كتاب الإجارات
قال: قال الله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6] الآية وهذا كما قال: اشتقاق الإجارة من الأجر، والأجر هو الثواب وسمى الله تعالى المهر أجرًا يعني عوضًا في مقابلة البضع والأصل في جواز الإجارة الكتاب والسنَّة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ فأجاز الإجارة على الرضاع، واللبن قد يقل ويكثر وشرب المرضَع يقل ويكثر فلأن تجوز [153/ أ] سائر الإجارات والضرر فيه أقل أولى وأيضًا قال الله تعالى: ﴿إنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] فجوّز إجارة موسى صلى الله عليه وسلم نفسه لبضع ابنة شعيب صلى الله عليه وسلم وأيضًا قوله تعالى في قصة الخضر وموسى صلى الله عليهما: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: 77] فدل على جواز أخذ الأجرة في الإجارة.
وأما السنَّة فما روي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه"، وروى سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما أنه قال: كنا نكري الأرض بما على السواقي من الزرع فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وأمرنا أن نكريها بذهب أو ورق، وروى أبو أمامة التيمي قال: سألت ابن عمر: ألستم تلبون وتطوفون بين الصفا والمروة إن رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأل: عما تسألوني عنه فلم يردّ عليه حتى نزل ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِداَرًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [البقرة: 198] فتلاها عليه.
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وأعطى الحجَّام أجره، وروي أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "قال ربكم: ثلاثة أنا خصمهم ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطى بي عهدًا ثم غدر ورجل باع حرًا وأكل ثمنه ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى عمله ولم يوفّه أجره"، وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة
الجزء: 7 - الصفحة: 140
ومن كنت خصمه خصمته رجل أعطاني صفقةً يمينه نم غدر"، وروي " رجل أعطى بي ثم غدر" الخبر وأيضًا قال - صلى الله عليه وسلم: "مثلكم ومثل من مضى من الأمم كمثل رجل [153/ ب] استأجر أجيرًا من الصبح إلى الظهر بقيراطٍ ألا فعملت اليهود " الخبر وأيضًا روي أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "أيعجز أحدكم أن يكون كصاحب الفرق" وذكر قصةً ثلاثةً من بني إسرائيل ألجأهم المطر إلى غارٍ وذكر أحدهم إني استأجرت أجيرًا بفرق من بر فعمل ولم يأخذ أجرته فزرعه له حتى نمى وصار قدرًا عظيمًا ثم عاد الأجير فدفع إليه جميعه.
وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد الهجرة قال: يا عليّ ارتد لنا دليلا من الأزد فإنهم أوفى للعهد فاستأجر عبد الله بن أريقط الليثى من الأزد دليلًا إلى المدينةً، وروت عائشةً رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر استأجرا رجلًا من الذيل خريتًا عالمًا بالهدايةً، وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره".
وأما الإجماع قال الشافعي: عمل بها بعض الصحابةَ والتابعين ولا اختلاف في ذلك بين أهل العلم ببلدنا وعوام أهل الأمصار، وروي أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه آجر نفسه من يهودي فاستقى له الماء كل دلو بتمرةٍ حتى استقى بضعا وأربعين دلوًا، وروي أنه كان يستقي الماء لامرأةً يهوديةً كل دلوٍ بتمرةٍ، وقال أبو هريرة: آجرت نفسي من ابنةَ غزوان بملء بطني، وإنما استقصى الشافعي في هذا الفصل لما بلغه من قول بعض السلف وهو ابن كيسان أن الإجارةً لا تصح لأنها لا ترد على منفعةُ لم تخلق بعد إلا أن هذا القائل ليس ممن يعدّ في الفقه خلافه.
وروي عن عبد الرحمن الأصم والقاشاني وإسماعيل ابن علية وبعض المتكلمين أنه لا تجوز الإجارةً ولا اعتبار بخلافهم أيضًا لأنهم ليسوا من أهل الصنعةً، وقال الشافعي: هذا القول جهل من قائله ولأن الحاجةَ داعيةً إلى جوازها لأن كل أحدٍ لا يجد دارًا يسكنها [154/ أ] ملكًا ولا يجد من يتطوع به فجوز الإجارةً كما جوّز سائر البياعات فإذا ثبت جوازها فإنما تجوز على الوجهين إما أن يعقد على مدةٍ ومعلومةً، أو على عمل معلوم ولا يجوز أن يقدر المدةَ والعمل معا فيقول: استأجرتك كخيط لي ثوبًا في يوم أو أسبوع خلافًا لأبي يوسف ومحمد لأن ذلك يؤدي إلى التضاد فإنه ربما يفرغ من العمل في المدةً ولا يمكنه أن ينصرف لأنه قد بقي بعض المدة ولا يمكن المستأجر أن يطالبه بالعمل ثانيًا لأنه تمم العمل الذي استأجره عليه وقد يمضي اليوم ولا يكون
الجزء: 7 - الصفحة: 141
قد فرغ من العمل فلا يمكنه أن ينصرف لأنه بقي بعض العمل ولا يمكن المستأجر أن يطالبه بالعمل لأن المدةَ قد انقضت فيؤدي ذلك إلى التضاد فلا يصح.
مسألة: قال: "والإجاراتُ صنفٌ من البيوعِ".
فاصل
وهذا كما قال: الإجارةً صنف من البيوع لأنها تمليك المنافع بعوض فكانت بمنزلةُ تمليك العين الحاضرةً بعوض وهل تنعقد بلفظ البيع؟ وجهان: أحدهما: تنعقد لأنها بيع المنافع، والثاني: لا تنعقد لاختصاصها بالاسم والحكم والإجارةً عقد لازم لا يجوز لأحد المتآجرين فسخها إلا بعيب كما نقول في البيع: فإذا اكترى دكانًا ليبيع فيه بزًا فاحترق البزّ أو أفلس لم يكن له فسخ الإجارة، وكذلك إذا اكترى جملًا ليسافر فمرض وانقطع عن القافلةً ليس له فسخ الإجارةً، وكذلك إذا اكترى دكانا ليبع فيه البز فمرض ولا يتمكن من التجارةً فيه ليس له الفسخ وهذا لأن المعقود عليه بحاله يمكن قبضه والمانع في العاقد دون المعقود عليه فلم يتعلق به ثبوت الخيار وبه قال مالك والثوري وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: للمكتري فسخ الإجارةً بالأعذار وكذلك للمكتري وهذا غلط لما ذكرنا من المعنى.
فرع
لو استأجر ليقلع سنّه للوم جاز فإن سكن الوجع قبل قلعه لم يكن له قلعه ويحرم ذلك وانفسخ عقد الإجارة لأنه بمنزلة تلف المعقود عليه وإن لم يسكن الوجع وامتنع من القلع لم يجبر عليه [154/ ب] وقيل له: إما أن تقلع سنك أو تترك قلعهُ ولكن يلزمك أن تدفع إليه أجرته لأنه مكنك من المعقود عليه وإنما الامتناع من استيفائه من جهتك فهو كما لو اكتريت دارا فمكنك منها فامتنعت من قبضها لزمك أجر المثل كذلك هاهنا.
وقال القاضي الطبري: لو مات هذا الأجير بعد هذا التمكين انفسخ العقد عندي لأن المعقود عليه لم يكن مقبوضا للمكتري وإنما تلف في يد المكري، ألا ترى أن من تزوج بامرأةً فمكنته من نفسها كان لها أن تطالب بالمهر فإن طلقها قبل الدخول سقط نصف المهر وإن ارتدت الزوجةً سقط جميع المهر لأنه لم يوجد منها غير التمكين ولم يصر مقبوضًا للزوج فكذلك ها هنا، فإن قيل: أليس إذا اكترى دابةً ليركبها إلى موضع معلوم فحبسها مدةً يمكنه أن يركبها إليه فلم يفعل لزمته الأجرةً وإن تلفت الدابةً في يده بعد مضي هذا القدر من الزمان لم تسقط الأجرة وكذلك إذا مضى من الزمان مقدار ما يمكن قلعه وجب أن تستقر الأجرة قلنا ت هذا غلط لأن منافع الدابة صارت مقبوضةً له فإذا تلفت في قبضه ويده استقرت الأجرةً عليه وها هنا منفعةً القلاع لم تصر مقبوضةً
الجزء: 7 - الصفحة: 142
للمكتري وإنما هي في يده ولا تثبت اليد على الحر بوجهٍ فلهذا يسقط بالهلاك بعده فحصل الفرق بينهما.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: تستقر الأجرةً بمضي المدة كما في مسألةً الدابةً وما ذكره القاضي أحسن وعلى هذا إذا اكترى رجلًا ليهدم له حائطًا فامتنع صاحب الحائط من هدمه لم يجبر عليه ولزمته الأجرةً وإن مكنه الأجير من عمله وهكذا لو استأجره للقصاص ثم أراد أن لا يقتص أو لقطع اليد للآكلةً ثم بدا له في ذلك.
فرع آخر
اختلف أصحابنا فيما تناوله عقد الإجارة فقال أكثرهم: تناول المنفعة وبه قال أبو حنيفة ومالك لأن الأجرة في مقابلةً المنفعةً ولهذا تضمن المنفعةً دون العين وإنما يوجه إلى العين كعين المنفعة بها ولو قال: [155/ أ] آجرتك منفعةً هذه الدار تصح الإجارةً، وقال أبو إسحاق: عقد الإجارةَ تناول العين دون المنفعةً ليستوفي من العين مقصوده لأن المنافع غير موجودةً عند العقد ويضاف العقد إلى العين وهذا غلط لأنه تجوز الإجارةً في الذمةَ وإن لم تضف إلى العين.
فرع آخر
قال الشافعي في أثناء الفصل: وكذلك تملك المنفعةً التي في العبد يريد به أن المستأجر يملك المنفعةَ المعقود عليها إلى المدةً التي اشترط وتحدث المنفعةُ في ملك المستأجر، وقال أبو حنيفة: المنفعةُ تحدث على ملك المؤجر ولا يملكها المستأجر بالعقد لأنها معدومةً فلا تكون مملوكةً وهذا غلط لأن الملك عبارة عن حكم وهو جواز التصرف المخصوص والتصرف فيها في الأيام المستقبلية يصح من المؤجر فثبت أن ملكها انتقل إلى المستأجر وأما قوله: إنها معدومةً قلنا: ولكنها جعلت كالموجودةً حكما كما في حق المؤجر.
مسألة: "فإذا دفع ما أكرى وجب له جميع الكراء".
الفصل
وهذا كما قال: إذا آجر دارًا أو دابةً مدة معلومةً بأجرةً معلومةً لا يخلو من ثلاثةَ أحوال إما أن يشترط تأجيل الأجرةً إلى آخر المدةَ أو تعجيلها في الحال أو يطلق فإن شرط تأجيلها كانت مؤجلةَ ولم يكن للمكري طالبته بها حتى تنقضي مدةَ الإجارةً فإن شرط تعجيلها أو أطلقا العقد فإنه يملك الأجرةً بالعقد ويستحق المطالبة بها إذا سلم العين المؤاجرة إلى المستأجر وهذا لأن حكم المنافع في الإجارةً كحكم العين في البيع وليت منزلتها منزلة الدين إذ لو كان كذلك لما جاز عقد الإجارةً بأجرةً مؤجلةً لأنها تكون حينئذ بيع دين بدين وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الدين بالدين.
الجزء: 7 - الصفحة: 143
وقال أبو حنيفة: إذا أطلق تجب الأجرةً على مر الزمان جزءًا فجزءًا غير أنه لا يمكن استيفاء ما يصيب لحظةً أو ساعةً فمتى اجتمع قدر يمكن استيفاؤه ثبت حق الطلب في ذلك القدر وعن مالك روايتان [155/ ب] إحداهما لا يحل شيء منها ما لم تمض جميع المدةً وهذا أقيس من قول أبي حنيفةَ كما لو باع صبرةَ من طعام بمائةً لا يستحق بتسليم بعض المبيع طلب حصته من الثمن حتى يلم الكل، والثانية أنه على عادة الناس فأجرت العادةً به مشاهدةً يستحق عند انقضاء كل شهر حصته من أجرته وما جرت العادةً به مشافهةٌ تجب حصةً كل سنةً عند انقضائها.
فرع
هل يجوز أن تكون الأجرةً المعينةً في الإجارة جزافًا أم لا؟ فيه طريقان إحداهما فيه قولان كالقولين في رأس المال السّلم هل يجوز أن يكون جزافًا أم لا وهذا لأن مقصود كل واحد من العقدين منتظر غير منبرم، والثانيةً يجوز قولًا واحدًا بخلاف السلم، والفرق أن السلم معقود إلى أجل فهو غرر والجزاف غرر فلا يخاف الغرر إلى الغرر والإجارةً معقودةً على منفعةٍ حالةٍ ولكنها تتوفى شيئا فشيئا فصار كما لو اشترى صبرة طعام بثمنٍ جزافًا جاز.
فرع آخر
لو استأجر عبدا بنفقته أو بعيرًا بعلوفته لم يجز، وقال مالك: يجوز لأن أبا هريرةَ آجر نفسه بطعام بطنه وهذا غلط لأنها أجرةً مجهولةً والخبر يحتمل أنه كان مقدرًا فلا حجةً فيه.
فرع آخر
لو قال: آجرتك داري هذه كل شهرٍ بدرهم ولم يذكر آخر المدةً فالمذهب أنه لا يحوز أصلا ويخالف هذا إذا قال: آجرتك هذا الشهر بدرهم وما زاد فبحسابه لأن ها هنا أفرد الشهر الأول بالعقد، وقال الإصطخري: يصح في الشهر الأول وهذا خلاف مذهب الشافعي وغلط فيه لأنه لو قال: بعتك من هذه الخبرةَ كل قفيز بعشرةً دراهم لم يصح البيع في شيء من الأقفزةً كذلك ها هنا، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان قال في "الإملاء" مثل ما قال الإصطخري وهذا غريب وهو قول أبي حنيفة، وحكي عنه أنه قال: يجوز في جميع الشهور فإذا قلنا: باطل فسكن الدار لم يلزم أجر المثل وإذا قلنا بالقول الآخر يلزم [156/ أ] للشهر الأول المسمى وللباقي أجر المثل.
وحكي عن أبي حنيفةً أنه قال: لكل واحدٍ منهما عند انقضاء الشهر أن يفسخ فإن لم يفعلا حتى مضى يوم من الشهر الثاني ليس لواحدٍ منهما أن يفسخ لأنه اتصل بالعقد الفاسد القبض وهذا غلط لأن القبض لم يحصل بالإجماع ولا يلزم العقد الفاسد في الأعيان عنده بالقبض لأن للبائع أن يسترجع متى شاء ولا يضمن أيضا بالمسمى في العقد الفاسد بل يضمن بالقيمةَ فهذا مناقضة، وحكي عن مالك أنه قال: الإجارة
الجزء: 7 - الصفحة: 144
صحيحةً وكلما مضى شهرا يستحق المسمى إلا أنها لا تكون لازمة لأن المنافع مقدرةً بتقدير الأجرةً ولا يحتاج إلى ذكر المدةً إلا في اللزوم وهذا غلط لأن الأجرةً مقدرةً في كل شهر وجملةَ الأشهر مجهولةً والإجارةً عقد لازم فلا يجوز أن يقع غير لازم.
مسألة: قال: "فإن قبض العبد فاستخدمه أو المسكن فسكنه".
الفصل
وهذا كما قال: ذكر هلاك العبد وانهدام المسكن فنقدم الكلام في هلاك العبد فنقول: إذا استأجر عبدا أو بهيمةً فمات في يده لا يخلو من أربعةَ أحوال إما أن يكون ذلك بعد انقضاء المدة أو عقيب العقد أو عقيب القبض أو بعد مضى شهر من المدةً، فإن كان بعد انقضاء المدةَ فقد استقرت الأجرةً ولا يضر العقد لأنها مقبوضةً بمضي المدةً ولا ضمان عليه في العين لأنه قبضها ليستوفي حقه منها وإن تلك عقيب العقد انفسخت الإجارةً وسقطت الأجرةً بالإجماع وإن تلفت عقيب القبض انفسخت الإجارةً وسقطت الأجرة وبه قال عامةُ الفقهاء.
وقال أبو ثور: يلزمه كل الأجرة لأن جمع المنافع صارت مقبوضة له بقبض العين بدليل جواز التعرف فيها وهذا غلط لأن المنافع تلفت قبل استيفائها فأشبه إذا تلفت قبل تسليم العبد وأما جواز التصرف لا يدل على القبض، ألا ترى أن البائع يتصرف في الثمن قبل القبض ولا يكون مانعًا من الفسخ بالإفلاس وإن تلفت بعد مضي شهر من المدة [156/ ب] خلاف على المذهب أن عقد الإجارةً قد انفسخ فيما بقي من المدةَ لأن المنافع المستقبلية صارت تالفةً بهلاكه وأما ما مضى من المدة هل ينفسخ العقد فيه اختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم من قال: فيه قولان لأن الصفقة إذا فسدت في بعضها هل تفد في جميعها قولان ومنهم من قال: لا تنفخ فيما ض قولًا واحدًا لأن الصفقةً في الابتداء وقت صحيحةً ثم ورد الفساد على بعضها فاختص ذلك البعض بالفساد وإنما القولان في تفريق الصفقةً إذا جمعت الصفقةً في الابتداء ما يجوز وما لا يجوز وهذا هو الأصح وعليه أكثر أصحابنا.
فإذا قلنا: يفسخ فيما مضى فإن الأجرةً المسماة تسقط ويثبت للمؤجر على المستأجر في قدر ما استخدمه أجر المثل، فإن لم يكن قبض المسمى طالبه بأجرةَ المثل، فإن كان قد قبض المسمى رد عليه ما زاد على أجرةً المثل وإذا قلنا: لا يفسخ فيما مضى يلزمه لما مضى بحصته من الأجرةً، فإن كان ما مضى نصف المدةَ يلزمه نصف الأجرةً، وإن كان ربع المدةَ يلزمه ربع الأجرة وهذا إذا كانت قيمةُ المنفعةَ متساويةً في جميع المدةً، فإن كانت مختلفةً يقسط على قدر قيمةُ المناع في المدةَ ولو مرض العبد لا ينفسخ عقد الإجارةً لأن منافعه لم تتلف بالمرض بل صارت معيبة بالمرض فله الخيار
الجزء: 7 - الصفحة: 145
إن شاء فسخ العقد وإن شاء رضي به فإذا فسخ فهل ينفسخ فيما مضى على ما ذكرنا من الطريقين وأما الدار إذا انهدمت كلها في أثناء مدةَ الإجارةً انفسخ عقد الإجارةً في المستقبل قولًا واحدًا كما قلنا في موت العبد وهل ينفسخ فيما مضى على ما ذكرنا من الخلاف.
فإذا قلنا: لا ينفسخ أخذها بما يخصها من الأجرةً المسماةَ، فإن كانت الشهور متساويةً لزمه ما يخص ما مضى من المدةَ، وإن كانت الشهور متفاوتة في الكراء وكان في بعض المدةً تقع أيام الموسم مثل ما يكون في القطيعةً أيام الحاج وفي مكةً وقت الحج فالأجرة المسماة تقسم على مقدار النماء [157/ أ] فيما مضى وفيما بقي فإذا كانت قيمةُ السكنى فيما مضى مائةً وفيما بقى مائتين أخذ لما مضى ثلث الأجرةً، وإن كان في الزمان الذي مضى مائتين أخذ ثلثي الأجرةَ وعلى هذا القياس وكذلك إذا استأجر حمامًا سنةٌ فمضى الصيف ثم انهدم وأجر مثل الصيف خمسون وأجر مثل الشتاء مائةً يلزم أجر المثل على حسب ما يليق بذلك ويعتبر أجر مثله يوم العقد لا فيما بعد ذلك لأن في ذلك اليوم تناول العقد المنافع، فإن قيل: إذا قلتم العقد لا ينفسخ فيما مضى فهلا قلتم: للمستأجر أن يفسخه لأنه جمع المعقود عليه لم يسلم له كما تقولون في الأعيان وكما لو صالح من عين أقر له بها على خدمةُ عبدٍ بعينه سنةً فمات العبد في بعض السنةً وقلنا: لا ينفسخ الصلح فيما مضى كان له أن يفسخه قلنا: ها هنا عوض المنافع دراهم أو دنانير وليس عليه في تبعيضها ضرر وليس كذلك في الأعيان حتى إذا كان عوض المنافع دارًا كان فجعلنا له الخيار، ومن أصحابنا من قال: هل له الخيار في فسخه؟ وجهان:
أحدهما: لا خيار له لفواته على يده.
والثاني: له الخيار لتفريق الصفقةً عليه فإن شاء أجاز فيما مضى وإن شاء فسخها فيها فإن أجاز لزمه من الأجرةَ بالقسط على ما ذكرنا وخرج بعض أصحابنا قولًا آخر أنه يجيز بجميع الأجرةً وإلا فسخ وهذا قول من يجعل الفساد الطارئ المقارن وإن فسخ الإجارةً في الماضي يلزم فيه أجر المثل على ما ذكرنا.
ومن أصحابنا من قال: إذا انهدمت الدار لا تنفسخ الإجارةَ بل يثبت له حق الفسخ لأنه يمكن المنفعة بالعرصة بالجلوس ووضع القماش فيها بخلاف هلاك العبد فإن منفعتهُ فاتت من كل وجهٍ وعلى هذا لو اختار الفسخ فهو كما لو انفسخ وإن اختار الإجارةً أمسكنا بكل الأجرة قولًا واحدًا كما لو غاب المبيع فاختار المشتري إمساكه يمسكه بكل الثمن وهذا خلاف نص الشافعي [157/ ب] وغلط أيضًا لأن العقد تناول منفعةَ الدار والعرصةً ليست بدار ولا منفعتها منفعةُ دار وإنما هي أرض فلا تأثير لبقائها وعند أبي ثور انهدام الدار بعد قبضها لا يبطل الإجارة كما قال في موت العبد.
فرع
لو حدث بالعبد المستأجر برصٌ فهو لا يؤثر في العمل، فإن كان مما لا تعاف
الجزء: 7 - الصفحة: 146
النفس برصه فيه كالبناء ورعي المواشي لا خيار للمستأجر، وإن كان مما تعاف النفس برصه فيه كخدمته في مأكله ومشربه وملبسه فله الخيار.
فرع أخر
لو خربت الدار حوله أو بطلت الدكاكين وله وخربت السوق لا خيار له لأنه عيب حدث في غير المعقود عليه
فرع آخر
لو تشعثت الدار فلم يختر المستأجر الفسخ حتى عمرها المؤجر فني المستأجر وجهان أحدهما: لا خيار لارتفاع موجبه، والثاني: له الخيار لما تقدم من استحقاقه ولو رضي بها متشعثة هل يلزمه جميع الأجرةً؟ وجهان: أحدهما: يلزم كما في البيع إذا رضي بالعيب يلزمه كل الثمن، والثاني: لا يلزم كل الأجرةً لأنه لم يستوف جميع ما استحق من المنفعةً.
فرع آخر
لو استأجر دارًا فانطمَّت، آبارها وامتلأت حشوشها قال أصحابنا: تنقية ذلك على المؤجر من غير تفصيل لما عليه من حقوق التمكين، وقال القاضي الماوردي: الذي عندي وهو المذهب أن تنقيةُ ما انطمّ من آبارها على المؤجر وتنقيةُ ما امتلأ من حشوشها على المستأجر لأن امتلاء الحشوش من فعله فصار كتحويل القماش بخلاف انطمام الآبار ولو امتنع المستأجر من تنقيةُ ما يلزمه أجير عليه وإن امتنع المؤجر من تنقيةَ ما يلزمه من الآبار لم يجبر عليه وكان للمستأجر الخيار.
مسألة: قال: "ولا تفسخ بموت أحدهما".
الفصل
وهذا كما قال: إذا مات أحد المتعاقدين مع بقاء المعقود عليه لا بطل الإجارةً ويقوم ورثته مقامه في أخذ الأجرةَ إن مات [1558/ أ] المكري وإن مات المكتري فورثته يقومون مقامه في استيفاء المنافع ولكن تتعجل الأجرةً المؤجلةً بالشرط عند الموت فإن لم يترك وفاء فله فسخ الإجارةَ لأنه مفلس وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وعثمان البتي.
وقال أبو حنيفة والثوري والليث بن سعد: تنفسخ الإجارةَ بموت أحدهما، وهذا غلط لأنها عقد لازم فلا تنفسخ بموت العاقد مع سلامةَ المعقود عليه كالبيع وقد قال الشافعي في هذا الفصل: وليس الوارث بأكثر من المورث ومراده بهذا أن المورث الذي أنشأ عقد الإجارةً على داره التي أكراها لو أراد أن يفسخ ذلك العقد لم يكن له فكذلك وارثه لا يستحق إلا ما استحقه فإن الوارث ينزل منزلةُ المورث ثم قال الشافعي
الجزء: 7 - الصفحة: 147
بعد مسألة الموت: فإذا قيل: فقد انتفع المكري بالثمن قيل: كما لو أسلم في رطبٍ لوقت فانقطع رجع بالثمن فالمزني أوهم بهذا العطف أن هذا السؤال سؤال في مسألة الموت وليس كذلك ولكنه سؤال ألزم نفسه في مسألةَ الانهدام ووجه الإلزام أن المكري في العقد الحال قبض جميع الأجرةَ وانتفع بها؛ فإذا انهدمت الدار وقد بقي نصف المدةَ كيف ينقص المكري، في بعض الثمن وقد كان ملكه على الجمع كاملًا وكان في الجميع متصرفا وبه منتفعًا؛ والجواب أنا حكمنا له بالملك حين سلم الدار فلما انهد مت الدار نقضنا ذلك الملك في وقت الانهدام ومثل ذلك لا يستبعد، ألا ترى أن رجلًا لو أسلم دينارًا في رطبٍ لوقت معلوم وسلم الدينار فقد ملكه بائع الرطب وملك التصرف فيه على الإطلاق والانتفاع به فإذا انقطع الرطب نقضنا ملكه في الدينار، وكذلك لو باع متاعًا غائبًا ببلد ودفع الثمن فهلك المتاع رجع بالثمن وقد انتفع به البائع فعلمنا أن الانتفاع لا يمنع نقض الملك عند وجود ما يوجب النقض قال المزني: هذه المسألةً التي ذكرها الشافعي في بيع الغائب تجويز منه بيع الغائب [158/ ب] وقد أباه في موضع آخر يقال له: يحتمل أنه صور المسألةَ في غائب تقدمت رؤيته فيكون البيع جائزًا قولًا واحدًا، وإن كان مما لم يره قط كان جوابًا على أحد القولين.
فرع
لو آجر الموقوف عليه أولا ثم مات قال ابن أبي هريرةَ: انفسخ العقد لأن الموقوف عليه ثانيا يأخذه عن الواقف دون العاقد وها هنا الوارث يأخذه عن العاقد ويخلف فيه وهو اختيار القاضي الطبري، ومن أصحابنا من قال: لا تبطل الإجارةَ ذكره أبو حامد وهو القياس.
