كتاب الإيلاء
قال: قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:266] الآية [89/ أ].
الإيلاء في اللغة اليمين على كل شيء على كل شيء يقال: إلى يولى إبلاء فهو مولى آلي حلف والآلية اليمين وجمعها الأياء ويقال: آلي يتآلي فهو متآلي أي حلف، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ﴾ [النور: 22] أي: لا يحلف، وقال صلى الله عليه وسلم: " تألي أن لا يفعل خيرا"، وقال أيضا: " من يتآلي على الله يكذبه".
وقال الشاعر:
وأكذب ما يكون أبو المعلى إذا آلي يمينا بالطلاق
وأما الإيلاء في الشرع: فهو اليمين على فعل مخصوص وهو أن يحلف على ترك الوطئ مدة واختلف العلماء في تلك المدة فقال ابن عباس: لا يكون موليا حتى يحلف لا يطأها أبدا أو يطلق ذلك فإن الإطلاق يقتضى التأييد، وقال الحسن وابن أبى ليلى والنخعي وقتادة وحماد وإسحاق: أي مدة حلف عليها يكون موليا، وإن كانت يوما واحتجوا بظاهر الآية، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: لا يكون موليًا حتى يحلف أنه لا يطأها أربعة أشهر فما زاد، وقال الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور: لا يكون موليا حتى تزيد المدة على أربعة أشهر ولا حد للزيادة ويكفي أقل القليل ويظهر حكم الإيلاء في الماثم بقصد الأضرار فإن ذلك القليل لا يكفي الموقف والمطالبة ويخرج عن حكم الإيلاء بمضيه، وفي أربعة أشهر وما دونها لا يكون موليا ولكن يكون خالعًا إن وطئها ووجبت الكفارة، وإن ترك وطئها لم يتوجه عليها المطالبة بالفئة ولا بالطلاق وفائدة الخلاف مع أبى حنيفة أنة عندنا إذا آلي منها أكثر من أربعة أشهر أجل أربعة أشهر وهذه المدة تكون حقا له كالأجل لمن عليه الدين فإذا مضت المدة [89/ ب] لم يقع بها الطلاق ولكنه يطالب بالفئة لا بالطلاق، وإن وطئ قبل انقضاء المدة فقد عجل الحق قبل محله، وإذا آلي أربعة أشهر لا يكون له حكم الإيلاء لأنه لا ينبغي زمان الوقف بعد انقضاء الأربعة الأشهر وعند أبى حنيفة إذا آلي أكثر من أربعة أشهر فمضت أربعة أشهر ولم يطأها وقعت تطليقه ثانية ولا معنى للوقف عنده، وإذا آلي أربعة أشهر فانقضت يقع الطلاق أيضًا وبه قال ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت والأوزاعي رضي الله عنهم، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقرأ الآية فإن فاؤوا فيهن، وبقولنا
الجزء: 10 - الصفحة: 197
قال عمر وعثمان وعلى وابن عمر وعائشة ومجاهد وعطاء وسليمان بن يسار ومالك وأحمد وإسحاق وأبو عبيد رضي الله عنهم، وقال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر نفسا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يوقفون المولى، وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن حبير والزهري وأبو بكر بن عبد الرحمن وابن شبرمة يقع بانقضاء المدة طلقة رجعية والدليل على بطلان قول ابن عباس قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة:266] ولم يفرق بين أن يكون على التأييد أو آلي مدة لأن الضرر يلحقها بترك وطئها أكثر من أربعة أشهر فكان موليا كما لو أطلق، والدليل على بطلان قول الحسن أن الله تعالى أمر بوقف المولي لها بلحقها بالضرر وترك وطئها باليمين وهذا الضرر لا يكون في يوم ونحوه فلا معنى لإثبات حكمه، والدليل على بطلان قول أبى حنيفة أنه يمين الله تعالى على منع حق من حقها فلا يقع بها الطلاق كاليمين على ترك نفقتها.
فرع
لو حلف على خير الوطئ لا يكون لها حكم الإيلاء [90/ أ] وقال أبو قلابة والنخعي: الإيلاء الحلف على مسأة زوجته سواء كانت على الوطئ أو على غيره إذا قصد الإضرار بها وهذا غلط لأنه لا يعظم قصد الإضرار إلا باليمين على ترك الوطئ وبه قال جماعة الصحابة والعلماء.
فرع آخر
اختلف أصحابنا في الإيلاء هل عمل به في صدر الإسلام قبل نسخه؟ فقال بعضهم: عمل به قبل النسخ ثم نسخ آلي ما استقر عليه حكمه، وقال جمهور أصحابنا: لم يعمل به قبل نسخه وإنما روى أبو هريرة وجابر رضي الله عنهما آلي من نسائه شهرا ثم نزل إليهن ليلة تسع وعشرين وقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله أطلقت نساءك؟ فقال: " لا ولكنى اليت شهرًا"، وقال الشافعي في الأم: كانت الفرقة في الجاهلية ثلاثة بالطلاق والظهار والإيلاء فنقل الله تعالى الإيلاء والظهار عما كانا عليه في الجاهلية وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه.
مسألة: قال: "والمولي مَنْ حلفَ يمين يلزمُه بهَا كفارةٌ".
الفصل
إذا آلي من امرأته نظر فإن كانت يمينه بالله تعالى كان موليًا قولًا واحدًا وإن كانت بغير الله تعالى مثل الطلاق والعتاق أو صدقة المال أو الصوم أو الحج أو نحو ذلك
الجزء: 10 - الصفحة: 198
فهل يكون موليًا قولان، قال في القديم: لا يكون موليا وبه قال أحمد في أظهر الروايتين لأن الله تعالى قال للذين يولون من نسائهم والإيلاء المطلق إنما هو بالله تعالى وقد قالوا: فإن فاؤوا فإن الله غفور رحيم، وإنما يدخل الغفران في اليمين بالله تعالى والحنث فيها، وقال في الجديد: يكون موليا وبه قال مالك وأبو حنيفة وجماعة العلماء [90/ ب] ووجهه أن الإيلاء هو الحلف ويسمى هذا حالفا ولهذا لو قال: إن حلفت فامرأتي طالق ثم حلف هكذا يقع الطلاق ولأنها يمين لا يمكنه الوطئ معها بعد التربص إلا بضرر فأشبه اليمين بالله تعالى.
فرع
لو قال: إن وطئتك فلله على أن أقف دارى كان موليا ولو قال: فداري وقف لا يكون موليا لأنها لا تصير وفقا بخلاف ما لو قال فعبدي حر.
فرع آخر
لو قال: إن وطئتك فأنت على حرامٌ فإن أراد طلاقًا كان موليًا وإن أطلق فوجهان بناء على أنه هل يجب الكفارة بإطلاق أم لا.
فرع آخر
لو قال: إن وطئتك فلله على أن أصلى ركعتين يكون موليا في قوله الجديد، وقال أبو حنيفة: لا يكون موليا لأنه لا يتعلق بها مال وهذا غلط لأنها تجب بالنذر وما وجب بالنذر كان موليا بالحلف به كالصوم والحج وأما ما ذكره لا يصح لأن الصلاة يحتاج إلى الستر والماء وهو مال.
فرع آخر
إذا خالف ووطئ قال في "القديم": لا كفارة عليه لأن الله تعالى قال: ﴿أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة 226] وهذا يقتضي العفو عن الكفارة ولأنه كان طلاق الجاهلية ولكنه آخر في شرعنا إلى مدة ولا كفارة في الطلاق، وقال في "الجديد": عليه الكفارة وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد والجماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه"، وأما الغفران لا يدل على سقوط الكفارة كما لو ناب وكان الحنث طاعة.
مسألة: قال: ولا يلزمَهُ الإيلاءُ حتى يصرحَ بأحد أسماءِ الجماعِ [91/ أ]
الفصل
ألفاظ الإيلاء على أربعة أضربٍ، ضرب هو صريح في الحكم ولا يدين فيما بينه
الجزء: 10 - الصفحة: 199
وبين الله تعالى مثل أن يقول: لا أنيكك أولا أدخل ذكري في فرجك أولا أغيب ذكري في فرجك هذا في البكر والثيب، أو يقول في البكر خاصة لا افتضك بذكري، فإذا حلف بواحد من هذه الألفاظ كان موليا، وإن قال: لم أرد به الإيلاء لم يقبل قوله وهذا أبلغ من تصريح الطلاق لأن قوله لا أنيكك لا يحتمل غير هذا الفعل والطلاق يحتمل غير الطلاق من الوثاق، وكذلك لو قال: لا أجامعك بذكري في فرجك ولم يقل بذكري في قوله لا افتضك، قال أبو حامد: يكون صريحا أيضا.
وقال القاضي أبو حامد، والقاضي الطبري: لا يكون صريحا في الباطن، فإن قال: أردت به الافتضاض بالأصبع يقبل لأنه يحمل وهذا أصح.
والضرب الثاني: ظاهره يكون موليا به في الحكم ويدين فيما بينه وبين الله تعالى، وهو قوله: لا أجامعك أو أطأك أو لا أصيبك فإن قال: لم أرد به الإيلاء بل أردت لا أطأها برجلي أو لا أجامعها بيدي أو لا أصيبها بيدي لا يقبل منه في الحكم ويقبل منه فيما بين وبين الله تعالى لأنه بين لها عرف العادة في الوطئ فكان إيلاء في الحكم ويحتمل ما نواه فيقبل فيما بينه وبين الله تعالى كما يقول في قوله: أنت طالق ثم قال: أردت من وثاق.
والضرب الثالث: كناية في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى لقوله لا يجمع رأسي ورأسك شيء أو لا جمعتهما مخدة أو ليطولن تركى جماعك أو لأسؤنك أولاغيظنك ونحو هذا وكل ذلك كناية أن نوى به الإيلاء يكون إيلاء، وإن لم ينو (91/ ب) لا يكون شيئا وهذا لأن هذه الأشياء كلها يحتمل الوطئ وغيره وليس مع أحد الاحتمالين ما يرجح به من عرف شرع ولا عادة، وكان كناية بكل حال.
والرابع: مختلف فيه مثل قوله لا باشرتك لا لامستك لا بضاعتك لا غشيتك لا لمستك لا قربتك لا اقضي إليك لا افترشتك ففي هذه الألفاظ قولان، قال في "القديم ": ظاهره الجماع إلا أن يريد عين الجماع بقوله لا أجامعك وبه قال أحمد: وهذا لأنه ثبت فيه عرف الاستعمال، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة:187] وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] وأراد به الجماع.
وقال في "الحديد": هو كناية في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى، كقوله لأسونك فلا يكون إيلاء في الحكم إلا أن يريد الإيلاء، وهذا لأنه حقيقة في غير الجماع لأن المباشرة من التقاء البشرتين وذلك أكثره فيما دون الفرج والقرب من المقاربة واللمس قد يكون بالبدن واليد ويخالف لفظ الجماع، لأنه اقترن به القربى الظاهر.
وقال القاضي الطبري: لفظ الإصابة من هذه الجملة والأصح أنه كناية في الحكم أيضا لأن عرف الاستعمال لم يوجد في الإصابة أيضا فلا يكون صريحا، وهذا ذكره القاضي الماوردي، وقيل: هاهنا ضرب خامس: وهو مالا يكون صريحا ولا كناية
الجزء: 10 - الصفحة: 200
كقوله لا وحشتك أو أخرتك أو ضربتك لا يكون شيئا، وقال بعض أصحابنا بخراسان: لفظ الجماع صريح وهو من الضرب الأول قال وفي سبعة ألفاظ [92/ أ] قولان: المباعلة والمباضع والوطئ والدخول واللمس والمس والإصابة أحدهما: أنها صريحة.
والثاني: أنها كناية، وفي لفظ القربان طريقان وقيل: قول واحد أنها كناية، والصحيح ما ذكرنا، وقال صاحب "الحاوي": لو قال: لا وطئتك بذكرى أو لا جامعتك بفرجي فيه وجهان، أحدهما: أنه صريح في الظاهر والباطن، والثاني: أنه صريح في الظاهر دون الباطن، لأنه يحتمل لا أطاك بفرجي دون الفرج لا أجامعك بذكري دون الفرج وفي ثلاثة ألفاظ: لا باضعتك لا باشرتك لا لمستك قولان، أحدهما: قاله في "القديم" هي صريحة في الظاهر كناية في الباطن يكون موليا في حالين إذا أراد أو أطلق لا يكون موليا في حال إذا لم يرد، والثاني: قاله في الجديد هي كناية في الظاهر والباطن وفي ثلاثة ألفاظ: لا أصبيتك ولأغشيتك ولا لمستك طريقان، أحدهما: قولان، والثاني: قول واحد أنها كناية في الظاهر والباطن، وحكي عن أبى حنيفة أنة قال: قوله لا باضعتك صريح في الجماع لأنه مشتق من البضع وهو الفرج فلا يحتمل غيره وهذا غلط لأنه يحتمل غيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فاطمة بضعة مني" وأراد قطعة من بدني.
فرع
النية في ألفاظ الكتابات على ثلاثة أقسام، أحدها: أن ينوي الجماع دون المدة وهو في قوله لا يجمع رأسي ورأسك شيء وقوله لا دخلت عليَّ ولا دخلت عليك ونحو هذا، فإذا نوى به الجماع كان موليا، وإن لم ينو مدة لأن إطلاق هذا يقتضي التأييد، والثاني: إن ينوي المدة دون الحمل وهو قوله [92/ ب]: ليطولن تركي جماعك فإن نوي بالطول أكثر من أربعة أشهر كان موليا، غلا فلا، ولا يحتاج إلى أن ينوي الجماع لأنه صرح به.
والثالث: أن ينوي الجمع والمدة جميعاً فلا يكون موليا ما لم ينويهما وهو قوله لتطولن غيبتي ونحوهن.
فصل
قال في "الأم":لو قال: والله لأجامنعك إلا جماع سوء قلنا: فسر فإن قال: أردت الوطئ في الدبر فهو مولي لأنه حلف لا يطأها في القبل، وإن قال: أردت بالسوء القدر الذي لا يبلغ التقاء الختانين كان موليا أيضا، وإن قال: أردت بالسوء وطئا ضعيفا لكنه يجاوز التقاء الختانين لم يكن مولياً.
الجزء: 10 - الصفحة: 201
فرع
لو قال: والله لا جامعتك جماع سوء لم يكن موليا بحال سواء فسره بالوطئ في الدبر أو بالوطئ الذي لا يبلغ التقاء الختانين، أو بالوطئ الضعيف لأن كل هذا ما منع نفسه به عن الوطئ الذي تخرج به عن حكم الإيلاء.
فرع آخر
لو قال: والله لا أغتسل منك أو لا أجنب منك سئل فإن قال: أردت بة أني لا أنزل منك وأنا أرى أن لا يجب الغسل من التقاء الختانين لم يكن موليا في الحكم لأنه لم يحلف على تركه الوطئ، وإنما حلف على ترك الإنزال، وإن قال: أردت أن أصيبها فلا أغتسل منها حتى أصيب غريها فاغتسل منه قال الشافعي: دين أيضا يريد به أنة لا يكون موليا في الحكم، وإن قال: أردت أن أصيبها لا اغتسل منها، وإن وجب علي الغسل، قال الشافعي: لم يدين في القضاء ودين فيما بينه وبين الله تعالى، وإنما لم يقبل في القضاء لأنه تأول فاسد.
[93/ أ]
مسألة: قال: لو قال: والله لا أجامعك في دبرك فهو محسن.
إذا قال والله لا أجامعك في دبرك لا يكون موليا ويكون ومحسنا بهذه اليمين لأن عليه أن يمتنع منه، وهكذا لو قال: والله لا أجامعك في الموضع المكروه، وحكي عن مالك أنه مولي وهو غلط عليه لأن الصحيح أنه رجع عن أباحه إتيان النساء في أدبارهن.
مسألة: قال: ولو قال: والله لا أقربك خمسة أشهر ثم إذا مضت خمسة أشهر فو الله لا أقربك سنة.
فصل
الأصل فيه أنه إذا أطلق الإيلاء بتربص أربعة أشهر وتوقف للفي أو الطلاق، فإن فاء فقد وفاها حقها، وإن أطلق نظر فإن كان الطلاق بائنا فلا كلام، وإن كان رجعيا نظر فإن لم يراجع حتى بانت فلا كلام، وإن راجع لم تحتسب عليه هذه المدة وتضرب المدة من حق راجع، فإذا مضت أربعة أشهر وقف ليفي أو يطلق وعلى هذا أبدا حتى يفنى طلاقه، فإذا أثبت هذا رجعنا إلى مسألة الكتاب وهى: إذا قال: فو الله لا أقربك خمسة أشهر فإذا انقضت فو الله لا أقربك سنة فهما يمينان مطلقان الأولى مطلقة معجلة والثانية: يمين نصفه فهي لقوله: إذا جاء رأس الشهر فو الله لا أقربك سنة يكون صحيحا والحكم فيهما انه مريض، فإذا مضيت أربعة أشهر طولب بالنية أو الطلاق، فإن فاء وهو أن يطأها فقد وفاها حقها من هذه اليمين وسقطت اليمين وسقطت اليمين الحنث، وإن دافع
الجزء: 10 - الصفحة: 202
حتى انقضت خمسة أشهر فقد عصى يمنع الحق ولكنه قد بطل حكم الإيلاء الأول، وإن طلق فقد وفاها حقها أيضا من هذه اليمين، فإن لم يراجع بانت وإن راجع لم يلزمه فيما بقى [93/ ب] من مدة اليمين شيء فيزول حكمها أعنى حكم الإيلاء لأن حكم اليمين من حيث الكفارة باق في مدة الشهر الخامس حتى إذا وطئ فيه تلزمه الكفارة.
فإذا انقضت المدة الأولى وهي خمسة أشهر فقد دخل وقت اليمين الثانية فيوقف أربعة أشهر، ثم إن وفاها فقد وفاها حقها، وإن دافع حتى إذا مضت السنة خرج من حكم الإيلاء، وإن طلق نظر فإن تركها حتى انقضت العدة بانت، وإن راجع لم تحتسب عليه المدة إلى حين المراجعة لأنها جارية إلى بينونة ثم ينظر إلى ما بقي من السنة، فإن بقي مدة التربص وهو أكثر من أربعة أشهر تربص ووقف بعد انقضائها، وإن كان قد بقي أربعة أشهر أو أقل زال حكم الإيلاء وبقي حكم يمينه فمتى وطئها قبل انقضاء السنة فقد حنث، وإن بانت منه بانقضاء العدة ثم نحكها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر فإن قلنا: تعود اليمين في النكاح الجديد وقفناه إذا مضت أربعة أشهر من يوم نكاحه وإن قلنا لا تعود اليمين بطل حكمه ولا كلام.
فرع
لو قال: والله لا أقربك خمسة أشهر، ثم قال عقبيه: والله لا أقربك سنة فهو مولي بيمينين مدة أحدهما أطول من الأخرى فتتربص أربعة أشهر ثم يوقف فإن فاء خرج منهما وحنث فيهما وهل يلزمه كفارة واحدة أو كفارتان؟ قولان أحدهما: يلزمه كفارتان لأنهما يمينان.
