشفعة بها ولا افتقر إلى لفظ البيع وهذا اختيار أبي حامد.
فإذا تقرر هذا ففائدة الخلاف في فصلين: أحدهما: في جنس فيه الربا يجوز بيع بعضه ببعضه كالبر والشعير فلا يجوز قسمتها وزناً إذا قلنا بيع، وإن قلنا إفراز حق يجوز بالوزن.
والثاني: في جنس فيه الربا لا يجوز بيع بعضه ببعض كالرطب والعنب فهل يجوز قسمتها؟ قولان بناء على هذين القولين.
وأما قسمة الثمار على رؤوس الأشجار فقد تقدم حكمها في كتاب الزكاة وقيل: إنما اختلف قول الشافعي في هذا الاختلاف قوله في خرص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمار المدينة هل كان لمعرفة قدر الزكاة أو لإفراز حقوق أهل السهمان، فإن قلنا: خرصها لمعرفة قدر الزكاة فيها وإنما كان إفراز الحق تبعاً لمعرفتها لا تجوز قسمة الثمار خرصاً وتكون القيمة بيعاً وإن قيل: خرصها [24/أ] كان لإفراز حق أهل السهمان جاز قمة الثمار خرصاً وكانت القسمة إفراز حق وتمييز نصيب.

الجزء: 4 - الصفحة: 440

فرع لو كانت الصبرة بينهما نصفين فاقتسما أخذ هذا قفيزاً وهذا قفيزاً، ولا يجوز لأحدهما أن يستوفي كل حقه منهما ثم يكتال للآخر ما بقي لجواز أن يتلف الباقي قبل أن يكتال الشريك الآخر ولأنهما استويا في الملك فيستويا في القبض.
فرع آخر لو اتفقا على المبتدئ منهما بأخذ القفيز الأول جاز ولو لم يتفقا أقرع بينهما في أخذه ويكون استقرار ملك الأول على ما أخذه موقوفاً على أن يأخذ الآخر مثله فلو أخذ الأول قفيزاً فهلكت الصبرة يرد نصف القفيز.
فرع آخر قبضهما بالكيل وحده دون التحويل بخلاف البيع والفرق أن المبيع مضمون على بائعه باليد فاعتبر في قبضه التحويل لرفع اليد فيسقط الضمان وليس في القسمة ضمان يسقط بالقبض بل هو موضوعه [24 أ/6] للإجازة وبالكيل دون التحويل تقع الإجازة.
فرع آخر لو تقابضا بعض الصبرة ولم يتقابضا باقيها حتى افترقا صحت القسمة فيما تقابضا قولاً واحداً وكانت الشركة بينهما فيما بقي على الإشاعة.
فرع آخر إذا قلنا: القسمة إفراز حق والشيء مما يتماثل أجزاؤه كالحبوب جاز أن ينفرد أحدهما بأخذ حصته عن إذن شريكه بخلاف الثياب فإن هناك يحتاج إلى الاجتهاد والنظر في طلب الأحظ فلم يجز أن ينفرد بالقسمة وإن أذن الشريك بخلاف هذا ولو انفرد أحد الشريكين بأخذ حقه من غير إذن شريكه فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن لشريكه حق الإشاعة فلا يسقط إلا بالإذن.
والثاني: يجوز له لأنه لو استأذنه لم يكن له أن يمنعه فجاز أن لا يستأذنه إذا استوفى قدر حقه منه.
ذكره في "الحاوي"، وعندي الأصح الوجه الأول.
وإن قلنا: القسمة بيع لا يجوز أن ينفرد أحدهما بحال لا بالإذن [25/أ] ولا بغير الإذن لأنه لا يجوز ذلك في البيع.
فرع آخر لو مات رجل وخلف كلاباً ففي قسمتها وجهان، أحدهما: يقسم بالتقويم للضرورة كما يقوم الحر في معنى الحكومة للضرورة.
والثاني: يقسم بالعدد.
فرع آخر الدار إذا كان نصفها ملكاً ونصفها وقفاً مشاعاً فإن قلنا: القسمة إفراز حق، يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 441

قسمتها، وإن قلنا: إنها بيع فيه وجهان، أحدهما: لا يجوز لأن الوقف لا يقبل البيع وهو القياس، والثاني: يجوز، والمصلحة في هذا وبه أفتي لأنها لو تركناها شائعة بين وقف وملك تداعى ذلك إلى الخراب عند التنازع وإذا ميزنا الوقف عن الملك أقبل كل مستحق على عمارة حصته.
مسألة: قال: "ولا يجوز بيع ثمر برطب بحال".
بيع الرطب بالتمر على وجه الأرض لا يجوز بحال وكذلك كل ثمرة رطبة بيابسها كالعنب بالزبيب والخوخ الرطب بالمقدد ونحو ذلك.
وبه قال سعد بن أبي وقاص وسعيد بن [25/ب] المسيب ومالك والليث وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة وحده: يجوز واحتج الشافعي بما روى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سأل عن شرى التمر بالرطب فقال: "أينقص الرطب إذا يبس، قالوا: نعم"، فنهى عن ذلك وروي أنه قال: فلا إذاً.
وروي عن زيد بن أبي عياش أنه سأل سعد بن أبي وقاص عن بيع البيضا بالسلت فقال له سعد: أيهما أفضل؟ فقال: البيضا فنهى.
وقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن شري التمر بالرطب وذكر الخبر، قال الشافعي: نظر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المتعقب في اعتبار المماثلة فلما علم أنه ينقص في تلك الحالة أبطل البيع.
وقيل: البيضا نوع من البز أبيض اللون وفيه رخاوة تكون ببلاد مصر، والسلت نوع من غير البز وهو أدق حباً منه، وقيل: البيضا هو الرطب من السلت وهذا القول أليق بمعنى الحديث وعلته: لأنه بين موضع النسيئة من الرطب بالتمر، وإذا كان الرطب منهما جنساً واليابس جنساً آخر [26/أ] لم يصح التشبيه.
ذكره الخطابي في "غريب الحديث".
وقوله: "أينقص الرطب إذا يبس"؟ لفظه لفظ الاستفهام ومعناه التقرير والتنبيه على علة الحكم لأنه لا يخفى ذلك على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وروى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع التمر بالتمر وعن بيع العنب بالزبيب كيلاً وعن الزرع بالحنطة كيلاً".
فرع لو باع التمر الحديث بالتمر العتيق قال بعض أصحابنا: يجوز لأن النقصان يسير فيعفى كقليل التراب في الكيل وهذا لا يصح، والتحقيق أنه ينظر فيه فإن كان إذا جف تاماً ينقص وزنه ولا تتقلص جثته فلا يظهر في الكيل يجوز لأنه لا اعتبار بالوزن فيه، وإن كان يتقلص جثته ويظهر ذلك في الكيل لا يجوز.
مسألة: قال: وكذلك لا يجوز بيع رطب برطب.

الجزء: 4 - الصفحة: 442

لا يجوز بيع الرطب بالرطب عندنا، وقال مالك وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وأحمد والمزني: يجوز ذلك وهذا غلط لأنهما لا يتماثلان حالة الادخار والمماثلة معتبرة [26/ب] في تلك الحالة.
فإن قيل: التفاوت يقل هاهنا فيجب أن يجوز كما في الحديث بالحديث، قيل: الفرق أن تفاوت الرطبين قد يتفاوت كتفاوت التمر والرطب وربما ينقص عنه قدر الثلث إذا صار تمراً ويفارق الحديث بالحديث لأنهما وإن نقصا فيما بعد فهما في أول حالة الادخار سواء والنقصان الذي يحصل فيما بعد نقصان غير بين.
فرع لو باع الطلع بالرطب أو التمر فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يجوز لأنه لم ينعقد بيع القصيل بالحنطة.
والثاني: لا يجوز لأن نفس الطلع يصير رطباً أو تمراً ونفس القصيل لا يصير حنطة بل ينعقد فيه الحنطة، والثالث: وهو الأصح إن كان من طلع الفحول جاز كالقصيل، لأنه لا يصير رطباً وإن كان من طلع الإناث لم يجز لأنه يصير رطباً.
فرع آخر لا ربا في البقول على القول القديم وعلى القول الجديد فيها الربا فإن كانا جنسين كالهندبا والنعناع يجوز بيع أحدهما بالآخر نقداً كيف شاء، وإن كانا جنساً واحداً [27/أ] كالهندبا بالهندبا.
قال الشافعي: لا يجوز وقال ابن سريج: فيه قول آخر أنه يجوز لأنه معظم منفعته في حال رطوبته كاللبن باللبن وهذا أبلع لأنه لا يؤول إلى صلاح بحال بخلاف اللبن.
فرع آخر لو باع ما كان مأكوله مستوراً في الأرض كالجزر والفجل والكراث والبصل والسلجم نظر فإن باع ما ظهر من ورقه مطلقاً لم يجز لأنه يطول فيختلط المبيع بغيره وإن شرط القطع جاز كما قلنا في الثمرة قبل بدو الصلاح.
وأما بيع ما في بطن الأرض لا يجوز بحال ولا يشبه بيع خيار الروية لأنه إذا قلع فلم يخبره المشتري كان في رده ضرر على البائع ولا يمكن أن يقول يجوز ولا جاز لأنه لم يرها ولا يجوز أن يجعله سلماً لأنه عين ولأنه لا يمكن ضبطه بالصفات ولا يشبه بيع الجوز وإن كان المقصود مستوراً لأن بقاء الجوز في قشره بعد التناهي من مصلحته بخلاف بقاء هذه في الأرض بعد التناهي فإنه ليس من مصلحتها.
مسألة: قال: "وإذا كان متبايعا الذهب والورق بأعيانهما [27 أ/6] إذا تفرقا قبل القبض كانا في معنى من لم يبايع دل ذلك على أن كل سلعة باعها فهلكت قبل القبض فمن مال بائعها".
إذا ابتاعا صرفاً ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق فمن شرطه القبض قبل التفرق، فإن تفرقا قبل أن تقابضا أو قيل: قبض أحدهما بطل بدليل خبر عمر وعبادة رضي الله عنهما، ولو اختلفا بعد الافتراق فقال أحدهما: تفارقنا من غير قبض وقال

الجزء: 4 - الصفحة: 443

الآخر: تفارقنا مع القبض فالقول قول من يدعي الفسخ أيضاً.
وأما إذا تبايعا غير الصرف كالثياب والعبيد والسلع فليس من شرطه القبض قبل التفرق ولكن متى تلف المبيع قبل القبض بطل البيع وسقط الثمن عن المشتري سواء طالب البائع بالإقباض فامتنع أو عرض البائع الإقباض فامتنع المشتري أو تلف من غير مطالبة واحد منهما وبه قال الشعبي وربيعة وأبو حنيفة، وقال مالك: عقد البيع يستتر بالعقد ولا يلحقه الفسخ بهلاك المبيع فإن طولب البائع بالإقباض فأبى أتم وصار عامياً يلزمه قيمته، وإن لم يطالب فلا شيء عليه وله [28/أ] الثمن وإن طالبه بذلك فقال: لا أسلم حتى أقبض الثمن يصير المبيع كالمرهون في يد المرتهن.
وعند مالك: إذا تلف الرهن في يد المرتهن إن كان بآفة ظاهرة فهو من ضمان الراهن وإن كان بأمر باطن فهو من ضمان المرتهن.
وذكر القفال عن مالك أن هذا إذا اشترى جزافاً فإن اشترى مكايلة أو موازنة لا يدخل في ضمانه حتى يقبضه بالكيل أو بالوزن.
وقال أحمد وإسحاق مثل قوله إنه إذا تلف من غير تعدي البائع كان من ضمان المشتري، وقال النخعي: إن كان البائع بذلها للمشتري فامتنع من قبضها لم يبطل البيع بتلفها وكانت مضمونة على المشتري بالثمن، وإن لم يكن كذلك بطل البيع، وقال ابن سيرين: يعجبني هذا القول ومال إليه، وقال أبو ثور: يدخل في ضمان المشتري بنفس العقد حتى لو دخله عيب لا يرد به المشتري ولو تلف لا يسقط الثمن ويد البائع فيه يد وديعة، وقال بعض العلماء: يد البائع فيه يد ضمان بالقيمة لا بالثمن فيغرم القيمة ويدفع إليه المشتري الثمن وهذا كله غلط.
واحتج الشافعي عليهم بالصرف [28/ب] فقال: لأنه بيع تعذر فيه القبض فيبطل كعقد الصرف إذا تفرقا عنه قبل التقابض بطل غير أن التعذر في الصرف من طريق الشرع لا من طريق المشاهدة وهاهنا من طريق المشاهدة والمشاهدة أقوى إذا ثبت بطلان العقد ثبت كونه من ضمان البائع.
واحتج مالك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان، والخراج الغلة وهي للمشتري فكان الضمان عليه قلنا: لا حجة فيه لأنه لم يقل الضمان بالخراج، بل قال: الخراج بالضمان، ثم ورد في الرد بالعيب.
تبقى الغلة للمشتري بعد رده بالعيب فإذا تقرر هذا لو باع عبداً بثوب وقبض الثوب ولم يسلم العبد فباع الثوب من غيره ثم تلف في يده العبد فقد انفسخ البيع في العبد والثوب قد تصرف فيه في وقت جاز له التصرف ويجب عليه أن يدفع إلى صاحبه قيمة الثوب كما إذا كان الثوب قد تلف في يده كان عليه قيمته وعلى هذا إذا باع عبداً بشقص وقبض الشقص أخذ الشفيع الشقص بالشفعة بقيمة العبد فإذا أخذه الشفيع ثم تلف العبد [29/أ] في يده قبل التسليم يبطل البيع في العبد ولا يبطل في الشقص ويجب عليه دفع قيمة الشقص إلى صاحبه ولو باع عبداً بثوب وقبض الثوب وباعه من

الجزء: 4 - الصفحة: 444

آخر ولم يسلمه إليه فتلف العبد والثوب في يده بطل البيع الأول في العبد دون الثوب وعليه قيمته لصاحبه الذي اشتراه منه وبطل البيع الثاني في الثوب وعليه رد الثمن إن كان قبضه فإن لم يكن قبضه فلا شيء عليه ولا على المشتري منه.
مسألة: قال: "وإذا اشترى بالدنانير دراهم بأعيانها فليس لواحد منهما أن يعطي غير ما دفع عليه البيع".
إذا تصارفا ذهباً بذهب أو ورقاً بورق أو ذهباً بورق لم يخل من أحد أمرين إما: أن يكون في الذمة أو معيناً فإن كان في الذمة وذلك على وجهين، أحدهما: أن يتصارفا ويصف النوع الذي يتصارفان عليه مثل أن يقول: بعتك درهماً فتحياً درهم راضي أو ديناراً قاسانياً بدينار نيسابوري ونحو ذلك فهذا الصرف يصح ويقع على النوع الذي ذكرناه.
والثاني: أن يتصارفا [29/ب] في الذمة وأطلقا العقد فإن كان للبلد عرف نقد انصرف الإطلاق إليه حتى يصير كأنهما ذكراه في العقد ولا يدخل هذا في نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الكالئ بالكالئ لأن تعيينهما وقبضهما في المجلس كالتعيين في العقد.
وحكى الإمام أبو عاصم العباداني أنه بمنزلة الأعيان الغائبة فإن لم يجوز بيع الغائب لا يجوز هذا لأن الشرع حرم بيع الدين بالدين فلو لم يقدر العوض عينا غائبة لما كان إلى تصحيح العقد سبيل وهذا ضعيف لما ذكرنا، وإن كان في البلد نقود مختلفة بطل العقل ولا بد في هذا الصرف من التقابض قبل التفرق فإن تفرقا قبل القبض بطل وإن تصارفا في العين مثل إن قال: بعتك هذه الدراهم بهذه الدنانير أو هذه الدنانير بهذه الدنانير تعينت بالعقد وفائدته شيئان: أحدهما: أنه لو أراد أن يعطيه بدلها لم يكن له.
والثاني: أنها لو تلفت قبل القبض بطل العقد.
وبه قال مالك، وقال أبو حنيفة: لا تتعين الدراهم والدنانير بالتعيين وله [30/أ] أن يعطي بدلها ولا يبطل العقد بتلفها أصلاً وهذا غلط لأنه عوض مشار إليه في العقد فوجب أن يعين كالحنطة.
فرع لو تراضيا على الاستبدال عنها قبل التفرق فإن كانت معينة لا يجوز وعند أبي حنيفة يجوز وإن كانت في الأمة فهل يجوز الاستبدال عنها؟ قولان: أحدهما: يجوز فيأخذ مكان الدراهم دنانير أو سلعة كما يستبدل عما ثبت في الذمة فرضاً أو بدل متلف وهذا أقرب إلى الاختيار وهو المشهور وذلك ما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله إنا نبيع الإبل بالبقيع بالدراهم فيأخذ مكانها دنانير والدنانير فيأخذ مكانها دراهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما لبس".
وروي: "لا بأس

الجزء: 4 - الصفحة: 445

أن يأخذها بسعر يومها ما لم يفترقا وبينكما شيء"، وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن وابن شبرمة: لا يجوز اقتضاء الدراهم من الدنانير أصلاً، وقال ابن أبي ليلى: يكره إلا بسعر يومه لهذه الزيادة في الخبر وقال أبو سليمان الخطابي: والصواب هذا القول.
والثاني: [30/ب] لا يجوز الاستبدال عنها نص عليه في "الجامع الكبير" وهو الأقيس لأنه مملول بعقد معاوضة فلا يستبدل عنه قبل القبض كالمبيع والمسلم فيه.
فرع آخر لو عين مكيالاً أو ميزاناً نص الشافعي في السلم أنه يبطل السلم وأما في البيع اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: يبطل البيع به لتضمنه حجراً.
والثاني: يتعين في العقد ويصح.
والثالث: يصح العقد ولا يتعين ذلك وهذا أظهر لأنه لا غرض في تعيينه.
وفي عين الدراهم إعراض منها، أن يعلم أنه من وجه حلال لكونه ميراثاً أو غنيمة، والثانى: أن يتقدم بها على سائر الغرماء، والثالث: أن يصير المشتري محجوراً عن التصرف فيها كالبائع في السلعة المبيعة.
وقيل: فيه وجه رابع: إن كان كيلاً معلوماً للعامة لا يتعين لأنه لا فائدة وإن لم يكن معروفاً كالطاس والقعب فإن كان الحق حالاً يجوز لأنه يقدر على تسليمه في الوقت وإن كان مؤجلاً لا يجوز لأنه ربما يتلف الكيل الذي عينه وهكذا لو عين كيالاً أو وزاناً [31/أ].
فرع آخر لو باع صاعاً من حنطة بصاع من حنطة موصوفة ثم أحضرا في المجلس وتقابضا يجوز كالنقد وفيه وجه آخر لا يجوز حتى يكون أحدهما معيناً ولا يصح الفرق بينه وبين النقد.
مسألة: قال: "فإن وجد بالدنانير أو الدراهم عيباً".
فصل الكلام الآن في الإبدال إذا وجد العيب فيها فإن تصارفا جنساً واحداً ذهباً بذهب أو جنسين ذهباً بورق فظهر فيها عيب هل له الرد والإبدال؟ ينظر فيه فإن كانت عيناً بعين لا يخلو إما أن يكون العيب من جنسه أو من غير جنسه فإن كان من غير جنسه مثل إن بانت رصاصاً أو نحاساً لا يخلو أما أن يكون في البعض أو في الكل فإن كان في الكل فالبيع باطل نص عليه في الصرف لأنه باعه غير ما سمى، قال أصحابنا كما لو قال: بعتك هذا الحمار فكان فرساً أو بعتك هذا الثوب القطني فكان كتاناً يبطل البيع كذلك هاهنا.
وقال في "الإفصاح": فيه وجه أنه يصح البيع ويخير المشتري لأن البيع وقع على عينه وهذا ضعيف.
[31/ب] وإن كان هذا العيب في النقص بطل البيع في ذلك النقص وهل يبطل في الباقي؟ قولان بناء على تفريق الصفقة ومن أصحابنا من قال: هذا إذا كان الصرف بغير

الجزء: 4 - الصفحة: 446

جنسه فإن كان دراهم بدراهم فوجد هذا العيب في بعضها فالمذهب أن البيع باطل قولاً واحداً لأنه يؤدي إلى التفاضل وهذا صحيح وإن كان العيب من جنسه مثل أن يكون فضة رديئة أو ذهباً رديئاً بأن يكون خشناً تتشقق عند الطبع أو كانت رديئة الضرب من حيث الصنعة فالبيع صحيح لأن الجنس واحد ويكون بالخيار بين أن يمسك أو يرد ويفسخ البيع فإن أراد الرد والاستبدال فليس له ذلك سواء كان قبل التفرق أو بعده كما لو كان المبيع ثوباً أو حيواناً بعينه فأصاب به عيباً ليس له البدل لأنه لو أبدل أخذ غير ما وقع عليه العقد.
وقال صاحب "التقريب": يجوز الاستبدال عنها قبل التفرق ولا يجوز بعده لأن حكم المتعاقدين ما داما في المكان الذي تعاقدا فيه كحكمها حال العقد بدليل أن الزيادة في الثمن والنقصان عنه [32/أ] وكذلك في الأجل يجوز في المجلس حتى قال: على هذا لو تعاقدا بثمن مجهول فلم يتفرقا حتى صيراه معلوماً صح العقد وهذا غلط؛ لأن الشافعي نص في المختصر: أنه لا يجوز الاستبدال ولم يفرق بين أن يكون قبل التفرق أو بعده بل ظاهر كلامه يدل على أن صورة المسألة قبل التفرق حيث عقب هذه المسألة بمسألة ثانية وهي: إذا كانت في الذمة لا يجوز إعلام الثمن في المجلس إذا وقع مجهولاً بحال لأن العقد وقع فاسد بشرط فإسقاط الشرط لا يبطله، وأما الزيادة في الثمن ونقصانه هل يجوز في المجلس؟ قولان.
وإن سلمنا فلأن العقد وقع في الأصل صحيحاً فاحتمل الإلحاقات قبل استقرار العقد بخلاف مسألتنا لأنه وقع فاسداً، وإن كان هذا العيب بالبعض فله رد الكل والرجوع لما دفع إليه وله إمساك الكل ولا شيء له غيره وهل له أن يزد البعض المعيب ويمسك الصحيح؟ قولان.
بناء على تفريق الصفقة فإن قلنا: لا يفرق فلا كلام، وإن قلنا: يفرق فله الرد بالعيب فإذا رد فبكم يمسك [32/ب] الصحيح؟ فإن كان جنساً واحداً أمسكه بحصته من الثمن قولاً واحداً ولا يجوز أن يمسكه بكل الثمن لأنه ربا وذلك لأنه ممسك ديناراً بدينارين وهذا لا يجوز، وإن كان الصرف جنسين فكذلك يأخذه بحصته من الثمن لأنه إذا أمكنه أن يأخذ الكل بكل الثمن فكيف يجوز أن يأخذ البعض بكل الثمن؟ لأنه يكون سفهاً ويكون رد هذا المعيب بغير فائدة ويفارق إذا باع عبدين فخرج أحدهما حراً، حيث قلنا: يمسك العبد بجميع الثمن على أحد القولين، لأن هناك لا يمكنه إمساك الحر معه بالثمن فدعت الحاجة إلى إمساك العبد وحده.
وقال بعض أصحابنا: بكم يمسك الصحيح؟ هاهنا قولان أيضاً.
ويفارق إذا كان الجنس واحداً لأن التفاضل فيه لا يجوز ولكن يقال له: إذا رددت البعض وأمسكت الباقي بكل الثمن لا فائدة لك ويكون سفهاً وهذا صحيح عندي، وإن كان البيع في الذمة فأصاب أحدهما عما قبضه عيناً لا يخلو إما أن يكون قبل التفرق فله الرد والبدل سواء كان المعيب من جنسه أو [32:أ] من غير جنسه، لأنه إن كان من غير جنسه مثل أن أقبضه نحاساً فقد أعطاه غير ما وقع عليه العقد والعقد بحاله لأنهما ما تفرقا فله مطالبته بما ملك عليه بعقد الصرف كالمسلم إليه إذا أتى بغير ما أسلم إليه رد إليه وطالب بما تناوله العقد، وإن كان في البعض مع القبض في الصحيح ورد ما ليس من جنسه وطالب بما يتناوله العقد، وإن كان العيب من جنسه كان له البدل، لأنه إذا كان له البدل إذا كان العيب من غير جنسه فبأن يكون له البدل إذا كان من

الجزء: 4 - الصفحة: 447

جنسه أولى ولكنه إن شاء رضي به، وإن كان العيب في البعض فقد صح القبض في الصحيح وفي الباقي وهو مخير بين الرضا وبين رده وأخذ البدل، وإن كان ذلك بعد التفرق ينظر فإن كان العيب من غير جنسه بطل العقد لأنهما تفرقا قبل قبض شيء من المعقود عليه، وإن كان العيب من جنسه لم يخل من أحد أمرين، إما أن يكون العيب بكله أو ببعضه فإن كان بكله فهو بالخيار بين أن [33/ب] يمسك أو يرد، فإن أمسك فلا كلام، وإن رد أو فسخ العقد فلا كلام.
وإن أراد الرد وأخذ البدل غير معيب فيه قولان على ما ذكرنا، أحدهما: ليس له وهو اختيار المزني وهو الصحيح، لأنه إذا رده لا يأخذ بدل ما رده بل يأخذ الأصل الذي وقع عليه العقد وقد فارقه قبل قبض ذلك فيبطل الصرف ولأن الصرف يتعين بالعقد تارة وبالقبض أخرى، ثم ثبت أنه لو تعين بالعقد لم يكن البدل فكذلك إذا تعين بالقبض.
واحتج المزني على هذا بأن الصرف في المعين وفي الموصوف سواء في اشتراط القبض قبل التفرق فوجب أن يكونا سواء في تحريم الاستبدال، والثاني: له ذلك وهو اختيار أبي حامد وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن كل معيب يجوز إبداله قبل التفرق فجاز إبداله بعد التفرق كالمسلم إليه إذا دفع إلى المسلم المسلم فيه معيباً له أن يستبدله.
ومن غير هذا أجاب عما ذكره القائل الأول فقال: أما الأول فلا يصح، لأن [34/أ] الذي قبضه وإن كان معيناً فهو قبض صحيح والمقبوض هو الذي وقع عليه العقد لأنه لو كان غيره أبطل العقد لأنه وجد التفرق قبل القبض ولما جاز له إمساكه والرضا به كما لو كان العيب والرد قطع للعقد من حين الرد لأنه رفع للعقد من أصله ولا فصل بين قبض المعيب وغيره إلا من جهة أن أحدهما: قبض لازم.
والآخر: قبض جائز ولا يمنع ذلك صحة القبض فيهما، أما الثاني: باطل بما لو كان قبل التفرق تعين بالقبض وله الإبدال وأيضاً إذا تعين بالعقد فأخذ البدل أخذ غير ما اشتراه بخلاف مسألتنا، وأما الثالث: باطل لأنه لا يمتنع الفرق بين المعين والموصوف كما في جواز الاستبدال قبل التفرق، فإذا قلنا: بالأول قلنا: له الخيار بين الإمساك والرد فقط، وإذا قلنا: بالثاني فالخيار بين ثلاثة أشياء بين الإمساك وبين الرد والفسخ وبين الرد والاستبدال.
وإن كان العيب بالبعض فإن كان من غير جنسه فالبيع يبطل في هذا [34/ب] البعض لأن القبض لم يوجد فيه في المجلس وهل يبطل في الباقي الذي قبضه فيه طريقان: أحدهما: يصح قولاً واحداً كما لو عقد على عبدين فمات أحدهما قبل القبض لا يبطل البيع في الباقي قولاً واحداً على الصحيح من المذهب لأنه فساد بعد العقد.
والطريقة الثانية: هل يبطل في الباقي بناء على تفريق الصفقة؟ وهذا اختيار القفال وليس لمسألة العبدين لأن عدم القبض في الصرف فساد في نفس العقد إذ تمام الصرف بالقبض يصير على الباقي قولان.
وإن كان العيب من جنسه فيه ثلاثة أقاويل، أحدها: لا تبدل ولكنه بالخيار إن شاء فسخ البيع في الكل، وإن شاء أجازه.
والثاني: بالخيار إن شاء فسخ البيع في المعيب وأمسك السليم، وإن شاء رد الكل وفسخ البيع في الكل وهذا إذا بعضنا الصفقة.
والثالث: أنه يبدل المعيب.
وقال القفال: هذان القولان في الاستبدال مبنيان على أنه إذا اشترى شيئاً وأراد أن يرده بالعيب هل يكون رده إبطالاً

الجزء: 4 - الصفحة: 448

للقبض من [35/أ] حتى يصير كأنه لم يقبضه ولم يكن مالكاً له ويكون مالكاً له من قبل ويكون رده نقصاناً للقبض فيه قولان.
وعلى هذا لو أسلم إلى رجل في جارية ثم قبضها ثم وجد بها عيباً وردها إليه هل يلزم البائع الاستبراء؟ وجهان: أحدهما: يلزم رده نقض للقبض الآن.
والثاني: لا يلزم إذا قلنا رده إبطال للقبض من أصله وهذا غريب بعيد في المذهب.
فإذا تقرر هذا قال المزني: وقد قال الشافعي: يرد الدراهم بحصتها من الدينار.
ومراده بهذه الحكاية أن الشافعي علق القول في تبعيض الصفقة هاهنا ولم يعلق القول في موضع أخر والمزني يستأنس بمثل هذا في ترجيح أحد القولين على الثاني.
فرع لو اشترى عشرة دنانير بمائة درهم وتقابضا البعض وافترقا فإن الصرف باطل في غير المقبوض ولا يبطل في المقبوض ولكنه بالخيار إن شاء رضي المقبوض بحصته من الثمن وإن شاء، رده وفسخ البيع لأنه لم يسلم له جميع ما وقعت عليه الصفقة ولا يجيء أن يقال ينفسخ العقد في الكل ولا يفرق [35/ب] الصفقة، لأن الصفقة وقعت بثمن معلوم ولفظ مباح وتعليل الشافعي في إبطال جميع الصفقة على أحد القولين أحد السببين، إما لأن العقد جمع مباحاً ومحظوراً، وإما لجهالة الثمن إذا فسدت الصفقة في بعضها، وهاهنا لم يوجد واحد منهما فلم يجز أن يحكم بفساد العقد في الكل.
وقال ابن القاص: في هذه المسألة وفي رأس مال السلم إذا تفرقا وقد بقي البعض ولم يقبضه هل يبطل العقد في الكل؟ قولان بناء على القولين في تفريق الصفقة وهذا اختيار القفال وهذا قاله برضاه المحصلون من أصحابنا ولا يقتضيه مذهب الشافعي.
فرع آخر قال ابن القاص: لو باع عبدين فتلف أحدهما في يد البائع قبل التسليم يبطل البيع في التالف ولا يبطل في الباقي قولاً واحداً، ورأس مال السلم مثله.
ومن أصحابنا من قال: خرج أبو إسحاق فيه قولاً آخر: إنه إذا مات أحدهما يبطل العقد، وهذا غلط على أبي إسحاق لأنه ذكر في الشرح بخلافه ولعله محكي عن غيره وليس بشيء [36/أ].
مسألة: قال: "ولو راطل مائة دينار عتق مروانية ومائة دينار من ضرب مكروه بمائتي دينار من ضرب وسط".
الفصل وقد مضت هذه المسألة في مسألة مد عجوة ودرهم بمدي عجوة، وقوله: راطل أي وازن والرطل يكون كيلاً ويكون وزناً.
والأصل في هذا ما روي عن فضالة بن عبيد أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز، وروي فيها خرز معلقة بذهب ابتاعها رجل بتسعة دنانير والسبعة دنانير فقال: لا حتى تميز بينه وبينه.
فقال: إنما أردت الحجارة

الجزء: 4 - الصفحة: 449

وروي التجارة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا حتى يميز بينهما" فرده حتى ميز بينهما هكذا في "سنن أبي داود".
وذكر أبو عيسى الترمذي عن فضالة بن عبيد أنه قال: اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب وخرز باثني عشر ديناراً ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر ديناراً، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تباح حتى تفصل" قلت: لعلهما خبران وهو الظاهر.
وقال أبو حنيفة في هذه الصورة: [36/ب] فإن كان الذهب الذي هو الثمن أكثر مما فيه من الذهب جاز، وإن كان أقل منه أو مثله لم يجز.
وذهب مالك إلى نحو هذا إلا أنه يحد الكثرة بالثلثين والقلة بالثلث.
وقال أحمد: يجوز وإن كان الثمن أقل.
وهذا قول ظاهر الفساد لما فيه من صريح الربا، ولا يصح ما قال أبو حنيفة: إنا إذا كان الذهب الخارج أكثر يكون الذهب بالذهب سواء والزيادة بإزاء الحجارة، لأنه قال في الخبر: إنما أردت الحجارة ومع ذلك منع وقال: لا حتى يميز بينهما.
مسالة: قال: "ولا باس أن يشتري الدراهم من الصراف ويبيعها منه إذا قبضها".
الفصل إذا كان معه عشرون درهماً صحاحاً فأراد بها ثلاثين درهماً مكسرة فالوجه أن يشتري بها من الصراف ديناراً أو يتقابضا ثم يبيع الدينار منه بثلاثين مكسرة ولو جعل هذا عادته وتجارته جاز، وقال مالك: إنما يجوز ذلك مرة واحدة ولا يجوز أن يجعله عادة لأنه يضارع الربا، وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -[37/ أ] استعمل على خيبر سواد بن غزية فجاءه بتمر حبيب فقال له: أكل تمر خيبر هكذا قال: لا، ولكنا بعنا صاعين من جمع بصاع من هذا وأراد بالجمع الدقل وهو جنس رديء فقال: أوه هذا عين الربا لا تفعلوا هكذا ولكن بيعوا الجمع بالدراهم واشتروا بالدراهم الحبيب والحبيب: الوسط من التمر هكذا قال الأصمعي في تفسير الجمع والحبيب وقيل: الجمع التمر الذي يجمع أنواع التمر، والحبيب الطيب، ويقال: إن أبا حنيفة افتتح كتاب "الحيل" بهذا الخبر.
وإذا تقرر هذا لو قصد بهذا العقد أن يأخذ أكثر مما أعطى أو أقل مما أعطى جاز، ولا اعتبار بالقصد إلى الربا إذا لم يباشر ولكنه يكره ثم فيه ثلاث مسائل، إحداها: أن يتقابضا ويتفرقا أو يتخايرا ثم تعاقدا بعد ذلك فيصح قولاً واحداً، الثانية: أن يتخايرا قبل أن يتقابضا بطل الصرف لأنه كالتفرق وقد ذكرنا ما قيل فيه، والثالثة: أن يتبايعا ثم يتقابضا ثم يتبايعا ثانياً قبل التفرق والتخاير.
فظاهر المذهب أن العقد

الجزء: 4 - الصفحة: 450

جائز لأن الشافعي قال ولا بأس [37/ب] أن يشتري الدراهم من الصراف ثم يبيعها منه فأطلق.
وبه قال ابن سريج، لأنه إن كان الخيار قائمًا فإن شروعهما في العقد الثاني يقطع خيارهما معًا ألا ترى أنهما لو شرعًا فيه فلم يكملاه لزم العقد الأول وانقطع الخيار كالتخاير بعد القبض شرعًا.
فإن قيل: أليس لو باع أحديهما ما قبضه من رجٍل آخر قبل التفرق والتخاير لم يجز؟ قلنا: الفرق أنه إذا باعه من غير بائعه فقد تصرف فيما لغيره فيه خيار ثابت ويملك رفعه عنه وهاهنا هما تعاقدا معًا ثانيًا فكأن شروعهما فيه رضًا بإمضاء الأول واستئنافًا للثاني وصح ذلك وعلى هذا لو اشترى شيئًا على أنهما بالخيار وقبضه ثم باعه من غير البائع لم يجز، وإن باعه من البائع جاز ويكون ذلك قطعًا للخيار.
وقال القفال في كتاب التهذيب: لا ينعقد هذا البيع إلا على القول الذي يقول: (الخيار لا يمنع انتقال الملك)، لا يصح؛ لأنه لو باع غير ملكه إلا أن ذلك يكون قطعًا للخيار فيستأنفان العقد وعلى هذا قال: إذا اشترى جارية [38/ أ] فزوجها من البائع قبل التفرق فإن قلنا: يملك المشتري بالعقد جاز، وإن قلنا لا يملك لا يجوز وسقط خياره وعلى القول الأول وهو الأصح يجوز.
وقال في (الحاوي): الأصح أنه لا يجوز البيع الثاني أصلًا لأن العقد الأول لم يستقر لا بالافتراق ولا بالتخابر والفرق بين التخابر والبيع أنهما إذا اختارا الإمضاء فقد رضي كل واحٍد منهما بإقرار مُلك صاحبه على ما انتقل إليه فاستقر به المُلك.
وإذا اتفقا على البيع الثاني فكل واحد منهما لم يرض باستقرار ملك صاحبه على ما انتقل إليه فلم يستقر بذلك المُلك فصار حكم التخاير والبيع مختلفًا فلم يجز أن يكون في لزوم العقد متفقًا ولو جعلا مكان الدنانير ثوبًا أو شيئًا آخر حتى لا يحتاج إلى التقابض في المجلس بل يكفي قبض الثوب في المجلس أو بعد المجلس ليصح بذلك القبض البيع الثاني فالأمر أوسع.
فرع لو كان معه عشرة دراهم صحاح ومع آخر أحد عشر درهمًا مكسرًة فلا يجوز بيع العشرة بالأحد عشر، والحيلة في ذلك أن يقرض كل واحٍد منهما صاحبه الذي معه ثم يبرئه عما حصل [38/ ب] له عليه أو يستبرئ منه الصحاح بعشرة مكسرة ثم يهب له ذلك الدراهم الباقي أو يهب كل واحٍد ما في يده لصاحبه من غير شرط ويكره أن يدخلا في البيع على ذلك.
فرع آخر لو كان معه عشرة دراهم وليس معه سواها ومع آخر دينار قيمته عشرون درهمًا فأراد أن يعقدا فيهما صرفًا ويتفرقا بعد القبض من غير غبن، قال أبو إسحاق: يصح هذا من وجه واحٍد وهو أن يشتري صاحب العشرة نصف الدينار مشاعًا بالعشرة ثم يقبضه العشرة ويقبض الدينار منه نصفه وديعة ونصفه مبيعًا، ثم يستقرض منه العشرة فيشتري

الجزء: 4 - الصفحة: 451

بها النصف الباقي من الدينار ويقبضها منه ويملك هذه العشرة التي اقترضها بالتصرف فيها وهو يشتري ما بقي من الدينار بها.
ومن أصحابنا من قال: يصح من وجه آخر أيضًا، وهو أن يشتري منه الدينار كله بعشرين في الذمة ويقبضه منه ثم يدفع إليه العشرة من ثمنه فتبرأ ذمته من نصف ثمن الدينار ثم يستقرضها من البائع فإذا قبضها فرضًا قضى بها ما بقي من ثمن الدينار فيصير [38 ب/ 6] الدينار كله له وقد أقبض جميع ثمنه وبقي عليه لبائع الدينار عشرة دراهم قرضًا، وقال أبو إسحاق: هذا لا يصح لأن البائع تصرف فيما قبضه من الثمن في مدة الخيار وفيه رد القرض قبل التصرف فيه ولا يملك القرض بالقبض حتى يقع التصرف فيه بعد القبض والصحيح هذا الوجه الثاني، لأن هذا التصرف وإن كان في مدة الخيار فهو من المتعاقدين فكان شروعهما فيه قطعًا للخيار كما قلنا في المسألة المتقدمة.
وقوله: إن فيه رد القرض قبل التصرف فيكون فسخًا للقرض ليس كذلك لأنه يقضي به ما بقي في ذمته من ثمن الدينار ولا فرق بين أن يشتري مما اقترضه ما بقي من ثمنه وهذا اختيار القاضي الطبري، وعلى هذا لو باع درهمًا في الذمة بدرهم في الذمة ثم سلم أحدهما ثم اقترض الآخر وردها عليه هل يجوز؟ فيه وجهان مبنيان على أن القرض متى يملك؟ وعند أبي إسحاق: يبطل هذا الصرف هاهنا لأنه قبض قبل أن يستقر ملكه عليها لأنه لا يملكها إلا بالتصرف.
فرع آخر لو كان له قبل رجٍل مائة مثقال ذهبًا [39/ب] فأعطاه مائة ديناٍر عددًا فكان وزنها مائة دينار ودينار، كانت المائة بالمائة التي عليه وبقي في يد القابض المائة والدينار دينار مشاع مضمون، لأنه قبضه على أنه عوض فكان مضمونًا وللذي أقبضه ذلك أن يهبه أو يأخذ به سلعة منه أو فضة، فإن أخذ سلعة جاز التفرق قبل القبض لأنه صرف، وإن اختار أن يقره في يده سلما في موصوف اتفقا عليه جاز.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا في ذمته وكان معه من ثمنه سبعة عشر درهمًا فقبضها بائع الدينار وبقي من الثمن درهم لم يجز الفرق قبل قبضه، فالوجه فسخ العقد ويشتري من الدينار بقدر ما معه من الدراهم وهو تسعة عشر سهمًا من الدينار فإذا قبضه المشتري قبض هذه عن بيع وسلم الباقي أمانة في يده، ويفارق المسألة الأولى حيث يقبض هناك الدينار الفاضل مضمونًا وذلك أنه قبضه على أنه بدل في معاوضة وهاهنا قبضه أمانة لا على سبيل البدل فإذا ثبت هذا فللبائع أن [40/أ] يصنع به ما شاء كأنه وديعة مفردة، إن أحب أن يهبه من المشتري فعل، وإن أحب أن يأخذ منه عوضًا فعل كما قلنا في ذلك الدينار الفاضل.
وقد قال الشافعي هاهنا: إذا اشترى بفضل الدينار ما شاء تقابضا قبل أن يتفرقا.
وقال الربيع عقيب هذه المسألة: لا بأس وإن لم يتقابضا أيضًا وهكذا قاله في (البويطي)، وإن تفرقا قبل التفاسخ بطل الصرف بقدر ما قابل الدرهم وهل يبطل في الباقي قد ذكرنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 452

فرع آخر لو باع درهمًا بدرهم فرجح أحدهما فلا بأس أن ينزل صاحب الفضل منهما فضله لصاحبه ولو اشترى ثوبًا بدينار فوزن المشتري الدينار فرجح في الميزان فأعطاه بائع الثوب بما فضل ذهبًا وهما لا يعلمان قدر الزيادة جاز لأنه يعتبر فيه التماثل وإن جهل القدر.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بعشرين درهمًا فوكل من يقبضه من البائع وانصرف المشتري من المجلس قبل قبضه بنفسه بطل الصرف، نص عليه الشافعي، لأن الوكيل في الإقباض ليس يقبض ومن شرط الصرف [40/ب] أن يتقابض المتصارفان قبل التفرق ولو أقبضه الوكيل قبل مفارقة الموكل المجلس جاز ذلك لأنه ما فارقه قبل القبض فإن يد وكيله كيده.
فرع آخر لو أحال في مجلس الصرف بما عليه فإن لم يقبض حتى افترقا لا يجوز وإن قبض من المحال عليه قبل التفرق فيه وجهان بناء على أن الحوالة كالبيع أو هي عقد معونة وإرفاق فإن قلنا: بيع لا يجوز وأن قلنا بالوجه الآخر يجوز.
فرع آخر لو اشترى رجٌل من صيرفي دينارًا بعشرة دراهم وقبض الدينار وللمشتري على الصيرفي عشرة، فقال: افعل هذه العشرة التي عليك بدلًا من الثمن لم يجز بحاٍل.
وقال أبو حنيفة: إن حصلت العشرة عليه قبل الصرف لم يجز وإن حصلت بعده جاز، وهذا غلط؛ لأنه َصْرف ُعدَم فيه القبض فلا يجوز ولأنه يصير بيع دين بدين وذلك لا يجوز بالإجماع.
فرع آخر لو أن الصيرفي أبرأ المشتري كانت البراءة باطلة لأنه أبرأ عما لم يستقر ملكه [41/أ] يجوز البيع وهو الأظهر؛ لأنها صفة يمتاز بها الموصوف عن غيره، والثاني: لا يجوز لأنها صفة غير الموصوف يجوز انتقالها عنه ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو باع ثوبًا بدينار إلا درهمًا لم يصح لأن الثمن مجهول لأنه لا يعلم كم حصته من الدينار ولم يبق منها ثمنًا ويخالف الإقرار لأن الإقرار يصح المجهول.
وقال في (الحاوي): إن جهلا أو أحدهما قيمة الدينار في الحال بطل، وإن علما قيمة الدينار فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن الاستثناء من غير جنس الثمن لا يجوز.
والثاني: يجوز لأنهما إذا علما أن قيمة الدينار عشرة دراهم وقد باعه بديناٍر إلا درهمًا صار كأنه قال: بعتك بدينار إلا ُعْشر ديناٍر والأول أصح لأنه لم يستثن قيمة درهم وإثما استثنى درهمًا فلا يلزم المشتري دفع الدينار كله لموضع الاستثناء ولا يلزم البائع دفع الدرهم لأنه ليس بمشترى فيتعذر استيفاء موجب العقد فبطل.

الجزء: 4 - الصفحة: 453

فرع آخر لو قال: اشتريت [41/ب] بمائة ديناٍر إلا دينارًا فقال: بعت فالبيع صحيح، لأنه يكون معلومًا وتقديره بعتك بتسعة وتسعين دينارًا.
فرع آخر قال في الصرف: ولو كان عند رجل دنانير وديعة فصارفه فيها ولم يقّر الذي عنده الدنانير أنه استهلكها حتى يكون ضامنًا، ولا أنها في يده حتى صارفه فلا خير فيه لأنه غير مضمون ولا حاضر، ويمكن أن يكون بذلك في ذلك الوقت فيبطل الصرف.
وقال أبو حامد: فإن قطعها على بقائها عنده صح الصرف، وكذلك إن ضمنها بالتعدي مع بقاء العين فإن استهلك ثم ابتاعها يجوز، لأنه يكون بيع دين بديٍن.
فرع آخر لو كان عليه دينار فأعطى صاحبها دراهم من غير مصارفه تكون الدراهم قرضًا عليه ويترادان ولو أراد أن يحبس الدراهم ليسترد ماله لا يجوز لأن المقبوض عن بيع فاسد لا يجوز حبسه على استرجاع ثمنه.
ولو استهلك الدراهم فلا وجه إلا أن يتباريا من غير شرط [42/أ] أو يقبض أحدهما ماله عند صاحبه ثم يقبضه عما في ذمته.
ولو أراد أن يتقاصا لم يجز لأنهما جنسان فإن قال صاحب الدينار: أبرأتك على أن تبرئني من كذا درهم لا يجوز لأن الإبراء يبطل بالشرط وإنما يصح مع الإطلاق، ولو أن أحدهما يبرأه مطلقًا ولم يبرئه الآخر من شيء جاز وكان له مطالبته بحقه، وليس للمشتري مطالبة الآخر بشيء.
فرع آخر لو اشترى رجل ثوبًا آخر بنصف دينار يلزمه كذلك أيضًا ولا يلزمه الصحيح فإن أقبضه المشتري دينارًا صحيحًا فقد زاده خيرًا، وإن اختار أن يقبضه دينارًا مكسرًا بنصفين جاز ذلك.
وإن اشترى الثوب الثاني على أن يعطيه هذا النصف والنصف الأول دينارًا صحيحًا لا يخلو، إما أن يكون هذا بعد لزوم البيع الأول أو قبله فإن كان بعده فالثاني باطل والأول صحيح لأنه دخله شرط فاسد.
وإن كان قبل لزوم البيع الأول بطل الأول والثاني معًا لأنه وإن كان وقت الزيادة في الثمن فتلك الزيادة مجهولة [42/ب] غير معلومة وليست بزيادة عين فبطلا.
فرع آخر لو قال: بعتك بألف درهم مكسرة جاز وقيل: إنما يجوز إذا تقاربت القيم فإن تقاربت لا يجوز.
فرع آخر لو قال: بألف غلة كسور ما جاز، ولو قال: بألف مثله أو بألف يجوز بالصحاح لا يجوز.

الجزء: 4 - الصفحة: 454

فرع آخر لو قال: بألف من نقد سرت كذا ونقودها متفقة يجوز وفيه وجه آخر لا يجوز.
فرع آخر لو قال: بعتك بديناٍر فإن كان المقصود الصحاح انصرف إليه، وإن كان المعهود القراضة فكذلك، وإن لم يكن بينهما تفاوت وكلاهما معهود صح ومن أيهما سلم جاز، وإن كان بينهما تفاوت لا يصح.
فرع آخر لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينارين صحيحين وزنهما دينار يقبل، ويحتمل عندي وجهًا أنه لا يقبل إذا كان بينهما تفاوت وقد يكون هذا في بعض البلاد عندنا.
فرع آخر لو قال: بديناٍر صحيح فجاءه بدينار وزنه مثقال ونصف يلزمه قبوله والزيادة [43/أ] أمانة عنده ويحتمل عندي وجهًا آخر لا يلزمه قبوله لأنه لا يكلف محمل الأمانة.
فرع آخر لو قال: بنصف ديناٍر صحيح، فإن لم يقل مدورًا أو شقًا من ديناٍر يجوز، وإن سلم ثقيلًا وأشركه فيه يجوز، وإن قال: مدورًا وهو عام الوجود يجوز، وإن كان نادر الوجود لا يجوز.
فرع آخر لو اشترى رجل عشرين درهمًا نقرة بديناٍر، فقال له آخر: َوّلني نصفها بنصف ما اشتريت صح لأن التولية كالبيع، ولو قال: اشتر لنفسك عشرين درهمًا نقرًة بدينار ثم َوّلني نصفها فعل كانت النقرة له دون الإذن لأنه باعه نصفها من نفسه وهو غائب.
فرع آخر لو دفع إلى صائغ فصًا وقال له: صغ لي خاتمًا من فضة حتى أعطيك بوزن الفضة فضة وأجرة الصنعة لم َيُجز لأنهما تبايعا فضة مجهولة بفضة وتفرقا قبل القبض وشرط فيه أن يعمل له عملًا.
فرع آخر قال في الصرف: وإذا تصارفا لا بأس [43/ب] أن يطول مقامهما في مجلسهما ولا بأس أن يصطحبا من مجلسهما إلى غيره ليوفيا الحق، لأنهما لم يتفرقا فإن تعذر عليهما التقابض في المجلس وأراد التفرق يلزمهما أن يتفاسخا العقد بينهما فإن تفرقا

الجزء: 4 - الصفحة: 455

قبل التفاسخ كان ذلك فاسدًا وجرى مجرى بيع مال الربا بعضه ببعض نسيئة ولا يعنى تفرقها، لأن فساد العقد إنما يكون به شرعًا وهو كالعقد مع التفاضل فاسد ولكنهما يأثمان به.
فرع آخر لو تبايعا عشرة دراهم فتحية بعشرة فتحية وتقابضا فتلفت إحداها في يد قابضها ثم علم بالعيب من جنسها فليس له أخذ الَارش، لأنه يقضي إلى التفاضل ولا يمكنه الرد لأن العين مفقودة فلا وجه أن يفسخ العقد بينهما ثم ترد عليه هذه الجيدة الموجودة ويكون عليه في ذمته عشرة رديئة يعطيه مثلها وقيمتها إن اتفقا عليه، ذكره ابن أبي هريرة.
فرع آخر لو اشترى دينارًا بدرهم وقبض وتلف عنده ثم وجده معيبًا فيه وجهان: أحدهما له [44/أ] وهذا َاقيس فعلى هذا يرجع بَأرش عيب الدينار دراهم.
ولو كان المبيع المعيب فضة رجع بأرش عيبها ذهبًا، والثاني: وهو قول أكثر أصحابنا لا يجوز ذلك لأمرين، أحدهما: أن الصرف أضيق حكمًا فلم يتسع له جوار الأرش فيه، والثاني: أن الأرش يعتبر بالأثمان فلم يجز أن يكون الأرش داخل في الأثمان فعلى هذا لا يخلو عيب الدينار المستهلك إذا لم يخرجه من الجنس من أحد أمرين إما أن يكون عيبًا فيصبح أن يكون صفة لما ثبت في الذمة أو لا يصح فإن كان يصح ذلك مثل أن يشتري دينارًا قاسانيًا فبان الدينار مغربيًا فعلى المشتري بدله مغربيًا، وإن كان لا يصح، أن يكون صفة لما في الذمة بأن كان مَبْهَرجًا فعليه إذا لم يرض بعينه أن يرد قيمته دراهم ولا يرد مثله لأن المَبْهرج لا مثل له ثم إذا رد مثل الدينار المعيب فيما له مثل أو رد قيمته ورقًا فيما لا مثل له فإن كان اشترى الدينار الذي بان عيبه بعينه لم يكن له المطالبة ببدله ولو كان له استرجاع [44/ب] ما دفع من ثمنه، وإن كان اشتراه في الذمة من غير تعيين فهل له الرجوع بالبدل سليمًا؟ قولان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو حصلت في ذمة رجل دراهم موصوفة وكانت نقدًا يتعامل الناس بها فحظر السلطان المعاملة بها لم يستحق صاحب الدراهم غيرها ولم يجز أن يطالب بقيمتها.
وقال أحمد: له المطالبة بقيمتها ذهبًا في أخر يوم حظرها السلطان وهذا غلط؛ لأن أكثر ما فيه أنه ركس قيمته وما ثبت في الذمة لا يستحق بدله لنقصان قيمته كالحنطة فإذا ثبت أن له أخذ تلك الدراهم بعينها بعد الحظر لما كان له أخذها قبل الحظر فعدمت تلك الدراهم ولو توجد كان له حينئذ أخذ قيمتها ذهبًا لتعذرها واعتبار زمان القيمة في آخر أوقات وجودها والقدرة عليها، لأنه آخر وقت كانت عينها فيه مستحقة.
فرع آخر لو ابتاع دينارًا أو ثوبًا بعشرة دراهم معينة من هذا النقد فحظر السلطان قبل القبض

الجزء: 4 - الصفحة: 456

المعاملة بها لم يكن ذلك عيبًا يستحق به الفسخ كرخص السعر ونقصه لأن [45/أ] العيوب ما اختصت بالصفات اللازمة.
فرع آخر وقال: أيضًا لو قال البائع في مدة الخيار للعبد المبيع: أنت حر إن دخلت الدار هل يكون قطعًا لخياره؟ وجهان.
فرع آخر لو باع بشرط الخيار بثمن مؤجل فالأجل من وقت العقد بلا إشكال ولو شرط أن يكون الأجل محسوبًا عقيب انقضاء الخيار وجهان: أحدهما: لا يصح البيع.
والثاني: يصح البيع والشرط، وذلك أنه لو باع بثمن مطلق بشرط الخيار ثم شرط الأجل قبل انقضاء الخيار والأشبه أنه يصح، وهكذا لو باع من غير شرط الخيار بثمن مؤجل على أن يكون الأجل محسوبًا عند انقضاء خيار المكان ففي صحة البيع والشرط هذان الوجهان.
فرع آخر لو باع بثمن مؤجل إلى ألف سنة هل يصح الشرط؟ يجب أن لا يصح لأنا نقطع على المشتري لا يبقى إلى هذه الغاية والأجل يسقط بالموت، وهو كإجارة الثوب إلى ألف سنة لا يجوز ويبطل البيع ببطلان هذا الشرط.
فرع آخر لو قال لعبده: إن مت بعد ألف سنٍة فأنت حر هل يصير به مدبرًا فيه وجهان، وليس كالبيع والإجارة [45/ب] لأنهما ينزهان من الغرر بخلاف التدبير الذي يتضمن العتق والصحيح أنه لا يكون مدبرًا، لأنا نقطع على أنه لا يبقى إلى هذه الغاية وفائدة الوجهين فيمن قال: والله لا أدبر عبدي فقال له: هذا القول هل يحنث؟ وجهان.
فرع آخر لو شرط الخيار أربعة أيام يومان للبائع ويومان للمشتري بعد انقضاء اليومين لا يجوز لأنه يزيد على ثلاثة أيام ولو شرطا خيار يوم للبائعين ويومين بعده للمشتري لم يجز لأن العقد إذا لزم في حق أحدهما يومًا لم يصح ثبوت الخيار له بعده كما لو شرط خيار يومين من بعد التفرق بيوم لا يجوز وإن شرطا خيار يوم للبائع وخيار يومين للمشتري من نصف يوم البائع لم يجز أيضًا لما ذكرنا ويحتمل أن يقال: يجوز في هذين الموضعين.
ولو كان الخيار للبائع يومًا ثم زاد يومًا آخر للبائع لم يصح أيضًا، لأن خيار الشرط لا يثبت إلا باتفاقهما وهذه الحالة ليست كحالة العقد في حق المشتري، لأنه لا خيار له ويقول البائع بانفراده لا يثبت الخيار فأبطلنا الشرط لذلك.
فرع آخر لو شرطا [46/أ] خيار ثلاثة أيام ثم أسقطا اليوم الأول سقط الكل هذا هو الأظهر،

الجزء: 4 - الصفحة: 457

وإن أسقطاه بشرط بقاء الخيار في اليوم الثاني والثالث فيه وجهان: أحدهما: لا يصح الإسقاط والخيار باق في الأيام الثلاثة، والثاني: يسقط الكل ويبطل شرطها، وإن أسقطا خيار اليوم الثاني سقط خيار اليوم والثالث وخيار اليوم الأول صحيح.
فرع آخر قال والدي رحمه الله: إذا شرط خيار الثلاث للمكاتب فإن أراد نفى الخيار له بعد الثلاث بطل العقد قولًا واحدًا، وإن أراد نفي الخيار إثبات الخيار له في الثلاثة مع ثبوتها بعدها صح العقد ولا معنى لهذا الشرط، وإن أطلقا القول بلا إرادة فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل.
والثاني: يبطل لأن تقديره بثلاثة نقيض نفي الخيار بعدها كما لو قال لآخر: اقض ديني إلى ثلاثة أياٍم لم يكن له قضاؤه بعد الثلاث، ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الأجنبي لا يقضي الدين عن غيره من ماله إلا بإذنه، فإذا قدر بالثلاث عاد الأمر بعد الثلاثة إلى ما كان من قبل وهاهنا الخيار ثابت للمكاتب أبدًا فشرطها خيار [46/ب] الثلاث يفضي إلى إثباته فإذا مضت ثبت الخيار بحكم العقد، ولا يكون هذا الشرط مفيدًا زيادة فائدة فصار كما لو باع عبده بعشرين بشرط حلول عشرة منها صح وكان الكل حالًا، ولا يقال النص على حلول العشرة يقتضي تأجيل الباقي فلا يصح البيع لجهالة الأجل كذلك هاهنا ويحتمل في مسألة الأجل وجهًا آخر أنه يبطل البيع بدليل الخطاب.
فرع آخر لو شرطا أن يكون الخيار لعبد أجنبي فإن كان بإذن سيده جاز وإن كان من غير إذنه فيه وجهان.
فرع آخر لو شرطا خيار يوم لأنفسهما ويوم بعده لأجنبي فيه وجهان، كما ذكرنا إذا شرطا يومًا للبائع ويومين بعده للمشتري، والأشبه أنه يصح هاهنا بخلاف تلك المسألة لأن المنع هناك لزوم البيع في حق أحدهما مدة ثبوت الخيار له وهذا غير موجود هاهنا، ولهذا لو باع ثم شرطا الخيار قبل التفرق لزيد صح وإن لم يملك زيد هذا الفسخ قبل اشتراطه، فلا بأس هاهنا أيضًا أن لا يملك الأجنبي الفسخ [47/أ] ثم يملك.
فرع آخر لو قال: اشتري العبد بشرط الخيار قلنا: بإذن السيد لم ينقل حينئذ جاز إلى عبده كخيار الوكيل بخلاف خيار المكاتب ينقل إلى غيره في أحد الوجهين، وقد ذكرنا قبل هذا يثبت للسيد لأنه المالك في الحقيقة.
فرع آخر قال: إذا شرطا خيار يوم لأنفسهما، ثم مات أحدهما قبل انقضائه فأراد الوارث مع العاقد زيادة يوم آخر للخيار يحتمل وجهين، أحدهما: يصح وهو الأشبه لأنه قائم مقام المورث ثم جازت الزيادة للمورث فكذا الوارث، والثاني: لا يصح، لأنه يتلقى هذا

الجزء: 4 - الصفحة: 458

الخيار عن الميت فلا يجوز إثبات خيار له بحكم العقد لم يكن ثابتًا للمورث.
فرع آخر قال: إذا أتلف المبيع في مدة الخيار بعد القبض قلنا: لا يبطل الخيار وكان الخيار يومًا فزاد يومًا آخر بعد التلف يحتمل وجهين كما قلنا في الإقالة بعد تلف المبيع والمذهب [47/ب] أنه لا يجوز.
فرع آخر قال: لو اشترى عصيرًا فصار خمرًا في يد البائع ثم صارت خلًا هل يصح البيع؟ وجهان بناء على أنها إذا عادت خلًا هل يعود الملك الآن أو يتبين به بقاء الملك حال كونه خمرًا؟ وفيه وجهان، وهو كالقولين في الرهن هل يعود بمصيرها خلًا؟ والأصح أنه يتبين به بقاء الملك حال كونه خمرًا، لأني لا أعلم خلافًا أن الرجل لو مات وترك خمرًا ثم صارت خلًا يقضي من ثمنه دين الميت وينفذ منه وصاياه ونظيره أن يبيع عبدًا فأبق قبل القبض هل يبطل العقد؟ قولان: والأصح أنه لا يبطل وللمشتري الخيار وعندي أنه يبطل على المذهب الصحيح لأنه زالت المالية بمصيرها خمرًا فيستحيل بقاء المبيع وإذا بطل المبيع لا يعود من غير تحديد.
فرع آخر قال: رجلًان لهما عبدان فأذنا لهما بالتجارة فاشترى عبد أحدهما عبد الآخر وفعل الآخر مثل ذلك ولم يدر أيهما اشترك قبل صاحبه لم يصح واحد منهما، لأن عبد أحدهما إذا اشترى عبدًا لآخر صار المشتري مالك المشتري [48/أ] فلا يصح شري الثاني بعده فأشبه عين الصحيح من الفاسد فأبطلناهما كتزويج الوليين للمرأة من رجلين يبطلان عند الاشتباه لما ذكرنا.
فرع آخر قال: لو وكل ببيع شيء أو شرائه فاشتراه الوكيل أو باعه ثم مات الموكل في المجلس بطل البيع لبطلان الوكالة قبل تمام البيع، ولو عزله عن الوكالة كان كذلك.
فرع آخر أرض بين اثنين لا يعلم أحدهما مقدار حقه منها فباع جميعها من رجل ثم عرف نصيبه يصح إذا جوزنا تفريق الصفقة، لأن ما تناوله البيع لفظًا معلوم وفي كلام أصحابنا ما يدل عليه قالوا: إذا باع عبدًا ثم ظهر الاستحقاق في البعض صح في الباقي على هذا القول ولم يفصلوا بين أن يكون البائع عالمًا بمقدار نصيبه منها أو لم يكن عالمًا به.
فرع آخر لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة فقال المشتري: اشتريته لفلان ولم يكن وكيلًا في الشراء هل يصح؟ وجهان والأشبه أنه يصح له.
فرع آخر لو كان له عبدان أحدهما أصغر من الآخر [48/ ب] فقال: بعتك عبدي الأصغر مبارك

الجزء: 4 - الصفحة: 459

وكان اسمه غانم واسم الآخر مبارك صح لأن الاسم قد يتغير ولو قال: بعتك مبارك ولم يقل عبدي فالأشبه أنه لا يجوز، ويحتمل أن يقال يجوز، ولو قال: بعتك عبدي مبارك والمشتري لا يعلم من العبد الذي يسمى مبارك من عبديه لا يجوز لأن المعقود عليه مجهول.
فرع آخر لو قال: بعتك هذا العبد وأشار إلى َأَمة لا يجوز، ولو قال: بعتك هذا العبد الكبير وكان صغيرًا صح، لأن الأول اختلاف الجنس وهاهنا اختلاف الصفة ولو كان هذا في العتق وقع العتق.
فرع آخر لو قال الوكيل عند البيع: بعتك عبدي هذا هل يجوز؟ وجهان.
فرع آخر لو باع دجاجة فيها بيضة فباضت في الحال ثم وجد بالدجاجة عيبًا هل يلزمه رد البيضة مع الدجاجة؟ وجهان بناء على القولين في الحمل.
فرع آخر لو قال: بعتك هذا العبد بعشرة فقال: قبلت البيع فيه وفي عبد آخر أشار إليه بعشرة لا يجوز، [49/أ] ولو قال: بعتك هذين العبدين بعشرة أحدهما لغيره فقال: قبلت عبدك بعشرة فعلى القول الذي يقول لا يفرق الصفقة لا يجوز، وإذا قلنا: يجوز تفريق الصفقة فيه قولان؛ أحدهما: يجوز القبول وهذا إذا قلنا: يجوز البيع فيه بجميع الثمن، والثاني: لا يجوز وهذا إذا قلنا يأخذه بحصته من الثمن.
فرع آخر إذا باع ثم اختلفا فقال البائع لم أكن بالغًا وقت المبيع وأنكر المشتري واحتمل ما قاله كل واحٍد منهما فالقول قول البائع لأن الأصل الصغر.
فرع آخر لو باع عبدًا مسلمًا من مسلم وشرطا الخيار ثلاثًا لكافر، يحتمل أن لا يجوز لأن الكافر لا يملك العقد عليه للتمسك فلا يجوز شرط الخيار له كما لا يجوز شرطه للمجنون والصبي وكذلك لو باع من آخر صيدًا وشرطا الخيار للمحرم لا يجوز وهكذا ذكر والدي رحمه؛ الله، والأصح عندي أنه يجوز، لأنه من أهل الشرط والإجازة والرد ولا إذلال للمسلم في إجازته وفسخه.
فرع آخر لو باع عبدًا وسلمه إلى [49/ب] المشتري وديعة، فقبضه ولم يعلم أنه المبيع فمات في يده فيه وجهان: أحدهما: أنه من ضمان البائع وعليه رد ثمنه، والثاني: أنه من ضمان المشتري وأصل هذا أنه إذا غصب طعامًا فأطعمه المالك وكان جاهلًا هل يزول الضمان عن تغاصب قولان والأصح أنه لا يزول.

الجزء: 4 - الصفحة: 460

فرع آخر لو باع من آخر دراهم معدودة على أنها عشرة دراهم وزنًا بدنانير ثم تبين أنها أكثر فيه قولان: أحدهما: لا يصح البيع، والثاني: يصح وللبائع الخيار، كما لو ظهر النقصان من العشرة للمشتري الخيار.
فرع آخر العبد الموصى لمنفعته لواحد وبرقبته لآخر، فباع صاحب الرقبة ُنِظر فإن باعها من صاحب المنفعة صح وإن باعها من غيره وجهان وفيه وجه ثالث ضعيف لا يصح منهما.
فرع آخر عبد بين رجلين اشتراه رجل منهما ولا يعلم المشتري كم تصيب كل واحٍد منهما جاز لأن حمله المبيع معلومة فصار كما لو باع عبدين بثمن واحد ويحتمل أن يقال: لا يجوز لأن عقد الواحد مع اثنين كعقدين فلا يجوز إلا [50/ أ] أن يكون ما يبيعه كل واحٍد منهما معلومًا ولهذا لا يجوز الرد بالعيب على أحدهما دون الآخر، وهذا صح عندي.
فرع آخر لو كان عليه دين حال فدفعه إليه لشرط أن يبيعه ثوبًا، فالشرط باطل وهل له استرجاع ما دفعه إليه ليدفع غيره؟ القياس أن له ذلك لأن القبض فاسد بهذا الشرط، ولا يتعين بعض المال لقضاء الدين منه إلا باختيار من عليه.
فرع آخر لو باع ثوبًا على أنه من قطن فإذا هو من كتان فإن لم يعلما لا يجوز وإن علما يحتمل وجهين: أحدهما: يجوز لأن الاعتبار بالإشارة ولا معنى لتسمية مع الإشارة عند العلم وقد ذكر المزني: لو قال: أبعتك هذا الفرس وهو يراه عبدًا أو هذا الرداء وهو يراه قميصًا أو هذا النعل وهو يراه خفًا يجوز البيع ولا اعتبار بالاسم وهذا صحيح؛ لأنه يصير كأنهما تلاعبا التسمية فوجودها وعدمها سواء ويعتبر الإشارة فعلى هذا في مسألة الثوب يجب أن يجوز.
فرع آخر لو باعه على أنه تمر فكان رطبًا وكان [50/ب] رآه رطبًا هل يبطل البيع بهذا الشرط؟ وجهان: أحدهما: لا يبطل وللمشتري الخيار، والثاني: يبطل لأن هذا الاختلاف كاختلاف في الجنس، والأول أصح لأنهما جنس واحد ولهذا لا يجوز بيع أحدهما بالأخر متفاضلًا.
فرع آخر إذا باع بدراهم مطلقة وفي البلد نقود مختلفة وفي البلد الذي هو أقرب إلى بلد، نقد واحد

الجزء: 4 - الصفحة: 461

وقال البائع وقت البيع: لا أعني نقد بلدنا ولا يجب أن تحمل كلامي عليه، هل يصح البيع حملًا لهذا البيع على نقد البلد الآخر؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يصح لأنه إذا سقط حمله على عرف بلده يعين أقرب البلاد إليه كما قلنا في قسمة الزكاة، والثاني: لا يصح لأنه ليس بلد أولى من بلد بعدما سقط اعتبار بلده، وهكذا لو كان في بلده نقد واحد وفي البلد الذي يقربه نقد واحد فباع بدراهم واستثنى نقد البلد الذي هما فيه، هل يحمل على نقد البلد الآخر بقربه ليصح البيع أم لا؟ فيه وجهان أيضًا، ولو كان بلدان هما قريبان من ذلك البلد ولا بلد أقرب منهما، وسقط اعتبار نقد بلدهما [51/أ] قلنا: يعتبر بالأقرب في أحد الوجهين واستوي هذان البلدان في القرب ُنِظر فإن كان النقد فيهما واحدًا صح وإن كان نقدهما مختلفًا لم يجز لأنه ليس حمله على أحدهم بأولى من حمله على الآخر، وحمله عليهما لا يمكن فإن قيل: لم لا يقولون يحمل عليهما ليكون نصف الثمن من نقد أحد البلدين وأنصف الآخر من نقد البلد الآخر؟ قلنا: لأنه لا يمكن كما لو كان في البلد نقدان فباع بثمن مطلق لا يحمل على المباضعة بالإجماع كذلك هاهنا.
فرع آخر إذا أعاد البائع المبيع من المشتري هل يبطل حق الحبس؟ قال والدي الإمام: لا يبطل حقه من الحبس كما في الرهن.
وسمعت بعض أصحابنا بخراسان قال: يبطل حق الحبس لكون العقد يس بعقد الحبس بخلاف الرهن وهذا قول أبى حنيفة.
فرع آخر إذا باع شيئًا في يده ولا يدري أنه له أو لا وقبض ثمنه هل يحل له ذلك من جهة أن اليد دلالة الملك؟ أو لا يحل من جهة أنه كلف فيما في نفسه الإحاطة؟ ينبغي أن لا يحل لأنه يكلف الإنسان [51/ب] فيما في نفسه الإحاطة إذا أمكن.
فرع آخر إذا باع جلد الغنم بجلد البقر متفاضلًا هل يصح؟: يحتمل قولين بناء على القولين في اللحمان.
فرع آخر إذا قال لآخر: بع هذا المال، فباعه ولم يقبل التوكيل ولا رده صح البيع.
فإن قيل: فما معنى قولكم الوكالة تفتقر إلى القبول ويجوزون بيعه قبل القبول؟ قلنا: فائدته أنه لو وكل آخر بقبض دينه من رجل فتمكن الرجل من دفعه إلى هذا الوكيل ولم يتمكن من الدفع إلى الموكل نظر فإن قبل الوكيل الوكالة فعليه دفع ما عليه إليه لأن التمكن من دفع المال إلى الوكيل كالتمكن من دفعه إلى الموكل، وإن لم يقبل الوكالة لم يلزم الدفع لأنه لم يصر وكيلًا بعد وهذا قبل مطالبة الوكيل، فأما إذا طالبه بالدين عن الموكل يلزمه الدفع لأن هذه المطالبة جارية مجرى قبول الوكالة والرضا بها ويحتمل وجوب الدفع إليه قبل المطالبة لأن الدفع إليه موجب للبراءة فهو كما بعد القبول وفائدة

الجزء: 4 - الصفحة: 462

أخرى وهي أن الرجل [52/أ] إذا وكل بقبض العارية من فلان فوصل ذلك المال إلى يد هذا الوكيل وهو لا يعلم أنه ذلك المال الذي أذن له موكله فقبضه ُنِظر فإن كان قبل الوكالة زال الضمان عن المستعير، وإن لم يكن قبلها لم يزل الضمان، لأن المال لم يصل إلى يد صاحبه ولا وكيله، فإن قيل: لم لا يزول الضمان ويصح البيع؟ قلنا: لأن الشروع في أسباب البيع يقوم مقام قبول الوكالة والرضا بها والقبول تارة من جهة القول وتارة من جهة المعنى، وهذا غير موجود في مسألة الضمان لأنه لم يعلم أن المال لغيره الذي هو الموكل حتى يجعل قبضه كالرضا بالقبول.
فرع آخر لو باع شاًة لبونًا بشرط أنها غير لبون أو حاملًا بشرط أنها غير حامل لم يصح البيع لأن هذا يقتضي استثناء الحمل واللبن من البيع، ولا يصح البيع مع هذا الاستثناء وفيه آخر يجوز كما لو باع عبدًا على أنه لا يد له وكان له اليدان صح، وهذا أصح.
فرع آخر إذا أريد بيع مال اليتم وقت النداء يوم [52/ب] الجمعة للضرورة وهناك حران على أحدهما الجمعة دون الآخر ومن عليه الجمعة يطلبه بدينار ومن لا جمعة عليه يطلبه بنصف دينار من أيهما تباع؟ يحتمل وجهين: أحدهما: يباع ممن لا جمعة عليه كيلًا يوقع الآخر في معصيٍة.
وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (الدال على الشر كفاعله)، والثاني: يباع ممن يطلبه بدينار، لأن الذي إليه هو الإيجاب وهو غير عاٍص به وإنما القبول إلى الطالب وهو الذي يقضي بالقبول، ويحتمل أن يرخص له بالقبول هاهنا لنفع اليتم إذا لم يؤد إلى ترك الجمعة كما يرخص للولي الإيجاب لحاجة اليتيم إليه.
فرع آخر لو كان هذا الاختلاف في طلب العصير أو السيف والطالب يريد أن يجعل خمرًا أو آلة للقتل المحرم فمن أيهما يباع؟ فإن قلنا في المسألة قبلها يباع بأكثر فإن قلنا هناك يباع بالأقل يحتمل أن يقال هاهنا يبيع ممن يطلب بأكثر والفرق أن تلك الكراهية على التحريم وهذه الكراهية على التنزيه والكراهية تزول [53/أ] هاهنا لأنه ممنوع للبيع من غيره بالأقل فإن عليه طلب الحظ لليتيم ولا يجوز له البخس بحقه.
فرع آخر لو باع دينًا له على رجل من قرض من رجٍل هل يصح البيع؟ وجهان، فإن قلنا: لا يصح فدفع المديون إلى المشتري هل يبرأ من حق البائع؟ وجهان: أحدهما: يبرأ الآن في ضمن البيع بالأذن بالقبض فصار كما لو دفعه إلى وكيله.
والثاني: لا يبرأ لأن البيع فاسد ففسد ما في ضمنه ومقتضاه وأصل هذا إذا باع نجوم الكتابة من رجل لا يصح في أصح المذهبين، فلو أدى المكاتب النجوم إلى المشتري هل يعتق؟ وجهان.

الجزء: 4 - الصفحة: 463

باب بيع اللحم باللحم

مسألة: قال: (واللحُم كله صنُف).
الفصل جملته أن الشافعي نص على قولين في اللحمان: أنها أصناف أو صنف واحد والأصح أنها أصناف وهو اختيار المزني، وقد قال الشافعي: وهذا قول يصح ويقاس، وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأصح أنها صنف واحد وهذا غلط لأنها فروع لأصول هي أجناس فوجب أن تكون [53/ب] أصنافًا كالأدقة ولأن أصح القولين أن الألبان أصناف وهي رشح الحيوان واللحمان نفس الحيوان وذاته فهي أشبه بالأصناف.
وقال مالك: اللحمان ثلاثة أصناف: لحم الوحشي والإنسي صنف، ولحم الطير صنف، ولحم دواب الماء صنف.
وهي الرواية الثانية عن أحمد إلا أنه جعل الوحش صنفًا آخر.
واحتج بأن القصد مختلف في هذه اللحوم فكانت أصنافًا وهذا لا يصح لأن منفعة لحم الإبل ولحم الغنم تختلف وهما صنف واحد عنده فإذا قلنا: إنها صنف واحد بينه الشافعي مما لا مزيد عليه فقال: اللحم كله أنسيه ووحشيه وطائره صنف، وأما السمك على هذا القول فالمذهب أنه صنف آخر.
وقال أبو إسحاق: هو نوع من الصنف.
كالطير لأن اسم اللحم يقع عليه قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: 12]، فسمي السمك لحمًا وهذا غلط مذهبًا وحجاجًا.
أما المذهب قال الشافعي: ومن قال هذا لزمه أن يقول السمك من الصنف وهذا لا يقوله أحد ونص في (الأم) أن الحيتان جنس غير جنس سائر اللحمان.
وأما الحجاج هو أنه لا يضاف [54/أ] لحمه إليه وإنما يقال: سمك ولا يقال: لحم سمك فلا ينطلق عليه اسم اللحم ولهذا لو حلف لا يأكل اللحم فأكل لحم السمك لا يحنث وأما الآية قلنا: الله تعالى قيده بالإضافة إلى مسكنه فقال: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَاكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّاَ﴾ [فاطر: الآية 12]، فعلم أنه لحم بالتقييد لا بالإطلاق فعلى هذا اللحمان كلها صنفان فلحوم حيوان البر على اختلافها صنف، ولحوم حيتان البحر على اختلافها صنف، واختار القاضي أبو حامد في (الجامع) والقاضي الطبري ما قاله أبو إسحاق وقالا: لم يقل الشافعي على ما حكاه أبو حامد بل قال: ومن قال هذا لزمه عندي أن يقول مثله في الحيتان؛ لأن اسم اللحم جامع لها وقد أطلق الله تعالى فقال: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: الآية 14]، وعندي للأصح ما تقدم في القياس.
والجراد: هل يكون من جنس اللحم؟ وجهان؛ لأن اسم اللحم لا ينطلق عليه ولا يكون صورته صورة اللحم.
فرع لحمان حيوانات البحر مبني على ما تقدم فإن قلنا: لحمان حيوانات البر صنف

الجزء: 4 - الصفحة: 464

واحد أيضًا، وإن قلنا هناك، وإن قلنا قال الشافعي: والشمول أصناف مختلفة لأن اختلاف دواب [54/ب] البحر أكثر من اختلاف دواب البر وهل يلحق بها الجراد؟ وجهان، أحدهما: يلحق لأنه نقل في الآثار أن أصله سمك ولهذا حل ميتة الجراد، والثاني: لا يلحق لأنه حيوان بري يلزم الجزاء على المحرم بقتله.
وقال في (الأم): كل ما كان على خلقة فهو جنس وما كان على خلقة أخرى فهو جنس آخر فالسمك صنف.
وبقر الماء صنف وغنم الماء صنف، وقال القفال: الحوت المعروف الذي لا اسم له إلا الحوت كل صنفه واحد.
وأما بقر الماء ونحو ذلك فإن قلنا: لا يتناوله اسم اسم الحوت ولا يحل ميتته فهي أصناف، وإن قلنا يحل ميتته وكلها حوت فهي صنف واحد فيحل على هذا كلب الماء وخنزير الماء وهو من جنس الحوت.
فرع آخر إذا قلنا: اللحمان أصناف فلحم الإبل وأنواعها غرابها ونجابها صنف واحد وكذلك أنواع البقر وأنواع الغنم وبقر الوحش صنف والظباء صنف والأرانب صنف والضباع صنف وكذلك أصناف الطيور الكراكي صنف، والحباري صنف والأوز صنف [55/أ] والدجاج صنف والحمام صنف وقيل فيه وجه، أنه يلحق الظباء والإبل بالغنم لأنه يقرب منه كالضأن مع المعز ويلحق بقر الوحش بالإنس والأول أصح لافتراقهما في الزكاة والضحايا والهدايا وحد الحمام ما ذكر الشافعي في كتاب الحج فقال: كل ما عب وهدر فهو حمام من اليمام والفواخت والقماري والدباسي، ونص في الربيع أن كل هذا صنف والعصافير صنف، وقال الشيخ أبو حامد: هذا بعيد عندي كل واحٍد من هذه صنف، الحمام وأنواعه صنف، والقماري صنف والفواخت صنف وهذا لأنه يتفرد كل واحٍد باسم وصفة وهذا اختيار جماعة أصحابنا.
فرع آخر في الشحوم قولان كاللحمان سواء.
فرع آخر هل تكون الإلية وما حمله الظهر صنفًا من الشحم أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: أنها صنف من حملة الشحم.
وبه قال مالك، والثاني: أنها أصناف مختلفة غير الشحم وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر اللحم الأبيض والأحمر صنف وهما لونان، والشحم الذي على الظهر قد قيل [55/ ب]: إنه لحم سمين والشحم الذي في الجوف صنف آخر والإلية صنف آخر والطحال صنف غير الكبد والفؤاد صنف آخر وكذلك المخ والدماغ والكرش واللسان والمصران كل واحٍد منها صنف.

الجزء: 4 - الصفحة: 465

فرع آخر إذا قلنا ت اللحمان أصناف فالبيض أولى، وإذا قلنا; صنف واحد ففي البيض وجهان.
فرع آخر بيض السمك هل يكون نوعًا من لحم السمك؟ وجهان: أحدهما: أنه صنف غير السمك كما أن بيض الطير صنف غير لحم الطير، والثاني: أنه نوع من لحم السمك لأنه يؤكل, معه حيًا وميتًا.
فرع آخر الجلد إذا كان على اللحم، فإن كان غليظًا لا يؤكل معه منع من بيعه باللحم، وإن كان رقيقًا يؤكل معه كجلود الجدي والدجاج فهل يمتع إذا كان على اللحم من بيعه باللحم؟ وجهان كالعظم.
فرع آخر إذا قلنا: اللحمان أصناف فمتى باع صنفًا يصنف آخر كلحم الغنم بلحم البقر ونحو ذلك جاز متفاضلًا ومتماثلًا، وزنًا وجزافًا رطبًا ويابسًا يدًا بيٍد، وإذا قلنا: إنها [56/أ] صنف واحد وقلنا: أصناف فباع الصنف الواحد بعضه ببعض رطبًا برطب فالمذهب أن البيع باطل، وكذلك إذا كان أحدهما رطبًا والآخر يابسًا لأن معظم منفعته في حال يبوسته، وقال ابن سريج: فيه قول آخر يجوز لأن العادة معظم منفعته في حال رطوبته كالفواكه والأول أصح لأن كل ما يتخذ منه رطبًا يتخذ منه يابسًا، ويدخر في حال يبوسته ولا يدخر في حال رطوبته.
فرع آخر لو باع بعضه ببعض يابسًا فإن لم يتناه يبسه وبقي فيه رطوبة، وإن قلت: لم يجز وإن تناهى يبسه وجفافه لا يبقى فيه نداوة جاز، وبيع الشحم بالشحم والإلية بالإلية كاللحم باللحم فإن قيل: أليس بيع التمر بالتمر يجوز، وإن كان فيه رطوبة قليلة؟ قلنا: الفرق من وجهين: أحدهما: ما ذكره الشافعي أن التمر يباع كيلًا، وذلك القدر لا ينقص من الكيل وهذا يباع وزنًا وهذا القدر يظهر نقصانه في الوزن، ولهذا لو باع حنطة بحنطة وفي أحدهما دقاق التبن أو قليل التراب يجوز ولو كان هذا في الموزون لا يجوز، [56/ ب] والثاني: ما ذكره أصحابنا: أن تلك الرطوبة الباقية في التمر تذهب على مر الأيام ويتناهى يبسه بلا فساد وهاهنا بقاء الرطوبة يفسده فيمنع جواز البيع، لأنه ما انتهى إلى حال يدخر عليه.
فرع آخر قال في (الأم): كان اللحم ببلدة ندية وكان إذا يبس ثم أصابه الندى رطب

الجزء: 4 - الصفحة: 466

حتى تثقل لم يبع بعضه ببعض حتى يعود إلى الجفاف لأن ذلك يؤدي إلى التفاضل.
فرع آخر لو باع بعضه ببعض منزوع العظم يجوز بلا خلاف ويفارق التمر بالتمر منزوع النوى في أحد الوجهين، لأن بقاء النوى في التمر من مصلحته بخلاف بقاء العظم لما فيه من المخ وأيضًا التمر يباع كيلًا فإذا نزع منه النوى يختلف ويتجافى في الكيل بخلاف اللحم فإنه يباع وزنًا.
فرع آخر لو باع مع العظم بلحٍم فيه عظم قال الاصطخري: يجوز لأن العظم فيه كالنوى في الثمر، وقال سائر أصحابنا وهو المذهب: لا يجوز، لأن العظم [57/ أ] فيه كالشمع في العسل وليس من مصلحته بخلاف النوى في التمر هكذا ذكره أبو حامد.
وقال القاضي الطبري: قال أكثر أصحابنا: يجوز وحكي عن أبي إسحاق: لا يجوز.
فرع آخر لو كان مملحًا فإن كان ذلك القدر من الملح يظهر في الوزن لا يجوز وإن كان لا يظهر في الوزن جاز مثل إن قدد بماء الملح لا يعين الملح وكذلك لا يجوز بيع الحوت بعضه ببعٍض طريًا ولا نديًا ولا مملوحًا، ولكن يجوز إذا بلغ غاية نفسه غير مملوح.
فرع آخر لو باع المشوي بالنيء أو المطبوخ بالنيء لا يجوز بحال وقال مالك: يجوز المطبوخ باليابس وقال أبو حنيفة؛ يجوز النيء بالمشوي والمطبوخ وهذا غلط لأنهما يتفاضلان حال الادخار، لأن النار تنقص المشوي وتزيد في المطبوخ.
فرع آخر لو ضم عظم من عضو آخر إلى لحم وباع بلحم آخر فيه عظم أو لا عظم فيه لا يجوز بلا خلاف، كما لو ضم النوى إلى تمر وباع بتمر لا يجوز، وإذا تقرر هذا [57/ ب] قال المزني: قطع قبل هذا الباب بأن ألبان الغنم والبقر والإبل أصناف.
الفصل وهذا الذي ذكر المزني استشهاد بالخلاف على الخلاف لأن هناك قولين مشهورين أيضًا وحكي المزني القطع بأحد القولين في بعض المواضع والقطع بأحد القولين في بعض المواضع لا يقتضي تضعيف القول الثاني وتزييفه.

باب بيع اللحم بالحيوان

قال: أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم الحبر بيع اللحم بالحيوان لا يجوز في الجملة، وبه قال أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - والفقهاء السبعة رحمهم الله، وذكر

الجزء: 4 - الصفحة: 467

الشافعي - رضي الله عنه - عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وأبي بكر بن عبد الرحمن بن هشام من جملتهم والثلاثة الباقون الذين لم يذكرهم الشافعي هاهنا سليمان بن يسار وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود - رضي الله عنهم -، وهو قول مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يجوز على الإطلاق، وقال المزني: يجوز ذلك قياسًا.
إلا أن يثبت [58/ أ] الخبر.
وقال محمد: يجوز على التعديل فإن كان اللحم الخارج أكثر من اللحم الذي في الحيوان جاز حتى يكون اللحم باللحم متماثلًا وما زاد في مقابلة السواقط وإلا فلا يجوز وهذا غلط لما روى الشافعي عن سعيد بن المسيب (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وقال الشافعي: إرسال ابن المسيب عندنا حسن ورواه الزهري عن سهل بن سعد الساعدي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ورواه ابن عمر وأبو هريرة مرفوعًا أيضًا.
وروي عن الشافي عن سعيد بن المسيب: (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع اللحم بالشاة الحية) وفي لفظ (نهى عن بيع الحي بالميت).
وروى ابن عباس: (أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر الصديق فجاء رجل بعناٍق وقال: أعطوني جزورًا بهذا العناق فقال أبو بكر - رضي الله عنه - لا يصلح هذا).
وروي أنه قال: (لا يباع حّي بميت) فإذا تقرر هذا فبيع اللحم بالحيوان إن المأكول من جنسه لا يجوز ولو باع لحم الغنم بالبقر، قال صاحب (الإفصاح): لا يجوز قولًا واحدًا، وقال غيره: إن قلنا: اللحمان جنس واحد لا يجوز، وإن قلنا: أجناس فيه وجهان: [58/ب] أحدهما: يجوز وبه قال مالك وأحمد وهو الصحيح لأن في الجنس لا يحرم التفاضل، والثاني: لا يجوز وهو ظاهر الخبر.
وأثر أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - فيه.
فرع آخر لو باع بحيوان لا يؤكل كالحمار والبغل فيه قولان: أحدهما: لا يجوز لظاهر السنة، والثاني: يجوز وبه قال مالك وأحمد وهو القياس؛ لأنه لا ربا فيما لا يؤكل والعلة في المأكول أن هذا الحيوان قد يصير مثل ذلك اللحم.
فرع آخر لو باع السمك بالشاة فيه وجهان بناء على أن السمك هل هو صنف من اللحم أم لا؟ واختيار الماسرجسي أنه يجوز لأنه لا سمى لحمًا على الإطلاق.
فرع آخر لو باع اللحم بالسمك الحي، فإن قلنا: السمك من جنس سائر اللحوم لا يجوز، وإن قلنا ليس من جنسها فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه لحم بحيوان، والثاني: يجوز لأن حي السمك في حكم ميتة بخلاف الحيوان.

الجزء: 4 - الصفحة: 468

فرع آخر بيع الشحم بالحيوان أو الإلية به أو شري، [59/ أ] وقد قال الشافعي في كتاب (الرهن الصغير) وإرسال ابن المسيب عندنا حجة وإنما خصه لمعنى في مراسيله وص أنها مسانيد من طريق غيره ومراسيل غيره بقيت مقاطع إلى يومنا هذا فاحتجاج الشافعي واقع في الحقيقة بالمسند لا بالمرسل، وقد ثبت فيه قول المتقدم وهو ما روينا عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، ولأن مع هذا القول نوعًا من القياس وهو يقول لأنه جنس فيه الربا بيع أصله الذي فيه مثله فلا يجوز.
كما لو باع الدهن بالسمسم والله أعلم.

باب ثمن الحائط يباع أصله

قال: أخبرنا ابن عيينة وذكر الخبر.
إذا باع نخلًا عليها طلع لا يخلو إما أن يكون الطلع قد أّبر أو لم يؤبر فإن كان قد أّبر قال الشافعي: والتأبير أن يؤخذ شيء من طلع النخل فيجعل بين ظهراني طاع الإناث لتشتد برائحته وتقوى ولا يفسد ويكون لها صلاحًا بإذن الله تعالى، فهذا الطلع يكون للبائع ولا يتبع الأصل في البيع إلا أن يشترط المبتاع فيكون له بالشرط [59/ ب] وبه قال جماعة العلماء، وقال ابن أبي ليلى: وحده يكون للمبتاع بإطلاق العقد لأنها متصلة بالأصل اتصال الحلقة بالأغصان وهذا غلط لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع) إلا أن يشترط المبتاع ولأنه نماء ظهر من أصله فلا يتبع في البيع كالولد المنفصل وليس كالأغصان لأنه داخل في النخلة بخلاف الثمرة، وإن لم تؤبر فثمرتها للمشتري بإطلاق العقد إلا أن يشترطه البائع.
وقال أبو حنيفة: يكون للبائع أيضًا إلا (أن يشترطه المشتري) وبقولنا قال مالك وأحمد والدليل عليه ما ذكرنا من الخبر، وأيضًا روي أن رجلًا ابتاع نخلًا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم اختلفا في الثمرة فقال البائع: الثمرة لي، لأنها أّبرت في ملكي فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (الثمرة لمن أبرأت في ملكه) وإذا تقرر هذا لو تشقق الطلع بنفسه وظهرت الثمرة فحكمها حكم ما لو شققة الصفار ليظهر.
واعلم أن الطلع أول ما يخرج يكون الكافور وهو الجف والقشر مكممًا [60/ أ] له أي مغطيًا فإذا تشقق عنه الكافور ظهر العذق وحبه يكون صغارًا مثل الحمص أو دونه وإذا كان الحائط النخل فجاء حسل في ناحية الصبا وهبت الصبا وقت الإبار، فإن الإناث تتأبر بروائح طاع الفحاحيل.
ثم قال الشافعي: فإذا جعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الإبار حّدًا لملك البائع فقد جعل ما قبله حدًا لملك المشتري وقصد به الرد على أبي حنيفة ومعناه أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل الإبار حدًا ليفصل بين ما قبله وبين ما بعده، فلا معنى للتسوية بينهما مع تفصيل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

فرع لو باع الطلع وحده قبل تشققه قال أبو إسحاق: لا يجوز لأن المقصود معيب فيما

الجزء: 4 - الصفحة: 469

لا مصلحة له فأشبه بيع الثوب في الجراب، وقال ابن أبي هريرة: يجوز لأن قشره من مصلحته وهو كالرمان والموز واللوز ولأن الطلعة مأكولة جملتها وهذا اختيار القاضي الطبري غير أنه حكي هذا القول عن أبى إسحاق، والآخر عن أبى هريرة وهو الأظهر عندي واختار أبو حامد الوجه الأول وقال: [60/ ب] هذا هو المذهب لأنه لا يؤكل بقشره وإنما يؤكل ما في جوفه.
ولو كان كما قال القائل الآخر لكان في حكم الظاهر، ويكون للبائع ومن قال بالوجه الآخر أجاب عن هذا بأنه يتبع الأصل ويكون للمشتري، لأنه نماء كامن خلفه في الأصل وينتهي إلى الظهور فكان تابع للأصل ولكنه إذا أفرده بالبيع جعله مقصودًا بنفسه وجملته مأكولة فلا معنى للمبيع من بيعه بشرط القطع.
فرع آخر الوجوه التي تملك بها النخل أربعة عقد معاوضة بالتراضي كالبيع والصلح والصداق فبيع الثمرة غير المؤبرة فيها أصلها فالبيع منصوص عليه والباقي مقيس عليه، ومعاوضة لا على التراضي كرجوع البائع بعين النخل عند الفلس فهل يمنع الثمرة غير المؤبرة فيه النخل وجهان: أحدهما: يتبع لأنه انتقال ملك بعوض كالبيع وهذا أظهر، والثاني: لا يتبع لأنه يزيل الملك بغير اختياره بخلاف البيع.
وقيل قولان وعلى هذا إذا بيع الرهن جبرًا على الراهن هل يتبع الأصل؟ فيه وجهان أيضًا وعندي هاهنا وجه [61/ أ] واحد أنه يتبع لأنه وجد منه الرضا بهذا البيع عند الرهن، وعقد ليس معاوضة ولكنه بالتراضي كالهبة والوصية فهل يتبع الأصل؟ فيهما قولان مخرجان والفرق بينهما وبين المعاوضة أن المعاوضة قويت في بابها لأجل العوض فنقلها مع الأصل وهذان ضعيفان في بابه لعدم العوض فلهذا لا ينقله مع الأصل.
وأصل هذا إذا رهن نخلًا عليها طلع لم تؤبر هل يتبع الأصل في الرهن؟ فيه قولان منصوصان، ومعناه أنه عقد إرقاق والهبة والوصية مثله وعلى هذا لو وهب من ولده نخلًا حائلًا فاطلعت في يده، فأراد والده الرجوع فيها فرجع هل يتبع الأصل؟ على هذين القولين المخرجين.
الرابع: أن لا يكون معاوضة ولا تراضي كالطلاق قبل الدخول فلا يرجع الزوج في غير المؤبر بلا خلاف وليس فيه مناقضة لما ذكرنا لأن كلامنا فيما لو انتقل ملك النخل عن ملك مالكه وهاهنا كون الطلع فيه يمنع الزوج من الرجوع وليس هذا من ذاك الباب والفرق مذكور في كتاب (الصداق)، قال في (الحاوي): [61/ ب] وعلى هذا الولد لا يسترجع في الهبة من الولد غير المؤبر قولًا واحدًا، لأنه لا معاوضة ولا تراضي.
مسألة: قال: وأقل الإباِر أن يؤبر شيٍء من حائطه وإن لم يؤْبر الذي إلى جنبه.
الفصل الإبار مخفف لا يجوز بالتشديد ويقال: أّبر النخل يؤبر تأيبرًا وأبرها يؤبرها إبرًا، وإذا كان للرجل بستان فيه نخيل قد أّبر بعضها ولم يؤبر باقيها فالكل للبائع كما لو أّبر كله بدليل الخبر ولأنا لو جعلنا المؤبر للبائع وغير المؤبر للمشتري أدى إلى المشاركة، واختلاف الأيدي على

الجزء: 4 - الصفحة: 470

الثمرة والخصومة التي لا تنقطع فجعلناها كالمؤبر كلها.
فإن قيل: هلا ألحقتم المؤبرة بغير المؤبرة وجعلتم الكل كغير الموبر؟ قلنا: لأن المؤبرة ظاهرة وغير المؤبرة باطنه والباطن يتبع الظاهر والظاهر لا يتبع الباطن ألا ترى أنه لو باع دارًا بيعها يشتمل على ظاهر معلوم وباطن مجهول وهو أساس الحيطان وطي البير، فلو ألحقنا الظاهر بالباطن بطل البيع، وإذا ألحقنا الباطن بالظاهر صح [62/ أ] البيع فاعتبرنا حكم الظاهر وجعلنا الباطن المجهول تابعًا له كذلك هاهنا فإذا ثبت هذا متى أّبر شيء من الحائط وهى صفة واحدة كان كما لو أّبر كله ويكون الكل للبائع سواء كانت الثمرة نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة، وسواء ظهر كل الطلع أو ظهر بعضه دون بعٍض فثمرة هذا العام كلها للبائع نص عليه الشافعي.
وقال ابن أبي هريرة: الاعتبار بما كان ظاهرًا وأما ما لم يكن ظاهرًا وظهر في ملك المشتري وكان قد تأخر ظهوره فللمشتري ولا يكون للبائع وهذا غلط والخبر والمعنى الذي ذكرنا عليه.
وقال في (الحاوي): في المسألة وجهان، والصحيح ما قال ابن أبي هريرة والفرق بين ما لم يؤبر يجعل تابعًا لما أبر إن ما لم يؤبر يصح عليه العقد ويلزم فيه الشرط فجاز أن يصير تابعًا للمؤبر بخلاف الطلع ولو صح ما ذكره القائل الآخر جاز مع ما لم يخلق من الثمار تبعًا لما خلق.
وقال ابن خيران: إن كان النوع واحدًا فعلى ما ذكرنا وإن كانت أنواعًا فلكل نوع حكم نفسه فالنوع الذي لم يؤبر شيء منه يكون للمشتري [62/ ب] لأن الأنواع يختلف إدراكها وطلوعها اختلافًا ظاهرًا متباينًا، وهذا إذا باع الكل المؤبر وغير المؤبر فأما إذا أفرد البيع نظر فإن باع النخلة التي قد أبرت بعضها فثمرتها للبائع وإن أفرد النخلة التي لم تؤبر بالبيع فيه وجهان: أحدهما: أنه للمشتري لأن المؤبر لم يدخل في عقد البيع فلا يستتبع غيره، والثاني: يكون للبائع لأن الحائط إذا أّبر بعضه فهو في حكم ما أّبر كله، ولو كان هناك حائطان متميزان فلكل حائط حكم نفسه فإذا أًبر في أحدهما في دون الآخر فالذي أّبر شيء منه في حكم المؤبر كله دون الحائط الآخر، لأَّنا إنما جعلنا الحائط الواحد في حكم المؤبر كله لسوء المشاركة واختلاف الأيدي وهذا معدوم هاهنا؛ لأن كل حائط مفرد عن صاحبه، ولهذا قلنا: الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة.
ثم قال الشافعي: (ولو تشقق طلع إناثه أو بعضها فهو في معنى ما أّبر كله) وقد ذكرنا أن التشقق بنفسه بمنزلة التشقيق وكل ذلك أبلغ وإنه يلتحق بالجنين يبرز عند الولادة [63/ أ] ويسقط فلا يتبع الأصل.
مسألة: قال: وإن كاَن فيها فحوُل نخٍل بعَد أن تؤبَر الإناَث فثمرَثها للبائِع.
إذا كان في حائطه فحول وإناث فإن باع الإناث وحدها قبل التأبير فتمرتها للمشتري على ما ذكرنا وإن باع الفحول وفيها طلع مفرد عن الإناث فإن كان مشققًا فهو للبائع

الجزء: 4 - الصفحة: 471

وإن كان غير متشقق اختلف أصحابنا فيه فمنهم، من قال: هو للمشتري وهو ظاهر كلام الشافعي لأنه طلع لم يظهر ما فيه وقد يظهر كالإناث والمقصود من كل واحٍد منهما ما في جوفه ويقال الماء في جوف طلع الفحل كثر وهو الذي يلقح به طلع الإناث.
ومن أصحابنا من قال: يكون للبائع لأنه يؤكل على جهته فهو نفس الثمرة ودائها كالتين.
وقال صاحب (الحاوي): هذا أصح، لأن طلع الفحل يوجد قبل إباره ويكون حال تناهيه طعامًا وهذان الوجهان مخرجان من اختلاف أصحابنا في طاع الإناث هل يقاس على الحمل قياس تحقيق أو قياس تقريب، فإن قلنا: قياس تحقيق لا يصير طلوع الفحول مؤبرًا [63/ ب] اعتبارًا بالعرف يصير طلع الفحول مؤبرًا اعتبارًا بالعرف وإن جمع بينهما بعقد واحد والحائط ففيه ثلاث مسائل: أحدها: إن كان طلع الإناث قد تشقق دون طلع الفحول فالكل للبائع بلا خلاف لأن من جعل طلع الفحول قبل التشقق كالظاهر من جوف الطلع إذا فرده بالعقد فبأن يجعل كذلك إذا باع ما تشقق أولى وإن لم يتشقق شيء من طلع الإناث ولا الفحول فالمذهب أن الكل للمشتري.
وقال بعض أصحابنا: الإناث للمشتري والفحول للباع وإن تشقق طلع الفحول دون طلع الإناث فعلى قول الشافعي: الكل للبائع، لأنه لا فرق بين الإناث والفحول، وعلى قول من فرق بينهما على ما ذكرنا: الإناث للمشتري والفحول للبائع وجملته أن عند الشافعي طلع الفحول وطلع الإناث بمنزلة طلع الحائط الواحد وعلى قول ذلك القائل بمنزلة طلع الحائطين.
واعلم أنه اعترض معترض على الشافعي فقال: لا يقال فحل ولا فحول وإنما يقال: فحال للواحد وفحاحيل, وهذا لا يهم لأن قول الشافعي: [64/ أ] حجة في اللغة، وتردد به الشعراء: تأَّبري من َحَنٍذ فشولي إذا ضَّن أهل الَّنخل بالفحول فرع لو باع نخلًا فيها طلع وحصل الطلع للمشتري بأن لا يكون مؤبرًا أو كان مؤبرًا فشرطه للمشتري ثم تلف ذلك الطلع في يد البائع قبل القبض.
قال في (الأم): للمشتري الخيار في فسخ البيع، لأنه نقص حصل في المبيع قبل القبض فإن اختار الرد فلا كلام، فإن اختار الإمساك فإذا أمسك قولان: أحدهما: بالحصة وهو الأصح، والثاني: بكل الثمن.
فإن قيل: هلا قلتم تمسكه بكل الثمن قولًا واحدًا كما لو باعه عبدًا فذهبت يده بأكلٍه قبل القبض واختار المشتري الإمساك مسكه بكل الثمن قولًا واحدًا.
قلنا الفرق أن العبد عين واحدة لا تتقسط الثمن على أجزاء وهاهنا عينان فيسقط الثمن عليهما وتمسك الباقي حصته من الثمن.
فرع آخر قال الشافعي: في الصرف وإن باع [64 أ/ 6] نخلًا قبل أن تؤبر فثمرتها للمشتري فإن شرطها للبائع جاز لأن صاحب النخل بذل له كينونة التمر في نخله حين باعه إياها،

الجزء: 4 - الصفحة: 472

إذا اشترط أن يقطعها، فإن استثنى أن يقرها فلا خير في البيع لأنه باعه ثمرًة لم يبد صلاحها إلى أن يكون مقرة إلى وقت قد تأتي عليه الآفة قبله ثم قال: الاستثناء كالبيع يجوز فيه ما يجوز في البيع ويفسد فيه ما يفسد في البيع، وظاهر هذا أن البائع متى استثنى الطلع لنفسه قبل الإبار لم يجز إلا بشرط القطع، ولا يجوز مطلقًا كما لا يجوز شراها مطلقًا من دون شرط القطع وهذا لأنها خارجة من العقد بالشرط فاعتبر فيها حكم ما يعقد عليه العقد من اشتراط القطع ولم يذكر في (الحاوي) غيره.
وقال: لو استثنى البائع نصف الثمرة بطل العقد لتعذر اشتراط القطع فيه، وقال سائر أصحابنا بالعراق أجمع أصحابنا على جواز هذا الاستثناء مطلقًا، وليس استثناءها ابتياعًا لها وتأَّولوا في هذه المسألة على أنه أراد أن المشتري [65/ أ] اشترى النخل مطلقًا فصار هو والطلع له، ثم إن البائع اشترى منه الطلع في النخل فلا يجوز بغير شرط القطع، وقيل: روى حرملة إذا كان اشتراها على أن يقطعها ووقع الخطأ في النخل من غيره من اشتراها إلى استثنائها.
وقال القفال: نص الشافعي هكذا وأصحابنا اختلفوا على وجهين: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: لا يجب ذلك، لأنه استدامة الملك لا ابتداؤه وتأويل النص ما ذكرنا بدليل أن الشافعي قال: فإن رضي المشتري بتركها جاز لأنه رضي بترك ما باع فدل على أنه كان اشترى الكل ثم باع الثمرة وقال: يبتني الوجهان عندي على الوجهين في أنه هل يجوز أن يستثني منفعة الدار المبيعة شهرًا أو شهرين أو يبيع دابة ويستثني ظهرها ليركبها إلى بلد كذا؟ وفيه وجهان: أحدهما: يجوز كما لو باع ثم استأجر فعلى هذا يشرط هاهنا القطع، والثاني: لا يجوز، لأنه يصير بشرط تأخير تسليم المبيع فعلى هذا لا حاجة إلى شرط القطع لأنه استبقاء لا استثناء.
وقيل: يبتنى على أصل آخر وهو: أنه [65/ ب] لو باع عبدًا وله مال وقلنا: يملك العبد هل يستتبع هو ماله؟ قولان، وإذا قلنا يستتبع جعلنا ذكر العبد في العقد كذكره مع ماله فهاهنا يلزمه اشتراط القطع.
كما لو باع ثم اشترى، وإن قلنا هناك لا يستتبع فهاهنا لا يلزمه اشتراط القطع.
مسألة: قال: (والكرسُف إذا بيَع أصلُه كالنخل).
الكرسف: القطن ويقال له: الكرسوف، والبرس، والقطن ضربان حجازي وخراساني والحجازي: شجر قوي يبقى سنتين فيطلع ويلقط كلما طلع، فهذا كالنخل سواء يجوز إفراده بالعقد مطلقًا، ومع الأرض فإذا بيع وحده أو مع الأرض فالجوز الذي فيه كالطلع إن كان قد ظهر القطن في بعضه فكلها للبائع، وإن لم يكن ظهر شيء فكلها للمشتري.
وأما الخراساني: فإنه لا يبقى إلا سنة واحدة ثم يحصد كالباقلاء فلا يجوز إفراده بالبيع إلا على شرط القطع، وإن باع الأرض معه صح وإذا باع وحده بشرط القطع أو مع الأرض نظر فإن كان الجوز الذي فيه [66/ أ] رطبًا ضعيفًا لم يقو ما فيه فالبيع جائز وذلك لا يجوز كالحشيش يكون للمشتري وإن كان الجوز الذي فيه قوي واشتد فالبيع باطل سواء ظهر بعضه أو لم يظهر منه شيء لأنه مقصود بالبيع مجهول [فهو]

الجزء: 4 - الصفحة: 473

كبيع الزرع في سنبله وإن تشقق الجوز وظهر كل الجوز يجوز بيعه بلا إشكال.
مسألة: قال: (ويخالف، الثماَر من الأعناِب وغيرها النخُل).
الكلام الآن فيما يتبع الأصل بإطلاق البيع وما لا يتبع وجملته: أن النبات على ثلاثة أضرب شجرة وما في معناه وزيع فالشجر على ثلاثة أضرب: ما يقصد ورده وما يقصد ورقه وما يقصد ثمره أما ما يقصد ورده فالورد الأبيض والأحمر والأصفر والياسمين ونحو ذلك فإذا بيع أصله نظر، فإذا كان قبل أن يطلع فما يطلع بعده يكون للمشتري وإن كان قد أطلع فعلى ضربين، ضرب في كمام ينفتح وهو الورد فما ظهر من الورد من كمامه فهو للبائع لأنه نماء ظاهر وما لم يكن ظهر من كمامه فهو للمشتري لأنه [66/ ب] نماء لم يظهر.
وحكي عن أبي حامد أنه قال: ظاهر كلام الشافعي أنه للبائع، وإن كان في كمامه وهذا غير صحيح والقياس ظاهر فيما ذكرنا لأنه يكون كالطلع غير المؤبر.
والضرب الثاني: ما يخرج بارز الأكمام عليه ثم يكبر وتتفتح كالياسمين فإن كان الورد قد برز فللبائع وإن لم يكن برز فإنه يحدث في ملك المشتري.
وأما البنفسج فهو في معنى الورد، لأن أصله يبقى سنين ويخرج الجوز منه ثم ينفتح ويظهر فإن كان لم يتفتح فللمشتري.
والنرجس كذلك، لأنه يبقى سنين ومن أصحابنا من قال: هو بمنزلة الزرع لأنه يحول كل سنة.
وأما ما يقصد ورقه وهو التوت ويسمى الفرصاد فإن لم يكن ورقه ظهر فهو للمشتري وإن كان قد ظهر فيه وجهان.
قال أبو إسحاق: هو للبائع، لأن الورق المقصود كالثمرة المقصودة وهذا أصح ومن أصحابنا من قال: هو للمشتري لأن له ثمرة مقصودة خاصة التوت الشامي فورقه كسائر الأوراق وكالأغصان.
ومن أصحابنا من قال: [67/ أ] إن كان شاميًا يقصد ثمره دون ورقه فلا اعتبار بظهور ورقه، وإن كان يقصد ورقه فإنه يبدو في عقده ثم ينفتح عنها فإن كان في عقده تبع الأصل وإن انشقت العقد وظهر ورقها لم يتبع الأصل وكان للبائع وهو قريب من قول أبي إسحاق.
وقال القاضي أبو حامد في (جامعه): قد قيل: ورق التوت يباع إذا خرج من كمامه وبه يبدو صلاحه.
وقال النخعي وعطاء: يباع إذا صار مثل أرجل البط وهو بدو صلاحه، وأما الحناء فيقصد ورقه أيضًا بعد تفرخ أغصانه من غير أن يكون في عقده سفح عنها فإذا بدا ورقه بعد التفرخ ثم باع شجره كان في حكم النخل المؤبر فيكون للبائع.
أما ما يقصد ثمرته فعلى خمسة أضرب: أحدها: ما يظهر ثمرته بعينها ترى في أولها كما ترى في آخرها لا حائل دونها من كمام ولا قمع كالتين فإذا باع أصله فإن كانت قد ظهرت ثمرته فهي للبائع وإن لم يكن ظهرت فللمشتري وكذلك العنب.
والثاني: ما يخرج في كمام ولا يزال عنه الكمام إلا [67/ ب] عند الأكل، وهو

الجزء: 4 - الصفحة: 474

الرمان (واللوز) يظهر في كمامه ولا يزال يكّبر الكمام ويرى في أوله كما يرى في آخره، فإذا باع الأصل وقد ظهر شيء من هذا فهو للبائع لمعنيين، أحدهما: معنى الشافعي وهو أنه يخلق في قشره وبقاؤه فيها من مصلحته وإنما يزال عنه القشر عند الأكل، والثاني: ما ذكره أصحابنا وهو أن هذا يقشر نفس الثمرة فإنه يدخر عليها وإنما تزال عنه القشرة عند الأكل ويباع بقشره فهو كالتين.
والثالث: ما يخرج في كمام ثم ينشق الكمام وتظهر الثمرة وهو النخل وقد ذكرنا حكمه.
والرابع: ما يظهر وعليه قشرتان عليا وسفلى وهو الجوز والرانج واللوز كل هذا يخرج وينعقد وعليه قشرتان تتشقق العليا منهما وتظهر الثانية التي تلي اللب نص الشافعي عليها في (الأم) فقال: إذا باع رجل أرضًا فيها شجر رمان وجوز ورانج وغيره مما دونه قشر يواريه إذا ظهرت ثمرته بثمرته للبائع، إلا أن يشترطها المبتاع فسَّوى بينها وبين الرمان وجعل [68/ أ] كلها للبائع.
وقال أصحابنا: أراد الشافعي إذا تشققت القشرة العليا عن الجوز واللوز وبقيت السفلى فتكون في هذه الحالة كارمان لا يتبع الأصل لأن بقاء هذا القشر من مصلحته لا يزال عنه إلا وقت الحاجة إلى أكله، فأما إذا كانت عليه القشرة العليا بحالها يكون للمشتري لأن تلك القشرة تزول عنه فهو كالطلع غير المؤبر ولم يذكر في (الحاوي) غير هذا.
وقال أبو حامد مثل هذا، وقال: يحتمل أن الشافعي لم يعلم أن للجوز واللوز قشرتين عليا وسفلى، لأنه ليس بالحجاز شجر الجوز واللوز فحمل أمره على أن له قشرة واحدة، ولهذا قال الشافعي حين جمع بين هذه الأشياء التي دونها حائل لا يزال عنه إلا وقت الحاجة إلى أكله، فهو في معنى ما تخرج ثمرته بارزًا وهذه صفة القشرة السفلى دون العليا ويفارق الطلع، لأنه يتشقق في شجره وتحصل ثمرته بخلاف هذا.
ورأيت القاضي الطبري ذكر الجوز مع التين في تصنيفه في المذهب والخلاف وهو ظاهر كلام [68/ ب] الشافعي والأقيس ما تقدم.
والخامس: ما يظهر ورده أولًا ثم يتناثر وتنعقد ثمرته كالتفاح والسفرجل والإجاص والخوخ ونحو ذلك.
وقال أبو إسحاق: وعصيره إذا بيع أصل هذه الثمرة وكان الورد عليها لم يتساقط عن الثمرة ولم يظهر بعد، فهو كالطلع الذي لم يؤبر يكون للمشتري وإن كان الورد قد تناثر وظهرت الثمرة يكون للبائع.
وقال القفال: إذا تحبب ثمارها فللبائع.
وان كان النور باقيًا عليها وان لم تحبب فالنور كالورق.
وقال أبو حامٍد: الذي يجيء على المذهب أن النْور يكون للبائع كالطلع الموبر، لأن الشافعي قال: ويخالف الثمار من الأعناب وغيرها النخل فكل ثمرة تخرج بارزة فهي بمنزلة الطبع المؤبر، وأراد به أن سائر الثمار من العنب وغيره تخرج ثمرتها وعليها ورد ويشاهد من بين ذلك الورد ثم يتساقط الورد عليها وتبقى الثمرة وتكبر فهي بمنزلة الثمرة البارزة من الطلع والدليل على هذا أنه لا خلاف أن الطلع إذا أّبر يكون للبائع والطلع إذا أّبر لم تظهر الثمرة بل ظهر منها ما يجري مجرى

الجزء: 4 - الصفحة: 475

[69/ أ] شجر البائع إلى أوان الجذاذ، وبه قال مالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: يلزم البائع والمشتري قطعها في الحال فإن امتنع أجبر عليه وهذا غلط لأن النقل والتفريع للمبيع يجب على العرف والعادة كما لو باع دارًا مشحونة بالأمتعة والطعام لا يجب نقلها إلا على العادة شيئًا بعد شيء في النهار دون الليل كذلك هاهنا، فإن قيل: هذا في معنى استثناء منفعة المبيع لنفسه وذلك لا يجوز، قلنا: هذا لا يجوز شرطًا فأما إذا ثبت العرف فيه جاز شرعًا، كما لو باع أمًة من وجه يصح ومنافع البضع للزوج في معنى الاستثناء شرعًا كذلك هاهنا.
فإذا تقرر هذا فإنما له ذلك على ما جرت به العادة بالنقل عن الشجرة، فإن كان عينًا نقله إذا استحكمت حلاوته، وإن كان فاكهة نقلها لفظها إذا تناهى إدراكه، كان نخلًا فكذلك حين تتناهى حلاوته إلا أن يكون مما يؤكل بسرًا وبسره حيز من رطبه كالحيسوان فإنه تجده حين يستحكم حلاوة بسره لأن هذا هو العادة.
قال في الأم: فإن استحكم حلاوته فعليه نقله، وإن [69/ ب] قبل إبقاؤه في شجرة خير له وإبقاء له لأن عادة النقل قد حصلت فليس له التبقية كما لو اشترى دارًا فيها بز فعلى البائع نقله، وإن كان بقاؤه في هذه الدار حرز له كذلك هاهنا.
مسألة: قال: (وإذا كاَن لا يصلحها إلا السقُي فعلى المشتري تخلية البائع).
إذا حصلت الثمرة للبائع والشجر للمشتري فأراد أحدهما السقي وامتنع الآخر لم تخل من أربعة أحوال: إما أن يضر بالنخل والثمرة معًا أو لا يضربهما وينفعهما أو يضر بالنخل دون الثمرة أو بالثمرة دون النخل.
فإن كان يضربهما وهذا إنما يتصور في غير النخل فأما النخل فينفعه السقي أبدًا، فأيهما طلب السقي لم يجبر الآخر عليه لأنه سفه وتضييع، وإن كان السقي ينفعهما فأيهما طلب أجبر الآخر عليه، لأنه لا فائدة في الامتناع مما ينفعه ولا يضره.
وقال في (الأم): وإن اختلفا في عدد السقي فقال أحدهما: كل عشرة أيام، وقال الآخر: أكثر رجعنا إلى أهل الخبرة ويعمل على ما جرت ولا فرق بين أن يكون الطالب البائع والممتنع المشتري أو الطالب [70/ أ] المشتري والممتنع البائع.
فإن قيل: هلا قلتم السقي أبدًا على المشتري، لأنه صاحب الأصل ومالك الشجرة والثمرة لغيره كما قلتم فيمن باع ثمرة نخله، فالسقي على البائع حتى يستوفي المشتري؟ قلنا: الفرق أنه إذا باع ثمره فعليه إقباضها وتسليمها على التمام وسقي الأرض من تمام الإقباض فكان السقي عليه وهاهنا الثمرة وقعت مستثناة للبائع على ملكه ولكنها باقية علي شجرة المبتاع، وليس على المشتري إقباضها ولا تسليمها لأنه ما باع فلهذا لم يكن السقي عليه ثم ينتظر، فإن سقيا معًا فالأجرة عليهما وإن سقى أحدهما دون الآخر فالأجرة على الذي تولى السقي دون الآخر لأن كان السقي يضر بالنخل وينفع الثمرة فأراد البائع السقي.
قال أبو إسحاق: يقال للمشتري: أتسمح بأن يمكنه من السقي وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 476