وقال في "الحاوي": إن كان متوليًا وله حق في غلته لكونه وقفًا عليه أيضًا فآجر ثم مات هل تبطل الإجارةَ؟ وجهان والأصح أنه لا تبطل لأن مؤجره والٍ قد آجره في حق نفسه وحق من بعده بولايته.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: هل للموقوف عليه أن يؤاجر الدار الموقوفةً؟ وجهان أحدهما: لا يجوز إلا أن ينصبه الواقف أو الحاكم قيمًا فيها فينصرف فيها بحكم الولايةَ فأما بحكم أن الغلةً تصرف إليه فلا يؤاجر وهذا على قولنا: إن الملك فيه للواقف أو قلنا: لا مالك له، والثاني: يجوز لأنه المستحق وهذا إذا قلنا: الملك فيه للموقوف عليه فإذا قلنا بهذا فآجره مدةً الغالب فيها سلامته فمات قبل مضي المدةً هل يحكم ببطلان العقد فيما زاد؟ وجهان أحدهما: يبطل، والثاني: لا يبطل بل ينظر إلى حصةُ ما بقي من الأجرةَ فيصرف إلى المستحق الثاني
الجزء: 7 - الصفحة: 148
فرع آخر
إذا آجر الأب ولد، الصغير مدةً يحتمل أن لا يبلغ قبل انقضائها فبلغ مثل إن كان ابن أربع عشر سنةً فآجره سنةً ثم بلغ بالاحتلام لا تبطل الإجارةً ولا خيار له ولو آجر أم ولده ثم مات السيد بطلت الإجارةً، والفرق أن الصبي معقود عليه في حق نفسه فلم يزل العقد بزوال يد عاقدهُ وأم الولد معقود عليها في حق السيد فزال العقد بزوال ملك عاقدهُ، وإن كان يتيقن أنه يبلغ قبل انقضائها مثل [159/ أ] إن كان ابن أربع عشرةَ سنةً فآجره سنتين تبطل في السنةً الثانيةَ وهل يبطل في السنةُ الأولى؟ قولان بناء على تفريق الصفقةَ.
ومن أصحابنا من قال: إذا بلغ في أثناء المدةً تبطل الإجارةَ بكل حالٍ، لأنه إذا بلغ بان أن تصرف الوالد إنما نفذ إلى هذا الوقت ولا ولايةً له فيما بعد ذلك، ومن أصحابنا من ذكر وجهًا آخر أنه لا تبطل أصلًا كما لو زوجه ثم مات وهذا ضعيف لأنه يؤدي إلى أن يعقد على منافعه طول عمرهُ ولا يشبه النكاح لأنه لا يمكن تأقيته وإنما يعقد الأبد الأبد.
وقال أبو حنيفة: إذا بلغ يثبت للابن الخيار؛ وهذا غلط لأنه عقد عليه قبل أن يملك التصرف فيه بنفسه فلا يثبت له الخيار ببلوغه وعلى ما ذكرنا إذا آجر ملكه ثم بلغ هل تبطل الإجارةً أو لا؟ وحكم الوصي والقيّم من جهةُ الحاكم حكم الأب سواء.
فرع آخر
إذا آجر الحر نفسه ثم مات بطلت الإجارةً بلا خلافٍ لتلف المعقود عليه لا لموت العاقد.
فرع آخر
لو آجر عبده ثم أعتقه قبل انقضاء مدةَ الإجارةً نفذ العتق ولم بطل الإجارةً ولا خيار للعبد في فسخه لأن العقد وقع لازمًا فلا يملك إبطاله بالعتق ويفارق أم الولد إذا أعتقت بموت السيد تبطل الإجارةً عليها لأنه بالعتق ملك نفسه بتمليك السيد له فاختص بما كان على ملك السيد وأم الولد تملك نفسها بموت السيد من غير تمليكه فكان الملك على عمومه وخرج ابن سريج فيه قولًا آخر أنه تبطل الإجارةً بالعتق وهذا غريب لا يعرف للشافعي ما يدل عليه، وقال أبو حنيفة: لا تبطل الإجارةً ولكن للعبد الخيار إن شاء أجازها وإن شاء فسخها كالأمةُ إذا عتقت تحت زوج عبدٍ لها الخيار وهذا غلط؛ لما ذكرنا والخيار في النكاح يثبت لنقص الزوج بالرق وهي لم ترض به وقت العقد وها هنا لا يوجد هذا المعنى [195/ ب].
فرع آخر
إذا أعتقه وبقي في الإجارةً هل يرجع على سيده بأجر مثله فيما بقي من مدةَ الإجارةً بعد العتق؟ قال في القديم: يرجع لأنه تستوفى منه المنفعةَ يسبب كان من السيد فرجع
الجزء: 7 - الصفحة: 149
بها عليه كما لو أكرهه على عمل، وقال في الجديد: لا يرجع بشيءٍ لأنه تصرف في منافعه تصرفًا كان له فإذا طرأت الحريةً لا يملك الرجوع عليه كما لو زوجها واستقر مهرها بالدخول ثم أعتقها ويخالف المكره لأنه تعدى بالإكراه عليه ولا يختلف المذهب أن السيد لو مات فأعتقه الوارث لا يرجع على الوارث بشيء.
فرع آخر
إذا آجر الدار من وارثه ثم مات وورثها بطلت الإجارةً كما لو تزوج أمةً ثم ورثها بطل نكاحها لأن كل واحدٍ منهما عقد على منفعةً وهذا اختيار ابن الحداد والقاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: لا تبطل الإجارةَ لأن الملك لا يبطل الإجارةً لأن الملك لا ينافي الإجارةً، ألا ترى أنه يجوز أن يؤاجر ملكه من رجل ثم يستأجر من مستأجره ويصح وفائدةُ هذا أنه لو وجد بها عيبًا بعد الشراء له أن يمسكها بحكم الإجارة على هذا الوجه.
فرع اخر
إذا قلتا: تبطل الإجارةً إذا ورثها رجع بالأجرةً في تركته إن لم تكن مضت المدةَ، فإن كان هناك غرماء يضار بهم في التركةً وإن مضى بعض المدةَ يرجع لما بقي.
فرع آخر
إذا آجر داره مدةً ثم باعها، فإن كانت الإجارة فاسدةً صح البيع لأنه لا يملك المكتري منافعها، وإن كانت الإجارةَ صحيحةً فباعها من المستأجر جاز لأنه ليس دونه حائل وعقد الإجارةً بحاله في أحد الوجهين وتحدث المنافع في ملك المكتري بعقد الإجارةَ إلى انقضاء المدةً فإذا انقضت المدة صارت حادثًا بحكم الملك فلو انهدمت الدار أو تلف العبد في مدةَ الإجارةَ انفسخت الإجارة واسترجع الأجرةً ولا يؤثر ذلك في البيع لأنهما عقدان فلم يؤثر فساد أحدهما [160/ أ] في الآخر والوجه الثاني أنه تبطل الإجارةً ويرجع بالأجرةً كما قلنا إذا ورثها وانفسخت الإجارةً، وقال ابن الحداد: إذا اشترى لا يرجع بالأجرة ًكما قلنا: إذا ورثها لما بقي على البائع لأنه باختيار، أبطل الكراء بخلاف ما إذا ورث وشبه هذا بما لو تزوج بجاريةً أبيه ثم مات الأب بعد قبض مهرها قبل دخوله بها رجع بالمهر الذي دفع لأن بطلان النكاح حصل لا بفعله ولو تزوج أمةً أجنبي ثم اشتراها قبل الدخول بها يلزمه نصف المهر كما لو طلق قبل الدخول، فإن قيل: إذا حكم بانفساخ العقد بالملك فهلا جعل له الرجوع على البائع بالأجرةً؟ قلنا: قال القاضي الطبري: عندي أنه لما اشتراها وهو مستحق لمنفعتها فقد أخذ منه من الثمن فحصل له في مقابلة ما أخذ منه من الأجرةً نقصان الثمن فلم يجز أن يرجع بالأجرةَ وعندي في هذا نظر لأنه يؤدي إلى جهالةُ الثمن وهي تبطل البيع.
فرع آخر
لو وجد بالدار عيبًا فردها وفسخ البيع قال ابن الحداد: لم يرجع بشيء دون الثمن
الجزء: 7 - الصفحة: 150
وهذا على أصله أن الإجارةً بطلت وشك الأجرةَ والرد بالعيب قطع للملك من حين الرد وإذا قلنا: لا تبطل الإجارةَ يستوفي المنابع في بقيةً مدةَ الإجارة بحكم الإجارةً، وقال ابن الحداد: ولو انهدمت الدار بعد الشراء لم يرجع بشيء وهذا على أصله صحيح.
فرع آخر
لو باعها بعدما آجرها من غير المستأجر لا تبطل الإجارة وهل يصح البيع؟ قولان أحدهما: يصح البيع ويملكها المشتري مسلوبةً المنفعةً، فإن كان المشتري عالمًا بالإجارةً لا خيار له، وإن كان جاهلًا بها له الخيار في فسخ البيع لأن الإجارةَ تمنعه من استيفاء منافعها والمنافع مقصودةً البيع وبه قال مالك وهو الأصح؛ وهذا لأن الإجارةَ عقد على المنفعةً والبيع عقد على الرقبةً فلم يتنافيا كما لو زوج أمته ثم باعها،
والثاني: لا يصح البيع لأن يد [10/ ب] المستأجر حائلةُ بينه وبينها فهو كبيع المغصوب، وقال أبو حنيفة: البيع يتوقف على إجازةُ المستأجر فإن أجازه جاز وبطلت الإجارةً وان رد البيع بطل وبقيت الإجارةً.
فرع آخر
إذا قلنا: يصح البيع فوجد المستأجر بها عيبًا ففسخ الإجارة قال ابن الحداد رجعت المنافع إلى صاحب الرقبةً لأن المنفعةُ تابعةً للرقبةً وإنما استحقت بعقد الإجارة فإذا زالت الإجارةً عادت إليه كما نقول في الأمة المزوجةً إذا طلقها زوجها رجع البضع إلى مالك الرقبة، وقال بعض أصحابنا: هذا غلط بل ترجع المنفعةً إلى البائع لأن المشتري ملك الرقبةً مسلوبةً المنفعةً تلك المدة بالبيع فلا يرجع إليه ما لم يملكه ولأن البائع استحق عوضها على المستأجر فإذا سقط العوض عاد المعوض إليه وعلى هذا قال القاضي الطبري: يجوز أن يبيع عينًا وتستثنى منفعتها مدةً وهذا التخريج خلاف مذهب الشافعي وقيل: في هذا وجهان تخريجًا مما قال أصحابنا ها هنا فإذا قلنا: يرجع إلى البائع له أن يحبسها عن المشتري حتى يمضي تمام المدةً أو يؤاجرها أو يعيرها بقيةً المدةً وهذا أصح وأظهر.
فرع آخر
إذا استأجر رجل من أبيه دارا ثم مات الأب وله ابنان أحدهما: المستأجر ابن الحداد: انفسخت الإجارةً في نصف الدار الذي ورثه المستأجر ويرجع على أخيه بنصف أجرةً ما انتقض من حصته وهذا مبني على ما اختار من بطلان الإجارةً بملكه العين فلما ورث النصف انتقض فيه الإجارةً وبقيت الإجارة في النصف الذي ورثه أخوه فقط ما استحقه من الأجرةً لأن ذلك يجب عليه ويرجع على أخيه شصقها، ومن أصحابنا من قال: لا يرجع على أخيه بشيء لأنه لم ينتقض الإجارةً في النصف الذي لأخيه، وقال القاضي الطبري: [161/ أ] ما قاله ابن الحداد صح لأن ما استحقه بفسخ
الجزء: 7 - الصفحة: 151
الإجارة دين على الأب فيجب أن يكون في تركته وهي بينهما، ومن أصحابنا من قال: لا يصح ما ذكره ابن الحداد لأنه إذا جعل ما انفسخ العقد فيه من الأجرةً بينهما فقد ملك المستأجر بميراثه نصف الدار بمنفعته ويرث الآخر نصف الدار المسلوب المنفعةً والأولى من هذا أن يقوم نصيب أحدهما بمنفعته ويقوم نصيب الآخر مسلوب المنفعةَ ويكون له من التركةً ما بين القيمتين ويكون للمستأجر نصف المسمى من التركةً.
مسألة: قال: "وإنْ تكاري دابةً من مكة إلى بطن مرَّ فتعدي بها إلي عسفانَ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اكترى دابةً ثم جاوز بها ذلك الموضع والشافعي صور ذلك في عسفان ومرَّ وعسفان قريةً من مكةً إليها مرحلتان ومر من مكةً إليها أرع فراسخ والكلام فيه في فصلين أحدهما: فيما يلزمه من الأجرةً، والثاني: فيما يلزمه من الضمان فأما الأجرةَ لما بلغ الموضع الذي استأجره إليه استقرت الأجرةً المسماةً لأن عدوانه لا يفسخ العقد حتى يسقط المسمى ويلزمه أجر المثل للزيادةً لأنه تعدى بها وصار كالغاصب فيها كما لو اكترى دارًا من رجل بعشرةً فسكنها شهرين يلزمه للشهر الأول الأجرة المسماةً وللشهر الثاني أجرةَ المثل ويفارق هذا إذا اكترى أرضا ليزرعها حنطة نزرعها ما ضرره أكثر من ضرر الحنطة لزمته أجرة المثل للكل في أحد القولين لأنه ابتدأ ها هنا بالتعدي من أول فعله إلى آخره فلا اعتبار بالمسمى ولزمته أجرة المثل وها هنا استوفى المستحق ثم زاد بالتعدي وهذه الزيادة متميزةً عن المستحق فلا تؤثر في المسمى بل يلزم ذلك وللزيادةً يلزم أجر المثل، وأما الضمان ينظر، فإن تلفت قبل أن جاوز بها الموضع فلا ضمان لأنها أمانةً في يده وإن تلفت بعد مجاوزةُ الموضع المأذون ينظر، فإن لم تكن [161/ ب] يد صاحبها عليها فقد تعدى بالمجاورةً وضمنها وكان حكمه فيها حكم الغاصب فعليه أكثر ما كانت قيمتها من حين جاوز بها إلى أن تلفت فإن ردها إلى ذلك الموضع المأذون لم يسقط الضمان خلافًا لمحمد وزفر ووافقنا فيه أبو حنيفةَ وأبو يوسف، فإن كان معها صاحبها فإنها في يد صاحبها ولم تبثا يد الراكب عليها ولا يجب ضمانها باليد وإنما يجب ضمانها عليه بالجناية وهي الركوب إلا أن الركوب إلى الموضع المأذون ليس بجنايةً لأنه مأذون له فيه وما بعد ذلك جنايةً فإذا تلفت نظر، فإن تلفت في حالةُ الاستراحةً للعلف والسقي ونحو ذلك فلا ضمان عليه لأنها في يد صاحبها ولا صنعةً للمكتري فيها في هذه الحالةً وهو كما لو ساق جملًا عليه صاحبه نائم لا يضمنه لأن يد صاحبه عليه وإن تلفت في حال السير ضمن لأن الركوب جنايةً منه عليها والظاهر أن تلفها من الركوب.
الجزء: 7 - الصفحة: 152
فإن قيل: هلا قلتم أن صاحبها لما شاهده راكبا ولم ينكر رضي بسقوط حقه قلنا: السكوت في مثل هذا لا يجعل إذنًا كما لو خرق ثوبه وهو ساكت وإذا ضمنها لا يلزمه كل الضمان وفى مقدار ما يلزمه قولان أحدهما: يضمن نصف القيمةَ لأن تلفها كان بالإعياء في مسافتين مباحةً غير مضمونةً ومحظورةً مضمونةً فقسمت القيمةَ عليها نصفين، والثاني: يقسط القيمةً على قدر المسافتين في الطول والقصر فيسقط عنه من القيمةَ قدر ما قابل مسافةَ الإجارةً وأصل هذين القولين الجلاد إذا أمر أن يجلد ثمانين سوطًا فجلده أحدًا وثمانين كم يضمن قولان معروفان أحدهما: يضمن النصف، والثاني: يسقط على عدد السياط، وإن كان نقص قيمتها بالركوب فما قابل المباح منه لم يضمنه وما قابل المحظور منه ضمنه سواء كان صاحبها معها أو لا لأنه ضمان جنايته.
وقال أبو حنيفة: لا تلزم الأجرةً لزيادةَ المسافةً بناءً على أصله لا تضمن [162/ أ] المنافع بالغصب، وحكي عن مالك أنه قال: إن جاوز بها إلى مسافةٍ بعيدةٍ مثل إن اكتراها إلى واسط فحملها إلى البصرةً فصاحبها بالخيار بين أن يطالبه بأجرةً المثل وبين أن يطالبه بقيمتها يوم التعدي لأنه مانع مالكه عن أسواقها وهذا غلط لأن العين باقيةً بحالها فلا يكون لصاحبها المطالبةَ بالقيمةً كما لو كانت المسافةَ قريبةً.
لو اكتراها إلى موضع ذاهبًا وجاثيًا مغل إن قال: احملها إلى مر الظهران وارجع إلى مكةً فجاوز بها إلى عسفان، فإن كان الطريق بين مرّ وعسفان كالطريق بين مكةً وبين مرّ في السهولةً والأمن والقدر لم يصر ضامنًا بالخروج من مرٍ نقول: هو ذا يستوفي ما استحق استيفاؤه في الرجوع إلى مكةً فإذا مضى القدر الذي لو رجع إلى مكةً وصل إليها انقضى زمان استحقاقه فإن وجد هناك المالك أو وكيله ورد عليه لا يضمن النقص الذي دخله ولا شيء عليه لأن لم يرد فالآن دخل في ضمانه ولا أجرةً عليه في الحالين إلى الآن هما يلزمه الأجرةً بعد هذا لو أمسك، وإن كان الطريق أخوف أو أكثر حزونةً فهو متعدٍ فيما فعل فهو كما لو استأجر بيتًا ليسكنه فأسكنه الحدادين على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.
فرع آخر
لو اكترى دابةً ليركبها إلى موضع فركبها إلى موضع آخر من ناحيةٍ أخرى، فإن كان الطريقان في المسافةً والحزونةً والسهولة واحدًا فلا ضمان عليه، وإن كان مخالفًا له في هذا ضمن من حين ابتداء ملوك هذا الطريق.
فرع آخر
لو اكترى دابةً ليحمل عليها مائة منًا قطنًا فحمل عليها الحديد آو ليحمل عليها الحديد فحمل القطن فهلكت ضمنها وكم يضمن الأجرةً؟ فيه قولان أحدهما: أجرةً
الجزء: 7 - الصفحة: 153
المثل عن الكل ويسقط المسمى لأن التعدي لا يتميز وهو الأصح، والثاني: يستقر المسمى ويجب أجر المثل في الزيادةً كما قلنا في التعدي في المسافةً.
مسألة: قال: [162/ ب] "وله أن يؤاجر داره وعبده ثلاثين سنةً".
الفصل
وهذا كما قال: قد ذكرنا فيما تقدم أن الأصح جواز الإجارةً وإن طالت المدةً بعدها يكون الغالب بقاء الشيء المستأجر فيها حتى لو كانت أرضا تجوز ألف سنةً وأكثر، وإن كانت دارًا روعي فيها مدةً يبقى فيها بناؤها في الغالب، وقال في كتاب المزارعةً ولو أكرى الأراضي عشر سنين بمائةً لم يجز حتى يسمى لكل سنة شيئًا معلومًا، وقال أبو إسحاق: للشافعي قول آخر لا يجوز إلا سنةً واحدةً ونقله القاضي أبو حامد عن الشافعي ولم يبين الموضع الذي قال فيه هذا القول والظاهر أنه هو الذي قال في كتاب المزارعةً: ولا يجوز الكراء إلا على سنةٍ معروفةٍ وقيل: نص عليه في موضعٍ من الإجارات، وقال في الدعوى والبينات: يجوز ما شاء فخرج من هذا إنها على قولين أحدهما: لا تجوز أكثر من سنةً لأن الإجارةً غرر وجوزت للحاجةَ والضرورةً والحاجةً لا تدعو إلى أكثر من سنةً لأن في سنةٍ واحدةً تتكامل منافع جميع الأشياء فلا تجوز الزيادةً عليها، والثاني: تجوز أكثر من سنةٍ فإذا قلنا بهذا فا لمذهب أنه لا يتقدر بثلاثين سنةً وقول الشافعي ثلاثين سنةً لم يقصد به التحديد بل أراد أن يبين أنها تجوز سنين كثيرة وهذا كما قال في كتاب المزارعة: ولو أكرى الأرض عشر سنين ولم يقصد به التحديد.
ومن أصحابنا من قال: تقدر بثلاثين سنةً لأن هذه المدةَ نصف العمر والأشياء تتغير في أكثر منها فحصل ثلاثةَ أقوال أحدها: سنةٍ، والثاني: ثلاثون سنةٍ، والثالث: ما شاء على حسب بقاء الشيء وقيل: فيه قولان وقوله ثلاثين سنةً ليس بقول آخر وتأويله ما ذكرنا، وحكي عن مالك أنه قال: تجوز الإجارةً إلى خمس سنين أو ست سنين ولا تجوز الزيادةً عليها.
فرع
إذا قلنا: لا تجوز أكثر من سنةٍ لا يجب أن يبين قسط كل شهر من الأجرة قولًا واحدًا وإذا قلنا: يجوز أكثر من سنةٍ هل يحتاج إلى بيان القسط كل سنةٍ من الأجرة [163/ أ] قولان أحدهما: لا يحتاج كما قلنا في الشهور، والثاني: يلزم بيان ذلك كما قال في المزارعةَ وهذا اختيار أبي حامد وهذا لترددها بين السلامةً والعطب وأجور السنين تختلف في الغالب فيتعذر معرفةُ القسط والشهور تتماثل غالبًا فلا يلزم التقسيط هناك وهذا أصح وهو كما لا يجب بيان ما يخص كل عين من الثمن إذا جمعت الصفقةَ
الجزء: 7 - الصفحة: 154
أعيانًا كثيرةً والفتوى على هذا والاحتياط أن يذكر القسط وأن لا تزيد الإجارةً على ثلاث سنين خاصةً في الأوقات فإن قسط وسلم العقد حتى انتهت المدةً فلا كلام وإن بطل العقد بهلاك المكري أو بغير ذلك كان التقسيط على ما شرطه في العقد وهكذا إذا ذكر قسط كل شهرٍ وإذا قلنا: لا يجوز أكثر من سنةٍ فآجر ثلاث سنين فسدت الإجارةَ فيما زاد على السنةً وفي مقدار السنةَ قولان بناءً على تفريق الصفقةَ فإذا قلنا: يجوز هل يجوز بيجميع الأجرةَ أو بحصتها؟ قولان.
فرع آخر
إذا اكترى شيئًا جاز له أن يكريه في الجملةً لأنه ملك منافعها بعقد معاوضةً فجاز له أن ينقلها إلى غيره ثم ينظر، فإن كان قد قبض الدار المكتراةَ جاز أن يكريها ممن شاء لأنه قبض المعقود عليه، وإن لم يكن قبض الدار نظر، فإن أكراها من غير المكري المذهب أنه لا يجوز لأنه ملك المنفعةَ يغير معاوضةً فلا يجوز التصرف فيها قبل القبض كالبيع وبهذا قال أبو حنيفةً، وقال ابن سريج: فيه وجه آخر أنه يجوز لأنه لا أثر لقبض الدار في المنافع لأنها لو قبضها ثم انهدمت كان تلفها من ضمان المكري كما لو تلفت قبل قبض الدار فلا يقف جواز التصرف في المناع على قبض الدار وهذا لا يصح لأن للقبض فيها تأثير فإن المنافع لو تلفت بعد قبض المستأجر الدار كانت من ضمانه ويتقرر عليه الأجرةَ بمضي الزمان وقيل: هذان الوجهان بيان على الوجهين أن الإجارةَ تناولت العين لا تجوز إجارتها قبل القبض وإن قلنا: لاستيفاء المنفعةَ منها أو تناولت المنفعةَ فإن قلنا: تناولت العين [163/ ب] لا تجوز إجارتها قبل القبض فإن قلنا: تتناول المنفعةَ تجوز إجارتها قبل القبض وإن أكراها من المكري فإن قلنا: يجوز من غير المكري فلا يجوز من المكري أولى وإن قلنا هناك: لا يجوز فهاهنا وجهان ذكرهما أبو حامد أحدهما: يجوز ها هنا، والفرق أن الدار مقبوضةً له فجاز إجارتها منه بخلاف غيره وهو كبيع المبيع قبل القبض يجوز من البائع في أحد الوجهين ولا يجوز من غيره وجهًا واحدًا.
فرع آخر
لا يجوز أن يؤاجره دارًا على أن يسكنها بل يقول ليسكنها ولا يجوز أن يقول: وحدك ذكره بعض أصحابنا وعلى هذا لو قال: آجرتك هذه الأرض على أن تغرس ولا تنبئ لا يجوز.
فرع آخر
قد ذكرنا أنه يجوز أن يؤاجرها المستأجر من مؤجرها بعد القبض وهو المنصوص، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجوز، وقال أبو حنيفة: لأنه يؤدي إلى أن يملك منفعةً ملكه لا يحكم ملكه للأصل بل بحكم الإجارةً وهذا محال كما لا يجوز أن يتزوج بأمتهِ ولأنه يؤدي إلى أن يكون الضمان في
الجزء: 7 - الصفحة: 155
تلك المنافع له وعليه في حالةٍ واحدةٍ لأن الدار لا تخرج عن ضمان الآجر بالتسليم بل بانقضاء المدة يزول عنه الضمان وقيل: هذان الوجهان مبنيان على الوجهين في المنافع هل تحدث على ملك المؤجر أو على ملك المستأجر فإن قلنا: تحدث على ملك المؤجر لم يجز وإن قلنا بالآخر يجوز وأشار الشافعي إلى هذا في كتاب الرهن.
فرع آخر
يجوز له أن يؤاجر بما شاء من الأجرةَ زاد على الأجرةَ الأولى أو نقص عنها، وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يؤاجرها بزيادةً إلا أن يكون أحدث فيها عمارةً فيجوز بالزيادةً لتكون الزيادةَ بمقابلةُ العمارة ولو آجر بأكثر قبل العمارةً لا تطيب له الزيادةً فتصدق بها وهذا غلط؛ لأن من ملك كراء الدار لنفسه لم ينحصر عليه مقدار الكراء كما لو أحدث فيها عمارةً.
فرع آخر
خيار المجلس هل يثبت في الإجارةً؟ قد ذكرنا وجهين فإذا قلنا: يثبت [164/ أ] فأجرها المؤجر من غيره في المجلس تصح الإجارة الثانية وكانت فسخًا للأولى، ومن أصحابنا من قال: تنفسخ الأولى ولا تصح الثانية لئلا يصير الفعل الواحد فسخًا وعقدا لتنافيهما والمذهب الأول لأن استقرار العقد الثاني يوجب فسخ الأول بالتأهب للثاني وإذا قلنا: لا يثبت فيه خيار المجلس فآجرها المؤجر لا يجوز بلا خلاف.