والثاني: يلزمه كفارة واحدة لأن الحنث فيهما وقع بفعل واحد، وكذلك لو قال: والله لا أطعم اليوم شيئا ثم قال والله لا أكل الخبز ثم أكل بل يلزمه كفارة أو كفارتان على هذين القولين فإن طعم أولا شيئا غير الخبز ثم أكل [94/ أ] الخبز فعليه كفارتان قولا واحدا، وإن أكل الخبز أولا ثم شيئا أخر لم يلزمه بالشيء الأخر كفارة، وفي الخبز القولان كما ذكرنا، وهذا إذا فاء في الأشهر الخمسة، فإن فاء في بقية السنة فعليه كفارة واحدة قولا واحدا، وإن كان قد دافع حتى انقضت المدة بأن خرج من اليمينين، وإن كان قد طلق فإن لم يراجع فلا كلام، وإن راجع فإن بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر وقف مرة أخرى كما ذكرنا، وإلا زال حكم الإيلاء وبقي حكم اليمين في أنه إذا وطئ قبل انقضاء السنة يحنث ويلزمه الكفارة، ومن أصحابنا من قال في هذه المسألة: يكون بعد السنة بعد مضى خمسة أشهر كالسنة الأولى لأن الخمسة الأشهر قد تعلقت بها اليمين الأولة فلا تحمل الثانية على التكرار وهذا غلط لأن كل واحدة من اليمين لو انفردت كانت كعدتها عقيب الحلف، فكذلك إذا اجتمعت، وأما ما ذكره لا يصح لأن اليمين الثانية أفادت زيادة في المدة وتعلق بها كفارة أخرى ويخالف المسألة الأولى لأنه علق يمينه بزمان بعد مدة فلم يتعلق بالحال.
الجزء: 10 - الصفحة: 203
فرع آخر
إذا قال: والله لا وطئتك سنة ثم قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر فهل تدخل الخمسة الأشهر في السنة وجهان أحدهما: تدخل فيها إذا تأخرت كما تدخل فيها إذا تقدمت فقال: والله لا وطئتك خمسة أشهر ثم قال: والله لا وطئتك سنة فعلي هذا يكون إيلاء واحدا على سنة واحدة بعضها يمين واحدة وهي سبعة أشهر من أولها إن حنت فيها لزمته كفارة خمسة أشهر بعدها بيمينين إن حنت فيها فيه قولان أحدهما: كفارة.
والثاني: كفارتان.
[94/ ب] والثاني: إن الخمسة الأشهر لم تدخل في السنة بخلاف ما تقدمت لأن له الزيادة على المدة وليس له النقصان من المدة، فإذا كان الثاني ناقصا وليس له النقصان حمل على الاستئناف، وإذا كان الباقي زائلا وله الزيادة حمل على التداخل فعلى هذا يكون مؤلا سنة وخمسة أشهر بيمينين وهل يكون ذلك إيلاء واحدا أو إيلاءين وجهان أحدهما: يكون إيلاء واحدا يوقف فيه وقفا واحدا ولا يجب عليه إذا وطئ في أحد الزمانين إلا كفارة واحدة لأن أحد الزمانين لم يدخل في الأخر، والثاني: وهو الأظهر إنهما إيلاءان مدة الأول منهما سنة ومدة الثاني خمسة أشهر ويوقف في كل واحد منهما ويضرب له مدة التربص ولا يفي دفعة في أحدهما عن دفعة في الأخر، فإن وطئ فيهما لزمه كفارتان.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطال ثلاثة أشهر، فإذا مضت فو الله لا أطاك ثلاثة أشهر لم يكن موليا، وإن قال ذلك عشرين مرة لأن كل يمين لم تزد مدتها على أربعة أشهر، ولذلك لو قال: والله لا أطاك أربعة أشهر فإذا انقضت فوالله لا أطأك أربعة أشهر فإذا انقضت فو الله لا أطأك أربعة أشهر لم يكن موليا، وهل يأثم به إثم المولى؟ يحتمل وجهين، ومن أصحابنا من قال: يكون موليا لأنه منع نفسه من الوطئ أكثر من أربعة أشهر بأيمان ولا فرق بين أن يمنع بيمين واحدة أو بأيمان ولأنه لا يمكنه الوطئ بعد أربع أشهر ألا يحنث من الوطئ أيد الحكم اليمين ولا يكون موليا وهذا حسن ولكن الأول ظاهر المذهب [95/ أ] لأن اليمين الأولى لو انفردت لم يكن موليا والحكم يتعلق بها دون غيرها فلا يصير موليا بضم مثله إليه.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطاك أربعة أشهر فإذا مضت فو الله لا أطاك سنة يكون موليا وفي ابتداء مدة الوقف وجهان أحدهما: بعد مضي أربعة أشهر إذا قلنا في المسألة السابقة بالوجه الأول والثاني يوقف من الأربعة الأشهر إذا قلنا هناك بالوجه الثاني.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك أربعة أشهر فإذا انقضت فو الله لا أطأك خمسة أشهر فإذا انقضت فو الله لا أطأك أربعة أشهر بقية وجهان أحدهما: يكون موليا في الحال ويتربص
الجزء: 10 - الصفحة: 204
به أربعة أشهر والثاني: لا يكون موليا حتى تمضي أربعة أشهر ثم يصير موليا ثم إذا مضت خمسة أشهر زال حكم الإيلاء.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك أربعة أشهر والله لا أطأك أربعة أشهر، ففي تداخل الزمانين وجهان أحدهما: يتداخلان حملا على تكرار التأكيد فعلى هذا لا يكون موليا لقصوره عن مدة الإيلاء.
والثاني: لا يتداخلان ويكون مدة المنع ثمانية أشهر لكنها بيمينين فعلى هذا هل يجرى عليه حكم الإيلاء؟ وجهان بناء على الوجهين فيما لو قال: والله لا أطأك سنة والله لا أطاك خمسة أشهر ولم يجعل أخذ الزمانين داخلا في الأخر هل يكون إيلاء واحدا أو إيلاءين؟ على وجهين، فإذا جعلنا ذاك إيلاء واحدا جعلنا هذا موليا، وإن جعلنا ذلك إيلاءين لم يجعل هذا موليا لأن كل واحد من الزمانين يقصر عن مدة الإيلاء.
مسألة: قال: " إن قرتبك فعلى صوم هذا الشهر كله لم يكن موليا" [95/ ب].
الفصل
إذا قال: إن قربتك فلله علي صوم هذا الشهر كله لم يكن موليا قولا واحدا، أما على قوله القديم فلأنها ليست يمينا بالله، وأما على قوله الجديد فلأن المولي من لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر وهذا يمكنه النية بعد التربص يعتبر ضرر لأنه إذا وطئ لم يجب عليه شيء بهذا النذر فإن الشهر قد فات فهو كما لو قال: إن وطئتك فلله على صوم أمس لا يكون موليا فإن قيل: أليس إذا قال: لله علي أن أصوم اليوم الذي تقدم فيه فلان انعقد نذره، وإذا قدم بالنهار لم يمكنه صوم ما مضى من النهار ثم يصح النذر بعد ذلك قلنا: لأنه يمكنه أن يصوم جميع اليوم وهو إذا عرف انه يدخل غدا أصبح صائما فإذا قدم أتمه فيكون الصوم من وقت القدوم واجبا، فأما الصوم في الشهر الماضي محال ولا سبيل إليه فافترقا، فإذا ثبت هذا الحكم نذره مراعى فإن لم يطأ حتى مضى الشهر انحل النذر، وإن وطئ قبل انقضاء الشهر وجد شرط نذره وهو نذر لجاج وغضب فيه قولان أحدهما: أنه يخير بين الوفاء بما قاله من الصيام، ومن أن يكفر كفارة اليمين وهذا قد بقي عليه بعض الشهر فأما أو بصومه أو يكفر كفارة يمين وهو الذي نص عليه هاهنا، والثاني: يلزمه الوفاء بما قاله وبه قال أبو حنيفة، وقيل: فيه قول ثالث: يلزمه كفارة يمين فقط وهو اختيار القفال.
فرع
لو نكر الشهر فقال: إن قربتك فلله على صوم شهرا وسمى شهرا يأتي بعد أربعة
الجزء: 10 - الصفحة: 205
أشهر مثل إن قال في أول رمضان: إن قربتك فلله علي أن أصوم محرم أو صفر كان موليا على قوله الجديد لأنه لا يمنه الوطئ بعد أربعة أشهرا لا بلزوم شيء لأن الوفاء به ممكن إذا حنث فالحكم فيما يلزمه على ما ذكرنا (96/ أ) من الأقوال وعلى هذا لو قال: إن قربتك فعلي صوم هذه السنة فإن كان قد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهر فهو مولي وإلا فلا، ولو قال: صوم سنة كان موليا.
فرع آخر
لو قال: والله لا أقربك إن شئت قال في "الأم":لا يكون موليا إلا أن تشاء فإن شاءت فهو مولي ولو قال: والله لا أقربك كلما شئت، فإن قال: أردت به كلما شئت أن لا أقربك فإني لا أقربك كان موليا إذا شاءت، ولو قال أردت به أني إنما أقربك إذا شئت أنا فأما كلما شئت أنت فلا أقربك قال الشافعي لا يكون موليا.
فرع آخر
لو قال: إن قربتك فعلي صوم الشهر الذي أطأك فيه موليا على ما ذكرناه، فإن وطئها في شهر لزمه بقية ذلك الشهر على قول، وهل يلزمه صوم اليوم الذي وطئها؟ فيه وجهان بناء على أنه إذا قال لله علي أن أصوم هذا اليوم هل يلزمه؟ وجهان أحدهما: يلزمه إلا أن لا يمكنه أن يصوم ذلك اليوم لأن الصوم لا يتبعض فيقضي يوما، والثاني: لا يلزمه شيء ذكره القفال وهو صحيح ظاهر.
مسألة: قال: ولو قال: إن قربتك فأنت طالق ثلاثا وقف، فإن فاء فإذا غابت الحشفة طلقت ثلاثا، فإن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها
الفصل
لفظ القربان كناية وفي جميع المواضع التي ذكرها الشافعي وغيره لا على قصد أنه صريح أو كناية ولكنه أحسن في عبارة الجماع، فإذا ثبت هذا نقول: إذا حلفت بالطلاق الثلاث لا تقربها كان موليا على قوله الجديد فيوقف أربعة أشهر، فإذا مضت يقا له: إما أن نختار الطلاق [96/ ب] أو اختار الفيء، فإن اختار الطلاق فطلقها طلقة رجعية فقد وفاها حقها لهذا التربص ثم ينظر فإن تركها حتى انقضت عدتها بانت وسقط الإيلاء، وإن راجعها استأنف التربص ثانيا لأنه لا يمكنه الفعل بعد التربص إلا بضرر أيضا وعلى هذا حتى يستوفي عدد الطلاق ثم إذا نكحت زوجا أخر ثم عادت إلى الأول هل يعود الإيلاء في القديم؟ قولان، وفي "الجديد" لا يعود قولا واحدا، وإن اختار الفيئة فالمذهب المنصوص إن له ذلك.
وقال ابن خير: إن وحده ليس له ذلك ويكلف الطلاق لأنه إذا أولج في فرجها
الجزء: 10 - الصفحة: 206
حرمت عليه فلم يجز الإقدام عليه كالصائم إذا تحقق بخبر صادق أنه لم يبق إلى طلع الفجر إلا قدر إيلاج الذكر دون إخراجه حرم عليه الإيلاج، وإن كان في زمان الإباحة بتحريم ما بعد الإيلاج في زمان الحظر وهذا غلط لأن الإيلاج يصادف الزوجية ثم تبين بعد حصول الإيلاج، ولو قال له رجل: ادخل دارى ولا تقم فيه استباح الدخول بالإذن، وإن وجب عليه الخروج لمنعه ويكون الخروج، وإن كان في زمان الحظر مباحا لأنه نزل لذلك هاهنا ولا يدخل تحت القدرة عن زيادة الحشفة.
وأما الصائم إذا أخبرة بني فيه وجهان أحدهما: لا يحرم عليه الإيلاج لوجوده في زمان الإباحة، وإن كان النزول في زمان الحظر وعليه جماعة من أصحابنا، والثاني: يحرم عليه، والفرق أن التحريم قد يطرأ على الصائم بغير الإيلاج فجاز أن يحرم عليه الإيلاج والمولى لا يطرأ عليه التحريم بغير الإيلاج فلم يحرم عليه الإيلاج، فإذا تقرر هذا فإذا أولج قدر الحشفة وقع الطلاق وخرج من حكم الإيلاء فإن أخرج [97/ أ] في الحال لم يلزمه بالإخراج شيء لأنه لم يتجاوز إلى محظور فهو كما لو أحرم لابسا للمخيط ثم نزع عقيب الإحرام لا فدية عليه، ثم إن أولج ثانيا قال أصحابنا: إن كانا عالمين بوقوع الطلاق بالإيلاجة الأولى وتحريمها عليه كانا زانيين ويلزمهما الحد، وإن كانا جاهلين كان وطء شبهة فيجب مهر المثل ولا حد ووجه الشبهة فيه أنه يجوزان بجهلا ويعتقدا أن الإيلاجة الثانية مع الأولى وطئ واحد لأن الوطئ هو الإدخال والإخراج وهذا اختيار القفال والقاضي الطبري وجماعة وهو القياس والصحيح، وقال أبو حامد: ظاهر المذهب أنه لا يلزمهما الحد، وإن كانا عالميين لأنه نص فقال: إن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها ووجه أن هذا الفعل في العادة كالجماع الواحد وكان تحليل أوله شبهة في تحريم اخرة، وهذا لا يصح لأنه إيلاج مستأنف بعد العلم بالتحريم فلا يتعلق حكمه بالأول وتأويل نص الشافعي في الجاهل: وقيل: إن قضى وطرة بالأول يلزم المهر بالثاني وإلا فلا، فإذا قلنا: لأحد فلها المهر ويعزر، وإذا قلنا: يلزم الحد وكانا عالمين لا يلزم المهر لها، وإن كانا جاهلين عزرا ويلزم المهر لها، وإن كانت الإيلاجة الثانية مع الإيلاجة الأولى منسوبتين إلى وطئ واحد لأنه لما تميزت الأولى عن الثانية في التحريم حتى حلت الأولى وحرمت الثانية تميزت في المهر، وإن كانتا من وطئ واحد ولهذا لو تكرر الوطئ في نكاح مائة مرة لم يجب إلا مهر واحد، ولو اختلف حكمه بأن وطئ مرة بنكاح ومرة بشبهة تميز حكمهما ووجب مهران ثم الإيلاجة الثالثة والرابعة في حكم الثانية لاستواء الكل (97/ ب) في الحكم، وإن كان الرجل عالما والمرأة جاهلة أو عالمة ولكنهما لا تقدر على دفعه يلزم المهر لها وفي حده وجهان، وإذا كان الرجل جاهلا والمرأة عالمة به ففي وجوب الحد عليها وجهان، والمهر على هذين الوجهين، وقد ذكرنا من قبل أن حكمه الحد معتبر بكل واحد منهما وحكم المهر معتبر بهما وحكم النسب والعدة معتبر به وفي تحريم المصاهرة وجهان.
الجزء: 10 - الصفحة: 207
قال القفال: عندي أنه معتبر به فأن كان عالما فماءه فاسد لا يثبت به تحريم المصاهرة في الجانبين ولا تحرم عليه أمها وابنتها ولا تحرم على أبيه وابنه، والوجه الثاني: يعتبر بكل واحد منهما ويثبت عند الشفعة في إحداهما، وان مكث على ذلك أو أكمل الإيلاج فقد أساء ولا حد عليه سواء كان عالما أو جاهلا وسواء استدام حركة الوطئ حتى أنزل أو لم يستدمها حتى أخرج لأنها إيلاجه واحدة أولها مباح وأخرها فلا حد لاجتماع التحليل والتحريم في الفعل الواحد شبهة يدرأ بها الحد.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: يلزمه الحد كما يلزمه كفارة رمضان إذا مكث مجامعا وهذا غلط وهل يلزمه المهر، ظاهر قوله هاهنا أنه لا مهر عليه لأنه قال: فأن أخرجه ثم أدخله بعد فعليه مهر مثلها فدل على أنه إذا لم يفعل هكذا ومكث لا يلزمه شيء، ومن أصحابنا من قال: يلزمه المهر لأنه قال في كتاب الصيام إذا طلع الفجر وهو مجامع فمكث أفسد صومه وقضى وكفر فجعل المكث كالابتداء في وجوب الكفارة وهذا هو القياس، ومن اختار القول الأول فرق بأنها إيلاجه واحدة لا يتميز حكمها فإذا لم يجب بابتدائها مهر لم يجب باستدامتها مهر والكفارة في الصوم تتعلق بشيئين الزمان والاستدامة فلما كان [98 / أ] الزمان معتبرا جاز أن تميز به حكم الابتداء وحكم الابتداء وحكم الاستدامة ولأن إيجاب المهر هاهنا بالاستدامة يقضى إلى إيجاب مهرين بوطء واحد وهو أن تكون مفوضة غير مدخول بها فيجب لها بالتقاء الختانين مهر وباستدامة الإيلاج مهر أخر وهذا لا يجوز، والكفارة لا توجب إلا واحدة فافترقا وقيل في الكفارة والمهر قولان على سبيل النقل والتحريج وليس بشيء
مسألة: قال: وان أبى أن يفئ طلق عليه واحدة.
الفصل
كل من إلى ايلاء شرعيا كان له التربص أربعة أشهر لا يتوجه عليه فيهن مطالبة بنية ولا طلاق، فان فعل ذلك فقد قدم حقا لم يجب عليه قبل محله وان لم يف لم يطلق حتى تنقضي المدة، فإذا انقضت وقفناه وطالبنا بالنية أو بالطلاق، فان فاء انحلت الايلاء أو زالت اليمين لأنه قد حنث فيها، وأن طلق طلقة واحدة فقد وفاها حقها لهذا التربص، فان لم يف ولم يطلق فالسلطان لا مدخل له في النية ولكنه هل يطلق عليه، قال في "الجديد": يطلق عليه وبه قال مالك وأحمد في رواية، وقال في "القديم": فيه قولان، أحدهما: هذا، والثاني: لا يطلق عليه بل يضيق عليه حتى يكون هو الذي يطلق وهو ضعيف والدليل على بطلانه أنه حق لمعين تدخله النيابة، فإذا امتنع من إيفائه يستوفيه الحاكم كسائر الحقوق، وإذا قلنا: أنه لا يطلق الحاكم يحبس ويعزر حتى يطلق، فإذا طلقها طلقة فقد وفاها حقها لهذا التربص، فان زاد على طلقة واحدة فقد
الجزء: 10 - الصفحة: 208
تطوع بالفضل، وإذا قلنا: يطلق عليه السلطان فلا يزيد على واحدة لأنه لا ينوب عنه في أكثر مما يجب عليه [98 / ب] سواء طلق هو أو السلطان فإنها طلقة رجعية إذا كان بعد الدخول ثم ينظر، فان لم يراجع فلا كلام وان راجع ضربت له مدة أخرى من حين الرجعة، فإذا انقضت وقفناه فأن فاء أو طلق وإلا طلق على ما ذكرناه، ويفعل كذلك حتى ينقضي طلاق ذلك الملك ثلاثا، وقال أبو ثور يطلق القاضي تطليقه ثانية لأنها فرقة لدفع الضرر فساءه فرقة العنة وهذا غلط لأن ذلك فسخ وليس بطلان وهذا طلاق مجرد صادق اعتداد لم يستوف عدده فلا يخلو عن الرجعة، فان قيل: خالفتهم نص القرآن لأن الله تعالى ضرب المدة للمولى أربعة أشهر وأنتم تضربون له ثلاث مدد إذا كان إطلاق رجعيا، قلنا: أمر الله تعالى ضرب المدة في الابتداء أربعة أشهر ونحن نقول به فأما بعد الرجعة والطلاق فلم يذكر الله تعالى ولكنا قسنا على الابتداء.