أضَّر بك؟ فإن فعل أقر العقد بينهما وإن قال: لا أسمح قيل للبائع أتسمح بترك السقي وإن أضر بك؟ فإن فعل أقر العقد بينهما، وإن قال: لا أسمح فسخ العقد بينهما لأنه ليس أحدهما بإدخال الضرر عليه بأولى من الآخر.
وقال ابن [70/ ب] أبي هريرة: يجبر الممتنع على التمكين من السقي لأنه دخل في العقد على البائع ببقية الثمرة إلى وقت الجذاذ، وهو يعلم أن الثمرة تحتاج إلى السقي فلزمه الرضا بذلك، وإن كان يضر بالثمرة وينفع النخل فعلي الوجهين قال أبو إسحاق: على التفضيل.
وقال ابن أبي هريرة: يجبر البائع على التمكين منه، لأنه دخل في العقد على هذا وأيهما سقى فالأجرة عليه لأن المنفعة حصلت له فإذا تقرر هذا قال الشافعي: وإنما له من الماء ما فيه صلاح الثمرة لأن البائع متى وإلى السقي بعد السقي مجاوزًا للحد أضر بالأشجار وكما يتضرر بالعطش المفرط كذا يتضرر بالري المفرط.
فرع لو انقطع الماء وعطشت الثمرة وتركها على الأصل يضر بالأصل فطالبه المشتري بقطعها فإن كان ضررًا يسيرًا لم يلزمه القطع، وإن كان ضررًا كبيرًا يخاف من جفاف النخل أو نقصان حملها.
قال في (الأم): فيه قولان: أحدهما: لا يجبر البائع عليه، لأنهما سواء في الحق والمشتري دخل في العقد على هذا، والثاني: يجبر عليه وهو الصحيح لأنه ممنوع من الإضرار [71/ أ] بالمشترى في الأصول التي باعها وضرر الأصول أكثر.
مسألة: قال: وإن كانت الشجرُة مما تكون الثمرُة فيه ظاهرًة ثم يخرُج منها قبَل أن تبلَغ الخارجَة ثمرة غيرها.
الفصل ذكر المزني هاهنا مسألتين.
احديهما: إذا باع شجًرة عليها ثمرة ظاهرة فالثمرة للبائع فلم يأخذ الباع الثمرة حتى حدثت ثمرة أخرى واختلطت بالخارجة اختلاطًا لا يتميز، هل يبطل البيع أم لا؟ الثانية: إذا باع الثمرة دون الشجرة فملكها المشتري ولم ينقلها حتى حدثت أخرى واختلطت بالمبيع اختلاطًا لا يتميز هل يبطل البيع أم لا؟ وينبغي أن يتكلم على الثانية ثم على الأولى وهي إنما يكون في التين والباذنجان والقثاء والخيار والبطيخ يتبع الظاهرة منها، ثم تحدث أخرى فتختلط بها فإذا اختلطت بها ُنظر، فإن تميزت الخارجة من الحادثة وهي عبارة الشافعي، تسمى الأولى: خارجة.
والثانية: حادثة، فالخارجة للمشتري والحادثة للبائع ولا كلام.
وإن اختلطت فلم تتميز إحداهما عن الأخرى فهل ينفسخ البيع أم لا؟ فيه قولان بلا خلاف [71/ ب] بين أصحابنا.
قال في (الأم) و (الإملاء): البيع باطل والثاني حكاه الربيع لا يبطل وجه الأول: أنه تعذر تسليم المبيع المستحق بالعقد، لأن البائع لا

الجزء: 4 - الصفحة: 477

يمكنه إقباض المبيع وحده ولا يجبر على تسليم غيره فأشبه إذا مات العبد المبيع قبل القبض فإن قيل: لم يتعذر تسليمه لأن البائع يسلمه مع الزيادة قيل: لا يجبر البائع على تسليم الزيادة ولا يمكنه التسليم بدونها فثبت العذر ولأن البائع لو بذل مع الزيادة لا يجبر المشتري على قبوله فثبت التعذر.
ولأن الباع لو بذل مع الزيادة لا يجبر المشتري على قبوله فثبت أنه تعذر ذلك.
ووجه القول الثاني: وهو اختيار المزني أن المبيع بحاله وإنما يضاف إليه غيره على وجه لا يبين وهذا لا يوجب بطلان البيع كما لو كان المبيع عبدًا صغيرًا فكبر أو ثمرة فزادت وهذا القائل يقول: إذا بدل البائع الزيادة يلزم القبول لأنه غير متميز عن المبيع، لكنه عين أخرى لا يلزمه القبول، لأنها متميزة عن ملكه فإذا قلنا بالقول الأول فلا كلام، وإذا قلنا بالقول الثاني [72/ أ] يقال للبائع: أتسمح بالحادثة مع الخارجة للمشتري؟ فإن قال؛ نعم أجبرنا المشتري على قبوله وإن أبى لا يقال للمشتري: أتسمح بترك الخارجة للبائع؟ لأن الخارجة كل المبيع فلا يقال له: دع المبيع كله، ولكن يفسخ العقد.
وأما المسألة الثانية - وهي الأولى في الكتاب -: إذا باع شجرة التين وفيها تين ظاهر فالبيع صحيح، والشجرة للمشتري والثمرة للبائع ولم ينقل البائع الثمرة حتى ظهرت الثانية فإن تميزت فالثانية للمشتري لأنها حدثت في ملكه ولا كلام.
فإن قيل: هلا قلتم الحادثة للبائع أيضًا كما قلتم في نخٍل أبر بعضه؛ فالثمرة للبائع وما يظهر من بعد له أيضًا في أحد الوجهين؟ قلنا: الفرق أن ثمرة النخل في العام واحدة فلا يتبع بعضها بعضًا لأنها لا تحمل في السنة إلا مرة، فكانت كلها للباع وهاهنا التين يحمل حملين بطنًا بعد بطن فكانت الأولى: للبائع، والثانية: للمشتري وإن لم تتميز إحداهما عن الأخرى هل يبطل البيع؟ قال المزني: إنها على قولين كالمسألة قبلها.
واختلف أصحابنا فيها على طريقين، قال ابن خيران: [72/ ب] وصاحب (الإفصاح): لا يبطل البيع هاهنا قولًا واحدًا وغلط المزني في النقل لأن الشافعي ذكر القولين في المسألة التي ذكرناها فنقل الجواب إلى هذه المسألة وهذا لأن في تلك المسألة اختلط المبيع بغير المبيع، وهذا اختلط غير المبيع بغير المبيع لأن الخارجة غير مبيعة ولكنها بقيت على ملك البائع والحادثة ملك المشتري وهي غير مبيعة وإنما المبيع الشجرة ولكنه يملك الثمرة بملك الشجرة واختلاط غير المبيع بغير المبيع لا يوجب بطلان البيع، كما لو باع دارًا فيها طعام فاختلط هذا الطعام بطعام للمشتري بعد البيع لا يبطل البيع، كذلك هاهنا.
قال ابن خيران: ولكن تأويل ما نقله المزني أنه أراد إذا باع الشجرة وملك المشتري الشجرة وبقيت الثمرة للبائع، ثم اشترى المشتري ثانيًا تلك الثمرة ثم ظهرت الحادثة فاختلطت بها فهاهنا يختلط المح بغير المبيع فهي مسألة القولين.
وقال عامة أصحابنا: المسألة على قولين كما نقله المزني لأن الشافعي نص في (الأم) على القولين وذكر ما يدل [73/ أ] على القولين في هذه المسألة فقال: الخارجة للبائع والحادثة للمشتري فلو كان المبيع هو الثمرة لقال: الخارجة للمشتري والحادثة للبائع.
وقال أيضًا: يقال للبائع: أتسمح بتسليم الحادثة للمشتري؟ فإن فعل وإلا قيل

الجزء: 4 - الصفحة: 478

للمشتري: أتسمح بتسليم الخارجة للبائع؟ فلو كان المبيع هو الثمرة الخارجة لم يصح أن يقال: أترضى بتسليم الخارجة للبائع؟ لإنهاء كل المبيع فثبت نص الشافعي على قولين في هذه المسألة، والدليل على هذا أن من اشترى شجرًة فالمقصود ثمرتها ولا فرق بين أن يختلط المبيع بغير المبيع أو المقصود بالبيع بغيره أو نقول: الحادثة هاهنا من توابع المبيع ولا فرق بين اختلاط البائع بالبيع وبين اختلاط نفس المبيع لأن تسليمهما واجب بحق العقد وبهذا فارق إذا باع دارًا فيها طعام فاختلط ذلك الطعام بطعام المشتري لأن ذلك ليس بتابع للبيع ولا مقصودًا بالعقد بخلاف هذا.
وأما تأويل ابن خيران فغلط لأن هناك وإن اختلط المبيع بغير المبيع إلا أن كله للمشتري واختلط ملكه بملكه فلا يؤثر [73/ ب] في المبيع أصلًا فإذا قلنا: البيع باطل فلا كلام، وإذا قلنا صحيح يدعى كل واحٍد منهما إلى ترك حقه من الثمرة إلى صاحبه فإن فعل أحدهما ذلك جاز البيع وإلا فسخ العقد على ما نص في (الأم).
وحكي عن ابن خيران: أنه إذا لم يسمح واحد منهما فالقول قول من في يده في القدر الذي يستحقه صاحبه منها ولو علما جميعًا أن البائع لا يمكنه قطع ثماره حتى تخرج ثمار المشتري فتختلط بملك البائع كان البيع من الأصل باطلًا، لأنهما تعاقداه مع تبين العجز عن التسليم إلا مع الخصومة الواقعة بينهما، ولو شرط أن يقطع ثمره في الحال قبل أن يخرج الجديد للمشتري يصح البيع.
وقال الربيع: فيه قول آخر: لا يبطل البيع في هذه الصورة ولكن يقال عند حدوث الزيادة للمشتري وللبائع: أتسمح بترك حقك؟ على ما ذكرنا وهذا خلاف النص.
والربيع أخذ هذا من أحد القولين فيه إذا باع قرطًا جزه فلم يجزه المشتري حتى زادت فيه قولان وغلط في هذا لأن القرط يباع بشرط القطع والقدر الذي تناوله العقد يمكن [74/ أ] تسليمه في الحال معلومًا معينًا وإنما يخاف التعذر بما سيكون وربما لا يكون وهاهنا وقع العقد على الشجرة والثمرة موجودة يقتضي تبقيتها للبائع إلى وقت الجذاذ فإذا علم اختلاطها بغيرها حالة العقد فقد عقد مع يقين العجز عن التسليم بالاختلاط فيبطل العقد ووزانه من تلك المسألة: أن لو باع بشرط أن يقطع البائع ثمرتها في الحال فلا يبطل البيع على ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا ففيما نقل المزني إشكال وذلك أنه حكي هذه المسألة تم عطف عليها وهكذا قال في بيع الباذنجان في شجرة والخربز وهذه الصورة بخلاف الصورة الأولى فكيف يحسن عطفها عليها، لأن المبيع في الصورة الشجرة فلا يكون اختلاط المبيع بغير المبيع، وفي الثانية: اختلط المبيع بغير المبيع وإزالة هذا الإشكال أن يقال: إنما استجاز العطف هكذا لمشابهتهما في المعنى وذلك أن البائع إذا باع الشجرة واستبقى الثمرة وحدثت ثمرة أخرى للمشتري فقد اختلط حق المبيع بحق غير المبيع وإن لم يختلط العين بالعين وذلك [74/ ب] الحق حق السقي، لأن سقي الثمرة القديم على البائع وسقي الحادثة على المشتري وربما يتنازعان في ثمن الماء، فصار هذا كاختلاط المبيع بغير المبيع.
وإذا تقرر هذا فّرع المزني على هذه المسألة فرعين أحدهما قال: وهكذا إذا باع قرطًا

الجزء: 4 - الصفحة: 479

جزه فلم يقطع حتى طال القرط، والقرط هو: الرطبة قرط وقضب وقت.
وقال الأزهري: القرط هو هذا القت الذي يسميه أهل هراة الغورية وهو لا يستخلف إذا جز كما يستخلف القت الصغار للورق، وجز القت حصده، فإذا قال: بعتك هذا القرط لم يجز إلا بشرط القطع فإن توانى المشتري ولم يقطع حتى طالت وغلظت لم يجبر البائع على التسليم ولكن هل يبطل العقد؟ فيه طريقان: أحدهما: لا يبطل البيع قولًا واحدًا ولكن يقال للبائع: أتسمح؟ فإن سمح وإلا فسخ العقد لأن هذه زيادة غير متميزة كِسَمن العبد وكبره، ويفارق الثمرة، لأنها أعيان متميزة اختلطت بغيرها فكان حكمها أغلظ، والثاني: وهو الصحيح.
المسألة على قولين لأنه اختلط بالمبيع غيره وهذه الزيادة تجري [74 ب/ 6] مجرى الزيادة المتميزة بدليل أنه لا يجبر البائع على تسليمها وِسَمن العبد وِكَبره 0 يكون للمشتري لا حق للبائع فيه، ولأن السَمن في الصورة لا يتميز وهاهنا زيادة الخلقة والورق والأغصان في الصورة يتميز فإن قيل: أليس لو اشترى طلعًا فزاد كان للمشتري فقولوا في زيادة القرط مثله؟ قيل: الفرق أن تلك الزيادة تحدث من نماء الطلع الذي هو ملكه فكانت له وهاهنا الزيادة تحدث من الأصول التي هي ملك البائع فكانت له.
والفرع الثاني قال: وهكذا لو باع حنطة فانثالت عليها حنطة أخرى فإن كان قبل القبض فيه قولان أيضًا بلا خلاف بين أصحابنا كمسألة الثمرة.
ونص في (الأم) و (الإملاء): أنه يبطل.
فإذا قلنا لا يبطل فإن سلم الكل إلى المشتري فلا خيار له، وهل يجبر على قبوله؟ وجهان، وإن امتنع البائع من بذله فله الخيار.
وإن كان بعد القبض فالعقد صحيح قولًا واحدًا، فإن كان في يد البائع بأن يكون قبضها من البائع ثم أودعها عنده فالقول قول البائع في مقدار طعام المشتري لثبوت يده عليه، وإن كان في يد المشتري [75 أ/ 6] فالقول قول المشتري في مقداره لثبوت يده عليه وهذا لأن القبض إذا حصل فقد استقر العقد فلا يضر الاختلاط بعده، وهكذا في مسألة الثمرة لو جذ المشتري الثمرة وردها إلى الجرين بثمرة البائع لا يبطل البيع قولًا واحدًا لأنه استقر البيع بالتسليم بدليل أنه لا ينفسخ البيع في تلك الحالة بالتلف وليس كذلك ما دامت على الشجرة لأن التسلم غير تام فيها، ألا ترى أنه لو عطشت الثمرة كان على البائع سقيها؟.
فإذا تقرر هذا اختار المزني في مسألة الثمرة أن يفرق بين ما قبل القبض وبعده كما في مسألة الحنطة، إذا انثالت عليها حنطة أخرى، وهو قول أبي حنيفة أيضًا، فقال: إن كان قبل القبض بطل، وإن كان بعد القبض لا يبطل ويقتسمانه، فإن اختلفا في قدر حق كل واحٍد منهما فالقول قول من في يده.
قلنا: الفرق أن الحنطة إذا قبضت انقطعت العلقة بينه وبين البائع وتم القبض واستقر.
وفي الثمرة لا يتم القبض بالتخلية، لأن على البائع إكمال الإقباض على ما ذكرنا من سقي الشجرة حتى تجد الثمرة [76/ أ] ولو لحقها عطش كان للمشتري الخيار، فكان الاختلاط بعد القبض وقبله سواء هناك.
ومن أصحابنا من قال في مسألة الحنطة قبل القبض: بطل البيع قولًا واحدًا لأن الشافعي جعلها دليل أحد القولين في اختلاط الثمار وهذا أصح.
فرع لو باع شاًة فاختلطت بقطيع لا يتميز، المذهب أنه يبطل البيع ويفارق الحنطة، لأن

الجزء: 4 - الصفحة: 480

هناك الإساغة لا تمنع البيع وهاهنا الاشتباه مانع من العقد حتى لو قال: بعتك شاًة من هذا القطيع لا يجوز، وقيل: لا يبطل لأنه يمكنه التسليم بأن يقبض الكل وتقرر الحكم في المبيع، ويكون حكمه حكم من اختلطت شاته بقطيع لإنسان، وهذا لا يصح، لأن الشرط في القبض يتسلط به على المقبوض ويتمكن من التصرف وهذا لا يوجد بقبض الجملة.
مسألة: قال: (وكُّل أرٍض بيعْت فللمشتري جميُع ما فيها من بناِء وأصٍل والأصُل ما له ثمرة بعد ثمرة).
الفصل في اللفظ خلل، لأنه يوهم أن البناء خارج عن عمارة الأصل لأنه استأنف تفسير الأصل فقال: والأصل ما له ثمرة بعد ثمرة.
وقال بعض [76/ ب] أصحابنا: لفظ الشافعي فللمشتري جميع ما فيها من أصل والأصل كل بناء وشجر له ثمرة بعد ثمرة والأول أظهر ولم يرد الشافعي بهذا إخراج الأشجار غير المثمرة عن هذا الحكم، ولكنه أراد أن الزرع ليست من جملة الأصل لأنها تثمر مرة ثم تتلف حني يزرع غيرها.
فإذا تقرر هذا فباع أرضًا لا يخلو إما أن يقول: بعتك هذه الأرض بحقوقها فدخل في البيع جميع ما في الأرض من البناء والشجر، وإما أن يقول: بعتك هذه الأرض مطلقًا، قال الشافعي: يدخل في البيع جميع ذلك، وقال في الرهن: لا يدخل في الرهن إلا البناء والشجر، واختلف أصحابنا فيه على ثلاثة طرق: فمنهم من قال: فيها قولان: أحدهما: لا يدخل فيهما لأن اسم الأرض لا ينطلق على ما فيها، والثاني: يدخل فيهما لأنه متصل بها فهو كأجزائها، ومنهم من قال: المسألة على حالين فإن قال: بحقوقها يدخل فيها، ران أطلق لا يدخل فيهما، ونص الشافعي في الَّرهن عند الإطلاق ومنهم من فرق بينهما وحمل النصين على ظاهرهما، والفرق أن البيع يزيل الملك فاستتع حقوق [77/ أ] لقوته، والرهن لا يزيل الملك فلم يستتبع، وهذا هو الصحيح واختاره القاضي الطبري وجماعة، فإن قيل: أليس لو باع النخل لا تدخل فيه الثمرة، وإن كانت متصلة فكذلك البناء؟ قلنا: الفرق أن الثمرة لا تراد للبقاء فليست من حقوقها بخلاف البناء والشجر.
فرع لو قال: بعتك هذا البستان يدخل في البيع الأرض وما فيها من الأشجار أجمع، لأنه يسمى بستانًا بجميع ذلك، ألا ترى أنه إذا أزيل عنها الأشجار لا يسمى بستانًا، وأما البناء الذي فيها والجدار المحيط بها على الطرق التي ذكرناها.
وقال بعض أصحابنا: يدخل فيها الجدار المحيط بها قولًا واحدًا، لأن البستان اسم لجميعها وهو ضعيف عندي، ولو قال: حائط بستان فالجدار المحيط به يدخل في البيع، فإن كان في إخلاله بناء فعلى الطرق.

الجزء: 4 - الصفحة: 481

فرع آخر لو قال: بعتك هذه القرية دخل في المبيع ما يحيط به البناء من البيوت والدكاكين والحمام، ولا يدخل ضياعها ولا بساتينها، ولو كان في جوف القرية غرس فعلى الطرق، ولو قال: بعتك هذه القرية بحقوقها دخل الغراس والبناء الذي في [77/ ب] جوفها دون المزارع لأنها ليست من حقوقها فلا يدخل إلا أن يقول: بمزارعها أو بأراضيها.
فرع آخر لو باع أرضًا فيها دولاب للماء فيه وجهان: أحدهما: يدخل في البيع لاتصاله بها ولأن فيه كمال منافعها ويجري مجرى أبواب الدار المبيعة، وإن لم يكن من جنسها، والثاني: لا يدخل كما لا يدخل بقره الدولاب ولا خشبه الزرنوق، وقال بعض أصحابنا: إن كان الدولاب صغيرًا يمكن نقله صحيحًا على حاله بغير مشقة لم يدخل، وإن كان كثيرًا لا يمكن نقله صحيحًا إلا بالتفصيل أو بمشقة غالبة دخل، لأنه نصب للبقاء كالشجر.
فرع آخر لو كان في الأرض رحى الماء دخل بيت الرحى وبناؤه، وفي حجارة الرحى ثلاثة أوجٍه: أحدها: يدخل علوًا وسفلًا لأنها من تمام المنافع، والثاني: لا يدخل أصلًا لامتيازها، والثالث: يدخل السفل دون العلو لانفصاله.
وأما دولاب الرحى الذي يديره الماء فيدير الرحى يتبع الرحى وإلحاقه بالسفل أولى من إلحاقه بالعلو.
فرع آخر لو كان فيها سماد فللبائع إلا أن يكون قد بسط [78/ أ] في الأرض واشتغل فرع آخر لو قال: بعتك هذه الدار ودخل في البيع جميع ما هو مركب فيها ومبني من السقوف والأبواب والرفوف المركبة والدرج المعقودة والأوتاد المغروزة، فإن كانت الرفوف موضوعة على الأوتاد غير مسمرة ولا مغروزة في البناء لا يدخل في البيع.
وقال بعض أصحابنا بخرسان: الرفوف لا تدخل أصلًا لأنها أثبتت بالاستقرار دون الأسمار، وقال أبو حنيفة: يدخل فيها ما كان داخلًا من الحقوق دون الخارج، وإن كان متصلًا بها، ولهذا احترز الشرطيون في الوثائق فقالوا: وكل حق هو خارج منها وهذا قول بخلاف الإجماع، والتعليل بالاتصال يوجب التسوية بين الأمرين وقال زفر: كل ما كان في الدار من آلة وقماش لا يستغنى عنه يدخل في البيع.
وهذا أظهر فسادًا، ولو جاز هذا لدخل العبيد والطعام أيضًا.
فرع آخر إذا قال: بعتك هذه الدار فما فيها من المرافق المنتفع بها على ثلاثة أضرب: متصل بها ومنفصل لا يتعلق بمنفعة المتصل، ومنفصل يتعلق بمنفعة المتصل، فأما المتصل [78/ ب] بها كالخوابي المدفونة والحجر التحتاني من الرحى ونحو ذلك يدخل في

الجزء: 4 - الصفحة: 482

البيع، لأنه بني للبقاء فيها ويفارق الحجر المدفون والكنز، لأنه مودع فيها للنقل عنها لا للبقاء فيها بخلاف ما ذكرنا، وهكذا أجاجين الخباز يدخل في البيع، وأفتي بعض مشايخ طبرستان: أنه لا يدخل فيها الخوابي وهو غريب، وقال في (الحاوي): إن كان للتأبيد كحباب الزياتين والبزارين دخلت في البيع، وإن كانت مدفونة استيداعًا لها في الأرض لم يدخل كما لا يدخل الحجارة التي دخلت في البناء، وهذا أصح عندي.
وأما المنفصل الذي لا يتعلق بمنفعة المتصل كالبكرة والحبل والدلو والسلم والرفوف التي تنقل وتحول غير المسمسرٍة، لا يدخل في البيع شيء منها، كالفرش وكذلك السرير وحجر الرحى إذا لم يكن مركبًا والأبواب غير المغلقة والحطب، وأما المنفصل المتعلق بمنفعة المتصل كالمفاتيح الرومية والحجر الفوقاني من الرحى فيه وجهان أحدهما: وهو اختيار أبي إسحاق يدخل في البيع لأنه متعلق بمنفعة المتصل كالأبواب الثابتة والمغلاق مع أن [79/ أ] الأبواب قائمة في الدوازات غير مغروزة فيها، والثاني: لا يدخل في البيع وهو اختيار ابن أبي هريرة لأنها منفصلة بنقل وتحّول من مكان إلى مكان كالدلو والحبل، ويفارق الأبواب لأنها لأن كانت منفصلة إلا أن البناء محيط بها، وإثما بنيت منفصلة ليمكن رَّدها وفتحها بخلاف هذا فإن البناء غير محيط بها.
فرع آخر قال القفال: ما أثبتت فيها بالطين ينظر، فإن كان مما لا ينتفع به لو رفع كالتنور والكانون المتخذ من آجرات أو قدر ركبت فيه يدخل في البيع، وما أثبت فيه كي لا يتحرك ولا يتزعزع، ويمكن رفعه ويبقى انتفاعه كإجانة القصار ومعجن أثبت في الدار بالطين والرفوف المسمرة والسلاليم المسمرة والأوتاد المغروزة في الحائط، وقدر الحمام وصندوق الطحان فيه وجهان: أحدهما: يدخل في البيع لأنه صار من جملة البناء لإثباته بالطين، والثاني: لا يدخل لأنه موضوع غير مبني في الحقيقة، وأما القفل ومفتاح غير المغلاق لا يدخل في البيع بحال.
فرع آخر ألواح الدكان المنفصلة [79/ ب] يغلق بها، هل تدخل في البيع؟ وجهان وقيل: يدخل وجهًا واحدًا لأن تلك تجري مجرى الباب للدار.
فرع آخر هل يدخل رأس التنور في البيع؟ وجهان ذكره في (الحاوي).
فرع آخر لو اتصل بالدار حجرة أو رحبة لم يدخل لخروجها عن حد الدار.
فرع آخر لو اتصل بها ساباط على حائط من حدودها هل يدخل؟ فيه ثلاثة أوجه أحدها: لا

الجزء: 4 - الصفحة: 483

يدخل كالحجرة، والثاني: يدخل كالأجنحة والميزاب، والثالث: خَّرجه أبو الفياض: يعتبر حال الأجذاع من الطرفين مطروحًا على حائط لهذه الدار دخل في بيعها لأن جميعه تبع، وإن لم يكن كذلك بأن كان أحد الجانبين على حائط لغير هذه الدار فلا يدخل في بيع هذه الدار.
فرع آخر لو باع سفينة تدخل آلتها المتصلة، وهل تدخل آلتها المنفصلة التي لا يستغنى عنها؟ وجهان.
فرع آخر قال الشافعي: إن كان في الدار حمام لم يدخل في البيع قال الربيع: أراد حمامات الحجاز تتخذ من الخشب يغتسل [80/ أ] فعلى قول أبي إسحاق: مالك المكان أحق به فإن تجاهل غيره فدخل في ملكه وأخذه ملكه، وعلى قول ابن أبي هريرة؛ يلزم الرد على مالكه ولا يملكه المتجاهل بأخذه، وأما البيع فعلى ما مضى في بيع ماء بئر الدار سواء.
فرع آخر لو باع أرضًا فيها معدن جامد دخل في البيع لأنها من جملته أجزاء الأرض والكنوز لا تدخل ويكون للبائع إن اّدعاها، وإن لم يدعها نظر إلى من ملك الأرض عنه وقد سبق حكمه في كتاب الزكاة.
فرع آخر لو باع دارًا يحتاج أن يذكر للدار أربعة حدود فلو ذكر حدين لم يجز، ولو ذكر ثلاثة حدود فإن كانت لا تتميز بذكرها بطل، وإن تميزت فالصحيح أنه يصح لحصول الامتياز، وفيه وجه آخر انه لا يصح ما لم يذكر الرابع.
فرع آخر لو باع عبدًا لا يدخل ثياب بدنه في مطلق بيعه إلا بالتسمية ولكن العادة جارية بالعفو عنها فيما بين التجارة.
وقال أبو حنيفة: يدخل ذلك في مطلق البيع [80/ ب] وقال بعض العلماء: يدخل قدر ما يستر العورة للضرورة كنعل الدابة وهو وجه لأصحابنا، وفيه وجه ثالث يدخل تمام ثياب البدن للعادة.
وقال ابن عمر: يدخل في جميع ما على العبد والأمة من الثياب والحلي لأنها في يد من ملكت وهذا غلط، لأنه منفصل عن المبيع ولو لزم قدر ما يستر العورة للزم قدر ما يسد الجوعة ولا قائل به.
فرع آخر لو باع داّبة لا يدخل فيه الحبل والِمقود، وقال بعض العلماء: يدخل فيه ذلك كما قال هناك في قدر ما يستر العورة ويدخل النعال المسمرة.
لأنها كالمتصل بخلاف القرط في الأذن.

الجزء: 4 - الصفحة: 484

فرع آخر لو اشترى سمكة فوجد في جوفها لؤلؤة لا يدخل في البيع ثم ينظر فإن كان فيها أثر ملك من ثقب فهي لقطة لا يملكها الصياد البائع، وإن لم يكن فيها أثر ملك فهي للصياد، لأنه قد يمر بمعدن اللؤلؤ فينلبع منه شيئًا.
فرع آخر لو ابتاع سمكة فوجد في جوفها سمكة [80 ب/ 6] تدخل في البيع لأن السمك قد يغتذي بالسمك فيكون من جملته بخلاف اللؤلؤ، وكذلك لو ابتاع طائرًا فوجد في جوفه سمكة أو جرادًا.
قال الشافعي، - رضي الله عنه -: ويؤكل ذلك ولكن بعد الغسل لنجاسته بما في جوف الطائر، ولو كان في جوف الحوت لم يجب غسله، لأن ما في جوف الحوت لا يكون نجسًا بخلاف ما في جوف الطائر.
مسألة: قال: وإن كاَن فيها زرٌع فهَو للبائِع يُترُك حتى يحصَدُه.
لما ذكر الشافعي حكم الثمار تكلم على حكم الزرع، فإذا باع أرضًا فيها زرع لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون الزرع ظاهرًا أو بذرًا في الأرض، فإن كان ظاهرًا لم يخل من أحد أمرين: إما أن يكون مما يحصد دفعة واحدة أو جزه بعد جّزه، فإن كان مما يحصد دفعة واحدة كالحنطة والشعير فلا يخلو، إما أن يطلق العقد أو يشرط، فإن أطلق فالزرع للبائع لأنه يزاد للنقل لا للبقاء فهو كمتاع الدار، فإذا ثبت أنه للبائع فله بنفسه إلى حين الحصاد، وقال أبو حنيفة: عليه نقله في [81/ ب] الحال كما قال في الثمرة وهو غلط لما ذكرنا، فإن قيل: هلّا قلتم: إن البيع باطل لأن المشتري اشترى أرضًا منفعتها لغيره كما لو اشترى أرضًا مكتراة فالبيع باطل لأنه اشترى أرضًا منفعتها لغيره؟ قلنا: في بيع الأرض المكتراة قولان، وهاهنا قال أبو إسحاق: فيه قولان أيضًا، وليس بشيء بل المذهب أنه لا يبطل هاهنا قولًا واحدًا، والفرق أن هناك يدًا حائلة تمنع المشتري عما اشتراه فيبطل في أحد القولين وهاهنا لا حائل دونها فإن له الدخول إليها والتصرف في غير مواضع الزرع منها، ولهذا يجوز بيع الَأَمة المزوجة قولًا واحدًا، لأنه ليس عليها يد الزوج ولا يمكنه منع صاحبها من التسليم ثم نقول لأبي إسحاق: لو كان هذا من باب بيع الأرض المكتراة لوجب أن يبطل البيع هاهنا قولًا واحدًا، لأن مَّدة بقاء الزرع مجهولة ومتى جهلت المّدة بطل العقد كما لو وجب لها سكنى دار مدة عدتها فباعها مالكها يبطل قولًا واحدًا، لأن مدة العدة مجهولة.
وقال في (الإفصاح): من أصحابنا من قال: يبطل البيع قولًا واحدًا لأنه يصير كأَّن [82/ أ] البائع استثنى منفعة مجهولة لنفسه وهذا يبطل عليه ببيع النخيل الني عليها الثمرة، وإذا تقرر هذا ونفاه البائع إلى أوان الحصاد لا يكون عليه أجرة مثل الأرض

الجزء: 4 - الصفحة: 485

مدة بقاء الزرع فيها، وان كان قد انتفع بأرض المشتري فإن قيل: هلَّا قلتم عليه أجر مثلها مّدة بقاء الزرع فيها كما لو اشترى أرضًا شراًء فاسدًا فزرعها يلزم أجرة مّدة بقاء الزرع فيها، إذا استرد الأرض وترك الزرع إلى أوان الحصاد؟ قيل: الفرق إنه لا يملك المشتري في الشراء الفاسد منفعة الأرض فكان عليه الأجرة وهاهنا منفعتها مملوكة للبائع لأنها كالمستثناة عن العقد فلم تتلف منفعة غيره فلا أجرة، ويؤكده أن الأجرة إنما تجب إذا زرعها بعقد الإجارة أو بغير حق، وليس هاهنا واحد منهما فلا أجرة فإذا ثبت هذا فجاء وقت الحصاد عليه الحصاد في أول وقت الحصاد، وإن كان بقاؤه بعد هذا أنفع له، كما قلنا في الثمرة يقطعها البائع إذا تمت حلاوتها، ولو حصد ونقل الزرع قبل وقت الحصاد ليس له أن ينتفع الأرض بغير الزرع [82/ ب] إلى وقت الحصاد ولأنه إنما ملك الانتفاع بها لهذا الزرع فليس له أن ينتفع بغيره كما لو كان المبيع دارًا فيها طعام ينقل في شهر فنقله في يومين سقط حقه وليس له أن ينتفع بها بقية الشهر، وهكذا له بقية الثمرة إلى حين الجذاذ فلو صرمها قبل ذلك سقط حقه وليس له أن ينقل إلى البستان بعد ذلك، كذلك هاهنا وإن حصده في أوانه نظر فإن كان زرعًا لا يضر عروقه بالأرض كالحنطة والشعير فلا كلام، وإن كان مما يضر بها عروقه كالقطن والذرة فعليه نقل العروق عنها، لأن هذا ملكه وبقاؤه يضر بها كما لو باع أرضًا فيها حجارة يلزمه نقلها.
ومن أصحابنا من قال: يلزمه قني أصول الزرع بكل حاٍل والأصح التفصيل على ما ذكرنا، فإذا نقل فإن لم يحصل في الأرض حفر تحتاج إلى الإصلاح فلا كلام، وإن كان فيها حفر يحتاج إلى الإصلاح فعلى البائع أصلاحها وتسويتها لأنه حفرها لاستصلاح ملكه فكان الضمان عليه، كما لو باع دارًا فيها جّب كبير لا يخرج من الباب إلا بهدم شيء منه وعليه ما نقص بالهدم [83/ أ] وكذلك إذا هربت دابة فدخلت في دار رجل ولا يمكن أن يخرج منها إلا ببعض شيء من الدار يضمن البعض على صاحب الدابة، ولهذا قال بعض أصحابنا: لو وقع دينار في جرة رجل ولا يخرج إلا بكسرها كسر ويجب ضمانها على صاحب الدينار، وإن باع بشرط أن يكون الزرع للمشتري لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون قد تسنبل أو لم يتسنبل، فإن كان قبل أن يتسنبل أو بعد أن يتسنبل، وقبل أن يشتد الحب فيه جاز ذلك لأنه حشيش، ألا ترى أنه يجوز إفراده بالعقد فجاز بيعه مع الأرض فإن قيل: هلَّا قلتم لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع كما لو أفرده بالعقد؟ قلنا: الفرق أنه إذا أفرده صار مقصودًا بالعقد وفي بيعه من غير شرط للقطع غّرز فلم يصح، وإذا باع مع الأرض فالغرز في التابع في العقد فلا يضر العقد، وهذا كبيع الثمار قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير شرط القطع لا يجوز، ولو باعها مع الأرض مطلقًا يجوز، وإن كان قد تسنبل واشتد الحب فيه نِظر فإن كان الحب ظاهرًا كالشعير يجوز البيع لأنهما مقصودان ظاهران يجوز بيع كل واحٍد منهما على الانفراد، وإن [83/ ب] كان الحب في كمام كالحنطة فاختلف قول الشافعي في الحنطة في سنبلها على قولين: فإذا قلنا: يجوز إفراده بالبيع فلا يجوز بيع الأرض أولى، وإن قلنا: لا يجوز بطل البيع فيهما لأنهما مقصودان أحدهما: مجهول، فإن قيل: أليس لو باع حّرًا وعبدًا يبطل

الجزء: 4 - الصفحة: 486

في الحر وهل يبطل في العبد؟ قولان: هلَّا قلتم مثله هاهنا؟ قلنا: الفرق أنهما معلومان يمكن تقسيط الثمن عليهما، وهاهنا أحدهما مجهول وهما مقصودان فلا يمكن تقسيط الثمن عليهما فافترقا.
وقال في (الحاوي): هل يجوز تبعًا للأرض؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأنه تجوز الجهالة تبعًا كأساس البناء، والثاني: لا يجوز لأنه وإن كان تبعًا فهو مقصود في نفسه بخلاف الأساس وهذا غريب، ومن أصحابنا من قال: هذا الوجه صحيح إذا قلنا بالقول الضعيف يمسكه المشتري بجميع الثمن عند الإجارة في تفريق الصفقة، لأنه يأخذ المعلوم بكل العوض فلا يضر الجهل بما عداه، فإذا قلنا: لا يجوز فيه هل يبطل البيع في الأرض قولان بناء على تفريق الصفقة، ومن أصحابنا من أبطله في الأرض قولًا واحدًا للجهل [84/ أ] بحصة ما قابل الزرع المجهول من الثمن، وهذا من اختلاف أصحابنا في تعليل تفريق الصفقة.
فإن قلنا: يصح في الأرض فللمشتري الخيار، فإن أجاز يمسكه بكل الثمن قولًا واحدًا لأن الفاسد مجهول الحصة، وإن كان الزرع يحصد دفعة بعد دفعة ويبقى أصله في الأرض سنين كالرطبة والنعناع والكراث، فإذا باع الأرض مطلقًا قد ذكرنا أن الأصل تابع لهما كالنحل سواًء، ثم ننظر فإن لم يكن فيها شيء ظاهر كأنه باعه حين حّزه فما نبت للمشتري، وإن كان هناك نبت ظاهر فهو للبائع بإطلاق العقد على ما ذكرنا، وعلى البائع نقله في الحال فإن قيل: أليس قلتم في المسألة قبلها: للبائع تبقيته إلى أوان الحصاد؟ فهلَّا قلتم هاهنا مثله؟ قلنا: الفرق ما ذكره الشافعي أن للزرع والثمرة حّدًا إذا انتهيا إليه واحد وليس للرطبة جذاذ إذا انتهى إليه أجذ فكان عليه النقل في الحال، وأيضًا قال أصحابنا: الرطبة تطول وتخرج غير ما كان ظاهرًا منها فيفوت على المشتري ما يظهر له منها فكان عليه النقل في الحال والثمرة [84/ ب] والزرع يكبر بذاته وينشأ بنفسه ولا يتفرع له أغصان لم يكن ولا يفوت على المشتري شيئًا، لأن الثمرة والزرع لجميع العام فكان له التبقية إلى حين الحصاد، وقال في (الحاوي): هل ينتظر جذاذه؟ وجهان على ما ذكرنا في نظيره، وهكذا إن لم يكن له أصل يبقى سنين ولكنه يجزه دفعة بعد دفعة كالهندباء والجرجير ونحو ذلك، قال الشافعي في (الأم): هي كالأصول وكذلك القثاء والخيار والبطيخ كالأصول نص عليه واعتبر ما يجز دفعة بعد دفعة ولم يفرق بين طويل المدة وقصيرها، فالجزة الأولى للبائع وما بعدها للمشتري.
وقال في (الحاوي): البطيخ وما يؤخذ ثمرته مرة بعد مرة ولكن في عام واحٍد هل هو في حكم الشجر لأن ثمرته لا توجد دفعة وحكمه ما ذكرنا.
وقال البصريون: هو في حكم الزرع فللبائع أصله وثمره لأنه زرع عام واحد والشجر يبقى أعوامًا والهندباء والجرجير والكراث.

الجزء: 4 - الصفحة: 487

قال: وأما الموز فأصله لا يحمل إلا سنة واحدة ثم يموت بعد أن يستخلف مكانه فرخًا يحمل في العام المقبل فالأصل [85/ أ] الموجود وقت العقد لا يدخل في البيع كالزرع لأنه لا يبقى بعد سنته والفرخ الذي يستخلف كالشجر يدخل في البيع هذا الكلام كله في الزرع الظاهر، فأما إن كان بذرًا لم ينبت فالبذر ضربان: بذر لأصل ينقى وبذر لما يؤخذ دفعة واحدة فإن كان لأصل ينقى كبذر المشمش والخوخ والجوز واللوز والنعناع والرطبة فإنها تتبع الأصل لأنها دفنت للبقاء فصارت أصلًا في نفسها لشجرها، وإن كان لما يؤخذ دفعة واحدة كبذر الحنطة والشعير لا يتبع الأصل لأنه مستودع فيها للنقل والتحويل كالحجر المستودع، ولا فرق في المسألة الأولى بين أن يكون نبت وجرت عروقه في الأرض أو لم يبت وفي تلك الحالة دفنه فيها، لأنه دفنه للبقاء فهو كما لو غرس فسلًا في أرضه ثم باعها قبل أن يعلق الفسيل ببيع الأرض.
وقال في (الحاوي): إذا قلنا: إنه ينتظر بما ظهر منه تناهي جزازه وهو في الرطبة والنعناع فأول الجذة الثابت من هذا البذر للبائع، وإن قلنا لا ينتظر فالبذر وما يثبت منه [85/ ب] للمشتري ثم ينظر فإن كان المشتري عالمًا بالحال فلا خيار له وللبائع ببقيته إلى حين الحصاد وهذا في بذر الحنطة، وإن كان جاهلًا به فله الخيار لأن فيه تفويت منفعة الأرض، فإن رضي البائع بتركه للمشتري أو قال: أنا أحوله وأنقله.
قال في (الأم): لا خيار له لأنه أبطل العيب بالنقل وزاده خبرًا بالترك ويلزمه قبوله لأن فيه تصحيح العقد وعلى هذا لو اشترى نخلًا فيها طلع فبان أنها قد أبرت ولم يعلم المشتري له الخيار لأنه يستضر ببقائها في نخله هذا إذا باع الأرض مطلقًا فإن باعها مع البذر فإن جهل جنسه وصفته لم يجز قولًا واحدًا، وإن علمه فالمذهب أن البيع باطل، لأنهما مقصودان أحدهما: مجهول، ومن أصحابنا من قال: يصح البيع فيهما وتسقط الجهالة على سبيل التبع كالحمل في الحامل ولا يجئ فيه قول تفريق الصفقة، لأن البذر مجهول لا يمكن تقسيط الثمن عليهما على ما ذكرنا، وقيل: يصح في الأرضى إذا قلنا: نأخذ في الجائز بكل الثمن، وقيل: إذا باع البذر مع الأرض قولان والقول [86/ أ] الثاني يصح فيهما، لأن الشافعي قال في كتاب التفليس: أو باع زرعًا مع أرض خرج أو لم يخرج والأول أصح، ومن قال به قال فيما ذكره في التفليس الزرع عبارة عن النابت وقوله خرج أو لم يخرج يعني سنبله، وقال في (الإفصاح): وفي معنى ما ذكرنا إذا باع أرضًا فيها جزر أو فجل بجزرها وفجلها هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، والثاني: يجوز كاللبن في اللبون والحمل في الحامل يجوز البيع فيه تبعًا.
مسألة: قال: (وإن كاَن فيها حجارٌة مستودعٌة).
الفصل إذا باع أرضًا فيها حجارة باطنه لم يخل من ثلاثة أحوال: إما أن تكون مخلوقة في

الجزء: 4 - الصفحة: 488

الأرض أو مبنية فيها أو مستودعة.
فإن كانت مخلوقة فيها مع خلقة الأصل دخلت في البيع لأنها كأجزاء الأرض من التراب والطين، ولأنها لست بأكثر من المعادن الباطنة كالجواهر والذهب والفضة المخلوقة في الأرض، وكلها تدخل في البيع كذلك هذه الحجارة فإذا ثبت هذا ُنظر فإن كانت لا تضر بزرع ولا شجر بحيث لا يصل إليها عرق [86/ ب] واحد منهما فلا خيار للمشتري، لأنها ليست بعيب، وإن كان يضر بهما أو بأحدهما فهو عيب يرد به المبيع، وإن كان المشتري عالمًا به فلا خيار، وإن كان جاهلًا فله الخيار فإن اختار الإمساك أمسك بكل الثمن لأنه عيب فلا يتقسط الثمن عليه.
وقال في (الحاوي): إن كان يضر بالغراس لوصول عروقه إليها وغير مضرة بالزرع لبعد عروقه منها هل يكون عيبًا يوجب للمشتري الخيار وجهان: أحدهما: عيب لأنه منع بعض منافعها.
والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق لا يكون عيبًا لكمال المنفعة بأحد المقصودين وكذلك لو كان يصلح للغرس دون الزرع فيه وجهان أيضًا.
قال: والأصح عندي أن ينظر في تلك الناحية فإن كانت الأرض فيها مرصده للزرع، أو بعضها للغرس وبعضها للزرع لا يكون عيبًا ولا خيار، وإن كانت مرصده للغرس فهذا عيب لأن العرف المعتاد يجري في العقود مجرى الشرط ولعل اختلاف الوجهين على هذا التفصيل فلا يكون في الجواب اختلاف، وإن كانت الحجارة مبنية فيها للبقاء [87/ أ] والتأبيد كالدكة وأساس الحيطان فالحكم فيها كما لو خلقت في أصل، وكذلك إذا كان البناء مهدمًا أو كانت في طي بئر خراب، وإن كانت مستودعة فيها وهي مسألة الكتاب وهذه عادة أهل الحجاز يأخذون الأحجار ويسوونها مربعة عريضة يبنون بها فربما يكون عند الرجل منها شيء لا يحتاج إليه في الحال، ويضيق به المكان فيودعه تحت الأرض لوقت الحاجة فهو لا يدخل في بيع الأرض بالإطلاق ثم لا يخلو إما أن يكون في الأرض شجر أو لا شجر فيها، فإن لم يكن فيها شجر بل كانت أرضًا بيضاء مزرعة لا شجر فيها، لا يخلو الحجر من أحد أمرين: إما أن يضر بقاؤها في الأرض أو لا يضر، فإن كان بقاؤها يضر وقلعها لا يضر فهو عيب للبائع نقلها، لأنها ملكه وللمشتري مطالبته بنقلها ليفرغ الأرض وإذا ثبت أنه عيب فهل للمشتري الخيار ُنِظر فإن كان عيبًا من غير ضرر مثل أن ينقلها في مدة ليس للأرض في مثلها أجرة كيوم فما دونه فلا خيار للمشتري لأنه عيب يزول من غير ضرر على المشتري.
قال أبو إسحاق: [87/ ب] فهو كما لو باع عبدًا فأبق فقدر البائع على رده في الحال أو باع دارًا قد امتلأت بالوعتها وحّشها فقال البائع: أنا أزيل ذلك في الحال فلا خيار للمشتري، وكذلك لو ُغِصب المبيع قبل القبض فقال البائع: أنا أنتزعه في زمان يسير لا خيار للمشتري، فإذا ثبت هذا ونقل البائع ذلك فعليه تسوية الأرض سواء نقلها قبل القبض أو بعده لأنه حفرها لتخليص ملكه بغير تفريط من صاحب الملك، وإن كان البائع لا يمكنه

الجزء: 4 - الصفحة: 489

إزالته إلا في مدة لمثلها أجره كاليومين والثلاثة فما فوقها لم يخل للمشتري من أحد أمرين: إما أن يكون عالمًا بها أو جاهلًا فإن كان عالمًا لا خيار له لأنه دخل على بصيرة بالضرر، وإن كان جاهلًا فله الخيار فإن اختار الإمساك أمسك بكل الثمن وللبائع النقل وللمشتري مطالبته بالنقل، وإذا نقله فعليه تسوية الأرض قبل القبض أو بعده، هكذا ذكر جماعة أصحابنا، وأما أجرة المثل لمدة تعطيل منفعتها نظر، فإن كان قبل القبض فلا أجرة على البائع لأنها مضمونة عليه بالثمن كما إذا قطع البائع يد المبيع [88/ أ] قبل القبض للمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة ولا أرش له وهو قول أكثر أصحابنا.
وقال الماسرجسي: قال أبو إسحاق في بغداد قبل خروجه إلى مصر: له الأجرة قال القاضي الطبري: وهذا محتمل عندي لأنه نص في البويطي على أن البائع إذا قطع يد العبد المبيع فللمشتري الخيار بين الفسخ والإجازة مع الأرش وإذا نص في الأرش فالأجرة مثله فقد حصل فيه قولان ولا يختلف المذهب في النقص الداخل بأمر سماوي بأنه إذا جاز غيره من غير أرش.
وقال القفال: فيه وجهان مبنيان على أن جناية البائع على المبيع قبل القبض كآفة سماوية، فيفسخ البيع إذا قبل البائع المبيع قبل القبض أو كجناية الأجنبي فيخبر بين الإجارة وأخذ القيمة من الجاني وأداء الثمن إليه، وفيه قولان فإن قلنا: جنايته كآفة سماوية لا يلزم أجر المثل هاهنا، وإذا قلنا: إنها كجناية الأجنبي غرم هاهنا أجر المثل.
قال في (الحاوي): لا تجب تسوية الأرض على البائع هاهنا قولًا واحدًا ولكن يثبت للمشتري خيار الفسخ لأنه عيب وهذا أظهر وعلى ما ذكر القفال فيه وجهان [88/ ب] أيضًا فإن كان هذا قبل القبض فهو بالخيار بين الفسخ والإجازة أيضًا لأن هذا العيب وإن حصل بعد القبض إلا أن سببه كان موجودًا قبل القبض، فإذا اختار الإجازة وقلع البائع يلزمه الأجرة وتجب تسوية الأرض وإصلاح حفرها قولًا واحدًا والفرق أن العقد لم يستقر قبل القبض ولم يلزم فلا تجب على البائع الأجرة ولا أرش ما يدخل فيه من القبض بخلاف ما بعد القبض، ولهذا يجوز له أخذ العوض عنه بعد القبض دون ما قبل القبض.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجه آخر لا أجرة عليه لأنه لما رضي بذلك فقد اختار سقوط الأجرة كما لو كان فيه زرع يبقى إلى حين الحصاد بعد القبض ولا أجرة له وهذا لأنه استوفى ما اسحقه بمعنى قارن العقد وبهذا فارق الأجنبي، أو إذا أتلف البائع الأجزاء بعد القبض، لأنه استوفى ما استحقه بمعنى قارن العقد، وبهذا فارق الأجنبي أو إذا أتلف البائع الأجزاء بعد القبض لأنه استوفاه بمعنى قارن العقد فكان عليه الضمان.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: ما ذكر القفال [89/ أ] من البناء على القولين في جناية البائع يوجب لزوم الأجرة هاهنا قولًا واحدًا، ولكن المسألة مشهورة بالوجهين، وإن كان تركها لا يضر بحال لا في زرع ولا في شجر فللبائع النقل وليس للمشتري مطالبته بالنقل لأنه لا ضرر عليه في بقائها في أرضه بحال ثم ننظر فيه فإن اختار البائع النقل فالحكم على ما ذكرنا في الأجرة وخيار المشتري ووجوب تسوية الأرض، وإن

الجزء: 4 - الصفحة: 490

اختار البائع ترك الحجارة فيها فلا خيار للمشتري، ولكن هل يملكها المشتري بهذا الترك؟ فيه وجهان أحدهما: يملكها لأنها متصلة بالمبيع وفيه تصحيح العقد وقد زاده خيرًا، والثاني: لا يملكها لأنه ابتداء هيئة مجهولة وهذا أظهر.
فإذا قلنا: يملكها سقط حق الباع وانقطعت علقته عنها ولزم العقد، وإن قلنا: لا يملكها فللبائع نقلها متى أراد ثم إذا أراد النقل عاد خيار المشتري والحكم على ما ذكرنا، وقال في (الحاوي): لا يملكها ولا يلزم قبولها وجهًا واحدًا لأنها هبة محضة ويؤخذ بقلعها إن كان قلعها لا يضر أيضًا، وإن كان [89/ ب] قلعها يضر وتركها لا يضر قيل للبائع أتسمح بترك الحجارة؟ فإن سمح لزم البيع ولم يكن له الامتناع من قبولها ليثبت الخيار، ولا يقال هذه هبة فلا يلزمه قبولها، لأن المقصود ليس الهبة بل المقصود إسقاط الضرر عن المشتري فيما يلحقه بالقلع فخرج عن معنى الهبة وسقطت فيه المكافأة والمنة، ثم ليس للبائع أن يرجع فيها سواء وجد من المشتري القبول أو لا، لأنه يجري مجرى الإبراء الذي لا رجوع فيه ولا يفتقر إلى القبول وهذا حسن.
وقال القفال: يلزمه قبولها ثم هل هي هبة تمليك حقيقة أم هي لقطع الخصومة؟ وجهان وفائدته: أن المشتري لو استخرجها يومًا هل للبائع أن يقول: ردها علَّي وجهان، ونظير هذا لو أن رجلًا اشترى دابة فأنعلها ثم وجد بها عيبًا وفي قاع النعل حدوث عيب جديد فقال؛ لا أقلع بل أرد الدابة وأهب له النعل يلزم البائع قبوله ثم سقط النعل، فهو للبائع أو يلزم رده على المشتري؟ وجهان، وهذا إذا لم يكن غراس، فأما إن كان فيها غراس لم يخل من أحد أمرين إما أن يكون البائع هو الذي غرسها أو المشتري [90/ أ] فإن كان البائع غرسها فملكها المشتري بإطلاق العقد على القول الصحيح أو بالشرط على القول الآخر وصارا معًا للمشتري لا تخلو الحجارة من أربعة أحوال: إما أن لا يضر تركها وقلعها، أو لا يضر قلعها ويضر تركها.
أو يضر الترك والقلع، أو يضر القلع دون الترك.
فإن لم يضر تركها ولا قلعها كأنها كانت من الشجر بحيث لا ضرر على المشتري منها بحال فالحكم فيها كما لو كانت كما لو كانت أرضًا بيضاء لا شجر فيها وقد مضى ذلك.
فإن قيل: أوجبتم تسوية الأرض في مواضع ومعلوم أن من نقض بناء رجل غرم ولا يقال له ابَن كما كان فما الفرق؟ قلنا: الفرق أن البناء الغاني الذي بني غير الأول بل هو شيء يقوم مقامه والجدار ليست من ذوات الأمثال، فتجب القيمة هناك ولا تجب إعادة البناء، وأما تسوية الأرض ليست بإحداث شيء ليكون مثلًا لشيء تالف، بل هي إخراج عيب ونقض فإذا أمكن ذلك لم يجب الغرم، وإن كان تركها يضر وقلعها لا يضر بالشجر بحال، فالحكم في هذا القسم أيضًا كما لو لم يكن فيها شجر بحال [90/ ب] لأنها إنما فارقت البيضاء بكون الشجرة فيها فإذا كان قلعها لا يضر بالشجر لا اعتبار بكون الشجر فيها.

الجزء: 4 - الصفحة: 491

وإن كان تركها يضر وقلعها يضر وهو أنها تمنع أن تجري عروق الشجر في الأرض، وإذا قلعت احتاج إلى قطع العروق فهو عيب يرد به المبيع سواء قلعت الحجارة في مدة الأرض في مثلها أجرة، أو لا أجرة لها، لأن النقص عاد إلى العروق، فإن كان المشتري عالمًا لا خيار له وإن كان جاهلًا له الخيار، وكذلك لو كان عالمًا بالحجارة ولم يعلم تضررها له الخيار أيضًا، فإن اختار الإمساك فالحكم في تسوية الأرض والأجرة على ما ذكرنا.
وأما أرش النقص الداخل على الشجرة بالقلع فيه طرق أحدها: الأرش عليه لأنه إذا رضي بالإمساك فقد رضي بالنقص.
وقال أبو إسحاق: هذا كالأجرة إن كان قبل القبض فقولان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: قبل القبض يلزمه قولًا واحدًا وإن كان قبل القبض لا يلزم، وإن كان بعده يلزم.
وقال ابن سريج: إن كان بعد القبض يلزم قولًا واحدًا، وإن كان قبل القبض فقولان [91/ أ] وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان قبل القبض وبعده، والأصح أنه يجب، وإن كان تركها يضر بالغراس دون الزرع لزم البائع قلعها وجهًا واحدًا.
وقال في (الحاوي): بخلاف الحجارة المخلوقة في أحد الوجهين لأن الحجارة المودعة تدليس من البائع يمكنه رفعها بخلاف المخلوقة، وإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر فإن اختار الترك لا خيار للمشتري، وهل يملك بالترك على ما ذكرنا، وقال القفال: لو قلع المشتري تلك الأشجار بعد ذلك هل للبائع قلع الأحجار؟ وجهان مبنيان على ما أتلف حنطة فلم يوجد مثلها فغرم القيمة ثم وجد المثل هل له رّد القيمة ومطالبته بالمثل؟ وجهان، وإن اختار القلع فللمشتري الخيار لأنه يضر بالمبيع ولا فرق بين أن يقول له البائع: أنا أعطيك أرش النقص أو لم يقل فإن قيل: ينبغي أن لا خيار إذا أعطاه أرش النقص كما إذا اختار ترك القلع لا خيار له قلنا: الفرق أنه لا نقص للترك فلهذا لا خيار له، وفي القلع نقصى في الخيار وإن بذل له أرش النقص كما لو اشترى شيئًا فوجد به عيبًا لا يسقط خياره [91 أ/ 6] بأن يقول البائع: أنا أبذل أرش العيب كذلك هاهنا، فإذا ثبت أن له الخيار فإن اختار الرد فلا كلام وإن اختار الإمساك فالحكم في التسوية والأجرة وأرش النفس على ما مضى، هذا إذا كان البائع قد غرسها، فأما إذا غرسها المشتري وكانت الأرض بيضاء الأغراس ثم علم بأن تحتها حجارة، فإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر، فإن سمح البائع بالحجارة للمشتري أجبر على قبولها ولا خيار له، لأنه لا ضرر عليه في بقاء الحجر فيها، وإن امتنع وأراد قلعها فالحكم على ما بيناه قبل القبض وبعده، فإن كان تركها يضر وقلعها لا يضر فإن قال البائع: أنا أقلعه فالحكم على ما ذكرنا من الفصل بين ما قبل القبض وبعده.
وإن قال: أنا أسمح بالحجارة للمشتري.
اختلف أصحابنا فيه قال أبو إسحاق: لا خيار له لأن أكثر ما فيه أن يكون أرضًا مستحجرة لا تصلح للغراس وهذا لا يوجب الخيار إذا كانت تصلح لغير الغراس من الزرع، كما لو كانت الأرض رمله لا تصلح للغراس ليكن

الجزء: 4 - الصفحة: 492

للمشتري الخيار، وقال ابن أبي هريرة: له الخيار لأنه تدليس ويفارق الأرض الرملة لأنه لم يحصل فيها [92/ أ] تدليس وهذا أظهر، وإن غرسها المشتري بعد العلم بالحجارة سقط رده لأنه تصرف مما يدخل النقص على المبيع بعد العلم بالعيب، ثم لا يخلو إما أن يضر قلعها أو تركها أو يضر قلعها دون تركها، فإن كان الأمران يضران فللبائع القلع لأنه ملكه وللمشتري المطالبة لإزالة ضرر الترك، ثم إذا قلع يلزم البائع أرش النقص قولًا واحدًا، لأنه تحول ملكه عن الأرض بإدخال النقص على الغير وقد سقط رد المشتري.
وإن كان قلعها يضر وتركها لا يضر فإن اختار القلع فعليه أرش النقص قولًا واحدًا، وكيفية التقويم أن يقال: كم يساوي هذا الشجر ولا نقص؟ قالوا: مائة فيقال: وكم يساوي وبه هذا النقص؟ قالوا: تسعون.
قلنا: نقص العشر فيلزم حصته من القيمة وإن اختار البائع الترك فهل يملكها المشتري؟ على ما ذكرنا، ولو كان البائع زرع فيها زرعًا وباعها مع الزرع وتحتها أحجار فليس للبائع أن يقلع الأحجار ما لم يحصد الزرع إذا كان قلعها يضر بالزرع لأن لوقت الحصاد وإدراك الزرع [92/ ب] غاية بخلاف قلع الأشجار، وإن كان الزرع للبائع فالضرر يختص به والخيار إليه.
وإذا تقرر هذا ففي لفظ المختصر إشكال، وذلك أنه نقل، ولو كان غرس عليها شجرًا.
وهذا لفظ يتردد بين احتمالين أحدهما: أن المشتري غرس بعد الشراء، والثاني: أن البائع غرس قبل البيع فربما يحمل بعض أصحابنا هذا اللفظ على المشتري ويجعله الغارس ولا يصح ذلك والصحيح أن الغارس هو البائع قبل البيع لأن المشتري لو كان هو الغارس لما ثبت له الخيار وإن تضررت الأشجار بتلك الأحجار لأنه ضرر على غير المبيع إذ الأشجار الحادثة ليست بمبيعة.
ذكر الإمام الجويني رحمه الله: وهو عين قول أبي إسحاق على ما ذكرنا وقد ثبت أن الأظهر غير هذا.

باب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمار

قال: أخبرنا مالك الخبر، إذا باع ثمرة قبل بدو صلاحها لا يخلو: إما أن يبيعها بشرط القطع أو بشرط التبقية أو مطلقًا فإن باعها [93/ أ] بشرط القطع يجوز بلا خلاف لأنها إذا قعطت أمن من الغرر فيها وإلى هذا أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة فيم يأخذ أحدكم مال أخيه) ومعناه أن الثمرة إذا لم يبد صلاحها لا تزال معترضة للجوائح والآفات والصواعق والبرد والرياح العاصفة والعادة تبقيتها إلى وقت القطع والعقد إذا أطلق صار مقيدًا بالعادة الغالبة، فكأنه قال: بعت منك هذه الثمرة بشرط تبقيتها، ولو قال ذلك كان باقيًا كما في تبقيتها من الآفة، وإن باعها بشرط التبقيه بطل البيع بلا خلاف لما ذكرنا، وإن باعها مطلقًا بطل البيع عندنا وبه قال مالك وأحمد وإسحاق.
وقال أبو حنيفة: يجوز البيع ويلزم القطع في الحال والخلاف معه في موضعين أحدهما: في بطلان البيع وصحته، والثاني: في العلة فعندنا البيع بطل لأن إطلاقه يقتضي التبقية فيصير كأنه شرط التبقية وعنده إطلاقه يقتضي القطع في الحال فيصير كأنه

الجزء: 4 - الصفحة: 493

باع بشرط القطع والدليل على ما ذكرنا ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[93/ ب] أنه (نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها) وهذا يقتضي النهي عن بيع مطلق، ولو باع هذه الثمرة مع الأصل يصح البيع، وإن لم يشترط القطع وتكون الثمرة تابعة للأصل في ذلك ولا يؤثر حصول الغرر في التابع، ألا ترى أن بيع اللبن في الفرع مفردًا لا يجوز للغرر؟ ولو باع مع الأصل جاز لكونه تابعًا.
واحتج الشافعي على هذا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من باع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع) وهذا يدل على أنه إذا اشترطها تكون للمشتري وذلك بيع الثمرة مع الأصل.
فرع لو كانت الثمرة لواحد والأصل لآخر ويتصور ذلك في الوصية فباع صاحب الثمرة من صاحب الأصل مطلقًا من غير شرط القطع فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو الصحيح، لأنه باع ثمرة مفردة قبل بدو صلاحها، لا على شرط القطع فأشبه إذا باعها من غير صاحب الأصل، والثاني: يجوز لأن الثمرة والأصل يحصلان لواحد فأشبه إذا باع الثمرة مع الأصل وهذا ظاهر المذهب.
[94/ أ] فرع آخر بيع الجوز قبل بدو الصلاح والسفرجل ونحوه لا يجوز أصلًا، لأنه لا ينتفع به أصلًا.
مسألة: قال: وإذا أذَن رسوُل الله - صلى الله عليه وسلم - في بيعِه إذا صاَر أحمَر أو أصفَر فقد أذَن إذا بدا فيه النضُج واستطيَع أكلُة خارجًا من أن يكودَن كلُه بلحًا.
الفصل إذا باع ثمرة قد بدا صلاحها ينظر فإن باعها بشرط القطع جاز لأنه إذا جاز قبل بدّو الصلاح بهذا الشرط فبعد بدو الصلاح أولى وإن باعها مطلقًا جاز بلا خلاف إلا أن عندنا يبقى إلى وقت الجذاذ وعند أبي حنيفة يطالب بالقطع في الحال، وإن باعها بشرط التبقية يجوز عندنا، وبه قال مالك وأحمد ومحمد إلا أنه يقول: يجوز ذلك إذا تناهى عظمها وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لا يجوز بشرط التبقية وهذا غلط، لأن النقل يجب على العرف والإطلاق فيه كالشرط كما في أمتعة البيت، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في بدو الصلاح ما هو؟ فعندنا بدو الصلاح: النضج ولا اعتبار بالتلون لأن من الثمار ما لا يتلون إذا نضج، وروي [94/ب] عن ابن عمر - رضي الله عنهم - أنه قال: بدو الصلاح في الثمار بطلوع الثريا، وبه قال بعض الفقهاء لما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى تذهب العاهة فقال له عثمان بن عبد الله بن سراقة: متى ذلك؟ فقال:

الجزء: 4 - الصفحة: 494

(إذا طلع الثريا) ولا يتحقق الخلاف هذا في الحكم لأن وقت طلوع الثريا وقت بدو الصلاح فهو اختلاف في العبارة والعلة، فعندنا يجوز ِلُبدّو الصلاح وعنده لطلوع الثريا وهذا غلط، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الثمار حتى تزهى، قيل يا رسول الله وما تزهى؟ قال: (حتى تحمر أو تصفر) وقال عطاء: ُبدّو الصلاح: بأن يوجد فيها ما يؤكل، وقال النخعي: هو قوة الثمرة واشتدادها.
فإذا تقرر هذا فبدو الصلاح في الرطب أن يحمر الُبْسر أو يصفر، وفي العنب إن كان أسود أن يسود، وإن كان أبيض كالعنب الرازقى أن تبدو فيه الحلاوة ويصفر، وتقوى نواته ولحمه، وإن كان أحمر أن تحمر، وفي التفاح ونحوه أن يطيب أكله فيه بوجود الحلاوة، وفي المشمش بالصفرة وفى العناب [95/ أ] بالحمرة وفى قصب السكر بالحلاوة، وفي الرمان بالحموضة أو الحلاوة، وزوال المرارة، وفى الَقّثاء والخيار والباذنجان لا يعتبر تغير اللون ولا الطعم لأنه يفسد به فيه بدو الصلاح فيها أن يكبر بعضها حتى تتناهى في كبره، فإنه مادام صغيرًا لا يؤمن ورود العاهة عليه.
وأما البطيخ قال الشافعي: (وللخربز نضج كنضج الرطب) فبدو الصلاح فيه أن ينضج ويطيب أكله وقيل: إذا لانت صلابته بالنضج وكذلك التين.
وأما بدو الصلاح في العلف والبقول والقصب إذا تناهى طوله إلى الحد الذي ُيَجّز عليه، وفي الورد بالانتفاخ والانتشار ومتى حكمنا يبدو صلاحه يجوز بيعه مطلقًا ويشترط التنقية، وإذا تقرر هذا قال الشافعي هاهنا: والقثاء يؤكل صغارًا طيبًا فبدو صلاحه أن يتناهى عظمه، وأراد به أن القثاء في حال صغره يباين التمر في أول حاله ولكنه مع مباينة توافقه في أن له وقتًا معلومًا تبدو الصلاح فيه ويأمن من الآفة كما للثمر وهو أن يتناهى عظم بزر القثاء ولهذا يتركه [95/ ب] الناس في العادة إلى هذا الوقت ثم يقطعونه ومقصود الشافعي بالتناهي أن يكبر كبرًا غير مفرط، وليس قصده أن يفرط حتى ينتهي إلى أقصى غاية كبره، إذ العادة قطعه قبل ذلك لما في تركه من تراجع قيمته، وهذا هو الجواب عن اعتراض ابن داود على الشافعي المحسوسات حيث قال: والقثاء يؤكل صغارًا طيبًا وهذا يعلم بالحس وكان يحب القثاء فذكره.
فإذا تقرر هذا يعتبر بدو الصلاح في بعض الثمار، ولو في شمراخ أو عنقود منها أو ُبْسرة واحدة منها فإذا حصل ذلك صار الباقي تابعًا في جواز البيع على الإطلاق، وأما الكلام في النوعين المختلفين وإذا أفرد ما لم يبد صلاحها في حائط قد بدا صلاح بعضها فعلى ما بيناه في الناس.
وقيل: نص في البويطي على أنه إذا كان أحدهما صيفي والآخر شتوي لا يتبع أحدهما الآخر، وأما العنب لا يصير تابعًا للرطب ولا جنس من الثمار يكون تابعًا لجنس آخر، ولا ثمرة حائط تابعة لثمرة حائط آخر قال الليث بن سعد: إذا بدا الصلاح في جنس كان بدو الصلاح في [96/ أ] جميع ثمار ذلك البلد ويجوز بيع جميعها مطلقًا

الجزء: 4 - الصفحة: 495

وقال مالك: إذا بدا الصلاح في جنس كان بدو الصلاح في ذلك الجنس في جميع البلد الواحد إذا كان الصلاح معهودًا لا مسكن أو لا يكون بدو الصلاح في جنس آخر.
وهذا غلط لما روي أن الني - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد) ولم يفصل بين أن يكون بدو الصلاح من جنس آخر أو في حائط آخر، ولأنا إنما جعلنا بدو الصلاح في بعضه كبدوه في كله لئلا يؤدي إلى اختلاف الأيدي وسوء المشاركة ويقارب التلاحق في الزمان وهذا المعنى لا يوجد في الجنسين، ولا في الحائطين وكل موضع قلنا: لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع فباع بهذا الشرط كان للبائع مطالبته بالقطع فإن تراضا على ترك القطع إلى أوان الجذاذ ولم يضر البيع شيئًا.
فرع لو باع ثمرة على شجرة لم يبد صلاحها على شجرة مقلوعة لا يضر فيه.
وقد قال أصحابنا: يجوز بيعها مطلقًا من دون شرط القطع، لأنها لا تنمو ولا يأخذ من أجزاء الشجرة [96/ ب] ولو بقيت عليها بخلاف غيرها.
مسألة: قال: (ولا وجه لمن قال: يجوُز إذا بدا صلاحُهما ويكوُن لمشتريهما ما ثبَث أصلهما أن يأخذ كلما خرَج منها وهذا محرم) قصد به الرد على مالك حيث قال: إذا اشترى الخربز أو القثاء بعد تناهي عظمه أو عظم بعضه من غير شراء أصله كان للمشتري جميع ما يخرج من حوادثهما لأنه يشق تميزه ومذهبنا أن الحوادث الخارجة للبائع، ولو شرط ذلك بطل البيع واحتج الشافعي بأن قال: هذه الحوادث كانت غير مخلوقة عند العقد فكيف يدخل في العقد؟ ويبعد أن يشترط فيما برز بدو الصلاح ثم يقال: يدخل في غير البارز في العقد، ولو جاز ذلك مثل هذا لجاز ذلك في النخل (وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع السنين) وهو أن يقول الرجل للرجل: بعت منك ما تحمل هذه النخلة ثلاث سنين أو أربع سنين بكذا لأنه بيع ما لم يخلق وليس بعقد َسَلم موصوف، بل هو بيع العين فإن باع الأصل من الثمرة يجوز، ولكن لا بد من شرط [97/ أ] القطع فإن شجر الخربز والباذنجان والقثاء زرع على ما ذكرنا ثم إذا شرط القطع فلم يتفق، فكل ما كان خارجًا وخرج بعد البيع يحصل للمشتري وهذا هو الوجه في تحصيل كل الثمرة الموجودة وغيرها للمشتري، وإن أراد الخلاص من مطالبته بالقطع استأجر منه الأرض سنة أو سنتين، فحصل له منفعة تلك المسألة ولا يملك صاحب الأرض مطالبته القطع، ولو اشترى نصف الثمرة مشاعًا من زرع أو تمر لم يبد صلاحها لا يجوز، لأنه لا يمكن قطعه إلا بقطع الباقي الذي يس بمبيع فلا يمكن شرط القطع فيه.
مسألة: قال: (وكُّل ثمرٍة وزرٍع دونها حائٌل من قشٍر أو كمام).

الجزء: 4 - الصفحة: 496

الفصل جملة الثمار ضربان: بارزة وفي كمام فالبارزة كالتفاح والسفرجل والخوخ والرطب ونحو ذلك يجوز بيعها مقطوعة على الأرض في أصولها بعد أن بدا صلاحها كيف شاء وقبل بدو صلاحها بشرط القطع، لأنها معلومة بالمشاهدة، وأما التي في كمام فعلى ضربين: [97/ ب] كمام هو من مصلحتها وحافظ لرطوبتها ويزال عنها عند الأكل كالرمان ن والبطيخ والموز فهذه كالبارزة سواء وكمام لا مصلحة لها فيه وهو الكمام الفوقاني من الجوز واللوز والرانج والفستق والبندق.
وفي معناها الباقلا الرطب فهذه لا يجوز بيعها وعليها الكمامان بحال لا مقطوعة ولا في أصولها.
وحكي عن ابن القاص وأبي سعيد الإصطخري وهو اختيار علماء البصرة: يجوز بيع الباقلا الرطب في قشرتيه، وكذلك اللوز الرطب لأن القشرة الثانية مأكولة في حال رطوبته وهو وقت كمال المنفعة فإن جف لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وإن كان جافًا، ثم قاسوا على هذا الجوز والرانج واحتجوا بأن هذا حائل من أصل (الخلقة) فلا يمنع جواز البيع كقشر الرمان وهذا خلاف نص الشافعي في (الآم) لأنه قال فيه: لا يجوز بيع الباقلا في قشرتيه فإن أزيلت القشرة الخضرة وظهرت القشرة البيضاء جاز بيعه وتعيب القول في قشره أسوأ حالًا من تعيب اللحم في الجلد لأنه يعلم به عجافته من سمنه [98/ أ] ويقال: الجلد في الحيوان حافظ لمنفعته ولا يعلم به حال الباقلا ولإبقاء القشرة عليه حافظ لمنفعته لأنه يسود ويتغير في قشره، فإذا لم يجز بيع اللحم في الجلد فلأن لا يجوز بيع الباقلا في القشرة العليا أولى.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: بيع هذه الأشياء في قشرتها عند الجفاف لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة وقد قيل: فيه وجهان مبنيان على قولي بيع الغائب لأن عليه ساتر إلا من مصلحته، وفي حال رطوبتها وجهان، لأنه ما دام الجوز رطبًا فصلاح لبه في قشرتيه ولو رفعت القشرة العليا عنه تسارع إليه الفسال ويجوز بيع اللوز الرطب وجهًا واحدًا، لأنه يؤكل مع قشرتيه فلم تستر بما ليس بمقصود، قالوا: والمذهب الصحيح جواز البيع في الكل.
وحكي الربيع عن الشافعي ما يدل على جوز البيع وهذا القول أحب إلّي ولكن ظاهر مذهب الشافعي ما تقدم.
مسألة: قال: ولم أجُد أحدًا من أهِل العلم يأخُذ عشر الحبوب في كمامها ولا يجيز بيع الحنطة في سنبلها مفردة [98/ ب] عن اَلسنبل لا يجوز إجماعًا، وأما بيعها مع السنبل هل يجوز؟ قال في القديم: يجوز وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (أنه نهى عن بيع الحب حتى يشتد) وروي (حتى يفرك) وقال في الجديد: لا يجوز وهو الصحيح لأنه لا يدري قدر ما في السنبل من الحنطة وأنه جيد أو رديء، ولأن المقصود مستور بما يدخر إذا خرج منه غالبًا فاشتبه بيع الجوز في قشره

الجزء: 4 - الصفحة: 497

العليا.
واحتج الشافعي بأنه لا يجوز في تبنها ولا يعرف فيه خلاف إلا من يتقسف منهم فيسوى تبنها في تبنها، وتبنها في سنبلها، وقال لا يجوز فع فضة في تراب بالتراب لأن المقصود مستور بما لا مصلحة له فيه، فكذلك لا يجوز هذا أيضًا، وإنما قال: بالتراب ولم يقل بالفضة لئلًا يتوهم متوهم أن إبطال البيع للتفاضل ولكن للجهالة.
وقال: أجمع العلماء أنه لا يجوز أحد عشر الحبوب في أكمامها فكذلك لا يجوز بيعها في تلك الحالة.
وأما الخبر الذي ذكروا روي حتى يفرك بفتح الراء فتصير حجتنا، وقيل: نهى قبل ذلك لعلة [99/ أ] وهي خوف الجائحة، فإذا اشتد زالت هذه العلة وبقي المنع لعلة أخرى، وهي الجهالة وقيل قول واحد لا يجوز بيعها في سنبلها، وقول القديم مرجوع عنه وقيل: القولان فيه كالقولين في بيع الغائب.
وقال القاضي الطبري: حكي ابن المنذر والربيع: أن الشافعي رجع عن إفساد البيع فيها، وقال معنى السنة فاضربوا عليه وهو غريب.
فرع بيع العدس والحمص والدخن والسمسم في سنبلها كالحنطة سواء، وأما الشعير والذرة وما يكون حبها ظاهرًا يجوز بيعها في سنبلها لأنها تدخر عليها، وقال بعض أصحابنا بخراسان: الذرة كالحنطة وهذا أظهر.
فرع آخر الشعير بعد الدياسة إذا بيعت في التبن لا يجوز، لأن المقصود وهو الحب مستور بما ليس من أصلاحه، إلا إذا جوزنا بيع الغائب، واشترى الحب دون التبن فيجوز وإذا أخرج له الخيار ومؤنة إخراجه على البائع، لأن التسليم به يقع.
وقيل: قول واحد لا يجوز للجهل، وكذلك لو سلخ الجلد ثم وضع اللحم فيه [99/ ب] ثم بيع اللحم مستترًا بالجلد يجوز على قول من يجوز بيع الغائب والمذهب أنه لا يجوز.
فرع آخر بيع الأرز في قشرته السفلى وهي الحمراء يجوز بلا خلاف لأنه لا يدخر بعد إخراجه منها، وأما بيعه في قشرته العليا وهي الصفراء قال أبو حامد: هو عندي بمنزلة الحنطة في السنبلة فيه قولان، وبه قال بعض أصحابنا، وقال غيره: يجوز بيعه قولًا واحدًا، لأنه يدخر عليه ولا يرفع عنه والقشرة التحتانية بمنزلة النخالة.
وإذا رفعت الفوقانية أسرع الفساد إليه وهو كالشعير سواء، ومن قال خلاف هذا لم يعلم حالة التأبير في ادخار الأرز، وذكر القاضي الطبري وهو اختيار ابن أبي أحمد وصاحب (الإفصاح).
مسألة: قال: ولا يجوُز أن يسَتثنى من الثمرِة ُمدًا.
الفصل إذا باع ثمرة على الشجرة أو موضوعة بالأرض، واستثنى منها مدًا أو رطلًا أو أكثر

الجزء: 4 - الصفحة: 498

لا يجوز البيع، لأنه باع نصيبًا من جملته من غير أن يكون النصيب معلومًا بكيل أو [100/ أ] وزن أو جزء معلوم فأشبه إذا قال: بعتك بعض هذه الصبرة، وقال مالك: يجوز ذلك لأنه استثنى معلومًا وهذا غلط لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (نهى عن بيع السنين والثنيا).
ومعناه أن يبيع شيئًا ويستثني بعضه فظاهره أنه لا يجوز كل بيع حصل فيه الاستثناء إلا إذا أقام الدليل، لأن هذا البيع معلوم بالمشاهدة لا بالقدر فإذا استثنى قدرًا بغير حكم المشاهدة لأنه لا يدري كم تبقى في حكم المشاهدة منه ويخالف إذا استثنى جزءًا لأنه لا يغير حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها.
ولو قال: بعتك هذه الصبرة إلا ربعها أو قال: بعتك ربع هذه الصبرة جاز لأن المبيع معلوم بعد الاستثناء، وقال الأوزاعي: لا يجوز لا بيع على شرط الشركة وهذا غلط لأنه لو باع ثلاثة أرباعها جاز، كذلك هذا ويفارق المسألة قبلها لأن استثناء المد يجعل الباقي مجهول المقدار فإنهما لو سئلا كم المد من الحائط أسْهٌم من ثلاثة َاسهٌم أو سهم من ألف سهم [100/ ب] أو أقل أو أكثر؟ لم يعرفا ذلك، ولو استثنى نخلات من البستان ُنِظر فإن قال: بعتك هذه القيل إلا ثلاث نخلًات أو نخلة لا يجوز، وإن عين النخلات يجوز.
وقال مالك: لو لم يعين وكان قدر الثلاث يجوز وكان له ثمرة ثلاث نخلات وسط، وإن كان أكثر من الثلاث لا يجوز، وكذلك لو قال: بعتك نخلة أو نخلات منها ولم يعين لا يجوز، ولو كانت الصبرة معلومة المقدار فقال: بعتك إلا مّدًا منها يجوز لأن المد منها حينئٍذ يكون جزءًا معلومًا.
فرع لو قال: اشتريت منك هذا الثوب بهذه الدراهم إلا خمسة دراهم لم يجز لأن الثمن مجهول، ولأن استثناء المعلوم من المجهول لا يجوز.
فرع آخر لو قال: بعتك هذه الثمرة بأربعة آلاف إلا مقدار الألف قال في الصرف: يجوز لأنه استثنى ربعها، ولو قال: إلا ما يساوي ألف درهم كان باطلًا لأنه استثنى بقيمة ألف وذلك يقل ويكثر فلا يجوز.
فرع لو قال: بعتك هذه الشاة إلا [101/ أ] سوا قطها لا يجوز حضرًا كان أو سفرًا، وحكي عن أبي حنيفة: يجوز ذلك استحبابًا والمشهور خلافه، وهذا غلط لأنه يؤدي إلى جهالة المبيع، وقال أحمد: يجوز ويوقف في استثناء الشحم، وحكي عن مالك: يجوز ذلك في السفر لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالسواقط وهذا غلط، لأنه يمكنه طبخها كما يطبخ اللحم ولأنه لا يجوز إفراد هذه بالبيع منها فلا يجوز استثناؤها.
فرع آخر لو قال: بعتك قفيزًا من هذه الصبرة إلا مكوكًا جاز، لأن القفيز والمكوك معلومان قدرًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 499

فرع آخر لو قال: اشتريت صاعًا من هذه الصبرة فظاهر المذهب أنه يجوز وإن لم يعلما كم صيعان الصبرة، وإن تلف البعض فما دام هناك صاع فالمبيع باق، وإن لم يتلف فللبائع أن يؤدي صاعًا منها من أي موضع شاء.
وقال داود: لا يجوز هذا البيع لأنهما يختلفان فيقول البائع: أكيل لك من هذا الجانب ويقول المشتري: لا بل من الجانب الآخر وهذا غلط، لأنه يؤدي إلى الاختلاف بل الخيار للبائع كما لو أسلم [101/ ب] إلى رجل في طعام للبائع أن يعطيه من آي موضع أراد، ولو قال: على أن تكيل لي من هذا الجانب صح ويكال له من ذلك حينئٍذ لأنه معين بالعقد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: الأقيس أن لا يجوز هذا البيع إلا أن يعرف عدد الصيعان ليكون الصاع منه جزءًا مشاعًا وإن تلف نصف الصبرة تلف من المبيع نصفه، ويكون تسليم الصاع بالمقاسمة كتسليم الحر المشاع إما بقرعة أو تراٍض ووجه هذا أنه لا بد للمبيع من أن يكون في الذمة أو يكون عينًا بشاهد أو جزءًا مشاعًا من عين، والصاع من الصبرة المجهولة المقدار لم يوجد فيه شيء من هذا فأشبه إذا قال: بعتك ثوبًا من هذه الثياب العشرة لما لم يكن جزءًا منها مشاعًا لم يجز تؤكده أنه لو فرق الصيعان، وقال: بعتك هذه الصيعان لم يجز كذلك إذا كانت مجتمعة وأيضًا شراء صاع من جملة مجهولة المقدار كاستثناء صاع من جملة مجهولة المقدار وذلك لا يجوز، ولأنه لو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض أو [102/ أ] من هذه الدار لم يجز إلا أن يكون فرعان الكل معلومة، حتى يكون المبيع جزءًا شائعًا منها أو يتعين جانبًا ليتعين الطول والعرض للمبيع، فإن قلتم: جوانب الدار تتفاوت وصيعان الصبرة لا يتفاوت فقد يكون أرضًا لا تتفاوت، أجزاؤها ومع ذلك لا يجوز، وهذا اختيار القفال ودلائله.
فرع آخر لو باع ثمرة واستثنى منها قدر الزكاة يجوز، ولكن لا بد من ذكر قدر الزكاة َأُعْشٌر أو نصف عشر؟ وقال مالك: لا يلزم ذكر القدر لأنه معلوم شرعًا وهذا غلط، لأنه لو صح هذا لما لزم اشتراط الزكاة.
فرع آخر قال في (الحاوي): إذا استثنى البائع قدر الزكاة وأمر المشتري بأدائها فأراد المشتري أن يرفع قدر الزكاة من غير هذه الثمرة فيه وجهان أحدهما: يجوز له ذلك لأنه يحل فيها محل البائع وقد كان للبائع دفع الزكاة من غيرها، والثاني: لا يجوز له ذلك لأن المشتري لم يملك قدر الزكاة بعقد ولا غيره، وإنما هو كالوكيل فيها [102/ ب] بخلاف البائع فإنه لو كان مالكًا لها وهذا هو المذهب الذي لا يجوز أن يقال غيره عندي.

الجزء: 4 - الصفحة: 500

فرع آخر قال: لو أن المشتري استهلك كلها رطباً فيه وجهان أحدهما: يطالب المشتري بعشر الثمرة ثمراً وهذا على الوجه الذي يجيز له دفع الزكاة من غيرها فيجعل ذلك منه ضماناً عشرها ثمراَ، والثاني: يطالبه بقيمة عشرها رطباً وهذا على الوجه الذي يمنعه أن يدفع الزكاة من غيرها لأنه استهلك حق المساكين رطباً، فعلى هذا إن كان قيمة عشرها رطباً أقل من قيمة عشرها ثمراً هل يرجع على البائع بفضل ما بينهما من النقص؟ وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في الزكاة هل وجبت في الذمة أو في العين؟ فإن قلنا: في الذمة رجع عليه بقدر النقص لاشتغال الذمة بها، وإن قلنا: في العين لم يرجع بقدر النقص لزوال يده عن العين.
مسألة: قال: وإن باع ثمر حائط وفيه الزكاة ففيه قولان.
فقد ذكرنا هذه المسألة في كتاب الزكاة ونص ها هنا [103/ أ] على قولين بكم يجيز الباقي من الزكاة بحصته من الثمن؟ أو بكل الثمن وسكت عن القول فساد البيع الذي نص عليه في كتاب الزكاة فقال المزني: هذا خلاف قوله في كتاب الزكاة، لأنه أبطل السعي هناك البيع هناك في أحد القولين وليس هذا باعتراض لأنه له أن يفرع على أي القولين شاء وقد قال: وللسلطان أخذ العشر من الثمرة فإن قال قائل: أي فائدة في هذا وهل يشكل وجوب الزكاة حتى يحتاج في ذلك إلى البيان؟ قلنا: ربما يتوهم متوهم أن المبيع إذا صح صح في الجميع والزكاة في ذمة البائع أو صح فيما عدا الزكاة، والساعي ممنوع عن عين تلك الثمرة للشيوع الحادث فقطع هذا التوهم وبين أن السلطان يتبع تلك الثمرة حيث كانت حتى يأخذ زكاتها.
مسألة: ولا يرجع من اشترى الثمرة وسلمت إليه بالجائحة على البائع.
الفصل المبيع إذا هلك لا يخلو من أحد أمرين، إما أن تكون ثمرة أو غير ثمرة فإن لم تكن ثمرة كالثياب والحيوان فلا يخلو إما أن يكون هلاكه قبل القبض أو بعده [103/ ب] فإن كان بعد القبض كان من ضمان المشتري، وإن كان قبل القبض نظر فإن أهلكه المشتري استقر العقد وكان من ضمانه، وإن هلك بأمر سماوي كان من ضمان البائع بالثمر قولاًَ واحداً، وقال بعض أصحابنا بخراسان: متى ينفسخ؟ وجهان أحدهما: يوم التلف، والثاني: من أصله والزوائد الحاصلة قبل التلف مبنية على هذين الوجهين.
فإن قلنا: ينفسخ في وقته فهي للمشتري مجاناً، فإن قلنا: ينفسخ من أصله فهي للبائع وهل للبائع حبس الزوائد لاستيفاء الثمن على هذين الوجهين وإن أتلفه أجنبي فيه طريقان: قال ابن سريج: لا يبطل قولاً واحداً، وبه قال أبو حنيفة، وقال غيره:

الجزء: 4 - الصفحة: 501

فيه قولان: أحدهما: يبطل البيع لأن التسليم المستحق قد فات، والثاني: لا يبطل فعلى هذا للمشتري بالخيار أن يفسخ البيع ويرجع بالثمن على البائع وبين أن يخيره ويطالب الجاني بقيمة المبيع، وإن أتلفه البائع فالمنصوص الذي عليه عامة أصحابنا أن امبيع يبطل قولاً واحداً لأنه لا يمكن إيجاب القيمة على البائع يكون المبيع مضموناً عليه قبل القبض بالثمن فصار كما لو تلف [104/ أ] في يده بآفة سماوية، وقال ابن سريج: فيه قولان أيضاً، كما لو أتلفه لأجنبي فإن اختار إجازة البيع على أحد القولين يطالب البائع بالقيمة ويطالبه البائع بالثمن، وقال أحمد: لا يبطل وعلى البائع مثله أو قيمته، وإن كان المبيع ثمرة نظر فإن هلكت بعد النقل والتحويل فمن ضمان المشتري وإن هلكت قبل القبض بعد التخلية فهل يوضع الجائحة عن المشتري؟ قال في الجديد: لا يوضع وهو الصحيح.
وبه قال أبو حنيفة.
وقال في القديم فيه قولان: أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: توضع وهو قول أحمد وإسحاق وأبي عبيد، وإنما اختلف قوله في المسألة لما حكى عن سفيان بن عيينه من التوهين في الحديث وذلك أن سفيان كان يروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه: "نهى عن بيع السنين" ثم زاد بعد زمان في الرواية وأمر بوضع الجوائح لفظه في الحديث نسيتها، ثم رأيت أن أروي ما حفظت قال الشافعي: فيحتمل أن يكون تلك اللفظة التي نسيتها دلالة على أن الأمر بوضع الحوائج على سبيل الندب وكان الأمر ما ظن [104/ ب] الشافعي إذ قد روى في بعض أحاديث الجائحة أن امرأة أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقالت: إن ابني اشترى ثمرة من فلان فأذهبتهما الجائحة فسأله أن يضع عنه فتألى أن لا يفعل فقال - صلى الله عليه وسلم -: "أتألى فلان أن لا يفعل خيراً"، وروي "آلى فلان أن لا يصنع معروفاً"، وفي تسميته معروفاً دلالة على أنها استحباب، والدليل على صحة هذا أن قبض الأعيان الذي يتعلق به جواز التصرف ينتقل به الضمان فإن قلنا: لا يوضع كان من ضمان المشتري وإن قلنا: يوضع كان كما لو كان قبل القبض فيها الأقسام الأربعة: وهي أنها إن هلكت بآفة سماوية بطل البيع، وإن أهلكها المشتري كان من ضمانه، وإن أهلكها البائع أو الأجنبي فعلى الطريقين.
وقال مالك: إن كان الجائحة دون الثلث لم توضع عن المشتري ويلزمه كل الثمن، وإن كان قدر الثلث فصاعداً يوضع عن المشتري واحتج بأنه لابد في الثمرة أن يأكلها الطائر وتسقط بهبوب الريح، فلابد من فصل وهو ما ذكرت وهذا غلط، لأن هذا [105/ أ] القدر الذي يهلك بأكل الطائر لا يؤثر في العادة ولا يبلغ ما جذ إلا أن يقع عليها الجراد فلا يبقى شيئاً ويكون ذلك من جملة الجائحة، وقد قال الشافعي: لا وجه إلا وضع الكل أو إلزام الكل ولا خبر في التقدير بالثلث ولا قياس ولا معقول.
فرع لو هلكت بعد أو أن الجذاذ قبل النقل فإن قلنا: لا توضع الجائحة إذا لم يبلغ أو أن الجذاذ فهاهنا قولان أحدهما: لا يوضع لأنه فرط في ترك النقل وهو اختيار أبي حامد والقفال، والثاني: يوضع فعلى هذا كان الجائحة قبل (أوان)

الجزء: 4 - الصفحة: 502

الجذاذ، وهذا لأن في كمال القبض في قوله القديم قولين أحدهما: ببلوغ الثمرة أو إن الجذاذ، فإذا أمكن الجذاذ بعد التحلية صارت مقبوضة، والثاني: بوجود الجذاذ لا بإمكانه.
فرع آخر إذا قلنا: بوضع الجوائح لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الهالك فالقول قول البائع، لأن الأصل السلامة نص عليه في "الأم".
فرع آخر قال [105/ ب] أصحابنا بالعراق: لا فرق على القولين بين أن يكو الهلاك بأمر سماوي أو بسرقة آدمي أو نهب وهو ظاهر المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان بفعل آدمي فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا لأن ذلك جائحة في العادة، والثاني: لا توضع وبه قال أحمد، لأنه يمكنه أن يتبع الجاني فلا حاجة إلى الوضع.
وحكي هذا عن مالك وهذا ينتقض بالعبد إذا قتل في يد البائع يبطل البيع عند مالك.
وإن أمكن الرجوع إلى القيمة.
فرع آخر لو لم يتلف الثمرة ولكنها عطشت ولا ماء هناك نص الشافعي على أن للمشتري الخيار واختلف أصحابنا في هذا فمنهم من قال: له الخيار قولاً واحداً، لأن نقل الماء إليها عند الحاجة من نظام التسليم، ألا ترى أنها تبقى على أصولها حتى تبلغ أو أن جذاذها فينقلها المشتري أولاً فأولاً، ومن أصحابنا من قال: هذا على قوله القديم في وضع الجائحة القولان على ما ذكرنا، ولو باع بشرط القطع فلم يقطع حتى أصابته آفة فلا شيء على البائع لأن حق السقي لا يلزمه حينئذ.
[105 ب/ 6] فرع آخر قال ابن سريج: لو كان المبيع عبداً فذهبت يده في يد البائع نظر فإن كان بآفة سماوية فالمشتري بالخيار بين الإمساك بكل الثمن وبين الرد.
وحكى البويطي قولاً آخر أنه يأخذ بحصته من الثمن، قال القاضي أبو حامد: وهذا لا يصح على مذهب الشافعي وإن كان بقطع الأجنبي فالمشتري بالخيار، فإن رد كان للبائع على الجاني نصف قيمة العبد وللمشتري على البائع الثمن، وإن أمسك كان عليه للبائع كمال الثمن ويرجع المشتري على الأجنبي بنصف قيمة العبد ولكنه يطالبه بعد قبض المبيع ولا مطالبة له قبل قبضة لأنه ربما يموت في يد البائع فيبطل البيع فيه ويجب أرش الجناية لبائعه، وإن كان القاطع هو البائع فالمشتري بالخيار فإن رد فلا كلام وإن أمسك فكم يمسكه؟ قولان بناء على ما لو قتله هل يبطل البيع؟ قولان فإذا قلنا: جنايته كآفة سماوية فالمشتري يأخذه بكل الثمن أو يرده، وإذا قلنا: جنايته كجناية الأجنبي فالمشتري يأخذه بكل الثمن ويرجع على البائع بنصف قيمة [106/ ب] العبد بعد قبض المبيع لا قبله، وقيل: فيه وجه آخر يرجع بما نقص من القيمة، وإن كان القاطع هو المشتري فكأنه قبض نصف المبيع، فإن اندمل الجرح قبض الباقي استقر الثمن عليه وإن هلك بعد

الجزء: 4 - الصفحة: 503

الاندمال بطل البيع في القدر الذي لم يقع القبض فيه وتم في مقدار ما قبضه المشتري من المبيع ورجع على البائع بقدر ما فاته ولا يوجب في يده مقداراً ولكنا ننظر إلى ما نقص بالقطع، فإن نقص النصف فقد قبض المشتري نصف المبيع وإن نقص الثلث فقد قبض المشتري ثلث المبيع ويرجع بما بقي وعلى هذا وهذا لأنا أوجبنا بنصف قيمته ربما كان ذلك بقدر كل الثمن، فيأخذ البائع من المشتري كل الثمن وإنما حصل له نصف المبيع وذلك لا يجوز.
وذكر القاضي الطبري هاهنا أنه يرجع عليه بنصف الثمن وقد قبض نصف المبيع بقطع اليد والأصح ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يرجع البائع عليه بنصف القيمة كما في الأجنبي، والثاني: يرجع بما نقص من قيمته، لأن الجناية كانت في ملكة بخلاف الأجنبي [107/ أ].

باب المزابنة والمحاقلة

قال: أخبرنا سفيان بن عيينة وذكر الخبر، المحاقلة بيع السنابل بجنسها من الحب والحقل هو البقل وكل حشيش رطب والمحاقلة مشتقة من ذاك وقيل: الحقل: الأرض البيضاء التي تصلح للزرع والمحاقلة مشتقة من ذاك، وذكر أصحابنا عن ماللك أنه قال: المحاقلة أكثر الأرض ينقص ما يخرج منه وهو المخابرة، وهذا غلط لما روى عطاء عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن المحاقلة والمزابنة"، وفسر عطاء المحاقلة، وقال: المحاقلة في الحرث كهيئة المزابنة في النخل سواء بيع الزرع بالقمح، وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أَفَسّرَ لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ فقال: نعم، وروى الشافعي بإسناده عن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن المحاقلة والمزابنة" والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة والمزابنة أن يبيع التمر في رؤوس النخل بمائة فرق تمر [107/] وقيل: هذا التفسير في الخبر، وقيل: إنه من الشافعي.
واحتج مالك بما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن المحاقلة والمزابنة" والمحاقلة كري الأرض وفي لفظ المحاقلة استكراء الأرض بالحنطة قلنا: خبرنا أولى، لأنه أشبه باللغة والقياس لأن إكراء الأرض بالحنطة بذل الحنطة في مقابلة منفعة الأرض، والمنفعة ليست بحنطة، وإذا باع السنبل بالحنطة فقد باع حنطة بحنطة مع الجهل بالتساوي، وذلك لا يجوز، وإذا تقرر هذا قوله: والمحاقلة أن يبيع الرجل الزرع بمائة فرق حنطة يوهم التسوية بين القصيل وبين الحب المشتد في السنابل وليس المذهب على ما توهم ظاهر اللفظ لأنه إذا باع قصيلاً لم يشتد حبه بحنطة يجوز البيع إذا كان بشرط القطع لأنه غير مطعوم قابل مطعوماً، وإنما يجوز إذا اشتد الحب لأنه مطعوم بمطعوم غير (معلوم) التماثل.

الجزء: 4 - الصفحة: 504

وأما المزابنة قال الشافعي: وجماع المزابنة أن ينظر إلى كل ما عقد بيعه وفي الفضل في بعضه [108/ أ] على بعض يداً بيد ولا يجوز منه شيء يعرف بشيء منه جزافاً ولا جزافاً، بجزاف من صنفه ومعناه أن المزابنة المحرمة ليست بمقصورة على التمر أو الثمار ولكن كل ما يحرم فيه التفاضل إذا بيع جزاف به بمعلوم أو جزاف يسمى مزابنة مثل أن يبيع ثمرة موضوعة بالأرض مكيلة بثمرة على رؤوس التخل أو ثمرة بثمرة موضوعتين على الأرض أو سائر المطعومات مما يجري فيه الربا إلا في العرايا على ما سنذكر وهو مشتق من الزبن وهو الدفع سمي به لأنهما ربما يتلفان فيما يحصل من ذلك الرطب هل كان مثل التمر ويؤدي الأمر بينهما إلى التدافع والخصومة يقال: تزابنا أي تدافعا ووافقنا مالك في تحريك هذا العقد ولكن تخالفنا في معنى اللفظ فنقول المزابنة أن يقول الرجل لآخر: صبرتك هذه مائة صاع مثلاً فيقول المالك لا بل هو أقل فيقول ضمنتها لك مائة صاع فإن زاد فلي وإن نقص فعلي، فقال الشافعي: هذا قمار بخاطره وليس بعقد ولا من المزابنة في شيء وهكذا لو قال الرجل: عد قثاك أو بطيخك هذا المجموع فما نقص من مائة فعلي وما [108/ ب] زاد فلي أو اطحن حنطتك هذه فما زاد على كذا فلي وما نقص فعلي فهذا محرم غير مأذون فيه وداخل في القمار وأكل المال بالباطل.
فرع روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهي عن بيع المعاومة" وهو بيع السنين وقد ذكرنا صورته.
فرع آخر روي أنه - صلى الله عليه وسلم -: "نهي عن بيع المجر" قال أبو عبيد: هذا يقرأ بالتخفيف وهو بيع حمل الناقة، وهذا لأنه غرر ومخاطرة وقيل: المجر القمار والمجر المزابنة والمحاقلة.

باب بيع العرايا

قال: أخبرنا مالك الخبر، ورد عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إخبار عن بيع العرايا منها ما روي الشافعي رضي الله عنه عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن أبي هريرة - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة أوسق" الشك من داود.
وروي ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - رضي الله عنه -: "نهى عن بيع [109/ أ] التمر بالتمر إلا أنه أرخص في العرايا"، وروي الشافعي: حديثاً فيه قلت لمحمود بن لبيد أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إما زيد بن ثابت أو غيره: ما عراياكم هذه؟ وسمي رجالاً محتاجين من الأنصار شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطباً يأكلونه مع الناس وعندهم فضول من قوتهم من التمر

الجزء: 4 - الصفحة: 505

فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونه رطباً واتفقت الأمة على قبول هذه الأخبار ولكنهم اختلفوا في تأويلها ومعناها فقال الشافعي: معناها بيع الرطب في رؤوس النخل خرصاًَ بالتمر على الأرض كيلاً فيما دون خمسة أوسق فيجيء الخارص ويقول يجيء من هذا أربعة أوسق تمراً والآن رطباً ستة أوسق فيبيعها بأربعة أوسق تمراً ويقبض التمر في المجلس ويسلم إليه الرطب بالتخلية ثم يتفرقان ويعتبران بلون التمر أقل من خمسة أوسق ولا يجوز أن يزيد على خمسة أوسق وإن زاد الرطب على خمسة أوسق فلا بأس كما صورنا [109/ ب].
وقال أحمد: هكذا ولكنه قال في رواية: يبيعها بمثله تمراً ويخرصها رطباً، وقال مالك: معناها أن يهب الرجل نخلة من حائطه من الغير فيقب الغير الهبة، فيلزم بنفس العقد عنده، فإذا حملت النخلة فلمالكها أن يتردد ويدخل حائط غيره ويلتقطها فيشق ذلك على الواهب لأن العادة بالحجاز أن صاحب الحائط يخرج بأهله إلى حائطه أيام الثمار فيشق عليه دخول الأجنبي فيجوز للواهب أن يشتري تلك الثمرة من الموهوب له بما يجيء منه تمراً فيكون حقيقة البيع إلا أنه إنما يجوز في هذا الموضع المخصوص واحتج بأن العرية في اللغة الهبة والعطية قال الشاعر: ليست بسنهاء ولا رجبية ولكن ... عرايا في السنين الجوائح وهذا غلط لما ذكرنا من نصوص الأخبار، وقال الأزهري: جماع العرايا كل ما أفرد ليؤكل خاصة سميت عرايا لأنها عريت من جملة الحائط، وقيل: سميت عرية لأجل تردد أهلها فيلتقط ما أدرك منها كل مرة يقال: عروته أعروه وإذا [109 ب/ 6] قصدته للرفد، وقال أبو حنيفة: معناها أن يهب الرجل ثمرة نخلة من حائطه لرجل، ويقبلها الموهوب له: دع ما وهبت لك وأنا أعطيك تمراً بقدر ما يجيء من رطب هذه النخلة فهذا معنى البيع ولكن ليس بحقيقة البيع وهذا أيضاً غلط، لأنه اعتبر الخرص وقدر بخمسة أوسق أو دونها وسماه بيعاً فلا يحتمل إلا ما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا عندنا لا يجوز بيع العرايا حتى يكون معلوم للطرفين أحدهما: بالكيل، والثاني: بالخرص وفيه أربعة مسائل إحديها: ما ذكرنا فيجوز ذلك فيما دون خمسة أوسق ولا يجوز فيما زاد على خمسة أوسق، وهل يجوز في خمسة أوسق؟ قولان قال في "الأم": لا أفسخه في خمسة أوسق، وقال في الصرف: ولا يشتري من العرايا إلا أقل من خمسة أوسق بشيء ما كان وهذا اختيار المزني وأحمد ووجه الأول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أرخص في العرايا ولم يفصل ثم قام الدليل فيما زاد على خمسة

الجزء: 4 - الصفحة: 506

أوسق (وبقي) الباقي [110/ ب] على الظاهر، وهذا اختيار أبي حامد، ووجه الثاني: أن بيع الرطب بالتمر لا يجوز في الأصل ولكن وردت الرخصة بجواز العرايا فيما دون خمسة أوسق يقيناً وفي خمسة أوسق شك فالمشكوك باقٍ على أصل التحريم.
وروي جابر - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة".
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن الشك إذا حصل في القدر المستثني وقع الشك في المستثنى منه ومعناه خبر عام فلا يعارض ذلك بالمشكوك.
وقال القفال: معنى القولين هاهنا يرجع إلى أن النهي ورد أولاً ثم رخص في العرايا أو لم يرد النهي إلا والرخصة بها مقرونة، فإن كان النهي ورد أولاً ثم الرخصة من بعد وهو الأظهر والأصح فلا يجوز في خمسة أوسق لأن الأصل فيها النهي وإن لم يرد النهي إلا والرخصة مقرونة جاز في الخمسة أوسق لأن الأصل فيها النهي وإن لم يرد النهي إلا والرخصة مقرونة جاز في الخمسة، لأن الأصل في الخمسة الإباحة، وهذا أولى مما تقدم والثانية: أن يكونا معاً على وجه الأرض فلا يجوز بحال وهو بيع الرطب بالتمر، والثالثة: أن يكونا جميعاً في رؤوس النخل فباع [111/ أ] بالخرص في الطرفين، والرابعة: أن يكون رطبان: أحدهما: على النخل، والثاني: على الأرض فباع بالخرص فيها اختلف أصحابنا فيهما على أربع مذاهب.
فقال ابن خيران: يجوز كلاهما سواء كانا نوعاً واحداً أو أنواعاً، وقال أبو إسحاق: يجوز في النوعين في رؤوس النخل خرصاً في الطرفين فأما في النوع الواحد فإذا كان أحد الرطبين في الأرض لا يجوز بحال، لأنه إذا كان على النخل وهما نوعان فله غرض صحيح بأن يشتهي نوعاً خر يلقطه شيئاً فشيئاً ولا عرض في النوع الواحد، وقال ابن أبي هريرة: يجوز بيع الرطب على الأرض بالرطب على رؤوس النخل بكل حال، لأنه أدوم نفعاً، وإذا كانا على النخل يجوز إذا كانا من نوعين لاختلاف الشهوة ولا يجوز في النوع الواحد لعقد العائدة على ما ذكرنا.
وقال الاصطخري وجماعة وهو الأصح: إن كل ذلك باطل لأنه لم يرد الخبر إلا في بيع الرطب بالتمر خرصاً، ولأن الخرص إذا دخل فيهما يكثر الغرر وإذا دخل في أحد الطرفين وفي الطرف الآخر الكيل يقل الغرر.
فرع قال [111/ ب] بعض أصحابنا: إذا اشترى الرطب بالتمر في العرايا فإن أكل الرطب لا كلام وإن جفف فإن خرج بقدر التمر أو كان التفاوت كما يكون بين الكيلين يجوز وإن ظهر تفاوت ظاهر حكمنا ببطلان العقد لظهور ما يوجب الفساد.
فرع آخر الغني والفقير في العرايا سواء وقال المزني وأحمد: لا يجوز العرايا إلا للمعير

الجزء: 4 - الصفحة: 507

المضطر وإليه أشار الشافعي في "الإملاء" والاستلاف الأحاديث للخبر الذي رواه زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فقيل قولان، وقيل قول واحد: لا فرق بينهما، وتأويل ما أشار في "الإملاء" على الأخبار من سببه، وهذا لأن كل بيع جاز من الفقير جاز من الغني كسائر البيوع.
فرع آخر لا يجوز في العرايا إلا فيما بدا إصلاحه بسراً كان أو رطباً لأنه وقت الحاجة.
فرع آخر لو ابتاع رجلان من رجلين عشرين وسقاً إلا مداً من العرايا يجوز لأنه يكون أربعة عقود، فيكون كل عقد أقل من خمسة أوسق، وقال أحمد: لا يجوز لأن عنده لا يجوز [112/ أ] أن يبيع أكثر من عرية واحدة وعندنا يجوز ذلك، وكذلك لو باع اثنان تسعة أوسق من أكثر من خمسة أوسق وهذا ضعيف.
مسألة: قال: ويبيع صاحب الحائط لكل من رخص له وإن أتى على جميع حائطه.
أرد به إذا كان له حائط فيه ثمر كبير، فباع ذلك بالثمر في عقود متفرقة كل عقد أقل من خمسة أوسق يجوز وإن أبى على جميع حائطه خلافاً لأحمد لأن كل بيع جاز بين متعاقدين جاز أن يتكرر بينهما، مثله كبيع الثوب فإن قيل: إذا جوزتم هكذا أبطلتم النهي عن المزابنة قلنا: المنهي عن المزابنة وجه يحمل عليه وهو إذا باع أكثر من خمسة أوسق في صفقة واحدة، فإذا تقرر هذا قال أصحابنا: هذا إنما يجوز إذا حرص عليه للزكاة، وقلنا: الخرص تضمين حتى يجوز له التصرف في الجميع وهذه المسألة تدل على صحة القول بالتضمين أو أراد إذا لم يبلغ ما في حائطه قدراً يجب فيه الزكاة أو أراد إلا قدر الزكاة إذا قلنا الخرص غيره.
[112/ ب] مسألة: قال: والعرايا من العنب كهي من الرطب لا يختلفان.
العرايا تجوز في العنب وهو أن يبيعه بالذبيب خرصاً، لأنه يخرص في الزكاة كالرطب ويمكن معرفة مقداره بالخرص لظهوره من الأوراق وهل جازت فيه قياساً أو نصاً وجهان: أحدهما: وهو اختيار البصريين جازت نصاً لأن زيد بن ثابت - رضي الله عنه - روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في العرايا، والعرايا بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وغيره جازت قياساً على النخل.
فرع قال في كتاب البيوع الكبير من "الأم": ولو قال قائل يجوز التحري في سائر الثمار كالتفاح والمشمش كان مذهباً فمن هاهنا قال بعض أصحابنا في العرايا: فيها قولان وقيل: القولان فيه كالقولين في المساقاة فيما عدا النخل والكرم، ومن أصحابنا من قال قول واحد: لا يجوز فيها وهو الأصح لأنه لا يدخل للخرص فيها لكونها متغطية

الجزء: 4 - الصفحة: 508

بالأوراق ولا يحيط بها علم الخارص ويفارق [113/ أ] المساقاة على أحد القولين لأنها جوزت للحاجة والحاجة تعم جميع الثمار لتعذر التعهد بالسقي.
وما فيه زيادة الثمار على كل أحد والله أعلم.