فرع آخر
لو أكرى داره سنةً ثم أكراها سنةً أخرى بعد هذه السنةُ من غير المكتري لا يجوز قولًا واحدًا وهكذا لو كان في شعبان فقال لرجل: آجرتك هذه الدار من أول رمضان لم يجز، وقال أبو حنيفة: يجوز وهذا غلط لأنه عقد معاوضةً على معين شرط فيه تأخير التسليم فلم يجز كما لو باع عينًا على أن يسلمها بعد أيام.
فرع آخر
لو أكراها ثانيًا من المكتري قبل مضي المدةَ الأولى نص الشافعي على جوازه لأن اليد له وسكناه في السنتين متصلةً وقيل.
نص عليه في الرهن الكبير، ومن أصحابنا من قال: فيه قول آخر لا يجوز كما لا يجوز من غيره وهذا غلط والفرق ظاهر وقيل: في المسألةَ قولان والأقيس أنه لا يجوز ونظير هذه المسألةً بيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقًا من غير مالك النخلةَ لا يجوز ومن مالك النخلة وجهان.
فرع آخر
لو استأجر دارًا سنةٍ بغير عينها أو شهرًا بغير عينه لم يجز حتى تكون السنة معلومةً والشهر معلومًا وهو أن يقول: آجرتك من هذا الوقت شهرًا أو سنة ولو قال: بعتك قفيزًا من هذا الصبرةَ جاز، والفرق أنه لو قال: بعتك قفيزًا من قفزان هذه الصيرةَ جاز ولو قال: آجرتك شهرًا من شهور هذه السنة لم يجز.
الجزء: 7 - الصفحة: 156
فرع آخر
لو آجر نصف داره أو كانت بينه وبين شريكه فآجر نصيبه منها صحت الإجارة وبه قال مالك، وقال أبو حنيفةَ: يجوز مع الشريك ولا يجوز مع غيره، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز أصلًا، وروي عنهما مثل قولنا وهذا غلط قياسًا [164/ ب] على ما لو أجره من شريكه.
فرع آخر
يجوز أن يؤجر دارًا لمنفعة دار أخرى، وقال أبو حنيفة: لا يجوز بناءً على أصله أن الجنس الواحد بانفراده محرم النساء وهذا غلط لأنهما منفعتان يجوز إجارتهما فجاز استئجار أحديهما بالأخرى كمنفعةُ الدار والعبد.
فرع آخر
إذا آجر جميع داره من رجلين بعقدٍ واحدٍ يجوز وبملك كل واحدٍ منهما نصف السكنى مشاعًا فيسكنان جميعًا كالمالكين.
فرع آخر
إذا آجر داره يلزمه تسليم المفتاح إلى المستأجر لأنه من التمكين من منافعها فإن ضاع المفتاح فعليه البدل لأنه بمنزلةُ الآلةَ ولو انكسر شيء من آلةَ الدار أو انقلع يلزمه الإبدال كذلك هذا ولا نعني باللزوم أنه يجبر عليه؛ بل نعني به أنه إذا لم يفعل يثبت للمكتري الخيار إذا كان ذلك ينقص من الانتفاع وإنما يلزم الإبدال لأنه لو آجر خشبةً واحدةً فانكسرت لا يلزمه إبدالها فكذلك الخشبةَ في الدار فأما إذا لم يحتج إلى الإبدال بل يحتاج إلى الإصلاح بأن يعمد بعماد ونحو ذلك يلزمه ذلك ذكره القفال وهو الصحيح.
فرع آخر
إذا أعتق العبد المؤجر وبقيت الإجارةً وقلنا: لا يرجع على السيد بشيء ففي نفقته وجهان أحدهما: على سيده استبقاء لما تقدم من حكم الإجارةَ والنفقةً، والثاني: في بيت المال من سهم المصالح لأن ذلك من جملتها ذكره في "الحاوي".
فرع آخر
لو آجر دارًا ثم وقفها صح الوقف والإجارةً بحالها ولا يرجع من وقفت عليه بشيء من أجرة مدة الإجارة قولًا واحدًا واختص الوقف بها إلى انقضاء المدة لأن الوقف مقصور الحكم على شروط واقفةً بخلاف العتق.
فرع آخر
لو آجر عبده ثم كاتبه بطلت الكتابةً لأنه لا يملك بها منافع نفسه لما تقدم من إجارته.
الجزء: 7 - الصفحة: 157
فرع آخر
لو استأجر دارُا فوجد ماء بئرها متغيرًا قال أبو حنيفة: إن استطيع الوضوء به لا خيار وعندنا إن خالف [165/ أ] مقصود آبار تلك الناحيةَ له الخيار، وإن كان معهودهم الشرب من آبارهم وتغيره يمنع من شربه فله الخيار وإن أمكن الوضوء به، وإن كان معهودهم أن لا يشربوا منها فلا خيار إلا أن يستطاع الوضوء منها.
فرع آخر
لو نقص ماء البئر، فإن كان معهودًا في وقته فلا خيار، وإن كان غير معهودٍ في ذك الوقت، فإن كان مع نقصانه كافيًا لما يحتاج إليه المستأجر من شرب أو طهور لا خيار، وان كان مقصرًا فله الخيار.
فرع آخر
إذا تغير ماء الرحا لا خيار لأنه لا يؤثر في عمله ولو نقص فله الخيار إلا أن يكون معهودًا في وقته فلا خيار فيه.
باب كراء الإبل
مسألة: قال: "وكراءُ الإبلِ جائز للمحامل والزوامل".
الفصل
وهذا كما قال: كراء الإبل والبهائم جائز بدليل قوله تعالى ﴿َيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنه: ابتغاء الفضل الحج وإكراء الجمال ولأن الحاجةَ داعيةً إلى إجارتها كسائر الأشياء فجاز إجارتها، فإذا تقرر هذا فا لبهائم تكترى لأحد ثلاثةَ أشياء للركوب والحمل والعمل لأن كل ذلك منفعةً معقولًا من عين معروفةً فإذا اكترى بها للركوب لا بد من أن تكون البهيمةَ معلوفةً إما بالمشاهدةَ أو الصفةً فإن شاهدها جاز وإن وصفها فلا بد من ثلاثةَ أشياء ذكر الجنس إبل أو خيل أو بغل أو حمار وذكر النوع فيصف أنواع الإبل من عراب أو بخاتي وفي الخيل يذكر العربي وغيره وذكر الصفةَ وهى ذكورته وأنوثته لأن الأنثى أوطأ سيرًا وأسهل مشيًا والذكر أحسن سيرًا والأغراض تختلف بجميع ما ذكرنا.
وقال في "الحاوي": لو ذكر له جنس المركوب ولم يذكر نوعه ولا صفته جاز؛ لأن تأثير ذلك في القيم وهذا غريب وينظر الجمال إلى الراكب حتى يصير معلومًا واحدًا [165/ ب] كان أو اثنين ولا يمكن معرفةُ الراكب بالصفةً فتحتاج إلى المشاهدةً، وقال القفال: إن ذكر راكبًا وزنه كذا جاز وحكي أصحاب مالك عنه أنه يجوز الإطلاق في ذلك لأن أجسام الناس متقاربةً في الغالب وهذا لا يصح لأن الرجال يختلفون في الطول والثقل ويتفاوتون تفاوتًا متباينًا فلا يجوز الإطلاق ثم إن كان يركب من غير شيء
الجزء: 7 - الصفحة: 158
لا يحتاج إلى ذكر ما يركب عليه فيركبه المكري على قتب أو زاملةٍ أو سرج أو ما شاء والزاملةٍ أن يشد عليه المتاع والزاد والماء ثم يركب فوقه من غير محمر، وإن كان يركب على محمل أو عمارية أو غير ذلك فلا بد من أن يكون معلوماً وإنما يصير معلوما بالمشاهدة فأما بالصفة فلا يمكن بطها لأنها تختلف وتتباين.
وقال ابن أبي هريرة؛ يصير معلوما بالصفة ويصح العقد عليه، وقال أبو إسحاق: إنما لا يمكن ضبط المحامل الخراسانيةَ الثقال فأما البغداديةَ الخفاف يمكن ضبطها لأنها لا تتفاوت تفاوتًا كثيرًا وكذلك محامل خوارزم وهذا لا يصح لأن الكل يختلف ولا يمكن ضبطها هكذا ذكره أبو حامد واختار القفال ما ذكره أبو إسحاق وحصل ثلاثةَ أوجه ولا بد من أن يذكر مكشوفًا أو مغطى فإن ذكر مغطى فالأحوط أن يذكر ما يغطى به فإن لم يذكر ذلك جاز وغطاء على ما جرت به العادةَ من اللبد أو النطع وهذا لأنه لا يختلف اختلافًا متباينًا بل يتقارب ذلك وإن شرط شيئًا من هذا تعين ما شرطه.
ومن أصحابنا من قال: يحتاج إلى مشاهدةُ الغطاء وطرف المحمل والظل أيضًا وهو ظاهر المختصر لأن ذلك يختلف والظلل التي يستظل بها ربما تكون مضاعفةً فتثقل وربما لا تكون مضاعفةً فتخف وينظر أيضًا إلى قدر ارتفاع الظل الذي على الكنيسةً فإنه كلما ارتفع كان أضر بالحمل وكلام القاضي الطبري يدل على هذا وهذا أصح عندي [166/ أ]، ومن أصحابنا من خرج قولًا آخر أنه لا يحتاج إلى مشاهدةً المحمل أيضًا لأنه يتبع الراكب أو الحمل فتكفي كون المتبوع معلومًا وهذا ليس بشيء قال أصحابنا: ولو ذكر محملًا أو مركبًا أو زاملةً واستقصى في الوصف حتى تصير الصفةُ معلومةً قامت الصفةً المحيطةً بالموصوف مقام المعاينةَ وكذا حكم الظروف لأن القصد من المشاهدة أن يصير معلومًا وأما المعاليق وهو السفرةً والسطيحةً والمسينةً والكساء والزليةً والزنبيل ونحو ذلك قال الشافعي: القياس أنه لا بد من معرفتها يعنى رؤيتها ومشاهدتها ولو قيل: يجوز إطلاقها ويحمل على العادة فيها جاز فاختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم من قال: لابد من مشاهدتها وهو اختيار أبي حامد لأنها تختلف وتتباين فربما كثر وربما قبل وذاك الآخر حكايةً مذهب مالك ولهذا ذكر أن القياس هذا ولا يجوز على قوله ترك القياس إلى الاستحسان.
وقال غيره: في المسألةُ قولان أحدهما: ما ذكرنا، والثاني: يجوز ويحمل على العرف في مثله قدر ما يراه الناس وسطاً والصحيح الأول ولو أركبه حطمًا وهو المنكسر أو فحمًا وهو الهرم أو ضرعًا وهو الضعيف الصغير له الرد وأما صفةُ مشيه، فإن كان مما لا يختلف مشي جنسه كالبغال والحمير والإبل لم يحتج إلى ذكره، وإن كان مما يختلف كالخيل وصف مشي المركوب من مهملجٍ أو قطوفٍ فإن أخل بذلك فيه وجهان: أحدهما: يصح وركب الأغلب من خيل الناس، والثاني: يبطل لما فيه من التباين واختلاف الأغراض ولو أكرى حمولةً لا يحتاج إلى ذكر جنس البهيمةَ والنوع لأنه لا غرض فيه وإنما الغرض تحصيل الحمولةَ في ذلك الموضع فعلى أي وجه حصلها جاز
الجزء: 7 - الصفحة: 159
ويخالف إذا اكتراها للركوب فإن الغرض يختلف فيما يركبه الإنسان فلم يكن بد من أن يكون المركوب معلومًا و [166/ ب] الحُمولةً بضم الحاء الأحمال وأحدها حمل والحَمولةً بفتح الحاء الإبل العظام الأجسام الني يحمل عليها قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: (142)] والفرش الصغار ولا بد ها هنا من ذكر وزن الحمولةً وجنسه فإنه يختلف ضرورةً فيختص الحديد بالضرر لاجتماع ثقله من موضع واحي ويختص ضرر القطن بتجافيه وأخذه لجميع بدن الجمل وغير ذلك فلا بد س بيانه لأجل ذلك أو يذكر الكيل إن لم يذكر الوزن، وقال بعض أصحابنا: إن ذكر وزنه ولم يذكر جنسه جاز وكأن المكري رضي بأعظم الأمتعة ضررًا، وهذا صحيح إذا قال: احمل ما شئت بهذا الوزن، وإن لم يذكر الوزن ولا الجنس ولكن رآها المكري جاز وإن رآه المكري في وعاء ولم يعرف وزنه فرفعه بيده هكذا ليعرف قدر نقله على القارب جاز وإن لم يعرف جنسه لأن قصده معرفة الثقل والخفة لا الجنس وإن لم يعرفه بيده ولكن رآه في وعاء مملوءًا لم يجز لأنه قد يملأ حديدا وقد يملأ تبنًآ وفيه قول آخر لا تكفي المشاهدةً حتى يكون معلوم القدر والوزن عندهما مع المشاهدةً تخريجًا من رأس المال في السلم هل يجوز أن يكون جزافًا أم لا لأن عقد الإجارةَ لا ينبرم كالسلم بخلاف البيع ذكره في "الحاوي".
فرع
الوعاء الذي يحمل فيه من الجوالق إن ذكر وزنه مع الوعاء لا يحتاج إلى ذكر الوعاء لأنه دخل في جملةَ الوزن وإن قال: تحمل لي كذا وكذا في وعائه فلا بد من أن يكون الوعاء معلومًا ولا يمكن معرفته إلا بالمشاهدةً فأما بالصفة فلا لأنه يختلف قال الشافعي: إلا أن يكون من غرائر الجبل التي لا تختلف فتحمل على ذلك إذا قال من غرائر الجبل فإنها تنسج على منوال واحد لا تختلف وإذا وصف بحيث لا يتفاوت [167/ أ] في المتفاوت فالحكم على ما ذكرت في المحمل.
فرع آخر
إذا اكتراها ليحمل تبنًا لا يجوز حمل الحديد بوزنه كذلك على العكس لما ذكرنا ولكن لو حمل مكان التبن صوفًا أو مكان الحديد رصاصًا أو مكان الحنطة شعيرًا فلا بأس به لأنه يتقارب.
فرع آخر
إذا اكترى بهيمةً للركوب لابد من أن يبين أنه يركبها على الإكاف أو السرج أو فوق الزاملةً فإن ذلك يتفاوت ويختلف الغرض فيه وتختلف الأجرةً بذلك في العادةٌ.
الجزء: 7 - الصفحة: 160
فرع آخر
إذا اكتراها للسقي يحتاج أن يذكر جنس البهيمة فيقول: ثورًا أو بغلاً أو بعيرًا لأنه يختلف فيحتاج إلى أن يكون الدولاب الذي استأجره لأجله معلومًا لأن الدواليب تختلف بالكبر والصغر وتحتاج أن يقدر ذلك بمدةٍ لأن تقدير العمل فيه لا يمكن.
فرع آخر
لو اكتراه للحرث يحتاج أن يذكر الجنس أيضًا لأنه يختلف ويذكر الأرض التي يعمل عليها لأنها تختلف بالصلابة والرخاوة ويقدر ذلك بالعمل فيقول: استأجرتك لتحرث هذه الأرض أو عشرة أجربة أو خمسة وإن لم تشاهدها ولا يقدر ذلك بمدة فإن قدر بمدةٍ بطل ولو اكتراه شهرًا للركب أو الحرث جاز وإن لم يذكر مقدار الأرض, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز تقديره بالمدة وليس بمشهورٍ وهكذا إذا اكترى شهرًا للركوب أو الحمل عليها على ما ذكرنا جاز وإن لم يذكر المسافة وإن ذكر المسافة فلا ينبغي أن يذكر المدة لأنه إذا جمع في العقد بينهما كثر الغرر.
فرع آخر
لو استأجر ظهرًا للدياس لابد من معرفة الجنس لأن العمل يختلف به ولو عين الزرع لم يفتقر إلى تعيين الحيوان الذي يداس به ولأنه لا غرض في تعيينه, وإن كان إلى مدةٍ لم يجز [167/ ب] إلا بالتعيين لأن العمل يختلف باختلافه.
فرع آخر
لو اكتراها ليركبها بسرج فضرب عليها إكافًا لم يجز لأن السرج أخف عليها ولو أبدل الإكاف بالسرج قال القفال: ولو اكتراها لحمل متاع فأبدل السرج بالإكاف يجوز إذا لم يكن أثقل من السرج ولو أبدل الإكاف بالسرج لم يجز وفي هذا نظر.
فرع آخر
إذا اكتراها ليركبها قال الشافعي: له أن يركبها بنفسه ولو أن يركب من هو في مثل حاله وليس له أن يركبها من هو أثقل منه, وقال أبو حنيفة: ليس له أن يركبها غيره كما لو اكترى دابة ليس للمكري أن يبدلها بغيره وهذا غلط, والفرق أن المكتري قد ملك استيفاء المنافع فله أن يستوفي بنفسه وبغيره وليس كذلك المكري لأن المكتري قد ملك عليه المنفعة المكتراة ومن ملك عليه فغيره شيئًا لم يكن له إبداله كما لو اشترى عبدًا ليس له إبداله.
فرع آخر
إذا اكتراها للركوب فكل ما كان للتمكين من الركوب فهو على المكري وكل ما كان للتوطئة والتمهيد فعلى المكتري فالخطام والمقود والقتب أو السرج أو الإكاف أو الإكاف أو الجوبة والبرذعة والبرة وهي التي تكون في أنف الجمل كلها على المكري
الجزء: 7 - الصفحة: 161
لأنه لا يتمكن من الركوب إلا بها فكل ذلك عليه وهذا لأنه يستوي السرج والإكاف على الظهر إلا بالرذعة ونحوها والمحمل والكنيسة وما يفرش فيهما والحبل الذي يشد به أحد المحملين إلى الآخر على المكتري.
فرع آخر
الأعمال على من تكون؟ ينظر فإن كانت رفع المحمل وحطه وشده على الجمل ورفع الأحمال وحطها فكلها على المكري, وإن كانت شد أحد المحملين بالآخر فيه وجهان أحدهما: يجب على المكري لأنه للتمكين من الركوب فهو كحطه ورفعه, والثاني: أنه على المكتري [168/ أ] لأنه من تمام آلته وما يوطأ به الركوب لنفسه.
فرع آخر
أجرة الدليل والسائق والقائد ينظر فيها, فإن كان اكترى بهيمةً بعينها فليس عليه غيرها وتجب أجرتهم على المكتري, وإن كان اكترى منه الركوب أو الحمولة في الذمة كان على المكتري حمله إلى الموضع المشروط وأجرة هؤلاء على المكري دون المكتري.
فرع آخر
إذا استأجر رجلاً ليصطاد له شهرًا بدينار صح وإذا اصطاد شيئًا كان للكنري ذكره ابن سريج.
فرع آخر
أذا جوزنا الاستئجار للاصطياد يحتاج إلى ثلاثة شروط ذكر جنس الجارح من فهدٍ أو نمرٍ أو كلب صقرٍ ولو عين الجارح بالعقد كان أولى وإن لم يعين جاز بعد وصفه بالتعليم, والثاني: ذكر ما يرسل عليه من الصيد من غزال أو ثعلب أو حمار وحشٍ لأن كل صيد من ذلك في أتعاب الجارح أثرًا, والثالث: أن يكون العمل معلوم القدر ولا يعلم ذلك إلا بتقدير الزمان.
فرع آخر
لو شرط إرساله على جنسٍ فأرسله على غيره جاز إذا كان مثله أو الأقرب, وإن كان أصعب صار متعديًا وضمن الخارج إن هلك.
مسألة: قال: " وإن اكترى إلى مكة فشرط سيرًا معلومًا فهو أصح".
وهذا كما قال: إذا شرط في الطريق سيراً معلوماً كل يوم كان أولي وأصح وأبعد من أن يتنازعا في مقدار السير وإن لم يشترط قال الشافعي: الذي أحفظ أن السير معلوم على المراحل لأنها الأغلب من سير الناس قال أصحابنا: إذا كان الطريق آمنًا جاز تقدير السير فيها في كل يوم ووجب الوفاء به وأيهما أراد المجاوزة أو التقصير عنه
الجزء: 7 - الصفحة: 162
لم يكن له فإن قال أحدهما: إني أقيم هذا اليوم هاهنا وأسير غدًا وأطوي مقدار ما أقمت لم يكن له وإن أطلقا ذلك, فإن كانت منازل الناس فيه معلومة حمل عليهما كما يحمل مطلق البيع على النقد المعروف, وإن كان الطريق مخوفًا لم يجز شرطه لأن السير ليس إلى اختيارهما.
وقال أبو إسحاق: هذا الذي ذكره الشافعي إنما [168/ ب] قال في وقتٍ كان للناس عرف وعادة يسيرون فيها ولا يجازون فأما اليوم فلا عرف ولا عادة فإن ذكر قدر السير كل يوم جاز وإن لم يذكر بطل, وقال أبو حامد: لا يحل أن يشترط السير الذي في وقتنا هذا لأن حملاً على البهائم ولو شرط سير هذه العادة بطل العقد.
فرع
لو تراضيا على المجاوزة عن المرحلة المعتادة كان ذلك لهما إذا كانت المجاوزة لا تعنف الدابة عنفًا يضر بها فيكون ذلك ممنوعًا بالشريعة ولا يجوز تحميلها وا لا طاقة لها بذلك.
فرع آخر
زمان السير هل يكون ليلاً أو نهارًا؟ فإن كان للطريق عرف وعادة حمل الإطلاق عليه وإن شرط فيه حمل على الشرط وإن أطلقا ولا عرف في زمان السير بطل.
فرع آخر
موضع النزول أين يكون؟ فإن كان له عرف حمل عليه, وإن لم يكن له عرف غالب فتارة ينزلون في جوف البلد وتارةً ينزلون خارجًا كان ذكره موضع النزول شرطًا ومتى اختلف إلى موضع النزول فقال المكتري: جوف البلد أصون لمالي, وقال المكري: خارج البلد أحوط لبهائمي قال المزني في "الجامع الكبير": قدمنا قول من العرف معه, وإن لم يكن عرف فلابد من الشرط فيحملان عليه على ما ذكرنا.
مسألة: قال: "فإن تكارى إبلاً بأعيانها ركبها".
الفصل
وهذا كما قال: لابد من أن يكون المركوب الذي استأجره للركوب معلومًا ويصير معلومًا بالمشاهدة أو بالصفة على ما ذكرنا فإن اكتراها ولم يرها فيه قولان أحدهما: لا يجوز, والثاني: يجوز ويثبت خيار الرؤية وبه قال أبو حنيفة ثم إذا اكتراها بعينها, فإن كانت سليمة ركبها وإن وجدها خشنة المشي لم يكن له الرد لأن ذلك ليس بعيب وإن وجد بها عيبًا بأن تعثر في مشيها أو لا تبصر بالليل فهو بالخيار بين الإمساك مع العيب وبين الرد وفسخ العقد وليس له أن يبدلها بغيرها وإن ماتت بطلت الإجارة وإن أفلس
الجزء: 7 - الصفحة: 163
المكري فالمكتري أحق بعين الدابة [169/ أ] من الغرماء قلا يباع في الدين ما لم يعمل في الإجارة على قولنا: لا يباع المكري وإن اكتراها موصوفة وهو أن يحمله على جملٍ يحمله من غير ضررٍ لا يكون فتيًا شرسًا نفورًا ولا مسنًا قحمًا أو يقول: اكتريت منك جملاً تحملني عليه إلى بلد كذا أو تحمل هذه الحمولة إلى بلد كذا ولا يزيد على هذا يجوز لأنه لا حاجة إلى المستأجر إلا إلى قوته وصحته ومطلق العقد يقتضي الصحة وقوله: تحملني اشتراط القوة فإن شرطا أجلاً فيه جاز وإن أطلقا فهو سلم حالٍ على ما سنبين إن شاء الله فهاهنا إن ماتت أو وجد بها عيبًا يلزمه بدلها وإن فلس فالمكتري يساوي الغرماء, والفرق أن هناك تعلق العقد بعينه فلا يجوز الإبدال وهاهنا تعلق بالذمة فيجوز الإبدال وهذا كما في بيع العين لا يجوز الاستبدال عن المبيع ويجوز في السلم إذا أخذه معيبًا الرد والإبدال.
مسألة: قال: "وعليه أن يركب المرأة ويمزلها عن البعير باركًا".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اكترت المرأة جملاً يلزم على الجمال أن ينيخه لركوبها ونزولها كذلك إن كان المكتري رجلاً وكان شيخًا ضعيفًا أو مريضًا لا يقدر على ركوبه ونزوله وهو قائم يلزمه أن ينيخه وكان في معنى المرأة في ذلك لأن هذا هو العادة للضعف بهن وبهم ولأن المرأة عورة فربما تنكشف عند الركوب والنزول قائمًا, وإن كان الرجل قويًا باطشًا يقدر على الركوب والنزول قائمًا يضع رجله على عنق البعير ويركب ولا يلزم المكري إناخته وإن يحتاج إلى معاون يرفع رجله فعلي المكري معاونته.
وقال أبو إسحاق: فإن كان قويًا عند العقد ضعيفًا عند الركوب لمرض كان حكمه حكم المريض, وإن كان مريضًا عند العقد ثم برئ كان حكمه حكم الصحيح القوي اعتبارًا بحال الركوب لا بحال وجود الإجارة وأما النزول للرواح طرفي النهار في الطريق مكة نظر, فإن شرط في العقد شيئًا معلومًا جاز ويلزم على ما شرط [169/ ب] وجرى ذلك مجرى أوقات الاستراحة, وإن كان مطلقًا وللناس عرف في ذلك هل يلزمه النزول له إذا كان قادرًا على المشي؟ وجهان أحدهما: يلزمه ذلك اعتبارًا بالعرف, والثاني: لا يلزمه ذلك تغليبًا لحكم العقد كما في الأحمال لا يلزمه حملها في بعض الطريق.
وإن كان امرأة أو رجلاً مريضًا لا يلزمه النزول وأما ما يعمله الراكب كل ما أمكنه عمله على البعير فعليه أن يعمله عليه كالأكل والشرب واللباس والصلاة النافلة وكل ما لا يمكنه فعله على البعير حتى ينزل لذلك العمل وهو النزول لحاجة الإنسان والطهارة وصلاة الفرض وإذا نزل للصلاة كان له أن يصلي تامًة قصيرةً وليس له التطويل ولا عليه التخفيف لأنه هو القصد وينتظره حتى يفرغ منها ولو قال له
الجزء: 7 - الصفحة: 164
المكري: لا تطول صلاتك واقتصر فيها على قوله: [قل هو الله أحد] لا يقبل منه ذلك وهكذا لو أراد المكتري أن يطول القراءة ويسبح تسبيحات كثيرة ليس له ذلك وله أن ينزل في أول وقت للصلاة لإدراك فضيلة أول الوقت وله أن يصلي كل صلاة في وقتها وليس للجمال أن يطالبه بالتأخير للجمع أو التقديم للجمع لأن الجمع رخصةً والأفضل أن يصلي فعل كل صلاة في وقتها.
مسألة: قال: "ولا يجوز أن يتكارى بعيرًا بعينه إلى أجلٍ معلومٍ إلا عند خروجه".