مسألة: قال: ولو قال: أنت على حرام يريد تحريمها بلا طلاق أو اليمين بتحريمها فليس بمول.
إذا قال لها: أنت علي حرام ونوى تحريمها بلا طلاق أو اليمين بتحريمها لا يكون موليا لأنه يتعلق فيه الكفارة باللفظ، وإذا وطئها لم يلزمه شيء والمولى من يخشى بالوطء لزوم شيء، ولو قال: إن وطئتك فأنت على حرام يصير موليا لأنه أي وقت وطئها يلزمه الكفارة سواء قلنا: أنه صريح في إيجاب الكفارة أو قلنا: أنه كناية وهو لوي التحريم وهذا على قوله الجديد، فأما قوله القديم لا يكون موليا لأنه حلف بغير الله.
فرع
ولو قال: أن وطئتك فأمتي على حرام ونوى العتاق أو نوى تحريم عينها يكون موليا أيضا على هذا القول [99 / أ].
فرع أخر
لو قال لها: أنت على حرام وقال: نويت أنها حرام على أن أصبتها فنيته قد خالفت ظاهر لفظه لأن ظاهر قوله أنت على حرام يوجب تعجيل الكفارة في الحال، ونيته أنها حرام عليه أن أصابها يوجب تأخير الكفارة إلى الإصابة وهذا يحتمل يدين فيه لأن الكفارة حق الله تعالى وقد اعترف بالايلاء وفيه حق للزوجة فوجب أن يصير بذلك موليا، ومن أصحابنا من قال: لا يكون موليا ولا يقبل قوله في الحكم وهذا غلط لما ذكرنا.
مسألة: قال "ولو قال: إذا قربتك فغلامي حر عن ظهاري حر عن ظهاري إن تظاهرت لم يكن موليا حتى يظاهر".
الجزء: 10 - الصفحة: 209
الأصل فيه أنه علق عتق عبده بشرطين إصابته وظاهره فان وجد أعتق العبد، وأن وجد أحدهما لم يعتق، كما لو قال: إن دخلت الدار وأكلت الخبز فأنت حر لا يعتق ما لم يدخل الدار ويأكل الخبز جميعا، وإذا وجد الشرطان عتق العبد بعدم الظاهر على الإصابة أو الإصابة على الظهار وعلى كل حال فبهذا القدر من القول لا يكون موليا لأنه يمكنه النية من غير ضرر، فان العتق لا يقع بوجود أحد الشرطين ثم ينظر، فان لم يصبها ولم يظاهر فلا كلام، وان فعل ذلك لا يخلو أما أن يقدم الإصابة أو الظهار فان قدم الإصابة خرج من الايلاء وله الإصابة بعد هذا متى شاء من غير ضرر عليه فيه لأن عتق عبده بعد الإصابة يكون شيء أخر وهو الظهار، فان تظاهرت بعد ذلك عتق العبد لوجود الصفتين ولا خلاف بين أصحابنا أنه لا يجزيه عن الظهار، واختلفوا في تعليله فقال ابن أبى هريرة: إنما لم يجز لأنه يقع العتق بالحنث فلا يجوز عن شيئين حنث وظهار، وقال أبو إسحاق [99 / ب] وغيره: إنما لم يجز لأن إيقاع العتق تقدم الظهار وإنما يجوز العتق عن الظهار إذا كان الإيقاع متأخرا عن الظهار وهذا أصح.
وقد نص الشافعي في نظير هذه المسألة على مثل هذا التعليل فقال: ولو قال لعبده: أنت حر الساعة عن طهارى أن تظاهرت كان حرا في الحال ولم يجزه أن تظهر لأنه لم يكن بظهار ولم يكن سبب منه ولم يقل أن العتق وقع بالحنث هذا إذا قدم الإصابة فان قدم الظهار أولا لم يعتق العبد ولكنه صار الآن على صفة قد منع نفسه من جماعه بعد التربص إلا بضرر وهو عتق العبد فهل يكون موليا أم لا؟ على القولين لأنها يمين بغير الله تعالى، فإذا قلنا: صار موليا تربص أربعة أشهر، فإذا مضت طولب بالنية، فان فاء عتق العبد بوجود الصفة ولم يجزه عن الظهار قولا واحدا لما ذكرنا من التعليلين، فأما إذا تظاهر منها أولا لذمته الكفارة، ثم قال: أن قربتك فغلامي هذا حر عن طهارى صار موليا في الحال، فإذا انقضت أربعة أشهر طولب فان طلق فلا تفريع عليه، وان وطئ فقد عتق العبد ويجزيه عن الظهار على قول أبي إسحاق لأنه إعتاق متأخر عن الظهار، ولا يجزيه على قول ابن أبي هريرة لأنه عتق وقع بالحنث، فان قيل: فعلى قول أبي إسحاق ينبغي إن لا يكون موليا لأنه لا ضرر عليه بعتق هذا العبد فأنه متى عتق وقع عن كفارته قيل: يكون موليا على قوله أيضا، لأنه وان عتق عن ظهاره فقد لحقه الضرر لأن العبد تعين فيه وقد يكون أعلى ثمنا من عبد يجزئه في الكفارة وقد يكون فيه معاني يستضر بعتقه لها لثقته وأمانته وطاعته له فلا يترك ينفك عن الضرر وكان موليا.
[100 / أ]
مسألة: قال: " ولو قال: إن قربتك فلله على أن أعتق فلانا عن ظهارى وهو مظاهر لم يكن موليا ".
الجزء: 10 - الصفحة: 210
الفصل
إذا تظاهر منها ثم قال: إن قربتك فعليَّ أن أعتق هذا العبد عن ظهاري نقل المزني: أنه لا يكون موليًا وليس عليه أن يعتق عبده وعليه كفارة يمين وغلط في النقل لأن الشافعي ذكر هذه المسألة في "الأم" و"الإملاء" وقال فيهما: يكون موليًا لأنه إذا وطئها إما أن يلزمه عتقه أو ينتقل إلى كفارة يمين، وإذا خشي في الوطي لزوم الغرم كان موليًا فإذا ثبت هذا ووطئها فهو بالخيار إن شاء أعتقه، وإن شاء كفر كفارة اليمين، لأنه نذر اللجاج فإن أعتقه عند أبي إسحاق يجزئه عن ظهاره وعند ابن أبي هريرة لا يجزئه عن ظهاره على ما ذكرنا، وإن كفر أولاً كفارة اليمين بقي العيد خالصًا يجوز عقه عن الظهار قولاً واحدًا.
واعلم أن المزني نقل وعليه كفارة يمين وهذا مشكل لأنه أوهم تعيين الكفارة، ولو حملناه على هذا كان جوابًا على القول المنصوص في كتاب الأيمان لا على قول التنجيز بين الوفاء والكفارة المنصوص في كتاب الإيلاء قبل هذه المسألة في قوله إن قربتك فعليَّ صوم هذا الشهر ويبعد أن يجب في الباب الواحد بمثل هذين القولين المختلفين، وإزالة هذا الإشكال بأن يقال معنى قوله وعليه فيه كفارة اليمين إن شاء، وإذا اعتق العبد سقطت عنه الكفارة، ألا تراه قال: وليس عليه أن يعتق فلانًا ولو كان جوابًا عليَّ بعين الكفارة لكان يقول ولا يجزئه أن يعتق فلاناً عن كفارة اليمين.
ومن أصحابنا من تعصب للمزني، وقال هذا النقل صحيح وإنما نقله عن القديم إنه لا يكون موليًا [100/ب] بغير اليمين بالله تعالى وهذا ليس بشيء لأن الشافعي لم يذكر هذه المسألة في "القديم" أصلاً، فإذا تقرر هذا اختار المزني أنه لا يكون موليًا ولا يلزمه عتقه ولا يلزمه كفارة اليمين أيضًا، وبه قال أبو حنييفة واحتج بأن تعيين العتق الواجب في عبدٍ بعينه لا يلزم، وإذا لم يلزم لا يجب كفارة اليمين كما لو قال: لله عليَّ أن أصوم يوم الخميس عن الصوم الذي عليَّ لم يكن عليه صوم يوم الخميس وأي يوم صامه جاز ولا معنى لهذا النذر حتى يلزمه كفارة كذلك هاهنا، وكذلك لو عين للصلاة الواجبة عليه وقتًا أو عين دراهم الصدقة الواجبة عليه من الدراهم لا يلزم ذلك بعينه، والجواب: أن الصوم إذا كان في الذمة لا يمكن تعليقه بالعين لأنه لا حق لعين اليوم فيه وللعبد حق في العتق فجاز أن يتعين فيه بتعيينه، وأيضًا تعلق العتق بعين العبد أكد من تعلق الصوم بعين اليوم، ألا ترى أنه إذا قال: لله عليَّ أن أصوم يوم كذا، وفات ذلك اليوم صام في غيره، ولو عين العتق في عبدٍ بعينه فمات العبد لا يلزمه أن يعتق غيره ومن هذا قيل: إذا قال: لله عليَّ أن أعتق هذا عن الواجب عليَّ يتعين، ولو قال: لله عليَّ أن أفرق ذكاتي على هؤلاء الفقراء يتعين، ذكره القاضي الحسين.
مسألة: قال: "ولو آلي ثم قال لأخرى: قد أِشركتك معها في الإيلاء لم تكن شريكتها".
الجزء: 10 - الصفحة: 211
في هذا الفصل ثلاث مسائل: أحدها: أن يولي منها بالله تعالى ثم قال للثانية أشركتك معها في الإيلاء ونوى أنه آلي منها كما آلي من الأولى لم يكن موليًا من الثانية لأن [101/أ] الإيمان بالله تعالى لا تنعقد بالغاية كما لو قال: والله لا دخلت الدار ثم قال: هذه اليمين لازمة لي في أكل الخبز لم يكن حالفًا على أكل الخبز.
والثانية: أن يولي منها بالطلاق فقال: إن أصبتك فأنت طالق ثم قال للأخرى: قد أشركتك معها، وقال أردت أن لا تطلق الأولي بالإصابة حتى ينضاف إلى إصابتها أصابتك أيضًا، فلا يصح ذلك ولا يكون موليًا من الثانية لأنه علق طلاق الأولى بصفةٍ فلا يجوز أن يضم إليها صفة أخرى كما لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: وإن أكلت الخبز أيضًا فالطلاق يتعلق بالدخول وحده كذلك هاهنا وقول الشافعي لم تكن شريكتها عاد إلى هاتين المسألتين.
والثالثة: أن يولي منها بالطلاق ثم قال للأخرى: قد أشركتك معها، وقال: أردت أني إذا أصبتك أيضًا طلقت الأولى أو طلقتِ أنت فيكون موليًا عن الثانية لا علق طلاقها بصفة وتعليق الطلاق بالصفة يصح بالصريح والكناية بخلاف اليمين بالله تعالى فإنها لا تصح إلا بالصريح وعلى هذا لو قال: أليت منك بما آلي فلان من زوجته وكان فلان إلي من زوجته بالطلاق صح وكان موليًا.
وقال القفال: إذا قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال لامرأةٍ له أخرى: أنت شريكتها لا يجوز سواء أراد أنك إن دخلت الدار طلقت أيضًا، أو أراد إذا دخلت الأولى الدار وطلقت طلقتِ معها لأنه تشريك في اليمين وما ذكرنا الأصح لما بينا أنه تعليق الطلاق يصح بالكناية.
مسألة: قال: ولو قال: إن قربتك فأنتِ زانية فليس بمولٍ.
الفصل
إذا قال هذا لا يكون قاذفًا [101/ أ] إذا قربها ولا يكون موليًا قبل أن يقربها لأن القذف معلقًا بالصفات لا يجوز لأن القذف ما تردد بين الصدق والكذب، وإذا كان محكومًا بكذبه لا يصح القذف وهذا محكوم بكذبه لأن من لم تكن زانية قبل وجود صفةٍ منه لا تصير زانية بوجودها وإنما يلزمه حكم الإيلاء إذا التزم بالقربان حقًا لله تعالى وهاهنا لم يلتزم ذلك.
مسألة: قال: ولو قال: والله لا أصبتك سنة إلا مرة لم يكن موليًا.
الفصل
إذا قال: والله لا أصبتك سنة إلا مرة لم يكن موليًا في الحال لأنه لو قربها لم يلزمه شيء هذا هو المنصوص في الجديد، وقال في "القديم": فيه قولان، أحدهما: هذا، والثاني: يكون موليًا لأنه لا يمكنه الوطئ إلا بضرر وهو انعقاد يمينه بالامتناع من
الجزء: 10 - الصفحة: 212
الوطئ وأصل القولين هو أنه إذا قال لأربع نسوة له: والله لا أقربكن كلكن، ففي الجديد ليس بمولي حتى يطأ ثلاثًا فيكون موليًا من الرابعة وفي "القديم" فيه قولان، أحدهما: هذا، والثاني: يكون موليًا في الحال منهم، وإن كان لا يحنث إلا يوطئ الأربع لأن وطء الأولى يقربه إلى الحنث، فإذا قلنا بالقول الجديد وهو الصحيح فيطئ يصير كأنه حلف الآن فيظر فيما بقي من السنة، فإن كان أكثر من أربعة أشهر فهو مولي، وإن كان أقل فليس بمولي ولكن حكم اليمين قائم متى وطئها حنث.
فرع
لو قال: والله لا وطئتك سنة إلا يومًا لا يكون موليًا أيضًا كما لو قال إلا مرة، وبه قال أبو حنيفة: وقال زفر: يكون موليًا لأن اليوم المستثنى يكون من آخر السنة، كما لو قال: أحلتك بالثمن شهرًا إلا يومًا كان اليوم من آخر الشهر وهذا غلط لأن اليوم [102/أ] المستثنى منكر فلم تحيض بيوم دون يوم كما لو قال: لا أكلمك سنةً إلا يومًا كان له أن يكلمه إلى يوم شاء ويخالف مسألة الأجل، لأنه لو جاز له مطالبته في يوم قبل أخره بطل حكم التأجيل لأنه يسقط بقضاء الدين والوطئ هاهنا في يوم لا يمنع تعلق اليمين بما تقدمه.
مسألة: قال: ولو قال: إن أصبتك فوالله لا أصبتك لم يكن موليًا حتى يصيبها.
الفصل
إذا قال: إن أصبتك فوالله لا أصبتك لا يكون موليًا ما لم يصيبها لأنه إيلاء بصفةٍ وهي إصابتها فلا يصير موليًا قبلها، فإذا أصابها يصير موليًا كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أصبتك يصير موليًأ إذا دخلت الدار، وقال القفال: في هذه المسألة طريقان، أحدهما: أنها والمسألة الأولى على سواءٍ في الجديد قول واحد، وفي "القديم" قولان لأن الوطئ الأول يقربه إلى الحنث هاهنا أيضًا، والثاني: لا يصير هاهنا موليًا قولاً واحدًا لأنه علق كونه موليًا بصفة فلا يصير موليًا قبل وجودها، قال: وهذا مبني على أنه إذا قال: إن دخلت الدار فأنت عليَّ كظهر أمي هل يعد اليمين بدخول الدار من اسباب كفارة الظهار حتى لو كفرنا عتق عن الطهار يعد اليمين، وقبل دخول الدار وانعقاد الظهار أجزأه عن كفارته أم لا؟ في المسألة وجهان، قال ابن الحداد: يجزيه ذلك فعلى هذا يصير موليًا هاهنا على أحد القولين، وبعد الوطئ الأول: من أسباب إيجاب الكفارة فيصير موليًا قبله، والثاني: لا يجزيه، والسببان للكفارة الظهار والعود، فأما اليمين فلا فعلى هذا السبب هاهنا الوطئ الثاني دون الأول [102/ب] فقبل الأول لا يكون موليًا قولاً واحدًا.
مسألة: قال: والله لا أقربك إلى يوم القيامة.
الجزء: 10 - الصفحة: 213
الفصل
إذا حلف لا يقربها لا يخلو إما أن يطلق أو تعلقه مدة أو يعلقه بفعل، فإن أطلق فقال: والله لا أطأك كان موليًا لأنه يقتضي التأبيد، وكذلك لو قال: أبدًا أو قال ما عشت أو عشتِ أو عشنا لأنه هو الأبد في حقها، وإن علقه بمدة محدودة نظر فإن زادت على أربعة أشهر كان موليًا، وإن كانت أربعة أشهر فما دونها لا يكون موليًا على ما ذكرنا وإن علقه بمدة محدودة نظر، فإن زادت على أربعة أشهر كان موليًا، وإن كانت أربعة أشهر فما دونها لا يكون موليًا على ما ذكرنا، وإن علقه بفعل فهو على خمسة أضرب ضربان منها يكون موليًا فيهما، أحدهما: أن يعلقه بما يقطع أنه لا يكون إلى أربعة أشهر كقوله: إلى يوم القيامة لأن صاحب الشرع أخبر أن بين يدي الساعة إمارات وأشراطًا تزيد مدتها على أربعة أشهر، وهكذا لو قال: لا أطأكِ حتى أخرج إلى اليمين وهو بالعراف.
والثاني: أن يعلقه بما لا يقطع به أنه لا يكون إلى أربعة أشهر ولكنه يغلب على الظن أنه لا يكون إلى ذلك الوقت كنزول عيسى ابن مريم صلى الله على نبينا وعليه وسلم وخروج الدجال والدابة وطلوع الشمس من مغربها فيكون موليًا هاهنا أيضًا أحدًا بغالب الظن، ومن أصحابنا من جعل أشراط الساعة كلها كالقيامة في أنه يكون موليًا قطعًا لأن لها إمارات منذورة كالقيامة تتأخر قبل وجودها عن مدة التربص.
وقال القاضي الماوردي الصحيح من إطلاق الوجهين فيه أن يقال: ما صحت به أخبار الأنبياء أنه يترتب فيكون بعضها بعد بعض كنزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم يكون بعد ظهور الدجال كان إيلائه إلى نزول عيسى صلى الله عليه وسلم قطعًا وإيلاؤه إلى ظهور الدجال [103/أ].