باب بيع الطعام قبل أن يستوفي

قال: أخبرنا مالك.
وذكر الخبر.
إذا اشترى طعاماً لا يجوز له أن يبيعه قبل القبض من بائعه، لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعاماً فلا يبيعه حتى يستوفيه"، وأما غير الطعام فعندنا حكمه حكم الطعام وبه قال ابن عباس - رضي الله عنه - ومحمد بن الحسن، وقال مالك: لا يجوز بيع الطعام المشترى قبل قبضه يجوز ما عداه.
وحكي عنه فيما عداه إن كان توفيته على البائع بأن اشترى بالكيل لا يجوز بيعه قبل القبض، وقال عثمان بن عفان وسعيد بن المسيب والحسن: كل ما كان مكيلاً أو موزوناً لا يجوز التصرف فيه قبل القبض ويجوز فيما عداه، وبه قال أحمد وقال أبو حنيفة [113/ ب] وأبو يوسف: لا يجوز ذلك في المنقول ويجوز في العقار واحتج الشافعي بأن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: أما ما نهى عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو الطعام قال: ولا أحسب كل شيء إلا مثله قال برأيه ثم بين الشافعي معنى هذا الرأي وذلك أن ضمانه من البائع فلم يتم فيه ملك المشترى، وروي أنه - رضي الله عنه - كتب إلى عتاب بن أسيد حين وجهه إلى مكة "أنههم عن بيع ما لم يقبضوا وربح ما لم يضمنوا"، وروى زيد بن ثابت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن بيع السلع حتى يجوزها التجار إلى رحالهم".
فرع قال بعض أصحابنا: لا خلاف أن كل عقد ينقل الملك فيه كالهبة والوقف والكتابة لا يجوز فيه المبيع قبل القبض كالبيع، وهذا اختيار القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: الوقف أزاله ملك إلى الله تعالة يجوز فيه قبل القبض كالعتق.
وذكر في "الحاوي" أنه يجوز ويلزم به البيع الأول حتى إن لم يرفع البائع يده عنه فتلف يضمنه [114/ أ] بالقيمة دون الثمن ولم يذكر خلافاً وقيل: الوقف مبني على أنه يحتاج إلى القبول وفيه وجهان فإن قلنا: يحتاج إلى القبول فهو البيع وقيل: في العتق إن أذن البائع أو وفر الثمن أو كان مؤجلاً بنقد وإلا فهو كالراهن بعتق المرهون، وقيل في إجازته قبل القبض: إنه مبني على أن

الجزء: 4 - الصفحة: 509

للمعقود العين أو المنفعة فإن قلنا: على المنفعة يجوز، لأن حق البائع لا يتعلق بالمنافع والصحيح لا يجوز لأن الإجازة تقتضي تسليم العين ولا يقدر هو على التسليم.
فرع آخر قد ذكرنا حكم الكتابة فيه وقال بعض أصحابنا: فيه قولان أحدهما: يجوز لأن المغلب فيها العتق ولا يتعذر تسليمه لأن البائع لا يمنع العبد المبيع من الاكتساب وهو مسلط على نفسه ولهذا صح كتابة العبد المغصوب، والثاني: وهو الأصح لا يجوز لأنه عقد معاوضة ولأن الكتابة تفتقر إلى تخليته للتصرف ولا يمكن فيه ذكره في "الحاوي".
فرع آخر قد ذكرنا حكم الهبة، وقال في "الحاوي": فيها قولان بناء على أنه هل يلزم فيها المكافأة أم لا؟ وفيه قولان [114/ ب] فإن قلنا: يلزم لا يجوز لأنها معاوضة، وإن قلنا: لا يلزم صحت الهبة.
فرع آخر إذا قلنا: تصح الهبة فإن كان لأجنبي احتاج الواهب أن يقبضها من البائع بنفسه أو وكيله ليستقر ملكه ويسقط عن البائع ضمانه ثم يدفع إلى الموهوب له لتتم الهبة.
فرع آخر لو أذن الواهب للموهوب له أن يقبضها من البائع فقبضها منه لم يصح، لأنهما عقدان يلزم في كل واحد منهما القبض فلم يكن القبض الواحد نائباً عن عقدين، ثم ننظر فإن كان الموهوب له قبضها لنفسه لم يكن قبضاً عن البيع ولا عن الهبة، أما عن البيع فلأن القبض لم يكن للمشتري، وأما عن الهبة فلأنه لا يصح إلا بعد قبض البيع والبائع ضامن لها بالثمن حتى إن تلفت بطل البيع، والمشتري اواهب ضامن لها بالقيمة، حتى إن تلفت غرمها للبائع لأنها مقبوضة عن أمره بوجه معاوضة، وهل يكون الموهوب له ضامناً لها بالقبض؟ وجهان أحدهما: لا يكون ضامناً لأنه ليس بمعاوض، والثاني: يكون ضامناً لأن [115/ أ] يده دخلت من جهة الواهب وهو ضامن وإن كان الموهوب له قبضها للواهب المشتري صح القبض في البيع وبريء البائع من الضمان وضمنها المشتري بالثمن ولا ضمان على الموهوب له بالقبض، لأنه وكيل للواهب فيه ويحتاج إلى استئناف قبض لتتم به الهبة، فإن أذن له الواهب في قبض ذلك من نفسه ولم يجز أن يكون قابضاً من نفسه مقبضاً لها.
فرع آخر لو باعه من بائعه من أصحابنا من قال: إن كان بغير جنس الثمر الأول أو بغير قدره بأن زاد أو نقص لا يجوز وإن باعه بجنسه وقدره كأن أقاله بلفظ البيع وقيل: يجوز لأن المنع لحقه أو العجز عن التسليم وها هنا معدوم فهو كبيع المرهون من الراهن، ولو

الجزء: 4 - الصفحة: 510

وهبه من البائع فإن قلنا يجوز البيع منه فالهبة أولى وحكمه حكم من وهب مالاً من رجل وهو في يده وإن قلنا: لا يجوز البيع ففي الهبة وجهان كالهبة من الأجنبي.
فرع آخر إذا رهنة من غير البائع لا يجوز ولو رهنه من البائع نص الشافعي - رضي الله عنه - على جوازه، ذكره القاضي الطبري وذكره صاحب "التلخيص" والفرق بينهما أن الرهن [115/ ب] ليس بمضمون على المرتهن، وإن كان العقد لا يتضمن نقل الضمان جاز عنده فيما لم يضمنه بخلاف البيع، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك لأنه عقد يفتقر إلى القبض فأشبه الهبة، قال والدي رحمه الله: وهذا أقيس، وقا بعض أصحابنا بخراسان: إن قي نقد الثمن لا يجوز وإن كان بعده فظاهر المذهب أنه يجوز لأنه استحق قبضه على وجه لا يمكن للغير منعه منه فهو كالميراث وقيل: إنه نص على هذا في "الأم" وقيل نص في "الأم": أنه يجوز ونص في مواضع أنه لا يجوز فالمسألة على اختلاف حالين قبل نقد الثمن وبعد نقد الثمن، وقال في الحاوي": إن كان قبل نقد الثمن لا يجوز بحال لأن للبائع حبسه وبعد قبض الثمن فيه ثلاثة أوجه أحدها: يجوز إذا جوزنا إجارته، والثاني: لا يجوز إذا لم نجوز إجارته، والثالث: وهو قول أكثر البصريين يجوز من بائعه خاصة لأن رهنه من بائعه يوجب استدامة ضمانه بالثمن الباقي للرهن ورهنه عند غير بائعة يبقى هذا [116/ أ] الضمان.
فرع آخر لو كانت جارية فزوجها قبل القبض يجوز بلا خلاف ولا يكون وطء الزوج قبضاً وفيه وجه آخر: أنه لا يجوز، وقال أبو حنيفة: يكون وطؤه قبضاً وهذا غلط، لأن وطء الزوج إنما يكون قبضاً في حق نفسه في الاستمتاع ولا يكون قبضاً في حق غيره.
فرع آخر لو أعتقه المشتري نفذ عتقه وكان قبضاً وقال ابن خيران: لا ينفذ عتقه وجعله بعض أصحابنا قولاً مخرجاً وهو ضعيف لأن العتق لا يفتقر إلى القبض ويصح في المغصوب.
فرع آخر لو أباح للفقراء فأكلوا كان قبضاً منه فرع آخر هل يجوز إجارته قبل القبض فيه وجهان أحدهما: يجوز لأنه عقد على منفعة وقد انتقل ضمان المنافع إليه بنفس البيع وهل ينتقل ضمان العين إليه، والثاني: لا يجوز لأنه عقد معاوضة فلا يجوز قبل أن نضمنه ولأنه يقتضي إقباضاً فلا يجوز ذلك، أما إذا

الجزء: 4 - الصفحة: 511

استأجر شيئاً فلا يجوز أن يؤاجره قبل القبض بلا إشكال [116/ ب].
مسألة: قال: ومن ابتاغ جزافاً فقبضه أن ينقله من موضعه.
الكلام الآن في كيفية القبض والمرجع فيه إلى العرف والعادة فما كان في العرف والعادة قبضاً فهو قبض، وما لم يكن فيه قبضاً لم يكن قبضاً، وهذا كما يرجع إلى معرفة الحرز والنقد إلى العرف والعادة، فإن كان شيئاً حقيقياً كالدراهم والدنانير والجواهر فقبضها التناول والقبض بالتراجم، وإن كان ثقيلاً كالطعام والثياب الكثيرة المشدودة والخطب ونحوها فقبضها النقل من مكانه، وإن كان زورقاً قبضه أن يمده من مكانه ولو ذراعاً واحداً، وإن كان عبداً فأن يقيمه من موضعه إلى موضع آخر وإن كان دابة فبأن يجر بزمامها من مكانها إلى مكان آخر، وإن كان عقاراً فالقبض فيه التخلية، وإن كان داراً فبأن يخرج البائع منها ويدخل المشتري إليها ويدفع إليه المفتاح ويخلي بينه وبينها، وقد قيل: إذا تمكن من دخولها يصير قابضاً دخل أو لا، وإن باع طعاماً مكايلة فقبضه أن يكتاله، وإن باع جزافاً فقبضه أن ينقله على ما ذكر.
وقال مالك وأبو حنيفة: القبض في هذه الأشياء كلها [117/ أ] يحصل بالتخلية سواء كان مما ينقل أو لا ينقل وهذا غلط ولما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: ابتعت زيتاً فلقيني رجل في السوق فأعطاني به ربحاً حسناً فهممت أن أضرب يده فأخذ رجل بذراع من خلفي فالتفت فإذا زيد بن ثابت فقال: لاتبعه حتى تجوزه فإن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى أن تباع السلعة حيث تحوزها التجار إلى رحالهم" وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاًَ فنهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان"، وروي أبو هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يكتاله".
فرع لو اشترى طعاماً ثم استعار الحرز ولم يستوفه لم يكن قبضاً، ولو استأجره فيه وجهان أحدهما: يكون قبضاً لأنه بالإجارة ملك المنافع، والثاني: لا يكون قبضاً لأن ملك الحرز لم ينتقل والأصح الأول ولو ملك [117/ ب] الموضع الذي فيه ببيه أو هبة كان قبضاً.
فرع آخر لو اشترى شيئاً من دار بائعة ثم نقله إلى زاوية أخرى فيها بإذنه حصل القبض،

الجزء: 4 - الصفحة: 512

وصار كأنه أعاره تلك الزاوية ولا يشترط أن يخرجه من ملك البائع، وإن نقله من دون إذن البائع من زاوية داره إلى زاوية أخرى لا يصح القبض، وإن كان الثمن مؤدي لأنه لم يعره بالبقعة التي نقل إليها فهو كما لو لم ينقل.
فرع آخر لو كان المبيع عقاراً فحصراه وقال: خليت بينك وبين هذه الأرض حصل قابضاً، وإن لم يحضرا وقالا بالقول خليت وتخيلت فقبل أن يمضي إمكان الحضور لا يجعل قابضاً، وإذا مضى فيه وجهان: أحدهما: لا يصير قابضاً لأنه لم ينضم إلى القول قرينة، والثاني: يجعل قابضاً حكماً لأن البائع فعل أقصى ما قدر عليه والتقصير من جهته.
فرع آخر لو باع داراً فيها متاع البائع لا يحصل قابضاً لمجرد التمكن من الدخول لأن البائع مستعمل للدار حقيقة ولكن يجعل القبض بأن يدخل الدار ويتسلط على [118/ أ] الموضع ويصير اليد له مشاهدة حتى قال أصحابنا: لو جمع البائع رحلة في بيت وختم عليه ودخل المشتري الدار ويسكنها لا يجعل قابضاً كذلك البيع لكون البائع مستعملاً له.
فرع آخر لو أودع البائع المبيع من المشتري لا يسقط حق حبسه لأن يد المودع يد المُودع ولو أعار منه فيه وجهان: أحدهما: لا يبطل كما لو أعار الرهن من الراهن، والثاني: يبطل وبه قال أبو حنيفة: والفرق أن حق الرهن ثبت بعقد مقصود فلم يبطل بالإعارة وحق البائع ثبت استيفاء لما كان قيل له قبل زوال ملكه ويد العارية ليس له، لأن المستعير يأخذه لمنفعة نفسه فإذا سلم إليه لينتفع به فقد رضي بسقوط حقه.
فرع آخر لو اشترى طعاماً بعينه ثم دفع إلى البائع غرائر وقال: انقل الطعام الذي اشتريته منك في هذه الغرائر ففعل ذلك في غيبة المشتري لم يكن قبضاً إلا أن البيع من الضمان استحقت، وهذا غلط لأنه أدى [118/ ب] إلى أن يكون قابضاً من نفسه ليبرأ من الضمان وهذا لا يجوز.
فرع آخر لو اشترى قفيز طعام فاكتاله بالمكوك وهو ربع القفيز لم يجز القبض في أحد الوجهين والوجه الثاني: يجوز وكذلك لو كال الصاع بالأمداد، ولو اشترى مائة صاع فاكتال بالقفيز لم يتم القبض بلا خلاف.
فرع آخر لو باعه من ابنه الصغير ففي كيفية قبضه وجهان: أحدهما: بالنقل، والثاني: بالنية إذا

الجزء: 4 - الصفحة: 513

كان تحت قدرته من غير نقل، إلا أن يكون مكيلاً أو موزوناً فلابد من كيله أو وزنه.
فرع آخر لو أرسل الأب عبده في حاجة ثم باعه من ابنه الصغير فتلف العبد قبل أن يعود من الرسالة، بطل البيع وان تالفاً من مال الأب، ولو عاد العبد إلى يد الوالد وجرت عليه قدرته ثم مات كان تالفاً من مال الابن وعليه ضمان الثمن.
فرع آخر لو عاد إلى يد الوالد بعد بلوغ الابن ورشده ثم مات كان تالفاً من مال الأب لأن الأب صار من أهل القبض، وقال محمد: ها هنا أيضاً يتولى الأب قبضه بعد أن [119/ أ] صار قابضاً بحكم العقد حتى لا يسقط الثمن بهلاكه ولكن لا يتصرف فيه بإذن البائع.
بيع العارية من غير المستعير قبل استرجاعها منه يجوز والقبض موقوف على إذن البائع قبض الثمن أم لا، ليكون الإذن مسقطاً لضمان المستعير، فإن قبضها المشتري من المستعير بغير إذن البائع المعير، فإن لم يكن الثمن مقبوضاً صح القبض في البيع.
وهل يسقط ضمانها عن المستعير؟ وجهان أحدهما: لا يسقط لأنه دفعها من غير إذن مالكها، والثاني: يسقط لزوال ملك المعير عنها وحصولها في يد مالكها وهذا أصح عندي.
فرع آخر لو ابتاعها المستعير صح، وهل يفتقر قبضها إلى النقل؟ كما قلنا في شراء الوديعة.
فرع آخر لو باع المغصوب من الغاصب صح وهل يفتقر في قبضه إلى النقل؟ على الوجهين.
فرع آخر لو باعه من غيره والبائع قادر على انتزاعه [119/ ب] صح ويلزمه انتزاعه، ولو كان البائع غير قادر ولكن المشتري قادر على الانتزاع صح أيضاً، ثم إن عجز المشتري عن الانتزاع لا يبطل البيع ولكن له الخيار في الفسخ لأنه عيب ولو أدعى البائع على المشتري أنه قادر على الانتزاع تلزمه اليمين فإذا حلف له الفسخ.
فرع آخر قد ذكرنا أن مجرد التخلية لا يكفي في المنقول، بل يعتبر النقل وبه قال أحمد وفيه وجه آخر أنه يكفي في التخلية وهو ضعيف.
فرع آخر إذا قلنا: لا يكفي التخلية ها هنا فلو اشترى داراًَ مع ما فيها من الأمتعة فخلى بينه

الجزء: 4 - الصفحة: 514

وبين الدار حصل القبض في الدار، وهل حصل في الأمتعة؟ قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان فإذا قلنا: لا يحصل فإذا دخل الدار ونقل الأمتعة من موضعها إلى موضع آخر في الدار حصل القبض فيها لأن الدار ملك له.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: أو نقل البائع المبيع إلى المشتري ووضعه بين يديه للإقباض، فامتنع من القبض حصل الإقباض لأنه يلزم [120/ أ] على المشتري القبض عند الإقباض ويخرج بهذا القدر عن ضمان البائع إلى ضمان المشتري، ومن أصحابنا من قال: لا يكون هذا قبضاً كالوديعة إذا وضعها بين يدي رجل لا يكون قبضاً حتى إن لم يحفظها وضاعت لا يضمن والأول أظهر ويفارق الوديعة، لأنه لا يلزم قبولها بخلاف هذا ويفارق الغاصب إذا ترك المغصوب بين يدي المالك يبدأ لأنه وجد منه تعدي وهو سبب الضمان وقد ترك التعدي فعاد الشيء إلى يد المالك وليس للمشتري ها هنا يد سابقة ويد البائع ثبت باقي حق فلا تزول مدة إلا بتمام الاستيلاء وهو النقل.
فرع آخر إذا قلنا يصير قابضاً فباعه من رجل قبل نقله ونقله المشتري للثاني، وتلف عنده ثم استحق فللمستحق أن يغرم المشتري الأول، لأن ضمان العدوان لا يتعلق بحقيقة الاستيلاء وهو بالنقل.
فرع آخر لو وطئها المشتري في يد البائع فأزال بكارتها ثم ماتت قبل القبض بطل البيع ويجب أرش البكارة [120/] فيه عقيب موته سواء كان دين أو لا، لأن حق الحبس ثابت وحقوق الأب بالموت ينقل إلى الوارث فقد ورث حق الحبس على نفسه فسقط كما لو ورث ديناً على نفسه يسقط عنه، ولو كان معه ابن آخر له يتصرف في النصف وحق الحبس في النصف الآخر تنقل إلى أخيه فلا يتصرف فيه حتى يقبض منه.
فرع آخر الأرزاق التي يخرجها السلطان إلى الأجناد يجوز بيعها قبل قبضها لما روى موسى بن عقبة: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخرج طعاماً للناس فباع الناس الصكاك قبل قبضها"، وروي أن عمر - رضي الله عنه - أمر بطعام للناس فابتاع حكيم بن حزام منهم ثم باع قبل أن يقبض فقال عمر - رضي الله عنه -: "لا تبع طعاماً ابتعته قبل القبض ولم يمنعه من الابتياع منهم".
وروى ابن عمر وزيد بن ثابت رضي الله عنهما أنهما كانا لا يريان ببيع الرزق بأساً وعلى هذا غلة الوقوف إذا حصلت لأقوام وعرف كل واحد قدر حقه فباعه قبل [121/ أ] أن يقبضه يجوز كالرزق سواء.

الجزء: 4 - الصفحة: 515

[فرع آخر] لو تقايلا هل يجوز بيعه قبل القبض؟ قولان بناء على أنه ابتداء عقداً أو فسخ.
فرع آخر لو باع الموصي به بعد موت الموصي قبل قبول الوصية، فإن قلنا: تملك بالقبول لا يجوز وقيل: فيه وجه آخر يجوز وبيعه قبولها وإن قلنا: يملك بالموت فوجهان أحدهما: لا يجوز لأنها جائزة بدليل أن له أن لا يقبل.
فرع آخر لو رجع في الهبة له بيعها قبل قبضها، وكذلك لو رد إليه بالعيب له بيعه قبل القبض لأنه غير مضمون على غيره بالعقد، وإن كان شيئاً في الذمة، وإن كان ثمناً فقد ذكرنا فيه قولين، وإن كان مثمناً في الذمة لا يجوز التصرف فيه لما ذكر قبل القبض وذكر القفال عن ابن سريج أنه قال: كلما ثبت في الذمة ثمناً عرضاً كان أو نقداً وهذا اختيار القفال، وقال وبماذا يعرف الثمن من المثمن؟ وجهان أحدهما: وهو الأصح وبه قال أبو حنيفة: الدراهم والدنانير ثمنان أبداً فإن لم يكن واحد منهما فالذي يدخل فيه الباء يكون [121 أ/ 6] ثمناً، والثاني: ما يدخل فيه الباء يكون ثمناً سواء كان نقداً أو غيره، وقد ذكرنا قبل هذا.
فرع آخر متى قبض المبيع بحق مثل إن كان مؤجلاً يلزم البائع الإقباض فإن لم يقبض فله قبضه كرهاًَ ويصح تصرفه فيه، وكذلك لو تطوع البائع بالإقباض قبل قبض الثمن، ومتى قبض بغير حق فالقبض باطل وعليه ردهاً إلى بائعه ولا يصح تصرفه فيه.
فرع آخر لو اغتصبه المشتري من يد البائع حصل في ضمانه حتى لو بعيب لا يرد به فلو رد على البائع بعده أو استرد البائع فهلك لا يسقط الثمن لأنا حكمنا باستقراره فلا يتغير حكمه.
فرع آخر إذا كان بينهما مال مشترك فتقاسما وحمله المال في يد أحد الشريكين فأراد الآخر أن يتصرف فيه فإن كانت قسمة جبر فهو مبني على أنها بيع أو إقرار حق، فإن قلنا: إقرار حق يجوز وإن قلنا: بيع فنصف نصيبه حصلت له بطريق البيع والنصف ملكه القديم فإن حقيقة [122/ أ] القسمة على هذا القول كأنه قال لصاحبه: بعتك نصيبي في ذلك النصف الذي حصل باسمك نصيبك في النصف الذي حصل باسمي، فيجوز له أن يتصرف في النصف دون النصف، وإن كان في القسمة رد عوض فحكمها حكم اليع في القدر المملوك بالعوض.
فرع آخر لو وهب بشرط ثواب معين وجوزنا وقلنا: إنها بيع، لأحدهما أن يتصرف فيه قبل القبض.

الجزء: 4 - الصفحة: 516

فرع آخر لو استأجر صباغاً ليصبح ثوباً وسلمه إليه ثم أراد صاحب الثوب أن يتصرف فيه فإن كان قبل أن يصبغ الثوب لا يجوز لأنه استحق الصباغ إيقاع العمل الربع عشر فيه، ويستحق عوضاً والإجارة من العقود اللازمة، ولو ندم لا يسترجع، وإن صبغ واستوفى الأجرة له أن يتصرف، وإن لم يكن استوفى الأجرة لا يتصرف لأن الصبغ عين مال وهو مبيع فله حبسه إلى أن يستوفي عوضه فكان حكمه البيع قبل القبض سواء.
فرع آخر لو دفع إلى القصار فقبل القصارة الحكم ما ذكرنا وبعد القصارة [122/ ب] إن قلنا: إنها تجري مجرى عين قال في الإفلاس: فهي كالصبغ.
وإن قلنا: أثر ليس له الحبس وله أن يتصرف فيه والصباغة والحياكة والبناء كذلك، وفي رعي الأغنام قبل الأجرة يجوز بلا خلاف.
فرع آخر لو أراد الشفيع أن يتصرف في المشفوع قبل أن يتسلم لا يجوز لأن الشفعة معاوضة شرعية.
مسألة: قال: ولو أسلم في طعام وباع طعاماً خر فأحضر المشتري من اكتاله من بائعه.
الفصل اختلف أصحابنا في صورة هذه المسألة، فمنهم من قال: صورتها أنه أسلم في كر من طعام فلما حصل له في ذمة المسلم إليه باعه من رجل آخر وقال: تعال حتى أقبضه لك منه فالبيع باطل لأنه علل فقال: لأنه بيع الطعام قبل أن يستوفي، فهذا القائل يمسك بالتعليل وتأول ظاهر المسألة فصرفها عن ظاهرها، وقال قوله: وباع طعاماً آخر أي: باع ذلك الطعام من آخر وهذا لما روي أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أسلف في شيء فلا [123/ أ] يصرفه إلى غيره"، وقال أكثر أصحابنا: المسألة على ظاهرها وصورتها أنه اسلم في طعام وباع طعاماً آخر سلماً فحل الطعامان فقال المسلم لمن أسلم إليه: احضر معي عند من أسلمت إليه حتى اكتاله لك منه فحضره فالبال منه له لم يجز لأن لكل واحد منهما على صاحبه حق القبض بالكيل فلا يجوز إذا اكتاب له قبل أن يكتاله منه لنفسه، وقول الشافعي في تعليله لأنه بيع الطعام قبل أن يقبض ليس على ظاهره، وتأويله: أنه في معنى بيع الطعام قبل القبض لأنه يقتبض قبل القبض فحل محل البيع وهذا هو الصحيح لأنه قال: وباع طعاماً آخر ولم يقل ذلك الطعام، وإذا كان كذلك كان القبض فاسداً ولم يبرأ الدافع لأنه لم يكله لمن استحق الكيل عليه، وإنما كاله لغيره.
ومن أصحابنا من قال: يبرأ الدافع بذلك لأنه قبض بإذن صاحب الحق، وإن لم يكن قبضاً صحيحاً فيبرأ وقيل: الوجهان بناء على ما لو باع السيد ماله في ذمة المكاتب هل

الجزء: 4 - الصفحة: 517

يجوز؟ قولان قال في "الأم": ثم يجوز وقال في الجديد: لا يجوز، فإذا قلنا: لا يجوز قبضه المشتري [123/ ب] من المكاتب لم يقع القبض له وهل يقع للسيد؟ قولان كذلك ها هنا لا يقع له، وهل يقع للإذن؟ وجهان، فإذا قلنا: يقع له فقد برئت ذمته من حقه والطعام في يده عن قبله فيستأنف قبضه كيلاً، وإن قلنا: لا يقع له فالطعام لمن وقع فعليه أن يكيل ممن له عليه ثم ذلك يكيل ثانياً لمن له عليه فإن كان زائداً استرجع الزيادة، وإن كان ناقصاً فعليه الإتمام وإن كان وفاء حقه صح قبضه وبريء من حقه، وإن اكتاله منه لنفسه ودفع إليه بالكيل الذي أخذه صح قبضه من الأول ولم يصح قبض الثاني منه لما روي عن الحسن البصري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهي عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان صاع البائع وصاع المشتري"، والمعنى فيه أن كل بيع يقتضي قبضاً، وكل قبض يقتضي كيلاً إذا لم يكن العقد مجازفة، والاكتيال الأول قبض في أحد البيعين فلابد للبيع الثاني من القبض، وقبضه أن يجري الصاع مرة أخرى في ذلك الطعام ثم إذا أجرينا الصاع الثاني في ذلك الطعام ففضلت زيادة فيما بين الكيلين كانت [124/ أ] تلك الزيادة لصاحب الغريمين إذ يحتمل أن تلك الزيادة إنما ظهرت لمبالغة في الكيل الأول لا لتقصير في الكيل الثاني، ولو ظهر نقصان في الكيل الأول لزيادة في الكيل الثاني وهكذا في بيع العين، لو اشترى مكايلة فاكتال ثم باعه مكايلة وسلمه بالكيل الأول ولم يجز.
ولو اكتاله لنفسه ولم ينقله وتركه في المكيال وأقبضه إياه على تلك الصورة قال أبو يحيى البلخي: فيه وجهان أحدهما: يجوز لأنه تسلمه مكيلاً وهذا أقيس لأن استدامة الكيل تجري مجرى ابتدائه، والثاني: لا يجوز وهو ظاهر الخبر "حتى يجري فيه الصاعان" فينقله ثم يكيله على صاحه.
ولو قال له: خذ لي الطعام الذي عليه ثم خذ منه حقك فقبضه لموكله جاز ولا يصح قبضه لنفسه، ولو قال: خذ حقك بالكيل بانياً لنفسك فقبضه لنفسه بكيل جديد هل يجوز أم لا؟ قال أصحابنا بالعراق: لا يجوز أصلاً لأنه لا يكون قابضاً لنفسه من نفسه بل يجب أن يكيل عليه البائع أو وكيله، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: ما ذكرناه [124/ ب] والثاني: يجوز لأن القبض قد حصل وإنما يحتاج إلى كيل وقد ائتمنه البائع في الكيل، وهكذا لو قبض الذي اشتراه مكايلة وزناً أو اشترى موازنة كيلاً يكون قبضاً فاسداً فيحصل به انتقال الضمان إلى المشتري ولكن لا يحصل به جواز التصرف، فإن كاله هذا المشتري على نفسه هل يتم لو تلف لا ضمان لأنه أمانة في يده وبعدما أخذه لنفسه دخل في ضمانه سواء جوزنا القبض أو لا، وهذا كما لو قال لرجل له عليه دين: خذ هذا الكيس وخذ منه حقك فما لم يأخذ يكون أمانة عنده، وإن قال خذه بحقك كان جزافاً فقد دخل في ضمانه ثم إذا وزنه لنفسه فعلى الوجهين اللذين ذكرناهما، وإن قال له: خذخ ابتداء لنفسك ولا تأخذه لي فلا يصح قبضه لأنه لم يوكله

الجزء: 4 - الصفحة: 518

بأن يأخذ له وليس له أن يأخذ لنفسه إذ ليس على المأخوذ منه شيء ولو أخذ كان مضموناً بالقبض الفاسد فحصل سبع مسائل [125/ أ].
مسألة: قال: "ولا يقبض الذي له طعام من طعام يشتريه لنفسه".
الفصل أراد به إذا أسلم إلى رجل في طعام فلما حل عليه دفع إليه دراهم ليشتري بها طعاماً فلا يخلو من أحوال: إما أن يقول له: اشتر بهذه الدراهم لنفسك طعاماً فهذا باطل، وإذا اشترى كان له الشراء باطلاً لأنه لا يجوز أن يكون وكيلاً لغيره في الشراء لنفسه، وإن اشترى الطعام في الذمة صح شراؤه لنفسه فإن نقد هذا الثمن فقد تعدى ولزمه الضمان والطعام له، وإن قال: اشتر بهذا طعاماً لي واقبضه لنفسك فالشراء صحيح ولا يصح قبضه لنفسه وهل يكون قبضاً للآمر؟ على ما ذكرنا من الوجهين، ولو قال: اقبضه لي وخذه بالكيل الذي حضرته صح القبض للآمر ولم يصح له، ولو قال: اقبضه لي ثم اقبضه لنفسك يصح الشراء وقبضه له ولا يصح قبضه لنفسه من نفسه، وقيل: إذا جدد الكيل فيه وجهان.
مسألة: قال: "ولو حل عليه طعام فأحال به على رجل له عليه طعام أسلفه إياه لم يجز".
صورة بهذه المسألة [125/ ب] لزيد على عمرو طعام من قرض فقال زيد لخالد: أجلتك بالطعام الذي لك علي بالطعام الذي لي على عمرو ولا يجوز ذلك لأن الحوالة بيع، وإذا أحال به يرضاه فكأنه ابتاع الطعام الذي له في ذمته بالطعام الذي أحال به وابتاع المسلم فيه قبل قبضه لا يجوز وقوله: أسلفه أي: أقرضه، وإن كانت المسألة بعكس هذا فحل لزيد على عمرو طعام من سلم، وكان لخالد على زيد طعام من قرض فقال زيد لخالد: أجلتك بالطعام الذي لك علي من القرض بالطعام الذي لي على عمرو بالسلم لا يجوز أيضاً لأنه باع ماله في ذمة عمرو من المسلم بما لخالد عليه من القرض فيكون ذلك بيع المسلم فيه قبل القبض فلا يجوز، ولو حل لخالد على زيد طعام من سلم وحل لزيد على عمرو طعام من سلم فأحال زيد خالداً بما حل عليه بما حل له على عمرو فلا يجوز لأنه باع المُسلم فيه قبل القبض فحصل فيه فساد من وجهين فإذا تقرر هذا فدفع الحق لأنه باع المسلم فيه قبل القبض فحصل فيه فساد من وجهين فإذا تقرر هذا فدفع الحق بهذه الحوالة لا تبرأ ذمة المحال عليه من الذي عليه [126/ أ] قال بعض أصحابنا بخراسان: هذا على قولنا الحوالة مبادلة فإن قلنا: إنها استيفاء جازت الحوالة في هذه المسائل، وقيل: لا تجوز على هذا القول أيضاً لأنه لو لم يحل وقبض حقه لا يجوز أن يسلمه إلى الآخر إلا بكيل جديد، فكيف تصح الحوالة؟ وهذا ضعيف وأصحابنا بالعراق لم يذكروا خلافاً في هذا، وإن كان الطعامان من قرض فأحال أحدهما على صاحبه به جازت الحوالة لأن القرض مستقر في الذمة فيجوز أخذ العوض عنه قبل القبض، بخلاف المسلم فيه فإنه غير مستقر لجواز عدم ذلك عند المحل

الجزء: 4 - الصفحة: 519

فينفسخ العقد لعدمه، ومن أصحابنا من قال: لا تصح الحوالة بغير الأثمان والقرض ليس بثمن وهذا ليس بشيء.
فرع لو باع من رجل طعاماً بثمن إلى أجل، فلما حل الأجل باع المشتري طعاماً من البائع بالثمن الذي عليه جاز، وحكى الشافعي عن مالك أنه لا يجوز لأنه بيع طعام بطعام إلى أجل وهذا غلط لأن هذا ليس ببيع طعام بطعام إلى أجل [126/ ب] وهذا غلط لأن هذا ليس ببيع طعام بطعام بل هو باع الطعام الأول بثمن والطعام الثاني اشتري بثمن آخر فهما عقدان على ثمن، ولهذا لو خرج الطعام الثاني مستحقاً يسلم إلى صاحبه ويرجع المشتري على البائع بالثمن فلو كان بيع طعام بطعام لرجع عليه بالطعام الأول.
مسألة: قال: "ولو أعطاه طعاماً فصدقهُ في كيله لم يجز".
إنما صور الشافعي - رضي الله عنه - هذه المسائل في الطعام، لأن الخبر ورد بلفظ الطعام وإلا فحكم الطعام وسائر الأموال سواء، وصورة هذه المسألة: أنه كان لزيد على عمرو كر طعام فكاله عمرو واستدعى زيداً وقال: هذا كر قد كلته فاقبضه فصدقه وقبض بغير كيل فالقبض فاسد لأن القبض إذا تعلق بالكيل لم يتم إلا يوجوده عند التسليم ومعنى قولنا: فاسد أن القول قوله في قدر نقصانه قليلاً كان النقصان أو كثيراً، فإن كان الطعام موجوداً واتفقا على أنه هو الطعام بعينه كلناه، فإن خرج وفق الحق فلا كلام، وإن نقص فعلى [127/ أ] الدافع التمام، وإن زاد فعلى القابض رد الكيل، قال: فإن سألنا القابض فإن قال: خرج وفق حقي فذال، وإن قال زاد كذا رده، وإن قال: نقص فالقول قوله وعلى الدافع التمام، سواء ذكر نقصاناً قليلاً أو كثيراً، فإن قيل: أليس في المسألة التي قبلها إذا أحضره، وقال: اكتاله لك فاكتاله بحضرته كان القبض فاسداً، ولو ادعى نقصاناً متفاوتاً لم يقبل قوله، وإن ادعى نقصاناً يقع الغلط فيه من الكيلين في العادة يقبل قوله فهلا قلتم مثله ها هنا؟ قيل: الفرق أن هناك عاين الكيل وشاهده وها هنا قبضه جزافاً فقبل قوله في النقصان الذي يدعيه بكل حال.
فإن قيل: كيف تسمع دعواه النقصان والشافعي قال: فصدقه في كيله؟ قيل: لم يرد الشافعي به أنه أقر بصحة الكيل، بل هو قبول القول المختبر وحل قوله على الصدق فإذا بأن له خلافه سمعت دعواه.
فرع لو باع القابض ذلك نظر فإن باع الكل لم يجز، لأن للدافع فيه تعلقاً وهو أنه إذا كان فاضلاً كان الفضل له وإن باع القدر الذي يقطع أنه حقه مثل النصف ونحوه فيه [127/ ب] وجهان: أحدهما: قبول قوله في النقصان لأن الضمان انتقل إليه بقبضه فجاز له التصرف فيما هو حقه منه وهذا أقيس، وقال ابن أبي هريرة: لا يجوز ذلك بحال لأن

الجزء: 4 - الصفحة: 520

العلقة باقية بينه وبين الذي قبضه منه، فلم يجز له التصرف فيه وقيل: نص عليه في الصرف، وقال: نص عليه في الصرف، وقال في "الحاوي": إن كان مستحقاً عن قرض فيه وجهان: أحدهما: يجوز والفرق أن ملك القرض مستقر بخلاف البيع وهذا أصح وأشار إليه في "الأم".
فرع آخر لو كان له عليه طعام حال إما من قرض أو سلم، فدفعه إليه بشرط أن يبيعه طعاماً آخر لا يلزمه هذا البيع لأنه وعد بذلك والوعد لا يلزم ولا يلزمه رد ما أخذه منه لأنه أخذ حقه، فلا يلزمه رده نص عليه.
ولو باعه على هذا الشرط فالبيع باطل وكذلك لو قال: يبعني طعامك إلى أجل حتى أقضي حقك منه، فباعه بهذا الشرط بطل البيع، ولو قال: أعطني حقي على أن أبيعه منك إلى أجل ففعل صح القبض ولم يلزمه البيع.
فرع آخر لو قال: ادفع فضلاً على [28/ أ] الطعام حتى أبيعك طعاماً آخر ففعل لا يلزم البيع لأنه وعد ولكن يلزم رد الفضل عليه فإن دفع فضلاً في اليكل يلزمه رد الزيادة، وإن دفع فضلاً في الصفة يلزمه والكل واحد ما يستحقه.
فرع آخر لو كان عليه طعام مؤجل فقال: عجله لي على أن أبيعك طعاماً آخر، ففعل لم يلزمه البيع لأنه وعد ويلزمه رد الطعام إليه لأنه عجله بشرط ولم يحصل الشرط ويصبر إلى أن يحل الأجل ثم يطالبه به.
فرع آخر لو أمر رجلاً أن يتقاصا الطعام عن سلم ووعد أن يقرضه إياه فقبض الطعام فهو بالخيار إن شاء أقرضه وإن شاء منعه فإن منعه كان للقبض أجرة التقاضي.
مسألة: قال: "ولو كان الطعام سلفاً جاز له أن يأخذ به ما شاء يداً بيد".
السلف: اسم للقرض والسلم ميعاً وأراد به ها هنا القرض فإذا كان له على رجل طعام من قرض يجوز له أن يأخذ العوض عنه طعاماً أو دراهم أو غير ذلك لأن القرض مستقر في الذمة فجاز أخذ العوض عنه والتصرف فيه كما يجوز ذلك [128/ ب] عن المبيع بعد القبض بخلاف المسلم فيه، وهكذا يجوز أخذ العوض عن طعام مستفرغ الذمة بالغصب ونحوه، ثم إذا أخذ البدل إن شاء أخذ بلفظ البيع فيقول: بعتك الطعام الذي في ذمتك بهذه الدراهم، أو بهذا اثوب وإن شاء قال: أخذت منك هذه الدراهم بدل مالي عليك من القرض، وإن أرد مقرض الطعام أن يبيعه أجنبي غير المستقرض قبل قبضه فيه وجهان خرجهما ابن أبي هريرة أحدهما: يجوز كما في المستقرض لاستقرار ملكه عليه، والثاني: لا يجوز لأنه غير مقدور على تسليمه إليه حتى يقبضه منه، فلا يجوز بيعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 521

وقال القفال: فيه قولان، ولعله أراد قول التخريج، فإن قيل: أليس الحوالة تجوز وجهاً واحداً فما الفرق؟ قلنا: إن الحوالة تقع مقبوضة مسلمة فهي في معنى بيعه ممن عليه وأيضاً طريق الحوالة الإرفاق فجازت، وإن لم يجز البيع ألا ترى أنه يجوز أن يقرض درهماً بدرهم ويتفرقا قبل القبض، ولا يجوز هذا في بيع درهم بدرهم؟ لأن القصد من القرض الإرفاق دون المعاوضة، فإذا تقرر هذا وباع من الذي عليه وأخذ [129/ أ] العوض.
قال الشافعي: جاز أن يأخذ به ما شاء يداً بيد، قال أصحابنا: إن كان القبض مستحقاً فيهما في المجلس لا يجوز التفرق قبل القبض مثل أن يأخذ بدل الطعام الذي عليه طعاماً من غير جنسه مثل الشعير بدل الحنطة، وإن أخذ بدله دراهم أو دنانير أو ثياباً هل يجوز التفرق قبل قبضها؟ وجهان أحدهما: وهو ظاهر النص لا يجوز لأن القرض كان ديناً وإذا استبدل ثم افترقا قبل القبض أشبه البدل الدين، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "عن بيع الدين بالذين"، ولهذا لو جعل الثوب موصوفاً في الذمة بدلاً عن الحنطة في الذمة لم يجز، وهذا اختيار أبي حامد، والثاني: يجوز لأنه لو باع ثوباً بثمن في الذمة وافترقا قبل قبض الثوب جاز، فكذلك إذا كان الثمن عيناً والمبيع في الذمة يجوز أن يفترقا قبل القبض.
قال القفال: هذا أقيس وكلام الشافعي محمول على أنه أراد به في مال الربا استبدل طعاماً بطعام أو دراهم بدنانير وأراد بقوله: يداً بيد أن لا يكون ديناً بل يكون عيناً، ولم يرد به أن يكون قبضاً في المجلس.
فرع لو أقرضه طعاماً وهو في يد المستقرض لم يتصرف [129/ ب] فيه لا يجوز أن يأخذ منه بدله سواء قلنا: زال ملكه عن العين بنفس الإقراض أو قلنا: لا يملك إلا بالتصرف فيه لأن على القول الأول زال ملكه عن العين ولم يستقر بدله في ذمة المستقرض لأن له الرجوع في العين، فلا يجوز أخذ البدل وإن قلنا بالقول الثاني: فقد ضعف ملكه لما زال يده وسلط عليه غيره بالتصرف فيه ذكره القاضي الطبري، وإن كان المستقرض باعه ثم رجع إليه بإرث أو شراء لا يجوز للمقرض أن يأخذ عوض العين ولكن يأخذ عوض ماله في ذمته على ما بيناه.
فرع آخر لو كان له في ذمة الغير طعام مستقر إلى أجل مهراً أو عوض خلع ونحو ذلك، يأخذ منه بدل الطعام، قال في الصرف: فإن لم يكن مطعوماً يجوز، وإن كا مطعوماً من غير جنسه لا يجوز لأنه بيع طعام بطعام إلى أجل قال أبو حامد: وعندي أنه لا يجوز لأنه إذا قبض منه ذلك برئت ذمة من عليه الطعام منه فكيف يبقى في ذمته إلى أجل؟ [130/ أ] فرع آخر إذا أقرض رجل طعاماً بمصر ثم التقيا بمكة فطالبه بالطعام الذي له في ذمته لا يجب عليه دفعه إليه بمكة، لأن الأسعار تختلف ولأنه يلحقه مؤونه في نقله من مصر إلى مكة

الجزء: 4 - الصفحة: 522

وهو يستحق أخذه منه بمصر نص عليه في الصرف، فإن طالبه بالعوض يلزمه دفع ذلك إليه لأنه قد تعذر دفع ذلك إليه لأنه قد تعذر دفع عين حقه فيجب دفع عوضه ويعتبر قيمة ذلك ما يكون بمصر لأنه يستحقه هناك، فإن رضي المستقرض بدفع الطعام بمكة جاز، لأنه رضي بإدخال الضرر على نفسه، وهكذا لو استهلك رجل على رجل طعاماً فلقيه ببلد آخر يطالبه بقيمة الطعام في البلد الذي استهلكه ولا يطالبه بالمثل إلا أن تكون قيمة الطعام في البلدين واحدة فله مطالبته بالمثل.
فرع آخر إذا دفع القيمة ثم رجع إلى مصر هل له رد القيمة والمطالبة بالطعام؟ وجهان.
فرع آخر لو كان الطعام الذي عليه سلما فلقيه ببلد آخر لا يجوز أن يطالبه بقيمته لأنه يكون بيع السلم قبل القبض وذلك لا يجوز وإن تراضيا، وإن دفع [130/ ب] من عليه الطعام في الموضع الذي لقيه، وقال: خذه وأبرئني منه لم يجبر على القبول، ولا على البراء لأن عليه مؤونة في حمله إلى بلده فهو كما لو قدمه على محله وعليه مؤونة في حفظه لم يلزمه قبوله قبل محله كذلك هاهنا.
وإن تراضيا جاز.
فرع آخر لو أقرضه دراهم أو دنانير في بلد، ثم لقيه في بلد آخر له مطالبته بمثله لأنه لا مؤونة في نقل الدراهم والدنانير.
فرع آخر لو كان عليه عشرة أقفزة طعام فأقبضة كيلاً، ثم عاد فذكر أنه قد نقص قال الربيع: فيه قولان أحدهما: القول قول القابض مع يمينه وبه قال مالك، والثاني: وبه يفتي القول قول الدافع وبه قال أبو حنيفة، لأن الظاهر أنه قد قبض حقه وقد رجع يدعي خلاف الظاهر، وهكذا الخلاف فيما قبضه البائع من الثمن وزناً وذكر والدي رحمه الله: أنه إن ذكر قدراًَ قد يقع مثله لاختلاف الموازين سمع مع يمينه كما إذا ادعى الزكاة غلطاً على الخارص وذكر نقصاً محتملاً، وقد ذكرنا من قبل ما يدل على هذا.
[131/ أ].
فرع آخر لو قبض الثمن ثم جاء وذكر أن فيه زيفاً ينظر فإن صدقة المشتري أن هذا هو الثمن الذي قبضه بعينه فعلى البائع البينة أنه زيف ويبدله له، وإن كذه وقال: ما هذا هو الثمن فالقول قول المشتري مع يمينه فإن حلف برأ فإن كان للبائع بينة أنه الثمن بعينه أقامها ثم عليه البينة أن هذا زيف، وعليه أجرة من ينتقد، ومن أصحابنا من قال: أجرة النقاد على المشتري والأصح الأول وهو اختيار القاضي الطبري.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: على الإمام أن ينصب كيالاً ووزاناً في سوق المسلمين ويرزقهما من سهم المصالح فإن لم يكن فأجرتهما على البائع.

الجزء: 4 - الصفحة: 523

فرع آخر قال في الصرف: لو باع صبرة من الطعام جزافاً فالبيع جائز ولا بأس به وقال في حرملة: لا أحب ذلك فإن فعل لم يقض البيع فحصل من هذا أنه يجوز البيع قولاً واحداً وهل يكره؟ قولان أحدهما: لا يكره والثاني: يكره لأن فيه ضرباً من الغرر وربما قدرها أكثر من كيلها فإن وجدها مصبورة على دكة أو ربوة كان له الخيار لأنه كالعيب.
[131/ ب].

باب بيع المصراة

قال: أخبرنا مالك الخبر.
التصرية: أن يربط أخلاف الناقة أو الشاة أو البقرة ويدعها عن الحلاب يومين أو ثلاثة أيام يجتمع لبنها ويكبر ضرعها ثم يبيعها فيظن المشتري أنها غزيرة اللبن ثم إذا حلبها يجد لبنها أنقص مما كان، وهو مشتق في اللغة من الصري وهو الجمع، يقال: صري الماء في الحوض وصري الطعام في فيه إذا جمع.
وسميت الصرة صرة للجمع ويقال: صري الماء في ظهره إذا ترك الجماع، وقد روي ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام" وأراد التي جمع اللبن في ضرعها ومنه قيل: احتفل الرجل إذا جمع المحافل مأخوذة من هذا.
فإذا ثبت هذا فالتصرية تدليس وفعل محرم وغرر يوجب العيب فمتى علم به المشتري له الخيار إن شاء فسخ البيع ورد المبيع وإن شاء اختار البيع، وبه قال ابن عمر وابن مسعود وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم ومالك واالليث وابن أبي [132/ أ] ليلى وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وزفر رحمهم الله، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلب لبنها ليس له الرد لأنها نقصت في يده فتستخرج أرش العيب.
وقال أبو حنيفة: التصرية ليست بعيب ولا يثبت بها الخيار بحال، وبه قال محمد: وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع محفلة فهو بالخيار ثلاثة أيام" وأراد التي جمع اللبن في ضرعها ومنه قيل: احتفل الرجل إذا جمع المحافل مأخوذة من هذا.
فإذا ثبت هذا فالتصرية تدليس وفعل محرم وغرر يوجب العيب فمتى علم به المشتري له الخيار إن شاء فسخ البيع ورد المبيع وإن شاء اختار البيع، وبه قال ابن عمر وان مسعود وأبو هريرة وأنس رضي الله عنهم ومالك والليث وابن أبي [132/ أ] ليلى وأحمد وإسحاق وأبو يوسف وزفر رحمهم الله، وروي عن أحمد أنه قال: إذا حلب لبنها ليس له الرد لأنها نقصت في يده فتستخرج أرش العيب.
وقال أبو حنيفة: التصرية ليست بعيب ولا يثبت بها الخيار بحال، وبه قال محمد: وهذا غلط لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تصروا الإبل والغنم للبيع فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعا من تمر" وهذا نص ونحو هذا رواه ابن عمر رضي الله عنه، فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في كيفية الرد، وجملته أنه إذا ردها يلزمه رد بدل اللبن؟ لأن العقد وقع عليه لوجوده حال العقد، وقد روي في ذلك أخبار مختلفة والأشهر ما ذكر في "المختصر": "ردها وصاعاً من تمر"، وروي "ردها وصاعاً من تمر لا سمراء"، وأراد به البر، وروي "وصاعاً من سمراء"، وروي "وصاعاً من طعام"، وروي "ردها ورد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً".
واختلف أصحابنا في هذا فقال أبو إسحاق: نص على التمر لأنه أصل وقيمته بالحجاز [132/ ب] دون قيمة البر وقوله: "صاعاً من تمر لا سمراء" يعني لا يكلف السمراء وقوله:

الجزء: 4 - الصفحة: 524

"صاعاً من سمراء" يعني إن تطوع به قبلناه لأنه أفضل وقوله: مثل لبنها إذا كان بنها صاعاً كيلاً يكيل وله أن يتطوع بدفع القمح، قال: وكل موضع كان الصاع من التمر أقل من نصف ثمن الشاة فهو الأصل لا يطالب بغيره، وإن كان الصاع أكثر من نصف ثمن الشاة، مثل إن كان في البلد الذي يعز فيه التمر كخراسان رد معها قيمة صاع من تمر بالحجاز يوم ارد كرجل أقرض رجلاً صاعاً من تمر بالحجاز فلقيه بخراسان له مطالبته بقيمته بالحجاز يوم الرد كرجل أقرض رجلاً صاعاً من تمر بالحجاز فلقيه بخراسان له مطالبته بقيمته بالحجاز يوم المطالبة، وليست له مطالبته بالتمر كذلك ها هنا.
ومن أصحابنا من قال: على هذا إذا عدم التمر يلزمه قيمته وفي محل قيمته وجهان: أحدهما: قيمته في أقرب بلاد التمر منه، والثاني: قيمته بالمدينة، ومن أصحابنا من قال: يرد صاعاً من تمر أبداً وإن كان قيمته أضعاف ثمن الشاة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدره به ولا يكون جامعاً بين الشاة وثمنها إذا كان اشتراها بصاع لأن هذا بدل اللبن [133/ أ] لا بدلها، ومن أصحابنا من قال: إذا اشترى بصاع فيه وجهان: أحدهما: هذا، والثاني: يرد من الصاع بقدر نقص التصرية من الثمن فتقوم الشاة لو لم تكن مصراة ويقوم مصراة فإن نقص درهماً من عشرة علم أن نقص التصرية الخمس فيرد المشتري خمس الصاع الذي اشتراها به ومن أصحابنا من قال: نص على التمر، لأنه قوت الحجاز ونص على البر لأنه قوت بلد آخر وأفاد اختلاف الألفاظ من الخبر، لأنه يعتبر غالب قوت بلد البيع تمراً كان أو براً أو شعيراً كما قولنا في زكاة الفطر وهو اختيار ابن سريج والإصطرخي، ومن أصحابنا من قال: يعطي من أي الأقوات المزكاة شاء من بر أو شعير، ومن أصحابنا من قال: يختلف ذلك باختلاف اللبن فيؤدي بقيمته اللبن وهو ضعيف.
فرع لو أراد المشتري رد اللبن فاللبن الذي كان في ضرعها حي البيع لا يمكن رده وحده لأنه قد اختلط باللبن الحادث المشتري، وإن رضي المشتري رد الكل على البائع أشار أبو حامد في "الشرح" إلى وجهين: أحدهما: عليه القبول لأنه حقه [133/ ب] وزيادة، والثاني: لا يلزمه القبول لأنه بالحلب صار ناقصاً لإخراجه من الضرع الذي منع التغير، وصار حيث يسرع إليه التغير فله أن يمتنع من قبوله، وهذا أصح عند جمهور أصحابنا، فإن تراضياً عليه جاز.
فرع آخر إذا علم المشتري بالتصرية في اليوم الثاني والثالث للخبر نص عليه في "الإملاء" في اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى حكاه القاضي في "الجامع"، ومن أصحابنا من قال: إذا علم بأنها مصراة فالرد على الفور فإن لم يرد مع الإمكان بطل الرد كسائر العيوب، وإنما جعل له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الثلاث ليحصل له يقين التصرية وهو اختيار ابن أبي هريرة، وحكى أنه قال: المراد بالثلاث المذكور في الخبر خيار الشرط لا يثبت إلا بالشرط والرد بعيب التصرية يكون عند العلم على ما ذكرنا، وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: لو أراد الرد قبل الثلاث ليس له لأنه لا يعلم العيب بأقل من ثلاثة أيام وإنما حد ثلاثة أيام لهذا المعنى، ولو أراد الرد بعد الثلاث ليس له لأنه ترك الرد بعد القدرة مع معرفة العيب وإنما له الرد عند انقضاء [134/ أ] الثلاث وهذا بعيد.

الجزء: 4 - الصفحة: 525

فرع آخر لو رضيها المشتري وحلبها زماناً ثم أصاب بها عيباً قديماً بغير التصرية فله ردها بهذا العيب لأنه لم يرض بالعيب الذي ظهر الآن، وإنما رضي بعيب التصرية فقط والحلاب ليس بنقص فلا يمنع الرد بالعيب.
فإن قيل: هو نقص في اللبن الموجود حال العقد الذي أخذ قسطاً من التمر فوجب أن يمنع الرد.
قلنا: المقصود الحيوان دون اللبن وهذا غير صحيح، والعلة صحيحة إن قال: الحلب طريق إلى استعلام عيب التصرية فلا يمنع الرد لقطع النطيح يسيراً.
فإن قيل: إذا جز صوفها ثم أصاب بها عيباً هل يبطل حقه من الرد؟ قلنا: إن كان جز الصوف مما لا يمكن التوصل إلى معرفة العيب، لأنه لا يبطل حقه من الرد به، وإن كان مما يمكن التوصل إليه من دونه يمنع الرد، وفي اللبن لا يمكن معرفة العيب إلا بحلبه فهما سواء، فإذا ثبت هذا وردها يرد معها صاعاً من تمر للبن التصرية على ما ذكرنا، وإن قلنا: لا يفرق لا يرد ويرجع بأرشه.
فرع آخر لو اشترى شاة ولم تكن مصراة وحلبها زماناً [134/ ب] ثم أصاب بها عيباً قديماً له الرد، قال الشافعي في القديم: قال لي محمد بن الحسين: هل يرد اللبن؟ فقال: لا، قال بعض أصحابنا: الفرق بينه وبين المصراة أن اللبن في غير المصراة لا يتحقق، وإن كان فهو يسير لا اعتبار به، وفي المصراة اللبن كثير مجموع متحقق فيقسط عليه الثمن ويلزمه رده بدله عند الرد.
وقال بعض أصحابنا: هذا إذا لم يكن فيها لبن حال العقد نظر فإن كان اللبن تالفاً فإن قلنا: لا يفرق الصفقة ليس له الرد، لأنه قد تلف بعض المبيع بعد القبض، وله الأرش، وإن كان اللبن قائماً هل له الرد؟ وجهان بناء على ما ذكرنا من الوجهين إذا كان لبنها والحادث بعد العقد قائماً في المصراة فردها المشتري مع اللبن هل علي البائع قبوله؟ وجهان، فإن قلنا: يلزم قبوله رد اللبن مع الشاة على البائع ويرد بدل اللبن وهو قيمة ها هنا، والقول قول المشتري في قدرها لأنه غارم وهذه الطريقة أقيس.
وقال في لحاوي: لا خلاف في هذه المسألة أنه يردها وإن كان في ضرعها لبن وقت البيع لأن ما في الضرع غير مقصود إذا لم يكن [135/ أ] لبن التصرية ثم يلزمه رد قيمة اللبن معها، لأنه يأخذ قسطاً من الثمن ولا يلزم الصاع وهذا غير صحيح عندي.
فرع آخر لو علم بالتصرية واشتراها هل له أن يردها إذا لم يصر لبنها لبن عادة؟ وجهان أحدهما: ليس له كما لو علم بالعيب فاشتراها، والثاني: له ذلك لأن ذلك اللبن يجوز بقاؤه على كثرته وقد دخل في العقد على طمع أن يصير لبنها عادة فإذا لم يصر كان له الخيار كالمرأة تتزوج بعنين مع العلم بحالة ثبت لها الخيار في وجه.

الجزء: 4 - الصفحة: 526

فرع آخر لو اشترى مصراة ولم يعلم بها حتى صار لبنها لبن عادة هل يجوز له الخيار؟ وجهان كما لو اشترى معياً ولم يعلم بالعيب حتى زال العيب فيه وجهان وأصل هذا إذا عتقت تحت عبد فلم يعلم حتى أعتق الزوج هل لها الخيار؟ قولان، وقال أبو حامد: عندي لا خيار له في المصراة قولاً واحداً لأنه ما كان بها عيب بل تحدد لها زيادة فضيلة.
فرع آخر لو اشترى بقرى فوجدها [135 أ/ 6] مصراة قال الشافعي - صلى الله عليه وسلم -: وكذلك البقر وإنما قال ذلك لأن الخبر ورد في الإبل والغنم فكان ذلك تنبيهاً عليها، لأن لبن البقر ساوى لبن الغنم في الجودة وانفرد بالكثرة وساوى لبن الإبل في الكثرة وانفرد بالجودة مع أنه روي "من ابتاع محفلة فهو بخير النظرين" وهو عام في الكيل.
وقال داود: لا يرد البقر لأنه لم يرد فيها الخبر وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر لو اشترى جارية فوجدها مصراة.
قال في "الإفصاح": فيها ثلاثة أوجه: أحدها: يردها ويرد معها صاعاً من تمر كالبهيمة لأن لبن الجارية لبن ظاهر مضروب يحل بيعه وثمنه وهذا اختيار القاضي الطبري.
والثاني: لا يردها لأن نقصان لبنها ليس بعيب فإن لبنها لا يقصد في العادة ولا يباع ولا يشترى، وذكر الدراكي على هذا الوجه: أنه إذا لم يردها يرجع بالأرش وهذا غلط، لأن هذا القائل منع الرد أنه ليس بعيب وقدر الدراكي أنه لا يرد لأن الحلب غير حادث فقال: يرجع بالأرش.
والثالث: يردها ولا يرد معها شيئاً لأنه عيب [136/ أ] ولكن اللبن لا يقصد بالشراء والبيع.
وهذا أقرب عندي، وقال أبو حامد: لا خلاف أنه عيب فيها ولكن ما حكمه؟ فيه وجهان أحدهما: يردها ولا يرد شيئاً لأنه حصل في يده لبن البائع ولا يمكن أن يقال: يرد عوض اللبن معها لأنه لا يقصد بالعوض فلم يبق إلا الإمساك والرجوع بالأرش.
فرع آخر لو اشترى خيلاً أو ظبية فوجدها مصراة.
قال في "الحاوي": فير غير النعم هل يكون التصرية عيباً يوجب الرد وجهان أحدهما: لا يكون عيباً لأن الألبان لا يقصد إلا في النعم وهو اختيار البصريين، والثاني: يكون عيباً في كل حيوان فعلى هذا هل يرد صاعاً بدلاً من لبن التصرية؟ وجهان أحدهما: يرد لعموم الخبر، والثاني: لا يرد، ولأن لبن الخيل غير مقصود.
فرع آخر لو اشترى أتانا فوجدها مصراة قال أبو حامد: هو عيب بلا خلاف لأنه يقصد لبنها

الجزء: 4 - الصفحة: 527

للجحش فإذا ردها لا يرد شيئاً للبلن لأنه نجس لا قيمة له عند الشافعي، وقال الإصطخري: هو طاهر يحل شربه فحكمه حكم الشاة ويرد صاعاً [136/ ب] من تمر والمنفعة قد ورد فيه قصة مخلد بن خفاف وهو ما روي عنه أنه قال: اشتريت غلاماً فاستغللته زماناً ثم وجدت به عيباً فرددته فقضى علي عمر بن عبد العزيز وكان أمرا أمير المدينة برده ورد غلته فأخبرت به عروة بن الزبير وكنت في جواره فقال: أخبرتني عائشة رضي الله عنهأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان" فأخبرت به عمر بن عبد العزيز فقال: لا على قضيت قضاء فإذا أخبرني مخبر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بخلافة نقضت قضائي فرجعت فأخبرت به عروة فأتى عمر وأخبره فدعا بالبائع.
وقال: قد قضيت لك بقضاء وهذا عروة بن الزبير يخبرني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بخلافه فقال: قد قضيت قضاء بالأمس فلا تنقضه فغضب عمر وقال من يعذرني من هذا يأمرني أن أرد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنفذ قضاء ابن عمر لا بل أنفذ قضاء رول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرد قضاء ابن عمر صاغراً [137/ أ] صدياً، وإن كان النماء عيناً مثل الولد والثمار والنتاج فعندنا حكم ذلك حكم المنفعة يبقى للمشتري ويرد الأصل بالعيب.
وقال مالك: الولد والنتاج يرد مع الأصل ولا ترد الثمار لأنه ليس من جنس الأصل ولأنه حكم تعلق برقبة الأم فيسري إلى الولد كالكتابة وهذا غلط، لأنه بما حدث في ملك المبتاع فلا يلزمه رده مع الأصل كالثمرة، والكتابة لا نسلم أنها تسري إلى الولد.
وقال أبو حنيفة: هذه الزوائد تمنع رد الأصل بالعيب فيأخذ الأرش، وهذا مبني على أصله أن الرد بالعيب فسخ للعقد من أصله وعندنا هو فسخ للعقد من وقت الرد فلا يبقى للمشتري النماء مع رد الأصل عنده، لأن العقد يصير كأن لم يكن، وعندنا يبقى له ذلك لأن العقد ينقطع في الحال، ووافقنا في الواهب إذا رجع في هبته أن يكون رفعاً للعقد من وقت رجوعه، واحتج الشافعي بحديث مخلد بن خفاف، ولم يفصل بين خراج وخراج واسم الخراج على الزوائد المنفصلة أوقع منه على علة العبد ووافقنا أبو حنيفة في غلة العبد [137/ ب] وأنها لو حدث في يد البائع لا يمنع الرد، ومن أصحابنا من خرج وجهاً أنه يرفع من أصله لأن سبب الفسخ قارن العقد تخريجاً مما قال الشافعي في النكاح إذا فسخ بالعيب يغرم مهر المثل.
فرع الرد بالعيب لا يفتقر إلى الرضا ولا إلى قضاء القاضي قبل القبض وبعده، وقال أبو حنيفة: إن كان بعد القبض لا يكون له الفسخ إلا بالرضا أو بالقضاء وهذا غلط، قياساً على ما قبل القبض.
فرع آخر إذا أراد الرد بالعيب قبل القبض لا يفتقر إلى حضور صاحبه، وقال أبو حنيفة: يفتقر إلى حضوره، وإن لم يفتقر إلى رضاه وهذا غلط، لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضاه فلا يفتقر إلى حضوره كالطلاق.

الجزء: 4 - الصفحة: 528

فرع آخر إذا باع شاة حاملاً عند البيع فولدت عنده ثم أصابها عيب فهل الحمل يأخذ قسطاً من الثمن برد الشاة والنتائج؟ وإن قلنا: لا يأخذ قسطاً من الثمن فيه وجهان: أحدهما: يرده أيضاً مع الأم لأن العقد تناوله، وإن لم يأخذ قسطاً من الثمن، والثاني: لا يلزمه رده لأنه حصل في ملك المشتري [138/ أ] من غير أن يكون في مقابلته جزء من الثمن فأشبه النماء الحادث بعد البيع، وهكذا لو باع أمة حاملاً فولدت، وهذا إذا لم تنتقص بالولادة فإن نقصت بالولادة لا يردها بالعيب ويرجع بالأرش فإن قيل: أيس لا يجوز التفريق بين الجارية وولدها الصغير في البيع! وقلتم ها هنا: إذا ولدت الجارية في ملك المشتري يرد الجارية دون الولد؟ قيل: المذهب أنه يجوز هذا التفريق لموضع الحاجة كما قال الشافعي في الجارية المرهونة: إذا ولدت حراً تباع الأم بحق المرتهن دون الولد لأنه موضع حاجة، وقال بعض أصحابنا: إن كان الولد طفلاً لا يفرق بينهما وبين الولد وله الأرش، وإن كان قد بلغ سبعاً أو ثماني سنين قبل أن يعلم بالعيب إلى هذا الوقت، كان له ردها وإمساك وهذا أقيس.
فرع آخر لو علم بالعيب بعد ما حبلت عنده ولم تضع، فإن كان الحمل موكساً في ثمنها أو مخوفاً عليها في ولادتها، فلأوله الأرش، وإن لم يكن موكساً ولا مخوفاً ردها حاملاً [138/ ب] ثم إن قلنا: الحمل تبع فالولد للبائع، وإن قلنا: يأخذ الولد قسطاً من الثمن فيه وجهان: أحدهما: أنه للبائع ولا يرجع به المشتري أيضاً لاتصاله بالأم عند الرد، والثاني: وهو الأقيس أنه للمشتري ويرجع على البائع لحدوثه في ملكه وغيره وعلى هذا لو حبس المشتري الشاة المعيبة حتى تضع حملها لا يمنع ذلك من الرد، لأنه حبسها لأخذ ملكه منها وعلى الوجه الأول يمنعه ذلك من الرد بالعيب لأنه حبسها ولا ملك له فيها، وقال القاضي أبو حامد: هل الولد للبائع أو للمشتري؟ فيه قولان وهو للبائع في أولى قوليه.
فرع آخر قال المزني في "المنثور": لو اشترى غنماً بعشرة أقساط من لبن موصوف إلى أجل فلم يتقابضا حتى احتلب البائع منها عشرة أقساط ثم ماتت الغنم يبطل البيع ويسقط الثمن من ذمة المشتري ويأخذ من البائع ما احتلب من اللبن وهذا صحيح، لأن تلف المبيع قبل القبض يبطل البيع ويوجب سقوط الثمن ولا يمنع ملك النماء.
مسألة: "وإن كانت أمة [139/ أ] ثيباً فوطئها فالوطء أقل من الخدمة".
إذا اشترى جارية ثيباً فوطئها ثم وجد بها عيباً له ردها بالعيب وهذا الوطء لا يمنع الرد بالعيب.
وبه قال مالك وعثمان البتي وأبو ثور وأحمد في رواية، وروي ذلك عن زيد بن ثابت.
وقال أبو حنيفة: لا يردها ويرجع بالأرش وبه قال (الثوري) والزهري

الجزء: 4 - الصفحة: 529

والنخعي، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه، وهذا لأن عندهم الوطء يجري مجرى الجناية وعندنا لا يجري مجراها، وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها للوطء، وبه قال عمر رضي الله عنه، وقال عمر رضي الله عنه: مهرها إن كانت بكراً عشر قيمتها، وإن كانت ثيباً نصف عشر قيمتها وهذا غلط، لأن وطأها صادف ملكه فلا يلزمه الغرامة واحتج الشافعي بأن الوطء أقل من الخدمة، يعني أقل ضرراً لأن الوطء يمنعها ويلذها والاستخدام يتبعها ويكدها، فإذا جاز الرد بعد الخدمة فلأن يجوز الرد بعد الوطء أولى ولا فرق بين أن يكون البائع إياه فحرمت عليه بذلك الوطء أو كان أجنبياً فلم يحرم عليه بذلك [139/ ب].
فرع لو وطئها البائع قبل التسليم فحكمه حكم وطء الأجنبي، وقال أبو حنيفة: هي مستبقاة على ملكه فلا يلزمه شيء لا الجد ولا المهر وهذا غلط، لأنه لا ملك له فيها ولا شبهة ملك.
مسألة: قال: وإن كانت بكراً فافتضها.
الفصل إذا اشترى جارية بكراً فافتضها ثم أصابها عيب ليس له ردها بل يرجع بأرش العيب لأنه أتلف جزءاً منها يوجب نقصان قيمتها، ويفارق وطء الثيب في هذا المعنى فإذا ثبت هذا فكيفية الرجوع بأرش العيب أن ينظر كم قيمتها بكراً غير معيبة؟ فيقال ألف درهم وقيمتها بكراً معيبة كم؟ فيقال: تسع مائة وثمنها عشرون ديناراً أو أقل أو أكثر فالمشتري يسترد عُشر الثمن لأن العيب نقص عشر القيمة، وإنما قلنا: يرجع بقدر ما نقص من الثمن لأنها نقص من القيمة لأن المبيع لو تلف كله رجع المشتري بالثمن لا بالقيمة، فكذلك إذا نقص منه جزء رجع بما يقابل ذلك الجزء من الثمن ويفارق المغصوب لأنه لو تلف الكل يضمن القيمة [140/ أ] فإذا تلف بعضه يلزم ما نقص من القيمة ويعتبر في التقويم أقل ما كانت قيمتها من يوم العقد إلى يوم القبض لأنه إن كانت قيمتها يوم العقد أقل مما زاد فهو في ملك المشتري، وإن كانت قيمتها يوم القبض أقل مما نقص قبله في يد البائع غير مضمون عليه، وقال مالك: يردها مع أرش نقص البكارة وبه قال أحمد في رواية، وهذا بناه على أصله لأن العيب لا يمنع الرد وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع إذا وجد عيباً بما اشترى له الخيار على ما ذكرنا فإن اختار الإمساك يلزمه كل الثمن، وإن أراد أن يأخذ منه أرش العيب ليس له ذلك لأن البائع دخل في العقد على أن يحصل للمشتري الثمن بجميع الثمن فلم يجبر على تسليمه إليه ببعض الثمن، وقال أحمد: له إمساكه ومطالبته بالأرش وهذا غلط لخبر المصراة، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أثبت

الجزء: 4 - الصفحة: 530

له الخيار بين الإمساك من غير أرش وبين الرد ولأنه يملك رده فلم يكن له مطالبته بجزء من الثمن كما لو كان له الخيار بالشرط.
[140/ ب] فرع آخر إذا أراد المشتري رده فقال له البائع: أمسكه حتى أدفع أرش العيب لم يجبر على قبول ذلك لأنه دخل في العقد على سلامة المبيع فلا يجبر على إمساك المبيع ببعض الثمن.
فرع آخر لو تراضيا على أخذ الأرش.
قال القاضي أبو حامد: فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز وهو ظاهر المذهب لأنه خيار ثبت لفسخ البيع فلا يجوز الاعتياض عنه كخيار الشرط وخيار المجلس، والثاني: يجوز وهو اختيار ابن سري جوبه قال مال وأبو حنيفة، لأن كل خيار جاز أن يسقط إلى مال جاز إسقاطه على مال كالقصاص وهذا لا يصح، لأن للدم بدلاً وهو الدية في حال، فجاز إسقاط القصاص بها بخلاف هذا، فإذا قلنا: يجوز فأخذ الأرش ثم زال العيب لا يلزم المشتري رد الأرش.
فرع آخر إذا قلنا: لا يجوز أخذ الأرش بالتراضي فأخذ يلزمه رده لأنه أخذه بغير حق فلا يملكه وهل يسقط خياره بذلك؟ وجهان: أحدهما: يسقط، لأن أخذ الأرش رضا بسقوط خياره، والثاني: لا يسقط [141/ أ] وهو المذهب لأنه لم يرض بسقوط حقه إلا بمال أو مثل هذا أنه لا يجوز أخذ العوض على تسليم الشفعة فإن أخذها يسقط حقه من الشفعة وجهان، والصحيح أنه لا يسقط وإنما لا يجوز أخذ العوض على تسليم الشفعة بخلاف أخذ أرش العيب على أحد الوجهين، لأن حق الشفعة لا ينقلب مالا بحال والرد بالعيب فلا يسقط فيجب الأرش وهو إذا حدث عنده عيب آخر.
مسألة: قال: ولو أصاب المشتريان صفقة واحدة من رجل بجارية عيبا.
الفصل إذا اشترى رجلان من رجل عبدا صفقة واحدة فوجدا به عيباً فأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك كان ذلك لهما لأن الصفقة إذا تفرقت في أحد طرفي العقد كانت بمنزلة الصفقتين.
وقال القاضي أبو حامد: حكى أبو ثور عن الشضافعي: ليس لأحدهما أن يرده حتى يتفقا عليه وبه قال أبو حنيفة، فحصل قولان.
وبقولنا الأول قال أبو يوسف ومحمد ومالك في رواية، وهذا لأن [141/ ب] جميع ما ملكه بالعقد فجاز له رده بالعيب فجميع العبد إذ اشتراه واحد.
فرع لو اشترى رجل من رجلين عبدا ثم وجد به عيباً فأراد أن يرد نصيب أحدهما دون

الجزء: 4 - الصفحة: 531

الآخر له ذلك ووافقنا فيه أبو حنيفة، وقال القفال: رأيت بعض أصحابنا خرج فيه قولاً ثانياً ليس له ذلك وليس بشيء، وهذا لأن العقد يتعدد بعدد العاقد سواء كان المشتري متعدداً أو البائع حتى إذا اشترى اثنان من اثنين فذلك أربعة عقود لأنه ينقسم على البائعين ثم نصيب كل بائع ينقسم على المشترين.
فرع آخر لو كان العاقد وكيلاً لاثنين فذلك عقد واحد أو عقدان؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أنه عقد واحد لا يجوز فيه التفريق سواء كان هذا الواحد دليل بائعين مشتريين وهو اختيار ابن الحداد لأن العقد يعتبر بالعاقد وهو واحد.
والثاني: يعتبر المالك فالعقد اثنان لأن الملك يقع للموكل لا للوكيل وهو قول جميع أصحابنا بالعراق [142/ أ] واختاره أبو زيد والخضري، والثالث: وهو اختيار القفال يفصل فيقال: إن كان وكيل مشتريين فالعقد واحد وإن كان وكيل بائعين فالعقد اثنان والفرق أن معظم الأمر يرجع في باب الشراء إلى الوكيل ويرجع في البيع إلى الموكل، ألا ترى أنه لو باع بغير الإذن أو خالف موكله بطل البيع والمشتري إذا اشترى للغير بغير إذنه، أو خالف أمره لزمه العقد في نفسه ولا يبطل، فإذا ثبت في وكيل المشترين أنه ليس لأحد موكليه أن يرد نصيبه إذا لم يوافقه صاحبه، فهل له أرش العيب في نصيبه أم لا؟ وجهان: أحدهما: يرجع بالأرش كما لو حدث عنده عيب آخر والثاني: لا يرجع بالأرش لأن الرد غير فائت لأنه ربما يوافقه صاحبه فيردانه معاً.
قال القفال: والأحسن أن يقال: هما حالان ما دام موافقة صاحبه في الرد موجودة بأن لم يعلم بالعيب أو هو عائب أو جاهل فيقال: إذا علم ربما يرد لا أرش له، وإذا علم ورضي به آيسنا من الرد في نصيبه فللآخر الذي يريد الرد الأرش في نصيبه.
فرع آخر قال في "الحاوي": [142/ ب] إذا رد أحدهما واسترجع ما دفع فيه وجهان: أصحهما: أن الشركة بين المشتريين بطلت بالرد فيكون للممسك نصف العبد وللراد نصف الثمن، والثاني: الشركة بينهما على حالها لأنه لم يكن بينهما قسمة فعلى هذا نصف العبد بينهما ونصف الثمن المسترجع بينهما.
فرع آخر لو اشترى شيئاً ثم مات عن وارثين فأراد أحدهما الرد دون الآخر ليس له ذلك وجهاً واحداً، لأن العاقد والمالك في الأصل واحد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وهو ضعيف، وهل له أرش في نصيبه؟ قال ابن الحداد: له الأرش، وقال القفال: هو على التفصيل.
فرع آخر لو وكل رجلان في ابتياعه لهما، فابتاعه ثم أصاب به عيباً فإن لم يكن الوكيل

الجزء: 4 - الصفحة: 532

ذكرهما حال العقد تعلق العقد به فإن ادعى بعد ذلك أنه ابتاعه لهما لم يقبل قوله وإن ذكرهما حال العقد فالحكم على ما مضى.
فرع آخر لو قال رجل لرجلين: بعتكما هذين العبدين بألف درهم فقال أحدهما: قبلت أحدهما بخمس مائة لم يصح، لأنه [143/ أ] قبل ما أوجب له وما لم يوجب لأنه أوجب له نصف كل واحد من العبدين، ولو قال: قبلت نصف العبدين بخمس مائة صح البيع خلافاً لأبي حنيفة، وهكذا لو قال رجلان لرجل: بعنا عبداً بألف فقال: قبلت نصيب أحدكما بخمس مائة يصح خلافاً لأبي حنيفة، لأنه قبل ما أوجب له وهكذا لو كان العبد واحداً فقال أحدهما: قبلت نصفه بنصف الثمن جاز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجه آخر أنه لا يجوز لأنه خالف الإيجاب وليس بشيء، ولو قال رجل لرجل: بعتك هذين العبدين بألف درهم فقال: قبلت أحدهما بخمس مائة أو نصف هذا العبد بخمس مائة لا يجوز لأنه يؤدي إلى تبعيض الصفقة على البائع، وبيع الوحد من الواحد صفقة واحدة بخلاف المسألة الأولى.
فرع آخر لو قال: بعتك هذين العبدين كل واحد بخمس مائة فقال: قبلت أحديهما فالمذهب جوازه وفيه وجه آخر لا يجوز لأن إيجابه صادفهما فلا يتبعض.
فرع آخر لو اشترى رجلان عبداً من رجل فنقده [143/ ب] أحدهما نصف الثمن كان عليه أن يسلم نصيبه إليه وهو نصف المبيع لأنه بمنزلة المنفرد بالعقد عليه ولو سلم إليه جميع الثمن لا يسلم إليه إلا النصف الذي ابتاعه منه، ويسلم النصف الآخر إلى المشتري الآخر ويكون متبرعاً بوزن الثمن إلا أن يكون بإذن شريكه، وقال أبو حنيفة: ليس له قبض نصيبه إذا دفع نصف الثمن، ولو دفع كل الثمن كان له قبض كله، ويرجع على شريكه بما أدى عنه وبناه على أصله أن حكمه حكم الصفقة الواحدة، وهذا غلط لأنه يؤدي إلى قبض ملك غيره من غير ولايه ولا إذن.
فرع آخر إذا حدث بالمبيع عيب بعد القبض لا يثبت الخيار للمشتري، وقال مالك: عهده الرقيق ثلاثة أيام إلا في الجذام والبرص والجنون فإنها إن ظهرت إلى سنة ثبت الخيار للمشتري واحتج بما روى الحسن عن عقبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "جعل عهدة الرقيق ثلاثة أيام"، وهذا غلط لأنه عيب ظهر في يد المشتري ويجوز أن يكون حادثاً بعد القبض فلا يثبت به الخيار كما [133/ أ] لو كان بعد الثلاث وبعد السنة، وأما الخبر فمرسل لأن الحسن لم يلق عقبة أو يحمل ذلك على إجازة شرط الخيار وإنما خص الرقيق لأن شرط الخيار فيه أحوج.

الجزء: 4 - الصفحة: 533

فرع آخر لو اشترى رجل من رجل عبدين في صفقة واحدة فوجد بأحدهما عيباً لم يكن له رد المعيب وإمساك الصحيح، وبه قال عامة أصحابنا، وقال القفال وصاحب "التلخيص" وجماعة: هذا على القول الذي يقول: لا يجوز تفريق الصفقة فأما إذا جوزنا تفريق الصفقة رد المعيب منهما، وبه قال أبو حنيفة، إلا أنه قال: يقول إن كان قبل القض ليس له تفريق الصفقة وهذا لأن قبل القبض، عنده يكون تبعيض الصفقة في الإتمام وبعد القبض يكون تبعيض الصفقة في الفسخ وهذا غلط لأن رد الصحيح تبعيض الصفقة من المشتري فلم يكن له كما لو كان قبل القبض وأصله إذا كان المبيع طعاماً فإنه قال: لا يرد بعضه فإن العيب ببعضه عيب بكله.
فرع آخر إذا قلنا: يرده رده بحصته من الثمن إذا وزع [144/ ب] الثمن على قيمتها إذا قلنا: لا يرد فأراد ردهما فله ذلك، وإن كان العيب بأحدهما وليس للبائع أن يقول لا يرد إلا المعيب، ولو قال: لا أرد كليهما ولكني آخذ الأرش ليس له ذلك لأن رد كليهما ممكن.
فرع آخر لو اشترى عبدين فمات أحدهما في يده ثم وجد بالآخر عيباً فإن جوزنا تفريق الصفقة رد الحي وإن لم يجز له طلب الأرش فيما أراد رده.
قال القاضي أبو حامد: وهذا أولى قوليه، ومن أصحابنا من قال: إن قلنا: إذا كانا قائمين يجوز تفريق الصفقة فهاهنا أولى وإن قلنا: هناك لا يفرق فهاهنا قولان والفرق أن هاهنا تفريق الصفقة لا باختياره بخلاف ما لو كانا قائمين، وإن كان العيب فيهما في الحي والميت ولم يرض بعيب واحد منهما فله الأرش فيهما.
وقال بعض أصحابا بخراسان: فيه قول آخر أنه يفسخ في القائم والتالف فيرد قيمة التالف مع القائم ويسترد الثمن، وإن كان لو انفرد التالف لا يمكن الفسخ فيه.
لأن العذر هاهنا ظاهر وهو أنه لا يتوصل إلى رد القائم إلا به، ويكون التالف في الفسخ تبعاً للقائم قال هذا [145/ أ] القائل وهذا هو السنة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أمر في خبر المصراة برد الشاة وقيمة اللبن التالف" وهذا غلط مخالف لنص الشافعي في اختلاف العراقيين فإنه قال فيه: رجع بحصته من الثمن لأن هذا تلف في يده بالثمن فلا يضمنه بالقيمة.
وأما خبر المصراة فقد بينا أن ذلك التلف كان لاستعلام العيب فلا يمنع الرد.
فرع آخر لو اختلفا في قيمة التالف فقال البائع: قيمته عشرة وقيمة الموجود خمسة ليخص التالف ثلثا الثمن، وقال المشتري/ قيمة الموجود عشرة وقيمة التالف خمسة فأما الموجود فيمكن تقويمه، وأما التالف فاختلف قوله فيه فقال في اختلاف العراقيين: القول قول البائع مع يمينه، لأن البائع ملك جميع الثمن فلا يزيل ملكه إلا عن مقدار

الجزء: 4 - الصفحة: 534

يعترف به، وقال فيه: وفيه قول آخر: القول قول المشتري لأنه بمنزلة الغارم لأن قيمة التالف إذا زادت زاد قدر ما يغرمه فهو بمنزلة الغاصب والأول أصح وهو اختيار القاضي الطبري: لأنه بمنزلة المشتري والشفيع إذا اختلفا في الثمن فالقول قول المشتري، وإن كان الشفيع غارماً [145/ ب] لأنه يريد إزالة ملك المشتري عن الشقص الذي ملكه وكذلك هاهنا يزيل ملك البائع عن الثمن وكذلك لو أراد المشتري الرجوع بالأرش في القائم، واتفقا أن العيب الذي به ينقص عشر قيمته، فقال: ارجع بعشر ثلثي الثمن، وقال البائع: بل يرجع بعشر نصف الثمن فعلى القولين.
فرع آخر إذا قلنا بالقول الذي ذكره أهل خراسان فأراد رد قيمة التالف مع الباقي أو أراد القائم وحده بحصته، أو أراد أن يعرف قيمة القائم ليعرف كم يخصه من الثمن ويعرف به كم أرش النقص منه فاختلفا، فقال المشتري: قيمة التالف خمسة مائة، وقال البائع: بل ألف واتفقا أن قيمة القائم ألف فبزعم المشتري أن عليه مع رد القائم رد ثلث الثمن، وقال البائع: بل نصف الثمن فالقول قول المشتري هاهنا قولاً واحداً لأنه غارم.
فرع آخر قال القفال: قال الشافعي: او ابتاع عبداً فأشرك فيه رجلاً فحط له من الثمن كان عليه أن يحط للشريك، قال القفال: وعندي التولية في [146/ أ] ذلك كالاشتراك، وصورة المسألة أن يشتري عبداً بألف درهم ثم قال لرجل: أشركتك في نصف هذا العبد فقال: قد قبلت صار نصف العبد ملكاً لهذا الشريك بنصف الثمن، وكأنه قال: بعت منك نصف هذا العبد بخمس مائة والتولية أن تقول وليتك هذا البيع بهذا الثمن فيقول: قبلت فإن لم يكن الثاني عاملاً بالثمن لا يجوز، لأنه بيع جديد فلا يجوز بثمن مجهول، فإذا فعل ذلك فحط البائع الأول من الثمن شيئاً يلزمه أن يحط لشريكه وللمولى بيعه ذكره في "البويطي".
وقال الشافعي في موضع آخر: الإشراك بيع والتولية بيع والإقالة فسخ، فإذا اشترى عبداً فأشرك رجلاً في نصفه ثم وجد به عيباً فإن رد الشريك معه بالعيب فله الرد وإن لم يرد الشريك معه بالعيب ليس له الرد نص عليه في "البويطي" وهل له الرجوع بالأرش؟ قال ابن سريج: فيه قولان وأراد وجهان، فقد جعل الشافعي الإشراك بيعاً ثم لم يجعله في حكم الحط كالبيع، لأنه لو اشترى رجل من رجل عبداً فباعه من رجل فحط [146/ ب] البائع الأول لم يلزم البائع الثاني أن يحط لمشتريه بمقدار ما يحط، والنكتة فيه: أنه إذا ملكه نصفه بلفظ الاشتراك أو كله بلفظ التولية، فقد ملكه على حكم العقد السابق لا على حكم عقد مستأنف ولهذا يختص بالثمن الأول ولا يجوز بالزيادة والنقصان، فإذا حط من الأول لابد من الحط عن الثاني، وإذا كان بلفظ البيع فقط ملكه بعقد مستأنف فلا يجب به اعتبار الثمن الأول ويجوز أن يختلف الحكم في مثل هذا العقد باختلاف اللفظ، ألا ترى أنه لو قال: اشتريت عبدك بمائة ثم قال لرجل: بعته منك بربح دهي ازده ثم بان أنه قد اشتراه بتسعين يحط عن المشتري قدر الكذب، ولو قال: اشتريت بمائة وبعته منك بمائة وعشرة

الجزء: 4 - الصفحة: 535

فقال: قبلت ولم يكن بلفظ المرابحة ثم بان أنه كان اشتراه بتسعين لزم المشتري بما تعاقدا عليه ولا يحط شيئاً لأنه لم يتلفظ بالمرابحة وملكه بعقد مستأنف لا بحكم العقد السابق، فإن قيل: أليس قلتم يبتني عقد المرابحة على العقد الأول كالتولية [147/ أ] فهلا قلتم إنه إذا كذب فزاد في رأس المال في المرابحة، لا يصح العقد كما في التولية، وقد قلتم: يصح ويثبت الخيار؟ قيل: لا يبتني عليه أثناء التولية لأنه لو قال: اشتريت بمائة وقد بعت بربح دم يازده وبزيادة عشرة دراهم جاز، وهذا زيادة في رأس المال وفي التولية لو زاد هكذا لم يجز كالإقالة لا يجوز بغير الثمن الأول.
فرع آخر لو اشترى إبريقاً من فضة وزنه مائة درهم بمائة درهم، فوجد به عيباً وحدث عنده عيب آخر قد بينا فيما قبل في نظير هذه المسألة لأنه لا يرجع بالأرش لأنه يؤدي إلى الربا فينفسخ العقد بينهما ويرد الثمن ويدفع قيمة الإبريق من الذهب لأنه لما تعذر رده جرى مجرى تلفه وهذا اختيار ابن سريج.
ومن أصحابنا من قال: يفسخ العقد ويرد الإبريق وأرش ما نقص ويكون بمنزلة المأخود عن طريق السوم إذا أحدث فيه نقص.
وهذا اختيار القاضي الطبري.
وذكر الدراكي وجهاً أنه: يرجع بالأرش لأن ما ظهر من الفصل في الرجوع بالأرش لا يعتبر بدليل أنه يجوز الرجوع بالأرش في غير هذا ولا يقال: [147/ ب] لا يجوز لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن، ولو تلف الإبريق يفسخ العقد ويرد قيمته ويسترجع الثمن وتلف المبيع لا يمنع جواز الفسخ لأن الشافعي جوز الإقالة بعد التلف ويخالف هذا إذا كان المبيع من غير جنس الثمن الذي فيه الربا لأنه يمكنه أخذ الأرش هناك فلا ضرورة إلى فسخ العقد في التالف عنده وهاهنا ضرورة لأنه يمكنه أخذ الأرش هناك فلا ضرورة إلى فسخ العقد في التالف عنده وهاهنا ضرورة لأنه لا يمكن إسقاط حقه بغير عوض.
فرع آخر لو أبرأه البائع بعد التفرق من بعض الثمن صح فإن رده المشتري بعيب رجع بتمام الثمن وفيه قول آخر: يرجع بما أدى بناء على الزوجة إذا أبرأت من الصداق ثم طلقها قبل الدخول، هل يرجع عليها بالنصف؟ فيه قولان، ولو كان دفع إليه عرضاً بالألف ثم رد بالعيب يرجع بالألف بلا خلاف.
فرع آخر لو كان هذا نقصان قبل التفرق كان فسخاً للبيع الأول واستئنافاً للبيع بتسع مائة على ظاهر المذهب، فلو رده بالعيب رجع بتسع مائة لا غير لأنها جميع الثمن.
فرع آخر لو قبض العبد المشتري وتلف [148/ أ] عنده قبل التفرق ثم أعطى البائع بالثمن عرضاً لا يجوز، لأنه يكون فسخاً واستئنافاً ولا يجوز هذا في هذا الموضع، وإن كان العبد باقياً يصير مبتدئاً للبيع بالعرض، فلو رده بالعيب رجع بالعرض لأنه الثمن.
فرع آخر إذا فعلا هكذا فما تقدم من قبض المشتري للعبد لا يجوز حتى يحدث له البائع قبضاً

الجزء: 4 - الصفحة: 536

بعد تقدير العرض أو بعد النقصان إن كان نقص لأنه ارتفع الأول وابتدأ الثاني فافتقر إلى قبض بعده، ولم يصح فيه قبض حتى تلف العبد قبل إحداث قبض ثاني بطل البيع لتلف المبيع قبل القبض ويكون مضموناً على المشتري بالقيمة دون الثمن لأن بطلان البيع أسقط عنه الثمن ولزمته القيمة، لأنه قد كان في قبضه تعوض، وعلى ما ذكرنا لو كان المشتري باعه بعد القبض قبل التفرق لا يصح النقصان ولا أخذ العوض لأن فسخ البيع بعده لا يجوز.
فرع آخر لو اشترى عصيراً حلواً وكان معيباً فلم يعلم المشتري حتى صار خمراً يرجع بالأرش وليس [148/ ب] له رد الخمر سواء رضي البائع بقولها أم لا، فلو صار خلا فقال البائع: أنا أسترجع الخل وأرد الثمن ولا أدفع الأرش كان له لأن الخل عين العصير.
وليس فيه معنى يمنع المعاوضة ولا للمشتري فيه عمل يخاف تفويته عليه.
فرع آخر لو اشترى نصراني من نصراني خمراً ثم أسلما فوجد المشتري بالخمر عيباً ينقص العشر من ثمنها، قال ابن سريج: يرجع على البائع بأرشه وهو عشر الثمن ولا يبطل ذلك بإسلامهما، وبه قال محمد: فإن قال البائع: أنا آخذ الخمر وأرد الثمن ليس له ذلك فإن لم يرجع المشتري بنقصان العيب حتى صار الخمر خلا في دي المشتري فقال البائع: أنا آخذ الخل وأرد الثمن كان له.
فرع آخر لو كان المشتري وقف على عيب الخمر قبل إسلامهما فلم يردها حتى أسلما لم يكن له الرد بعد إسلامه، ولا الرجوع بالأرش، أما الرد فلحدوث الإسلام، وأما الأرش فلإمكان الرد قبل الإسلام، ولو أسلم البائع وحده لم يجز [149/ أ] أشرطها غزيرة اللبن وكما يرد الغلام إذا وجده غير كاتب وقد اشترطه في العقد كاتباً وعلى هذا إذا ظن أنها جعدة فمجرد الظن لا يوجب الخيار، كما لو ظن العبد كاتباً فلم يكن، لا خيار ولو كان قد زور يثبت الخيار وإن لم يشترط قال في "الحاوي": وهذا أصح.
فرع لو رأى شعرها سبطاً وكان قد سبط بالحيلة، ثم تجعد من بعد هل له الخيار؟ وجهان أحدهما: لا خيار لأن الجعودة خير، والثاني: له الخيار لأن الأغراض تختلف في ذلك والأول أصح.
فرع آخر إذا قلنا: لا خيار في هذه المسألة السابقة فشرط أن تكون سبطة فخرجت جعدة،

الجزء: 4 - الصفحة: 537

قال بعض أصحابنا بخراسان: ثبت الخيار وجهاً واحداً لأنه صرح بأن مقصوده السبوطة وأخلف الشرط وقيل فيه وجهان أيضاً.
فرع آخر لو اشترى جارية مطلقاً فوجدها ثيباً أو بكراً لا خيار لأنه لا ظاهر لهذا يستدل به عليه ومن أصحابنا من قال: إن كان مثلها يكون بكراً في العادة فوجدها ثيباً [149/ ب] له الخيار لأنه وجدها على خلاف المعهود وهذا أصح عندي فإن كان الشراء بالشرط فإن شرط أنها بكر فكانت ثيباً فله الخيار، وإن شرط ثيباً فبانت بكراً فالمذهب أنه لا خيار له، لأن البكارة زيادة في قيمتها.
ومن أصحابنا من قال: له الخيار لأنه ربما يكون شيخاً ضعيفاً يقدر على الثيب دون البكر، ولا يؤمن من الاقتصاص التلف من نزف الدم وانقطاع العرق.
وهذا غلط لأن الخيار ثبت للنقص في العين أو القيمة ولم يوجد ها هنا.
فرع آخر لو اشترى عبداً أو جارية مطلقاً يعتقد إسلامه فبان الكفر أو يعتقد الكفر فيه فبان الإسلام فلا خيار لأن ظاهر الحال لا يدل على الكفر والإسلام، كالبكارة والثيابة سواء.
وحكى عن أبي حنيفة أنه إذا بان كافراً يثبت الخيار لأن الكفر نقص، قال الله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُّؤّمِنُ خِيْرٌ مِن مُّشرِكٍ﴾ [البقرة: 221] وهذا غلط، قياساً على ما وجده فاسقاً لا خيار بالإجماع، وهذا إذا وجده كتابياً فإن وجده مرتداً أو وثنياً له الخيار، لأنه لا يقر عليه ذكره أصحابنا.
فرع آخر لو اشتراه على أنه [150/ أ] مجوسي فبان يهودياً يثبت الخيار.
وقيل: إن كان لا ينتقص قيمته في العادة لا خيار.
وإن كان ينتقص بأن كان الغالب المجوس في تلك الناحية يثبت الخيار.
فرع آخر لو شرط الإسلام فبان كافراً فله الخيار بلا خلاف، وإن شرط الكفر فبان الإسلام له الخيار أيضاً لأن للتجار غرضاً في كفره لأن أهل الذمة يزيدون في ثمنه.
وقال أبو حنيفة: لا خيار له وهو اختيار المزني لأن المسلم أفضل من الكافر وهذا غلط، لأن الإسلام فضيلة في الدين، ولكن الأغراض تختلف بالكفر والإسلام وتختلف المالية على ما ذكرنا وقيل: في المسألة وجهان، وهذا غلط لأنه قيل: إن كان في ناحية الغالب أهل الذمة ويرغبون في الكافر يثبت الخيار وإلا فلا.
فرع آخر لو اشترى على أنه فاسق فإذا هو عدل فلا خيار بلا خلاف لأنه يصلح لكل أحد، ولو اشترى على أنه عدل فإذا هو فاسق له الخيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 538

فرع آخر لو اشترى عبداً فكان غليظ الكلام أو ثقيل النفس أو بطيء الحركة أو قليل [151/ أ] الأدب لا خيار له ولو كان به بله أو خبل أو مؤتة أو سارق أو آبق أو ساحر أو نمام أو به نفخة طحال أو كان يشرب الخمر، قال القاضي: ويسكر أو يقذف المحصنات أو يدع الصلوات أو أرت لا يفهم أو في فمه سن زائدة أو مقلوعة، يثبت الرد بالعيب والأصل فيه أن كلما ينقص قيمته عينه أو قيمته أو منفعته يثبت الخيار.
فرع آخر لو اشترى عبداً مطلقاً فبان فحلا لا خيار، وكذلك إن كان عنيناً وإن بان خصياً فله الخيار، وإن كان يزيد قيمة الخصي على قيمة الفحل لنقصان العين، وإن كان بالشرط فشرط الفحولة فبان خصياً فله الخيار وإن شرط خصياً فبان فحلا فله الخيار أيضاً.
فرع آخر لو وجده خنثى فله الخيار سواء كان مشكلاً أو ظهر حاله لأنه خلاف المعهود، ذكره أصحابنا.
فرع آخر لو اشترى عبداً فوجده زانياً يثبت له الخيار، وقال أبو حنيفة: لا خيار له ووافقنا في الجارية أنها ترد بعيب الزنا فيقول: هذا ينقص من قيمته لأنه يعرضه [151/ أ] لإقامة الحد ومنه النقصان فوجب أن يثبت الخيار.
فرع آخر لو وجده يبول في الفراش يثبت به الخيار، وقال أبو حنيفة: لا خيار له ووافقنا في الجارية إذا كانت تبول في الفراش يثبت الخيار، واعتذر بأن في الجارية تفسد عليه فراشه وفي الغلام لا يوجد ذلك، فيقول في الغلام يفد الثياب التي ينام فيها فيكون نقصاً.
فرع آخر لو كانت طفلة مثلها تبول في الفراش لا خيار، وكذلك في الغلام الطفل.
فرع آخر لو وجده كثير الأكل أو قليل الأكل لا خيار، لأنه لا تغير به الرغبات غالباً ولا يظهر أثره في عمله، ولهذا لا ينخفض عنه عند الشراء.
فرع آخر لو وجد الدابة قليلة الأكل له الخيار لأنه ينقص عمله إن كان عاملاً ولا يزيد لحمه إن كان مأكولاً ولا يسمن.
فرع آخر لو اشترى جارية للوطء فوجدها بخراء كان ذلك عيباً هكذا ذكره القاضي أبو حامد،

الجزء: 4 - الصفحة: 539

ولم يذكر نحو الغلام ولكن قال سائر أصحابنا: يثبت فيه الخيار أيضاً لأن ذلك [151/ ب] ينقص من ثمنه، وكذلك لو وجد به صناناً، وقال أبو حنيفة: هذان يكونان عيباً في الجارية دون الغلام لأنهما يؤذيانه في الفراش بخلاف الغلام فنقول البخر في الغلام أيضاً يؤذيه عند المخاطبة والمسارة.
فرع آخر لو وجده يتمكن من نفسه باللواط كان عيباً يثبت به الخيار، وقال أبو حنيفة: هو عيب في الكبير دون الصغير لأن الكبير يفعله طبعاً والصغير يفعله غباوة وجهلاً اختداعاً بالمال ونحو ذلك وهذا غلط، لأنه ينقص القيمة فيهما.
فرع آخر لو وجدها رتقاء أو قرناء يثبت الخيار لأنه عيب، ولو وجدها يتأخر حيضها فله الخيار نص عليه الشافعي في "البويطي".
قال أصحابنا: أراد إذا كان لعلو السن فيكون غالب الظن الإياس منه.
فرع آخر لو وجدها مغنية لا خيار وكذلك في العبد، وقال مالك في الجارية: يبثت الخيار لأن ذلك يخلقها ويدل على قلة صيانتها وهذا غلط، لأنه صنعة يزيد في ثمنها والمبتغي من الرقيق يوفر الأثمان، فإن كره ذلك أمكنه أن يمنعها [152/ أ] وإنما يحرم استعماله دون معرفته، وأصحاب مالك ينكرون هذا عن مالك.
فرع آخر لو وجدها متزوجة يثبت الخيار لأنه ينقص قيمتها، وكذلك لو وجد العبد متزوجاً يثبت الخيار لأن عليه غرم النفقة والمهر.
فرع آخر لو وجدها معتدة يثبت الخيار أيضاً لأنها لا تحل لأحد ولو وجدها محرمة يثبت الخيار أيضاً، ولو وجدها أخته من الرضاع لا يثبت الخيار لأنها تحل لغيره بخلاف المعتدة والمحرمة، وكذلك لو وجدها قد وطئها أبوه لا خيار وقيل: فيه وجه له الخيار وهو ضعيف، ولو وجدها صائمة لا خيار عن الخروج عن الصوم قريب.
فرع آخر لو وجده والداً أو ولداً عتق عليه ولا رد ولا أرش لأنه لمعنى في العاقد فلا يكون عيباً.
فرع آخر لو كان في ذمته دين المعاملة عن قرض أو خسران تجارة لا خيار له لأنه ضرر عليه فيه، وقال أبو حنيفة: له الخيار وهذا غلط، لأنه يلزم أداء ذلك بعد العتق ولا يستضر به سيدة ما دام مملوكاً له، ولو كان المال في رقبته يثبت الخيار.
[152/ ب].

الجزء: 4 - الصفحة: 540

فرع آخر لو أرسل عليه زنبوراً حتى انتفخ فظن المشتري أنه سمين ثم بان يثبت الخيار.
فرع آخر لو اشترى جارية فبانت غير مختونة لا خيار لأن ذلك سليم فيها، وإن بان الغلام غير مختون نظر فإن كان له سبع فما دون لا خيار وإن كان كبيراً في ختانه مشقة يثبت الخيار لأنه يخاف عليه منه، ومن أصحابنا من قال: إن كان الكبير من سني الوقت من وقت لا يختتنون لا خيار لأنه ما خالف المعهود.
وقيل في الجارية وجهان والصحيح: أنه يثبت الخيار لأنه لو كان فيها أصبع زائدة يثبت الخيار ولا يستحق قطعها فلأن يثبت هاهنا ويستحق إزالة هذه الجلدة أولى.
فرع آخر لو شرط أنه أقلف فبان مختوناً قال بعض أصحابنا: إن كان فيه غرض له الخيار بأن كان الغلام مجوسياً وعلم أن المجوس يرغبون فيه، وإن كان بخلافه لا خيار.
فرع آخر لو ختنه ثم وجد به عياً قديماً فالختان لا يمنع الرد لأنه زيادة.
فرع آخر لو وجدها أبيض الشعر فإن كانت [153/ أ] كبيرة يبيض شعر مثلها لا خيار لأنه ما خالف المعهود وإلا يثبت الخيار.
فرع آخر لو اشترى عبداً فكان يبول في نومه قد ذكرنا أن له الرد فلو لم يعلم حتى كبر العبد لم يكن له الرد ويرجع بالأرش لأن علاجه بعد الكبر عسير فصار كبره عنده كالعيب الحادث في يده.
فرع آخر لو أبق في يد المشتري ليس له مخاصمة البائع ما دام آبقاً، قال مالك: له مخاصمته إذا عرف أنه كان آبقاً وهذا غلط لأنه يحتمل بقاءه فيستحق الرد واسترجاع الثمن ويحتمل تلفه فيستحق الأرش وما جهل استحقاقه لا تصح المطالبة به.
فرع آخر لو أبق قبل القبض فقال البائع للمشتري: لا يفسخ البيع فإني أتيك به لا خيار له.
فرع آخر لو اشترى عبداً صح أنه بيع في جناية جناها فإن كانت خطأ، فإن كانت تكررت منه كثيراً فهو عيب وجب الرد وإن كانت مرة واحدة لا يكون عيباً لأنه لا يخلو أحد منه في الغالب، وإن كان عمداً فإن لم يكن تاب العبد منها [153/ ب] كان عيباً، له الرد.
وإن تاب فهل يكون عيباً يوجب الرد؟ فيه وجهان، أحدهما: لا يكون عيباً لأن التوبة رفعت الإثم دون النقص.

الجزء: 4 - الصفحة: 541

فرع آخر لو اشترى جارية أو عبداً فوجده ولد الزنا لا خيار لأن النسب الصحيح غير مقصود في العبيد والإماء.
لو علم أن البائع للدار أو العبد وكيل أو أمين حاكم أو وصي ميت أو أب لابنه الصغير، هل يرد بهذه الأسباب؟ وجهان، أحدهما: لا يرد لجواز تنوعهم وصحة عقولهم.
والثاني: يرد لما يخاف من فساد النيابة واستحقاق الدرك ذكره في "الحاوي" وقيل: إن لم يكن الولي ثقة طاهراً له الخيار.
فرع آخر لو اشترى جارية فزوجها من رجل فقال الزوج لها: إن ردك المشتري بالعيب على البائع فأنت طالق وكان قبل الدخول ثم وجد بها عيباً فأراد ردها على البائع.
قال والدي: الأظهر عندي أنه له الرد لأنه لا ضرر في قبولها معيبة لأن الفرقة بينها وبين زوجها عقيب الرد بلا فصل ولا يحلف النكاح عدة ويحتمل أن يقال ليس له [154/ أ] الرد لأن العيب الحادث موجود عند الرد فمنع الرد ولأن الزوج قد يمون عقيب الرد فيلزمها عدة الوفاة ولا يقع الطلاق على المذهب الصحيح.
والعدة عيب ويستضر بها البائع فلا يتيقن زوال العيب من جميع الوجوه عند وقوع الرد، وهكذا لو اشترى جارية مزوجة من غير علم بالتزويج ثم قال الزوج لها: أنت طالق إذا بريء المشتري من الثمن وكان قبل الدخول ثم علم المشتري بالتزويج هل له الخيار؟ يحتمل أن يقال: له الخيار لأن العيب موجود في الحال وزواله مظنون لجواز أن يموت الزوج قبل أن يراه المشتري من الثمن قيلزمها عدة الوفاة، فلا يجوز إسقاط الرد بأمر معلوم في الحال لزوال في الثاني غير معلوم، ويحتمل أن لا يثبت الخيار لأنه لا ضرر على المشتري في ذلك لأن عدة الوفاة إن وجبت يثبت الخيار بها لأنها عيب حادث في يد البائع لم يقع الرضا به ولا يمكن أن يقال مثله فيما قدمناه لأن البائع لا يثبت له الرد بعد القبض لإيجاب مدة الوفاة فيؤدي إيجاب القبول هناك إلى إلحاق الضرر [154/ ب] به فلم يوجبه على ما ذكرنا في الوجه الثاني.
فرع آخر لو اشترى دابة فوجدها جموحاً لاتنقاد للركوب فإن كان لا يمكن إلا بشد قوائمها أو باجتماع الناس عليها كان عيباً وإلا فلا.
فرع آخر لو اشترى أرضاً على ظن أن لا خراج عليها فبان الخراج قدر العادة لا خيار لأنه وافق المعهود والظن إذا لم يعتمد أصلاً لا حكم له وإن وجدها مثقلة بالخراج فله الخيار.

الجزء: 4 - الصفحة: 542

فرع آخر لو وجدها تألف الخنازير وتفسد زرعها فيه وجهان، أحدهما: لا خيار لأن الضرر ليس لنقص في المعقود عليه.
والثاني: يثبت الخيار لأنه ينقص القيمة.
فرع آخر لو وجد الدار برسم النزول أو في جوار القصارين يدقون الثياب وينادون بصوت الدق وتحرك الحيطان فيه وجهان أيضاً على ما ذكرنا.
فرع آخر لو باع عشرين صاعاً من ماء في بئر فاستسقى منها تسعة عشر صاعاً فلما أخرج الصاع الأخير [155/ أ] وجد فيه فأرة ميتة ولم يتغير الماء بها فأريق هذا النجس وقال البائع أسلم الصاع الباقي من باقي الماء لأنه كبير لم يتغير بالنجاسة، ورام المشتري فسخ البيع كان له الفسخ لأن هذا الماء نجس عند بعض الفقهاء فتعافه النفس فيصير كعيب أصابه بما أشتراه نص عليه الشافعي.
فرع آخر قال أصحابنا على قياس هذه المسألة المنصوصة لو اشترى ماء ثم تبين أنه مشمس هل له الرد؟ يحتمل وجهين: أحدهما: ليس له الرد وإن كانت النفس تعافه لأنه غير مسلوب المنفعة في قول العلماء أجمع فإن الطهارة به جائزة بكل حال والكراهة كراهة تنزيه لا تحريم، والثاني: وهو الأظهر عندي له الرد لأنه ينقص ثمنه بقلة الرغبات فيه.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بالعراق: لو اشترى داراً فأظهر رجل قباله بالوقفية، علم أنها على الأصل، وليست هي مزورة كان ذلك عيباً في المبيع له ردها لانه يؤدي إلى النقص في الثمن وهو اختيار مشايخ طبرستان وكذلك لو ادعى مدع يعول على دعواه فادعى وقفيتها [155/ ب] يحتمل أن يقال: ذلك عيب وهذا إذا سبقت الدعوى البيع أو كان بعد البيع قبل القبض.
فرع آخر لو باع داراً على أن يكون له أو لآخر ممر رجل في دهليزها أو مسيل ما صح وهو يبرأ من عيب ليقطع خياره إذا عرفه.
فرع آخر إذا باع الطاهر من الأواني، بالتحري لزمه تعريف المشتري فإن لم يعرفه هل له الخيار؟ وجهان.
فرع آخر لو اشترى عبداً فقبل القض جاء ابن المشتري وقطع يده فيثبت الخيار للمشتري ثم

الجزء: 4 - الصفحة: 543

مات قبل الاختيار والتمكن منه وانتقل الإرث إلى الابن القاطع، هل له الخيار؟ فحق الإرث يحتمل أن يقال: له الخيار لأنه يستفيد هذا الخيار بنفسه بل عن الموروث فاعتبر حاله، ألا ترى أن الابن لو رضي بالعيب حال حياة الأب ثم مات الأب كان له الخيار ولا يعمل رضاه المتقدم في ذلك؟! كذلك هاهنا فإذا صح هذا فإن اختار إجازة البيع لم يغرم شيئاً للقطع، لأنه يستحيل أن يجب له الحق على نفسه، وإن اختار الفسخ كان عليه نصف القيمة في [156/ أ] إحدى اليدين وتمامها في اليدين ويسترجع الثمن إن كان قد قبضه من الموروث، وفيه قول آخر إنه يغرم نقصان القيمة إلحاقاً للمماليك بالأموال في هذا الباب والأول أظهر.
فرع آخر إذا اشترى عبداً ثم وجد به عيباً فقبل رده مع كونه في الرد جاء البائع وقع يده كان له الرد على البائع في أحد الوجهين، وهو الأظهر عندي، والوجه الثاني: لا يرد لأنه حدث عيب آخر في يد المشتري.
فرع آخر إذا باع عبداً قيمته مائة وسلمه إلى المشتري والقيمة بحالها ثم تقابلا فوجد البائع بالعبد عيباً حادثاً عند المشتري هل له فسخ الإقالة؟ يحتمل وجهين، فإن قلنا: الإقالة بيع له الفسخ.
وهذا اختيار القاضي الطبري وهذا لأن هذا العيب كان في ضمان المشتري ولم يذكر وجهاً آخر، وإن قلنا: الإقالة فسخ ليس له الفسخ وهذا أصح وعلى هذا الوجه له الرجوع بنقصان العيب والأقرب أنه يلزمه نقصان القيمة لأن البيع مرتفع بينهما.
مسألة: قال: وإن كان باعها أو بعضها [156/ ب] ثم علم بالعيب لم يكن له أن يرجع بشيء.
إذا اشترى سلعة ثم باعها ثم أصاب بها عيباً يعلم أنه كان بها قبل ابتياعها لا يخلو إما أن يبيعها بعد العلم بالعيب أو قبله فإن باعها بعد العلم بالعيب سقط حكم الرد لأنه آخر الرد مع الإمكان وهو يثبت على الفور ثم ينظر في المشتري.
الثاني: فإن ردها على بائعه بالأرش وليس للبائع أن يرجع على بائعه لأنه كان أسقط حقه من العيب بالكلية بالبيع مع العلم، وإن باعها قبل العلم بالعيب ثم علم فقد تعذر رده ولا يرجع على البائع بالأرش لأنه لم ييأس من الرد لجواز أن يرد المشتري الثاني عليه بذلك العيب فيرد على بائعه، وإذا أمكن رد العين لم يجز له الرجوع بالأرش.
وقال أبو إسحاق: العلة فيه أنه استدراك الظلامة يبيعه بثمن مثله فلا يجوز له الرجوع بالأرش العيب والأول أصح.
وهو اختيار أبي حامد والقاضي الطبري وهو في الحقيقة لم يستدرك الظلامة بل غبن المشتري في البيع، ولأنه لم يحصل له استدراك الظلامة من جهة [157/ أ] من ظلمة فلا يسقط حقه به.
وقال عبيد الله العتبري وابن أبي ليلى: إذا باعه ثم علم بالعيب يرجع بالأرش في الحال، وهذا غلط لما ذكرنا.
وقال أصحاب مالك:

الجزء: 4 - الصفحة: 544

الصحيح من مذهب مالك أن يرجع مثل قول ابن أبي ليلى وهو غريب.
وحكى عن ابن سريج أنه قال: يرجع بالأرش في الحال، ثم إذا عاد البيع إليه رده على بائعه واسترجع الثمن إلا قدر ذلك الأرش وهو غريب فإذا ثبت هذا فإنه ينظر فإن رد المشتري الثاني على البائع الثاني رد البائع الثاني على البائع الأول، وإن كان قد حدث عند المشتري الثاني عيب فرجع بالأرش على البائع الأول بالأرش على التعليلين جميعاً.
هكذا ذكره أهل العراق وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يرجع بالأرش لأن للبائع الأول أن يقول له كان يمكنك أن تسترده بالعيبين فحيث دفعت الأرش صرت متبرعاً بذلك [157/ ب] وهو اختيار ابن الحداد.
وهذا غلط لأنه لو استرده مع اليبين ربما لا يرضي به البائع الأول فيلزمه معيباً ويستضر به.
فرع لو عاد إليه بوجه آخر من هبة أو ميراث ولم يرد عليه ولا حدث عنده عيب آخر فهل له أن يرده على البائع الأول؟ وجهان بناء على اختلاف التعليلين فعلى التعليل الأول: له الرد لأنه يمكنه الرد الآن ويئس من الرد وهو المذهب، وعلى التعليل الثاني: ليس له الرد لأنه استدرك ما لحقه من الظلامة، وحين عاد إليه عاد بلا عوض.
فرع آخر لو اشترى عبدين فباع أحدهما ثم أعلم بالعيب فإن كان العيب في الذي باعه ليس له الرجوع بالأرش لأنه استدرك الظلامة ولم ييأس من الرد وإن كان العيب في الذي في يده، وقلنا: لا نفرق الصفقة ليس له الرد أيضاً ولا يرجع بالأرش أيضاً لأنه لم ييأس من رد الجملة، وإن قلنا تفرق الصفقة كان له رده.
فرع آخر لو هلك عند المشتري الثاني أو أعتقه أو وقفه فهل يرجع المشتري الأول [158/ أ] بالأرش على بائعه؟ فإن قلنا بالتعليل الأول يرجع لأنه آيس من الرد، وإن قلنا بالتعليل الثاني لا يرجع لأنه استدرك الظلامة.
فإن رجع المشتري الثاني عليه بالأرش هاهنا له أن يرجع بالأرش على بائعه الأول بلا خلاف.
فرع آخر إذا اشترى عبداً ثم أعتقه أو وقفه أو قتله أو مات في يده أو كان طعاماً فأكله ثم علم به عيباً له الرجوع بالأرش وبه قال أحمد، وقال أبو حنيفة: إذا قتله أو أكله لا يرجع بالأرش لأنه أزاله ملكه عنه بفعل مضمون كما لو باعه.
وهذا غلط؛ لأنه عيب لم يرض به وحده بعد الإياس من الرد، فكان له الرجوع الأرش كما لو اعتقه وأما ما ذكره لا يصح لأن بالبيع لا يجب الضمان وإنما يجب الضمان بالتسليم ولأن في البيع لم ييأس من الرد.
فرع آخر لو وهب ثم علم به عيباً فإن قلنا: الهبة تقتضي الثواب لا أرش له للعلتين كما قلنا

الجزء: 4 - الصفحة: 545

في البيع، وإن قلنا: لا تقتضي الثواب.
قال بعض أصحابنا: لا يرجع بالأرش لأن ملكه زال بالهبة ولم ييئس من الرد ووافقنا فيه [158/ ب] أبو إسحاق، وهذا يدل على بطلان علته لأنه لم يستدرك الظلامة هاهنا.
فإن عاد إلى الأول بأي جهة عادلة رده على بائعه وجهاً واحداً لأنه لم يستدرك الظلامة وقدر على الرد.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا لا يقتضي الثواب فيه وجهان، أحدهما: له الأرش لأنه لم يستدرك الظلامة بالعوض.
والثاني: ما ذكرنا ذكره في "الحاوي" وغيره.
وكذلك لو وهبه أو أجره ثم علم فيه وجهان بناء على هذين التعليلين.
فرع آخر لو زوجها أو كان عبداً فزوجه أو كاتبه فيه وجهان، أحدهما: لا يرجع بالأرش لأنه لم ييأس من الرد، والثاني: يرجع بالأرش لأن النكاح يراد للتأبيد.
فرع آخر لو أبق العبد من يده ثم علم به عيباً لا يمكنه الرد لخروجه من قبضه وليس له أخذ الأرش بلا خلاف بين أصحابنا للتعليل الأول وهذا يدل على فساد علة أبي إسحاق، وقيل: فيه وجه له الأرش لأنه تعذر الرد من غير استدراك الظلامة وهذا غريب بعيد.
وهذا إذا كان [159/ أ] العبد معروفاً بالإباق.
فأما إذا أبق عند المشتري ولم يكن منه إباق قط فهذا حدوث عيب به لم يكن عند البائع فيرجع بالأرش ولكن للبائع أن يقول: أنا أرضى برده مع العيب الحادث فلا يكون للمشتري المطالبة بالأرش الآن.
ولو عرف به عيب الإباق فقد بينا أنه لا يطالب في الحال بشيء فإن هلك الآبق في الإباق رجع المشتري على البائع بالأرش قولاً واحداً فيقوم آبقاً وغير آبق.
فرع آخر لو علم المشتري الثاني بالعيب فرضي به سقط رده وأرشه، ولا يرجع المشتري الأول على بائعه لعدم العلتين.
فرع آخر لو باعه المشتري من بائعه فقد صار المشتري الثاني البائع الأول وفيه المسائل الثلاث فإن علم الثاني بالعيب وما كان علم به قبل هذا رده على المشتري الأول، والأول يرده على بائعه وفائدته اختلاف الأثمان.
ومن أصحابنا من قال: ليس له الرد لأنه لو رده لرده عليه.
قال أصحابنا: وينبغي أن يقال إذا رضي المشتري بالعيب ثم علم به فأمسكه أن لهذا البائع الأول الرد عليه لأنه إذا [159/ ب] رده إليه لم يكن له أن يرده إليه.

الجزء: 4 - الصفحة: 546

والثانية: علم الثاني بالعيب وقد حدث عنده نقص يرجع بالأرش على المشترك الأول والأول يرجع على بائعه ولكن كل واحد منهما يرجع بأرش العيب بالحصة من الثمن الذي اشتراه به.
والثالثة: علم الثاني بالعيب ورضي به ليس للأول أن يرجع بأرش العيب لأنه قد استدرك الظلامة ولم ييأس من الرد وإن هلك عند المشتري الثاني أو أعتقه فهل يرجع المشتري الأول على بائعه بالأرش؟ على ما مضى من الوجهين.
فرع آخر لو باعه من آخر ثم اشتراه مرة أخرى ثم وجد به عيباً، فعلى من يرد؟ قال القفال: فيه وجهان: أحدهما: يرد على من اشترى منه ثانياً ثم إن رده هو عليه مرة أخرى فحينئذ يرده على الأول وإنما يفعل هكذا لأن الثاني ربما يرضي فلا يرد وهو الصحيح، والثاني: يرده على من اشترى منه أولاً ولو اشتراه مرة أخرى بعد العلم بالعيب القديم فلا شيء له على الأول لأنه يقول: اشتريته عالماً بعيبه بعدما كنت تخلصت منه فقد [160/ أ] رضيت بعيبه وهذا أبلغ من أن يعرف العيب ويؤخر الرد مع الإمكان في معنى الرضا بالعيب وسائر أصحابنا لم يفصل هذا التفصيل، وأطلق أنه إذا عاد إليه بشراء هل يرد على البائع الأول: وجهان: أحدهما: لا يرد لأنه هو الذي أدخل الغبن على نفسه والتزمه بالشراء.
ثانياً: والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر لو وجد البائع بالثمن عياً بعد ما زال ملك المشتري عند المبيع وعاد إليه هل له أن يسترد الثمن ويسترد العين، كما لم يزل ملك المشتري عن العين أو يطالبه بمثل المبيع إن كان له مثل أو بقيمته وإن لم يكن له مثل رد الثمن؟ وجهان معروفان: أحدهما: يطالبه بالعين لأن العين موجودة فلا معنى لقيمتها.
والثاني: هذا ملك جديد فيجعل كأنه لم يعد إليه فيرجع بقيمته، وهو كالوجهين فيما لو أفلس المشتري بالثمن بعد ما زال ملكه عن المبيع وعاد هل للبائع أن يرجع في عين ماله أم لا؟ وهكذا الصداق إذا أخرج عن ملك المرأة ثم عاد ثم طلقها قبل الدخول في عين ماله أم لا؟ وهكذا الصداق إذا أخرج عن ملك المرأة ثم عاد ثم طلقها قبل الدخول هل يرجع في صف عينه أو نصف قيمته؟ وجهان.
[160/ ب].
فرع آخر لو لقي المشتري البائع فأقبل على محادثته ثم أراد الرد، ليس له لأن أخذه في الكلام مع إمساكه عن الرد إسقاط لحقه منه.
فرع آخر لو سلم عليه ثم رده جاز والسلام لا يمنع الرد لجريان العرف أدباً وشرعاً به، ولأن السلام قريب لا يطول به الزمان.
وحكي عن محمد أنه قال: بطل به الرد لأنه اشتغل بغير الرد كما لو اشتغل بالكلام.