الفصل
وهذا كما قال: الإجارة على ضربين إجارة بهيمةٍ بعينها أو عمل رجلٍ بعينه وإجارة في الذمة فإن استأجر بهيمةً بعينها أو عمل رجل بعينه فشرط مسافة معلومة ولم يجز شرط تأخير التسليم فيها بأن يقول: اكتريتها لأركبها إلى موضع كذا أو في يوم كذا أو اكتريتك لتخرج إلى موضع كذا غدًا خلافًلا لأبي حنيفة وإن أطلقا العقد في الذمة جاز ووجب التسليم في الحال, فإن كان العقد مطلقًا وأخر التسليم لم يضره كما لو باع سلعةً بعينها وأخر تسليهما وإن استأجر [170/ أ] في الذمة بأن يقول: استأجرت منك جملاً لأركبه إلى مكة تسلمه إلي بعد شهرين أو في يوم كذا أو قال: أركبه شهرًا أوله يوم كذا أو أستأجر رجلاً على عمل مضمون في الذمة ولم يشترط عليه عمله وشرط الأجل فإن ذلك كله جائز لأن الإجارة صنف من البيوع فإذا تعلق بالعين لم يجز شرط الأجل وإذا تعلق بالذمة جاز شرط الأجل ويكون سلمًا في المنافع نص في "البويطي" عليه, وقال: إنه سلف في المنافع قال أصحابنا: فإن استأجره بلفظ السلم أن يقول: أسلمت إليك في ركوب جمل أو ظهرٍ من صفته كذا أو في مدة كذا تسلمه إلي في وقت كذا فإن ذلك جائز وعلى هذا يجب قبض الأجرة في المجلس وإن عقداه بلفظ الإجارة فهل يجب قبض الأجرة في المجلس وجهان أحدهما: يجب تسليم الأجرة في المجلس, والثاني: لا يجب وهذا المبنى على اختلاف أصحابنا في أن الاعتبار باللفظ أو بالمعنى فإن قلنا: الاعتبار باللفظ لم يجب تسليم الأجرة في المجلس لأنه عقد بلفظ الإجارة دون لفظ السلم وإن قلنا: الاعتبار بالمعنى دون اللفظ فإن معانه معنى السلم فوجب تسليم الأجرة في المجلس.
وقال القاضي الطبري: نص الشافعي في "البويطي" على انه سلف ثم قال: ولا يجوز أن ينقضه بعض الكراء حتى ينقده كله مثل السلف وهذا نص يسقط الوجه الآخر, وقال فيه أيضًا: ولو اصطلحا من تلك المنفعة على شيء لم يجز لأنه استبدال عن المسلم فيه إلا أن يسلم إليه الدابة ثم يصطلحا على شيء فيجوز كما لو أجره المكتري كم غيره جاز لأن القبض في الإجارة يجوز التصرف فإن لم يحصل المنافع مقبوضة إذ
الجزء: 7 - الصفحة: 165
هي بالقبض تتلف فلا يمكن العقد عليها بعد.
فرع
لو قال: اكتريتك لحمل هذا إلى بلد كذا جاز وإن لم يذكر الدابة والكري يحمله على ما شاء.
فرع آخر
لو اكترى جملاً بعينه أو دابة بعينها فندت وشردت, فإن كان العقد على المدة ولم يقدر عليها حتى مضت المدة انفسخ العقد وأما في الحال لا ينفسخ العقد بل يثبت له الخيار فيه لأنه لم يتحقق تلف [170/ ب] المعقود عليه كما لو اشترى عبدًا فأبق قبل القبض لم يثبت الخيار, وإن كان العقد معقودًا على مسافة لا ينفسخ بحالٍ بل يثبت الخيار.
فرع آخر
لو سلم الدابة إليه فلم يركبها حتى مضت مدة الركوب مع الإمكان قد استقرت الأجرة وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: لا تستقر إلا أن يستوفي ذلك الطريق مع الدابة فتستقر الأجرة وإن لم يركب حينئذ وهذا غلط لأن المستأجر قبض العين المستأجرة وتمكن من استيفاء المنفعة عليها فتستقر عليه الأجرة كما لو استأجرها شهرًا للركوب وتسلمها.
فرع آخر
لو استأجر إجارةً فاسدةً وتمكن من الانتفاع به يلزمه أجر المثل, وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الأجرة إلا أن ينتفع وهذا غلط لأن التمكن كالاستيفاء كما في الإجارة الصحيحة عندنا إذ انتفع يلزمه أجر المثل وإن زاد على المسمى, وقال أبو حنيفة: يلزمه أقل الأمرين من المسمى أو أجر المثل.
فرع آخر
لو غصب الشيء المستأجر مدةً فالحكم فيه كما لو اشترى عبدًا فهلك في يد البائع إن أتلفه المشتري استقر عليه الثمن وإن تلف بأمرٍ سماوي فإن أتلفه البائع بطل قولاً واحدًا وإن أتلفه أجنبي فقولان فإذا قلنا: لا يبطل فللمشتري الخيار وقيل: بالعمس من هذا إن أتلفه أجنبي لا يبطل قولاً واحدًا وفي إتلاف البائع قولان فذلك في مسألة الإجارة إن قبضها المكتري بغير إذن المكري استقرت الأجرة عليه وإن متعها المكري حتى انقضت المدة قيل: قولٌ واحدٌ يبطل وقيل: قولان, وإن كان المانع أجنبيًا قيل: لا يبطل قولاً واحدًا وقيل: قولان والأصح أنه لا يبطل في هذا إن كان الركوب مقدرًا بالمدة فهو بالخيار بين شيئين بين المقام على الإجارة والرجوع على الغاصب بأجرة المثل وبين الفسخ والرجوع على المكري بالأجرة المسماة, وإن كان الركوب مقدرًا بالمسافة كان خياره بين ثلاثة أشياء الفسخ والرجوع بالمسمى والمقام والرجوع
الجزء: 7 - الصفحة: 166
بأجرة المثل على الغاصب, والثالث: [171/ أ] المقام على الإجارة وركوب البعير الآخر ويرجع المالك الجمال على الغاصب بأجرة المثل إذا فسخ الإجارة فحكمه كما لو انفسخت الإجارة في أثناء المدة وقد ذكرنا.
فرع آخر
قال الشافعي: ليس له أن يخاصم الغاصب إلا بوكالة المالك, وقال أصحابنا: هل له أن يخاصم الغاصب في المنفعة؟ وجهان أحدهما: له ذلك لأن المنفعة له, والثاني: لا يخاصمه كالمرتهن والأصح عندي الأول وأراد الشافعي لا يخاصمه في الرقبة ورأيته عن القفال.
فرع آخر
لو كانت الإجارة في العقار لا يجوز إلا أن يكون معينًا ولا يثبت في الذمة بحالٍ ولابد أن تكون المنفعة معلومة على ما سبق بذكر المدة فإن وافق أول الهلال وذكر شهرًا مطلقًا اعتبر ما بين الهلالين تامًا كان أو ناقصًا, وإن كان قد مضى من الهلال بعضه أكمل ثلاثين يومًا فإن تأخر القبض يومًا أو يومين بطل العقد في قدر ما فات قبضه لأنه تلف قبل القبض وهل يبطل فيما بقي؟ طريقان فمنهم من قال: لا يبطل قولاً واحدًا ومنهم من قال: فيه قولان وأصل هذا إذا وقع الفساد بعد العقد قبل القبض مثل أن باع عبدين فمات أحدهما في يد البائع بطل البيع فيه عل يبطل فيما بقي؟ طريقان فإذا قلنا: لا يبطل فالمكتري بالخيار بين أن يقيم على العقد أو يفسخ فإن اختار الإقامة عليه أمسكه بالحصة وليس له أن يقول: استعمل يومًا من شهر آخر خلافًا أبي حنيفة على ما حكي عنه.
فرع آخر
لو قال: أجرتك هذه الدار شهرًا وأطلق لا يجوز ويحتاج إلى أن بقول: من هذا الوقت, وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز ويكون من حين العقد وهذا غلط لأن العقد هاهنا على المدة دون الذمة فيصير كما لو قال: بعتك عينًا من هذه الأعيان لا يجوز.
فرع آخر
لو استأجر بعيرًا ليركبه مسافة شهرٍ إلى مكة لم يجز لأن ما يقدر العمل فيه لم يجز اشتراط المدة فيه على ما ذكرنا, وقال بعض أصحابنا: يجوز لما فيه من زيادة التأكيد [171/ ب] وقال أبو الفياض: إن كان العمل ممكنًا في تلك المدة جاز وإلا فلا يجوز والأول أصح.
فرع آخر
إذا قال: استأجرتك فتحصل لي خياطة خمسة أيام وقال القاضي الطبري: لا يصح ووجهه أن العمل مجول لأن الخياطين تختلف أعمالهم وإنما يصير ذلك بتعيين الخياطة أو تقدير العمل فأما بالمدة لا تزول الجهالة.
الجزء: 7 - الصفحة: 167
مسألة: قال: "وإن اختلفا في الرحلة رحل لا مكبوبًا ولا مستلقيًا".
وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في تأويله فمنهم من قال: تأويله اختلفا في شد القيد المؤخر فقال المكري: أنا أضيق المؤخر وأوسع المقدم فيكون المحمل منكبًا فيما يلي عنق البعير ليكون أخف على الجمل, وقال المكتري: وسع القيد المؤخر حتى يكون مستلقيًا فيكون أروح لي ومنهم من قال: تأويله أن يقول المكري: أضيق القيدين حتى يرتفع المحمل عن خاصرة الجمل وعن جنبيه, وقال المكتري: وسعه حتى ينزل فإني لا آمن أن أسقط وكيف ما كان لا يرجع إلى قول واحدٍ منهما ويشد لا مكبوبًا ولا مستلقيًا على ما في العرف والعادة طلبًا للإنصاف حتى لا يضر بهما, وكذلك لو اختلفا في جلوس الراكب في المحمل فقال المكري: اعتمد على ناحية عنق الجمل فيكون كالمكبوب على وجهه, وقال الراكب: بل استبقى على كفل الحمل فإنه يقعد لا مستلقيًا ولا مكبوبًا على وجهه فإن خير الأمور أوساطها.
مسألة: قال: "والقياس أن يبدل ما يفني من الزاد".
الفصل
وهذا كما قال: إذا استأجر جملاً ليركبه ويحمل عليه ويحمل عليه زاده فلابد من بيان المزاد فإذا شرط أرطالاً معلومة ثم سرق ذلك في الطريق كان له إبداله قولاً واحدًا وإن أكل بعضه هل له أن يبدل قدر ما أكل؟ قولان أحدهما: له ذلك قال الشافعي: وهو القياس واختاره المزني لأنه شرط حمل مقدارٍ معلومٍ فصار مستحقًا كما لو حل المتاع وباع بعضه في الطريق كان له إبداله, والثاني: ليس له إبداله ويصير في التقدير كأمه اكتراه ليحمل عليه إلى [172/ أ] الموضع الذي يفنى وهذا لأن الغالب أن الرجل يرتحل عن وطنه ومعه قدر من الزاد هيأه وأصلحه فإذا فني في الطريق اقتصر على شراء الزاد يومًا بيوم في المراحل.
وقال أبو إسحاق: إن كانت أسعار الزاد في المنازل متقاربة بالرخص والغلاء وكان انقطاعه مأمونًا لم يكن له إبدال ما فني منها لأنه لا غرض في حمله, وإن كان بخلاف هذا يبدل بلا خلاف لأن العرف جار به والقياس دالٌ عليه, وكذلك لو كان الطريق غامرًا يخاف فيه عدم ما لابد منه له أن يبدل قال أصحابنا: وله إبدال الماء كلما فني قولاً واحدًا لأن العادة في الماء الإبدال وقيل: الوجهان في النزول للرواح مأخوذان من هذين القولين.
مسألة: قال: "وإن هرب الجمال فعلى الإمام أن يكتري".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اكنري من رجل جمالاً ثم هرب الجمال لم يخلو من أحد أمرين
الجزء: 7 - الصفحة: 168
إما أن يهرب من الجمال أو يهرب وحده إن هرب بالجمال نظر إن كانت الإجارة في الذمة فالمكتري يرفع أمره إلى الحاكم ويقيم البينة عليه ثم الحاكم إن وجد له مالاً اكترى منه جمالاً للمكتري حتى يتوفي المنافع منها وإن لم يجد له مالاً كان له أن يستدين عليه فإن استدان اكترى له جمالاً ولا يجوز أن يدفع إلى المكتري مالاً ليكرى لنفسه بنفسه نص عليه في "البويطي" كما لا يجوز للمسلم إليه مالاً فيشتري لنفسه طعامًا وإن لم يجد من يستقؤض منه أو وجد ولكنه لم يرد ذلك لخوفه أن لا يتوصل إليه في الثاني فإنه يقول للمكتري: حقك معجل وقد تأخر فلك الخيار في فسخ العقد فإن فسخ رجع بما دفع من الأجرة ويكون في ذمته يتبع به إذا قدر عليه وإن صبر وأقام على العقد, فإن كانت الإجارة إلى مدة تنقضي بطلت بالفوات وكانت الأجرة دينًا على الجمال يتبعه متى قدر, وإن كانت إلى بلدٍ بعينه لم تبطل بالتأخير فإذا قدر [172/ ب] طالبه به, وإن كانت الإجارة تعلقت بجمال بأعيانها لا يجوز للحاكم أن يكتري عليه لأن الإبدال لا يجوز في المعين والمكتري بالخيار في الفسخ والمقام على الإجارة كما لو اشترى عبدًا فأبق فإن فسخ نظر, فإن كان له مال رجع بما دفع من الأجرة في ماله, وإن لم يكن له كال كانت الأجرة في ذمته يطالبه المكتري بها إذا قدر وإن أقام على العقد, فإن كانت الإجارة على مسافةٍ معلومةٍ صبر حتى يرجع الجمال ثم يطالبه بالمنافع لأنها لا تفوت أو لا تفوت بمضي الزمان, وإن كانت الإجارة على مدةٍ معلومة فإذا انقضت المدة قبل رجوعه انفسخ العقد.
وإن هرب الجمال وترك الجمال فالمكتري يرفع أمره إلى الحاكم فإن وجد له مالاً أنفقه على الجمال لأن النفقة على المكتري لأنه من تمام التمكين وإن لم يجد له مالاً بوجهٍ فإن وجد من يستقرض منه ما ينفقه عليها استقرض وإن لم يجد وكان في الجمال فضل باع منها بقدر نفقتها ولا يبيع الكل لحق المكتري ذكره أبو إسحاق, وإن لم يكن فضل يقول الحاكم للمكتري: أنفق عليها إلى أن تستوفي حقك من المنافع ثم يرجع على المكري هكذا ذكره القاضي الطبري.
وقال بعض أصحابنا: إن قبض منه الحاكم القرض وأنفق على الجمال بنفسه أو فوض إلى من ينفق عليه جاز وإن أذن له حتى ينفق بنفسه من ماله قرضًا نص في "الأم" على قولين فإذا قلنا: لا يجوز فخالف وأنفق لم يرجع بشيء لأنه تطوع بالإنفاق وإذا قلنا: يجوز وهو الأصح فانفق ثم عاد الجمال فإن اتفقا على قدر النفقة فلا كلام وإن اختلفا نظر, فإن كان الحاكم قدر له النفقة فادعى على أكثر منها لم يرجع في الزيادة ورجع بالقدر الذي أذن الحاكم به, وكذلك إم كان أنفق قدر ما قال الحاكم أو أقل وادعى ذلك فالقول قوله مع يمينه لأنه أمين, وإن لم يكن قدره الحاكم ويجوز ذلك لإختلافه المنازل فينفق بالمعروف من غير سرفٍ ولا تقصير ولو اختلفا بعد ذلك في قدر ما اتفق فيه [173/ أ] ثلاثة أوجه أشار إليها الشافعي في" الأم":
أحدهما: القول فيه قول المكري لأن المكتري يدعي عليه مالاً والأصل براءة الذمة.
الجزء: 7 - الصفحة: 169
والثاني: القول قول المكتري في قدر المعروف لأنه أمين وهو الأصح.
والثالث: يرجع إلى عرف الناس فإذا وافق ذلك قول أحدهما: فهو المعمول عليه قال في "الحاوي": وفي اختيار الشافعي قال: وإن خالف قياس الأصول الموجبة لأحد المذهبين وقد يترك القياس إذا تفاحش إلى ما يكون عدلاً بين الناس وإن يرجع الجمال فإذا بلغ المكتري الموضع باع الحاكم منها بقدر ما أنفق ويقضيه وما بقي منها ينظر فيه باجتهاد, فإن كان الحظ في حفظها حتى يرجع صاحبها فعل, وإن كان الحظ في بيعها وحفظ ثمنها فعل وإن أنفق من غير إذن الحاكم فقد ذكرنا في المساقاة إذا هرب العامل ما يغني عن الإعادة.
فرع
يجوز أن يكتري رجلاً ليحفر له بئرًا ولا يصح حتى يكون المعقود عليه معلومًا ولا يكون معلومًا إلا بأحد أمرين بالمدة أو بالعمل فالمدة أن يقول: استأجرتك لحفر البئر شهرًا وإن لم يعين الموضع فإذا صح العقد كان عليه العمل شهرًا ولا يحتاج إلى شرطٍ آخر, وإن كانت المنفعة معلومةٍ بالعمل فلابد أن تكون البقعة التي يحفر فيها معلومة بالمشاهدة ثم يعرف مقدار سعتها وهو الدور ومقدار عمقها وعند أبي حنيفة لا يحتاج إلى بيان هذا, وقال قوم من العلماء لا يجوز الاستئجار عليها لأن باطن الأرض يختلف بالصلابة والرخاوة وإن ما يخرجه من التراب غير معلومٍ وهذا غلط بخلاف الإجماع وهذا معلوم بالعرف والعادة في الجملة ويصير باطنها بمشاهدة الظاهر معلومًا وإن جاز أن يكون الأمر بخلافه كما يصير باطن الصبرة من الطعام معلومًا بمشاهدة الظاهر حتى يصح البيع, فإذا تقرر هذا فاشتغل الحفار بالعمل فإن مضى على السداد فلا كلام وإن وصل إلى حجر يمكنه حفره [173/ ب] لزمه وإن شق عليه لأنه التزم الحفر بالعقد هكذا ذكر عامة أصحابنا وقيل: لا يلزمه حفره لأنه يخالف ما شاهده من الأرض وإنما وجب مشاهدة الأرض لأنها تختلف فإذا ظهر فيها ما يخالف المشاهدة ويختلف به العمل وجب أن يثبت له الخيار وإن تعذر حفرها بحيث لا يعمل فيه الفأس والمعول أو نبع الماء فقد انفسخ الإجارة فيما بقي من العمل وهل تنفسخ فيما مضى على ما ذكرنا من الطريقين فإذا قلنا: ينفسخ فيما بقي يثبت الخيار في الفسخ في الكل فإن فسخ في الكل يلزم العامل أجر المثل فيما عمل وإن لم يفسخ قسطت الأجرة المسماة على ما بقي من العمل وعلى ما عمل ولا يعمل في هذا على الذرع بل يعتبر ما علا من البئر وما نزل منها فإن حفر الذراعين من أولها أسهل من حفر ذراعين من آخرها فيقسط ذلك فيقال: كم عمل قالوا: عشرة أذرع وكم بقي؟ قالوا: عشرة أذرعٍ فيقال: كم أجرة ما بقي وكم أجرة ما عمل؟ فيقال كذا وكذا فيقسط المسمى عليه.
الجزء: 7 - الصفحة: 170
فرع آخر
شيء حفر واجتمع تراب في جوف البئر كان إخراجه على الأجير لأنه من العمل.
فرع آخر
لو انهارت من حولها ونزل فيها تراب كان على رب البئر إخراجه كما لو انثال فيه طعام أو وقع فيه بهيمة لا يلزمه إخراجها لأنه لا يلزمه أكثر من الحفر ونقل التراب الذي من الحفر لا غير.
فرع آخر
يجوز الاستئجار لحفر القني والأنهار ولا يصح حتى يكون معلومًا على ما ذكرنا فإذا عين العمل لابد من ضبط ثلاثة أوصاف العرض والعمق والطول.
فرع آخر
لو استأجره على حفر عشرة أذرع بثلاثين درهمًا فحفر خمس أذرع وترك خمسة قال الشافعي: يقال كم تساوي أجرة الخمس المحفورة؟ فإن قيل: خمسة قيل: وكم [174/ أ] تساوي أجرة الخمس المتروكة؟ فإن قيل: خمسة عشر درهمًا جمعتهما وجعلت كل خمسةٍ سهمًا فيكون جميع السهام أربعة ثم قسمت الثلاثين التي هي الأجرة المسماة على أربعة أسهم يخرج للسهم الواحد سبعة دراهم ونصف وهو الذي يستحقه بالخمس المحفورة وعلى هذا القياس وهذا شرح ما ذكرنا, وقال أبو حنيفة: يضاعف الأذرع المعقود عليها بقدر مسافتها ثم يقسم الأجرة على ما اجتمع منها فما خرج لكل ذراع فهو قدر أجرته مثاله أن يستأجر على حفر خمس أذرع بخمسة عشر درهمًا فيجعل الذراع الأولة ذراعًا واحدًا لأن نقل ترابها من ذراعٍ واحدة وتجعل الذراع الثانية ذراعين لأن نقل ترابها من ذراعين ويجعل الذراع الثالثة ثلاث لأن نقل ترابها من ثلاث أذرع ويجعل الذراع الرابعة أربع أذرع على هذا, والخامسة خمس أذرع على هذا ثم يجمع ذراعًا وذراعين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا فيكون خمس عشرة ذراعًا وهي ما استؤجر عليه من الأذرع الخمس ثم تقسم الأجرة المسماة وهي خمسة عشر درهمًا يكون قسط كل ذراع درهمًا فإن حفر ذراعًا واحدًة استحق درهمًا وإن حفر ذراعين استحق ثلاثة دراهم لأن الأولة ذراع, والثانية ذراعان وإن حفر ثلاثًا استحق ستة دراهم وعلى هذا قال في "الحاوي": وقال بعض محققي أصحابنا ومجوديهم في الحساب بمذهب توسط مذهبي الشافعي وأبي حنيفة لأن مذهب الشافعي وإن كان في القياس مطردًا وعلى الأصول مستمرًا فإن فيه اطراحًا لعملٍ يصح فيه وينحصر به ومذهب أبي حنيفة وإن كان في العمل مطردًا وفي الحساب صحيحًا فإن فيه كل ما يفسد في القياس ويبطل ويبطل على الأصول وذلك أن حفائر الآبار تشتمل على حفرٍ ونقل تراب فالحفر [174/ ب] يتماثل في الأذرع كلها وليس في حفر الذراع الأخيرة عمل يزيد على حفر الذراع الأولة فلم يجز أن يفاضل بين أجورها فصار مذهب أبي حنيفة فاسدًا وأما التراب المحفور
الجزء: 7 - الصفحة: 171
فإنه يختلف باختلاف المسافة بأعداد الأذرع لأن مسافة الثانية مثلا مسافة الذراع الثانية مثلا مسافة الذراع الأولة ومسافة الثالثة ثلاثة أمثالها فلم يجز العدول عن تقسيط الأجرة عليها فصار في مذهب الشافعي من هذا الوجه اطراح لعملٍ هو أصح تحقيقًا وأحصر تقسيطًا, وإذا كان كذلك وجب أن تقسط الأجرة المسماة على الحفر والنقل فما قابل الحفر قسم على أعداد الأذرع من غير تفاضل لأن العمل في جميعها متماثل وما قابل النقل قسم على ما تنتهي إليه الأذرع لأن العمل فيها متضاعف, فإن قيل: لا يجوز أن يفصل بين أجرة الحفر والنقل لأن أحدهما تبع للآخر قلنا: هذا فاسد من وجهين أحدهما: أنه ليس جعل النقل تبعًا للحفر بأولى من جعل الحفر تبعًا للنقل وإذا لم يتميز التابع من المتبوع صار كل واحدٍ منهما مقصودًا, والثاني: وما كان تبعًا لغيره لم يجز أن يفرد بالعقد وقد ثبت أنه لو استأجر على الحفر أجيرًا لا ينقل التراب وعلى نقل التراب أجيرً لا يحفر جاز فإذا صح ذلك فللعمل عليه مقدمة وهو أنك إذا أردت أن تعلم مبلغ مسافة نقل التراب من عشر أذرع وشق عليك أن تجمع من الواحد إلى العشرة على الولاء فبابه المختصر أن تزيد على العشرة واحدًا تكن أحد عشر ثم تضربها في نصف العشرة تكن خمسة وخمسين وإن شئت ضربت نصف أحد عشر في عشرة تكن خمسة وخمسين وهو مبلغ العدد المجموع من واحد إلى عشرة على الولاء والعلة في ذلك ما ذكره شجاع بن نصر أن الواحد والعشرة يكون أحد عشر والاثنين [175/ أ] والتسعة تكون أحد عشر والثلاثة والثمانية تكون أحد عشر والأربعة والسبعة أحد عشر والستة والخمسة أحد عشر فتعلم أن الذي معك من جملة إعداد العشرة خمس مرارٍ أحد عشر فلذلك ضربت في نصف العشرة وهو خمسة في أحد عشر فعلى هذا إذا أردت أن تجمع من واحد إلى خمسة عشر على الولاء فزد الواحد على خمسة عشر يكن ستة عشر ثم أضربها في نصف خمسة عشر يكن مائة وعشرين وإن شئت ضربت نصف ستة عشر في خمسة عشر يكن مائة وعشرين ثم على هذا القياس, فإذا تقررت هذه المقدمة ضرنا إلى العمل فإذا قيل: رجل استؤجر على حفر بئر عمقها خمس أذرعٍ في دورٍ ومعلوم بعشرين درهمًا فإن يقال: كم تساوي أجرة الحفر فإذا قيل: خمسة قيل وكم تساوي أجرة النقل فإذا قيل: خمسة عشر فليس في ذبك محاباة فاجعل أجرة الحفر التي هي خمسة مقسومة على عدد الأذرع الخمس بالسوية لأنه ليس لبعضها على بعض في الحفر فضل فيكون قسط كل ذراع بالحفر وحده درهما واحدًا ثم اجعل أجرة النقل التي هي خمسة درهمًا مقسومةً وثلاث وأربع وخمس وإن شئت أن تعمله بالباب المختصر زدت على الخمسة واحدًا تكن ستة ثم ضربتها في نصف الخمسة تكن خمسة عشر وهي مبلغ مسافة النقل من خمس أذرع فإذا قسمت عليها قسطت من الأجرة وهي خمسة عشر درهمًا كان أجرة كل ذراعٍ فإذا حفر ونقل ذراعًا واحدةً استحق درهمين لأن له بالحفر درهمًا ولو حفر ونقل ذراعين استحق خمسة دراهم لأن له بحفر
الجزء: 7 - الصفحة: 172
ذراعين درهمين وبنقل ذراعين ثلاثة لأن الأول ذراع, والثانية ذراعان ولو حفر ونقل ثلاث أذرع استحق تسعةٍ لأن له بحفر الأذرع الثلاث ثلاثة وله بالنقل من ثلاث أذرع ستة دراهم [175/ ب] وعلى هذا القياس والله أعلم.