فغلبه الظن لجواز حدوثه قبل أربعة أشهر، وما لم يترقب منها فهو مولٍ بغلبة الظن دون القطع، وهذا من الإخلاف الذي لا يفيد؛ لأن موجب الإيلاء فيما لا يختلف.
ومن أصحابنا من قال: قوله: "حتى أموت، أو تموتي، أو يموت زيد" من هذه الجملة؛ لأن الناس يستبعدون بعضهم موت بعض، ويقصدون بمثل هذا التأبيد والتبعيد وهو ظاهر المختصر، ذكره القفال، والقاضي الطبري وجماعة.
ومن أصحابنا من قال: هذا صحيح في قوله: "حتى تموتي أو أموت، لأنه عبارة عن التأبيدـ، إذ لا يتصور الوطئ بعد موت أحدهما، ولو أطلق التقت بمدة حياتهما، فأما إذا قال: حتى يموت فلان فلا يكون موليًا، كقوله: حتى يقدم زيد لتردد حاله بين الموت والبقاء، ولو كان إيلاء الزوجين مطلقًا لم يتقدم بموته.
وقيل: إن كان زيد في مرض مخوف لم يكن موليًا قولاً واحدًا؛ لأن الظاهر من حاله موته قبل مدة التربص لإمارات الموت، وإن كان زيد صحيحًا أو في مرض غير مخوف، فيه وجهان على ما ذكرنا أن الظاهر بقاؤه إلى مدة التربص، وهذه الصلة موجودة هاهنا، والدليل على
الجزء: 10 - الصفحة: 214
صحة هذه الصلة أنه لو قال: إن أصبتك فعبدي حر كان موليًا، وإن جاز أن يموت عنده أو يبيعه قبل مدة التربص فلا يكون موليًا، ولكن علينا حكم الظاهر مع جواز خلافه كذلك هاهنا.
وثلاثة أضرب منها لا يكون موليًا فيها: أحدها: أن يعلقه بما يقطع أنه يكون قبل أربعة اشهر ويجوز أن يزيد عليها مثل أن يقول: حتى تقدم القافلة، والغالب أنها تدخل إلى أيام، فإنها قد قربت من البلد.
والثالث: أن يعلقه على ما يجوز وجوده من أربعة أشهر، ويجوز أن يتأخر، وليس أحدهما بأولى من الآخر، مثل أن يقول: حتى يقدم زيد ولا يعرف موضعه [103/ب] أو يقول: حتى أمرض، أو تمرض، أو يمرض زيد، أو يشاء فلان فلا يكون موليًا، وإن امتد ولم يحصل ذلك إلى أربعة أشهر؛ لأنه لم يقصد الإضرار بها بيمينه، وإنما يكون موليًا إذ كان الغالب الإضرار بها في حال اليمين.
ومن أصحابنا من قال: الأمر في هذا موقوف، فإن مضت أربعة أشهر ولم يحصل ذلك بأن أنه كان موليًا، ذكره القفال.
ثم اعلم أن المزني ذكر فطام الولد مع نزول عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة، وموته أو موتها وسوى بين الجميع، وقال: يكون موليًا.
وقال في موضع آخر: حتى تفطمي ولدك لا يكون موليًا.
قال أبو إسحاق: لا نعرف للشافعي في الفطام ما نقله المزني، والذي نص عليه من كتبه أنه لا يكون موليًا، ومن أصحابنا من تأوله وقال: إذا كان المولود ضعيفًا على صفة الغالب أنه لا يبقى ولا يعيش حتى يرضع أكثر من أربعة أشهر يكون موليًا، وإن كان المولود قويًا يكفيه أقل من ذلك لا يكون موليًا، فالقولان على هذين الحالين.
ومنهم من قال: إنه علق اليمين على مدة الفطام وقد بقي إلى مدة الحولين أكثر من أربعة أشهر كان موليًا، وإن علق بفصل الفطام نفسه لا يكون موليًا؛ لأنها قد تفطمه قبل أربعة أشهر إذا أمكن ذلك، فالقولان على هذين الحالين.
ثم اختار المزني أنه لا يكون موليًا في قوله: "حتى يموت فلان" كما لا يكون موليًا في قوله: "حتى يقدم فلان" لاحتمال كونه قبل أربعة أشهر، وقد بينا الفرق بينهما، هو أن الموت مستبعد عند الناس بخلاف القدوم من مسافة قريبة.
ومن أصحابنا من قال: في قوله: "حتى يقدم فلان" إن كانت عادته أنه يقدم من سنة إلى سنة مع الحجاج كان موليًا اعتبارًا بغالب العادة كالموت سواء.
قال: وقد قال الشافعي: [104/أ] "حتى تحبلي فليس بمول" قلنا: فيه ثلاث مسائل: أحدهما: أن تكون شابة تحيض وتطهر ولا يكون موليًا؛ لأنه يحتمل أن تحبل قبل أربعة أشهر في الغالب، والحبل قد يكون من دون الوطئ باستدخال.
والثانية: أن يكون لها تسع سنين، فهذه يحتمل أنها تحبل على أربعة أشهر، ويحتمل غيره، والغالب أنها لا تحبل في العادة فيكون موليًا.
والثالثة: أن تكون صغيرة لم تحض، أو كبيرة قد يئست من الحيض، فهذه قد يقطع أنها لا تحبل إلى أربعة أشهر فيكون موليًا.
الجزء: 10 - الصفحة: 215
وقال في "الحاوي": قال أبو حامد في المراهقة: يكون موليًا، لأن الظاهر تأخر البلوغ، وتأخره مانع من الحبل.
والصحيح عندي لا يكون موليًا؛ لأن بلوغ المراهقة يمكن كحبل البالغة ممكن وليس أحد الأمرين بأغلب من الآخر، وإذا أمكن بلوغها أمكن حبلها.
وقال بعض أصحابنا: ذكر المزني مسألة القدوم والفطام مع يوم القيامة ونزول عيسى وهذا مشكل؛ لأن مسألة القدوم والفطام على ما ذكرنا من التفصيل، وإزالة هذا الإشكال أن قال: هذا الجواب الذي أطلقه الشافعي جواب مستقيم في جميع هذه المسائل، وهو إذا مضت أربعة أشهر قبل يكون شيء مما حلف عليه يكون موليًا، غير أنه أراد بمطلق كلامه في بعض هذه المسائل يكون مطالبها لحكم الإيلاء بعد أربعة أشهر مع العلم بأنه عقيب اليمين كان موليًا لا على معنى التوقف والتبيين، وهي مسألة القيامة وخروج الرجال، وفي بعضها يكون مطالبًا بعد أربعة أشهر بحكم الإيلاء، وحين تتوجه المطالبة يعلم أنه مول من وقت اليمين على جهة التوقف والتبيين، وفي بعضها على غير جهة التبيين، وهذا على الوجه الذي ذكره القفال [104/ب] على ما تقدم بيانه.
ثم ذكر الفطام، وقال: قال في موضع آخر: لا يكون موليًا، وأوهم أن المسألة على قولين، ثم اختار أحد القولين فقال: هذا أولى بقوله؛ لأن أصله أن كل يمين منعت الجماع بكل حال أكثر من أربعة أشهر إلا بأن يحنث فهو مولٍ.
وقوله هذا أولى يوهم أنه اختار من النصين في الفطام النص الثاني، وليس كذلك، بل اختيار النص الأول وهو أنه مولٍ فكأنه أشار بقوله هذا إلى المنصوص هاهنا، لا إلى المنقول عن الموضع الآخر فتأمل.
وقد بينا أن المسألة ليست على قولين، بل هي على اختلاف حالين.
وقال في "الحاوي": إذا علق الإيلاء بشوط فهو ثمانية أقسام: منها ما كان موليًا به في الظاهر والباطن لاستحالته، كقوله: والله لا أصيبك حتى تصعدي السماء أو حتى تعدي رمل عالج، أو تشربي ماء البحر، وهو كالإيلاء المطلق هاهنا.
والثاني: حكمه هكذا للقطع انه سيكون بعد أكثر من أربعة أشهر، كقوله: حتى تقوم القيامة.
والثالث: ما كان موليًا به في الظاهر، وإن جاز أن لا يكون موليًا في الباطن، كقوله: "حتى ينزل عيسى عليه السلام، أو حتى يظهر الدجال" على ما ذكرنا.
والرابع: ما اختلف حكمه اختلاف حال الشرط، كقوله: "حتى يقدم زيد" على ما ذكرنا أنه يكون في مسافة كالصين أو قريبة.
والخامس: ما يختلف باختلاف إرادته، كقوله: "حتى تفطمي ولدك" إن أراد الرضاع أو مدة الرضاع.
ومن أصحابنا من جعل هذا من القسم الرابع الذي يختلف باختلاف حالة لا باختلاف إرادته من كون الولد طفلاً لا يجوز قطع رضاعه [105/أ] قيل: أربعة أشهر،
الجزء: 10 - الصفحة: 216
أو يكون مشتدًا قويًا يمكن قطع رضاعته قبل أربعة أشهر، والأول أصح، وبه قال الجمهور؛ لأن قطعها لرضاعه ممكن وإن منع منه الشرع، والإيلاء متعلق بإمكان الفعل لا بجوازه في الشرع.
وحكي عن مالك: لا يكون موليًا بكل حال؛ لأنه قصد منفعة الولد وهذا غلط؛ لأن الإضرار حاصل قبل اليمين فلا يعتبر غرضه، وعلى هذا لو علقه بما يمكنه فعله ولكن يمنع الشرع منه، كقوله: "حتى تقتل أخاك" لم يكن موليًا على معنى قول ابن سريج؛ لأنها تقدر على قتله في الحال، وكان موليًا على قول غيره؛ لأن الشرع يمنع من قتله.
ومن هذا القسم: "حتى تخرج إلى الحج".
فإن أراد زمان الخروج المعهود كان موليًا إذا بقي إليه أكثر من أربعة أشهر، وإن أراد به فعلها للخروج لم يكن موليًا.
والسادس: ما يختلف باختلاف زمانه، كقوله: "حتى يسقط الثلج أو يجمد الهواء".
فإن كان في الشتاء لم يكن موليًا، وإن كان في الصيف، فإن كان في آخره والباقي آلي الشتاء أقل من أربعة أشهر لم يكن موليًا، وإن كان من أوله كان موليًا.
ولو قال: "حتى يجيء المطر" فمن أصحابنا من جعله في أول الصيف كالثلج يكون به موليًا لتعذره في الأغلب.
ومن أصحابنا من قال: لا يكون به موليًا؛ لأن المطر قد يجيء في الضيف والثلج لا يكون في الصيف.
وأما في البلاد التي يعهد فيها المطر صيفًا وشتاءً كبلاد طبرستان لا يكون موليًا فيها بلا خلاف.
والسابع: فلا يكون به موليًا لتكافؤ أحواله، كقول: "حتى يبرأ هذا المريض أو يمرض هذا الصحيح أو تتعلمي الكتابة، أو يطلق فلان زوجته" لا يكون موليًا.
والثامن: ما لا يكون به موليًا لكونه قبل أربعة أشهر، [105/ب] كقوله: "حتى تذبل هذه البقلة، أو يحمص هذا العجين، أو تنضج هذه القدر" ونحو ذلك.
مسألة: قال: "ولو قال: والله لا أقربك إن شئت فشاءت في المجلس فهو مولٍ".
إذا قال لها: والله لا أقربك إن شئت فقد علق "الإملاء" بصفة وهي مشيئتها أن لا يقربها، وانعقادها بأن يشاء بأن لا يقربها، فإذا ثبت هذا نظر، فإن لم تشأ أصلاً أو شاءت في غير زمان المشيئة لم ينعقد الإيلاء، وإن شاءت في وقت المشيئة انعقدت يمين ووقت المشيئة.
قال الشافعي في "المجلس" واختلف أصحابنا فيه على وجهين.
وقال أبو إسحاق: زمان المشيئة أن يكون كلامها جوابًا لكلامه، كالقبول في البيت.
وقول الشافعي معناه في مجلس المشيئة.
ومن أصحابنا من تمسك بظاهره فقال: زمان المشيئة ما لم يتفرقا عن مجلسهما، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم.
وقال مالك: لا يكون موليًا، وهذا غلط، لأنها غير مختارة لبقائه عليه والتمسك به، فكان موليًا لهذا، ويقول باختيارنا لا يسقط حقها، كما لو وقف بعد أربعة أشهر فقالت: رضيت بترك حقي لم
الجزء: 10 - الصفحة: 217
يكن ذلك إسقاطًا لحقها حتى لها الرجوع إلى المطالة بعد ذلك.
فرع
لو قال: والله لا أقربك إلا أن تشائي، فإن شاءت في المجلس بحيث يكون جوابًا لكلامه لم يكن موليًا، وإن شاءت بحيث لا يكون جوابًا لكلامه يكون موليًا، لأن تقدير هذا الكلام: لا أقربك إلا أن تشائي بأن أقربك فأقربك، فإذا شاءت قربانها لم يكن عليه يمين في قربانها، وإذا لم تشأ في الحال كان عليه يمين في قربانها، فإذا قربها [106/ أ] لزمته كفارة يمين، وعلى هذا لو قال: لا أقربك إلا برضاك لا يكون موليًا؛ لأنها متى طالبت بعد المدة والت الإيلاء؛ لأنه علقه برضاها وقد رضيت فزال الامتناع منه ووقت الرضا في هذه على التراضي.
فرع آخر
لو قال: والله لا أقربك إن شئت أن أقربك فقد علق عقد اليمين بشرط أن تشاء أن يقربها، وتقديره: إذا شئت أن أقربك فوالله لا أقربك، فإن وجدت هذه الصفة في زمان الخيار أو انعقد الإيلاء وإلا فلا ينعقد كما ذكرنا في المسألة الأولى.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك متى شئت، فهذه المشيئة على التراضي فمتى شاءت صار موليًا.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك حتى تشائي نقل المزني عن الشافعي أن لا يكون موليًا؛ بخلاف ما لو قال: إلا أن تشائي على ما ذكرنا، والفرق أنه يجعل في هذه غاية اليمين مشيئتها، وقد تشاء في الحال وقد لا تشاء، وإن كانت العين معلقة بفعل قد يوجد قبل مضي مدة الإيلاء وقد لا يوجد لم يكن موليًا بها، وإذا قال: إلا أن تشائي فإن يمينه مطلقة، وإنما استثنى فيها مشيئتها فإن لم توجد المشيئة كان اليمين على إطلاقها.
فرع آخر
ولو قال: والله لا أقربك إن شاء زيد لا يعتبر الفوز في مشيئة زيد بخلاف مشيئتها؛ لأنه إذا علق مشيئتها كان فيه تمليكها فروعي فيه الفور.
وإذا علقه لمشيئة غيرها لم يكن فيه تمليكها فلم يراع فيه الفور، فمتى شاء زيد انعقد الإيلاء، وإن مات لم ينعق الإيلاء؛ لأن الأصل عدم المشيئة.
فرع آخر
لو قال: [106/ب] والله لا أقربك حتى أخرجك إلى بلد كذا، فإن كان على مسافة أكثر من أربعة أشهر كان موليًا وإلا فلا.
فرع آخر
لو قال: لا أقربك حتى أهب عبدي كان موليًا؛ لأن في هبته إدخال ضرر عليه، كما
الجزء: 10 - الصفحة: 218
لو قال: حتى أعتق عبدي.
فرع آخر
لو قال: لا أقربك حتى أبيع عبدي، فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون موليًا لتعليقه بزوال ملكه عنه فيستضر.
والثاني: لا يكون موليًا؛ لأن الثمن الذي في مقابلته يمنع من دخول الضرر عليه، وربما يجد من يشتريه بأكثر من قيمته.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال: إن كان هذا العبد للتجارة لم يكن موليًا، وإن كان للقينة كان المطالبة بعد ذلك.
فرع
لو قال: والله لا أقربك إلا أن تشائي، فإن شاءت في المجلس بحيث يكون جوابًا لكلامه لم يكن موليًا، وإن شاءت بحيث لا يكون جوابًا لكلامه يكون موليًا؛ لأن تقدير هذا الكلام: لا أقربك إلا أن تشائي بأن أقربك فأقربك، فإذا شاءت قربانها لم يكن عليه يمين من قربانها، وإذا لم تشأ في الحال كان عليه يمين في قربانها، فإذا قربها [107/أ] لزمته كفارة يمين، وعلى هذا لو قال: لا أقربك إلا برضاك لا يكون موليًا، لأنها متى طالبت بعد المدة والت الإيلاء، لأنه علقه برضاها وقد رضيت فزال الامتناع منه، ووقت الرضا في هذه على التراضي.
فرع آخر
لو قال: والله لا أقربك إن شئت أن أقربك فقد علق عقد اليمين بشرط أن تشاء أن يقربها، وتقديره: إذا شئت أن أقربك فوالله لا أقربك، فإن وجدت هذه الصفة في زمان الخيار وانعقد الإيلاء وإلا فلا ينعقد كما ذكرنا في المسألة الأولى.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك متى شئت، فهذه المشيئة على التراخي، فمتى شاءت صار موليًا.
فرع آخر
لو قال: والله لا أطأك حتى تشائي.
نقل المزني عن الشافعي أنه لا يكون موليًا، بخلاف ما لو قال: إلا أن تشائي على ما ذكرنا، والفرق أنه يجعل في هذه غاية اليمين مشيئتها، وقد تشاء في الحال وقد لا تشاء، وإن كانت اليمين معلقة بفعل قد يوجد قبل مضي مدة الإيلاء وقد لا يوجد لم يكن موليًا بها، وإذا قال: إلا أن تشائي فإن يمينه مطلقة، وغنما استثنى فيها مشيئتها فإن لم توجد المشيئة كان اليمين على إطلاقها.
فرع آخر
ولو قال: والله لا أقربك إن شاء زيد لا يعتبر الفوز في مشيئة زيد بخلاف مشيئتها، لأنه إذا علق مشيئتها كان فيه تمليكها فروعي فيه الفوز.
وإذا علقه لمشيئة غيرها لم يكن فيه تمليكها فلم يراع فيه الفوز، فمتى شاء زيد انعقد الإيلاء، وإن مات لم ينعقد الإيلاء؛ لأن الأصل عدم المشيئة.
الجزء: 10 - الصفحة: 219
فرع آخر
لو قال: [106/ب] والله لا أقربك حتى أخرجك إلى بلد كذا، فإن كان على مسافة أكثر من أربعة أشهر كان موليًا وإلا فلا.
فرع آخر
لو قال: لا أقربك حتى أهب عبدي كان موليًا؛ لأن في هبته إدخال ضرر عليه، كما لو قال: حتى أعتق عبدي.
فرع آخر
لو قال: لا أقربك حتى أبيع عبدي، فيه وجهان؛ أحدهما: أن يكون موليًا لتعليقه بزوال ملكه عنه فيستضر.