الجزء: 4 - الصفحة: 547

فرع آخر إذا ابتاع شيئاً بألف فتطوع أجنبي عنه بوزن الألف ثم خرج المبيع مستحقاً رد الألف على الأجنبي، وإن كان المشتري رد المبيع بعيب رد الألف على المشتري دون الأجنبي في أصح الوجهين كما لو وزن أجنبي صداق زوجة ثم طلقها زوجها على من يرد الصداق فيه خلاف.
فرع آخر لو قال للجارية المبيعة بعد العلم بعيبها: أغلقي الباب أو ناوليني الثوب لا يمنع الرد لأنه استعمال يسير والعرف جار بمثله في غير ملك.
فرع آخر لو ركب الدابة ليردها فيه وجهان: [166/ أ] أحدهما: لا يرد لأنه تصرف لم تجر به العادة في غير ملك إلا بإذن المالك.
والثاني: وهو اختيار ابن سريج له الرد لأن الركوب أعجل له الرد وأصلح للدابة من القود.
وقد قال الشافعي: إذا ركبها بطل الرد وأطلق، والمراد إذا ركبها استعمالاً لا للرد.
وبه قال أبو حنيفة.
فرع آخر لو كان لابساً للثوب فوقف على عيبه في الطريق فتوجه ليرده مستديماً للبسه، جاز ولا يمنعه ذلك من الرد لقربه وإن العادة لم تجر في الطريق بنزعه ولو ابتدأ لبسه بعد العلم بطل الرد.
فرع آخر لو زال العيب سقط الرد، وقيل: فيه قولان منصوصان.
مسألة: قال: "وإن حَدثَ بهِ عيب كان له قيمة العيب الأول".
الفصل إذا اشترى شيئاً فحدث عنه عي به ثم بان أنه كان به عي موجود عند البيع، يرجع بأرش العيب الأول ولا يرده قهراً لأنه انتقص عنده بالعيب الحادث.
فإن قال البائع: أنا أرضي به مع العيبين [161/ ب] فلا يكون له سوى رده عليه ولا يكون له مطالبته بالأرش.
فإن قال حينئذ: أنا رضيت به معيباً ولا أطالبه بالأرش، كان له ذلك وهو أحق به.
وقال حماد وأبو ثور: المشتري يرد على البائع مع أرش العيب الذي حدث في يده، وقيل إن أبا ثور حكاه عن الشافعي في القديم.
وقال مالك وأحمد: هو بالخيار بين ما قال أبو ثور، وبين ما قلنا.
وروي عن مالك أنه قال: إن كان البائع دلس على المشتري له الرد ويلزمه أرش العيب الحادث، وإن لم يكن دلس فكما قال أبو ثور، وهذا غلط لأنه لو كان العيب

الجزء: 4 - الصفحة: 548

الحادث من جناية المشتري، لا يرد كذلك ها هنا ولأنه عيب حدث في ضمان أحد المتايعين لا لاستعلام العيب.
فأثبت الخيار للآخر، كما لو حدث عند البائع يثبت الخيار للمشتري.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لو قال البائع: ردها ورد معها أرش العيب الحادث لا رد الثمن هل له ذلك؟ حتى إن امتنع المشتري من هذا بطل خياره في الرد وجهان: أحدهما: خياره باق ولا يلزمه أن يرد الأرش [162/ أ] مع المبيع، والثاني: يبطل خياره.
وبنى الوجهين على أنه إذا اشترى جوزاً فكسره ثم عرف العيب.
وقلنا يرده ولا يمنعه الكبير من الرد هل عليه أن يرد معه أرش الكبير؟ فإن قلنا يلزمه ذلك فهاهنا للبائع أن يطلب الأرش.
وإن قلنا: ليس له ذلك فلا يطالبه بالأرش هاهنا، وهذا خلاف النص.
فرع آخر لو أخذ المشتري الأرش ثم ارتفع العيب الحادث، هل لع أن يرد المبيع مع الأرش الذي أخذ ويسترد كل الثمن؟ وجهان: أحدهما: ليس له ذلك لأنهما تراضياً على الأرش فسقط حق الرد.
والثاني: لا يسقط حق الرد بل يرد لأنه أخذ الأرش ضرورة، إذا لم يكن له إلى الرد سبيل.
ويقرب الوجهان من الوجهين، إذا أنعل دابة ثم وجد بها عيباً فردها مع النعل فذلك منه تمليك للبائع النعل وهو لنوع مصلحة، فإن قلنا: تمليك فأخذ الأرش هاهنا رضي بالحكم القطعي، وإن قلنا ليس بتمليك حتى إذا سقط النعل كان له.
فإذا ارتفع العيب هاهنا يصير أحق بالرد هكذا ذكره أصحابنا بخراسان.
وقال أصحابنا بالعراق: نص الشافعي في "البويطي" أنه [162/ ب] إذا ارتفع العيب الحادث عنده له الرد.
قال أصحابنا معناه: إذا ارتفع قبل أن يحكم له الأرش فإن حكم له بالأرش وقبضه لم يكن له الرد، لأن الحكم قد استقر فلا ينتقض.
وإن لم يكن أخذ الأرش فيه وجهان: أحدهما: لا يرد لأنه حكم له بالأرش.
والثاني: يرد لأنه لم يستقر الحكم.
وقيل: إن كان يرضي زواله فالمذهب أنه يلزمه رد الأرش، وإن كان لا يرجي زواله فاتفق زواله هل له استرداد الأرش؟ وجهان، كما لو ثبت السن بعد أخذ الأرش؟ هل يلزمه الأرش؟ قولان وهذا أولى مما تقدم.
فرع آخر لو اشترى ثوباً فقطعه ثم وجد به عيباً لا يرد لحدوث العيب وله الأرش، إلا أن يقول البائع: رضيت به مقطوعاً بلا خلاف.
ولو صبغه ثم وجد به عيباً له الإمساك وأخذ الأرش.
فإن قال البائع: رضيت أن آخذه وأرد قيمة الصبغ كان له ذلك، ويقال للمشتري: إما أن ترضي به من غير أرش أو ترده وتأخذ قيمة الصبغ.
وليس له إمساكه أو أخذ الأرش، وقال أبو حنيفة: ليس للبائع أن يقول ذلك وللمشتري مطالبته بالأرش وإمساكه.
[163/ أ] وهذا غلط لأنه يمكنه استدراك الظلامة بالرد بالعيب فلا يستحق الأرش كما لو لم يكن صبغه.

الجزء: 4 - الصفحة: 549

فرع آخر لو قطعه ثم باعه فليس له مطالبته بالأرش لأنه لم ييأس من الرد لأن المشتري الثاني ربما يرده بالعيب ويرضي البائع الأول باستراده مقطوعاً فلا أرش له، وكذلك لو صبغه ثم باعه لأنه ربما يستردها البائع الأول مصبوغاً ويرد إليه قيمة الصبغ.
ووافقنا أبو حنيفة في الثوب المقطوع وخالفنا في المصبوغ، فقال: له المطالبة بالأرش وبناه على أصله في المسألة الأولى للمشتري الامتناع من رده إليه مع أخذ قيمة الصبغ.
مسألة: قال: ولو اختلفا في العيب ومثله يحدث فالقول قول البائع.
إذا اشترى عبداً فأصابه به عيباً واتفقا على أنه كان به حين العقد أو بعد العقد قبل القبض كان له رده، وإن اختلفا فقال البائع: حدث بعد القبض فلا رد لك، وقال المشتري: كان به حال القبض فلي الرد فالأصل في هذا أن العيب على ثلاثة أضرب: منها ما لا يحدث مثله، ومنها ما لا يمكن حدوثه [163/ ب] إلا بعد القبض، ومنها ما يحتمل الأمرين، فإن لم يمكن حدوثه بحال كالأصبع الزائدة فالقول قول المشتري بلا يمين، وإن كان مما لا يمكن حدوثه إلا بعد القبض كالشجة الطرية والدم يجري والقبض منذ سنة فالقول قول البائع بلا يمين، وإن كان مما احتمل الأمرين كالجنون والبرص ونحو ذلك فالقول قول البائع لأن معه سلامة العقد والظاهر صحة العقد وانبرامه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي: "يحلف بالله لقد باعه بريئاً من هذا العيب".
قال المزني: هذا غلط ينبغي أن يحلف لقد أقبضه إياه وما به هذا العيب لأن العيب إذا حدث في يد البائع بعد عقد البيع كان مضموناً على البائع قلنا: قال صاحب "الإفصاح": إن ادعى عليه أنه باعه وبه هذا العيب، وإن ادعى أنه سلمه إليه، وبه هذا العيب حلفه على حسب الدعوى.
وقال القاضي أبو حامد: وإن ادعى العيب ولم يذكر أنه كان قبل البيع أو بعده وقبل القبض احتاط الحاكم فيحلفه أنه اقبضه وما به هذا العيب، وإن أجاب البائع وقال لا يستحق هذا العيب لأنه قد يشتريه وهو عالم [163 ب/ 6] أنه يبرئه فيه أو يفرط في رده ولا يمكنه أن يظهر ذلك لأنه لو أظهر صار القول قول المشتري أني ما علمت وما رضيت فيتصور به البائع ولا يمكنه أن يحلف أنه لم يكن به هذا العيب عنده لأنه يكون كاذباً فيه فحلفناه على ماذكرنا، وإن أجاب وقال: لقد بعته بريئاً من هذا العيب وكان دعواه بعته مني معيباً فإن حلفه على هذا جاز، وهل للحاكم أن يعدل عما أجاب فيحلفه أنه لا يستحق رده عليه؟ فيه وجهان: أحدهما: أنه لا يحلفه إلا على ما أجاب وهذا ظاهر المذهب، واختاره القفال، والثاني: يحلفه على أنه لا يستحق رده عليه لأنه أحوط وللحاكم أنه يحتاط فيما يحلف عليه وهذا اختيار القاضي الطبري.
وإذا قلنا بالوجه الأول قال القفال: فهل للبائع أن يعدل عن هذا الجواب ويحلف أنه لا يستحق الرد علي؟ فيه وجهان:

الجزء: 4 - الصفحة: 550

أحدهما: له أن يعدل لأنا كنا نرضي منه في الابتداء بهذا القدر من الإنكار، والثاني: ليس له ذلك بعدما أجاب على وفق الدعوى وعليه أن يحلف على ذاك ونظير هذه المسألة إذا ادعى عليه أنه غصبه هذه الدار فقال: لا يستحق علي [164/ ب] شيئاً يكون جواباً صحيحاً ويحلف على ما أجاب، ولو قال ما غصبتها فهل يحلفه الحاكم على هذا أو على أنه لا يستحق عليه شيئاً؟ فيه وجهان على ما ذكرنا، وإن حلفه على ذلك أجزأه، وإن أراد أن يعدل هو فيحلف على نفي الاستحقاق وجهان.
وهكذا لو قال: بعت عبدك هذا مني بألف وقبضت الثمن وعليك تسليمه إلي، فإن قال: ما بعته ولا قبضت الثمن.
فهذا إنكار على وفق الدعوى فيحلف هكذا ولا يحتاج أن يقول: لا يلزمني تسليمه إليك إذ المدي يدعي وجوب التسليم من هذا الوجه وقد نفي هذا الوجه فإن كان التسليم واجباً من وجه آخر فليدع ذلك وإن أعرض عن دعواه، وقال: لا يلزمني تسليمه إليك فهذا إنكار لا على وفق الدعوى ولكن يرضي منه بهذا القدر لأنه قد يتبع ثم يتقابلان أو يشتريه ثانياً فيحلف على وفق إنكاره، وكان إنكاره القسم الأول وهو أن قال: ما بعت ثم أرد أن لا يحلف لنفي البيع بل يحلف لنفي وجوب التسليم فيه وجهان.
وفي الجملة لا يلقن المدعي الدعوى فإذا تقرر هذا كيف يحلف البائع على العلم أو على [165/ أ] البت؟ فهاهنا أصل وهو أن الرجل إذا حلف على فعل نفسه حلف على البت والقطع نفياً كان أو إثباتاً وإن حلف على فعل غيره فإن كان على الإثبات حلف على البت مثل إن ادعى ديناً لوالده على رجل أو أقام شاهجاً واحداً فحلف معه على البت، وإن كان على النفي حلف على العلم، مثل إذ ادعى أنه غصبني هذا العبد في حياته فيحلف وارثه على العلم لا أعلم ذلك وهاهنا البائع يحلف على فعل نفسه فيلزمه البت فيحلف بأني بعتك وما به هذا العيب، وقال ابن أبي ليلى: يحلف على نفي العلم لأنه ربما يكون به هذا العيب وهو لا يدري وهذا غلط، لأن فيه ظلماً على المشتري لأن له حق الرد وفي كل عيب قديم علم به البائع أو لم يعلم، وقد يمكنه قطع اليمين على ظاهر ما كان يعلم من سلامته ويسوغ له قطعها فيما بينه وبين الله تعالى.
فرع لو أنكر البائع أصل العيب، وقال: هو سليم فعلى المشتري إقامة البينة على العيب فإن قامت البينة على هذا وادعى أنه كان قديماً عند البائع وأقام البينة على هذا أيضاً، ثم ادعى البائع أني بعته على البراءة من عيبه ورضاه به [165/ ب] وآخر الرد وأنكر المشتري فالقول قول المشتري مع يمينه، ذكره القاضي أبو حامد في "الجامع" فيحلف على البت أنه لم يعلم ولم يرض به أو لم يؤخر الرد مع الإمكان لأنه ادعى عذراً محتملاً.
فرع آخر لو حلف البائع في المسألة المتقدمة أن العيب لم يحصل في يده ثم اختلفا في الثمن وتحالفا وترادا فقال البائع: حلفتموني أن العيب حدث في يد المشتري فأثبتوا لي أرش هذا العيب عليه يقول له: لا بل كان يدعي المشتري تمليك يمكنك الفسخ فجعلنا القول قولك وأنت اليوم تدعي عليه أرش هذا العيب فيحصل القول قوله إن لم يحدث في يده اعتباراً بأن الأصل راء الذمة في الموضعين، ويجوز أن يصير المدعي مدعى عليه في

الجزء: 4 - الصفحة: 551

حادثة واحدة في باقي الحال، كما لو باع الوكيل شيئاً وقبض الثمن وزعم أنه دفعه إلى الموكل فأنكر الموكل فجعلنا القول قول الوكيل إذ هو أمين فحلف إن استحق المبيع فرجع المشتري بالثمن على الوكيل إذ كان دفع إليه فقال الوكيل: حلفت أني دفعت إلى الموكل فأنا أرجع به [166/ أ] ويدعي عود هذا الحق فلا يقبل قوله في العود إلا بحجة واضحة وله الرجوع بنقصان العيب من الثمن؛ لأن حق الرجوع بالنقصان كان ثابتاً للمشتري والبائع يدعي ذهابه فلم يقبل قوله إلا بحجة واضحة، وقيل: قال الشافعي: يحلفان فيحلف البائع بالله أن البياض القديم زال والمشتري يحلف بأن صاحبه ثم إذا حلفا فالمشتري يأخذ الأرش ولا يرد فتظهر فائدة يمين البائع في منع الرد وفائدة يمين المشتري في أخذ الأرش لأنه لا طريق إلى إلغاء اليمنين.
فرع آخر رجل باع من آخر عشر جرار من الرب بعينها ثم سلمها إليه في زق المشتري فوجدت في الزق فأرة ميتة ثم اختلفا فقال البائع: كانت الفأرة في الزق، وقال المشتري: كانت في الرب في إحدى الجرار يحتمل أن يقال القول قول البائع مع يمينه لأنه شاهدنا الفأرة في الرب الآن فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل فإن قيل يقابل بأنا شاهدنا الفأرة في الزق، فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل فإن قيل يقابل بأنا شاهدنا الفأرة في الزق، فمن ادعى كونها فيه قبل ذلك احتاج إلى دليل قلنا: تقابلا ولكن الظاهر صحة البيع وسلامته من النقص [166/ ب] والفساد، ولو اختلفا في العيب ومثله يحدث فالقول قول البائع مع يمينه ويحتمل وجهاً آخر بناء على القولين في اختلاف المتراهنين في مسألة العصير إذا وجده خمراً فإن اتفقا على أنها لم تكن في الزق فالرب كله نجس، وهل يكون من ضمان البائع أو المشتري؟ يحتمل أن يقال: ينفسخ البيع في قدر جرة من الرب بقسطه من الثمن خاصاً على قول من يفرق الصفقة ويلزم البائع ضمان الباقي أيضاً، ولكن لا يضمنه بالثمن، وذلك أنا نحمل الأمر على أن الجرة التي فيها الفأرة صبت في الزق آخر فينجس الجميع، ويلزمه ضمان قدر هذه الجرة بالثمن لفساد البيع فيه، ويلزمه ضمان الباقي لأن تنجيسه بأمر حصل منه ويحمل الأمر على أن صبها كان في الابتداء أو في الانتهاء، وأي هذه الأمور كان فالجواب يرجع إلى ما قلنا: إذا كان في الزق فأرة ميتة فتسليم البائع الرب فيه هل يقع صحيحاً؟ فإن قلت: نعم لا يستقيم لأن الرب في حال ما يحصل في الزق يصير تالفاً نجساً فلا يحصل التسليم على التمام.
وقيل: التسليم حاصل لأن الرب يحصل [176/ أ] عليه فالقول قول الموكل فأنا أرجع به عليه فالقول قول الموكل أنه لم يقبض منه شيئاً؛ إذ الوكيل أمين في أن لا يغرم وليس بأمين في أن يغرم الموكل شيئاً.
ذكره القفال.
فرع آخر لو وكل وكيلاً في بيع عبده فأصاب المشتري به عيباً فرده عل الوكيل نظر فإن رده بعيب لا يحدث مثله كالإصبع الزائدة فالوكيل يرده على موكله، وإن كان لا يمكن حدوثه إلا بعد القبض فقبله الوكيل لم يكن له رده على موكله، وإن كان عيباً يحتمل الأمرين نظر فإن أقام المشتري البينة أنه كان به حال العقد رد عليه وكان له رده على موكله، وإن لم يكن له بينة فالقول قول الموكل، فإن حلف سقط الرد، وإن لم يحلف رددنا العين على المشتري، فإن حلف ورده على الوكيل فالوكيل لا يرده على الموكل

الجزء: 4 - الصفحة: 552

لأنه عاد إليه باختياره فهو كما لو صدقة فيما يدعيه.
وقال أبو حنيفة: إذا نكل الوكيل قضي عليه بالنكول ويرد عليه العبد ويرده الوكيل على الموكل، وقال القاضي الطبري: إذا قلنا: رد اليمين بمنزلة البينة في أحد الوجهين يجب أن يكون له [167/ ب] رده على الموكل وهذا وجه مشهور، وفي هذا نظر عندي وذلك أنه يجعل كالبينة في حق من رد عليه وهاهنا حق الموكل وهو لم يرد عليه.
فرع آخر لو اختلف رجلان في شيء هو في يد أحدهما فقال من هو في يده: ابتعته منك وأديت ثمنه إليك وقبضته منك، وقال من ليس في يده:" ابتعته منك وأديت قيمته إليك ولم أقبضه منك وأنا مطالب لك بتسليمه إلي وأقام كل واحد منهما بينة، قال ابن سريج فيما فرع على "الجامع الصغير": البينة بينة صاحب اليد وبه قال أبو حنيفة.
وقال محمد: البينة بينة الخارج، وهذا غلط لأنهما تساوياً في البينة والاحتمال ولتفرد أحدهما بزيادة يد فقضينا له بها.
فرع آخر لو اشترى عبداً في عينه نكتة بياض فلم يعلم به المشتري حتى حدث نكتة بياض في موضع آخر من عينه ثم زالت إحداهما فقال البائع: زال القديم فلا يستحق الرد، وقال المشتري: زال الحادث فلي الرد لم يكن له الرد لأن المشتري اعترف بزوال حق الرد بحدوث العيب [186/ أ].
في ابتداء الرق وهو طاهر ثم يصير نجساً بعده بملاقاة النجاسة، ففي حال طهارته حصل في يد المشتري فلا اعتبار بحدوث النجاسة بعده، ولأن نجاسته يسبب من جهة المشتري فإنه الذي أمر البائع بالصب فيه أو فتح رأسه ليصب البائع فيه ذلك والتلف إذا حصل بسبب من جهة المشتري لا يمنع حصول التسليم والتسلم حكماً، كما لو قتل المشتري العبد المشتري قبل قبضه أو حفر بئراًَ في غير ملكه فوقع فيه هذا العبد صار قابضاً مع حصول التلف من جهة أن تلفه بأمر من جهته كذلك هاهنا.
مسألة: قال: "وسمعته يقول: كل ما اشتريته مما يكون مأكوله في جوفه فكسره فوجده فاسداً".
لا يخلو من أحد أمرين إما أن يكون مما لا يوقف على عينه إلا بكسره كالبيض والبطيخ المدود والقثاء المدود والجوز واللوز ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يرده ويسترجع الثمن وهو الصحيح لأنه نقص يتوصل به إلى استعلام العيب فلا يمنع الرد كحلب [168/ ب] لبن المصراة ولا يجب الأرش لأنه قطع قطعاً مستحقاً فصار كما لو كان عبداً فختنه ثم علم بالعيب ويفارق لبن المصراء حيث يلزمه ضمان ذلك لأنه انتفع باللبن الموجود في الضرع حال البيع الذي له قسط من الثمن.
والثاني: يرده ويرد معه أرش ما نقص بالكسر كما في المصراة وهذا ضعيف وبيان الأرش هاهنا ما بين قيمته صحيحاً فاسداً وقيمته فاسداً مكسوراً وهو كالعين المأخوذة سوماً يلزمه أرش النقص الداخل فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 553

والثالث: وبه قال أبو حنيفة والمزني: لا يرده أصلاً ولكن يرجع عليه بأرش قيمته صحيحاً فاسداً وبين قيمته صحيحاً غير فاسد إلا أن لا يكون لفاسده قيمة أصلاً مثل بيض الدجاجة فيرجع بجميع الثمن لأنه باع ما لا يجوز بيعه، وبان بطلان البيع لأنه باع ما لا قيمة له كالخنافس والديدان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: رجع بجميع الثمن لا يحكم فسخ البيع بل يحكم أن أرشه جميع الثمن، والفاسد يكون للمشتري فعليه نقله إلى المزبلة إن احتيج إلى تفريغ المكان وهذا غلط والصحيح [169/ أ] ما ذكرنا.
وقال مالك وأحمد في رواية: ليس له الرد ولا الأرش واحتج بأن البائع لا يعلم بعيبه فلا تدليس من جهته فلا يرد من جهته وهذا غلط، لأن عقد البيع يقتضي السلامة كما في الثوب.
واحتج المزني على ما اختاره بأن قال: هذا عندي أشبه بأصله لأنه لا يرد الرابح مكسوراً كما لا يرد الثوب مقطوعاً فيقال له: أما رد الرابح فعلى القولين غير أن الشافعي ربما يجيب على أحد القولين وربما ينص عليهما، ولو كان في الرابح بقية يمكن الوقوف على عيبه منها من غير كسر، فإذا كسر لا يرد لأنه لا ضرورة به إليه.
وقيل قال المزني: هذا أشبه بأصله أن لا يرد الرابح بغير الكاتب فكتب لأنه لا يرد.
أما الثوب مقطوعاً لا يشبه الجوز مكسوراً لأن كسر الجوز سبيل إلى التوصل إلى معرفة علامته بخلاف قطع الثوب.
ومن أصحابنا من رتب ترتيباً آخر فقال: هل له الرد؟ قولان فإذا قلنا: له الرد هل عليه أرش الكسر؟ قولان.
وإن كان مما يمكن الوقوف على عيبه بغير كسره كالرمان تعرف حموضته بأن تغرز فيه [169/ ب] إبرة والبطيخ تعرف حموضته بمثل ذلك أو قريب منه بكسره فهذا بمنع الرد قولاً واحداً لأنه يمكن معرفة العيب بأقل منه، ولهذا لما لم يمكن معرفة الدود في البطيخ إلا بالكسر فقطع القطعة منه لا يمنع الرد وعلى هذا يرجع بأرش العيب.
ومن أصحابنا من قال فيه الأقاويل أيضاً.
لأن ذلك القدر يتعذر ضبطه وهذا ضعيف.
فرع لو اشترى ثوباً مطوياً على طاقين فرأى جميع الثوب من جانبيه يجوز فإن نشره ثم وجد به عيباً ينظر فإن كان مما ينقص بالنشر فلا يخلو إما إن كان يمكنه أن يحمل إلى أهل الخبرة به لينشره نشراً لا ينقصه فنشره بنفسه فنقصه فليس له رده، وإن كان لا يمكن أحداً نشره إلا بإلحاق نقص هـ فإن هذا القدر من النقص هل يمنع الرد؟ على ما ذكرنا من الأقاويل، وإن كان يمكنه الوقوف على العيب بدون النشر الذي ينقص قيمته نشراً ينقص فالصحيح أنه يمنع الرد وفيه قول آخر: وليس بشيء، وإن كان مما لا ينقص بالنشر أصلاً كالكتان ونحوه فلا [170/ أ] تمنع الرد أصلاً.
فرع آخر لو كانت شاة فوجد بها عيباً فساقها ليردها فحلبها في الطريق وهي سائرة ولم يقفها للحلب قال أصحابنا: لا يبطل الرد، وإن أوقفها للحلب بطل الرد لأن المنفعة للمشتري فإذا استوفاها من غير ترك الرد وحبس الأصل لا يمتنع الرد.

الجزء: 4 - الصفحة: 554

فرع آخر قال والدي رحمه الله: على قياس هذا لو كانت ثيباً فوطئها وهو حامل لها ينبغي أن لا يبطل حق الرد لهذا المعنى وعلى هذا إن ولدت في الطريق فالولد له.
فرع آخر لو اشترى دابة فأنعلها وضرب عليها إكافاً وجعل عليها لقودها رسناً ثم وجد بها عيبباً كان له أن يحط الإكاف ولا يجوز له قلع النعل فإن لم يحط عنها الإكاف بطل خياره، وإن قلع نعلها بطل خياره، والفرق بينهمت: أن الأنعال من الاستصلاح والحفظ لقوائمها ووقايتها عما يصيبها بتركه وقلعه يضر بها فيبطل خياره، وأما وضع الإكاف والسرج عليها لاستعمالها في الغالب فتركها يكون استدامة جهة الاستعمال فيبطل خياره [170/ ب] بذلك، وأما الرسن فتركه عليها لحفظها ونزعه عنها لا يضرها فلا يبطل واحد منهما خياره.
ذكره صاحب "التلخيص" تخريجاً.
مسألة: قال: "ولو باعَ عبدَهُ وقد جَنَى".
الفصل إذا جنى عبده ثم باعه فيه قولان أحدهما: البيع باطل وهو المختار لأن الشافعي قال: وبهذا أقول: لأن الرقبة كالمرهونة له بالجناية ولا يجوز بيه المرهون قبل الانفكاك، والثاني: البيع جائز وبه قال أبو حنيفة وأحمد، وهو اختيار المزني لأن نفس الجناية لا ترسل الملك والسيد بالبيع كالمختار للفداء وهذا لا يصح لأن السيد لا يقدر على إسقاط حقه إلا أن يوفيه بالفداء، وكذلك الراهن يسقط حق المرتهن بأداء الحق فلا فرق بينهما وفيه قول ثالث: مخرج أنه موقوف فإن فدى السيد جاز البيع وإلا فلا.
واختلف أصحابنا في موضع القولين على ثلاثة طرق: منهم من قال: القولان فيه إذا كانت الجناية خطأ وقد تعلق برقبته الأرش، أو كان عمداً ولكن صولح على مال، فأما إذا كانت الجناية عمداً فالبيع صحيح قولاً واحداً وهو ظاهر المذهب [171/ أ] وقال القفال: هذا إذا قلنا: موجب العمد القود فحسب فأما إذا قلنا: موجب العمد أحد أمرين إما الدية وإما القصاص فحكمه حكم الخطأ ومنهم من قال: على العكس القولان في العمد وأما في الخطأ فقول واحد البيع باطل كبيع المرهون وهذا لأن جناية العمد توجب استحقاق نفسه فيصير كبيع المستحق فلا يصح في أحد القولين والخطأ يوجب الأرش في رقبته كالمرهون سواء وحق الجناية آكد لأنه تقدم على حق المرتهن، ومنهم من قال فيه قولان.
وجملته: أن عند الرجل إذا تعلق به حق مال فإن كان المالك علقه به كالرهن فالبيع باطل قولاً واحداً وإن تعلق به بغير اختياره كالزكاة وأرش الجناية فيه قولان.
فإذا قلنا: البيع باطل رد المشتري العبد وانقطعت العلقة بينه وبين البائع ونفي الكلام بين السيد وبين المجني عليه، وإن كانت الجناية عمداً توجب القود قبله فلا كلام وإن كانت خطأ أو عمداً يوجب المال.

الجزء: 4 - الصفحة: 555

فالسيد بالخيار بين الفداء وبين التسليم للبيع للسيد وليس له أن يسلم عين العبد إلى [171/ ب] المجني عليه خلافاً لأبي حنيفة وإن اختار أن يفديه فيه قولان: أحدهما: .... الأمرين من خمسة أو أرش جنايته، والثاني: أرش الجناية ... البيع وتسليمه المبيع، وموضع هذا كتاب الجنايات، وإذا قلنا: البيع صحيح هل كانت الجناية خطأ أو عمداً يوجب الثاني، أو عمداً يوجب فهل يلزم السيد الأرش المنصوص؟ يلزمه الأرش نص على ذلك بالبيع، ولا سبيل له في فسخ البيع بعد ذلك، لأنه تعين به حق المشتري، ولما باعه مع العلم يتعلق الحق برقبته صار ذلك في ذمته بالتزام الأرش، وبه قال أبو حنيفة، إلا أن يكون السيد معسراً فيفسخ البيع حينئذ ويباع في الجناية، وحق المشتري من الثمن في ذمة السيد، وهذا لأن حق الجناية يتعلق لحق المشتري ... ومن أصحابنا من قال: لا يتعين ذلك على السيد وهو بالخيار من التزام الأرش وبين فسخ البيع وتسليم العبد ليباع في الجناية، لأنه ليس في بيعه أكثر من التزام الأرش وبين فسخ البيع وتسليم العبد ليباع في الجناية، لأنه ليس في بيعه أكثر من التصريخ بالفداء، ولو قال: أنا آخذ به لا يتعين الفداء بل يحمل على الوعد فهاهنا أولى وهذا لا يصح لأن اختيار الفداء هاهنا حصل بإزالة الملك ونفد فصار التزاماً في ذمته كما لو قبله بخلاف ما لو قال: التزمت الفداء بالقول، فإذا قلنا بما قال أصحابنا: بكم يفدي لو اختار الفداء؟ فيه قولان على ما ذكرنا، وإذا قلنا بالمنصوص قال أبو حامد وجماعة: يفديه بأقل الأمرين قولاً واحداً لأنه لا يقدر على تسليمه للبيع للزوم البيع فصار كما لو قلته يفدية بأقل الأمرين قولاً واحداً ويفارق المسألة قبلها لأنه يقدر على تسليمه للبيع.
وقال القاضي الطبري: فيه قولان أيضاً لأنه باختياره منع من تسليم نفسه للبيع.
قلت: وإذا قبله يوجد هذا المعنى فيحتمل فيه قولاً آخر أيضاً، وإن كانت الجناية موجبة للقصاص فللولي الخيار بين القصاص والعفو على مال تعلق المال برقبته، والحكم فيه كما لو عفا قبل البيع لأنه مستحق بسبب سبق البيع، وإن اختار القصاص فاقتص نظر فإن كان قبل القبض بطل البيع، وإن كان بعد القبض اختلف أصحابنا فيه قال ابن أبي هريرة: كونه قاتلاً بمنزلة كونه معيباً فإن كان [172/ ب] المشتري عالماً بأنه قاتل ولا يرجع على البائع بشيء، وإن كان جاهلاً رجع عليه بالأرش فيقوم العبد قاتلاً وغير قاتل فيلزم البائع ما بين القيمتين بقسطه من الثمن لأنه قتل في يده فتعذر رده وهذا اختيار ابن سريج وابن أبي هريرة، وبه قال أبو يوسف ومحمد وأحمد، وهذا لأنه ليس في كونه قاتلاً أكثر من أن يخاف عليه التلف فصار كما لو اشترى مريضاً لا يعلم مرضه حتى مات في يده.
قال أبو إسحاق: يرجع بجميع الثمن وهو المذهب المنصوص، وبه قال أبو حيفة لأنه لما قتل في المشتري سبق العقد وهو كالجناية كان بمنزلة أن يخرج مستحقاً ولا يعتبر بأن قتله يجعل كالاستحقاق لأنه لو جعل كالاستحقاق لم يصح البيع أصلاً وعلى هذا يجب دفنه وتكفينه على البائع.
وعلى هذا إذا غضب عبداً فجني في يده ثم رده على صاحبه ثم قتل في يد صاحبه بالجناية رجع على الغاصب بكل القيمة ويفارق المريض لأن المريض يتلف بزيادة مرض يحتمل في يد المشتري وهاهنا يتلف بما سبق فإن قيل: على [172 ب/ 6] هذا يبطل بالمرتد إذا قتل في يد المشتري فإنه يقتل بإقامته على الردة، وقد تحددت الردة في يد المشتري ويرجع بكل الثمن على هذا القول قلنا: الردة السابقة في يد البائع أباحت القتل وإقامته عليها ليست بردة أخرى

الجزء: 4 - الصفحة: 556

ورجوعه عن الردة مبطل لها كالعفو عن القصاص فالمرتد والقاتل سواء، وعلى هذا القول المنصوص.
قال بعض أصحابنا: يلزم أن يقال له الرجوع بكل الثمن، وإن كان عالمًا بحاله لأن من اشترى مغصوبًا عالمًا بالحال فاستحق من يده له الرجوع ولا خلاف أنه يلزمه إذا اشتراه عالماً بالحال فاستحق من يده له الرجوع ولا خلاف أنه يلزمه إذا اشتراه عالماً بحاله ولا يرجع بشيء.
ونص عليه في الرهن، فقال: إذا علم به سقط حقه لأنه بمنزلة العيب ولهذا جوز البيع فعلى هذا هو كالمستحق مع الجهل بحاله والعيب مع العلم بحاله، وهذا اختيار القفال وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان عالماً به يرجع بكل الثمن عند الشافعي لأنه كالمستحق وعلى قول ابن سريج لا يرجع بشيء وهذا لا يصح بما تقدم فإذا تقرر هذا قال المزني: يجوز بيعه [173/ ب] كما يجوز عتقه واستشهد بالمرهون عكسًا فإنه لم ينفذ فيه بيع الراهن لا ينفذ عتقه فيه، وقال: سوى الشافعي بين المرهون وعتقه قلنا: قال بعض أصحابنا: العتق مبني على البيع فإن قلنا: البيع يجوز ففي العتق ثلاثة أقوال كما نقول في المرهون: أحدها: ينفذ موسرًا كان أو معسرًا، والثاني: لا ينفذ ومن أصحابنا من قال: إن كان موسرًا ولزمه أرش الجناية ويضمن أقل الأمرين لأنه استهلكه بالعتق، وإن كان معسرًا هل ينفذ؟ فيه قولان أحدهما: ينفذ بخلاف البيع ولأنه ينفذ في المبيع المحبوس وله عليه وشرائه بخلاف البيع وقول المزني: إن الشافعي سوى بينهما غلط، لأن الشافعي أبطل بيع المرهون قولًا واحدًا، وفي عتقه ثلاثة أقوال.
قال القفال: وكذلك في المرهون إن كان موسرًا أنفذ العتق قولًا واحدًا، وفي المعسر قولان.
قال ابن سريج: وكذلك أقول في المبيع قبل القبض وقبل أداء الثمن، وقال هذا القائل: إن كانت الجناية عمدًا ينفذ العتق قولًا واحدًا لأن المستحق به القود واستحقاق القود [174/ أ] لا ينافي العتق لأنه يقبل، وإن كان قد أعتق وهذا إذا قلنا: موجب العمد القود فحسب والفرق بين الرهن والجناية على قول بعض أصحابنا: إن حق الرهن تعلق على كره منه فافترقا في جواز العتق.
فرع العبد القاتل في قطع الطريق إن قدر عليه بعد التوبة وبيع فالقتل الذي عليه قصاص محض، وقد ذكرنا حكمه، وإن قدر عليه قبل التوبة فقد تحتم قتله.
قال بعض أصحابنا: وهو اختيار أبي حامد قولًا واحدًا لا يجوز بيعه لأنه لا قيمة لمن تحتم قتله، وعلى البائع رد الثمن قبل القبض وبعده، ومن أصحابنا من قال فيه قولان أيضًا، كما لو كان قصاصًا مجردًا وفيه منفعة وهي أن يعتقه وهذا اختيار القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز بيعه قولًا واحدًا كالمرتد يتحتم قتله ويجوز بيعه قولًا واحدًا.
وقيل في المرتد ثلاثة طرق: أحدها: أنه كالمعيب عند الجهل والعلم، والثاني: أنه كالمستحق عند الجهل مع العلم، والثالث: هو كالمستحق عند الجهل وكالعيب عند العلم [174/ ب] قال أبو حامد: نص على هذا في "الأم" قلت: وهذه الطرق تجيء في العالم أيضًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 557

فرع آخر لو باع السارق الذي وجب قطع يده يصبح بيعه، فإذا قطع يده في يد المشتري فعلى قول الشافعي كان له الخيار بين الإمساك والرد لأنه لو قتل في يده باستحقاق كان له فسخ العقد، فمع قطع اليد أولى وعلى قول ابن سريج: لا يرد لحدوث العيب في يده فيرجع بأرش العيب، ويقوم صحيحًا غير سارق وصحيحًا سارقًا، ويرجع نقصان ذلك من الثمن، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا بالأول: لا يرد بل يرجع بما قيمته سارقًا مقطوعًا وقيمته غير معيب بالسرقة من الثمن، وهذا ضعيف.
وهكذا الحكم من اشترى عبدًا به جراحة فلم يعلم بها حتى سرى الجرح ومات، وإن كان عالمًا بالحال فلا خيار له بلا خلاف.
مسألة: قال: "ومن اشترى عبدًا وله ماٌل فماله للبائع".
الفصل جملة هذا أن العبد لا يملك شيئًا إذا لم يملكه السيد قولًا واحدًا، وإن ملكه السيد هل يملك فيه [175/ أ] عليه ومانع لانتزاع السيد ذلك من يده وصار كأنه باع عبدًا ذا مال كما يبيع عبدًا ذا زوجٍة بدليل أنه قال: فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع فجعله للمبتاع بالشرط لا بالشراء، ولو كان يصير له بالشراء لقال فماله للبائع إلا أن يشتريه المبتاع فعلى هذه العلة لا يكون مال العبد مبيعًا فيصح البيع، وإن كان المال دينًا أو غائبًا أو مجهولًا أو مفضيًا إلى الربا، حتى لو كان مال العبد ألفي درهم فاشتراه بألف درهم صح وللمشتري أن ينتزع له ألفين من يده ويدفع أحد الألفين إليه في ثمنه ويبقى له العبد والألف بغير شيء دفعه من ماله.
وقال الاصطخري وابن خيران: التعليل كون المال يبقى له فيجوز مع الجهالة في حقوق الدار ولا يمنع جواز البيع قالا: وعلى هذا لا يجوز إذا أدى إلى الربا، وإن كان تبعًا لأن الربا لا يجوز تبعًا وينبغي أن ينزه العبد عن الربا تبعًا ومتبوعًا فعلى هذا لو كان ماله ألفي درهم لا يجوز أن يشتريه بألف ولا بألفين لأجل الربا، والصحيح العلة الأولى لأن الشافعي قال في القديم: وعاب علينا بعض الناس أنكم جوزتم [175/ ب] بيع العبد معه ألفان بألف فيبقى له العبد والألف فالتزم الشافعي جواز ذلك، وهذا سؤال أبي حنيفة أنه لا يجوز إذا كان معه نقدًا لا أن يكون الذي مع العبد أقل من الثمن، ولو باع هذا العبد مطلقًا، ولم يذكر المال لا يدخل المال في البيع بلا إشكال.
وقال الحسن: يكون ماله للمشتري وإن أطلق وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر.
فرع لو أعتقه فالمال الذي معه للسيد، وقال مالك: ماله للعبد إذا كان ملكه وهذا غلط، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أعتق عبدًا وله مالٌ فماله للمعتق"، وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أراد أن يعتق عبدًا له فقال: يا أبا عمير ما مالك؟ فأنا أريد أن أعتقك وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أعتق عبدًا فماله للذي أعتق"، وروي أنه أعتقه ثم

الجزء: 4 - الصفحة: 558

قال له: إن مالك لي ثم تركه.
فرع آخر إذا قلنا: يملك بالتمليك هل يحتاج إلى قبول العبد؟ وجهان على أن السيد هل يجبر عبده على النكاح؟ قولان.
[176/ أ].
فرع آخر قد ذكرنا أن له الرجوع، وإن قلنا: يملك بالتمليك فلو وطئ السيد وكانت جارية هل يكون رجوعًا؟ وجهان، ولو باع ذلك المال أو زوجها إن كانت جارية كان رجوعًا على الصحيح من المذهب.
فرع آخر لو باعه من ماله وقلنا: يملك وجوّزنا البيع ثم وجد به عيبًا رده مع ماله لأنه قبض عبدًا ذا مال فيرده كما قبضه، وقال داود: يمسك المال ويرد العبد وحده لأن ماله لم يدخل في البيع وصار هو أحق به، وهذا غلط لما ذكرنا.
وعلى هذا لو أخذ ماله وأتلفه ثم وجد به عيبًا يرجع بالأرش ولا يرده فيقوم عبدًا ذا مال لا عيب فيه وعبدًا ذا مال به هذا العيب ويرجع بما بين القيمتين من الثمن.
فرع آخر لو اشترى عبدًا فوجده مأذونًا في التجارة ركبته الديون لا خيار له لأنها متعلقة بذمته، وقال مالك فيما حكى أصحابنا عنه: له الخيار.
وحكى عن أبي حنيفة: البيع باطل لأنها متعلقة برقبته.
مسألة: قال: "وحرام التدليس ولا ينتقض به [176/ ب] البيع".
أراد بالتدليس أن يخفي عيب المبيع عن مشتريه أو يغير خلقته من تسويد شعره ونحو ذلك، وهو مشتق من الدلسة وهي الظلمة، فكأنه لما لم يبين وتركه على الخفاء كان مدلسًا وهذا حرام لما ذكرنا فيما قبل ولا يبطل به البيع لأن البيع في العاقد دون المعقود عليه وإذا بان العيب يثبت له الخيار، وقال داود: يبطل البيع وهذا غلط، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاز بيع المصرّاة مع التدليس ولو كذب في رأي المال فقد دلس، ولكن لا يثبت به الخيار في غير المرابحة، وكذلك إذا قال: طلب مني بكذا كاذبًا يكون مدلسًا ولا خيار به لأنه لا نقض في المعقود عليه.
وقد روى ابن سباغ قال: اشتريت ناقة من دار واثلة بن الأسقع فلما خرجت بها أدركنا فقال: هل بين لك ما فيها؟ قلت: وما فيها إنها لسمنة ظاهرة الصحة فقال: أردت بها سفرًا أم أردت لحمًا؟ قلت: أردت عليها الحج، قال: بخفها نقب فقال صاحبها: [177/ أ] أصلحت الله ما تريد إلى هذا تفسد عليّ فقال إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل لأحد أن يبيع شيئًا إلا يبين ولا يحل لمن يعلم ذلك إلا بينه".
مسألة: قال: وأكره بيع العصير ممن يعصر الخمر.

الجزء: 4 - الصفحة: 559

الفصل إذا باع العنب ممن يعصر الخمر فإن باعه عالماً بأنه يعصر خمرًا، وأن المشتري يشتريه لذلك فقد فعل محرمًا، لأنه قصد المعاونة على المعصية والبيع صحيح لأن التحريم لمعنى في غير المقصود عليه، ومن أصحابنا من قال: هذا اختيار أبي حامد، وقول جمهور أصحابنا: أنه يكره ولا يحرم وإن باعه مطلقًا ولم يقصد به شيئًا، ولكن ظاهر ظنه أنه يتخذه خمرًا فقد فعل مكروهاً خشية الحرام، ولا يكون حراماً لأنه قد تخلله أو يبيعه بريبة ولا يبطل البيع بحال، وحكى ابن المنذر عن الحسن أنه قال: لا بأس يبيع التمر ممن يتخذه سمرًا.
وقال الثوري: بع الحلال ممن شئت، وقال مالك: البيع باطل وبه قال أحمد، وقال أحمد كذلك: لا يجوز بيع الجارية [177/ ب] ممن يتخذها للغناء، وهكذا الخلاف في بيع السيف ممن يعصي الله تعالى به ومذهبنا على التفصيل ذكرنا.
فرع بيع السلاح من أهل الحرب في دار الإسلام هل يجوز؟ وجهان أحدهما: لا يجوز لتحريم إمضائه، والثاني: يجوز ويفسخ وهما مخرجان من القولين في شراء الكافر عبدًا مسلمًا، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز وجهاً واحدًا لأنه فيه تقوية الكفار على المسلمين وهو اختيار القاضي الطبري وقد قيل: لا يجوز من الحربي ومن الذمي في دار الإسلام وجهان، لأنه ربنا ينقض العهد أو ينفذه إلى دار الحرب.
فرع آخر إذا وجد شاةً مذبوحة في بلد يجمع محبوسًا ومسلمين لم يحل أكلها إلا أن يغلب على الظن الإباحة بأن يكون عدد المسلمين أكثر.
مسألة: قال: وأكره مبايعة من أكثر ماله حرام.
إذا باع السلطان الجائر الذي يأخذ الجزية والخراج ويأخذ المال ظلمًا بالمصادرات أو الذمي الذي يبيع الخمر والخنزير [178/ أ] ويأخذ الثمن فإن تيقن أنه حرام لا يجوز أن يبايعه، فإن اشترى منه شيئًا أو باع فما أخذه يلزمه رده على صاحبه أو كان باقيًا أو ضمانه إن تلف ولا ينعقد البيع أصلًا، وإن علم أنه حلال تجوز المبايعة با خلاف، وإن لم يعلم الحال يلزم مبايعته ولكن لا يبطل لأن الظاهر فيما في يده أنه ملكه، وهذا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور مشتبهات لا يدري أكثر الناس من الحلال هي أو من الحرام فمن تركه استبراءً لعرضه ودينه فقد سلم ومن واقعه يوشك أن يواقع حرامًا كالراعي حول الحمى يوشك أن يقع فيه إلا وإن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك"، والدليل على جوازه ما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رهن درعه عند أبي الشحم اليهودي على شعير أخذه لأهله.

الجزء: 4 - الصفحة: 560

باب بيع البراءة

مسألة: قال: وإذا باع شيئًا من الحيوان بالبراءة فالذي [178/ ب] أذهب إليه قضاء عثمان رضي الله عنه.
إذا باع حيوانًا بشرط البراءة من العيوب، قال في اختلاف العراقيين: فالذي أذهب إليه قضاء عثمان بن عفان رضي الله عنه يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه حتى تسميه وتقفه عليه ثم قال: والأصح في القياس لولا ما وصفنا من افتراق الحيوان ولا يبرأ من سائر العيوب، أو يبرأ من جميعها، يعني: لولا ما وصفنا من قصة عثمان رضي الله عنه، واختلف أصحابنا في المسألة على طريقين.
قال الاصطخري وجماعة: في المسألة ثلاثة أقاويل: أحدهما: هذا وبه قال مالك، وهو اختيار الشافعي وقضاء عثمان رضي الله عنه أن ابن عمر رضي الله عنهما باع عبدًا بثمان مائة درهم بشرط البراءة ثم ترافع هو والمشتري إلى عثمان في عيب به وأراد رده به فقال: عثمان لابن عمر رضي الله عنهم: تحلف أنك بعته وما علمت به داء كتمته فقال: لا، فرده عليه فباعه ابن عمر بألف درهم، وروي: باعه بألف درهم وخمس مائة ففرق بين ما علم البائع وبين ما لم يعلم، وهذا لأن ما يعلمه لا عذر له في [179/ أ] كتمانه من المشتري وما لم يعلمه فالبايع فيه معذور، وإذا أراد أن يقف المشتري على العيوب حتى يبرأ البائع لعلم المشتري بالعيب لا بالشرط فوجهه أن ما لا يرى مثل عيب السرقة والإباق ونحو ذلك نسميه له وما يمكن أن يرى كالبرص والقرح، فأراد أن يسميه له يذكر محله في البدن وقدره حتى يصير كالمرئي إذ يختلف البعض الحاصل باختلاف محاله ومقاديره فلا يجوز مع الجهالة لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن.
وقد قال الشافعي: ها هنا قلت ذلك تقليدًا لعثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا مشكل لأن الشافعي تقلد أحدًا بين الصحابه في الجديد، وإنما قلد في القديم وهذا النص في كتاب الجديد، وإزالة هذا الإشكال أن يقال: ما قصد الشافعي بهذه العبارة محض التقليد بل أراد الاستئناس والاسترواح بما حكي من مذهب عثمان والدليل على هذا أنه عقبه بالقياس فقال: إن الحيوان يفارق ما سواه لأنه يُعتدى الصحة والسقم وتحول طبائعه وقلّ ما يبرأ من عيب يخفى ويظهر، وقد قال [179 أ/ 6] مثل هذا في الفرائض، وذلك أنه قلد زيد بن ثابت رضي الله عنه في توريث الإخوة مع الجد في الجديد ثم عقبه بالقياس فقال كلامًا طويلًا معناه: أن المدلى به وهو أب الميت لو مات وخلف أباه وهو هذا الجدّ وابنه وهو هذا الأخ كان للأخ خمسة أسداس المال وللجد السدس فكيف يجوز حجب الأخ بالجد في مسألة الجد والإخوة؟ وبين أصحابنا من قال: الشافعي وقلد عثمان رضي الله عنه في هذه المسألة على قوله في القديم قول الصحابي حجة يترك به القياس فإن قيل: على هذا فابن عمر رضي الله عنهما خالفه لأنه لم يخلف، قلنا: لم يخالفه بل تورع عن اليمين تنزيهاً وهذا ضعيف لما ذكرنا، أن هذه المسألة في الجديد.
والقول الثاني: لا يبرأ عن شيء من العيوب إلا بالتسمية.
وبه قال أحمد في رواية،

الجزء: 4 - الصفحة: 561

لأنه إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يجوز كالشفيع إذا عفا قبل البيع.
والثالث: يبرأ من جميع العيوب وبه قال أبو حنيفة وأحمد في رواية وهو اختيار الاصطخري وأصل هذا أن البراءة عند أبي حنيفة [180/ أ] عن المجهول تجوز وعندنا لا تجوز واحتج بما وردت أم سلمة رضي الله عنها أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اسستهما وتوخيا وليحلل أحدكما صاحبه" وهذا غلط، لأنه مرفق في البيع لا يثبت إلا بالشرط فلا تثبت الجهالة كالخيار.
وأما الخبر أراد به تحلله من قدر تسمية فلا حجة فيه، ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وهو أنه يبرأ مما لم يعلم من العيوب الباطنة ولا يبرأ مما علم من العيوب الباطنة والظاهرة، ولا يبرأ مما لم يعلم من العيوب الظاهرة لأن الشافعي قال: تركت القياس لقضاء عثمان، وإن الحيوان يفارق ما سواه على ما ذكرنا فقدم قضاء عثمان مع ضرب من الاعتبار على القياس المخالف له، ثم قال بعد ما أشار إلى القولين الآخرين: والأول أصح.
قال القاضي الطبري: وهذا غلط عندي لأن الشافعي نص في كتاب اختلافه مع مالك على أن غير الحيوان إذا باعه بالبراءة من عيوبه يبرأ منه [180/ ب] وحكاه القاضي أبو حامد في "الجامع" عنه ذلك فقال: ولو ذهب ذاهب إلى أن من باع بالبراءة مما يعلم ومما لا يعلم كان مذهبًا يجد فيه حجة.
قال القاضي أبو حامد: هذا قول يأتي في المسألة وإذا كان هذا قولًا في غير الحيوان ففي الحيوان أولى، وأما القول الثالث: حكاه الاصطخري ولا نعرفه للشافعي رضي الله عنه إلا من هذا الكلام الذي نقله المزني ولا يمكن إثبات قول آخر بمثله فالذي يحصل من كلام الشافعي فيه قولان: أحدهما: قذف بين ما لم يعلم من العيوب الباطنة وبين ما علم نص عليه في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى.
والثاني: أنه يبرأ من كل عيب على الإطلاق على ما نص عليه في غير الحيوان في كتاب اختلافه ومالك فحصل في المسألة ثلاثة طرق.
وأما غير الحيوان مثل النبات والعقار ونحو ذلك إذا باع بشرط البراءة من العيوب على طريقة الاصطخري والقاضي الطبري فيه قولان: أحدهما: لا يبرأ بحال وهو المشهور، والثاني: يبرأ من كل عيب.
وبه قال أبو حنيفة وأحمد في [181/ أ] رواية ولا يجيء فيه الفرق وبين العيب الباطن والظاهر، وعلى طريقة سائر أصحابنا قول واحد لا يصح في شرط البراءة أصلًا.
وقال أبو علي في "الإفصاح" والقاضي أبو حامد في "الجامع" فيه قول ثالث: يبرأ من عيب لم يعلمه ولا يبرأ مما علمه قياسًا على الحيوان.
ومن خرّج من أصحابنا هذا القول حمل قول الشافعي في الحيوان يبرأ من عيب لا يعلمه على العيب الظاهر والباطن، وهذا غلط والصحيح الذي عليه المحصلون من أصحابنا أن قول الشافعي في الحيوان يبرأ من عيب لا يعلمه يريد به العيوب الباطنة.
فأما الظاهرة التي يمكنه الوقوف عليها فلا يبرأ منها وإن لم يعلمها، وإذا كان كذلك كان هذا التخريج باطلًا لأن غير الحيوان لا باطن له والفرق بين الحيوان وغيره أن علل الحيوانات كثيرة منها ما يظهر ويستدرك سريعًا، ومنها ما يخفى ولا يعلم إلا بعد طول الزمان فربما يكون به عيب يظهره الحرّ دون البرد أو البرد دون الحرّ أو

الجزء: 4 - الصفحة: 562

الليل دون النهار أو فصل من السنة دون فصل، وقد يكون به نوع سقم وداء كامن [181/ ب] وهو لا يقف عن الافتداء ولا يزال يتحول طبائعه وقل ما يوجد بريئًا من كل عيب، فلو حكمنا بأن البراءة لا تصح لما استقر البيع على حيوان بحال لأنه لا يعرى عن عيب يرد به في الغالب بخلاف سائر العروض، فإنها إن كانت معيبة ييسر إدراك عيبها على المشتري عند العقد فلا ضرورة للبائع إلى اشتراط البراءة.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في مراد الشافعي بقوله في الحيوان يبرأ مما لم يعلمه على وجهين: أحدهما: أراد ما لم يكن معلومًا لخفائه سواء علمه البائع أو لم يعلمه، والثاني: أراد ما لم يعلمه البائع لجهله به سواء كان ظاهرًا أو خفيًا.
فرع لو باع ما يكون مأكوله في جوفه بشرط البراءة من عيوبه كالرمان والجوز ونحوه لا يختلف أصحابنا أنه بمنزلة غير الحيوان، لأنه يمكن الوقوف على باطن عيبه بقطعه أو بقته.
فرع آخر إذا قلنا: يصح البيع بشرط البراءة فحدث عند البائع به عيب قبل القبض لا يبرأ منه، وقال أبو يوسف: يبرأ منها لأن الشرط إسقاط له وقد وجد سببه وهذا [182/ أ] غلط؛ لأنه لم يثبت بعد ولم يوجد فكيف يجوز إسقاطه وهو كالإبراء عما لم يجب.
فرع آخر لو اختلفا في هذا العيب فقال المشتري: حدث قبل القبض، وقال البائع: كان عند العقد وبرئت بالشرط، وأمكن ما قالا فيه وجهان بناء على علة أصحابنا في الاختلاف في العيب الموجود إذا قال البائع: حدث عند المشتري، وقال المشتري: كان عند البائع فالقول قول البائع لأنه يدعي الإمضاء.
فرع آخر لو باع بشرط البراءة من كل عيب يحدث بعد العقد قبل القبض فلا يصح البيع ولا الشرط قولًا واحداً.
فرع آخر إذا قلنا: يصح الشرط سقط الرد بالعيب وإن وجد ألف عيب وقال ابن أبي ليلى: إن ذكر عدد العيوب صح البراءة وإلا فلا يصح.
وهذا غلط، لأن المعنى موجود ذكر العدد أو لم يذكر.
فرع آخر إذا قلنا: لا يصح الشرط، هل يبطل البيع ببطلانه؟ اختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: لا يبطل وهو [182/ ب] ظاهر المذهب دون البيع، ومنهم من قال: يبطل البيع وهو القياس لأن البيع يبطل بالشروط الفاسدة وهذا الشرط يأخذ قسطًا من الثمن وذلك يوجب جهالة الثمن.

الجزء: 4 - الصفحة: 563

فرع آخر لو كان عليه دين مجهول فقال: أبرأتك من درهم إلى ألف درهم صح الإبراء من الألف، ولو قال: لا حق لي قبل فلان ولا طلبه جاز وهذا إقرار وليس بإبراء.
فرع آخر لو كان عليه دين مجهول لا يعرف مقداره فأخذ به ثوبًا لا يجوز ووافقنا فيه أبو حنيفة فتقيس عليه الإبراء من الدين المجهول بعلّة أنه إسقاط دين مجهول فلا يصح.

باب الاستبراء في البيع

مسألة: قال: وإذا باع جارية لم يكن لأحد منهما فيها مواضعة.
إذا باع جارية من رجل وسلم ثمنها وجب على البائع تسليمها لأنه تسلم ثمن سلعته فلا معنى لمنعها ولا يجبر [183/ أ] البائع على تعديلها ولا يجبر المشتري على ذلك أيضًا وقصد به الرد على مالك حيث قال: لا يجب على المشتري دفع الثمن ولا على البائع تسليم الجارية حتى تحيض وتطهر وهو تمام الاستبراء، إذا كان المشتري شابًا.
وحكي عن مالك: إن كانت جميلة لا يلزمه تسليمها بل يضعها على يد عدل حتى تستبرئ، وإن كانت قبيحة أجبر على تسليمها لأنه يلحقه التهمة في الجميلة.
واحتج الشافعي عليه بأن قال: لو كان لا يلزم دفع الثمن حتى تحيض وتطهر كان البيع فاسدًا للجهل بوقت وجوب دفع الثمن وفساد آخر، أن الجارية لا مشتراة شرى العين فيكون لصاحبها أخذها ولا بيع الصفقة فيكون الأجل معلومًا فعرفنا أن انتزاع الجارية من يد البائع وتعديلها للاستبراء ومنعها من المشتري لا يستقيم على النظر فيسلم إلى المشتري ويؤمن باجتنابها إلى أن يتم استبراءها، ولا يراعي التهمة لأن الظاهر العدالة والسلامة فإذا تقرر هذا ظاهر ما قال ها هنا يوهم أنهما لو تواضعا على تعديلها صح بيعها، وليس كذلك لأن البائع [183/ ب] لو قال: بعت منك هذه الجارية بشرط أن يعدلها للاستبراء ولا أسلّمها إليك وإن سلمت الثمن كان البيع باطلًا لأنه شرط أيضًا وموضوع العقد فيحتمل أن يريد الشافعي بلفظ المواضعة شرط التعجيل والتأجيل في الثمن فكأنه قال: إن اشتراط تأجيل الثمن وجب على البائع تسليم الجارية في الحال، وإن لم يكن لها في الثمن شرط تأجيل ومواضعة مدة ونسيه لم يلزم البائع تسليمها ما لم يدفع المشتري ثمنها، فإذا دفع الثمن لزم البائع التسليم ولا يجبر واحد منهما على إخراج ملكه من يده إلى غيره.
وأما قوله: ولا يجوز بيع العين إلى أجل حجة أخرى على مالك لأنه يقول: تسليمها مؤخرًا إلى استبرائها فيكون بيع عين إلى أجل وذلك لا يجوز بالإجماع.
وأما قوله ولا للمشتري أن يأخذ منه حميلًا بعهده معناه: أن البيع إذا كان مطلقًا فليس للمشتري أن يقول للبائع بعد البيع أطالبك بجميل يضمن عنك عهدة البيع والجميل في لسانهم الكفيل، وإنما لم يكن للمشتري ذلك لأن العقد مطلق فلا يطالبه به كما لا يطالبه [184/ أ] بكفيل يتكفل بثمنه سواء كان البائع غريبًا أو مقيمًا مليئًا أو مُعدمًا بارًا أو فاجرًا.
وأما قوله: وإنما التحفظ قبل الشراء دليل على أن الشراء بشرط أن يعطي البائع ضامن درك يجوز، وإن كان بشرط أن يعطيه كفيلًا ببدنه حتى إذا خرج مستخفًا أحضر البائع يجوز

الجزء: 4 - الصفحة: 564

أيضًا، (إذا) جوّزنا كفالة البدن كالبائع إذا باع بشرط رهن أو كفيل يجوز ذكره القفال، ولو قال رجل للمشتري: أنا أضمن لك معرفة البائع فلا شيء عليه إذا هرب البائع، وإن قال: كذبت ولم أعرفه.
وحكي عن مالك أنه قال: إذا اشترى شيئًا من غريب أو رجل غير معروف فما بين الناس سواء كانت جارية أو سلعة أخرى له أن يطلب كفيلًا من البائع بإحضاره ليرجع عليه الثمن عند الدرك وهذا غلط لما ذكرنا فإذا تقرر هذا فشرح هذا الباب في كتاب العدة ولكنا نشير إلى طرف منها فعندنا إذا أراد بيع جارية قد وطئها قبل البيع لا يجب عليه إن استبرأها بل يستحب ذلك، وقال ابن أبي ليلى: يجب ذلك عليه كما لا يزوّجها قبل الاستبراء.
وبه قال الحسن وابن أبي ليلى والثوري والنخعي.
وهذا غلط، لأن الحرة المسببة لا [184/ ب] تستبرئ مرتبين فكذلك هذه، والفرق أن النكاح لا يجوز فيمن لا يحل وطؤها في الحال فلابد من الاستبراء والشراء يصح فيشتري ثم يستبرئ.
فرع لو حاضت في يد البائع بعد البيع قبل التسليم فيه وجهان: أحدهما: يحتسب به وهو اختيار القاضي الطبري وهو الصحيح، والثاني: لا يحتسب به وهو اختيار أبي حامد والداركي، ولم يذكرا غير هذا الوجه، وغلطا فيه حين ذكرا الضعيف وتركا المذهب الصحيح وكيف يجوز أن يذكر ها هنا وجهًا واحدًا، أنه لا يحتسب.
وذكر أبو إسحاق في "الشرح" أنها لو وصفت قبل أن يتفرقا وقلنا: الملك للمشتري هل يحتسب به؟ وجهان.
فإذا كان في هذه المسألة فكيف يكون في غير مدة الخيار قبل القبض وجه واحد أنه لا يحتسب؟ وقد قال بعض أصحابنا: يحتسب به ها هنا وجهًا واحدًا، وهذا أولى مما قال أبو حامد والداركي، وإن أخل بذكر الوجه الآخر والمذهب ها هنا لأن المزني نقل عن الشافعي أنه قال: ولو لم يفترقا حتى وضعت حملًا لم يحل له من [185/ أ] قبل أن البيع إنما تم حين تفرقا عن مكانهما، وهذا يدل على أن الاستبراء بعد التفرق صحيح، وإن كان قبل القبض وفي الميراث قبل القبض يحتسب الاستبراء قولًا واحدًا.
فرع آخر لو ابتاع أمة وكانت في عدة من زوج يلزمها أن تكمل بقية عدة الزوج ثم يستبرئها المشتري من بعد اختلافهما في السبب، والحكم، لأن العدة تجب لزوال الملك ولو عادت بعد الطلاق والدخول للسيد يلزمها العدة من فراق الزوج ثم الاستبراء لاستمتاع السيد ولا ينوب العدة عن الاستبراء كما لا ينوب الاستبراء عن العدة ذكره في "الحاوي".
وذكرنا في كتاب العدة ما قيل فيه.

باب المرابحة

قال: وإذا باع مرابحة على العشرة واحدًا وقال: قامت علي بمائة ثم قال: أخطأت.

الجزء: 4 - الصفحة: 565

الفصل بيع المرابحة جائز ولا يكره، وصورته: أن يخبر برأي ماله في السلعة ثم يبيعه بزيادة شيء معلوم في كل درهم أو في كل عشرة فيكون رأي المال معلوماً لهما والزيادة [185/ ب] معلومة لهما على كل درهم أو كل عشرة، وقال ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم: يكره ذلك ولا يحرم، وقال إسحاق: لا يجوز، لأن الثمن مجهول في ابتدائه وهذا غلط، لأن الثمن معلوم من غير رجوع إليها فجاز، كما لو قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم، وإن وجب كليهما لمعرفة مبلغ الثمن فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في العبارة التي تصح أن يخبر البائع عن رأس المال فإن لم يكن أنفق عليها ولا عمل فيها يخبر عن رأس ماله بإحدى أربع عبارات: إن شاء قال: اشتريته بكذا وإن شاء قال: هو علي بكذا فأيها قال فقد صدق، فإن كان الشراء بمائة درهم فقال: بعتكه برأس مالي وربح درهم في كل عشرة يعلم أن الثمن مائة وعشرة وعلى هذا الباب وإن كان أنفق عليها مثل أجرة القصار والخياط والصباغ فإنه يخبر بإحدى عبارتين لأنه إن قال: اشتريتها بالثمن وبما أنفق عليها كان كاذباً، وإن قال: رأس مالي كذا كان كاذباً أيضاً لأن رأس المال عند الفقهاء عبارة عن الثمن الذي ملك به السلعة، فإذا كان كذلك يقول قام علي بكذا، وهو علي بكذا فيكون [186/ أ] صادقاً.
مثاله اشترى بتسعين وأنفق عليه عشرة ثم قال: قام علي بمائة بعتك بمائة وربح درهم في كل عشرة يجوز وإن كان صادقاً، وإن كان قد عمل فيها عملاً بنفسه فلا يجوز أن نضيف أجرة عمله إلى الثمن ويقول: قام علي أو هو علي بكذا لأن عمله في ملكه لا يتقوم عليه ولكنه يخبر عن صورة الحال فيقول: اشتريت بكذا وعملت عليه كذا بعتكه بكذا وربح درهم في كل عشرة وعلى هذا رفو الثوب، وكذلك إن تطوع غيره بالعمل له لا يضم إليه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إن كان أنفق عليها يجوز أن يقول: رأس مالي فيه ويحسب أجرة القصار والخياط، ولكن لا يقول: ثمنه كذا ولا اشتريته بكذا وهو اختيار القاضي الطبري وهو القياس عندي، لأن رأس المال ما قامت به عليه ويطلب به الربح والثمن والنفقة في هذا سواء وعلى هذا مؤونه الكيال والدلال والرصدي ومؤونة الخباز وكري البيت الذي حفظه إن كان البيت يكرى، وإن كان البيت ملكاً أو تولى حمله أو كيله بنفسه لا يضم إليه إلا أن يصرح به على ما ذكرنا، وأما النفقة التي أنفقها على العبد [186/ ب] في المأكولات والملبوس لا يحتسب من رأس المال، لأنه لاستبقاء الملك لا أنه مؤونة التجارة، وقيل: إذا أنفق عليه أو كساه بما لابد منه هل يضيف بلفظ القيام وجهان.
فرع لو تكرر شراء ثوب عنده مثل إن اشتراه وباعه مراراً ثم أراد المرابحة يخبر بما اشتراه به أخيراً فإن اشترى ثوباً بمائة ثم باعه بمائتين ثم اشتراه بخمسين فلا خيار عن الأخير وهو الخمسون.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لا يبيعه مرابحة أصلاً لأنه ربح مثل رأس ماله الأخير فليس له رأس مال وهو وجه آخر لأصحابنا.

الجزء: 4 - الصفحة: 566

ولو اشترى بعشرة ثم باعه بخمس عشة ثم اشتراه بعشرة فرأس ماله عشرة ولا يلزم حظ قدر الربح الذي ربحه قبل هذا الشراء الأخير من هذا الثمن الأخير، وقال أبو حنيفة: يخبر بخمسة فيضم أحد العقدين إلى الآخر.
وبه قال أحمد وخالفه صاحباه وهذا غلط، لأن الثمن الذي يلي بيع المرابحة عشة فجاز له أن يخبر به كما لو لم يربح فيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: قال ابن سريج: هذا أحد الوجهين لأصحابنا [187/ أ] في المسألة، قال: وعلى هذا لو اشترى بخمسة وباع بثمانية ثم اشترى بثمانية فرأس المال ثمانية أو خمسة؟ وجهان، وقيل: يخبر بلفظ الشراء بعشرة، ولو أراد أن يبيع بلفظ القيام فيه وجهان أحدهما: يقول قام بعشرة.
وبه قال أبو يوسف ومحمد لأن ملكه في العين قائم عليه بعشرة.
والثاني يقول: قام بخمسة وبه قال أبو حنيفة كأجرة الخياطة وهو الصحيح لأن بالإجارة لا يزول الملك بخلاف هذا.
فرع آخر لو خسر لا يحتسب الخراسان في رأس ماله مثل إن اشترى بعشرة فلا يجعل رأس ماله خمسة عشر ل يكون عشرة، وبه قال أبو حنيفة، ومن أصحابنا من ذكر فيه وجهاً: أنه يخبر بخمسة عشر عند الخراسان بلفظ القيام لأن الخسران كمؤونة الخياطة وهذا بعيد.
فرع لو ذكر رأس المال وحصته من الربح دهي ازده مثلاً ولم يعرف أنه إذا حسب الربح وضم إلى رأس المال كم يبلغ؟ يجوز على ما ذكرنا، لأنه صار بالخبرية معلوماً وإنما بقى الحساب [187/ ب] ولم لم يخبره برأس المال ولكنه قال: بعت بربح ده يازده على ما اشتريته فقال: اشتريت ثم أخبره بعد برأس المال لا يجوز وهو المذهب.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني: يجوز في المجلس.
وبه قال أبو حنيفة، لأنه مبني على العقد الأول وقد اعتمد أمانته، وقد يشتري صبرة جزافاً بكف من دراهم لا يكون تفضيل ذلك معلوماً لهما ويجوز وهذا غلط، لأنه وقع العقد على المجهول، ولهذا لو لم يكن عقد مرابحة فقال: بعتكه بما اشتريته لا يجوز، وإن لم أعلم بعده ويفارق الصبرة لأنه يعلمها بالمشاهدة، وقيل فيه وجه ثالث: يجوز، وإن أعلم بعد المجلس، لأن الثمن فيه مرتب على الثمن في العقد الأول ويمكن معرفته بالرجوع إليه وعلى هذا الخلاف لو اشترى بكف من الدراهم جزافاً ثم باع مرابحة قبل أن يزن الدراهم وعلى هذا جرت العادة بين التجار أنهم يكتبون ثمن كل سلعة عليها برقم لهم فيرجعون إليه وقت البيع فلو قال: بعتك هذه برقمها فالحكم على ما ذكرنا لأنه [188/ أ] يمكن الرجوع إلى الرقم كما يمكن الرجوع إلى غيره في بيع المرابحة.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: لو كان اشتراه مريضاً فعالجه وداوه فمال المعالجة والمداوة تضاف بلفظ الكتابة، وإن مرض فداوه هل تضاف إليه؟ وجهان.

الجزء: 4 - الصفحة: 567

فرع آخر لو اشترى ثوباً بمائة ثم باعه من غلام دكانه الحر بمائة ثم اشتراه بمائتين حل له أن يخبر عن الثمن الثاني، ولكنه يكره البيع الأول إذا قصد كهذا لأنهما تعاقدا على أن يبيعه منه، وإن لم يصرح به.
ولو شرط وذكر في العقد بطل وهذا أصل وهو أن كل ما لو صرح به المتعاقدان بطل العقد، وقال بعض أصحابنا المتأخرين: إذا قصد ذلك ليخبر به في بيع المرابحة كان تدليساً محرماً في الشرع، وإذا بان له ذلك يثبت به الخيار وهذا أحسن عندي.
فرع آخر لو اشتراه من أبيه أو ابنه الكبير لا يلزمه الإخبار عنه.
وبه قال أبو يوسف [188/ ب] ومحمد، وقال أبو حنيفة وأحمد: يلزمه الإخبار عنه لأنه متهم في المسامحة معهم فيشتريه بأكثر كما لو اشترى من صديقه، وأما البهيمة تبطل بهذا الأصل.
وأما المكاتب فيحتمل أن لا نسلم ولئن سلمنا فلأنه غير مميز من ملكه بخلاف مال الأب والابن.
فرع قال أصحابنا بخراسان: لو اشترى من ابنه الصغير يلزمه الإخبار لأنه الناظر في ذلك العقد فهو متهم في حق المرابحة، وإن كان أميناً على ولده في حقه.
فرع آخر إذا اشترى ثوباً بمائة إلى سنة فباعه مرابحة يلزمه الإخبار عن الأجل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان وليس بشيء ولو لم يخبر عن الأجل وباع مرابحة يصح البيع، فإذا أعلم المشتري الحال كان بالخيار بين أن يقبله ذلك حالاً أو يرد لأنه ظهر منه تدليس زاد لأجله في الثمن فهو كالمصراة سواء، وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: لزم البيع حالاً ولا خيار [189/ أ] وقال الأوزاعي: يلزم العقد ويلزم الثمن في ذمة المشتري مؤجلاً بقدر ذلك الأجل، وبه قال أحمد وإسحاق، لأنه ملكه ذمته دون ذمة البائع، وقال سفيان الثوري: إن كانت السلعة قائمة فللمشتري الخيار، وإن كانت تالفة لزمه الثمن حالاً.
فرع آخر لو اشترى عبداً بمائة ثم علم به عيباً بعد أن حدث عنده عيب آخر كان له الرجوع بأرش العيب على البائع فإذا رجع فيه وكان في التقدير عشرة دراهم حصل له العبد بتسعين فإذا أراد بيع المرابحة لا يجوز أن يقول: اشتريته بتسعين لأنه اشتراه بمائة فنجبر عن التسعين بإحدى عبارات ثلاث فيقول: رأس مالي فيه تسعون أو يقوم علي بتسعين أو هو علي بتسعين.

الجزء: 4 - الصفحة: 568

فرع آخر لو اشترى عبداً ثم جنى على جناية أرشها عشرة فأخذ ذلك هل يجوز أن يخبر بالمائة أم لا؟ فيه وجهان أحدهما: لا يخبر إلا بتسعين لأن الأرش بدل جزء منه فهو كالأرش المأخوذ في المسألة الأولى عند حدوث عيب آخر به [189/ ب] والثاني: له أن يخبر بمائة لأن الأرش لا يرجع إلى العقد، بل هو بسبب حادث كالكسب والأول أصح، فإذا قلنا: بخبر بتسعين فأخبر ثم علم المشتري بالجناية فلا خيار، وإذا قلنا: لا يلزمه الإخبار به، ويجوز أن يخبر بما به فعلم المشتري بالجناية وكان أخبر بمائة له الخيار.
فرع آخر لو اشترى عبداً بمائة فجنى العبد جناية أرشها عشرة فقداه السيد يخبر بما اشتراه ولا يضم الفداء إلى رأس المال كما لو مرض فأنفق عليه لا يضم النفقة إلى رأس المال ويفارق أجرة القصار؛ لأنه يحصل بها زيادة في المبيع بخلاف الفداء، وكذلك إن أغصبه غاصب فبذل له شيئاً حتى رده إليه لم يجز له ضمه إليه.
فرع آخر لو حدث بما اشترى عيب في ملكه إما قبل القبض أو بعده ثم أراد أن يبيعه مرابحة يلزمه الإخبار بأن العيب حدث في ملكه فإن لم يخبر لم يحل له ولكن البيع صحيح كما لو كذب في رأس المال ثم إذا علم المشتري له الخيار أعني إذا كان عالماً بالعيب ولكنه لم يعلم أنه حصل في [190/ أ] ملكه بل ظنه قديماً وفإذا علم أنه حصل في ملكه له الخيار، وقال أبو حنيفة: إن كان العيب بآفة سماوية لا يلزمه الإخبار عنه وهذا غلط قياساً على ما لو كان بجناية آدمي وعلى هذا لو زوجها فالتزويج عيب يلزمه الإخبار عنه، وقيل: فيه وجه لا يلزمه ذلك وهو غلط عندي.
فرع آخر لو اشترى عبدين أو ثوبين له أن يبيع أحدهما بحصته من الثمن مرابحة ويقسط الثمن على قيمتها وقال أبو حنيفة وأحمد: لا يجوز لأن قسمة الثمن على القيمة بالحزر والظن، وربما يقع فيه الخطأ وهذا غلط لأنه لو باع شقصاً وسيفاً بقسط الثمن على قدر القيمة عند الأخذ بالشفعة ويقوم المسروق لقطع يد السارق فجاز مثله هاهنا.
فرع آخر لو اشترى مائة قفيز من حنطة بمائة درهم ثم أراد أن يبيع قفيزاً منها مرابحة، جاز أن يخبر بأن ثمنه درهم لتقسيط الثمن على أجزائها ووافقنا فيه أبو حنيفة، وقال في "الحاوي"- في الحنطة- قال أصحابنا: لا يجوز كما لا [190/ ب] يجوز في أحد العبدين إذا كان اشتراهما معاً وهذا غري انفرد وهو عين قول أبي حنيفة، وعلى ما ذكرنا لو كان عبداً واحداً يجوز أن يبيع نصفه بقسطه من الثمن.

الجزء: 4 - الصفحة: 569

فرع آخر لو أسلم في ثوبين بصفة واحدة وقبضهما له أن يبيع أحدهما مرابحة ويخبر بحصته من الثمن.
وقال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة: ليس له ذلك لأن الثوبين يختلفان حال التعيين وهذا غلط، لأن الثمن وقع عليهما متساوياً فهو كما لو اشترى قفيزين فإن حصل في أحدهما نقصان في الذمة فذلك كالحادث بعد الشراء فلا يمنع بيع المرابحة، فإن أخذ دون حقه في الصفة يلزمه الإخبار حينئذ.
فرع آخر لو اشترى نخلة غير مطلعة فأطلعت في يده وأخذ الثمرة أو شاة ليس عليها صوف فنبت الصوف وجزه أو حلب لبنها الحادث في ملكه ثم أراد بيعها مرابحة يخبر بالثمن الذي اشتراها لأن ما أخذه حادث في ملكه لا مقابلة من الثمن بشيء.
وحكي [191/ أ] عن أبي حنيفة يلزمه الإخبار بذلك، ولو كانت النخلة مطلعة أو كانت الشاة ذات صوف ولبن يحط مقسطه من الثمن، لأنه يأخذ قسطاً من الثن فهو كما لو اشترى شاتين ثم باع أحدهما.
فرع آخر لو اشترى ثوباً فصبغه فالصبغ عين قائمة له أن يخبر بما اشتراه هـ ويضيف إليه الصبغ.
فرع آخر لو حط البائع عنه بعض الثمن فإن كان قبل لزوم العقد وهو في مدة الخيار أخبر بالثمن الذي بقي بعد الحط، وهكذا لو زاد وبه قال عامة أصحابنا، وقال أبو علي في الإفصاح: هذا إذا قلنا: الملك للبائع فأما إذا قلنا: الملك للمشتري لا يلزمه أن يحط من الثمن لأنه ملك بالثمن الأول، وإن كان الحط بعد لزوم العقد لا يلحق العقد فيخبر بالثمن الاول لأنه هبة مجددة، وقال أبو حنيفة: يلزمه حطه وهذا على أصله أن الحط بكل حال لمحق أصل العقد، وقال ابن أبي ليلى: لا يلزم الإخبار عنه بحال وإن كان في زمان الخيار.
فرع آخر لو اشترى العامل في المضاربة ثوباً [191/ ب] بمائة وباع من رب المال بمائة وخمسين ثم أراد بيعه مرابحة لا يجوز أن يخبر إلا بمائة وخمسة وعشرين، لأن نصف الربح له ذكره في "الحاوي" وهو غلط، لأن العامل في القراض لا يبيع مال القراض من رب المال لأنه ملكه نص عليه الشافعي.
فرع آخر لو اشترى ثوباً بمائة فأخبر في المرابحة بأنه اشتراه بتسعين هل يكون كاذباً في إخباره؟ وجهان أحدهما: لا يكون كاذباً لدخول التسعين في المائة فعلى هذا الإخبار

الجزء: 4 - الصفحة: 570

للمشتري إذا علم به، والثاني: يكون كاذباً لأن التسعين بعض الثمن في مقابلة بعض المبيع فلم يجز أن يخبر بأنها جميع الثمن، وفي مقابله جميع الثمن فعلى هذا الوجه للمشتري الخيار في الفسخ ذكره في"الحاوي" فرع آخر يجوز بيع المواضعة وهو ضد بيع المرابحة وصورته أن يقول: اشتريت هذا بمائة بعتك برأس مالي ووضيعة درهم في كل عشرة، فإذا قال هكذا كيف يكون حكمه؟ قال أصحابنا: لا نص فيه ولكن معنى هذا الكلام وضيعه واحد من عشرة كما لو قال في المرابحة: ربح درهم على كل عشرة كان الربح [192/أ] بعد العشرة فكذلك في المواضعة الوضيعة من غير العشرة فعلى هذا يرد كل أحد عشر درهماً من رأس المال عشرة فيصير آخذاً لهذا الثوب بأحد وتسعين درهماً إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم لأن التسعة والتسعين ردت إلى تسعين والدرهم الباقي أسقط منه جزءاً من أحد عشر جزءاً، وبه قال أبو حنيفة، وقال أبو ثور: يرد كل عشرة من رأس المال إليه تسعة فيكون الثمن تسعين وبه قال محمد، وهو اختيار القاضي الطبري، وهو الصحيح عندي.
وقال أبو حامد: الذي عندي أنه إن قال بوضيعة درهم من كل عشرة فكما قال أصحابنا، ولو قال: بعتك بوضيعة العشرة واحداً فهذه عبارة محتملة وبهذه العبارة فرض الكرخي المسألة في مختصره، والخلاف في هذه المسألة بين العلماء في هذه الصورة، وقال في "الحاوي": في المسألة وجهان والأصح أنه يعتبر لفظ العقد، وإن قال بالوضيعة لكل عشرة واحداً ردت الأحد عشر إلى عشرة، ولو قال بالوضيعة من كل عشرة واحداً ردت العشرة إلى تسعه لأن لفظة من تقتضي إخراج [192/ب] واحد من العشرة ويخالف معنى اللام.
وذكر بعض أصحابنا: أن من واللام في هذا سواء وهذا غلط، لأن من لا يحتمل إلا ما ذكرنا، وعلى هذا الذي ذكرنا لو قال: رأس مالي عشرة فبعت منك بوضيعة ده يازده يلزمه تسعة وجزء من أحد عشر جزءاً من درهم لأن تقدير الكلام بعتك من كل أحد عشر بعشرة فيجب أن ينقص هاهنا درهم إلا جزءاً من أحد عشر جزءاً من درهم، وبه قال أبو يوسف وابن أبي ليلى، وعلى ما قال محمد وأبو ثور يلزم تسعة، وعلى ما ذكرنا إذا قال: بوضيعة العشرة درهمين تضاف الدرهمان إلى العشرة فيصير اثنى عشر قدر الوضيعة منها السدس فتوضع السدس من رأس المال فيصير الثمن ثمانية، وقلت: على قول عامة أصحابنا وعلى هذا أبداً فإذا تقرر هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب.
وهي إذا قال: اشتريت هذه السلعة بمائة وباعها مرابحة على كل عشرة درهم ثم قال: أخطأت وإنما كنت اشتريتها بتسعين فالبيع صحيح، قال الشافعي: وهي واجبة للمشتري برأس مالها وبحصته من الربح [193/ أ] وقال بعد هذه المسألة: "ولو علم

الجزء: 4 - الصفحة: 571

أنه خانه حططت الخيانة وحصتها من الربح" فإن كان المبيع قائماً كان للمشتري أن يرده فجعل للمشتري الخيار، هكذا نقل المزني وأراد به إذا علم ذلك بالبينة، ففرق بين الإقرار والبينة، وقال في "اختلاف العراقيين" في المسألة قولان: أحدهما: يمسكها المشتري بمائة وعشرة أو يرد، والثاني: وجبت للمشتري تسعة وتسعين، وظاهر المذهب أنه لا فصل بينهما، وفي الجملة في المسألة قولان كم يكون ثمنها؟ إحداهما: ثمنها مائة وعشرة.
وبه قال أبو حنيفة ومحمد لأن المشتري دخل في العقد على أن يمسكها بهذا القدر ولم يرض للبائع أن يبيع بدون ذلك، والثاني: ثمنها تسعة وتسعون.
وبه قال أبو يوسف: وهو الأصح لأن العقد عقد مرابحة، فلا بد من اعتبار الثمن الأول في العقد الثاني.
وبه قال ابن أبي ليلى وأحمد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا قال: أخطأت فإن قال: كذبت فظهر بالبينة أنه كذب فلا خلاف في وجوب الحط وهذا غريب، فإذا قلنا بالقول الأول فالمشتري بالخيار إن شاء [193/ ب] أمسكها بهذا القدر، وإن شاء فسخ لأن الخيانة قد ظهرت ولم يرض هو بها فإن فسخ فلا كلام، وإن أمسكها بمائة وعشرة فلا خيار للبائع لأنه لم ينقص عما باع به وعلى هذا لو قال البائع: أنا أحط عنك قدر الجناية وحصتها من الربح هل يسقط خيار المشتري؟ وجهان: أحدهما: يسقط كما لو زال العيب، والثاني: لا يسقط لأنه لا يؤمن أنه خانه من وجه آخر، وإذا قلنا بالثاني فهل للمشتري الخيار؟ ذكره المزني وحرملة لأنه إذا اطلع من البائع على جناية لم يأمن من جنايته مرة ثانية والمعول من بيع المرابحة على الأمانة، وربما حلف أن يشتريها لمائة وعشرة فإذا بان أيضا مبيعة بأقل من ذلك لم يبر في يمينه.
والثاني: وهو الأصح لا خيار له لأنه قد زاده خيراً بنقصان الثمن، فلا يثبت الخيار كما لو باعه عبداً على أنه أمي فإذا هوكاتب لا خيار، ومن أصحابنا من ذكر طريقة ثانية وهي: أنه إذا ثبت بإقراره لا خيار والفرق أنه إذا ثبت بالبينة يقدح ذلك في أمانته وثقته وبالإقرار تزيد أمانته وهذه الطريقة أظهر وأشبه بالمذهب، [194/أ] ومن أصحابنا من ذكر طريقة ثالثة وهي: أنه إن كانت السلعة قائمة له الخيار سواء ثبت الخيانة بالبينة أو بالإقرار، وإن كانت تالفة لا خيار سواء يثبت بالبينة أو بالإقرار، والصحيح الطريقة الأولى.
وقال القاضي أبو حامد في "جامعه": قد قيل: لا يصح البيع بتسعة وتسعين إلا بتجديد العقا لأن هذا الثمن لم يكن معلوماً عنا العقد الأول، ولا يجوز بيع شيء يكون ثمنه مجهولاً عند العقد.
وهذا قول بعض أصحابنا ذكره في "الحاوي" وهو غلط، لأن أكثر ما فيه أنه دلس على المشتري تدليساً يراد الثمن لأجله، وهذا لا يبطل البيع كما لو دلس العيب فإذا قلنا: له الخيار فاختار الإمساك فهل للبائع الخيار؟ وجهان، وقيل قولان: أحدهما: له الخيار لأنه دخل في العقد على أن يحصل له مائة وعشرة، فإذا لم يحصل له ذلك كان له الخيار وعلى هذا لو اختار المشتري التزام

الجزء: 4 - الصفحة: 572

الزيادة سقط خيار البائع، والثاني: لا خيار له لأنه رضي بأن يكون ربحه ما شرطه، ومن أصحابنا من قال: هذا إذا ثبت بالبينة لأنه يقول رأس مالي مائة والشهود [194/ب] كذبة فيما شهدوا به، فأما إذا اعترف بذلك فلا خيار له وهذا اختيار القاضي الطبري.
فرع إذا كانت السلعة تالفة قال بعض أصحابنا: نص الشافعي في كتبه أنه لا خيار للمشتري وتكون لازمة له بتسعة وتسعين، لأنا لو أثبتنا الخيار هاهنا لدخل على البائع ضرر والضرر لا يزال بالضرر، ومن أصحابنا من قال: يبقى خياره فيرد قيمته ويسترجع الثمن ذكره القاضي الطبري، وأما على القول الذي يقول ثمنها مائة وعشرة ولا يسقط حقه بالتلف ويكون بمنزلة المعيب لستره عن المشتري فلا يسقط حقه ولا وجه للفسخ لما ذكرنا، كما لو تلف المعيب في يد المشتري لا يفسخ البيع فيه.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي في مسألة الخيانة التي ذكرناها، ولم أفسد البيع لأنه لم ينعقد على محرم عليهما معاً، وإنما وقع محرماً على الخائن منهما كما يدلس له العيب فيكون التدليس محرماً، وما أخذ من ثمنه محرماً وكان المشتري في ذلك الخيار، فصرح القول في موضع التدليس بأنه يحرم مع حكمه بأن البيع صحيح منعقد [195/أ] وهذا من المشكل، ولهذا الإشكال اعترض المزني فقال: ولو كان ثمنها حراماً، وبه وقعت العقدة كان البيع فاسداً أرأيت لو اشتراها بجارية فدلّس المشتري كما دلس البائع فيما باع، فهذا حرام بحرام، يبطل به البيع وليس كذلك إنما حرم عليه التدليس والبيع نفسه جائز، وإن كان من أحدهما سبب يحرم وليس السبب هو البيع، ولو كان هو البيع لحرم البيع وفسد الشراء وهذا مسطور في بعض نسخ المزني.
وأجاب أصحابنا عن هذا بأن مراد الشافعي تحريم فعل التدليس واكتساب الثمن به.
وقال الإمام أبو محمد الجويني: ليس هذا بإنصاف للمزني لأن الشافعي قال: فيكون التدليس محرما فأفادنا تحريم هذا الفعل ثم زاد فقال: وما أخذ من ثمنه محرماً فلا بد من زيادة.
فائدة: والأحسن في جواب المزني أن يقال: لفظ التحريم ربما يطلق والمراد به التبرئة، وهكذا يقول فيمن دلس في بيع وأخذ ثمنه المستحب من طرق التبرية أن يعد هذا الثمن من جملة المحرمات تحرجاً [95/ب] لا تحريماً.
وقد قال الشافعي: وحرم التل ليس على معنى أنه إثم وتغرير لا على معنى أن البيع معه غير منعقد فلذلك قوله: وما أخذ من ثمنه محرماً أي: محرم الأخذ لا محرم العين وهذا أولى من الجواب الأول، وقيل: أراد الشافعي أنه لم يكن محرماً لمعنى يعود إلى المعقود عليه.
بل لمعنى في العاقد فلا يضر صحة البيع.
مسألة: قال: فإن قال: ثمنها أكثر من مائة وأقامَ على ذلك بينة لم يقبلْ.
إذا باع شيئاً مرابحة على كل عشرة درهم وقال: اشتريت بمائة وتفرقا عن تراض منهما ثم رجع البائع إلى المشتري، وقال: غلطت كنت اشتريته بمائة وعشرة دراهم وأنا

الجزء: 4 - الصفحة: 573

أستحق عليك أحد عثر درهماً، لا يقبل قوله في ذلك، لأنه أقر في الأول بأقل من ذلك فلا يقبل رجوعه عن إقراره، وإن أقام على ذلك شاهدين لم تقبل شهادتهما بإقراره الأول، ومن كذب بينة نفسه لم يقبل منه، ولو قال: احلفوا لي المشتري أنه لا يعلم صحة ما أقول فهل يحلف أم لا؟ [196/أ] فالقول قول المشتري كذلك هاهنا.

باب الرجل يبيع الشيء إلى أجل ثم يشتريه بأقل من الثمن

مسألة: قال: ولا بأس أن يبيع السلعة إلى اجلٍ ثم يشتريها من المشتري.
الفصل القصد به جواز بيع العينة وصورته أن يبيع السلعة إلى أجل ثم يشتريها من المشتري بأقل نقداً يصح البيع الأول والثاني جميعاً، وكذلك لو اشتراها بمثل ذلك الثمن أو بأكثر وبه قال ابن عمر وزيد بن أرقم رضي الله عنهما، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يشتريها بأقل من الثمن الأول، وبه قال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما، وهو قول مالك وأحمل وإسحاق، وقال أبو حنيفة: يجوز أن يشتريها بسلعة قيمتها أقل من قدر الثمن قال: ولو باعها بدراهم ثم اشتراها بدنانير قيمتها أقل من قدر الثمن لم يجز استحساناً، قال: وإن باعها بأجل ثم اشتراها بأكثر من ذلك الأجل لا يجوز.
قال: ولو اشتراها وكيله له بأقل من ذلك الثمن جاز [196/ب] قال: ولو اشتراها والد البائع لم يجز بأقل من الثمن الأول وهذه مناقضات.
واحتجوا بما روي أن امرأة أتت عائشة رضي الله عنها فسألتها عن بيع باعته من زيد بن أرقم قالت: بعت من زيد بن أرقم فرساً بثمان مائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة نقداً، فقالت: بئس ما شريت وبئس ما بعت أخبري زيد بن أرقم: "أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا أن يتوب"، وأجاب الشافعي عن هذا بأن هذا الخبر غير ثابت لأنه رواية امرأة أبي السقر عن عائشة بنت عجرد وهماً مجهولتان ثم إن ثبت نحمله على أن عائشة رضي الله عنها عابت البيع إلى العطاء لأنه أجل غير معلوم ثم قال: وزيد صحابي فإذا اختلغوا فمذهبنا القياس وهو مع زيد وهو ما ذكر أن السلعة ملكه فله أن يبيع كيف شاء هل يدل على أن القياس لا يقتضيه، وقول الصحابي إذا اجتمعا في مسائل اختلفت الصحابة فيها تقديم [197/أ] القياس، وإن كان القول الثاني: صادراً عن كبراء الصحابة إنما يقولون قصد هذا العاقد أن يعطي خمس مائة ليسترد بعد زمان ألفاً وهذا عين الربا قلنا: قصده الفرار من الربا.
وقدر هذا التقدير لما جاز أن يشتريها بسلعة قيمتها.
. . أيضاً.

تم الجزء الرابع حسب تقسيم المؤلف ويليه إن شاء الله تعالى الجزء لخامس وأوله: باب تفريق الصفقة

الجزء: 4 - الصفحة: 574

بَحْرُ المَذْهَبِ في فُروعِ المذْهَب الشّافعي

تأليف القاضيُ العلاّمة فخر الإسلَام شيَخ الشّافعيّة الإمَام أبي المحاسن عَبد الواحد بن إسماعيل الرّوُيَاني المتوفي سنة 502 هـ

تحقيق طَارق فَتحي السَيِّد

الجُزء الخامِس يحتَوي علَى الكتب التّالية: تتمة البيُوع- التفليس- الحجر- الصّلح- الحوالة- الضّمان

الجزء: 5 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم [ق 2 أ] باب تفريق الصفقة قَالَ المُزَنِيُّ- رَحِمَهُ اللَّهُ-: "اخْتَلَفَتْ أَقَاوِيلُهُ فِي ذَلكَ وَبَيَّضْتُ لَهُ مَوْضِعًا أَكْتُب فِيهِ شَرْح أَوْلَى قَوْلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى".
ولم يذكر شيئًا من المسائل ولكنه ذكرها في المختصر الكبير وفي بعض نسخ المزني ترك ورقة أو ورقتين بياضًا جريًا على الرسم، ونحن نذكر ذلك وجملته: أن نقول إن تفريق الصفقة يقع تارة في ابتداء العقد عند رد أو تلف بعض المبيع قبل القبض أو غير ذلك، وأما في الابتداء فقسمان: أحدهما: أن يجمع بين شيئين لو أفرد كل واحد منهما بالعقد جاز.
والثاني: أن يكون أحدهما لو أفرد جاز والآخر لا يجوز، فيجمع بينهما، فأما القسم الأول فقسمان: أحدهما: أن يكون الجمع بينهما ممتنعًا، وهو مثل الجمع بين الأختين في النكاح أو خمس نسوة، وحكمه أن العقد في الكل باطل إذ ليس أحدهما أولى من الآخر.
والثاني: أن يكون حكم العقدين في الدين جمع بينهما في صفقة مختلفًا مثل أن يجمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، أو بيع وسلم وفي ذلك قولان: أحدهما: بضمان وبه قال أبو حنيفة: لأن جملة العوض والمعوض معلومًا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن بعض العوض ثمن وبعضه أجرة {ق 2 ب) وكل واحد منهما مجهول، وقد يرد فسخ على أحدهما دون الآخر لاختلاف حكمهما، مثل أن يغصبها غاصب فالعقد لا يبطل في البيع ويبطل في الإجارة في قدر ما يكون في يد الغاصب، أو في الصرف وغيره فيفترقان من غير قبض فيبطل في الصرف ولا يبطل في الباقي، فيحتاج أن يعرف نصيب كل واحد منهما بالتوزيع وكان ذلك مجهولًا حالة العقد.
ومن جملة هذا القسم السلم في أنواع بخلاف بيع العين إذا شمل أنواعًا يجوز قولًا واحدًا، لأن أحد الأجناس ربما ينقطع دون الباقي، قال أصحابنا: وكذلك السلم إلى آجال على القولين، والأصح من هذا أنه يجوز قولًا واحدًا، ولو جمع بين نكاح وبيع، أو نكاح وإجارة ففيه القولان في المهر، وفي العقد المضموم إليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 3

وأما نفس النكاح فلا يبطل؛ لأن جهالة العوض لا تمنع صحة النكاح، فإن قلت جاز الجمع بين العقدين صح وقسط المسمى عل مهر مثلها وعلى قيمة المبيع، أو على مهر مثلها وأجرة مثل الدار المستأجرة.
وإذ قلنا: لا يجوز فسد الكل إلا النكاح ولها مهر مثلها، وصورة المسألة أن تأذن لوليها في التزويج وتوكله ببيع عبدها، فيقول الخاطب: تزوجت بفلانة واشتريت هذا العبد بألف درهم، ويقول الولي: زوجتكها وبعت، وعلى هذا {ق 3 أ) لو باع حنطة وثوبًا بشعير كان على القولين، لأن التقابض في الشعير وما يقابله من الحنطة واجب ولا يجب في الباقي.
وأما القسم الثاني: وهو أن يجمع ما لا يجوز وبين ما يجوز، فإن باع عبد نفسه وعبد غيره بغير إذنه صفقة واحدة فالبيع باطل في ملك غيره قولًا واحدًا، وهل يصح في ملك نفسه؟ قولان منصوصان: أحدهما: لا يصح وهو اختيار القاضي الطبري وله تعليلان: أحدهما: أن الصفقة جمعت محظورًا ومباحًا فغلب الحظر.
والثاني: أنه مؤدى إلى جهالة الثمن، وذلك أن الثمن المسمى قابلهما ولابد من توزيعه عليهما بمناسبة القيمة، وربما يتفاضلان في الحصة وربما يتماثلان، وهذه الجهالة مستندة إلى طلب العقد فيبطل العقد.
والثاني: وهو اختيار أبي حامد ومشايخ خراسان وهو قول أبي حنيفة، وبه أفتى لأنهما عينان معلومتان لو أفردت كل واحدة منهما بالعقد خالف حكمها حكم الأخرى، فإذا جمع بينهما وجب أن يحكم لكل واحد منهما بحكم المنفرد، كما لو باع شقصًا وسيفًا، وهكذا إذا باع عبده وأباه أو حرًا آخر وشاةً مذكاة وميتة أو حيًا وميتًا، أو شاةً وخنزيرًا، أو باع عبده وأم ولده، أو مكاتبة صفقة واحدة.
ومن أصحابنا من قال: إذا {ق 3 ب) باع عبده وأباه، أو حيًا أو ميتًا، أو شاةً وخنزيرًا يبطل البيع في هذه المسائل الثلاث قولًا واحدًا، وهذا اختيار الشيخ حسين في شرح "التلخيص" فإن قيل: ما الفرق بين هذه المسائل الثلاث وبين أن يبيع شاة مذكاة وشاة ميتة صفقة واحدة يجوز البيع في الزكاة في أحد القولين.
قلنا: الفرق أن الشاة المذكاة إذا عرفنا قيمتها عرفنا قيمة الميتة لو لم يكن حرامًا بالشرع.
وليس كذلك الخمر والخل لاختلافهما في الصفة، وكذلك الخنزير لا يجوز تقويمه ولا تعرف قيمته بمعرفة قيمة الشاة.
وهذا ضعيف عندي؛ لأن معرفة الحر يمكن بمعرفة قيمة العبد وهذا القائل يقول: يبطل البيع فيهما قولًا واحدًا.
وقيل: قول الجواز أولى ههنا؛ لأنه لا يكون جملة الثمن فيما يقبل العقد فلا يؤدي إلى جهالة الثمن في الأول.
وقال أبو حنيفة: إن كان الفساد في إحداهما ثبت بنص أو إجماع كالحر والعبد، أو الميتة والذكاة، أو الشاة والخنزير يبطل فيهما، وإن كان الفساد في إحداهما بغير ذلك كأمة وأم ولد أو مدبر صح في الجائز.

الجزء: 5 - الصفحة: 4

وقال فيمن باع مذكى ومتروك التسمية عليه {ق 14 أ) عمدًا يبطل البيع فيهما، وخالفه أبو يوسف ومحمد في هذا، وعن أحمد روايتان كالقولين لنا، وقال مالك وداود: يبطل العقد في الكل إلا إذا باع عبده وعبد غيره يصح في عبده ويقف في عبد غيره على الإجازة.
فإذا تقرر هذا، فإن قلنا الصفقة تعرف صح العقد فيما يصح لو انفرد وبطل في الآخر، ولا فرق بين أن يكون بيعًا أغير بيع مثل أن يرهنه حرًا أو عبدًا أو زوجة أجنبية ومحرمًا الباب كله واحد.
وإن قلنا: لا تفرق لا يخلو إما أن يتقسط الثمن عليهما بالقيمة أو بالإجزاء، فإن كان من طريق القيمة لا يصح العبد فيهما بلا إشكال، وإن كان من طريق الإجزاء فحكمه مبني على اختلاف التعليلين، فإن قلنا: العلة أن الصفقة جمعت حرامًا وحلالًا لا يصح العقد فيهما أيضًا، وإن قلنا: العلة الثانية يصح فيما له؛ لأن حقه غير مجهول فيكون فيه قولًا واحدًا، يصح البيع في ماله، والصحيح أن فيه قولين أيضًا، ولا اعتبار بهذا التفصيل؛ لأن الشافعي- رحمه الله- نص على أنه لو باع ثمرة وجبت فيها الزكاة لا يصح في مقدار الزكاة وفيما عداه قولان وعلى هذا لو باع عبدًا نصفه منصوب أو نصفه حر، فإن قلنا بالعلة الأولى يبطل البيع في الكل، وإن قلنا: {ق 4 ب) بالعلة الثانية صح في النصف المملوك إذ لا جهالة لأن من باع شيئًا يعرف أن حصته نصفه نصف الثمن وعلى هذا لو رهن عبده وعبد غيره، فإن قلنا بالعلة الأولى يبطل الرهن فيهما، وإن قلنا بالعلة الثانية صح من عبده إذ لا توزيع في الرهن فإن بعض الرهن رهن لجميع الدين، وجميع الرهن رهن بجزء الدين.
وعلى هذا لو نكح أجنبية ومحرمًا بعقدٍ واحدٍ أو جمع بين حرة وأمة فعلى العلة الأولى يبطل العقد فيهما، وعلى العلة الثانية صح العقد في أحدهما؛ لأن جهالة المهر لا تبطل النكاح.
فإذا تقرر هذا، تفرق الصفقة ويصح العقد في الجائز فالمشتري بالخيار إن شاء رد البيع فيه، وإن شاء أجازه، فإن أجازه فبكم يجيزه من الثمن؟ قولان: أحدهما: يجيزه بقسطه من الثمن وهو الأصح؛ لأنه بذل الثمن في مقابلتهما فإذا بطل في أحدهما سقط قدر ما يقابله.
والثاني: يجيزه بكل الثمن؛ لأن الذي لم يصح فيه البيع لا قسط له من الثمن، فعلى القول الأول يقدر في الحر لو كان عبدًا كم كانت قيمته ويوزع الثمن عليهما، وفي الخمر يقدر أنه لو كان خلًا كم كانت قيمته، وفي الميتة يقدر أنها لو كانت مذبوحة كم كانت قيمتها.
ومن أصحابنا بخراسان من {ق 5 أ) قال: في الحر والعبد والخمر والخل والخنزير والشاة أنه يأخذ بحصته من الثمن ففيها قول واحد بكل الثمن ذكره القفال والقاضي والطبري.
وأما المذكاة والميتة قال القاضي الطبري: فيه قولان أيضًا وفرق بما تقدم، وذكر

الجزء: 5 - الصفحة: 5

القفال أنه على قول واحد، وقال في "الحاوي" إن لم يكن الحرام مالًا ولا في حكم المال كالميتة والخنزير، فقول واحد لأنه يمسك الحلال بكل الثمن، وإن كان في حكم المال كأم الولد أو يمكن أن يقوّم تقويم المال كالحر فيه قولان، والأصح أنه يمسك بالقسط، وهذا حسن عندي.
ومن أصحابنا من قال: القولان فيما يتقسط الثمن على قيمتهما.
فأما فيما يتقسط على أجزائهما كالطعام يمسك حصته قولًا واحدًا؛ لأن ما قابله من الثمن معلوم، ومن أصحابنا من قال: وهو الصحيح في الكل قولان، لأن الشافعي نص في الثمار التي وجبت الزكاة فيها إذا باعها على هذين القولين هل يمسك بكل الثمن أو بالحصة؟ وإذا قلنا: يمسك بكل الثمن لا خيار للبائع، وإذا قلنا: يمسك لحصته من الثمن هل للبائع الخيار؟ وجهان: أحدهما: له الخيار؛ لأنه يثبت للمشتري الخيار إذا تبعض عليه المبيع فيثبت للبائع الخيار [ق 5 ب] إذا تبعض عليه الثمن.
والثاني: وهو الصحيح لا خيار، لأنه دخل في العقد عالمًا أنه يصح في العبد دون الحر وأنه لا يقابله الثمن فرضي بتبعض الثمن، وأما في النكاح إذا جوزنا في الجائز.
لا تلزمه إلا الحصة من المهر فيوزع المسمى على مهر المثل المرأتين قولًا واحدًا، لأنه لا خيار له فيه، فإن ألزمناه بكل المسمى في مقابلة بضع إحدى المرأتين كان ظلمًا وفي البيع له الخيار، فإذا ألزمناه بكل الثمن في أحد القولين ما ظلمناه لأنه اختار ذلك هل إذا باع معلومين، أما إذا باع معلومًا ومجهولًا مثل إن قال: بعتك عبدي هذا وعبد آخر بألف، فإن قلنا: لا تفرق الصفقة بطل فيهما، وإن قلنا: تفرق، فإن قلنا: يأخذ الباقي بكل الثمن أو يرد صح لأن الجهالة قد زالت.
وإن قلنا: يأخذ الحصة بطل لأنه لا يمكن الرجوع إلى حصته ثمنه من المسمى لأن الآخر مجهول.
والقسم الثاني: من تفريق الصفقة وهو أن يفرق في الانتماء وذلك قسمان: أحدهما: أن يفرق بغير اختيار من أحدهما.
والثاني: أن يكون بالاختيار، فأما بغير الاختيار فقسمان: أحدهما: أن ينفسخ في أحدهما والآخر قائم.
والثاني: أن يكون الآخر [ق 6 أ] تالفًا، فإن كان قائمًا مثل أن يبيع عبدين فيموت أحدهما قبل القبض والآخر باقٍ في يده، أو في المشتري أو يكري دارين فتنهدم إحداهما، فالصحيح أن هذه المسائل لا تبطل العقد في الآخر قولًا واحدًا؛ لأن الفساد لم يوجد في نفس العقد ولا يتعدى من أحدهما إلى الآخر ثم للمشتري الخيار، فإن اختار

الجزء: 5 - الصفحة: 6

الإجارة يمسكه بحصته قولًا واحدًا، لأن الثمن قابلهما جميعًا، فإن تلف أحدهما لم تنتقل حصته من الثمن إلى الآخر؛ بل بقي بحصته بخلاف ما لو كان أحدهما ميتًا عند العقد؛ لأن العوض لا يقابل الميت، وهذا اختيار أبي حامد.
وقال بعض أصحابنا: يجيء فيه القولان لتفريق الصفقة؛ لأن الفساد الطارئ بعد العقد قبض القبض بمنزلة المقارن، وكذلك هل يمسك الباقي بحصته من الثمن أو بكل الثمن؟ قولان، ذكره القاضي الطبري، أو القاضي أبو حامد وهذا ضعيف عندي، ومن أصحابنا من قال: هذا مرتب على القسم الأول فإن قلنا: هناك.
يبطل في الكل فههنا قولان، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا لم يقبض أحدهما، فإن قبض أحدهما وتلف الآخر في يد البائع ترتب على ما لم يقبض أحدهما [ق 6 ب].
فإن قلنا: لا يبطل هناك في القائم فههنا أولى، وإن قلنا هناك يبطل فههنا قولان.
والفرق أنه تأكد بالقبض بخلاف ذاك، وإن وقعت الصفقة على سلعة بعينها كثوب أو دار فاحترق بعض الثوب أو انهدم بعض الدار، أو كان عبدًا فذهب بعض أعضائه فإنه يأخذ ما بقي ناقصًا بكل الثمن إن اختار الإجازة.
وروى البويطي هذا ثم قال: وقد قيل: يأخذه ويقسط عنه ما يقبض بحصته من الثمن، وهذا غلط والمذهب الأول، هذا إذا كان بآفة سماوية فإن جنى عليه فقد ذكرنا، والقسم الآخر أن يكون الآخر تالفًا عند المشتري بأن يتلف أحد العبدين عنده ويتلف الآخر عند البائع، أو يكتري دارًا فيسكنها بعض السنة، ثم انهدمت فما مضى من السنة من منفعته مقبوضة تالفة ومنفعة الباقي تلفت قبل القبض، فالحكم فيه ما قلنا أن الفساد لا يؤدي إلى التالف عند المشتري أو عند المستأجر، وهل له الخيار في الفسخ فيما تلف عنده حتى يرد قيمته ويسترد كل المسمى أو في الدار يغرم أجرة المثل لما مضى ويسترد المسمى كله؟ قولان، أصحهما ليس له ذلك بخلاف ما لو كان الباقي قائمًا يمكن رده، والباقي له الخيار {ق 7 أ) كما في القائم، ثم سواء قلنا: لا خيار له أو قلنا: له الخيار فاختار الإجازة فإنما يلزمه بالصحة قولًا واحدًا للعلة التي ذكرنا بكل ما قلنا في البيع والإجازة فمثله في المسلم إذا قبض البعض ثم انقطع جنس المسلم فيه من أيدي الناس وقلنا: ينفسخ العقد فيما بقي بنفاد المسلم فيه.
فأما إذا قلنا: لا ينفسخ ولكن يثبت للمشتري حق الفسخ فالكلام فيه كالكلام في الرد بالعيب، وهو القسم الآخر أن يكون الفسخ بالاختيار وله حالتان أيضًا إما أن يكون الآخر الذي لا عيب به أو لا يريد رده قائمًا أو تالفًا، فإن كان قائمًا فهل له تفريق الصفقة؟ قد ذكرنا قولين، وإذا جوزنا ورد أحدهما رده بحصته من الثمن، ولا يجوز غير هذا لأنه لو رده بكل الثمن يكون ظلمًا، وإن أمسك الباقي بكل الثمن باختياره فدعت فائدة الرد، وإن كان الآخر تالفًا، فإن قلنا: هناك له تفريق الصفقة فههنا أولى وإلا فقولان وقد ذكرنا ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 7

باب اختلاف المتبايعين

أخبرنا أبو عيينة .... وذكر الخبر .... إذا اختلف المتبايعان في قدر الثمن الذي عقد به البيع فقال البائع: بعت بألفين وقال المشتري: بل بألف يتحالفان [ق 7 ب] ويفسخ العقد، ولا فرق بين أن تكون السلعة قائمة أو تالفة وبه قال محمد، وأحمد في رواية، وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: إن كانت السلعة قائمة يتحالفان، وإن كانت تالفة فالقول قول المشتري مع يمينه ولا يتحالفان، وهي الرواية الأخرى عن أحمد.
وعن مالك ثلاث روايات: إحداها: مثل قولنا.
والثانية: قول أبي حنيفة.
والثالثة: إن كان قبل القبض يتحالفان، وإن كان بعض القبض، فالقول قول المشتري وذكر في "الحاوي" رواية عنه أن القول قول من الشيء في يده، لأن اليد تدل على الملك.
وقال زفر، وأبو ثور وداود: القول قول المشتري بكل حالٍ؛ لأن الأصل براءة الذمة واحتج الشافعي- رحمه الله- بما روى ابن مسعود- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار.
وفي ظاهر هذا اللفظ إشكال؛ لأن الإجماع من الجمهور منعقد على التحالف في حال قيام السلعة وليس في ظاهر هذا اللفظ أمر بالتحالف ولكنه قال: فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار.
وإزالة هذا الإشكال أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين من الحكم ما هو {ق 8 أ) أقرب إلى الإشكال والوهم، وأعرض عن بيان الواضح.
ومعلوم أن البائع إذا ادعى على المشتري زيادة الثمن فلا يكاد يشكل أن القول قول المشتري في نفي تلك الزيادة، وإنما يشكل جانب البائع في هذه المسألة فعمد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى محل الإشكال وأوضحه بقوله: "فالقول قول البائع" وقد علم بالإجماع الذي لا يخفي معناه أن القول قول المشتري فتوجه اليمين على كل واحد منهما، وإن كانت إحدى اليمينين بظاهر الخبر واليمين الأخرى بالإجماع، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم- في حديث آخر، وهو ما رواه مالك أنه بلغه عن ابن مسعود- رضي الله عنه- أنه كان يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "أيما بيعين تبايعا فالقول قول البائع أو يترادان" ومعنى هذا الحديث مثل معنى الحديث الأول وليس في هذا الحديث ذكر الاختلاف ومعناه الاختلاف ولكنه ضرب عن الإيجاز والاختصار، وإنما قوله في الحديث

الجزء: 5 - الصفحة: 8

الأول "والمبتاع بالخيار" فمعناه، والله أعلم أن البائع إذا ادعى أن البيع انعقد بألفين والمشتري يزعم أنه انعقد بألفٍ فالمبتاع {ق 8 ب) بالخيار إن شاء أحدهما بألفين كما يزعم البائع، وإن شاء خلف وفسخ ورد واسترد.
وهذا الخيار كان للبائع أيضًا، لأنهما إذا تحالفا فالبائع إن شاء طلب الفسخ، وإن شاء رضي بقول المشتري وسلم السلعة بألفٍ، وهذا أيضًا ضرب من الاختصار فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكر الخيار في جانب المشتري نبهنا على الخيار في جانب البائع لاشتراكهما في الصفة واستوائهما في التحالف.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان يتحالفا ويترادا" ومعنى التراد: يحتمل أن يكون راجعًا إلى تراد العقد وهو الفسخ، وقيل: إنما ذكر البائع لأنه يبدأ بيمينه، ثم قال الشافعي- رحمه الله تعالى-: "قَضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّ البَيِّنَةَ عَلَِى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ" فإذا تبايعا عبدًا ثم اختلفا في الثمن فالبائع يدعي فضل الثمن والمشتري يدعي ملك السلعة بأقل من الثمن فيتحالفان، وقصد الشافعي به تقرير ما قدمناه تقريره وهو أن كل واحد منهما مدعي من وجه ومدعى عليه من وجه فتوجهت اليمين على كل واحد منهما.
واحتجوا بما روى ابن مسعود رضي {ق 9 أ) الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا فشرط قيام السلعة، قلنا: روى بعض مشايخنا بخراسان، والسلعة قائمة أو تالفة" ثم نص على قيام السلعة تنبيه على حال تلف السلعة؛ لأن عند قيامها يمكن معرفة ثمنها في العرف وقول من هو أقرب إلى الصدق بخلاف حال التلف، فإذا تحالفا حال قيام السلعة فلأن يتحالفا عند التلف أولى.
وهكذا لو اختلفا في قدر المبيع فقال البائع: بعتك هذا العبد وحده بألف، وقال المشتري: بل هذا وهذا الآخر بألف أو في صفة الثمن، فقال البائع بالصحاح، وقال المشتري بالمكسرة وهكذا لو اختلفا في شرط يلحق بالعقد يختلف الثمن باختلافه مثل إن قال: بعتك بألفٍ نقدًا، وقال المشتري إلى سنة، أو قال البائع إلى سنةٍ، وقال المشتري: إلى سنتين أو اختلفا في أصل خيار الشرط أو في قدره، أو ضمان عهدة المبيع أو في قدرها أو في الشهادة، أو في قدرها مثل إن قال: على أن تشهد لي بالثمن شاهدين، وقال المشتري: بل {ق 9 ب) شاهدًا واحدًا، ففي كل هذا يتحالفان.
وقال أبو حنيفة، وأحمد- رحمهما الله تعالى-: لا يتحالفان في هذه المسائل والقول قول من ينفيه.
وهذا غلط لأنهما اختلفا في صفة العقد القائم بينهما وليس معهما بينة فوجب أن يتحالفا، كما لو اختلفا في الثمن.
وأما إذا اختلفا في شرط يفسد العقد فالقول قول من ينفي ذلك بلا خوف نص عليه في البويطي.
هكذا ذكره أهل العراق، وقد

الجزء: 5 - الصفحة: 9

ذكرنا عن صاحب "التقريب" أنه قال: القول قول مدعي الفساد، وكان ينكر أصل العقد والأصل عدمه فيقبل قوله.
وقال القفال: عندي فيه قولان، وقال صاحب "الإفصاح" والقاضي الطبري وجهان كمن أقر بمال وقرن به ما يسقطه مثل إن قال: ضمنت مالًا على أني بالخيار أو على ألفٍ من ثمن عبد اشتريته بثمن مجهول.
ولا فرق بين هذا وبين أن يقول: اشتريت منه هذا العبد بألف بأجل مجهول، ولو اختلفا في شيء مما ذكرنا بعدما تلف المبيع في يد البائع لا معنى له؛ لأن البيع قد بطل بذلك ولو اختلفا فقال: بعتكه بشرط البراءة من العيب وأنكر المشتري، فإن قلنا: هذا الشرط يبطل البيع فالقول قول من ينفيه على ظاهر {ق 10 أ) المذهب.
وإن قلنا: يصح البيع والشرط وقد ذكرنا أن القول قول المشتري وهو الصحيح ويبطل الشرط فلا يحتاج إلى التحالف، لأنه لا يضر إقرارهما به، والشرط غير لازم، وإن بدأ بيمين المشتري جاز، وهكذا ذكره عامة أصحابنا.
وقال في "الحاوي": ظاهر المذهب أنه يبدأ بيمين البائع، فهل تقديمه في اليمين بطريق الأولى أو من طريق الاستحقاق؟ وجهان: أحدهما: أنه استحقاق فإن قدم عليه المشتري لا يجوز إلا أن يؤدي إليه اجتهاده وهو الأشبه.
والثاني: أنه على طريق الأولى، فإن قدم على المشتري جاز، وإن لم يؤد إليه اجتهاده.
ثم اعلم أنه نص ههنا أنه يبدأ بيمين البائع.
وقال في السلم يبدأ بيمين المسلم إليه، وهو بمنزلة البائع.
وقال في الكتابة: يبدأ بيمين السيد وهو كالبائع.
وقال في "النكاح": إذا اختلفا في الصداق يبدأ بيمين الزوج وهو كالمشتري وقال في "كتاب الدعوى والبينات": يبدأ بيمين البائع.
قال للمشتري: رضيت أن تأخذهما حلف المشتري قال للبائع: إن رضيت أن تسلم إليه المبيع بما حلف عليه سلمت وإلا حلفت، وهذا يقتضي أن يكون بالخيار في البداية بأيهما {ق 10 ب) شاء واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يبدأ بيمين البائع وبه قال أحمد للخبر الذي ذكرنا، فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار، ولأن جانبه أقوى لأنهما إذا تحالفا انفسخ البيع وعادت السلعة إلى ملك البائع فكان اليمين من جانبه كما قلنا في صاحب اليد القول قوله مع يمينه.
والثاني: يبدأ بيمين المشتري، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن جانبه أقوى فإنهما يقران بأن السلعة ملكه في الحال، وإنما يدعي البائع عليه زيادة الثمن.
والثالث: الحاكم بالخيار فيبدأ بأيهما شاء، لأنهما مدعوان، لأن حق البائع في

الجزء: 5 - الصفحة: 10

الثمن وحق المشتري في المبيع فتساويا في اليمين كرجلين تنازعا دارًا في أيديهما فالحاكم يحلفهما ويبدأ بما شاء منهما.
وقال بعض أصحابنا: المسألة على قول واحد يبدأ بيمين البائع، وإنما قال في النكاح: يبدأ بيمين الزوج لأنهما إذا تحالفا لا يبطل النكاح ويبقى البضع على ملك الزوج كما تبقى السلعة على ملك البائع بعد التحالف ههنا فحل الزوج محل البائع.
وأما قوله في "كتاب الدعوى والبينات" له تأويلان: أحدهما: أنه أراد أن يبين البداءة ليست بشرط في صحة اليمين {ق 11 أ) ههنا وإنما هي استحباب.
والثاني: ذكر مذهب الحاكم لا مذهب نفسه فكأنه قال: إن كان مذهب الحاكم البداية بيمين البائع، قال للمشتري كذا، وإن كان مذهبه البداية بيمين المشتري قال للبائع كذا، وليس كالدار يتنازع فيها اثنان، لأن لا ميزة لأحدهما على الآخر وههنا للبائع مزية على ما ذكرنا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه طريقة ثالثة وهي أن في هذا أو في النكاح قولين: أحدهما: يبدأ بيمين البائع ويمين الزوجة؛ لأن الأصل أنهما ملك البائع والأصل أن لا نكاح.
والثاني: يبدأ بيمين الزوج والمشتري كما ذكرنا أن البائع يدعي زيادة الثمن والمرأة تدعي زيادة العوض.
فإذا تقرر هذا فإنه إذا بدأ بالبائع وهو الصحيح فحلفه فلابد من أن يحلف على النفي والإثبات، والظاهر من مذهب الشافعي- رحمه الله تعالى- أنه يجمع بينهما في يمين واحدة.
نص عليه في "الأم" فقال: بدأت بيمين البائع فإذا اختلف قلت للمبتاع: أترضى أن تأخذ المبيع بما حلف عليه البائع والظاهر من هذا يمين واحدة.
وقال في كتاب "الدعوى والبينات": وإذا تداعا رجلان دارًا في يد أحدهما فحلف أحدهما صاحبه على {ق 11 ب) النصف الذي في يده، وقلت للآخر: أتحلف فإن حلف قسمت الدار بينهما نصفين وإن لم يحلف ردت اليمين على الحالف، فإن حلف قضيت له بجميع الدار فنص على أنه لابد من أن يحلف يمينًا على النفي ويمينًا على الإثبات، واختلف أصحابنا فيه فمنهم من قال ههنا قولان: أحدهما: يميناً واحدة.
والثاني: يمينين ولا خلاف في مسألة تداعي الدار أنه يحتاج إلى يمينين ومن أصحابنا من قال: هذا قول واحد كما نص عليه في "الأم" والفرق أن كل واحد منهما يدعي نصف الدار في يد صاحبه، فلو قلنا يمينًا واحدة على النفي والإثبات فكان قد حلف على إثبات ما في يد الغير قبل نكوله، وذلك لا يجوز، وههنا لا خلاف في أصل

الجزء: 5 - الصفحة: 11

العقد، فإذا حلف على ما وقع عليه العقد لم يكن ذلك يمينًا على ما في يد غيره قبل نكوله عن اليمين فافترقا، فإذا قلنا: يحلف يمينًا واحدة وهو المذهب يجمع فيها بين النفي والإثبات فيقول: والله الذي لا إله إلا هو ما بعته بكذا، ولقد بعته بكذا، ثم قيل للمبتاع قد حلف البائع أترضى بما حلف عليه، فإن لم يرض حلف فقال: والله الذي لا إله إلا هو ما اشتريته بكذا وإن نكل عن اليمين قضى [ق 12 أ] عليه بالثمن الذي حلف عليه البائع وقد تقدم النفي على الإثبات.
وإذا قلنا: يحلف يمينين يبدأ البائع فيحلف ويقول: والله الذي لا إله إلا هو ما بعته بكذا، ثم يقول للمشتري: حلف على النفي فيحتاج أن يحلف على النفي أيضًا، فإن لم يحلف جعلناه ناكلًا ورددنا اليمين على البائع فيحلف على الإثبات، وإن حلف المشتري على النفي فقال: والله ما اشتريت بكذا فقد تساويا فتعاد اليمين على البائع في الإثبات يقول: والله لقد بعته بكذا، فإن لم يحلف قيل للمشتري: احلف على الإثبات، فإن حلف فقد تساويا، وإذا نكل عن اليمين قضينا عليه الثمن الذي حلف عليه البائع، وتقدم النفي على ما ذكرنا.
وقال الإصطخري: يبدأ بالإثبات لأن الله تعالى قدم الإثبات على النفي في اللعان، ثم يقول في الخامسة: وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين، وهذا غلط؛ لأن الأصل في الأيمان النفي ولا يثبت بها لا بالنكول ورد اليمين أو تبعًا للنفي فيجب أن يقدم النفي، وأما اللعان فكل الأيمان هناك إثبات وليس فيها نفي، وقوله: إن كان من الكاذبين إثبات للصدق مثل قوله: إنه لمن الصادقين.
فإذا تقرر هذا، وحلفا جميعًا فهل [ق 12 ب] ينفسخ البيع أو يحتاج إلى فسخ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: ينفسخ كما لو لاعن الزوج ينفسخ النكاح ولأن بالتحالف صار الثمن مجهولًا فأوجب انفساخه.
ومنهم من قال: لا ينفسخ ويحتاج إلى فسخ وهو المذهب المنصوص في كتبه الجديدة والقديمة ولا يعرف له غير ذلك، وقد قال: إذا حلف البائع قيل للمبتاع، فإذا تحالفا أولى أن لا ينفسخ وهذا لأنهما أقرا أن العقد وقع صحيحًا فيعارضهما في الحجة لا بفسخه.
فإذا قلنا بهذا فالصحيح أن الحاكم بعد تحالفهما أترضى بما قال صاحبك؟ فإن رضي أحدهما به أمضى الحكم بينهما، وإن امتنعا فسخ العقد بينهما، وبه قال أبو حنيفة: لأنه فسخ مختلف فيه كالفسخ بالغيبة فيحتاج إلى الحاكم، فعلى هذا لو فسخه المتبايعان لم ينفسخ حتى يفسخ الحكم عليهما، ولا يجوز للحاكم أن يقسمه بعد تحالفهما إلا عن مسألتهما.
ومن أصحابنا من قال: الفسخ إل كل واحد منهما فأيهما فسخ جاز اعتبارًا بالفسخ بالعيب، وهذا لأن كل واحد منهما يقول: لم يسلم إلى المبيع على الوجه الذي تناوله، وقيل: حصل ثلاثة أوجه ينفسخ بنفس التحالف.
والثاني: ينفسخ بالتحالف وفسخ أحد المتبايعين [ق 13 أٍ].