فرع آخر
لو استأجره لضرب اللبن جاز وتكون المنفعة معلومةً لأحد أمرين على ما ذكرنا, وإذا كان بالعمل لابد من تعيين مكان الضرب والموضع الذي يستقي منه الماء والتراب الذي يضرب منه فإذا كان في المصر قالب معروف معتاد عمل عليه لأنه كمكيال الطعام, وإن لم يكن قالب معروف فلابد من ضبط الطول والعرض والسمك فإذا ذكر السمك والدود أجزاه لأنه يشمل على الطول والعرض ويذكر كل ألفٍ بكذا, وقال القاضي الطبري: لو شاهد القالب جاز قال أصاحبنا: في هذا نظر لأن فيه ضربًا من الغور وهو كتعليق السلم بمكيال بعينه.
فرع آخر
تجوز الإجارة على بناء الدار نص عليه في كتاب الإجارة في الرواية البويطي, فإن كانت معلومةً بالعمل لابد من مشاهدة المكان ويعرف العرض والطول والارتفاع وآلة البناء من طين وجصٍ أو لبن أو آجر أو حجر وإن قدر بالزمان جاز.
فرع آخر
تجوز الإجارة على تطبيق السطوح والحيطان وتجصيصها ولا يصير هذا معلومًا بالعمل ولكن تذكر المدة لأن العمل يختلف اختلافًا لا يأتي عليه وصفٌ ولا يعرف عادةٌ في بعضه أثخن وفي بعضه أرق.
فرع آخر
يجوز أيضُا على طبخ الآجر وطحن الطعام ونسج الثياب وقصارتها وصبغها وخياطها ولى التجارة وغير ذلك من الصناعات إذا وقع العقد على عملٍ موصوفٍ معلومٍ على ما بيناه.
فرع آخر
لو استأجره لرعي الغنم لا يصح إلا مدةً معلومةً لأن المنفعة هاهنا لا تكون معلومة إلا بالعمل ثم لا يخلو إما أن يطلق أو يعين الغنم فإن أطلق وقال لرعي الغنم شهرًا انطلق إلى رعي العدد الذي يرعاه الواحد في العادة من مائة رأس فما دونها وفوقها فإذا سلم للرعي ما جرى به العرف لم يكن للمكتري [176/ أ] أن يزيد على ذلك فإن أراد أن يستبدل بغيرها كان له وإن ذبح بعضها كان له أن يستخلف غيرها للرعي فإن بقي منها ولو واحدة فرعاها بقية المدة كان له الأجرة وإن توالدت سخالاً حفظ سخالها على ما جرت به العادة, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز الإطلاق حتى يذكر العدد لأنه يختلف وليس فيه عرفٌ واحدٌ وهذا أصح عندي, وإن كانت الغنم تعلق العقد
الجزء: 7 - الصفحة: 173
بأعيانها ولم يكن للمكتري أن يعطيه غيرها ليرعاها ولا له أن يزيد فيها فإن مات شيء منها بطلت الإجارة فيما مات منها وله أجرة ما بقي بالحصة وقيل: القياس أنه يجوز إبدالها كما قال الشافعي: إذا استأجر دابةً ليركبها له أن يركب غيره لأن الغنم غير معقودُ عليها بل يستوفيٍ بها منفعة الراعي ولهذا لو سلم لنفسه وجبت الأجرة وإن لم يرع فإن توالدت سخالاً لم يكن عليه حفظها ولا رعيها لأن العقد تعلق بأعيانها فلا تزاد.
فرع آخر
لو استأجر اليهودي عبدًا مسلمًا أو حرًا, فغن كان على عملٍ مضمون في ذمته جاز كما أن عليًا رضي الله عنه أجر نفسه من امرأةٍ يهوديةٍ ليستسقي لها الماء كل دلوٍ بتمرة, وإن كان على خدمةٍ تتعلق برقبته فإذا قلنا: تجوز بجبر على نقلها من نفسه إلى مسلم وإلا فسخا الحاكم عليه وهو كما لو اشترى عبدًا مسلمًا.
فرع آخر
لو استأجر المسلم أجيرًا فوجده يهوديًا, فإن كان ما يمنع منه حكمًا كالحج لا يجوز فإن حج لم يكن له أجرة, وإن كان يمنع حظرًا ككتبة المصاحف فإنه ممنوع من مسها لا يجوز فإن كتبه قبل أن يعلم بحاله له أجرة مثله دون المسمى, وإن كان عمل الصناعات التي ليس فيها طاعةً مقصودة لا خيار للمستأجر ويصح, وإن كان من الأعمال التي فيها طاعة مقصودة كبناء المسجد ونحر الأضاحي, فإن كانت الإجارة معينةً فللمستأجر الخيار لأن قيام المسلم به [176/ ب] أعظم ثوابًا, وإن كانت في الذمة قيل: للأجير إن استنبت فيها مسلمًا فلا خيار للمستأجر وإن توليتها بنفسك فللمستأجر الخيار.
فرع آخر
لو استأجر كحالاً لم يجز حتى يكون المعقود عليه معلومًا وإنما يصير معلومًا بالمدة دون العمل, فإن كانت المدة شهرًا نظر, فإن كان الكحل من عند المستأجر صحت الإجارة ولو شرط أن يكون الكحل من جهة المكري لا يجوز, وفيه وجه آخر يجوز لأن العادة جرت به ويشق على العليل تحصيل الدواء فجوز الرضاع ذكره القاضي الطبري.
فرع آخر
لو برأت العين مع انقضاء المدة استقرت الأجرة وإن تبرأ عند انقضاء المدة استقرت أيضًا وإن برأت قبل انقضاء المدة بطلت الإجارة فيما بقي من المدة وكان له من الأجرة ما مضي من المدة وحكي أصحابنا عن مالك أنه قال: إذا لم تبرأ لم تجب الأجرة وهذا غلط لأن العمل الذي عقد عليه الإجارة قد وجد وإن لم يحصل الغرض فوجبت الأجرة.
الجزء: 7 - الصفحة: 174
فرع آخر
لو اشترى منه الكحل واستأجره للعمل في عقدٍ واحدٍ من غير شرطٍ فهو بيعٍ وإجارة فيه قولان, وحكى عن مالك أنه يجوز وقال: أيضًا لو استأجره ليبني له حائطًا والآجر من عنده يجوز كما لو استأجره لصبغ ثوبٍ والصبغ من عنده وهذا غلط لأن الإجارة عقدٌ على منفعة وشرط العين فيه شرط عقد البيع فيصير في معنى بيعتين في بيع ولا يشبه مسألة الصبغ لأنه بيع العين والعمل فيه تسليم الصبغ لأنه مقدر به.
فرع آخر
يجوز استئجار المرأة للحضانة والرضاع لقوله تعالى: ﴿فَإنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك لأنه قد يكون الإنسان ولد فتموت أمه فيحتاج إلى مرضعةٍ ولا يجد من يتطوع به.
فرع آخر
لا يجوز إلا بأربع شروط أحدها أن تكون الأجرة معلومة في سائر الإجارات فإن استأجرها بطعمة بطنها وهي نفقتها وكسوتها [177/ أ] لا يجوز وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: ذلك في الطير خاصةً استحسانًا, وقال مالك وأحمد: يجوز في كل أجير أن يستأجر بنفقته وكسوته ويكون له ما يكون لمثله من الوسط واحتجوا بأن عرض المنفعة يقوم العرف فيه مقام التسمية كمنفعة الزوجة وهذا غلط لأن هذا عوض في عقد فلا يجوز أن يكون مجهولاً كالثمن في البيع والدليل على أبي حنيفة أن ما لا يجوز أن يكون أجرة في غير الرضاع لا يجوز أن يكون أجرة في الرضاع كالدراهم المجهولة, والثاني: لابد أن يكون الطفل معلومًا وإنما يكون معلومًا وإنما يكون معلومًا بالمشاهدة لأن الرضاع يختلف به وذكر في"الحاوي" أنه لابد من معرفة سنه مشاهدةً أو خبرًا لاختلاف شربه باختلاف سنه, والثالث: أن تكون المنفعة معلومة وإنما تصير معلومة بالمدة لا غير فيستأجروها شهرًا أو شهرين أو أكثر ولا يمكن تقدير ذلك بالعمل, والرابع: يشترط موضع الرضاع في بيتها أو بيت والده لأنه يختلف الغرض بذلك ولو أطلق من الاشتغال بأمور منزلي والرجل يقول: أرضعيه في بيتي حتى أشرف على ذلك.
فرع آخر
لو استأجرها على أن يعطيها كان يومٍ رطلين من الخبز لا يجوز لأن الخبز لا يثبت في الذمة ويجوز بالحب في الذمة.
الجزء: 7 - الصفحة: 175
فرع آخر
ليس على المرضعة أن تأتي إلى الطفل بل يجب حمله إليها.
فرع آخر
لولي الطفل أن يمنعها من أكل ما يضر بلبنها, فإن كان الطفل لا يستمري لبنها لعلةٍ في اللبن كان عيبًا تفسخ به الإجارة.
فرع آخر
لو أجرت نفسها ثم تبين أنها ذات زوج له الفسخ فإن أجاز لا يمنع الزوج من وطئها.
فرع آخر
لو أجرت نفسها بإذن الزوج لم يكن له منعها بعد ذلك ولا يشغلها عن الرضاع إلا في الوقت الذي يستغني الصبي عن الرضاع فيه أو يكون نائمًا [177/ ب] ثم للزوج وطؤها وليس لها أن تمنعه نفسها ولا لأهل الصبي أن يمنعوا زوجها من ذلك مخافة الحبل وذهاب اللبن به, وقال لبعض أصحابنا بخراسان: يمنع من وطئها لأنه يؤدي إلى قطع اللبن كما يمنع الراهن من وطء المرهونة وهذا أقيس وبه قال مالك والأول ظاهر المذهب.
فرع آخر
لو أجرت نفسها ولم يكن لها زوج ثم تزوجت صح النكاح ولا تبطل الإجارة وليس للزوج مقال حتى تنقضي مدة الإجارة لأنه ملكها وهي مسلوبة المنفعة ولا يمنع من وطئها على ما ذكرنا لأن الوطء مستحق بالنكاح فلا يسقط لأمرٍ مشكوك فيه.
فرع آخر
لو أجرت نفسها ثم ذكرت أنها ذات زوج لم يقبل قولها في حق المكتري ولو نكحت مطلقًا ثم ذكرت بأنها أجرت نفسها للرضاع لم يقبل قولها في حق الزوج.
فرع آخر
لو كانت المرأة ذات زوج فأجرت نفسها لإرضاع مولود من غير إذن الزوج فالإجارة باطلة, وقال أبو حامد في"الجامع": وقد قيل: للزوج إبطال الإجارة وهذا يدل على أنه موقوف على فسخ الزوج ويصح المذهب الأول لأن الزوج يملك الاستمتاع بها كل وقت فلا يجوز التوقيت عليه وقيل: فيه وجهان أحدهما: ما ذكرنا, والثاني: يصح لأن العقد تناول محلاً غير المحل الذي تناوله عقد النكاح لأنه لا يملك خدمتها ولا إرضاعها وعلى هذا للزوج الخيار في فسخه لأنه يفوت به الاستمتاع في بعض الأوقات.
الجزء: 7 - الصفحة: 176
فرع آخر
إذا كان للمرأة من زوجها لم يكن عليها أن ترضعه وإنما مؤونته على أبيه وإن أرادت إرضاعه كان له منعها لأنه يمنع استمتاعه وإن أراد أن يستأجرها للإرضاع لا يجوز, وقال أحمد: يجوز لأن كل عقد يجوز أن يعقد مع غير الزوج فكذلك مع الزوج كالبيع وهذا غلط لأنه يستحق حبسها وأخذت منه عوضًا في مقابلة الاستمتاع وعوضًا آخر في مقابلة التمكين فلا يلزمه عوض الحر ولو بانت منه جاز له [178/ أ] أن يستأجرها لإرضاع ولده ولو تبرعت بالإرضاع لم يكن له منعها لأنه أحظ لولدها من ضرر يلحقه.
فرع آخر
لو سقت المرضعة الطفل من لبن غيرها وكانت معيبة لا أجرة لها, وقال أهل العراق: لها الأجرة وهذا غلط لأنها لم تأت ما هو المستحق بالعقد عليها.
فرع آخر
الأجرة تجب حيث تجب النفقة, فإن كان للطفل مال فالأجرة منه, وإن لم يكن له مال فعلى أبويه على ما يقتضيه الإنفاق عليه فإن تطوع الأب ببدل الأجرة وللطفل مال فقد أحسن.
فرع آخر
اختلف أصاحبنا فيما يتناول العقد على وجهين أحدهما: العقد واقع على اللبن والحضانة والخدمة تابعة بدليل أن الإنسان إنما يقصد باستئجار المرضعة لبنها, والثاني: وهو المذهب العقد واقع على الحضانة والخدمة واللبن تابع لأن عقد الإجارة على العين على أن تكون المنافع تابعة لا يجوز والعقد على المنفعة والعين تابعة يجوز مثل أن يستأجر دارًا يدخل ماء البئر في الإجارة تابعًا فإذا جاز الاستئجار هاهنا ثبت أن العين تابعة.
فرع آخر
قالوا: استأجرها للرضاع والحضانة معا يلزمها الأمران معًا ولو استأجرها للرضاع دون الحضانة أو للحضانة دون الرضاع لزم ما ذكراه ولو استأجرها للرضاع مطلقًا هل تلزم الحضانة والخدمة وهي الحفظ والتربية والتدهين والتكحيل وغسله وتنويمه وشده وغسل خرقه وجهان أحدهما: لا يلزمها غير الرضاع, والثاني: يلزمها الأمراض لأنه العرف وأصل الوجهين ما الذي تناول العقد فإن قلنا: تناول اللبن والحضانة تابعة تجبر عليها وإن قلنا بالوجه الآخر لا تجبر عليها واعلم أن الشافعي قال في "المختصر" في أول الباب: وقد تختلف الرضاع فلما لم توجد فيه إلا هذا جازت الإجارة أي: إذا صارت جملة العمل معلومة فلا معتبر بالتفصيل إذ لا يوقف على ما يشرب الصبي من اللبن وعلى عدد الرضعات وهذا يدل على أن [178/ ب] العقد يتناول الحضانة لا اللبن.
الجزء: 7 - الصفحة: 177
فرع آخر
لو استأجرها للحضانة, قال بعض أصحابنا بخراسان: لا يلزم الإرضاع وجهًا واحدًا, وقال بعضهم: يلزم الإرضاع وجهًا واحدًا والصحيح عندي أن هذا على وجهين أيضًا بناءً على ما ذكرنا من الوجهين أن اللبن تابعُ أو متبوع.
فرع آخر
لو مات من الجماعة واحدٌ نظر, فإن مات المكتري وهو الأب أو غيره فالإجارة بحالها وإن ماتت المكترأة وهي الظئر الإجارة فيما بقي من المدة وفيما مضى طريقان على ما ذكرنا, وكذلك لو جف ثدييها وإن مات الطفل فيه قولان المنصوص في الخلع وفي النفقات في"الأم" أنه يبطل العقد لأن المنفعة المعقود عليها فاتت لأن الولد الذي يرضع إرضاعه وغيره لا يقوم مقامه لأن شرب اللبن يختلف بالصبيان والمرأة قد تدر على ولدٍ ولا تدر على آخر فبطلت الإجارة وفيه قول مخرج لا تبطل الإجارة لأن المنفعة المعقود عليها باقية وإنما مات المستوفي فلا تبطل الإجارة كموت الراكب وهذا ضعيف فإذا قلنا بالمذهب فالحكم فيه كما لو ماتت الظئر وإذا قلنا: لا يبطل فالمكتري بالخيار بين أن يقيم غيره مقامه أو يدع فإن أقام غيره مقامه فلا كلام وإن لم يفعل أو اختلفا كان له فسخ العقد فإذا فسخ كان الحكم كما لو انفسخ وقد ذكرنا وإن مرضت الظئر نقص لبنها فلأهله فسخ الإجارة فإذا فسخ فالحكم كما لو انفسخ.
فرع آخر
للسيد أن يؤاجر الأمة القن أو المدبرة والمعتقة بصفةٍ وأم ولده للإرضاع وكذلك المأذون لها في التجارة نفسها بغير إذن سيدها لم يجز وله أن يجبر أمته وأم ولده على إرضاع ولده منها أو من غيرها.
فرع آخر
للمكاتبة أن تؤاجر نفسها للرضاع لأنه نوع من الاكتساب وكسبها لها وليس لسيدها الحكم عليها في ذلك.
فرع آخر
لو استأجر ملقحًا يلقح النخيل يجوز بشرط أن يكون [179/ أ] الكش وهو طلع الفحل من عند المكتري فإن شرط على الأجير ذلك بطل.
فرع آخر
لو استأجر رجلاً ليشتري له ثوبًا بعينه أو يبيعه صحت الإجارة لأن كل ما جاز العقد عليه إن كان مقدرًا بزمانٍ جاز العقد عليه إذا كان معلومًا في نفسه كركوب الدابة, وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك لأن يتعذر عليه فأشبه ضراب الفحل وهذا غلط لما ذكرنا, ومن أصحابنا من قال: لا يجوز في الشراء ويجوز في البيع, والفرق أن البيع
الجزء: 7 - الصفحة: 178
في العادة ممكن لأنه لا يعدم راغبًا فيه والشراء لا يكون إلا من واحدٍ وقد لا يمنع فلا يمكن تحصيل العمل ظاهرًا ولو استأجره ليشتري له شيئًا ولم يعينه جاز بلا خلاف.
فرع آخر
لو استأجر رجلاً ليخيط له ثوبًا بعينه في يومه بدرهمٍ قد ذكرنا أنه لا يجوز قال القاضي الطبري: هكذا قال أصحابنا ورأيت في "البويطي" بخلاف ذلك كما لو اكترى بناءً أو نجاراً أو خياطًا أو رجلاً يعمل بيديه فوقع الكراء على عمل بدنه في مال صاحب المال فلا تجوز الإجارة على أن يعمل له بعد الإجارة بيوم ولا يجوز له إلا أن يشترط عليه أن يعمل له ساعة استأجره أو تكون الإجارة على خياطة هذا الثوب أو بناء هذه الدار ولا يسمى متى يعمله فتجوز الإجارة وعليه أن يبدأ في عملة ساعة تمت الإجارة فإن شرط له عليه أن يأخذ في عمله وسمي الفراغ إلى أجلٍ يمكن أن يعمل مثله فلذلك أفضل وإن لم يسم الأجل فهو جائز ويعمل له طاقته حتى يفرغ منه وهذا نص بين على ذكر الأجل فيه أفضل إذا كان الأصل مما يمكن العمل فيه وأنهما إذا تركا الأجل كان جائزًا وهذا حسن وهو صحيح عندي.
فرع آخر
لو استأجروا على أن يخيط له قميصًا وشرط أنه إن خاطه روميًا وهو مثل خياطة الصوف درزين درزين فله درهمان وإن خاطه فارسيًا فله درهم لم يصح عقد الإجارة [179/ ب] استأجرتك لتحمل لي هذه الرزمة إلى دكان فلان بدرهم أو تخيط لي هذا القميص بدرهمين لا يجوز, وقال أبو حنيفة يجوز ذلك وهذا غلط لما ذكرنا.
فرع آخر
إذا استأجر دابةً شهرًا ليقضي عليها الحقوق ويشيع الموتى لا يجوز.
فرع آخر
لو استأجر شيئًا أول ليرده بالعشي لم يجز لأنه لا يعرف, وفيه وجه آخر أنه يجوز ويرده بعد الزوال.
فرع آخر
إذا حط الحمولة بالبلد المكتري إليه ثم قال: غلطت منزلي فاحملها إليه ليس له ذلك.
فرع آخر
إذا حط الحمولة بالبلد المكتري إليه ثم قال: غلطت منزلي فاحملها إليه ليس له ذلك.
فرع آخر
إذا أدخل المستأجر إلى الدار ما له إدخاله من بعير أو بقر فانكسر طابق الدار لا يضمن.
الجزء: 7 - الصفحة: 179
فرع آخر
إذا استأجر دارًا ليسكنها وحده فتزوج قال أبو ثورٍ: لا تسكنها معه وهو القياس ذكره الصميري.
فرع آخر
لو أبق العبد من يد الغاصب فاستأخر الغاصب المالك لطلبه بالأجرة فيه وجهان.
فرع آخر
إذا استأجر لخياطة ثوب فقال: إن خطته اليوم فلك درهم, وإن خطته غدًا فلك نصف درهم فالعقد فاسد, وإذا خاطه فله أجر مثله وبه قال مالك وزفر, وقال أبو حنيفة: الشرط الأول جائز, والثاني: فاسد, إن خاطه في اليوم الأول استحق درهمًا, وإن خاطه في اليوم الثاني فله أجرة مثله لا ينقص فيها عن نصف درهم ولا يزاد على درهم, قال أبو يوسف ومحمد: الشرطان جائزان وهذا غلط لأنه عقد واحد فإذا اختلف فيه العوض بالتأخير والتقديم كان فاسدًا كما لو قال: أجرتك هذا بدرهمٍ نسيئةً أو بنصف درهمٍ نقدًا.
فرع آخر
ولو اكترى مصحفًا ليقرأ فيه القرآن, أو دفترًا فيه الفقه أو اللغة أو الشعر مدةً معلومةً يصح عقد الإجارة عليها, وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأنه ليس في ذلك أكثر من النظر إليه, ولا تجوز الإجارة على مثله كالنظر إلى التصاوير وهذا غلط لأن هذه منفعةٌ مباحة [180/ أ] مقصودة فجاز عقد الإجارة عليها وليس كالنظر إلى التصاوير لأنه ليس بمقصود, فإن كان شيئًا مقصودًا مباحًا جاز أن يؤاجر من الناظر إليها مثل الكتابة وصور الأشجار ذكره أصحابنا.
فرع آخر
تجوز إجارة الثياب للبس والبسط والفرش والستر وغير ذلك مما يفرش أو يلبس أو ينصب أو يتغطى به أو ينام فيه وعليه نص عليه.
فرع آخر
لو اكترى قميصًا يومًا إلى الليل ليلبسه فاتزر به كان ضامنًا, ولو تردى به فجعل كميه على كتفيه فيه وجهان أحدهما: لا يضمن لأن التردي أقل ضررًا من اللبس, والثاني: يضمن لأن العادة لم تجر بالتردي بالقميص فلم يتناوله العقد ذكره القاضي أبو حامد.
فرع آخر
قال: لو أن امرأة درعًا ثلاثة أيام لتلبسها لم يكن له أن تنام فيها ليلاً, ولها أن تنام فيها نهارا لأن العادة جرت بالنوم في الثياب بالنهار دون الليل, وقيل: إن نامت أكثر النهار فيها ضمنت لأنها خلاف العادة ويجوز أن تلبسها بالليل إلى وقت المبيت للعادة.
الجزء: 7 - الصفحة: 180
فرع آخر
قال: ولو استأجرت ثوبًا يومًا مثل يوم عيد ونحوه بكراءٍ معلومٍ فلم تخرج كانت الأجرة لازمة لها فإن ضاع منها الثوب الذي اكترته فلم تجده حتى تقضي اليوم فلا أجرة عليها إذا علم ضياع الثوب, فإن ادعت أن الثوب ضاع ولم تجده إلى وقت انقضاء الإجارة لم تقبل منها إلا بالبينة ولم يكن لها أن تلبسه بعد تقضي اليوم, وإذا وجدته فإن لبسته بعدما وجدته كانت ضامنةً وعليها كراء مثله.
فرع آخر
قال الشافعي: وتجوز إجارة الحلي والجواهر وسائر ما تلبسه النساء ذهبًا كان أو فضة أو لؤلؤًا منظومًا أو خرزًا, والحكم في ذلك كالحكم في سائر ما تستأجره, فإن كان الحلي ذهبًا فاكتراها بذهبٍ أو فضةٍ جاز لأنه لا ربا بين الذهب ومنافع الذهب, وفيه وجه آخر لا تجوز [180/ ب] بجنسها ولو غصب حليًا يجوز أن يضمن منفعتها بجنسه أيضًا.
فرع آخر
قال: ويجوز إجارة القدور والطسوس والأباريق وسائر الأعيان القائمة التي ينتفع بها مع بقائها إذا كانت معلومةٍ, واشترطت منفعةً معلومةٍ في مدةٍ معروفةٍ, وكذلك لا بأس بإجارة الرماح والقسي ولا تجوز إجارة النشاب.
فرع آخر
لو استأجر دراهم أو دنانير مدةً معلومةً فيه وجهان أحدهما: لا يجوز وهو المشهور من المذهب لأن المقصود منها الانتفاع بها بإتلاف عينها, والثاني: يجوز لأن الانتفاع المباح يمكن بها مع بقاء عينها وهو أن يضعها الصيرفي بين يديه يتجمل بها أو يعبر بها السنجة والأوزان وهذا اختيار القاضي الطبري, وقال أبو حامد: الصحيح الأول لأنه لا خلاف أنه لا يضمن منافعه بالغصب وما ذكره من التجمل يبطل بالطعام لا يجوز إجارته ويحصل به التجمل أيضًا.
فرع آخر
لو استأجر رجلاً ليحمل له خمرًا إلى داره, أو استأجر جملاً ليحملها فالإجارة فاسدة وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: يجوز لأن الفعل لا يتعين عليه, ولو حمل مثلها خلاً جاز وهذا غلط لأنه استئجار لأمرٍ محرم فأشبه الاستئجار على الزنا.
فرع آخر
لو استأجر لينقلها للإراقة يجوز لأنه غير محرمٍ بل هو واجب.
الجزء: 7 - الصفحة: 181
فرع آخر
لو استأجر دارًا ليبيع فيها خمرًا كانت الإجارة فاسدة, وقال أبو حنيفة: يجوز ذلك من الذمي.
فرع آخر
إذا استأجر بيتًا ليتخذه بيت نار أو كنيسة لا يجوز وبه قال أبو يوسف ومحمد, وقال أبو حنيفة: لا بأس أن يؤاجر بيتًا في السواد ممن يتخذه بيت نارٍ أو كنيسة, ومن أصحابنا من قال: أراد أبو حنيفة إذا علم المؤجر ولم يشترطه فيرتفع الخلاف على هذا وهذا غلط [181/ أ] لما ذكرنا.
فرع آخر
لو استأجر دارًا أو بيتًا ليتخذه مسجدًا يصلي فيه جاز وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: لا يجوز وهذا غلط لأنه فعل جائز فجاز الاستئجار له كالخياطة.
فرع آخر
يجوز أن يستأجر من يقتص له في النفس والطرف وبه قال مالك, وقال أبو حنيفة: لا تجوز الإجارة على قصاص النفس لأن عدد الضربات وموضع القطع مجهول وهذا غلط لأنه يجوز التوكيل في استيفائه فجاز عقد الإجارة عليه كقصاص الطرف, وأما ما ذكروا يبطل بخياطة الثوب فإن الغرزات مجهولة ويجوز ذلك.
فرع آخر
أجرة السياف على المقتص من طرفه كأجرة الكيال على من عليه لأنه لإيفاء الحق, وقال أبو حنيفة: تجب الأجرة على المقتص له.