والثاني: لا يكون موليًا؛ لأن الثمن الذي في مقابلته يمنع من دخول الضرر عليه، وربما يجد من يشتريه بأكثر من قيمته.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يقال: إن كان هذا العبد للتجارة لم يكن موليًا، وإن كان للقينة كان موليًا؛ لأن ما للتجارة بيعه مفيد، وما للقينة بيعه مضر.
فرع آخر
لو قال: إن وطئتك فلله عليَّ أن أطلق زوجتي لم يكن شيئًا، كما لو قال: داري وقف.
مسألة: قال: والإيلاء في الغضب والرضا سواء.
حكم الإيلاء في الغضب والرضا سواء، وهو في حال الرضا أشد عليها؛ لأنه امتنع من غير جرم.
وقال مالك: لا إيلاء إلا في الغضب، لأنه لا يضاره في حال الرضا، وروي ذلك عن على، وابن عباس رضي الله عنهما، وهذا غلط لظاهر الآية ولم يفصل، لأنه يمين بالله تعالى فيستوي حكمها في الرضا والغضب كسائر الأيمان، وذكرنا عن ما لله أنه إذا حلف للصلاح لأجل ولده لا يكون موليًا.
مسألة: قال: "ولو قال: والله لا أقربك حتى أخرجك من هذا البلد لم يكن موليًا".
الفصل
إنما لا يصير موليًا هاهنا؛ لأنه يقدر [107/أ] أن يخرجها قبل انقضاء أربعة أشهر ويفارق البنيان والمنازل فيزول الإيلاء ويرجع، ويفارق هذا إذا قال: إن قربتك فعبدي حر يكون موليًا، ويمكنه أن يبيعه ويطأها ولا يلزمه شيء؛ لأن في البيع ضررًا يلحقه؛ لأنه ربما يطلب بأقل من ثمنه، وإن اشتراه بعد البيع ربما لا يقدر عليه بذلك الثمن ولا ضرر عليه بإخراجها من البلد ولا يكون موليًا.
وذكر أصحابنا بخراسان أن الأمر في مثل هذا موقوف، وأراد الشافعي أن لا يكون موليًا في الحال
الجزء: 10 - الصفحة: 220
حتى يمضي أربعة أشهر، وقول الشافعي رحمه الله تعالى لا يجبر على إخراجها، وأراد في أثناء المدة فأما بعد انقضائها فقال: إن أردت أن لا تلزمك الكفارة فأخرجها وإلا فأقربها وكفر.
باب الإيلاء من نسوة
مسألة: قال: "وإذا قال لأربع نسوة عنده: والله لا أقربكن فهو مولٍ منهن كلهن".
الفصل
إذا قال لأربع نسوة: والله لا أقربكن فقد حلف أن لا يطأ الأربعة فلا يحنث إلا بوطئهن كلهن، كقوله: والله لا كلمت زيدًا وعمرًا وخالدًا وبكرًا لم يحنث حتى يكلم الكل، فإذا لم يحنث إلا بوطئ الكل فهو في الحال غير مولٍ؛ لأن المولى من لا يمكنه الفيئة بعد التربص إلا بضرر، وكل واحدة منهن لو طالبته بعد التربص فوطئها لم يحنث بوطئها، فإذا وطئ ثلاثًا صار الآن موليًا من الرابعة؛ لأنها هي التي يحنث بوطئها، فيضرب لها المدة، فإذا انقضت، فإما أن يفي أو يطلق.
وقد قال الشافعي هنا: أنه لو قال: والله لا أقربكن فهو مولٍ منهن كلهن، يوقف لكل واحدة منهن.
[107/ب] وليس هذا الكلام على ظاهره، بل الحكم ما ذكرناه.
وقوله: "فهو مولٍ منهن كلهن" معناه: فهو حالف منهن كلهن.
وقوله: "يوقف لكل واحدة منهن" أي: في الحالة التي يحنث بوطئها فيها أو معناه: إذا وطئ صاحباتها الثلاث.
فإذا تقرر هذا تكلم المزني على ظاهر كلام الشافعي، وقال: "لا يكون موليًا في الحال ما لم يطأ ثلاثة".
قلنا: هو كما قلت، إلا أنك لم تنصف حتى ظننت به غير ما تأولناه، وقد قال: لو وطئ اثنتين منهن خرجتا عن حكم الإيلاء، ولم يحنث به.
وقال في "الأم": لو حلف لا أقرب امرأة له وامرأة أجنبية لم يكن موليًا من امرأته حتى يطأ الأجنيبة"، فدل على أن الأصل الشافعي ما ذكرناه.
وبطل اعتراض المزني، وقال القفال وجماعة: هذا صحيح على أحد القولين في القديم ثم إن القرب إلى الحنث يوجب حكم الإيلاء؛ لأن وطئ كل واحدة.
هاهنا يقربه إلى الحنث، فيوقف لكل واحدة منهن بعد أربعة أشهر.
وقيل: هذا مذهبه في الجديد أيضًا وبه قال أبو حنيفة ومحمد وأحمد وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة على قولنا، ووجهه أنه منع نفسه من وطئهن بيمين الله تعالى فكان موليًا، كما لو قال: لا وطئت كل واحدة منكن، وهذا لا يصح؛ لأن الشافعي نص على هذه المسألة في كتاب "الإيلاء" من
الجزء: 10 - الصفحة: 221
"الأم" ومذهبه في إنما قربه من الحنث لا يصير به موليًا.
وقيل: في المسألة قولان، والصحيح ما ذكرناه.
فإذا تقرر هذا فرع الشافعي رضي الله عنه على أصل المسألة.
مسائل: أحدها: قال: "لو أصاب اثنتين منهن خرجتا عن حكم الإيلاء".
وهذا لأنهما أمنتا من تأخير الوطئ [108/أ] وتعلقت اليمين بالباقي، قال: فهو مولٍ منهما يوقف لهما، ومعناه: يوقف لمن يتعين الحنث بوطئها على ما ذكرنا، وعلى ما قال القفال معناه يوقف لكل واحدة منهما.
والثانية: قال: "لو طلق منهن ثلاثًا كان موليًا في الباقية" ومعناه: أن المطلقات خرجن عن حكم الإيلاء بالطلاق، والرابعة يجوز أن يكون موليًا منها إذا تعين الحنث في وطئها، بأن يتزوج بالمطلقات ويطأهن، أو يطأهن بشبةٍ أو زنا، فلا يبقى إلا وطئ الرابعة التى يحنث فيها.
وعلى ما ذكره القفال يجري على ظاهره.
والثالثة قال: "إذا ماتت واحدة منهن سقط عنه حكم "الإيلاء"، وأراد به: أنه تنحل اليمين وتسقط؛ لأن وطئ الميتة لا يتناوله اليمين ولا يتعلق به المهر والحنث، فإنه لو حلف لا يطأ زوجته فوطئها بعد موتها لم يحنث عند أصحابنا، بخلاف وطئ المطلقة الأجنبية فإنه مقصود تتناوله اليمين فافترقا.
ومن أصحابنا من قال: هذا إذا دفنت فلا سبيل إلى وطئها بحالٍ، لأنها تبلى وتتقطع أوصالها، وقبل الدفن لا يبطل حكم الإيلاء؛ لأن اسم الوطئ يقع عليه ويجب الغسل به، فكذلك الكفارة وهذا ليس بمشهور، وعلى المذهب المشهور قال أصحابنا تفريقًا: لو قال: إن قربتك فعبدي حر، فمات العبد أو باعه خرج من حكم الإيلاء.
ولو قال: فعبدي حر قبل مجامعتي إياكِ بشهر، فإن مضى شهر حكم حينئذٍ بأنه مولٍ، فإن مضت أربعة أشهر أخرى وتكون من يوم اليمين خمسة أشهر يوقف؛ لأن حكم الإيلاء أن يلزمه أمر بالإصابة، ويكون ذلك اللزوم بعد أربعة أشهر، وما لم يتم خمسة أشهر لو وطئ بان أن العبد عتق قبل تمام أربعة أشهر من يوم اليمين [108/ب] فلهذا لا يوقف في هذه الحالة.
ولو باع العبد في الشهر الخامس في نصف الشهر مثلاً، ففي النصف الثاني يوقف، لكنه لو وطئ بان أن عبده كان عتق عليه قبل ذلك بشهر، وإذا دخل الشهر السادس وقفناه ما لم يمضِ من الشهر نصفه؛ لأنه لوفاء بان أن عبده عتق في النصف الأول من الشهر الخامس، وذلك حكم يلزمه بعدما تمت مدة الإيلاء من يوم اليمين، فأما في النصف الأخير في هذا الشهر وفيما بعد فلا يوقف وقد سقط حكم الإيلاء؛ لأنا إذا نظرنا إلى ما قبل ذلك بشهر كان ذلك بعد البيع أو الموت فلا يلزمه شيء، هكذا ذكره القفال.
الجزء: 10 - الصفحة: 222
وقال غيره: لا يعتبر مضي خمسة أشهر من يوم اليمين، بل يكفي مضي أربعة أشهر وفيه نظر.
ثم أعلم أن المزني تكلم على المسألة الأولى فقال: إذا وطئ منهن اثنتين كيف يكون موليًا من الباقيتين على معنى أنه متى وطئ إحديهما كان موليًا من الثانية.
ثم تكلم على المسألة الثانية فقال: إذا طلق ثلاثًا لا يكون موليًا من الباقيه إلا أن يطأ الثلاث سواها، قلنا له: صدقت وقد ذكرنا ذلك.
مسألة: قال: "ولو قال: والله لا أقرب واحدة منكن وهو يريدهن كلهن فهو مولٍ يوقف لهن".
الفصل
إذا قال: والله لا أقرب واحدة منكن وهو يريد عن كلهن، أو طلق ولم ينو واحدة بعينها فهول مولٍ منهن كلهن لأن اليمين تعلقت بواحدة من الجماعة لا بعينها، فأي واحدة وطئها حنث وسقطت اليمين؛ لأنها لم تتناول إلا واحدة، ولو طلق واحدة أو اثنتين لم يبطل حكم الإيلاء من الباقيتين ولهما المطالبة؛ لأن اليمين باقية فيها.
ولو أنه قال: والله لا أقرب كل واحدة منكن كان موليًا من كل واحدة منهن [109/أ] بإيلاء منفرد كما لو أفرد كل واحد منهن بيمين منفردة؛ لأنه يحنث بوطئ كل واحدة منهن حنثًا يوجب الكفارة فنضرب له المدة للكل ويوقف فكل من طلقها فقد وفاها حقها من تلك المدة، وكل من وطئها إن حلت الإيلاء من حقها دون الباقيات، كما لو قال لأربعة أنفس: والله لا كلمت واحدة منكن يعلق الحنث بكلام كل واحد ولا تنحل اليمين في حق بعضهم بانحلالها في حق بعض كذلك هاهنا.
وقال القاضي الطبري: هذا ذكره صاحب "الإفصاح"، ولم أر لغيره، فأما غيره من أصحابنا أطلقوا الجواب وقالوا: يكون موليًا منهن، ولكن إذا وقع الحنث مسقط الإيلاء في البواقي؛ لأنه حنث بإصابة الواحدة فلا يعود الحنث بعد ذاك.
وهذا الكلام يقتضي أن الحنث لا يقع في بعض اليمن دون بعض.
وعلى هذا كما لو قال: والله لا أدخل هذه الدار وهذه الدار، ولو قال: والله لا أدخل كل واحدة من هذه الدارين فدخل واحدة منهما حنث وسقط اليمين، وهذا مذهب الشافعي دون ما قاله صاحب الإفصاح وهذا هو الصحيح، وذكره أصحابنا بخراسان.
وأما ما ذكر إذا قال لأربعة أنفس: والله لا كلمت واحدة منكن، لا نسلم بل ينحل اليمين في حق بعضهم بانحلالها في البعض.
فرع
قال في "الأم": لو قال: "والله لا أقرب واحدة منكن وعين بقلبه واحدة منهن
الجزء: 10 - الصفحة: 223
دون غيرها فهو مولٍ من التي حلف عليها دون غيرها"، وظاهره يقتضي أن يقبل قوله في ذلك ظاهرًا وباطنًا، وبه قال أكثر أصحابنا.
وقال أبو حامد: يقبل في الباطن فيما بينه وبين الله تعالى ولا يقبل في الظاهر، لأن الإطلاق يخالفه وهذا لا يصح، لأن قوله واحدة يحتمل المعينة ويحتمل غيرها ولا ظاهر في واحدة منهن فيقبل قوله في ذلك.
[109/ب].
فرع آخر
لو قال: والله لا وطئت واحدة منكن وعين واحدة منهن وقد ذكرنا أنه تعيين الإيلاء فيها دون من سواها، ويرجع في التعيين إلى بيانه، فإن عين في واحدة وصدقه الباقيات تعتبر فيها، وإن كذبه الباقيات حلف لهن، فإن نكل حلفن وثبت فيهن حكم الإيلاء بنكوله وإيمانهن، ولو قال: لم أرد من هذه وهذه تعينت الثالثة للإيلاء إذا كنَّ ثلاثة.
فرع آخر
لو لم يكن تعيين واحدة منهن ذكرنا أن له أن يعين في واحدة منهن، وفي ابتداء المدة للوقف وجهان؛ أحدهما: من وقت اليمين، والثاني: من وقت التعيين كما قلنا في العدة في الطلاق إذا أوقعه في إحداهن لا بعينها، ثم يمينه في واحدة منهن هل تكون من وقت الطلاق أو من وقت التعيين؟ فيه وجهان.
فرع آخر
لو حلف بطلاق إحدى امرأتيه أن لا يطأ الأخرى وقد عين بقلبه من التي حلف بطلاقها فهاهنا امرأتان إحداهما محلوف بطلاقها، والأخرى مولٍ منها ولا يعرف ذلك، فإذا مضت المدة قال له الحاكم: بين، فإن لم يبين ولم يطلق ولم يفِ قال الحاكم طلقت عليك التي آليت منها، فإن قال: راجعتها ومضت مدة أخرى فكذا يفعل، ثم إن قال راجعتها ومضت مدة أخرى فهكذا يفصل، ثم نقول: بانت إحداهما منك بطلقات ثلاث فبينها، وحال بينه وبينهما حين يبين، ذكره ابن الحداد.
قال أصحابنا: هذا غلط بل يوقف ولا يطالب بشيء ما لم يبين؛ لأن المدعية غير معينة فلا تقبل دعوى الرجل لأن لأحدنا على هذا الرجل عشرة دراهم، ولا دعوة المرأة بأن الزوج مولٍ مني أو من صاحبتي، ولكن إن ادعت [110/أ] واحدة أنه آلي منها، فإن أقر وقف، وإن أنكر حلف، فإن لم يحلف حلفت هي ووقف لها على ما ذكرنا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو كان له امرأتان فقال: إن وطئت إحداكما فالأخرى طالق ولم يعين فهو مولٍ عن إحديهما بغير عينها، وحالف بطلاق الأخرى فإذا انقضت أربعة أشهر قال له الحاكم: أنت مولٍ عن إحديهما فبينها والحكم على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من
الجزء: 10 - الصفحة: 224
قال: يكون موليًا منهما؛ لأن الشافعي قال: "لو قال لأربع نسوة: والله لا أقرب واحدة منكن موليًا من الجميع"؛ لأنه لا يمكنه أن يطأ واحدة منهن إلا بحنث كذلك هاهنا لا يمكنه أن يطأ واحدة منهن إلا بحنث من الأخرى وهذا أصح.
باب التوقيت في الإيلاء
مسألة: قال: "ولا تعرض للمولي ولا لامرأته حتى يطلب الوقف بعد أربعة أشهر".
الفصل
إذا آلي من زوجته وضربنا له المدة وقف انقضائها، فإما أن يفي أو يطلق على ما ذكرنا، فإن قالت: قد رضيت وتركت المطالبة لم تسقط مطالبتها به؛ لأن اليمين باقية والإضرار من قبل الزوج موجود لإمكان رفعه وقدرته عليه، ولأنه يتجدد لها الحق في كل يوم، فكان بمنزلة امرأة المصند إذا عفت عن نفقتها كان لها المطالبة.
فإن قيل: أليس امرأة العنين إذا رضيت بذلك لم يكن لها أن تعود إلى المطالبة فما الفرق؟ قيل: الفرق أن العنة عيب في الزوج، فإذا رضيت بالعيب سقط حقها بخلاف هذا، فهو كما لو كان له على رجل دين فقال: تركت المطالبة، [110/ب] كان له أن يرجع ويطالب لبقاء الحق.
فإن تقرر هذا فإذا رجعت وطالبت لم تستأنف المدة؛ لأنها لم يوفها حقها من المدة الأولى.
فإن قيل: ألا قلتم تستأنف له ضرب المدة كما قلتم فيه إذا راجعها بعدما طلقها أنه يستأنف له المدة؟ قيل: الفرق أنه إذا طلقها فقد أوفاها حقها من هذه المدة، فإذا عاد الحق استؤنفت المدة، وأما إذا عفت لم تستوفِ حقها، بل تركت المطالبة فكان لها أن تطالب في الحال.
مسألة: قال: "وليس ذلك لسيد الأمة ولا يوليِّ معتوهةٍ".
هذا يحتمل أنه أراد العفو، والأصح من الاحتمالين أنه أراد الطلب بدليل بين المعتوهة والأمة، وإذا كانت معتوهة لم يتوهم منها الطلب ولا العفو، وجملته أنه إذا زوج أمته ممن رجل فآلي منها وانقضت المدة فالمطالبة للمرأة دون السيد، فإن تركت المطالبة فليس لسيدها المطالبة، لأن ذلك يتعلق بشهوتها ولذتها، فلم يكن لمولاها فيه حق، ألا ترى أنها لو عتقت عن القسم أو رضيت بالعيوب لم يكن له المطالبة به، ولو كانت معتوهة لم يملك المولى المطالبة ولكن يقال للزوج: قد وجب لها حق المطالبة وتعذر ذلك من جهتها، فاتق الله تعالى في الفيئة أو استيلادها، وإنما يجب عليه الوطئ دون الإنزال، ولو أراد أن يعزل الماء كان له فلا حق للسيل فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 225
مسألة: قال: "ومن حلف على أربعة أشهر فلا إيلاء عليه".
وقد ذكرنا شرح هذه المسألة فيما تقدم، لأن الضرر لا يتحقق بترك الوطئ فيما دون أربعة أشهر، والدليل عليه ما روي أن عمر بن الخطاب [111/أ] رضي الله عنه كان يطوف ليلة في المدينة فسمع امرأة تقول:
ألا طال هذا الليل وازور جانبه وليس آلي جنبي خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
فسأل عمر.
رضي الله عنه.
كم تصبر المرأة؟ قلن: شهرين وفي الثالث يقل الصبر، وفي الرابع ينفذ الصبر.
فكتب إلي أمراء الأجناد: لا تحبسوا رجلاً عن امرأته أكثر من أربعة أشهر، وروي أنه قال لابنته حفصة.
رضي الله عنها.