الجزء: 5 - الصفحة: 12

والثالث: ينفسخ بالتحالف وفسخ الحاكم.
فإذا قلنا: ينفسخ أو يفسخ فهل يقع الفسخ ظاهرًا وباطنًا؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يقع ظاهرًا وباطنًا كفسخ النكاح باللعان أو كالفسخ بالعيب.
والثاني: يقع ظاهرًا لأن العقد وقع صحيحًا وإنما تعذر إمضاؤه في الظاهر فكان الفسخ في الظاهر دون الباطن.
والثالث: إن كان البائع ظالمًا [يقع] في الظاهر دون الباطن، وإن كان مظلومًا وقع في الظاهر دون الباطن، والفرق أنه إذا كان البائع مظلومًا تعذر الوصول إلى تمام الثمن من جهته فهو كإفلاسه، فيكون البائع أحق بعين حاله أو كوجوده عيب بالثمن المعين، وإذا كان ظالمًا يمكنه الوصول إلى تمام حقه من الثمن، فإذا لم يفعل لم يحكم بارتفاع العقد في الباطن، وهذه الثلاثة الأوجه ترجع إلى وجهين في الحقيقة، لأنه لابد من أن يكون ظالمًا أو مظلومًا.
فإذا قلنا: يقع الفسخ ظاهرًا وباطنًا يعود المبيع إلى ملك البائع يتصرف فيه كيف شاء، فإن كانت جارية حلت لها وطئها وتمليكها لغيره ببيع وهبة وغير ذلك.
وإذا قلنا: ينفسخ في الظاهر دون الباطن، فإن تقارا على العقد جاز، وإن لم يتقارا فإن كان البائع ظالمًا لا يجوز له التصرف في المبيع لأنه [ق 13 ب] باعه بثمنن وهو قادر على تسليمه بذلك الثمن، ولو كانت جارية لا يحل لها وطئها ولا استخدامها بحالٍ، وإن كان مظلومًا فإنه بمنزلة من له حق على غيره ولا يصل إليه من جهته وقد حصل في يده ماله من غير جنس حقه فله أن يستوفي حقه من ثمنه، وهل يحتاج إلى دفعه إلى الحاكم ليتولى بيعه أو له بيعه بنفسه؟ وجهان؛ فإذا قلنا يبيعه الحاكم أو له بيعه بنفسه وجهان، فإذا قلنا يبيعه الحاكم أو قلنا: يبيعه بنفسه فباعه نظر، فإن كان ثمنه وفاء حقه أخذه، وإن كان أقل منه كان له الفضل عليه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان أكثر يلزمه أداء الفضل على المشتري، لأنه لا يستحقه، ثم إذا تحالفا وترادا فالزوائد الحاصلة في ملك المشتري تبقى له ولا يلزمه أن يرد شيئًا منهما؛ لأنه كان مالكًا وإنما زال ملكه بما حدث من الفسخ، ولو كان وطئ الجارية لا يلزمه المهر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قلنا ينفسخ العقد بنفس التحالف ويجعل في التقتير كأنهما اختلفا في وقت التبايع، فقال هذا: بعت بألف، وقال ذاك: اشتريت بخمسمائة فلا ينعقد البيع بقول في حقيهما يجعل كأن العقد وقع باطلًا لا في حق غيرهما فيلزم رد الزوائد، والمهر لازم إذا كان وطئها [ق 14 أ] ولا يرد العين والمبيع لأنه حق ثالث سواهما، وهذا كما لو اشترى عبدًا وباعه ثم تقارا هو والبائع الأول على أن العبد كان حق الأصل لا يبطل حق المشتري ويقبل قولهما في حقهما كذلك ههنا، وإن كان البيع تالفًا وتحالفا وفسخ العقد بينهما يغرم قيمته، وإن زادت قيمته على ما ادعاه البائع.
وقال ابن خيران: لا يلزم الزيادة على الثمن لأنه لا يدعيها، وهذا غلط لأنه بالفسخ

الجزء: 5 - الصفحة: 13

سقط اعتبار الثمن وصار الاعتبار بالقيمة، وأي قيمة يغرم؟ فيه وجهان: أحدهما: يغرم وقت التلف كالمأخوذ على وجه القوم.
والثاني: يغرم أكثر ما كانت قيمته من يوم القبض إلى يوم التلف وهو كالوجهين في ضمان قيمة المبيع الفاسد، وإن كان فيها نقصان فيغرم للبائع أرش ذلك النقصان، وإن كانت بكرًا فأزال بكارتها يلزم أرش البكارة، وإن وطئ الثيب فلا شيء عليه، وإن اختلفا في قدر القيمة أو قدر أرش النقص، فالقول قول المشتري لأنه غارم، وإن كانت جارية وقد زوجها المشتري ردها من وجه وغرم نقصان ما بين قيمتها من وجه ويخير من وجه قيمة لا ثمنًا، وإن كانت مرهونة أو مكاتبة فهو كما لو كانت فاتنة ببيع أو عتق، وإن كانت مؤاجرة [ق 14 ب] فإن قلنا: لا يجوز بيع المؤاجر فهي كالمرهونة، وإن قلنا: يجوز بيع المؤاجر فهي كالزوجة.
فرع لو كان المشتري رهنه، قد ذكرنا أنه كالغائب ولا ينفسخ الرهن ولكن هل له أن يأخذ المشتري بفكاكه قبل محله؟ فيه وجهان، فمن أذن لغيره في رهن عبده هل يطالبه بهذا؟ قولان: ثم إن افتكه منه رده على بائعه وبرئ من ضمانه، وإن بيع في الرهن ضمن قيمته للبائع.
فرع آخر لو كانت التالفة مما له مثل فيه وجهان: أحدهما: يرد مثله كالمغضوب.
والثاني: يلزمه قيمته لأنه لم يضمنه وقت القبض بالمثل، وإنما ضمنه بالعوض دون المثل بخلاف المغضوب.
قال في "الحاوي": وهذا أصح.
فرع آخر قال ابن الحداد: لو أن رجلين اختلفا في ثمن العبد الذي باعه أحدهما من صاحبه، فحلف البائع بحرية العبد أنه صادق فيما زعم وحلف المشتري كذلك فهذا ليس بتحالف ينفسخ به العقد، بل ينبغي أن يحالف بائعه عند القاضي، فإن تحالفا بعد ذلك عند القاضي دُعيا إلى التراضي فإن رضي أحدهما بما قال صاحبه حتى نفذ البيع بينهما وبقي العبد للمشتري له يعتق عليه، وإن لم يتراضيا فسخ العقد بينهما [ق 15 أ] عتق على البائع وكذلك لو رجع يومًا من الدهر إلى البائع عتق عليه، والمعنى فيه أن كل واحد منهما زعم أن صاحبه

الجزء: 5 - الصفحة: 14

كذب حين حلف بحرية العبد غير أن المشتري يقول: حلف كاذبًا بحريته والذي مكنك يعتق عليك فيؤخذ إقراره متى ملك العبد، وهذا كما أن المشتري إذا أراد رد المبيع بعيب فقال البائع: كيف ترده عليّ؟ وقد أعتقته، فقال المشتري: ما أعتقته فالقول قوله يحلف أني ما أعتقته، فإذا رد على البائع عتق عليه بإقراره، ولو قبله المشتري، ثم قال: عتق على المشتري لأنه أحنث نفسه بتصديق البائع.
فرع آخر لو اختلفا فقال أحدهما: بعتك هذا العبد بألف درهم وقبضتها فأنكر المشتري، وقال: لا بل بعت هذه الجارية مني بألف درهم، قال أصحابنا: لا يتحالفان؛ لأن التحالف إنما يثبت بين المتعاقدين إذا اتفقا على العقد واختلفا في صفته وليس كذلك ههنا؛ لأن كل واحد منهما يدعي عقدًا غير العقد الذي يدعيه الآخر والتحالف إنما يكون إذا اتفقا في انتقال ملكه إلى المشتري وههنا لا يوجد ذلك.
فإذا تقرر هذا، فإن لم يكن مع واحد منهما، بينة حلف هذا ما باع الأمة وأخذها وحلف المشتري [ق 15 ب] ما اشترى العبد، فإذا حلف نظر، فإذا كان العبد في يد المشتري لا يلزمه تسليمه إلى البائع لأنه لا يدعيه، وإن كان في يد البائع لم يجب على المشتري قبضه لأنه لا يدعيه، وإن كان مع كل منهما بينة وأقام البائع بينة أنه باع منه العبد وقبض الثمن، وأقام المشتري بينة أنه اشترى الجارية ووقر الثمن، فإن الجارية تسلم إلى المشتري، وأما العبد فإن كان في يد المشتري يترك في يده، ولا يرد على البائع؛ لأن البينة قد قامت بأنه ملكه ولا يدعيه أحد فأقر في يده، وإن كان في يد البائع فلا يترك في يده بلا خلاف، لأنه معترف بأنه ملك للغير ولا حق له فيه وما الذي يعمل به؟ فيه وجهان: أحدهما: يجبر المشتري على تسليمه؛ لأن البينة قد قامت بأنه ملكه وسقط ضمانه عن بائعه.
والثاني: لا يجبر على تسليمه وهو منكر له، كما لو أقر لرجل بمال فأنكره لا يجبره الحاكم على أخذه، ثم إذا أخذه الحاكم نظر فيه، فإن كان الأحظ له بيعه، وحفظ ثمنه فعله، ومتى طلب دفعه إليه لأن ملكه لا يبطل بجحوده وله أن يتصرف بما شاء من البيع وغيره إلا الوطئ، فإنه لو كان المبيع جارية لا يحل له وطئها لإقراره أنها محرمة وعليه نفقتها ذكره في "الحاوي" [ق 16 أ] وإن كان الأحظ منه أن يؤاجره أو يأذن له في الكسب وينفق عليه من أجرته أو كسبه فعل، ثم يكون فاضل أجرته وكسبه في بيت المال حتى يعترف المشتري به ويأخذه مع الفاضل من كسبه وأجرته، ولو مات وخلف ورثته ذلك دفعه إليهم.
وقال القاضي الطبري: يتحالفان في هذه المسألة أيضًا؛ لأن ابن الحداد ذكر أنهما

الجزء: 5 - الصفحة: 15

لو اختلفا في الصداق فقالت: مهرتني أمي.
وقال الزوج: بل مهرتك أباك يتحالفان، ولا فرق بين هذه المسألة وبين هذه، وهذا هو المذهب.
وقيل: حد الاختلاف المثبت للتحالف أن يدعي كل واحد منهما عقدًا صحيحًا لا على الوجه الذي يدعيه صاحبه، ولو قدرنا ذلك الاختلاف موجودًا حالة العقد امتنع انعقاده، فإنه لو قال: بعتك بألفٍ فقال: قبلت بخمسمائة لا ينعقد وهذا المعنى موجود في مسألتنا، فإن قيل: ههنا اختلفا في عقد واحد؛ لأن الصداق عوض في النكاح وفي مسألتنا عقدان.
قلنا: هما إذا اختلفا في العوض؛ لأن الصداق عوض في النكاح وفي مسألتنا عقدان قلناهما إذا اختلفا في العوض بثمن واحد، فقد أثبتنا أحد العوضين واختلفا في الآخر.
ولا فرق بين أن يكون الاختلاف {ق 16 ب) في الثمن أو في المثمن، وقوله: إنهما عقدان فإن أحد العوضين إذا اتفقا عليه صار كالاختلاف في صفة العقد، وهو كما لو قال: بعتك هذا العبد بألف فقال: اشتريت منك هذين العبدين بألف فإنهما يتحالفان كذلك ههنا، وأما انتقال الملك فقد وجد في الثمن لأنهما اعترفا بثبوته للبائع.
وعلى هذا يحلف البائع ما باع هذه الجارية ويحلف المشتري ما اشترى هذا العبد بألفٍ على ما تقدم من النفي والإثبات.
فرع آخر لو اختلفا فقال البائع: بعتك هذا العبد بهذا الألف بعينه، وقال المشتري: الذي اشتريت بهذا الألف بعينه هذه الجارية دون هذا العبد فهذا اختلاف في عقد واحد، لأنهما اتفقا في الثمن فيكون اتفاقهما على المثمن واختلافهما في الثمن فيتحالفان كما يتحالفان هناك، ويحلف هنا إذا قالا بألف مطلقًا لأنه اختلاف في عقدين ذكره في "الحاوي" وهذا أصوب مما ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر لو اختلفا فادعى كل واحد منهما جنسًا من الثمن واتفقا على المبيع فقال البائع: بعتك هذا البيع بألف درهم، وقال المشتري: اشتريته بمائة دينار.
قال القاضي الطبري: الذي [ق 17 أ] على حفظي أنهما يتحالفان، ويمكن أن يفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، وذكر أصحابنا بخراسان أنهما يتحالفان من غير شك، وسووا بين هذه المسألة وبين غيرها من مسائل التحالف.
فرع آخر لو كان في يد المشتري خل فقال: باعنيه خمرًا، وصارت في يده خلًا، وقال البائع: ما بعته إلا خلًا فالقول قول المشتري ولا بيع بينهما.

الجزء: 5 - الصفحة: 16

فرع آخر لو اختلفا وادعى كل واحد منهما عقدًا غير العقد الذي يدعيه صاحبه مثل أن يقول: وهبته، وقال صاحبه: بل بعته فكل واحد منهما يحالف ولكن ليس كتحالف المتبايعين، فالمالك يحلف أني ما وهبته ولا يحتاج أن يقول ولقد بعته فإن البيع لا يثبت بدعواه والمشتري يحلف ما اشتريته ولا يحتاج أن يقول: ولقد وهبته لي فإنه لا تثبت الهبة بدعواه، ثم لا حاجة إلى فسخ عقد بينهما؛ لأن كل واحد من العقدين انتفي بيمين أحدهما فليس ههنا عقد ينفسخ أو يفسخ.
فرع آخر لو اختلفا في انقضاء الأجل.
قال القفال: قال الشافعي: "القول قول البائع" وتأويل المسألة في السلم؛ لأن المؤجل فيه يكون على البائع والأجل حق له، فإذا اختلفا بعدما اتفقا أن العقد بأجل بينهم مثلاً، فقال البائع: لم {ق 17 ب) ينقض، وإنما انقضى عشرون يومًا والمشتري يقول: قد انقضى فكأنهما اختلفا في وقت العقد، فالقول قول البائع كما لو أنكر البائع أصل العقد كان القول قوله، وأما في بيع العين بالمؤجل ما على المشتري والأجل حق له.
فإذا اختلفا هكذا فالقول قول المشتري، كما لو أنكر أصل ثبوت الحق في ذمته فالقول قوله.
وقال والدي: إن اتفق المتبايعان في مدة الأجل واختلفا في وقت العقد، مثل إن قالا: كانت المدة عشرة أيام ولكن البائع يقول: كان البيع قبل هذا الزمان بعشرة أيام، وقال المشتري: كان قبل هذا بخمسة أيام تحالفا وتواثقا على أنهما نسيا وقت العقد، إلا أن البائع يقول: كان آخر المدة أول يوم من شعبان، وقال المشتري: آخرهما اليوم العاشر من شعبان تحالفا أيضًا، ولا يجوز أن يقال: خلاف هذا لأنه يبطل القول بالتحالف أصلًا وكلا واحد منهما مدعي ومدعى عليه، ولو قال البائع: نسيت وقت العقد وأعرف مدة الأجل وهي شهر وأعرف أن المدة بعد العقد قد انقضت، وحجة المشتري فالقول قول المشتري لأنه مدعى عليه وعلى البائع البينة لأنه مدعي، وهذا أصح مما تقدم.
فرع آخر لو اشترى الوكيل {ق 18 أ) لموكله عبدًا، ثم اختلفا هل يكون التحالف للبائع الوكيل أو الموكل؟ وجهان: أحدهما: الوكيل يحلف لأنه المتولي للعقد، فإن نكل صار البيع لازمًا له دون موكله.
والثاني: يحلف الموكل بأن أحدًا لا يملك شيئًا بيمين غيره، فإن نكل الموكل فالبيع لازم له دون الوكيل، ولو كان الوكيل قد باع لموكله عقد، ثم اختلف الوكيل والمشتري في ثمنه ففي أحد الوجهين الوكيل يحالف المشتري، وإن نكل قضى للمشتري بالعبد وألزم الوكيل غرم فاضل الثمن للموكل وفي الوجه الثاني الموكل يحالف

الجزء: 5 - الصفحة: 17

المشتري.
ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو اختلفا فقبل التحالف ماتا أو أحدهما فوارثهما يتحالفان.
وقال أبو حنيفة: إن كان المبيع في يد وارث البائع يتحالفان، وإن كان في يد وارث المشتري فالقول قوله مع يمينه، وهذا غلط لأن ما تحالف فيه المتبايعان يحالف فيه ورثتهما كما قبل القبض.
فإذا تقرر هذا قال في المختصر: "وَإِِذَا حَكَمَ النًّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وهُمَا مُتصَادِقَانِ عَلَى البَيْعِ وَمُخْتَلِفَانِ فِي الثَّمَنِ بنَقْصِ البَيْعِ وَوَجَدْنَا الفَائِتَ فِي كُلِّ مَا نَقَضَ فِيهِ القَائِمُ مُنْتَقِضًا فَعَلَى المُشْترِي رَدُهُ إِنْ كَانَ قَائِمًا أَوْ قِيمَتُهُ إِنْ كَانَ فَائِتًا كَانَتْ [ق 18 ب] أَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ أَوْ أَكْثَرَ".
ومعنى هذا الكلام قياس التالف على القائم بمعنى أنهما متصادقان على البيع مختلفان في الثمن الذي يدعي وجوب قبضه فوجب أن يتحالفا، وقد بينا الحكم في القيمة إذا كانت تالفة، ولم يختلف قول الشافعي في أن هذا التحالف يقبل الفسخ، وإنما اختلف قوله حيث لا تدعو الضرورة إل تعيين الفسخ في التالف مثل أن يتبايعا ويتقابضا وهما في مجلس الخيار أو مدة الخيار فتلفت السلعة في يد المشتري ثم يقتضي فسخ البيع بحق الخيار ففي المسألة قولان وقد ذكرنا ما قيل فيه.
مسألة قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَخْتَلِفَا وَقَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ لَا أَدفَعُ حَتَى أَقْبِضَ".
الفصل أراد لم يختلفا في صفة العقد وإلا فهذا نوع اختلاف وتنازع، فإذا تنازعا في البداية بالتسليم فقال البائع: لا أسلم السلعة حتى أقبض الثمن.
وقال المشتري: لا أدفع الثمن حتى أقبض السلعة ذكر المزني: أن الشافعي- رحمه الله تعالى- ذكر أقاويل ولم يصفها، وقد ذكرها في "الأم" في باب الاستبراء.
قال بعض المشرقيين: لا يجبر واحد منهما على الدفع ولكن يقال: أيكها تطوع بالتسليم أجبرت الآخر عليه، وقال بعضهم: يكلفهم الحاكم أن يحضره الثمن والمثمن ثم يدفع المثمن إلى المشتري ويدفع الثمن إلى البائع {ق 19 أ) لا يبالي بأيهما يبدأ.
وقال بعض العلماء: يأسرهما بدفع الثمن والمثمن إلى عدل، ثم يأمره بدفع الثمن إلى البائع والمثمن إلى المبتاع.
وهذا والذي قبله سواء في الحكم وإن كانا في صورة

الجزء: 5 - الصفحة: 18

قولين، وقال بعضهم: يجبر الحاكم البائع على تسليم السلعة إلى المشتري، فإذا فعل وكان الثمن حاضرًا أجبر المشتري على دفعه إليه.
قال الشافعي: وإنما قلنا بهذا دون غيره لأن البائع قد أقر أن السلعة مملوكة للمشتري فلا يجوز أن يحبس عليه ملكه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج يجبر المشتري أولًا على تسليم الثمن، وبه قال أبو حنيفة، ومالك واختلف أصحابنا في المسألة على طرق، قال أبو إسحاق: فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يجبر البائع أولًا؛ لأن الحق في العين أقوى في الدين ولهذا يعدم المرتهن على الغرماء، والعين، لا يتصور فيها الأجل فهي أولى بالتقديم من الدين الذي قد يكون مؤجلاً، وبه قال أحمد: والثاني: وهو الذي اختاره يأمرهما بإحضار الثمن والمثمن عنده وعند عدل على ما ذكرنا؛ لأن لكل واحد منهما قبل صاحبه حقًا فلا يتركان يتمانعان الحقوق، كما لو كان لهذا على ذلك دين وفي ذاك لهذا غصب يجبران؛ لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر.
والثالث: [ق 19 ب] لا يجبر واحد منهما على ما ذكرنا لأنهما دخلا في هذا العقد على التراضي فينبغي أن يتما على التراضي، وكل واحد منهما معذور في منع ما عنده لأنه في مقابلة ما عند صاحبه.
وقال بعض أصحابنا: فيه أربعة أقاويل.
والرابع: يبدأ بالمشتري، لأن للبائع حق الحبس لاستيفاء الثمن ولا يلزمه التسليم قبل استيفائه، كالمرتهن لا يلزمه تسليم الرهن حتى يقبض الدين.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان؛ لأن الشافعي قال: ولا يجوز من هذا إلا الثاني أو يجبر البائع، وهذا ضعيف.
وقال بعض أصحابنا: وهذا اختيار أبي حامد وجماعة المسألة على قول واحد أن يجبر البائع؛ لأن الشافعي ذكر الأقوال واختار هذا واختلف أصحابنا في جواب الشافعي- رحمه الله تعالى- في المختصر فمنهم من قال: أجاب على إجبار البائع لأنه قال: "يأمر البائع بدفع السلعة".
ومنهم من قال: أجاب عن قوله لا يجبران لأنه قال: "يأمر البائع"، ولم يقل يجبر البائع، وإنما استعمل لفظة الإجبار بعد تسليم السلعة إلى المشتري فقال: ويجبر المشتري على دفع الثمن من ساعته والأول أليق بلفظ [ق 20 أ] الشافعي؛ لأن ظاهر أمر السلطان محمول على الإجبار، وقد قال: يأمر البائع والآمر هو الحاكم فقد صار البائع مجبرًا لما صار مأمورًا، ولو كان الثمن معينًا كالمبيع بأن باع عرضًا بعرض فلا يجيء إلا قولان: أحدهما: يدعهما الحاكم حتى يتطوع أحدهما ثم يجبر الآخر.
والثاني: ينصب لها أمينًا ولا يجيء القولان الآخران، وهذا لأن كل واحد منهما بائع ومشتري.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يتخير الحاكم في البداية بأيهما شاء، فأما إذا تنازع

الجزء: 5 - الصفحة: 19

الزوجان في النكاح في البداية بالتسليم لا يجيء فيه إجبار الزوجة على تسليم نفسها؛ لأن البائع إذا سلم المبيع يمكن أن يحجز على المشتري والزوجة إذا سلمت نفسها لا يمكن منع الزوج من الاستمتاع فيصير تسليم نفسها مبطلاً لحقها.
فإذا تقرر هذا وقلنا بالقول الأول وهو ظاهر المذهب لا يخلو إما أن يكون المشتري واجدًا للثمن أو غير واجد، فإن كان غير واجد مثل أن يكون مفلسًا محجورًا عليه فهو كالمفلس يشتري سلعةً وأفلس بالثمن قبل قبضه فللبائع فسخ البيع.
ومن أصحابنا من قال: تباع عليه السلعة ويقضي دينه من ثمنها، فإن كان وفق ما عليه فلا كلام، وإن كان أكثر أخذ الفضل [ق 20 ب] وإن كان أقل كان عليه ما بقي وهذا ليس بشيء، وإن كان واجد الثمن وهو أن لا يكون مفلسًا محجورًا عليه فلا يخلو الثمن إما أن يكون معه في المجلس حاضرًا فيأمره بالدفع إليه، وإن كان الثمن في البلد ولكنه غائب عن المجلس، فقال: أذهب فأحمله إليه، فإن الحاكم لا يدفع إليه المبيع ويحجر عليه فيه، وفي سائر أمواله حذرًا من أن يبيعه ويتلف سائر ماله فلا يصل البائع إلى حقه، فإذا أحضر الثمن فات الحجر عنده وسلم السلعة إليه، وينبغي أن يشهد على حجر المشتري ووقف السلعة كما يشهد على سائر ماله، وإن كان الثمن غائبًا عن البلد، فإن كان على مسافة يقصر فيها الصلاة لا تسلم إليه السلعة، ولا ينظر إلى أن يحمل الثمن؛ لأن في ذلك إضرارًا بالبائع وفيه وجهان: أحدهما: يكون بمنزلة المفلس له فسخ المبيع أو الصبر إلى حين إحضار الثمن.
والثاني: لا يكون حكمه حكم المفلس لوجود المال وإن بعد فيبيع الحاكم السلعة ويوفي البائع حقه من ثمنها.
قال ابن سريج: واختلف أصحابنا في المفلس حتى يثبت للبائع الرجوع في غبن ماله، فمنهم من قال: إذا لم يف قيمة السلعة مع سائر ماله بديونه فإن كان له ما إذا انضم إلى ماله يفي [ق 21 أ] بالديون لا يرجع في عين المال، بل تباع السلعة وتقضي ديونه، ومنهم من قال: ينبغي أن يكون ماله سوى قيمة هذه السلعة وفاء بالدين، فإن لم يكن فالبائع أحق بعين ماله.
وكلام الشافعي ههنا يدل على هذا الوجه، وإن كان الثمن على مسافة لا تقصر فيها الصلاة فيه وجهان: أحدهما: الحكم فيه كما لو كان في البلد.
والثاني: الحكم فيه كما لو كان على مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأن على البائع ضرراً في أنظاره.
وقال في "الحاوي": إن كان على مسافة ثلاثة أيام لا ينتظر ويصير كالعسر، وإن كان على مسافة أكثر من يوم وليلة وأقل من ثلاثة أيام وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 20

(أحدهما): ينتظر.
والثاني: لا ينتظر وهذا حسن.
فإذا تقرر هذا، قال بعض أصحابنا بخراسان: في هذه المسألة المخصوصة دليل على أن الرجل إذا كان عليه دين وماله أكثر من الدين جاز للحاكم أن يحجر عليه إذا طلب الخصم الحجر، وهو ظاهر المذهب بين أصحابنا؛ لأن الشافعي -رحمه الله تعالى -أمر بالحجر على المشتري لما وجب عليه ثمن السلعة، ومعلوم أن هذه السلعة ماله وله مال غائب غيرها، فماله في الظاهر أكثر من دينه، وقد حجر عليه [ق 21 ب] وسيأتي كلام الشافعي دلالة على أن للحاكم أن يحجر على المشتري من غير أن يطلب البائع ذلك الحجر؛ لأنه قال: "فَإنْ غَابَ مَالَهُ أُشْهِدَ عَلَى وَقْفِ مَالِهِ وَأُشْهِدَ عَلَى وَقْفِ السِّلْعَةِ"؛ ولم يشترط أن يستدعي على البائع هذا الوقف، وهذا الحجر، فيحتمل أن يكون مراده إذا طلب البائع الحجر فعلى الحاكم أن يحجز، لأنه حق البائع فليس للحاكم طلب ما لم يطلب مستحقه، ويحتمل أن يحجر عليه في هذه المسألة خاصة من غير استدعاء البائع لمعنيين اثنين: أحدهما: أن الخصومة وقعت عند الحاكم واطلع عليها وعرف عواقبها، فله أن يسد على الخصمين طريق المخاصمة في المستقبل فيحجر على المشتري ليصل إلى البائع حقه وينقطع عند الحكم توابع خصومتها.
والثاني: أن الحاكم إذا أجبر البائع على التسليم نظر للمشتري فلذلك يجب أن يفطن للبائع ما أمكنه ومما يمكنه أن يطالبه بالثمن في المجلس إن كان حاضرًا، ويحجر عليه إن كان ماله غائبًا، وإن لم يسأله البائع الحجر، ولو أجبر البائع ثم لم ينظر بهذا الحجر بمحض نظره لأحدهما دون الآخر، وذلك مما لا يسوغ له، فلهذا المعنى والله أعلم شاع هذا الحجر من غير استدعاء الخصم [ق 22 أ].
فرع لو باع عبدًا بألف فلما تم البيع هرب المشتري قبل قبضه، فإن كان المشتري محجورًا عليه كان البائع أحق بعين ماله، وإن لم يكن له مال باع الحاكم العبد، وإن كان ثمنه مثل الثمن الأول دفعه إليه، وإن كان أكثر حفظ الفضل له، وإن كان أقل يتبع المشتري بالباقي.
فرع آخر لو دفع المشتري نصف الثمن، وقال للبائع: أقبضني بقدر ما قبضت مني من الثمن فيه وجهان: أحدهما: يلزمه إقباض نفس المبيع، لأن الثمن مقسط.
والثاني: وهو المذهب لا يلزمه إقباضه ما بقى عليه من الثمن شيء، لأنه محبوس

الجزء: 5 - الصفحة: 21

على استيفاء الحق كالرهن سواء وللمرتهن حبسه، ما دام جزء من الحق باقيًا.
وقال ابن سريج: فيه قولان، وأراد التخريج.
مسألة قال: "وَلَا أُحِبُّ مُبَايَعَةَ مَنْ أَكْثَرُ مَالِهِ رِبًا أَوْ حَرَامٍ".
قد ذكرنا هذه المسألة عند مالك لا يجوز مبايعته بناء على غالب الحال، والأصل في هذا أن من طرأ شك على أصل محرم، مثل أن توجد شاة مذبوحة لا يدري ذبحها مسلم أو مجوسي لا يحل أكلها، وإن طرأ على أصل مباح كالماء وجد متغيرًا ولا يدري تغير بنفسه أو بنجاسة فإنه على أصل الإباحة، وإن [ق 22 ب] طرأ على ما لا أصل له من إباحة أو حظر مثل مسألتنا يكره ويجوز، وهذا لأنه يستحب التورع.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه لم يبال الله تعالى من أي باب جهنم أدخله" وقال: "ملاك دينكم الورع" وأما الجواز فلما روي أن رجلًا سأل ابن مسعود -رضي الله عنه -فقال: إن لي جارًا يزني أفأكل ماله فقال: لك مهناه وعليه مأثمه.
فرع لو كانت قرية فيها عبدة الأوثان أو المجوس لم يجز شراء الذبيحة فيها، وإن أمكن أن يكون ذبحها مسلم أو كتابي، لأن الأصل التحريم فلا يزول ذلك إلا بيقين أو ظاهر، وليس ههنا واحد منهما، ولو كانت في بلد المسلمين فالظاهر إباحتها فيحل شراؤها.
فرع آخر قال ابن سريج: لو باع عبدًا بألف درهم بيعًا فاسدًا وسلم المبيع إلى المشتري وأتلف البائع حتى يستوفي منه حقه ويكون أحق به من سائر الغرماء وهذا لا يصح؛ لأن صاحب العبد لم يدفعه إليه بل دفع بيعًا فإذا فسخ البيع انقطع.
فرع آخر قال رجل لرجل: بع عبد من فلان بخمسمائة على أن عليَّ شأن البيوع أن يكون كل الثمن على المشتري، والثاني: يصح ويكون على ما شرط [ق 23 أ] كما لو قال طلق زوجتك على كذا، والأول أصح؛ لأن العبد إذا ملك بخمسمائة لم يبق شيء يزال الملك عنه بعوضٍ.

الجزء: 5 - الصفحة: 22

فرع آخر قال ابن سريج: لو قال: بعه من فلان بألف على أن عليَّ ضمانه أو على أن عليّ منه خمسمائة فباعه نظر، فإن تجرد العقد عن ذكر الضمان فالبيع جائز والضمان باطل، وإن باعه بهذا الشرط فالبيع صحيح، وكان بشرط الضمان فالبائع بالخيار.
وقال بعض أصحابنا: إن شرط هذا قبل العقد يلزمه لأنه ضمان ما لم يجب، وإن كان في العقد لزمه لأنه ضمان مع الوجوب، فهو كما لو كان بعده.
وهذا اختيار القاضي الطبري وهو الأصح.
فرع آخر لو قال مجهول النسب لرجل: أنا عبد فلان اشترى منه وخلصني من رقه فاشتراه، ثم بان حرًا فالدرك على البائع بكل حالٍ.
وقال أبو حنيفة: إن كان البائع غائبًا غيبة منقطعة فالدرك على العبد وإلا فلا.
وهذا غلط، لأنه لم يوجد منه إلا الغرور فلو رجع إليه في أحد الحالين لرجع في الحالة الأخرى والله أعلم.

باب الشرط الذي يفسد البيع

مسألة قال: "وَإِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا".
[ق 23 ب] الفصل هذا كما قال: الشروط في البيع على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون من مقتضاه ومربحته كالبيع بشرط الملك بالعقد وتقابض الثمن والتصرف فيهما بعد العقد فلا يضر العقد.
والثاني: أن لا يكون من مقتضاه ولكن من مصلحته كالبيع بشرط الضمين أو الكفيل أو الرهن أو الإشهاد بالثمن أو الخيار أو الأجل الصحيح فلا يضر العقد أيضًا.
والثالث: أن لا يكون من مقتضاه ولا من مصلحته، مثل أن يبيع بشرط أن لا يبيع أو لا يعتق أو لا يسافر به ولا يملك بالعقد، ولا ينفذ بصرفه فيه أو لا ينقطع بالمبيع ونحو ذلك، فكل هذا يبطل العقد إلا في مسألة واحدة، وهو أن يبيع بشرط العتق على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وبطلانه للجهالة بالثمن إلا أنه على ضربين: ضرب يقتضي

الجزء: 5 - الصفحة: 23

نقصان الثمن، وضرب يقتضي الزيادة كل شرط ينفع المشتري، وعلى هذا إذا باع جارية على أن لا خسارة عليه في ثمنها أو على أن تحمل هذه النخلة عشرة أوسق وهذه للمشتري ترغيبًا له في الشراء بعتكها على أنك لا تخسر فيها، فإن خسرت فعليَّ خسران خسران [ق 24 أ] وهذا لا موضوع للعقد أن لا يرجع إلى البائع عهدة خسران المشتري إنه خسر، فإذ شرط ما يضاد موضوعه بطل.
وروي أن ابن مسعود اشترى جارية من امرأته زينب وأشرط إن باعها فهل لها بالثمن، فاستفتى عبد الله بن عمر فقل: لا تقربها وفيها شرط لأحدِ.
وروي أنه اشترى جارية وشرط خدمتها فقال عمر -رضي الله عنه -لا تقربها وفيها مثنوية، قال الحسن، والنخعي، وابن أبي ليلى، وأحمد، وأبو ثور -رحمهم الله -: يبطل الشرط في هذه المسائل ويصح البيع.
وقال إسحاق: وإن كان أكثر بطل البيع والشرط، وقال الأوزاعي، وابن خزيمة إذا باع دارًا وشرط سكناها للبائع جاز.
واحتجوا بما روي عن جابر -رضي الله عنه -أنه قا: ابتاع مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرًا بمكة فلما أنفذني شرطت عليه أن يحملني على ظهره إلى المدينة.
واحتج الحسن بما روي أن عائشة -رضي الله عنها -اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمواليها فأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم البيع وأبطل الشرط، وهذا غلط لما ذكرنا.
وأما الخبران فيحتمل أن الشرط كان [ق 24 ب] مقدمًا على العقد أو متأخرًا عنه وعندنا يجوز ذلك، ولهذا ذكر الشافعي -رحمه الله تعالى -الشرط مع لفظ الشراء.
وقال ابن شبرمة وحماد: هذه الشروط لازمة والبيع جائز إلا أن يقول على أنه لا يملك ويجوز ذلك.
وقال مالك -رحمه الله -: إن شرط البائع من منافع البيع يسيرًا لسكني يومين أو ثلاثة صح البيع والشرط، وهذا غلط لأنه شرط ليس في مقتضى العقد ولا من مصلحته ولم يبين أمره على التغليب فيبطل العقد كما لو باع بشرط أن لا يسلم.
فرع لو شرط شرطًا لا تعلق له بأحكام العقد ولا يتضمن إلزام أمر لا يلزم عليه بأن قال: بعتك على أن تصلي الصلوات الخمس، أو تصوم رمضان أو تخرج الزكاة يصح البيع ووجوده كلا وجود، ولو لم يذكر هذه الشروط في صلب العقد ولكنها ذكرت في مجلس العقد بعد التواجب استند إلى العقد وأبطله، لأن مجلس العقد يحاكي حالة التواجب، ألا

الجزء: 5 - الصفحة: 24

ترى أن الزوائد المذكورة في مجلس العقد تلحق بأصله، وهكذا لو ذكر له في مدة خيار الثلاث؛ لأن الشراء لا يتكامل ببقائها.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان بناء على أن الملك للبائع أو للمشتري وإن ذكراه بعد انقضاء الخيار ولزوم العقد [ق 25 أ] فلا يضر العقد.
وقال أبو حنيفة: يلحق العقد ويبطل، ولو حذف هذه الشروط بعد العقد لا ينفعه ولا يعود العقد صحيحًا ولا بد من استئنافه.
مسألة قَالَ: وَلَوْ قَبَضَهَا فَأَعْتَقَهَا لَمْ يَجُزْ عِتْقُهَا".
وهذا كما قال: كل موضع فلنا البيع فاسد والمشتري لو قبضه لم يملكه بالقبض ولو تصرف فيه لم ينفذ تصرفه عتقًا كان أو غيره.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله تعالى -: عليكم بالقبض وينفذ فيه عتقه وسائر تصرفاته إلا أنه يحرم عليه وطئها، وللبائع أن يسترجع بالزوائد أجمع ويأخذ مهرها للوطء وهذه مناقضة، ووافقنا لو اشترى بميتة أو دم لا يملكه بالقبض.
فرع لو اراد أن يستردها هل للمشتري أن يجلس المبيع حتى يسترد الثمن؟ ظاهر المذهب أن له ذلك لأنه سلم بإزاء الثمن ولم نسلم له.
وحكي عن ابن سريج -رحمه الله تعالى -ليس له الحبس لأنه مقبوض بعقد فاسد كالرهن الفاسد، وهكذا في الإجارة الفاسدة.
المأخوذ سومًا يضمن سواء جرى ذكر الثمن أو لا.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يضمن إذا لم يجبر ذكر الثمن، وهذا غلط لما روي أن عمر -رضي الله عنه -أخذ فرسًا على سوم فعطبت عنده فترافعا إلى شريح العراقي [ق 25 ب] فقال لعمر: أخذته صحيحًا سليمًا فأنت له ضامن حتى ترده صحيحًا فأعجب عمر رأيه فولاه القضاء.
مسألة قاَلَ: "وَإِنْ أَوْلَدَهَا رُدَّتْ إلَى رَبِّها".
الفصل: وهكذا كما قال: إذا اشترى جارية شراءً فاسدًا بثمن حرام أو شرط فاسد

الجزء: 5 - الصفحة: 25

وأمسكها (مدة) يلزمه ردها إلى ربها وإنما فرض الشافعي -رحمه الله -المسألة في الجارية؛ لأنه يتفرع عليها أحكام كثيرة ثم إذا ردها لا يخلو من ثلاثة أقوال: أحدها: أن يكون الرد قبل الوطء، فإنه لم يرد ولم يقبض فعليه أجرة مثلها في المدة التي أمسكها، إن كانت خادمة فبأجرة خدمة مثلها، وإن كانت صانعة فبأجرة مثلها في صنعها، فإن كانت لها صناعات فأجرة أعلاها، وإن كانت زائدة ردها مع الأجرة بزيادتها منفصلة كانت أو متصلة، وإن كانت ناقصة ردها مع أرش النقص والأجرة كالغصب سواء لأنها في يده بغير حق.
والثاني: أن يكون الرد بعد الوطء قبل الإحبال، فالحكم في الزيادة والنقصان والأجرة على ما ذكرنا.
وأما حكم الوطء فلا حد عليه لشبهة الملك ويلزمه مهر مثلها؛ مثلها بكرًا، [ق 26 أ] ويلزمه أرش البكارة مع ذلك لأنه يلزم لإزالة البكارة وإتلاف الجزء، والمهر يجب بالوطء والاستمتاع فهما حقان مختلفان يجبان بشيئين مختلفين، فيجتمعان كما لو افتضها بأصبع ثم وطئها يلزم المهر مع أرش البكارة.
فإن قيل: هلا قلتم: لا يلزم أرش البكارة كما لو تزوج بامرأة بكر نكاحًا فاسدًا فوطئها يلزمه مهر مثلها ولا يلزمه أرش البكارة؟ قلنا: الفرق أن المرأة رضيت من الوطء الذي يتضمن إزالة البكارة بالمهر فلا يجب لها أرش البكارة، وليس كذلك السيد ههنا لأنه لم يعاوضه على الوطء، وإنما عاوضه على رقة الجارية، فإذا كانت المعاوضة فاسدة لزم المشتري ضمان جميع ما أتلفه من الاستمتاع وما أتلفه من الجزء بالافتضاض.
قلت: هكذا ذكره أبو حامد وغيره وذكره القاضي الطبري -رحمه الله -أيضًا في المذهب المجرد وروايته في المنهاج في مسائل الإفضاء للقول نص الشافعي -رحمه الله -على أنه يجب على الواطئ في النكاح الفاسد والمهر مع أرش الافتضاض وإنما لا يجب ذلك على الزوج لأنه يملك إتلاف البكارة بعقد النكاح فلا يجب ضمان بخلاف الوطء في النكاح الفاسد، وهذا غريب وهو القياس عندي.
وذكر في [ق 26 ب] "الحاوي" مثل ما قاله أبو حامد وفرق بأن الأمة مضمونة عليه باليد فيلزمه أرش البكارة لوجود النقص في يده والحرة غير مضمونة عليه باليد.
فإن قيل: لم لا يدخل أرش الافتضاض في مهر المثل لأن الافتضاض بهذا الوطئ والفعل واحد؟ قلنا: لا نقول ذلك لأن الأرش إنما يجب بالتقاء الختانين فهو كما لو افتضها بأصبع لا يدخل الأرش في المهر.
فإن قيل: إذا أوجبتم أرش الافتضاض ينبغي أن توجبوا مهر مثلها ثيبًا لا بكرًا كما لو افتضها بأصبع ثم وطئها يلزم مهر مثلها ثيبًا.
قلنا: الفرق أن هناك لم ينل كمال اللذة لأنه

الجزء: 5 - الصفحة: 26

وطئها ثيبًا فلا يلزمه كمال المهر، وههنا نال كمال اللذة لأنه وطئها بكرًا فيلزمه كمال المهر.
فإن قيل: إذا أوجبتم مهر مثلها بكرًا فالزيادة على مهر الثيب بإزاء ذهاب البكارة فلا توجبوا أرشًا آخر لأنه يؤدي إلى تضمينه مرتين، قلنا: مهر البكر يجب لحصول كمال اللذة، فإن اللذة في وطء البكر أكثر منه في وطء الثيب، والأرش في مقابلة الجزء التالف فيضمن ضمانين لشيئين مختلفين فسقط السؤال.
فإن قيل: هلا قلتم لا يلزم المهر [ق 27 أ] لأن البائع أذن له في وطئها بغير مهر كما لو أباح وطء لإنسان فوطئها لا يلزمه المهر؟ قلنا: لا نقول ذلك لأن البائع يسلم إليه الجارية ليملكها ويطأها في ملكه، فإذا لم يصح الملك فوطئه صادف ملك الغير فيلزمه المهر، وههنا أذن له بالوطء في ملكه.
قلت: هذا السؤال مع الجواب في تعليق أبي حامد ولا ينبغي أن يسلم هذه المسألة؛ لأن الوطء لا يستباح بالإباحة فعوضه لا يسقط بالإباحة، ويحتمل قولين لأن الشافعي -رحمة الله عليه -ذكر في الراهن إذا أذن للمرتهن بوطء المرهونة فوطئ هل يلزمه المهر؟ قولان، وهذا إذا كان جاهلًا بالتحريم، فإن كان عالمًا به، فهو زنا، والزنا لا يوجب المهر إلا عند الإكراه في الأمة أيضًا على الصحيح من المذهب.
والثالث: أن يكون الرد بعد الوطء والإجبار والكلام في الأجرة وأرش النقض والمهر على ما ذكرنا، وأما الكلام في الولد فإنه ينعقد حرًا لأنه اعتقد حريته عند الوطء ولا عليه لأحد لأنه لم يمسه رق ولا ناله عتق ونسبة ثابتة منه، لأن الوطء كان بالشبهة فإنه خرج حيًا فعلى المشتري قيمة للبائع لأنه أتلف [ق 27 ب] عليه رقه باعتقاده وكان من سبيله أن يكون مملوكًا لسيد الأمة وتعتبر قيمته حالة الوضع؛ لأنها حالة الحيلولة ولا يمكن معرفة القيمة قبلها ولا الحيلولة بينه وبينه قبلها، وسواء عاش الولد الخروج أو مات، فالقيمة واجبة لأنها التزام بالقضاء له حيًا، وقال أبو حنيفة ومالك -رحمهما الله - تسقط القيمة بموته قبل حكم الحاكم وتعتبر قيمة الولد يوم الحكم لا يوم الولادة، وقصد الشافعي -رحمه الله - بقوله ههنا: مات الولد قبل الحكم وبعده الرد عليها، وإن خرج الولد ميتًا فلا تلزم القيمة لأنه غير متقوّم لأجل أنه من حين الولادة وثبت له أحكام الدنيا ويمكن تقويمه، وقبل ذلك لا يمكن تقويمه ولا يتحقق إن كان حيًا أو لا، ولأن الحيلولة تحصل عند الانفصال، فإذا انفصل منها ميتًا تحصل الحيلولة وهو مال فلا يلزمه الضمان.
فإن قيل: أليس لو ضرب بطن امرأة فألقت جنينًا ميتًا يلزمه ضمان الولد؛ لأن السبب كان منه فينبغي أن يوجبوا ههنا قيمة الولد، وإن كان ميتًا؟ قلنا: الفرق هناك الظاهر أنه أتلفه بالجناية وبسبب منه وليس ههنا ظاهر يدل على أن إتلافه بسبب منه فافترقا [ق 28 أ] وأيضًا ضمانه مقدر بالبيع إما بعشر قيمة الأم، إن كانت أمة، أو بعشر دينها إن كانت حرة فيمكننا تضمينه مقدر الشرع، وإن خرج ميتًا، وههنا ضمانه بتقويم السوق، وإذا سقط ميتًا لا قيمة له فلا يلزمه شيء وما دام حملًا لا يمكن تقويمه وهذا كما نقول: لو غصب جارية مفرطة السمن فنقص من سمنها في يد هذا المشتري ولم ينقص قيمتها به لا

الجزء: 5 - الصفحة: 27

شيء عليه للنقصان، وعلى هذا لو ضرب ضارب بطن هذه الجارية فخرج الولد ميتًا تلزم الغرة على الجاني وللسيد الأقل من هذه الغرة ومن عشر قيمة الأم، فالباقي يكون لورثة الجنين ولا يجب على المشتري شيء، وهذا لأن ضمان الضارب قام مقام خروجه حيًا فضمنه البائع، وإنما ضمنه بأقل الأمرين لأن الغرة إن كانت أقل لم يضمن أكث من ذلك؛ لأن بسبب ذلك ضمن.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجب على المشتري هذا وللمشتري على ذلك الحال الغرة لأنه كما يقوّم على الجاني يقوّم على المشتري الولد بخلاف ما لو خرج ميتًا، إلا أن المشتري يضمنه مملوكًا لآخر فيلزمه أقل الأمرين، والجاني يضمنه حُرًا.
ونظير هذا أن عبدًا لو جنى ثم مات لا شيء على [ق 28 ب] سيده، ولو قتله قاتل وأخذ السيد قيمته فعليه الأقل من قيمته وأرش جنايته بقدمه للمجني عليه، وهذا خطأ عندي لأنه ليس بإيجاب على المشتري على ما ذكرنا، ولهذا لو لم يأخذ المشتري من الجاني شيئًا لا يلزم على المشتري للسيد شيئًا كما في المسألة التي استشهد بها.
ومن أصحابنا من قال: يجب على المشتري قيمته وإن سقط ميتًا، لأنه مملوك فيضمن باليد، وهذا غلط لما ذكرنا.
فإن قيل: ما تقولون فيمن غصب جارية وزنى بها فخرج الولد ميتًا هل يضمن قيمة الولد؟ قيل: قال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه ذلك قولًا واحدًا، والفرق أنه يضمنها بالغصب ضمانًا شاملًا لها ولجميع أجزائها وولدها في البطن من أجزائها، فإذا صار ضامنًا للولد وهو حمل في البطن لم يبرأ عن ضمانه بالموت، وههنا يضمنه المشتري على حكم الشبهة ولا يتصور في هذه الحالة ضمان يد لا ضمان إتلاف وهي حالة التقويم فاستحال تضمينه على حكم الشبهة فلم يضمن، ذكره الإمام الجويني -رحمه الله -في "المنهاج".
وقال بعض أصحابنا بالعراق: لا يضمن الغاصب أيضًا وغلطوا ما قال بخلافه كما ذكرنا من العلة، ولا يقال إنه صار [ق 29 أ] ضامنًا للولد هو حمل في البطن لأنَّا لا ندري أنفخ فيه الروح أم لا فلا معنى لما ذكره.
وإذا تقرر هذا، لو ردها على صاحبها، ثم ولدت فنقصت بالولادة يلزمه أرش النقصان، فإن ماتت منها يلزمه قيمتها؛ لأن سبب إتلافها كان منه، وهل تتحمل قيمتها العاقلة؟ قولان.
فإن قيل: أليس لو تزوج امرأة نكاحًا فاسدًا فأحبلها فماتت في الطلق لا يلزمه ضمانها فما الفرق؟ قبل: فيه قولان: أحدهما: يلزم ديتها على عاقلته فلا نسلم، وإن سلما فما الفرق أن المقصود بعقد النكاح الوطء، ولهذا لا يجوز نكاح من لا يحل وطئها وهي أذنت بالوطء للنكاح فكأنها تلفت بسبب أذنت فيه فلا ضمان، وهذا الوطء غير مقصود بعقد البيع، ألا ترى أنه يحل شراء أمة لا يحل وطئها، فلم يكن الإذن في البيع إذنًا في الوطء، فإذا تلفت بسبب الوطء

الجزء: 5 - الصفحة: 28

كانت مضمونة عليه، وأيضًا ضمان المملوك أو بيع بنون الأمة يضمن باليد بخلاف الحر، ولا تصير هذه الجارية أم ولد قولًا واحدًا لأنها علقت بحر في غير ملكه، وإذا ملكها بعد ذلك هل تصير أم ولد له؟ قولان.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: تصير أم ولده [ق 29 ب] بناء على أصله أنها ملكه، ولو تلفت في يد المشتري يضمن أكثر ما كانت قيمة من حين القبض إلى حين التلف كالمغصوب نص عليه.
ومن أصحابنا من قال: يضمن قيمته يوم التلف كالعارية لأنه في يده بإذن صاحبه بخلاف الغصب، لأن في الغصب عدوانًا يتغلظ به الضمان، والأول أصح لأنه يضمن نقصه كضمان الأصل، وعلى هذا لو سمنت ثم هزلته يلزمه ضمان النقص.
نص عليه وكذلك يلزمه ضمان الولد إن تلف.
ومن أصحابنا من قال: لا يضمن ذلك، لأن البائع دخل في العقد ليأخذ بدل العين دون الزيادة، وهذا غلط لأنه يضمن المنافع، وإن لم تدخل في العقد كذلك.
مسألة قال: "وَلَوْ كَانَ بَاعَهَا فَسَدَ الْبَيْعُ".
الفصل وهذا كما قال، إذا اشترى جارية شراءً فاسدًا وقبضها، ثم باعها المشتري فالبيع الثاني باطل، لأن ابتاع من غير مالك، فإن كانت السلعة قائمة كان للبائع أن يطالب من وجدها في يده ورد الثمن على من اشتراها منه، ورد المشتري منه على المشتري الثاني، وإن كانت تالفة فللبائع الأول أن يغرم من شاء منها؛ لأن كل واحد منهما قبض الجارية بعقدٍ فاسدٍ [30 أ] فكانت مضمونة على كل واحد منهما.
فإذا ثبت هذا لم يخل قيمة الجارية من أجد أمرين: إما أن يكون عند المشتريين واحدًا، أو يكون عند أحدهما أكثر وعند الآخر أقل، فإن كانت قيمتها عندهما واحدة مثل أن قيمتها الأول وهي تسوي ألف درهم وسلمها إلى الثاني وهي تسوي ألفًا ثم تلفت، فإن البائع الأول يرجع على أيهما شاء، فإن رجع على الأول رجع الأول على الثاني، وإن رجع على الثاني لم يرجع الثاني على الأول، لأن تلفها كان في يد المشتري الثاني ومتى استويا في الضمان وانفرد أحدهما بتلف الشيء في يده، فإن الضمان يستقر عليه، وإن غرم التالي للبائع الأجرة لا يرجع على الأول قدر ما كان في يده، وإن كانت قيمتها عند أحدهما أقل، وعند الآخر أكثر فإن كانت قيمتها عند الأول ألفًا، وعند الثاني ألفين، فإن ما حدث من الزيادة في يد الثاني مضمون على الأول، لأنه لم يبرأ من ضمانه لخروجه

الجزء: 5 - الصفحة: 29

من يده بغير إذن صاحبه، فعلى هذا يكون الجواب فيه مثل ما ذكرناه في القسم الذي قبله، وإن كانت قيمتها عند الأول ألفين وعند الثاني ألفًا فإن النقصان الذي [ق 30 ب] حدث في يد الأول مضمون عليه دون الثاني، لأنه ليس من الثاني سبب في حصول الزيادة في يد الأول، فإن رجع غرمه ألفين، ورجع الأول على الثاني بألفٍ، وهو قيمتها في يد الثاني.
وإن رجع على الثاني غرمه ألفًا ورجع بالألف الآخر على الأول، وهذا على المذهب الصحيح المنصوص، وقد ذكرنا وجهًا عن بعض أصحابنا أنه يجب قيمتها وقت التلف.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان كما في العارية، والمأخوذ سومًا وفيه نظر.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: يلزمه أقل الأمرين من القيمة أو الثمن لأنه رضي.
فرع لو اشترى عبدًا بشرط أن يعتقه فالمشهور من مذهب الشافعي -رحمه الله -: أن البيع والشرط صحيحان نص عليه في "الأم" وغيره، وبه قال مالك -رحمه الله -. وروى أبو ثور عن الشافعي أنه قال: يصح البيع ويبطل الشرط حكاه القاضي أبو حامد في الجامع، ومن أصحابنا من قال: يجب على هذين القولين: أن البيع يبطل أيضًا؛ لأن الشرط إذا بطل وجب أن يبطل البيع فحصل فيه ثلاثة أقوال: ومن أصحابنا من قال: المسألة على قول واحد، وما حكاه أبو ثور لا يصح عنه [ق 31 أ].
وقال القفال: فيه قولان: المنصوص أنه يصح البيع والشرط، والثاني: أنه مخرج أنهما باطلان، وبه قال أبوجنيفة إلا أنه يناقض فقال: إذا قبضه ملكه وينفذ تصرفه، ولو تلف في يده ضمنه بالثمن لا بالقيمة بخلاف سائر البيوع الفاسدة فإنه يضمن المبيع فيها بالقيمة.
وقال أبو يوسف، ومحمد -رحمهما الله -يضمنه بالقيمة أيضًا، وروي هذا عن أبي حنيفة رواية شاذة، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن البيع جائز واحتجوا بأنه شرط على المشتري إزالة ملكه عن المبيع فكان فاسدًا، كما لو شرط عليه أن يبيعه، وهذا غلط لما روي أن عائشة -رضي الله عنها -اشترت بريرة بشرط أن تعتقها ويكون ولاؤها لمواليها فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم شرط الولاء دون العتق، وقال: "شرط الله أوثق وقضاء الله أحق والولاء لمن أعتق" ولأن هذا البيع مضمون بالثمن فكان العقد عليه صحيحًا كسائر البياعات.
وأما ما ذكروا لا يصح؛ لأن شرط العتق يفارق غيره لأنه قربة يصح أخذ العوض عنها، وبنى على التغليب والسراية بخلاف البيع فجوزنا البيع بهذا الشرط خاصة.
فرع إذا جوزنا البيع والشرط يلزم على المشتري [ق 31 ب] فإن امتنع هل يجبر عليه أم لا؟ فيه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 30

أحدهما: يجبر عليه لأنه دخل على هذا الشرط فوجب أن يلزمه الوفاء به.
والثاني: لا يجبر عليه لأنه تصرف في ملكه فلا يستحق عليه العقد.
فرع إذا قلنا: لا يجبر عليه فالبائع بالخيار بين أن يفسخ البيع وبين أن يقيم عليه، لأنه لما باع بشرط العتق نقد بعض من الثمن لأجله، فإذا لم يعتقه ولم يجبر عليه، كان له الخيار كما لو باع بشرط الرهن ولم يرهن الخيار.
فرع لو مات هذا العبد قبل أن يعتقه فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يستقر البيع بالثمن المسمى لأنه لم يكن من العتق، ولم يلزم إلا الثمن، وهذا إذا قلنا الحق للعبد.
والثاني: يلزمه أن يرد على البائع من الثمن بمقدار ما نقصه بشرط العتق، ويقال: كم يسوي بشرط العتق وكم يسوي مطلقًا من غير شرط العتق؟ فإن كان التفاوت عشرة يلزمه عشرة مع الثمن المسمى، وهذا إذا قلنا الحق للبائع.
والثالث: البائع بالخيار إن شاء أجاز البيع، وإن شاء فسخ ورجع إلى قيمته؛ لأنه يصير بمنزلة أن يكون في يده عن عقد فاسد وهذا التعذر الوفاء بموجبه.
فرع قال القفال -رحمه الله -[ق 32 أ] وجوب هذا العتق هل يكون لله تعالى أم للبائع؟ وجهان: أحدهما: لله تعالى كمن نذر عتقًا يلزمه الوفاء به، فعلى هذا لو قال البائع: عفوت لا يسقط الوجوب، ولو أعتقه عن كفارة لا يجوز، لأنه مستحق العتق بوجه آخر.
والثاني: يثبت حقًا للبائع حتى لو رضي البائع بأن لا يعتقه لا يلزمه إعتاقه، فعلى هذا لو كان البائع يطالبه بالعتق لا يجوز إعتاقه عن كفارته، ولو عفا عنه البائع فأعتقه عن كفارته بعده هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأن هذا العتق غير مستحق عليه.
والثاني: لا يجوز لأن هذا الشرط يوكس من ثمنه، ولو صار كنقص ثمنه وقبل العتق لمن يجب؟ فيه أوجه: أحدها: للبائع.
والثاني: لله تعالى.
والثالث: للعبد، فإذا قلنا: لله تعالى يطالبه الإمام، فإن امتنع هل يعتقه الإمام عليه أم يحبسه حتى يعتق؟ وجهان كما قلنا في طلاق المولى إذا امتنع، وإذا قلنا: الحق للعبد،

الجزء: 5 - الصفحة: 31

فالعبد يخاصم، فإن امتنع فعلى ما ذكرنا، وإذا قلنا: الحق للبائع فهو يطالبه، وإن امتنع فسخ البيع.
فرع لو كانت جارية له وطئها قبل الإعتاق لأنها ملكه، ولو ولدت ولدًا فحكمه حكم الجارية المنذور عتقها وكسبها قبل الإعتاق [ق 32 ب] للمشتري.
فرع لو اشترى أباه بشرط أن يعتقه.
قال بعض أصحابنا: لا يصح الشراء لأنه التزم مالًا يمكنه الوفاء به وهو الإعتاق.
فرع قال في "الحاوي": إذا قلنا: الشرط باطل والبيع صحيح فأعتقه المشتري فعلى الوجهين كما ذكره القفال.
فرع: إذا قلنا: الشرط باطل فامتنع المشتري من إعتاقه هل للبائع خيار في الفسخ؟ وجهان: أحدهما: وهو اختيار البغداديين لا خيار له لفساد الشرط.
والثاني: وهو اختيار البصريين له الخيار؛ لأن فساد الشرط يمنع اللزوم ولا يمنع باستحقاق الخيار به كما لو شرط في المبيع رهنًا لا يلزم وكذلك يثبت الخيار للبائع.
ذكره في "الحاوي".
فرع لو باع مطلقًا فشرط الولاء للبائع متى أعتقه لا يصح البيع والشرط قولًا واحدًا، وقال الإصطخري: فيه قولان: أحدهما: هذا.
والثاني: يصح البيع ويبطل الشرط لخبر بريرة، وقال القاضي الطبري: وهذا أقيس وأومأ الشافعي -رحمه الله -إلى هذا القول في "القديم".
فرع لو قال على أن يعتقه بعد شهرٍ أو سنةٍ فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنه ..... بالشرط فكان على ما شرط.

الجزء: 5 - الصفحة: 32

والثاني: لا يجوز؛ لأنه حق [ق 33 أ] يتعلق بالعين فلا يصح بشرط التأخير.
فرع إذا اشتراه بشرط العتق، ثم باعه بشرط العتق فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعه لثبوت حق الغير فيه.
والثاني: يجوز بيعه لتعتقه الثاني كما يجوز أن يعتقه توكيله والأول أصح.
فرع إذا اشتراها بشرط العتق، ثم أحبلها يلزمه إعتاقها، ومن أصحابنا من قال: لا يعتقها؛ لأن عتقها استحق بالإحبال، وقد تعذر عليه إعتاقها وتكون بمنزلة التالفة والأول أصح.
فرع إذا باع دارًا بشرط الوقف فيه وجهان: أحدهما: يجوز قياسًا على العتق.
والثاني: لا يجوز، لأن العتق مبني على التغليب ويفرد بالعوض، ولو جاز ذلك في الوقف لجاز أن يبيعه ثوبًأ على أن يتصدق به.
فرع لو اشترى أرضًا شراءًا فاسدًأ، أو بني فيها أو غرس لم يكن للبائع قلع بنائه وغرسه، أو يقلعه ويعطيه ما نقص من قيمته وله استرجاع الدار.
وقال أبو حنيفة: ليس له استرجاع الدار، ويأخذ قيمتها من المشتري، وقال أبو يوسف ومحمد: يقضي البناء ويرد الدار إلى بائعها وهذا غلط؛ لأنه سلط على البناء فلا يؤمر بنقضه.
ذكره في "الحاوي".
فرع لو كان في يد رجل جارية لها ولد فادعى [ق 33 ب] رجل أن الجارية له وقامت له البينة له به، فالجارية تحصل له بالبينة، وأما الولد فلمن يكون؟ فيه وجهان: أحدهما: الولد يكون له أيضًا؛ لأن الشهود إنما شهدوا على أمرٍ سابق، وإن هذه الجارية كانت ملكًا له فينبغي أن يكون ولدها، كما لو شهدوا على أنه هذه الجارية له منذ وقت كذا، وذكروا مدة يمكن أن يكون الولد حدث بعد ذلك يقضي له بها وبولدها.
والثاني: وهو الأصح، وبه قال جمهور أصحابنا الولد يكون لمن هو في يده ولا

الجزء: 5 - الصفحة: 33

يبيع الأم؛ لأن الظاهر أنهما جميعًا ملك من هما في يده، فإذا قامت البينة بزوال ملكه عن أحدهما لم يزل ملكه عن الآخر.
وأما ما ذكر القائل الأول لا يصح لأنه يحتمل أنهم شهدوا أن الجارية كانت ملكًا له من ساعة أو يوم.
وهذا يدل على أن الولد حدث في ملكه.
قال ابن سريج: وهكذا الحكم في الإقرار لو كانت له جارية لها ولد فقال: هذه الجارية لفلان يكون اعترافًا له بالجارية، وهل يكون إقرارًا بالولد؟ وجهان، وقال أبو حنيفة: إن ثبت ذلك بالبينة فالولد مع الأم، وإن ثبت بالإقرار لا يتبع الولد الأم.
وغلط فيه؛ لأن الشاهد [ق 34 أ] يخبر عن أمر سابق كما أنه بالإقرار يخبر عن أمر سابق، فلا فرق بينهما.
مسألة قَالَ: "وَلَو اشْتَرَى زَرْعًا وَاشْتَرَط عَلَى الَبَائِعِ حَصَادَهُ كَانَ فَاسِدًا".
وهذا كما قال، هذه المسألة مقدمة وهي البيع إذا كان في عقده إجارة، مثل أن يقول: بعتك هذه الدار وأجزتك هذه الدار الأخرى بمائة دينار فيه قولان: احدهما: يبطلان لأنهما عقدان أحكامهما متنافية، فإذا جمع بينهما في صفقة واحدة بطلا.
والثاني: كلاهما صحيحان وتقسط المائة على قدرهما، وهو الصحيح؛ لأن اختلاف أحكامهما لا يمنع من الجمع بينهما صفقة واحدة، كالسيف والشقص، إذا جمعا في صفقة واحدة.
وأما إذا قال: بعتك هذه الدار بمائة وأجرت هذه الدار الأخرى سنة واحدة من هذا الوقت بمائة فقبلها صح العقدان معًا قولًا واحدًا؛ لأن كل واحد من العقدين انفرد عن صاحبه بعوض معلوم، ولو قال: بعتك هذه الدار وأجرتها سنة واحدة بمائة دينار لم يصح قولًا واحدًا؛ لأن مقتضى البيع أن تكون المنفعة بعد البيع حادثة عن ملك المبتاع بلا عوض، وهذا يقتضي أن يحدث في ملكه بعوض فلا يصح، وهكذا [ق 34 ب] لو قال: بعتك هذه الدار على أن تؤاجر الدار الأخرى لا يصح لأنهما كبيعتين في بيعة، وهكذا البيع إذا كان في عقد كتابة مثل أن يقول لعبده: بعتك هذا العبد وكاتبتك على نجمين بمائة فيه قولان: أحدهما: يبطلان لتنافي الأحكام.
والثاني: لا يبطلان إلا أن البيع في العبد باطل لأنه لا يجوز أن يبيع شيئًا من عبده وإنما يجوز إذا سبق عقد الكتابة، فأما تبع العقد الكتابة فلا يجوز؛ لأن البيع يصادف رقيقًا غير مكاتب.
وأما عقد الكتابة: فإن قلنا: لا تفرق الصفقة يبطلان، وإن قلنا: تفرق فالكتابة

الجزء: 5 - الصفحة: 34

بحصتها من المائة جائزة، وهكذا النكاح إذا كان في عقده بيع قولان لأن النكاح لا يبطل بحالٍ، لأنه لا يبطل بجهالة العوض.
فإذا تقرر هذا، اختلف أصحابنا في مسألة الكتاب، فقال أبو إسحاق: هو بيع وإجارة في صفقة واحدة فيجب أن يكون على قولين، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز قولًا واحدًا وهو الصحيح.
واختلفوا في العلة؛ فمنهم من قال: لأنه شرط عقدين في عقد، وقيل: إنه صار شرطًا في تأخير القبض وذلك أنه شرط عليه تسليمه محصورًا ولا يجوز شرط تأخير تسليم العين المبيعة.
وقيل: العلة [ق 35 أ] أنه استأجره ليعمل فيما لا يملكه فلا يجوز، وصورة مسألة الكتاب أن يقول: ابتعت منك هذا الزرع على أن تحصد لي، واشتراه قبل استدراكه بشرط القطع أو بعد اشتداده وكان شعيرًا حتى يصح البيع، لو لم يشترط هذا الشرط.
وهكذا الحكم لو قال: ابتعت منك هذا الثوب على أن تقطعه وتخيطه بألف فالحكم فيه في الزرع سواء، ولو قال: اشتريت منك هذا الزرع فهو كما لو استأجر رجلًا لحصاد زرع لا يملكه، ثم إذا بطل عقد الإجارة ففي البيع قولًا تفريق الصفقة، ولو قال: اشتريت منك هذا الزرع وتحصده لي بدينار لا يجوز.
وقال في "الحاوي": إن قلنا في العلة الأولى يجوز لأنه لم يجعل أحدهما شرطًا في الآخر، وإن قلنا بالعلة الأخرى: لا يجوز، وهكذا لو اشترى حطبًا إذا عرف البائع داره كما لو قال: اشتريت منك هذا أو استأجرتك حتى تنقله إلى موضع كذا فيه ثلاثة طرق: أحدهما: أنه جمع بين عقدين مختلفي الحكم فيه قولان.
والثانية: لا تصح الإجارة لأنه لم يملك [ق 35 ب] في البيع قولًا واحدًا؛ لأنه شرط فاسد في البيع، ولو أطلق في شراء الحطب المذهب أنه يصح ويسلم في موضعه.
وفيه وجه لا يصح، لأن العادة تختلف فقد يشتري ليحمل إلى داره فهو كما لو ذكر الثمن مطلقًا، وفي البلد فقدان فلو اشترى صربا وشرط على البائع أن يخصفه على خف، فإن أراد أن يكون القدر الذي يحتاج إليه الخف معيبًا وما يسقط بالحدد والتقدير يبقى للبائع، فالكل باطل لأن المبيع مجهول، وإن أراد أن تكون جميلة مبيعة فهو كمسألة الحطب للبائع أو سمسمًا على أنه إذا عصره يكون كسبه للبائع نص في الصرف على بطلان البيع، وهكذا لو شرط أن يحلجه البائع ويكون الحب له، ولو باع حنطة على أن يكون الكيل على المشتري يبطل البيع لأنه يعتبر موجب العقد بالشرط.
مسألة قَالَ: "وَلَوْ قَالَ لَهُ: بِعْنِي هَذِهِ الصَّبْرَةَ كُلَّ إِرْدَب بِدِرْهَم عَلَى أَنْ تَزِيدَنِي إِرْدَبًّا أَوْ أَنْقُصَكَ إِرْدَبًّا كَانَ فَاسِدًا".

الجزء: 5 - الصفحة: 35

الفصل وهذا كما قال، الإردب شيء من مكيال العرب بلغة مصر وهو أربعة وستون منًا ويكون أربعة وعشرين صاعًا، والفضل نصف ذلك والصبرة الكومة المجموعة من الطعام سميت [ق 36 أ] صبرة لإفراغ بعضها على بعض والكر ستون قفيزًا، والقفيز ثمانية مكاكيك، والمكوك صاع ونصف، وهو ثلاث كيلحات، والفرق ثلاثة آصع، وفي الصبرة مسائل كثير: إحداها: ما ذكره أنه إذا باع وأشار إليها يصح البيع، ورؤية ظاهرها مغنية عن رؤية باطنها؛ لأن الظاهر أن أجزائها متساوية وفي تقليبها والنظر إلى جميعها مشقة ظاهرة، ويخالف الثوي المطوي لا يصح بيعه إذا لم ينشره، لأن طرفي الثوب يختلفان في العادة، ولأن الصقالة والعصارة على ظاهره دون باطنه فلا يكون النظر إلى ظاهره مغنيًا عن النظر إلى باطنه، وقد بيّنا أنه إن وجدها قد دلس البائع فيها، بأن جعل تحتها طعامًا رديًا أو مبلولًا، أو جعلها على نشز من الأرض فللمشتري الخيار بين أن يمسكها بكل الثمن أو يردها.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسوق الطعام فرأى طعامًا فأدخل يده فيه فرأى تحته نديًأ فأظهر النداوة، وقال: هكذا تبيعوا من غشنا فليس منا".
وروي أنه قال: "أمرني جبريل صلى الله عليه وسلم أن أدخل يدي فيه".
وإن كانت مصبوبة في بركة أو بئر ووهدة من الأرض ولم يعلم البائع [ق 36 ب] فالبائع بالخيار بين الإجازة والرد.
وقال مالك -رحمه الله -إن علم البائع قدرها لا يجوز بيعها .. واحتج بما روى الأوزاعي -رحمه الله -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من علم كيل طعام فلا يبعه حتى يبينه" وهذا غلط لأنه شاهد البيع ولا يفتقر إلى معرفة كيله كما لو يعلم البائع.
وأما الخبر فمرسل، وإن صح حملناه على الندب.
والمسألة الثانية: أن يقول: بعتك هذه الصبرة كل قفيز منها بدرهم فالبيع جائز؛ لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة والثمن معلوم في التفصيل ويعلم قدر مبلغه من غير أن يرجع إلى المتعاقدين، فهو كما لو باع سلعة برأس المال، وهو مائة، وربح مائة في كل عشرة أو دابرة كل درهم يصح كذلك ههنا، وبه قال مالك، وأحمد، وأبو يوسف، ومحمد -رحمهم الله-.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: يصح في قفيز واحد دون الباقيز الثالثة: أن يقول: بعتك ربع هذه الصبرة أو ثلثها أو سدسها يصح البيع لأنه جزء معلوم بالمشاهدة.
الرابعة: أن يقول: بعتك من هذه الصبرة عشرة أقفزة كل قفيز منها بدرهم، فإن علم أن الصبرة عشرة أقفزة أو أكثر يصح، وإن لم يعلم ذلك لا يصح لا يعلم وجود البيع [ق 37 أ].

الجزء: 5 - الصفحة: 36

وقال داود -رحمه الله -: لا يجوز بحالٍ كما لو باع ذراعًا من ثوبن وهذا غلط لما ذكرنا من العلة.
الخامسة: أن يقول: بعتك من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فالبيع باطل؛ لأن من للتبعيض فقدر البيع مجهول.
وحكي عن ابن سريج -رحمه الله -أنه قال: يجوز في قفيز واحد كأنه قال: بعتك قفيزًا من هذه الصبرة بدرهم.
السادسة: إذا قال: بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزًا أو أنقصك قفيزًا، فالبيع باطل، لأن لا يدري هل ابتاعه زائدًا أو ناقصًا، وليست هذه مسألة الكتاب على صورتها، وإنما مسألة الكتاب إذا لم يذكر التخيير وهي المسالة السابعة: وصورتها أن يقول: بعتك هذه الصبرة على أن أزيد له إردبًا، وقال: على أن أنقصك، قال الشافعي -رحمه الله -: "البيع باطل، وجملته أنه إذا قال: على أن أزيدك إردبًا لا يخلو إما أن يعلما عدد القفزان أو لا يعلما ذلك، فإن لم يعلما فالبيع باطل لأن قوله أزيدك قفيزًا لا يخلوا إما أن يكون يريد به هبة أو يريد به بيعًا مع جملة القفزان، فإن أراد هبة لا يجوز، لأن شرط الهبة في عقد البيع فيصير في معنى التعيين في بيعه، وإن أراد بيعًا وجب أن [ق 37 ب] يقسط على القفزان فيصير كل قفيز وشيء بدرهم، وهذا مجهول فلا يصح، وإن علمنا مقدار القفزان، فيه وجهان: أحدهما: يجوز؛ لأنهما إذا علما أن عدد القفزان عشرة وزاد قفيزًا آخر ويكون مبيعًا فكأنهما تبايعًا كل قفيز وعشرة قفيزًا بدرهم.
والثاني: لا يجوز؛ لأن القفيز الزائد غير مشاهد ولا موصوف، وإذا كان بعض المبيع مجهولًا لا يجوز البيع، هكذا ذكر القاضي الطبري وسائر أصحابنا ذكروا وجهًا واحدًا أنه لا يجوز لما ذكرنا من العلة وهو الصحيح الذي لا يحتمل غيره، وذلك أن بيع الطعام المعلوم والمجهول لا يصح قولًا واحدًا.
والثامنة: أنه إذا قال: أزيدك إردبًا وأراد به أن يعطيه لكل إردب درهمًا ثم ثمن إردب واحد، فيصير كأنه زاد إردبًا من هذه الصبرة وجملة المكاييل معلومة عندهما يصح قولًا واحدًا.
التاسعة: أن يقول: على أن أنقصك، فإن لم يعلما عدد القفزان لا يجوز، لأن البيع مجهول، ويصير كأنه باع قفيزًا إلا شيئًا بدرهم، وإن علما عدد القفزان يجوز البيع قولًا واحدًا؛ لأن القفيز الذي ينقضي ليس بمبيع فلا يضر الجهل به، ويخالف المسألة قبلها؛ لأن القفيز الزائد [ق 38 أ] مبيع فيؤثر فيه الجهل.
العاشرة: إذا قال: بعتك كل إردب بدرهم على أن تهب لي منها قفيزًا لا يجوز؛ لأنه شرط أن يهب للبائع شيئًا، وإن أراد أن الثمن بجملته بقابل الصبرة إلا إردبًأ منها وكانت المكاييل معلومة جاز، ويصير كأنه باع كل إردب بدرهم وتسع درهم إن كانت

الجزء: 5 - الصفحة: 37

الصبرة عشرة مكاييل وأعطى تسعة دراهم، وإن أراد أن يأخذ جميع المكاييل العشرة ويعطيه أحد عشر درهمًا جاز أيضًا إذا كانت معلومة، وإن قال: أزيدك من غيرها لا يجوز بحالٍ للجهالة.
الحادية عشرة: إذا قال: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بعشرة دراهم كلناها، فإن كانت تسعة أقفزة: فقد ذكرنا أن البيع صحيح وللمشتري الخيار، وإن بانت أحد عشر قفيزًا ففيه قولان، والمذهب أن البيع صحيح وللبائع الخيار بين الإجازة والفسخ، وإن قال المشتري: رضيت عشرة منها بعشرة دراهم يسقط الخيار، والقول الثاني: أن البيع باطل لأنه لا يملك خيار البائع على ترك الفضل، ولا إجبار المشتري على ترك بعض ما اشترى يفسد البيع، وهكذا حكم الحبوب كلها [ق 38 ب] في كل ما تساوي أجزاؤه كالتمر والقطنان، وقيل: إذا خرجت أحد عشر قفيزًا، وقلنا: البيع جائز، ففي الزيادة وجهان: أحدهما: للمشتري لأنه عقد على جميع الصبرة.
والثاني: للبائع لأنه ما شرط له إلا عشرة أقفزة.
فرع إذا قلنا للبائع: لا خيار له وهل للمشتري الخيار؟ وجهان: أحدهما: يثبت لأن مقتضاه أن تسلم له كلها.
والثاني: لا يثبت؛ لأن العشرة سلمت له كلها.
والثاني: الزيادة للمشتري وهل للبائع الخيار؟ وجهان: أحدهما: لا يثبت، لأنه لما قال بهذه الصبرة رضي بزوال ملكه عن جميعها.
والثاني: يثبت؛ لأن مقتضى قوله عشرة أن الزيادة لا تكون للمشتري.
فرع هل يكره بيع الصبرة جزافًا؟ قال في الصرف: لا بأس به.
وحكى حرملة عن الشافعي -رحمه الله -: لا أحب ذلك، لأن فيه ضربًا من الغرر فيكون أقل مما ظنه.
فرع إذا قال بعتك صاعًا من هذه الصبرة، فقد ذكرنا أنه يصح -وذكرنا عن القفال وجهًا آخر، فلو تلف أكثر الصبرة فإن كان عدد الصيعان معلومًا فالذي ملك يملك شائعًا وما بقي بقي شائعًا ويسقط من الثمن بقدر ما هلك من المبيع، وإن كان العدد مجهولًا فما دام يبقى [ق 38 أ] صاع يلزمه تسليمه إليه، وإن كان بقي أقل من صاع سلم الموجود إن رضي به وسقط من الثمن بقدر ما فات.

الجزء: 5 - الصفحة: 38

فرع لو قال: بعتك هذه الصبرة إلا صاعًا، فإن كان عدد الصيعان معلومًا جاز وإن كان مجهولًا لا يجوز، والفرق أنها إذا كانت معلومة فقدر المبيع معلوم والجهالة فيما استبقى له على ملكه، وههنا المبيع مجهول، والقدر الذي استبقاه معلوم فلا يجوز، وأما إذا كان المبيع مما لا يتساوى أجزاؤه كالثوب والدار والأرض ففيه مسائل: أحدها: أن بيع الدار بمنزلة بيع الصبرة لأن ظاهرها مثل الحنطة والسقوف لا يرى باطنها كأساس الحيطان وأطراف الخشب وغير ذلك، وإذا قال: بعتك هذه الدار بكذا جاز، ولو قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم جاز.
وقال في "الحاوي": إذا لم يعلما مبلغ ذرعها فيه وجهان.
قال البصريون: يجوز كما في الصبرة، وقال البغداديون: لا يجوز للجعل بمبلغ الثمن ولعله أراد بعض البغداديين، ولو قال: بعتك ربع هذه الدار، أو ثلثها جاز ولو قال: بعتك من هذه كل ذراع بدرهم لا يجوز، ولو قال: بعتك هذه الدار عشرة أذرع كل ذراع [ق 39 ب] بدرهم ولم يعرفا جملة ذرعان الدار لا يجوز؛ لأن أجزاء الدار غير متساوية ويفارق الصبرة من هذا الموضع لأن أجزاءها متساوية، ولو سمى جميع ذرعان الدار، ثم اشترى منها عشرة أذرع جاز من قبل أن هذا منها سهم معلوم.
وبه قال أبو يوسف، ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز؛ لأن الذرعان عبارة عن القدر كالقفيز من الطعام، فإذا أضافه إلى جملة معلومة كان ذلك جزءًا منها، ولو قال: بعتك من ههنا إلى ههنا جاز لأنه معلوم، ولو قال: بعتك من ههنا عشرة أذرع إلى حيث ينتهي ولم يبين الانتهاء وجهان: أحدهما: يجوز، وهو اختيار أبي اسحاق، وابن أبي هريرة لأنه باع جزءًا معلومًا من موضع معين؛ لأن الموضع الذي ينتهي المقدار غير معلوم وذلك يختلف فلا يجوز البيع حتى يكون الابتداء والانتهاء معلومين، ولو قال: بعتك هذه الدار كل ذراع بدرهم على أن أزيدك ذراعًا أو أنقصك ذراعًا فالحكم على ما ذكرنا في الصبرة، ولو [ق 40 أ] قال: بعتك نصيبي من هذه الدار ولم يعرفا أو أحدهما قدر النصيب لا يجوز.
وحكي عن أبي حنيفة: إذا علم المشتري قدره يجوز.
وكذا المسائل في الثوب إذا قال: بعتك هذا الثوب كل ذراع بدرهم لا يجوز؛ ولو قال: بعتك من هذا الثوب عشرة أذرع إلا ذراعًا واحدًا لا يجوز، لأنه لا يمكن تسليم المبيع إلا بضرر نقص يدخل على البائع، إلا أن يكون الثوب ضعيفًا إلا ينقصه بالقطع كالبطانة ونحوها، فحكمه حكم الدار إذا بين الابتداء والانتهاء، أو بين الابتداء دون الانتهاء على ما ذكرنا.
وهذا هو المنصوص ذكره صاحب "التلخليص".
وقال ابن سريج: يجوز ذلك بكل حال واختاره

الجزء: 5 - الصفحة: 39

القفال لأنهما رضيا بهذا الضرر كما لو باع أحد مصراعي الباب أو أخذ زوجي الخف.
وقال في "الحاوي": إن علما انتهاء يجوز بكل حالٍ ولم يذكر وجهًا آخر بأن يكون عليه علامة مثل خط من لون آخر، وهو اختيار صاحب التقريب القاسم بن [ق 40 ب] القفال الشاسي -رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يجوز لأن في قطعه إدخال النقص في الذرع المبيعة والباقي من الثوب، وهذا خطأ لأنه لا خلاف أنه يجوز بيعه مشاعًا وإن كان يستحق قسمته المقتضية إلى نقص الحصص وهذا أصح عندي.
قال صاحب "التلخيص": وهكذا إذا باع ذراعًا من أسطوانة من خشب قال: وإن كانت الأسطوانة من آجر جاز، وهذا يحتاج فيه أن يشترط أن يكون انتهاء الذرع إلى انتهاء آخره وعين ذلك فلا يلحق الضرر بذلك، فأما إذا كان انتهاء ذلك إلى بعضها كان في كسرها ضرر فلا يجوز، ولو باعه ثوبًا على أنه عشرة أذرع فخرج تسعًا يصح البيع والمشتري بالخيار، لأنه وجد بالمبيع نقصًا فصار بمنزلة العيب، فإن اختار هل يجيزه بكل الثمن أو بحصته من الثمن؟ قال أصحابنا: يجيزه بكل الثمن، وقال القاضي الطبري: في المذهب المحرر يخبره بكل الثمن؛ لأن الشافعي -رحمه الله -قال: لو اشترى صبرة على أنها مائة كر فبانت خمسين فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ ذلك بالحصة من الثمن، وإن شاء فسخ والثوب كذلك، وقال في التعليق: مثل ما ذكره أصحابنا وهو الصحيح [ق 41 أ] والفرق بين الحنطة والثوب أن الحنطة تساوي أجزاءها فيكون ما فقده مثل ما تركه وفي الثوب ما فقده لم يكن مثل ما وجده ولأن في الصبرة لا يؤدي تقسط ذلك إلى جهالة الثمن في التفصيل حال العقد، وإن كان في الجملة مجهولًا، وفي الثوب إذا قسم الثمن على قيمة ذرعان له، وجعل الفائت مثل واحد منهما أدى إلى أن يكون الثمن حال العقد مجهولًا في الجملة والتفصيل.
فإن قيل: هلا قسمتموه على عدد الذرعان؟ قلنا: لأن ذرعان الثوب يختلف وهذا لو باع ذراعًا منه ولم يعين موضعه لم يجز.
وقال أبو حنيفة: يجيزه بحصته وهذا هو القياس عندي؛ لأن ذرعان الثوب يتقارب كالحنطة سواء، وإن خرج أحد عشر ذراعًا فيه وجهان: أحدهما: وهو المذهب المنصوص يصح البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ، وإن شاء رضى بالثمن المسمى لأن الزيادة في حق البائع بمنزلة النقصان في حق المشتري.
والثاني: يبطل البيع لأن إجبار البائع على تسليمه زائدًا لا يجوز؛ لأن الزيادة لم يتناولها هذا العقد ولا يجوز إجبار المشتري على قبول عشرة أذرع منها مقطوعة، لأنه إنما دخل على أن يسلم له [ق 41 ب] جميع المثمن وفي تسليم بعضه إليه مقطوعًا ضرر به فكان البيع باطلًا.
ويفارق إذا كان ناقصًا لأن إجبار البائع ممكن إذا رضي به المشتري، فإن

الجزء: 5 - الصفحة: 40

التسع قد تناولها العقد ويفارق الصبرة لأنه يمكن رد الفضل هناك.
فإذا قلنا بالقول الأول فقال المشتري: رضيت بعشر منها بكل الثمن هل يجبر البائع على إتمام البيع؟ قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: الجبر لأنه زال ضرره.
والثاني: لا يجبر لأن الشركة في الذراع الفاضل نقص، ولو قال: بعتك عشرة أذرع مشاعًا، فإن لم تكن الجملة معلومة لا يجوز، وإن كانت الجملة معلومة جاز.
وقال أبو حنيفة -رحمه الله -: لا يجوز أصلًا كما قال في الدار وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع لو باع ساحة على أنها عشرة أذرع فكانت إحدى عشرة ذراعًا فالحكم على ما ذكر من الثوب.
فرع لو قال: بعتك عشرة أذرع من هذه الأرض على أن أسلمها من أي موضع شئت لم يجز، وفي الصبرة يجوز؛ لأن أجزاء الصبرة لا تتفاوت وأجزاء الأرض تتفاوت في الصلاة والرخوة.
فرع لو قال: بعتك صبرتك هذه فما خرجت قفزاتها بيانها من صبرتي هذه بدينار، لا يجوز نص عليه في الصرف.
فرع لو قال: اشتريت منك هذا القطيع من الغنم [ق 42 أ] على أنها ثلاثون بلدي فإذا هي إحدى وثلاثون أو تسع وعشرون.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: يصح في الثلاثين إذا كان زائدًا، وفي التسع والعشرين بحصته من الثمن إذا كان ناقصًا وهو الصحيح.
والثاني: لا يصح.
وبه قال أبو حنيفة: وعندي هذا كمسألة الثوب.
فرع لو قال: اشتريت منك هذا القطيع كل رأس بكذا جاز، وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
وهذا غلط؛ لأن البيع معلوم بالجملة وكذلك الثمن كما قال في الصبرة.

الجزء: 5 - الصفحة: 41

فرع قال بعض أصحابنا بخراسان: لو باع صاعًا من حنطةٍ بصاع حنطة ولم يكونا حاضرين وقت العقد، فإن كان في البلد أجناس في الحنطة لا يجوز، وإن كانت جنسًا واحدًا فيه وجهان: أحدهما: يجوز ويشترط التقابض في المجلس وهو القياس، كما لو باع درهمًا بدرهم وفي البلد نقد واحد.
والثاني: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة لأنها مختلفة.
فرع لو باع الشيء برقمه ولم يبين في المجلس لا يصح البيع في أصح الوجهين.
ومن أصحابنا من قال: يجوز وإن لم يعلم في المجلس، لأنه يمكن إزالة الجهالة بالكشف عن قدرة من يعرف الرقم، كبيع الصبرة كل صاع بدرهم يجوز، وإن كان عدد الصيعان [ق 42 ب] مجهولة في الحال، وقال أبو حنيفة: يصح، وهذا غلط؛ لأن العقد وقع على ثمن مجهول.
فرع لو باع صبرة طعام مختلطة بشعير أو قفيز منها جاز.
وقال بعض أصحابنا: إن كان أسر الحوار الأمران فإن كان أحدهما زيد جاز بيع جملتها ولا يجوز بيع قفيز منها.
مسألة قال: "وَلَو اشْتَرَطَ فَي بَيْعِ السَّمْنِ أَنْ يَزِنَهُ بِظُرُوفِهِ مَا جَازَ".
الفصل: وهذا كما قال، في بيع الثمن مسائل: إحداهما: أن يقول: بعتك هذا السمن وهو مكشوف قد نظر إليه بكذا جاز البيع، وينبغي أن يكون في طرف واسع الرأس حتى تكون مشاهدته فيه، فإن كان الرأس مسدودًا يكون البيع فيه قولان، ولا فرق بين أن يكون الطرف من خشب أو خزف أو حديد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا لم يعرف وزن الطرف هل يجوز البيع قولًا؟ وليس بشيء.
ولو قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم جاز أيضًا.
ولو قال: بعتك هذا السمن كل رطل بدرهم على أن أزنه بظرفه ولا يكون الظرف مبيعًا فالبيع باطلًا؛ لأنه شرط أن يزيد مع المبيع غيره، كما لو باع حنطة على أن يكيل معها شعيرًا لم يجز.
وقال بعض أصحابنا: لو علما وزن الظرف والسمن ينبغي أن [ق 43 أ] يجوز ويكون

الجزء: 5 - الصفحة: 42

بمنزلة أن يقول في الصبرة: على أن أزيدك قفيزًا وأحسب ثمنه عليك، لأنهما إذا علما ذلك فقد علما قدر الزيادة على ثمن الرطل، ولو قال: على أن أزنه بظرفه ثم أحط وزن الظرف جاز، وهكذا يباع، ولو قال: بعتك هذا السمن والظرف جزافًا بكذا أجاز البيع، لأنه باعهما جميعًا بثمن معلوم.
فإن قيل: أليس لو باع اللبن مشوبًا بالماء لا يجوز، فما الفرق؟ قيل: الفرق هناك المتصور غير متميز عما ليس بمقصود؛ لأن اللبن غير متميز عن الماء، وههنا المقصود متميز عن غير المقصود فجاز إذا جمع بينهما، ولو قال: بعتك هذا السمن مع الظرف كل رطل بدرهم، فإن كانا عالمين بمقدار الظرف والسمن، مثل أن يعلما أن الظرف خمسة أرطال والسمن عشرة أرطال جاز، وكأنه باعه ثلثاه سمن وثلثه ظرفه بدرهم، وإن كان لا يعلمان أو أحدهما مقدارهما لا يجوز؛ لأن المقصود السمن ولا يدريان كم من السمن يبيع بدرهم فالثمن مجهول في الجملة والتفصيل.
وحكي عن الداركي أنه يجوز؛ لأنه في النقصان معلوم كما لو باع جنسًا واحدًا، لأنه رضي بأن يشتري الظرف كل رطل بدرهم كما يشتري السمن ولو اشترى كل واحد منهما [ق 43 ب] على الانفراد ولا نظر ضمنهما كما لو اشترى ثوبًا مختلف الغزال أو ... كل صاع بدرهم وقيمة ذرعانهما مختلفة، وإذا جوزنا إذا كان وزنهما معلومًا لا يشترط أن يكون الظرف بانفراده ما يساوي السمن، كما يجوز شراء الفواكه المختلطة بثمن واحد، وإن كان بعض أنواعه أغلى سعرًأ من بعض، وهذا إذا كان الظرف مقصودًا، فإن كان لا ينتفع بالظرف أصلًا وإنما يشتري مع السمن لا يجوز البيع؛ لأنه لم يبع منه المقصود إلا بأن يشتري معه ما ليس بمقصود، فهو كما لو قال: تزنه بظرفه لا يكون الظرف مقابل برده ويؤدي ثمنه.
ولو قال: بعتك هذا الثمن بعشرة على أن أزنه بظرفه، ثم أحط ثمن الظرف بالقسط، فإن كان عند العقد عالمين بقدر وزن الظرف وقدر ثمنه جاز، وإن كانا جاهلين أو أحدهما لا يجوز البيع لأنهما لا يعلمان أن المحطوط درهمان أو درهم فالثمن مجهول، ولا يشبه هذا إذا قال: كل رطل بكذا ثم أطرح وزن الظرف، لأنه يصير بيع مراطلة ومكايلة فلا يقدح الظرف وجهالته في العقد.
فرع لو اشترى جامدًا في ظرف موازنة يشترط إنزال الظرف كالدقيق والحنطة؟ فيه وجهان: [ق 44 أ].
أحدهما: لا يجوز الاستغناء الجامد عن ظرف يوزن معه، وإليه ميل أبي إسحاق.
والثاني: يجوز لأنه يصير بعد إنزال ظرفه معلوم القدر كالسمن وهو قياس قول ابن أبي هريرة.
ذكره في الحاوي.

الجزء: 5 - الصفحة: 43

مسألة قال: "وَلَوْ اشْتَرَطَ الْخِيَارَ فِي البَيْعِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ بَعْدَ التَّفَرقِ فَسَدَ الْبَيْعُ".
الفصل: وقد مضت هذه المسألة ولفظ الشافعي -رحمة الله عليه - ههنا يدل على أن أول خيار الشرط يحسب من وقت التفرق، وهو أحد وجهي أصحابنا، وهي نص لمن تأمل لفظه، وإن كان الصحيح الوجه الآخر.
فرع يجوز بيع الدراهم والدنانير جزافًا.
وقال مالك -رحمه الله -: لا يجوز لأنها خطر ولا يشق عددها أو وزنها.
وهذا غلط لأنه معلوم المشاهدة كالصبرة والنقرة والتبر والحلي.

باب النهي عن بيع الغرر

قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ فَذَكَرَ الخبر.
وهذا كما قال: "لا يجوز بيع الغرر ولا يحل ثمن عسب الفحل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر وعن ثمن عسب الفحل".
والصحيح أن عسب الفحل ماؤه الذي يطرق به الإناث وينزو عليها، ولهذا قال: ثمن عسب الفحل وثمنه، وقيل: [ق 44 ب] الأجرة هي العسب.
وروي أنه "نهى عن عسب الفحل" وثمنه أجرته، وتسمى الأجرة ثمنًا على طريق المجاز لا يجوز بيع ذلك ولا إجارة الفحل للضراب.
وحكي أصحابنا عن مالك - رحمه الله -أنه يجوز أخذ الأجرة عليه، وبه قال الحسن، وابن سيرين -رحمهما الله -وقال عطاء -رحمه الله -: لا بأس إذا لم يجد من يطرقه؛ لأن فيه مصلحة لئلا ينقطع النسل.
وحكي عن ابن أبي هريرة من أصحابنا وأبي ثور.
وقال في "الحاوي": اختلف أصحابنا في معنى هذا النهي على وجهين: أحدهما: نهى تنزيه لدناءته وامتناع الجاهلية في فعله.

الجزء: 5 - الصفحة: 44

والثاني: وهو الأصح أنه نهى تحريم، لأن ذلك الماء مما يحرم عليه المعاوضة ولا يجوز أخذ البدل عنه.
والمنصوص ما ذكرت ولأنه استئجار على ما لا يقدر تسليمه؛ لأن المقصود الإنزال وهو يحصل باختيار العمل وليس في قدرته ذلك.
وأما الاستعارة للأطراف يجوز لما روى أنس -رضي الله عنه -أن قومًا من بني كلاب سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الفحل فنهاهم فقالوا: إنا نطرقها لهم إكرامًا، فقال: "إذا كان ذلك إكرامًا -يعني هدية - فلا بأس"، ولو أعطى صاحب الفحل هدية أو كرامة جاز قبولها [ق 45 أ].
وقال أبو حنيفة: لا يجوز كما في حلوان الكاهن ومهر البغي، وهذا غلط؛ لأن هذه هدية لأجل بسبب مباح بخلاف ما قاسوا عليه.
واعلم أن هذه المسألة ليست من مسائل البيع في الحقيقة، بل هي من الإجارات ولكن ذكرها الشافعي ههنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره باسم الثمن.
فرع لو استأجر فحلًا للركوب فأنزاه على أنثى، فإن دخل فيه نقص يغرم النقصان، وإن لم يدخل نقص لم يغرم شيئًا.
مسألة: "وَمِنْ بُيُوعِ الغُرَرِ عِنْدَنَا مَع مَا لَيْسَ عِنْدَكَ وَبَيَعُ الحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَالعَبْدُ الآبِقِ".
وهذا كما قال، الغرر ما تردد بين جائزين لا يترجح أحدهما على صاحبه، كبيع الطير في الهواء، والسمك في الماء، فإنه قد يمكنه تسليمه، وقد لا يمكنه، وليس أحدهما أولى من صاحبه، فأما إذا رجحت السلامة فلا يكون غررًا مثل أن يقول: بعتك العبد الذي شاهدناه في البيت؛ لأن الأصل بقاؤه وسلامته ويصح بيعه، وأما في بيع ما ليس عنده ثلاث مسائل: إحداها: أن يبيع ملك غيره بغير إذنه فالبيع باطل لا يقف على إجازته لأنه غرر لا يدري هل يجيز صاحبه أو لا يجيز، وقال أبو حنيفة: ينعقد البيع موقوفًا على إجازة المالك [ق 45 ب] فإن أجاز جاز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا قول آخر للشافعي -رحمه الله -في القديم وهكذا إذا اشترى للغير بغير إذنه هل يقف على إجازته؟ قولان وعند أبي حنيفة الشراء يلزم العاقد ولا يقف.
وقال مالك: يقف البيع والشراء على الإجازة، وبه قال أحمد في رواية وقيل: قال

الجزء: 5 - الصفحة: 45

البويطي والربيع: قال الشافعي لو صح حديث عروة البارقي فكل من باع أو أعتق، ثم رضي المالك يجوز.
وهو قوله الجديد إذا كان الشراء في الذمة.
وأطلق ولم يقل اشتريت لفلان، قالوا فيه وجهان: أحدهما: يلزم العاقد أيضًا ويلغو قوله لفلان.
والثاني: يبطل البيع لأنه أضاف إلى فلان فلا يمكننا إلزام العاقد ذلك.
وقد روي أن حكيم بن حزام -رضي الله عنه -قال: يا رسول الله يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي فأبتاعه له من السوق، فقال: "لا تبع ما ليس عندك" وأراد بيع العين دون الصفقة.
والثانية: أن بيع الرجل السلعة وهي ملك لغيره معتقد أنه يبيع ملكه ثم يشتريها ويسلمها إليها فلا يجوز ذلك أيضًا.
وفيه ورد خبر حكيم بن حزام ولأن غرر.
والثالثة: بيع العين الغائبة، وقد ذكرنا حكمها وهو غرر [ق 46 أ] أيضًا، لأنه لا يدري أيقدر على تسليمه أم لا يقدر، ولا يدري أتزيد قيمته على ثمنه أو لا تزيد، وعلى هذا لا يجوز بيع المكره إلا أن يكون مكرهًا.
وروي عن أبي حنيفة: يجوز إذا أكرهن غير السلطان؛ لأن إكراهه نادر ورفعه ممكن وهذا ظاهر الفساد.
فرع بيع الهازل هل ينعقد؟ وجهان: أحدهما: لا ينعقد، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن البيع يمتنع لزومه بشرط الخيار.
والثاني: ينعقد لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والنكاح، والرجعة" لم يقصد الحصر بها لأن العتق يلحق بالطلاق والنكاح والبيع سواء في كونهما عقد معاوضة.
وأما بيع الحمل في بطن أمه.
قد ذكرنا أنه لا يجوز لأنه غرر.
وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المضامين والملاقيح.
قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة، الواحدة منها ملقوحة.
والمضامين ما في أصلاب الفحول، وكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة في عامه أو في أعوام، وأنشد في ذلك: إن المضامين التي في الصلب ماء الفحول في ظهور الحدب

الجزء: 5 - الصفحة: 46

وقد قال الشافعي -رحمه الله -في كتاب الصرف لا خير [ق 46 ب] في أن يبيع الرجل الدابة ويشترط عقاقها، يريد به إذا اشترط حملها والعقوق الحامل والعقاق الحمل.
قال أصحابنا: هذا على قول الذي يقول: لا حكم للحمل.
فأما إذا قلنا له حكم جاز شرطه، وقد ذكرنا هذا.
ولو باعها على أنها تضع بعد شهر أو سنة لا يصح العقد قولًا واحدًا؛ لأنه شرط ما لا يقدر عليه، ولو باع الحامل بولد حر فالبيع باطل، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أنه يجوز ولا يتبعها الحمل.
وهكذا لو كان الحمل مرضعًا به لواحة فباع من غير صاحب الحمل، وهذا ضعيف.
وقيل: إذا باع الجارية على أنها حامل يجوز قولًا واحدًا؛ لأن الحمل فيها يثبت فيكون إعلامًا للعيب، ولو باع اللبون واستثنى لبنها.
قال بعض أصحابنا: يحتمل وجهين: أحدهما: لا يجوز كما لو استثنى حملها.
والثاني: يجوز لأنه مقدور عليه بخلاف الحمل والجهالة في استثنائه والمذهب الأول.
فرع لو قال: بعتك هذه الشاة وحملها صح لأنه يصح بمقتضى العقد، وفيه وجه آخر لا يصح لأنه تابع وقد جعله مقصودًا بالتسمية، وإذا قلنا: لا يعرف الحمل لا يصح العقد لأنه سمى المجهول معها.
وهكذا إذا قال: بعتك هذه الجبة وحشوها فيه وجه بعيد أن البيع باطل.
فرع لو كان الحمل مع الأم [ق 47 أ] فقال: بعتكها دون الحمل وقد ذكرنا أنه لا يجوز، وإن كان الرجلين فباع الأم من مالك الحمل أو من غيره لا يجوز أيضًا على الصحيح من المذهب، وفيه وجه آخر لأنها مقدورة التسليم والحمل تابع فلا يتغير الحكم بالبائع، وهذا على قولنا لا حكم للحمل أظهر.
فرع إذا قلنا بيع الحامل دون الحمل لا يجوز، فلو وكل صاحب الحمل صاحب الجارية بالبيع، أو وكل صاحب الجارية صاحب الحمل بالبيع، أو وكلا أجنبيًا لبيعها مع الحمل لا يجوز؛ لأن كل واحد منهما لا يملك العقد بنفسه ولا يصح فيه التوكيل.
وأما بيع الدجاجة على أن فيها بيضة فهو كما لو باع الحامل بشرط الحمل، وأما بيع البيض فإن كان بيض ما يؤكل لحمه منفصلًا عنه يجوز بيعه، وإن كان مستورًأ بالقشر لأنه من مصلحته كبيع الجوز، وأما بيض ما لا يؤكل لحمه هل يجوز بيعه؟ وجهان بناء على طهارته، وهذا

الجزء: 5 - الصفحة: 47

إذا كان ينتفع به بأن يصير فرخًا، لأنه لا ينتفع به في الأكل، ولو انفصل من الحيوان بعد موته.
ذكر أبو حامد -رحمه الله -ههنا أنه لم يحل؛ لأنه بمنزلة لحمه.
وذكر الاختلاف فيه في كتاب "الطهارة" ثم وقد قيل: إن كان عليه قشرًا أبيض يحل أكله، وإن كان أحمر لم يحل لأنه [ق 47 ب] مائع فتنجس نجاسة أهلية.
وقال القاضي الطبري -رحمه الله -: الصحيح عندي جواز بيع بزر القز وهو الذي اختاره.
وحكي عن أبي حنيفة -رحمه الله -أنه قال: لا يجوز بيع بزره ويجوز بيع الدود، وأما دود القز ظاهرة يجوز بيعها لأنها ظاهرة ينتفع بها، وأما بيع القز والدود في جوفه إن باعه جزافًا جاز، وإن باعه وزنًا لم يجز للجهل بقدر القز، ويجوز بيع الدود الذي خرج من القز وقد خرج جناحه، ويسمى فراشًا، وإن ترك القز في الظل حتى يخرج منه الدود، ويجوز بيعه بكل حالٍ؛ لأنه قز برد فهو كالإبريسم.
وأما بيع النحل مع الكندرج والكوارة، أو من غير الكوارة: قال ابن سريج: يجوز؛ لأنه يعلم مقداره بخروجه منها ودخوله فيها، وهذا إذا كان مسدودًا لا يقدر على الطيران منه كالطير في البرج، أو لا يقدر على الطيران لصغره.
وقال أبو حامد -رحمه الله -: فيه وجهان، والصحيح أنه لا يجوز، لأنه لا يمكن حصر عددها وبيع ما لا ينحصر عدده لا يجوز.
قال: فإن فرخ في موضع أو في الكوارة وشوهد، أو خرج من الكوارة واجتمع في غصن شجرة ثم أُخذ فرعه وقطع رأسها وطلي داخلها بغسلٍ ونزل على رأس الموضع الذي اجتمعوا فيه وأدخن تحته حتى [ق 48 أ] دخلوا القريحةّ فيجوز بيعها حينئذٍ، لأنه معلوم ويشاهده الكل.
وبه قال أحمد، ومحمد بن الحسن.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز بيع النحل أصلًا، لأنه لا ينتفع بعينه فلا يجوز بيعه.
وهذا غلط لأنه يجوز اقتناؤه ليتملك ما يخرج منه كالشاة ولو كان عند كندوجه طائر لرعيه ثم يعود ليلًا إلى كندوجه على عادة جارية فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز بيعه؛ لأنه غير مقدور عليه في الحال كالطير الألوف إذا طار.
والثاني: وهو اختيار ابن سريج يجوز وإن كان طائرًا بخلاف الطير الطائر.
والفرق أن النحل إن حبس عن الطيران تلف لأنه لا يقوم إلا بالرعي، ولا نفع فيه إلا عند طيرانه ليرعى ما يستخلف عسلًا، ويمكن حبس الطير ومنفعته مع الحبس حاصله.
وأما بيع العبد الآبق لا يجوز لأنه في معنى بيع الحمل في البطن، وهكذا كل حيوان خرج هاربًا من يد مالكه كالجمل الشارد والدابة الشاردة والطير المفلت من يد صاحبه لا يجوز بيعه سواء باعه وهو يشاهده هاربًا أو لا يشاهده.
ولو باعه ثم وجده البائع وقدر على تسليمه لم يجز المبيع لاقتران تعذّر التسليم، لا يدري عند العقد أيجده أو لا يجده.
وأما إذا عرف مكانه ويعلم أنه يصل إليه إذا [ق 48 ب] رام التوصل إليه له

الجزء: 5 - الصفحة: 48

حكم الآبق، وإن.
وكان بينهما مسافة بعيدة.
وقال ابن عمر يجوز بيع العبد الآبق ما لم يتقادم عده وروي أنه باع أبقًا.
وقال ابن سيرين -رحمه الله -يجوز بيعه إذا عرف مكانه.
وقال أبو حنيفة: بيع الآبق فاسد، فإن وجده بعد بيعه يلزمه تسليمه إليه ويصح البيع الأول.
وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع لو باع منه سفينة في لجة البحر لا يقدر على تسليمها منه حال العقد لا يجوز، وكذلك إن كان فيها، وإن قدر جاز.
فرع لو أحبَس السمك في البركة الصغيرة المشدودة أفواهها يجوز بيعه لأنه يتيسر تسليمه، وهذا إذا كان الماء صافيًا يشاهد السمك فيه، فإن كان كدرًا لا يجوز بيعه نص عليه، وقال في "الحاوي" غلط بعض أصحابنا فجعله كالعين الغائبة فيه قولان، وهذا لأن العين الغائبة قد يمكن صفتها لتقدم مشاهدة البائع لها، وهذا لا يعلم قلته ولا كثرته ولا جودته ولا رداءته، ولا يمكن صفته.
ولو كانت البركة واسعة سعة متفاحشة لا يجوز بيعه؛ لأنه لا يمكن تسليمه إلا بتعبٍ وحيلةٍ.
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله -وابن أبي ليلى: يجوز بيعه كما يجوز بيع المكيل بالكيل وإن [ق 49 أ] كان عليه مؤنة في كيله، وهذا غلط لما روي عن عمرو بن مسعود -رضي الله عنهما -أنهما قالا: لا تشتري السمك في الماء فإنه غرو، ويفارق ما ذكروا لأن الكيل مؤنة القبض وههنا يحتاج إلى مؤنة ليمكن إقباضه.
فرع لو علق الطير بشبكة الصياد واستوثقته الشبكة الوثيقة يجوز بيعه قبل إخراجه منها ولو احتبس الطير في الحائط الواسع بحافاته، بحيث يتعذر القبض عليه كما يتعذر في الصحراء إلا بمؤنة وحيلة لا يجوز بيعه.
فرع إذا باع طيور الأبراج في البروج، فإن كان باب البرج تطير منه لا يجوز لأنه ربما يطير ولا يرجع.
ومن أصحابنا من قال: إذا كانت مألوفة يجوز بيعها وتسلم عند الرجوع إلى البرج على العرف، وعلى هذا لو باع النعم الراعية في الصحراء، فإن كانت مألوفة يمكن تسليمها من غير تكلف جاز، وإن كان باب البرج مسدودًا فباع الكل أو بعضها متميزًا بحيث لا يخلط لا يجوز إلا إذا شاهدها ولو كان البرج كبيرًا تلحقه مشقة ومؤنة في

الجزء: 5 - الصفحة: 49

أخذه لا يجوز بيعه كالسمك في البركة الكبيرة.
إذا كان له طير مملوك وطار لا يزول لكن لا يجوز بيعه كما ذكرنا.
وقال مالك: إن لم يخرج من البنيان فهو على ملكه، وإن خرج من البنيان زال ملكه، وهذا غلط [ق 49 ب] لأن ملك الإنسان لا يزول لخروج الشيء عن يده كالبهيمة إذا سرقت.
مسألة: قَالَ فِي الصَّرْفِ": "لاَ يَجُوزُ تَقَبل البِرَك لِيَصْطَاد مِنْه الحِيتَانِ".
وهذا صحيح -البرك والآجام التي يدخل الماء فيها ويحصل فيها السموك ثم يسد حتى ينصب الماء ثم يصاد منها السموك لا يجوز تضمينها، ولا يجوز عقد الإجارة عليها ليصاد منها السموك؛ لأن هذا الاستئجار على منفعة لا يقدر على تسليمها لأنه لا يعلم هل يدخل فيه السمك أم لا، وهل يمكن أخذه أم لا، وقد يدخل قليًا وقد يدخل كثيرًا، ولكن لو اكترى أرضًا ليزرعها فصارت أجمة وحصل فيها الماء والسمك يجوز له أن يصطاد منها السمك، وهو أحق بها لأنه لا يجوز لغيره أن يدخل أرضه التي استأجرها، فإن تخطي فيها أجنبي وأخذه ملكه بالأخذ.
وقال بعض أصحابنا: تأويل قول الشافعي -رحمه الله -أن يقصد بتقبلها وإجارتها أخذا السمك منها؛ لأن عقد الإجارة يقع على الأعيان، فإن لم يكن فيها سمك فاستأجرها ليحبس ما يدخل فيها من السمك تجوز الإجارة لأن العقد وقع على منفعة مقصودة.
وذكر أبو حامد -رحمه الله -أنه لا يجوز ذلك ويجوز إجارة الشبكة للاصطياد وفرق بينهما؛ لأن الشبكة [ق 50 أ] تحبس الصيد والاصطياد يكون بها وفي البركة يحبس السمك بغيرها، وهذا غير واضح، لأنه يمكن الاصطياد بالبركة وحبس السمك بها، وفي ذلك منفعة ظاهرة كما بالشبكة، وهذا هو الصحيح.
فرع قال ابن سريج -رحمه الله -لو كان له دارًا وأرض فعشعش فيها طائر وفرخ فيها، أو دخل ظبي في أرض رجل فانكسرت رجله فيها أو غاص في الطين وبقى فيه، كان صاحب الأرض أحق به، لأن غيره لا يجوز أن يتخطى فيها.
فإن خالف أجنبي وتخطى فيها وأخذه كان أحق به من مالك الأرض، لأنه ملكه بالأخذ.
وهكذا إذا وثبت سمكة فوقعت في سمارية لا تكون لمالكها ولا لمستأجرها ولا لركابها، بل تكون للآخذ دون غيره، وعلى هذا لو نزل الثلج من السماء فمكث في أرض إنسان كان صاحب الأرض أحق به؛ لأن غيره لا يحل له أن يتخطاها فلو تخطاها إنسان وأخذه كان أحق به من صاحب الأرض.
ويفارق هذه المسألة إذا نصب أحبولة أو شبكة أو مهد الأرض للتوحيل حتى يبقي فيها الطين إذا دخل فوقع فيها تصير لصاحبها، وإذا أخذ غيره يلزمه ردها إليه لأنه قصد تملكها وقدر عليها بذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 50

فرع لو باع دارًا لا طريق [ق 50 ب] لها أو باع بيتًا من دار لا طريق إليه فيه وجهان: أحدهما: لا يصح، لأنه لا يمكن الانتفاع به.
والثاني: يصح لأنه يمكنه أن يحصل له طريقًا فيتنفع به.
مسألة قال: "وَلَو اشْتَرَى مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ دَارٍ لَمْ يَجُزْ لِجَهْلِهِ بَالأذْرُعِ".
وهذا كما قال قد ذكرنا هذه المسألة وصورة هذه المسألة أن تكون الأذرع مشاعة لا معينة من بعض جوانبها، وقال: بعتك مائة ذراع من مائتي ذراع وأراد الأسهم جاز، وإن كانت ذرعان الدار أكثر من مائتي ذراع أو أقل، وكأنه قال: مائة سهم من مائتي سهم فسمى السهمان اذرعًا.
ولو اشترى نصف سيف أو ديباج معينًا لا مشاعًا لم يجز، لأنه ينتقص بالتنصيف، وكذلك نصف جوهرة معينًا، ولو باع النصف من خشبة أو حجر لا ينقص بالكسر والقطع جاز كما قلنا في الثوب الصفيق الذي لا ينتقص بالقطع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: هذا.
والثاني: لا يجوز وهو اختيار صاحب التلخيص؛ لأنه لا بد أن يقع التفاوت في موضع قطع الثوب ولو بخيط.
وكذلك في موضع قطع المنشار فيؤدي إلى الجهالة وفي هذا نظر؛ لأن صاحب "التلخيص" ذكر النص عن الشافعي على ما تقدم بيانه وهو مذكور في اختلاف العراقيين [ق 51 أ].
مسألة قال: "وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبنِ فِي الضُّرُوعِ".
وهذا كما قال: لا يجوز بيع اللبن في الضرع لأنه مجهول المقدار والصفة يختلف بكون الضرع لحمًا شحمًا ورقيق الجلد كثير اللبن ويكون أبيض صافيًا، أو متلونًا، ويحدث أيضًا ما ليس بمنع ولا يتميز من المبيع إلى أن يحلب، وقد ورى ابن عباس -رضي الله عنهما -أن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع اللبن في الضرع" والصوف على الظهر والسمن في اللبن وكرهه ابن عباس -رضي الله عنهما -وهي كراهة محرمة.
وقال مالك -رحمه الله -يجوز بيع اللبن في الضرع أيامًا معلومة قريبة إذا عرفت قدر حلابها؛ لأن قدره وصفته تعلم بالعادة.
قال: ويكون التسليم بالتخلية كالثمار على الشجر.
قال: والأيام القريبة قدر عشرة أيام.