فرع آخر
ذكرنا أن الأجرة الناقد على المستوفي لأنه استوفى حقه في الظاهر ويريد بالانتقاد رده عليه إن ظهر عيب, وإذا اشترى ثمرةً فأجرة الجداد على المشتري وفي إجارة الكلب ذكرنا وجهين والأصح جوازها لأن منفعة الكلب لا تتصف بالنجاسة والطهارة والعقد يقع عليها, وقيل: الأعيان ضربان حيوان, وغير حيوان وغير الحيوان ضربان أحدهما: ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالشمع والمطعومات فلا تجوز إجارته والحيوان على ضربين آدمي وغير آدمي, والآدمي تجوز إجارته فيؤاجر نفسه وولده ومماليكه من العبيد والإماء, وأما غير الآدمي فضربان مملوك وغيره فالمملوك على ثلاثة أضربٍ ضربٌ ينتفع بظهره فقط كالبغال والحمير تجوز إجارتها, وضربٌ ينتفع بدرها دون ظهرها كالأغنام لا تجوز إجارتها لأن منافعها أعيان اللهم إلا أن يستأجروها لتدوس [181/ ب] الزرع أو الطين فتجوز, وضرب ينتفع بدره ونسله وظهره كالإبل والبقر فإن استأجرها لغير الأعيان جاز, وإن كان الانتفاع بالأعيان لا يجوز وتفصيل هذا يرجع إلى ما تقدم ذكره.
الجزء: 7 - الصفحة: 182
فرع آخر
لو استأجر شجرًا للاستظلال بها أو ليعلق به حبلاً يبسط عليه الثياب أو ليربط مواشي إليها وليبسط الثياب عليها قال أصحابها: يجوز, وقال في "الحاوي": إن كان هذا مقصودًا من منافعها غالبًا يصح, وإن كان نادرًا غير مقصود في العرف فيه وجهان كاستئجار الطعام لتعيير المكيال أو الدرهم للجمال وهذا خلاف ما ذكر أبو حامد في الطعام, ولو استأجر حبلاً ليعلق عليه الثياب جاز وجهًا واحدًا لأن هذا منفعة مقصودة فيه.
فرع آخر
لو قال: استأجرتك هذا اليوم بعينه لتبيع لي كذا وكذا أشياء بأعينها قال ابن القفال في "التهذيب": يحتمل أن يجوز ذلك لأن الأغلب إمكانه فإن تعذر البيع فيه كان له الأجر المسمى لأنه شغله عن منافع نفسه وبذل له العوض ويحتمل أن يقال: لا أجرة له لأن العمل لم يحصل, وقال القاضي الطبري: هذا يصح على ما نص عليه في "البويطي" أن العمل إذا كان معلومًا جاز تقديره بمدة وكان أفضل من السكوت عنه.
فرع آخر
قال في "الدعوى والبينات": لو استأجره لنقر جيفة من المزبلة وجعل أجرة نقلها جلدها ولم يجز لأنه نجس العين فلا يجوز أن تجعل أجرة لأنه مجهول لأنه لم يسلخ, ولو استأجره لسلخ شاه مدبوحة على أن جلدها له لم يجز لأنه مجهول, ولو سلخ جلد الميتة ثم استأجر من يحملها بجادها لم يجز لأنه جلد ميتة, ولو كان مذبوحًا والجلد مسلوخ فاستأجره لنقلها بجلدها جاز حينئذ لأنه طاهر معلوم, ولو رافعه إلى الحاكم, فإن كان قبل أن يعمل العمل فلا شيء له, وإن كان عمل له أجر المثل لأنه عمل بشرط عوضٍ لم يسلم له, وإن كان الأجير سلخ رده إليه لأنه [182/ أ] وإن كان ميتةً تقر يده عليه وله استصلاحه.
فرع آخر
لو استأجر دابةً من آمل إلى جرجان بدراهم مطلقة كانت الدراهم من نقد آمل, وقال أبو حنيفة: يلزمه من نقد جرجان وهذا غلط لأن الاعتبار بموضع العقد دون غيره.
فرع آخر
لو استأجر لضرب اللبن ليس عليه غير الضرب, وقال أبو حنيفة: عليه إقامة اللبن حتى تجف وهذا غلط لأنه لم يصرح به في عقد الإجارة فلا يلزمه.
فرع آخر
لو استأجره لحفر قبرٍ ليس عليه التراب إلى القبر بعد وضع الميت فيه, وقال أبو حنيفة: يلزمه ذلك.
الجزء: 7 - الصفحة: 183
فرع آخر
لو استأجره لشيء اللبن فليس عليه إلا الشيء وليس عليه إخراج الآجر من الأتون خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر
لو استأجر دابة من بغداد إلى البصرة فإذا بلغ عمران البصرة له استرداد الدابة ووضع الأحمال, وقال أبو حنيفة: عليه أن يأتي بالحمل إلى دار المكتري, وقال: لو نول في موضعٍ من البلد ثم قال: أخطأت منزلي في غيره لم يكن له أن يركبها إلى منزله وهذا غلط, لأنه لو كان ذلك حقًا له لو لم ينزل لكان حقًا له وإن نزل, وقال في "الحاوي": ولو كان البلد الذي ركب إليه صغيرًا تتقارب أقطاره له أن يسير عليها إلى منزله كما لو نزل في طريقه منزلاً جاز أن ينزل حيث شاء من أول المنزل وآخره.
فرع آخر
لو دفع إلى حائك غزلاً على أن ينسجه عشرة أذرع في عرض أربعةٍ فجاء به دون ذرعه أو عرضه استحق حصته من المسمى, وإن جاء به أطول لم يستحق الزيادة, وقال محمد: إن جاء به أطول أو أقصر كان صاحب الثوب بالخيار بين أن يطالبه بمثل غزله ويدفع إليه الثوب, وبين أن يدفع إليه حسابه من الأجرة لأنه لم يحصل غرضه فصار كأنه أتلفه عليه وهذا غلط لأنه استأجره ليعمل له عملاً فعمل بعضه فيستحق بقدره من الأجرة كما لو استأجره ليضرب [182/ ب] له ألف آجر فضرب بعضه.
فرع آخر
لو دفع ثوبه إلى غسال فقال له: اغسله حتى أحاسبك أقاطعك أو آتي بكلام يدل على الأجرة كان للغسال أجر مثله إذا غسل, ولو ألقى إليها لثوب وقال: اغسل هذا ولم يقل شيئًا آخر فغسله لم تكن له الأجرة ذكره أبو حامد في "الجامع" نصًا, وكذلك لو قال للجمال: احملني على بعيرك, أو قال للحمال: احمل هذا الطعام إلى منزلي, أو قال للخياط: خط ثوبي هذا فحمل أو خاط لا أجرة له, والغسال ومن ليس بغسالٍ والحمال ومن ليس بحمالٍ في ذلك سواء قال: وقد قيل فيه وجه آخر أنه إن كان معروفًا بالعمل بالأجرة تلزمه الأجرة, وإن لم يكن معروفًا بذلك لا تلزمه الأجرة لأنه إذا كان معروفًا بذلك فالظاهر يدل على العوض وبه أفتي, وذكر المزني في "الجامع الكبير" أنه يستحق الأجرة لأنه أتلف منفعته بأمره, وقال أبو إسحاق: لو بدأ الغسال فقال: أغسل ثوبك فأعطني فأعطاه لا يستحق الأجرة, ولو بدأ صاحب الثوب فقال: اغسل ثوبي يستحق الأجرة لأنه إذا دفع إليه فهو المتلف لمنافعه وإذا أخذ هو رضي بإتلاف منافع نفسه وهذا كله غير صحيح والمذهب الأول وهو اختيار ابن سريج والإصطخري وعامة أصحابنا ووجهه أن المنافع أضعف حالاً من الأعيان, ثم لو أتلف على غيره عينًا من أعيان ماله بإذنه لا يلزمه العوض وهو إذا قال للخباز: أطعمني هذا فأطعمه ولم
الجزء: 7 - الصفحة: 184
يذكر ما يدل على العوض فلأن لا يلزمه عوض المنافع هاهنا أولى ولأنه لو قال: أسكني دارك شهرًا فأسكنه لا يستحق الأجرة بالإجماع وما ذكروه يبطل بالأعيان وهكذا الخلاف لو دفع إلى صباغ ثوبًا ليصبغه أو أمره بالبناء أو التجارة ولم يذكر الأجرة.
فرع آخر
إذا قلنا: لا أجرة له عند الإطلاق فادعى الأجرة فالقول قول رب الثوب, كما لو قدم إلى رجل طعامًا فقال: كل فلما أكل قال: إنما أذنت لك في الأكل [183/ أ] يعوض فالقول قول الآكل, فإن قيل: أليس لو دفع إلى رجل عينًا وسكت فقال المدفوع إليه: وهبتها مني وأنكر الدافع كان القول قول الدافع ويلزمه ضمان العين إن لم يردها فقالوا في المنافع إذا لم تؤخذ منه الهبة يضمنها قلنا: الفرق أن دفع العين لا يتضمن إتلافها وقصارة الثوب تتضمن إتلاف العمل فيه فلهذا لم يضمنها.
فرع آخر
قال: وكراء الحمامات جائز, ولا يجوز حتى ينظر إلى الأشياء المقصودة التي تختلف المنافع باختلافها وهي سبعة أشياء البيوت والقدر والأتون ومطرح الرماد ومبسط الزبل والقماش والحطب والبئر والجنئة وجمعها جئات وهي موضع مستنقع ماء الحمام فإن أخذ برؤية شيء منها كانت الإجارة فاسدة كما نقول في البيع: لابد من مشاهدة هذه المواضع وهذا لأن الأغراض تختلف بكبر هذه المواضع وصغرها وسعتها وضيقها.
فرع آخر
كل ما كان للتمكين من الانتفاع فعلى المكري كالقير والجص والجامات والحوض والصاروج والأبواب والمفاتيح.
وكل ما كان لاستيفاء المنافع كالدلو والحبل والبكرة والقصاع التي في الحمام والوقود فعلى المكتري, وأما التحسين والتزيين لا يجب على واحدٍ منهما كما نقول في الدار سواء فإن شاء المكتري فعل, وإن شاء ترك.
فرع آخر
تنقية الآبار والجئة على المكتري إلا أن تكون الآبار والجئة مملوءة حين اكترى فيكون ذلك على المكري لأنه من جملة التمكين من الانتفاع, وقال أبو حنيفة: القياس هذا ولكن الاستحسان أن يكون على المكري لأنها عادة الناس ذلك وهذا غلط لأنه حصل بفعل المكتري فكان تنظيفه عليه كما لو طرح فيها قماشًا, قال أبو حامد: وقد قال الشافعي في المساقاة: تنقية الأنهار وإصلاح طريق الماء على العامل فكذلك هاهنا يلزم على المكتري قال: ولا خلاف [183/ ب] بين أصحابنا أنه إذا اكترى دارًا فتنقية البالوعة والوحش على المكتري كذلك هذا, ومن أصحابنا من قال: كسح لأن والجئة في الحمام على المكتري أبدًا ذكره أبو حامد في "الجامع" وهو المذهب لأن التمكين من الانتفاع به لا يكون إلا به وفي المساقاة تنقية الأنهار على رب النخل أيضًا وإنما تنقية الآبار التي على حوالي النخل على العامل ولا يشبه الحش في الدار لأن
الجزء: 7 - الصفحة: 185
معظم انتفاع الدار لا يكون به بخلاف الحمام, وقال بعض أصحابنا بخراسان: في الدار والحمام وجهان أحدهما: على رب الدار والحمام لأنه من تمام التمكين وبه أفتي, والثاني: أنه على المكتري.
فرع آخر
إذا انقضت مدة الإجارة لا يجب على المكتري تنظيف البالوعة حتى يردها كما تسلمها ويلزمه نقل الكناسة والتراب الذي ألقاه, وهكذا في الحمام لا يجب عليه تنظيف مستنقع الماء عند الرد.
فرع آخر
لو شرط على المستأجر عمارته أو مرمته أو تطيين سطوحه أو تنقية بئره كانت الإجارة فاسدة, ولو أنفق يلزم المكري بإذنه بشرط العوض, ولو اختلفا في قدره قال القاضي الطبري: القول قول المنفق لأنه أمينه على ذلك, ومن أصحابنا من قال: لا يجعل القول قوله لأنه لم يأتمنه وإنما شرط أن تكون النفقة عليه وذلك لا يقتضي الأمانة.
فرع آخر
قال في كتاب "الدعوى والبينات": لو أكراه دارًا سنةً بعشرين دينارًا على أن ما يحتاج إلى عمارتها أنفق المكتري من الأجرة وأقاما على العقد حتى مضت المدة فعلى المكتري أجر المثل والقول قوله فيما أنفق مع يمينه ما لم تبلغ النفقة عشرين دينارًا, فإن تلف عشرين فعليه ضمان ما لم يأذن له فيه وهو ما تمت به العشرون لأنه ما أذن له به وعلى هذا عقد إجارة صحيحة من غير شرطٍ ثم أذن له في الإنفاق ليحتسب له بذلك من الأجرة ثم اختلفا في القدر [184/ أ] القول قوله في القدر لأنه إذا جعله الشافعي أمينًا في الإجارة الفاسدة فلأن يجعل أمينًا في الإجارة الصحيحة أولى, وقال بعض أصحابنا بخراسان فيه قول آخر القول قول المالك لأن الأصل براءة الذمة.
فرع آخر
لو اشترط في عقد الإجارة دراهم يأخذها منه عند العقد سلفًا لتكون محبوسة عليه إلى آخر مدة الإجارة كانت فاسدة, وهكذا لو اشترط على المستأجر تسويده بالقير أو تبييضه بالنورة كانت فاسدة.
فرع آخر
لو انهدم الحمام انفسخت الإجارة وليس له أن يقول: أعيده كما كان لأنه يكون حمامًا آخر.
فرع آخر
لو اشترط رب الحمام على المستأجر أن لا يكون لدخوله الأجرة ولا لدخول غلمانه كانت الإجارة فاسدة.
الجزء: 7 - الصفحة: 186
فرع آخر
لو تعطل واحتاج إلى العمارة شهرًا ونحو ذلك لا يصح أن يشترط العطلة على المالك وعلى المكتري, فإن فعل ذلك فسدت الإجارة للجهل بمدة العطلة, وإن كان العقد مطلقًا كان كالعيب يحدث فيه فالمكتري بالخيار بين أن يقيم على العقد بكل الأجرة, أو يفسخ لأن المنفعة لم تتعذر جملةً بل نقصت.
فرع آخر
أو استأجر حمامًا فقل دخول الناس فيه, فإن كان لأمرٍ يعود إلى المؤجر من شعثه فعلى المؤجر إصلاحه فإن بادر إلى عمارته فلا خيار للمستأجر, وإن لم يبادر إلى عمارته فله الخيار, وإن كان لأمرٍ يعود إلى المستأجر من قلة الحطب ونحوه فلا خيار له, وإن كان لأمرٍ لا ينسب إلى واحدٍ منهما, فان كان لمانعٍ منه بفتنة حادثة أو لخراب الناحية فهذا عيب للمستأجر الخيار, وإن كانت فتنة يسيرة جرت بها العادة لا خيار, وإن كان لرغبة عنه بحدوث ما هو أعمر منه لا يكون عيبًا ولا خيار للمستأجر.
فرع آخر
لو نزل رجل في سفينة ملاح بغير إذنه فحمله فيها إلى بلدٍ له أجر مثله لأن الراكب صار مستهلكًا لمنفعة موضعه من السفينة على مالكها, ولو نزل فيها بإذنه [184/ ب] من غير ذكر الأجرة فهو كمسألة القصار وهكذا لو دخل حمامًا بالإذن من غير دليل الأجرة, وهكذا لو أخذ من سقاءٍ ماءً, فإن كان من غير طلب منه فعليه ثمنه, وإن كان بالطلب فعلى الاختلاف.
فرع آخر
قال الشافعي: ولا يجوز أن يكون أجيرًا على شيء وهو شريك فيه مثل أن يقول: اطحن هذه الحنطة لي ولك ربعا والمعنى الواضح في إبطاله أن الدقيق الذي يحصل من حنطةٍ بعينها بعد طحنها مجهول فكأنه استأجره على أن أجرته ربع دقيق مجهول وذلك لا يجوز, وكذلك قو قال: على أن النخالة لك لا يجوز, وكذلك لا يجوز أن يقول: انسج لي من هذا الغزل ثوبًا على أن لك ربعه شائعًا لا يجوز.
فرع آخر
لو استأجره للخدمة مطلقًا قال الشافعي: لا يجوز حتى يبين الجهة أن خياطة أو ماذا, وقيل: يجوز ويدخل فيه غسل الثوب والخياطة والخبز وتعليف الدواب وحمل الماء للشرب والطهارة وخدمة الزوجة وحلب المواشي, وقيل: تعليف الدواب وحلبها وخدمة الزوجة لا تدخل إلا بالشرط وهو اختيار شيوخنا بنيسابور.
فرع آخر
لو استأجر طحانًا لطحن تسعة أقفزة بالقفيز العاشر منها لأنه حصل تسعة أعشاره معقودًا عليه وعشرة معقودًا به.
الجزء: 7 - الصفحة: 187
فرع آخر
قال في "البويطي": ومن اكترى ظهرًا في بلدٍ يحمل له طعامًا فذهب فوجد الطعام قد ضاع فالكراء لازم له ويكريها من شاء على مثل حمولته, فإن لم يفعل حتى ذهب الوقت الذي لو حمله فيه يرجع إلى بلده لزمه كل الكراء لأنه قابض لها.
فرع آخر
قال: ولو تكارى ظهرًا وجهها إلى بلدٍ تحمل له طعامًا وليس معها وكيله فلم يجد الطعام فعلى صاحب الظهر أن يأتي الوالي فيخبره حتى يطلب له الكراء, فإن لم يصب السلطان فرجع [185/ أ] فليس له في الرجوع شيء وله حصة الذهاب فارغة.
فرع آخر
قال ابن القاص: قال الشافعي: ولا يجوز أن يشتري لبنًا على أن يسلمه إليه مطبوخًا قال ابن القاص: وهكذا لا يجوز أن يدفع خفًا إلى إسكافٍ على أن ينعله بدرهم والنعل من عند الإسكاف إلا أن يقدر لثمن النعل وللأجرة شيئًا فيجعله عقدين, وهكذا نعل الدواب وهكذا لو دفع جبةً إلى ندافٍ بأجرة معلومة والقطن من عنده قال ابن القاص: وفيه قول آخر إن ذلك جائز وذلك أن الشافعي قال: ولو كاتب عبده على أن يبني له بيتًا والعمارة من عند العبد كان جائزًا إذا سمى الطوب والأحجار ومنتهى البنيان, قال أبو عبد الله الختن في "الرشح": في جميع هذه المسائل مع مسألة الكتابة قولان أحدهما: لا يجوز لأنه في معنى ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه من بيعتين في بيعةٍ ولأن قسط كل واحدٍ من العقدين من العوض مجهول فلا يجوز, والثاني: يجوز لأن جملة العوض معلومة كما يجوز شراء الأعيان المختلفة بثمن واحد, وإن لم يعلم قسط كل عين من الثمن قال ابن القاص: إلا في الرضاع فإنه يجوز الجمع فيه بين اللبن والكفالة قولاً واحدًا, وكذلك نص الشافعي أنه يجوز أن يدفع ثوبًا إلى صباغٍ ليصبغه بصبغه, قال ابن القاص: ويجوز أن يدفع المصحف إلى الوراق ليكتبه بحبره قلته تخريجًا, وذلك إنما جاز للحاجة إليه لأن إفراد اللبن بالعقد لا يجوز لأنه مجهول مجوز على طريقة التبع لغيره, وكذلك مقدار الصبغ الذي يحتاج إليه والحبر الذي يكتب به مجهول المقدار فجرى فيه العفو والمسامحة.
فرع آخر
إذا استأجر بعيرًا عقبةً جاز نص عليه في "الأم" وذلك أن يركب زمانًا ويمشي زمانًا بقدره وإنما كان كذلك لأنه يجوز أن يكترى البهيمة ليركبها جميع المسافة فجاز أن يكريها ليركبها بعضها [185/ ب] ولأنه يكون بمنزلة ما اكترى نصف البهيمة وذلك جائز, فإذا ثبت هذا فإنه يركب ويمشي على حسب العادة, فإن كانت العادة تقدير ذلك بالزمان كأنه يركب ليلاً ويمشي نهارًا عمل على ذلك, وإن كانت العادة تقديره بالمسافة كأنه يركب فرسخًا ويمشي فرسخًا عمل على ذلك فإن طلب أن يركب ثلاثة أيام ويمشي
الجزء: 7 - الصفحة: 188
ثلاثة أيام قال الشافعي: لم يكن له ذلك يضر بالبعير لاتصال الركوب عليه, وكذلك إن طلبه صاحبه للبعير لم يكن له ذلك يضر بالراكب لاتصال الركوب عليه, وكذلك المشي عليه وأما زمان العلف وزمان النزول للاستراحة لا يحسب من ذاك لأن هذا ليس بزمان الركوب, وإن طالبا أن يركب يومًا وليلةً وينزل يومًا وليلة أجيب إلى ذلك, ولو اكترى دارًا للسكنى هكذا يجوز أن يسكن ثلاثة أيام ويفرغ ثلاثة أيام لأن العقار لا يستضر به, ولو اكترى اثنان بعيرًا ليتعاقبا عليه يجوز أيضًا.
وقال المزني: لا يجوز لأن الذي يركب بعد الأول لا يتصل انتفاعه بالعقد وهذا يبطل عقد الإجارة وهذا غلط لأنهما إذا اكتريا ملكا جميعًا منافع الركوب بينهما, ألا ترى أنهما لو اكتريا البعير من واحدٍ جميعًا صح فثبت أنهما ملكا المنافع على وجه الإشاعة إلا أنه لا يمكنهما أن يستوفيا جميعًا فيتقدم أحدهما: على الآخر وذلك لا يقدح في العقد, ألا ترى أنهما لو اشتريا طعامًا من صبرةٍ فإن أحدهما: يقبض قبل الآخر ولا يكون ذلك تأخير التسليم, فإذا ثبت هذا فإن اتفقا على أن يبدأ أحدهما: ركب, وإن اختلفا أقرعنا بينهما لتساوي حقهما, وقال ابن القاص: يجوز اكتراء الحمولة للركوب معينة ومضمونة في الذمة إلا للعقب فإنه لا يجوز إلا مضمونة الذمة وقد ذكره المزني في "الجامع الكبير" تخريجًا على قياس المذهب وهذا اختيار القاضي الطبري لأنه إن اكتراه [186/ أ] رجلان لا يمكن تسليمه إلا إلى أحدهما وتسليمه إلى الآخر غير ممكن فلا يصح, وإن اكتراه واحدٌ عقبة شرط قطع التسليم في معقود عليه معين وذلك لا يجوز وهذا المعنى موجود أيضًا في اكتراء الاثنين فلم يجز إلا مضمونًا في الذمة وهذا ظاهر صحيح عندي, وقال القفال: يجوز إذا لم يكن الجمل معينًا ويمكن أن يكتري معينًا أيضًا بأن يكترياها معًا من صاحبها من غير شرط العقب ثم يهيئانها بينهما فيركبها هذا يومًا وهذا يومًا وهذا عندي إذا أمكن أن يركبا معًا, فإن لم يكن هكذا فلا يجوز كراءهما للركوب معًا.
فرع آخر
لو دفع رجلٌ إلى سقاء قطعة وأخذ الكوز وشرب منه الماء فوقع الكوز من يده وانكسر يلزمه الضمان لأنه لا يلزمه تسليم الماء في موز نفسه, فإذا أعطاه قائمًا فإنما هو بمنزلة العارية يكون مضمونًا عليه هكذا ذكره القاضي الطبري ويحتمل عندي وجهًا آخر أنه لا يضمن لأن القطعة إنما تجب بدفع عوضًا عن الماء ومنفعة تلك الآنية أيضًا, ولكن إن كان وقوع الكوز بتفريطٍ من جهته مثل دسمٍ كان في يده أو ضعفٍ استمساكه ضمن, وإن كان بصدم إنسانٍ أو بعارضٍ عرض من هدمٍ أو غلبة ريح أو علة اعترضت لا يضمن والله أعلم.
فرع آخر
قال المزني في "المنثور": لو اشترى رجلٌ بيتًا من صاحب الحانوت ودفع المشتري
الجزء: 7 - الصفحة: 189
إلى البائع الإناء ليصب فيه فوقع الإناء من يد البائع ساهيًا عير متعمد لا ضمان عليه لأنه أباح له الصب فيه فهو بمنزلة وكيله قال: ولو وضعه إلى جانبه فنام فسقط عليه فانكسر ضمن لأنه أتلفه بسقوطه عليه, وعندي لو كان سقوطه بتفريطٍ منه على ما ذكرت يضمن أيضًا.
فرع آخر
قال ابن الحداد: لو اكترى منه دواب على أن تحمل له خمسة أعبد من بلد إلى بلد فمات اثنان منهم وحمل الثلاثة الباقين فليس له إلا ثلاثة أخماس الكراء.
فرع آخر
قال: ولو أن رجلاً آجر أرضًا له من رجلٍ على أن يبني المستأجر فيها بناءً معلومًا فبني ثم حبسها يعني وقفها كان الحبس جائزًا, وقيل للباني: اقلعه إلى حيث شئت وسلم الأرض [186/ ب] لأن الأرض صارت غير مملوكة لا يجوز بيعها وإنما يجعل له قيمة البناء إذا كانت الأرض مما يجوز بيعها وعندي قبل مضي مدة الإجارة لا يطالب بالقلع وبعد انقضاء المدة إن شرط عليه قلعه يلزمه القلع, وإن لم يكن شرط عليه القلع يدفع المتولي قيمة العمارة إن رأى فيه الحظ لأن الوقف ورد بعد استحقاق البناء فيها.
فرع آخر
يجوز استئجار الرجل ولده للخدمة خلافًا لأبي حنيفة ووافقنا أنه يجوز لغير الخدمة.
فرع آخر
لو كان بينهما حنطة مشتركة فاستأجر أحدهما: صاحبه ليطحنها جاز خلافًا لأبي حنيفة على أنه لو استأجر جوالقًا ليجعل فيها حنطة مشتركة جاز.
فرع آخر
لو استأجر إلى مكة بعيرًا لم يكن له أن يحج له أن يحج عليه إذا وصل إليها, ولو استأجره ليحج عليه كان له أن يركبه إلى منى ثم إلى عرفة إلى المزدلفة ثم إلى منى إلى مكة لطواف الإفاضة, وهل له أن يركبه من مكة عائدًا إلى منى ليبيت بها ويرمي أم لا؟ فيه وجهان, أحدهما: له ذلك لأنه من بقايا الحج, والثاني: ليس له ذلك لإحلاله من الحج.
فرع آخر
لو تعادل رجلان على بعيرٍ استأجراه فارتدف معهما ثالث ركب بغير أمرهما لزمه أجرة المثل لمالكه ولزمه ضمان البعير إن تلف وفيه ثلاثة أوجه أحدهما: النصف اعتبارًا بجنس الإباحة والحظر, والثاني: الثلث اعتبارًا بأعدادهم دون وزنهم وبه قال أبو حنيفة لأن الرجال لا يوزنون.
والثالث: يقدر ثقله من ثقل الثلاثة تقسيطًا على وزنهم؛ لأن الرجال لا يوزنون فيما لا يعتبر فيه الثقل والخفة والحمل مما يعتبر ذلك لتقسيط الأجرة عليه لجاز أن يوزنوا وإن كانوا رجالاً.
الجزء: 7 - الصفحة: 190
فرع آخر لو كان الراكبان أذنا للرديف أن يركب معهما ضمنوا جميعًا البعير إن تلف ورب البعير بالخيار في الرجوع على أيهم شاء فإن رجع على الرديف رجع بما ذكرنا من الأوجه، وإن رجع على أحد الراكبين، فإن كان البعير مع [187/ أ] الجمال ففي قدر ما يضمنه ثلاثة أوجه كالرديف ويرجع بها الغارم على الرديف بعد غرمها، وإن كان البعير معهما دون الجمال ضمنا جميع قيمتها ولم يرجع الغارم منهما على الرديف بعد غرمها إلا بقدر ما كان يلزم الرديف منها على الأوجه الثلاثة.
باب تضمين الأُجراء
مسألة: قال: "الأجراءُ كلهم سواءٌ".
الفصل
وهذا كما قال: الأجير هو المستأجر للعمل على مال الغير كالصانع والصائغ والحائك والقصار والخياط والنجار والخباز والراعي والرائض والمؤدب يسلم إليه العبيد، فإذا استؤجر واحد منهم لشيء مما ذكرنا لم يخل من أحد أمرين إما أن تكون يد المكتري على ملكه أو لا تكون له عليه يد، فإن كانت يده على ملكه وهو أن يكون صاحبه معه فيعمله بحضرته أو حمل الصانع إلى بيته ليعمل فيه أو استأجره ليرعى ماشيته في ملكه ولا يخرجها منه فلا ضمان عليه قولًا واحدًا لأن الشيء في يد صاحبه نص عليه في "الإملاء" قال ابن سريج: وهذا في الحقيقة استعانة به فإن تعدى في شيء منها يلزمه الضمان بالتعدي والجناية، وإن لم تكن يد مالكه عليه وهو العادة فسلم إليه ملكه حتى تثبت يده عليه هل يلزمه ضمانه؟ قولان:
أحدهما: لا ضمان عليه وهو اختيار المزني وبه قال عطاء وطاوس وزفر وأحمد وإسحاق لأنه قبض الشيء لمنفعة نفسه ومنفعة مالكه فلا يضمن إلا بالتعدي كالعامل في القراض وكالمرتهن.
والثاني: يلزمه الضمان وقبضه قبض ضمان وبه قال مالك وابن أبي ليلى، وروي عن عمر وعليّ رضي الله عنهما قال الشافعي: كان عليّ رضي الله عنه يضمن الأجراء ويقول: لا يصلح الناس إلا هذا ووجهه أنه قبض الشيء لمنفعته من غير استحقاق فيضمنه بالقبض كالمستعير.
ومن أصحابنا من قال قولًا واحدًا لا ضمان عليه إلا بالتعدي لأن الربيع قال: كان اعتقاد الشافعي أنه لا ضمان عليهم ولكنه كان لا يبوح به مخافة أجراء [187/ ب] السوء وكذلك كان عنده أن الحاكم يحكم بعلمه ولكنه كان لا يبوح به مخافة قضاة السوء أو مخافة فساد القضاة والقول الآخر حكاية مذهب الغير وقد به تزييف قول من
الجزء: 7 - الصفحة: 191
يفصل بين أن يتلف بعمله الذي لم يتعدّ فيه أو دون عمله.
وروى الحارث أن الشافعي سلم بمصر ثيابًا مرتفعةً إلى قصارٍ فاحترق دكان القصار واحترقت الثياب فتشفع القصار إليه بقومٍ في الصبر عليه إلى أجلٍ فقال: لا أضمنه شيئًا لأنه لم يصح عندي أن الصنَّاع يلزمهم الضمان هذا إذا كان الأجير مشتركًا وهو يعمل له ولغيره يكون مشتركًا بين الناس كلهم.
فأما الأجير المنفرد وهو إذا استأجر رجلًا شهرًا ليعمل له عملًا فمنفعته في هذه المدة صارت مستحقة لهذا المستأجر وليس له أن يعمل فيها لغيره، قال في "الإفصاح": فيه قولان أيضًا ولا فرق بين الأجير المشترك والمنفرد، لأن الشافعي قال: والأجراء كلهم سواء.
ومن أصحابنا من قال: لا ضمان على الأجير المنفرج قولًا واحدًا وهذا اختيار ابن أبي أحمد لأن منفعته صارت مملوكة للمستأجر، فإذا سلم ثوبه إليه فهو في الحكم في يده وقبضه وكان بمنزلة ما لو حمل الصانع إلى بيته والطريقة الأولى أصح، وقال في "الحاوي": الخياط الذي يعمل في دكان نفسه لرجلٍ واحدٍ ولا يعمل لغيره ومستأجره غائب عنه قال أبو إسحاق: وهو مذهب البصريين هو في حكم الأجير المنفرد لاختصاصه بمستأجر واحد.
وقال ابن أبي هريرة: وهو مذهب البغداديين هو في حكم الأجير المشترك لاختصاصه باليد والتصرف دون المستأجر وقيل: صورة المشترك أن يستأجره ليعمل له شيئًا، وقال له: اعمل فيه في أي موضع شئت فجعله شريكًا في الرأي والتدبير.
والمنفرد أن يقول له: اعمل في هذا الموضع ولا تعمل في غيره، والصحيح في صورة المشترك والمنفرد ما ذكرنا أولًا، وقال أبو يوسف ومحمد: إن تلف بأمر ظاهرٍ كالحريق [188/ أ] والنهب لا ضمان، وإن تلف بغير ذلك ضمن.
وقال أبو حنيفة: إن تلف بفعله ضمن وإن دقَّ دقّ مثله ولم يتعدَّ إذا كان مشتركًا، وإن كان منفردًا لا يضمن وإن تلف بغير فعله لا ضمان أصلًا وهذا غلط لأن الضمان بالخرق عند الدق، وإن كان بالتعدي فلا فرق فيه بين المنفرد وغيره، وإن لم يكن بالتعدي فيجب أن يضمنا أيضًا، وإن كان بالتلف من غير التعدي فعلهما وعندنا إذا لم يبالغ في غسل الثوب ودقّة مبالغة تؤدي إلى حرقه أو خرقه لا يضمن.
واحتج المزني على اختياره بثلاثة أشياء.
أحدها: قال: قطع الشافعي بأن لا ضمان على الحجام يأمره الرجل أن يحجمه أو يختن غلامه أو يبيطر دابته.
والثاني: قال: وما علمت أحدًا ضمن الراعي المنفرد بالرعي.
والثالث: قال: قال الشافعي: لو اكترى رجلًا ليحفظ متاعه في دكانه فاحترق المتاع لا ضمان عليه.
قال: فإذا ألقوا عن هؤلاء الضمان لزمهم إلقاؤه عن الصناع يعني بذلك
الجزء: 7 - الصفحة: 192
أن الضمان إذا كان ساقطًا عن الأجير المشاهد والأجير المنفرد فكذلك يجب أن يكون الضمان ساقطًا عن الأجير المشترك قال أصحابنا: لا فرق بين هذه المسائل وبين ما ذكرناه من مسألة القولين، وإنما قال الشافعي: لا ضمان على هؤلاء لأن الغالب أن الغلام يُختن في يد صاحبه وبيته ويحجم هكذا، وكذلك البيطار يبيطر في بيته أو في يده وصاحبها يكون معها فأما إذا أخذ الغلام أو الدابة وانفرد بهما فالمسألة على قولين أيضًا، وأما الأجير الذي في حانوته يحفظ متاعه فهو في ملكه والمتاع في يد صاحبه، وأما الراعي إن كان يرعى لا في ملكه فقولان أيضًا فلا ينتفع المزني بما أورده، وإن كان الصحيح ما اختار من القولين ثم قال الشافعي: ما أعلم أني سألت أحدًا منهم ففرق بينهما وهذا يوهم أن الفقهاء لم يفصلوا بين المنفرد والمشترك وليس كذلك فإن أهل العراق يفصلون بين هذين الأجيرين وإنما أراد الشافعي بذلك فرق المعنى لا فرق المذهب أي: ما سألت أحدًا منهم عن الفرق بين الأجير [188/ ب] المنفرد، وبين الأجير المشترك إلا عجز عن الفرق.
فرع
إذا قلنا بالقول الضعيف كيف يضمن؟ وجهان أحدهما: يضمن أكثر التركات ما كانت قيمته من حين قبض إلى حين أن تلف كالمغضوب وهذا اختيار أبي حامد، والثاني: يضمن قيمته يوم التلف ولا يضمن الزيادة الحادثة في يده لأن الشيء كان في يده بإذن صاحبه ولم يكن مأمورًا برده عليه في كل حالٍ قال القاضي الطبري: ويجب أن يكون ضمانه ضمان المأخوذ سومًا إذا تلف عنده على هذا الوجه.
وأما نقصان الجزء من يوم قبض مضمون عليه بلا إشكال.
فرع آخر
الأجرة هل تلزم للأجير؟ ينظر فإن تلف الشيء قبل العمل لا أجرة له، وإن كان بعد الفراغ من العمل نظر، فإن كان الشيء في يد صاحبة استحق الأجرة لأن العمل صار مقبوضًا لصاحبه وكل ما عمل جزءًا من العمل استقر أجرته اللهم إلا أن يبتدئ بالتلف أول ما يعمل فلا يستحق، وإن كان في يد الأجير فلا أجرة له لأنه لم يسلم العمل، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قصره القصار ثم تلف عنده فإن قلنا: القصارة عينٌ لا أجرة له لأن العين تلفت قبل التسليم، وإن قلنا: أثر فله الأجرة وفي هذا نظر.
فرع آخر
إذا عمل الأجير ما استؤجر عليه هل له حبس المال عن مالكه لاستيفاء الأجرة؟ قال أبو يعقوب الأبيوردي: إن لم يكن له أثر قائم فيه لم يكن له حبسه عن مالكه قولًا واحدًا، وإن كان له عين مال فيه كالصبغ ونحوه له حبسه لأخذ الأجرة إذا جعلنا للبائع حبس المبيع لاستيفاء الثمن، وإن كان له فيه أثر كالقصارة والخياطة والتصبيغ بصبغ المالك فيه قولان مخرجان بناءً على أن هذه تجري مجرى الأعيان والآثار، وفيه قولان
الجزء: 7 - الصفحة: 193
ذكرناهما في التفليس فكل موضع قلنا له الحبس فحبس ثم تلف بغير جناية أحدٍ سقطت أجرته كما يسقط الثمن بتلف المبيع قبل التسليم، واختار الكشميهني أنه ليس لهم الحبس.
فرع آخر
قال بعض أصحابنا بخراسان: [189/ أ] لو قصر الثوب ثم جاء متلف فأتلفه في يد القصار فالمالك بالخيار إن شاء رجع على المتلف بقيمة الثوب مقصورًا ثم يؤدي أجرة القصار، وإن شاء رجع على المتلف بقيمة الثوب غير مقصور والقصار يطالب المتلف أيضًا بأجرته، كما لو أتلف المبيع في يد البائع فالمشتري بالخيار إن شاء فسخ العقد وتبع البائع المتلف بالقيمة، وإن شاء أجاز البيع وأدى الثمن وطالب المتلف بالقيمة، ولو أتلف القصار الثوب بعدما قصر فقولان كالقولين في جناية البائع أنها كآفٍة سماويةٍ أو كجناية الأجنبي، فإن قلنا: إنها كالآفة السماية لا أجرة للقصار سواء جعلنا القصارة أثرًا أو عينًا، وإن جعلناها كجناية الأجنبي فالمالك بالخيار بين أن يغرّم القصار قيمة الثوب مقصورًا أو يغرم له الأجرة أو يغرمه قيمة الثوب غير مقصور ولا أجرة له وهذا كله على ما ذكرنا أن القصارة تصير مسلَّمةً من صاحب الثوب وهذا لا يصح لأن القصارة، وإن كانت أثرًا لا بد من أن تصل إلى يد صاحبه وفيه الأثر حتى تتقرر الأجرة ويستقر حكم العمل فلا وجه لهذا القول والله أعلم.
فرع آخر
لو سلّم مملوكًا أو حرًا إلى رجلٍ ليعلمه الحرفة بأجرةٍ فمات قال صاحب "التلخيص": لا ضمان عليه قلته تخريجًا، وقال أبو عبد الله الختن في شرح "التلخيص": أما الحر فلا يضمنه لأن اليد لا تثبت على الحر، وأما العبد فإن أخذ وغاب معه فالقياس فيه أنه على قولين كما ذكرنا في الأجير ويحتمل أنه أراد به إذا كان يعمله في بيت صاحبه أو حانوته.
فرع آخر
إذا استأجر رجلًا ليحمل له طعامًا على ظهرٍ أو في سفينة فحمله فتلف في الطريق، فإن كان صاحبه معه فلا ضمان على الأجير إلا أن يتعدى فيه فإن تعثر فهلك لا ضمان وله الأجرة ذكره الصيمري، وإن لم يكن صاحبه معه نظر، فإن تعدى فيه ضمنه، وإن لم يتعدّ فيه فعلى قولين.
فرع آخر
لو استأجر الملاّح مدادًا له السفينة فهلكت في يده فإن نسب إلى تعدٍّ أو تفريطٍ ضمن وإن لم ينسب، فإن كان الملاّح حاضرًا لم يضمن، [189/ ب] وإن كان غائبًا فعلى اختلاف أصحابنا يكون منفردًا أو مشتركًا.
الجزء: 7 - الصفحة: 194
فرع آخر
الحمَّامي إذا تلفت ثياب الناس عنده هل يضمن أم لا؟ اختلف أصحابنا فيما يأخذه من العوض هل هو ثمن الماء أو أجرة الحفظ والدخول أحدهما: أنه ثمن الماء ويكون متطوعًا بحفظ الثياب ومعيرًا للسطل، فعلى هذا لا يضمن الثياب إن تلفت وله غرم السطل إن هلك، والثاني: أنه أجرة الدخول والسطل وحفظ الثياب فعلى هذا لا غرم في السطل إن هلك ويكون في ضمان الثياب كالأجير المشترك.
فرع آخر
لو تلف المتاع في يد الوكيل بجعلٍ، فإن كان منفردًا لم يضمنه، وإن كان مشتركًا فيه قولان.
فرع آخر
لو وكل في شراء متاعٍ بجعلٍ يكون أجيرًا في الشراء مأذونًا له في قبض المبيع فإن تلف عنده المبيع لم يضمنه، وإن تلف الثمن فيه قولان.
مسألة: قال "وإن استأجر من يخبز له خبزًا معلومًا في تنّور أو فرنٍ".
الفصل
وهذا كما قال: الفرن التنور الكبير الواسع الذي يخبز فيه الكعك وهو الفراني وذلك أنه يُسجَّر حتى يحمى فإذا حمي واشتد حماه أخذت النار والجمر والرماد من تحته ونظف أسفله ثم طرح في أسفله عجين حتى ينضج بحمى التنور ويحمرّ، فإذا استأجره ليخبز له فاحترق نظر، فإن كان معه صاحبه فلا ضمان إلا بالتعدي، وإن لم يكن معه صاحبه، فإن كان قد تعدى فيه ضمن، وإن لم يكن تعدى فيه قولان على ما ذكرنا في الأجير المشترك، ووصف الشافعي صفة التعدي فقال: هو أن يلزقه في حال استيقاد التنور وشدة حموه أو يلزقه بعد سكون وهجه واعتدال التنور ولكنه في التنور بعد نضجه حتى احترق فعليه الضمان، قال الشافعي: وإن كان حاضرًا فعمل الأجير عملًا فقال: هذا تعدي فيه، وقال الأجير: بل هو صلاح له رجع فيه إلى أهل البصر به فإن قال عدلان: إنه ليس تعدِّ [190/ أ] لم يضمن، وإن قالا: هو تعدِّ ضمن، وإن لم تكن بينة كان القول قول الأجير مع يمينه.
فرع
لو استأجر أجيرًا شهرًأ ليخبز له ألف رطلٍ من الخبز فالإجارة باطلة لأنه لا يجوز أن يجمع بين عملٍ مقدرٍ ومدة محصورة، ولأن الوصف مجهول لأن الرغفان تختلف في القلة والكثرة والصغر والكبر، ولو اقتصر على قوله: ألف رطل خبز ولم يذكر المدة كان باطلًا لهذا المعنى فكيف إذا ذكر المدة؟ وقول الشافعي: ولو استأجر من يخبز له
الجزء: 7 - الصفحة: 195
خبزًا معلومًا معناه حصر وزنه وعدده وقدره إلى سائر ما يجب حصره على أن يكون عملًا معلومًا في ذمته غير متعلقٍ بمدةٍ معلومة معينة مقدورة ويجوز للأجير حينئذ عقد إجارة ثانية وثالثة مع من شاء هكذا ثم يقسّط أيام العمل على الأعمال بقدرها فيعجل لكل واحدٍ منهم يومًا أو يومين ويقرع بينهم ليرتّب بعضهم على بعضٍ أن يستأجروا ويستوي فيه المتقدم والمتأخر من المستأجرين، كما يستوون في الديون قديمها وحديثها ذكره أبو عبد الله الختن.
مسألة: قال: "وإن اكترى دابةً فضربَهَا أو كبحَهَا باللجَامِ".
الفصل
وهذا كما قال: هذه المسألة ليست من مسائل الأجراء وإنما ذكرها هنا ليبين الفرق بين الأجير إذا تلف الشيء في يده، وبين المستأجر إذا تلف المؤاجر في يده فقال: إن المؤاجر لا يضمن باليد قولًا واحدًا وإنما يضمن بالتعدي فإذا اكترى دابةً فضربها أو كبحها باللجام فماتت، فإن كان القدر الذي فعله من الضرب والكبح باللجام مثل ما يفعل في العرف والعادة لم يضمن وبه قال أبو يوسف ومحمد، وإن خرج عن العرف للمستأجر أن يضرب الدابة ما لم يأذن له المالك في ضربها وهذا خطأ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اضربوها على العثار ولا تضربوها [188/ أ] على النّفار" يعني أنها في العثار ساهية فالضرب يوقظها وفي النّفار تزاد بالضرب نفورًا فإن قاسوا على ضرب الزوج زوجته يوجب الضمان إذا أدى إلى التلف قلنا: الفرق أنه يمكن تأديبها بالكلام والتخويف فجوّز الضرب بشرط السلامة، فإذا تلف ضمن وها هنا لا بد من الضرب فلم يضمن.
مسألة: قال: "فأما الرّواض فإنَّ شأنهم استصلاحُ الدوابِ".
الفصل
وهذا كما قال: الرائض إذا ضربها فتلفت، فإن كان زاد في ذلك على ما جرت به عادة الرّواض كان ضامنًا لها سواء كانت في يده أو في يد صاحبها، وإن كان ضربها ضربًا جرت العادة من الرّواض به، فإن كانت في يد صاحبها لا ضمان، وإن كان منفردًا بها فعلى القولين، والشافعي لم يبيّن أن هذا من مسائل القولين وأصحابنا ذكروا ما قلنا، واعلم أن تسيير الرائض الدابة وضربه إياها أكثر في العادة من تسيير الراكب المستأجر وضربه لأن المستأجر لا يضربها إلا عند الحاجة وهو إذا وقفت أو عثرت والرائض يضربها في حال السير لأنه يقصد به التقويم والرياضة فيجب الرجوع في
الجزء: 7 - الصفحة: 196
ضرب الرائض وحمله عليها بالسير إلى أهل البصر بالرياضة على ما بيناه.
مسألة: قال: "والراعي إذا فعلَ ما للرعاةِ أنْ يفعلوهُ ممّا فيه صلاحٌ لم يضمن، فإن فعل خلاف ذلك ضمن وهذا أيضًا على أحد القولين على ما ذكرنا ثم قال المزني: وهذا يقضي لأحد قوليه بطرح الضمان كما وصفتُ يقال له: هذا جواب على أحد القولين فكيف نحتج به ولا حجة فيه؟
مسألة: قال": "ولو اكترى لحملِ مكيلةِ وما زاد فبحسابه".
الفصل
وهذا كما قال: اختلف أصحابنا في تأويله فمنهم من قال: معناه إذا قال: احمل لي هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بكذا وكذا وما زاد من طعام آخر فبحسابه [191/ أ] صحت الإجارة في الصبرة، ولم تصح في الزيادة لأن الزيادة غير مشاهدة ولا موصوفة وهكذا في البيع لو قال: بعتك هذه الصبرة وهي عشرة أقفزة بكذا وكذا وما زاد بحسابه صح البيع في الصبرة ولم يصح في الزيادة، ومنهم من قال: تأويله أنه قال: إن زادت هذه الصبرة على عشرة أقفزة فبحسابه يصح في العشرة لأنها متيقنة ولا يصح في الزيادة لأن وجودها غير متيقن فلم يصح تعليق العقد عليه فعلى هذا إن كانت الزيادة متيقنة يجوز هكذا ذكره أبو حامد.
ومن أصحابنا من قال: لا تصح في الزيادة، وإن كانت متيقنة لأنها غير مقدرة بمقدار معلوم ولا مشاهدة لأن الإشارة إليها غير ممكنة، ألا ترى أنه إذا قال: بعتك هذه الصبرة إلا مدًأ لم يجز لأن ما عدا المد ليس بمشاهد مشار إليه ولا مقدر بمقدار معلوم ذكره القاضي الطبري، فإن قيل: هلاّ قلتم: إن العقد إذا فسد في بعضه فسد كله لأن العقد إذا فسد في بعضه للجهالة فسد في جميعه كما لو قال: أجرتك هذه الدار كل شهرٍ بكذا لم يصح العقد في الشهر الأول ولا في الأشهر الباقية، أو هلاّ قلتم: يبنى على القولين في تفريق الصفقة لأن العقد تناول ما يجوز وما لا يجوز قلنا: العقد على المكيلة المعلومة منفصل عن العقد على الزيادة فهما عقدان مختلفان لأن المكيلة قد صح العقد عليها بأجرتها ثم عقد على الزيادة بمثل أجرتها فكان أحدهما منفصلًا عن الآخر كما لو قال: بعتك هذه السلعة بألف درهمٍ، وبعتك هذا العبد بمثل ثمنها كانا عقدين وكان له أن يقبل أحدهما ويرد الآخر ولم يفسد ها هنا أحد العقدين لفساد الآخر.
وقال أبو إسحاق: تأويلها أنه كان له صبرتان حاضرة وغائبة فقال: اكتريتك لتحمل هذه الصبرة كل قفيز بدرهمٍ [191/ ب] والغائبة بحساب ذلك صح في الحاضرة وبطل في الغائبة لأنهما عقدان أحدهما: على الحاضرة، والثاني: على الغائبة، ولو قال:
الجزء: 7 - الصفحة: 197
لنقل هذه والتي في البيت كل قفيز بدرهمٍ بطل في الغائبة وفي الحاضرة حينئذ قولان والتأويل الأول أوضحها وأشبه بكلام الشافعي.
فرع
لو قال: استأجرتك على أن تحمل لي عشرة أقفزة من هذه الصبرة بكذا على أن ما زاد عليها بحسابه كان العقد باطلًا في الجميع لأنهما عقدان جعل أحدهما: شرطًا في الآخر، فهو كما لو قال: بعتك هذا بألفٍ على أن أبيعك هذا بمثله.
فرع آخر
لو قال: استأجرتك على أن تحمل هذه الصبرة كل قفيز بكذا جاز كما يجوز البيع، وقال ابن أبي هريرة: يحتمل أن يكون باطلًا في البيع والإجارة والأول هو المذهب، وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد، كما لو قال: آجرتك هذه الدار كل شهر بدرهمٍ يصح في الشهر الأول وهذا غلط لأن الصبرة معلومة الجملة بالمشاهدة والشهور غير معلومة.
فرع آخر
لو قال: تحمل هذه الصبرة بجملتها بعشرة دراهم يصح أيضًا لأن الصبرة معلومة بالمشاهدة والأجرة معلومة.
فرع آخر
لو قال: لتحمل من هذه الصبرة كل قفيز بدرهم فالإجازة فاسدة لأن من تقتضي التبعيض وهو مجهول.
مسألة: قال: "ولو حملَ لهُ مكيلةً فوجدتْ زائدةً".
الفصل
وهذا كما قال: لو اكترى دابةً ليحمل عليها عشرة أقفزة طعامًا إلى موضعٍ معلومٍ فحمل فوجد الطعام هناك زائدًا فالكلام في ثلاثة فصول في الأجرة، وفي الضمان إن ركب الدابة وفي الطعام ما الذي يصنع به وجملته أنه لا يخلو الذي كال الطعام من ثلاثة أحوالٍ، إما أن يكون المكتري أو المكري [192/ أ] أو الأجنبي، فإن كان المكتري هو الذي اكتاله مثل أن قال له المكري: تول الكيل أنت وحصّله في الغرائر ففعل فوجد زائدًا فعلى المكتري المسمى وأجر المثل في الزيادة لأنه استوفى المستحق وزاد، وأما ضمانها إذا تلفت تحت الطعام نظر، فإن لم يكن يد صاحبها عليها فقد ضمنها باليد فلزمه كمال قيمتها، وإن كانت يد صاحبها عليها فالضمان ضمان الجناية وقد تلفت من مستحق وغير مستحق فكم يضمن؟ قولان ذكرهما في "الإملاء" أحدهما: نصف قيمة الدابة، والثاني: القسط من المكيلة فإن حمل خمسة زيادة يلزم ثلث الضمان.
الجزء: 7 - الصفحة: 198
ومن أصحابنا من قال: يجب القسط قولًا واحدًا لأن أثر المكاييل في الدابة لا يتفاوت غالبًا بخلاف ما لو زاد على الحد سوطًا لأنه قد يكون لسوطٍ واحدٍ من التأثير ما لا يكون لغيره، وأما الطعام فقد حصّل طعام نفسه هناك يفعل به ما شاء، وإن كان المكري اكتال فقد تعدى بحمل الزيادة فعليه ضمان تلك الزيادة إن تلفت ولا أجرة له فيها ولا ضمان للبهيمة على أحدٍ، وأما الطعام فقد وجده صاحبه في ذلك الموضع الذي حمل إليه فله أخذ طعامه هناك، فإن قال المكري: أنا أرده إلى موضعه لم يكن له ذلك، وإن اختار صاحب الطعام أن يكلفه رده إلى ذلك الموضع يلزمه رده لأنه نقله من غير أمره، وإن رجع صاحب الطعام إلى الموضع الذي حمل منه الطعام فصادف المكري هناك فطالبه ببدل الطعام هناك قال الشافعي في "الأم": لرب الطعام مطالبته برده إليه، وقيل: له مطالبته ببدل طعامه، ونقل المزني: له مطالبته ببدله وترك أصل قوله.
واختلف أصحابنا فيه على طريقين فمنهم من قال: رب الطعام بالخيار بين مطالبته برده وبين مطالبته ببدله، وكلام الشافعي على هذا يحمل على التخيير فعلى هذا إن كلفه الرد فلا كلام وإن كلفه البدل [192/ ب] وأخذ منه البدل ملك ولم يملك المكري المبدل فإذا رد المكري عين الطعام إلى موضعه انتقص ملك صاحبه عن البدل الذي أخذه، ومن أصحابنا من قال: لرب الطعام مطالبته بالرد وليس له مطالبته بالبدل لأنه غاصب قادر على رد عين الطعام بخلاف الآبق فإن الغاصب لا يقدر على رده، قال هذا القائل: قول الشافعي: قد قيل له مطالبته بالبدل حكاية مذهب الغير، وقال أبو إسحاق: هذا إذا اتفقا على الزيادة فإن اختلفا فيها فالقول قول المكري لأن يده عليها وهذا إذا كانت الزيادة متفاوتة، فإن كانت يسيرة كالمكوك والمكوكين فلا أجرة لذلك ولا ضمان بهيمة لأنه لا يمكن الاحتراز منه كما نقول في بيع الوكيل بما يتغابن الناس بمثله لا يمنع صحة البيع، وإن كان الكيال أجنبيًا تراضيا به فعلى الكيال أجرة مثله للمكري والحكم ضمان البهيمة ورد الطعام وأخذ بدله على ما مضى فيكون الأجنبي كالمكري في حق المكتري وكالمكتري في حق المكري وقد بيناه.
فرع
لو اكتال صاحب الطعام ولكن أوقره الجمال فيه وجهان أحدهما: التدليس من جهة صاحب الطعام فهو كما لو أوقره بنفسه، والثاني: أنه كما لو اكتال الجمَّال بنفسه وأوقره لأن صاحب الجمل هو المفرط وكان يجب أن ينظر ويتأمل ويبحث عنه ولا يدخل فيه إلا على ثقةٍ وعلم به فإذا قصر فيه لم يعذر وهذا مبني على القولين في رجل طرح في طعامه سمًا وناوله إنسانًا فأكله هل يضمن؟ قولان.
الجزء: 7 - الصفحة: 199
فرع آخر
لو اكتال الجمال زائدًا فقال رب الطعام في الموضع الحاصل فيه ردها إلى الموضع الذي حملت منه، وقال الجمال: أنا اضمن لك وأرد مثلها في ذلك الموضع فيه وجهان أحدهما: قاله أبو إسحاق وابن أبي هريرة القول قول رب الطعام كما في الغاصب، والثاني: القول قول الجمال ويأخذ الزيادة مضمونة [193/ أ] ليرد مثلها في الموضع المحمول منه لأن الزيادة لما اتصلت فارقت حكم الغصب.
وإن كان المحمول مما لا مثل له كالسويق أو الدقيق لزم الجمَّال رد الزيادة بعينها إلى البصرة في الوجهين جميعًا.
مسألة: قال: "ومعلم الكتاب والآدميين مخالف لراعي البهائم".
الفصل
وهذا كما قال: إذا ضرب المعلم صبيًا فمات، أو ضرب الزوج زوجته فماتت وكان الضرب بحيث لا يقتل مثله غالبًا فالدية تجب على عاقلته في ثلاث سنين قولًا واحدًا، وتكون الدية مغلَّظة لأن ذلك شبيه العمل، وإن كان ضربًا يقتل في الغالب يجب القصاص عليهما لأنه قتل عمد ولا فرق بين أن يضرب بإذن والده أو بغير إذنه لأن الضمان فيه لا يسقط بإذن الغير.
ولو كان عبدًا فضربه بإذن سيده ولم يجاوز القدر المأذون فمات لم يضمن، ولو قال: أدّب عبدي فضربه فمات قال القفال: يضمن لأنه بان لنا أنه كان متعديًا بضربه، وكذلك الإمام إذا ضرب رجلًا في التعزير فمات يضمن قولًا واحدًا، وقال أبو حنيفة: لا يضمن وهذا بناء على أن التعزير عنده واجب وعندنا لا يجب.
واحتج الشافعي على أنه لا يجب بأن قال: قد فعل غير شيء في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم غير حدٍ يعني ارتكبوا أشياء كثيرة سوى الحدود فلم يضرب فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الغلول في الغنيمة ومن ذلك الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم في قسمة الغنائم حيث قال له قائل: أعدل فإنك لم تعدل، وقال له قائل: اتق الله يا محمد، وغير ذلك، وما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدٍ قط إلا استوفاه ولم يعف فلو كان التعزير جاريًا مجرى الحد لكانت عادة الرسول صلى الله عليه وسلم فيهما واحدة، فإذا تقرر هذا هل يلزم ضمان ذلك على عاقلة الإمام أو في بيت المال؟ قولان أحدهما: يلزم على عاقلته لما احتج الشافعي ها هنا أن عمر رضي الله عنه بعث إلى امرأةٍ رسولًا في شيء بلغه عنها ففزعت وكانت حبلى فأسقطت [193/ ب] فاستشار الصحابة فقال له عبد الرحمن بن عوف: إنك مؤدب لا شيء عليك، وقال عليّ: إن كان اجتهد فيه فقد أخطأ، وإن كان لم يجتهد فيه فقد غش عليك الدية فقال عمر رضي الله عنه: عزمت عليك ألا تجلس حتى تقسمها على
الجزء: 7 - الصفحة: 200
قومك، وروي تضربها على قومك يعني على بني عدي وهم رهط عمر بن الخطاب وهم قوم عليّ رضي الله عنه لأن قريشًا ضمهم جميعًا والصحيح من تفسير قول عليّ: إن كان اجتهد فقد أخطأ أنه أراد بذلك عبد الرحمن بن عوف، وقيل: أراد بذلك الرسول الذي بعثه عمر إليها وكأنه زاد في رسالته ما لم يقله عمر بن الخطاب وكانت تلك الزيادة سببًا للفزع فقال عليّ: إن كان اجتهد فزاد في الرسالة بالاجتهاد فقد أخطأ وإن زاد بغير اجتهاد فقد غش، والقول الثاني تجب الدية في بيت المال لأن الإمام منصوب لأمور المسلمين، فإذا أخطأ عاد خطأه إلى عامتهم بضمانه ويلزم الكفارة في ماله بكل حال، وفيه وجه آخر يلزم الكفارة في بيت المال إذا قلنا: الدية في بيت المال وقيل: في الكفارة قولان على هذا القول ذكره القاضي الطبري.
وأما الإمام إذا جني خطأ فيما لا يتصل بالإمامة يلزم الدية على عاقلته قولًا واحدًا، فإذا تقرر هذا قال الشافعي: ومعلم الكتاب والآدميين وفائدة هذا الجمع أنه لو ضم صبيًا إلى رجل ليعلمه حرفة من الحرف فضربه على تعلمها فمات كان حكمه حكم معلم الكتاب في وجوب الضمان بأمر أبيه إذا مات لم يضمن، ولو ضربه الأب بنفسه فمات يضمن، وقال أبو يوسف ومحمد: لا يضمن الأب والمعلم يضمن وهذا أولى من قول أبي حنيفة، وإن كان كلاهما فاسدٌ لاتصافهم على أن الزوج يضمن ما حدث عن التأديب كذلك هذا.
مسألة: قال: "ولو اختلفا في ثوبٍ فقال ربُّ الثوبِ: أمرتك أن تقطعه قميصًا".
الفصل
وهذا [194/ أ] كما قال: إذا اختلف رب الثوب والخياط فقال ربه: أمرتك أن تقطعه قميصًا، وقال الخياط: أمرتني أن أقطعه قباءً، نقل المزني عن الشافعي فيه قولين أحدهما: القول قول رب الثوب وبه قال أبو حنيفة، ووجهه أنه لو أنكر أصل الإذن كان القول قوله فإذا أنكر كيفية الإذن كان القول قوله أو لأنه أحدث قطعًا في ملك غيره فكان القول قول المالك فيه، كما لو اختلفا في أصل القطع، والثاني: القول قول الخياط وبه قال ابن أبي ليلى ومالك، ووجهه أنهما اتفقا على أنه مأذون له في القطع والأصل أنه لم يتعد وكان القول قوله في صفته، وقال المزني: الصحيح القول الأول.
وقال أبو إسحاق: ذكر الشافعي قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة واختار قول أبي حنيفة وقطع به، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر" وذكر دلائله، وقال القاضي أبو حامد: القول قول رب الثوب في أولى قوليه، وحكى
الجزء: 7 - الصفحة: 201
الماسرجسي عن ابن أبي هريرة أنه قال: القول قول رب الثوب قولًا واحدًا، ولم يحك هؤلاء قولًا ثالثًا في المسألة.
وقال في "الإفصاح": قال الشافعي في موضع آخر: يتحالفان وهذا اصح، وقال القاضي الطبري: ما نقله صاحب "الإفصاح" من "الجامع الكبير" وليس بمذهب الشافعي وإنما ذاك حكايةً عن غيره ولا يصح أيضًا في الاحتجاج ولهذا لم يحك سائر أصحابنا، وقال أبو حامد: نص على قول التحالف في "الإملاء" قال: وفي اختلاف الأجير والمستأجر ردهما إلى أصل السنة أنهما يتحالفان، فإذا تحالفا رد الثوب على صاحبه ولا أجرة للأجير وعليه أرش النقص فالمسألة على قولٍ واحدٍ أنهما يتحالفان وهذا لأنه لما حكي القولين في اختلاف العراقيين قال: وكلاهما مدخول، وكذا حكاه القفال وقيل: صور المسألة في "الإملاء" فيمن دفع ثوبًا إلى صبَّاغ فصبغه أسود فقال رب الثوب: أمرتك بالأحمر.
وقال الصبَّاغ: بل أمرتني بالأسود يتحالفان وعلى الصبَّاغ ما نقص ووجهه أن كل واحدٍ [194/ ب] منهما مدعٍ ومدعّى عليه لأن صاحب الثوب يدعي على الخياط الأرش وينكر أن يكون له عليه أجرة، والخياط يدعي الأجرة وينكر الأرش فيتحالفان فحصل في المسألة ثلاث طرق أحدها في المسألة قولان على ما ذكره القاضي الطبري وهو الأظهر، والثانية في المسألة ثلاثة أقوال، والثالثة القول قول رب الثوب قولًا واحدًا وهو الأقيس، وقول التحالف لا يصح لأن الاختلاف وقع في الإذن لا في الأجرة والغرم فكان القول قول الآذن، فإذا قلنا: القول قول رب الثوب فإنه يحلف ما أمره بقطعه قباء ولا يحلف لإثبات ما ادعاه من إذنه في القميص.
وقال بعض أصحابنا: ينبغي أن يحلف على النفي والإثبات فيقول: ما أمرته أن يقطعه قباء ولقد أمرته أن يقطعه قميصًا وهذا غير صحيح لأن اليمين على النفي والإثبات بالجمع إنما يكون عند التحالف الذي يصير كل واحد منهما فيه منكرًا ومدعيًا ولا يؤخذ ها هنا، ولأن الغرم وسقوط الأجرة يتعلق بعدم الإذن خاصةً فلا يحتاج إلى إثبات ما أمر به، فإذا حلف رب الثوب لا أجرة للخياط وله استرجاع الخيوط إن كانت له وليس له استرجاعها إن كانت لرب الثوب، وقال ابن أبي هريرة: له الأجرة في القدر الذي يصلح القميص وهذا ليس بشيء لأنه لم يقطعه للقميص، ولو دفع رب الثوب إليه قيمة الخيوط التي لم يجبر على قبولها لأن عين ماله باق فلا يجبر على أخذ قيمته، ولو قال: أشد في طرف الخيط خيطًا آخر حتى إذا جر ذلك الخيط حصل مكانه آخر لم يجبر عليه لأنه عين ماله فلا يجوز أن يصل به شيئًا، فإن تراضيا به جاز ثم على الخياط الضمان وفيما يضمنه قولان أحدهما: يضمن ما بين قيمته مقطوعًا قباءً وقميصًا لأن قطع القميص مأذون فيه فعلى هذا إن كانت قيمته قباءً مثل قيمته قميصًا أو أكثر فلا غرم عليه وهذا اختيار ابن أبي هريرة وعلى هذا ينظر إلى قطع ما يصلح للقميص فلا يضمنه وإلى ما لا يصلح [195/ أ] للقميص فيضمنه لأن المخالفة حصلت في الزيادة على قطع
الجزء: 7 - الصفحة: 202
ما يصلح للقميص، والثاني: وهو اختيار أبي إسحاق يغرم ما بين قيمته ثوبًا صحيحًا وما بيت قيمته مقطوعًا قباء لأنه بالعدول عن القميص ضمن القطع من أصله، وإذا قلنا: القول قول الخياط يحلف لقد أمره أن يقطعه قباء ولا يلزمه اليمين على النفي.
ومن أصحابنا من قال: يحلق على النفي والإثبات فيقول: والله ما أمرني أن أقطعه قميصًا ولقد أمرني أن أقطعه قباءً فإذا حلف لا غرم عليه وهل له الأجرة؟ فيه وجهان أحدهما: لا أجرة له قاله أبو إسحاق لأن قوله قبل في سقوط الغرم عنه لأنه منكر ولم يقبل قوله في الأجرة لأنه فيها مدعٍ فعلى هذا إن كانت الخيوط لرب الثوب لم يكن للخياط نقضها لأنها آثار مستهلكة ويصير الثوب قباءً مخيطًا لربه، وإن كانت الخيوط للخياط له استرجاعها وضمان ما نقص الثوب بأخذها إلا أن يتراضيا على دفع قيمتها، والثاني: وهو اختيار ابن أبي هريرة وجماعة: له الأجرة لأنه صار محكومًا بقبول قوله في الإذن وهو الأصح وعلى هذا ليس له نزع الخيوط بحالٍ لأنها تابعة للثوب وأخذ الأجرة في مقابلتها، فإذا قلنا بهذا قال أصحابنا: لا يستحق الأخرى المسمى قولًا واحدًا لأنه قد يحلف على مالٍ عظيمٍ أو ألف أو ألفين ولأن أجرة المثل تلزم لوجود فعله المأذون فيه بحكم المعاوضة، ولو أوجبنا المسمى لثبت بيمينه وقوله وذلك لا يجوز.
وقال في "الحاوي": فيه وجهان أحدهما: يستحق المسمى لتحقيق ما حكم به من قبول قوله، والثاني: أجرة المثل لئلا يصير مقبول القول في العقد، وإذا قلنا: يتحالفان قد ذكرنا أنه لا أجرة له وهل يضمن ما نقص بالقطع؟ فيه قولان أحدهما: لا يضمن شيئًا وهو الذي نقل المزني في "الجامع الكبير" فقال: يتحالفان ويبرأ كل واحدٍ منهما بيمينه لأنه لما حلف كل واحدٍ منهما على ما ادعاه ونفى ما ادعاه صاحبه برئ كل واحدٍ منهما بيمينه كالمتبايعين [195/ ب] إذا اختلفا وتحالفا، والثاني: يضمن أرش النقص لأنهما إذا تحالفا ارتفع العقد وحكمنا بأن القطع كان من غير فقدٍ فيلزم الأرش كما لو تلفت السلعة في يد المشتري وتحالفا على الثمن تجب قيمتها فإذا قلنا بهذا فكيفية الأرش ما ذكرنا إذا جعلنا القول قول ب الثوب وهذا هو المنصوص في "الإملاء".
فرع
لو اختلفا عند الرد فقال الخياط: هذا ثوبك وأنكر رب الثوب وقال: ثوبي في هذا فالحكم فيه وفي سائر الأحوال ويكون القول قول الأجير لأنه يدعي عليه إقباض ثوب غير هذا وهو ينكره، فإذا حلف فقد اعترف بثوبٍ لرب الثوب وهو لا يدعيه فماذا يفعل به؟ قد ذكرنا فيما تقدم.
الجزء: 7 - الصفحة: 203
فرع آخر
لو قال رجل للخياط: إن كان يكفيني هذا الثوب قميصًا فاقطعه فقطعه فلم يكفه كان ضامنًا، ولو قال: أيكفيني هذا الثوب قميصًا؟ فقال: نعم قال: اقطعه فقطعه فلم يكفه لم يضمن، والفرق أن اللفظ الأول شرط، والثاني: استفهام فافترقا.
مسألة: قال: "ولو اكترى دابة فحبسهَا قدرُ المسيرِ".
الفصل
وهذا كما قال: إذا اكترى دابةً ليركبها من آمل إلى الرَّى قد ذكرنا أنه يتقرر الأجرة، وهكذا لو عرضها على المكتري فامتنع من الأخذ ومضت لو أراد أن يستوفي المنفعة أمكنه تقررت الأجرة خلافًا لأبي حنيفة، وإن حبسها أكثر من ذلك يلزمه أجر المثل في مقدار ما زاد على مدة المسير أو فيما زاد عليها، فإن كان في مدة المسير لا يضمن لأن حبسها أرفق بها من السير وكدّه ومشقته، وإن كان فيما زاد عليها قال الشافعي: عليه الضمان وأراد به ضمان القيمة.
وقال بعض أصحابنا: لا ضمان عليه في الحالين لأن مدة الإجازة إذا انقضت يكون الشيء في يده على طريق الأمانة ومتى حصل الشيء في يده بإذن صاحبه على طريق الأمانة لا يلزمه حمله إلى صاحبه [196/ أ] وإنما تجب مؤونة الرد على المكري ويجب على المكتري دفعها إليه إذا طالبه المكري كالوديعة وقول الشافعي: ضمن، أراد به إذا طالبه بالرد فلم يرد، قال في "الحاوي": وهذا مذهب الشافعي ولا وجه لمن خرّج وجهًا آخر من الرهن لأن في الرهن يتغلب نفع المرتهن فجاز أن يجب رده، وفي الإجارة يستويان في النفع فاختص المالك بمؤونة الرد لحق المالك، وقال القاضي الطبري: هذا وإن كان له وجه فهو خلاف مذهب الشافعي الذي نص عليه ها هنا وهذا لأنه يمسكه في مدة الإجارة بإذن صاحبه فهو أمين فإذا انقضت المدة سقط الإذن ولزمه رده عليه ولزمته مؤونة الرد، فإذ لم يفعل ضمن كما لو أطارت الريح بثوب إلى داره تلزمه مؤونة الرد فإن لم يفعل يلزمه الضمان، وكذلك إذا مات وعنده وديعة لزم ورثته الرد والضمان بتركه يوجب مؤونة الرد كما نقول في المستعير وبهذا قال مالك وبالأول قال أبو حنيفة وهو الصحيح عندي، وإذا أطارت الريح ثوبًا في داره يلزمه الإعلام لا الرد ولا المؤونة، وكذلك إذا مات المودع وترك الوديعة يلزم ورثته الإعلام، وذكر القفال هكذا وقال: ليس المذهب على الإطلاق الذي نقله المزني ولا بد فيه من تفصيل فنقول الحبس منقسم، فإن كان بذلك الحبس يمنعها عن صاحبها مع مطالبته إياه بردها صار ضامنًا لقيمتها، فأما إذا حبسها ليردها عند المطالبة لا يضمنها ولا يلزمه ردها ولا مؤونة ردها بل عليه التخلية بينها وبين مالكها إذا جاء يطلبها وهكذا نقول في الأجرة
الجزء: 7 - الصفحة: 204
فيما زاد على المدة إن كان ممتنعًا من الرد يلزمه أجر المثل لزيادة المدة استعملها أو لم يستعملها وإذا لم يكن ممتنعًا من الرد لا يلزمه أجر المثل إلا [196/ ب] بالاستعمال لأن عليه التخلية فقط لا يكلف بالرد.
وقال صاحب "التقريب": لو اكترى دابةً لحمل أو ركوب ليرد الدابة إلى صاحبها بالبلدة التي اكتراها منه فعليه أن يفعل ذلك، وإن لم يشترط أن يردها إلى صاحبها فإن خرج المالك معها فذاك، وإن لم يخرج فعليه ردها إلى البلد الأول.
وقال القفال: هذا عندي غلط بل لا يجب الرد، وإذا صار إلى البلد الآخر بالدابة ولم يكن المالك معه فهي كدابةٍ ضالةٍ فله رفعها إلى الحاكم فيأخذها الحاكم أو يأمره أن يودع أمينًا ثم إن رأى الحاكم بيعها على الغائب فعل، وإن رأى أن يستدين على المالك فعل.
فرع آخر
لو شرط على المكتري أن يرده إليه بعد انقضاء المدة فحبسه بعد انقضائها لزمه ضمانه بلا خلاف ذكره القاضي الطبري، وقال بعض أصحابنا: إذا قلنا: لا يلزمه الرد لا يجوز اشتراطه لأنه ينافي موجب العقد، وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا شرط عليه الرد إلى البلد الأول بطل العقد بهذا الشرط في القياس.
فرع آخر
لو انهدم عليها الاصطبل وتلفت بسبب الحبس ضمن سواء كان في المدة، أو بعد انقضائها.
فرع آخر
لو قال له المكري: إذا انقضت مدة الإجارة فاتركها عندك لم يلزمه ردها وإذا تلفت لا يضمن وتكون وديعة في يده، وكذلك لو لم يكن ردها لفساد في الطريق أو لعلة مانعة وعذر بيّن حتى تلفت الدابة لا يضمن.
فرع آخر
يجوز أن يؤاجر حائطه ليضع عليه خشبًا معلومًا مدةً معلومةً، وقال أبو حنيفة: لا يجوز هذا غلط لأن هذه منفعة مقصودة مقدور على استيفائها فجاز عقد الإجارة عليها.
فرع آخر
هل يصح استئجار الفحل للضراب؟ وجهان أحدهما: يجوز لأن يستباح بالإعارة، والثاني: لا يجوز وهو الصحيح لنهيه صلى الله عليه وسلم [197/ أ] عن ثمن عسب الفحل ولأن المقصود منه الماء الذي يخلق منه وهو محرم لا قيمة له.
الجزء: 7 - الصفحة: 205
فرع آخر
لو استأجر رجلًا ليعلمه بنفسه سورةً وهو لا يحسنها فيه وجهان أحدهما: يصح كما يصح أن يشتري سلعةً بدراهم وهو لا يملكها ثم يحصلها ويسلم، والثاني: لا يصح لأنه عقد على منفعةٍ معينة لا يقدر عليها، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب المعلمين فقال: "إن أحق ما أُخذ عليه الأجر كتاب الله".
فرع آخر
لو استأجر دارًا للسكنى جاز أن يطرح فيها المتاع لأن ذلك متعارق في السكنى، ولا يجوز أن يربط فيها الدواب ولا تقصير الثياب ولا يطرح في أصول حيطانها الرماد والتراب لأن ذلك غير متعارف في السكنى، وهل يجوز أن يطرح فيها ما يتسارع إليه النار؟ فيه وجهان أحدهما: لا يجوز لأن النار تنقب الحيطان للوصول إلى ذلك، والثاني: يجوز هو الأظهر لأن ذلك متعارف في سكنى الدار فلا يمنع منه.
فرع آخر
لو استأجر دابةً ليركبها بسرج لا يجوز أن يركبها عريًا لأن ركوبة عريًا أضر، ولو اكتراها ليركبها عريًا لم يجز أن يركبها بسرج لأنه يحمل عليها أكثر ما عقد عليه، ولو اكتراها لحمل المتاع لم يجز أن يركبها لأن الراكب يقعد في موضع والمتاع يتفرق على جنبيه، ولو اكتراها للركوب لم يجز حمل المتاع بقدره لأن الراكب يعين المركوب بحركته بخلاف المتاع.
فرع آخر
لو استأجر عينًا لمنفعةٍ وشرط عليه أن لا يستوفي مثلها أو دونها ولا يستوفيها إلا بنفسه فلا يستوفيها بمن هو مثله أو دونه فيه ثلاثة أوجه أحدها: تبطل الإجارة لأنه شرط ما ينافي موجبها، والثاني: تصح الإجارة والشرط باطل لأنه شرط لا يؤثر في حق [197/ ب] المؤجر فألغي وبقي العقد على مقتضاه، والثالث: تصح الإجارة والشرط لازم لأن المستأجر يملك المنافع من جهة المؤجر فلا يملك ما لم يرض به.
فرع آخر
لو اختلف المتكاريان في مقدار المنفعة أو في قدر الأجرة تحالفا والحكم فيه ما ذكرنا في البيع، وإذا اختلفا في رد العين فإن قلنا: يضمن لا يقبل قوله في الرد، وإن قلنا: لا يضمن فيه وجهان كما قلنا في الوكيل بجعل، ولو ادعى هلاك العين بعد العمل وأنه يستحق الأجرة فالقول قول المستأجر لأن الأصل عدم البدل.
الجزء: 7 - الصفحة: 206
فرع آخر
إذا استأجر من متولي الوقف قضاء الوقف على أن يُبنى فيه فبنى بإذن المتولي فأراد أن يأمره بالرفع هل تلزم قيمة النقض في مال الوقف أو مال المتولي؟ قال الإمام أبو عبد الله الحناطي رحمه الله: يلزم في مال الوقف دون مال المتولي إذا كان الإجارة صحيحة وكان الصلاح في إجارته كذلك، ولو كانت الإجارة فاسدة فبنى فيه بإذن المتولي يؤمر بالرفع فإذا أمر بذلك يلزم النقض في مال المتولي دون مال الوقف ويحتمل أن يقال: لا يلزمه في ذلك شيء.
فرع آخر
إذا أوصى بخدمة عبده لرجل على أن يخدمه ما دام الموصى له حيًا ولا ينتقل هذا الاستحقاق إلى ورثة الموصى له بوفاته فأجره الموصى له شهرًا ثم مات قبل انقضاء المدة هل تبطل الإجارة؟ وجهان أحدهما: لا تبطل كالمالك للعبد إذا أجره ثم مات، والثاني: وهو الأصح تبطل لأن المنفعة بعد وفاة الموصى له من حقها انتقالها إلى ورثة الموصي فلا يمكن جعل عقد الموصى له كعقد وارت الموصي لأنه غير قائم مقامه ولا تستفيد هذه المنفعة إرثًا من الموصى له فبطل العقد، وهذه المسألة بناء على مسألة الوقف إذا أجر من عليه الوقف ثم مات وانتقال الوقف [198/ أ] إلى البطن الثاني هل تبطل الإجارة أم لا؟ وبالله التوفيق والعون والعصمة.
وجدت في الأصل المنقول من خط المصنف تمت المجلدة التاسعة بخط المصنف رحمه الله وكان قد فرغ منها يوم الخميس سلخ ذي الحجة سنة سبع وسبعين وأربعمائة وأول المجلدة العاشرة بخده رحمه الله كتاب المزارعة فنقلها كذلك وبالله التوفيق.
فرغ من نسخة أضعف عباد الله يوم الأحد سلخ ربيع الآخر عبد الله بن أحمد بن بكر بن الحسين بن إبراهيم بن محمد بن علي الفقيه الشافعي الروياني ببلد بغداد في درب الخبازين في دريبة المدار في أيام المستنصر بالله أمير المؤمنين سنة اثنين وثلاثين وستمائة وهو يحمد الله على الآية ويصلي على النبي محمد خير خلقه وعلى آله وأصحابه ويستغفر من زللِه وخطئه وحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[198/ ب].
الجزء: 7 - الصفحة: 207