كم تصبر المرأة عن زجها؟ أتصبر شهرًا؟ قالت: نعم، قال: شهرين؟ قالت: نعم، قال: ثلاثة؟ قالت: نعم، قال: أربعة أشهر؟ فسكتت، فكتب إلى أمراء الأجناد بذلك.
مسألة: قال: "ولو حلف بطلاق امرأته لا يقرب امرأة له أخرى ثم بانت".
الفصل
إذا كانت له زوجتان زينب وعمرة، فقال لزينب: إن قربتك فعمرة طالق، لم يكن موليًا من عمرة؛ لأنه يمكنه وطئها متى شاءت بغير ضرر، فأما زينب فلا يمكنه وطئها إلا بضرر وهو طلاق عمرة، فيكون موليًا منها على قوله الجديد، فيضرب له المدة ويوقف، فإما أن يفي أو يطلق، فإن طلق نظر، فإن كان رجعيًا فراجعها فالإيلاء بحاله، وإن أبانها بالطلاق ثم نكحها هل يعود الإيلاء؟ قولان على ما بيناه من كتاب الطلاق، فإذا قلنا يعود، استأنف أربعة أشهر من حين نكحها، ولا يختلف المذهب أنه إذا وطئ هذه المولى منها في المدة أو بعدها وقع الطلاق على المرأة الأخرى؛ لأن صفة الطلاق باقية لا تزول بالبينة، ألا ترى أنه لو طلقها، ثم زنى بها [111/ب] وقع الطلاق لوجود الشرط وليس كذلك الإيلاء؛ لأنه يسقط بالإبانة، ألا ترى أنه لو آلي من الأجنبية لا يصح فدل على الفرق بينهما، هذه مسألة الكتاب.
فأما إذا طلق المحلوف بطلاقها ثم تزوج بها، ثم وطئ التي آلي منها.
وهي التي حلف بترك وطئها.
فهل يعود حكم الطلاق؟ قولان على ما بيناه.
فإذا قلنا: يعود فحكم الإيلاء من التي (آلى) منها
الجزء: 10 - الصفحة: 226
قائم.
وإذا قلنا: لا يعود فقد بطل الإيلاء؛ لأنه لا يخشى من وطئها وجوب شيء.
ثم قال الشافعي: "وهكذا الظهار مثل الإيلاء".
يريد أنه يصح تعليقه بصفةٍ، فعلق ظهار إحدى امرأتيه بطلاق الأخرى، فإذا أبانها ثم عادت إليه كان الحكم في ذلك كالحكم في الإيلاء.
مسألة: قال: "ولو آلي من امرأته الأمة ثم اشتراها فخرجت من ملكه ثم تزوجها، أو العبد من حرة ثم اشترته فعتق فتزوجته لم يعد الإيلاء".
إذا آلي من امرأته الأمة ثم اشتراها وانفسخ النكاح ثم باعها ثم تزوج بها، أو آلي العبد من امرأته الحرة ثم اشترته وانفسخ النكاح ثم أعتقته وتزوجت به، ففي عود الإيلاء قولان، إلا أن هذا هل يجري مجرى الطلاق الثلاث أو يجري مجرى البيونة بدون الثلاث؟ اختلف أصحابنا فيه، وقد بيناه فيما مضى، وعامة أصحابنا على أنه يجري مجرى البينونة بدون الثلاث، لأنها تحل قبل زوج، وهكذا القول لو آلي من امرأته ثم انفسخ نكاحها بعيب، أو إعسار بالنفقة، أو ردة ثم عادت إليه ثانيًا، هل يعود الإيلاء على هذا الخلاف؟ وإذا قلنا: جرى مجرى البينونة بالثلاث لم يعد الإيلاء من قوله الجديد، ومن قوله القديم قولان، وإذا قلنا: يجري مجرى البينونة [112/أ] بدون الثلاث عاد في قوله القديم، وفي قوله الجديد قولان.
فرع
إذا حلف على أجنبية أنه لا يطأها انعقدت يمينه حتى لو تزوجها ووطئها حنث وتلزمه الكفارة ولا يكون موليًا؛ لأن الإيلاء حكم يتعلق بالزوجية، فإن تزوج بها فهل يصير موليًا؟ قال القاضي الطبري: في الأول يصير موليًا.
ثم قال: ينبغي أن لا يكون موليًا في أحد القولين، كما لو أبانها ثم تزوجها هل يعود الإيلاء؟ قولان.
قال أصحابنا: الذي يجئ على مذهب الشافعي أنه يصير موليًا هاهنا قولاً واحدًا، ويفارق هذا مسألة القولين لأن حكم النكاح يعود في النكاح الثاني في أحد القولين، وفي القول الثاني لا يعود، وهاهنا حين اليمين لم يكن نكاح ولا كان بها موليًا، وهذه كما لو علق الطلاق في غير نكاح ثم تزوجها لم يثبت حكمه قولاً واحدًا، ولو علقه في النكاح ثم أبانها ثم تزوجها هل يعود؟ قولان وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد.
وقال مالك: إذا تزوجها وقد بقيت من مدة اليمين أكثر من اربعة أشهر يصير موليًا؛ لأنه لا يمكنه الوطئ بعد أربعة أشهر إلا بحنث وكان موليًا كما لو حلف في الزوجية وهذا غلط؛ لأن الإيلاء حكم من أحكام النكاح، وإذا حلف على الزوجة ضربت المدة؛ لأنه قصد الإضرار بها بيمينه واليمين قبل الزوجية لا على وجه الإضرار؛ لأنه لا يحل وطئها فلا يكون موليًا،
الجزء: 10 - الصفحة: 227
كما لو امتنع بغير يمين.
فرع آخر
لو امتنع من وطئها بغير يمين لا تضرب له المدة، وبه قال جماعة العلماء.
وقال أحمد: إن قصد الإضرار بها لزوال الأعذار ضربت له المدة، كما لو امتنع باليمين، وهذا غلط؛ لأنه لم يحلف على ترك وطئها فلا يكون موليًا، كما لو لم يقصد الإضرار بها، ولأنه لا يتحقق الإضرار ما لم يؤكد اليمين.
[112/ب].
مسألة: قال: "والإيلاء يمين لوقت فالحر والعبد فيها سواء".
مدة الإيلاء أربعة أشهر للحر والعبيد حرة كانت المرأة أو أمة.
وبه قال أحمد في رواية.
وقال مالك وأبو حنيفة: تختلف مدة الإيلاء بالرق والحرية إلا أن مالكًا يقول: الاعتبار برق الزوج وحريته، فمدة الإيلاء في حق الحر أربعة أشهر وفي حق العبد شهران، وأبو حنيفة يقول: الاعتبار برق المرأة وحريتها، فيكون للأمة شهران وللحرة أربعة أشهر، وهو الرواية الثانية عن أحمد، واحتج مالك رحمه الله أنه معنى يتعلق به حكم البينونة فاختلف برق الزوج وحريته كالطلاق.
واحتج أبو حنيفة بأنها مدة يثبت ابتدائها بقول الزوج فيختلف برقها وحريتها كمدة العدة، وهذا غلط؛ لأنها مدة تضرب للوطئ فلا يختلف بالرق والحرية كمدة العدة، ويؤكد أن هذا الأمر بني على طبع النساء، وقد يضير النساء عن الأزواج على ما ذكرنا عن عمر رضي الله عنه، وما بني على الطبع لا يختلف بالرق والحرية كمدة العنة ويخالف مدة العدة؛ لأنها مبنية على الكمال؛ لأن الاستبراء يحصل بقرء واحد فيختلف نقصانها وكمالها.
وأما ما ذكر مالك لا يصح؛ لأنه لا يتعلق بها بينونة عندنا، ويلزم عليه مدة العنة.
مسألة: قال: "ولو قالت: قد انقضت الأربعة أشهرٍ وقال: لم تنقض فالقول قوله".
إذا اختلفا في انقضاء المدة فالقول قوله مع يمينه وعليها البينة؛ لأن الأصل بثبوت النكاح والمرأة تدعى أمرًا حادثًا تستحق به رفعه، وهو كما قلنا: إذا اختلفا في الإصابة، فقال الزوج: أصبتها، وقالت المرأة: لم يصبني فالقول قوله؛ لأن الأصل [113/أ] بقاء النكاح ولزومه ولأن القول قوله في أصل الإيلاء إذا أنكرته فكذلك في مدته.
مسألة: قال: "ولو آلي من مطلقةٍ لملك رجعتها كان موليًا من حين ترجيعها".
الجزء: 10 - الصفحة: 228
الإيلاء من الرجعية صحيحة ولكنه لا يحتسب مدة العدة من التربص فيستأنف له المدة إذا راجعها دائمًا صح الإيلاء منها؛ لأنها في معنى الزوجات، وإنما لا تحتسب مدة العدة من التربص؛ لأنها محرمة الوطئ آلي أن يراجعها.
وقال أبو حنيفة وأحمد: تحتسب مدة العدة من التربص، وبني أبو حنيفة على أصله أنها مباحة الوطئ، واحتج أحمد بأنه صح الإيلاء منها فتحتسب المدة من وقت الإيلاء وهذا غلط؛ لأنها معتدة منه فلا تحتسب عليه مدة العدة من زمان الإيلاء، كما لو كانت معتدة بائنة.
فرع
لو آلي من معتدة عن طلاق بائن ثم نكحها لا يكون موليًا.
وقال مالك: يكون موليًا إذا نكحها، وهذا غلط، لأنها أجنبية منه فلا يصح الإيلاء منها أصلاً وهو لا يسم الأجنبية على ما ذكرنا عنه من قبل، وقد دللنا على بطلان مذهبه في الأجنبية.
مسألة: قال: "والإيلاء من كل زوجة حرة وأمة، مسلمة وذمية سواء".
وهذا صحيح؛ لأن لكلهن حقًا من الاستمتاع، ولا فرق في هذا بين الذمي والمسلم أيضًا.
وقال أبو حنيفة: ينعقد إيلاء الذمي في حكم الطلاق ولأنه لا كفارة عليه لو وطئها بخلاف المسلم وهذا غلط؛ لأن من صح طلاقه صح حكم الإيلاد على الكمال كالمسلم.
باب الوقف من كتاب الإيلاء
مسألة: قال: "إذا مضت الأربعة الأشهر للمولى وقف [113/ب] وقيل له: إن فئت وإلا فطلق، والفيئة الجماع إلا من عذر".
قد بينا أنه إذا مضت أربعة أشهر يوقف، وقبله لا يوقف.
وإذا وقف طولب بالفيئة أو الطلاق، والفيئة تكون بالطلاق؛ لأنه الذي منع نفسه منه بعقد اليمين، إلا أن يكون له عذر منمرض يخاف منه الزيادة في العلة والتباطؤ في البرء أو حبس أو غيره، فيقول له: فيء بلسانك وهو أن يقول بلسانه: قد ندمت على ما قلت، وإذا قدرت على الوطئ وطئت، ولو كنت قادرًا لفعلت.
ذكره أبو حامد.
وقال القاضي الطبري: جميع أصحابنا بين هذه الألفاظ ولم أجد ذلك للشافعي، ولا يجب عندي أن يأتي بجميع هذه الألفاظ، وإنما المأخوذ عليه أن يظهر من نفسه أنه غير قاصد الإضرار بها.
فلو قال: إذا قدرت فئت إليك، أو وطئتك كفاه، وقد قال ابن أبي هريرة في التعليق هذه المسألة، وقال: إن لم يكن قادرًا على الجماع طولب بما يقدر عليه في الحال، فيقال له: أظهر من نفسك الرجوع عن الإضرار بلسانك لتطيب نفسها وتسكن إلى ذلك، كما تقول في الشفبع إن كان قادرًا على أخذ الشفعة أخذ، وإن لم يكن قادرًا أظهر من نفسه ما يصلح أنه مقيم على أخذها.
وقال أبو ثور: لا يلزمه الفيئة باللسان عند العجز حتى
الجزء: 10 - الصفحة: 229
يقدر عليها بالوطئ ويؤخر المطالبة إلى زوال العذر؛ لأن الضرر بترك الوطئ لا يزول بالفيئة باللسان، وهذا غلط، لأن القصد بالفيئة ترك ما قصد إليه من الإضرار، وقد ترك القصد إلى الإضرار بما أتى به من الأعذار، ولأن القول مع العذر يقوم مقام الفعل مع القدرة، ولهذا نقول: إشهاد الشفيع على طلب الشفعة في حال العيبة يقوم مقام الطلب في حال الحضور في إثبات الشفعة.
فإذا تقرر هذا، وفاء باللسان [114/أ] ثم قدر بعد ذلك على الوطئ طولب به ولا يستأنف به المدة.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: يستأنف له المدة؛ لأنه وفاها حقها بما أمكنه من الفيئة، فلا يطالب بعد إلا باستئناف المدة، كما لو طلقها ثم أرجعها، وهذا غلط؛ لأنه أخر حقها لعجزه عنه، فإذا قدر عليه يلزمه إيفاؤه، كما لو قدر المعسر على قضاء الدين.
وأما ما ذكره لا يصح؛ لأنه ما وفاها حقها، بل وعدها إيفاء الحق.
مسألة: قال: "ولو جامع في الأربعة الأشهر خرج من حكم الإيلاء وكفر عن يمينه".
إذا وطئ المولي نظر، فإن كان وطئه بعد انقضاء المدة فقد وفاها حقها، وهل تلزمه الكفارة؟ قد ذكرنا قولين.
وإن كان وطئه قبل انقضاء المدة فقد خرج من حكم الإيلاء وحنث في يمينه، وهل تلزمه الكفارة؟ فيه طريقان: أحدهما: تلزمه قولاً واحدًا، ويفارق بعد المدة لأن الوطء قبل المدة غير واجبة عليه فوجبت الكفارة به، وبعد انقضاء المدة واجبة، فجاز أن لا تحب به الكفارة.
والثاني: فيه قولان أيضًا؛ لأن بهذا الوطئ خرج عن حكم الإيلاء أيضًا، والآية عامة من الكل، وهذه الطريقة الأصح؛ لأن الكفارة تجب من حنث الطاعة والواجب لوجوبها من حيث المعصية.
فرع
لو إلى أقل من أربعة أشهر ثم وطئ هل تلزمه الكفارة؟ قال القفال: فيه طريقان؛ أحدهما: يلزمه قولاً واحدًا.
والثانية: فيه قولان.
مسألة: قال: "ولو قال: أجلني في الجماع لم يؤجله أكثر من يوم".
إذا طولب المولى فقال: أجلوني، لا يختلف المذهب أنه لا يؤجل؛ لأنه لا يكلف الوطئ في مجلس الحكم فلا بد من التأجيل، ثم فيه قولان: أحدهما: يؤجل ثلاثة أيام؛ لأنه أكثر حد القليل وأول حد الكثير، فيحتاج أن يراجع نفسه وينظر غبطته في أحد الأمرين، ولا يأتي ذلك إلا من هذه المرة.
والثاني وهو الصحيح: [114/ب] أنه يؤجل بمقدار الحاجة، فإن كان صائمًا فحتى يفطر، وإن كان جائعًا فحتى يشبع، وإن يؤجل بمقدار الحاجة، فإن كان صائمًا فحتى يفطر، وإن كان جائعًا فحتى يشبع، وإن كان شبعانًا فحتى يهضم الطعام لئلا يلحقه ضرر الجماع ولا تقدير فيه، وهو اختيار المزني وقول الشافعي "أجله يومًا" لم يرد به التقدير باليوم، بل ذكر ذلك على قدر
الجزء: 10 - الصفحة: 230
الحاجة من العادة، وذلك قريب من يوم أو نحو ذلك.
واحتج المزني بأن المرتد لا يؤجل ثلاثًأ، ولأن الثلاث حد والحد لا يؤخذ قياسًا.
ويمكن أن يجاب بأن له في المرتد هل يؤجل ثلاثًا؟ قولان أيضًا، وعندنا يؤخذ الحد والتقدير قياسًا فلا نسلم.
فرع
إذا قلنا يؤجل ثلاثة أيام بعد المدة هل هو واجب أو استحباب؟ فيه وجهان، أحدهما: واجب كإنظار المرتد ثلاثًا، فعلى هذا ينظر استنظرها أم لا.
والثاني: وهو الأظهر، واختاره الداركي أنه استحباب ينظر بها إن استنظرها وإلا فلا.
والفرق بين هذا وبين المرتد أن إنظار المرتد حق لله تعالى فلم يعف على استنظاره، وإنظار هذا من حقه يوقف على استنظاره.
فرع آخر
لو طلق الحاكم عند الامتناع قبل ثلاثة أيام، فإن قلنا لا ينظر فيها وقع الطلاق، وإن قلنا: ينظر هل يقع طلاقه قبلها فيه وجهان بناء على أنها تجب شرعًا، أو استنظار، فإن قلنا وجب شرعًا لم يقع، وإن قلنا بالوجه الآخر وقع وإن كان الحاكم لا يراها وقع الطلاق وجهًا واحدًا؛ لأنه عن اجتهاد شائع.
فرع آخر
إذا قلنا: يطلق الحاكم عند الامتناع في أحد القولين وطلق الحاكم ثم طلق الزوج بعده ولم يعلم الزوج وقع طلاق الحاكم، وهل يقع طلاقه؟ فيه وجهان؛ أحدهما: لا يقع لأنه واجب قد سبق الحاكم باستيفائه منه.
والثاني: يقع لأنه يملك ما يجب وما لم يجب، فإذا استوفي الحاكم الواجب ولم يستكشف الزوج عنه وقع طلاقه غير واجب.
[115/أ].
فرع آخر
لو طلق الحاكم والزوج معًا في حالة واحدة فطلاق الزوج واقع، وفي طلاق الحاكم وجهان؛ أحدهما: قاله ابن أبي هريرة: يقع أيضًا؛ لأنه لم يسبقه الزوج بالطلاق، والثاني: لا يقع؛ لأنه لم يسبق الزوج بالطلاق.
مسألة: قال: "ولو كانت حائضًا أو أحرمت مكانها بإذنه أو بغير إذنه فلم يأمرها بإحلال لم يكن عليه سبيل".
الفصل
إذا مضت مدة الإيلاء وهناك عذر يمنع الجماع كالحج والصوم والحيض والنفاس في الحبس؛ لم يكن لها مطالبته حتى يزول المانع، ولا فرق بين العذر الحسي كالحبس والمرض، أو الشرعي كالإحرام ونحوه، ويخالف هذا إذا آلي منها ثم تظاهر منها قبل
الجزء: 10 - الصفحة: 231
مضي مدة التربص، فإذا مضت المدة كان لها المطالبة مع وجود المنع من الوطئ؛ لأنه معنى من جهته لا من جهتها أيضا، وهو يمكنه إزالة المانع بالتفكير إن كان قادرًا على الكفارة فلم تسقط عنه المطالبة.
فإذا تقرر هذا فالوجه أن يصبر حتى يزول العذر ثم طالبه في الحال، ولا يلزمه قبل زوال المانع فيه المعذور باللسان إن كان المانع من جهتها.