الجزء: 5 - الصفحة: 51

فرع لو حلب بعضه وعرضه على المشتري وقال: بعتك رطل لبن بهذه الصفة فيما في هذا الضرع لا يجوز؛ لأن اللبن يزاد كل ساعة فكأنه باع ما هو معدوم لا على طريق السلم فلا يجوز.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان: أحدهما: يجوز، وبه أفتى جماعة منهم، كما لو كان في الإناء ولو عرض النموذج من لبن أو خل أو دهن في إناء، وقال: بعتك منه كذا وكذا منًا جاز؛ لأن رؤية النموذج كرؤية الكل كمالة رأى أعلى الخل أو اللبن [ق 51 ب] أو أعلى الصبرة واشترى منه مقدارًا معلومًا جاز.
والثاني: لا يجوز لما ذكرنا وهو الأصح: وقيل: لا لبن في الضرع وإنما هو دم وبالحلاب يصير لبنًا في الحال بقدرة الله تعالى وهذا ليس بشيء.
فرع لو لم يقدم إلى هذا الضرع بل باعه سلمًا، وهما علمان بصفات هذا النموذج بحيث لو فات هذا أمكنهما أن يصفاه جاز.
وقال القفال -رحمه الله -وظاهر ما روي عن ابن عباس -رضي الله عنهما -أن يكره بيع اللبن في الضرع إلا بكيل يدل على الوجه الأول من الوجهين وهو أنه إذا ذكر الكيل جاز بيع ما في الضرع ولكنه قائلة عندي أنه أراد إلا بعدم الحلاب كيلًا بكيل إذا أراد بيع اللبن باللبن، فأما إذا أراد بيعه بالمداعم لا يجب الكيل.
فرع لبن ما لا يؤكل لحمه لا يحل شربه بلا خلاف ولكنه ظاهر في أحد الوجهين، ويجوز بيعه على هذا إن كان منتفعًا به من وجه آخر سوى الشرب لأنه لبن طاهر منتفع به.
فرع لبن الآدميات طاهر يجوز بيعه، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد في رواية: هو طاهر ولكن لا يجوز بيعه لأنه مائع خارج عن آدمية كالعرق وهذا غلط لأنه مائع طاهر منتفع به فأشبه لبن الشاة.
وقال الأنماطي من أصحابنا: هو نجس لا يحل لأجل الصغار [ق 52 أ] ولا يجوز بيعه.
وقد ذكر بعض أصحاب أبي حنيفة، وهذا غلط ظاهر لأن الله تعالى جعله غذاء الأنبياء والأولياء في وقت نشوئهم، وقد قال الله تعالى: ﴿ولَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسرَاء: 70] فيستحيل ما قالوا، وقد أمر رسول الله صلى عليه وسلم سهلة بنت سهيل أن ترضع

الجزء: 5 - الصفحة: 52

سالمًا في حال الكبر.
فرع إذا قلنا لا تنجس الآدمية بالموت لا ينجس لبنها ويجوز بيعه.
فرع الزباد وهو لبن سنور يكون في البحر يحلب لبنا كالسمك ربحًا واللبن بياضًا يستعمله أهل البحر طيبًا، فإن قلنا بنجاسة ما لا يؤكل لحمه ففي هذا وجهان: أحدهما: هو نجس اعتبارًا بنجسه.
والثاني: هو طاهر كالمسك لقوله تعالى: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعرَاف: 157]. مسألة: قَالَ: "وَكَانَ ابْنُ عَبَّاس يَكْرَهُ بَيْعَ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الغَنَمِ".
وهذا كما قال: عندنا لا يجوز بيع الصوف على ظهر الغنم، وبه قال جماعة العلماء، وقال مالك، وربيعة، والليث بن سعد، وأبو يوسف رحمهم الله: يجوز بيعه جزءًا كالبقل، وهذا غلط لما روى ابن عباس -رضي الله عنهما -أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يبيع الثمرة حتى يتبين سلامتها، أو يباع صوف على ظهر.
ولأنه متصل بالحيوان فلا يجوز إفراده بالعقد كسائر الأعضاء وليس كالبقل لأنه يمكن تسليمه [ق 52 ب] لأن استئصاله من وجه الأرض يمكن ولا يمتنع منه، وفي الصوف لو استقصى من خلفه أدى إلى الأذى بالحيوان والتعذيب، ولو لم يستقص يكون البيع مجهولًا فلا يجوز ذلك.
وعلى ما ذكرنا لا يجوز بيع الشاة على أن جلدها أو اللبن الذي في ضرعها لبائعها يحلبها بعد العقد، أو يبيع ثمر النخل على أن ما يتساقط منها للبائع.
مسألة: قَالَ: "وَلاَ يَجُوزُ بَيْعُ المِسْكِ فِي فَارةٍ".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن المسك طاهر والانتفاع به.
وبه قال جمهور العلماء.
وقالت طائفة من الشيعة: هو نجس؛ لأنه دم جامد، ولأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أبين من حي فهو ميت"، والميتة نجسة.
وقد روي هذا عن بعض فقهاء الشيعة، وهذا غلط، وهو خلاف إجماع المسلمين، وقد ذكرنا ما فيه من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه استعمله حالة الإجرام.
وروي عن علي -رضي الله عنه -أنه أمر أن يجعل في حنوطه مسك، وقال: هو

الجزء: 5 - الصفحة: 53

فضل حنوط النبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله: "إنه دم" فغلط، بل كان دمًا فاستحال وصار مسكًا كاللبن، وأما الخبر فهذا لا يبان منه بل تلقيه الغزالة كما تلقي الولد، وكما تلقي الطير [ق 53 أ] البيض وقبل أن يمر على الشوك أو الصخر ليحتك به ويرمي به.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا أن الفأة نجسة لا يجوز بيعها مع المسك، وليس بشيء.
وإذا تقرر هذا، لو باع فأرة غير مفتوقة لا يجوز لجهالة ما فيها من المسك.
وحكي عن ابن سريج -رحمه الله -أنه قال: يجوز، لأن بقاءه في فأرته مصلحة فتحفظ عليه رطوبته وذكارا تحته فهو بمنزلة بيع الجوز في قشره، وهذا غلط؛ لأن قشر الجوز من صلاح لبه، والفأرة ليست من صلاح المسك أصلًا؛ لأنه لو خرج من الفأرة وترك في ظرف آخر يبقى هناك، فصار بمنزلة الصدف في اللؤلؤ.
وقال القفال رحمه الله: إذا جوزنا شراء الغائب جوزنا هذا؛ لأنه لا نقص في إخراجه من الجلد، وإذا خرج له خيار الرؤية بخلاف الجوز لا يجوز أن يشتري لبه على خيار الرؤية لأنه ينتقص قيمته بإخراجه من القشر.
فرع لو فتق الفأرة ورأى المسك ثم اشتراه مع الجلد بحساب واحد جاز إذا كان الجلد مقصودًا له بوجهٍ كما قلنا في ظرف السمن، ولو اشتراه دون جلده لا يجوز؛ لأنه لا يقف على غلط [ق 53 ب] الفأرة ورقتها، وبعض المواضع فيها أغلط من بعض فيصير المسك مجهولًا حتى لو كان بحالة الفأرة لا تتفاوت تفاوتًا ظاهرًا يجوز، وحتى لو رأى الجلد فارغًا، ثم ملئ مسكًا ثم اشتراه جاز كسمن .... هكذا، وإن كان السمن في شيء لا تختلف مواضعه في الغلظ والرقة، مثل رق أو غيره جاز.

باب بيع حبل الحبلة والملامسة والمنابذة

قال: أخبرنا مالك .... وذكر الخبر.
وهذا كما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة.
واختلفوا في تأويله، قال الشافعي -رحمة الله عليه -: هو أن يبيع الجزور أو غيره من الثوب أو العبد إلى أن تنتج هذه الناقة فيحل الأجل حينئذٍ، وكان ذلك بيعًا يبتاعه أهل الجاهلية.
وقال أبو عبد الله: يقول: بعتك حمل حمل هذه الناقة.
وهذا أشبه باللغة؛ لأنه قال: "بيع حبل الحبلة" فيقتضي أن يكون المبيع حمل حمل هذه الناقة.
وعلى هذا ما قاله الشافعي المبيع وغيره، ولكن ذهب الشافعي إليه؛ لأنه الراوي للخبر ذكر وهو الأعلم بمراد الرسول صلى الله عليه وسلم وكلاهما

الجزء: 5 - الصفحة: 54

باطل بلا إشكال لجهالة الأجل أو المبيع.
[ق 54 أ] مسألة: قَالَ: "وَقَدْ نَهَى رَسُولُ الله صلى اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ المُلاَمَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ".
وهذا كما قال: لا يجوز بيع الملامسة وهو أن أحدهما يجعل لمس الثوب بيعًأ فيقول: إذا لمست هذا الثوب فقد بعته منك، وإذا لمست ثيابي ولمست ثيابك فذاك بيع بينه، أي هذا الشيء فلا يجوز.
والثاني: أن يمس ثوبًأ في ظلمة ويختلفان ويشتريه على أنه إذا رآه لا خيار له فلا يجوز، وإن لم ينف خيار الرؤية يجوز حينئذٍ على أحد القولين.
وقيل: أن يشتريه مشاهدة على أنه إذا لمسه لا خيار له فلا يصح الشرط الفاسد، ولا يجوز بيع المنابذة، وهو نوعان أيضًا: أحدهما: أن يقول: أنبذ إليك ثوبي على أن تنبذ إليَّ ثوبك، ويكون أحدهما بالآخر، فإذا تنابذا لا خيار لواحد فيهما من شاهد الطول والعرض، ويكون نقص في المنبوذ، وهو في الحقيقة بيع المناولة الذي يجوزه أبو حنيفة.
والثاني: أن يقول: أنبذ إليك ثوبي بثمرة، فإذا فعلت هذا لزمك البيع ولا خيار لك، فكلاهما باطلان.
قال صاحب "التلخيص": معناه أن تشتري الثوب ولكن نبذ إليه ولم يره المشتري.
وإذا جوزنا بيع الغائب يجوز هذا وهذا.
وقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي [ق 54 ب] صلى الله عليه وسلم نهى هن بيعتين ولبستين.
وروى: وصلاتين في وقتين"، فالبيعتان: الملامسة والمنابذة.
واللبستان: اشتمال الصماء والاحتباء بين ثيابهما.
والصلاتان في وقتين: بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس.
فإن قيل: عطف الشفعي على تفسير المنابذة قوله: "فكذلك أنبذ إليك بثمن معلوم" وهو صورة بيع الغائب ولم ألحقه بالمنابذة.
قيل: أراد به أنبذه إليك بثمن معلوم على أن لا خيار لك إذا عرف الطول والعرض، فيبطل حينئذٍ لاشتراط نفي الخيار، وهذا النص دليل على أنه إذا باع بشرط نفي خيار المجلس أو نفي خيار الرؤية بطل البيع في أصح الأوجه.

الجزء: 5 - الصفحة: 55

فرع (روي) أن النبي صلى الله عليه وسلم: نهى عن بيع الحصاة.
وله معانٍ: أحدها: أن يقول بعتك هذا على أنك إذا رميت الحصاة فقد لزم البيع.
والثاني: أن يقول: ارم الحصاة، فعلى أي ثوب وقعت الحصاة فقد بعتك.
والثالث: أن يشتري أرضًا في مقدار ما يرمى من الحصاة ويبلغه ذلك، فيكون البيع رأسه مقامه والموضع الذي تبلغه الحصاة.
والرابع: أن يبتاع شيئًا بثمن مؤجل إلى أن يلقى الحصاة من يده.
وقيل: هو بيع المنابذة، ومعناه نبذ الحصاة.
فرع روى أن [ق 55 أ] النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان.
وروي: عن بيع الأربون، وروي عن بيع المكان.
وقال مالك رحمه الله: هو أن يشتري الرجل العبد أو يتكارى الدابة ثم يقول أعطيتك دينارًا على أن رجعت عن البيع والكراء فهو لك.
وحكي عن أحمد -رحمه الله -أنه قال: لا بأس به، لما روي أن نافع بن الحارث اشترى لعمر -رضي الله عنه -من صفوان دارًا للسجن، فإن رضى عمر وإلا كان له كذا وكذا.
وهذا غلط؛ لأن الخبر والقياس مقدمًا عليه.
وقال صاحب "التلخيص": إذا قدم العربون على شيء يتخذ له مثل الخاتم والثوب فالبيع باطل، وإن وصفه له وعصى الله تعالى إن كان بالحديث عالمًا، فإن جدد البيع بعد إنجازه والنظر إليه فالبيع نافذ، وإن قدم إليه شيء وقال: اشتريت منك خاتم بكذا وكذا درهم على أنك إذا فرغت منه ورضيت به بذلك لك الثمن بالتمام، وإن لم أرضه لم أسترد منك هذا الذي دفعته إليك؛ لأن الصانع يقول: ربما أصنع ولا ترضاه ولا أجد مشتريًا غيرك فيفسد عليَّ، فهذا لا يجوز أيضًا.
فرع روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العينة، وهو [ق 55 ب] أخذ العين بالربح، مشتق من المعنى.
مسألة: قَالَ وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الأَعْمَى.

الجزء: 5 - الصفحة: 56

وهذا كما قال.
الأعمى على ضربين؛ أكمه، وأعمى كان بصيرًا ثم عمي.
فأما الأكمة فلا يجوز أن يشتري العين ولا أن يبيع قولًا واحدًا.
ومن أصحابنا من قال: هو مبني على بيع خيار الرؤية.
فإن قلنا: لا يجوز منه ذلك، وإن قلنا: يجوز فيه وجهان: أحدهما: يجوز ويثبت له الخيار فيؤكل من يشاهد فيجيز أو يفسخ.
قال هذا القائل: وكذلك أقول في بيع خيار الرؤية له أن يؤكل من يشاهد المبيع عنه، فيجيز أو يفسخ.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأن الخيار إذا ثبت شرعًا لا يجوز فيه التوكيل.
قال: وكذا أقول في خيار الرؤية، ولا يجوز فيه التوكيل.
والأول أصح.
وأما من كان بصيرًا ثم عمي، فإن باع ما كان شاهده في حال تقابضه جاز إن كان الشيء ما لم يتغير ولم يطل الزمان، وإن باع ما لم يره فعلى ما ذكرنا.
وكذلك إن كان قد رآه وطال الزمان وتغير الشيء، كالعبد يكبر، والمجر يطري.
ولو عمي قبل القبض هل يبطل الشراء؟ وجهان والأصح أنه لا يبطل.
وأما السلم: نص الشافعي رحمة الله عليه على جوازه من الأعمى [ق 56 أ] سواء كان أكمه أو بصيرًا، ثم عمي؛ لأن المعول في السلم على الوصف دون العيان، والمشاهدة، والأعمى والبصير في الوصف سواء، فإنه يدرك سماعًا ثم إذا حل سلم الأعمى فليس هو أهل للقبض؛ لأن القبض يستدعي معاينة ولا معاينة فله فيوكل بصيرًا لقبض سلمه.
وعلى هذا الوكيل مراعاة أوصاف عقد السلم؛ لأنه مقصود المنظر فيلزمه مراعاة النظر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل يصح قبضه؟ فيه وجهان: قال المزني: يشبه أن يكون أراد الشافعي لمعرفتي بلفظه الأعمى الذي عرف الألوان قبل العمى، فأما من خلق أعمى فلا معرفة له بالألوان فلا يصح سلمه، وهذا اختيار المزني رحمه الله، أن الأكمة ليس من أهل عقد السلم، وادعى أن الشافعي أراد من كان بصيرًا ثم عمي.
واختلف أصحابنا في هذا، فقال ابن سريج: ما قاله المزني يحسن أن يحتمل غيره، فكأنه اختاره.
وقال ابن أبي هريرة: أصاب فيما قال.
وقيل: هذا هو المذهب.
وقال أبو إسحاق وعامة أصحابنا: أخطأ المزني فيما قال؛ لأنه يتقرر وصفه عنده بالسماع والأخبار، فصار كبصير أسد بالصفات في شيء لم يره قط.
فخرج من هذا أن الأعمى الذي كان بصيرًا [ق 56 ب] ثم عمي يصح سلمه، وهل يصح من الأكمة؟ وجهان.
وظاهر نص الشافعي جوازه، وهذا إذا كان العقد على ما في الذمة من الطرفين، فإن أسلم درهمًا مطلقًا ثم أمر أن يسلم إليه رأس المال في المجلس والمسلم إليه بصيرًا.
فأما إذا أسلم شيئًا معينًا في موصوف في الذمة لا يجوز؛ لأنه بيع العين عمن جاسه في الحقيقة.

الجزء: 5 - الصفحة: 57

وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد رحمهم الله: يصح البيع للأعمى.
وقال أبو حنيفة: يثبت له الخيار إلى معرفة إما بجسه أو بدونه إذا وصف له، واحتجوا بأنه لم يخل عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة رضي الله عنهم من العميان، ولم ينقل أنهم منعوا من البيع.
وهذا غلط لما ذكرنا من بيع الغائب سواء ما ذكر، ولم ينقل أنهم باعوا بأنفسهم.

باب بيعتين في بيعة والنجش

قال: أخبرنا الدراوردي .... وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
روى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة.
قال الشافعي رحمة الله عليه: يحتمل هذا معنيين: أحدهما: أن يقول: بعتك هذا الشيء بألف درهم نقدًا، أو بألفين إلى سنة قد وجب لك بأيهما شئت أو شئت أنت، ولا يجوز لأن الثمن فيه مجهول، والإيجاب والقبول على [ق 57 أ] التمسك لا على التعيين.
وقال ابن سيرين رحمه الله: يلزم البيع بأكثرهما.
والثاني: يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف، فهذا أيضًا لا يجوز؛ لأن ما نقص من كل واحد منهما ازداد في الآخر والثمن إذا ضم إليه مثل هذا يصير مجهولًا.
وهذا إذا جعل إيجاب البيع في أحد الشيئين إيجابًا في الآخر، فإن عقد أحدهما بهذا الشرط ثم عقد الثاني خاليًا عن الشرط صح الثاني دون الأول.
مسألة قَالَ: "وَنَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ النَّجَشِ".
وهذا كما قال: النجش حرام وخديعة وليس من أخلاق هذا الدين.
والنجس في اللغة استتارة الشيء، وكذلك سمى الصياد ناجشًا.
صورة النجش المنهي عنه أن يجلس على حانوت البائع ناخس، فإذا خاصم المشتري، وساوم صاحب الحانوت ثوبًا بعشرة، قال هذا الناخس: عليَّ هذا الثوب بخمسة عشر، ولا رغبة له في الشراء ولكنه يريد أن يقتدي المشتري به حتى يصير مغبونًا، فيعطي خمسة عشرة أو أكثر ظانًا أن الثوب يساوي خمسة عشر.
وهكذا لو كان الشيء يباع ممن يريد فيأتي رجل لا يريد شراؤه ويزيد في الثمن وقصده اغترار الناس به فيزيدوا

الجزء: 5 - الصفحة: 58

فإن فعل هذا [ق 57 ب] واغتر به غيره واشتراها كان الشراء صحيحًا ولا خيار للمشتري سواء كان بأمر البائع أو بغير أمره.
ومن أصحابنا من قال: له الخيار إذا كان بأمر البائع ومواطأة من جهته؛ لأنه تدليس كالتصرية، وهو اختيار ابي إسحاق رحمه الله، وهذا غلط يخالف مذهب الشافعي؛ لأنه دخل باختياره فكان التفريط فيه من جهته إذ كان من سبيله أن يعرضه على من يعرف قيمته.
ويخالف التصرية لأنها تدليس من البائع؛ ولا ينسب المشتري فيه إلى التفريط، وهذا اختيار ابن أبي هريرة وجماعة.
وعلى هذا لو قال البائع: أعطيت بهذه كذا فصدقه المشتري واشتراها ثم بان كذبه يصح البيع، وهل يثبت له الخيار؟ ينبغي أن يكون على هذين الوجهين.
وقال القاضي أبو علي البندنيجي: له الخيار هنا قولًا واحدًا، وهو ظاهر قوله في اختلاف الحديث.
وقال مالك: البيع مفسوخ لأجل النهي الذي ذكرنا.
وروى أبو هرير -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".
وهذا غلط لأن النهي لمعنى في غير البيع، وإنما هو لخديعة فلا يمنع جوازه.
وقيل: يصح إذا كان يأمره.
وقال أبو حامد رحمه الله: هل يثبت الخيار؟ قولان.
والأصح ما ذكرنا [ق 58 أ] فإذا تقرر هذا فالناجش عاص بلغه الخبر أو لم يبلغه، ولا تكفي معصية ببلوغ الخبر؛ لأنه إيقاع أخيه المسلم في ورطة العين.
ويخالف هذا البيع على بيع أخيه؛ لأن الشافعي رحمه الله نص هناك على أنه لا يكون عالمًا بالخبر، والفرق أن النجش في العقول مكر وقصد خديعة، ولا يخفي على عاقل ذلك.
وأما البيع على البيع فليس كذلك؛ لأن البائع مسلط على بيع سلعته والباعة يتنافسون في اصطياد المبتاعين بما يمكنهم من أنواع الترغيب، فإذا لم يسمع خبر الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن عاصيًا يعرض سلعته.
وقيل: إنه كان اعتقد جوازه لم يكن عاصيًا؛ لأنه لم يقصد المخالفة، وادعى هذا القائل أنه نص الشافعي.
مسألة: قَالَ: وَقَالَ صلى الله عليه وسلم: لَا يَبعْ بَعْضُكُم عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ".

الجزء: 5 - الصفحة: 59

وهذا كما قال: لا يجوز لأحد أن يبيع على بيع أخيه.
وصورته: أن يفسد على البائع بأن يبيع رجل من رجل سلعة وهما في المجلس وبينهما خيار المجلس أو خيار الثلاث وقد تفرقا، فيقول المشتري: أنا أبيعك سلعة خيرًأ منها بثمنها وأقل من ثمنها فرد الذي اشتريته، فهذا محرم، فإن نقض المشتري البيع واشترى منه صح البيع وإن ارتكب المعصية؛ لأن معصيته غير عقده، وعقده [ق 58 ب] غير معصيته.
وأما الشراء على شراء أخيه فحرام أيضًا؛ لأنه في معنى ما ذكرنا، وهو أن يفسد البيع على المشتري فيقول للبائع: بعني هذه السلعة بأكثر مما بعته منه وافسخ البيع بحق الخيار، فإن نقض البيع بحق الخيار واشترى منه يصح الشراء، ويحتمل اشتمال لفظ الخبر عليه؛ لأن اسم البائع يقع عليهما، ولهذا يسميان متبايعين.
وقد روى أبو هريرة -رضي الله عنه -أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يسوم الرجل على سوم أخيه".
وهذا قريب من بيعة على بيع أخيه، وهو إفساد على المشتري وفيه ثلاث مسائل: أحدها: أن يتساوما على السلعة ويطلبها منه المشتري بمائة نظر، فإن سكت ولم يجبه إلى ذلك ولا رده ولا كان منه ما يدل على الرضا به، فلكل أحد أن يشتريها منه، وإن أجابه وقال: أنا أبيعك بمائة فلا يحل لأحد أن يشتريها منه وإن كان منه ما يدل على الرضا.
فإن قال: أنا أحق بها منك ومن أي مشترٍ مثلك فهل لغيره أن يشتريها منه؟ فيه وجهان.
وقال في "الحاوي": إذا سئلت ولم تجب برضا ولا بكراهة، فإن ظهر ما يدل على الرضا فهل يحرم السوم؟ وجهان: أحدهما: يحرم لأن السكوت كالنطق.
والثاني: لا يحرم لأن السكوت كناية [ق 59 أ] ولا تقوم مقام النطق الصريح إلا فيما خصه الشرع.
وهذا إذا كان في غير النداء، فأما إذا كانت في المناداة فلكل واحد أن يزيد ما لم يعقد البيع؛ لأنه أظهر أن يقصد الزيادة.

باب النهي عن بيع حاضر لباد، والنهي عن تلقي السلع

قال أخبرنا سفيان ..... وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
لا يجوز لحاضر أن يبيع لبادٍ بدليل ما روى أنس بن مالك رضي الله عنه في هذا الخبر.
ولو كان أخاه وأباه، وروى الشافعي رحمة الله عليه زيادة عن جابر -

الجزء: 5 - الصفحة: 60

رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يبع حاضر لباد".
قال طاوس: فقلت: وكيف لا يبيع؟ فقال: لا يكون لهم سمسارًا.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن السمسرة.
وصورة ذلك أن يدخل الأعراب بأمتعة لهم إلى البلاد يبيعوها ويصرفوا أثمانها في حوائجهم ويرجعوا إلى أوطانهم، فيجيء الحاضر في البلد يسألهم ترك الأمتعة عنده ليبيعها بعد أيام بسعر جديد لعلمه بأن حاجة أهل البلد تمس إليها بعد أيام لقلة المبتاع عندهم وانقطاعه.
والمعنى في ذلك ما شرحه الشافعي، فإن أهل البوادي يبيعونها بسعر يومهم للمؤنة عليهم في حبسها واحتباسهم عليها ولا يعرفون قلة تلك الأسعار وحاجة الناس إليها ما يعرف الحاضر، فإذا توكل لهم الحاضر المقيم تربصوا لأنه لا مؤنة عليهم في المقام [ق 59 ب] بها، ولا يصيب الناس من ينزعهم رزقًا ومنفعة، وهذا إنما يحرم بأربعة شروط: الأول: أن يقدم الغريب ومعه المتاع يريد أن يبيعه في البلد.
والثاني: أن يكون قصده البيع وتعجيل الثمن والخروج إلى وطنه.
والثالث: أن يجيء الحضري إليه ويطلب منه البيع له.
والرابع: أن يكون البلد صغيرًا بحيث إذا بيع ذلك اتسع على أهله وإذا لم يبع ضاق عليهم.
فإن اختل شرط من هذه الشروط لا يحوز إلا الشرط الأخير، فإن البلد إذا كان كبيرًا لا يضيق على الناس ترك بيعها فيه، فهل يحرم أم لا؟ وجهان: أحدهما: يحرم لعموم الخبر.
والثاني: لا يحرم لعدم المعنى.
وأما إذا أرادوا أن يقيموا في البلد شهرًا أو شهرين والتمسوا من السماسرة بيعها فامتنعوا، كان ما يلحقهم من الضرر بأنهم لا يجدون من يبيع لهم أمتعتهم أكثر وأدى ذلك إلى الإضرار بأهل البلد؛ لأنهم إذا رأوا ذلك لا يؤمن أن يقطعوا الجلب عنهم فلا يحرم عليهم التوكيل لهم، فإن خالف فباع لهم في الموضع الذي نهيناه عنه كان عاصيًا إن كان بالحديث عالمًا، وإن لم يكن عالمًا لا يكون عاصيًا، وكان البيع نافذًا لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض".
فلو كان البيع باطلًا لكان الرزق ممنوعًا؛ لأن البدوي حينئذٍ [ق 60 أ] يحتاج إلى مباشرة البيع واستئنافه بنفسه، ولو كان السمسار باع سلع أهل البادية على الفور بسعر يرضاه ولم يتربص بها لم يكن آثمًا ولا عاصيًا؛ لأنه لا يمنع أهل البلد رزقهم من أهل البادية.
وقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

الجزء: 5 - الصفحة: 61

قال: "وإذا استنصحك أخوك فانصحه" ومعناه أن البدوي إذا سأل الحضري عن سعر سلعته فلا ينبغي أن يكذبه.
وأما تلقى الركبان للبيع فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وذلك محرم أيضًا.
إن القوم كانوا يتلقون الجالبين على مرحلة أو أكثر ويسألونهم عن ما جلبوه ويبتاعونه منهم بسعر البلد، فربما غبنوهم غبنًا بينًا، وربما كذبوا في إخبارهم بسعر البلد، فنهاهم عن ذلك لما فيه أن كل من يبتاعها منهم يحملها إلى منزله يتربص بها زيادة السعر فلا يسع على أهل البلد أو لم يخبرهم أصلًا إذا قدموا البلد، فإن كان البائع قد غبن كان له الخيار، وإن لم يكن غبن فيه وجهان: أحدهما: له الخيار لما روي هذا الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فمن تلقاها فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق".
قال الشافعي رحمة الله عليه: "بهذا نأخذ إن كان ثابتًا" وهذا رمز بتوهين الرواية في هذه الزيادة لا في أصل الحديث، وقد روى أبو هريرة رضي الله عنه [ق 60 ب] أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقى متلقٍ فصاحب السلعة بالخيار إذا ورد السوق.
والثاني: لا خيار له، وبه قال الأصطخري؛ لأنه لم يغره، والخبر مخصوص في هذا الموضع.
وكذلك لو أخبره بالثمن صادقًا فوجهان، وقيل: وهذان الوجهان مبنيان على أنه خيار عيب أو خيار شرع؟ فإن قلنا: خيار عيب وهو قول من قال بالمعنى الأول فلا خيار ههنا.
وإن قلنا: خيار شرع وهو قول من قال بالمعنى الثالث ثبت الخيار أبدًا.
فرع لو لم يقدموا البلد حتى رخص السعر وعاد سعره إلى ما أخبروه وكان في وقت البيع السعر في البلد أكثر مما أخبروهم فهل يثبت الخيار؟ وجهان: أحدهما: لا خيار لهم اعتبارًا بانتهاء الحال.
والثاني: لهم الخيار اعتبارًا بابتداء الحال.
فرع إذا أثبتنا الخيار فيه وجهان: أحدهما: وهو الأصح أنه على الإمكان كخيار العيب.

الجزء: 5 - الصفحة: 62

والثاني: أنه إلى ثلاثة أيام كخيار المصراة.
وهذا ضعيف؛ لأن خيار المصراة يقدر بالثلاث لا خيار العيب وتحقيقه.
وقيل: إن قلنا: هو خيار عيب فعلى الإمكان.
وإن قلنا: خيار شرط فيه وجهان على ما ذكرنا.
فرع لو خرج الرجل إلى ضيعة فلقي الجالبين في الطريق وابتاع منهم شيئًا فيه وجهان: أحدهما: لا يتناوله النهي ويجوز له ذلك لأنه لم يتلقهم.
والثاني: يتناوله النهي للمعنى الثاني، وهو أنه [ق 61 أ] يضيق على الناس ويعدل بالسلعة عن السوق، وهو إذا لم يخبرهم بالشراء وأخبرهم بالسعر.
وهذا أحوط والأول أقيس.
فرع لو خرج وتلقى الركبان فباع منهم المتاع فيه وجهان: أحدهما: يجوز ذلك، لأن النهي في الشراء منهم.
والثاني: يجري هذا مجرى الشراء؛ لأن فيه اختصاصًا من دون أهل البلد.
فرع لو ورد أرباب الأمتعة البلد فتلقاهم قوم قبل حصولهم في السوق ومعرفتهم بالأسعار فابتاعوا منهم وكذبوا في السعر لا خيار لهم؛ لأنهم كانوا قادرين على تعرف الأسعار من غيرهم.

باب النهي عن بيعٍ وسلفٍ جر منفعة

قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع وسلفٍ.
وهذا كما قال.
لا يجوز بيع وسلف.
صورته: أن يقول: بعتك هذا العبد بألف درهم على أن تفرضني ألفًا أخرى.
وقال: بعتك هذا بألفٍ على أن أقرضك ألفًا، وهو حرام.
والمراد بالسلف القرض، ولأنه يؤدي إلى جهالة الثمن؛ لأن البائع ربما كان لا يبيعها بألف ولا القرض فقد وقعت منفعة القرض بوقف جزء منفعة مجهول معلوم إلى الألف الذي هو الثمن فلا يجوز.
إذا تقرر هذا، فلو أسلفه الألف في هذا الموضع كان قرضًا فاسدًا لا يملكه المستقرض بالقبض ولا بالتصرف؛ لأن المقرض لم يرض بإقراضه ألفًا إلا أن يبيع داره

الجزء: 5 - الصفحة: 63

منه بألف فيبطل القرض بشرط البيع كما يبطل البيع [ق 61 ب] بشرط القرض، ثم حكم القرض الفاسد إذا اشترى المستقرض شيئًا لا بعينه، ثم أداه وتلف في يد البائع، فللمقرض الخيار بين أن يرجع على المستقرض وبين أن يرجع على البائع، فإن رجع على المستقرض فذاك، وإن رجع على البائع فالبائع يطالب المستقرض بثمن ما باع منه، وإن اشترى بعينه فالشراء باطل، وإن يكن في يد البائع فالمالك بالخيار كما ذكرنا.
فإذا تقرر هذا قال الشافعي رحمة الله عليه في شرح تعليل هذه المسألة: "وَالمَائَةُ السَّلَفُ عَارِيّة لَهُ بِها مَنْفَعَةٌ مَجْهُولَةٌ".
فإن قال القائل: كيف سماها عارية والرجل أعطاهم باسم القرض؟ قلنا: سماعا عارية على المعنى لا على الحقيقة، والقرض والعشارية متقاربان في معنى المنفعة؛ لأن المستعير يستعير لينتفع بها كالمستقرض وكلاهما ضامن لما قبض، غير أن جهة الانتفاع بالقرض غير جهة الانتفاع بالعارية فإن المستعر يرتفق بالمنافع فيه كالعين، والمستقرض يستقضي العين ويرد البدل.
مسألة: قَالَ: "وَلَا خَيْرَ فِي أَنْ يُسَلَّفَهُ مَائَةً عَلَى أَنْ يُقْضِيَهُ خَيْرًا مِنْهَا".
الفصل وهذا كما قال.
القرض مستحب مندوب إليه، وهو فعل من أفعال الخير، وقد روى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كشف عن مسلم كربه، في الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في [عون] العبد ما دام [ق 62 أ] العبد في عون أخيه".
والقرض يكشف الكربة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قرض مرتين صدقة مرة".
وقال ابن عباس، وابن مسعود، وأبو الدرداء- رضي الله عنهم: أن أقرض مرتين أحب إلي أن أتصدق مرة.
ثم اعلم أن القرض عقد إرفاق لا يقصد به المغابنة ولا طلب الفضل، ولا يصح حتى يكون معلومًا، وإنما يكون معلومًا بشيئين؛ المشاهدة، والصفة.
ولا يجوز أن يقرضه على أن يعطيه خيرًا منه، إما أكثر منه أو أجود منه في العيان أو الجنس، أو يقرض مكسرًا ليقضي صحاحًا، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن قرض جرَّ منفعة.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "كل قرض جر منفعة فهو ربا".

الجزء: 5 - الصفحة: 64

ولو أقرضه من غير شرط فقضاه زائدًا جاز وكان مستحبًا، لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم استقرض بكرًا، فلما جاءته إبل الصدقة جاء الرجل يتقاضى، قال أبو رافع: فأمرني أن أقضيه إياه، فقلت: يا رسول الله، لا أجد إلا بازلًا، قال: "اقضه فإن خيركم أحسنكم قضاء".
فرع لو أقرضه ألف درهم بشرط أن يقضيه إياه في بلد آخر، وهو السفنجية، فإن كان هذا شرطًا في القبض لم يجز، لأنه يريد أن يربح مؤنة الطريق وغرره وإن أقرضه [ق 62 ب] إياه من غير شرط ثم سأله أن يكتب له كتابًا إلى بلد آخر، ذلك لأن القرض إذا صح جاز قضاؤه بعد ذلك على وجه ينتفع به.
فرع لو شرط المستقرض على المقرض أن يرد عليه ببلد كذا ويرد الكسر مكان الصحيح هل يفسد به القرض؟ اختلف أصحابنا فمنهم من قال: لا يفسد به، وهو اختيار ابن أبي هريرة؛ لأن هذا الشرط وإن كان لا يلزم يجوز من غير شرط فلم يتنافيا، ولأن أصل القرض الإرفاق، وهذا زيادة في الرفق ولا يلزم ذلك، بل له أن يطالبه في ذلك البلد الذي أقرض فيه ويطالبه بالصحيح، والشرط كان واعدًا جميلًا.
ومنهم من قال: يفسد به القرض لأنه شرط ينافيه.
فرع لو كان الرجل معتقدًا بأنه يقضي القرض خيرًا عما يستقرض يجوز إقراضه من غير أن يجعل ذلك شرطًا.
ذكره عامة أصحابنا.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز ذلك؛ لأن هذه العادة كالشرط، وهذا غلط، لأن القضاء زيادة مندوب إليه لما ذكرنا من الخبر، فكيف يكون مانعًا من القرض، ولأن العادة لا تقوم مقام الشرط لأنه لو كان عادة الرجل أنه إذا اشترى من إنسان تمرًا أطعمه لا يصير ذلك كالشرط في بطلان هذا العقد.
ومن أصحابنا من قال: إن أقرضه ناويًا الزيادة يكره ولا يحرم، وفيه وجه آخر لا يكره لأنه لم يوجد [ق 63 أ] منه طلب الزيادة والحكم مبني على الظاهر، وإن أقرضه مطلقًا فيه وجهان، والمذهب أنه لا يكره.
فرع ما لم يجر فيه الربا هل يجوز إقراضه بالزيادة كإقراض ثوب بثوبين؟ المذهب أنه لا يجو لعموم الخبر الذي ذكرناه.

الجزء: 5 - الصفحة: 65

ومن أصحابنا من قال: يجوز ذلك كالبيع، وهذا غلط، لأن القرض موضوع على الرفق ويفارق البيع؛ لأن بيع الجيد بالرديء فيما فيه الربا يجوز، ولا يجوز ذلك في القرض.
فرع إذا قلنا: لا يجوز ذلك فأقرض ثوبًا بثوبين أو ثوبًا هرويًا، بثوب مروي فيه وجهان: أحدهما: أنه قرض باطل.
والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة، والقاضي أبي حامد يصير بيعًا بلفظ القرض.
وهذا غلط لأنه يقضي نقل القرض المقصود إلى بيع ليس بمقصود.
فرع إذا أقرضه القطع فجاء بالصحاح يجبر على القبول.
فرع الإيجاب والقبول فيه ليس بشرط بل إذا قال: أقرضني كذا وأقرضه أو بعث إليه رسولًا جاز؛ لأن الركن في التبرعات الفعل كالهدية تتم من غير نطق.
فرع إذا قال: خذ هذه الدراهم وتصرف فيه، أو قال: خذ هذا البزر وازرعه لنفسك فيه وجهان: أحدهما: يجعل هبة لأنه لم يوجد شرط القرض لا بنطق ولا بدلالة.
والثاني: يكون قرضًا؛ لأن اللفظ يحتمل كلاهما فلا يقطع [ق 63 ب] حقه عن ملكه إلا بيقين.
فرع المستقرض متى يملك القرض؟ قد ذكرنا أنه يملك بالقبض وهو الصحيح كما يملك بالقبض؛ لأن كل واحد منهما مملوك بعقد يملك التصرف فيه بالقبض.
ومن أصحابنا من قال: يملك التصرف فيه بأن يبيعه أو يرهنه أو يهب لأنه كما جاز للمستقرض رد الشيء بعينه وعلى المقرض قبوله ثبت أنه ما ملكه وهذا ضعيف.
فرع إذا قلنا بالمذهب الصحيح أنه يملك بالقبض لا خلاف أنه يجوز للمستقرض رده بعينه.
وأما المقرض هل له أن يطالبه بعينه؟ نص الشافعي رحمه الله أن له ذلك.
ومن أصحابنا من قال: ليس له ذلك، وإنما يطالبه بقضاء حقه فيقضي من حيث

الجزء: 5 - الصفحة: 66

شاء.
وهذا اختيار جماعة من الكبار.
والصحيح الأول، وليس إذا ملكه لا يجوز للمقرض الرجوع فيه، كما نقول في هبة الابن يرجع الأب فيها وإن ملك الابن.
فرع إذا قلنا يملك بالقبض فنفقته إن كان حيوانًا على المستقرض بعد القبض، وإن استقرض أباه وقبضه عتق عليه.
وإذا قلنا لا يملكها إلا بالتصرف فنفقته على المقرض قبل التصرف، فلو استقرض أباه لا يعتق عليه قبل أن يتصرف فيه.
فرع إذا قلنا يملك التصرف فرهن أو أجر هل يملك به؟ وجهان؛ لأنه لا يزيل الملك فلا يكون فيه تفرق.
فرع إذا قلنا له الرجوع [ق 64 أ] بعينه، وإن ملك بالقبض أو خرج عن يده بابتياع أو هبة هل للمقرض الرجوع بعينه، أو ببدله؟ فيه وجهان: أحدهما: يرجع بعينه لأنه سقط ذلك لخروجه عن ملكه وهذا ملك حادث.
فرع لو فكه من الرهن له أن يرجع بعينه؛ لأن الملك لم يكن زال.
فرع لو كان أجرها يرجع والأجرة باقية، ثم الأجرة للمقرض لأن عقد الإجارة في ملكه، ولو أراد المقرض أن يرجع ببدله له ذلك، لأن الإجارة تقضى.
فرع لو قدم إلى رجل طعامًا ليأكله متى يملكه الأكل؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يملك بالتناول والقبض كالمقرض.
والثاني: يملك بوضعه في فيه.
والثالث: يملك بالابتلاع.
وقيل: فيه وجه رابع لا يملكه أصلًا، بل يأكله على ملك صاحب الطعام.
فرع يجوز قرض الحيوان، وكل ما يجوز فيه السلم وجهًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا قرض ماله مثل من المكيل أو الموزون، وهذا غلط لما ذكرنا من الخبر، ولأنه ثبت في الذمة سلمًا، فيثبت قرضًا كالميكل.

الجزء: 5 - الصفحة: 67

فرع إذا أقرض عبدًا من يعتق عليه يعتق عقيب التسليم وجهًا واحدًا، لأنَّا وإن قلنا التصرف شرط في تملكه فقد استفاد التصرف ههنا، حتى لو كان عبدًا أجنبيًا فأعتقه ينفذ، وكل سبب [ق 64 ب] ينفذ إعتاق العبد الأجنبي يوجب عتق القريب.
فرع قرض الخبز الحامض هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: يجوز فيه السلم لكونه مركبًا من الماء والدقيق والملح وفيه عيب الحموضة، والأول اختيار ابن سريج.
فرع إذا أقرض حيوانًا هل يلزم أن يعطى مثله أو قيمته؟ اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: يلزمه رد المثل في الخلقة والصورة، وهذا اختيار القاضي الطبري وجماعة لخبر أبي رافع، ولأن هذا عقد حيز للحاجة والرفق فيقبل منه مثل ما قبض، كما يقبض في السلم مثل ما وصف، ويفارق إذا أتلفه يضمن بالقيمة، لأنه لا يوجد هذا المعنى.
ومن أصحابنا من قال- وهو ظاهر المذهب واختاره أبو حامد- يلزمه رد القيمة؛ لأنه لا مثل له عند الإتلاف كذلك ههنا لا يطالب المثل.
فرع تعتبر قيمته على ما ذكرنا، فإن قلنا: يملكه بالقبض يعتبر قيمته يوم القبض.
وإن قلنا: يملكه بالتصرف يلزمه أكثر ما كانت قيمته من حين قبض إلى أن تصرف فيه، وإذا أقرض ماله مثل يلزمه رد المثل بلا خلاف؛ لأن مقتضى القرض هذا.
ولهذا يقال: الدنيا قرض ومكافأة.
فرع لو عاب في يد المقترض، فإن كان له مثل فهو بالخيار بين أن يرجع بالمثل سليمًا بخلاف المغصوب لا ينتقل [ق 65 أ] إلى غير عيبه مع وجوده؛ لأن الغضب لا يزيل الملك بخلاف القرض، وإذا كان مقومًا يرجع بالقرض معيبًا ويأخذ منه أرش عيبه، والفرق أن فيما له مثل ليس للقيمة مدخل فكذلك الأرش، وههنا وجبت قيمته ودخله الأرش أيضًا.
ذكره في الحاوي.
فرع لو أقرض ما لا مثل له ولا يضبط بالصفة كاللؤلؤ، والمعجون، والخبز هل يجوز؟ فيه وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 68

أحدهما: أنه لا يجوز، وهو اختيار البصريين؛ لأنه لا يصح لاستقراره في الذمة كالسلم، فقال: هذه العلة فيما يصح قرضه يصح السلم فيه.
والثاني: يجوز، وهو اختيار البغداديين، لأن بيعة جائز.
فعلى هذا ما يجوز بيعه يجوز قرضه وهذا لا يصح.
وقيل: هما مبنيان على أنه يضمن بالمثل أو بالقيمة؟ فإن قلنا: يضمن بالمثل لا يجوز، لأنه لا مثل له أصلًا.
وإن قلنا: يضمن بالقيمة يجوز.
ولا خلاف أنه يلزم القيمة إذا جوزنا، ومتى تعتبر القيمة؟ على ما ذكرناه.
ولو اختلفا في القيمة فالقول قول المقترض؛ لأنه غارم.
هكذا ذكر في "الحاوي".
ومن أصحابنا من قال: قرض الخبز بالوزن يجوز قولًا واحدًا للحاجة، وهو إجماع أهل الإعصار في الأمصار، وهل يجب المثل أو القيمة؟ وجهان: أحدهما: يرد الخبز المرفق.
والثاني: [ق 65 ب] يرد إليه القيمة لئلا يكون الخبز بالخبز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إقراضه.
وقال أبو يوسف: يجوز وزنًا، وقال محمد: يجوز عددًا.
فرع لا يجوز قرض الدراهم المغشوشة؛ لأنه يؤدي إلى الربا عند رد البدل.
فرع لو أقرضه رطبًا لم يجز له أن يرد بدله ثمرًا.
فرع قرض الجواري لا يجوز إلا من ذوي رحمها مثل الأب والابن والأخ والعم، فإن أقرضها من يحل له وطئها لا يملك.
نص عليه الشافعي رحمة الله عليه في الصرف.
واحتج الشافعي بأن قال: من استسلف أمة كان له ردها بعينها، فإذا جعلته مالكًا لها بالسلف يطأها ويردها، وقد حاط الله تعالى ورسوله والمؤمنون الفرج فجعل المرأة لا تنكح إلا بولي مرشد وشهود.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يخلو بها في سفر وحضر.
ويفارق هذا إذا كانت لا تحل له؛ لأن القصد استخدامها دون وطئها، فهو كاستقراض العبد؛ ولأن كل منفعة لا تستباح بالعارية لا تستباح بالقرض، كمنفعة البضع.
وأيضًا الملك به ضعيف

الجزء: 5 - الصفحة: 69

لما ذكرنا أنه يمكنه ردها على المقترض، ولا يمنع القرض من أخذها منه، فصار كوطء الجارية في مدة خيار البائع لا يحل.
فإن قيل: هلا قلتم يصح القرض ولا [ق 66 أ] يحل له وطئها؟ قلنا: التمليك إذا لم يستبح به الوطء مع كونها ممن تحل له لا يصح؛ لأن الوطء من المنافع المقصودة، فصار العقد فاسدًا إذا لم يبح الوطء لم يفد الملك، وإذا اشترى من لا يحل له وطئها فوطئها محرم شرعًا، فلا يمنع صحة التمليك هناك.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان بناء على أنه يملك بالقبض أو بالتصرف فإذا قلنا: يملك بالتصرف لا يجوز، لأنه لا يجوز الوطء في غير ملك، ولو منعنا الوطء لم نوفر صحة القرض.
وإن قلنا: يملك بالقبض يجوز وطئها.
وقال في "الحاوي": لو كانت محرمة الوطء هل يجوز قرضها؟ وجهان.
واختيار البصريين أنه لا يجوز؛ لأن ما لا يجوز قرضه من شخص لا يجوز قرضه من غيره كالمباحة.
وهذا غريب ضعيف.
فرع لا يجوز شرط الأجل في القرض.
وقال مالك رحمه الله: يجوز أن يطالبه به قبل الأجل.
وبه قال علي، وابن عباس رضي الله عنهم، وغلط بعض أصحابنا فقال: يجوز، لأن الشافعي رحمه الله قال في المفلس: وإن وجد الحاكم من يسلفه المال حالًا لم يجعله أمانة.
فدل هذا الكلام على جوازه مؤجلًا، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي اختار ذلك للحاكم إن كان يرى تأجيل القرض على مذهب من يجيزه؛ لأن أموال الغير لا تجزئ نظر الحاكم [ق 66 ب] وإن كان تجزئ نظر المالكين، وخلافًا على مذهب الشافعي رحمه الله أنه لا يجوز ذلك.
فرع إذا أسلم جارية في جارية فيه وجهان: قال أبو إسحاق: لا يجوز، لأنَّا لا نأمن أن يطأها ثم يردها عن ما يستحق عليه فيصير كمن أقرض جارية ووطئها ثم ردها.
والثاني: يجوز وهو المذهب؛ لأن كل عقد صح في العبد بالعبد صح في الجارية بالجارية كالبيع.
ولو شرط ضمان الوجه في القرض يجوز إن كان المستحق المثل، وإن كان المستحق فيه القيمة هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، وهذا إذا قلنا قيمة القرض تعتبر بأكثر أحواله من حين القرض

الجزء: 5 - الصفحة: 70

إلى حين التصرف؛ لأنه يؤدي إلى الجهالة.
والثاني: يجوز، وهذا إذا قلنا يعتبر قيمة وقت القبض، فعلى هذا إن علما قدر قيمته عند شرطية ووقف قبضه يجوز.
وإن جهل أحدهما لا يجوز.
فرع من شرط القرض أن يكون معلومًا، فإن كان يستحق الرجوع بقيمته فالعلم به بمعرفة قيمته، ولا تعتبر معرفة قدره ولا صفته لاستحقاق الرجوع بالقيمة دون غيرها، وإن كان مما يستحق الرجوع بالقيمة دون غيرها، أو إن كان ممن يستحق الرجوع بمثله يعتبر معرفة قدره وصفته في السلم، والقدر بالوزن إن كان موزوناً [ق 67 أ] وبالكيل إن كان مكيالًا فأقرضه إياه وزنًا جاز إن لم يكن فيه الربا، لأنه يصير معلومًا به، وإن كان فيه الربا فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لخوف الربا كالبيع.
والثاني: يجوز، وبه قال القاضي أبو حامد رحمه الله؛ لأن القرض، عقد إرفاق [وتوسعه] لا يراعي فيه ما يراعي في عقود المعاوضة، بدليل أنه لو رده زيادة من غير شرط جاز، ويتأخر فيه أحد البدلين لا إلى غاية معلومة.
ذكره في "الحاوي".
فرع: لو قال رجل: اقترض لي مائة درهم ولك عليَّ عشرة.
قال في "الحاوي": كره إسحاق هذا وأجازه أحمد، وعندنا هذا يجري مجري الجعالة لا بأس به.
فرع لو كان عليه ألف مكسرة فلا بأس أن يعطيه ثمانمائة صحاحًا ويبرئه عن الباقي.
ولو أعطاه ثمانمائة يريد بدلها لا يجوز.
فرع قال في "الحاوي": لو قال الرجل: أقرض زيداً مائة درهم وأنا لها ضامن يجوز، فإذا أقرض لزمه الضمان، ولو أقرضه خمسين تلزمه لا غير، ولو أن هذا الضامن دفع إلى المقرض في عوضه ثوبًا جاز على المقرض [ق 67 ب] بأقل الأمرين من

الجزء: 5 - الصفحة: 71

المائة التي ضمنها أو قيمة الثوب الذي دفعه عوضًا عنها؛ لأنه لا يرجع إلا بما عزمه إن كانت قيمة الثوب أقل.
فرع لو أن المقترض أهدى إلى المقرض هدية، فإن كان بعد رد القرض لا يكره، وإن كان قبله كرهه ابن مسعود رضي الله عنه، وأجازه ابن عباس، وعندنا يجوز ذلك إذا كان من غير شرط، والتنزه عنه أولى لما روي أن زيد بن ثابت- رضي الله عنه- استقرض من عمر- رضي الله عنه- مالًا وكان يهاديه، فامتنع عمر من قبول هديته، فرد زيد القرض وقال: لا حاجة لي فيما يقطع الوصلة بيني وبينك.
فرع لا يصبح القرض إلا من جائز التصرف، ولا ينعقد إلا بالإيجاب والقبول لأنه عقد عليك، ويصح بلفظ القرض والسلف؛ لأن الشرع ورد بهما، ويصح بما يؤدي معناه، وهو أن يقول: ملكتك هذا على أن ترد علىَّ بدله، ولو قال: ملكتك ولم يذكر البدل فهو هبة، فإن اختلفا فيه فالقول قول من يدعي الهبة؛ لأن الظاهر معه، فإن التمليك من غير ذكر عوض هبة في الظاهر.
فرع لو قال: أقرضتك ألفًا، وقيل: ثم تفرّقا، ثم دفع إليه ألفًا، فإن لم يطل الفصل جاز؛ لأن الظاهر أن قصد الإيجاب وإن طال الفصل لم يجز حتى يعيد لفظ [ق 68 أ] القرض؛ لأنه لا يمكن البناء على العقد مع طول الفصل.
ذكره في "المهذب".
فرع إذا اقترض من رجل نصف دينار قراضة وأعطاه المقرض دينارًا صحيحًا وقال له: نصف دينار قضاء عني ونصف دينار وديعة لي عندك، وتراضيا جاز، وإن امتنع المقرض كان له؛ لأن هذا وإن كان خيرًا من حقه إلا أن فيه نقصانًا بالشركة من وجه آخر، فإن رضي واتفقا على كسره جاز، وإن اختلفا بعدما تراضيا على القضاء منه في كسره لم يجز الممتنع منهما على كسره، لأن ذلك قسمة إضرار بهما، وإن اتفقا على أن يكون نصفه قضاء ونصفه قرضًا أو ثمنًا جاز.
فلو اتفقا على كسره لم يكن لأحدهما أخذ نصفه إلا برضا صاحبه، وإن تشاحا أقرع بينهما.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ كَانَ لَهُ عَلَى رَجُلٍ حَقُّ مِنْ بَيْعٍ حَالَ فَأَخَّرَهُ بِهِ مُدَّةً كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ".

الجزء: 5 - الصفحة: 72

في الأجل؛ لأن الزوائد لا يلحق بأصل العقد بعد إبرامه.
وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: يلزم الأجل كما لو كان الأجل مذكورًا في صلب العقد.
قال الشافعي رحمة الله عليه: "هَذَا لَيْسَ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ مِلْكِهِ وَلَا أَخَذَ مِنْهُ عِوَضًا فَيَلْزَمُهُ، وَهَذَا مَعْرُوفٌ لَا يَجِبُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ".
ومعناه: أن استئناف [ق 68 ب] الأجل بعد إبرام العقد ليس كالتأجيل في صلب العقد؛ لأن العاقد يخرج السلعة من ملكه بالعقد ويأخذ عوضها ويزيد بسبب الأجل في ثمنها فيخرج من ملكه على الصفة التي قصدها، ويلزم الأجل لأخذه عوضه وعوضه الزيادة في الثمن بسبب الأجل.
وأما إذا أبرم العقد ثم استأنف تأجيلًا فهذا ليس بإخراج ثمن من ملكه في هذا الوقت، وليس بأخذ عوض الأجل حتى يلزمه الأجل.
فإذا تقرر هذا، فله الرجوع متى شاء ولا يختص به وقت دون وقت؛ لأنه لم يثبت بالتسمية ولا يستحب له أن يرجع؛ لأنه معروف صفة وليس من المعروف العود في المعروف، ولو ذكر أجلًا في القرض بعد القبض لا يلزم الأجل.
وقال مالك رحمه الله: يلزم.
وقال أيضًا: إذا أعار شيئًا لا يمكنه الرجوع قبل انقضائها، وهذا بناء على أن الهبة عنده تلزم دون القبض والتأجيل، والعارية هبة المنفعة، وعندنا لا لزوم للتبرعات إلا بالقبض.
ولو زاد في الثمن أو النقص بعد إبرام العقد قد بينا انه لا يلحق بأصل العقد خلافًا لأبي حنيفة.
وقال: لو كان هذا أو الأجل بعد تلف المبيع، قال أبو حنيفة: يلحق أصل العقد، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق.

باب تجارة الوصي في مال اليتيم

[ق 69 أ] مسألة: قال: "وَأُحِبُّ أَنْ يَتَّجِرَ الْوَصِيُّ بِأَمْوَالِ مَنْ يَلِي".
الفصل: وهذا كما قال: المستحب لمن ولي مال اليتيم من الوصي، والحاكم، والوالي الذي ينصبه الحاكم أن يتجر في مال اليتيم وينميه بكل ما يجد الفضل في تنميته، وكذلك الأب والجد اللذان يليان مال الصغير بلا تولية أحد لقوله صلى الله عليه وسلم: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" يعني اتجروا، ويعني بالوصي وصي الأب والجد، فأما وصي الأم

الجزء: 5 - الصفحة: 73

فلا يتصرف؛ لأن الأم لا تتصرف فكيف يتصرف وصيها.
ويعني بالوصي الذي نصبه الحاكم إذا أذن له الحاكم نصًا بالتجارة؛ لأن مجرد قوله: وليتك مال فلان يقتضي الحفظ لا غيره.
قال ابن أبي ليلى: لا يجوز للولي أن يتجر بمال اليتيم.
وهذا غلط لما ذكرنا ولأن الله تعالى قال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152]. وقال مجاهد: أراد بقوله: ﴿أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] التجارة.
وقال الضحاك: هو أن يتجر له ولا يأخذ من الربح شيئًا.
وقال أبو زيد: أن يأكل بالمعروف إن افتقر ويمسك الأكل إن استغنى، ثم إنما يجوز لهم التجارة في البلد أو السفر المأمون، فأما السفر المخوف فلا يجوز.
ويجوز لهم أن يبضعوا أموالهم إلى البلاد إذا كان الطريق آمنًا.
ويفارق الوديعة [ق 69 ب] لا يخرجها المودع من يده إلى يد غيره بمطلق الإيداع، لأن ليس هناك رجاء ربح وفضل، وههنا يتجر ليربح، وفي إيضاحه غبطة فافترقا.
وأما البحر: فإن ركوبه غرر فلا يجوز لهم أن يحلوا مال الصغير فيه، وما روي عن عائشة- رضي الله عنها- أنها أبضعت بأموال بني محمد بن أبي بكر وهم أيتام في حجرها في البحر.
يحتمل أن يكون إلى المدن القريبة من الشط التي الغالب منها الأمن والسلامة.
وقيل: كان في ساحل البحر بحيث يقرب من المدينة، وكان غالب ذلك السلامة.
ويحتمل انها كانت ضمن الغرر إن تلفت مبالغة لطلب الربح لبني أخيها.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز إبضاع ماله في البحر لخبر عائشة رضي الله عنها، والصحيح ما ذكرنا.
وقال جماعة من أصحابنا: لا يجوز أن يسافر بماله برًا ولا بحرًا لما في السفر من التغرير بالمال، فإن سافر ضمن إلا أن تكون المسافة قريبة والقرى حول البلد، وفي المسافة البعيدة وجهان إلا أن يلتزم الضمان.
فرع لو اتجر له هل أجرة مثل لحق عمله؟ فإن لم يكن ذلك قاطعًا له عن عمله ولا مانعًا من التصرف في شغله وكان واجدًا مكتفيًا فلا أجرة له.
وإن كان يقطعه عن عمله ويمنعه من كسبه [ق 70 أ] فيه قولان: أحدهما: لا أجرة له؛ لأنه عمَّال مختار من غير عقد لازم ولا عرض مبذول، فصار متطوعًا به.
والثاني: له الأجرة؛ لأن في المنع منها ذريعة إلى إهمال الأيتام وترك مراعاتهم والتجارة بأموالهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 74

فرع ابتياع العقار والأرض بالمال أولى من التجارة؛ لأنه أحفظ أصلًا وأقل خطرًا مع استواء العادة فيها، والغالب أن غلته ترد إليه ثمنه ويبقى الأصل له، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "إن المسافر وماله لعلى قلتٍ إلا ما وقى الله تعالى".
والقلت: الهلاك.
وإن كان لو ابتاع عقارًا لم يعد عليه من فاضل غلته قدر كفايته جاز له أن يتجر بالمال على ما ذكرنا، ويشترط فيه ثلاث شرائط؛ لأن يكون الزمان آمنًا، والسلطان عادلًا، والتجارة مربحة.
فرع قال في "الحاوي": يعتبر في الشراء أربعة شروط: أحدهما: أن يشتري له ما لا يخاف عليه الفساد.
والثاني: أن يكون الربح فيه غالبًا إما لظهوره في الحال أو لغلبة الظن به في ثاني الحال.
والثالث: أن يكون بالنقد لا بالنساء؛ لأن بالنقد أرخص والربح فيه أظهر من هذه الثلاثة في حق الولاية وصحة العقد.
والرابع: أن لا يدفع الثمن إلا بعد قبض ما اشترى ما لم يقض عليه بدفع الثمن قاضٍ؛ لأن في خلاف هذا تغريرًا، وهذا شرط في حق الولاية لا في صحة العقد، فلو خالف ضمن المال حتى يقبض المبيع ثم يسقط عنه بقبضه ضمان الثمن.
فرع: يعتبر في ماله أربعة شروط: الأول: أن يكون البيع عند انتهاء الثمن من غير أن يغلب على الظن حدوث زيادة.
والثاني: الاجتهاد في توفير الثمن حسب الإمكان وإن باعه بأكثر من المثل.
والثالث: أن يبيع بالنقد إلا أن يكون النساء أحظ له في بعض الأحوال.
والرابع: أن لا يدفع ما باعه نقدًا إلا بعد قبض ثمنه ما لم يعص عليه بدفعه ناضًا.
وهذا الشرط في [حق] الولاية لا في صحة العقد، فإن أقبض المبيع كان ضامنًا للثمن لا للمبيع؛ لأن المبيع ملك المشتري ويسقط هذا الضمان بقبضه.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا كُنَّا نَامُرُ الْوَصِيَّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِمَالِ الْيَتِمِ عِقَارًا لأَنَّهُ لَا خَيْرَ لَهُ لَمْ يَجُزْ

الجزء: 5 - الصفحة: 75

أَنْ يَبِيعَ لَهُ عِقَارًا إِلاَّ لِغِبْطَةٍ أَوْ حَاجَةٍ".
الفصل: وهذا كما قال: يستحب للوصي وغيره أن يشتري لليتيم عقارًا لما ذكرنا.
قال أصحابنا: ويشتريه من بائع ثقة أمين يؤمن أن يجحد الثاني أو يحتال في إفساد المبيع، بأن يكون أقرَّ لغيره قبل البيع، ويكون في موضع الغالب منه السلامة، فلا يكون بقرب الماء الذي يخاف عليه عند الزيادة، ولا بالقرب من المعترك بين الطائفتين مثل العقار [ق 71 أ] الذي يقرب القنطرة ببغداد فإنها تخرب كل وقت فلا يكون لليتيم فيه حظ، وله أن يتبنى لليتيم عقارًا؛ لأنه إذا جاز شراؤه جاز بناؤه.
قال الشافعي رحمة الله عليه: وإذا بناه بناه بطين وآجر ولا بلبن وطين؛ لأن الجص والآجر لا مرجوع له، وإذا انهدم بعضه ضرب كله، واللبن والطين قليل البقاء، وينتفع بالآجر بعد الانهدام إذا كان بالطين ويقوم الطين مقام الجص، وهو أقل مؤنة منه.
وقال في "الحاوي": لا وجه لهذا التحديد؛ لأن لكل قوم عرفًا، ولكل بلد عادة، فمن البلاء ما لا يستحكم فيه البناء إلا بالحجارة والنورة، أو بالآجر والجص، أو باللبن والطين، أو بالخشب الوثيق فيفعل بما جرت به العادة في ذلك البلد.
وحكي ما ذكرنا عن أصحابنا لا عن الشافعي، وهذا حسن صحيح.
وإذا تقرر هذا ليس له بيع عقاره؛ لأَنَّا إذا أمرناه بشراء ما لم يجز بيعها.
قال الشافعي رحمة الله عليه: إلا في موضعين؛ أحدهما الغبطة، والثاني للحاجة.
والغبطة: أن يشتري له عقارًا آخر ويستفضل له من الربح فضلًا ظاهرًا، مثل أن يكون له في شركة إنسان سهام، أو في جواره وهو راغب فيه ليضيف ملكه، أو يتلخص من سوء مشاركته فيعطيه أكثر من ثمنه.
والحاجة: أن لا يكون له غيرها وبه حاجة إلى النفقة في الحال، أو يخاف غرقها أو خرابها [ق 71 ب] بالفتنة، أو كان اليتيم بطبرستان، وعقاره بخراسان ويحتاج إلى مؤنة في توجه من يجمع الغلة أو يأخذها فيبيعها ويشتريها بطبرستان، أو يبني فيها مثل ذلك.
فإن قيل: ما الفائدة في تخصيص العقار بالغبطة والحاجة ومعلوم أن الوصي لو أراد بيع مال اليتيم وداره لا يجوز ذلك إلا بالغبطة أو الحاجة؟ قيل: مراد الشافعي غبطة دون غبطة، وحاجة دون حاجة، وذلك أن الوصي لو أراد بيع ثيابه لربح يسير وغبطة خفية كان له ذلك، وليس له بيع عقار إلا بربح كثير مستعظم وغبطة ظاهرة، فكذلك التفصيل في الحاجة، فربما يباع منقول به حاجة يسيرة ولا يباع عقاره إلا في حاجة ثابتة وضرورة غالبة، فهذا معناه.
فإذا تقرر هذا فباع شيئًا من عقاره أو أثاثه الذي للقنية، فإن ثبت عند الحاكم أنه بيع حظ وغبطة أنفذه، وإن لم يعلم فهل ينفذه أم لا؟ فإن كان الولي يلي بلا تولية كالأب والجد يلزم

الجزء: 5 - الصفحة: 76

الحاكم إنفاذه من غير بحث، فإن بلغ الصبي وادعى على الأب أنه ليس ببيع غبطة فالقول قول الأب، وهل يحتاج إلى ثبوت عدالتهما عنده؟ قال القاضي الطبري: فيه وجهان: أحدهما: يحتاج [ق 72 أ] إلى ثبوتها عنده كما يحتاج إلى ثبوت عدالة الشهود.
وإن كان مما يلي بتولية كالوصي أو القيم من جهة الحاكم فيه وجهان: أحدهما: وهو قول عامة أصحابنا لا يقبل قوله ولا ينفذ تصرفه حتى يقيم البينة على ذلك؛ لأن تصرفه لا يتضمن نفي التهمة عنه، ويخالف الأب والجد؛ لأن تصرفهما يتضمن نفي التهمة عنهما، ألا ترى أنه لا يجوز للوصي أن يشتري مال اليتيم لنفسه ويجوز ذلك للأب والجد.
والثاني: يُقبل قوله أيضًا ولا يرد تصرفه إلا إذا علم أنه لا يتضمن الغبطة والحظ كالأب والجد.
قال صاحب "الإفصاح": وهذا أشبه، لأنه يجوز لهما التجارة في ملكه بالبيع والشراء، ولا يعترض الحاكم عليهما، فكذلك في بيع العقار.
ولو ابتاعا عقارًا فيه وجهان: أحدهما: يقبل قولهما إلا ببينة كما في البيع؛ لأن التهمة ملحقة على ما ذكرنا ولا يشق عليه إقامة البينة عليه بخلاف التجارة فإنه يشق فيها.
ولو بلغ الصبي فادعى عليهما أنهما باعا من غير غبطة هل يلزمها إقامة البينة؟ على الوجهين، والمشهور أنه يلزم.
وأما الإنفاق على الصبي وعلى أمواله يُقبل فيه قول الأب والجد، إلا أن يكون بينة بخلاف ذلك.
ولو ادعى الصبي عليهما بعد البلوغ [ق 72 ب] بخلاف ذلك فالقول قولهما مع اليمين، إلا أن يكون مع الابن البينة.
وأما الوصي والقيم إذا ادعيا ذلك هل يقبل قولهما من غير بينة؟ قال جماعة من أصحابنا: يقبل قولًا واحدًا، وهو اختيار القاضي الطبري؛ لأنه يتعذر عليهما إقامة البينة على ذلك بخلاف ما إذا باع العقار أو ادعى رد الملك بعد البلوغ؛ لأنه يمكنه إقامة البينة عليه.
وقال أبو حامد- رحمة الله- وجماعة: فيه وجهان: أحدهما: هذا وهو المذهب.
والثاني: لا يقبل بخلاف الأب والجد لما ذكرنا من التهمة، وهذا إذا أمكن ما ادعياه.
فرع لو قال الحاكم للوصي: اشتر هذا العقار فإن فيه حظًا، أو علم الوصي ذلك فتوانى فيه ولم يشتره حتى تلف المال صار ضامنًا له.

الجزء: 5 - الصفحة: 77

فرع في إقراض مال اليتيم يُنظر، فإن قدر على شراء عقار أو بناء عقار، أو تجارة لم يجز إقراضه، فإن لم يقدر على هذا وكان مقيماً لا يجوز أيضًا؛ لأن كونه في يده أولى من كونه في يد غيره.
وإن أراد السفر يجوز إقراضه، وهو أولى من إيداعه؛ لأن القرض مضمون بخلاف الوديعة، إلا أنه لا يقرضه إلا من ثقة موسر؛ لأن غير الثقة ربما يجحد والمفلس لا يقدر على الإقراض أودعه وسافر.
فرع لو قدر على إقراضه من ثقة فأودعه [ق 73 أ] عند ثقة فهلك، قال أصحابنا: يضمن؛ لأن ذلك موضع اجتهاد ونظر، فربما رأى الإيداع، أصلح فلم يفرط بذلك.
فرع الاستقراض لليتيم يجوز عند الحاجة بأن يكون له مال يقدم من سفر وهو محتاج إلى النفقة، أو متاع كاسد فيستقرض حتى يهيج سوق متاعه ويكون ذلك أولى من بيع العقار وصرفه إلى نفقته.
فرع لا يجوز تصرف الصبي بحالٍ أذن له الولي أو لم يأذن.
وقال أبو حنيفة: إن كان بإذن الولي يصح تصرفه، وإن كان من غير إذنه لا يصح تصرفه، كما لو لم يأذن له الولي.
فرع ارتفاق الوصي بمال اليتيم هل يجوز أم لا؟ قال الشافعي رحمة الله عليه: قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: 6] الآية، ثم فسرها فقال: معناه: اختبروا حالهم وتأملوا، فإذا بلغوا الحلم وهي الحالة التي يحتاج فيها إلى النكاح وعرفهم فيهم رشدًا وخيرًا ففكوا الحجر عنهم وادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها، وتتلفوها خوفًا من أن يكبروا ويحتاجون إلى دفعها إليهم: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ [النساء: 6]، أي من كان غنيًا غير محتاج إلى أخذ شيء من أموال اليتامى فلا يأخذ [ق 73 ب] منها شيئًا، ومن كان مقترًا لا مال له وكان ذا صنعة إذا اشتغل بالنظر في أموالهم تعطلت عليه صنعته وكسبه، فيجوز أن يأكل من ماله، يعني ينفق على نفسه بالمعروف.
ثم قال الشافعي رحمة الله عليه: يحتمل أن يكون له أن يأكل من ماله ما يكفيه ويكون أجره له، ولا يلزمه بدله.
ويحتمل أن يأخذ منه كفايته بالمعروف على وجه القرض ويرد بدله إذا قدر عليه فيخرجه على قولين، والأظهر أن يأخذه قرضًا كالمضطر إلى طعام الغير؛ لأنه استباحة بالحاجة، والأول أشبه لعموم الآية.

الجزء: 5 - الصفحة: 78

قال أصحابنا: يحتمل من هذا أنه إن كان موسرًا ليس له أن يرتفق بماله، وإن كان معسرًا حل له الأكل بقدر نفقته ولا ضمان إن كان أبًا أو جدًا؛ لأن نفقته على ولده، وإن كان غيرهما حل له الأكل ويأخذ أقل الأمرين من أجرته أو كفايته، وهل يضمن؟ قولان: أحدهما: يضمن، وبه قال عمر بن الخطاب، وابن عباس رضي الله عنهم.
والثاني: لا يضمن، وبه قال النخعي، ومكحول، وقتادة رحمهم الله.
وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَاكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [الّنِسَاء: 6] أراد يأخذ أجرة معلومة على قدر خدمته.
وقال الشعبي وأبو العالية رحمهما الله: يأكل من كل ثمره، ويشرب من لبن ماشيته ولا يعترض لغيره.
فرع خلط مال اليتيم [ق 74 أ] بمال نفسه هل يجوز أم لا؟ قال ابن سريج رحمه الله، لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَاكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: 10] الآية، تجنب الناس عن معاملة الأيتام والاختلاف بهم، وميزوا أموالهم عن أموالهم، واستنصروا بذلك فنزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220]، أي لضيق عليكم وسهل عليهم ذلك.
خلطوا قصر إلى الإرفاق بهم.
وقال ابن سريج: للوصي أن يخلط طعامه بطعامه إذا كان لليتيم فيه رفق، مثًلا أن يكون إذا خبز لليتيم مكوكًا أكله طول الأسبوع، وإذا خبز نصف مكوك له ونصف مكوك لنفسه مختلطًا وأكلاه في الأسبوع خبزًا لينًا فكان ذلك أرفق، وكذلك إذا غسل ثيابه مع ثياب نفسه يكون أرفق به.
وأجرة الحجام على ذلك أيضًا، وعلى هذا إذا سافر قوم فخلطوا أزوادهم ليأكلوها في مكان واحد جاز، وإن كان أكلهم مختلف إذا دخلوا على التراضي بذلك وقصد الإرفاق.

باب مداينة العبد بغير إذن سيده

مسألة: قال: "وإذا أَدَّانَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا كَانَ عَبْدًا" الفصل: وهذا كما قال قوله: أدّان بتشديد الدال بمعنى استدان، وهو أن [ق 74 ب] يأخذ الدين أو يشتري سلعة بدين، وأدان بمعنى أقرض غيره وهو صاحب الدين، ودان بدين

الجزء: 5 - الصفحة: 79

مشترك لهما معًا ومن له الدين يقال له: داين ومدين، ومن عليه الدين يقال له: مدان ومديان ومديون وداين.
وجملته: أنه إذا اشترى العبد بغير إذن سيده بثمن في ذمته أو استقرض.
اختلف أصحابنا فيه، قال أبو إسحاق: يصح، وبه قال أبو حنيفة؛ لأنه إنما منع فيه ضرر على السيد وهذا لا ضرر فيه على السيد، فهو كالاحتطاب، والاصطياد، ولأنه مكلف من أهل العقود والتصرف، وإنما حجر عليه لحق الغير، فإذا اشترى شيئًا في ذمته وجب أن يصح كالحر والمحجور عليه بالفلس.
وقال الإصطخري: لا يصح كما لا يصح منه عقد النكاح إلا بإذنه ولأنه ليس من أهل الملك ولا يمكننا أن نثبت الملك للسيد ونوجب الثمن على العبد؛ لأن البيع تمليك بإزاء تمليك ولا يمكننا أن نثبت الملك للسيد ونوجب الثمن عليه، ولأنه لا يلزم الثمن، وقيل: هذا هو المذهب لهذه العلة ومن أصحابنا من قال: هذا قول أبي إسحاق الأول قول ابن أبي هريرة.
فإذا قلنا: لا يصح فإن كان الشيء قائمًا بعينه رددناه على صاحبه، وإن كان تالفًا ضمن قيمته في ذمته يتبع بها إذا عتق سواء تلف أو أتلفه هو.
[ق 75 أ] ولو أراد السيد أن يأخذ منه ليرد على المالك كان له ويكون في يده مضمونًا؛ لأن حصوله في يده كان بغير رضا المالك، وإذا قلنا: صحيح فإن كانت السلعة قائمة فللبائع الرجوع إلى عين ماله؛ لأن العبد مفلس كالمشتري إذا أفلس بالثمن.
هكذا ذكره أصحابنا.
وقال القاضي الطبري ..... إليه مقدار الثمن.
وهذا أصح عندي؛ لأنه ربما بقي ثمنه بالثمن الذي عليه ويفضل فضلًا كثيرًا للسيد، ولا يخاف ههنا من مزاحمة الغرماء.
قال في "الحاوي": إن لم يعلم البائع برقه ثم علم فأراد الفسخ يحتمل وجهين: أحدهما: [له الفسخ] لأنه أسوأ حالًا من المفلس.
والثاني: ليس له لأنه صار في ملك السيد فلم يكن له الفسخ لزوال ملكه عنه، وهذا يدل على أنه لو كان عالمًا برقه عند العقد لا يفسخ بحالٍ، وإن كانت تالفة كان عليه ثمنها في ذمته لا قيمتها ولا يطالب السيد بذلك على الوجه الأول، وإن كان السيد رآه وتركه في يده هذا في الشراء، فأما في القرض له أخذه منه سواء قلنا إنه صحيح فضمانه ضمان القرض الصحيح على ما ذكرنا، وإن قلنا: لا يصح فضمانه ضمان المأخوذ سومًا، فإن انتزع السيد من يد العبد ذلك فإن قلنا: فاسد ضمنه أيضًا لأنه أخذ من يده من يجب [ق 75 ب] عليه الضمان فيضمنه، ثم إذا ضمن هو لا يرجع على عبده إذا عتق؛ لأنه لا يثبت للسيد وعلى عبده دين، وإن قلنا: إنه صحيح فقد صارت العين ملكًا للسيد ولا حق لأحد فيها والثمن أو البدل في ذمة العبد يتبع به إذا أيسر بعد العتق؛ لأن السيد أخذه لحق فسقط حق البائع والمقرض كما يسقط حقه لو باع المبيع أو رهنه، ذكره أصحابنا ومن أصحابنا من قال: الصحيح للبائع الرجوع؛ لأن ملك السيد حصل بالشراء لا بإخراجه من يد العبد ولم يتحدد له حق بعد العقد، وقبل الانتزاع من يده للبائع الرجوع كذلك بعده

الجزء: 5 - الصفحة: 80

بخلاف الحر المفلس إذا باع لا يرجع بائعه بعين ماله لأنه تجدد للمشتري الثاني حق لم يكن من قبل.
وقيل: المحجور عليه أربعة أقسام: قسم: يصح منه الشراء مع الحجر بإذن وغير إذن, وهو المحجور عليه بالفلس ولكنه يمنع من دفع الثمن لحق الغرماء ولا يفسخ عقده.
وقسم: لا يصح منه التصرف أصلًا وهم الصبيان والمجانين.
وقسم: لا يصح بغير إذن وفي الإذن خلاف, وهو المحجور عليه بالسفه ولو اشترى بإذن وليه وجهان.
ولو عين له الولي ما يشتريه وقدر له الثمن فعقد عليه جاز وجهًا واحدًا بخلاف التفويض؛ لأنه عقد حر مكلف قد صرف عن الاجتهاد بالتقدير فلم يكن [ق 76 أ] للسفه فيه تأثير ذكره في الحاوي.
وقسم: يصح بالإذن وفي غير الإذن خلاف.
وهو العبد على ما ذكرنا.
وكذلك في ضمانه وجهان.
وأما إذا تصرف العبد بإذن سيده يصح, وإن لم يكن في يده شيء كانت الديون في ذمته يتبع بها إذا اعتنق وأيسر ولا تتعلق برقبته, وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: تتعلق برقبته ويباع فيها عند مطالبة الغرماء, وقال أحمد: تتعلق بذمة السيد لأنه غر الناس بإذنه بالتجارة, وهذا غلط لأنه دين ثبت على العبد برضا من له الدين فلا يتعلق برقبته, كما لو استقرض بغير إذن سيده.
وأما ما ذكره لا يصح لأن السيد لا يضمن عن عبده ولا غر الناس به بل أذن له في التجارة على رجاء الربح.
فرع إذا حجر عليه السيد وبقي برقبته وحده هل تقضي ديونه من كسبه بعد ذلك؟ ظاهر الكلام أصحابنا يدل على أنه لا يقضي.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا يزال يقضي الدين من كسبه حتى يقضيه كله, أو يعتق فيكون في ذمته حينئذٍ؛ لأنه بالإذن جعل كسبه محلًا لقضاء الدين منه.
ووجه الأول أن محل كسب المأذون لا كسب المحجور, وأصل المسألة أن الكسب الذي ليس بطريق التجارة هل يضاف إلى رأس المال وجهان.
فرع آخر لو كان في يد العبد المأذون ألفان وعليه ألف درهم دين ليس [ق 76 ب] للسيد أن يأخذ منه الألف الفاضل عنه دينه؛ لأن الكل كالمرهون بدينه ولأنه يجوز أن يهلك أحد الألفين قبل قضاء دينه.
فرع آخر المأذون في التجارة لا يؤاجر نفسه كما لا تزوج المأذونة نفسها.
وقال أبو حنيفة:

الجزء: 5 - الصفحة: 81

له أن يؤاجر نفسه وهذا غلط؛ لأنه مأذون في التجارة والإجارة ليست بتجارة لأنه لم يسمى الحمال والسقا تاجرًا.
وذكر وجهًا آخرًا أنه يجوز, والوجهان مبنيان على ما يحصل بعمله بالاصطياد هل يضيفه إلى رأس مال فإن قلنا: يضيف إليه نزلنا الإجارة بمنزلة الأرباح فيملك الإجارة كما يملك التصرف.
فرع آخر هل له أن يؤاجر العبيد الذين اشتراهم للتجارة؟ وجهان: أحدهما: له ذلك كما له بيعهم.
والثاني: ليس له ذلك لأنه عقد الإجارة من ثمنهم, والأول أظهر.
فرع آخر إذا أذن لعبده في التجارة في نوع خاص لا يصير مأذونًا في سائر الأنواع, وقال أبو حنيفة: يصير مأذونًا في سائر الأنواع.
وهذا غلط قياسًا على الوكيل والمضارب.
فرع آخر لو رأى عبده يبيع ويشتري فسكت عنه لا يصير به مأذونًا في التجارة, وقال أبو حنيفة: لا يصح هذا العقد الذي سكت عنه ويصير به مأذونًا في غيره, وهذا غلط؛ لأن السكوت عنه لا يكون إذنًا في غيره كما في النكاح.
فرع آخر المأذون إذا أبق لم ينعزل عن التجارة [ق 77 أ] غير أن السيد لو كان قال له اتجر في هذا البلد لا يمكنه التصرف في بلد آخر.
وقال أبو حنيفة: ينعزل بالإباق.
ووافقنا أنه لو أذن له بالنكاح وأبق لا يبطل الإذن.
فرع آخر إذا استولد المأذونة لا تنعزل خلافًا لأبي حنيفة- رحمه الله- فرع آخر لو عزل نفسه لا ينعزل؛ لأن التصرف ليس بحق له بل هو حق السيد عليه والنفع له ولا يقدر العبد على إبطاله.
فرع آخر لو خرج عن طاعته وأنكر الرق لا ينعزل.
وكذلك لو غصبه غاصب وجحد ملك المالك خلافًا لأبي حنيفة.

الجزء: 5 - الصفحة: 82

فرع آخر (إذا) باعه هل ينعزل؟ وجهان بناء على ما لو أذن لعبد الغير في التجارة هل يصح؟ وجهان.
فرع آخر إذا اعتقه هل ينعزل وجهان: أحدهما: ينعزل لأن مقتضاه أداء ديونه من كسبه وقد انقطع حقه عن كسبه.
والثاني: لا ينعزل لأن ابتداء التوكيل بعد العتق يجوز.
وكذلك لو كاتبه ولو أدبره أو رهنه لا يبطل الإذن.
فرع آخر ليس للمأذون اتخاذ الدعوة وضيافة المجاهدين خلافًا لأبي حنيفة, لأن نوع تبرع كالهبة.
فرع آخر لا يصح توكيل محجور عليه خلافً لأبي حنيفة, وهو وجه آخر يخرج من شرائه لنفسه بغير إذن سيده يجوز في أحد الوجهين, وهذا غلط لأنه نوع تصرف في ملك الغير [ق 77 ب].
فرع آخر إذا احتطب المأذون أو احتش لم يضم ذلك إلى مال التجارة, خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر ليس له أن يعامل سيده, وقال أبو حنيفة: له أن يعامله إذا كان عليه دين وهذا غلط.
فرع آخر لو اشترى أب سيده لا يجوز لأنه يتضرر به سيده بالعتق عليه خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر لو زعم المأذون أن سيده حجر عليه لا تجوز معاملته؛ لأن في زعمه أنه لا يصح تصرفه, وقال أبو حنيفة: يجوز معاملته.
فرع آخر لو أذن السيد المأذون أن يأذن للسيد الذي في يده بالتجارة فأذن صح, فلو حجر

الجزء: 5 - الصفحة: 83

السيد على عبد عبده صح, وقال أبو حنيفة: لا يصح ما لم يرد إلى يده, وهذا غلط لأن الثاني ملكه كالأول.
فرع آخر لو أقر المأذون لأبيه أو لأبنه بمال صح كما لو أقر لأجتبي, وقال أبو حنيفة: لا يجوز.
فرع آخر لو كان في يده عين مال وأقرِّ أنه مغصوب أو وديعة لرجل لا يصح إقراره إنما يصح إقراره لمعاملة تتعلق بالتجارة, وقال أبو حنيفة: يصح إقراره وهذا غلط [ق 78 أ] لأنه لا يتضمن الإذن بالتجارة.
فرع آخر لو علم رجل أنه مأذون فعامله ثم امتنع من التسليم كان له ذلك ما لم يشهد الشهود أنه مأذون له, لأنه ربما يفك السيد الإذن فيذهب مال البائع.
فرع آخر لو أذن السيد لعبده أن يضمن مالًا عن رجل فضمنه فيه وجهان: أحدهما: يتعلق ذلك بكسبه ويكون بمنزلة المهر والنفقة إذا أذن له بالنكاح لأنه إذن في كسبه.
والثاني: يكون في ذمته لأنه ثبت برضا من له حق.
مسألة قَالَ: "وَكَذَلِكَ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ جِنَايَةِ".
وهذا كما قال.
جناية العبد لا تخلو إما أن تثبت ببينة أو بإقرار, فإن ثبت ببينة نظر, فإن كانت موجبة للقصاص, كان لولي الجناية أن يستوفيه, وإن كانت موجبة للمال أو اختار ولي القصاص أن يعفو على مال تعلق ذلك برقبته, وإن كانت الجناية ثبتت بإقراره نظر, فإن كانت توجب القصاص قبل إقراره وللمقر له استيفاء منه وقال أبو حنيفة ومالك .... وقال محمد, وزفر, وداود: لا يقبل إقراره لأنه يسقط حق السيد عنه بإقراره, وقال أحمد: يقبل إقراره فيما دون النفس, ولا يقبل إقراره لأنه روي عن علي- رضي الله عنه- أنه قطع عبدًا يقبل فيه إقرار العبد كالطلاق [ق 78 ب] ولأنه غير متهم فيه؛ لأن العاقل لا يتلف نفسه للإضرار بغيره وهو كالزوجة تقر

الجزء: 5 - الصفحة: 84

بالقتل (فيصح) إقرارها مع ضرر الزوج وبهذا فارق أذا أقر بالخطأ.
وإذا تقرر هذا فمن أقر بما يوجب القصاص فإن أراد المقر له القصاص كان له, وإن أراد أخذ الدية كان له سواء توجب الجناية القصاص فقط أو قلنا موجبة القصاص أو الدية.
وقال صاحب "الإفصاح": إن قلنا يوجب القصاص فقط يجوز عفوه عن المال؛ لأن المال يكون حتى القصاص, فإذا ثبت له المبدل, وإن قلنا موجبة القصاص أو الدية فكل واحد منهما أصل في نفسه, وإذا أراد الدية يحتمل وجهين بناء على قولين في العزم في السرقة على ما تبين إن شاء الله تعالى, والأول أصح, وقال بعض أصحابنا بخراسان, وعلى هذا قال الشافعي- رحمة الله عليه- في رجل حتى جناية توجب القود, فقال رجل للمجني عليه: ضمنت لك ما وجب بهذه الجناية من قود ومال لا يصح في القود ويصح في المال إذا قلنا: موجبه أحد شيئين, وإن قلنا: موجبة القود فقط لا يجوز أصلًا, فإن قيل: ألا قلتم لا يثبت العفو على مال لأنه متهم ويجوز أن يتواطأ العبد ويفر له بالعمد ليعفو عنه.
قيل: الثابت إقراره بالعبد الموجب للقصاص وذلك لا تهمة فيه, لأنه لا يؤمن باستيفائه [ق 79 أ] منه والعاقل لا يغرر نفسه.
ثم إذا ثبت لا وجه لمنع الولي من العفو, ثم إذا صح العفو على مال تعلق المال برقبته, والسيد بالخيار بين الفداء وبين التسليم للبيع, وإذا اختار الفداء بكم يفدي؟ قولان على ما ذكرنا من قبل, وإن أقر بما يوجب المال به لا يقبل إقراره, لأنه متهم وإذا عتق طولب به, وهذا لأنه يقبل إقرار السيد به ولا يقبل العبد به كما لا يقبل أنه باعه من فلان.
فرع آخر لو أقر السيد عليه بما يوجب القصاص لا يقبل لأنه متهم فيه, فإذا عفي المقر له عن القصاص وأراد المال ثبت المال رقبته, كما لو أقر السيد في الابتداء بما يوجب المال.
مسألة قَالَ: "وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرقَةٍ [مِنْ حِرْزِهَا] يُقْطَعُ فِي مِثْلِهَا".
الفصل: وهذا كما قال إذا أقر العبد بالسرقة ينظر, فإن كان بسرقة لا يوجب القطع في مثلها, أما دون النصاب أو من غير الحرز, أو من أبيه أو ابنه لا يقبل لتعلق الحق برقبته, لأنه يضمن غرامة المال فقط, ولكن يبيع به إذا عتق, وإن كان بسرقة توجب القطع يلزمه القطع كالقصاص, أما الغرم فإن كان تالفًا هل يقبل إقراره فيه حتى يتعلق برقبته أو لا يقبل حتى تتعلق برقبته؟ قولان:

الجزء: 5 - الصفحة: 85

أحدهما: لا يقبل وهو الأصح, لأنه لو أقر بما يوجب المال لا يقبل إقراره [ق 79 ب] فإذا أضافه إلى ما يقبل فيه وجهان لا يقبل أيضًا, ولأنه لو شهد بالسرقة شاهد أو امرأتان ثبت المال دون القطع, فدل على أن أحدهما منفصل عن الآخر.
والثاني: قاله في كتاب "الإقرار بالحكم الظاهر" يقبل إقراره ويباع فيه, لأنه إذا ثبت به القطع ثبت به المال؛ لأن القطع لا ينفصل عن المال كالدية والقصاص, ومن قال بالأول لا يسلم هذا الأصل على قول صاحب "الإفصاح"وعلى قول سائر أصحابنا فرق بينهما, فإن القصاص والدية تجيان بسبب واحد لمستحق واحد فإذا ثبت الأعلى كان له العدول إلى الأدون, وليس كذلك القطع والمال لأنهما يتعلقان بشيئين مختلفين, فجاز أن يثبت أحدهما دون الآخر, ألا ترى أنه لو شهد رجل وامرأتان بجناية العمد لم يثبت المال, ولو شهدوا بالسرقة يثبت المال دون القطع, فدل على الفرق بينهما.
ثم لو رجع من هذا الإقرار سقط القطع دون الغرم إذا أوجبنا الغرم في رقبته أو ذمته, وإن كان العين قائمة نظر, فإن كانت في يد السيد لا يقبل قوله فيها على سيده, بل يجب غرم ذلك في ذمته, وإن كانت في يده قطعت يده قولًا واحدًا, وهل يقبل في تلك العين؟ قال بعض أصحابنا: لا يقبل فيها قولًا واحدًا, والفرق أنه إذا كان تالفًا لا يؤدي إلى أن [ق 80 أ] يقبل إقراره فيما زاد على قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته, وفي العين لو قبلنا إقراره أدى إلى أن يقبل إقراره فيما يزيد قيمته أضعافًا مضاعفة وهذا هو المذهب, وبه قال أبو يوسف رحمه الله ومن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضا؛ أحدهما هذا.
والثاني: يقبل ويرد على صاحبه, ومن أصحابنا من قال: إن قلنا بالتالف لا يقبل فههنا أولى, وإن قلنا هناك يقبل فههنا ثلاثة أوجه: أحدها: يقبل وهو اختيار ابن سريج.
والثاني: لا يقبل, وبه قال مالك وأحمد؛ لأن يده يد لسيده.
والثالث: العين ترد إلى السيد إذا ادعاها, ويتعلق غرم قيمتها في رقبته استدراكًا لما يخاف من وفور قيمة العين واستيعاب مال السيد فلا يتجاوز عن الرقبة ذكره في "الحاوي".
وقال أبو حنيفة: يقبل إقراره في العين وترد إليه سواء كان في يد العبد أو في يد سيده, وقال محمد: لا تقطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع يده كما لا يسلم العين إلى المقر, وهذا غلط؛ لأن التهمة لا تلحقه في القطع فيلزمه بخلاف المال.
فرع آخر إذا قال العبد: استكرهت هذه الحرة على الزنا يلزمه الحد, وهل يقبل إقراره في المهر؟ كما ذكرنا في السرقة.

الجزء: 5 - الصفحة: 86

فرع آخر المحجور بالسفه إذا أقر بالسرقة, فإن قلنا: يقبل إقرار العبد على سيده كان إقراره بالقبول في ماله أولى فيقطع [ق 80 ب] ويغرم, وإذا قلنا إقرار العبد يلزم في ذمته ففي إقرار السفيه وجهان: أحدهما: يقبل وهو قول ابن أبي هريرة بخلاف العبد لأنه يقر في غير مال بخلاف السفينة.
والثاني: لا يقبل؛ لأن السفينة يمنع من قبول إقراره وهو أسوأ حالًا من العبد؛ لأن العبد يثبت للعذر فيها بخلاف هذا! وعلى هذا في وجوب قطعه وجهان: أحدهما: لا يقطع لسقوط الغرم.
والثاني: يقطع كما لو سقط الغرم بالإبراء بعد الوجوب.
فرع آخر لو ادعى عبد قتلًا يوجب القصاص فأنكر فالقول قوله, هل تغلظ الأيمان؟ قولان, وإن ادعى عليه قتلًا يوجب المال فاعترف لا يقبل إقراره ونحو الدعوى إلى سيده فيحلف على العلم ما قتل عبده, ولو أنكر العبد فالقول قوله مع يمينه, وإن نكل هل ترد اليمين؟ قولان بناء على يمين المدعي مع نكول المدعي عليه تجري مجرى البينة أو مجرى الإقرار, فإن قلنا كالبينة ردت, وإن قلنا كالإقرار لا ترد.

باب بيع الكلب

قال: أخبرنا مالك عن ابن شهاب وذكر الخبر.
وهذا كما قال.
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن.
والبغي: المرأة الفاجرة تكون نفسها وجمعها بغايا, وحلوان كاهن: [ق 81 أ] ما يأخذه المتكهن عن كهانته وهو محرم باطل.
ويقال: حلوت الرجل شيئًا يعني رشيت.
وحلوان العراف حرام أيضًا, والفرق بين الكاهن والعراف أن الكاهن يدعي معرفة الأسرار والكوامن في مستقبل الزمان, والعراف يدعي معرفة الشيء المسروق ومكان الضالة.
وجملته أن بيع الكلب عندنا باطل وهو نجس العين ولا يضمن قيمته به قال الحسن والحكم, والأوزاعي, وربيعة- رحمهم الله- وأحمد, وداود, وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه ويضمن قيمته وفي بيع العقور روايتان.
واختلف أصحاب مالك قال بعضهم: يجوز بيع المأذون في إمساكه ويكره بيعه, وحكي عن مالك أن قال: لا ثمن له وتضمن قيمته بالإتلاف وهذا غلط لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمنه فدل على فساد بيعه.

الجزء: 5 - الصفحة: 87

وروى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الكلب وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملؤوا كفه ترابًا".
ومعنى التراب ههنا الحرمان والخيبة, كما يقال: ليس في كفه إلا التراب, وكقوله: صلى الله عليه وسلم "والعاهر الحجر" وكان بعض السلف يذهب إلى استعمال الخبر على ظاهره يقول: أن يوضع التراب في كفه.
وروى أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي: صلى الله عليه وسلم [ق 81 ب] قال: "لا يحل ثمن الكلب ولا حلوان الكاهن ولا مهر البغي".
والدليل على مالك- رحمه الله- أن الثمن ثمنان ثمن التراضي عند البيع وثمن التعديل عند الإتلاف, وقد أسقطها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "فاملؤوا كفه ترابًا" فدل على أنه لا عوض له, وقال أبو هريرة رضي الله عنه: ثمن الكلب من السحت, وقال عطاء والنخعي: ما حرم اقتناؤه منها فبيعه محرم وما أبيح اقتناؤه منها فبيعه جائزا, واحتج مالك- رحمه الله- بأنه إذا أتلفه أبطل عليه منفعته فيضمن, كأم الولد لا يحل بيعها ونلزم قيمة على أتلفها.
قلنا: أم الولد استحقت العتق ولم تخرج عن المالية.
وهذا المعنى لا يوجد في الكلب, واحتج أبو حنيفة- رحمه الله- بما روي جابر- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نهي عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب صيد.
قلنا: هذا موقوف على جابر ذكره الدارقطني, ثم هو حجة عليه لأنه يخبر عن بيع غير معلوم.
وقيل: معناه ولا كلب صيد.
وروي رافع بن خديج- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كسب الحجام خبيث, ومهر البغي خبيث, وثمن الكلب خبيث".
وإذا تقرر هذا فلفظ الشافعي رحمه الله- ههنا يدل على أن الاقتران في اللفظ يقتضي الاقتران في الحكم, وهو اطهر المذهبيين؛ لأنه قال: "وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ [ق 82 أ] ولو حَلَّ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الكَاهِنِ وَمَهْرُ البَغِيِّ" مسألة قَالَ: "وَلَا يَجُوزُ اقْتِنَاؤْهُ إِلَّا لِصَاحِبِ صَيْدٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ, أَوْ مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ".
وهذا كما قال: يجوز اقتناء الكلب للصيد وحفظ الماشية والزرع لدفع الخنازير, وفي معنى أصحاب الزرع أصحاب النخل والشجر والكرم, وفي معنى أصحاب المواشي أصحاب الخبل والبغال والحمير لحفظها من صغار السباع, وهذا لما روي أبو هريرة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من اقتنى كلبَا إلا كلب صيد أو زرع أو ماشية نقص.

الجزء: 5 - الصفحة: 88

من أجره كل يوم قيراطان, عبارة عن جزأين من عمله.
واختلفوا هل المراد به عمله الماضي أو المستقبل؟ فقيل: ماضي عمله.
وقيل: من مستقبل عمله.
ثم اختلفوا من بعد ذلك من أي عمل؟ فقيل: جزء من عمل الليل وجزء من عمل النهار.
وقيل: جزء من عمل الفرض, وجزء من عمل النقل.
وهذا النقصان يتكرر عليه في كل يوم, وقال أبو حنيفة: [يجوز] اقتناء الكلب بكل حالٍ, وإن لم يكن منتفعًا به.
فرع هل يجوز اتخاذه لحفظ البيوت؟! اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا هذه الثلاثة, ولا الحيلة تتم من اللص على الكلب بطرح الخبز له ونحو ذلك, وهذا اختيار أبي حامد- رحمه الله- والثاني: يجوز وهو ظاهر المذهب وهو الصحيح؛ لأن الشافعي- رحمه الله- قال: "أو من كان في معناهم" ووجهة اقتناء الكلب لحفظ ماله فأشبه اتخاذ لحفظ ماشيته, وقال في الحاوي: هذان الوجهان لحراسة الدور في المدن والقرى, فأما أهل البوادي وسكان الخيام في الفلوات فيجوز لهم اقتناء الكلب حول بيوتهم لتحرسهم من الطراق والوحش؛ لأن للكلاب عواء عند رؤية من لم تألفه وتنبه به أربابها, وقد روي في الخبر: الصحاري, وفي معنى أصحاب الخيام أهل الحصون والبيوت المفردة في أطراف الرساتيق والقوافل والرقاق وقد رئي أنس رضي الله عنه أنه حج ومعه كلب فقيل له: تحج ومعك كلب فقال: لحفظ نيامنا.
وكلب الصحاري هو الذي علم أخ 1 الصيد وإمساكه على صاحبه يجري في الصيد واقتناؤه لضرورة العادة.
فرع آخر لو اقتنى الكلب المعلم من لا ينتفع به من ليس له صيد, ولا حرث ولا ماشية, أو اقتناؤه ليصيد به إذا نشط كما يفعل السلطان فيه وجهان: أحدهما: يجوز اعتبارًا لها لما فيه من المنفعة.
ولهذا إذا حصد الزرع كان له إمساكه لزرع مستقبل وهو الأصح.
والثاني: لا يجوز اعتبارًا بصاحبه وأنه ليس له فيه [ق 83 أ] منفعة ومعنى الخبر إلا كلب صيد كلبًا يصاد به وحرارة الحرث أو الماشية إن كانت ....... أن لا يقتني ذلك أصلًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 89

فرع آخر لو اتخذ صاحب الحرث كلب ماشية أو اتخذ صاحب الماشية كلب حرث فيه وجهان أيضا.
فرع آخر في تربية الجرو الصغير للصيد والزرع وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا زرع.
والثاني: يجوز لأنه لا يكون كلب صيد إلا بتربيته كذلك وهو الأصح.
فرع آخر هل يجوز اقتناء ولد الفهد, وإن كان طاهرًا؟ وجهان: ذكر القاضي أبو يحيى وظاهر المذهب جوازه قولًا واحدًا, ولا يجوز اقتناء الخنزير بحالٍ.
فرع آخر هل يجوز إجارة الكلب وجهان: أحدهما: يجوز وهو ظاهر كلام الشافعي- رحمة الله عليه- لأن أكثر ما فيه أنه لا يجوز بيعه, وبهذا لا يمنع الإجارة كالجرو, وهذا اختيار صاحب التلخيص.
والثاني: لا يجز وهو اختيار أبي حامد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز الانتفاع به لأشياء مخصوصة فلا يجوز فيما عداها, قال: ويجوز أن ينتفع به ولا تجوز إجارته كما في ضراب الفحل.
فرع آخر لو غضب كلبًا وأقام في يده زمانًا.
قال بعض أصحابنا: لا يضمن منفعة وجهًا واحدًا, والصحيح أن فيه وجهين بناء على جواز إجارته.
فرع آخر تصح الوصية به؛ لأن ذلك نقل لليد واليد تثبت عليه [ق 83 ب].
وأما هبته: قال ابن أبي أحمد- رحمه الله- تصح هبته, وقال القاضي الطبري: عندي أنها لا تصح؛ لأن الهبة تمليك والكلب غير مملوك.
ولعله أراد أنها تصح على الوجه الذي تصح الوصية به, وهذا صحيح, لأنه إذا نقله إلى يد غيره على وجه التبرع صح كما يصح ذلك في الوصية ولم يكن له الرجوع في ذلك, وهذا معنى الهبة.

الجزء: 5 - الصفحة: 90

مسألة قَالَ: "وَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا فِيهِ مَنْفِعَةُ فِي حَيَاتِهِ بَيُعٌ وَحَلَّ ثَمَنُهُ أَوْ قِيمَتُهُ وَإنْ لَمْ يَكُنْ يُؤكل".
وهذا كما قال: جملة هذا أن جميع الأعيان على ضربين؛ حيوان, وغير حيوان.
فأما الحيوان فضربان: أدمي وغير أدمي والآدمي ضربان مملوك وحر فالحر لا يجوز بيعه وكذلك ما في معناه وهو العبد الوقوف, وأما المملوك فضربان من ثبت له سبب الحرية, ومن لم يثبت له ذلك وهو العبد يجوز بيعه.
ومن ثبت له سبب الحرية على ثلاثة أضرب: سبب مستقر, وثابت غير مستقر, وغير ثابت ولا مستقر.
فالمستقر الاستيلاد فلا يجوز بيع أم الولد ولا ولدها من زوج أو زنا كالحرة, وأما غير الثابت والمستقر مثل المدبر والمعلق عنقه بصفة فلا يمنعان البيع بحال.
وأما الثابت غير المستقر كالكتابة قال في "جديد": لا يجوز بيع المكائب, وقال في "القديم" يجوز بيعه.
وأما غير الآدميين فضربان: ما يؤكل لحمه, وما لا يؤكل لأق 84 أ].
فما يؤكل يجوز بيعه كالإبل والبقر ونحوه, وما لا يأكل ضربان: طاهر ونجس, فالنجس مثل الكلب والخنزير, وقد ذكرنا حكمهما, وقد قال بعض أصحابنا: لم يكن يعرف خلاف قبل عطاء في أن لا قيمة على متلف الكلب حتى ذهب إليه عطاء- رحمه الله- وتابعه مالك, ولا يعرف خلاف قبل أبي حنيفة في أن بيعه يجوز حتى قاله أبي حنيفة, وأما الطاهر فضربان: ما ينتفع به وما لا ينتفع بظهره فقط, والفهد ينتفع بصيده, والسنور ينتفع بصيد الهوام ويجوز بيعها, وكذلك جوارح الطير كالبازي والشاهين والعقاب يجوز بيعها.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن ثمن السنور" وأراد السنور البري الذي لا ينتفع به بل يكون مضرة, وما لا ينتفع به كالأسد والذئب والطيور التي لا يصاد بها فلا يجوز بيعها.
فرع آخر لا يجوز بيع الحمار المكسور والبغل المزمن.
وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يجوز لأن جلده يطهر بالدباغ, وهذا غلط؛ لأن الخمر لا يجوز بيعها وتصير خلا.
وقيل: هو ما لا يجوز كل عين طاهرة يجوز الانتفاع بها بحق حرية ولا قربة, وفيه احتراز عن الوقف والمندور عتقه [ق 84 ب]

الجزء: 5 - الصفحة: 91

فرع آخر بيع العلق يجوز, لأنه ينتفع به بإخراج الدم, وفيه وجه آخر لا يجوز لأنه يؤدي ويعقر ويجرح.
فرع آخر لو كان يرجي نفعه في ثاني الحال كالفهد غير المعلم والفيل الذي يأنس للقتال أو للحمل هل يجوز بيعه في الحال؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز للحال الذي هو عليه, والثاني: يجوز بما ينتقل إليه في ثاني الحال.
فرع آخر يجوز بيع القرد لأنه يعلم وينتفع به لحفظ المتاع وحكي الشبلي عن ابن سريج أنه قال: يجوز بيعه لأنه ينتفع به, فقيل له: ما وجه الانتفاع به؟ فقال: يفرح به الصبيان.
فرع آخر يجوز بيع الطير الذي ينتفع بصوته كالببغاء والبلبل والعندليب, أو يستأنس بلونه كالطاووس ونحو ذلك.
فرع آخر أكل غراب الزرع وابن آوي هل يجوز وجهان: فإن قلنا يجوز أكله يجوز بيعه, وإن قلنا: لا يجوز أكله لا يجوز بيعه.
فرع آخر لا يجوز بيع الغراب الأبقع ولا الغراب الكبير الأسود وكذلك الحدأة بكسر الهاء بهمزة وكذلك البغاة لا يصاد به ولا يرغب في صيده, لأنه يؤكل, كذلك الطيور التي لا تصلح لشيء كالخفاش والخطاف, وكذلك حشرات الأرض كلها كالفأر والحيات والعقارب والديدان والوزغ, ونحو ذلك لأن الله تعالي نهى [ق 85 أ] عن أكل المال بالباطل, فإذا لم يكن فيها منفعة مذبوحة ولا حيا فبذل المال من ثمنها أكل المال بالباطل, فإن قيل: عندكم يطهر جلده السباع بالدباغ فجوزوا بيعها للجلد.
قيل: تلك منفعة غير مقصودة ألا ترى أن بيع الجلد قبل دباغه لا يجوز لجواز أن دباغه كذلك مثله في جملة الحيوان, وأما غير الحيوان فضربان: جامد ومانع, فالجامد ضربان: طاهر ونجس, فالظاهر كل مملوك ينتفع به يجوز بيعه إلا الوقف فإنه لا يجوز بيعه, وإن كان قد انكسر وهلك بحيث لا ينتفع به, ولا يكره بيع شيء من المملوك الطلق إلا رباع مكة فإنه يكره بيعها وإجارتها للخلاف.
وقال أبو حنيفة, ومالك- رحمهما الله- هي غير مملوكة

الجزء: 5 - الصفحة: 92

لا يجوز بيعها ولا أكل ثمنها, وروى الحسن بن زيادة عن أبي حنيفة مثل قولنا, وعن أحمد روايتان وهذا الخلاف في العرصة, وأما البناء فهو مملوك بلا خلاف واحتجوا بما روي عبد الله بن عمرو بن العاص- رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مكة حرام وحرام بيع رباعها وحرام أجرة بيوتها".
وهذا غلط لما روي عن عمر- رضي الله عنه- اشترى دارًا من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم للسجن [ق 85 ب] واشترى معاوية بن حكيم بن حزام دارين أحدهما بستين ألف درهم والأخرى بأربعين ألف درهم.
وأما خبرهم فرواه عبد الله بن زياد, وابن أبي نجيح وهما ضعيفان أو نحمله على ما كان فيها وقعًا وهو كثير فيها.
ويجوز بيع المصحف ولا يكره وقد سئل ابن عباس- رضي الله عنه- فقال: لا بأس يأخذون أجور أيديهم.
وأما النجس فضربان نجس العين, ونجس المجاورة فما كان نجس العين كالعذرة والسرجين والميتة وعظامها لا يجوز بيع شيء منها كذلك الزبل لأنه نجس العين.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيع السرقين والزبل ووافقنا على العذرة أنه لا يجوز بيعها وهذا غلط؛ لأنه نجس العين كالميتة.
وأما ما نجس بالمجاورة كالتراب والثوب ونحو ذلك يجوز بيعه.
وأما المائع فضربان: طاهر, ونجس , فإن كان مما لا ينتفع به كالدمع والعرق والريق نحو ذلك لا يجوز, وإن كان ينتفع به كاللبن والعسل والخل يجوز.
وأما النجس فضربان؛ ما نجس بالمجاورة, وما نجس بالاستحالة, فما نجس بالاستحالة, فهو الخمر وكل شراب مسكر, والبول والدم لا يجوز بيعه, وقال أبو حنيفة: يجوز شراء الخمر بالتوكيل للذمي وهذا غلط لما روت عائشة- رضي الله عنها-[ق 86 أ] أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حرمت التجارة في الخمر" وروى ابن عباس- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاني جبريل- عليه السلام- وقال: يا محمد إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه وشاربها وبايعها ومبتاعها وساقيها".
وروي أنس- رضي الله عنه- قال: لعن رسول صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرة وذكر هؤلاء وزادوا كل ثمنها والمشتري له.
وقال جابر- رضي الله عنه- سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح بمكة يقول: "إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل: يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه يطلي بها السفن ويدهن بها الجلود ويستصبح بها فقال: "لا هو حرام" ثم قال عند ذلك: "قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم الشحوم حملها ثم باعوها وأكلوا ثمنها" أي

الجزء: 5 - الصفحة: 93

أذابوها حتى تصير ودكًا, وروي زيادة "وألم تعلموا أن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه حرم الكلب وحرم ثمنه, وحرم الخنزير وحرم ثمنه, وحرم الخمر وحرم ثمنها".
وأما ما نجس بالمجاورة مثل إن ماتت فيه فأرة ونحو ذلك, فإن كان مما لا يمكن غسله كالسمن والخل واللبن فلا يجوز بيعه, وإن كان مما يمكن غسله كالزيت والشيرج والبزر [ق 86 ب] هل يطهر بغسله؟ اختلف أصحابنا فيه على وجهين: أحدهما: لا يطهر وهو المذهب الشافعي؛ لأنه يختلط بالماء بل يطفو على رأس الماء, وقال صاحب "الإفصاح": لا يمكن تطهيرها لأن الشافعي نص أنه لا يجوز بيعها ولو أمكن تطهيره لجاز بيعه.
وقال أبو إسحاق, وابن سريح: يطهر لأنه إذا صب عليه الماء وغمره يعلو على الماء ويتميز عنه ويصل إلى الماء جميع أجزائه, وبه قال أبو حنيفة والفتوى على هذا.
فعلى هذا هل يجوز بيعه قبل الغسل وجهان: أحدهما: يجوز كالثوب النجس, وبه قال أبو حنيفة.
والثاني: لا يجوز وإن كان يفضي إلى الطهارة كجلد الميت, وبه قال مالك.
فرع آخر وهل يجوز بيع الماء النجس؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز, لأنه نجس حكمًا فهو كنجس العين.
والثاني: يجوز لأنه يمكن تطهيره بالمكاثرة, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز بيع الماء النجس قولًا واحدًا, لأنه لا طريق إلى تطهير عينه بل تزول حكم نجاسته بالمكاثرة فهو كالخمر, وإذا انقلبت خلا يحكم بطهارته بخلاف الزيت فإنه يمكن تطهيره بالغسل.
فرع آخر الصبغ النجس قال أصحابنا: فيه قولان كالزيت النجس هل يطهر بالغسل أم لا؟ وقيل: لا يطهر وجهًا واحدًا, بخلاف الزيت لأن الماء سبب فساد الصبغ بخلاف الزيت فيصبغ [ق 87 أ] به الثوب ثم يغسل فيحكم بطهارته وهذا أصح.
فرع آخر يجوز الاستصباح بالزر النجس وجهًا واحدًا, قال بعض أصحابنا بخراسان هل يجوز الاستصباح به؟ والأظهر أنه يجوز وهو غريب.
وقال القاضي الطبري: قال بعض أصحابنا: إذا لم يذهب معظم منفعته بنجاسته كالبزر فإنه يراد الاستصباح وحده يجوز بيعه وجهًا واحدًا, وإن ذهب معظم منفعته بنجاسته كالزيت والشيرج, فإن ذهب ........... هل تجوز هبته والتصدق به.
قال أصحابنا: لا يجوز وأرادوا على سبيل التمليك.
وأما على سبيل نقل اليد يجوز كما قلنا في الكلب.