وقيل: وجه أنه يستأنف المدة بعد زوال العذر وليس بشيء، وإن كانت هذه الأعذار موجودة عند عقد اليمين، فإن كانت موجودة فيها مثل حبسها بحق أو غير حق، أو مرض أو صغر أو نشوز أو جنون بحنث لا يصل إليها منعت أنشأ ضرب المدة؛ لأن مدة الإيلاء هي المدة التي يكون الزوج فيها ممتنعًا من ووطئها فيها باليمين، هاهنا مع هذه الأعذار فيها لا يوصف بأنه يمتنع، وهذا نظر دالاً في الحيض وحده، فإنه يحتسب عليه زمان الحيض من المد؛ لأن الحيض يكثر ويوجد كل شهر، فلو لم يحتسب بزمانه من المدة لم يكن يحصل المدة بوجه.
فإن قيل: أليس [115/ب] الحيض يسقط مطالبتها فلا تسقط المدة؟ قلنا: لأنا لو أسقطنا المدة لم تكن تحصل مدة الإيلاء، وليس كذلك المطالبة، فإنا إذا أسقطناها في الحال طالبت به إذا زال الحيض، ولا يؤدي إلى إسقاط الحق رأسًا، فدل على الفرق بينهما وأما النفاس: قال القفال وجماعة: هي كالحيض؛ لأنها عادة في المرأة كالحيض، ولهذا سوّى بينهما في أنهما لا يقطعان التتابع في صوم شهرين متتابعين.
وقال بعض أصحابنا وهذا صحيح: مدة النفاس قاطعة لمدة التربص بخلاف الحيض؛ لأن الحيض غالب والنفاس نادر.
وأما إحرامها: يمنع الاحتساب على ما نص عليه.
وقوله: "إذا لم يأمرها بإحلال" يدل على أنها إذا أحرمت بغير إذن الزوج له تحليلها وهو أحد القولين، والأمر بالإحلال لا يجب عليه؛ يترك بذلك حق نفسه.
وقال بعض أصحابنا: إحرامها كالحيض والنفاس؛ لأن هذه العوارض تعرض في العادة، وقلما تخلو المرأة عن شيء منها في بعض أوقاتها، وهذا غلط لما ذكرنا وليس بشيء.
وقيل: إذا أمكن في الابتداء ثم عرض لا يؤثر.
فإذا تقرر هذا فكل هذه الأعذار التي تمنع بضرب المدة إذا طرأت في أثناء المدة قطعت استدامتها، وإذا زالت استؤنفت المدة أربعة أشهر ولا شيء على ما مضى منها؛ لأن من شأنها أن تكون متتابعة في المدة، ذكره صاحب "التقريب" كصوم شهرين في كفارة الجماع في رمضان والظهار.
هكذا ذكره جميع أهل العراق.
وقال القفال: فيه وجهان: أصحهما: أنه ينبغي على ما مضت من المدة؛ لأن المانع عدم التمكين من غير خلل في الملك وقد زال، وكما لو انقطعت المدة بوطئ شبهة ثم فرق بينهما وبين الوطئ بشبهة بنت على المدة الأولى.
[116/أ] والثاني: تستأنف وهذا غريب.
هذا كله في المانع من جهتها.
وأما إذا كان المانع من جهته مثل الحبس بحق أو بغير حق، أو المرض، أو الإحرام أو الصوم، أو العنة احتسب بزمانه عليه من مدة التربص.
الجزء: 10 - الصفحة: 232
والفرق أنها حادثة في الفرقة في هاتين الحالتين غير ممسك لها إمساك الزوجات فلم تحتسب عليه بتلك المدة بخلاف مسألتنا.
ثم اعلم أن المزني نقل عن الشافعي أنه إذا آلي منها فحبس استؤنفت أربعة أشهر، ثم اعترض عليه فقال: الحبس والمرض عندي سواء؛ لأنه ممنوع بهما، وإذا حسب عليه في المرض وهو يعجز عن الجماع بكل حال فلأن يحتسب زمان الحبس ويمكنه أن تأتيه في حسبه فيصيها أولي.
قلنا له: حكم الحبس كما ذكرت، والغلط وقع في النقل، لأن الشافعي قال في "الأم": وإذا آلي فحسبت استؤنفت أربعة أشهر" فسقط التاء عن الناقل فبطل اعتراض المزني، وهذا يدل على بطلان ما ذكره القفال من الوجه أنه إذا زال العذر يبني على المدة فإنه نص ها هنا على أنه يستأنف المدة، ونص هذا الوجه قال: يمكن تأويل بأنها حبست عقيب الإيلاء لا بعده بزمان وهذا يفيد.
ثم إذا مضت المدة والحبس والمرض باقٍ قلنا له: فيء بلسانك فيء معذور، إلا أن يكون محبوسًا بحق فنقول له: لا نقبل منك فيء المعذور وأنت تقدر على الخروج منه، فإن لم يفعل طلق الحاكم عليه في أصح القولين.
مسألة: قال: "وقال في موضعين: لو كان بينه وبينها مسيرة أشهر فطلبه وكيلها بما يلزمه لها أمرناه أن يفيء بلسانه".
إذا آلي منها وهو غائب عنها صح الإيلاء في نكاح تام وتضرب له المدة؛ لأن المانع من جهته، ولو آلي منها ثم غاب عنها فمضت أربعة أشهر فوكلت المرأة [116/ب] وكيل في مطالبته صح التوكيل، فإذا فاء بلسانه وأخذ في المسير مع الإمكان أو في نقلها إليه قبل منه، وإن امتنع من ذلك طلق عليه الحاكم في أصح القولين، وإذا قال: أنا أريد أن أقعد في هذا البلد كان عليها المسير إليه ولا يجوز مطالبته بالمسير إليها، وإن كان الطريق مخوفًا كان معذورًا، فإن تمكن فعل ذلك.
ولو لم يحملها ولم يسر إليها مع الإمكان ومضت مدة لو سار فيها لوصل إليها يطلق عليه، ولا يلتفت إلى قوله بعد ذلك: الآن أسير إليها هكذا ذكر القفال.
وكلام أصحابنا يدل على أنه لا يشترط مدة الشهر، وعليه بعد مضي المدة أن يفيء باللسان في الحال ثم يأخذ في القدوم أو نقلها، فإن لم يفيء بلسانه فيء معذور ولم يأخذ في الجماع إما بالقدوم أو بالاستدامة لم تتم الفيئة، وطلق عليها ذلك الحاكم أيضًا وهذا أصح، وإنما يلزم المسير حسب الإمكان في العرف والعادة وانتظار الرفقة، والسير مرحلة مرحلة لئلا يؤدي إلى الإضرار به ولا بها.
مسألة: قال: "ولو غلب على عقله لم يوقف".
إذا مضت المدة وهو مغلوب على عقله سقطت المطالبة؛ لأن المجنون لا تصح مطالبته، فإن عقل طولب في الحال؛ لأن المنع في المدة كان بسبب منه.
قال المزني:
الجزء: 10 - الصفحة: 233
هذا يؤكد أن يحسب عليه مدة حبسه ومنع تأخيره يومًا أو ثلاثة، ومنع من أن يقرأ أو منع على الفعل الماضي بتأخيره نصب موقوع الفعل عليه، أي منع الشافعي في مسألة الجنون تأخيره ثلاثة أيام، فدل على إبطال التأقيت، والقراءة الأولى أصح وهي أن يقرأ: ومنع على المصدر تأخيره بالإضافة [117/أ] يعني أن كلام الشافعي في المجنون يؤكد ما أخبره في مسألتين أحديهما: احتساب مدة جنسه عليه، والثانية: إبطال التأقيت عند الوقف.
يقال له: أما مسألة الحبس فأنت غلطت في النقل.
وأما التأقيت فالصحيح ما أخبرت، ولا يحسن منك أن تحتج بكلام الشافعي في هذه المسألة، وما قصد بها مسألة التأقيت، وإنما قصد حكم الجنون العارض أنه يمنع المطالبة في حال الجنون ولا يمنع احتساب المدة.
وقيل: قوله: "ويمنع تأخيره" عطف الاسم على الفعل، وفي هذا يؤكد منع تأخيره، ومثل هذا جائز في الكلام.
مسألة: قال: "ولو أحرم قيل له: إن وطئت فسد إحرامك".
الفصل
إذا كان محرمًا فمضت المدة، قلنا له: لا نقبل منك فيء معذور؛ لأنك أدخلته على نفسك ولا نطالبك بالجماع فإنه معصية، ونقول لك: إن وطئتها فقد أوفيتها حقها وفسد إحرامك، وإن لم تطأها طلق الحاكم عليك، ويفارق هذا إذا مرض لأنه معذور إلى أن يتحلل؛ لأنه غير قادر على الوطئ كالمريض، وهذا غير صحيح لما ذكرنا.
وقال مالك: لو وطئها في هذه الحالة لا يخرج عن حقها ولها أن تطالبه بالوطئ بعد الإحلال.
وهذا غلط، لأنه حنث بوطئها وزالت اليمين فلا يبقى حكم اليمين.
مسألة: قال: ولو آلي ثم تظاهر، أو تظاهر ثم آلي وهو يجد الكفارة، قيل له: أدخلت المنع على نفسك".
الفصل
إذا آلي ثم تظاهر منها، أو تظاهر ثم آلي وهو مصر كفارته الصيام وقد انقضت مدة الإيلاء تقول له: [117/ب] لا نطالبك للوطئ فإنه معصية؛ لأنه الوطئ في الظهار قبل التفكير معصية؛ ولكن نطالبك بالطلاق، فإن وطئت عصيت ووفيتها حقها، وإن طلقتها وفيتها حقها، وإن امتنعت من الأمرين طلقها الحاكم عليك ولا يقبل عذرك بتحريمها عليك؛ لأن تحريمها بالظهار شيء أدخلته على نفسك فلا يتأخر بذلك حقها، ولا يلزمها أن تصير حتى تصوم شهرين؛ لأن ذلك تأخير لحقها به ضرر.
قال القفال: ونظير هذا ما لو غصب دجاجة ولؤلؤة، فابتلعت الدجاجة اللؤلؤة: قلنا له: إن ذبحت الدجاجة عصيت لأنها لغيرك، وإن لم تذبح غرمت قيمة اللؤلؤة، ولا نأمرك بالمعصية لكن نغرمك إن لم تذبح.
الجزء: 10 - الصفحة: 234
فرع
إذا أراد وطئها هل لها أن تمنع؟ وجهان: أحدهما: ليس لها ذلك بخلاف الوطئ في الحيض؛ لأن تحريم ذلك من حقها وتحريمه بالظهار في حقه وحده، ويسقط حقها من المطالبة بهذا الامتناع؛ لأن الممتنع ممنوع من المطالبة كالديون المبذولة ليس لصاحب الدين الامتناع من أحدها لعلمه أنها مغصوبة، وهذا اختيار أبي حامد وجماعة، ولم يذكر صاحب "الحاوي" سوى هذا.
وحكي عن أبي حامد أنه إذا كان صائمًا أو محرمًا فدعاها ليس لها الامتناع وجهًا واحدًا: وهذا غريب.
فإن قيل: أليس لو جاءها بنفقة مغصوبة لها أن تمتنع من غصبها فكذلك هذا؛ لأن كل واحد منهما حرام؟ قيل: الفرق أن النفقة المغصوبة لا تسلم لها بل تنزع من يدها، وليس كذلك لو وطئ، فإن الحرام والحلال سواء في توفية الحق.
والوجه الثاني: لها أن تمتنع منه، وهو اختيار القاضي الطبري وجماعة، وهو صحيح عندي؛ لأنه وطئ محرم فكان لها الامتناع منه كوطئ الرجعية، ويخالف الدين فإنه يدعى أنه مغصوب [118/أ] ومن عليه الدين يدعى أنه ماله، والظاهر معه فإن اليد تدل على الملك، وهذا الوطئ متفقان على تحريمه، والسبب الذي يحرمها عليه يحرمه عليها ونظره من المال أن يتفقا على أنه مغصوب ولا يجبر صاحب الدين على أخذه، فإن قلنا بهذا أجبر الزوج على الطلاق لأنه مخير بين الفيئة والطلاق، فإذا تعذرت الفيئة تعيق الطلاق.
ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه لا يتعين عليه الطلاق ويفيئ فيئ معذور حتى يقدر على الكفارة والأول أصح وهو المذهب.
وهكذا الخلاف إذا أحرم ثم أراد وطئها هل لها أن تمتنع أم لا؟
فرع آخر
لو كان المظاهر مالكًا للرقبة لم ينظر في عتقها؛ لأنه يقدر على تعجيله، فإن لم يكن مالكًا للرقبة أنظر لابتياعها، وهل يبلغ بإنظاره ثلاثًا؟ قولان.
وذكر أبو إسحاق هاهنا: أنظر به يومين وثلاثة؛ لأنه يسير.
وكذلك في الإطعام إذا أراد أن يكفر بها بمثل قدر الحاجة.
مسألة: قال: "ولو قالت: لم يصبني وقال: قد أصبتها، فإن كانت ثيبًأ فالقول قوله مع يمينه".
الفصل
إذا اختلفنا في الإصابة، فإن كانت ثيبًا فالقول قوله مع يمينه، ولكن يقبل ببينة أيضًا لو أقامها؛ لأنه يتصور بصورة المدعي، فهو كالمودع إذا ادعى رد الوديعة أو تلقها يقبل قوله مع يمينه وتقبل بينة أيضًا.
وإن ادعت أنها بكر أرى أربع نسوة، فإن قلن: إنها يثب
الجزء: 10 - الصفحة: 235
فإن القول قوله مع يمينه، وإن قلن: إنها بكر فالقول قولها مع يمينها.
مظاهر كلام الشافعي أنها تحلف سواء ادعى الزوج عليها عود البكارة أو لم يدع.
قال المزني: إنما أحلفها لأنه لا يمكن أن يكون لم يبالغ في الوطئ فرجعت العذرة بحالها.
فمن أصحابنا من أخذ بظاهره، ومنهم من قالك إذا لم يدع الزوج عود العذرة لا يحلف؛ لأنا قد علمنا كذبه [118/ب] وإنما يحلفها إذا أدعي عودها فتكون دعوى مستأنفة ويكون قولها مع يمينها.
فإن قيل: الأصل عدم الوطئ فلم قلتم القول قوله في الوطئ إذا كانت ثيبًأ؟ قيل: هذا الأصل غير محقق ويجوز غيره، والنكاح محقق فكان المحقق أولى من غيره، والمحقق مع قوله.
قال ابن الحداد: لو كانت هذه المرأة غير مدخول بها وادعي الوطئ وحلفناه، ثم طلقها وأراد أن يراجعها فامتنعت وأنكرت الوطئ كان القول قولها مع يمينها، فإذا حلفت لم يثبت له الرجعة عليها؛ لأنا أثبتنا الوطئ بيمينه في حكم الإيلاء، فأما إثبات الرجعة لا يمكن بيمينه ويسقط عنها بيمينها.
مسألة: قال: "ولو ارتدا أو أحدهما في الأربعة الأشهر أو خالعها ثم راجعها، أو راجع من ارتد منهما في العدة استأنف في هذه الحالات كلها أربعة أشهر من يوم حل له الفرج".
قدمنا إن هذه الردة لا تحسب عليه، فإن رجع إلى الإسلام يستأنف المدة كما لو راجع الرجعية، فإن لم يرجع إلى الإسلام حتى انقضت العدة انفسخ النكاح، فإن تزوجها بعدة هل يعود الإيلاء فهذا فسخ وقع فيه هل يكون كالبينونة بالثلاث أو دون الثلاث؟ قد ذكرنا فيما تقدم.
وهكذا لو آلي منها ثم خالفها وقلنا: الخلع فسخ ثم تزوجها فهو كالفسخ بالرد سواء.
قال الشافعي: "ولا يشبه هذا الباب الأول؛ لأنها في هذا الباب كانت محرمة كالأجنبية الشعر والنظر والحيض في تلك الأحوال لم تكن محرمة بشيء غير الجماع".
وأراد أن بالحيض والإحرام لا تنقطع المدة كما تنقطع بالارتداد لهذا الفرق، والتحقت في حالة الارتداد والخلع بالأجنبيات شعرًا نظرًا وحسًا فاستأنفنا [118/ب] المدة.
ثم أن المزني اختار لنفسه الفرق بين الارتداد والخلع فأوجب إسقاط المدة في الخلع دون الارتداد وقال: القياس عندي أن ما حل له بالقعد الأول فحكم حكم امرأته والإيلاء يلزمه لمعناه فأما من لم يحل له بعقده الأول حتى يحدث نكاحًا يعني الخلع فحكم حكم من آلي ثم تزوج فلا حكم للإيلاء في معناه وهذا إشارة إلى اختيار من القولين في عود اليمين وقد اختاروا أن لا تعود فلذلك أسقط الإيلاء بالخلع كل الإسقاط ولم يقطع المدة بعارض الارتداد يقال له إذا اعترض الارتداد ثم جمعها الإسلام فتحريمها عليه في حالة الارتداد كان كتحريم الأجنبية ولم يحل له منها في تلك الحالة شيء مما يستباح بالنكاح فكيف لا تنقطع المدة والحالة وبهذه الصفة.
الجزء: 10 - الصفحة: 236
مسألة: قال: وأقل ما يكون المولي به فائتًا في الثيب أن يغيب الحشفة، وفي البكر ذهاب العذرة".
الفيئة في الإيلاء عند القدرة التقاء الختانين بكرًا كانت أو ثيبًا والالتقاء أن يغيب الحشفة في الفرج وقول الشافعي في الثيب: أن يغيب الحشفة في البكر إذهاب العذرة لم يرد به أن الاقتضاض شرط، أو هما يفترقان بل أراد أن الالتقاء في حق البكر لا يقع إلا بالافتضاض، ثم قال الشافعي: فإن قال لا أقدر على افتضاضها أجل أجل العنين وينظر في هذا، فإن كذبته المرأة كان القول قوله مع يمينه؛ لأنه أعلم بنفسه، وحلفناه لأنه متهم في ترك الفيئة، فإذا حلفت فاء فيئة معذور بالمرض بلسانه، ثم إذا سألت المرأة الحاكم أن يضرب له مدة العنة ضرب له المدة، ثم إذا مضت المدة، ولم يطأ كان لها المطالبة بالفسخ، وهذا هو المذهب المنصوص.
وقال ابن أبي هريرة: [119/ب] يتعين عليه الطلاق إذا أقر بالعجز؛ لأنه من خير بين شيئين ثم تعذر عليه أحدهما تعين الآخر، كالمخير في أنواع كفارة اليمين.
قال: وتأويل قول الشافعي أنه طولب بالفيئة بعد انقضاء المدة فاختار الطلاق ثم راجعها، ثم قال: لا أقدر على وطئها أُجل أَجل العنين، وهذا لأن حقها بعد انقضاء المدة ثبت معجلاً فلا يؤجل؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بها، وكذا ذكره صاحب "الإفصاح" وقال: إذا رجع خيرناها بين حكم الإيلاء وحكم العنة؛ لأنه قد اجتمع لها الأمران، وهذا لا يصح؛ لأنه إنما يكون مخيرًا بين الوطئ والطلاق إذا كان قادرًا على الوطئ، فأما إذا تعذر عليه بسبب فعليه يكون الفيئة بلسانه كما لو كان مريضًا، وها هنا قد ثبت عجزه في الحال بيمينه هذا كله من الكبر.
فأما إذا كانت ثيبًا فقال: لا أقدر على وطئها نظر، فإن لم يكن وطئها قبل ذلك فالحكم على ما ذكرنا من قبل، وزن كان قد وطئها لم يقبل منه أنه عنين ونطالبه بالفيئة أو الطلاق؛ لأن من وطئ في أول النكاح لا يكون في الحكم عنينًا من ذلك النكاح.
مسألة: قال: "لو جاء معها محرمة أو حائضًا خرج من حكم الإيلاء".
من فاء فيئة القادر خرج بها من حكم الإيلاء، سواء كان وطئه مباحًا أو حرامًا، مثل أن تكون حائضًا أو نفساء أو صائمة، لأن كل حكم يتعلق بالوطئ في النكاح لا يفترق بين المباح منه والحرام كتحريم الربيبة واستقرار المهر.
مسألة: قال: "لو آلي ثم جن فأصابها في جنونه أو جنونها خرج من الإيلاء وكفر إن أصابها وهو صحيح، ولم يكفر إذا أصابها وهو مجنون".
إذا آلي منها ثم جن قد ذكرنا أن المدة تحسب عليها في حال الجنون، وأنها لا تطالب ما دام مجنونًا، فإن وطئها لا يختلف أصحابنا أنه لا يحنث [120/أ] بهذا
الجزء: 10 - الصفحة: 237
الوطئ فلا تلزمه الكفارة؛ لأن قصد المجنون إلى الوطئ كعدم القصد، لاسيما فيما يتعلق بحق الله تعالى.
ولهذا لو قال: والله لا أدخل الدار فدخلها وهو مجنون لا يحنث في يمينه ويفارق الناس على أحد القولين؛ لأنه من أهل القصد في الجملة بخلاف المجنون.
قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قول مخرج من حنث الناس أنه يحنث به، وتلزمه الكفارة.
وهذا غلط والفرق ظاهر.
فإذا تقرر هذا فالمنصوص أنه يخرج به من حكم الإيلاء؛ لأن وجود الجماع بدفع الإضرار والقصد غير معتبر.
بدليل أنه لو آلي عن أحد امرأتيه ثم وجدها على فراشه فوطئها ظنًا منه أنها امرأته الأخرى خرج به عن حكم الإيلاء وإن لم يقصد، ويفارص الحنث ووجوب الكفارة؛ لأن ذلك حق الله تعالى فيحتاج فيه إلى القصد.
ومن أصحابنا من قال: لا يخرج به عن حكم الإيلاء فيجب أن يستأنف لها أربعة أشهر بعد الوطئ كما لو طلقها في الإيلاء ثم راجع استؤنفت أربعة أشهر من يوم رحل الفرج.
وتأويل قول الشافعي خرج من حكم الإيلاء، أي فيما مضى من المدة دون المستقبل، وإذا أفاق طولب بالفيئة والطلاق وهذا غير صحيح لما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: إذا قلنا: لا يخرج به من حكم الإيلاء ثم أفاق هل نستأنف له المدة من وقت الوطئ، أو يوقف في الحال؟ وجهان؛ أحدهما: ما ذكرنا أنه يستأنف.
والثاني: يوقف في الحال؛ لأنا قد ضربنا له المدة والوطئ الذي وجد منه كالمعدوم فإنه لم يتعلق به حنث، ولا خروج من حكم الإيلاء فصار كما لو لم يوجد، والصحيح ما ذكرنا.
وإذا قلنا: خرج من حكم الإيلاء فالمذهب أنه لا تنحل اليمين، فإن أصابها بعد ذلك [120/ب] وهو عاقل تلزمه الكفارة وتكون منزلته في هذا الوقت منزلة من حلف قبل النكاح، ثم نكح يكون حالفًا لا يحكم عليه بحكم الإيلاء.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: هذا والثاني: انحلت اليمين بالوطئ الأول، وهذا ليس بشء.
قال المزني: إذا خرج من حكم الإيلاء كيف لا يلزمه الكفارة؟ ولو لم تلزمه الكفارة ما كان حانثًا، وإذا لم يكن حانثًا لم يخرج به من حكم الإيلاء.
ومراد المزني من هذا الكلام غير مفهوم لأنه يشبه أن يكون معناه أنه إذا خرج من حكم الإيلاء وجب أن تلزمه الكفارة ويشبه أن يكون معناه أنه إذا لم تلزمه الكفارة وجب أن لا يخرج به من حكم الإيلاء وهذا أظهر الاحتمالين من كلامه قلنا: له الخروج من حكم الإيلاء بزوال المضارة وقد زالت وجوب الكفارة بحرمان العلم والقلم مرفوع عن المجنون فالأولى أن يفصل في الحكمين كما فصل الشافعي بينهما ولأن هذا الوطئ إبقاء حق لأدمي فلا يعتبر فيه القصد، وأما قول الشافعي رحمه الله "وكفر إذا أصابها وهو صحيح" يحتمل أنه أراد به إذا كانت مجنونة وهو عاقل تلزمه الكفارة إذا أصابها وهو صحيح، وله قصد بخلاف ما لو أصابها وهو مجنون لا كفارة عليه؛ لأنه جمع بين المسألتين فبين حكم الكفارة فيهما.
ويحتمل أنه أراد: إذا أفاق من جنونه بعدما وطئ فيه، ثم وطئ مرة أخرى يلزمه الكفارة وإن لم يكن موليًا.
الجزء: 10 - الصفحة: 238
فرع
لو استدخلت ذكره وهو نائم يخرج به من حكم الإيلاء ولا تلزمه الكفارة؛ لأنها وصلت إلى الإصابة وهو مرفوع العلم كما ذكرنا في وطئ الجنون، ولا تنحل اليمين به حتى لو وطئها بعد ذلك عمدًا تلزمه الكفارة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان؛ أحدهما: هذا، والثاني: لا يخرج به [121/أ] من حكم الإيلاء لأن حقها في فعله لا في فعلها، ولم يحنث بذلك ولا يسقط به الإيلاء.
مسألة: قال: "والذمي كالمسلم فيما يلزمه من الإيلاء".
الفصل
قد ذكرنا أن إيلاء الذمي صحيح وتلزمه الكفارة كما تلزم المسلم خلافًا لأبي حنيفة - رحمه الله -. حيث قال: لا تلزمه الكفارة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يصح إيلاءه بالله تعالى ويصح بالطلاق والعتاق.
وهذا غلط لأنه يصح إيلاءه بالطلاق فيصح باليمين بالله تعالى كالمسلم.
وقال مالك: لا يصح على معنى أنه إذا أسلم لا يوقف ولا يطالب بشيء، واحتج بقوله تعالى: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا إن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا لا يصح؛ لأن الغفران من حقوق الله تعالى والفيئة من حقوق الزوجة فلا يسقط بالإسلام.
ثم اعلم أن الحكم بصحة إيلائه ولزوم الكفارة إنما يكون حين يتحاكم إلينا، فأما قبل تحاكمه فلا نتعرض له، وإذا تحاكموا إلينا هل يلزم الحاكم أن يحكم بينهما؟ فيه قولان؛ أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا يلزمه.
وإذا حكم يحكم بحكم الإسلام لكل حال؛ لأن حكم الله تعالى على العباد واحد.
واختار المزني قول الوجوب فقال: هذا أشبه القولين؛ لأن تأويل قول الله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَن يَدٍ وهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29]، عند الشافعي أن تجري عليهم أحكام الإسلام، واحتج بأن الشافعي - رحمه الله - قال في كتاب "الجزية": لو جاءت امرأة رجل منهم تستعدي بأن زوجها طلقها أو آلي منها أو ظهر منها، حكمت في ذلك حكمي على المسلمين".
وقال أيضًا في كتاب "الجزية": وإن جاء رجل منهم يطلب حقًا كان على الإمام أن يحكم على المطلوب، وإن لم يرض بحكمه، وقد مضت هذه المسألة في كتاب النكاح بالشرح.
مسألة: قال: "إذا كان العربي يتكلم بألسنة العجم [121/ب] فآلي بأي لسان منهما فهو مولٍ في الحكم".
الفصل
إذا كان العربي يحسن العجمية فآلي بالعجمية صح الإيلاء كما يصح الطلاق، وإذا آلي العربي بالعجمية وقال: لم أعرف معناه ولم يعرف أنه يعرف باللسانين فالقول قوله مع يمينه؛ لأن الأصل جهله به وهذا من حق المرأة، فأما في حق الله تعالى لوجوب
الجزء: 10 - الصفحة: 239
الكفارة لا يحلف، بل هو أمر بينه وبين الله تعالى، وعلى هذا لو قال العربي لأمته بالفارسية: شهره حري تو وقال: لم أعرف معناه حلف ولم يعتق.
ولو آلي العربي بالعربية ثم قال: جرى ذلك على لساني من غير قصد، أو قال العجمي هذا في إيلائه بالعجمية لم يقبل في الحكم؛ لأنه خلاف الظاهر ويدين ما بينه وبين الله تعالى.
وأعلم أن فيما نقله المزني إشكالا، وذلك أنه قال: فهو مولٍ في الحكم، وإذا كان يحسن العربي العجمية فآلي بالعجمية فهو مول في الحكم وغيره، فما معنى تقيده بالحكم؟ وإزالة هذه الأشكال بأن يقال: لعل الشافعي تصور المسألة في عربي علمًا أنه يتكلم بكلمات كثيرة من ألسنة العجم، فالظاهر أنه كان عالماً بمعنى الإيلاء في اللغة العجمية لما آلي بلسان العجم، فإذا ادعى إني لا أعقل ما ذكرت جعلناه في الحكم موليًا، لأنا لما عرفناه ناطقًا بلغة العجم في كلمات كثيرة فالظاهر منه أنه علم بالإيلاء، فأما بينه وبين ربه عز وجل فهو أعلم، ويحتمل أنه لم يعقل هذه الكلمة الواحدة، وإن عقل الكلمات الكثيرة.
والذي يدل على مراد الشافعي ما عطف على هذه المسألة "أنه لو كان لا يتكلم بالعجمية فقال: ما عرفت ما قلت وما أردت الإيلاء فالقول قوله مع يمينه" يعني في الحكم أن الظاهر هاهنا أنه لم يعقل معنى لفظه، والظاهر في المسألة الأولى أنه يعقل معناه.
مسألة: قال: "ولو آلي ثم آلي".
الفصل
إذا آلي ثم آلي، مثل أن يقول: والله لا وطئتك خمسة أشهر [122/أ] ثم قال: والله لا وطئتك خمسة أشهر، أو حلف على مدتين، فقال: والله لا وطئتك خمسة أشهر ثم قال: والله لا وطئتك سنة، فإذا مضت أربعة أشهر طولب، فإن وطئ حنث فيما قال الشافعي.
رحمه الله.
في "الأم": لا ينظر فإن أراد باليمين الثانية الأولى فكفارة واحدة، وإن أراد غيرها فأحب آلي "كفارتان"، ويجزيه كفارة واحدة لأنهما يمينان في شيء واحد"، وهو المشهور من مذهبه.
وقال أصحابنا: فيه قول آخر أن عليه لكل يمين كفارة.
قال أبو إسحاق: وليس وجوب الكفارتين بشيء، وإنما ذلك استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول استحباب كما إذا نذر ثم نذر عليَّ شيء واحد لم يلزمه الثاني ما لم يكن لزمه بالأول من الوفاء، فكذلك اليمين في الكفارة، وإن أطلق ولايته له، فإذا قلنا: إذا أراد غيرها يلزمه كفارة واحدة فهاهنا أولى، وإن قلنا هناك: يلزم كفارتان فها هنا قولان.
وقال صاحب "الإفصاح": إذا حلف على مدتين مختلفتين يجب كفارتان قولاً واحدًا؛ لأنهما يمينان مختلفان، وهذا لا يصح؛ لأن الحنث واحد فلا تتكرر الكفارة، كما لو كانتا على مدة واحدة.
قال القفال: بين الوصل وبين الفصل في هذه المسألة؛ لأنه لو قال
الجزء: 10 - الصفحة: 240
لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، وقال: أردت به التأكيد كان تأكيدًا والإيلاء كالتعليق؛ لأنه لا يوقع أمرًا بل يوجب أمرًا بخلاف ما لو قال: أنت طالق ثم قال: أردت به التأكيد لا يصح لأنه إيقاع.
مسألة: قال: "وقَدْ زعمَ من خالفنَا في الوقفِ أنَّ الفيئةِ فعلٌ يحدثُه اليمين فِي الأربعةِ الأشهرِ إما بجماع، وإمّا فِيء معذورِ باللسانِ، وزعمَ أنَّ عزيمةِ الطلاقِ انقضاءُ أربعةِ أشهر بغير فعل يحدثُه".
الفصل
رجع الشافعي.
رحمه الله.
عليه آلي أول كتاب الإيلاء يناظر أبا حنيفة في الوقف وزمان الفيئة وقد تقدم بيان ذلك، ثم احتج عليه بأنه لما كان الفيء فعلًا منه يخرج به عن [122/ ب] حكم الإيلاء، فكذلك وجب أن تتوقف على فعله، ولا يحصل ذلك بانقضاء المدة.
وحرره أصحابنا فقالوا: الطلاق أحد ما يخرج به المولي عن حكم الإيلاء، فوجب أن يتعلق بفعله كالفيئة.
واحتج أيضًا بأن ظاهر الآية أنه خيِّر بينهما في زمان واحد فيختار أحدهما في الزمان الذي يختار فيه الآخر، وأنت جعلت الفيء بالمدة لم يكن شيئًا فكيف يحصل الفراق بقدم الفيئة عند انقضاء المدة من غير عزم، ولا إحداث أمر عند انقضاء المدة، ثم إذا بطل مذهبه ثبت أن قوله تعالى: ﴿وإنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ﴾ [البقرة: 227]، أراد: وإن أنشأوا الطلاق بعد انقضاء المدة، وقيل: مقصود من هذا الفصل أن عزم الطلاق عند الشافعي ظاهر اللفظ قال تعالى في آية التعريض بالخطبة: ﴿ولا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 235]، أي: ولا تتلفظوا ولم يرد النهي عن الفيئة، وكيف ينهي عن الفيئة والتعريض بالخطبة مباح، وزعم أبو حنيفة، رحمه الله بالامتناع قصد وقوع الطلاق عند انقضاء المدة، فقال الشافعي: لو جاز أن يحمل هذا العزم على الفيئة لوجب أن يقال: إذا عزم طلاقًا في المدة قبل انقضائها، فإذا أجمعنا على أنها لا تطلق بالعزم حين يعزم فكيف تطلق بنفس انقضاء المدة من غير عزيمة ولا فعل أنشأه.
باب إيلاء الخصي
مسألة: قال: "إذا آلي الخصيَّ مِنَ امرأتهِ فهوَ كغيرِ الخصي".
الخصي إذا آلي من امرأته، وهو الذي سلت بيضتاه وبقي ذكره.
حكمه حكم الفحل؛ لأنه يجامع كما يجامع الفحل، وإنما عدم الإنزال وذلك لا يؤثر.
وقيل: جماع الخصي [123/ أ] أقوى وأشد لعدم الإنزال، وقيل: قد ينزل ماءً رقيقًا أصفر ولهذا ألحق به
الجزء: 10 - الصفحة: 241
الولد.
وأما المجبوب فعلى ثلاثة أضرب؛ مجبوب قد بقي منه ما يمكن أن يولجه ويجامع به، فحكمه حكم غير المجبوب.
ومجبوب لم يبقّ منه شيء أو بقي شيء إلا أنه لا يمكن إيلاجه فيه قولان؛ أحدهما: لا ينعقد إيلاؤه وهو الصحيح، وقد نص عليه في "الإملاء" وبه قال أبو حنيفة واختاره المزني؛ لأن الحنث غير متصور منه والمضارة غير متحققة.
والثاني: ينعقد إيلاؤه نص عليه في "الأم" ونقله المزني إلى المختصر؛ لأن قصد المضارة باليمين قد ظهر منه.
فإن قلنا بهذا قلنا له: فء بلسانك ولا شيء عليك غيره، والفيء باللسان من المجبوب أن يقول لها: لو قدرت لفعلت، ولا يقول: إذا قدرت فعلت؛ لأنه ميئوس من ذلك.
ومن أصحابنا من قال: النصان على حالين، فالذي قال ينعقد إيلاؤه إذا بقي له بعد الجب شيء يمكن منه الجماع، والذي قال لا ينعقد إذا لم يبقَ ذلك.
ومن أصحابنا من قال: كما على حالين على وجه آخر: فحيث صحح الإيلاء صور فيمن آلي وهو غير مجبوب ثم اعترض الجب، وحيث لا يصح الإيلاء صور فيمن آلي وهو مسموح عند الإيلاء، وهو جماعة من أصحابنا.
ومجبوب بقي من ذكره قدر ما يمكن الجماع به إلا أنه يدعي أنه عاجز لا يمكنه الجماع به، فالقول قوله في ذلك وحكمه حكم العنين، وقد ذكرنا حكم من آلي ثم ثبتت عنته.
مسألة: قال: "ولو آلي صحيحًا ثمَّ وجبَ ذكرهُ كانَ له الخيارُ مكانهَا".
وقد بينا هذا المسألة في " كتاب النكاح" فإذا اختارت المقام فمضت أربعة أشهر، فإن قلنا بقوله في "الإملاء" لا ينعقد إيلاؤه، بطل إيلاؤه بالجب، وإن قلنا بقوله في "الأم" فلها المطالبة بعد انقضاء المدة وإيلاؤه باقٍ [123/ ب] ورضاها بالمقام معه في خيار الجب لا يسقط خيار الإيلاء فيكفيه في معذور.
وأما قوله "كان لها الخيار مكانها": أي بسبب الجب العارض، ويكون على الفور قولًا واحدًا، لأنه خيار عيب فلا مهلة فيها.
فرع
لو آلي من الرتقاء أو القرناء.
قال أصحابنا: فيها قولان كالمجبوب، إلا أنا إذا قلنا يصح الإيلاء لا تضرب الإيلاء؛ لأن المنح بسبب من جهتها كالمريضة يصح الإيلاء منها ولا تحتسب عليه المدة، ولذلك يصح الإيلاء من الصغيرة ولا تضرب له المدة حتى تبلغن فتضرب له المدة، وكذلك من الناشرة ولا تضرب المدة حتى ترجع إلى الطاعة.
وقال أبو حنيفة: تضرب للمرأة الرتقاء المدة عقيب الإيلاء، فإن فاء إليها بلسانه وإلا بانت بانقضائها، وكذلك عقده إذا نشزت المرأة أو غابت المرأة في المدة وهذا غلط؛ لأن حقه من الوطاء سقط بذلك فوج أن تسقط المدة المضروبة له.
الجزء: 10 - الصفحة: 242