الجزء: 5 - الصفحة: 94

فرع آخر إذا أذيب شحم الميتة يجوز أن يستصبح به ذكره القاضي الطبري, ولا يجوز أن تدهن السفن به, وإذا استصبح به فظهر دخانه على ثوب قد ذكرنا وجهين: أحدهما: نجس كرماد السرقين لأن النار لا تطهر شيئا.
والثاني: طاهر لأنه بخار النار وليس بعين الدهن والرماد وعين الزبل.
فرع آخر بيع الماء على طرف النهر والتراب في البرية هل يجوز بيعه وجهان: أحدهما: لا يجوز [ق 87 ب] لأنه ملك البائع, والثاني: يجوز لأنه تبذير وهكذا الحكم فيما لا يعد مالًا في العادة ككسرة خبز وحبات حنطة ونحو ذلك.
فرع آخر ولو باع الأكارع قبل القطع وجهان؛ لأن بقطعها معلومة.
فرع آخر لو باع الرأس قبل الإبانة فإن بقى معلقًا بجلده فهو كالأكارع, وإن كان قبل القطع لا يجوز, وحكي عن مالك أنه يجوز في السفر, وقال أحمد: يجوز أبدًا وهذا غلط لأنه لا يجوز إفراده بالبيع ولا يجوز استثناؤه.
فرع آخر استعمال السرقين في الزرع, قال أبو حامد: لا نص فيه, وقد قال بعض أصحابنا: يكره لما فيه من مباشرة النجاسة وملاقاتها.
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنه- أنه كان لا يأكل الطعام الذي استعمل السماد من زرعه, وقال سعد بن أبي وقاص- رضي الله عنه- مكيل من عذرة بمكيل من حب.
وهذا يدل على إباحته وليس بنص, وقياس قولنا أنه مباح لأن أعيان النجاسة لم تحصل فيه, بل جاورته ويفارق الجلالة, حيث أن أعيان النجاسة حصلت فيها.
فرع آخر لو اختلطت ظروف خل بظروف خللت لم يجز بيع شيء منها بالاجتهاد.
فرع آخر لو اشترى الكافر عبدًا مسلمًا فيه قولان: أحدهما: البيع باطل نص عليه [ق 88 أ] في الإملاء وينصره أصحابنا في الخلاف وبه قال أحمد ومالك في رواية.

الجزء: 5 - الصفحة: 95

والثاني: البيع جائز نص عليه في عامة كتبه ولكن يباع عليه, وبه قال أبو حنيفة وجمهور العلماء, لأنه يملكه بالإرث, وإذا أسلم في يده يصح شراؤه.
ووجه الأول أن الإسلام إذا منع استدامة الملك منع ابتداءه كما في النكاح ولا خلاف أنه يحرم عليه بيعه منه.
فرع آخر إذا وكل كافر مسلمًا في شراء مسلم لم يصح الشراء إذا قلنا: لا يجوز كما لا يجوز أن يكون وكيلًا في النكاح, ولا يكون المحرم وكيلًا في شراء الصيد.
ورأيت بعض أصحابنا قال: وفيه وجهان: أحدهما: يجوز لأن الملك يقع للمسلم وكذلك في النكاح.
فرع آخر هل يجوز للكافر أن يشتري أباه المسلم على قول الإملاء؟ وجهان وقيل: قولان, أحدهما: لا يجوز لأنه لابد من جريان ملك عليه وفيه إذلال وإن كان ساعة, والثاني: وهو الأظهر يجوز لأنه لا ضرر عليه في أن يحكم عليه بالملك يلحظ بل أقل ويتوصل به إلى العتق الذي هو إعزاز.
فرع آخر لو قال المسلم: اعتق عبدك المسلم عن كفارتي فأعتقه جاز, ويدخل في ملكه ويخرج منه بالعتق؛ لأنه ليس بتمليك بل هو [ق 88 ب] إبطال الرق فيه, والملك يحصل فيه حكمًا كما يملكه بالإذن حكمًا.
وقيل: فيه وجهان.
فرع آخر لو اشترى عبدًا مسلمًا يسري العتق فيه؟ وجهان: أحدهما: كما لو اشترى أباه وقيل: لا يجوز وجهًا واحدً لأنه يحصل العتق باختياره ويتوقف عليه بخلاف ذلك.
فرع آخر إذا جوزنا سلمة في العبد المسلم ينصب الحاكم نائبًا حتى يقبض له.
فرع آخر إذا قلنا تصح هبته منه فعلم به قبل التسليم يمنع من التسليم لأنه قبل القبض لا يلزم.

الجزء: 5 - الصفحة: 96

فرع آخر إذا أوصى به بعبدٍ مسلم, فإذا قلنا: الوصية لا تملك إلا بالقبول فحكمه حكم الشراء, وإن قلنا: يملك بالموت يصح لأنه يحصل بغير اختياره كالإرث, وكون المسلم قاصدًا إلى تمليك أباه لا يمنع كما لو اشترى من كافر عبدًا مسلمًا بشرط الخيار, ثم أفسخ العقد أو وجد به غيبًا فرده عليه صح, وقد ذكرناه في كتابه "الوصية".
فرع آخر إذا باع الكافر عبدًا مسلمًا بثوب ثم وجد بالثوب عيبًا له رد الثوب وهل يسترد العبد المسلم؟ وفيه وجهان: أحدهما: لا يسترد بل يسترد قيمة ويجعل وكأن العبد مالك.
والثاني: يسترد لأنه الفسخ بالعيب قطع [ق 89 أ] العقد فيه يعود إلى ملكه ويجري ذلك مجرى استدامة الملك.
فرع آخر إذا باع العبد المسلم ثم تقاتلا, فإن فلنا الإقامة عقد لا يجوز, وإن قلنا: فسخ فيه وجهان كما في المسألة قبلها.
فرع آخر إذا باع الكافر العبد المسلم بشرط الخيار يصح لأنه صار معرضًا للزوال, فإن أراد الفسخ قلنا الملك للبائع يصح إلا أنه إذا كثر ذلك منه يلزمه الحاكم بأن يبيع بيعًا تامًا, وهذا لأنه ليس بابتداء ملك وإنما هو منع من الزوال, وإن قلنا ملكه زوال ففي جواز الفسخ وجهان كمسألة العبد بالثوب.
فرع آخر لو استأجره لعمل في ذمته كالخياطة وغيرها يجوز لأنه لا صغار في ذلك, وإن استأجره لعمل مقدر أيامًا فيه طريقان: أحدهما: يجوز قولًا واحدًا لأنه عمل في مقابلته عوضًا فلا صغار فيه, ولا بعقد الإجارة ولا يثبت له يد لأن الأجير إن كان حرًا فهو في يد نفسه, وإن كان عبدًا ففي يد مولاه, ولأنها تنقضي بمضي الزمان بخلاف الملك, وقيل: فيه وجهان لأنه فيه نوع ملك واستدلال.
فرع آخر إذا قلنا: لا يجوز فاشتري عبدً كافرًا, ثم أسلم العبد قبل قبضه هل يتمكن من قبضه [ق 89 ب] ليبيعه؟ لا نص فيه, وقال بعض أصحابنا: يمكن ليصبح بيعه عليه وهو

الجزء: 5 - الصفحة: 97

ظاهر المذهب.
ومن أصحابنا من قال: يقبضه القاضي عنه ويبيعه وهذا أقيس عندي.
وقيل: يأمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبض له, ثم يباع.
وقيل: يبطل البيع بإسلامه وكلاهما ضعيف.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: إذ قلنا: يصح شراءه فاشتراه هل يتمكن من قبضه؟ وجهان: أحدهما: يمكن وهو صحيح.
الثاني: لا يمكن بل يؤمر بأن يوكل مسلمًا حتى يقبضه ثم يباع.
وقيل: ينصب الحاكم نائبًا مسلمًا حتى يقبض له ثم يأمره بالبيع, فإن باع وإلا باع الحاكم عليه.
فرع آخر لو هب عبدًا كافرًا, ثم أسلم العبد قبل القبض هل تبطل الهبة؟ وجهان: أحدهما: تبطل بخلاف البيع؛ لأن القبض في الهبة كالقبول في البيع.
والثاني: لا تبطل كالبيع.
فرع آخر لو اشتراه بشرط الخيار, ثم أسلم قبل انقضاء الخيار هل يبطل البيع؟ قال والدي- رحمه الله- يحتمل قولين, أحدهما: يبطل, والثاني: لا يبطل ولهما إجازة البيع وفسخه, فإن أجازاه أجبر المشتري على إزالة ملكه.
فرع آخر إذا قلنا: يجوز بيعه ويجبر على إزالة ملكه فكاتبه هل يزول الاعتراض؟ قولان: أحدهما: [ق 09 أ]: لا يزول فتفسخ الكتابة ويباع, والثاني: يزول الاعتراض, وبه قال أبو حنيفة لأنه عرضه لعين الحرية.
فرع آخر لو اشترى الكافر مصحف القرآن العظيم, فإن قلنا: لا يجوز شراءه للعبيد المسلم فهذا أولى, وإن قلنا: يجوز ذلك ففي هذا قولان والفرق أن العبد يدفع عن نفسه سوء ما يراد به بخلاف المصحف ولأنه لا عرض له من المصحف إلا الابتدال وقد يقصد من العبد لخدمته واقتناؤه.
فرع آخر بيع أحاديث الرسول- صلى الله عليه وسلم- من أصحابنا من قال: هو كالمصحف وقال في

الجزء: 5 - الصفحة: 98

"الحاوي": يجوز وجهًا واحدًا ويفسخ خوفًا من تبديلهم.
والثاني: لا يفسخ لأنهم ربما استدلوا منها على صحة الإسلام ويكون سببًا للدخول فيه.
فرع آخر إذا قلنا: لا يشتري مسلمًا فاشتري عبدًا مرتدًا, وقال والدي- رحمه الله- يحتمل قولين: أحدهما: لا يجوز لأن أحكامه ملحقة بأحكام المسلم.
والثاني: يجوز لاستوائهما وهو كالقولين في المرتد هل يقبل بالنصراني قولان.
فرع آخر لو زوج الكافر أمته من كافر فحملت منه, ثم أسلم الوالد فصار الحمل مسلمًا بإسلامه هل يجبر الكافر على إزالة ملكه فيها لأنه ممنوع من استدامة ملكه على [ق 90 ب] المسلم ولم يمكنه ذلك إلا ببيع الأم فأجبرناه.
فرع آخر قال أصحابنا: لا يمنع بيع عقده الكافر من كافر سواء كان العبد صغيرًا أو كبيرًا, ويتصور ذلك إذا سباه مع أحد أبويه, وقال بعض أصحابنا: الأولى أن لا يبيع منه الصغير, وقال أحمد: لا يجوز لأنه يتشاغل بدين السيد, فيكفر وهذا غلط لأنه من أجرى عليه حكم الشرك فإسلامه مظنون فلا يراعي ذلك كما في البائع.
فرع آخر لا تجوز التفرقة بين الأم وولدها في البيع, فإن فرق هل يصح البيع؟ قال بعض أصحابنا: لا يصح قولًا واحدًا, وبه قال أبو يوسف.
ومن أصحابنا من قال: فيه قولان, قال في "الجديد": لا يصح, وقال في "القديم": يصح, وبه قال أبو حنيفة؛ لأن المنع لا يعود إلى البيع فأشبه البيع وقت, وهذا غلط لما روي أبو داود في سنته أن عليًا- رضي الله عنه- فرق بين الأم وولدها في البيع فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة".
وأما ما ذكره لا يصح لأنه لمعنى البيع وهو ما يلحقه من الضرر بالفرقة ولا يجوز هذا برضاها [ق 91 أ].
وقال النخعي: يجوز إذا رضيت لما روي أنه فرق بين الوالدة وولدها, فقيل له في

الجزء: 5 - الصفحة: 99

ذلك فقال: إني استأذنتها فرضيته.
فرع آخر إلى متى يكون التحريم؟ وفيه وجهان, وقيل: قولان: أحدهما: إلى أن يبلغ.
والثاني: وهو الأصح إلى أن يبلغ سنتين فيقعد وحده ويأكل وحده.
فرع آخر التفريق بين الولد والوالدان, فقلنا: هناك يجوز البيع فههنا أولى.
وإن قلنا: هناك لا يجوز فههنا وجهان.
فرع آخر يجوز التفريق بين الأخوين وسائر المحارم.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لما روي عنه رضي الله عنه قال: وهب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غلامين أخوين, فبغت أحدهما, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يا علي, ما فعل غلامك؟ " فأخبرته فقال: "رده رده", وهذا غلط؛ لأن القرابة التي بينهما لا تمنع القصاص فلا تمنع الفرقة بين الأخوين كابني العمة.
أما الخبر فنحمله على الاستحباب.
فرع آخر التفريق بينهم بعد البلوغ يكره, ويجوز البيع.
وحكي عن أحمد: لا يجوز البيع, وهذا غلط؛ لأنه انقطع حق الحضانة بالبلوغ.
فرع آخر إذا باع عبدًا من عبدين بشرط الخيار ثلاثة أيام حتى يختار أيهما شاء في مدة الخيار لا يصح البيع خلافا لأبي حنيفة رحمه الله.
[ق 91 ب] وقيل: هذا قول الشافعي رحمه الله عليه في "التقديم" لأن الشرع أثبت الخيار ثلاثة أيام, ووافقنا أنه لا يجوز في العبيد الأربعة ذلك فتقيس عليه.
فرع آخر لو رهن جارية دون ولدها يجوز, وإذا حل الحق يباعان, فإن أراد بيع الأم دون الولد فيه طريقان؛ أحدهما: فيه قولان.
والثانية: يجوز قولًا واحدًا لأنها صارت مستحقة

الجزء: 5 - الصفحة: 100

البيع ولا يمكن أن نكلفه مع ولدها أن يبيعها؛ لأنه لا حق له في الولد.
وهكذا إذا استحق بيعها في الجناية أو في الرجوع عند الإفلاس.
فرع آخر التفريق بينهما في البهيمة يكره إلا لغرض صحيح؛ لأن في طبعها نحتا على الولد، وإنما يباح عند الفرض لأن غرضها أخل.
فرع آخر الوصية بالحمل دون الأم، أو بالأم دون الحمل قولان؛ لأنه لو أراد أن يفرق بين الولد والأم بالوصية لا يجوز في أحد القولين كما في البيع فالحمل مثله.
فرع آخر إذا باع ثوبًا بمائة ذهب وفضة لا يصح البيع.
وقال أبو حنيفة: يصح ويكون مناصفة، وهذا غلط؛ لأن قدر كل واحد مجهول لا يصح العقد عليه، كما لو قال: بعضها ذهب.
فرع آخر بيع الجلالة من البهيمة يجوز وأكلها جائز؛ لأن ما رعته من الأقذار [ق 92 ب] صار في محل الأنجاس وهي طاهر في نفسه.
وقيل: فيه وجه آخر.
فرع آخر بيع الطنبور والعود والمزمار إن أمكن الانتفاع بها إذا فضلت يجوز ولكن يكره ذلك قبل تفصيله لبقاء المعصية فيه، وإن كان إذا انفصل لا يصلح للحطب لا يجوز.
وقيل: إن لم يكن محلولاً ويصلح لمنفعه مقصودة وجهان، والأصح جوازه إمكان الانتفاع به على وجه مباح.
والثاني: يجوز لأنه لا ينتفع بها على حالتها كالخبز، وإن كانت تخلل، وإن كانت محلولة ولا تصلح لمنفعة مباحة مقصود فيه وجهان؛ والأصح لا يجوز والثاني: يجوز لأنه يمكن إحراقه تحت القدر.
فرع آخر بيع الشطرنج مكروه؛ لأن اللعب به ليس من الإباحات المطلقة.
فرع آخر الصنم المتخذ من الحديد هل يجوز بيعه؟ وجهان: أحدهما: يجوز لأن الصنعة المحرفة كالمعدومة ويبقى حديداً له قيمة.
والثاني: لا يجوز.

الجزء: 5 - الصفحة: 101

فرع آخر السم الذي يقتل قليله لا يجوز بيعه لعدم المنفعة، وإن كان يقتل كثيره دون قليله أو يتقل مع غيره ولا يقتل بانفراده، وهو من شيء طاهر علق الشافعي القول فيه، وخرَّجه أصحابنا على قولين: أحدهما: يجوز لقصوره على حال الأول.
والثاني: لا يجوز كالأول.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيعه قولًا واحدًا، وكذلك إن كان يصلح للدواء في ظاهر [ق 92 ب] البدن إذا لم يصل إلى الجوف أو إذا خلط بغيره من الأدوية لا يقبل ويجوز السلم فيه.
ومن أصحابنا من قال: يجوز بيع قليله الذي لا يقتل دون كثيره، وهذا لا وجه له؛ لأن كل جنس جاز بيع قليله جاز بيع كثيره.
فرع آخر لو اتفقنا على أنهما يظهران العقد خوفًا وتلجئة ولا يجوز بيعًا، ثم تبايعا بعد ذلك يصح البيع والاتفاق السابق على العقد لا يتبع صحة العقد.
وكذلك إن اتفقا أن يتبايعا بألفٍ ويظره ألفين فتبايعا بألفين يلزم البيع ولا يؤثر فيه الاتفاق السابق.
وهكذا روي عن أبي يوسف وأبي حنيفة أنه لا يصح البيع إلا أن يتفقا على أن الثمن ألف درهم فتبايعاه بمائة دينار فيكون الثمن مائة دينار استحسانًا.
وبه قال أبو يوسف ومحمد؛ لأنه إذا تقدم الاتفاق صار كالهازلين بالعقد فلا يصح العقد، وهذا غلط؛ لأن الشرط السابق للعقد لا يؤثر فيه كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا العقد لا يثبت فيه.
فرع آخر لو باع عبدًا بثمن مؤجل فما سلم العبد حتى حل الأجل له الامتناع من تسليم العبد قبل قبض ثمنه، وإن لم يكن له ذلك قبل حلوله؛ لأن هذا وقت المطالبة بالثمن بحكم العقد، فصار كما لو كان حالًا [ق 93 أ] في الابتداء.
وفيه وجه آخر لا سبيل له إلى الامتناع اعتبارًا بالرهن المبذول بعد البيع بلا شرط ولا امتنع الراهن من إقباضه لم يكن للمرتهن فسخ البيع.
هكذا ذكره والدي رحمه الله، والثاني: وهو ظاهر مذهب الشافعي عندي.
فرع آخر لو باع لحمًا على أنه لحم الميتة فإذا هو لجم المذكى، قال والدي رحمه الله: يحتمل أن يقال: لا يصح البيع لاشتراط ما لو تحقق منع البيع، ويحتمل أن يقال: يصح البيع؛ لأن الجنس واحد والعين قابلة للبيع.

الجزء: 5 - الصفحة: 102

فرع آخر إذا ألحق الزيادة في البيع.
قال القفال رحمه الله: الصحيح أنه إن كان في زمان المجلس ثبت، وإن كان في خيار الشرط لا يثبت، لأن زمان المجلس لحالة العقد في الصرف والسلم.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أنه لا يثبت بحالٍ، لأنه لو قال: بعتك بعشرة فقال: اشتريت بخمسة عشر لا يصح حتى يتبداء إيجاباً آخر بخمسة عشر، والزيادة في حال العقد ممتنع إلا باستئناف إيجابٍ.
فرع آخر إذا اشترى شيئين تتصل منفعة أحدهما بالآخر، وقلنا في العبدين يجوز رد أحدهما بالعيب، فههنا وجهان ينبنيان على ما لو غصب فرد خف وقيمة الزوج عشرة وتلف في يده، ورجع قيمة الفرع إلى درهمين هل للمالك خمسة أو ثمانية؟ فإذا قلنا خمسة جعلنا كل فرد كعين مفردة [ق 93 ب] فيجوز كأحدهما دون الآخر، وعلى الوجه الآخر وهو قول أبي حنيفة لا يجوز؛ لأنه يرد ناقص القيمة.
فرع آخر لو أن رجلين وكلا وكيلاً حتى يشتري لهما عبدًا فاشترى فوجدا به عيباً، قال ابن الحداد: لا يجوز أن يفرق في الرد؛ لأن العاقد واحد.
وفيه وجه آخر يجوز؛ لأن المعقود له متعدد.
وقال القفال: إن كان البائع يحلم أن وكيل رجلين فلأحدهما الرد؛ لأنه علم أنهما ربنا لا يتفقان على رأيٍ واحد، فقد رضي أن يرد عليه مُبغضًا، وإن كان اعتقد البائع أنه يشتري لنفسه أو اعتقد أنه وكيل واحد لا يفرق، لأنه ما رضي.
وأصل هذا مسألة ذكرها الشافعي رحمة الله عليه في الرهن قال: إذا اشترى الرجل لنفسه ولشريكه عبدًا ورهن بالثمن عين مالٍ مشتركٍ، ثم إن أحدهما وفر نصيبه من الثمن ينفك نصيبه من الرهن في أحد القولين، وهل للبائع الخيار بسبب خروج بعض الرهن من يده قبل وصوله إلى كمال حقه؟ قال الشافعي: إن كان عالمًا بأنه يشتري لنفسه ولشريكه والرهن مشترك لا خيار، وإن كان اعتقد أنه يشتري لنفسه على الخصوص أو لشريكه وأن الراهن الواحد له الخيار.
فرع آخر لو أن رجلين وكلا وكيلًا حتى باع عبدًا مشتركًا بينهما من وكيل [ق 94 أ] رجلين فيه خمسة أوجهٍ: قال ابن الحداد: لا يجوز رد البعض أصلًا بالعيب.

الجزء: 5 - الصفحة: 103

وقال أبو زيد المروزي: العقد متعدد من الطرفين ويجعل كل واحد من البائعين بائعًا ملكه من رجلين فلهما أن يردا على أحد البائعين نصف العبد؛ لأنه جمع ما يملكه من جهته، ولأحدهما أن يرد النصف عليهما لأنه جميع ما يملكه من جهتهما، وله أن يرد الربع على أحدهما؛ لأنه جميع ما يملك.
وقال القفال: إن علما أن وكيل الشراء وكيل رجلين يجعل كل واحد منهما بائعًا ملكه من رجلين، وإن كان جاهلين بأنه وكيل شخصين فليس لأحدهما أن يرد نصيبه ولكن يجتمعان فيردان على أحدهما نصيبه؛ لأنه ليس له فيه إضرار.
وقال أبو إسحاق: العقد من جانب المشتري متحد دون جانب البائع فيكون حكمه حكم الوالد يشتري من رجلين فلهما أن يردا نصيب أحد البائعين وليس لأحدهما أن يرد نصيبه عليهما.
وعلى طريقة بعض أصحابنا العقد متعدد من الجانبين معاً، ويصير كل واحد منهما باع ملكه من رجلين، ولو وكلا رجلين في بيع عبدهما من رجلين آخرين أو من وكيل رجلين، فعلى الطرق كلها يصير كأن كل واحد منهما باع ملكه من رجلين.
فرع آخر لو ادعى البائع هلاك البيع وأنكر المشتري [ق 94 ب] قال بعض أصحابنا، لا يقبل قوله، كما لو ادعى الغاصب هلاك المغصوب، والصحيح أنه يقبل قوله بخلاف الغاصب؛ لأن هناك لا حق للغائب أصلاً من مقابلته بخلاف البائع.
فرع آخر لو أبرأ البائع عن ضمان البيع لا يبرأ بخلاف الغاصب في أحد الوجهين، والفرق أن ضمان الغاصب ضمان يد، واليد تقبل التبديل؛ لأن المودع إذا تعدى يضمن وإذا أودع عنده صار أميناً، فجاز أن يبرأ بالإبراء، بخلاف ضمان العقد؛ لأن حكم العقد لا يغير مع بقائه.
فرع آخر إذا هلك المبيع قبل القبض.
قال بعض أصحابنا: هل يرتفع العقد من أصله أو من وقته؟ فيه وجهان: أحدهما: من وقته؛ لأن الهلاك وجد في الحال.
والثاني: من أصله؛ لأنه علة بطلانه عدم تأكده، والسبب الضعيف إذا بطل بطل بالكلية، ولهذا الكفن على البائع بالإجماع.
وفائدة الوجهين في الزوائد هل ترد على البائع أم لا؟

الجزء: 5 - الصفحة: 104

فرع آخر هل يتصرف المشتري في زوائد المبيع قبل القبض؟ وجهان بناء على ما هلك المبيع هل ترد الزوائد إلى ملك البائع؟ فإن قلنا: تعود لا يجوز [لأن] تصرفه متردد بين أن يكون مصادقًا ملكه أم لا.
فرع آخر لو اشترى عبدًا بثوب وقبض العبد يتصرف فيه وإن كان عوضه غير مقبوض، فلو باع هذا العبد [ق 95 أ] ثم تلف الثوب قبل القبض بطل البيع الأول، وهل ينفسخ البيع الثاني؟ قولان مبنيان على أن هلاك المبيع هل يرفع العقد من حينه أو من أصله؟ فإن قلنا: يرفع من أصله بطل الثاني وإلا فلا.
وإن قلنا: لا يبطل الثاني وهو الأصح يلزمه رد قيمته كما لو قال شقصًا فأخذه الشفيع.
فرع آخر إذا تخمر العصير قبض قبض المشتري ذكرنا قولين هل يبطل البيع أم لا؟ فإن قلنا لا يبطل فالمشتري بالخيار، فإن لم يفضخ فصار خلاً في يد البائع وسلم الخل ورضيه مضى العقد على الصحة، وإن سلمه إليه خمرًا فالقبض فاسد، فإن تخللت في يد المشتري هل يؤمر بتسليم الثمن؟ وجهان مبنيان على أن من غصب خمرًا فصار خلًا في يده هل يلزمه رده على المغصوب؟ وجهان: فإن قلنا لا يرد فههنا الخل للمشتري بحكم اليد وسقط حكم العقد.
فرع آخر لو أبق قبل القبض.
قيل: فيه وجه أنه يبطل البيع أيضًا، ولو كان طيرًا فطار فلو كان متوحشًا بطل، وإن كان يرجى عوده الحمام ولكن لم يكن مألوفًا فهو كالإباق، وإن كان مألوفًا لا يبطل، وإن وقع في الماء فإن كان الماء قليلًا يمكن استخراجه منه لا يبطل، وإن كان لا يقدر عليه قطعًا ولكن يرجى الوصول إليه فهو كالإباق، وإن كان في بحر لا يرجى الوصول [ق 95 أ] إليه.
وإن كان أرضًا وقع عليها حل فهو كالهالك.
فرع آخر لو باعه لبنًا فضة بدينار على أن وزنه مائة، فتفرقا وكان وزنه تسعين فللمشتري الخيار، وإن كان زائدًا فلا خيار له، وهل للبائع الخيار إذا قال: عندي أن الوزن مائة، فإن كذبه المشتري وقال: كان عالمًا به فلا خيار، وإن صدقه وجهين، وإن باعه وأخبر أن وزنه مائة لا على طريق الشرط فزاد أو نقص فلا خيار.

الجزء: 5 - الصفحة: 105

فرع آخر إذا باع مد عجوة ودرهم بمدي عجوة لا يجوز في المد الذي مع الدرهم في قدر ما يقابله من المدين لأجل الذي وفي الدرهم، وفيما يقابله من الدين قولا تفريق الصفقة؛ لأنه ليس من الدرهم والمدين.
فرع آخر لو باع درهمًا ودينارًا بدرهم ودينار من ضرب واحد، فحيث لا يتفاوت قطعًا، أو صاع حنطةٍ وصاع شعير بصاع حنطة وصاع شعير من صرة واحدة، قد ذكرنا أنه يجوز، وهو اختيار الجماعة.
واختيار القاضي الحسين أيضاً.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز؛ لأنَّا لا نقول يقابل الدينار بالدرهم ولكن الدينار يقابل بما يخصه من الدينار والدرهم؛ لأنه لو خرج الدينار مستحقاً وأراد أن يجيز العقد في الدرهم، أو وجده معيباً وأراد الرد لا يسترد في مقابلة الدينار، بل يسترد بعض الدينار وبعض الدرهم [ق 96 أ] باعتبار التقسيط بالقيمة.
مثاله: قيمة الدينار عشرة دراهم معه درهمًا فيكون الجميع أحد عشر، فيجعل الدينار أحد عشر جزءًا من الدرهم، فيكون بين الذهب والفضة تفاوت في القيمة، فيحتاج أن يقسط الدينار على ما حصل في مقابلته من الدينار والدرهم، فإذا قسطا يؤدي إلى التفاضل، أو الجهل بالتماثل على ما سبق ذكره.
فرع آخر لو ميز الصغار من الكبار في نوع واحدٍ من التمر فباع صاعًا من الصغار وصاعًا من الكبار بصاع من الصغار وصاع من الكبار فهي كالمسألة التي قبلها.
وإن لم يميز وأراد أن يبيع صاعين بصاعين ولا شك أنه يشتمل على عوض على الصغار والكبار فما حكم العقد؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز إذا كان بين أجزاء العوض تفاوت عن البعض في تحقيق المقابلة، والتقسيط ويؤدي ذلك إلى الربا، هو اختيار القاضي حسين.
والثاني: إن كان في كل واحد منهما صغار وكبار وكانت الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بحيث يتبين ذلك للناظر إليه من غير تأمل لا يصح العقد، وإن لم يكن الصغار ظاهرة فيما بين الكبار بالعقد صحيح.
كما لو باع أرضاً فيها معدن ذهب بذهب، فإن كان المعدن ظاهرًا لا يصح، وإن لم يكن ظاهرًا يصح.
فعلى هذا يحتاج أن يفرق بين أن تكون الصغار [ق 96 ب] مختلطة بالكبار، وبين أن تكون منفردة؛ لأنه لو التقط الصغار من الجملة وميزها عنها ثم باع الصغار والكبار بالصغار والكبار، فيكون الحكم على ما تقدم ذكره.

الجزء: 5 - الصفحة: 106

والفرق أن عند التمييز كل نوع مقصود في نفسه، وعند الاختلاط بالجملة مقصودة، وكل نوع في نفسه غير مقصود ويظهر تمثيله، وهو أن الاختلاط لو باع صاعين بدرهمين ثم خرج أحد الصاعين مستحقًا لا يسترد بإزائه درهمًا، وإنما يسترد ما يقابله باعتبار القيمة، وأصحاب أبي حنيفة يلزمون هذه المسألة فيقولون، إن خلط الصيحاني بالبرني، أو الكبار بالصغار ثم باع صاعًا، بصاع يجوز عند ......... ولو أفرد كل واحد ثم باع المفرد من جانب آخر لا يجوز.
وهذا مشكل وإن سلمنا والصحيح ما ذكرنا.
فرع آخر إذا قال المشتري أسقطت الأجل لا يسقط في أصح الوجهين حتى لا يكون للبائع مطالبة في الحال؛ لأن إسقاط الصيغة لأي جوز مفردًا كما لو كان في ذمته دينار صحيح فقال صاحب الدين أسقطت الصحة وجعلته قراضة.
فرع آخر لو قال: بعتك إلى شهر ثم قبل المقبول أبطل الأجل وجعله حالًا يبطل الإيجاب بالكلية، حتى لو قال المشتري قبلت لا يتم العقد؛ لأن الإيجاب وحده ليس بواجب فضعف حكمه، فإذا وقع على صفة [ق 97 أ] لا يحتمل التغيير، فإذا غير سقط مقتضاه، وهكذا لو قال: بعتك على أنك بالخيار، ثم قال قبل القبول: أسقطت الخيار بطل الإيجاب.
فرع آخر لو كان له دين حال فأوصى أن يؤجل إلى مدة لزم في حق الورثة؛ لأن التبرع بعد الموت يلزم كالوصية بالمنفعة بخلاف العارية.
فرع آخر لو قال: إن سفي الله مريضي فللَّه عليَّ أن لا أطالبه إلى شهر، فهو كما لو نذر عيادة المريض وتشييع الجنازة فيه وجهان.
فرع آخر لو قال لسقَّا اسقني الماء فناوله الكوز فوقع من يده وانكسر قبل الشرب، فإن كان بلا عوض لا يضمن الماء؛ لأنه بالإباحة، والكوز مضمون لأنه عارية في يده.
ولو شرق عوضًا أو أطلق والإطلاق يقتضي العوض للعادة فالماء مضمون؛ لأنه أخذ العوض والكوز مضمون دون الماء، كما لو استعار إلى مدة فانقضت ثم تلف في يده قبل أن يرد، وإن كان بالعوض لا يضمن بقية الماء؛ لأن المأخوذ على العوض القدر الذي شربه، فيكون الباقي أمانة.
وعلى هذا لو لأخذ ملك غيره ليشتري نصفه فهلك لا يضمن النصف

الجزء: 5 - الصفحة: 107

الآخر، لأنه لم يقبضه بشرط الضمان.
فرع آخر في حد الثمن وجهان: أحدهما: النقد الغالب، وبه قال أصحاب أبي حنيفة؛ لأن الناس في عرفهم لا يعرفون الثمن إلا النقد، وإذا أخذ [ق 97 ب) النقد عن العقد يسمونه معاوضة ومقايضة.
وقال القفال رحمه الله: حد الثمن ما ألصق به الثمين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قال في خبر الربا: "ولكن الذهب بالورق بالذهب" وكلامه لا يخلو عن فائدةٍ ولو اقتصر على قوله، لأنه من فائدته، وذلك بيان الثمن من الصيغة، فإذا باع الذهب بالورق فالورق ثمن، وإذا باع الورق بالذهب بالذهب ثمن، وعلى هذا لو قال: بعتك هذه الدراهم، بهذا الثوب، فعند عامة أصحابنا الثوب مبيع والدراهم ثمن.
وعند القفال الثمن الثوب والدراهم مبيعة.
وإنما باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا باع أحد النقدين بالآخر فعند عامة أصحابنا ليس في العقد مبيع، وعند القفال الذي خلا عن الباء مبيع.
وإذا قال: بعتك هذا العبد بهذا الثوب ليس في العقد ثمن، وعند القفال ما اتصل به الباء ثمن.
ولو قال: اشتريت مائة درهم في ذمتك بهذا الثوب فالثوب مبيع والدراهم ثمن، ويجوز أخذ العوض عن الثمن في أحد القولين.
وعند القفال الثوب رأس مال والدراهم مسلم فيها.
وإذا جوزنا السلم في الدراهم لا يجوز التصرف فيها قبل القبض.
ولو قال: بعتك كرّ حنطة في ذمتي بهذا الثوب وذكر صفات الحنطة فالحنطة مسلم فيها بلا خلاف.
ولو قال: بعتك هذا الثوب بكر حنطة في ذمتك، فليس في العقد ثمن، ولكن الثوب رأس المال، والحنطة مسلم فيها، ويعتبر قبض الثوب في المجلس، وعند القفال الثوب مبيع والحنطة ثمن، فيجوز الاستبدال عن الحنطة إذا جوزنا الاستبدال عن الثمن قبل القبض، ولا يعتبر قبض الثوب في المجلس.
ولو قال: بعتك هذه الدراهم بثوب في ذمتك، فإن قلنا بالمذاهب فالدراهم ثمن والثوب مسلم فيه.
وعند القفال الثوب هو الثمن ويجوز الاستبدال عنه قبل القبض والدراهم مبيعة.
فرع آخر لو صالح من الدين على ثوب موصوف في الذمة، فإن لم يعين في المجلس فالعقد

الجزء: 5 - الصفحة: 108

باطل؛ لأنه بيع دين بدين.
ولو عين في المجلس فيه وجهان: أحدهما: يصح؛ لأن المجلس كحالة العقد في الحكم والتعيين فيه كالتعيين عند العقد.
والثاني: لا يصح؛ لأن حالة المصالحة كان ديناً فيكون دينٍ بدينٍ، ويخالف ما لو أسلم دراهم مطلقة في شيء وأحضر في المجلس يجوز؛ لأن هناك لم يسبق لأحد البدين حكم الدينية، وههنا أحد العوضين دين قبل العقد والله أعلم.

باب السلف والرهن

[ق 98 ب] قال: أخبرنا سفيان، وذكر الخبر.
وهذا كما قال: السلم والسلف واحد يقال: سلف وأسلف، وأسلم يجيء فيه سلم، ولكن الفقهاء لا يستعملونه، وكل ذلك بمعنى واحدٍ، وعقد السلم جاز وهو أن يسلم عوض حاضر بعوضٍ موصوف في الذمة إلى أجل معلوم أو حال على بينة.
والأصل في جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: 282] وأراد به المسلم؛ لأن الدين إلى أجل لا يكون إلا فيه، وروى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنه أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله تعالى في كتابه وأذن فيه، ثم قرأن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البَقَرَة: 282]. وأما السنة فما روى الشافعي رحمة الله عليه بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمن السنة وربما قال: والسنتين والثلاث فقال: "من أسلف فليسل في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم".
وروي عن أبن أبي أوفي - رضي الله عنه - قال: كنا نسلف على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - في الطعام [ق 99 أ] والتمر والزبيب والشعير.
وأما الإجماع فلا خلاف بين المسلمين فيه، وهذا لأن للناس حاجة إلى ذلك؛ لأن أرباب الضياع والثمار يحتاجون إلى الإنفاق وقد لا يجدون النفقة، فجوز لهم السلم ليسترفقوا به ويرتفق المسلم بالاسترخاص.
وروي عن سعيد بن المسيب - رحمة الله عليه - رواية شاذة أنه أبطل السلم وهو خلاف وعندي أنه لا يصح عنه.

الجزء: 5 - الصفحة: 109

مسألة قَالَ: "وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّهْنِ وَالسَّلَمٍ فَلَا بَاسَ بِأَخْذِ الرَّهْنِ والحَمِيلِ فِيهِ".
وهذا كما قال: يجوز أخذ الرهن بالمسلم فيه وكذلك الحميل وهو الضامن، فإن لم يؤد بيع الرهن المرهون بحبس الأثمان، ثم اشترى منه المسلم فيه.
ولا يجوز أن يباع الرهن بحبس المسلم فيه إلا بالرضا وكذلك يطالب الضامن إن شاء.
وقال سعيد بن جبير، والأوزاعي: لا يجوز أخذ الرهن والضمين فيه، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿إذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾ [البقرة: 282] إلى أن قال: ﴿فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: 283] فأجاز الرهن في المداينة فيدخل فيها السلم، ولأنه حق ثابت في الذمة فجاز أخذ الرهن به كالثمن في المبيع، وكما جاز أخذ الرهن به جاز أخذ الضمين به كالثمن.
وروي عن ابن عباس، وابن عمر - رضي الله عنهم - أنهما قالا: لا بأس بالرهن والحميل [ق 99 ب] في السلف.
فرع لو دفع به ضامنًا ثم هو دفع الحق إلى الضامن عند المحل، فإنه جعله رسولًا جاز، وإن قال: حد هذا قضاء من ضمانات لم يجز، ولو تلف في يده يضمن لأنه أخذه على طريق البدل.
فرع آخر لو تفاسخا السلم وكان أخذ بالسلم رهنًا لم يكن له حبس الرهن لاسترجاع رأس المال، وقال أبو حنيفة - رحمه الله - له ذلك.
وهذا غلط لأنه لم يرهن به ولا يجوز حبسه له.
فرع آخر اختلف أصحابنا في السلم هل هو غرر؟ على وجهين: أحدهما: لأنه ليس بغرر كبيع العين.
والثاني: أنه غرر كالإجارة لأنه على معدوم وهو الأظهر.
فرع آخر لو عقد السلم بلفظ البيع كقوله: بعتك هذا الدينار بقفيز حنطة موصوفة هل يكون بيعاً أو سلماً؟ وجهان: أحدهما: يكون سلمًا بلفظ البيع فيعتبر فيه القبض في المجلس، وهذا أصح كما في

الجزء: 5 - الصفحة: 110

العبة بشرط الثواب اعتبرنا المعنى وهو البيع دون اللفظ، ولهذا سماه الشافعي تارة سلمًا وتارة بيعًا في هذا الكتاب، فدل أنه اعتبر المعنى.
وقيل: نص على هذا في الإملاء.
والثاني: يكون بيعًا ولا يصير فيه القبض في المجلس لأنه للسلم اسمًا هو أخصُّ من هذا.
مسألة: قَالَ: "وَإذَا أَجَازَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السّلفُ فِي التَّمرِ السَّنَتَيْنِ [ق 100 أ] [وَالتَّمْرُ] قَدْ يَكُونُ رُطْباً".
الفصل: وهذا كما قال: يجوز السلم في الرطب قبل أوانه، ويجوز في كل معدوم إذا كان مأمون الانقطاع في محله، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو حنيفة: لا يجوز حتى يكون جنسه موجوداً حال العقد إلى حين المحل، وقال مالك في رواية: يجوز في الموجود من العقد وحين المحل، وإن عدم في الوسط.
واستدل الشافعي - رحمه الله - على مذهبه بالخبر الذى ذكرنا، وذكر وجه الاستدلال بعبارة شافية على ما ذكر في المختصر، واختصاره أنه صلى الله عليه وسلم لما أجاز السلم في الرطب مضموناً في غير حينه الذي يطيب فيه بأن يسلف فيه سنتين دل على جوازه في المنقطع، وأما السلم حالًا لا يجوز عندنا إلا أن يكون موجودًا عند العقد لأنه عقب العقد التسليم بخلاف السلم مؤجلًا.
مسألة: قَالَ: "فَإِنْ فَقَدَ العِنَبَ أَوْ الرَّطَبَ".
الفصل.
وهذا كما قال: إذا أسلم فيما لا يعم وجوده في جميع السنة كالفواكه والرطب فانقطع في البلد الذي أسلم فيه، فإن أصابته جانحة فأتلفته أو توانى في التسليم حتى فني، اختلف قول الشافعي - رحمه الله - فقال في أحد القولين، ينفسخ السلم ولا يتوقف على الخيار، والفسخ، كما لو باع عبدًا فتلف في يده [ق 100 ب] قبل التسليم؛ ولأنه إذا أسلم في الثمر وجعل المحل الوقت الذي يوجد فيه تلك الثمرة في العادة فالمبيع جزء من ثمرة هذه السنة، وإذا ابتدأ في تلك السنة فقد فاتت الجملة التي البيع جزءًا منها فبطل العقد، كما لو اشترى قفيزًا من صبرة تلفت الصبرة انفسخ العقد، وقال في القول الثاني: لا ينفسخ بل المسلم بالخيار إن شاء أنظره إلى عام قابل، وإن شاء فسخ العقد واسترجع رأس المال؛ لأن وقت الاستيفاء دخل، وقد تعذر الاستيفاء وهذا أصح، وبه قال أبو

الجزء: 5 - الصفحة: 111

حنيفة وهذا لأن العقد معقود على رطب موصوف في الذمة، وإذا انقطع رطب هذه السنة تأخر المعقود عليه عن وقت المحل، وذلك لا يوجب انفساخ العقد.
كما لو غصب العبد المبيع أو أبق من يد البائع ينفسخ البيع، وهكذا لو مات المسلم إليه فحل الحق قبل مجيء وقت الرطب فعلى القولين، فإن قلنا: ينفسخ رد عليه الثمن بأن كان قائمًا أو بدله إن كان تالفًا، وإن كان له مثل، فإن أنظره إلى قابل طالبه في ذلك الوقت، بما أسلم فيه، وله الرجوع عن الأنظار بعده واختيار الفسخ، لأنه التأجيل تبرع لا يلزم، وعلى هذا لو أبق المبيع قبل القبض فرضي بترك الفسح، ثم أراد الفسخ له ذلك؛ لأن تسليم المبيع واجب في الحال وتبرع [ق 101 أ] بترك مطالبته بحقه في الحال فله أن يعود إلى حقه.
وقيل فيه: لا يجوز الرجوع عنه في السلم، وقال في "الحاوي" في هذا الخيار وجهان: أحدهما: على الفور كالعيب.
والثاني: ممتد إلى ثلاثة أيام، كما قلنا في الخيار عند تلقي الركبان وهذا غريب، ولو وجد به ونفذ البعض مثل أن يسلم في كرّين فقبض أحدهما وفاته الآخر هل ينفسخ فيما بعد؟ قولان، فإن قلنا: لا ينفسخ ففيما قبض أولى أن لا ينفسخ ويكون المشتري بالخيار بين الفسخ، فإن آخر فلا كلام وإن اختار الفسخ نظر، فإن فسخ في الكل فعليه رد ما قبضه من الرطب إن كان قائمًا وبدله، إن كان تالفًا ويسترد الثمن على ما ذكرنا، وإن اختار الفسخ في غير المقبوض فهل له ذلك؟ فيه قولان بناء على تفريق الصفقة وإن قلنا: يفرق كان له ذلك، وإذا قلنا: يفسخ فيما بعد فهل يفسخ فيما قبض فيه طريقان: أحدهما: لا يفسخ قولًا واحدًا، لأنه فساد طرأ بعد القعد وقبل القبض.
والثاني: فيه قولان، فإن قلنا: يفسخ في الكل فقد انقضى حكمه، وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فإن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه؟ قولان: أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: فيه قولان: فإن قلنا: يفسخ في الكل فقد انقضى حكمه، وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فغن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه؟ قولان: أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: بحصته من الثمن [ق 101 ب] وهو الصحيح، فإذا قلنا بحصته هل للبائع الخيار؟ وجهان: وقد ذكرنا من قبل، وقيل: إذا نفذ بعضه في ثلاثة أوجه: أحدها: في الكل باطل.
والثاني: في الوجود جائز، وفي المعدوم باطل وللمسلم الخيار، فإن أجاز يجزه بحصته في الموجود من الثمن قولًا واحدًا ولا خيار للمسلم إليه وجهًا واحدًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 112

والثالث: السلم في الكل جائز، والسلم بالخيار إن شاء فسخ في الكل وإن شاء أقام على الكل، فيأخذ الموجود ويصبر على قبل القبض.
والثاني: فيه قولان، فإن قلنا: ينفسخ في الكل فقد انقضى حكمه وإن قلنا: لا ينفسخ فالمشتري بالخيار بين أن يرد أو لا يرد، فإن رد فلا كلام وإن أمسك فبكم يمسكه قولان: أحدهما: بكل الثمن.
والثاني: بحصته من الثمن وهو الصحيح، فإن قلنا بحصته هل للبائع الخيار وجهان، وقد ذكرنا من قبل على المعدوم، فإن أراد أن يأخذ الموجود ويفسخ في المعدوم فيه قولان، وإذا جوزنا فهل يجوز بكل الثمن على ما ذكرنا.
وإذا تقرر هذا صفة الانقطاع إعواز الرطب في البلد الذي وقع العقد فيه وليس من شرط الانقطاع إعوازه في سائر البلدان إذا قل ما يعوز في البلدان كلها ولو أعوز في بلد العقد وكان موجوداً على القرب بحيث لا يتعذر تحصيله ونقله إلى أقرب مسافة [ق 102 أ] فليس في حكم المنقطع وهذا كإعواز البلد الدية والانتقال إلى الذهب والفضة إنما يشترط في ذلك البلد وما قاربه وقيل في حد القرب وجهان: أحدهما: دون مسافة القصر.
والثاني: من مسافة إذا خرج إليها في أول النهار ويعود إلى منزله في آخر النهار ولا يحتاج أن يبين في غير منزله، ولو كان يوجد في يد بعض الناس ولكن لا يبيعه كان انقطاعًا، ولو كان يبيعه بثمن غال لا يكون انقطاعًا.
فرع لو كانت موجودة في ناحية أخرى يأتي منها، فإن كان الغرض لا يختلف أجبر على قبوله، وإن كان يختلف لا يجبر على القبول.
وهل يثبت حكم الانقطاع؟ وجهان بناء على أنه لو أسلم في نوع آخر من ذلك الجنس هل يجوز قبوله؟ وجهان، فإذا قلنا يجوز لا ينفسخ ولكن له الخيار.
فرع آخر لو حدث بعد العقد ما يقطع بأنها لا توجد عند محله هل يبطل السلم؟ قولان مخرجان، ذكره الصيمري.
واعلم أن فيما نقل المزني رحمه الله خلافًا ظاهرًا، وذلك أنه نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: فإن نفذ الرطب حتى لا يبقى منه شيء بالبلد الذي أسلفه قيل: للمسلف الخيار بين أن يرجع بما بقي من سلفه بحصته أو يؤخر ذلك إلى رطب قابل.
وقيل: ينفسخ [ق 102 ب] بحصته.
فصورة المسألة في انقطاع الجميع، وأجاب عن انقطاع البعض وكان من حقه أن

الجزء: 5 - الصفحة: 113

يذكر القولين في انقطاع الجميع كما ذكرتهما ثم يشتغل بالمسألة الثانية التي منها تبعيض الصفقة، إذ لا يتصور في انقطاع الكل ما ذكر المزني من تفريق الصفقة والرجوع بالحصة.
ثم اعلم أنه قال: "ونَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَكِيماً عَمَّا لَيسَ عِنْدَهُ وَأجَازَ السَّلَفَ".
فدل على أنه نهى حكيمًا عن بيع ما ليس عنده إذا لم يكن مضمونًا مع الأعيان، وقصد الشافعي رحمة الله عليه به الجمع بين الحديثين فإن ظاهرهما الاختلاف، فبين أنهما غير مختلفين؛ أحدهما: حديث حكيم بن حزام، والثاني: ما ذكرنا في أول الكتاب وخلاف ظاهر الأول؛ لأنه بيع ما ليس عنده إذ الرطب لا يبقى سنتين، فحمل خبر حكيم على بيع العين فلا يجوز أن يبيع عينًا مجهولةً ليس عنده؛ أي ليست في ملكه.
وحمل الخبر الثاني على ما ورد فيه وهو السلم المضمون.
ويحتمل أن يكون قصد الشافعي رحمه الله إبطال مذهب أبى حنيفة رحمه الله حيث قال: لا يجوز السلم في المنقطع صحيحًا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم حكيمًا عن بيع ما ليس عنده فحمله الشافعي على بيع الأعيان لا على بيع الصفات، بدليل خبر ابن عباس رضي الله عنهما [ق 103 أ] فإنه مشتمل على جواز السلم في المنقطع على ما ذكرنا.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِصِفَةٍ مَضْمُونًا إِلَى أَجَلٍ كَانَ حَالًّا أَجْوَزَ".
الفصل: وهذا كما قال يجوز السلم حالًا لأنه من الغرر أبعد والحظر فيه أقل، واستأنس بخبر عطاء بن أبي رباح المكي رحمه الله فإنه أجاز السلم حالًا.
وقال أبو حنيفة ومالك وأحمد: لا يجوز إلا مؤجلًا.
وقال الأوزاعي: أقل الأجل ثلاثة أيام، وروي هذا عن مالك.
وقال: لا يجوز عند مالك إلا إلى أجل له موقع كالشهر وأكثر.
وعند أبي حنيفة يجوز إلى أجل قريب وهذا غلط؛ لأنه نوع معاوضة ليس من شرطه التنجيم فليس من شرطه التأجيل كالبيع، ويفارق الكتابة؛ لأن العبد عن الوفاء بأداء العوض حال العقد يقينًا، ووضعت على خلاف القياس، ولهذا يشترط فيها التنجيم عندنا.
فرع لو شرط أن يكون حالًا كان حالًا، ولو أطلقا العقد ولم يذكر حالًا ولا مؤجلًا اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: لا يجوز العقد؛ لأن ما يختلف الثمن باختلافه لابد من شرطه كالأوصاف.
وقد نقل المزني بعد هذا فقال: "وقال في كل واحدٍ حدًا وأجلًا معلومًا أو حالًا، فنص على أنه يقول: وحالًا، وهذا لأن الغالب الأجل في السلم.
ومنهم من قال: يجوز [ق 103 ب] العقد ويكون حالًا؛ لأن مقتضى العقد يقتضي الحلول، وهذا أصح وكلام الشافعي محمول على التأكيد.

الجزء: 5 - الصفحة: 114

فرع آخر: هل الأصل فيه التأجيل والحلول رخصة أم الأصل فيه الحلول والتأجيل رخصة؟ فيه ثلاثة أوجه: أحدها: الأصل فيه التأجيل لانعقاد الإجماع عليه والحلول رخصة.
والثاني: الأصل فيه الحلول لانتفاء الغرر فيه والتأجيل رخصة.
والثالث: كلاهما سواء وليس أحدهما أن يكون أصلًا بأولى من الآخر، لقيام الدليل عليهما وجواز السلم معهما، والوجهان عند الإطلاق مبنيان على هذا.
مسألة: قَالَ المُزني رَحِمَهُ اللَّه: "وَالَّذِي اخْتَارَ الشَّافِعِيُّ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهَ أَنْ لَا يُسَلِّفَ جُزَافًا مَنْ ثِيَابٍ وَلَا غِيرِهَا".
وهذا كما قال: لا يجوز السلم حتى يكون المسلم فيه موصوفًا في الذمة، فإن أسلم في عين مثل أن يسلم في تمرة نخلة بعينها أو بستان بعينه بطل، وينبغي أن يكون معلوم المقدار إن كان كيلًا فبالكيل، وإن كان موزونًا فالبوزن، ويذكر مكيالًا معروفًا، فإن عين بكل رجل بعينه وكان مما يوافق مكيال الناس في العادة بطل، كما إذا قال في ثوب: مثل هذا الثوب.
وكذلك لا يجوز أن يسلم في ميزان رجل بعينه، ومتى عين مكيالًا أو ميزانًا [ق 104 أ] وكان ميزان الناس ومكيالهم لم يضر التعيين، ويجوز أن يكيل به وبغيره.
ومن أصحابنا من قال: يبطل السلم لجواز أن يتلف ذلك القبض به، وقد تعين ذلك للشرط.
ذكره في "الحاوي".
وأما رأس المال فلابد من أن يكون معلومًا، ويجوز أن يكون دينًا وعينًا، وإن كان دينًا، قال: أسلمت إليك كذا في كذا، ولابد أن يضبطه بالصفات التي يضبط المسلم فيه من قدرٍ وغيره إن كان ثوبًا أو نحوه.
وإن كان نقدًا فذكر القدر وأطلق النوع جاز، وينصرف إلى غالب نقد البلد، ثم لابد من تعيينه في المجلس نقدًا كان أو غيره وقبضه في غيره.
هكذا ذكره كل أصحابنا، وهو المذهب.
وقال أبو العباس بن رجاء البصري رحمه الله وجماعة: لا يجوز أن يكون دينًا، لأنه يتميز كلا إلى موصوف، ويكون بيع الدين بالدين، وهذا غلط؛ لأنه إنما يحرم الدين بالدين إذا تحققت الدينية.
وههنا لم يفترقا حتى صار الموصوف معينًا في المجلس في الحقيقة عين بدين، كما لو عقد الصرف على موصوفين، ثم أحضرا وإن كان رأس المال معينًا مشارًا إليه هل يفتقر مع المشاهدة إلى معرفة قدره وضبط صفاته؟ قولان: أحدهما: لابد من ذلك؛ ولأن المسلم فيه ربما ينقطع فلا يدري بماذا يطالب

الجزء: 5 - الصفحة: 115

البائع غير معلوم [ق 104 ب] وبه قال مالك وأحمد، وهو اختيار أبي إسحاق.
والثاني: لا يجب ذلك وهو الأصح، وبه قال أبو يوسف ومحمد، وهو اختيرا المزني؛ لأنه عين تناولها عقد المعاوضة بالإشارة إليها فأشبه إذا باعها.
فإذا قلنا بالأول فلم يذكر ذلك لم يصح السلم، وللمسلم الرجوع في الثمن إن كان باقيًا أخذه، وإن كان تالفًا أخذ مثله أو قيمته، فإن اختلفا فالقول قول المسلم إليه لأنه غارم.
وإن قلنا بالثاني فإن تم العقد فلا كلام، وإن فسخا رجع إلى الثمن، فإن كان تالفًا واختلفا فالقول قول المسلم إليه لأنه غارم.
ويتفرع على هذا مما لا يجوز السلم فيه من الجواهر والجلود، هل يجوز أن يكون رأس المال على هذين القولين وقال القفال: القولين ههنا يشبهان القولين فيمن جمع بين سلم وبيع؛ لأن العلة هناك أنه ربما يفسخ أحدهما فلا يدري حكم حصته وحصة الآخر، كذلك ههنا ربما يفسخ السلم فيحتاج إلى معرفة رأس المال.
وقال أبو حنيفة: إن كان رأس المال مكيلًا أو موزونًا لابد منذ كر القدر وضبط الوصف، وإن كان ثوبًا ونحوه يجوز أن يكون جزافًا.
فإن قيل: قول المزني: "ولو كان درهمًا حتى يصفه بوزنه وسكته، [ق 105 أ] يوهم أن صورة مسألة القولين في دراهم يسميها المشتري ولا يعينها، وليست صورتها كذلك، لأن المشتري إذا قال: اشتريت منك قفيز حنطة بالدراهم التي في كمي كان ذلك بيع الغائب وفيه قولان.
ثم إذا جوزناه والدراهم غير معلومة القدر كان سلم جزاف في موصوف، فهل يصح ذلك السلم أم لا؟ على قولين.
ولا يظن الشافعي أنه زاحم مسألة السلم بمسألة بيع الغائب حتى يدخل القولان على القولين.
قيل: يحتمل أن يكون معنى قوله حتى يصفه بوزنه حتى يزنه فيصير وزنه معلومًا وكان معينًا، فإذا اجتمع التعيين والوزن صح السلم وخرج عن أن يكون جزافًا في موصوف، وإذا اقتصر على مجرد التعيين من غير وزنٍ ولا إحاطة بالجودة والسكة كان سلم جزاف في موصوف، وفيه حينئذٍ قولان، ولا يجوز إطلاق لفظ الوصف والمراد به الإعلام لا الاقتصار على الوصف.
فرع رأس المال في القراض لا يجوز أن يكون جزافًا؛ لأن العقد يقتضي رد مثله فيجب أن يكون المال فيه معلوم المقدار والوصف.
وفي السلم يجب رد رأس المال، بل يجب تسليم المسلم فيه بمقتضى العقد فجاز جزافًا في أحد القولين.
فرع آخر لو كان السلم حالًا هل يجوز أن يكون [ق 105 ب] رأس المال جزافًا فيه طريقان؛ أحدهما: قولان.
والثانية: يجوز قولًا واحدًا؛ لأنه لا يتأخر التسليم ولا يخشى انفساخ العقد والتنازع في قدره بخلاف المؤجل.

الجزء: 5 - الصفحة: 116

فرع آخر الأجرة هل يجوز أن تكون جزافًا؟ قيل: فيه قولان.
وقيل: يجوز فيه قولًا واحدًا؛ لأن الإجازة ترد على منفعة عين معينة، ولأنها كالمقبوضة حكمًا بدليل جواز التصرف فيها بأن يؤاجره من آخر خلاف المسلم فيه.
فرع آخر لو أسلم في عشرة أقفزة نصفها إلى شهر ونصفها إلى شهرين خرَّجه الشافعي على قولين في المسألة قبلها.
فإن قلنا رأس المال يجب أن يكون معلوم القدر والوصف لا يجوز؛ لأنه لابد من أن يكون كل نصف فيها معلومًا حال العقد؛ لأن الأجل يأخذ قسطًا من الثمن فيكون ما يخص النصف الذي إلى شهر أكثر مما يخص النصف الذي إلى شهرين.
وإذا قلنا: يجوز وإن لم يصف رأس المال جاز ههنا إذا كان الثمن في الجلة معلومًا.
وهكذا إذا أسلم في جنسين مختلفين صفقة واحدة كالثياب، والحيوان، والحنطة، والشعير هل يجوز؟ قولان: أحدهما: لا يجوز حتى كون ما يخص كل واحد منهما من الثمن معلوماً.
والثاني: يجوز إذا كان في الجملة معلومًا.
مسألة: قَالَ: "والَّذِي [ق 106 أ] احْتَجَّ بِهِ فِي تَجْوِيزِ السَّلَم فِي الحَيَوانِ".
الفصل: وهذا كما قال.
كل حيوان يجوز بيعه يجوز السلم فيه من الآدميين والنعم والخيل والوحوش والطيور.
وبه قال علي بن أبي طالب، وابن عباس، والحسن، وسعيد بن المسيب، والنخعي رضي الله عنهم.
وهو قول مالك، وأحمد، وإسحاق.
وقال الثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة: لا يجوز فيه السلم، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن عمر - رضي الله عنه.
روايتان.
واحتج الشافعي بخبر استقراض البكر وقد مضى ذكره، وهذا لأن الخلاف في الاستقراض والسلم واحد.
وذكرنا خبر عبد الله بن عمرو بن العاص أنه اشترى بعيرًا ببعيرين وما نعس إلى خروج المصدق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنه - أنه اشترى راحلة بأربعة إلى أجل يوفها صاحبها بالربذة.
والراحلة: البعير النجيب الذي يركبه أمراء الناس في أسفارهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 117

(وروي) أن عليًا رضي الله عنه باع جملًا له يدعى عصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل.
قالوا: قال عمر رضي الله عنه: إن من الربا أربابًا لا تخفي وإن عينها السلم في السن: قلنا: هذا غير مشهودٍ به، ثم أراد ما كانوا يشترطون من ضراب فحل ابن فلان ونحو ذلك.
فإذا تقرر هذا فرأس مال السلم في الحيوان يجوز أن يكون حيوانًا، ويجوز أن يسلم واحدًا في عدد من [ق 106 ب] جنسه كما أسلم علي، وابن عمر رضي الله عنهم على ما ذكرنا.
ثم إن المزني رحمه الله قال: "وهذا من الجزاف الحاصل في الموصوف الأجل".
يعني بسلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وبيع علي، وشراء ابن عمر رضي الله عنهم، وقصد المزني نصرة أحد القولين في المسألة السابقة.
قال أصحابنا: لا حجة فيما ظنه حجة؛ لأن الرجل إذا أسلم حيوانًا معينًا مشارًا إليه في حيوان موصوف لم يكن ذلك إسلام جزاف في موصوف، بل هو إسلام معين معلوم في موصوف معلوم إذا لم يعين الحيوان معاينة عند العقد فغلط، ولأنه ليس في هذه الأخبار أنها لم توصف أو وصفت كما ليس فيها أن المسلم فيه وصف أو لم يوصف إذا لم يكن قصد الراوي ذلك.
فرع آخر لو أسلم في جارية وولدها ووصفها لا يجوز، إذ لا يتفقان على تلك الصفة فإن لم يشترط أنه ولدها ثم جاء بأمٍ وولدها على الصفة المشروطة جاز.
فرع آخر لو أسلم جارية في جارية قد ذكرنا أن الأصح جوازه، ويجوز أن يطأها ويردها بحق السلم فيصير واطئًا بلا بدل كالمبيعة يطأها ثم يردها بالعيب، وهل يلزم قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يلزمه؛ لأنه يصير أخذ الثمن في موضع المثمن.
والثاني: يلزمه؛ لأنه صار ملكًا له كسائر أملاكه [ق 107 أ].
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ لَمْ يَذْكُرَا فِي السَّلَمِ أَجَلًا فَذَكَراهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا جَازَ".
وهذا كما قال: قد ذكرنا أن ضرب الأجل في المجلس جائز كما في حالة العقد وذكرنا ما قال صاحب "الإفصاح" وهذا اللفظ يدل على أن الإطلاق يجوز، ويحل على

الجزء: 5 - الصفحة: 118

الحال.
وعلى هذا لو صير الأجل أو المسلم فيه مجهولاً بعدما كان معلومًا قبل التفرق بطل البيع، ولو صير المجهول معلومًا لم يعد العقد صحيحًا؛ لأن التصرف والتغيير إنما يكون في الصحيح.
فأما في الفاسد فلا يمكن البناء عليه حتى لو كان المعقود عليه معلومًا فقال: زدتك ما شئت بطل، فإن صيراه معلومًا لم يصح حتى يستقله عقد آخر.
وكذلك لو أسقطا الأجل قبل التفرق سقط ولزم إن كان ذلك بعد لزوم العقد، قد ذكرنا أنه لا يلحق العقد خلافًا لأبي حنيفة.
ولو بذل رهنًا أو كفيلًا بعد لزوم العقد صح، وإذا قبض لزم، ولا نقول يلحق أصل العقد؛ لأن حكمه ينفرد بنفسه.
مسألة: قَالَ: "ولا يَجُوزُ فِي السَّلَفِ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ قَبْلَ أَنْ يُفَارِقَهُ".
وهذا كما قال: من شرط صحة عقد السلم تسليم رأس المال في المجلس، فإن تفرقا قبل قبضه بطل؛ لأن البيع دين بموضوف، فإذا افترقا قبل تسليم ذلك أشبه الثمن الدين، ولا يجوز بيع الدين بالدين، ولا الكالاء [ق 107 ب] بالكالاء لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال مالك: إن قبض رأس المال بعد الافتراق بزمان قريب إلى مدة ثلاثة أيام يجوز وإلا فلا يجوز.
وروي عنه أنه قال: إذا تأخر قبضه من غير شرط صح، وهذا غلط لما ذكرنا، ولأن السلم سمي سلمًا لأنه تسليم عاجل فيما لا يجب تسليمه عاجلًا، ويجوز أن يكون أجلًا فيلزمه تسليم الثمن لتحقق الربح.
فرع لو قبض بعضه وتفرقا قد ذكرنا نظيره في الصرف.
وقيل: فيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: يبطل السلم في الكل؛ لأن شرط الصحة لم يوجد.
والثاني: يجوز فيما قبض ولا يجوز فيما بقي، وبه قال أبو حنيفة، ولا خيار في تفريق لاصفقة، لأن افتراقهما على قبض البعض رضًا منهما بالتفريق.
والثالث: لا يجوز فيما لم يقبض وفيما قبض قولان بناء على تفريق الصفقة وللمسلم إليه الخيار دون المسلم في أن يمضي العقد بالبعض أو يفسخ.
وهذا أصح، ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر لو أخذ رأس المال في المجلس ثم تلف في يده قبل التفرق، هل يبطل السلم؟ فيه وجهين.

الجزء: 5 - الصفحة: 119

فرع آخر لو أسلم دنانير بأعيانها وتفرقا بعد القبض ثم وجدها معيبة والعيب من جنسها، فالمسلم بالخيار، ولا يجوز إبدالها قولًا واحدًا، وإن كانت الدنانير في الذمة، فإن كان قبل التفرق لا يجوز إلا ببذال، وإن كان [ق 108 أ] بعده هل يبذل؟ قولان ذكره في الفرق.
فرع آخر لو أسلم ثوبًا في مائة صاع حنطة وسلم ثم تفرقا، ثم وجد به عيبًا وحدث عنده عيب آخر فأرش العيب القديم عشر قيمة الثوب يسقط عن البائع عشر الحنطة، ولا نقول في الباقي قولان على تقدير أنهما تفرقا قبل قبض عشر رأس المال، بل هو جائز في الباقي إذ لو رضي المسلم إليه بهذا الثوب المعيب لم يسقط من المسلم شيء، فدل أن قبض كل رأس المال قد حصل في المجلس، غير أن له الرجوع بالأرش إن شاء، والرجوع بالأرش هو أن يحط عنه عشر السلم.
وقيل: البيوع على ثلاثة أضرب؛ منها ما لا يفتقر إلى القبض قبل التفرق في الطرفين وهو السلم، ثم ينقسم العقد على ثلاثة أقسام، ما هو بيع لفظًا ومعنى وهو بيوع العيان، ولا يفتقر إلى القبض.
وما هو سلم لفظًا ومعنى وهو أن يقول: أسلمت إليك هذا في كذا فلا يصح التفرق فيه قبل القبض.
وما لفظه البيع ومعناه معنى السلم، كقوله: بعتك كذا وكذا ثوبًا صفته كذا وكذا، فهذا العقد هل يلحق بلفظه أو بمعناه؟ قد ذكرناه.
فرع آخر لو أسلم حالًا وأحضر المسلم فيه وسلمه في المجلس، هل يعتبر قبض رأس المال في المجلس؟ وجهان: أحدهما: لا يعتبر، لأن المعقود عليه يعين في [ق 108 ب] المجلس فالتحق ببيع العين.
والثاني: لابد من قبضه؛ لأن العقد اقتضى قبض البدل في المجلس حتى لا يشبه بيع الدين بالدين وقبض المسلم فيه في المجلس لا يستحق، ولكنه تبرع به والتبرع لا يغير مقتضى العقد.
مسألة: قَالَ: وَيَكُونَ مَا سُلِّفَ فِيهِ مَوْصُوفًا".
وهذا كما قالك لابد فيه من ذكر الصفات التي يختلف الثمن باختلافها؛ لأنه لابد من كون المبيع معلومًا أو بالمشاهدة، أو بالصفة، ويكتفي في كل صفة بأقل ما يقع عليه

الجزء: 5 - الصفحة: 120

الاسم, مثل أن يقول في العبد: إنه كاتب فيلقى اسم الكتابة, فإن أتى بخير من ذلك فقد زاد خيرًا, ثم إذا كانت الوصاف معلومة عند أهل العلم بها جاز, وإن كان سائر الناس لا يعرفونها, ولا يجوز أن يختصا بعلم صفتها؛ لأنهما إذا صارا مختصين بعلم ذلك الموصوف ربما يتخاصمان عند السلم, فيقول البائع: بهذا الموصوف, ويقول المشتري: ليس على ذلك الوصف, فإذا لم يجد غيرهما من أهل العلم به ليعرف الصادق من الكاذب دامت الخصومة بينهما, والعقد إذا أفضى بالمتعاقدين إلى مثل هذا كان في الأصل باطلاً.
وهو ظاهر كلام الشافعي رحمه الله عليه في ((المختصر)).
قال: وأقل من يحتاج أن يعرف ذلك سواهما عدلان.
وقال القفال: وهذا احتياط لا واجب, والشروط [ق 109 أ] أن يكون معلومًا عند المتعاقدين فقط, وهذا أقيس.
فرع آخر لو أسلم في ثوب على صفة خرقة أحضرها حال العقد لم يصح, لجواز أن تهلك الخرقة فيكون ذلك غررًا لا حاجة به إليه؛ لأنه يمكن أن يضبط بالصفات الموجودة فيها.
فرع آخر لو أسلم في ثوب ثم قال: أسلمت هذا الدينار في ثوب آخر بتلك الأوصاف, فإن كان يذكران الوصاف جاز, وإن نسي أحدهما بطل.
مسألة: قَالَ: ((وَإن كَانَ مَا سُلفَ فِيهِ بِصِفَة مَعلُومَةٍ عِندَ أَهلِ العِلمِ بِهَا وَأَجَلٍ مَعلُومٍ جَازَ)).
وهذا كما قال: جملة شروط السلم تسعة: أحدها: ذكر الجنس.
والثاني: ذكر المقدار.
والثالث: ذكر كل وصف يختلف الثمن باختلافه.
والرابع: أن يكون الأجل معلومًا.
والخامس: أن يذكرا موضع التسليم.
والسادس: أن يكون التسليم فيه مأمون الوجود عند المحل.
والسابع: أن يكون رأس المال موصوفًا في أحد القولين.
والثامن: قبض رأس المال في المجلس.
والتاسع: أن لا يعين فيه مكيالاً ولا صنجة, ولا يعلق المسلم فيه على

الجزء: 5 - الصفحة: 121

مراح بعينه أو بستان بعينه.
وقيل: إن وقع حالاً يفتقر إلى أربع شرائط, شرطان في الثمن أن يكون معلومًا, وأن يقبضه قبل التفرق.
وشرطان في المثمن أن يكون معلومًا بذكر القدر والصفات المضبوطة.
وأن يكون عام الوجود [ق 109 ب] في محلة.
وإن كان مؤجلاً افتقر إلى ست شرائط, والخامس أن يكون الأجل معلومًا, والسادس ذكر موضع القبض في أحد القولين.
فإذا تقرر هذا فالكلام الآن في معرفة الأجل, ولا يكون معلومًا إلا بحد معروف.
روى عبد الله بن سلام- رضي الله عنه- أن زيد بن سعنة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد هل لك أن تبيعني تمرًا معلومًا إلى أجل معلوم من حائط بني فلان؟ فقال: ((لا يا يهودي, ولكن أبيعك تمرًا معلومًا إلى كذا وكذا من الأجل)).
فإن قال شهرًا بالهلال جاز, وإن قال بالعدد جاز, وإن قال إلى رمضان أو شوال من هذه السنة أو السنة الفلانية جاز, وإن قال إلى يوم الفطر أو يوم الضحى جاز, إلا أنه يحتاج أن يقول من سنة كذا.
وكذلك إذا قال: يوم الخميس من آخر هذه السنة, وإذا طلع الفجر من ذلك اليوم فقد حل السلم فيه عليه ووجب مطالبته, وهكذا إذا أهل الهلال في قوله إلى شهر كذا؛ لأن الليل من الشهر وليس من اليوم.
وكذلك لو قال: عند هلال رمضان أو عند رأس شهر رمضان فذلك كله واحد.
فرع آخر لو قال: إلى يوم النفر, فإن قال الأول أو الثاني جاز, والنفر الأول اليوم الثاني عشر من ذي الحجة [ق 110 أ] والنفر الثاني الثالث عشر من ذي الحجة, وإن أطلق جاز وحمل على النفر الأول, لأنه أول ما يقع عليه الاسم.
ونص عليه الشافعي رحمه الله, قال: وهذا لأهل مكة لنهم يعرفونه.
وقال أصحابنا: وكذلك غير أهل مكة إذا عرفوا جاز.
وقال في ((الحاوي)): لا يجوز لغير أهل مكة لجهلهم به.
وقيل: يجوز لأهل مكة, وجهان: أحدهما: ما ذكرنا.
والثاني: لا يجوز؛ لأن خواصهم يختصمون بمعرفته والعوام يجهلونه, وعندي لا معنى لهذين الوجهين, ويكفي علم العاقدين به والخواص من الناس.
فرع آخر لو قال: إلى جمادى أو ربيع يحمل على جمادى الأول أو ربيع الأول على ما ذكرنا

الجزء: 5 - الصفحة: 122

ونحو ذلك.
ومن أصحابنا من قال: لا يجوز أصلاً, لأنه كلام محتمل.
فرع آخر لو حده بغير شهور العرب, أو كان أشهر الفرس كذباه وبهرماه جاز, وكذلك إلى أعيادهم كالنيروز والمهرجان؛ لأنه يشترك في معرفتها المسلمون والكفار, وكذلك إن حده بشهور الروم مثل كانون ونحوه جاز.
فرع آخر لو اسلم إلى العطاء أو إلى الحصاد أو الموسم لا يجوز؛ لأنه ليس للعطاء في السنة وقت معلوم والحصاد يتقدم ويتأخر على قدر البرد والحر والموسم مجهول أيضًا.
وقال مالك رحمه الله: يجوز؛ لأنه أجل يعرف في العادة, ولا يتفاوت تفاوتًا [ق 110 ب] كثيرًا, فأشبه إذا قال: إلى النيروز, وهذا غلط لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((لا تبايعوا إلى الحصاد والدباس, ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم)).
فإن قال قائل: روت عائشة- رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى يهودي: أن أبعث إلى ثوبين إلى الميسرة, فما تأويله؟ قلنا: تمام هذا الخبر أنها قالت: كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبان قطريان غليظان, فكان إذا تعرق ثقلا عليه, فقدم بر من الشام لفلان اليهودي, فقلت: لو بعثت إليه فاشتريت منه ثوبين إلى الميسرة فأرسل إليه, فقال: قد علمت ما تريد, إنما تريد أن تذهب بمالي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كذب قد علم أني من أتقاهم وأداءهم للأمانة)).
هكذا رواه أبو عيسى, ولا حجة فيه, لأنه لم يكن هذا في العقد.
فرع آخر لو أسلم إلى فصح النصارى لا يجوز, وهو عيد من أعيادهم, نص عليه الشافعي رحمه الله.
وكذلك إلى سائر أعياد أهل الذمة مثل الشعانين وعيد الملح وعيد الملح وعيد الفطير, لأنه لا يعرفه المسلمون.
قال الشافعي رحمه الله: لأنهم يقدمونه ويؤخرونه على حساب لهم ويسيئون فيه أيامًا, ولا يجوز.
وأما الرجوع إلى قولهم فيه: ((لأن شهادتهم غير مقبولة)): قال أبو إسحاق: فإن علم المسلمون من حسابهم ما يعلمونه [ق 111 أ] جاز لأهل العرض أن يكون الأجل معلومًا.
وقال في ((الحاوي)): هذا قول البغداديين.
وقال أصحابنا البصريون: لا يجوز, وإن كانوا يعلمون؛ لأنه مبني على إنشاء أيام

الجزء: 5 - الصفحة: 123

حرم الله تعالى إنشاءها, ومعدول به عن الأشهر الهلالية التي لم يجعل الله تعالى لأهل الإسلام علمًا إلا بها, ذكرها القفال أيضًا.
فرع آخر لو قال: إلى العطاء فأراد وقت استحقاق العطاء جاز إذا كان معلومًا عندهما على وجه لا يختلف.
فرع آخر لو شرط المسلم أن يطالبه به متى شاء فهو على الحلول, ولو زاد وقال: متى شاء من ليل أو نهار فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز ويبطل العقد؛ لأنه شرط الوقت عن وقت الإمكان فربما يطالبه في وقت لا يمكنه.
والثاني: يجوز ويكون هذا مبالغة, فيحمل على العرف وزمان الإمكان.

لو قال في الأجل يسلمه في شهر رمضان لا يجوز, كما لو قال في سنة كذا, لأنه لا يدري أنه في أول الشهر أو آخره أو أثنائه.
وقال في ((الحاوي)): يبطل الأجل لقربه وإن بطل في السنة لبعده, ويحمل على أول الشهر اعتبارًا بأن العادة جارية أن يراد به أو الشهر.
فرع آخر لو قال في يوم كذا لا يصح أيضًا لما ذكرنا محله الأول أو الآخر, قاله أبو حامد وجماعة.
وقال القاضي الطبري [ق 111 ب] فيه وجهان, قال أكثرهم: وهو الصحيح لا يجوز.
ومن أصحابنا من قال: يجوز, وهو اختيار ابن أبي هريرة لقرب طرفيه بخلاف الشهر والسنة فلا يجوز وجهًا واحدًا؛ لأن زمان طرفيه يتطاول ويتباعد فيحمل على أول اليوم, ولأن في تحديد الوقت من اليوم ضيقًا, يلحق الناس, وعرف كما فيهم استعمال هذه اللفظة في اليوم دون الشهر, فاتسع حكم اليوم وإن ضاق حكم الشرع.
قال في ((الحاوي)): وهذا الوجه أصح.
ومن أصحابنا من قال: في الكل يجوز, ويحمل على الأول, كما لو قال: أنت طالق في سنة كذا يصح ويحمل على أول السنة, وهذا لا يصح؛ لأن الطلاق يجوز إلى اجل مجهول, فإذا تصح تعلق بالأول وفيه نظر عندي, لأنه لو لم يكن معلومًا لما حصل الطلاق على أوله بل يرجع إلى مراده.

الجزء: 5 - الصفحة: 124

فرع آخر لو قال إلى مقدم الحاج كان باطلاً, وكذلك كل اجل علق بفعل مثل قدوم زيد وخروج السلطان.
فرع آخر لو قال إلى رمضان فإن لم يمكنك فإلى شوال لا يجوز.
فرع آخر لو قال إلى نهار يوم كذا فيه وجهان: أحدهما: طلوع الفجر كأول اليوم.
والثاني: أوله طلوع الشمس؛ لأن النهار من قولهم نهر الشيء إذا ظهر, وكذلك سمي النهار نهارًا لظهور ما فيه.
فرع آخر لو قال: محله في أول الشهر.
قال بعض أصحابنا [ق 112 أ] بخراسان: يحتمل أنه الجزء الأول, ويحتمل أنه أراد أول آخره أو السلخ, فما لم يكن معلومًا عندهما لا يجوز, ولأن النصف الأخير كله آخر الشهر فهو مجهول.
فرع آخر لو قال: إلى خمسة أو ستة أشهر انطلقت على [الأشهر] العربية ويجوز, فإن وقع العقد فبأول الهلال, فكل ما بين الهلالين شهر ناقصًا أو كامًلا, وإن وافق ذلك أثناء الهلال عد ما بقي منه مع بقية الشهر الأول ثلاثين يومًا؛ لأنه شهر عددٍ فلا ينقص عن ثلاثين يومًا.
والدليل على هذا قوله تعالى: ﴿َسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البَقَرَة: 189]. وروي أنهم قالوا: يا رسول الله, ما بال الشمس لا تنقص ولا تتغير, والهلال يبدو صغيرًا ثم يكبر ثم يصغر, فأنزل الله تعالى هذه الآية.
واعلم أن أول من أرخ بالسنين عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- فإنه حمل غليه كتاب ليشهد عليه وقد أرخ إلى شعبان, فقال: أي شعبان؟ الماضي أو الآتي الذي نحن فيه, أرخوا بالسنين.
ومن أصحابنا من قال: إذا انكسر الشهر الأول يعتبر بالعدد, لأنا إذا أكملنا الأول بالثاني ينكسر الثاني أيضًا, وعلى هذا الشهر الثالث والرابع والخامس.
مسألة: قَال: ((وَإِن كَانَ مَا سُلفَ فِيهِ مِما يُكَالُ أَو يُوزَنُ سُميَا مِكيَالاً مَعرُوفًا

الجزء: 5 - الصفحة: 125

[ق 112 ب] عِندَ العَامةِ)).
وهذا كما قال: قد ذكرنا أنه يعتبر معرفة الكيل, فإن عينا مكيالاً مجهولاً مقداره مثل القصعة ونحوها لا يجوز؛ لأنه ربما يتلف فلا يتوقف على مقداره, وفي بيع العين الجوز؛ لأنه في الحال مكيل كما لو اشترى صبرة جزافًا جاز.
فرع آخر لو عين بذراع اليد لا يجوز, لأنه يختلف من الناس, ولو قال: بذراعي هذا, فمن أصحابنا من قال: يجوز لتعينه ولانتفاء الجهالة عنه وهذا غلط.
مسألة: قَالَ: ((وَيَكُونِ المُسَلمُ فِيهِ مَأمُون الانقِطَاعُ فِي مَحَلهِ)).
وهذا كما قال: من شرط صحة السلم أن يكون المسلم فيه موجودًا عامًا يؤمن معه الانقطاع ليكون مقدورًا على تسليمه, فإذا اسلم في رطب بغدادي أو واسطي لا ينقطع ذلك في العادة, فينبغي أن يجعل المحل وقتًا يتسع فيه الرطب في العادة ولا يضيق, فلو جعل المحل أول ما يدرك الثمار أو آخر ما يدرك لا يجوز؛ لأنه يوجد نادرًا في ذلك الوقت, وربما يتعذر تسليمه.
فرع هل يشترط ذكر موضع التسليم؟ قال أصحابنا: قال الشافعي رحمه الله في موضع: ((وأحب أن يذكر موضع التسليم)) , ولا يعرف موضعه, وقال في ((الأم)): لابد من ذكره.
واختلف أصحابنا فيه على طرقٍ: أحدهما: هو على حالين, فإن كانا في سفر أو بادية فذكره شرط.
وفيه [ق 113 أ] وجه آخر لا يشترط ويسلمه في أقرب مكان يصلح للتسليم, وإن كان في قرية أو بلدة فليس بشرط ولكن إن عين الموضع جاز, وإن لم يعين انصرف الإطلاق إلى موضع ذلك العقد.
والثاني: إن كان في بادية أو صحراء لابد من ذكره؛ لأن ذلك الموضع لا يصلح للقبض, وإن كان في بلدة أو قرية فيه وجهان: أحدهما: أنه يشترط؛ لأنه ربما يتغير ذلك الموضع.
والثاني: لا يشترط؛ لأن الغالب صلاح ذلك الموضع للتسليم.
وبه قال أبو يوسف ومحمد.
والثالثة: إن كان لحمله مؤنة يجب ذكره, وإن لم يكن لحمله مؤنة لم يجب.

الجزء: 5 - الصفحة: 126

وبه قال أبو حنيفة, وهو اختيار القاضي الطبري.
قال في ((الأم)) في ((السلف في الحنطة)): ((ويصف الموضع الذي يقبضها فيه والأجل الذي يقبضها إليه, فإن ترك شيئًا من هذا لم يجز)).
ثم قال: فكلما كان لحمله مؤنه يختلف العوض فيه فيجب شرطه بخلاف ما إذا لم يكن لحمله مؤنه لا يجب, وإن كان مؤنه فقولان: وهذا كله إذا كان مؤجلاً فإن كان السلم حالاً لا يحتاج إلى شرطه ويجب تسليمه في موضع العقد؛ لأن وجوبه فيه.
فرع آخر لو شرط موضعًا فصار مخوفًا لا يلزمه قبوله فيه, وليس له تكليفه النقل على مكان آخر.
وقيل له: إما أن تصبر أو تأخذ هناك.
فرع آخر إذا قلنا لا يجب ذكره [ق 113 ب] فإن ذكره في غير موضع لا يبطل السلم.
وقال أحمد: يبطل في رواية؛ لأنه شرط ما لا يقبضه بالإطلاق وفيه غرر؛ لأنه ربما يتعذر تسليمه في ذلك المحل.
وهذا غلط لأنه لو كان تعيينه بالمكان غررًا لكان تعيينه بالزمان غررًا, وأجمعنا على خلافه.
وعلى هذا لو أسلم حالاً وقلنا لا يعتبر ذكر مكان التسليم تعين مكانًا جاز؛ لأنه يحتمل التأجيل فيقبل تأخير التسليم للإحضار في موضع بخلاف ما لو باع عينًا لا يعتبر تعيين مكان التسليم.
ولو عينا مكانًا يسلم فيه بطل, لأن الأعيان لا تقبل التأجيل فلا يحتمل شرطًا يتضمن تأخير التسليم؛ وإن عين مكان تسليم الثمن في البيع إن كان الثمن معينًا حكمه حكم المبيع, وإن كان في الذمة فحكمه حكم المسلم فيه.
وهكذا الحكم في الأجرة وكل عوض ملتزم في الذمة؛ لأن كل ما يقبل التأجيل كالمسلم فيه.
فرع آخر لو قال: سلمه إلي في أي وقت شئت في بلد كذا, فإن كان البلد واسعًا كالبصرة واقل لا يجوز, وإن [كان] صغيرًا كجدة وفي ناحيتنا مثله يجوز لقرب أماكنه.
فرع آخر لو قال: تسلمه بالبصرة أو ببغداد لا يجوز للشك في شرطه.
ولو قال: على أن تسلمه إلى بالبصرة وببغداد فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز للجهل.
والثاني: [ق 114 أ] يجوز وعليه تسليم نصفه بالبصرة ونصفه ببغداد؛ لأن الواو

الجزء: 5 - الصفحة: 127

توجب التسوية والاشتراك.
فرع آخر يجوز ...... في الأثمان إلا أن يسلم فيها من غير جنس الأثمان, مثل أن يسلم ثوابًا في الدراهم والدنانير, وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز السلم فيها لأنها لا تثبت في الذمة إلا ثمنًا, فلا يجوز أن يكون بثمنه.
وهذا غلط, لأن ما جاز أن يكون ثمنًا في الذمة جاز مثمنًا في السلم.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: في المسألة وجهان.
وهذا غير مشهور, وأما إسلام الذهب في الذهب, أو الفضة لا يجوز, وكذلك إسلام الحنطة في الحنطة أو الشعير.
فرع آخر إذا اسلم ذهبًا في الذهب حالاً.
قال القاضي الطبري: قال أصحابنا: لا يجوز أصلاً, لأن لفظ السلم يقتضي تقديم أحد العوضين واستحقاق قبضة دون الآخر, والصرف يقتضي تسليم العوضين جميعًا فلم ينعقد الصرف بلفظ السلم.
مسألة: قَالَ: ((وَإِن كَانَ تَمرًا قَالَ صَيحَانِي أَو بَرَدِي)).
وهذا كما قال: الكلام الآن في الأوصاف التي يضبط السلم بها ولا تفتقر إلى ذكر جميع الأوصاف, فإنه يشق وينعذر, بل يكفي ذكر الأوصاف المقصودة التي يختلف الثمن باختلافها, فإن اشترط صفة لا يختلف الثمن باختلافها نظر, [ق 114 ب] فإن كان لا يقدح في الشرائط جاز ويجعل كأنه لم يذكرها, وإن كان يقدح فلا يجوز.
وبدأ الشافعي رحمة الله عليه بالتمر ولابد فيه من ذكر ستة أوصاف غير الجنس والقدر فإنهما ليسا بوصفٍ, وإنما بالجنس المعقود عليه, وبالقدر يعرف مقدار المسلم فيه: الأول: النوع, وهذا كما لو قال: هو معقلي أو طبرزدي, أو بردي, لأن الثمن يختلف باختلاف ذلك.
والثاني: البلد, فيقول: برني بغداد, وبرني البصرة إبقاء لملوحة مائها.
والثالث: اللون أسود أو أحمر أو أصفر.
والرابع: الصغر أو الكبر؛ لأن الكبار أكثر ثمنًا والصغير اللطيف أقوى من كباره وأشد.
والخامس: يذكر: جيدًا أو رديًا.

الجزء: 5 - الصفحة: 128

والسادس: يذكر حديثًا أو عتيقًا, فإن ذكر عتيق عام كذا كان أولى, وإن لم يذكر أجزاءه وأعطاه أقل ما يقع عليه الاسم.
وقال جماعة من أصحابنا بالبصرة: لا يصح حتى يذكر عتيق عام أو عتيق عامين؛ لأنه يختلف التمر به اختلافًا متباينًا.
وما قال الشافعي محمول على تمر الحجاز الذي يتقارب جميع عتيقه في الرداءة, ولا يختلف.
وقال الشافعي: يقول: حادرًا أو عبلاً, يعني أجدار السمين مع الاستواء والجبل الممتلئ الضخم.
قال في ((الحاوي)): ويذكر ما جفف على نخله أو جفف بعد جذاذه, فأما ما جفف على نخله [ق 115 أ] يكون أبقى, وما جفف بعد جذاذه أصفي, وهذا صحيح عندي, إلا أن تكون العادة مستقرة على أنها لا تجفف على النخلة فلا يحتاج إلى ذكره.
وقال أيضًا: إذا أسلم في تمر البصرة لابد أن يذكر من تمر أعاليها أو أسافلها, فإن تمر الأعالي أحلى وتمر الأسافل أبقى, ويقول: من تمر فراتها أو بهرجها, فإن تمر الفرات أصفي وتمر البهرج أقل صفاء.
وإن أسلم في الرطب يحتاج أن يذكر الأوصاف التي ذكرناها إلا الحديث والعتيق فإنه لا يقول ذلك؛ لأن الرطب لا يكون إلا حديثًا, ولا يذكر وقت الجذاذ لأن الرطب يجد أقساطًا.
فرع آخر قال في ((الأم)): ((إذا أسلم في تمرٍ لم يكن عليه أن يأخذه إلا جارفًا؛ لأنه لا يكون تمرًا حتى يجف, وليس له أن يأخذه معيبًا, وعلامة ذلك أن يقول أهل البصر به إنه عيب, وليس عليه أن يأخذ فيه حشفة واحدة, ولا ما عطش فأضر به العطش)).
فرع آخر قال: ولو أسلم فر رطب لم يكن عليه مذنبًا ولا بسرًا, ولا يأخذ مشدخًا- وهو ما لم يترطب- فيشدخ, ولا ناشفًا- وهو ما قارب أن يتمر- لأنه خرج من أن يكون رطبًا.
فرع آخر هل يجوز في الطلع؟ وجهان, والأصح جوازه.

الجزء: 5 - الصفحة: 129

مسألة: قَالَ: ((وَإِن كَانَ حِنطَةً قَالَ شَامِيةٌ أَو (ق 115 ب) مَيسَانِيةٌ)).
الفصل: وهذا كما قال: إذا سلم في الحنطة يحتاج أن يصفها بستة أوصاف أيضًا النوع والبلد فيقول: شامية أو بغدادية, فأرداها البغدادي, وبعدها الشامي, والواسطي أجودها, فإذا ذكر الشامية فلابد أن يقول: مجهولة أو مولدة.
وقيل: مجلوب أو مولد, فالمجلوب: الذي زرع بالشام وحمل منه أو جلب منه.
والمولد: الذي حمل بذره من الشام وزرع في غيره.
وقيل: لا يحتاج فيها إلى ذكر النوع, فإن ذكر البلد يغني عنه, فيكفي خمسة أوصاف بخلاف التمر, وهذا غير صحيح عندي؛ لأن الشامية أنواع وكذلك البغدادية.
ويذكر اللون: سمراء أو حمراء أو بيضاء, ويذكر الجدارة والدقة.
قال الأزهري رحمه الله: جدارها امتلاء حبها وسمنها, يقال: غلام جداري إذا سمن وامتلأ, وهذا لأن الرقيق يختلف بذلك, ورقيق الحادي: أكثر.
والرقة: أن تكون هزيلة ضامرة الجنس, وفي بعض النسخ: الرقة وهما في المعنى سواء, ويذكر عتيقًا أو حديثًا, والاستحباب أن يذكر عتيق عام كذا, أو حصاد عام كذا, وربما يمتاز حصاد عام بالاكتناز وإن لم يذكر هذا جاز.
وإذا شرط هذا يشترط أن يكون أهل البصر يميزون بين حصاد ذلك العام وعام آخر.
فإن لم يوجد في كل وقتٍ من تميز ذلك [ق 116 أ] لم يجز, ويذكر جيدًا أو رديًا هذه الوصاف المذكورة توجد في الحنطة ولا تكون جيدة.
ومن أصحابنا من حمله على التأكيد؛ لأنه لا يلزمه قبول الردي, وهذا غريب ولا يصح؛ لأن الجودة من أظهر الأوصاف, ولو لم يذكر الجودة, ولكن ذكر أوصاف الجيد استغنى بها عن لفظ الجودة.
قال: ((وَيَذكُرُ أَجَلاً مَعلُومًا أَو قَالَ حَالاً)).
وقد ذكرنا ما قيل فيه.
وقيل: مراد الشافعي رحمه الله تعالى: بهذا أن العقد إن كان مؤجلاً فلابد من تعميمه الأجل المعلوم, وإن كان حالاً فالمستحب لهما يفسده بذكر الحلول ليخرج عن العادات الغالبة فيما بين الناس, وهو أن السلم يعقد مؤجلاً في أغلب عاداتهم؛ لأنه جعل ذلك شرطًا.
قال: ((ويكون الموضع معروفًا)) , وأراد موضع التسليم, وقد ذكرنا ما قيل فيه.
وقيل: أراد به ههنا موضع الحنطة وبلدتها التي تنبت فيها, فإن البلد تختلف في ذلك وتختلف باختلافات المنابت, فلابد من ذكر منبته إذا سمى موضعًا كبيرًا يختلف ريعه غالبًا.
والمعنى الأول أولى؛ لأن الشافعي ذكر قبل هذا الشامية والميسانية.
وهو ذكر المكان, ويحتمل أن يقول: قوله: فإنه ذكر النسبة لا ذكر المنبت فيقوى المعنيان جميعًا بهذه اللفظة.

الجزء: 5 - الصفحة: 130

فرع قال في ((الأم)): والعلس [ق 116 ب] جنس من الحنطة يكون فيه حبتان في كمام فيترك كذلك لأنه أبقى له حتى يرادا استعماله ليؤكل.
والقول فيه كالقول في الحنطة في أكمامها لا يجوز السلف فيه إلا أن يلقى عنه كمامه بخصلتين؛ اختلاف الكمام وتغيب الحب فلا يعرف.
قال: وكذلك القول في القطنية كلها.
فرع آخر قال: وكذا كل صنف من الحبوب أرز أو دخن ينقلب بوصف كما توصف الحنطة يطرح كمامه دون قشره, لأنه لا يجوز أن يباع بكمامه, وهذا نص صريح على أنه لا يجوز بيع الأرز في كمامه وهو قشرة الفوقاني.
وذكره القاضي الطبري, وهكذا ذكره في ((الحاوي)).
ورأيت جميع مشايخ طبرستان يفتون بجواز السلم في الأرز, وهو القياس عندي والله أعلم.
فرع آخر قال في ((الأم)): ويجوز السلم في الدقيق لأنه يضبط بالصفة, وإن سلف في طعام على أنه يطحنه لم يجز, لأنه لا يعرف مكيل الحنطة في الدقيق ويحتاج أن يقبل البائع فيه ولأنه شرط فيه الإجارة والأجرة مجهولة.
وقيل: لفظة في ((الأم)): ((كل حب أجزت السلم فيه أجزته من دقيقه)).
وكان الداركي- رحمه الله- يقول: لا يجوز السلم في الدقيق وهو غلط.
فرع آخر إذا اسلم في الدقيق يذكر أنه من طحن رحا الماء أو الدواب فإنه يختلف به, ويذكر قرب زمان الطحن وبعده فإنه يتغير ببعد الزمان [ق 117 أ].
فرع آخر السلم في السويق والنشا, هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: يجوز كالدقيق وهو المذهب ويذكر أوصاف الدقيق إلا أنه لا يطحن إلا في أرجاء الدواب.
والثاني: لا يجوز لدخول النار فيه واختلافهما به.

الجزء: 5 - الصفحة: 131

مسألة: قَالَ: ((وَلَا يُستَغنَى فِي العَسَلِ أَن يَصِفَهُ بِبَيَاضٍ أَو صُفرَةٍ)).
وهذا كما قال: يصف العسل بخمسة أوصاف فيذكر المكان, فيقول: جبلي أو سهلي؛ لأن الثمن يختلف به.
والجبلي دواء لأن النحل يرعى الحشائش الطيبة, وإذا قال: سهلي يذكر أنه من عسل البلد أو من عسل الصحراء؛ لن عسل الصحراء أصح مرعًى وأجود غذاءً.
وقال في الم: لابد من ذكر المرعى لأن في موضع السعير يكون العسل دواء في موضع الأنوار من الثمار لا يكون هذا المعنى وهذا داخل فيما ذكرنا من الجبلي والسهلي ويذكر الزمان خريفي أو ربيعي أو صيفي أو شتوي, ويذكر اللون أبيض أو أحمر أو أسود ويذكر جيدًا أو رديئًا أو عتيقًا, لأنه يختلف به اختلافًا متباينًا نص عليه.
وقال أبو حامد- رحمه الله-: لا يحتاج إلى هذا لأن عتيق العسل وحديثه سواء لا يختلفان والشافعي- رحمه الله ذكره تأكيدًا.
فرع قال في ((الأم)) ويذكر بصفاه من الشمع, ثم إن كان قد صفاه بالشمس أجبر على قبوله [ق 117 ب] وكذلك إن صفاه بنار لينة لا يعقد الأجل, وإن صفاه بنار قوية بعقد الجزاء لا يجبر على قبوله لأن بمثل هذه النار يذوب الشمع أيضًا ويختلط به.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: ويذكر قوته ورقته, وهذا عندي تأكيد أيضًا لأن الشافعي- رحمه الله عليه- قال في ((الأم)): وإن أعطاه رقيقًا, فإن كانت رقته لحمى الزمان وشدة الحر أجبر على قبوله, وإن قالوا رقته لعيب فيه لم يجبر على قبوله.
فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: يجوز المسلم في الشهد لأنه مقصود على تلك الحالة بخلاف المعجون الذي لا يمكن تعرف ما اختلاطه, ولأن الشهد على أصل الخلقة, وكلام جميع أصحابنا بالعراق وظهر النص بخلافه.
فرع آخر دبس التمر والرطب الذي دخلته النار دون الماء هل يجوز السلم فيه وجهان؛ لأن دخول النار فيه لانعقاد أجزائه بها فهو كالسكر والفانيد والخبز.
على هذين الوجهين,

الجزء: 5 - الصفحة: 132

وظاهر المذهب انه لا يجوز في شيء منها عند أهل العراق, واختيار جميع المشايخ من خراسان أنه يجوز, وقال مالك: يجوز السلم في الخبز, وهذا غلط لأنه لا يجوز في العجين وهو أقل جهالة من الخبز.
فرع آخر هل يحوز السلم في الطبرزد؟ والصحيح أنه إن ضبط جاز.
فرع آخر لا يجوز السلم [ق 118 أ] في الكعك الملتوت.
فرع آخر يجوز السلم في الحلي حوفًا أو سمحًا ما لم يحشو بالرمل ويكون رأس المال ناضًا.
مسألة: قَالَ {1): ((وَلَو اشتَرَطَا أَجوَدَ الطَعَامِ أَو أَردَأَهُ لَم يَجُز)).
وهذا كما قال.
هكذا ذكره الشافعي- رحمه الله عليه- ههنا, وقال في موضع آخر: ((لا خير في شيء من الأشياء أن يقول أسلم إليك في أجود ما يكون لأنه لا يتوقف على حد أجود ما يكون أبدًا, فأما أردأ ما يكون فأكرهه ولا يفسد به فيحصل في الأردأ قولان منصوصان والصحيح ما نص عليه الشافعي- رحمه الله عليه- ههنا أنه لا يجوز في الأردأ كما يجوز في الأجود؛ لأنها لفظة موضوعة للمبالغة والأجود يتقدم ذلك, والقول الثاني: يجوز لأن الخصومة في الأردأ مأمونة إذا سلم إلى المشتري حنطة رديئة ليس له أن يقول: أطلب أردئ من هذا كما يطلب الأجود, وإذا أتى بالرديء فقد وفاه حقه, وهذا غلط؛ لأن الجهل بالعقود عليه حاصل منهما لأن الأردإ غير مضبوط, وإذا انعقد على مجهول لا ينفع مع الجهالة تبرع البائع بتسليم أجود من حبات الرديء, ولهذا علل الشافعي- رحمة الله عليه- بعلة جامعة للمسلمين فقال: ولو أشرط أجود الطعام أو أردأه لم يجز لأنه [ق 118 ب] لا يوقف عليه, وقيل: من الأجود قولان وهو غريب.
فرع آخر لو اشترط رديئًا قال صاحب ((الإفصاح)): إن أراد رداءة الجنس جاز, وإن أراد رداءة العيب لم يجز.
وقال ابن أبي أحمد: إذا قال: رديئًا بطل السلم؛ لأن الرداءة غير مضبوطة.

الجزء: 5 - الصفحة: 133

قال الشافعي- رحمة الله عليه-: إذا أسلم من لبن حامض لم يجز)) لأن الحموضة غير مضبوطة.
والزيادة في الحموضة نقص, وقال في الأعجف لا يجوز.
فمن أصحابنا من قال: فيه قولان أيضًا وهو خلاف نص الشافعي, لأنه قال في ((الأم)): وإذا اختلف وكان شرط المشتري طعامًا جيدًا وعلى أهل العلم به, فإن قالوا جديد قيل لهم ويقع عليه اسم الجودة.
فإن قالوا: نعم لزم السلم أقل ما يقع عليه اسم الصفة من الجودة.
وهكذا إذا شرط رديئًا.
فالرديء يلزم, وقال من قال: نعم لزم السلم في العسل أن يقول عسل صافٍ ابيض من عسل بلد كذا جيد ورديء, وقال في باب السلف في الثياب: ((ويقال في كل ما يسلم فيه جيدًا أو رديئًا)) وهذا نص بخلاف ما قاله ابن أبي أحمد, والصحيح ما ذكره صاحب الإفصاح.
مسألة: قَالَ: ((وَلَو كَانَ مَا سَلَفَ فِيهِ رَقيقًا قَالَ: عَبدًا نُوبِيا)).
الفصل: وهذا كما قال: إذا أسلم في الرقيق يحتاج على ستة أوصاف: النوع, واللون [ق 119 أ] والسن, والقدر, والذكورة والأنوثة, والجودة والرداءة.
فالنوع: أن يقول: ((زنجي تركي سندي رومي)).
واللون: اسود أبيض أسجم أصفر, إلا أن يكون من نوع لا يختلف لونه كالزنجي, فإنه لو ترك ذكر اللون فيه جاز, والسن: أن يقول: كذا كذا سنة بالغًا أو غير بالغ, ثم ينظر فإن كان بالغًا فالرجوع في سنه إليه, وإن قال الست ببالغ لا يقبل منه؛ لأنه لا حكم لقوله, فغن كان سيده عالما به رجعنا إليه, وإن كان حاسًا لا يعرف سيده سنه بالرجوع في سنه إلى أهل الخبرة يحبرون به على المقاربة, ولا يقبل قول المشتري فيه, وقد قال الشافعي {3) - رحمة الله عليه- ههنا: أو يقول أو محتلمًا وفيه نوع من الإشكال؛ لأن الغلام ربما يحتلم وهو ابن عشر سنين فيولد له ويحكم بلحوق النسب, وربما لا يحتلم حتى يراهق الخامسة عشر سنة فصاعدًا, وإذا اقتصر من ذكر السن على الاحتلام صارت السنون غير معلومة, وأيضًا الاحتلام وصف يتعذر الاطلاع عليه ولا يعرف إلا من جهة المملوك.
ويستحيل قبول قوله في حق البائع والمشتري فيقول: يحتمل أنه أراد الاحتلام استكمال خمس عشر سنة, ويعبر الاحتلام عن عدد السنين إذا كان الغالب وجوده في هذا الوقت [ق 119 ب].
وأما القدر: وهو القامة يقول: رباعي خماسي سداسي.
فالرباعي الذي طوله أربعة أشبار, والخماسي خمسة أشبار وهو مربوع القامة لا طويل ولا قصير, والسداسي: ستة

الجزء: 5 - الصفحة: 134

أشبار وهو إلى الطول أقرب ويقول: طويل القامة تامة, وهذا لأن قامة الرجل سبعة أشبار فإن كان رجلاً لا يحتاج أن يذكر الطول بالأشبار.
وقيل: الخماسي الربع والسداسي الطويل, وقيل: معناه بالسن ابن خمس سنين أو ست سنين, فإن قيل: السن ذكر الشافعي الخماسي والسداسي ينطوي على ذكر السن فما بال تكرير الشافعي ذلك بقوله ووصف سنة؟ قلنا: يحتمل أنه أراد وصف السن أن يصفا خلقه أسنانه متربضة أو مسربلة بفلج أراد رد براك الإشكال على هذا, وإن حملناه على لفظة على العوام فإزالة الإشكال حينئذٍ بأن يحمل قوله خماسيًا أو سداسيًا على الأشبار, فلا يبقى الإشكال إلا في قوله: أو محتلمًا, فإن قيل: السؤال باقٍ لأنه إذا قال محتلمًا استغنى عن ذكر السن, وإذا ذكر السن استغنى عن ذكر الاحتلام على أنه أراد به خمس عشرة سنة, قلنا: إذا ذكر عدد السن وضم على ذلك ذكر الاحتلام لم يصر جمعها؛ لأن هاتين الصفتين منبهتان على معنى الكبر والصغر والقامة [ق 120 أ] والقد في غالب العادات, وإذا اقتصر على مجرد الاحتلام, فابن العشر يحتلم وهو صغير وهو ابن أربع عشرة يحتلم وهو كثير احتمل أن لا يصح العقد كما يصح إذا جمع بينهما في التسمية, فكذلك قال: ((أو محتلمًا)) ووصف سنة, وكذلك لم يدخل الألف في قوله: ((محتلمًا)) وبين وصف السن كما أدخل اللف بين الخماسي والسداسي, والمحتلم, فإن قيل: إذا جمع بينهما يذكر الاحتلام وعدد الأعوام بقي الإشكال الموقوف على وجود الاحتلام, قلنا: إذا ضم إليه ذكر الأعوام التي لا تخلو في الغالب عن الاحتلام استغنينا بظاهر الحال عن الاستقصاء في الوقت على الاحتلام.
وأما الذكورة والأنوثة فلابد من ذكرها؛ لأن القيمة تختلف بذلك كثيرًا وكذلك الجودة والرداءة لابد من ذكرها من لهذا المعنى.
فرع إذا أسلم في جارية فإن ذكر البكارة والثيابة كان أولى, وإن لم يذكرها لا نص فيه, وقال أصحابنا: يجوز لأن الثمن لا يختلف به اختلافًا متباينًا, فإن كان يختلف به اختلافًا متباينًا لابد من ذكره, ومن أصحابنا من أطلق, وقال: لابد من ذكرها والمشهور ما ذكرنا.
فرع آخر قال في ((الأم)): ((وأحب أن يحليه فيقول: أكحل العينين أزج الحاجبين أقنى الأنف, حسن الثغر, أسود الشعر, فإن لم يذكر جاز [ق 120 ب] ويعطيه على الصفة التي لا ينسب فيها إلى العيب.

الجزء: 5 - الصفحة: 135

فرع آخر قال: ويذكر انه رضي بماء الخدين- يعني حسن الوجه, فإن ذكر جاز ويلزمه ذلك, إن لم يذكر جاز ويعطيه ما ليس بحسن.
فرع آخر قال في ((الأم)): ويحليهم بالجعودة والسبوطة, فإن لم يفعل فلا بأس؛ لأن الثمن يختلف باختلاف الشعر اختلافا متباينا فهي كصفة حسن الوجه والملاحة.
فرع آخر لو قال: في عبد أسمر مشروب بالحمرة أو صفرة فيه وجهان.
فرع آخر لو قال في غلام خفيف الروح أو ثقيلها أو عذب الكلام أو حسن الخلق لا يجوز لأنه مجهول.
فرع آخر لو اسلم في عبد تركي ولم يذكر النوع من الجنس من الحرري والحالي لا يجوز, ومن أصحابنا من قال: فيه قول مخرج يجوز, لأن الشافعي- رحمه الله-.
قال في الإبل: وإذا أسلم في الإبل قال: من نعم بين فلان أنواعًا مختلفة مثل المهرية والأرجية لا يحتاج أن يذكر النوع ويكون السلم الخيار فيعطيه من أي نوع شاء.
قال أصحابنا: وفي النعم قول آخر إذا اختلف نعم بني فلان, هكذا لابد من أن يذكر النوع فيكون كلتا المسألتين على قول, ومن أصحابنا من قال: المسألتان على النصين والتخرج لا يصح في الرقيق لا يصح في الرقيق, وإن صح في النعم لأنه تختلف الكمية بأنواع الترك اختلافًا ظاهرًا [ق 121 أ] متباينًا بخلاف النعم.
فرع آخر لا يجوز أن يسلم في جارية معها ولدها على ما ذكرنا ولأنه إسلام في ولد جارية من غير موصوفة, فكان ذلك تعيينًا للمسلم فيه, ولا فرق بين أن يعين المسلم فيه بالوصف وبين أن يعين بالإشارة.
وقال أبو إسحاق, فإن كان أسلم في بلد يكثر فيه الجواري ولا يتعذر وجود ذلك يجوز السلم, وهذا لا يصح؛ لأن الوجود وإن يتعذر ففيه المهني الذي ذكرناه من التعيين.
فرع آخر لو أسلم في جاريتين أختين لا يجوز كما قلنا في الأم وولدها.

الجزء: 5 - الصفحة: 136

فرع آخر لو أسلم في الحبلى لا يصح السلم نص عليه في الأم, فسواء قلنا للحمل حكم أو لا حكم له؛ لأنه إذا لم يجز أن يشترط ولدها المنفصل منها فلان لا يجوز أن يشترط حملاً معينًا ثمنًا أولى, ومن أصحابنا من قال: إن قلنا للحمل حكم اشتراطه, وإن قلنا: لا حكم له لا يصح اشتراطه, وبه قال القاضي أبو حامد: ويفارق الولد لأنه لا يحتاج أن يصف الحمل, بل يكون تابعًا للأم وإذا كان منفصلاً يحتاج أن يصفه ويتعذر وجوده موافقًا لصفة ولا يصح, وهذا غلط؛ لأن الحمل لا يدخل في السلم إلا مشروطًا, وكذلك لا يدخل إلا موصوفًا, ووصفه يتعذر.
وقال القاضي أبو حامد: لو كان لا يجوز إلا موصوفًا لم يجز أن يشتري شاة على أنها كامل [ق 121 ب] لأنه مجهول ولا يصح هذا؛ لأن الشاة إذا كانت معيبة لا يحتاج الولد إلى الشرط ويدخل في البيع من غير شرط, فلهذا جاز إلا أن يكون موصوفًا.
فرع آخر لو أسلم في شاة على أنها لبون نص في ((الأم)) على قولين: أحدهما: لا يجوز لأن اتفاق الأوصاف مع أنها لبون ليس بالغالب فلا يجوز؛ لأن شرط اللبن إتباع له, ولا يجوز كما لو أسلم في ناقة معها لبن غير مكيل ولا موصوف.
والثاني: يجوز لكونها ذات لبن أحد أوصافها الموجود في الغالب وهو يعتبر نوع, فجاز كما جاز أن يسلم في عبد جاز, وليس كذلك الولد فإنه ينفرد بأوصاف تخصه فيتعذر الجمع في الوجود بين المشروط من أوصافه وأوصاف أمه فلا يجوز, ولو أسلم في شاة لبون على معنى أنها تدر لبنًا يجوز, والقولان إذا كان على معنى لبنًا لأن اللبن يكون مجهولاً.
فرع آخر لو شرط في الجارية أنها ماشطة نص في ((الأم)) أنه يجوز ويعطيه ما يقع عليه اسم ماشطة, وكذلك يجوز على أنها طباخة, أو خبازة وفي العبد على أنه كاتب أو حاسب أو صانع أو نجار, وله اقل ما يقع عليه الاسم المطلق.
فرع آخر لو قال في عبد شاعر لا يجوز؛ لأن الشعر لا يمكن تكلفه ولا تعلمه, بل هو طبع فيبعد أن يكون [ق 122 أ] العبد بالأوصاف المذكورة مطبوعًا على قول الشعر.
فرع آخر لو قال في جارية مغنية فإن كان غناء مباحًا كالقول المطلق من غير ملاهي تنضاف إليه جاز السلم, وإن كان الغناء محظورًا بالملاهي المحرمة كالعود والطنبور والطبل

الجزء: 5 - الصفحة: 137

والمزمار فيه وجهان: أحدهما: يجوز لأنها صنعة.
والثاني: لا يجوز لأنها معصية فلم يصح ثبوتها في الذمة, ولأن في ذلك نصًا على تعليم المعاصي.
وقد روى أبو أمامة- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يحل ثمن المغنية ولا بيعها ولا شرائها ولا الاستماع إليها)).
فرع آخر يجوز أن يشترط أنها نصرانية, ثم إذا شرطه لا يلزمه قبول اليهودية والمسلمة.
فرع آخر لو أسلم في برصاء لا يجوز؛ لأنه لا يضبط, فإن ذكر عيبًا مضبوطًا كالعورة من اليمين أو اليسار أو قطع خنصر يجوز ولا يجوز في عبد قبيح أو به ضربات ونحو ذلك.
فرع آخر المسلم من أمة زانية أو عبد سارق أو قاذف هل يجوز؟ وجهان.
ذكره في ((الحاوي)) والأصح جوازه كما لو شرط العور.
فرع آخر لو اسلم اليهودي في عبد مسلم قال في ((الحاوي)) الأصح أنه يجوز قولاً واحدًا.
وقيل: قولان كما في البيع وهذا باطل لاستقرار يده على المسلم وليس كذلك في السلم [ق 122 ب] لأنه صفة في الذمة.
فرع آخر إذا جوزنا وجهان: أحدهما: لا اعتراض عليه حتى يقبضه.
والثاني: يمنع من استدامة العقد وتوجه بفسخه, لأنه موصوف يملكه مسلمًا.
فرع آخر إذا سلم مسلم إلى كافر في عبد مسلم قال والدي- رحمه الله- يحتمل أن لا يجوز لأنه يندر وجوده في اصح قولي الشافعي- رحمه الله عليه- لأنه لا يملكه إلا بالإرث, أو إذا اسلم في يده وذلك نادر, ويحتمل أن يجوز لأنه يجوز أن يأمر الكافر مسلمًا بقضاء دينه بعبده المسلم ويبذل له قيمته ولا يتعذر التسليم في الغالب.
وهذا كما لو لزمه إعتاق

الجزء: 5 - الصفحة: 138

رقبة مؤمنة في الكفارة يقول للمسلم: أعتق عبدك المسلم عني على كذا, فيجوز لأن ملك الكافر يثبت عليه ضمنًا تبعًا لا قصدًا, ومن قال بالأول يقول: لا يجوز هذا, والفرق بينه وبين العتق أن العتق مزية في الأصول وثبوت الملك ههنا للكافر يؤدي إلى المزية ويرفع ذل الرق بخلاف هذا.
فرع آخر لو قال: في عبد كبير أو شيخ هرم لم يجز, ولو قال: في عبد شيخ أو كهل جاز, وله أقل ما يقع عليه الاسم, ولو قال: في عبد موصوف فجاء المسلم غليه بعبد على تلك الصفة فكان أب المسلم أو جده لم يلزم قبوله لأنه لا يستقر عليه ملكه.
فرع آخر لو قبضه ثم علق [ق 123 أ] قال بعض أصحابنا: وقع القبض فاسدًا ولا يعتق عليه وله رده لأنه لا يوجب عقد السلم إقباضه بخلاف ما لو اشترك ولم يعلم, ومن أصحابنا من قال: القبض صحيح ويعتق ولا رد لنفوذ عتقه ولا أرش, لأن كونه أبًا ليس بعيب في السواق يوجب نقص الثمن, ولو جاز ما قاله القائل الأول لوجب إذا علم فرضي بقبوله أنه لا يجوز قبضه؛ لأن عقد السلم لم يوجبه.
فرع آخر لو كان العبد خاله أو عمًا جاز أن يقبل, وهل له الامتناع من قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: ليس له لأنه يقدر على بيعه.
والثاني: له ذلك لأن من الحكام من يمنعه من بيعه ويحكم بعتقه.
فرع آخر لو أسلم في أمةٍ موصوفة فجاء بأمة هي زوجته لم يلزمه قبولها, لأنه يبطل نكاحها فيدخل عليه نقص, وكذلك المرأة إذا أسلمت في عبدٍ فدفع إليها عبدًا هو زوجها لم يلزمها قبوله.
فرع آخر لو كان العبد أخًا من الرضاعة ليس له أن يمتنع من قبوله لأنه لا يعتق في قول احد.
مسألة: قَالَ: ((وَإِن كَانَ فِي بَعِيرٍ قَالَ: مِن نَعَمِ بَنِي فُلاَنٍ)).

الجزء: 5 - الصفحة: 139

وهذا كما قال إذا اسلم في الإبل يحتاج على ذكر خمسة أوصاف: النوع, واللون, والسن, والذكورة والأنوثة, والجودة والرداءة؛ لأن الثمن [ق 123 ب] يختلف باختلافها, ولا يحتاج على ذكر القد لأن الثمن لا يتفاوت به, فإن جاء به قصيرًا بخلاف العادة يكون عيبًا لا يلزمه قبوله, فالنوع نتاج بني فلان بختي أو تركي أو عربي, فإن كان نتاج بني فلان أنوعًا هل يلزمه تعيين النوع؟ قد ذكرنا فيه قولين, والأصح أنه يلزم ذلك؛ لأن الأنواع مقصودة فيلزمه ذكرها.
والسن: رباع أو بازل أو جدع أو ابنة مخاض أو ابنة لبون, واللون احمر, أو أبيض, أو ورق, أو أسود, أو أغبش, وهو الأبيض.
وقيل: سمى ........ والأورق ما بين البياض والسواد.
وقيل إنه أطيب الإبل لحمًا, وقال في ((الحاوي)): ويذكر القد أيضًا أنه مربوع أو مشرف؛ لأن الثمن يختلف به, وقال الشافعي- رحمه الله عليه- ويقول شيء غير مؤذن والشيء الذي استكمل خمس سنين وطعن في السادسة, والمؤذن النافض الخلق السيئ العداه, إنه قصير العنق واليدين ضيق المنكبين.
وقيل: إنه المهزول.
وقيل: إنه المعيب ويقول: نفي من العيوب بسط الخلق, أي مديد القامة وافر الأعضاء كامل الخلقة.
وقيل: إنه واسع الصدر.
وقوله: محفز الجنبين: هو الذي انتفخت خواصره واتسعت وعظم الجوف في الإبل من المناقب المساعدة فيها, وانضمام البطن عيب فيها, وهذا [ق 124 أ] كله تأكيد ليس بشرط وهو مستحب؛ لأنها عيوب لا يلزمه قبولها معًا عند الإطلاق وقيل: محتفر الجنبين- أي عريض الهامة وقيل: واسع الجبين ممتلئ.
فرع إذا قال: بازل يحمل على السنة الأولى التي يسمى فيها بازلاً فرع آخر لا بأس أن يشترط فيها عوامل أو تدور في الطحن, ولكن من طحن الدقيق أو غيره منها ما يحتاج يدور على يمينه ومنها ما يدور على يساره, وإذا ألف جهة صعب نقله إلى غيرها.
مسألة: قَالَ: ((وَكَذَلِكَ الَدوَابُ يَصِفُ نِتَاجَهَا وَجِنسَهَا)).
الفصل: وهذا كما قال: ((إذا أسلم في الخيل لابد من ذكر الأوصاف كما ذكرنا في الإبل, وإن كان النوع لا يختلف يجوز الإطلاق, وإن كان يختلف قولان على ما ذكرنا.
ويقول:

الجزء: 5 - الصفحة: 140

من نتاج بني فلان خراساني أو عربي، واللون كميت أو أشقر، أو أدهم، أو أشهب، قال: فإن كان في الفرس أحب أن يصف شبيه مع لونه، فإن لم يفعله فله اللون بهيمًا، يعني لونًا واحدًا، فإن كان له شبه فهو بالخيار في أخذه وتركه والبائع بالخيار في تسليمه وإعطائه اللون بهيمًا، والشبه أن يقول أغر محجل، والأغر الذي في جبينه بياض، والمحجل: الذي يكون في بدنه أو في قوائمه بياض، وكل هذا يدل على أنه لم يجعل [ق 124 ب] الأغر والمحجل خيرًا من البهيم، لأنه قال: لا يجبر على قبوله.
ولا يحتاج أن يذكر القامة ولو ذكر المحجل أو الأدهم فأتى بأغر لم يلزمه قبوله، ولا بد أن يذكر أصنافها بألعاب معلومة فيقول: قارح أو ضارع.
وقال في ((الحاوي)): ذكر القد لا وجه للإحلال به فيقول: مشرف عافي أو مربوع، أي لأن الثمن يختلف به أكثر ما يختلف بجدادة الحنطة ودقتها وهو على ما قال.
فرع آخر لو أسلم في فرس أبلق.
قال بعض أصحابنا: يجوز وقال في ((لحاوي)): لا يجوز لأن البلق مختلف لا يضبط.
فرع آخر لو ذكر حال المشي كان أولى ولو أغفله لا يضر.
فرع آخر يجوز السلم في البغال والحمير ويحتاج إلى ذكر أوصافها ولكن لا نتاج لها يضاف إليه ولكن يعرف أنواعها ببلدها كالبغال الرومية والطبرية والحمر المصرية فيذكر النوع بالبلد ويذكر السن والذكوره والأنوثة والجودة والرداءة فيكفي أربعة أصناف.
فرع آخر لو أسلم في بغل على أن يطحن جاز.
فرع آخر السلم في الأغنام يجوز، فإن كان لها نتاج معروف فهي كالإبل، لأن لم يكن لها نتاج فهي كالبغال ويذكر فيه ضأنًا أو ماعزًا لأنه يختلف به.
فرع آخر يجوز المسلم في طيور الصيد ويصفه بالنوع، والصغر والكبر [ق 125 أ] والهزال والسمن، والجودة والرداءة، فالنوع أن يقول حمام فواخت وحبارى وكراكي ونحوها والصغير والكبير وليس لها سن يعتقها.
قال الشافعي - رحمة الله عليه- يقول: ناهض ويقول سمين وهزيل.
قال أصحابنا: وإن كان تختلف الذكورة والأنوثة اشترط ذكرها،

الجزء: 5 - الصفحة: 141

وقال في البويطي: ((لا يجوز السلم في الطيور لأنه لا سن لها ولا تضبط بدرع)) وغلظ، ذكره أصحابنا ولم يذكروا هذا القول، ورأيت صاحب المهذب ذكره ولم يذكر خلافًا.
مسأله: قال: ((وَيَصِفُ، الثِّيابَ بِالجِنْسِ من كتانٍ أَوْ قُطْنٍ)).
الفصل.
وهذا كما قال: يجوز السلم في الثياب ولا بد فيها ن ذكر ثمانية أوصاف.
الجنس: وهو أن يقول: قطني أو كتاني أو إبريسمي أو قزي ونحو ذلك.
والثاني: لبس البلد هروي أو بغدادي أو رازي أو مروي ونحو ذلك.
والثالث: يذكر الطول.
والرابع: يذكر العرض.
والخامس: يذكر الرقة أوالغلظ.
والسادس: يذكر الصفاقة او السماحة.
السابع: يذكر الجودة أو الرداءة.
والثامن: يذكر اللين أو الخشونة.
فرع قال الشافعي - رحمة الله عليه- في ((الأم)) ولا يذكر مع هذه الأوصاف الوزن وهذا لأنه يتعذر اتفاق الوزن المذكور مع هذه الأوصاف إلا نادرًا وذلك يمنع [ق 125 ب [صحة السلم، وهو اختيار أبي حامد- رحمه الله- وقال بعض أصحابنا: فإن أمكن نسجه بتلك الصفة بذلك الوزن فلا يتعذر يجوز شرطه، بل يكون أولى من الإخلال به لانتفاء الجهالة عنه.
وقال القاضي الطبري: عندي أنه لا يبطل بذكره، لأن الشافعي ذكر الوزن في الأواني، لأنه يتفق ولا يتعذر فكذلك ههنا.
فرع آخر لا بد من القطني أن يذكر جرجاني أو طبري ونحو ذلك.
وفي الكتاني لابد أن يذكر نوعه أو ذئبقي أو دمياطي ونحو ذلك.
فرع آخر لو كان السلم في ثوب مقصور زاد أنه مقصور، ولو أطلق ولم يذكر اللون ولا

الجزء: 5 - الصفحة: 142

القصارة كان له البياض الخام الذي لم يصخ ولم يقصر ولم يغسل؛ لأنه أقل ما يقع عليه الاسم، وإن أعطاه، المغول أو المقصور جاز لأن الاسم يتناوله.
فرع آخر لو أسلم في ثوب ليس مغسول لا يجوز نص عليه؛ لأن اللبس يختلف ولا يضبط.
فرع آخر لو أسلم في ثوب ملون، فإن كان ما صبغ غزله ثم نسج يجوز، وإن كان مما صبغ بعد النسج لا يجوز، والفرق أنه إذا شرط أن يصخ بعده فهو إسلام في شيئين: أحدهما: في الثوب.
والثاني: في الصمغ فمجهول لا يعرف، ولأن الصبغ بعد النسج يمنع الوقوف [126 أ] على صفاقة الثوب ورقته؛ لأنه يغير صفة الثوب ولا يمنع من ذلك صبغ الغزل، وإذا جاز لابد من أن يذكر اللون من سواد أو حمرة، أو خضرة، وقال في ((الحاوي))؛ يجوز في المصبوغ بكل حال إلا أن يسلم فيه بياضًا على أن يصبغه المسلم إليه فيبطل؛ لأنه عقد سلم مشروط يإجارة، وهذا غريب.
فرع آخر لو أسلم في غزل موصوف على أن يعمله له ثوبًا لم يجز من قبل أن صفة الغزل لا تعرف في الثوب، لأنا كان الثوب موصوفًا فأهرقت صفته.
فرع آخر لو أسلم في الثياب المنقوشة كالسقلاطون والحلل والديباج لا يجوز؛ لأن ضبط نفسها يتعذر.
فرع آخر يجوز السلم في الإبراد والعنابي؛ لأن تخطيطها مضبوط وهكذا الثوب الحيرة وعصب اليمن بعد ذكر عينه ووصف تخطيطه في صفته وسعته.
فرع آخر لو أسلم في ثوب منسوج من جنسين من الغزل تكون لحمته قطنًا وسداه إبريسمًا أو كتانا كالعنابي الذي يعمل بنيا بور لا يجوز للجهل بمقدار كل واحد منهما وكلاهما مقصود هكذا ذكره جماعة أصحابنا.

الجزء: 5 - الصفحة: 143

وقال القاضي أبو علي البندنيجي، قال في ((الأم)): لو أسلم في ثوب مختلف الغزل جاز، وقال أصحابنا: لا يجوز ما ذكرنا فهو كالغالب والمذهب ما ذكره الشافعي [ق 126 ب]؛ لأنه نص على جواز السلم في الخز وهما غزلان قز وخز، ويفارق الغالية لأن كل خط منها مقصود ولا يتميز بعضها من بعض، فلا يمكن ضبطها بالصفة، وههنا يتميز بعضها عن بعض ولا يمكن ضبطها هكذا، ذكره الشيخ أبو الحسن المحاملي فحصل قولان مخرجان، وهذا أصح عندي، وقال في ((الحاوي)): أبطل بعض أصحابنا السلم في الخز للجهل بأصل الخز، وأنه لا يدري من أي شيء يوجد، وقال الجمهور: لأن أصله عند أهله معروف وعلى هذا إنما يجوز إذا كان الثوب كله سدان وحد ولهذا يتعذر، ولا يجوز السلم إذا كان السدي إبريمًا من غير جنسه لاختلاطه بغيره.
فرع آخر السلم في الثوب الوشي.
قال ههنا: يقول وشي إسكندراني أو يماني، وقال في موضع آخر: إذا أسلم في وشي لم يجز حتى يكون للوشي صفة يعرفها أهل العدل من أهل العلم بها ولا خير في أن يريه، خرقة ويتراضيا بها على يدي عدل يوفيه الوشي عليها إذا لم يكن الوشي معروفًا؛ لأن الخرقة ربما تهلك فلا يعرف الوشى.
فرع آخر لو كان الثوب منقوشًا بالإبر، فإن كان يعمل عليه من جنسه مثل أن يكون الثوب إبريسمًا يعمل عليه من جنسه بالإبريسم يجوز، وإن كان يعمل عليه بغير جنسه مثل أن يكون [ق 127 أ] الثوب من قطن أو كتان ويعمل عليه بالإبرسيم لا يجوز كالقرقوني، كما لا يجوز في العالية، وعبر بعض أصحابنا عن هذه المسألة بأنه لو أسلم فيها مطرزة، وقال: فإن كان الطرز منسوجة منها جاز، وإن كانت مركبة عليها لا يجوز لامتيازها عن الثوب بخلاف الصبغ.
ومن أصحابنا من قال: يجوز كما يجوز في المصبوغ ذكره في الحاوي.
فرع آخر يجوز السلم في اللبود والأكسية إذا وصفت ولا يجوز في الزلابي المنقوشة.
فرع آخر يجوز السلم في القميص والسراويل إذا وصف جنس الثياب وقد القميص والسراويل.

الجزء: 5 - الصفحة: 144

فرع آخر لا يجوز السلم في الجباب والقلانس لما فيها من الحشو والأجناس المختلفة.
فرع آخر السلم في الكاغد هل يجوز قال ((الام)): يجوز السلم في القراطيس ولا احسبها إلا مضبوطة لأن ضبطها أصح من ضبط الثياب أو مثلها.
وقيل: إنه قال فيه: وإن كانت القراطيس تعرف بصفة كما تعرف الثياب بصفة من درع وطول وعرض ورقة وغلظ واستواء صنعة أسلف فيها على هذه الصفة.
وقال جميع أصحابنا: يجوز السلم فيها ويحتاج أن يصفها ببلده لأنها تختلف بذلك ويجوز السلم فيها دسوتا ولو شرط فيها الوزن كان أولى، ورأيت عن بعض أصحابنا [ق 127 ب] وجهًا أنه لا يجوز السلم فيها وزنًا لا غير، لأن كانت من الظهور المصروة لا يجوز السلم فيها لاختلافها فإنها لا تضبط صفتها.
مسألة: قَالَ: ((وَهَكَذَا النُّحَاسُ يَصِفُهُ أَبْيَضُ أَوْ شَبَه)).
وهذا كما قال السلم في الرصاص والنحاس والصفر جائز، ويحتاج إلى أربعة أوصاف بعد ذكر الجنس والوزن النوع واللون والجودة والرداءة والخشونة والعومة فيقول في الرصاص قلعي أو سرب يعني .... أسود أو أبيض في النحاس الصفر ..... ويجوز أيضًا في الحديد، ويذكر هذه الأوصاف ويزيد فيها ذكرًا أو أنثى فالذكر الفولاذ، والأنثى اللبن الذي يتخذ منه الأواني ونحوها، إن كان جنس الذكر يختلف ويتباين وكذلك الأنثى يلزمه تعيين ذلك، وقال بعض أصحابنا: لا يجوز السلم في الصفر لأنه أخلاط تجمع وتسبك.
وهذا لا يصح لأنه وإن كان أخلاطًا فهي مقدرة إن زيد فيها أو نقص فسدت.
قال في الحاوي: وهكذا في جوهر الزجاج وجهان لأنه أخلاط مجموعة والمذهب أنه كالنحاس يجوز السلم فيه والوجه الآخر لا يصح.
فرع الأواني المتخذة منها هل يجوز السلم فيها؟ قال في ((الأم)): لا بأس أن يسلم فيطست أو تور من نحاس أحمر أو أبيض [ق 128 أ] أو أسود أو رصاص أو حديد ويشترط سعة معروفة ويصفه بالتخانة والدقة.
قال: ولو كان يضبط في أن يكون مع شرط السنة وزنًا كان أصح، لأن لم يشترط

الجزء: 5 - الصفحة: 145

صح كما يصح أن يباع ثوب بصفة وسعة (0) قال: وكذلك كل إناء من جنس واحد ضبطت صفته فهو كالطست والقمقم ونحو ذلك.
قال: ولا بأس أن يبتاع منه صفاحًا، وقداحًا بصفة معروفة وقدر معروف من الصفر والكبر والعمق والضيق.
وفي القوارير يشترط جنس القوارير ودقتها وتخانتها، ولو ذكر الوزن في القوارير مع الصفة كان أحب إلى وأوضح ونص في البويطي والقديم على نحو ذلك.
وقال أبو حامد قال في ((الأم)): لا يجوز السلم في العمولة، وقال في غيره: يجوز فهو على ضربين منه ما يستوي طرقاه ووسطه وأعلاه وسمكه، كالأشكال الواسعة الرأس التي يمكن ضبط طولها ودورها وسمكها، فيجوز السلم فيها فأما الأباريق والطشوت والأشكال المدورة الضيقة الرأس والقماقم ونحوها لا يجوز السلم فيها، كما لا يجوز السلم في النشاب والقسي نص عليه، وهكذا لا يجوز السلم في هذه الأواني المتخذة من الخزف كالكينان والفضاير ونحو ذلك؛ لأن ذلك لا يضبط [ق 128 ب [بالصفة.
قال القاضي الطبري: هذا غلط لأنه شرح في ((لأم)) بخلافه ويمكن وصفه ولا يختلف اختلافًا متباينًا بخلاف النشاب وهذا أصح عندي.
فرع آخر قال: ((ويجوز السلم في الزاروق وأراد به الزنبق ويجوز أيضًا في الشب والكبريت، وحجارة الكحل وغيره.
مسألة: قال: ((وإن كان في لحم قال: ماعز ذكر خصي أو غير خصي)).
الفصل.
وهذا كما قال: السلم في اللحم جائز، وبه قال مالك وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا يجوز، وهذا غلط لعموم الخبر الوارد في السلم، ولأنه يمكن ذكر، بالصفة وهو معلوم عرفًا وعادة.
فإذا تقرر هذا يحتاج إلى سبعة أوصاف سوى الجنس والوزن، أربعة منها التي يشترك فيها الحيوان واللحم وهو النوع والسن والذكر والأنثى والجيد الرديء، وثلاث يختص بها اللحم الهزال والسمن والراعية والمعلوفة والوضع الذي يأخذ منه اللحم.
أما الجنس فيذكر أنه بقري أو غنمي، والنوع أنه من العراب أو الجاموس أو الأهلية أو الوحشية، وفي الغنم يذكر من الضأن أو الماعز ويذكر البن فإن لحم الصغار أرطب ولحم الخيار أخشن، وإذا ذكر الصغر قال: فطيمًا أو رضيعًا، وهذا

الجزء: 5 - الصفحة: 146

من نوع الشرط لأنه [ق 129 أ] منه ويذكر الذكورة والأنوثة؛ لأن لحم الأنثى يخالف لحم الذكر، وإذا قال: ذكرًا قال: فحلًا أو خصيًا، فإن لحم الخصي أطيب وأرطب، وهذا من فروع الشرط أيضًا، فيصير تسعة أوصاف.
ويذكر السمن والهزال إذا لم يكن عن عيب وكان من خلفه كالتمر الدقل فإنه كالمهزول وكالحنطة الضامرة، وإن قال أعجف لا يصح، لأن ذلك عن عيب ودلالة يمكن معرفته كاللبن الحامض والحنطة المسبوبة.
فَرَّع أصحابنا فقالوا: إذا كان العيب محدودًا صح لأنه يجوز السلم في عبد أعور وأعمى وأقطع، ويذكر المعلوفة والراعية؛ لأن لحم الراعية أطيب فالسمن بالمرعى أطيب من السمن بالعلف، ويعتبر أن يكون العلف أثر في تسميته ويذكر موضع اللحم، فإن مقادم الحيوان أطيب وأرطب فنقول: لحم الفخذ أو اليد أو الجنب؛ لأن اللحم يختلف به وقيل: الأجود لحم العنق ثم الكتف، ثم الخاصرة، ثم الفخذ، وخير اللحم ما قرب من العلف والماء، وإذا أقبضه ذلك الموضع فإن كان فيه عظام فقد تطوع بالفصل ويجوز ولأن اللحم أولى بالجواز من التمر من النوى، لأن النوى يتميز والعظام لا تتميز ولو أراد أن يميز أفسد اللحم وبقي على العظام ما يكون فسادًا [ق 129 ب] وقول الشافعي - رحمة الله عليه- في اللحم منقا لم يرد منقا من عظمة بل أراد ما فيه النقى وهو المخ فلا يكون أعجف، وهذا استحباب لأن ما نقى له لا يلزمه قبوله.
فرع آخر لو أسلم في التمر فيه وجهان: احدهما: يجوز كما يجوز في اللحم عن غير عظم ويكون السلم فيه وزنًا لا كيلًا لأنه يتخافي فيه.
والثاني: لا يجوز لأنه يسرع إلى الفساد الذي لا يضبط.
فرع آخر لا يجوز أن يسلم في اللحم المشوي على النار والأخذ منه يختلف وفي المطبوخ يأخذ الماء بعضه أكثر مما يأخذ البعض، ويختلف عمل النار فيه فيكون مجهولًا.
وقال: بعض أصحابنا بخراسان: إن كان له حد يوقف عليه ويعلم كم أحرق النار منه جاز، وقل ما يعرف هذا في اللحم.
فرع آخر يجوز السلم في الإلية بالوزن ويذكر الصفات على ما ذكرنا في اللحم ولا يحتاج إلى ذكر موضعه منها؛ لأنها لا تختلف، وكذلك يجوز السلم في الكبد والطحال.

الجزء: 5 - الصفحة: 147

فرع آخر لا يجوز السلم في الكرسي مما تعلق به لجهالته واختلافه.
مسألة: قال: ((ويَجُوزُ أن يُسَلم في لحُومِ الصَّيدِ)) إذا كان يوجد [ق 130 أ] في البلد الذي أسلم فيه وجودًا عامًا، وإن كان يوجد في وقت غالبًا لا ينقطع، وينقطع في وقت آخر، فإن جعل محله الوقت الذي يؤخذ فيه غالبًا جاز، وإن جعل محله الوقت الآخر لم يجز.
وإن كان يوجد في وقت دون وقت وليس وقت الوجود معلومًا لا يجوز، لأن من شرط السلم أن يكون وجوده غالبًا في وقت توجه المطالبة عليه به، ويوصف بالصفات التي ذكرنا في سائر اللحوم.
قال: ولا يخالف لحم الأسن إلا في خصلة، وهي أنه إن كان منه شيء يصاد بشيء يكون لحمه طيبًا، وآخر يصاد بشيء يكون لحمه غير طيب شرط صيد كذا دون صيد كذا.
وقال أصحابنا: إن هذا يختلف، فيكون لحم الأحبولة أطيب، ولحم صيد الكلب من صيد الفهد أطيب نكهة من صيد الكلب وبغير نكهة الفهد، وتقول: راعية أو معلوفة؛ لأن الصيد لا يكون إلا راعيًا.
فجملة أنواعه سبعة؛ النوع، والسن، والهزال، وموضعه من الحيوان، والجوده، والرداءة، والآلة التي يصاد بها.
فالنوع: بقر الوحش، والظباء، وفي البقر يذكر الأنواع الوعل، والسل، والابل.
وفي الغنم الوحش يذكر الظباء والغزال، ويذكر السن، والفطيم، والرضيع، ولا يقول فيه فحلًا ولا خصيًا، فإنه لا خصي فيه.
ويجوز السلم في لحم الطير بصفة [ق 130 ب] ووزن غير أنه لا سن له فيه، فيوصف بصغر وكبر.
ثم إن كان الصغر لم يفتقر إلى ذكر موضع اللحم، وجاز عددًا، وإذا جاء باللحم لم يقبل فيه الرأس ولا الرجل؛ لأنه لا لحم فيها.
فرع يجوز السلم في الحيتان كالطيور ولا فرق بينهما، فيذكر أربعة أصناف النوع، وحلي أو أجامي أو بحري، والصغر والكبر ويذكر موضع اللحم في الكبار، والسمن والهزال، والجودة والرداءة.
قال: ويذكر الطري والمالح، ولا يجوز إلا وزنًا، ولا يقبل فيه الرأس والذنب، ويفارق الحيوان حيث يجوز فيه السلم عددًا؛ لأن المقصود لحمه.
فرع آخر لو كان لحم الطير مما لا يقصد لحمه يجوز السلم فيه عددًا كالبازي ونحوه.

الجزء: 5 - الصفحة: 148

فرع آخر لو أسلم في ثلاثين منا لحمًا ووصفه على أن يأخذ من وقته كل يوم ثلاثة أمنان منه، هل يصح؟ قولان، والأصح جوازه، وينبغي أن يذكر أول اليوم وآخره.
مثألة: قال: ((ويقول في السمن جائز)).
ويضبطه بأربعة أوصاف؛ النوع، واللون، والمرعى، والجودة والرداءة، فالنوع أن يقول؛ سمن بقر أو غنم، إذا ذكر الغنم يقول: ضأن أو ماعز.
واللون أبيض أو أصفر، والمرعى يقول: عوادي أو حميصة، كما يذكر مرعى النحل إذا أسلم في العسل؛ لأنه يختلف بذلك، أو يذكر سمن معلوفة؛ لأن الغرض يختلف [ق 131 أ] بها، وإن كان يختلف باختلاف البلد إن سماه، وإن لم يذكر حديثًا يلزمه أن يعطيه حديثًا، وإن ذكر حديثًا كان تأكيدًا، وإن ذكر عتيقًا لم يجز؛ لأن السمن إذا عتق فسد ويكون سمنًا في المعيب، وذلك لا يجوز.
ويفارق التمر؛ لأنه إذا عتق لم يفسد.
وقال القاضي الطبري رحمه الله: يذكر حديثًا أو عتيقًا، إن كان يختلف، وليس كل عتيق متغيرًا، وإذا ذكر العتيق لا يقبل المعيب.
وقال بعض أصحابنا: ويذكر سمن الصيف أو الشتاء، فإن أطلق استحق سمن الوقت الذي يحل فيه الأجل.
فرع لا يلزم ذكر قوته وتخانته ورقته؛ لأن قوته أو رقته قد يكون أصله عن جنس وليس بعيب بخلاف العسل.
فرع آخر لو سلمه إليه رقيقًا، فإن كانت رقته لحمى الزمان أو المكان يلزمه قبوله، وإن كان لفساد فيه فهو عيب لا يلزمه قبوله.
فرع آخر لو صفاه بالنار لا يكون عيبًا بخلاف العسل؛ لأن دخول النار على العسل يؤثر في طعمه، ودخولها على السمن لا يؤثر في طعمه.
فرع آخر يجوز السلم في الزبد ويصفه بأوصاف السمن، ويزيد وصفًا خامسًا.
قال في

الجزء: 5 - الصفحة: 149

((الأم)): ((يقول: زبد يومه لأنه يتغير من عنده بتهامة ويتغير في الحر ويتغير في البرد تغيرًا دون ذلك)).
فرع آخر قال في ((الأم)): ((وليس له أن يعطيه زبدًا نجيخًا)) والنجيخ زبد تغير فأعيد في السقاء ويمخض مع اللبن ليزول.
وقال بعض أهل اللغة: ........ وقال الأزهري: النجخ: اللبن الرايب فيصب عليه حليبا فيخرج الزبد ليس لها صلابة زبد المحيض.
وقال ابن السكيت: النجيخة تخرج من السقاء إذا حمل على بعير بعد نزع زبده الأول، محتمخض فيخرج زبدًا رقيقًا.
فرع آخر لو اشترط زبد أمسه جاز أيضًا؛ لأن الغالب أنه لا يتغير ولا يصير معيبًا في ذلك القدر من الزمان، وإن أقبضه رقيقًا فالحكم على ما ذكرنا في السمن.
مسألة قال: ((وإن كان لبن إبل قال لبن عواد)) الفصل.
وهذا كما قال: السلم في اللبن جائز ويعفه بأوصاف السمن إلا واحدًا وهو اللون، فإن لونه لا يختلف وكله أبيض، ولا يحتاج إلى ذكر الحلاوة ولا حليب يومه؛ لأن إطلاقه تحصيله، وإن ذكر ذلك كان تأكيدًا، وهو مراد الشافعي بما ذكر ههنا.
ولو أتى به حليب أمه وقد تغير إلى مرارة أو أقل حلاوة لم يقبله، لأن لم يتغير مثل أن يكون ف بلدةٍ باردةٍ قبله.
فرع آخر لو أسلم في لبن حامض.
قال الشافعي رحمة الله عليه؛ لا خير فيه لأن الحموضة نقص غير مضبوط.
ومعناه لا يجوز، ويفارق الخل الحامض؛ [ق 132 أ] لأن الحموضة في الخل لا تكون نقصًا، بل تكون جودة وزيادة كالحلاوة في العسل.
فرع آخر هل يجوز السلم في اللبن الفارض، وهو أن يتجاوز صفة الحليب أو إلى صفات الحامض؟ قال الإمام أبو القاسم الصيمري: يجوز لأن ذلك ليس بفساد.
وقال غيره من

الجزء: 5 - الصفحة: 150

أصحابنا: لا يجوز؛ لأنها صفة لا تضبط ونقص لا يتجدد، وهذا أصح.
فرع أخر قال: ويذكر المرعى في لبن الإبل فيقول: لبن عواد أو أوراك أو حميضة، فالعواد هي التي ترعى الغدوة وهي الجلة من الكلأ مثل النصبي ونحو ذلك.
والأوراك التي ترعى الأراك، والحميض كل نبات فيه ملوحة أو الخمض التي ترعى الحمض، وهو ما ذكرنا أن فيه ملوحة وهذا لأن اللبن يختلف بذلك.
وتقول العرب: الجلة غير الإبل والحمض فاكهتها.
قال أصحابنا: ولا يحتاج في الغنم إلى ذكر المرعى؛ لأن لبنها لا يختلف باختلاف المرعى.
فرع آخر قال: ويجوز أن يسلم فيه كيلاً ووزناً، فإن أسلم فيه كيلاً فليس له أن يكيل برغوته لأنها تزيد في وزنه.
وقيل: إن ذلك يزيد في وزنه فلا يوزن حتى تسكن رغوته.
فرع آخر لا يجوز السلم في اللبن المخيض؛ لأن فيه ماء، وهذا لأنه لا يصير مخيضاً إلا بإخراج الزبد منه، ولا يمكن إخراج الزبد منه إلا بالماء، فيكون مقدار المخيض مجهولاً فلا يجوز.
[ق 132 ب] فإن أخرج منه الزبد بغير الماء يجوز السلم فيه.
فإن قيل: أليس يجوز السلم في الجبن وفيه أنفحة، ويجوز في خل التمر وفيه ماء؟ قلنا: الفرق بين الأنفحة في الجبن أنها غير مقصودة وهي من مصلحته، وكذلك الماء في خل التمر غير مقصود وهو من مصلحته الخل التمري فلم يضره، والماء في المخيض ليس من مصلحته ولهذا منع جواز السلم فيه.
فرع آخر قال في «المختصر» عقيب هذه المسألة: «وهكذا كل مختلط بغيره» وأراد بالمختلط بغير الغالية والفالوذج ونحوها، والمصلح بغيره الأدهان المربية فلا يجوز السلم في شيء من ذلك للجهل بمقادير الأخلاط، وإن كان يجوز بيع هذه الأشياء عيناً؛ لأن في بيع العين تكفي الإحاطة، وفي السلم لا بد من الوصف ولا يمكن وصفها، فأما الأدهان الطبية التي لا يخالطها شيء كدهن الورد والبنفسج ونحو ذلك مما يصيب السمسم بهذه الأوزان، ثم إذا طابت رائحته بالمجاورة يعتصر الدهن منه وبطيب رائحتها يجوز السلم فيها.

الجزء: 5 - الصفحة: 151

فرع آخر جملة المختلطات على أربعة أضرب؛ مختلط بما ليس بمقصود وفيه مصلحته فيجوز السلم فيه كما ذكرنا في الجبن وخل التمر والزبيب.
ومختلط بما هو مقصود كالغالية والفالوذج فلا يجوز السلم فيهما.
ومختلط بما ليس بمقصود ولا مصلحة فيه فلا يجوز السلم فيه كالمخيض ونحوه.
ومختلط اختلاط مجاورة ولكنه مقصود [ق 133 أ] كالثوب من غزلين فقد ذكرنا حكمه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان لا يجوز السلم في خل التمر والزبيب، لأن فيه ماء وهو غلط بخلاف النص.
فرع آخر يجوز السلم في لبن الآدميات خلافاً لأبي حنيفة رحمه الله، وهذا غلط لأن لبن طاهر منتفع به كلبن الشاة.
فرع آخر هل يجوز السلم في ماء الورد؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز؛ لأنه مصاعد بالنار.
والثاني: يجوز؛ لأنه يدخل فيها إلى حد لا يختلف بين أهله، فصار كدخول النار في تخليص الذهب.
وهذا أصح عند جماعة أصحابنا.
فرع آخر لا يجوز السلم في الكشك ولا في البردوع للاختلاط.
مسألة: قَالَ: «وَيَصفُ اللَبَأ كَاللَّبَنِ إِلاَّ أّنَّهُ مَوْزُونٌ».
وهذا كما قال: اللبأ هو اللبن الأصفر، وإذا طرح منه شيء على اللبن وأسخن بالنار انجمد قطعة واحدة فيسمى لبأ ويجوز السلم فيه، ودخول النار فيه لا يمنع جواز السلم فيه؛ لأن النار لينة يسيرة لا تأخذ من أجزائه شيئاً.
وقال أبو حامد رحمه الله: هو على ضربين: مطبوخ وغير مطبوخ فلا يجوز السلم في المطبوخ منه؛ لأنه تختلف أجزاءه إذا طبخ بالنار، والصحيح ما ذكرنا؛ لأنه لا تختلف أجزاءه على ما ذكرنا وإن اختلفت لا يجوز.
فإذا تقرر هذا يحتاج إلى أن يصفه بأوصاف اللبن ويذكر فيه وصفاً زائداً وهو اللون، لأنه يختلف بذلك.
ثم يحتاج إلى أن يذكر فيه الوزن لا الكيل [ق 133 ب] لأنه لا يمكن

الجزء: 5 - الصفحة: 152

كيله لكونه جامداً ولا يحصره إلا الوزن.
وقال أصحابنا بخراسان: إن كان ذائباً يجوز كيلاً، وإن كان جامداً لا يجوز إلا وزناً، وهذا أظهر وأقيس عندي.
فرع يجوز السلم في الجبن ويصفه بأنه من غنم ضأن أو ماعز أو بقر.
قال: ولا أحسبه يتخذ من لبن الإبل، ويذكر البلد التي يعمل فيه فيقول: همداني، أو زيتوني أو طبري، ويذكر وقت عمله؛ لأنه يختلف به، ويذكر أنه يابس أو رطب، فإن ذكر يابساً يعطي أقل ما يقع عليه اسم اليبوسة، والرطوبة معروفة، وهو أول ما ينزل عنه الماء.
قال الشافعي رحمه الله: «الجبن الرطب لبن يطرح فيه الأنفحة قيميز ماءه وينعزل خائر لبنه» والخائر الجبن الرطب وذلك بأن يصفيه على محل أو موضع يسيل الماء منه، ويذكر الجيد والردئ.
فجملته أربعة أوصاف.
وقيل: فيه وجه آخر لا يجوز السلم فيه؛ لأن فيه أنفحة ويدخله النار، وهذا حكم الأقط.
فرع آخر قال: «وأحب إليَّ لو قال: جبن شهر أو جبن عام» لأنه إذا دخل في حد اليبس أثقل منه إذا تطاول جفوفه، فإن ترك ذكر ذلك لم يفسده؛ لأنَّا نجيز مثل هذا في اللحم، وكذلك التمر في أول ما يبس يكون أثقل منه بعد شهر أو أكثر.
فرع آخر قال: «ولا خير في أن يقول: جبن عتيق ولا قديم؛ لأن أول ما يقع عليه اسم العتيق والقديم غير [ق 134 أ] محدود آخره غير محدود، فهو كمثل حموضة اللبن فذكره يبطله.
وقيل: عنى العتيق جبن الحجاز.
فرع آخر قال: «ما كان عيباً في الجبن عند أهل العلم به من إفراط ملح أو حموضة طعم أو غيره لم يلزمه قبوله».
فرع آخر يجوز السلم في المصل؛ لأنه مخيض منعقد، ويصفه على ما ذكرنا، ويذكر الوزن وفيه وفي العين؛ لأنه لا يمكن (كيلها).

الجزء: 5 - الصفحة: 153

مسألة: قَالَ: «وَيَقُولُ فِي الصُّوفِ صُوفُ ضَانِ بَلَدِ كَذَا».
الفصل وهذا كما قال: السلم في الصوف جائز، ويصفه بثمانية أوصافٍ؛ النوع وهو إضافته إلي الضأن أو غيره.
وقيل: لا يحتاج إلى هذا؛ لأنه لا يكون إلا من الضأن.
والمكان فيقول: صوف غنم بلد كذا جبلي أو بلدي ونحو ذلك.
واللون الأبيض أو أسود أو أحمر.
والطول والقصر، فيقول: طول الطاقات أو قصرها؛ لأن الثمن يختلف به.
والذكورة والأنوثة.
قال الشافعي رحمة الله عليه: إذا اختلف صوف الكباش والإناث - ويعرف ذلك بعد الجزاز - لا يجوز حتى يسمى صوف فحول أو إناث.
ويذكر الخريف أو الربيع لأنه يختلف بذلك، ويقال: الصوف الصيفي خير من الشتوي والخريفي، والربيعي يتوسخ ويتلبد بالطين والمطر، والخريفي أنظف.
ويذكر الجودة والرداءة.
قال الشافعي رحمة الله عليه: يقول جيداً نقياً ومغسولاً لما تعلق به فيثقل.
قال [ق 134 ب] أصحابنا: وهذا تأكيد ليس بشرط؛ لأنه لا يلزمه قبول غير الصوف، والغسل يذهب ما تعلق به حتى يصير نقياً.
وقال بعض أصحابنا: قوله: «نقياً» تأكيد وقوله: «مغسولاً» شرط لازم؛ لأنه يذهب الريح الذي يثقل معه الوزن فيمكن معه القبض، فعلى هذا غسل الصوف شرط آخر.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: أراد بالمغسول تمييزه من التراب والشوك، فهو معنى النقي، وإن أراد غسله بالماء حتى يصير أصف مما كان يجوز بشرط أن لا يحدث معه عيباً بالغسل.
وذكر أبو حامد رحمه الله وصفاً آخر وهو الخشونة والنعومة، وهذا صحيح؛ لأن الأغراض تختلف.
وقال بعض أصحابنا: لا يحتاج إلى هذا؛ لأن ذكر الفحل والأنثى يغني عن هذا.
وذكر في «الحاوي» وصف آخر وهو أن يقول: من صغار الضأن أو كباره؛ لأن صوف الصغار أنعم وصوف الكبار أخشن، وفي هذا نظر عندي لأنه داخل فيما تقدم، ولا يجوز إلا وزناً.
فرع آخر قال في «الحاوي»: والسلم في الصوف المصبوغ لا بأس به بعد وصفه كما ذكرنا، ثم يصف الصبغ بأربعة أوصاف؛ اللون والحنس بما يصبغ به إن كان أحمر فبالبقم أو الملك، وإن كان أسود فبالزاخ أو العفص، والبلد الذي يصبغ فيه فيقول: من صبغ الأرمن أو الجبل أو العراق، وإن كانت الناحية تختلف صبغ بلادها ذكر [ق 135 أ] البلد الذي

الجزء: 5 - الصفحة: 154

يصبغ منها، ويذكر صبغ الشتاء أو الصيف فإنه يختلف.
وهذا غريب.
فرع آخر قال: «لا يجوز أن يسلم في صوف غنم بأعيانها» لأنها قد تتلف، وينافي الأمة على صوفها.
قال: ولا خير أن يسلم في صوف بلا صفة ويريه صوفاً فيقول: أستوفيه منك على بياض هذا، ونقاء هذا، وطول هذا؛ لأن هذا قد يهلك ولا يدري كيف صفته.
فرع آخر يجوز السلم في الإبريسم ويصفه بأربعة أوصاف؛ النوع، والرقة، والغلظة، والجودة، والرداءة، واللون.
فالنوع إضافته إلى بلد بغدادي أو طبري، أو جرجاني، أو خوارزمي، لأن الثمن يختلف به.
ويقال: أجوده البغدادي، ويسميه باسم معروف، ويذكر اللون أصفر أو أبيض ونحو ذلك، ولا يحتاج أن يذكر النعومة والخشونة؛ لأن لا يكون إلا ناعماً ليناً، ولا يجوز السلم فيه إلا وزناً.
فرع آخر يجوز السلم في المغزل، ويصفه بما ذكرنا في الإبريسم، إلا أنه يزيد فيه الناعم والخشن.
فرع آخر السلم في القز الذي فيه الدود [ق 135 ب] ويعمل فيه الإبريسم، لا يجوز؛ لأن الدود فيه إن كان حيَّا فلا مصلحة فيه؛ لأنه يقرضه ويفسده، وياخذ قسطاً من الوزن إن كان ميتاً، لا يجوز بيعه والقز دونه مجهول، ولهذا لا يجوز بيع القز وزناً لهذه العلة، ويجوز بيعه جزافاً، وأما إذا خرج منه الدود، ويجوز السلم فيه وزناً؛ لأنه وإن لم يكن سلمه فإن يطبخ ويغزل ويعمل منه ثياب القز.
وينبغي أن يذكر البلد والصغر والكبر واللون والجيد والردئ.
فرع آخر يجوز السلم في سلخ القز، وهو ما ظهر منه فوق الإبريسم، ويعتبر فيه ثلاثة أوصاف؛ ذكر البلد، واللون، والجودة، والرداءة.
مسألة: قَالَ: «وَيَقُولُ فِي الكُرْسُفِ كُرْسفُ بَلَدِ كَذَا».
الفصل: وهذا كما قال: يجوز السلم في القطن، ويصفه بأربعة أوصافٍ؛ النوع، واللون،

الجزء: 5 - الصفحة: 155

والنعومة والخشونة، وطويل الشعرة وقصرها، والجودة والرداءة فالنوع إضافته إلى بلد كذا: رازي، أو جرجاني، أو نيسابوري ونحو ذلك.
واللون أبيض أو أسمر.
فرع قال بعض أصحابنا: لا بد أن يقول أيضاً: محلوج أو مع الحب.
وقال أبو حامد رحمه الله: لا يحتاج إلى هذا، وإذا أطلق جاز، وكان له ذلك؛ لأن الحب فيه بمنزلة النوى في التمر.
والأولى أولى عندي.
فرع آخر قال الشافعي رحمة الله عليه: «لو أسلم فيه منقى من حبه كان أحب إليَّ، ولا أرى بأساً أن يسلم بحبه؛ لأنه [ق 136 أ] كالنوى».
قال: «ويسمى وزناً معلوماً».
قال: «ولا خير في السلف في الكرسف يجوزه لأنه ليس له مصلحة فيه» بخلاف السلم في الجوز المأكول.
فرع آخر قال بعض أصحابنا: ويذكر القطن ما لقط رطباً ويابساً؛ لأن ما لقط رطباً أنعم وألطف وأضعف، وما لقط بعد يبسه أقوى وأخشن ويذكر ما لقط في أول السنة عند شدة الحر وفي آخرها، وفي وقت البرد فإنه يختلف لاسيما بالبصرة، فإن كان في بلدٍ لا يختلف لا يلزمه ذكره.
فرع آخر قال: اختلف قدم الكرسف وحديثه سمى قديماً أو حديثاً من كرسف سنة أو سنتين.
فرع آخر قال: «وإن كان يكون ندياً سماه جافاً لا يجزئ فيه غير ذلك».
وإن لم يكن جافاً وأطلق العقد جاز ويقتضي اليابس الجاف.
فرع آخر قال: «ويذكر قطناً نقياً؛ لأنه قد تعلق به الجوز أو غير ذلك مما يثقله، وهذا تأكيد مضبوط بالصفات».

الجزء: 5 - الصفحة: 156

مسألة: قَالَ: «وَلَا بَاسَ أَنْ يُسَلُفَ فِي الشَّيئِ كَيْلاً وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ وَزْناً».
وهذا كما قال: كل ما يتأتى فيه الوزن دون الكيل يسلم فيه وزناً، وكل ما يتأتى فيه الكيل دون الوزن يسلم فيه كيلاً [ق 136 ب] وما يتأتى فيه الأمران معاً يجوز السلم فيه كيلاً ووزناً؛ لأن الغرض معرفة مقدار السلف فيه بخلاف الربا، فإن بيع الموزون من مال الربا بعضه ببعض كيلاً لا يجوز؛ لأن الغرض هناك معرفة المتقابل وربما يتفاضلان عند الوزن.
فرع قال في «الأم»: وما يسلف فيه كيلاً لم يستوف إلا كيلاً، وما يسلف فيه وزناً لم يستوف إلا وزناً لاختلاف الكيل الوزن، ويلزمه أن يكيل مرسلاً من غير أن يدق ولا أن يزلزل ولا أن يدق على رأسه وإنما يدع ما يحمله.
مسألة: قَالَ: «وَمَا ضُبِطَتْ صِفَتُهُ مِنْ خَشَبٍ سَاجٍ أَوْ عِيدَانٍ قَسِيِّ».
الفصل وهذا كما قال.
يجوز السلم في الخشب، وهو على أربعة أضرب؛ ضرب يراد للبناء والأطباق والمراية، وضرب يراد للقسي، وضرب يراد للوقود، وضرب يراد لنُصُب السكاكين والدارن.
فأما ما يراد للبناء والأطباق فضبطه بخمسة أوصاف: النوع، واللون والرطوبة، واليبوسة، والجودة والرداءة، والعرض والطول.
فالنوع يقول: ساجاً أو صنوبراً أو نخلاً أو جوزاً أو نحو ذلك.
واللون أصفر أو أبيض أو أسود، ويقول في المدور أوله وآخره واحد وإن كان يختلف ذكر ذلك على وجه يضبط.
وأما ما يراد للقسي، قال الشافعي رحمه الله: «يذكر عود شوحطة السهلي والجبلي؛ لأن الجبلي أقوى من السهلي» قال: «ويقال فيه: خوط أو فلقة والفلقة أقدم نباتاً [ق 137 أ] من الخوط، والخوط الشاب».
ويذكر دقيق أو وسط طوله كذا وعرضه كذا، ويكون مستوى البينة، وما بين الطرفين من الغلظ، وكل ما أمكنت فيه هذه الصفات جاز، وإلا فلا يجوز.
وذكر بعض أصحابنا أنه يذكر في جميع ذلك زمان قطعه من صيف أو شتاء.
وأما ما يراد للوقود وهو خشب الحطب ضبطه بخمسة أوصاف على ما ذكرنا، فيقول: أم غيلان، أو أراك، أو عرعر.
ويقول: غلاظ أو دقاق أو وسط، ويذكر

الجزء: 5 - الصفحة: 157

الرطب واليابس والجيد والرديء.
قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يحتاج إلى ذكر الرطب واليابس، بل مطلقه يقتضي اليابس؛ لأن النداوة في الحطب عيب، وهذا غير صحيح؛ لأن النداوة فيه رداءة لا عيب.
وأما ما يراد للنُّصُب فيذكر نوعه كالأبنوس وغلظه ودقته وسائر الأوصاف التي يختلف الثمن باختلافها.
فرع لا يجوز في الأبنوس الملمع؛ لأن تلمعه لا يضبط.
فرع آخر قال: ويذكر ساجاً سمحاً، يعني لا عقد فيه، وهذا على سبيل التأكيد، لأن العقد فيه عيب، وإذا أطلقه لا يلزمه قبوله، وإن كان يتفاوت طرفاه لا يجوز فيه السلم.
فرع آخر قال في «الأم»: وإذا شرط له الغلظ فجاء بأحد طرفيه على الغلظ والآخر أكبر فهو متطوع بالفضل ويلزمه قبوله، وإن جاء بأفضل من طوله وناقص أحد الطرفين من غلظه لم يلزمه قبوله؛ لأن [ق 137 ب] هذا نقصاً من حقه.
فرع آخر في خشب البناء لا يحتاج إلى ذكر الوزن.
نص عليه في «الأم».
قال أصحابنا: ويجوز أن يجمع ذكر الطول والعرض، وذكر الوزن، والفرق بينه وبين الثياب أن الخشب لا يبعد ووجود الوزن فيه مع ذكر الطول والعرض بخلاف الثوب، وذكروا هذا عن الشافعي رحمه الله.
وقال القاضي الطبري: لا أعرف هذا للشافعي؛ لأنه في الكبر الطول والعرض، دون الوزن، وفي الصغار الرقة والغلظ والوزن ولم يذكر الطول والعرض، فقال: وما صغر من الخشب لم يجز السلم فيه عدداً ولا جرماً حتى يسمى الجنس فيقول: أبنوس أو غير ذلك وزن كذا وكذا، وكذلك يذكر الوزن في الخطب ويجوز أن يسلم فيه عدداً لا جرماً أيضاً.
مسألة: قَالَ «وَكَذَلِكَ حِجَارَةُ الأَرْحَاءِ وَالبُنْيَانِ وَالأَنِيَةِ».

الجزء: 5 - الصفحة: 158

وهذا كما قال: يجوز السلم في الأحجاز، فإن كانت حجارة الأرحية يضبطها بخمسة أوصاف؛ النوع، واللون، والدور والسُّمك، والجودة والرادءة، فالنوع يذكر المكان فيقول: موصلي، أو حراني، أو طبري ونحو ذلك، واللون أبيض أو أسود، ويذكر القد من الدور والعرض والسُّمك والتخانة، ويمكن ذلك بأن يحيط به خيطاً ثم يزرع ذلك الخيط.
قال الشافعي رحمه الله: «وينسبها إلى الصلابة، وأن لا يكون فيها عرق ولا كلا، والكلا حجارة مدورة صلبة لا تجيب بالحديد [ق 138 أ] إذا ضربت انكسرت من حيث لا يريد الضارب».
قال في «الحاوي»: ويذكر أنها من حجارة الماء أو من حجارة الجبل ولا يحتاج فيه إلى ذكر الوزن، ولو ذكره جاز، وما كان منها صغار لا يمكن وصفها بالذرع جاز أن يُسلم فيها وزناً، والكلام في وزن الحجر والخشب الثقيل واحد، فإن أمكن حمله بقبان، أو قياس فذاك وإن لم يحمله القبان أو العيان يوضع في السفينة، والسفينة في ماء راكد ثم يعلم على مكان بلوغ الماء من ظاهرها بعلامة من جميع أطرافها ثم ينقل عنها ذلك، ويجعل فيها طعام أو تراب، فإن نزلت في الماء إلى تلك العلامة وزن التراب فما خرج فهو وزنها.
وأما حجارة الأبنية فضبطها بأوصاف النوع، واللون، والجودة والرداءة، ولا يحتاج إلى ذكر القد والصغر والكبر؛ لأن ذلك معروف عند أهل البناء.
وذكر أبو حامد رحمه الله أنه لا بد من ذكر الكبير والصغير وهذا أصح عندي.
وقال في «الأم»: يقول: ما يحمل البعير اثنين أو ثلاثة أو أربعة ويذكر الوزن مع ذلك.
قال: ويجوز السلم في النقل وهي الحجارة الصغار التي تصلح للمنجنيق ولا يجوز إل وزناً.
قال: وينسبها إلى الصلابة ولا يلزمه أن يقول: كراناً ولا مبنياً.
وأما حجارة القدور فيذكر فيها جميع ما ذكرنا من الأوصاف مع الكبر والصغر بلا إشكال، ويقول: برام طواسية أو مكية، ويذكر الوزن.
[ق 138 ب] فرع: السلم في الرخام جائز ويذكر نوعه ولونه وصفاته، وجيداً أو رديئاً، ويذكر طوله وعرضه، أو دوره إن كان مدوراً، ويذكر إن كان له عرض تخانة.
قال في «الأم»: «وإن كان لها براسيع مختلفة وشعفاً» وبراسيها الخطوط التي تكون فيها.
فرع آخر يجوز السلم في البور ويصفه بأوصافه، ونصَّ في «الأم» على أنه يجوز السلم في الآنية المتخذة منها.
وقال: «يصف طولها وعمقها وعرضها وتخانتها وصنعتها إن كانت

الجزء: 5 - الصفحة: 159

تختلف فيها الصنعة».
قال: «وإن وزن مع هذا كان أحب إلىَّ، وإن ترك وزنه لم يفسد إن شاء الله».
فرع آخر قال في «الأم»: ولا بأس أن يبتاع آخراً بطوله وعرضه وتخانته ويشترط من طين معروف، وإن شرط فيه الوزن كان أحبَّ إليَّ وإن تركه فلا بأس إن شاء الله، ويذكر اللون والجودة والرداءة.
وقال في «الحاوي»: لا بد من ذكر الوزن بالأرطال وصفة الطبخ.
فرع آخر ويجوز السلم في اللبن غير المطبوخ أيضاً، ويصفه بما ذكرنا قال: وإن أسلم في اللبن شرط أن يطبخه لم يجز؛ لأنه لا يعرف قدر ما يذهب من طبخه من الحطب، ولأنه قد يتبهرج فيفسد.
فرع آخر يجوز السلم في النورة والقصة، وهي الجص ينسبها إلى أرضها فإنها تختلف بذلك، ويشترط الجودة أو الرداءة، ويشترط بيضاء أو سمراء وأي لونٍ كان إذا تفاضلت في الألوان [ق 139 أ] ويشترطها بكيل معلوم ووزن معلوم وأجل معلوم.
وقيل: لا يجوز في الجص المحترق.
قال: ولا خير في السلف فيها إجمالاً ومكايل وجزافاً من غير إجمال ولا مكايل إذا كان حاصرها.
فرع آخر قال: وهكذا لا بأس بالسلم في المدر بكيل معلوم، وإذا وصف جيداً لم يلزم أن يأخذ سبحا؛ لأن هذا مخالف للجودة، وإن كان فيه كذان أو حجارة أو بطحاء لم يلزمه أخذه، لأنه ليس بمدر ولا قصة ولا نورة ويصف المدر بالموضع ويذكر لونه إن كان يختلف.
فرع آخر قال في «الأم»: وإن كانت القصة والنورة مطيرتين لم يلزم المشتري قبوله؛ لأن هذا غيب فيهما [وكذلك إن قدمتا قدر ما يضر بهما لم يلزم المشتري؛ لأن هذا عيب] والمطر لا يكون إفساداً للمدر؛ لأنه إذا جف لم يكن للمطر فيه بأس ولا تأثير وعاد إلى حالته، وكذلك الطين.

الجزء: 5 - الصفحة: 160

فرع آخر قال الشافعي رحمة الله عليه: رأيت طينًا زعم أهل العلم أنه طين أرمني، وطينًا يقال له: طين البحيرة والمختوم وهما يدخلان في الأدوية، وأنهما يغشان بطين غيرهما لا ينفع منفعتهما ولا يساوي مائة رطل منه رطلًا من هذا.
ورأيت طينًا في الحجاز يشبه ما يقولون أنه أرمني، وإن كان ما رأيته إذا اختلط بالأرمني لا يتميز عند أهل العلم والمعرفة به، فلا يجوز السلم.
وإن تميز وعرفة عدلان من المسلمين جاز فيه السلم إذا وصف بلده وجنسه ولونه ووزنه.
فرع آخر [ق 139 ب] لا يجوز السلم في الزجاج المخروط والمنقوش، لأنه عمل غير مضبوط ويجوز فيما ليس بمخروط ولا منقوش إذا ضبطت أوصافه على ما ذكرنا في الأواني.
فرع آخر لا يجوز السلم في العقار بحال، لأن البقاع تختلف ولا يضبط الوصف، وإن عين بقعة يكون سلمًا في عين، ولا يجوز ذلك.
مسألة: قال: "ويجوز السلم فيما لا ينقطع من العطر".
الفصل وهذا كما قال.
يجوز السلم في العطر المستدرك بالوصف، أي عطر كان من عنبر أو كافور أو غيره إذا لم يكن أخلاطًا جمعت، وإنما يصح إذا كان عطرًا لا ينقطع عن أيدي الناس في الغالب عند المحل، ولا بد من ذكر الوزن فيه لبيان المقدار، ويسمى الصنف الذي أسلم فيه والجيد والرديء منه، وأن اختلف أنواع ذلك لا بد من أن يعتبر نوع من جملة الأنواع، فالعنبر منه الأشهب والأبيض والأخضر، ولا يجوز حتى يسمى ذلك، وكذلك العود ونحوه ويذكر قطعًا صحيحًا وزنه كذا، أو قطعة واحدة إن أراد ذلك، ثم إن ذكر قطعة واحدة لا يقبل منه قطعتين، إن ذكر قطعًا صحاحًا لا يقبل منه فتاتًا، لأن الثمن يختلف بذلك.
قال: "وإذا سميت عنبرًا وصفت لونه وجودته كان لك عنبر في ذلك اللون والجودة صغارًا أعطاك أو كبارًا".
وهذا يدل على أن ذكر القطعة والقطاع ليس بشرط بل هو تأكيد.

الجزء: 5 - الصفحة: 161

وقال بعض أصحابنا بخراسان: [ث 140 أ] الذي يليق بكلام الشافعي رحمة الله عليه، أنه لابد من ذلك، وإن لم يذكر بطل السلم، لأنه سلم خصومة ولكن النص الصريح ما ذكرنا، وإن كان يختلف بالبلدان قال: عنبر بلد كذا.
فرع قال الشافعي رحمة الله عليه: يجوز بيع العنبر، وقال أهل العلم بالعنبر: إنه نبات والنبات لا يحرم منه شيء.
قال: وحدثني بعضهم أنه ركب البحر فوقع إلى جزيرة فيه فنظر إلى شجرة مثل عنق الشاة وإذا ثمرتها عنبر.
قال: فتركناه ليكبر ثم نأخذه فهبت ريح فألقته في البحر.
قال الشافعي: ودواب البحر تبتلعه أول ما يقع، لأنه لين فإذا ابتلعته قل ما سم منه إلا قتله لفرط الحرارة فيه، فإذا أخذ الصياد السمكة وجده في بطنها فيقدر أنه منها وإنما هو ثمرة نبت.
فرع آخر قال: ويجوز السلم في المسك، وزعم بعض أهل العلم أنه سرة دابة كالظبي تلقيه في وقت من الأوقات، وهو طاهر، لأنه وإن كان يلقيه الحي فإنه يجمع معنيين الطيب، وأنه ليس بعضو منه ينقصه خروجه حتى لا يعود مكانه مثله بمنزلة اللبن والبيض.
ويصف المسك بالبلد تنبتي أو هندي أو غيره، ويصفه باللون، وكل ما يختلف الثمن لأجله.
فرع آخر لا يجوز السلم في العود الرطب، ولا التوتبا الهندي، لأن وجودهما نادر.
فرع آخر قال: ويجوز السلم في العود، وهو يتفاضل تفاضلًا كثيرًا ولا يجوز حتى يوصف [ق 140 ب] كل صنف وبلده وتسميته الذي يميز بيه وبين غيره، فيقول: عود هندي أو صيني أو نحو ذلك.
فرع آخر لا يجوز السلم في الند والعود والمطر، لأنه أخلاط كالغالية فرع آخر يجوز السلم في متاع الصيادلة إذا لم يختلط بغيره ويعرف بصفة ويذكر عتيقه

الجزء: 5 - الصفحة: 162

وجديده، وجيده ورديه.
قال في "الأم": ويجوز السلم في اللبنان والمصطكى وجميع الشجر كله ويصفه بصفاته من اللون والذكورة والأنوثة ويصف شجره، لأنه يختلف بذلك ولا يحتاج إلى أن يقول: صغارًا أو كبارًا، لأنه لا يختلف بذلك، وإذا أتاه لا يقبل إلا خالصًا محضًا.
ويجوز السلم في الأدوية إذا لم تكن معجونة.
مسألة: قال: "ولا خير في شراء شيء خالطه لحوم الحيات في الدرياق".
الفصل: وهذا كما قال: لا يجوز بيع الدرياق لأنه نجس، فإنه يعمل من لحوم الحيات، ولبن الأتان، ولبن ما لا يؤكل لحمه من غير الآدمي نجس في ظاهر المذهب، ولا يجوز بيعه ولا السلم فيه، والسم طاهر لأنه نبات، أو عرق، أو لعاب، وقد ذكرنا حكمه.
فرع يجوز بيع الدادي والسلم فيه، لأن فيه منفعة من غير المحظور، أن استعمل في النبيذ وتداوي به وهو طاهر.
مسألة: قال: "ولو أقاله بعض السلك وقبض بعضًا فجائز".
وهذا كما قال.
الإقالة: فسخ بيع وليست بيع، نص عليه الشافعي رحمه الله، ولا فرق أن تكون في [ق 141 أ] السلم أو في البيع العين وبين أن تكون قبل قبض الثمن بعده، ولا يجوز إلا بالثمن الذي وقع عليه العقد جنسًا ونوعًا وقدرًا.
وبه قال أبو حنيفة رحمه الله.
وحكي بعض أصحابنا عن أبي حنيفة أنه قال: إذا أقاله بأكثر من الثمن الأول صحت الإقالة وبطلت الزيادة.
وهذا غلط، لأن شرط الزيادة يُخرج الإقالة عن موضعها وقد أسقط حقه من البيع بما شرط من العوض، فإذا لم يسلم له الشروط لم يزل ملكه.
وقال مالك رحمه الله: الإقالة بيع بكل حال.
وقال بعض أصحابنا: هو قول آخر للشافعي رحمه الله.
وقيل: ذكره في "القديم"، واحتج بأنه نقل ملك بعوض على التراضي فكان بيعًا.
وهذا غلط، لأن المبيع رجع إليه بلفظ لا ينعقد البيع بع ابتداء ولا يكون بيعًا.
وقيل: فائدة القولين ثلاث مسائل:

الجزء: 5 - الصفحة: 163

أحدها: إذا تقايلا هل يتجدد حق الشفعة؟ فإن قلنا: فسخ لا يتجدد.
وإن قلنا: بيع يتجدد.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: هي بيع في غير حق المتعاقدين فثبت بها الشفعة للشفيع، وهذا مجال، لأن ما كان فسخًا لحكم كان فسخًا لكل حكم.
والثانية: إن تقايلا فقبل استرداد البائع المبيع يتلف، فإن قلنا: ابتداء عقد تبطل الإقالة.
وإن قلنا: فسخ لا تبطل.
والثالث: الإقالة في التالف هل تصح؟ إن قلنا فسخ تصح وإلا فلا تصح وهذا ليس بشيء، وهو غلط على المذهب، [ق 141 ب] لأن الشافعي نص على أن الإقالة تجوز في التالف ولم يذكر قولًا آخر.
هكذا ذكره القاضي الطبري رحمه الله.
وقال في "الحاوي": قال بعض البغداديين: تجوز الإقالة بعد تلف العين، وهذا خطأ، ولا تجوز إلا مع بقاء العين، لأن فسخ الإجبار بالرد بالعيب لا يجوز مع التالف ففسخ المراضاة أولى.
وقد ذكرنا لفظ الشافعي فيما تقدم فلا معنى لهذا.
فإذا تقرر هذا، فإن أقاله في جميع المسلم فيه جاز وانفسخ العقد، وعليه أن يرد ما قبضه من رأس المال، فإن كان قائمًا رده، وإن كان تالفًا فعليه رد مثله إن كان له مثل أو قيمته يوم قبضه منه إن لم يكن له مثل.
ولو أقاله في بعضه وقبل بعضه يجوز أيضًا.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هذا إذا جوزنا تفريق الصفقة، فإذا لم نجوز تفريق الصفقة لا يجوز هذا وإن تراضيا عليه.
ويذكر هذا عن القفال، وفي هذا نظر، ولا وجه له.
وبقوله قال عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحكم بن عيينة، وأبو حنيفة، والثوري رحمهم الله تعالى.
وقال مالك، وربيعة، والليث بن سعد وابن أبي ليلى: لا يجوز ذلك، وكرهه أحمد وإسحاق.
ورواه ابن المنذر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - والحسن، وابن سيرين، والنخعي، واحتجوا بأنه إذا أقاله في بعضه فقد صار بيعًا وسلفًا، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه [ق 142 أ] وذلك أنه إذا أقاله في بعضه، ورد بعض رأس المال يصير في معنى القرض، لأنه رد مثله والباقي يكون بيعًا.
وأيضًا إذا أقاله في البعض يصير كأن البائع ما أعطى البعض إلا بعوض وهو الإقالة في البعض، ولو عجل البعض وأبرأ عن البعض لم يجز.
وهذا غلط، لأن الإقالة مندوب إليها، وكل معروف جاز في جميع العوض جاز في بعضه كالإبراء.
وأنا ما ذكره لا يصح، لأنه موجود في الرجوع بأرش العيب ونحو ذلك، ولأنه إنما يجوز عند الشرط وهذا من غير شرط.
وأما الآخر فلا يصح، لأن الشافعي رحمه الله قال: "لا أجعل التهمة موضعًا فيما فعلا".
ويجوز عند البراءة عن البعض وأخذ البعض معجلًا قبل المحل من غير شرط، ولا يجوز ذلك الشرط، وهذا لأنهما لا يتهمان أنهما أضمرا أن يكون التعجيل في مقابلة النقصان، فيصير كالشرط كما قال مالك.
واحتج الشافعي رحمة الله عليه بما روي عن

الجزء: 5 - الصفحة: 164

ابن عباس رضي الله عنهما قال فيمن أقال بعض السلم وقبض بعضًا: ذلك المعروف.
قال: وأجازه عطاء بن أبي رباح المكي، وهذا استئناس بقوله.
وحكي عن ابن أبي ليلى أنه قال: إذا أقاله في البعض انفسخ في الكل.
وهذا غلط ظاهر، لأن البيع لا يسري فكيف تسري الإقالة.
مسألة: قال: "وإذا أقاله فبطل عنه الطعام وصار عليه ذهباً تبايعا بعد بالذهب ما شاءا وتقابضا قبل أن [ق 142 ب] يتفرقا من عرض وغيره".
وهذا كما قال: إذا تقايلا في بعض المسلم فيه أو كله ورأس المال ذهب قد تلف عنده يسترد مثله على ما ذكرناه.
فإن أراد أن يأخذ جنساً آخر وإن قال: أسلمت إليك مالي في ذمتك في كذا وكذا ولم يجز، لأنه بيع دين بدين.
وإن أخذ ديناً فإن أخذ دراهم عن كذا لم يجز أن يتفرقا قبل التقابض لأنه صرف.
وأن أخذ عرضاً نص الشافعي رحمه الله ههنا أنه لا يجوز أن يفارقه قبل القبض، لأنه قال: "من عرض أو غيره".
وقد ذكرنا فيه وجهاً آخر أنه يجوز من غير قبض، لأنه بيع عين بدين لا يحرم فيهما النساء، كما لو باع عيناً بثمن في ذمة المشتري، ولا فرق بين أن يكون الثمن في ذمة المشتري أو في ذمة البائع، ومن قال بهذا تأول قول الشافعي ههنا فقال: أراد به إذا كان العرض موصوفاً غير معين، ولو استبدل منه عرضاً موصوفاً وعيناه في المجلس وتقابضا ثم تفرقا فيه وجهان، لأن ابتدأه دين أخذ عرضاً عن دين.
هكذا ذكره بعض أصحابنا بخراسان.
والمذهب أنه يجوز ذلك.
قال أبو حنيفة رحمه الله: لا يجوز الاستبدال عن رأس مال السلم بعد التقايل استحساناً، كما لا يجوز عن المسلم فيه عند بقاء العقد.
واحتج بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أسل في شيء فلا يصرفه إلى غيره".
وهذا غلط، لأن الذهب بعد الإقالة دين مستقر في الذمة [ق 143 أ] وعلامة استقرار الحق في الذمة تقويمه عند عدمه والذهب بعد الإقالة بهذه الصفة، وعلامة عدم الاستقرار في الذمة أن يترك تقويمه عند العدم والانقطاع والمسلم فيه بهذه الصفة، لأنا إذا فقدناه يقومه بل يفسخ عقد المسلم فعلم أنه غير مستقر فلا تجوز المعارضة عنه بخلاف رأس المال ههنا.
وأما الخبر أراد به المسلم فيه.
فرع لو تبايعا عبداً وقبضه المشتري ثم تقايلا ثم اشتراه ثانياً من بايعه ثم تلف العبد يد المشتري يضمن بالقيمة دون الثمن الأول والثاني، لأن الإقالة رفعت المشتري الأول وتلفه قبل إحداث قبض ثاني بطل الشراء الثاني فبطل الثمنان، ثم هو مقبوض على وجه

الجزء: 5 - الصفحة: 165

المعاوضة فضمن المقبوض سوماً.
مسألة: قال: "ولا يجوز في السلم الشرِكة والتولية لأنهما بيع".
وهذا كما قال: قد ذكرنا صورة الشركة والتولية قبل هذا وكلاهما لا يجوزان في السلم فيه، لأنه بعض البعض أو الكل، ولا يجوز ذلك في المسلم فيه.
وأما إذا قبضه جاز فيه الشركة والتولية.
وظاهر مذهب الشافعي أنه يجوز في بيع العين بلفظ الشركة والتولية، لأنه قال: "الشركة والتولية من البيوع" يحل بما يحل به البيوع، ويحرم بما يحرم به البيوع، فحيث كان البيع حلالاً فهو حلال، وحيثما كان البيع حراماً فهو حرام.
ولا يحتاج فيها إلى ذكر الثمن إذا كانا عالمين بقدر الثمن.
وقال مالك [ق 143 ب] رحمه الله: يجوز التولية في السلم قبل قبضة لأنها تشبه الإقالة لاختصاصها بالثمن الأول.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه.
وأرخص في الشركة والتولية.
وهذا غلط لما ذكرنا أنها بيع محض.
وأما الخبر فهو غير مشهور، ثم أنه أرخص فيهما في الجملة، لأنه عطف على ما قبل القبض.
مسألة: قال: "ولو عجل له قبل محله أدنى من حقه أجزته ولا أجعل للتهمة موضعاً".
وهذا كما قال.
لو عجل المسلم إليه المسلم فيه قبل محله مما أسلم فيه فإن تراضيا عليه جاز، لأن كل واحد منهما متبرع بترك حقه، ولا يجوز أن يقال: أنه إنما عجله قبل محله بإزاء ما نقصه من صفته، لأن ذلك رجماً بالغيب وإضافة الحكم إليهما لم ينطلقا به، ولأنهما لو قصدا ذلك لم ينطقا به لم يضرهما بالتعجيل في مقابلة صفة الجودة.
ولو قال: أعجل لك حقك بشرط أن أعطيك دون حقك لا يصح، لأنه بالتعجيل وبالجاهلية، فإنهم كانوا يزيدون في الحق لزيادة الأجل، وهذا نقصان الحق لنقصان الأجل.
ولو قال: إذا حل الحق زدني في الأجل حتى أزيدك في الحق فهذا ربا الجاهلية المحض وهو محرم.

باب ما لا يجوز فيه السلف

مسألة: قال: "ولا يجوز السلم في النبل".
وهذا كما قال، أصل هذا الباب إن كان ما لا يأتي عليه الصفة على وجه يصح

الجزء: 5 - الصفحة: 166

المطالبة بالموصوف لا يجوز السلم فيه، ذكر الشافعي - رحمة الله عليه - من ذلك النبل والسهم.
وقال أصحابنا: هو على ثلاثة أضرب: مفروغ منه، ومنحوت، ومشبق للعمل.
فأما المفروغ منه فلا يجوز السلم فيه لأنه لا يمكن ضبط تخانته، فإنه دقيق الطرفين غليظ الوسط ويشتمل على عقب وخشب وغراء ونصل وريش طائر لا يؤكل لحمه، وهو كالقسي المعمولة المشتملة على أشياء كثيرة.
وأما المنحوت للعمل فلا يجوز السلم فيه أيضاً.
هكذا ذكره جماعة أصحابنا وقال في "الحاوي": في المنحوت المعمول من غير تركيب الحديد والعقب والريش، وهل يجوز السلم إذا ضبط نحتها وصفتها؟ قولان.
أحدهما: وهو ظاهر قوله ههنا أنه باطل لاختلاف تخانتها وأن وسطها شكلاً يخالف شكل طرفيها.
والثاني: نص عليه "الأم" أنه يجوز لأن صفة تخانتها وإن اختلفت مضبوطة وليس اختلافها بأكثر من اختلاف الأواني في عملها وصنعتها ويجوز السلم فيها، وهذا أصح.
قال: وكذلك السلم في القسي على هذا، وذكر في "المختصر" قال: "لا يجوز السلم في النبل لأنه لا يقدر على تخانتها وقوى تخانتها" والأصح الأول والتخانة: الغلظ.
وقال الإمام الجويني - رحمه الله - الثاني أشبه بالمعنى واللفظتان متقاربتان.
وأما المشبق المعمول للعمل الذي لم [ق 144 ب] ينحت وكان مستوى الأطراف والأوسط نص الشافعي - رحمة الله - على جواز السلم.
قال أصحابنا يجوز وزناً وعدداً إن أمكن وصف طولهما وعرضهما.
ذكره في "الإفصاح" وقيل: قال في موضع: لا يجوز السلم في النبل، وقال في موضع: يجوز السلم في النشاب وليس على قولين، بل على اختلاف حالين على ما ذكرنا ولو باع السهم، وفيه ريش ما لا يؤكل لا يجوز البيع.
فرع السلم في رماح القنا هل يجوز إن كان طويلاً واختلف طول الكعب وكان أسفل الرمح أطول العبا ورأس الرمح أقصر العبا لا يجوز للاختلاف، وأما ما قصر منها واستوى الكعب أسفله ورأسه في الطول والغلظ يجوز السلم فيه لضبطه بالصفة في طول أكعبه واستدارة كل كعب وغلظة.
مسألة: قال: "ولا في اللؤلؤ ولا في الزبرجد".

الجزء: 5 - الصفحة: 167

وهذا كما قال: لا يجوز السلم في اللآلئ واليواقيت والزبرجد والمزمرد والعقيق وسائر الجواهر والخرز، لأن المطلوب منها الرزانة في الوزن والنبالة في القدر وحسن التدوير وصفاء اللون وغير ذلك، فإذا وصف قال: لؤلؤة مدحرجة أو مستطيلة وزنها كذا، فقد تكون الثقيلة الوزن أوزن شيء وهي صغيرة، وأخرى أخف منها وهي كبيرة متفاوتين في الثمن ما بين المائتين والألفين ولا يكون ضبطها بالعظم فإن قيل: قال في "المختصر" مدحرجة مستطيلة، والمدحرجة كيف تكون مستطيلة؟ [ق 145 أ] قيل: ليس معنى المدحرجة ههنا المدورة وقد تكون مستطيلة، وقال بعض أصحابنا بخراسان: وعلى هذا لو أسلم في بطيخة واحدة لم يجز إذ لابد من ذكر الوزن.
وقيل: ما ينقص عن تلك الصفة التي ذكروا، ولو قال: مائة من البطيخ وجمع بطيخات متفاوتة يحصل مائة جاز، وقال مالك - رحمه الله -: يجوز السلم في اللؤلؤ وهو غلط لما ذكرنا.
فإن قيل: جوزتم في البلور والعقيق مثله؟ قلنا: العقيق شديد الاختلاف والحجر الواحد قد يكون موضع منه بفضل على ما سواه فضلاً كثيراً بخلاف البلور.
فرع لو أسلم في اللآلئ الصغار التي تسحق للدواء ولا تراد للزينة بحال وزناً يجوز ذكره أصحابنا.
مسألة: قال: "ولا يجوز السلم في جوز ولا رابخ".
الفصل وهذا كما قال: لا يجوز السلم في البطيخ والقثاء والرابخ والرمان والسفرجل والبيض ونحو ذلك عدداً، لأنها تتباين في الصغر والكبير ولا يجوز كيلاً، لأنها تتجافي في المكيال فلا تضبط، ويجوز السلم فيها وزناً.
ذكره أبو إسحاق وجماعة.
وأما الجوز، واللوز، والفستق، والبندق.
قال في "الأم": "إن كان الجوز لا يتجافي يجوز السلم فيه كيلاً والوزن أحب إلى وأصح فيه" وقال أبو إسحاق، وجماعة: يجوز السلم فيها كيلاً ووزناً، وحكي عن أبي إسحاق أنه قال: أراد الشافعي بالجوز الجوز الهندي حيث قال: لا يجوز [ق 145 ب] السلم فيه إلا وزناً" ولا يحتاج إلى هذا التأويل.
وهو غلط، لأن الشافعي - رحمة الله عليه - قال: ههنا: إلا أن يضبط بكيل أو وزن.
فذكر الكيل فيما يمكن كيله، وهذا التأويل، وذكر الرانج مع الجوز والرانج: الجوز الهندي فصح ما ذكرنا من الغلط، وقال الأوزاعي: يجوز السلم في البيض والسفرجل والرمان وما يتفاوت عدداً.

الجزء: 5 - الصفحة: 168

وحكي عن أبي حنيفة - رحمة الله -: يجوز في الجوز والبيض، واحتج بأن التفاوت بين الجوزتين والبيضتين يسير، وهذا لا يصح لأنه يتباين متفاوتاً كما في الرمان والبطيخ.
مسألة: قال: "وأرى الناس تركوا وزن الرؤوس".
الفصل.
وهذا كما قال: لا يجوز السلم في الرؤوس المشوبة ولا المطبوخة قولاً واحداً، كما يجوز في اللحم المطبوخ ولا يجوز في غير المشوبة عدداً لتباينها في الصغر والكبر.
وأما الوزن هل يجوز؟ فيه قولان: أحدهما: يجوز وبه قال مالك - رحمه الله - أنه لحم فيه عظم يجوز شراؤه فجاز السليم فيه كاللحم.
والثاني: لا يجوز.
وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - وهذا اختيار أكثر أصحابنا لأن ما فيها من العظم الذي ليس بمقصود أكثر من اللحم الذي هو مقصود فيكثر الغرر بخلاف اللحم، ولأن فيه أنواعاً مختلفة وطعوماً متباينة، فمنها اللسان، ومنها الخد، ومنها العين، ولا يمكن ضبط كل نوع منه، وقال أبو إسحاق: لا يجوز قولاً واحداً لهذا المعنى، وقوله: "لو تحامل رجل وأجاز السلم فيه [ق 146 أ] لم يجز إلا وزناً" أراد به قول الغير.
وقال بعض أصحابنا: يجوز قولاً إذا ذكر نوعاً من الخرفان أو الكباش أو التيوس أو النعاج، فيقول: مائة رأس وزن كل رأس كذا، ثم يلزمه أن يدافع ما بقى عما لا يفصل منها من الشعر والمناخر.
فرع هل يجوز السلم في الكوارع؟ قال القاضي الطبري: لا يجوز ولم يذكر خلافاً، والصحيح أنه لا فرق بينها وبين الرؤوس، لأنه أكثرها غير مقصود كما في الرؤوس إذا جوزنا، يقول: مائة كراع من المقادم أو المواخر وزنها كذا.
مسألة: قال: "ولا يجوز السلف في جلود الغنم".
وهذا كما قال: "لا يجوز السلم في الجلود لأنها إن قدرت بالذرع لم يصح لاختلاف خلقة مواضعها وتباينها في الدقة والغلط، وإن قدرت بالوزن فإن جلدين متفقان في الوزن مختلفان في الثمن اختلافاً متفاوتاً لشدة أحدهما وصلابته وضعف الآخر وخفته.
وقيل: جلد الورك ثخين قوي، وجلد الصدر ثخين رخو، وجلد الجنب ضعيف ولا يمكن العبارة عن هذا التفاوت.

الجزء: 5 - الصفحة: 169

وقال أصحابنا بخراسان: يجوز السلم فيها إذا ذكر الجنس والطول والعرض وإنما لا يجوز في جلد غير مدبوغ لأنه غير معلوم، وهذا خلاف النص.
فرع لو أسلم في قطعة من السبت مقدرة الطول والعرض موصوفة اللون والرقة والغلطة، هل يجوز؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنها من جملة [ق 146 ب] لا يصح السلم فيها ولأنها تختلف كالمعمولة وهو قول الأكثرين.
والثاني: يجوز بالوزن لأن ما تعذر ضبطه في الجلد وخيف اختلافه فيه مأمون في الفلقة المقطوعة على قدر معلوم، وهو اختيار بعض مشايخ خراسان.
فرع آخر قال في "الأم": ولا يجوز السلم في إرهاب من رقٍ ولا غيره" وأراد به ما يكتب فيه، وهذا لأنه جلد كسائر الجلود.
ويجب السلم في الكاغذ وزناً.
فرع آخر لا يجوز السلم في الخفاف والنعال لما فيه من الحشو والغراء.
وقال ابن سريج - رحمه الله -: لا يعلم في الخف إلا الله تعالى والإسكاف: يعني أنه مجهول، وحكي عن أبي حنيفة أنه يجوز أن يبتاع النعلين والشراكين، ثم يستأجر بأجرة معلومة على الجلد وعلى خرز الخفين، وإن لم يكن الجلد ميتاً لا يجوز وهذا لا إشكال فيه.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يجوز استحساناً.
مسألة: قال: "ولا السلف في البقول حزماً".
وهذا كما قال: لا يجوز السلم في البقول حزماً لأنها تختلف وتتفاوت، وإن أسلم [ق 147 أ] فيها وزناً وذكر جنسه ونوعه فقال: كرات شامي أو طبري وذكر صغره وكبره

الجزء: 5 - الصفحة: 170

جاز، وكذلك في النعناع والطرخون والخس وغير ذلك.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز في الخس والفجل قولاً واحداً فإنه شيئان اللب والورق منه ما يكون كثير اللب قليل الورق، ومنه ما يكون صغيراً كثير الورق ولا يمكن ضبطه، وإن ذكر البقل مطلقاً لا يجوز لأنه اسم شامل.
فرع قال: ولا بأس بالسلم في قصب السكر وزناً ويقطع أعلاه الذي لا حلاوة فيه ولا منفعة، ويطرح ما عليه من القشر ويقطع مجامع عروقه من أسفله، وذكر بعض أصحابنا أن المزني قال: وأنا أقول: ويشترط أن يقطع مجامع عروقه من أسفله، ولم يذكره الشافعي.
فمن أصحابنا من قال: وهو شرط مثل قطع أعلاه، لأن كلها غير مقصود.
ومن أصحابنا من قال: لا يشترط هذا لأن فيه حلاوة وعروقه يسيرة ولا حلاوة في أعلاه.
فرع آخر لا يجوز السلم في الجزر والسلجم إلا بعد قطع ورقه، لأن ورقه غير مقصود ولا فيه منفعة لأن قلعه مفسد له فجرى مجرى قشوره.
فرع آخر لا يجوز السلم في الجزر والسلجم إلا بعد قطع ورقه، لأنه ورقه غير مقصود ولا فيه منفعة لأن قلعة مفسد له فجرى قشوره.
فرع آخر ويجوز السلم في التين كيلاً أو وزناً من جنس معروف إن اختلفت أجناسه، وكذلك في القصب والقرط والبصل وما أنبت من الأرض وزناً.
فرع آخر السلم في تعليم القرآن يجوز، لأنه يثبت في الذمة مهراً، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز [ق 147 ب] قال والدي - رحمه الله: والأول أجود لأن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على جواز السلم في المنافع واعتبر قبض المقابل لها في المجلس ولم يفصل.
فرع آخر لو جعل رأس المال منفعة دار فيسلم الدار له قبل أن يفارقه، ولو جعل رأس ماله تعليم سورة من القرآن يسلم نفسه إليه ثم يتخايرا ويفارقه برضاه من غير امتناع ليقطع بأحد هذين الأمرين خيار المجلس، ووجه ذلك أن تسليم ما ينتفع به جار مجري تسليم المنفعة في باب الأعواض.
فرع آخر لو اسلم إلى المحرم في صيد إلى أجل يعلم خروجه من الإحرام عنده لو فعل الأظهر جواز السلم، لأن الغالب وجوده غالباً وقت الاستحقاق.
وقد يعلم يقيناً إباحة الصيدلة عند التحلل على القول الذي يقول بحل الصيد بالتحلل الأول، وإن فوات وقت

الجزء: 5 - الصفحة: 171

رمي جمرة العقبة يفيد التحلل إذا قلنا الحق ليس بنسك، ولكن ينبغي أن يشترط في المسألة على هذا التحقيق وجود المسلم بعد الوقوف بعرفة لتصح هذه المعرفة من جهة اليقين لو بقى الحاج على شرط التكليف.
فرع آخر لو أسلم دراهم في ذمته في طعام ثم عينها قبل التفرق وقبل القبض، قال المسلم إليه أعطني بدله مثله لا أنه يكون أصلاً بنفسه ففعل هل يصح أم لا؟ قال والدي - رحمه الله: يحتمل أن يقال: يصح، ويحتمل أن [ق 148 أ] يقال: لا يصح ويبطل هذا الاشتراط.
فرع آخر لو جاءه بالمسلم فيه أجود مما شرط فأعطاه عوض الجودة لا يجوز، وقال أبو حنيفة: يجوز.
وهذا غلط، لأن الجودة صفة فلا يجوز إفرادها بالعقد.
فرع آخر اختلاف المسلم والمسلم إليه كاختلاف المتبايعين على ما ذكرنا، وإن اختلفا في الأجل فقال المسلم: بغير أجل، وقال المسلم إليه: بأجل واتفقا على الأجل واختلفا في قدره فقال من له الحق: شهر، وقال من عليه الحق: شهران تحالفا، ولو اتفقا على مبلغ الأجل واختلفا في انقضائه فقال من له الحق: قد انقضى، وقال من عليه الحق: ما انقضى، أو اختلفا في ابتدائه فقال من له الحق: شهر، وقال من عليه الحق: شهران تحالفا، ولو اتفقا على مبلغ الأجل واختلفا في انقضائه فقال من له الحق قد انقضى، وقال: من عليه الحق ما انقضى لو اختلفا في ابتدائه فقال: من له الحق أو له غرة شوال وقال: من عليه الحق أو له غرة القعدة فالقول قول من عليه الحق، لأن الأصل أنه ما انقضى.
وهكذا إذا اختلفا الأجير والمستأجر، فقال الأجير: قد انقضت المدة، وقال المستأجر ما انقضت فالقول قول من ينفي الانقضاء.
فرع آخر لو أسلم إليه وسلم رأس المال فقال: سلمه إليه بعد افتراقنا عن المجلس فالسم باطل.
وقال المسلم إليه: سلمته [ق 148 ب] في المجلس وأقام كل واحد منهما بنية.
قال ابن سريج: بنية المسلم إليه أولى لأنه يدعى صحة العقد، والظاهر من صحته وهكذا لو كان رأس المال في يد المسلم وقد تفرقا عن المجلس فقال: تفرقنا قبل القبض.
وقال المسلم إليه: قبضته ثم تفرقنا ثم أودعتكه أو غصبته وأقام كل واحد منهما بينة فبينة المسلم إليه أولى لما ذكرنا.
ولو لم يكن بنية فالقول قول من يدعي الصحة، ولو

الجزء: 5 - الصفحة: 172

كان الاختلاف بالضد فقال المسلم إليه: تفرقنا قبل القبض، وقال المسلم: ما تفرقنا إلا بعد القبض والثمن في يد المسلم وأقام كل واحد بينة بما يدعيه فالبينة بينة المسلم لأنها تثبت قضاء تنفيه الأخرى فيكون عقد السلم بحالة وقد عاد ثمن السلم فيه إلى يد المسلم بعد أن قبضه منه.
فيكون القول قول المسلم إليه في حقه إلى المسلم وإن لم يكن مع واحد بينة فأقول قول من معه سلامة العقد.
فرع آخر ضمان المسلم فيه جائز وقد ذكرنا، فلو ضمن فصالح الكفيل عماله بشيء يأخذ منه لا يصح الصلح، لأن الصلح بيع.
ولا يجوز بيع المسلم فيه من الكفيل لأنه بيع ما لم يقبضه.
ولو كان في لفظ الصلح صالحني مالك في ذمة المسلم إليه بمثل الثمن الذي أسلمته إليه لم يصح أيضاً، لأنه إقالة والإقالة من غير العاقد لا تصح.
ولو قال المسلم إليه: صالحني مما في ذمتي بمثل ذلك الثمن فصالحه يجوز لأنها إقالة بلفظ الصلح [ق 149 أ] وإن لم يذكر ذلك المسلم فإنه بيع ولا يجوز بيع المسلم فيه قبل القبض.
فرع آخر لو أسلم إلى رجل وشرط موضع التسليم ثم صالحه على أن يسلمه إليه في غير ذلك الموضع ويأخذ منه كرى الحمل إلى الموضع المشروط لا يجوز، ذكره ابن سريج.
فرع آخر لو قبض المسلم المسلم فيه ووجده معيباً رده، فإن حدث عنده عيب آخر قال القاضي الطبري - رحمه الله: كان له الرجوع بأرشه عندي على مذهب الشافعي - رحمة الله عليه.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله: لا يرجع بالأرش لأن الرجوع بالأرش أخذ عوض الجزء الغائب.
ومع المسلم فيه قبل القبض لا يجوز، وهذا غلط، لأنه عوض يجوز رده بالعيب، فإذا سقط الرد بحدوث عيب آخر ثبت الرجوع بالأرش كالمبيع في بيع العين، وأما ما ذكره فلا يصح، لأن بيع المبيع قبل القبض لا يجوز، ويجوز أخذ أرش العيب.
وقال ابن سريج - رحمه الله: هذا باعتياض على الجزء الفائت ولكنه فسخ في الجزء الفائت، فإذا كان المسلم فيه عيب ينقص عشر قيمته، وأخذ الأرش فقد أخذ عشر رأس المال فينقص البيع فيه، وفي الباقي البيع صحيح تام.
وذكر القفال أن الشافعي - رحمة الله عليه - نص على ما ذكره القاضي الطبري وقال المزني: "لا يجوز ذلك، كما قال أبو حنيفة، وقال ابن سريج: ما قاله الشافعي صحيح على ما ذكرنا عنه، وذكر [ق 149 ب] والدي - رحمه الله - أنه يرد مع أرش العيب الحادث عنده ويطالبه بالمسلم فيه على الصفات المشروطة، لأنه استحق في ذمته ثوباً سليماً، وهو دفع غير ما استحقه فله الرد وأخذ المستحق كما لو كان عليه درهم جيد فدفع رديئاً يرد.
ويطالبه بالجيد.
قال: وعلى هذا لو كان عليه لآخر عبد سليم فدفعه معيباً ولم يعلم به القابض حتى اكتسب العبد

الجزء: 5 - الصفحة: 173

مالاً، أو كانت جارية فولدت ثم أراده رده بالعيب، له الرد وعليه رد ما اكتسبه معه، لأن ملك الرافع لم يزل بالدفع إلا بشرط الرضا، فإذا لم يكن رضا علم أنه باق على ملكه فيكون الكسب له، وهذا لا يصح عندي، لأن ملك الدافع زال الدفع، ولهذا لو وجد به عيباً فسكت بطل الرد وبقي على ملكه، وكذلك لو رضي بالعيب فلا معنى لهذا.
فرع آخر لا يجوز أن يشتري سلعة ويشترط على البائع سربلها، وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز لأن الناس يفعلون ذلك، وهذا غلط لأنه بيع شرط فيه على البائع منفعة بغير عوض فلا يجوز، كما لو اشترى حنطة على أن يطحنها البائع.
فرع آخر لو قال: اشتريت هذه السلعة بدرهم واستأجرتك لسويتها بدرهم فيه طريقان: أحدهما: فيه قولان، لأنه جمع بين بيع وإجازة.
والثاني: لا يجوز وجهاً واحداً لأنه شرط العمل فيما لم يملكه بعد.
فرع آخر لو قال لعبد رجل: اشتر نفسك [ق 150 أ] من مولاك بكذا فاشترى نفسه له من مولاه، قال ابن سريج: فيه وجهان وقيل قولان: أحدهما: يصح البيه لأنه إذا جاز أن يكون وكيلاً له في شراء عبد جاز أن يكون وكيلاً في شري نفسه، ولأنه إذا ناب عن غيره كان بمنزلة قبول الموت عنه وهذا أقيس، وبه قال مالك رحمه الله.
والثاني: لا يجوز وهو المذهب، لأن يد العبد يد سيده، وإذا لم يجز أن يشتري من نفسه لغيره فكذلك لا يجوز.
فإذا قلنا: يصح فإن صدقه المشتري له أنه وكله كان الشري له، وإن لم يصدقه كان الشري لازماً له وعتق ويثبت الثمن في ذمته، وكذلك لو وكل رجل عبد رجل بأن يشتري له عبداً لسيده هل يصح؟ وجهان.
فرع آخر لو باع عبده من نفسه صح ويكون عتقاً بعوض فيعتق ويستحق الثمن في ذمته وإن أقر العبد بعد ذلك أنه ابتاع لزيد، فإن صدقه السيد وزيد على ذلك فيه وجهان، والصحيح أنه يقبل، وإن كذبه السيد فالقول قول السيد مع يمينه على أنه لا يعلم ووقع البيع لنفسه وعتق لأن الظاهر أنه ابتاع لنفسه.

باب التسعير

قال: أخبرنا الدراوردي الخبر.

الجزء: 5 - الصفحة: 174

وهذا كما قال.
لا يجوز للسلطان ولا للناظر في أمور المسلمين أن يسعر على [ق 150] التجار في امتعتهم في الطعام وغيره لا في حال الخصب والرخص، ولا في حال الغلاء والقحط.
وقال مالك: للإمام، التسعير عند غلاء الأقوات، فإن خالفوا أدبهم إلا أن يمتنعوا عن البيع أصلاً فلا يجبروا.
وقيل عنه: أنه له يبيع من بيته كيف شاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: للإمام التسعير وإن لم يكن ضرورة عند مالك وعندنا في زمان القحط وشدة الحال ومع رجل أو جماعة طعام لا يبيعونه يسعى الوقت فسعر الإمام نظر للناس هل يجوز أم لا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز.
والثاني: يجوز للمضطرين أن يغيروا على طعام الغير فيأخذونه بقيمة مثله ذكره أبو حامد أيضاً.
ولكنه في الحقيقة ليس تسعير لأنه يجوز له الأخذ جبراً وقيل: إنما يسعر في السوق فأما في بيته يبيع كيف شاء، لأن عمر - رضي الله عنه - قال لحاطب إما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل بيتك فتبيعه كيف شئت.
وقال أبو إسحاق: إن كان يجلب إليه الطعام لا يجوز التسعير، وإن كان طعام أهل البلد من البلد فللإمام أن يسعر وهذا خلاف النص.
واحتج الشافعي رحمه الله بما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل أدع الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل ادع الله" ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر على أصحاب الطعام، فقال: "بل ادع الله يرفع ويخفض، [ق 151 أ] وإني لأرجو أن ألقي الله تعالى وليست عندي لأحد مظلمة".
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما قيل له: يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله تعالى وليس لأحد منكم من يطلبني بمظلمة في دم ولا مال".
فقال الشافعي: ولأن الناس مسلطون على أموالهم ليس لأحد أن يأخذها ولا شيئاً منها بغير طيب أنفسهم إلا في المواضع التي تلزمهم، وهذا ليس منها، وأراد بالمواضع التي تلزمهم أروش الجنايات ونفقات الغرامات فالحقوق اللازمة للمستحقين وهي كثيرة، ومن جملتها أن الضرورة إذا اشتدت بالمضطر كان للسلطان أن يتعاطى أخذ مال الناس لشدة ..... جبراً ولكنه لا يجوز إلا بعوض، فإن وجد للمضطر ما يصرف إلى قيمة الطعام صرفه، وإن لم يجد له مالاً وفي بيت المال شيء فالقيمة في بيت المال، وإن لم يكن في بيت المال ما أجبر الناس على إشباع الجائعين بلا عوض ولا بغير طيب أنفسهم في هذه المنزلة ولكنه يجتهد

الجزء: 5 - الصفحة: 175

ويجبر المتولين والأغنياء وأولادهم الناس على الإشباع والكفاية، لأن الأسعار وإن ارتفعت فلا يكاد يعدم الفقراء من يتصدق عليهم بثمن الطعام.
واحتج مالك رحمه الله بما روى عن عمر - رضي الله عنه - أنه مر بحاطب في سوق المصلي [ق 151 ب] وبين يديه غرارتان فيهما زبيب، فسأله عن سعرها كل مدين بدرهم، فقال له: حدثت بعير مقبل من الطائف وهم يعتبرون بسعرك، فإما أن ترفع في السعر، وإما أن تدخل زبيبك البيت فتبيعه كيف شئت.
فدل على جواز التسعير.
وروى عن علي رضي الله عنه أنه سعر على قوم طعاماً فخالفوه فحرقه عليهم من الغد.
والجواب ما ذكره الشافعي رحمه الله قال: هذا الذي رواه مالك بعض الحديث، وتمام الحديث: أنه لما رجع حاسب نفسه كل ليلة لما جرى في يومه فوجد في حسابه أنه سهر الحاطب، فأتى حاطباً في جوف الليل، وقال: إن الذي قلت ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد، فحيث شئت فبع وكيف شئت فبع.
قال الشافعي: وهذا الحديث يقتضي ليس بخلاف لما روى مالك، ولكنه روى بعض الخبر أو رواه من رواه عنه، وهذا أتى بأول الخبر وآخره، ثم أشار إلى ما ذكرنا من القياس.
وأما لفظ الحديث: "فسعر له مدين لكل درهم"، قرئ بتنوين اللام ورفع الدرهم "لكل درهم"، وهو اختيار القفال.
ومعناه: كل مد بدرهم.
وقرئ بتنوين اللام وخفض الدرهم، ومعناه: بعه مدين بدرهم.
وهذا يحتمل اللفظان ثبتت به الرواية، ولا يختلف الحكم بذلك، وفي هذا الأمر دليل على أن الإمام إذا أمر بشيء وهو يريد به المصلحة وليس ذلك بحتم في الشرع فعليه تبيينه للمأمور على أن [ق 152 أ] مرادي بذلك المصلحة وليس ذلك بحت في الشرع لئلا يظن المأور خلافه.
ولهذا أتى عمر - رضي الله عنه - حاطباً في داره نبه على ذلك.
وقال أصحابنا: المستحب للإمام أن يباشر مطالعة أحوال الأموال، ولا يرتفع عن ذلك كما كان عمر - رضي الله عنه - يفعل.
وأما خبر علي - رضي الله عنه - فلا يصح وهو متروك بالإجماع.
فرع إذا جوزنا التسعير في الطعام هل يجوز في علف البهائم؟ وجهان، لأن لها حرمة بالروح.
فرع آخر إذا سعر الإمام فخالفه له أن يعزره، وهل يصح البيع؟ وجهان:

الجزء: 5 - الصفحة: 176

أحدهما: لا يجوز، لأنه صار محجوراً عليه، ويجوز الحجر على الخصوص.
والثاني: يجوز، لأنه لو باع في بيته يجوز.
فرع آخر الاحتكار محرم في الجملة لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن احتكار الطعام.
وروى ابن عمر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون" وروى: "المحتكر ممحوق".
وقال مالك رحمه الله: لا يجوز في الطعام وغيره من السلع.
وقال: ليست الفواكه من الحكرة.
وقال أحمد رحمه الله: لا احتكار إلا في الطعام خاصة لأنه قوت.
وقال: في مثل مكة والمدينة والثغور، فأما في بغداد والبصرة فلا، لأن السفن تخترقها.
وروى أن عمر - رضي الله عنه - خرج مع أصحابه فرأى طعاماً كثيراً قد ألقى على باب مكة، فقال: ما هذا الطعام؟ فقالوا: جلب إلينا، فقال: بارك الله فيه [ق 152 ب] وفيمن جلبه.
قيل له: إنه قد حكر، فقال: ومن حكره؟ فقيل: فلان مولى عثمان وفلان مولاك، فأرسل إليهما وقال: ما حملكما على احتكار طعام المسلمين؟ فقالا: نشتري بأموالنا ونبيع.
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من احتكر على المسلمين طعامهم لم يمت حتى يضربه الله بالجذام أو الإفلاس".
وقال الراوي: فأما مولى عثمان فباعه، وقال: والله لا احتكر أبداً.
وأما مولى عمر فلم يبعه، فرأيته مجذوماً مخدوشاً.
قال صاحب "الإفصاح": معناه إذا احتكر في الأوقات التي يضطر الناس إلى ما احتكره ومس حاجتهم إليه.
فأما إذا نقص السعر لكثرة الطعام وسعته فاشتراه طلباً للربح فيه كان جائزاً.
وروى سعيد بن المسيد عن معمر بن أبي معمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يحتكر إلا خاطئ".
فقيل لسعيد: إنك تحتكر، قال: ومعمر كان يحتكر.
وتأويله أن المحرم نوع على ما ذكرنا.
قال أصحابنا: وهكذا لو جلبه من بلد الرخص إلى بلده ليبيعه وقت الغلاء والحاجة بسعر اليوم يجوز؟ وربما يكون هذا حسنه، لأنه ينتفع به الناس.
وكذلك إذا ارتفع من طعام فحبسه زماناً ليبيه وقت الحاجة يجوز إن كانت نيته أن لا يبيعه وقت حاجتهم وجوز مغالتهم إياه فهو حرام.
وفي هذا روى ابن عمر - رضي الله عنهما - أن

الجزء: 5 - الصفحة: 177

النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من احتكر طعاماً أربعين ليلة بريء من الله، وأيما [ق 153 أ] أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت ذمة الله منهم".
ومن أصحابنا من قال: الاحتكار مكروه والنهي نهي كراهةٍ، والصحيح ما ذكرنا.
وبه قال مالك وأبو حنيفة.
فرع روى عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المضطر، وبيع الغرر، وبيع الثمرة على نخلها قبل أن تدرك.
وأراد: إذا اضطر إليه بالإكراه عليه فلا يصح.
وقيل: أن يضطر إلى البيع لدين أو مصادره فيبيع بالوكس للضرورة.
فالمستحب أن لا يبتاع على هذا الوجه ولكن يعان ويقرض ويمهل إلى اليسار، فإن عقد جاز في الجملة.

باب ابتياع ذي الحق من أخذه وما لا يلزمه قبوله

مسألة: قال: "وأصل ما يلزم المسلف قبول ما سلف فيه أنه يأتيه به من جنسه".
وهذا كما قال: إذا أتى المسلم إليه بالمسلم فيه لا يخلو من ثلاثة أحوال، إما أن يأتي به على الصفة التي تناولها العقد، أو أزيد منها، أو دونها.
فإذا أتى به على الصفة لزمه قبوله، فإن امتنع من قبوله قيل له: إما أن تقبضه أو تبرئه من الحق، لأن له عرضاً أن تبرأ ذمته من حقك، فإن فعل وإلا قبضه الحاكم عنه وبريء المسلم إليه منه، لأن الحاكم ينوب عن الممتنع بولايته عليه، وليس للحاكم الإبراء، لأن الولي يملك القبض ولا يملك الإبراء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول [ق 153 ب] لا يجبر على قبوله كمن لا حق قصاص لا يقال: إما أن تأخذ أو تبرئ.
وهذا ضعيف، لأن في القصاص ذمته بريئة، وقد خرج من المأثم بالتمكين، ولأن هناك لا ضرر وههنا ضرر، لأنه ربما يطالبه بعد ذلك وقد أعسر، وهذا إذا لم يكن له غرض إلا براءة ذمته، فإن كان هناك غرض آخر بأن كان يحتاج في حفظه إلى مؤنة أو يخاف هلاك المال يجبر على قبوله وجهاً واحداً، فإن اختلفا في الوصف الذي شرطاه سئل أهل الخبرة، فإن قالوا: قد وجد هذا الوصف فيه أجبر على قبوله.

الجزء: 5 - الصفحة: 178

قال الشافعي رحمة الله عليه: ويعتبر أقل ما يقع عليه اسم الوصف الذي شرطاه وإن كان هناك أجود منه، وإن أتى به دون صفته لم يلزمه قبوله، لأنه لا يجبر على إسقاط حقه.
وإن أتى به فوق حقه لا يخلو إما أن يأتيه فوق صفته أو بنوع آخر أجود من نوعه، أو بجنس آخر خير من جنسه، فإن أعطاه من نوعه أجودهما شرط يلزمه قبوله، لأنه أتاه بما تناوله العقد وزيادة تابعة لما تناوله العقد تنفعه ولا تضره.
ويفارق هذا إذا اشترى شيئاً بعينه وأعطاه من نوعه خيراً منه لا يلزمه قبوله، لأن العقد تناول عيناً فلا يصح في عين أخرى إلا بعقد جديد وفسخ الأول، وههنا ما يقبضه يعين فيه العقد الأول، وإن أتى به زائد القدر لا يلزمه قبول الزيادة، لأنه يمكن تمييزها ولا تكون [ق 154 أ] الزيادة تابعة لما تناوله العقد، بل هذا ابتداء هبة، وإن قبلها كانت هبة تفتقر إلى ما تفتقر فيه الهبة، وإن أتى بجنس آخر من المسلم فيه، مثل أن يسلم في التمر فيأتيه بالزبيب، أو يسلم في الشعير فيأتيه بالحنطة لا يجبر على قبوله، لأن هذا غير المعقود عليه، وإن أراد قبوله لم يجز، لأنه بيع المسلم فيه قبل القبض.
ولو أتى بشاة حمراء بدل شاة سوداء يجوز إذا رضي، وإن كان نوعاً غير النوع الذي أسلم، مثل أن يأتي بالضأن بدل المعز، أو أتى بالزبيب الخراساني بدل الزبيب الرازي لم يلزمه قبوله، لأنه يختلف فيه الغرض.
وإن كان ما أتى به أكثر قيمة، وهل يجوز أن يتراضيا؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن ذلك بيع المسلم فيه كما قلنا في الجنسين.
وبه قال أبو إسحاق.
والثاني: وبه قال ابن أبي هريرة: يجوز، لأنهما جنس واحد ويضم أحدهما إلى الآخر كالزكاة.
وهذا أصح.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان، وهو غريب.
وقال أبو حامد رحمه الله: يجوز قبوله، وهل يلزم قبوله؟ فيه وجهان: أحدهما: يلزمه قبوله - وهو الصحيح - لأن زيادة النوع كزيادة الصفة، ولأنه لو لم يكن المبيع لم يجز قبوله.
ولأن الشافعي رحمة الله عليه قال: "وأصل ما يلزم السلف قبول أن يأتي من جنسه" فاعتبر الجنس فقط ولا يصح هذا، لأن الشافعي قال: وإن كان زائداً يصلح ما يصلح له [ق 154 ب] ما أسفله فيه أجبر على قبضه، وقد يصلح أخذ النوعين لما لا يصلح الآخر فأخذ الزبيين يصلح للخل ولا يصلح الآخر له، وأخذ اللحمين يصلح في اللون من الآخر، ويخالف زيادة الصفة، لأن الغرض فيه موجود مع زيادة بالغة.
وأما جواز الأخذ فلا أسقط ما عدمه من صفة النوع الذي عينه، فهو يأخذ كما يأخذ الرديء عن الجيد، ولا يشبه الجنس الآخر لا يجوز أخذه، لأنه لا يدخل في صفاته ولا في بعضها فافترقا.
وعلى هذا أتى بثوبه مروي فكان ثوب هروي فهو زيادة النوع

الجزء: 5 - الصفحة: 179

فرع لو أتى بجاموس بدل بقرة هل يجوز قبوله؟ وجهان.
ولو أسلم في حمار وحشي فأتاه بأهلي، فإن قلنا لا يجوز في الجاموس فههنا أولى.
وإن قلنا يجوز في الجاموس فههنا وجهان: فرع آخر لو اسلم في غنم فأعطاه غنماً خرجت من الظباء، والغنم فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: يجوز قبوله.
والثاني: لا يجوز.
والثالث: إن كانت الأم غنماً يجوز قبوله وإلا فلا يجوز.
مسألة: قال: "وإن كانت حنطة فعليه أن يوفيه إياها نقية من التبن".
وهذا كما قال.
إذا كان الحق حنطة فعليه أن يوفيه حنطة خالصة ليس فيها مدر ولا شعير ولا نصل ولا زوان، فإن جاء بها وفيها دقاق التبن أو التراب، فإن كان كثيراً لم يلزمه قبولها، فإن كان الشرط وزناً لا يلزمه [ق 155 أ] قبوله بحال، لأنه يأخذ قسطاً في الميزان.
مسألة: قال: "وليس عليه أن يأخذ التمر إلا جافاً".
وهذا كما قال: إذا كان الحق تمراً يلزمه ما يفع عليه اسم التمر، وهو إذا بلغ أول وقت الادخار، وليس له أن يطالبه بما تناهي خفافه، فلو أعطاه ما جاوز حد الرطب ولم يبلغ حد الادخار لم يلزمه قبوله، لأنه خفة.
وقال مالك رحمه الله: إذا اسلم في جيد له أوسط ما ينطلق عليه الاسم.
فرع يلزمه أن يقبل من أقاع التمر ما ألصق بها، لأنه أحفظ لها، ولا يلزمه أن يأخذ ما انفصل منها كالنوى.
فرع آخر لو اسلم في لحم الطير والسمك، قد ذكرنا أنه لا يلزمه أخذ الرأس.
وقال بعض أصحابنا

الجزء: 5 - الصفحة: 180

بالبصرة: إن كان الطير صغيراً لا يحتمل أن يباع مبضعاً لزمه فيه أخذ الرأس والرجلين.
وكذلك فيما صغر من الحب يؤخذ الرأس والذنب، لأنه يؤكل معه ويطبخ معه إلا أن يشترط قطع ذلك، كالعظم، وبهذا القول وجه ولكن المذهب خلافه، ولا فرق بين صغار ذلك وكباره، لأن الرأس والرجلين تتميز عن اللحم والعظم، داخل في اللحم، واللحم متراكب عليه فافترقا.
فرع آخر أخذ الجلد مع اللحم، فإن كان لحم إبل أو بقر أو غنم لم يلزمه قبوله، وإن كان لحم طير أو حوت لزمه، لأنه مأكول معه ولا يكاد ينفصل عنه فكان أولى [ق 155 ب] أن يلزم قبوله من العظم الذي قد ينفصل عنه ولا يؤكل معه.
وهكذا لو كان السلم في لحوم الجدي الصغار لزمه قبول الجلد فيه كما ذكرنا من المعرف المعتاد في أكله معها، وأنه لا يتميز في الغالب عنها.
مسألة: قال: "وإن أعطاه مكان كيل وزناً، أو مكان وزن كيلا أو مكان جنس غيره لم يجز بحال".
وهذا كما قال.
كل موضع أراد قبض ما في ذمته فإنما يقبضه على الوجه الذي لزم في الذمة لو كان كيلاً فكيلاً، وإن كان وزناً فوزناً، ولا يأخذ مكان الكيل وزناً ولا مكان الوزن كيلاً، لأنه لا يعلم هل أخذ بعض حقه أم أكثر، أو فوق حقه.
فإن خالف بغير ما وجب له كان وجب له قفيز طعام فأخذ مائة وعشرين رطلاً كان القبض فاسداً، فإن كان الطعام قائماً كلناه، فإن خرج وفق حقه فذلك، وإن كان دون حقه فعليه الفضل، وإن كان أكثر رد الفضل، وإن كان تالفاً فإن اتفقا على شيء حمل الأمر عليه، وإن اختلفا في القدر أو نفس الطعام فالقول قول القابض.
وقال مالك، والثوري، والأوزاعي: إذا أصدقه في الابتداء فالقول قول البائع.
وهو غلط، لأن الأصل عدم القبض وطريق القبض كان فاسداً ههنا.
ولو تصرف هذا القابض قبل الكيل هل يصح؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأنه بيع المسلم فيه قل قبضه.
والثاني: وهو [ق 156 أ] اختيار أبي إسحاق يجوز، لأنه دخل في ضمانه.
وقد مضى نظير هذه المسألة.
فإن قال قائل: إذا استحق عليه حنطة كيلاً فأعطاه وزناً فقد استوفي حنطة وحقه حنطة، فلم قال الشافعي: "فإنه بيع المسلم فيه قبل أن يستوفي"؟ قلنا: شبهه بالبيع بخلاف الرابع في الاستيفاء، فجعل بدل الاستيفاء كبدل المستوفي وذلك غير بعيد.
وتقدير اللفظ

الجزء: 5 - الصفحة: 181

ههنا لأنه كبيع المسلم فيه قبل الاستيفاء.
ويحتمل أن يقال: جمع الشافعي بين المسائل الثلاث وانعطف تعليله على المالية وحدها، وهي قوله: "أو مكان جنس غيره".
والعلة في المسألتين الأوليتين غير هذه وهي ما ذكرنا.
ثم ذكر أن الاعتبار في الكيل والوزن بالحجاز، وبصاع رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سائر الأصع خلافاً لأبي حنيفة.
وفائدة هذه المسألة في الربا لا في السلم، لأن السلم في المسلم في الكيل بالوزن يجوز، وقد ذكرنا قبل هذا.
فرع روى علقمة بن عبد الله عن أبيه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس.
وأراد به كسر الدراهم المضروبة على السكة.
وقيل: إنه كره لما فيه من ذكر الله تعالى.
وقيل: كره لما فيه من الرصعة وفيه تضييع المال.
وقال ابن سريج رحمه الله: كانوا يرصون الدراهم [ق 156 ب] ويأخذون أطرافها فنهوا عنه.
وقال بعض أهل العلم: إنما كره قطعها وكسرها من أجل التدنيق.
وقال الحسن: لعن الله الدانق وأول من أحدث الدانق.
فرع آخر إذا مات المسلم إليه قبل الأجل وهناك ضامن عنه ولم يوجد الشيء، فالصحيح أن السلم باق والمسلم بالخيار في أصح الوجهين، فإن فسخ سقط الضمان.
وإن مات الضامن فله مطالبة ورثته بالشيء إن وجد، وإن غرموه لم يرجع على المضمون عنه إلا بعد أجله إن كان ضمان أبيهم بأمره، وإن عدم الشيء فلا مطالبة له عليهم.
فرع آخر إذا جعل المسلم فيه قبل قبضه هذا فالميت المسلم إليه لم يجزئه وإن كان المسلم إليه امرأة قالت: تزوجني عليه لم يجز.
وكذلك الخلع.
مسألة: قال: "لوجاء [بحقه] قبل محله".
الفصل: وهذا كمال قال.
إذا جاءه بالحق قبل محله لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون له

الجزء: 5 - الصفحة: 182

غرض في تأخيره إلى وقت محله مثل أن يكون رطباً أو لحماً أو غير ذلك مما يخاف تغييره وفساده إلى المحل أو كان شيئاً له حجم يحتاج إلى حفظه إلى مكان مثل القطن ونحوه إن كان يخاف تلفه، مثل الحيوان فيلزمه مؤنة علفة فلا يلزمه قبوله، وإن كان لا يخاف فساده ولا له مؤنة ولا يحتاج في حفظه إلى مؤنة كالدراهم والدنانير والرصاص [ق 157 أ] والحديد ونحو ذلك ينظر، فإن كان الوقت مخوفاً فلا يجبر أيضاً على قبوله.
وقال بعض أصحابنا: إن كان الخوف موجوداً عند العقد هل يلزمه القبول؟ وجهان.
وإن كان الوقت آمناً على قبوله لأنه لا غرض له في تأخير قبوله.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان: أحدهما: هذا والثاني: لا يلزمه، لأنه ربما يستقرضه صديق له فيستحي أن يرده وما أشبه ذلك، فيريد أن لا يكون في يده ذلك.
قال هذا القائل: إن كان للدافع غرض في ذلك مثل فك رهن أو إبراء ضامن، أو نجوم كتابة يريد أن يعتق بأدائه يلزم المستحق قبوله قولاً واحداً.
وفيه ورد الحديث أن أنس بن مالك رضي الله عنه كاتب سيرين، فجاء بالنجم قبله محله، فأبى أن يأخذه، فرفعه سيرين إلى عمر - رضي الله عنه - وقال: أنه يريد أن أموت ويأخذ مالي وأولادي، فقال عمر رضي الله عنه: لتأخذنه ولأجعلنه في بيت المال وأحكم بعتق سيرين.
وروى أنه أخذه منه وقال: اذهب فقد عتقت.
قال هذا القائل: وهذا في غير السلم، فأما المسلم اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال: هو من الجملة الثانية، لأن للمؤدي غرضاً في ذلك، وتلك أشياء ....... من إنقاذ المسلم فيه من أيدي الناس فينفسخ السلم أو يثبت فيه الخيار [ق 157 ب] للمسلم.
ومنهم من قال: ليس هذا من الأغراض وهو من الجملة الأولى فيه قولان.
وقال في "الحاوي": لو كان في سوق ينتظر ويتوقع زيادة سعر فيه وجهان: أحدهما: أنه قصد صحيح، وهذا عذر في تأخيره فلا يلزمه أخذه.
والثاني: هذا المعنى لا يختص بالمسلم وإنما يختص بالسلم فلم يجز له عذر في تأخير القبض ويجبر على أخذه.
فرع إذا أسلم ثوباً في ثوب فيه أوجه.
أحدهما: يجوز حتى يتفاوتا في بعض الأوصاف.

الجزء: 5 - الصفحة: 183

والثاني: لا يحتاج إلى هذا، ولكن إطلاق العقد يقتضي ثوباً آخر للعادة كما في نقد البلد، فإذا بقى بذلك الثوب لا يلزمه قبوله، فإن قبل كان تقليلاً واسترجاعاً لرأس المال.
والثالث: يجوز، وإذا أتى به يلزمه قبوله.
فرع آخر إذا جوزنا فجاء بذلك الثوب وألزمناه القبول فأراد إقالة السلم هل يجوز؟ وجهان: أحدهما: لا يجوز، لأن الإقالة ترد على عين ........ لا على ما في الذمة فيؤدي إلى أن يصير عين الثوب عوضاً ومعوضاً في الإقالة فلا يصح.
والثاني: يجوز يقابلان في القيمة كما لو هلك رأس المال.
فرع آخر لو قال: بعتك بعشرة من نقد كذا، فإن كان انقطع عن أيدي الناس بطل، لأنه لا يقدر على تسليمه، وإن كان موجوداً في تلك البلدة إلا أنه يحتاج في تحصيله إلى كلفة وطلب يصح نقداً [ق 158 أ] كان أو نسيئة.
وإن كان عزيز الوجود نظر، فإن كان موجوداً عند المشتري أو كان مؤجلاً، ويمكنه تحصيله في تلك البلدة يصح.
فإن لم يكن موجوداً عند المشتري والثمن حال لا يصح، لأنه التزم بالعقد تسليم ما لا يقدر عليه.
وإن كان النقد لا يوجد في تلك البلدة ويوجد في بلدة أخرى، وإن كان الثمن حالاً أو مؤجلاً بأجل قصير لا يتمكن من إحضاره في تلك المدة لا يصح، وإن كان يتمكن من إحضاره يصح، ثم أن أحضره فلا كلام.
وإن تعذر، فإن قلنا: أخذ البدل عن الثمن لا يجوز فحكمه حكم المسلم فيه إذا انقطع.
وإن قلنا: يجوز أخذ البدل عنه يستبدل ولا يفسخ العقد.
وقال بعض أصحابنا: للبائع فسخ العقد، لأنه تعذر وصوله إلى الثمن المستحق بالعقد كما لو أفلس.
فرع آخر قال المسلم إليه: الجنس المستحق في هذه السنة فيه قلة ولا آمن أن يكون عند المحل منقطعاً فيطالبني برد رأس المال، فهل هذا غرض صحيح حتى يجبر المسلم على الاستبقاء إذا لم يكن فيه ضرر؟ وجهان: أحدهما: يجبر لأنه أمر محتمل.
والثاني: لا يجبر لأنه أمر موهوم.
فرع آخر لو جاء به غير مكان العقد ولا عرض في الموضع وليس فيه التزام غرامة، فهل

الجزء: 5 - الصفحة: 184

يلزمه [ق 158 ب] قبوله؟ وجهان: فرع آخر لو جاء به وفي نقله مؤنة فقال: أنا التزم هذه الغرامة وأعطني أجرة النقل لا يلزمه قبوله في غير المكان المشروط.
فرع آخر لو جاء بالمسلم فيه وخلى بينه وبين المالك.
فإن قلنا: التخلية في البيع قبض فههنا وجهان، والفرق أن هناك الملك ثابت له في العقود عليه قبل القبض، والذي ترك عنده ملكه فجعلناه قابضاً له وههنا ليس الملك فيه له وإنما يملك بالاستيفاء ولم توجد حقيقة القبض فلم ينقل الملك فيه إليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 185

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوع
باب ما أمر الله به ونهي عنه من المبايعات وسنن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيهباب خيار المتبايعين ما لم يتفرقاباب الربا وما لا يجوز بغضه ببغض متفاضلاً ولا مؤجلاً والصرفباب بيع اللحم باللحمباب بيع اللحم بالحيوانباب ثمن الحائط يباع أصلهباب الوقت الذي يحل فيه بيع الثمارباب المزابنة والمحاقلةباب بيع العراياباب بيع الطعام قبل أن يستوفيباب بيع المصراةباب بيع البراءةباب الاستبراء في البيعباب المرابحةباب الرجل يبيع الشيء إلى أجل ثم يشتريه بأقل من الثمنباب اختلاف المتبايعينباب الشرط الذي يفسد البيعباب النهي عن بيع الغررباب بيع حبل الحبلة والملامسة والمنابذةباب بيعتين في بيعة والنجشباب النهي عن بيع حاضر لباد، والنهي عن تلقي السلعباب النهي عن بيعٍ وسلفٍ جر منفعةباب تجارة الوصي في مال اليتيمباب مداينة العبد بغير إذن سيدهباب بيع الكلبباب السلف والرهنباب ما لا يجوز فيه السلفباب التسعيرباب ابتياع ذي الحق من أخذه وما لا يلزمه قبوله
كتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل