بحر المذهب للرويانيكتاب الأيمان
أهل الأثرالأرشيف العلمي

قال في الحاوي: أما اليمين فهي القسم، سمي يمينًا، لأنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل واحد منهم يمينه على يمين صاحبه.
والأصل في الأيمان قول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة 224]. أما العرضة في كلام العرب، ففيها وجهان: أحدهما: أنها القوة، والشدة.
والثاني: أن يكثر ذكر الشيء حتى يصير عرضة له، ومنه قول الشاعر: فلا تجعلني عرضة للوائم وأما العرضة في الأيمان، ففيها تأويلان: أحدهما: أن يحلف بها في كل حق وباطل، فيبتذل اسمه، ويجعله عرضة.
والثاني: أن يجعل يمينه علة يتعلل بها في بره، وفيها وجهان: أحدهما: أن يحلف: لا يفعل الخير، فيمتنع منه لأجل يمينه, والثاني: أن يحلف: ليفعلن الخير، فيفعله لبره في يمينه لا للرغبة في ثوابه.
وفي قوله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا﴾ [البقرة: 224] تأويلان: أحدهما: أن تبروا في أيمانكم.
والثاني: أن تتقوا الخبث ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ [آل عمران: 121] لأيمانكم ﴿عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: 109] بافتقاركم.
وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 225]. واللغو في كلام العرب هو ما كان قبيحًا مذمومًا، وخطًا مذمومًا مهجورًا، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: 55].
وفي لغو الأيمان سبعة تأويلات، وقد أفرد الشافعي لذلك بابًا يذكر فيه، وفي ترك المؤاخذة به وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 358

أحدهما: لا يؤاخذ فيه بالكفارة.
والثاني: لا يؤاخذ فيه بالإثم.
وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: 225] تأويلان: أحدهما: ما قصدتم من الأيمان.
والثاني: ما اعتمدتم من الكذب ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ [آل عمران: 31] لعباده فيما لغوا من أيمانهم ﴿حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263] في ترك معاجلتهم بالعقوبة على معاصيهم.
وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
وعقدها هو لفظ باللسان، وقصد بالقلب، لأن ما لم يقصده من أيمانه هو لغو لا يؤاخذ له.
وفي تشديد قوله: ﴿عَقَّدْتُمْ﴾ [المائدة: 89] تأويلان: أحدهما: تغليظ المأثم بتكرارها.
والثاني: أن تكرارها في المحلوف عليه إذا كان واحدًا لم يلزم فيه إلا كفارة واحدة.
ثم قال تعالى: (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ) [المائدة: 89].
فيه وجهان: أحدهما: أنها كفارة ما عقدوه من الأيمان، قاله الحسن، وقتادة.
والثاني: أنها كفارة الحنث بعد عقد الأيمان، ولعله قوله ابن عباس، وسعيد بن جبير، والأصح عندي من إطلاق هذين الوجهين أن يعتبر حال اليمين في عقدها وحلها، فإنها لا تخلو من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون عقدها طاعة، وحلها معصية.
كقوله: والله لا صليت ولا صمت.
فإذا حنث بالصلاة والصيام كانت الكفارة لتكفير مأثم اليمين دون الحنث.
والثالثة: أن يكون عقدها مباحًا، وحلها مباحًا.
كقوله: والله لا لبست هذا الثوب، ولا دخلت هذه الدار.
فالكفارة تتعلق بهما، وهي بالحنث أحق، لاستقرار وجوبها به.
وقال تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] وفيه ثلاثة تأويلات: أحدهما: أحفظوها أن يحلفوا.
والثاني: أحفظوها أن تحنثوا.

الجزء: 10 - الصفحة: 359

والثالث: (احفظوها) لتكفروا.
والسنة ما رواه أبو أمامة الحارثي، وهو إياس بن ثعلبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من اقتطع بيمينه مال امرئ مسلم حرم الله عليه الجنة، وأوجب له النار".
قيل: "وإن كان شيئًا يسيرًا، قال وإن كان سواكًا من أراك" وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير، ويكفر عن يمينه".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليمين حنث أو مندمة".
وقد حلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح، فقال: "والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا".
وروي أنه قال: "إن شاء الله".
وروى أنه كان إذا أراد أن يحلف قال: "لا والذي نفس محمد بيده" وروي أنه كان يقول: "لا ومقلب القلوب".
فإذا تقرر هذا، فعقد اليمين موضوعة لتحقيق المحلوف عليه إن كان ماضيًان أو لالتزامه إن كان مستقبلاً.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "من حلف بالله أو باسم من أسماء الله فحنث فعليه الكفارة".
قال في الحاوي: اعلم أن الأيمان معقودة بمن عظمت حرمته، ولزمت طاعته وإطلاق هذا مختص بالله تعالى، فاقتضى أن يكون اليمين مختصة بالله جلت عظمته، وله أسماء وصفات.
فأما أسماؤه فأخصها به قولنا: الله، لأن أحدًا لم يتسم به، وقد قيل: إنه اسمه

الجزء: 10 - الصفحة: 360

الأعظم، وهذا أحد التأويلين في قوله تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً) [مريم: 65].
أي: من يتسمى باسمه الذي هو: الله؟ والثاني: فيه هل تعلم له شبيهًا؟ واختلفوا في هذا الاسم، هل هو علم لذاته، أو اسم مشتق من صفاته على قولين: أحدهما: أنه اسم علم لذاته غير مشتق من صفاته، لأن أسماء الصفات تكون تابعة لأسماء الذات، فلم يجد بدًا من اختصاصه باسم ذات يكون علمًا، لتكون أسماء الصفات تبعًا، وهذا قول الخليل والفضل.
والثاني: أنه اسم مشتق من "أله" صار بناء اشتقاقه عند حذف همزة، وتفخيم لفظة: الله، فالحالف بهذا الاسم حالف بيمين منعقدة لا يرجع فيها إلى إرادة الحالف به، وسواء قيل: إنه اسم علم لذاته، أو مشتق من صفاته، لأنه لا ينطلق على غيره.
وفي معنى الحلف بهذا الاسم أن تقول: والذي خلقني، أو والذي صورني، فتنعقد به يمينه، لأن الذي خلقه وصوره هو الله، فصار كقوله: والله، لا يكون هذه يمينًا باسم مكني، لأنه صريح لا يحتمل غيره.
وهكذا لو قال: والذي أصلي له، أو أصوم له، أو أزكي له، أو أحج له، انعقدت يمينه كقوله: والله، لأن صلاته وصيامه وزكاته وحجه لله لا لغيره.
فصل: فأما غير هذا الاسم العلم من أسمائه تعالى، فينقسم ثمانية أقسام: أحدهما: ما يجري في اختصاصه به مجرى العلم من أسمائه، وهو: الرحمن، فيكون المحالف به كالحالف بالله لأمرين: أحدهما: أنه ليس يتسمى به غيره من خلفه، ولئن طغى مسيلمة الكذاب، فتسمى: رحمان اليمامة، فهي تسمية إضافة لم يطلقها لنفسه، فصار كمن لم يتسم به.
والثاني: أنه تعالى أضاف إلى هذا الاسم ما اختص به من قدرته، وتفرد به من خلقه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فأجراه مجرى العلم من أسمائه الذي هو الله.
واختلف فيه أهل اللغة هل هو اسم علم أو صفة؟ على وجهين: أحدهما: أنه اسم عربي مشتق من صفته بالرحمة.
واختلفوا في هذه الرحمة المشتق منها الرحمن هل هي رحمة تفرد بها، أو توجد في العباد مثلها على وجهين: أحدهما: أنها رحمة توجد في العباد مثلها، واختصاصه مثلها باشتقاق لفظ المبالغة

الجزء: 10 - الصفحة: 361

في الرحمة، ومشاركته لخلقه في الرحيم، فلذلك كان الرحمن مختصًا به، والرحيم مشتركًا.
والثاني: أنه مشتق من رحمة تفرد الله بها دون خلقه، وفي هذه الرحمة التي تفرد بها وجهان: أحدهما: أنها رحمته لأهل السماء والأرض، فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لذاته، لأنه مستحق لهذه الصفة قبل خلقهم.
والثاني: أنها صفة للرحمة: فيكون مشتقًا من رحمة هي صفة لفعله، لأنه مستحق لهذه الصفة بعد خلق الرحمة.
وعلى كلا الوجهين تكون اليمين بهذا الاسم منعقدة في أهل الملل وغيرهم، كانعقادها بالله سواء قيل اشتقاقه من صفة ذاته، أو صفة فعله، لأنها يمين بالاسم دون الصفة.
فصل: والقسم الثاني: من أسمائه ما اختص باسم المعبود دون العبد، وهو الإله، أجمعوا على أنه اسم اشتقاق، واختلفوا فيما اشتق منه على وجهين: أحدهما: أنه مشتق من الوله، لأن العباد يألهون إليه أي: يدعون إليه في أمورهم.
والثاني: أنه مشتق من الألوهية وهي العبادة من قوله: فلان يتأله أي: يتعبد.
واختلف على هذين الوجهين هل اشتق اسم الإله من فعل الوله والعبادة أو من استحقاقها على وجهين: أحدهما: أنه اشتق من فعلها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات أفعاله.
والثاني: أنه مشتق من استحقاقها، فعلى هذا يكون مشتقًا من صفات ذاته، وعلى كلا الوجهين يكون الحالف بالإله منعقد اليمين في الظاهر والباطن إن كان من أهل الملل، لأن جميع أهل الملل ليس لهم إله غير الله، وإن كان من غير أهل الملل من عبدة الأصنام، انعقد به اليمين في الظاهر، وكان في الباطن موقوفًا على إرادته، لأنهم يجعلون هذا الاسم مشتركًا بين الله تعالى وبين أصنامهم التي يعبدونها.
فصل: والقسم الثالث: من أسمائه ما اختص إطلاقه بالله تعالى، وكان في الإضافة مشتركًا، وهو الرب، اسم مأخوذ من صفة، اختلف فيها على أربعة أوجه.
أحدها: أنه مأخوذ من المالك، كما يقال: رب الدار أي مالكها.
والثاني: أنه مأخوذ من السيد، لأن السيد يسمى ربًا قال الله تعالى: ﴿أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: 41].
يعني سيده.

الجزء: 10 - الصفحة: 362

والثالث: أنه الرب المدبر، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 44].
وهم العلماء سموا ربانيين، لقيامهم بتدبير الناس بعلمهم وقيل: ربة البيت، لأنها تدبره.
والرابع: أن الرب مشتق من التربية، ومنه قول الله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: 23].
فسمى ولد الزوجة ربيبة، لتربية الزوج لها، فعلى هذا إن قيل: إن صفة الله تعالى بأنه رب، لأنه مالك أو سيد، فذلك صفة من صفات ذاته.
وإن قيل: لأنه مدبر لخلقه أو مربيهم، فذلك صفة من صفات فعله، وصفات ذاته قديمة، وصفات فعله محدثة، وهما في اشتقاق الاسم منه على السواء، لأنه يكون حالفًأ بالاسم دون الصفة، وإن كانت اليمين بالصفتين مختلفة، تنعقد بصفة الذات لقدمها، ولا تنعقد بصفة الفعل، لحدوثها.
فإذا تقرر اشتقاقه انقسمت اليمين به أربعة أقسام: أحدها: ما يكون به حالفًا في الظاهر والباطن، وهو أن يصفه بما لا يستحقه إلا الله تعالى، وهو أن يقول: رب العالمين، أو رب السموات والأرضين، فهذا حالف به في الظاهر والباطن، لأنه وصفه بما اختص الله تعالى به دون غيره، فإن قال: أردت غير الله لم يقبل منه.
والقسم الثاني: ما يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون غير حالف به في الباطن، وهو أن يقول: والرب، فيدخل عليه الألف واللام، ولا يعرفه بصفة، فيكون حالفًا به في الظاهر، فإن قال: أردت به رب الدار، دين في الباطن، ولم يكن به حالفًا لاحتماله، وكان حالفًأ به في الظاهر لإطلاقه.
والقسم الثالث: ما لا يكون به حالفًا في الظاهر، ويجوز أن يكون حالفًا به في الباطن، وهو أن يقول: ورب هذه الدار، فلا يكون حالفًا في الظاهر، لأنه في العرف إشارة إلى مالكها، فإن قال: أردت به خالقها، وهو الله تعالى، كان حالفًا.
والقسم الرابع: ما اعتبر به عرف الحالف، وهو أن يقول: وربي، فإن كان من قوم يسمون السيد في عرفهم ربًا، لم يكن حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فيصير به حالفًا، وإن كان من قوم لا يسمون الرب في عرفهم إلا الله تعالى كان حالفًا في الظاهر إلا أن يريد به الله تعالى، فلا يكون حالفًا في الباطن اعتبارًا بالعرف في الحالين، قال الله تعالى: (أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً) [يوسف: 41].
يعني سيده.
وحكي عن إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: 99].
يعني الله تعالى: فكان الرب في إبراهيم ويوسف مختلفًا في المراد به لاختلافهم في العرف.
فصل: والقسم الرابع من أسمائه تعالى: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر،

الجزء: 10 - الصفحة: 363

واختلف في جواز العدول به عن الباطن على وجهين، وهو ثلاثة أسماء: القدوس، والخالق، والبارئ.
فأما القدوس: فهو اسم من أسماء الله تعالى مختص به في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه المبارك، قاله قتادة.
والثاني: أنه الظاهر، قاله وهب بن منبه.
والثالث: أنه المنزه من القبائح.
والرابع: أنه اسم مشتق من تقديس الملائكة، فإذا حلف بالقدوس كان كالحالف بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به عن الباطن إلى غيره، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الظاهر والباطن، إذا قيل: إن معناه المبارك أو الطاهر.
والثاني: لا يجوز، ويكون حالفًا، ويكون ظاهرًا في الظاهر والباطن إذا قيل: إنه مشتق من تقديس الملائكة، وإنه المنزه من جميع القبائح.
وأما الخالق: فمن أسمائه، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المحدث للأشياء على إرادته.
والثاني: أنه المقدر لها بحكمته، فإذا حلف بالخالق كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره من المخلوقين، ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا في الباطن، إذا قيل: إن معناه المقدر للأشياء بحكمته.
والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المحدث للأشياء على إرادته.
وأما البارئ: فمن أسمائه تعالى، وفي معناه وجهان: أحدهما: أنه المنشئ للخلق.
والثاني: أنه المميز للخلق، فإذا حلف بالبارئ كان حالفًا في الظاهر، فإن عدل به في الباطن إلى غيره، فعلى الوجهين: أحدهما: يجوز، ولا يصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المميز للخلق.
والثاني: لا يجوز، ويصير به حالفًا إذا قيل: إن معناه المنشئ للخلق.
فصل: والقسم الخامس من أسمائه: ما كان إطلاقه مختصًا بالله تعالى في الظاهر، وجاز أن يعدل به إلى غيره في الباطن وجهًا واحدًا.
أحدهما: المهيمن.

الجزء: 10 - الصفحة: 364

والثاني: القيوم.
فأما المهيمن فهو من أسمائه في العرف، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه الشاهد: قاله قتادة.
والثاني: أنه الأمين، قاله الضحاك.
والثالث: أنه المصدق، قاله عبد الرحمن بن زيد.
والرابع: أنه الحافظ.
فإذا حلف بالمهيمن كان حالفًا بالله تعالى في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره من الباطن جاز، ولم يكن حالفًا.
روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إني داع فهيمنوا، أي قولوا آمين حفظًا للدعاء، فسمى القائل أمين مهيمنًا، وقد قال الشاعر في أبي بكر رضي الله عنه: ألا إن خير الناس بعد نبيه مهيمنه التاليه في العرف والنكر يعنى: الحافظ للناس بعده.
وأما القيوم: فمن أسمائه، واختلف في معناه على أربعة أوجه: أحدها: أنه القائم بتدبير خلقه.
والثاني: أنه القائم بالوجود.
والثالث: أنه القائم بالأمور.
والرابع: أنه اسم مشتق من الاستقامة.
فإذا حلف بالقيوم كان حالفًا بالله في الظاهر، فإن عدل به إلى غيره في الباطن جاز، ولم يكن حالفًا، لأن معانيه يجوز أن تكون مستعملة في غيره.
فصل: والقسم السادس: من أسمائه ما كان إطلاقه مختصًا بغيره في الظاهر، وإن كان من أسمائه في الباطن، وهو: المؤمن، والعالم، والكريم، والسميع، والبصير.
فهذه، وإن كانت من أسماء الله تعالى، فقد صارت في العرف مستعملة في غيره من المخلوقين.
فإذا حلف بأحدها لم يكن حالفًا بالله تعالى في الظاهر، إلا أن يريد بها الله تعالى في الباطن، فيصير بها حالفًا، ولو كثر استعمالها في الله تعالى، وقل استعمالها في المخلوقين، صار حالفًا بها في الظاهر دون الباطن.
فصل: والقسم السابع: من أسمائه ما كان إطلاقه في الظاهر مشتركًا بين الله تعالى وبين خلقه على سواء كالرحيم، والعظيم، والعزيز، والقادر، والناصر، والملك، فيرجع فيها

الجزء: 10 - الصفحة: 365

إلى إرادة الحالف بها، فإن أراد بها أسماء الله تعالى كان حالفًا بها، وإن أراد بها أسماء المخلوقين لم يكن حالفًا بها، وإن لم تكن له إرادة، ففيها وجهان: أحدهما: يكونه حالفًا بها تغليبًا لأسماء لله تعالى، لأن المقصود به الأيمان في الغالب.
والثاني: أنه لا يكون حالفًا، لأنها مع تساوي الاحتمال فيه تصير كناية لا يتعلق بها مع فقد الإرادة حكم، فلو كثر استعمالها في أسماء الله، وقلت في المخلوقين صار حالفًا بها في الظاهر دون الباطن كالقسم الخامس، ولو كثر استعمالها في المخلوقين، وقل استعمالها في الله تعالى لم يكن حالفًا بها في الظاهر، وإن جاز أن يكون حالفًا بها في الباطن كالقسم السادس.
فصل: والقسم الثامن من أسمائه: الجبار، والمتكبر، فإن خرج مخرج المدح والتعظيم، كان مختصًا بالله تعالى، وإن خرج مخرج الذم، كان مختصًا بالمخلوقين، وهو اسمان: الجبار والمتكبر، لأنهما في صفات الله تعالى مدح، وفي صفات المخلوقين ذم، فيصير بهما حالفًا إن خرجا مخرج المدح، لاختصاص الله تعالى بالمدح بها، ولا يصير بهما حالفًا إن خرجا مخرج الذم لانتفائه في صفاته.
فهذه ثمانية أقسام تعتبر بها أسماء الله تعالى، إذا حلف بها فيحمل جميع ما جاء به الأثر من أسمائه عليها، فإنه لا يخرج من أحدها.
فصل: فأما صفات الله تعالى فضربان: أحدهما: صفات ذاته.
والثاني: صفات أفعاله.
فأما صفات ذاته فقديمة لقدم ذاته، وذلك مثل قوله: وقدرة الله، وعظمة الله، وجلال الله، وعزة الله، وكبرياء الله، وعلم الله، لأنه نزل على هذه الصفات ذا قدوة، وعظمة، وجلال، وعزة، وكبرياء، وعلم فجرت هذه الصفات اللازمة لذاته مجرى الموصوف، فجرى عليها حكم أسمائه في انعقاد اليمين بها في وجوب الكفارة فيها.
وقال أبو حنيفة: إذا حلف بعلم الله لم يكن يمينًا، وأجراها مجرى معلومه، ولو حلف بمعلوم الله لم يكن يمينًا، كذلك إذا حلف بعلمه.
وهذا فاسد، لأن العلم من صفات ذاته، فانعقدت به اليمين كالقدرة والعظمة، والفرق بين العلم والمعلوم أن المعلوم منفصل عن ذاته، والعلم متصل بها وأما صفات أفعاله فهي محدثة غير لازمة كقوله: "وخلق الله، ورزق الله، فلا يكون حالفًا بها لخلوها منه قبل حدوثها، واليمين بالمحدثات غير منعقدة كذلك ما كان محدثًا من صفات أفعاله.

الجزء: 10 - الصفحة: 366

فأما أمانة الله فهي كصفات أفعاله لا ينعقد بها يمين إلا أن يريد اليمين، وأجراها أبو حنيفة مجرى صفات ذاته، فعقد بها اليمين، وأوجب فيها الكفارة.
ودليلنا هو أن أمانة الله فروضه التى أمر بها عبيده، وأوجب عليهم فعلها قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ [الأحزاب: 72].
وقد كان علي بن أبي طالب - عليه السلام - إذا دخل عيله وقت الصلاة اصفر مرة، واحمر مرة، وقال: أتتنى الأمانة التي عرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملتها أنا، فلا أدري أسيء فيها أو أحس.
وإذا كان كذلك دل على أن الأمانة الله محدثة، فلم يلزم بها الكفارة.
فإن قيل: معنى أمانة الله أنه ذو أمانة، وذلك من صفات ذاته.
قيل: يحتمل أنه يريد بأمانة الله أنه ذو أمانة، فيكون من صفات ذاته، ويحتمل أن يريد بها فروض الله، فتكون من صفات أفعاله، فلم تنعقد به اليمين مع احتمال الأمرين إلا أن يريد بها اليمين، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ومن حلف بغير الله فهى يمين مكروهة وأخشى أن تكون معصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمع عمر يحلف بأبيه فقال عليه السلام ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فقال عمر: والله ما حلفت بها بعد ذاكرًا ولا آثرًا".
قال في الحاوي: وهو كما قال: اليمين بغير الله من المخلوقات كلها مكروهة، سواء حلف بمعظم كالملائكة، والأنبياء، أو بغير معظم، لرواية الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم "أدرك عمر بن الخطاب وهو يسري في ركب، وحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت".
وروى الشافعي عن سفيان عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: نبي الله عمر يحلف بأبيه، فقال: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" قال عمر: فوالله ما حلفت بها ذاكرًا ولا آثرًا، وفيه تأويلان: أحدهما: يعني: عامدًا ولا ناسيًا.
والثاني: معتقدًا لنفس، ولا حاكيًا عن غيري.
وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وفيه تأويلان:

الجزء: 10 - الصفحة: 367

أحدهما: فقد أشرك بين الله وبين غيره في التعظيم، وإن لم يصر من المشركين الكافرين.
والثاني: فقد أشرك بالله، فصار كافرًا به إن اعتقد لزوم يمينه بغير الله كاعتقاد لزومها بالله.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه حلف بغير الله، فقال للأعرابي: " ... وأبيه إن صدق دخل الجنة"، وقال لأبي العشراء الدارمي: "وأبيك لو طعنت في فخذها لأجزاك"، فعنه جوابان: أحدهما: أنه لم يخرج مخرج اليمين، وإنما كانت كلمة تخف على ألسنتهم في مبادئ الكلام.
والثاني: أنه يجوز أن يكون ذلك في صدر الإسلام قبل النهي.
وقول الشافعي: "وأخشى أن يكون معصية".
هي في استحقاق الوعيد، لأنه ليس كل مكروه يستحق عليه الوعيد.
فصل: فإذا ثبت أن اليمين بغير الله مكروهة، فهي غير منعقدة، ولا يلزم الوفاء بها، ولا كفارة عليه إن حنث فيها، وهو كالمتفق عليه، وهكذا إذا حلف بما يحظره الشرع كقوله: إن فعلت كذا وكذا فأنا بريء من الله، أو كافر به، أو خارج من دين الإسلام، أو فأنا يهودي، أو وثني لم تنعقد يمينه، ولم يزم بالحنث فيها كفارة، وبه قال مالك والأوزاعي، وجمهور الفقهاء.
وقال أبو حنيفة: وصاحباه، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق تنعقد يمينه وتلزم الكفارة إن حنث استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، فكان على عمومه.
وربما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على يمين، ورأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه" ولم يفرق.
وبما روى ثابت بن الضحاك، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف بملة غير ملة الإسلام كاذبًا، فهو كما قال، فإن كان صادقًا لم يرجع إلى الإسلام سالما" فجعلها يمينًا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91].
فدل على لزومها، ولأن لزوم اليمين بالله لتوكيد حرمتها وحظر مخالفتها، وهذا المعنى موجود فيما عقده من

الجزء: 10 - الصفحة: 368

الكفر بالله تعالى، والبراءة منه، ومن الإسلام، فوجب أن يستويا في اللزوم وفي الكفارة، ولأن البراءة من الله أغلظ مأثمًا، وأشد حظرًا من الحلف بالله، فلما انعقدت اليمين، ولزم التكفير في أحق المآثمين كان لزومها في أغلظهما أولى.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [النور: 53].
فجعلها غاية الأيمان وأغلظهما، فلم تتغلظ اليمين بغير الله.
وروى محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بالله، إلا وأنتم صادقون".
وهذا نص.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف بغير الله فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله".
وروي أنه قال: "فقد أشرك" فدل على سقوط الكفارة في اليمين بغير الله؟ ولأنه حلف بغير الله؟ فوجب أن لا تلزمه كفارة؟ كما لو قال: إن فعلت كذا فأنا زان أو شارب خمر أو قاتل نفس، ولأنه حلف بمخلوق يحدث لأن اعتقاد الكفر وبراءته من الإسلام محدث، فوجب أن لا تلزمه كفارة، كما لو حلف بالسماء والأرض والملائكة والأنبياء، ولأنه منع نفسه من فعل بأمر محظور، فوجب أن لا تكون يمينًا توجب التكفير، كما لو قال: إن كلمت زيدًا فأنا فاسق، أو فعلي قتل نفس أو ولدي.
فأما الجواب عن عموم الآية والخبر فهو أن إطلاقها محمول على اليمين بالله، لأنها اليمين المعهودة، في عرف الشرع والاستعمال.
وأما الجواب عن حديث ثابت بن الضحاك مع حفصة فهو أن يكون دليلاً لنا أشبه من أن يكون دليلاً علينا؟ لأنه لما لم يصر بالحنث خارجًا من الإسلام دل على أنه خرج مخرج الزجر كما قال: "من قتل عبدًا قتلناه".
جعل الوعيد يوجب يمينه دون الكفارة ولو وجبت لأبانها.
وأما الجواب على استدلالهم توكيد حرمتها، وحظر مخالفتها، فهو أنه لا حرمة لهذه اليمين لحظرها وتحريمها، ولأن الحظر إنما توجه إلى التلفظ بها، فلم يبق للحظر، والتحريم حرمة من الالتزام والتكفير.
وأما الجواب عن استدلالهم بتغليظ البراءة من الله، فهو أن البراءة من الله كفر، ولا يجب بالكفر تكفير كالمرتد، والله أعلم.

الجزء: 10 - الصفحة: 369

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "وأكره الأيمان على كل حال إلا فيما كان لله عز وجل طاعة ومن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فالاختيار أن يأتي الذي هو خير ويكفر لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك".
قال في الحاوي: اعلم أن الأيمان بالله ضربان: أحدهما: ما كان على ماض والكلام فيه يأتي.
والثاني: ما كان على فعل مستقبل، وهو على خمسة أقسام.
أحدها: ما كان عقدها، والمقام عليها طاعة، وحلها والحنث فيها معصية، وهو أن يحلف على فعل الواجبات كقوله: والله لأصلين فرضي؟ ولأزكين مالي، ولأصومن شهر رمضان، ولأحجن البيت الحرام، فقعدها والمقام عليها طاعة، لأنها تأكيد لفعل ما فرضه الله تعالى عليه، وحلها والحنث فيها بأن لا يصلي ولا يزكي، ولا يصوم، ولا يحج معصية، لأنه ترك لمفروض، وهكذا لو حلف أن لا يفعل محظورًا محرمًا كقوله.
والله لا زنيت ولا سرقت ولا قتلت ولا شربت خمرًا ولا قذفت محصنًا، كان عقدها باجتناب هذه المعاصي طاعة، وحلها بارتكاب هذه المعاصي معصية.
والثاني: ما كان عقدها والمقام عليها معصية، وحلها والحنث فيها طاعة، وهو قوله: والله لا صليت ولا زكيت ولا صمت ولا حججت، فعقدها، والمقام عليها بأن لا يصلي ولا يزكي معصية، لأنه ترك فيها مفروضًا عليه، وجلها والحنث فيها بأن يصلي ويزكي طاعة؛ لأنه فعل مفروضًا عليه.
وهكذا لو حلف على فعل المحظورات فقال: والله لأزنين ولأشربن خمرًا ولأسرفن ولأقتلن كان عقدها والمقام عليها بالزنا والسرقة وغير ذلك معصية، وحلها والحنث فيها طاعة بأن لا يزني ولا يشرب.
والثالث: ما كان عقدها والمقام عليها مستحبًا، وحلها والحنث فيها مكروهًا وهو قوله: والله لأصلين النوافل، ولأتطوعن بالصدقة، ولأصومن الأيام البيض، ولأنفقن على الأقارب، وما أشبه ذلك من الخيرات فعقدها والمقام عليها بفعل ذلك مستحب، وحلها والحنث فيها بترك ذلك مكروه.
والرابع: ما كان عقدها والمقام عليها مكروهًا وحلها والحنث فيها مستحبًا، وهو عكس ما قدمناه فيقول: والله لا صليت نافلة، ولا تطوعت بصدقة ولا صيام، ولا أنفقت على ذي قرابة، ولا عدت مريضًا، ولا شيعت جنازة فعقدها والمقام عليها مكروه، وحلها والحنث فيها بفعل ذلك مستحب، قد خلف أبو بكر أن لا يبرأ مسطح، وكان ابن خالته

الجزء: 10 - الصفحة: 370

لأنه تكلم في الإفك، فأنزل الله تعالى فيه: ﴿ولا يَاتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى﴾ [النور:22] إلى قوله: ﴿أَلا تُحِبونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور:22] فقال أبو بكر: بلى يا رب، فبره وكفر.
والخامس: أن يحلف على فعله مباح وتركه مباح، كقوله: ولله لا دخلت هذه الدار ولا لبست هذا الثوب، وأكلت هذا الطعام فعقدها ليس بمستحب واختلف أصحابنا هل هو مباح او مكروه؟ على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن عقدها مباح، وحلها مباح، لانعقادها على ما فعله مباح، وتركه مباح.
والثاني: وهو ظاهر كلامه هاهنا، أن عقدها مكروه، وحلها مكروه؛ لأنه قال: وأكره الأيمان على كل حال، فيكون عقدها مكروهًا؛ لأنه ربما عجز عن الوفاء بها، وحلها مكروه؛ لأنه جعل الله عرضة بيمينه وقد نهاه عنه.
فصل: فإذا تقرر هذا، وحلف على أحد هذه الأقسام الخمسة، فلا يخلو حالة فيها أن يبرأ أو يحنث فإن بر فلا كفارة عليه سواء كان يره فيها طاعة أو معصية، ذهب بعض إلى وجوب الكفارة عليه بعقد اليمين وغن لم يحنث فيها وهو قول عائشة والحسن وقتادة تعلقا بقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] فعلق الكفارة باليمين دون الحنث.
والدليل على الفساد هذا القول ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "والله لأغزون قريشًا" فغزاهم ولم يكفر، وقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89].
يعني: وحنثتم، كما قال: ﴿ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. أي: فأفطرتم، فعدة من أيام أخر، فحدف ذلك لدلالة الكلام عليه، وإن حنث في يمينه وجبت الكفارة عليه، سواء كان حنثه طاعة أو معصية.
وذهب الشعبي وسعيد بن جبير إلى انه لا كفارة في حنث الطاعة، وإنما تجب في حنث المعصية، لأن فعل الطاعة مأمور به، وغير آثم فيه، فلم يحتج إلى تكفير كالقتل، إن أثم به كفر، وإن لم يأثم به لم يكفر، وهذا خطأ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه" وليس يمتنع أن يكفر في فعل الطاعة كالمحرم إذا اضطر إلى أكل الصيد كان مطيعًا في قتله، وعليه أن يكفر بالجزاء، وكالقاتل الخطأ ليس يأثم، وعليه الكفارة.

الجزء: 10 - الصفحة: 371

فصل: فإذا ثبت وجوب الكفارة في حنث الطاعة والمعصية، فالظاهر من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة أن الكفارة وجبت في الحنث وحده لتعلقها بحل ما عقده، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] وقال بعض أصحابنا أنها تجب باليمين والحنث كالزكاة تجب بالنصاب والحول؛ لأن الحنث لا يكون إلا بعقد اليمين.
والأصح عندي من إطلاق هذين المذهبين أن يعتبر حال اليمين، فإن كان عقدها طاعة وحلها معصية وجبت باليمين والحنث؛ لأن التفكير بالمعصية أخص، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ كَذَا وَلَمْ يَكُنْ أَثِمَ وَكَفَّرَ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ اللَّهِ تعالى: ﴿ولا يَاتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُمْ والسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى﴾ [النور: 22] نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لاَ يَنْفَعُ رَجُلاً فَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَهُ وَبِقَولِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي الظَّهَارِ ﴿وإنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَرًا مِّنَ القَوْلِ وزُورًا﴾ [المجادلة: 2] ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ الكَفَارَة وَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "فَلْيَاتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفَّرْ عَنْ يَمِينِهِ" فَقَدْ أَمَرَهُ بِالحِنْثِ عَامِداً وَبِالتَّكْفِيرِ وَدَلَّ إِجْمَاعُهُمْ أَنَّ مَنْ حَلَفَ فِي الإحْرَامِ عَمْداً أَوْ خَطَأ أَوْ قَتَلَ صَيْداً عَمْداً أَوْ أَخْطَأَ فِي الكَفَّارَة سَوَاءٌ عَلَى أَنَّ الحَلِفِ بَاللَّهِ وَقَتْلِ المُؤْمِنِ عَمْداً أَوْ خَطَأ في الكَفَّارَةِ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: قد مضى اليمين على الفعل المستقبل، فأما اليمين على الفعل الماضي فضربان: أحدهما: أن يكون على إثبات كقوله: والله لقد فعلت كذا.
والثاني: أن يكون على نفي كقوله: والله ما فعلت كذا، فلا يخلو أن يكون فيها صادقاً أو كاذباً، فإن كان صادقاً قد فعل ما أثبت وترك ما نفي فلا كفارة عليه؛ لأنها يمين بره، وغن كان كاذباً؛ لأنه لم يفعل ما أثبته وفعل ما نفاه، فقال: والله لقد أكلت، ولم يأكل، أو قال: والله ما أكلت وقد أكل، فهو في هذه اليمين عاص آثم، وتسمى اليمين الغموس؛ لأنها تغمس الحالف بها في المعاصي، وقيل: في النار.
واختلف الفقهاء هل يجب بها الكفارة أم لا؟ فمذهب الشافعي، أن الكفارة فيها واجبة، ووجوبها مقترن بعقدها، وهو قول عطاء، والحكم والأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجب به الكفارة وبه قال مالك، وسفيان الثوري، والليث بن سعد وأحمد وإسحاق استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
ومنه دليلان: أحدهما: أن اليمين الغموس هي اللغو، والعفو عنها متوجه إلى الكفارة.

الجزء: 10 - الصفحة: 372

والثاني: أن قوله: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
وعقد اليمين ما التزم فعلاً مستقبلاً يتردد بين حنث وبر، فخرجت اليمين الغموس من الأيمان المعقودة، فلم يلزم بها كفارة، ثم ختم الآية بقوله: ﴿واحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] يعني في المستقبل، من الحنث.
واستدلوا بما روى ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف يمينًا فاجرة ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله تعالى وهو عليه غضبان".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اليمين الغموس تدع الديار بلاقع من أهلها" فأخبر بحكمها ولم يوجب الكفارة فيها.
والقياس أنها يمين على ماض فلم تجب بها كفارة كاللغو.
ولأنها يمين محظورة، فلم تجب بها كفارة كاليمين بالمخلوقات.
قالوا: ولأن اقتران اليمين بالحنث يمنع من انعقادها؛ لأن حدوثه فيها يدفع عقدها كالرضاع لما رفع النكاح إذا طرأ منها انعقاده إذا تقدم.
ودليلنا: قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89] بعد صفة الكفارة، فاقتضى الظاهر لزومها في كل يمين، وقال تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225] ولغو اليمين ما سبق به لسان الحالف من غير قصد ولا نية، واليمين الغموس مقصودة، فكان بها مؤاخذًا ومؤاخذته بها توجب تكفيرها، فإن منعوا من تسمية الغموس يمينًا بطل منعهم بقول الله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ولَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الكُفْرِ﴾ [التوبة: 74] وقال تعالى: ﴿ويَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إنَّهُمْ لَمِنكُمْ ومَا هُم مِّنكُمْ﴾ [التوبة:56].
ومن القياس: أنها يمين بالله تعالى قصدها مختارًا، فوجب إذا خالفها بفعله أن تلزمه الكفارة كالمستقبل ولانه أحد نوعي اليمين، فوجب أن ينقسم إلى بر وحنث كالمستقبل؛ ولأن كل ما كان في غير اليمين كذبًا كان في اليمين حنثًا كالمستقبل؛ ولأنها يمين تتعلق بالحنث المستقبل، فوجب أن تتعلق بالحنث الماضي كاليمين بالطلاق والعتاق؛ لأنه لو حلف بالطلاق والعتاق لقد دخل الدار، ولم يدخلها لزمه الطلاق والعتاق.
وكما لو حلف ليدخلها في المستقبل، فلم يدخلها وهذا وفاقًا كذلك في اليمين بالله؛ ولأن وجوب الكفارة في الأيمان أعم في المأثم، لأنها قد تجب فيما يأثم به ولا يأثم، فلما لحقه المأثم في الغموس كان بوجوب الكفارة أولى.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة:225] فهو أن لغو اليمين ما لم يقصد منها على ما سنذكره، فأما المقصود بالعقد فخارج عن حكم اللغو

الجزء: 10 - الصفحة: 373

وهو المعقود عليه من أيمانه وهو من كسب قلب المأخوذ بإثمه كما قال تعالى: ﴿ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة:225] ولئن كانت اليمين المستقبلة تتردد بين بر وحنث، فالغموس مترددة بين صدق وكذب، فصارت ذات حالين كالمستقبلة، وغن اختلفت الحالتان.
ألا تراه لو حلف ليصعدن السماء وليشربن ماء البحر حنث لوقته.
وإن لم يتردد يمينه بين حنث وبر، وكذلك لو حلف ليقتلن زيدًا، وكان زيد قد مات حنث، ولزمته الكفارة، وإن لم يتردد يمينه بين بر وحنث وكذب، لأنها مقصودة كذلك يمين الغموس في الماضي.
فأما قوله تعالى: ﴿واحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: 89] فحفظها قبل اليمين أن لا يحلف وبعد اليمين أن لا يحنث، كما قال الشاعر: قليل الألا يا حافظ لعهده وإن بدرت منه الألية برت وأما الجواب عن الخبرين فمن وجهين: أحدهما: أن الإمساك عن الكفارة فيها اكتفاء بما ورد به القرآن من وجوبها.
والثاني: أن المقصود بها حكم الآخرة، والكفارة من أحكام الدنيا.
وأما الجواب عن قياسهم على لغو اليمين فهو أن لغو اليمين غير مقصودة فخرج عن اليمين المقصودة.
وأما الجواب عن قياسهم على اليمين بالمخلوقات فهو أنه لا يلزم في جنسها كفارة فخالفت الأيمان بالله.
وما الجواب عن قياسهم على النكاح، فهو أنه منتقض بيمينه أن يصعد السماء ثم المعنى في النكاح أن مقصوده الاستمتاع والاستباحة، فإذا امتنع في النكاح بطل ومقصود اليمين وجوب الكفارة في الحنث وسقوطها في البر، وهذا موجود في المستقبل والماضي.
فصل: فإذا ثبت وجوب الكفارة في اليمين الغموس على الماضي في إثبات ما لم يكن، أو نفي ما قد كان، فهي يمين محلولة غير منعقدة، لأن عقدها إنما يكون فيما ينتظر بعدها من بر أو حنث، وهذه اليمين قد اقترن بها الحنث بعد استيفاء لفظها، فلذلك لم تنعقد، ووجبت الكفارة باستيفاء اليمين.
فصل: يمين الكافر منعقدة يتعلق بها الحنث، وتجب بها الكفارة كالمسلم سواء حنث في حال كفره أو بعد إسلامه، لكنه إن كفر في حال كفره كفر بالمال من إطعام أو كسوة أو عتق، ولم يكفر بالصيام فإن أسلم قبل التكفير جاز أن يكفر بالصيام كالمسلم.

الجزء: 10 - الصفحة: 374

وقال أبو حنيفة: يمين الكافر غير منعقدة، ولا كفارة عليه إذا حنث، استلالاً بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الإسلام يجبّ ما قبله:" فكان على عمومه؛ ولأن الكفارة لا تصح منه؛ لافتقارها إلى النية ما بدليل أنها عبادة تفتقر إلى النية، فلم تصح من الكافر كالصيام والقيام.
ولأن الإطعام والكسوة موجبة التكفير، فوجب أن لا يصح من الكافر كالصيام.
ولأن من لم يصح منه التكفير بالصيام لم يصح منه التكفير بالمال كالصبي والمجنون.
وإذا ثبت بهذه المعاني الثلاثة أن التكفير لا يصح منه وجب أن لا تنعقد يمينه ولا تجب عليه فيها كفارة لأمرين: أحدهما: أن موجب اليمين الكفارة، فإذا لم تصح منه لم تجب عليه الزكاة.
والثاني: أن من لم يصح تكفيره لم تنعقد يمينه كالصبي والمجنون.
ودليلنا عموم قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ ولَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الآية فاقتضى ظاهر العموم استواء المسلم والكافر في وجوبه.
ومن القياس: أن كل من صحت يمينه في الدعاوى انعقدت من غير الدعاوى كالمسلم؛ ولأن كل يمين صحت يمينه بالطلاق والعتاق صحت يمينه بالله كالمسلم؛ ولأن كل من صحت يمينه بالله في الإيلاء صحت يمينه بالله في غير الإيلاء كالمسلم.
فإن قيل: إنما صحت يمينه في الإيلاء وبالطلاق والعتاق؛ لأنه يصح منه موجبه من الطلاق والعتق، ولم يصح منه موجب اليمين بالله تعالى في التكفير، فلم تصح منه اليمين بالله تعالى.
قيل: موجب اليمين هو الوفاء بها، والكفارة حكم تعلق بالحنث، فلم يمنع من انعقاد اليمين، وإن أفضت إلى التكفير الذي لا يصح منه، ألا ترى أن الكافر لو دخل الحرم فقتل فيه صيداً ضمنه بالجزاء، وإن افتقر إخراج الجزاء إلى نية لم يصح من الكافر، ولم يسقط عنه الجزاء.
فاما الجواب عن قوله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يجبّ ما قبله" فمن وجهين: أحدهما: ان الخبر يقتضي إسقاط ما وجب، وعندهم أنه لم يجب ما يسقط والثاني: أنه محمول على سقوط المأثم دون المغرم.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن التكفير بالمال لا يصح منه كالصيام، فهو أن

الجزء: 10 - الصفحة: 375

الصيام عبادة محضة، فلم تصح من الكافر كالصلاة والمال حق يتصرف إلى الآدميين، فصح من الكافر، وإن استحقت فيه النية كجزاء الصيد في الحرم، ولا يمنع إذا لم يصح منه أحد أنواع التكفير أن تجب عليه الكفارة، ألا ترى أن الحائض لا يصح منها التكفير بالصيام، وتصح منها التكفير بالمال، والعبد لا يصح منه التكفير بالمال، ويصح منه التكفير بالصيام، والمجنون إنما لا يصح منه التكفير بالمال والصيام؛ لأنه غير مكلف، والكافر مكلف، فلذلك انعقدت يمين الكافر، وإن لم تنعقد يمين المجنون.
وأما الزكاة: فلأنها فرضت على المسلم طهرة، فخرج منها الكافر، ولزمته الكفارة عقوبة.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ فَإِنْ كَانَ يَعْنِي حَلَفْتُ قَدِيماً فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَادِثَةٍ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَمِيناً فَهِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: قوله: "أقسمت بالله"، يحتمل أمرين أن يكون يميناً في الحال أو يكون إخباراً عن يمين ماضية، وإذا احتمل هذين الأمرين لم يخل حاله من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد يميناً في الحال فتكون يميناً منعقدة، كما قال تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ [المائدة: 53].
والثانية: أن يقوله مطلقاً لم تقترن به إرادة، فتكون يميناً؛ لأنه قد اقترن بإطلاقها عرفان، عرف شرع وعرف استعمال.
فعرف الشرع ما قدمناه من الآية وعرف الاستعمال قولهم في أيمانهم: أقسمت بالله لأفعلن كذا، فوجب أن يكون إطلاقه محمولاً على العرفين من انعقاد اليمين ولزوم الكفارة.
والثالثة: أن يريد به يميناً حلف بها منعقدة، فإن علم تقدم يمينه كان العلم بها موافقاً لإرادته، فلا تنعقد يمينه في الحال، وإن لم تعلم له يمين متقدمة، فقد قال في كتاب الأيمان "لا تكون يميناً" لاحتمال ما قال في كتاب الإيلاء: تكون يميناً منعقدة اعتباراً بعرف الشرع والاستعمال، فاختلف أصحابنا على وجهين: أحدهما: الجمع بين الجوابين وتخريجه في اليمين والإيلاء على قولين: أحدهما: تنعقد في الأيمان والإيلاء.
والثاني: لا تنعقد في الأيمان والإيلاء.
والثاني: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين فيلزم في الإيلاء ولا يلزم في الأيمان لأن في الإيلاء حقاً لآدميين، فلم يسقط بإرادته، وهو في الأيمان من حقوق الله تعالى المحضة، فجاز أن يدين فيه على إرادته.

الجزء: 10 - الصفحة: 376

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح.
إذا لم يذكر اسم الله تعالى، واقتصر على قوله: أقسم لا فعلت كذا، فقد اختلف الفقهاء في انعقاده يميناً على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي أنها لا تكون يميناً سواء أراد اليمين أو لم يردها.
والثاني: ما قاله أبو حنيفة: تكون يميناً أراد اليمين أو لم يردها.
والثالث: ما قاله مالك: إن أراد اليمين كانت يميناً، وإن لم يرد اليمين لم تكن يميناً، وهكذا.
لو قال: أحلف لأفعلن كذا، فهو على هذا الخلاف، وكذلك لو قال: أشهد لأفعلن كذا كان على هذا الخلاف، فمذهب الشافعي في جميعه أنها لا تكون يميناً حتى يقرنه باسم الله تعالى، فيقول: اقسم بالله أو أشهد بالله، واستدل من جعله يميناً يقول الله تعالى: ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17].
فدل على أن أقسمت يمين منعقدة، وقال تعالى: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1].
ثم قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ [المنافقون: 2].
فدل على أن "أشهد" يمين لازمة.
وروى راشد بن ربيعة عن عائشة رضي الله عنها قال: أهدت لنا امرأة طبقاً فيه تمر، فأكلت منه عائشة، وأبقت فيه تميرات، فقالت المرأة: أقسمت عليك إلا أكلتيه.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بريها، فإن الإثم على المحنث" فجعلها يميناً ذات بر وحنث.
وروى عن عبد الله بن صفوان أنه أتى بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعه فامتنع عليه، وقال: "لا هجرة بعد الفتح".
فقال له العباس: الآن بررت قسمي، فسماه قسماً، ولأن عرف القسم في الشرع والاستعمال يكون بالله تعالى دون غيره، فوجب أن يكون إطلاقه محمولاً على العرفين فيه.
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: 6] واللعان يمين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا الأيمان لكان ليث ولها شأن" فدل على أن مطلق الشهادة لا يكونه يمينًا حتى تقترن بذكر الله.
ومن القياس أنه لفظ عري عن اسم وصفته فوجب أن لا تنعقد به يمين توجب الكفارة.
أصله إذا قال: أولى لأفعلن هذا، لأن الألية، والقسم واحد، وقياسًا عليه إذا حلف بغير الله من المخلوقات، ولأن اليمين المكفرة إذا كانت بلفظ معظم له حرمة فإذا

الجزء: 10 - الصفحة: 377

تجرد القسم عن ذكر الله سقطت حرمته، فسقطت كفارته.
وأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿إذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17].
فهو أنه إخبار عن القسم، وليس فيه دليل على صفة القسم، كما لو قيل: حلف فلان لم يكن فيه دليل على ما حلف به.
وأما الجواب عن الخبرين فمن وجهين: أحدهما: ما ذكرناه.
والثاني: يجوز أن يكون قد حذف ذكر الله منه اقتصارًا على العرف فيه.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن إطلاقه محمول على العرفين فيه، فهو أن العرف من القسم أنه يمين لكن قد يكون بالله تارة وبغير الله أخرى، كما لو قال: حلفت، يجوز أن يريد بالله، ويجوز أن يريد الطلاق والعتاق، وبما لا تنعقد من المخلوقات، فلم يجز أن يضاف القسم إلى الله تعالى دون غيره والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ قَالَ أُقْسِمُ بِاللَّهِ فَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ وَإِنْ أَرَادَ بِهَا مَوْعِدًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ كَقَوْلِهِ سَأَحْلِفُ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي الإِمْلَاءِ هِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: أما قوله: "أقسم بالله" فيحتمل أمرين: أحدهما: أن يريد بها يمينًا في الحال.
والثاني: أن يريد أنه سيقسم يمينًا في المستقبل فصار احتمالهما لهذين الأمرين كاحتمال قوله: أقسمت بالله، لأمرين، وإن اختلفا في صفة الاحتمال، لأن الاحتمال في أقسمت ليمين ماضية وفي قوله: "أقسم" ليمين مستقبلة، فيكون الحكم معتبرًا بأحواله الثلاثة.
أحدهما: أن يريد بها عقد يمين في الحال، فتنعقد يمينه.
والثاني: أن تكون مطلقة، فيعقد يمينه اعتبارًا في الإطلاق يعرف الشرع والاستعمال.
قال الله تعالى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِن شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: 107]. والثالثة: أن يريد بها موعدًا في يمين مستقبلة، فالمنصوص عليه من الأيمان أنها لا تكون يمينا حملاً على إرادته في الموعد، والمنصوص عليه في الإيلاء أنها تكون يمينًا في الحال، فخرجه أصحابنا على وجهين: أحدهما: حمل ذلك في اليمين والإيلاء على قولين: والثاني: حمل الجواب على ظاهره في الموضعين للفرق بينهما بما قدمناه، والله أعلم.

الجزء: 10 - الصفحة: 378

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإِنْ قَالَ لَعَمْرُ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمينٍ".
قال في الحاوي: لا يخلو حاله إذا قال: لعمر الله لأفعلن كذا من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يريد به اليمين، فتكون يمينًا مكفرة؛ لأن للناس في معناه ثلاثة أوجه: أحدها: معناه علم الله.
والثاني: بقاء الله ويشبه أن يكونه قول ابن عباس.
والثالث: وحق الله وأي هذه المعاني كان فهو من صفات ذاته.
والثانية: أن لا يريد يمينًا فلا تكون يمينًا.
وقال أبو حنيفة: تكون يمينًا وإن لم يردها لأنه من صفات ذاته.
ودليلنا هو أن لفظة قد صار في العرف مستعملاً في غير الأيمان مثل قولهم: لعمري لقد كان كذا ومن قول الشاعر: لعمرك ما يدري امرؤ كيف يتقي نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر فجاز أن يكون محمولاً على العرف بالإرادة، فلا تكون يمينا لخروجه عن حكم الصفات المحضة.
والثالثة: أن يطلقه، ولا تكون له فيه إرادة، ففيه وجهان: أحدهما: تكون يمينًا لما اقترن به من عرف الشرع في قوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ [الحجر: 72].
والثاني: أن لا تكون يمينًا لأن عرف الاستعمال فيه مشترك، وعرف الشرع فيه محتمل، لأن قوله: ﴿لَعَمْرُكَ إنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72)﴾ [الحجر: 72].
قسم من الله تعالى برسوله، وأقسام الله تعالى مخالفة لأقسام عبادة، لجواز قسمه بالمخلوقات التي لا يجوز أن يقسمه بها المخلوقون.
فصل: فأما قوله: وأيم الله، وأيمن الله، فإن أراد به يمينًا كان يمينًا لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في أسامة بن زيد: "وأيم الله إنه لخليق بالإمارة" وإن لم يرد يمينًا، أو لم تكن له إرادة لم تكن يمينًا، لأن العرف في قولهم: لعمر الله، أكثر استعمالاً من قولهم، وأيم الله.
وقال أبو حنيفة: هما سواء في الأحوال كلها يمين مع وجود الإرادة وعدمها.
وأما قوله: لاها الله.
فإن أراد به يمينًا، فهو يمين لما روي عن أبي بكر رضي الله

الجزء: 10 - الصفحة: 379

عنه أنه قال بمشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتيل أبي قتادة حين أخذ سلبه غيره: لاها الله إذن تعمد إلى أسد من أسد الله يعطيك سلبه، فكانت يمينًا وإن لم يرد اليمين، أو لم تكن له إرادة، فليس بيمين لعدم عرف الشرع والاستعمال فيه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ حَقِّ اللَّهِ أَوْ وَعَظَمَتِهِ أَوْ وَجَلاَلِ اللَّهِ أَوْ وَقُدْرَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ كُلُّهُ يَمِينٌ نَوَى بِهَا يَمِينًا أَوْ لاَ نِيَّة لَهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ لأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَقُولَ: وَحَقِّ اللَّهِ وَاجِبٌ وَقُدْرَةُ اللَّهِ مَاضِيَةٌ لاَ أنَّهُ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: ذكر الشافعي ها هنا إذا حلف بأربعة أشياء ب "حق الله" و"عظمة الله"، و"جلال الله"، و"قدرة الله".
فأما عظمة الله وجلال الله فهو يمين في الأحوال الثلاثة، سواء أراد به اليمين أو لم يرد لأنها من صفات ذاته المحضة، فلم يعتبر فيها عرف شرع ولا استعمال وإن كان عرف الاستعمال فيها موجودًا، وإنما يعتبر العرفان فيما كان من الصفات محتملاً، ولا يعتبر فيما زال عنه الاحتمال.
وأما قوله: وحق الله، وقدرة الله، فتكون يمينًا في حالتين من ثلاث إذا أراد اليمين وإذا أطلق.
وقال أبو حنيفة إذا قال: وحق الله لا تكون يمينًا في الأحوال كلها سواء أراد به اليمين أو لم يرد، لأن حقوق الله تعالى فروضه وعباداته، لرواية عبادة ابن الصامت قال: قلت يا رسول الله؟ وما حق الله على عباده؟ فقال: "أن لا تشركوا به شيئًا وتعبدوه وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة".
ودليلنا شيئان: أحدهما: أنها يمين معتادة بصفة عامة أضيفت آلي الله تعالى، فوجب أن تكون يمينًا كصفات ذاته من العظمة والعزة.
والثاني: أنها يمين مستحقة من صفات ذاته، فجرى عليها حكم صفات الذوات.
وأما الخبر فلا دليل فيه، لأنه بين بعض حقوقه، وقد تحتمل العبادات، وتحتمل صفات الذات، فجاز أن تعتبر فيه الإرادة بحمله على أحدهما.
وأما إذا أراد غير اليمين، فقد قال الشافعي: "يعمل على إرادته" فلا تكون يمينًا لما علل به من جواز أن يريد.
وحق اله واجب وقدرة الله ماضية، فاختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أن لا تكون يمينًا على ما أجاب به الشافعي، وعلل به.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، أنه لا تكون يمينًا في حقوق الله تعالى، وتكون يمينًا في حقوق الآدميين.

الجزء: 10 - الصفحة: 380

والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا تكون يمينًا بالإرادة إذا عزاه إلى أمر محتمل، وتكون يمينًا إذا لم يعزه إلى أمر محتمل.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ بِاللَّهِ أَوْ تَاللَّهِ فَهِيَ يَمِينٌ نَوى أَوْ لَمْ يَنْوِ.
وَقَالَ فِي الإِمْلاِءِ: تَاللَّهِ يَمِينٌ وَقَالَ فِي القَسَامَةِ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ قَالَ المزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ حَكَي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَمِينَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ﴿وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57)﴾ [الأنبياء: 57].
قال في الحاوي: أعلم أن حروف القسم ثلاثة: الواو وهي أصلها، ثم الياء، ثم التاء، فأما الواو فقوله: والله، وهو الحرف الصريح في القسم، فإذا قال: والله كان حالفًا، لا يرجع إلى إرادته في ظاهر ولا باطن، ولا يلزمه حكم اليمين في حقوق الله وحقوق الآدميين، وأما التاء المعجمة من تحت.
فقوله: بالله، وفيها بعض الاحتمال، لأنه مع غالب الأحوال في القسم يحتمل أن يريد: بالله استعين وبالله أتق، وبالله أومن، فإذا أراد به القسم، أو قال مطلقًا كان يمينًا في الظاهر والباطن في حقوق الله وحقوق الآدميين، وإن لم يرد به القسم، وأراد ما ذكرنا من احتماله دين في الباطن حملاً على ما نواه ولم تلزمه الكفارة، وكان حالفًا في الظاهر، اعتبارًا بالغالب من حال الظاهر، ولزمه حكم اليمين كما لو لزوجته أنت طالق، وأراد من وثاق دين في الباطن وكان طلاقًا في الظاهر.
وأما التاء المعجمة من فوق، تالله، فمنصوص الشافعي في الأيمان والإيلاء أنها يمين، لأن الشرع قد ورد بها، قال الله تعالى: ﴿وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم﴾ [الأنبياء: 57].
﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91].
ونقل المزني عن الشافعي في القسامة: وتالله ليست بيمين فاختلف أصحابنا في تخريج ما نقله في القسامة على وجهين: أحدهما: أنه ليس بصحيح، وقد وهم فيه، وإنما قال الشافعي: "بالله ليست بيمين" بالباء معجمة من تحت، وقد ذكر الشافعي في تعليله ما يدل على هذا، فقال: لأنه دعاء، فعلى هذا تكون تالله يمينًا قولاً واحدًا.
والثاني: أن نقل المزني صحيح، لضبطه في نقله، فعلى هذا اختلف أصحابنا مع صحة النقل في كيفية تخريجه على ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه تخريج قول ثان، فيكون على قولين لاختلاف النقل فيه.
أحدهما: وهو مذهب أبي حنيفة أن تكون يمينًا في المواضع كلها من غير أن تعتبر فيه إرادة؛ لأن عرف الشرع بها وارد؛ ولأن التاء في القسم بدل من الواو، فقامت مقامها في الحكم.

الجزء: 10 - الصفحة: 381

والثاني: أنها ليست بيمين في المواضع كلها إلا أن يريد بها يمينًا، فتصير بالإرادة يمينًا لخروجها عن عرف الاستعمال والتباسها على أكثر الناس، والأيمان مختصة بما كان في العرف مستعملاً، وعند عامة الناس مشتهرًا، فهذا وجه: والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: أنها تكون يمينًا في خواص الناس الذين يعرفون أن التاء من حروف القسم ولا تكون في العامة الذين لا يعرفون ذلك إلا بالإرادة والنية، كما أن العربي إذا حلف بالأعجمية تكون يمينًا إذا عرفها، ولا تكون يمينًا إ&ن لم يعرفها، وكذا الأعجمي إذا حلف بالعربية.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنها تكون يمينًا في التغليظ عليه، ولا تكون يمينًا في التخفيف عنه، فلا يجعلها يمينًا في القسامة؛ لأنه يثبت بها لنفسه حقًا، ويجعلها يمينًا في الإيلاء؛ لأنه يثبت بها على نفسه حقًا.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ - قَالَ المُزَنِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: "فَإِنْ قَالَ لأَفْعَلَنّ فَهَذَا ابْتِدَاءُ كَلاَمٍ لاَ يَمِينٌ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهَا".
قال في الحاوي: إذا حذف من اسم الله حرف القسم، فقال: الله لأفعلن كذا، لم يكن يمينًا؛ لأنه يحذف حروف القسم الموضوعة لليمين يصير ابتداء كلام، واستفتاح خطاب يخرج عن عرف الأيمان في الاستعمال والشرع.
فإن قيل: فقد ورد به عرف الشرع، فقد اختلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ركانة بن عبد يزيد حين طلق امرأته البتة، وذكر أنه أراد واحدة فقال: "الله إنك أردت واحدة"؟ فقال: الله إني أردت واحدة، وأحلف ابن مسعود حين أخبره أنه قتل أبا جهل، فقال" "الله إنك قتلته"، فقال: الله إني قتلته.
فالجواب عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قصد اليمين بإحلافهما والنية عندنا في الأيمان نية المستحلف دون الحالف، ولو كان الحالف نوى اليمين، وأرادها مع حذف حرف القسم كان يمينًا لما ذكرناه من إحلاف ركانة وابن مسعود، فتصير غير يمين في حالتين إذا لم يرد وإذا أطلق، ويمينًا في حالة واحدة إذا أراد.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَإِنْ قَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ فَإِنْ نَوَى اليمِينَ فَهَيَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يَنْو يَمِينًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ لأَنَّهَا تَحْتَمِلُ أَشْهَدُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ يَنْوِيهِ يَمِينًا لَمْ يَكُنْ يَمِينًا".
قال في الحاوي: وهو كما قال: وحكي عن أبي حنيفة أنه إذا قال: أشهد بالله، أو قال: أشهد أنها يمين لما اقترن بها من عرف الشرع في قوله تعالى: {فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ

الجزء: 10 - الصفحة: 382

أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ} [النور: 6].
وقال: ﴿إذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 1].
وإذا اقترن بها أحد العرفين صارت يمينًا، ولا تكون الشهادة بالله عند الشافعي يمينًا قاطعة، لعلتين: إحداهما: ما علل به الشافعي أنها تحتمل أشهد بأمر الله على وجه الشهادة بالأيمان بالله، فخرجت عن حكم ما لا يحتمل.
والثانية: ما علل به أبو إسحاق المروزي أنها ما كانت جارية في عرف الخاصة والعامة، والشهادة بما لا تعرفها العامة في الأيمان فزال عنها حكم اليمين.
فأما استدلال أبي حنيفة بعرف الشرع، فقد قابله في حمله على شهادة الأيمان بالله عرف شرعي، فلم يكن أحد العرفين أولى من الآخر، فتعارضا، ورجع إلى إرادته، ولا يخلو حاله في قوله: أشهد بالله من ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يريد بها غير يمين، فلا تكون يمينًا، وهو الذي خالف فيه أبو حنيفة.
والثانية: أن يريد بها اليمين، فتكون يمينًا بوفاق أبي حنيفة، لما وافقها من أحد الفريقين.
والثالثة: أن يطلق ولا تكون له فيها نية، فقد اختلف أصحابنا في هذا الإطلاق على وجهين: أحدهما: أن إطلاقهما أن تكون يمينًا لموافقة العرف الشرعي، ويكون جواب الشافعي في أنها ليست بيمين محمولاً على أنه لم يرد بها اليمين.
والثاني: أن إطلاقها يمنع من أن تكون يمينًا لمخالفة عرف الاستعمال، ويكون جواب الشافعي في أنها ليست بيمين محمولاً على هذا الإطلاق.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيًُّ: "وَلَوْ قَالَ أَعْزِمُ بِاللَّهِ وَلاَ نِيَّةَ لَهُ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا لأَنَّ مَعْنَاهَا أَعْزِم بِقُدْرَةِ اللَّهِ أَوْ بِعَوْنِ اللَّهِ عَلَى كَذَا وَإِنْ أَرَادَ يَمينًا فَهِيَ يَمِينٌ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، لأن قوله: أعزم بالله يحتمل الاستعانة بقوله، ومعونته على مقاصده تسليمًا لأمره، وهو الأظهر، وإن احتمل أن يريد عزمًا على اليمين بإضمار القسم، ولترددها بين احتمالين، أظهرهما أن تكون غير يمين، وأضعفهما أن تكون يمينًا، لم يجعلها يمينًا إذا نوى غير اليمين، ولا إذا أطلقها، لأنه لم يقترن بإطلاقها عرف الشرع ولا عرف الاستعمال، وجعلناها يمينًا إذا نواها لما يحتملها من حكم اليمين فتصير يمينًا في حالة واحدة وغير يمين في حالتين وجهًا واحدًا، بخلاف الشهادة حيث احتملت في الإطلاق، ولما اقترن بها من عرف الشرع.

الجزء: 10 - الصفحة: 383

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ أَسْأَلُكَ بَاللَّهِ أَوْ أَعْزِمُ عَلَيْكَ بَاللَّهِ لَتَفْعَلَنَّ فَإِنْ أرَادَ المُسْتَخْلِفُ بِهَا يَمِينًا فَهِيَ يَمِينٌ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ بِهَا شَيْئًا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ".
قال في الحاوي: أما قوله لغيره: أسألك بالله، أو أقسم عليك بالله لتفعلن كذا.
فله فيه أربعة أحوال: أحدهما: أن يريد يمينًا لنفسه على فعل صاحبه، فتكون يمينًا له معلقة بفعل غيره، فإن فعل ما قال بر الحالف، وإن لم يفعل حنث الحالف، ووجبت الكفارة على الحالف دون المحلوف عليه، وأوجبها أحمد بن حنبل على المحلوف عليه دون الحالف احتجاجًا برواية عكرمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من حلف على أحد بيمين وهو يرى أنه سيبره فلم يفعل فإنما إثمه على الذي لم يبره".
ودليلنا قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: 89]، فجعل الكفارة على الحالف دون المحنث، وقد جاءت السنة بما يوافق هذا.
روى راشد بن سعد عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهدت لنا امرأة طبقًا فيه تمر فأكلت منه عائشة، وأبقت تميرات، فقالت لها المرأة: أقسمت عليك إلا أكلتيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بريها؟ فإن الإثم على المحنث"، فجعل البر والحنث على الحالف والإثم على المنحث، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة فيما احتج به أحمد.
فصل: والثانية: أن يريد الحالف بيمينه يمينًا يعقدها على المستحلف يلزمه برها وحنثها، فلا يكون يمينًا للحالف؛ لأنه لم يردها، ولا تكون يمينًا للمستحلف، لأنه لم يحلف بها؛ ولأنه لم تنعقد يمين المكره مع حلفه كانت يمين من لم يحلف أولى أن لا تنعقد.
والثالثة: أن يريد بها السؤال والطلب، ولا يقصد بها يمينًا لنفسه ولا لصاحبه، فلا تكون يمينًا بحال.
والرابعة: أن يطلقها، ولا تكون له نية فيها بيمين ولا غيره، فلا تكون يمينًا، لا يختلف فيها مذهب الشافعي؛ لأنه لم يقترن بها عرف شرع ولا عرف استعمال، فخرجت عن حكم الأيمان.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ عَهْدِ اللَّهِ وَمِيثَاقِهِ فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ إِلاَّ أَنْ يَنْوِي يَمِينًا لأَنَّ لِلَّهِ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ يُؤَدِّي فَرَائِضَهُ وَكَذَلِكَ مِيثَاقُ اللَّهِ بِذَلِكَ وَأَمَانَتُهُ".

الجزء: 10 - الصفحة: 384

قال في الحاوي: وهذا كما قال، وقال أبو حنيفة ومالك: إذا قال: على عهد الله أو قال: على ميثاق الله أو جمع بينهما، فقال: على عهد الله وميثاقه، كان من صريح الأيمان، فيكون يمينًا في الأحوال الثلاث لما فيها من زيادة التغليظ على الأيمان بالعهد والميثاق، وعلى مذهب الشافعي لا تكون يمينًا إذا لم ينوها، لأن عهد الله وميثاقه.
يحتمل أن يكون ما أوجبه من فروض أو تؤدي إليه ويحتمل أن يريد به ما أخذه الله من الذرية في ظهور الآباء من الاعتراف به في قوله تعالى: ﴿وإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: 172] ويحتمل أن يريد بها اليمين؟ فلما كان هنا يحتمل وجوهًا وجب أن يرجع فيه إلى نيته وإرادته، فإن أراد يمينًا كان يمينًا، وإن أراد غير اليمين لم تكن يمينًا، وإن لم تكن إرادة وأطلق، في إطلاقه وجهان: أحدهما: أن إطلاقه يخرجه عن اليمين لأنه لم يقترن بع عرف شرع، وتكون غير يمين في حالتين، ويمينًا في حالة واحدة.
والثاني: أن إطلاقه يوجب أن تكون يمينًا؛ لأنه عرف الاستعمال في الخاصة والعامة قد صار جاريًا ومحمولاً بينهم على زيادة التغليظ كما يزيد في تغليظ الأيمان بالله الطالب الغالب وهذا قول أبي إسحاق المروزي، فتكون يمينًا في حالتين، غير يمين في حالة واحدة، وإذا صار عهد الله وميثاقه يمينًا، وقد جمع بينهما وحنث لزمته كفارة واحدة.
وقال مالك: تلزمه كفارتان لوجوبها بكل واحد منهما، فتضاعفت باجتماعهما، وهذا ليس بصحيح، لانه يمين واحدة زادها تغليظًا، فلم تجب بها إلا كفارة واحدة كقوله: والله الطالب الغالب، والله أعلم بالصواب.

باب الاستثناء في الأيمان

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُُّّ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى: "وَمَنْ حَلَفَ بِأَيِّ يَمِينٍ كَانَتْ ثُمَّ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَوْصُولاً بكَلاَمه فَقَد اسْتَثْنَى".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، الاستث 3 ناء بمشيئة الله في الأيمان والنذور يمنع من انعقادها وتسقط حكمها في الإثبات والنفي، سواء كانت اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتق.
وقال مالك: يصح الاستثناء في اليمين بالله، ولا يصح في الطلاق والعتق والنذور، وقد مضى الكلام معه في كتاب الطلاق، ومن الدليل عليه رواية أيوب، عن نافع، عن

الجزء: 10 - الصفحة: 385

ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله فقد استثنى" وروى طاوس عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من حلف على يمين فقال: إن شاء الله لم يحنث" فكان على عمومه في كل يمين، ولأنه لما جاز تعليق جميع الأيمان من عتق، وطلاق، وغيره بالشروط والصفات، كان تعليقها بمشيئة الله تعالى أولى، ومشيئة الله غير معلومة فيها، فلم تنعقد، كما لو قال: والله لا دخلت الدار إن شاء زيد، أو قال لزوجته أنت طالق إن شاء عمرو، أو قال لعبده: أنت حر إن شاء بكر، ولم تعلم مشيئتهم حتى ماتوا سقطت أحكام هذه كلها لعدم العلم بها.
فإن قيل: فإن الله تعالى يشاء العتق؟ قيل: قد يجوز إن يشاءه في الحال، ويجوز أن لا يشاءه وقد يجوز أن يشاء الطلاق؟ لأنه قد أباحه، والمباح داخل في مشيئته.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَالوَصْلُ أَنْ يَكْونَ الكَلًامُ نَسَقًا وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَةُ سَكْتَةٌ كَسَكْتَةِ الرَّجُلِ لِلَّذَكُّرِ أَوْ العِيَّ أَوْ التَّنَفُّسِ أَوِ انْقِطَاعِ الصَّوْتِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ وَالقَطْعُ أَنْ يَاخُذَ فِي كَلَامٍ لَيْسَ مِنَ اليَمِينِ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ يَسْكُتَ السُّكُوتَ الَّذِي يُبَيَّنُ أَنَّهُ قَطَعَ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الاستثناء في الأيمان كلها مانع من انعقادها، وهو جائز وليس بواجب، وذهب بعض أهل الظاهر على وجوب الاستثناء بمشيئة الله تعالى، احتجاجًا بقول الله تعالى ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23 - 24]. والدليل على أنه مخير في الاستثناء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استثنى في يمينه تارة، ولم يستثن فيها أخرى، فقال: "والله لأغزون قريشًا إن شاء الله"، وإلى من نسائه شهرًا، ولم يستثن.
وروى عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان يحلف بهذه اليمين لا ومقلب القلوب".
روى أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اجتهد في اليمين قال: "والذي نفس أبي القاسم بيده".
ولأن الاستثناء سبب يتوصل به إلى حل اليمين فلم يجب كالحنث.
فأما الآية فواردة على طريق الإرشاد والتأديب، أن لا يعزم على أمر إلا أن يقرنه

الجزء: 10 - الصفحة: 386

بمشيئة الله تعالى في الأيمان، وغيرها ليكون بالله مستعينًا وإليه مفوضًا.
فصل: فإذا ثبت جواز الاستثناء دون وجوبه، فلا تأثير لاستثنائه إلا أن يقوله موصولاً بكلامه، فإن انقطع عنه لم يكن لحكم، وحكي عن الحسن البصري، وعطاء أنه إن استثنى في مجلس يمينه صح، وإن استثنى بعد فراغه لم يصح.
وعن ابن عباس روايتان: إحداهما: أن الاستثناء يصح أبدًا في طويل الزمان وقصيره.
والثانية: أن يصح إلى حين، والحين عنده سنة ولا يصح بعدها احتجاجًا بقول الله عز وجل: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:24].
أي اذكر الاستثناء إذا نسيته فعم الأمر من غير تحديد.
وروى عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، والله لأغزون قريشًا، وسكت ثم قال: إن شاء الله" فدل على جواز الاستثناء متصلاً أو منفصلاً.
والدليل على بطلان الاستثناء بعد انقطاعه قول الله تعالى" ﴿ولا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23 - 24]. فجعل الاستثناء على الفور دون التراخي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف فقال: إن شاء الله فقد استثنى"، فذكر الاستثناء بحرف الفاء الموجبة للتعقيب والفور.
ولأن عرف الناس في الكلام المنفصل أن يكون مخالفًا للكلام المتصل؟ ألا تراه لو قال لعبده: أنت حر وسكت، ثم قال بعد زمان: إن دخلت الدار، عتق بالكلام الأول، ولم يكن ما ذكره من دخول الدار شرطًا، ولو قال على عشرة دراهم وسكت ثم قال بعد وقت: إلا خمسة لم يكن ذلك استثناء ولزمته العشرة، لاستقرار حكم الكلام بالسكوت عليه، كذلك الاستثناء بمشيئة الله تعالى.
وأما قوله تعالى: ﴿واذْكُر رَّبَّكَ إذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف:24] فقد قال عكرمة معناه: واذكر ربك إذا غضبت ليزول عنك الغضب عند ذكره وأما الخبر فقد ذكر الساجي أنه مرسل ورواه عكرمة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو صح جاز أن يكون محمولاً على سكوته لانقطاع النفس، أو قاله بعد تطاول الزمان استعانة بمشيئة الله على مقاصده وإن لم يجعله استثناء في يمينه؟ لأنه قد وفي بها في غزو قريش.

الجزء: 10 - الصفحة: 387

فصل: فإذا ثبت اعتبار الاستثناء بالاتصال دون الانفصال، فالمتصل ما وصفه الشافعي أن يصله بيمينه على نسق، فإن سكت لنحنحة وانقطاع نفس أو عجز أو تذكر كلام لم يكن قطعًا، وكان كالمتصل لأن الكلام لا يمتد، ولابد أن يتخلله سكتات الاستراحة، فأما إن سكت بغير هذا، أو تكلم بين اليمين والاستثناء بما خرج عنه من أمر ونهي وكلام لا تعلق له باليمين والاستثناء بطل حكم الاستثناء، لأن استقرار اليمين بالخروج عنها إلى غيرها.
فصل: ثم لا يصح الاستثناء فيها مع الاتصال إلا بالكلام، فإن نواه بقلبه ولم يتكلم به لم يصح، لأن اليمين لما ينعقد بالنية لم يصح الاستثناء فيها بالنية، ولزم أن يكون الاستثناء نطقًا كما لزم أن يكون اليمين نطقًا.
فإن قيل: أفليس لو قال لعبده: أنت حر ونوى بقلبه إن دخل الدار كان شرطًا في عتقه فيما بينه وبين الله تعالى، وكلا يعتق عليه إلا بدخول الدار، وإن لم يذكره نطقًا فهذا كان الاستثناء هكذا.
قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: لأن الاستثناء رافع كالنسخ، ولا يكون النسخ إلا بالكلام كذلك الاستثناء، والشرط تخصيص بعضه وتخصيص العموم يجوز بالقياس من غير كلام.
والثاني: أنه مبطل لظاهر الكلام، فلم يبطل إلا بمثله من كلام ظاهر، والشرط مثبت فحمل الكلام المحتمل على مقتضى الشرط، فلم يفتقر إلى الكلام فافترقا، ثم لا حكم لتلفظه في الاستثناء بمشيئة الله تعالى حين يقوله ناويًا به الاستثناء فلم لم ينوه وسيق في لسانه من غير قصد أو جرى به عادته أن يذكر مشيئة الله تعالى في سائر أحواله لم يكن استثناء.
ألا ترى أن عقد اليمين لا يصح إلا بالنية والقصد، ويكون اللغو فيها عفوا، كذلك استثناؤها، وإذا ثبت اعتبار النية في الاستثناء نظر، فغن قصد الاستثناء عند التلفظ بيمينه صح إذا تكلم به بعد يمينه، وإن لم يقصد مع ابتداء اليمين وقصده مع التلفظ بالاستثناء ففي صحته وجهان: أحدهما: يصح لوجود القصد فيه عند ذكره.
والثاني: لا يصح لإطلاق اليمين عند ذكرها، ويجوز أن يتقدم الاستثناء على اليمين فيقول: إن شاء الله والله لا كلمت زيدًا، ويجوز أن يكون الاستثناء وسطًا، فيقول: والله إن شاء الله، لأنه يكون في الأحوال كلها متصلاً بكلامه الذي يعتبر حكم أوله بآخره، وحكم آخره بأوله، وسواء قال في استثنائه: إن شاء الله، أو أراد الله، أو إن أحب الله، وإن اختار الله، كل ذلك استثناء.

الجزء: 10 - الصفحة: 388

وكذلك لو قال: بمشيئة الله أو بإرادة الله أو باختيار الله، فكلمه استثناء والله أعلم بالصواب.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ في يَمِينِهِ لأََفْعَلَنَّ كَذَا لِوقْتٍ إِلَّا أّنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَإِنْ شَاءَ فُلانٌ لَمْ يَحْنَثْ وَإِنْ مَاتَ أَوْ غَبِي عَنَّا حَتَّى مَضَى الوَقْتُ حَنَثَ قَالَ المُزَنِيُّ قَالَ بِخِلَافِهِ فِي بَابِ جَامِعِ الأَيْمَانِ".
قال في الحاوي: قال المزني: وصورة هذه المسألة أن يقول الحالف: والله لأدخلن هذه الدار اليوم إلا أن يشاء زيد فعين وقت دخوله في يومه فلا يبر بالدخول في غيره، وجعل مشيئة زيد استثناء فتعلق بمشيئة زيد أمران: أحدهما: صفة مشيئته المشروطة.
والثاني: حكمها في الشرط، فأما صفة مشيئته فهو أن يشاء أن لا يدخل الحالف الدار، لأن الاستثناء ضد المستثني منه؛ لأن من حكم الاستثناء إذا عاد إلى إثبات أن يكون نفياً، وإذا عاد إلى نفي أن يكون إثباتاً، فإن قال الحالف: أردت ألا أن يشاء زيد دخولي، فلا التزام الدخول حملت المشيئة على إرادته، لاحتمالها، وإن خالفت حكم الاستثناء، وأما حكم مشيئة زيد فهو مع اليمين بعد انعقادها، فتكون مشيئة زيد رافعة لعقد يمين الحالف؛ لأنه جعلها استثناء، ولم يجعلها شرطاً، والاستثناء ينفي الإثبات ويثبت النفي، واليمين ثابتة، فكان استثنائها نفياً، فلو قال: أردت أن تكون مشيئة زيد شرطاً في إثبات اليمين لم يعمل على إرادته، لأنها تحيل حقيقة لفظه بما لا يحتمله؛ لأن قوله: إلا أن يشاء زيد ضد قوله: إن شاء زيد، فلا يجوز أن يعلق على اللفظ حكم هذه، وخالف صفة المشيئة إذا أراد خلاف إطلاقها لاحتماله، فإذا تقررت صورة المسألة، وحكم الاستثناء فيها بمشيئة زيد الرافع لعقد اليمين فلا يخلو حال الحالف من أن يوجد فيه البر أو لا يوجد، فإن كان البر منه موجوداً بدخول الدار في يومه فلا حنث عليه سواء وجدت مشيئة زيد أو لم توجد، لكن يكون دخوله بعد مشيئة زيد دخولاً بعد ارتفاع اليمين، فلا يتعلق به بر ولا حنث، ودخوله مع عدم المشيئة دخولاً يوجب البر في يمينه وإن لم يدخل الحالف الدار في يومه فقد عدم الفعل الذي يتعلق به البر، فتراعى حينئذ مشيئة زيد، هل ارتفعت اليمين بمشيئة، أو كانت على انعقادها لعدم مشيئته، ولا يخلو حال زيد فيها من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعلم أنه قد شاء، فاليمين، قد ارتفعت بمشيئته، فلم يحنث الحالف بترك الدخول، لارتفاع اليمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 389

والثاني: أن يعلم أن زيداً لم يشأ فاليمين منعقدة لعدم الشرط في رفعها، والدخول شرط في البر فيكون الحالف حانثاً، بترك الدخول لإخلاله بشرط البر.
والثالث: أن تخفي مشيئة زيد، فلم يعلم هل شاء أو لم يشأ، فقد نص الشافعي في هذه المسألة على أن الحالف يحنث بشرط الدخول، فجعل الشك في المشيئة موجباً لسقوطها، وجعل اليمين على انعقادها فأوقع الحنث فيها، ونقل الربيع في كتاب الأم عن الشافعي في مسألة أخرى ضد هذا الجواب مع وجوب اشتراكهما فيه، وهو إذا قال الحالف: والله لا دخلت هذه الدار في يومي هذا إلا أن يشاء زيد فدخلها في يومه، ولم يعلم مشيئة زيد لم يحنث وهماً في حكم المشيئة سواء، وإن اختلفا في الصورة، لأن اليمين في المسألة الأولى معقودة على دخول الدار، وفي المسألة الثانية معقودة على ترك دخولها، ومشيئة زيد في المسألتين جميعاً رافعة لعقد اليمين، وقد جعل الشك في مشيئة زيد رافعاً لليمين في المسألة الثانية، ولم يجعل الشك فيها رافعاً لليمين في المسألة الأولى، ولولا أن الربيع علل جواب المسألة الثانية أنه لا يحنث لجواز أن يكون زيد قد شاء فلا يحنث بالشك، فجاز أن ينسب الربيع إلى الوهم، أو ينسب الكاتب إلى الغلط، فاختلف أصحابنا في اختلاف هذين الجوابين مع اتفاقهم على استواء البر والحنث في المسألتين على وجهين: أحدهما: أن خرجوا جواب كل واحدة من المسألتين إلى الأخرى وحملوهما على قولين: أحدهما: يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتاً لعقد اليمين في المسألتين لأن الشك في صحة الاستثناء يوجب سقوط حكمه.
والثاني: لا يحنث بالشك في مشيئة زيد إثباتاً لصحة الاستثناء في المسألتين؛ لأن الشك في كفارة الحنث توجب سقوطها استصحاباً بالبراءة الذمة فهذا أحد وجهي أصحابنا.
والثاني: وقد حكاه أبو إسحاق المروزي، وأبو علي بن أبي هريرة ليس اختلاف الجوابين على اختلاف قولين، وإنما هو على اختلاف حالين، فحنثه الشافعي في المسألة الأولى إذا فات أن يستدرك مشيئة زيد بموته ولم يحنث في المسألة الثانية إذا أمكن استدراكها بغيبته حياً، والتوصل إلى العلم بها، والله أعلم.
فصل: فأما المزني فإنه لما نقل في مسألة الكتاب أنه يحنث بالشك بالمشيئة قال: قد قال: خلافه في باب جامع الأيمان، والذي أشار إليه المزني في باب جامع الأيمان ليست المسألة التي حكاها الربيع في كتاب الأم، وإنما أراد ما قاله الشافعي إذا حلف ليضرب عبده مائة، فضربه بضغث يجمع شمراخ كما قال الله تعالى لأيوب حين حلف ليضرب

الجزء: 10 - الصفحة: 390

امرأته مائةً، ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ [ص: (44)] فإذا ضرب عبده بمائةَ شمراخ مجموعةً، فإن أحاط علمه بوصول جميعها إلى بدنه بر، وإن أحاط عليه بأنه لم يصل إلى بدنه حنث، وإن شك في وصول جميعها إلى بدنه لم يحنث ولم نجعله بالشك في وصول الضرب حانثا، فبعث إلى المزني الجواب في مسألة الضرب على ما حكيت، وفي مسألة المشيئةَ على ما ذكرنا وقد يقع الفرق بين الشك فيها، فلا يحنث بالشك في وصول الضرب ويحنث بالشك في وجود المشيئةَ، وإن كان الفرق ضعيفًا، هو أن الفعل في وصول الضرب قد وجد فغلب حكم الظاهر في وصوله: وليس لوجود المشيئةَ فعل يعمل على ظاهره، فغلب حكم سقوطها، والله أعلم بالصواب.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولو قال في يمينه لا افعل كذا إن شاء فلان فعلل ولم يعرف أو لم يشأ لم يحنث".
قال في الحاوي: وصورتها آن يقول الحالف: والله لأدخلن الدار في يومي هذا إن شاء زيد، فمشيئةُ زيد هنا شرط في انعقاد اليمين وليس بشرط في استثنائها ورفعها، فوجب أن تكون المشيئةَ موافقةً لعقد اليمين فيشاء أن لا يدخلها، بخلاف المشيئةُ، وفي الاستثناء الذي يتضمن ضد ما انعقدت عليه اليمين، فإن كان كذلك لم يخل أن يعلم مشيئةَ زيد أو لا يعلم، فإن علمنا حال مشيئةً لم يخل حالها أن تكون موافقةً لعقد اليمين أو مخالفةً، فإن كانت موافقةً لعقد اليمين وهو أن يشاء زيد أن لا يدخل الحالف الدار، واليمين منعقدةً لوجود الشرط في انعقادها فلا يبر في يمينه إلا بترك دخولها في يومه، فإن دخلها فيه حنث، وإن كانت مشيئةُ زيد مخالفةً لعقد اليمين؛ لأن زيدًا قد شاء دخول الحالف إليها، وقد حلف أن لا يدخلها، فاليمين غير منعقدةً؛ لأن شرط انعقادها في المشيئةُ مفقود، فإن قال الحالف: أردت بمشيئةُ زيد أن يشاء دخولي فلا أدخلها بيمين، حمل على إرادته في انعقادها لاحتماله، وإن خالف الظاهر، فأما إذا لم يعلم هل يشاء زيد أو لم يشأ لم تنعقد اليمين ولم يقع فيها حنث، لأن الشك في وجود شرطها يمنع من صحةُ انعقادها والله أعلم.

باب لغو اليمين من هدا ومن اختلاف مالك والشافعي

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "أَخَبَرُنَا مَالِكَ عَنْ هشامِ بُنِّ عُرْوَةِ عَنْ أَبِيه عَنْ عَائِشَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ " لَغْوَ الْيَمِينِ قولَ الإنسان لَا وَاللهَ وبلى وَاللهَ " قَالَ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ: وَاللَّغْوَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْكَلاَمِ غَيْرَ الْمَعْقُودِ وَعَلَيه جِمَاعَ اللَّغْوِ وَهُوَ الخطأ وَاللَّغْوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ

الجزء: 10 - الصفحة: 391

وَاللهُ أَعلمَ.
وَذَلِكَ إذاً كَانَ عَلَى اللُّجَاجِ وَالْغَضَبِ وَالْعِجْلَةِ وَعَقْدَ الْيَمِّينَ أَنْ يُثَبِّتَهَا عَلَى الشَّيْءِ بِعَيْنَه".
قال في الحاوي: وأصل هذا قول الله تعالى: ﴿لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (225)] يريد بترك المؤاخذةَ باللغو في الأيمان ارتفاع المأثم وسقوط الكفارة.
واختلف الفقهاء في لغو اليمين الذي يسقط به المأثم والتكفير على مذاهب شتى أحدها: ما قاله مالك: إن لغو اليمين هو اليمين الغموس أن يحلف على الماضي كاذبًا فلا يؤاخذ بالكفارةً وإن كان آثمًا وهي اليمين الغموس.
والثاني: ما قاله أبو حنيفة: بأن لغو اليمين بأن يحلف على ماض يعتقد أنه صادق، فيبين كاذبًا فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والثالث: ما قال إبراهيم النخعي: أن لغو اليمين أن يحلف ناسيًا على ماض أو مستقبل، فلا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والرابع: ما قال الشعبي ومسروق: هو أن يحلف على معصيةً فيتركها فيصير لاغيًا يمينه، لا يؤاخذ بمأثم ولا كفارةً.
والخامس: ما قاله سيد بن جبير آن لغو اليمين هو أن يحرم على نفسه ما أحله الله تعالى له من قول أو عمل لا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً.
والسادس: ما قاله الشافعي: أن لغو اليمين ما يسبق به لسانه من غير قصد ولا عقد كقوله: لا والله، بلى والله، فلا يؤاخذ فيه بمأثم ولا كفارةً، وهو قول ابن عباس وعائشةً وعطاء، وأكثر التابعين استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: (225)] فدل على آن ما لم يقصده بقلبه لم يؤاخذ به وقال: ﴿لَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: (89)] فدل على أن ما لم يعقده بغرمه لم يؤاخذ به، ولما رواه الشافعي عن عائشة في صدر الباب، وقد رواه حسان بن إبراهيم عن عطاء عن عائشةَ أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في لغو اليمين: "هو كلام العرب، لا والله، وبلى والله".
وروى طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله "لا يمين في غضب" فأسقط اليمين في الغضب لسبق اللسان بها وعدم القصد لها؛ ولأن لغو الكلام عند العرب ما تجرد عن غرض، وعري عن قصد وكان من البوادر والملغاةً كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: (55)] فكان ما ذهب إليه الشافعي تقتضيه اللغةَ فيه مع ما قارنه من محايل الشرع.
فصل: فإذا ثبت ما ذكرنا من لغو اليمين لم تخل اليمين من أن تكون بالله تعالى أو (بغيره)،

الجزء: 10 - الصفحة: 392

فإن كانت بالله تعالى سبق بها لسانه وجرت بها عادته، فقال; لا والله، أو قال: بلى والله غير قاصد لعقد يمين فلا مأثم عليه ولا حنث، ولو نزه لسانه منها كان أولى، لئلا يجعل اسم الله تعالى عرضة ليمينه، وفد قال الله تعالى ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: (224)] فأما إن قال: لا والله، بلى والله، فجمع بينهما، كان الأول لغوًا، لأنها غير مقصودةً وكانت الثانيةَ منعقدةً، لأنها استدراك فصارت مقصودةً؛ فإن كانت اليمين بغير الله من طلاق وعتاق سبق بها لسانه لغوًا من غير قصد، ولا عقد دين فيها فلم يؤاخذ بها في الباطن، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر، بخلاف اليمين بالله في أنه لا يؤاخذ بلغوها في الظاهر ولا في الباطن؟ لأن كفارةً الحنث بالله من حقوقه المشتركة بين حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، فلم يؤاخذ بها في الباطن لاختصاصه بحقوق الله، وكان مؤاخذًا بها في الظاهر لاختصاصه بحقوق الآدميين والله أعلم.

باب الكفارة قيل الحنث وبعده.

مسألة: قَالُ الشَّافِعِيِ رحمَهُ اللَّهُ: "وَمِنْ حِلْفَ عَلَى شَيْءِ وَأَرَادَ أَنْ يَحْنَثَ فَأُحِبُّ إلي لَوْ لَمْ يُكْفَرْ حَتَّى يَحْنَثَ فَإِنَّ كفرَ قَبْلَ الْحِنْثِ بِغَيْرَ الصِّيَامَ أَجْزَأُهُ وَإِنَّ صَامَ لَمْ يَجِزْهُ لَأَنَا نَزْعَمُ أَنْ لله عَلَى الْعُبَّادِ حَقَّا فِي أَمَوَّالِهُمْ وَتَسَلُّفَ -النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيه وَسَلْمَ- مِنْ الْعباسِ صَدُقَةَ عَامِّ قَبْلَ أَنْ يدخل وَأَنْ الْمُسَلَّمَيْنِ قَدَّمُوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ قَبْلَ أَنْ يُكَوِّنَ الْفِطَرُ فَجُعَلَنَا الْحُقُوقَ فِي الأموال قِيَاسَا عَلَى هَذَا فَأَمَا الأعمال الَّتِي عَلَى الأبدان فَلَا تَجْزِيءَ إلا بَعْدَ مَوَاقِيتِهَا كَالْصَّلاَةِ".
قال في الحاوي: قد ذكرنا آن كفارةً اليمين تجب على ماض ومستقبل، فأما اليمين على ماض فالكفارةَ فيه واجبةً بعقد اليمين وحده إذا كانت كذبًا، ولا يجوز تقديم الكفارةَ فيها قبل وجوبها؟ سواء كفر بإطعام أو صيام؛ لأنها لا تجب إلا بسبب واحد، وهو عقد اليمين، وآما اليمين على مستقبل فالكفارةَ فيها واجبةً بعقد اليمين، والحنث، فتعلق وجوبها بسببين عقد وحنث، وله في التفكير بها ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكفر قبل اليمين والحنث فلا تجزئه سواء كفر بمال أو صيام لفقد كل واحدٍ من السببين كما لا يجزئه إذا عجل زكاةَ ماله قبل ملك النصاب والحول.
والثانية: أن يكفر بعد اليمين فلا يحنث فيجزئه، سواء كفر بمال أو صيام، وقد أخرجها بعد وجوبها فصار كإخراج الزكاةً بعد حولها والثالثة: أن يكفر بعد اليمين، وقبل الحنث فيكون كتعجيل الزكاةً بعد ملك النصاب وقبل الحول، فقد اخلف الفقهاء في تعجيلها على ثلاثة مذاهب:

الجزء: 10 - الصفحة: 393

أحدها: وهو مذهب أبي حنيفةَ يجوز تعجيل الزكاة قبل الحول، ولا يجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثاني: وهو مذهب مالك، لا يجوز تعجيل الزكاةَ قبل الحول ويجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثالث: وهو مذهب الشافعي أنه يجوز تعجيل الزكاةَ قبل الحول، ويجوز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث إذا كانت بمال من كسوةً أو إطعام أو عتق، فلا يجوز تعجيلها إذا كانت بصيام.
وقال أحمد بن حنبل: يجوز تعجيلها قبل الحنث بمال أو صيام.
فأما مالك فهو موافق في تعجيل الكفارةَ مخالف في تعجيل الزكاةَ، وقد مضى الكلام في موضعه.
وأما أبو حنيفةً فقد مضى الكلام معه في تعجيل الزكاةً، ويتعين الكلام معه هاهنا في تعجيل الكفارةً قبل الحنث.
وله في الاستدلال طريقان: أحدهما: المنع عن تعجيل الكفارةَ قبل الحنث.
والثاني: أن الكفارةَ تجب بالحنث وحده دون اليمين، واستدل على المنع من تعجيلها بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -أنه قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه" فكان له من الخير دليلان: أحدهما: قوله: "فليأت الذي هو خير منها" فقدم فعل الحنث على الكفارةً عرق الفاء الموجب للتعقب.
والثاني: قوله: (ثم ليكفر عن يمينه" وثم موضع للتعقيب والتراخي.
ومن القياس أن يكفر قبل الحنث فلم يحرم كالصيام.
ولأن كل حال لا يجوز التكفير فيها بالصيام لم يجز التكفير فيها بالمال قياسًا على ما قبل اليمين، واستدل على وجوب الكفارةَ بالحث وحده دون اليمين بأمرين: أحدهما: أن الحنث ضد اليمين، لأن اليمين تمنع من الحنث، والضدان لا يشتركان في معنى الوجوب لتنافيهما.
والثاني: أن الحنث لو كان أحد السببين في الوجوب لما روعي بعد عقد اليمين إحداث فعل من جهةً، كما لا يراعى في الحول بعد النصاب إحداث فعل من جهتهِ، ولما روعي في الكفارةَ حدوث فعل الحنث من جهتهِ دل على أن فعل الحنث هو الموجب للكفارةً كما نقول: إن الظهار وإن لم يكن إلا بعد عقد النكاح لما كان بفعل حادث منه، كان الظهار هو الموجب للكفارةً، دون النكاح.

الجزء: 10 - الصفحة: 394

والدليل على جواز تعجيل الكفارةَ قبل الحنث ما رواه مالك عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرةَ أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير".
وروى قتادةَ عن الحسن عن عبد الرحمن بن سمرةً قال؛: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا عبد الرحمن إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فكفر ثم ائت الذي هو خير" فجوز في هذين الحديثين تعجيل الكفارةً قبل الحنث؛ فإن قيل: فقد روى فيها وفي الخبر المتقدم تأخير الكفارةً عن الحنث فعنه جوابان: أحدهما: أن تقديم الكفارةً أشهر من تقديم الحنث.
والثاني: أننا نستعمل الروايتين معًا، فحمل تقديم الكفارةَ على الجواز تأخيرها على الوجوب، وتستعملها على وجهٍ ثان أن يحمل تقديمها على التكفير بالمال، وتأخيرها على التكفير بالصيام.
فتكون باستعمال الخيرين أسعد ممن استعمل أحدهما وأسقط الآخر.
ومن القياس ما يوافق عليه أبو حنيفة أنه لو خرج إنسانًا وعجل كفارةَ قتله بعد جرحه وقبل موته أجزأه، وكذلك لو جرح المحرم صيدًا لو قدم جزاءه بعد جرحه وقبل موته أجزأه، فجعل هذا معه أصلًا للقياس فيقول: يكفر لتعلق وجوبه سببين فجاز تقديمه بعد وجود أحدهما قياسًا على كفارةً وجزاء الصيد، ولأنه يكفر بمال بعد عقد اليمين فوجب أن يجزئه قياسًا على ما بعد الحنث.
ولأنه حق مال يجب سببين يختصان به فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على تعجيل الزكاةَ، فإن منعوا من وجوبها سببين دللنا على وجوبها بالحنث واليمين لقول الله تعالى: ﴿وَلاكِن يُؤاخِذُكُم بِما عَقَّدتُمُ الأَيمانَ﴾ [المائدة: (89)] وبقوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: (89)] فجعلها تكفيرًا لليمين فلم يجز أن يخرج من شرط الوجوب ولأن الكفارةَ حكم متعلق بالحنث فوجب أن يتعلق باليمين كما لو قال: إن دخلت الدار فعبدي حرّ كان عتقه متعلقًا بيمينه بدخول الدار، وإن منع أصحاب أبي حنيفةَ من تعليق عتقه بيمينه وبدخول الدار، وارتكبوا أن عتقه مختص بدخول الدار وحده منعوا من ارتكاب هذه الدعوى بما لا يدفعونه من أصل أبي حنيفةَ في هذا العبد إذا ادعى الحق باليمين والحنث، فأنكره السيد فأقام العبد عليه شاهدين باليمين وشاهدين بالحنث وحكم الحاكم بعتقه، ثم رجع شاهد اليمين وشاهد الحنث، قال أبو حنيفة: تجب قيمته على شاهدي اليمين خاصةً نصفين وعندنا تجب على شاهدي اليمين وشاهدي الحث أرباعًا، فقد جعل عتقه باليمين أخص من الحنث، فكانت الأيمان بالله أولى.
وأما الجواب عن الخبر فقد مضى.
وأما الجواب عن القياس على تعجيل الصيام فهو أن الصيام من حقوق الأبدان فلم

الجزء: 10 - الصفحة: 395

يجز تقديمه قبل وجوبه كما لا يجوز تقديم الصلاة وصيام شهر رمضان على وجوبهما، والمال مما يجوز تقديمه قبل وجوبه لتعجيل الزكاةَ، ومثله ما يقوله في حقوق الآدميين أن تقديم ما تعلق بالمال من الديون المؤجلةً قبل محلها جائز، وتقديم ما تعلق بالأبدان من القصاص وحدُ القذف قبل وجوبها غير جائز، وفي هذا دليل على أحمد بن حنبل في جمعه بين الأمرين في الجواز، وعبر آخر، وهو أن الصيام في الكفارةً يجوز بعد العجز عن المال في وقت الاستحقاق فلا اعتبار عند الحنث لم يجز تقديمه قبل الحنث فخالف المال في هذا المعنى.
وأما الجواب عن قياسهم على تعجيلها قبل اليمين فهو أنه لم يوجد أحد سببي الوجوب فامتنع التقديم كما امتنع تعجيل الزكاةً قبل ملك النصاب وجاز بعد اليمين لوجود أحد السببين كما جاز تعجيل الزكاةً بعد ملك النصاب.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الحنث ضد اليمين فلم يجز أن يشتركا في الوجوب فهو أن اليمين عقد والحنث حل، والحل لا يكون إلا بعد عقد فلم يتضادا، وإن اختلفا كما أن قوله: لا إله كفر، وقوله: إلا اله إيمان، فإذا اجتمعا كان الإيمان بهما منعقدًا أو لم يتنافيا بالمضادةَ.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن تعلق الكفارةً بإحداث فعل يمنع من تعلقها بما تقدمه من اليمين كالظهار يمنع من وجود الكفارةَ فيه بالنكاح وهو من وجهين: أحدهما: أن الحنث في الأيمان ما لا يتعلق له بإحداث فعل وهو أن يقول: والله لأدخلن الدار في يومي هذا فينقضي اليوم قبل دخولها حنث بغير فعله، وقد منع أبو حنيفةً من تعجيل الكفارةَ فيه، فبطل أن يكون إحداث الفعل عليه في اختصاصه بالوجوب، فكان يلزم أبا حنيفةً إن أراد صحةَ تعليله أن يجيز تقديم الكفارةً في اختصاصه بالوجوب فيما لم يكن الحنث بفعله، ويمتنع منهما فيما كان الحنث بفعله.
والثاني: أن المقصود بعقد النكاح غير الظهار فلم يكن سببًا في وجوب التكفير فيه، وإنما تجب كفارةَ الظهار بالظهار والعود، ويجوز تعجيلها قبل الظهار وقبل العود وعقد اليمين متردد بين أمرين من بر وحنث فصار لوقوفه بينهما نسبًا في وجوب التكفير على أن أبا علي بن أبي هريرةً يقول: إن كفارةَ الظهار تجب بثلاثةَ أسباب بعقد النكاح، وبلفظ الظهار، وبالعود، فلم يجز تقديمها بعد النكاح وقبل الظهار لوجوب سبب واحد وبقاء سببين.
وعلل بعض أصحابنا بأن الظهار محرم، فلم يجز تعجيل الكفارة فيه لأنه يؤدي آلي استباحة محظور عليه والحنث غير محرم فجاء من هذا التعليل أن يعتبر حال الحنث في الأيمان فإن كان واجبًا كمن حلف؛ لا صليت فرضًا أو مستحبًا كمن حلف؛ لا صليت نفلًا أو مباحًا كمن حلف؛ لا أكلت لحمًا جاز تعجيل الكفارةَ فيها قبل الحنث، وإن كان الحنث محظورًا كمن حلف بالله لا شربت خمرًا، ولا قتلت نفسًا لم يجز تعجيل الكفارةَ فيها قبل الحنث فصار تعجيلها فيما لم يكن محظورًا جائز وجهًا واحدًا، وجواز

الجزء: 10 - الصفحة: 396

تعجيلها فيما كان حنثه محظورًا على وجهين.
فأما تعجيل جزاء الصيد قبل إحرامه وقبل قتله وجرحه فلا يجوز وجهًا واحدًا وإن اختلفوا في تعليله، فعند أبي علي بن أبي هريرةً أن علةَ المنع أن الجزاء متعلق بثلاثةَ أشياء بالإحرام والجراح والموت، فلم يجز تعجيله بمد أحدها وبقاء أكثرها، وعند من راعى الحظر والإباحةَ علل بأن تقديم الجزاء موجب لاستباحةُ محظور، فلم يجز فإن حل له قتل الصيد لضرورةً إليه، قال صاحب هذا التعليل وحكاه عنه أبو إسحاق المروري: يجوز له تعجيل جزائه بعد إحرامه وقبل قتله، وعند جمهور أصحابنا علة المنع آن الإحرام غير مقصود لقتل الصيد فلم يكن سببًا لوجوب الجزاء، فأما تعجيل الجزاء بعد الجراح وقبل الموت فجائز باتفاقهم وإن وهم فيه أبو حامد الإسفراييني فخرجه على وجهين؟ لأنه ليس يستبيح بالجزاء بعد الجزاء محظورًا، لأن موت الصيد حادث عن الجرح المتقدم قبل تكفيره، والله أعلم.

باب من حلف بطلاق امرأته أن يتزوج عليها

مسألة: قال الشافعي رحمه الله تعالى: "وَمِنْ قَالَ لامرأته أَنْتِ طَالِقَ إِنَّ تَزَوَّجَتْ عَلَيكِ فَطِلْقَهَا واحدَةً تَمَلُّكَ الرُّجُعَةِ ثَمَّ تَزَوُّجَ عَلَيهَا فِي الْعُدَّةِ طَلَّقَتْ بِالْحِنْثِ وان كَانَتْ بَائِنَا لَمْ يُحْنَثْ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا قال: إن تزوجت عليك فأنت طالق ثم تزوج عليها لم يخل تزويجه من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يتزوج عليها وهي باقيةً على نكاحه، فقد طلقت سواء قرب زمان تزويجه أو بعد؟ لأنه قد جعله شرطًا في وقوع الحنث فاستوي حكمه في القرب والبعد، ولا فرق بين أن يتزوج عليها من يكافئها في نسبها وجمالها، أو تقدم عنها في النسب والجمال، ووافقنا مالك على هذا، وإن خالفنا إذا حلف، ليتزوجن عليها، على ما نذكر وان تزوج عليها بعقد فاسد لم يحنث، لأن فساد العقد يمنع من صحةَ الشرط، وسواء دخل بها أو لم يدخل ويجيء على قول مالك أنه يحنث إن دخل بها، ولا يحنث إن لم يدخل بها، على معنى قوله: إذا نكح الوليان ودخل الثاني صح عقده.
والثانية: أن يتزوج عليها وقد طلقها طلاقًا رجعيًا، فلا يخلو حالها فيه من آن تكون باقيةً في العدةً أو خارجةً عنها، فإن كانت باقيةً في عدتها طلقت بالحنث أخرى لأنها لما طلقت في العدةً إذا باشرها بالطلاق بالحنث في الطلاق ألا ترى أنه لو حلف بعتق عبده، إن باعه فباعه عتق عليه بعد بيعه، لأنه لو باشر عتقه في خيار المجلس عتق، كذلك إذا

الجزء: 10 - الصفحة: 397

حلف بعتقه عتق، وإن تزوج عليها بعد انقضاء عدتها لم يلحقها بالحنث طلاق، لأنه لا يلحقها بالمباشرة طلاق، فلو تزوجها بعد انقضاء العدة نم تزوج عليها نظرت، فإن كان قد تزوج عليها بعد انقضاء عدتها وقبل استئناف نكاحها لم تطلق إذا تزوج عليها بعد استئناف نكاحها لسقوط الشرط بالتزوج الأول وإن لم يتزوج عليها إلا بعد استئناف العقد الباقي عليها، ففي حنثه بوقوع الطلاق عليها قولان: أحدهما: يطلق لوجود عقد اليمين وشرط الحنث في نكاحها.
والثاني: لا يطلق بالحنث لاختصاص يمينه بنكاح مضى فلم يجز أن يقع الحنث بها، في نكاح مستقبل، لأنه لا طلاق قبل نكاح.
والثالثة: أن يتزوج عليها في النكاح وهي في عدةً من طلاق بائن، فلا يحنث بطلاقها، لأنه لما لم يقع عليها الطلاق لو باشرها بالطلاق، كذلك لم تطلق إذا حنث بالطلاق، فإن تزوجها من بعد نكاح مستجد، وتزوج عليها بعد أن كان قد تزوج لم يحنث، ولو تزوج عليها وإن لم يكن قد تزوج، فإن قيل في الطلاق الرجعي: لا يحنث، ففي هذا أولى أن لا يحنث وإن قيل في الطلاق الرجعي: إنه يحنث ففي هذا الطلاق البائن قولان: أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث وقد مضى مثل هذا في كتاب الطلاق مشروحًا معللًا.
مسألة: قال الشافعي: " فإن قال: أنت طالق ثلاثا إن لم أتزوج عليك ولم يوقت، فهو على الأبد لا يحنث حتى يموت أو تموت هي قبل أن يتزوج عليها، وإن تزوج عليها من يشبهها أو لا يشبهها خرج من الحنث دخل بها أو لم يدخل بها، وإن ماتت لم يرثها، وإن مات ورثته في قول من يورث المبتوتة إذا وقع الطلاق في المرض.
قال المزني: قد قطع في غير هذا الكتاب أنها لا ترث قال المزني: وهو بالحق أولى: لأن الله تبارك وتعالى ورثها منه بالمعنى الذي ورثه به منها، فلما ارتفع ذلك المعنى، فلم يرثها لم يجز أن ترثه.
" قال في الحاوي: وهو كما قال: والحنث في هذه المسألة يخالف الحنث في التي تقدمها، لأنه جعل تزويجه عليها في الصالة الأولى شرطًا في وقوع الحنث، وجعله في هذه المسألة شرطًا في البر، وإذا قال في هذه المسألة إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، فإنه على التراخي لا يحنث إلا أن يفوته التزوج عليها بموته أو موتها، فلو قال: إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق كان على الفور يحنث إن أخر التزوج عليها، والفرق بين إن وإذا في هذا الموضع، حيث جعلنا إن على التراخي وإذا على الفور من وجهين:

الجزء: 10 - الصفحة: 398

أحدهما: بأن "إن" موضوعةً للفعل، فاعتبر فيه فوات الفعل بموت أحدهما، فصار كقوله: إن فاتني التزويج عليك فأنت طالق، "وإذا" موضوعة للزمان، فاعتبر فيها إمكان الزمان، فصار كقوله: إذا مضى زمان التزويج عليك، فأنت طالق، وهو فرق أكثر أصحابنا.
والثاني: ذكره أبو علي بن أبي هريرةً أن "إن" موضوعةً للشك فيما قد يكون فلم يثبت حكمها إلا بعد زوال الشك بالفوات فصارت على التراض، وإذا موضوعةً لليقين فاعتبر فيها التعجيل فصارت على الفور.
فهذان الفرقان بين "إن" و"إذا" كانا على نفي فعل فقال: إن لم أتزوج، وإذا لم أتزوج، وأما إذا كانا شرطًا في إثبات فعل، فقال؛ إن تزوجت عليك، وإذا تزوجت عليك، مهما سواء، في آن الفعل متى وجد على الفور أو على التراخي، تعلق به حكم واستوي فيه "إن" و"إذا"؛ لأن ما تعلق بالفعل كان وجوده هو الشرط المعتبر فاستوي فيه الفور والتراخي فأما إذا جعلا شرطًا في معاوضةَ الخلع، فقال: إن أعطيتني ألفًا فأنت طالق، أو قال: إذا أعطيتني ألفًا فأنت طالق فهما سواء في اعتبار العطية على الفور، ويستوي حكم: "إن" و"إذا"؛ لأنه يغلب فيه حكم المعاوضةَ التي يعتبر الفور فيها، وذلك على ما يقضيه افتراق الحرفين.
ولو قال: متى أعطيتني ألفًا فأنت طالق كان على التراض بخلاف "إن" و"إذا"؛ لأن لفظةً متى صريحةً في اعتبار الفعل فاستوي فيه حكم الفور والتراخي.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا فلا يخلو حاله في يمينه هذه ومن بر أو حنث؟ فإن بر في يمينه بأن تزوج عليها على الفور في قوله: إذا لم أتزوج عليك فأنت طالق، أو على التراخي في قوله: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق؛ كان بره معتبرًا بوجود عقد نكاح صحيح على مكافئة لها في النسب والجمال؟ أو غير مكافئةً، وقال مالك: لا يبر حتى يتزوج عليها من يكافئها في نسبها وجمالها، فإن تزوج دونها في النسب والجمال لم يبر؟ لأن قصده بيمينه إدخال الغيظ عليها، وغيظها يخص بمن يكافئها، فأما من لا يكافئها فهو نقص يدخل عليه دونها، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن حكم الأيمان معتبر بصريح الألفاظ دون المقاصد والأغراض، والاسم موجود في الحالين فاستوي حكمهما في البر، لأنه لما استوي حكمهما في الحنث، إذا قال إن تزوجت عليك فأنت طالق، أنه متى تزوج عليها مكافئةٍ أو غير مكافئةٍ حنث كذلك وجب أن يستوي حكمهما في البر إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق، أنه منى تزوج عليها مكافئةٍ أو غير مكافئةٍ أن يبر، وما اعتبر من إدخال الغيظ عليها، ولو قلب عليه بأن إدخال الغيظ عليها بنكاح غير المكافئةً أكثر لكان أشبه، وإن لم يكن إدخال الغيظ عليها معتبرًا ومتى وجد العقد استمر البر، ولم يكن الدخول فيه شرطا في البر،

الجزء: 10 - الصفحة: 399

وقال مالك: لا يبر بالعقد حتى يقترن به الدخول؛ لأن مقصود العقد في إدخال الغيظ عليها وهذا خطأ من وجهين: أحدهما: أنه لما لم يعتبر الدخول فيه إذا علق بالحنث كذلك لا يعتبر إذا علق بالبر.
والثاني: أنه زيادةً لم تذكر فكان ملغى كالحبل.
فصل: وإن حنث في يمينه لم يخل حنثه أن يكون بالثلاث أو دونها، فإن كان بما دون الثلاث توارثًا في العدةً، ولم يتوارثا فيما بعدها، وإن كان حنثه بالثلاث لم يخل أن يكون معتبرًا بالفوز أو التراخي، فإن كان معتبرًا بالفوز، لأنه قال: إذا لم أتزوج فأنت طالق ثلاثًا، لم يتوارثها فيه إذا كان عقد اليمين في الصحةَ، وإن كان معتبرًا بالتراخي، لأنه قال: إن لم أتزوج عليك فأنت طالق ثلاثًا، فلا حنث ما لم يمت واحد منهما، فإن مات أحدهما وسر الحنث قبل الموت بزمان يضيق عن عقد النكاح، فيحنث بفوات العقد لقصور زمانه قبل الموت، وتصير كالمبتوتةً في مرض الموت، وإن كانت هي الميتةً لم يرثها لوقوع الفرقةَ باختياره، وإن كان هو الميت ففي ميراثها منه قولان من ميراث المبتوتةً في المرض؛ لأنه بالامتناع من التزويج عليها كالموقع إطلاقها في مرض موته، والله أعلم.

باب الإطعام في الكفارة في البلدان كلها ومن له أن يطعم وغيره

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ويجزئ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِنْطَةٍ وَإِنْ كَانَ أَهْلُ بَلَدٍ يَقْتَاتُونَ الذُّرَةَ أَوِ الْأُرْزَ أَوِ التَّمْرَ أَوِ الزَّبِيبَ أَجْزَأَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَا مُدٌّ، وَإِنَّمَا قُلْنَا يَجْزِي لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى بِعِرْقِ تَمْرٍ فَدَفَعَهُ آلي رَجُلٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُطْعِمَهُ سِتِّينَ مِسْكِينًا، وَالْعرقُ فِيمَا يُقَدَّرُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَذَلِكَ سِتُّونَ مُدَّا لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ في كل بلادٍ سواءٌ" قال في الحاوي: اعلم آن الكفارةَ تنقسم ثلاثةَ أقسام: قسم وجب على الترتيب في جميعه.
وقسم وجب على التخيير في بعضه والترتيب في بعضه، فأما ما كان بوجوبه على الترتيب في جميعه فكفارة الظهار والقتل والوطء في شهر رمضان، يبدأ بالعتق فإن لم يجده فالصيام، فإن عجز عنه فالإطعام، وأما ما كان وجوبه على التخير فكفارةُ الأذى، وهو مخير بين دم شاةً أو إطعام ستةَ مساكين أو صيام ثلاثةُ أيام، وجزاء الصيد هو مخير بين مثله من النعم أو قيمةَ المثل طعامًا أو عدل ذلك صيامًا، وأما ما كان وجوبه على

الجزء: 10 - الصفحة: 400

التخيير في بعضه، والترتيب في بعضه فكفارةُ اليمين، قال الله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (89)] الآية، فجعله مخيرًا بين هذه الثلاثة، ثم قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثةَ أيام، فجعل الصيام مرتبًا على العجز بعد المال، فبدأ الشافعي بالإطعام، لأن الله تعالى بدأ به لقوله: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: (89)] فنص على عدد المساكين أنهم عشرةً فلا يجوز الاقتصار على أقل منهم لمخالفةَ النص وقال في طعام كل مسكين احتمالًا يقدره بحد فقال: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: (89)] فاختلف العلماء في قدر ما يطعم كل مسكين منهم على مذاهب شتى: أحدها: ما حكاه الحارث عن علي بن أبي طالب وقاله محمد بن كعب القرظي، والحسن البصري: إنه غداء وعشاء لكل مسكين.
والثاني: ما قاله ابن عباس وسعيد بن جبير أن يعتبر المكفر في عياله فإن كان يشبعهم أشبع المساكين، وإن كان لا يشبعهم فيقدر ذلك في طعام المساكين.
والثالث: ما قاله بعض فقهاء البصرةَ أنه أحد الأمرين من غداء وعشاء.
والرابع: ما قاله أبو حنيفةَ: أنه إن كفر بالحنطةً أعطى كل مسكين نصف صاع، وإن كفر بالتمر أو الشعير أعطى كل مسكين صاعًا، وعنه في الزبيب روايتان: أحداهما: صاع كالتمر.
والثانيةُ: نصف صاع كالبر.
والخامس: ما قاله الشافعي أنه يعطي كل مسلم مدًا واحدًا من أي صنف أخرج من الحبوب وبه قال من الصحابة عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وأبو هريرةً رضي الله عنهم ومن التابعين عطاء وقتادةَ، وهكذا كل كفارةً أمسك عن تقدير الإطعام فيها مثل كفارةَ الظهار والقتل إذا قيل: إن في كفارة القتل إطعامًا على أحد القولين يقدر إطعام كل مسكين بمد واحد في أي يد كفر، ومن أي جنس أخرج، وقد تقدم الكلام فيه مع أبي حنيفةً في كتاب الطهارةَ، ومن الدليل عليه الكتاب والسنةَ والدليل.
فأما الكتاب، فقوله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (89)] فكان الأوسط محمولًا على الجنس والقدر، فأوسط القدر فيما يأكله كل إنسان رطلان من خبز، والمد رطل وثلث من حب إذا أخبز كان رطلين من خبز هو أوسط الكفارةً.
وأما السنة فما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي الواطئ في شهر رمضان أن يطعم ستين مسكينًا فقال: لا أجد، فأتي بفرق من تمر فقال: أطعمه ستين مسكينًا، والفرق: خمسةَ عشر صاعًا يكون ستين مدًا، فجعل لكل مسكين مدًا، وآما الاستدلال فهو أن إطلاق الإطعام لو لم يقدر بالنص لكان معتبرًا بالعرق، وعرف من اعتدل أكله من الناس ولم يكن من المسرقين ولا من المقترين أن يكتفي بالمد في أكله، وليس ينتهي إلى صاع، هو عند

الجزء: 10 - الصفحة: 401

أبي حنيفة ثمانيةَ أرطال، وما خرج عن الفرق لم يعمر إلا بنص.
فإن قيل: فقد قدر النبي - صلى الله عليه وسلم - الإطعام في فديةَ الأذى بمدين لكل مكين فلما لا جعلتموه أملًا في كفارةً اليمين وقدرتموه بمدين لكل مسكين قيل: لأمرين: أحدهما: أنه لما قدر في كفارة الواطئ بمد وفي كفارةَ الأذى بمدين، وترددت كفارةُ اليمين بين أصلتن وجب أن يعبر الأقل لأنه تعين.
والثاني: أنه لما خففت فديةَ الأذى بالتخيير بين الصيام والإطعام تغلظت بمقدار الطعام، ولما غلظت كفارةَ الأيمان بترتيب الإطعام، على الصيام تخففت بمقدار الإطعام تعديلا بينهما في أن تتغلظ كل واحدةً من وجه وتتخفف من وجه.
مسألة: قال الشافعي: "ولا أرى أن يجزئ دراهم وان كانت أكثر من قيمة الإمداد".
قال في الحاوي: لا يجوز أن يخرج في الكفارةَ قيمةُ الطعام، كما لا يحق أن يخرج في الزكاةَ قيمتها، وجوز أبو حنيفةَ إخراج القيمةَ في الزكاةً والكفارةَ وقد مضى الكلام معه.
فأما ما نقله المزني ها هنا: " ولا يجزئ طعام" فلم يرد به طعام البر في إطعام المساكين، لأنه هو الأصل الأغلب فيما يستحق، وله أحد تأويلين، إما أن يكون محمولًا على أن لا يخرج الطعام في قيمةَ الكسوةً، كما لا يخرج الكسوةً في قيمةَ الطعام، وإما أن يكون محمولًا على الطعام المطبوخ من الخبز لآن المستحق عند الشافعي إخراج الحب من البر جميع الحبوب دون الخبز وإن كنت أفتي بإخراج الخبز في الكفارة اعتبارًا بالأرفق الأنفع في الغالب، وأن يعطى كل مسكين رطلين من الخبز، وحكي ابن أبي هريرةَ عن أبي القاسم احسبه أراد الأنماطي، أنه جوز إخراج الدقيق في الكفارةَ وزكاةَ الفطر اعتبارًا بالأرفق.
مسألة: قال الشافعي رضي الله عنه: "وما اقتات أهل البلدان من شيء أجزأهم من مد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح وهو مقصور على الحبوب المقتاةَ، فكما جاز إخراجه في زكاةَ الفطر جاز إخراجه في الكفارات، ثم فيه قولان: أحدهما: أنه مخير بين جميع الأقوات، فمن أيهما شاء أطعم.
والثاني: أته يخرج من الغالب من الأقوات وفي اعتبار الغالب وجهان: أحدهما: من غالب قوت بلده.

الجزء: 10 - الصفحة: 402

والثاني: من غالب قوته في نفسه، لقول الله تعالى: "مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ " [المائدة: (89)] وإن عدل عن غالب القوت إلى غيره لم يخل ما عدل إليه عن الأغلب من أن يكون أدون منه أو أعلى، فإن كان دون منه لم نجزه، وإن كان أرفع منه كإخراج البر إذا كان أغلب قوته شعيرًا ففي جوازه وجهان: أحدهما: وهو قول أبي إسحاق المروري يجوز لفضله.
والثاني: لا يجوز لأنه يصير بالعدول إليه كالقيمة.
مسألة: قال الشافعي: "ويجزئ أهل البادية مد أقط قال المزني رحمه الله أجاز الأقط هَهُنا ولم يجزه في الفطرة".
قال في الحاوي: أما إذا اقتات أهل البادية غير الأقط لم يكن لهم إخراج الأقط في الكفارةً ولا في زكاةَ الفطر، وإن لم يكن لهم قوت غير الأقط فقد روي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج إذ فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من أقط، فإن صح هذا أنه كان بأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أو بعلمه وإقراره عليه جاز إخراج الأقط في زكاةً الفطر والكفارات، وإن لم يمح أنه كان بأمره أو بعلمه، ففي جواز إخراجه في زكاةَ الفطرةً والكفارات قولان: أحدهما: يجوز على ما نص عليه ها هنا في الكفارةً لأنه قوت مدخر تحت الزكاةً في أصله.
والثاني: لا يجوز على ما نص عليه في زكاةَ الفطر، لأنه مما لا تجب فيه الزكاةً فلم يجز إخراجه قي الكفارةً الزكاةً، وقد جعل أبو علي بن أبي هريرةً هذين القولين بناء على اختلاف قول الشافعي في قول الصحابي إذا لم يعضده قياس، هل يؤخذ بقول الصحابي أو يعدل إلى القياس، فعلى قوله في القديم يؤخذ بقول الصحابي فعلى هذا يجوز إخراج الأقط في الكفارةً، وزكاة الفطر، أخذًا بقول أبي سعيد الخدري، وعلى قوله في الجديد يعدل عنه إلى القياس فعلى هذا لا يجوز إخراج الأقط.
مسألة: قال الشافعي: "وَإذاً لَمْ يَكِنْ لِأَهِلُ بِلادَ قُوتِ مِنْ طعامِ سِوَى اللُّحَمِ أَدَّوْا مَدَّا مِمَّا يَقْتَاتُ أَقُرْبَ الْبُلْدانِ إِلَيهُمْ ". قال في الحاوي: إذا اقتات قوم ما لا يزكى من الأقوات، مثل أن يقتاتوا اللحم كالترك، أو اللبن كالأعراب، أو المسك كسكان البحار، فإن قيل: إن إخراج الأقط لا

الجزء: 10 - الصفحة: 403

يجزئ لم يجز إخراج غيره من اللحم أو اللبن أو المسك، وإن قيل: إنه يجزئ ففيهما وجهان: أحدهما: يجزئ، لأنها أقوات كالأقط.
والثاني: أنها لا تجزئ، بخلاف الأقط، للفرق بينهما من وجهين: أحدهما: وجود الأثر في الأقط، وعدمه في سواه.
والثاني: أن الأقط يبقى ويدخر، وليس يبقى ما سواه ويدخر ولا يكال، وهذا قول أبي علي بن أبي هريرةً، وإذا لم يجزهم إخراج ذلك عدلوا في كفارتهم، وزكاةً فطرهم إلى أقوات غيرهم من أهل البلاد، وفيها قولان: أحدهما: يكونون مخيرين بين جميعها.
والثاني: يعدلون إلى الأغلب من قوت أقرب البلاد بهم فيخرجونه، فإن عدلوا عنه إلى ما عنه أدنى لم يجزهم وإن عدلوا عنه إلى ما هو أعلى كان على ما ذكرنا من الوجهين والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي:" وَيُعْطِي الرَّجُلُ الْكَفَّارَةُ وَالزَّكاَةُ مِنْ لَا تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيه مِنْ قَرَابَتِهُ، وَهُمْ مِنْ عَدَا الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالزَّوْجَةِ إذاً كَانُوا أَقَلُّ حاجَةَ، فَهُمْ أَحَقَّ بِهَا مِنْ غَيْرَهُمْ، وَإِنَّ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيهُمْ تَطَوَّعًا " قال في الحاوي: وهو كما قال: كل من يلزمه الإنفاق عليه بنسب كالوالدين والمولودين، أو بسبب كالزوجات لا يجوز أن يدفع إليهم من كفارته ولا من زكاةً ماله ومن لا يلزمه الإنفاق عليهم جاز أن يعطيهم من كفارته وزكاته إذا كانوا فقراء فهذا أصل معتبر، هما لم يجز أن يدفعها إلى من تلزمه نفقته لأمرين: أحدهما: أنهم قد صاروا كالأغنياء.
والثاني: أنها تصير كالعائدةً إليه لما سقط من نفقتهم عنه، وإذا كان كذلك فمتى كان الولد صغيرًا فقيرًا لم يجز دفع كفارته إليه لوجوب نفقته عليه، وإن كان كبيرًا ناقصًا بزمانه أو جنون لم يجز دفعها إليه، لوجوب نفقته عليه كالصغير، وإن كان كامل الصحةً والعقل لم تجب نفقته عليه فجاز دفع كفارته إليه، وفيه من الخلاف ما نذكره وكذلك أولاد أولادهم وإن سفلوا، وأما الوالد فإن تعطل عن الاكتساب بزمانه أو جنون وجبت نفقته عليه، فلم يجز دف كفارته إليه وإن كان من أهل الاكتساب بالصحةً والعقل لكنه فقير ففي وجوب نفقته عليه قولان:

الجزء: 10 - الصفحة: 404

أحدهما: وهو القديم يجب اعتبارًا بوجود الفقر، فعلى هذا لا يجوز دع كفارته إليه.
والثاني: وهو الجديد لا تجب اعتبارًا بالقدرةً على الكسب، فعلى هذا يجوز دفع كفارته إليه.
فإن قيل: بأن الوالد لا تجب نفقته إلا بالفقر والزمانةً على قوله في الجديد فالولد أولى، وإن قيل: إنها تجب بالفقر وحد، على قوله في القديم ففي الولد وجهان: أحدهما: أنه كالوالد تجب نفقته بالفقر وحده.
والثاني: أنها تجب بالفقر وعدم الاكتساب، بخلاف الوالد، لتأكيد نفقة الوالد كما تتأكد بوجوب إعقاب الولد دون الولد، وهكذا الأم كالأب والأجداد كالأب، والجدات كالأم، وأما من عداهم من المناسبين كالإخوةَ والأخوات والأعمام والعمات، فلا تجب نفقاتهم بحال، ويجوز دفع كفارته وزكاته إليهم، وهم أحق بها من غيرهم لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خير الصدفةَ على ذي رحم محتاج" وروي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يقبل الله صدقة امرئ" وذو رحم محتاج"، وسواء كأن يتطوع بالإنفاق عليهم أم لا.
وقال بعض الفقهاء: إن تطوع بالإنفاق عليهم لم يجزه، وإن لم يتطوع أجزأه وهذا خطأ، لأن للمتطوع أن يمتنع، وفي دفع ذلك إليهم امتناع بها من الإنفاق عليهم وأما الزوجات فلا يجوز للزوج أن يدفع كفارته إلى زوجته لوجوب نفقتها عليه؟ فصارت غنيةً به، وأما الزوجة فيجوز أن تدفع كفارتها إلى زوجها وكذلك زكاتها ومنع أبو حنيفةً من دفعها إليه، لأن نفقته عليها فصار عائدًا إليها، وهذا غير صحيح؛ لأنه لا تجب عليها نفقته فصار باقيًا على فقره فجرى على حكم الإيجاب، وإنفاقه عليها لا يمنع من دفعها إليه كما لو دفعها آلي أجنبي وأطعمه إياها أو وهبها له وقد مضت هذه المسألة مستوفاةً من قبل.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يجزئه إلا أن يعطي حرا مسلمًا محتاجًا" قال في الحاوي: اعلم أن مصرف الكفارةً فيمن يجوز أن يصرف إليه سهم الفقراء والمساكين من الزكاةً، وهو من جميع من الفقر والمسكنةً ثلاثة أوصاف: الحرية، والإسلام، وأن لا يكون من ذوي القربى، فأما العبد فلا يجوز دفعها إليه، لأنه لا يملكها ولأنه غني بسيده، وكذلك المدبر وأم الولد، والمعتق بعضه؛ لأن سيد رقه يأخذ منها قدر حقه وهو غنى، وكذلك المكاتب ولا يجوز صرف الكفارةَ إليه، وجوز أبو حنيفة رضي الله عنه صرفها إليه كالزكاةَ، وهذا فاسد، لأن حكم الزكاةً أوسع لما يجوز من صرفها إلى

الجزء: 10 - الصفحة: 405

الأغنياء من المجاهدين، وأحد صنفي الغارمين والكفارةً أضيق، لأنه لا يجوز صرفها إلى غني بحال؛ ولأن المكاتب تجري عليه أحكام الرق.
وأما الكافر فلا يجوز دفع الكفارة إليه، وكذلك الزكاة سواء كان ذميًا أو حربيًا.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز آن تصرف إليه زكاةَ المال ويجوز أن تصرف إليه الكفارةَ وزكاةَ الفطر، إن كان ذميًا أو معاهدًا؛ لأنه يجوز دفعها إليه إن كان حربيًا.
ودليلنا هو أنه لا يجوز دفع زكاة المال إليه لم يجز آن يدفع إليه الكفارة، وزكاة الفطر كالحربي ولأنه حق يخرج للطهرةً فلم يجز صرفه لأهل الذمةَ كزكاةُ المال وأما ذوو قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز آن تصرف إليهم الزكوات ولا الكفارات، وإن جوزه أبو حنيفة فيما قدمناه، واستوفيناه والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: " ولو علم انه أعطى غيرهم فعليه عندي أن يعيد".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا أخطأ في دفع الزكاةً والكفارةً اعتبر حال المدفوع إليه، فإن كان عبدًا ظنه حرًا أو كافرًا ظنه مسلمًا آو من ذوي القربى ظنه من غير ذوي القربى لم يجزه ما دفع، وعليه الإعادةً لأمرين: أحدهما: أن حقوق الأموال إذا لم تقع موقع الإجراء مع العهد لم تقع موقع الأجزاء الخطأ، كرد الودائع إلى غير أهلها.
والثاني: آن لأسباب المنع من الرق والكفر والنسب علامات يستدل بها وأمارات لا تخفي معها، فكان الخطأ من تقصير في الاجتهاد، وإن بان أنه دفعها إلى غني يظنه فقيرًا ففي وجوب الإعادةَ قولان: أحدهما: يعيد ولا يجزئه للتعليل الأول بأن الخطأ في حقوق الأموال كالعهد والقود.
والثاني: يجزئه ولا يعيد لعدم التعليل الثاني في فقد الأمارةً الدالةً على غناه، لأن المال يمكن إخفاؤه والرق والكفر لا يمكن إخفاؤهما، فكان بخطئه في الغنى معذورًا وفي العبد والكافر مقصرًا.
وإن دفع كفارته وزكاته إلى السلطان وأخطأ السلطان في دفعها إلى غير مستحقها نظر، فان بان أنه دفعها إلى غني أجزأ لخفاء حاله عليه، وإن بان أنه دفعها إلى عبد أو كافر أو ذوي قربى ففي وجوب ضمانها عليه قولان: أحدهما: يضمنها ويمدها، كما يلزم رب المال أن يعيدها.
والثاني: لا يضمنها وتقع موقع الإجزاء بخلاف رب المال لوقوع الفرق بينهما بأن

الجزء: 10 - الصفحة: 406

مباشرة السلطان لعموم الأمور يقطع عن التفرد بالاجتهاد فيها، ولا يقطع رب المال عن التوفر في الاجتهاد.
مسألة: قال الشافعي: "وَلَا يُطْعِمُ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَاحْتَجَّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا مِائَةً وَعِشْرِينَ مُدًّا فِي سِتِّينَ يَوْمًا أَجْزَأَهُ وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلَّ مِنْ سِتِّينَ لَمْ يُجْزِهِ فَقَالَ أَرَاكَ جَعَلْتَ وَاحِدًا سِتِّينَ مِسْكِينًا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فَإِنْ شَهِدَ الْيَوْمَ شاهدٌ بحقٍّ ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ فَشَهِدَ بِهِ فَقَدْ شَهِدَ بِهَا مَرَّتَيْنِ فَهُوَ كَشَاهِدَيْنِ فَإِنْ قَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ الْعَدَدَ قِيلَ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ اللَّهُ لِلْمَسَاكِينِ الْعَدَد" قال في الحاوي: وهو كما قال: لأن الله تعالى قد نص على عددهم في الكفارةً فوجب آن يستحقها عشرة مساكين، وإن دفع إلى مسكين واحد مدين أجزأه أحدهما، ولم يجزم الآخر سواء دفعه إليه في يوم واحد أو في يومين.
وقال أبو حنيفة رضي الله عنه "إذا دفع له حق مسكين في يوم واحد لم يجز، وإن دفع إليه في يومين أجزأه حتى قال لو دفع إلى مسكين حق عشرةَ مساكين في عشرةَ أيام أجزأه وقام مقام عشرةَ مساكين فاعتبر عدد الإطعام ولم يعتبر عدد المساكين، والشافعي يعتبرهما معًا، ويمنع أن يأخذ مسكين واحد من كفارةً واحد مرتين ليستوفي العدد الذي أمره الله تعالى به كما يستوفيه في الوصايا لو أوصى بإطعام عشرة مساكين؟ فكان في حقوق الله تعالى من الكفارات أولى، وقد مضت هذه المسألة مع أبي حنيفة في كتاب الظهار.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: " ولو أطعم تسعة وكسا واحدا لم يجزه حتى يطعم عشرة كما قال الله عز وجل ﴿أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ [المائدة: 89] قال في الحاوي: قد جعل الله تعالى للمكفر عن يمينه الخيار في التكفير بأحد ثلاثة أشياء: الطعام أو الكوة أو العتق، فبأيها كفر أجزأه، إذا استوفاه ولم يفرق، فإن أطعم خمسةً وكسا خمسةً لم يجزه، وكان مخيرًا إن شاء تمم إطعام عشرةَ مساكين وكان متطوعا بالكسوةً، وإن شاء تتم كسوة عشرةَ مساكين، وكان متطوعًا بالإطعام، وقال مالك: يجزئه أن يطعم خمسةَ ويكو خمسةً، لأنه لما أجزأه إطعامهم أجزأته كسوتهم أجزأه أن يجمع بين إطعامهم وكسوتهم.
وقال أبو حنيفة: إن أطعم خمسةً وكسا خمسةً، وجعل كسوةَ الخمسةً بقيمةَ إطعام

الجزء: 10 - الصفحة: 407

الخمسةً لم يجز، وإن جعل إطعام الخمسةً بقيمةُ كوة الخمسةً أجزأه فأجاز إخراج قيمةَ الكسوةً طعامًا ولم يجز إخراج قيمةَ الطعام كسوةُ فلم يستمر في جواز القيمةً على أصله، ولا في المنع منها على أصلنا، والدليل على أن الله تعالى خير المكفر بين ثلاثةً، من طعام أو كسوةً أو عتق، فلم يجز أن يجعل له خيارًا رابعًا في التبعيض، ولأنه لما امتنع في الكفارةً تبعيض العتق والصيام امتنع فيها تبعيض الكسوةً والإطعام.
مسألة: قال الشافعي:" وَلَوْ كَانَتْ عَلَيه كَفَّارَةً ثَلاثَةً أَيمانَ مُخْتَلِفَةٍ فَأَعْتَقَ وَأَطْعَمَ وَكُسًا يَنْوِي الْكَفَّارَةُ، وَلَا يَنْوِي عَنْ أَيُّهَا الْعتقَ وَلَا الإطعام وَلَا الْكُسْوَةَ أَجْزَأُهُ، وَأَيُّهَا شَاءَ أَنْ يُكَوِّنَ عَتَّقَاً أَوْ طعامَاً أَوْ كُسْوَةَ كَانَ، وَإِنَّ لَمْ يُشَا، فَالنِّيَّةَ الأولى تُجَزِّئُهُ.
" قال في الحاوي: وهو كما قال إذا كانت عليه ثلاث كفارات عن ثلاث أيمان مختلفةً كنا في التكفير عنها بالخيار بين أن يكفر عنها من جنس واحد فيطعم عن جميعها ويكسو عن جميعها، أو يعتق عن جميعها، وبين أن يكفر عنها من أجناس مختلفةً فيطعم عن أحدها، ويكسو عن أحدها ويعتق عن أحدها، لأن لكل كفارةً حكم نفسها، وسواء عينها أو أطلقها؛ لأن عليه النيةَ في الكفارةً وليس عليه أن يعين عن أي كفارةً كالوضوء يلزمه أن ينوي أنه عن الحدث، ولا يلزمه عن أي حدث.
وقال أبو حنيفة: يلزمه تعيين النيةَ عن أي كفارةً كما يلزمه تعيين النيةَ للصلاةً من ظهر أو عصر، فيقال له: لما لم يلزمه في قضاء الصلوات, الفوائت أن يعين عن أي يوم لم يلزمه في الكفارات أن يعين عن أي حنث، فلا يكون في إثباته التعيين في الأداء بأولى من نفيه للتعيين في القضاء، فاستويا ثم ترجح ما ذكرنا باتفاقنا على أنه لو نسي صلاةً لم يعرفها بعينها لم يجزه في قضائها أن ينوي قضاء ما وجب عليه، لعدم التعيين، ولو كانت عليه كفارةً لا يعرف موجبها أجزأه أن ينوي بالتكفير ما وجب عليه فعلم أن تعين النيةً في الصلاةً واجب، وتعيينها في الكفارةً غير واجب فأما الفرق بين الطهارةً والصلاةَ في تعيين النيةً في الصلاةَ دون الطهارةً مع اشتراكهما في وجوب النيةَ فمن وجهين: أحدهما: ما حكاه أبو القاصم الأنماطي عن المزني قال: قلت للمزني: لم افتقرت الصلاة إلى تعين النيةَ ولم تفتقر الطهارةً إلى تعيين النية؟ فقال: لأن الصلاةً تراد لغيرها، والطاهرةً تراد لغيرها وهذا صحيح؛ وهكذا الكفارةً تراد لغيرها، وهو تكفير الحنث، فلذلك لم يلزم فيها تعين النيةَ.
والثاني: قاله أبو علي بن أبي هريرةً أن الطهارةَ بسبب متقدم، وهو ما سبق من الحدث فلم يلزم تعيين النيةً له، والصلاةً لأمر مستقبل فجاز آن يلزم تعيين النية فيها،

الجزء: 10 - الصفحة: 408

وهذا صحيح وهكذا الكفارةً بسبب متقدم، وهو ما سبق من اليمين؟ فلم يعتبر تعيين النيةَ فيها.
فإن قيل: النيةَ في الكفارةً أغلظ منها في الطهارةً لأنه لو نوى بطهارته أنها عن نوم فكانت عن بول أجزأه، ولو نوى بعتقه في الكفارةَ أنه عن ظهار فكان عن قتل لم يجزه فجاز أن تتغلظ الكفارة بتعين النيةَ، وإن لم تغلظ بها الطهارة.
قيل: إنما أجزأته الطهارةً ولم تجزه الكفارةَ بمعنى آخر، وهو أن الطهارةَ ترفع جميع الأحداث لأنها تتداخل؛ فكذلك أجزأت في مخالفةَ التعيين، والعتق لا يسقط جميع الكفارات، لأنها لا تتداخل، فلذلك لم تجز في مخالفةَ التعيين.
مسألة: قال الشافعي: "ولا يجزئ كفارةً حتى يقدم النيةً قبلها أو معها".
قال في الحاوي: أما النية في دفع الزكاةَ والكفارةَ فواجبةً على ما قدمناه في الزكاةً؛ لأن دفع المال يتنوع فرضًا وتطوعًا، فافتقر الفرض إلى تمييزه بالنيةً، وله في النيةَ ثلاثةَ أحوال، تجزئةُ في إحداها ولا تجزئه في الآخر، ومختلف في إجزائه في الثالث، فأما ما تجزئه فهو أن ينوي عند دفعها فيجزئ؛ لأن أغلظ أحوال النيةً أن يكون مع الفعل، وأما ما لا يجزئ فهو أن ينوي قبل عزلها من ماله، لأنها تجردت عن الفعل، فكانت قصدًا ولم تكن نيةً، وأما المختلف فيه فهو أن ينوي عند عزلها من ماله وقبل دفعها ففي إجرائها وجهان: أحدهما: تجزئ وإن لم تجزئ مثله في الصلاةً، وهو الظاهر من كلام الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، لأن الاستنابة في دفعها يصح، ولا يمكن المستنيب أن ينوي مع الدفع، فأجزأته النيةَ مع العزل، وخالفت الصلاةَ التي لا يجوز الاستنابة فيها، فلزم أن تكون النيةً مقارنةً لأولها وجرت الضرورة مجرى الصيام الذي تجزئ النيةً فيه قبل دخوله للضرورةً عند تعذرها مع دخوله.
والثاني: لا يجزئه لبقائها مع القود على ملكه فأشبه النية قبل عزله، وتأول من قال بهذا الوجه قول الشافعي حتى يقدم النيةَ قبلها، أو معها بتأويلين: أحدهما: أن ينوي قبلها إذا استصحب النيةَ إلى دفعها.
والثاني: قبلها في الصيام ومعها في الكسوةَ.
مسألة: قال الشافعي: "وَلَوْ كفرَ عَنْه رَجِلَ بأمره أَجْزَأُهُ وَهَذِهِ كَهِبَّتِهُ إِيَّاهَا مِنْ مَالِهُ وَدفعَهُ

الجزء: 10 - الصفحة: 409

إِيَّاهَا كَقَبْضِ وَكِيلِهُ لَهَبَتَهُ لَو وَهَبَّهَا لَهُ وَكَذَلِكَ إِنَّ قَالَ أَعتقَ عَنْي فولاؤه لِلْمُعْتَقِ عَنْه لِأَنَّه قَدْ مَلَّكَهُ قَبْلَ الْعُتَّقُ وَكَانَ عتقَهُ مِثْلُ الْقَبْضَ كَمَا لَو اشتراه فَلَمْ يُقَبِّضُهُ حَتَّى أَعْتُقَهُ كَانَ الْعُتَّقُ كَالْقَبْضِ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا وجب عليه الكفارةَ فكفر عنه رجل بأمره فهو على ضربين: أحدهما: أن يكون مال التكفير للآمر، فيكون المأمور هاهنا وكيلًا للآمر في إخراج الكفارةً، وهذا متفق على جوازه لجواز النيابةً في التكفير، لأن مقصودها المال والعمل تبع، فأجريت مجرى حقوق الأموال، وتكون النيةً في إخراجها مستحقةً، لما تضمنها من العبادةً، وللآمر والمأمور فيها أربعة أحوال: أحدها: أن ينوي الآمر عند أمره وينوي المأمور عند دفعه، فهذا أكمل أموال الجواز.
والثاني: أن لا ينوي واحد منها فلا يجزئ المخرج عتقًا كان أو إطعامًا لعدم الشرط المستحق في الإجراء ولا يضمنه المأمور، ويكون متطوعًا في الأمر.
والثالث: أن ينوي المأمور عند دفعه، ولا ينوي الآمر عند أمره، فهنا أجزيء لأن اقتران النية بالدفع أصح.
والرابع: آن ينوي الآمر عند آمره، ولا ينوي المأمور عند دفعه، ففي إجرائه وجهان على ما مضى من وجوب اعتباره النيةَ عند العزل والدفع، فإن آمره أن يكفر عنه بنوع فعدل إلى غيره كان المأمور ضامنًا لما كفر به سواء عدل عن الأدنى إلى الأعلى كعدوله عن الإطعام إلى العتق، أو عدل عن الأعلى إلى الأدنى، كعدوله عن العتق إلى الإطعام، لأن المأمور مقصور التصرف على ما تضمنه الأمر، وإن أطلق الآمر الإذن للمأمور في التكفير ولم يعين له على جنس ما يكفر به لم تخل الكفارةً من أن تكون كفارةً تربب كالقتل والظهار، فإطلاق إذن الآمر يوجب حمله على اعتبار حاله، فإن كان من أهل العتق أوجب إطلاق إذنه أن يعتق عنه، وإن أطعم ضمن ولم يجزه، وإن كان من أهل الإطعام أوجب إطلاق إذنه آن يطعم، عنه، وإن أعتق لم ينفذ عتقه، ولم يضمن بخلاف المال الذي قد ملكه المعطى، فضمنه المعطى وإن كانت كفارةً لحنث مثل كفارةَ الأيمان، فإن كفر المأمور بأقل الأجناس ثمنًا، فكفر بالإطعام دون العتق أجزأه سواء كان موجودًا في ماله أو غير موجود، وإن كفر بأكثر الأجناس ثمنًا فكفر بالعتق دون الإطعام، فلا يخلو مال الآمر من أربعة أحوال: أحدها: أن يوجد في ملكه للأدنى من الإطعام، ولا يوجد فيه الأعلى من العتق فيصير المأمور بعد عدوله إلى العتق من غير ملكه خارجًا من حكم الأذى، فلا يجزئ العتق، ويكون عن المأمور دون الآمر، والكفارةَ باقيةً في ذمةُ الآمر.
والثانية: أن يوجد في ملكهِ الأعلى على العتق، ولا يوجد في الأدنى من الطعام

الجزء: 10 - الصفحة: 410

فهذا العتق يجزئ عن الآمر، وله ولاؤه؛ لأن إطلاق إذنه متوجه إلى ملكه.
والثالثة: أن لا يوجد في ملكه الأدنى من الإطعام، ولا الأعلى من العتق، فليس له التكفير عنه بالأعلى من العتق، لأمرين: أحدهما: أن فضل القيمة غبر مستحق.
والثاني: أنه يدخل ولاء المعتق في ملك الآمر بغير إذن.
والرابعة: أن يوجد في ملكه الأدنى من الطعام والأعلى من العتق، فهل يكون إطلاق الإذن يوجب تخيير المأمور، كما كان موجبًا لخيار الأمر على وجهين: أحدهما: أنه موجب لخياره لأنه قد أقامه بالإذن فيه مقام نفسه، فعلى هذا لا يبطل العتق ويجزئ عن المكفر.
والثاني: أن التخيير يسقط في حق المأمور، وإن كان ثابتًا في حق الآمر، لأنه مخير في ملكه دون المأمور، فعلى هذا يكون عتقه باطلاً؟ والعبد على رقه والكفارة باقية في ذمة الآمر.
فصل: والثاني: أن يكون مال التكفير ملكًا للمأمور، فقد اختلف الفقهاء في إجزائه على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي، أنه يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثاني: وهو مذهب مالك، لا يجزئ سواء كان بجعل أو بغير جعل.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يجزئ إن كان بجعل، ولا يجزئ إن كان بغير جعل.
ودليلنا وإن كان قد مضى في كتاب الظهار مستوفي أنه إن كان بجعل جرى مجرى البياعات، وإن كان بغير جعل جرى مجرى الهبات، والإخراج فيها قبض يلزم به الهبة، ويستقر به البيع، فإن قيل: فكيف يصح ملك الآمر له، ححتي يجزئه في كفارته، قيل: قد حكي فيه أبو علي بن أبي هريرة وجهين خرجهما من اختلاف قولي الشافعي في دية النفس، هل يملكها المقتول في آخر أجزاء حياته، أو يملكها الورثة في أول أجزاء موته، ويجري عليها في قضاء ديونه، وإنفاذ وصاياه، حكم ملكه على قولين كذلك ها هنا على وجهين: أحدهما: أنه يصير بإحراجها مالكًا لها قبل إخراجها، فإن كان عتقًا بأن بالعتق أنه كان ملكًا له قبل العتق، وهو الظاهر من مذهب الشافعي فيما نص عليه في هذا الموضع قال الشافعي لأنه ملكه قبل العتق.
والثاني: أنه ليس بملك، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل العتق لا يملك، وبعد العتق لا يصح أن يملك، فصار حكم الملك جاريًا عليه، وإن لم يملك كما نقول

الجزء: 10 - الصفحة: 411

في حافر البئر إذا تلف فيها حيوان بعد موته كان في حكم الجاني عليه، وإن لم يكن جانيًا، لأنه قبل موته لم يجن، وبعد موته لا يصح منه الفعل، فجرى عليه حكمه وإن لم يفعل، ويكون ولاء المعتق للآمر على الوجهين معًا، ومثل هذين الوجهين في التكفير إذا قال: ألق متاعك في البحر وعلي قيمته، هل يصير مالكًا له قبل إلقائه أم لا على هذين الوجهين: أحدهما: أننا نعلم قبل إلقائه أنه قد كان مالكًا له قبل إلقائه.
والثاني: أنه لايصير مالكًا له، وإنما يجري عليه حكم الملك، لأنه قبل الإلقاء لم يملك، وبعد الإلقاء لا يصح أن يملك.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ أَنَّ رَجُلاً كَفَّرَ عَنْ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَأَطْعَمَ أَوْ أَعْتَقَ لَمْ يُجْزِهِ وَكَانَ هُوَ المُعْتِقَ لِعَبْدِهِ فَوَلاَؤُهُ لَهُ ". قال في الحاوي: أعلم أنه لا يخلو حال من كفر عن غيره بغير إذنه من أن يكون مكفرًا عن حي أو ميت، فإن كفر عن حي لم يجز الكفارة عن الحي، لأن النية فيها مستحقة، وعدم الإذن مانع من صحة النية، فكان ما أخرجه النائب واقعًا عن نفسه، فإن كان إطعامًا كان صدقة، وإن كان عتقًا كان تطوعًا منه وله ولاؤه، وإن نواه عن غيره كمن حج عن حي بغر أمره، كان الحج واقعًا عن الحاج دون المحجوج عنه.
وقد اختلف الفقهاء في ولاء من أعتق عبده عن غيره، فجعله أبو حنيفة للمعتق بكل حال، وجعل مالك للمعتق عنه بكل حال، وجعل الشافعي للمعتق إن عتق بغير أمره، وللمعتق عنه إن أعتق بأمره، وإن كفر عن ميت فلا يخلو أن يكون بوصية أو بغير وصية، فإن كان بوصية كانت الوصية أمرًا، فيصير كالمكفر بأمر، فيكون على ما مضى، وإن كفر عنه بغير وصية منه، فلا يخلو المكفر عنه من أن يموت موسرًا أو معسرًا، فإن مات موسرًا فوجوب الكفارة باق في تركته، فإن كفر عنه منها غير وارث ولا ذي ولاية كان ضامنًا متعديًا، ولم يسقط به الكفارة، وإن كفر عنه منها وارث، فإن كان التكفير طعامًا أجزأ، وصار كقضاء الديون الواجبة عنه، وإن كان التكفير عتقًا فضربان: أحدهما: عتق لا تخيير فيه كعتق كفارة الظهار والقتل، فيجزئ، وإن كان بغير أمر ولا وصية؛ لأنه عتق مستحق، فإذا فات من ضمنه بالموت وجب على من قام مقامه في ماله كالحج لا يجوز أن يحج عنه في حياته إلا بإذنه، ويجب على وراثه الحج عنه فيما وجب بعد موته.
والثاني: أن يكون عتقًا فيه تخيير، كالعتق في كفارة اليمين، ففيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 412

أحدهما: لا يصح، لأن التخيير فيه يمنع من تعيين وجوبه.
والثاني: يصح، لأنه إذا ناب عن واجب صار واجبًا وهذان الوجهان بناء على اختلاف أصحابنا في ما وجب في كفارة اليمين وسائر كفارات التخيير هل وجب بالنص أحدها، أو وجب به جميعها، وله إسقاط الوجوب بأحدهما، فأحد وجهي أصحابنا أن الواجب بالنص أحدها على وجه التخيير، فعلى هذا لا يصح العتق.
والثاني: أن جميعها واجب بالنص، وله إسقاط جميعها بفعل أحدها، فعلى هذا يصح العتق.
وإن مات المكفر عنه معسرًا فقد اختلف أصحابنا هل يكون التكفير بعد موته معتبرًا بالواجب أو بالتطوع على وجهين: أحدهما: يكون معتبرًا بالواجب فيكون على ما مضى.
والثاني: يكون معتبرًا بالتطوع، فيكون على ما يأتي.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَبِكَ لَوْ أَعْتَقَ عَنْ أَبَوَيْهِ بَعْدَ المَوْت إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهُمَا ". قال في الحاوي: أما التطوع بذلك عن وصية الميت فجائز، سواء كان عتقًا أو صدقة ويكون الولاء للميت؟ ينتقل عنه إلى الذكور من عصبته، وأما التطوع به عن الميت من غير وصية، فإن كان صدقة جاز من وارث وغير وارث؟ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر سعد بن أبي وقاص "أن يتصدق عن أمه بعد موتها ". وروي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن أمي اقتلتت، وأظن لو تكلمت لتصدقت، فهل لها من أجر إن تصدقت عنها، قال: نعم ". وأما العتق فإن تطوع به غير وارث لم يجز، والفرق بين الصدقة والعتق أن الصدقة بر محض لا يتعدى إلى غير الثواب، والعتق تكسب ولاء يجري مجرى النسب، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "الولاء لحمة كلحمة النسب "وليس لأحد إلحاق نفسه بغيره، كذلك الولاء وإن كان المعتق وارثًا، فإن تطوع به بعض الورثة، لم يجز كالأجنبي، لأن بعض الورثة لا يجوز أن يلحق بالميت نسبًا، وإن تطوع جميع الورثة ففي جوازه وجهان: أحدهما: لا يجوز كما لو تطوع به بعضهم.
والثاني: يجوز كما يصح لحوق النسب بالميت إذا أقر به جميع الورثة ولا يصح إذا أقر به بعضهم.

الجزء: 10 - الصفحة: 413

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ صَامَ رَجُلٌ عَنْ رَجُلٍ بِأَمْرِهِ لَمْ يُجْزِهِ لأَنَّ الأَبْدَانَ تُعُبّدَتْ بِعَمَل فَلاَ يُجْزئُ أَنْ يَعْمَلَهُ غَيْرُهَا إِلاَّ الحَجِ وَالعُمْرّة للِخَبَرِ الَّذِي جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَبِأَنَّ فِيهِمَا نَفَقَةٌ وَلأَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتعالى إِنَّمَا فَرَضَهُمَا عَلَى مَنْ وَجَدَ السَّبِيلَ إِلَيْهِمَا وَالسَّبِيلُ بِالمَالِ ". قال في الحاوي: أما الصيام عن الحي فلا يجوز إجماعًا بأمر أو غير أمر، عن قادر أو عاجز، للظاهر من قول الله تعالى: ﴿وأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى (39)﴾ [النجم: 39] ولأن ما تمحض من عبادات الأبدان لا تصح فيها النيابة، كالصلاة، وخالف الحج، لأنه لما تعلق وجوبه بالمال لم يتمحض على الأبدان، فصحت فيه النيابة كالزكاة.
فأما الصيام عن الميت، فقد وقفه الشافعي في القديم على صحة الخبر المروي فيه أن امرأة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم نذر كان على أمها؟ فماتت قبل صيامه، فأجاز لها أن تصوم عنها.
وقد حكي أبو علي بن أبي هريرة عن أبي بكر النيسابوري أن الخبر قد صح فصار مذهبه في القديم جواز الصيام عن الميت وهو المذهب مالك وأحمد، وقد روى عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه "؛ ولأنها عيادة يدخل في جبرانها المال فصحت فيها النيابة كالحج طردًا والصلاة عكسًا ودخول المال في جبرانها من وجهين: أحدهما: جبران الصيام في الوطء بالكفارة.
والثاني: فجز الشيخ الهرم عن الصيام وانتقاله إلى إخراج مد عن كل يوم، وقال في الجديد: إن النيابة في الصيام لا تجوز بحال عن حي ولا ميت، وهو مذهب أبي حنيفة وأكثر الفقاء؛ لرواية عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من مات وعليه صيام أطعم عنه وليه "ولأنها عبادة على البدن لا يتعلق وجوبها بالمال، فلا تصح فيها النيابة كالصلاة طردًا، والحج عكسًا، فأما الخبر فمعلول وإن صح كان محتملاً أن يريد بالصيام عن الميت الصدقة عن كل يوم بمد.
فصل: فأما الصلاة عن الميت فقد حكي عن عطاء بن أبي رباح وإسحاق بن راهويه في جوازه، وهو قول شاذ تفردا به عن الجماعة استدلالاً بأمرين: أحدهما: أنه لما جازت النيابة في ركعتي الطواف إجماعًا جازت في غيرها من الصلوات قياسًا

الجزء: 10 - الصفحة: 414

والثاني: أنه لما صحت النيابة في الحج والعمرة مع العجز دون القدرة، وصحت في الزكاة مع العجز والقدرة لم تخرج النيابة في الصلاة عن أحدهما، وذهب جمهور الفقهاء وسائر العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز لقول العلماء إلى أن النيابة في الصلاة لا تصح بحال مع قدرة ولا عجز، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: حج بقضاء، أو دين يؤدى، أو صدقة جارية ". ولأن الصلاة كالإيمان لأنها قول وعمل ونية، ثم لم تجز النيابة في الإيمان إجماعًا فلم تجز في الصلاة حجاجًا، فأما ركعتا الطواف؛ فلأنها تبع لما تصح فيه النيابة فخضت بالجواز، لاختصاصها بالمعنى، وما ذكروه من الحج فقد تقدم اختصاصه بالنيابة لاختصاص وجوبه بالمال.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ اشْتَرَى مِمَّا أَطْعَمَ أَوْ كَسَا أَجْزَتُهُ وَلَوْ تَنَزَّهَ عَنْ ذَلكَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ ". قال في الحاوي: وهذا صحيح، يكره إن تصدق بصدقة عن واجب أو تطوع أن يشتريها من المعطى، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد أن يشتري فرسًا تصدق به في سبيل الله يقال له: الورد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تعد في صدقتك ولو أعطيتها بفقير، ودعها حتى تكون هي ونتاجها لك يوم القيامة "، ولأن من عرف المعطى أن يسمح في بيعها على المعطى، فصار بالابتياع كالراجع في بعض عطيته، فإن ابتاعها صح الإبتياع على مذهب الشافعي وأكثر الفقهاء وقال مالك: لا يص الابتياع وتعاد إلى البائع احتجاجًا بما مضى، ودليلنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة "ذكر منها رجلاً رآها تباع فاشتراها فكان على عمومه ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يملكها ميراثًا جاز أن يملكها ابتياعًا كغيره من الرجال ولأنه لما جاز أن يبتاعها غيره من الرجال جاز أن يكون هو المبتاع كغيرها من الأموال، وما قدمناه من الاستدلال محمول على التنزيه دون التحريم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ كَانَ لَهُ مَسْكَنٌ لاَ يَسْتَغْنِىِ عَنْهُ هُوَ وَأَهْلُهُ وَخَادِمٌ أُعْطِيَ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ وَإنْ كَانَ فِي مَسْكَنِهِ فَضْلٌ عَنْ خَادِمِه وَأَهْلِهِ الفَضْلُ الَّذِي يَكُونُ بِهِ غَنِيًا لَمْ يُعْطَ ".

الجزء: 10 - الصفحة: 415

قال في الحاوي: إذا كان له مسكن لا يستغني عنه، وخادم لا يجد بداَ منه جاز له أن يأخذ من الزكاة والكفارة، وجاز أن يكفر بالصيام دون المال، ولو كان مفلسًا بيع ذلك في دينه، وإن لم يبع في كفارته، لأن في حقوق الآدميين مشاحة، وفي حقوق الله تعالى مسامحة، فإن كان في ثمن مسكنه أو في ثمن خادمه فضل يكون به غنيًا حرمت عليه الزكاة والكفارة وإن كان فيهما فضل للتفكير بالمال لم يجزه التكفير بالصيام.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإذَا حَنَثَ مُوسِرًا ثُمَّ أَعْسَرَ لَمْ أَرَ الصَّوْمَ يُجْزئ عَنْهُ وآمُرُهُ احْتِيَاطًا أَنْ يَصُومَ فَإِذَا أَعْسَرَ كَفَّرَ، وَإِنَّمَا أَنْظُرُ فِي هَذَا إلى الوَقْتِ الَّذَي يَحْنَثُ فِيهِ، وَلَوْ حَنَثَ مُعْسرًا فَأيْسَرَ أَحْبَبْتُ لَهُ أَنْ يُكْفرَ وَلاَ يَصُومَ وَإِنْ صَامَ أَجْزَأَ عَنْهُ لأَنَّ حُكْمَهُ حِينَ حَنَثَ حُكْمُ الصَّيَام.
قَالَ المِزَنِيُّ: وَقَدْ قَالَ فِي الظَّهَارِ إِنَّ حُكْمَهُ حِينَ يُكْفرَ وَقَدْ قَالَ فِي جَمَاعَةِ العُلمَاءِ إِنْ تَظَاهَرَ فَلَمْ يَجدْ رَقَبَةَ أَوْ أَحْدَثَ فَلَمْ يَجِد مَاءً فَلَمْ يَصُمْ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الصَّلاة بالتَّيمُّم حَتَّى وَجَدَ الرَّقَبَةَ وَالمَاءَ إِنَّ فَرْضَهُ العِتْقُ وَالوُضٌوءُ وَقَوْلُهُ في جَمَاعَةِ العُلَمَاءِ أَوْلَى بِه مِنْ انْفِرَادِهِ عَنْهَا ". قال في الحاوي: أعلم أن الكفارة تختلف باليسار والإعسار ففرض الموسر أن يكفر بالمال وفرض المعسر أن يكفر بالصيام، وقد يختلف اليسار والإعسار، فيكون عند الوجوب موسرًا، وعند التكفير معسرًا، وقد يكون عند الوجوب معسرًا، وعند التكفير موسرًا، فاختلف الشافعي هل يعتبر بالكفارة حال الوجوب أو يعتبر بها حال الأداء على قولين منصوصين، وثالث مخرج.
أحدها: أن المعتبر بها حال الوجوب وهو المنصوص عليه في هذا الموضوع من كتاب الأيمان، فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر بالمال حتى أعسر ففرضه التكفير بالمال دون الصيام وتكون الكفارة باقية في ذمته حتى يوسر فيكفر، ويستحب له أن يعجل بالتكفير بالصيام استظهارًا حذرًا من فوات التكفير بالموات لاستدامة الإعسار ولم يسقط عنه فرض التكفير بالصيام، ولو كان معسرًا عند الحنث ففرضه التكفير بالصيام، فإن عدل عنه إلى التكفير بالمال أجزأ عدل عن الأخف إلى الأغلظ، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الوجوب شيئان: أحدهما: إلحاقها بالحدود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك لعل الحدود كفارات "والحدود معتبرة بحال الوجوب دون الفعل، لأن العبد إذا زنا فلم يحد حتى أعتق حُدَّ حدجّ العبيد، والبكر إذا زنا فلم يحد حتى أحصن حد حد الأبكار، وكذلك الكفارات.

الجزء: 10 - الصفحة: 416

والثاني: أن التكفير لذنب متقدم، فاعتبر بحال الوجوب لقربه من سببه.
والثاني: أن المعتبر بالكفارة حال الأداء دون الوجوب نص عليه الشافعي في كتاب الظهار فإذا حنث وهو موسر فلم يكفر حتى عسر كان فرض التكفير بالصيام، ولو حنث وهو معسر فلم يكفر حتى أيسر كان فرضه التكفير بالمال، ووجه هذا القول في اعتبار الكفارة بحال الأداء شيئان: أحدهما: إلحاقها بالطهارة، لأن كل واحدة منها ذات بدل فلما اعتبرت الطهارة بحال الأداء فكذلك الكفارة.
والثاني: أنها مواساة فاعتبرت بأقرب الأحوال من مواساته.
والثالث: وهو مخرج أن المعتبر بالكفارة أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء، لأنها تكفير عن ذنب، فكانت بالتغليظ أخص، وقد استوفينا هذه المسألة فيما تقدم بفروعها.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَمَنْ لَهُ أَنْ يَاخُذُ مِنَ الكَفَّارَةِ وَالزَّكَاةِ فَلَهُ أَنْ يَصُومَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَلا يُعْتِقَ فِإنْ فَعَلَ أَجْزَأًهُ ". قال في الحاوي: أعلم أن مصرف الكفارات في الفقراء والمساكين خاصة، ومصرف الزكاة في الفقراء والمساكين، وفي بقية اهل السهمان الثمانية فاشترك الفقراء والمساكين في الكفارات والزكوات، واختصت الزكاة ببقية الأصناف دون الكفارات هذا الكلام في مصرفها.
فأما وجوبها، فكل من وجبت عليه الزكاة وجب عليه التكفير بالمال، وقد يجب التكفير بالمال على من لا تجب عليه الزكاة إذا ملك أقل من نصاب، وقد يجب التكفير بالمال على من يحل له الزكاة والكفارة، وهو من وجدها فاضلة عن قوته وقوت عياله، ولا يصير بفضلها غنيًا، فيجب عليه التكفير بالمال دون الصيام، ولوجودها في ملكه فاضلة عن كفاية وقته، ويحل له أن يأخذ من الزكوات والكفارات لدخوله في حكم الفقر والمسكنة بعدم الكفاية المستديمة، وقد يسقط التكفير بالمال، وبعدل عنه إلى الصيام من يحرم عليه أخذ الزكاة والكفارة، وهو الجلد المكتسب قدر كفايته في كل يوم من غير زيادة يكفر بالصيام دون المال لعدمه في ملكه، وتحرم عليه الكفارة والزكاة، لاستغنائه عنها بمكسبه.
فإن قيل: فإذا كان الأمر على هذا التفصيل فلم قال الشافعي: ومن له أن يأخذ من الكفارة والزكاة فله أن يصوم؟ وقد قلتم فيما فضلتم: إنه قد يجوز أن يأخذ من الزكاة

الجزء: 10 - الصفحة: 417

والكفارة من لا يجوز أن يصوم عنه في الكفارة، فمنه جوابان: أحدهما: أن الشافعي أشار إلى الأغلب من أحوال الناس، والأغلب ما قاله.
والثاني: أن الشافعي قصد به أبا حنيفة حيث اعتبر الغنى والفقر بوجود النصاب وعدمه، وهو عنده معتبر بوجود الكفاية المستديمة فيكون غنيًا، وإن لم يملك نصابًا إذا كان مكتسبًا بيديه، ويكون فقيرًا وإن ملك نصابًا إذا كان دون كفايته، وقد أوضحنا ذلك في قسمة الصدقات.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَإنْ كَانَ غَنِيَّا وَمَالُهُ غَائِبٌ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُكَفَّرَ حَتَّى يَحْضُرَ مَالُُ إِلاَّ بِالإِطْعَامِ أَوْ الكُسْوَةِ أَوْ العِتْقِ ". قال في الحاوي: قال المزني جعل حكمه حكم الموسر إذا كان المكفر ذا مال غائب، إما بأن سافر عن مال خلفه ببلده، وإما بأن سافر بالمال وهو مقيم في بلده فلم يقدر على التكفير بالمال لغيبته عنه، فهو على مذهب الشافعي في حكم الموسر، ولا يجوز له الصيام حتى يقدر على ماله فيكفر بالمال.
وقال أبو حنيفة: هو في حكم المعسرين يجوز له أن يكفر بالصيام، لأنه لما حل له أن يأخذ الزكاة والكفارة لحاجته جرى عليه حكم الفقر من كفارته، وهذا خطأ لأن الحاجة مختصة بمكانه، والكفارة معتبرة بإمكانه.
فإن قيل: أفليس المتمع في الحج إذا كان معسرًا في مكة موسرًا في بلده كفر بالصيام كالمعسر، فهلا كان كذلك في كفارة الأيمان قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن مكان الدم في التمتع مستحق بمكة، فاعتبر يساره أو إعساره بها ومكان الإطعام في غيره مطلق فاعتبر يساره وإعساره على الإطلاق.
والثاني: أن الصوم في كفارة التمتع للزمان في صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع فكان في تأخيره فوات بدله، وليس لصيام اليمين زمان معين يفوت بتأخيره فافترقا.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حاله في كمال فروضه من ثلاثة أقسام: أحدها: ما يفوت بتأخيره إلى حال الكمال، وذلك مثل صلاة العريان والمئيم وكفارة المتمتع، ففرضه تعجيل أدائه على غنى.
والثاني: ما لا يفوت بتأخيره ولا يدخل عليه ضرر بالتأخير مثل كفارة اليمين والقتل وزكاة الفطر ففرضه إذا قدر على الكمال أن يؤخره إلى حال الإمكان.

الجزء: 10 - الصفحة: 418

والثالث: ما لا يفوت بتأخيره، لكن يلحقه بالتأخير ضرر مثل كفارة الظهار يلحقه بتأخيرها ضرر في امتناعه من الجماع ففيه وجهان: أحدهما: يجب تأخيرها باليسار في بلده حتى يعتق لأنه غنى.
والثاني: يجوز أن يجعل التكفير بالصيام؛ لأنه مستنصر، وهكذا حكمه لو كان ضالاً أو مغصوبًا لا يجوز أن يكفر حتى يقدر على ماله فيكفر به، فإن تلف ماله قبل وصوله إليه لم يخل حاله من أحد أمرين: أحدهما: أن يقدر على التكفير له قبل وصوله إليه بأن يكاتب أو يراسل إلى بلد المال بالتكفير عنه، فلا يفعل حتى يتلف المال فهذا في حكم من كان موسرًا عند الوجوب معسرًا عند الأداء فيكون في تكفيره بالصيام على قولين: أحدهما: يجوز أن يكفر به إذا اعتبر بها حال الأداء.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالمال إذا اعتبر بها حال الوجوب.
والثانية: أن لا يقدر على التكفير بالمال حتى يتلف فيجزئه التكفير بالصيام قولاً واحدًا لأعساره في حالتي وجوبها وأدائها والله أعلم.

باب ما يجزئ من الكسوة في الكفارة

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: "وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ منَ الكُسْوَةِ كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ كُسْوَةٍ مِنْ عَمَامَةٍ أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ إِزَارِ أَوْ مَقْنَعَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لِرَجُلِ أَوْ امْرَأَةٍ أَوْ صَبِيِّ وَلَوْ اسْتَدَلَّ بِمَا يَجُوزُ فيهِ الصَّلاَةُ مِنَ الكُسْوَةِ عَلَى كُسْوَةِ المَسَاكِينِ لجَازَ أَنْ يَسْتَدِلٌ بمَا يَكْفِيهِ فِي الشِّتَاءِ وَالصّيْفِ أَوْ فِي السَّفَرِ مِنْ الكُسْوَةِ وَقَدْ أَطْلَقَهُ اللهُ فَهُوَ مُطْلَقٌ ". قال في الحاوي: خير الله تعالى المكفر عن اليمين بين ثلاثة أشياء: إطعام عشرة أو كسوة عشرة مساكين، أو عتق رقبة، وقد مضى الكلام في الإطعان فأما الكسوة فليس لها أقل تعتبر به، فاختلف الفقهاء فيها على خمسة مذاهب: أحدها: وهو قول عبد الله بن عمر أنه لا يجزئ فيها أقل من ثلاثة أثواب، قميص ومئزر ورداء.
والثاني: وهو قول أبي موسى الأشعري أنه لا يجزئ فيها أقل من ثوبين، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين.
والثالث: وهو قول إبراهيم النخعي أنه لا يجزئ إلا كسوة ثوب جامع كالمحلفة والكساء.
والرابع: وهو قول مالك: أنه لا يجزئ من الكسوة إلا ما تجزئ فيه الصلاة إن

الجزء: 10 - الصفحة: 419

كان الرجل، فما يستر به ما بين سرته وركبته، وإن كانت امرأة فما تستر به جميع بدنها.
والخامس: وهو قول الشافعي وأبي حنيفة: أنه كسوة ثوب واحد ينطلق عليه اسم الكسوة ستر العورة أو لم يسترها، وبه قال ابن عباس ومجاد وطاوس وعطاء، والدليل على أن أصح الأقاويل ما ذهب إليه الشافعي وأبو حنيفة من ثوب واحد ينطلق عليه اسم الكسوة سواء ستر العورة، وأجزات فيه الصلاة أم لا؟ لأمرين: أحدهما: التزم بقيمة متفق عليه، وما يجاوزه التزام زيادة يختلف فيها، فاعتبر الأصل في براءة الذمة.
والثاني: أنه لا يخلو إطلاق الكسوة من اعتبارها بما انطلق عليه الإسم أو بما دعت إليه الحاجة فلم يلزم اعتبارها بما دعت إليه الحاجة؛ لأنها تدعو إلى ما يدفئ من البرد في الشتاء، ويقي من الحر في الصيف، وإذا لم يغير ما دعت إليه حاجة الشتاء والصيف كان أولى أن لا يغير ما ذهب إليه مالك من ستر العورة وإجزاء الصلاة من وجهين: أحدهما: خروجه من اعتبار الإسم وهو أصل عن اعتبار الكفاية وهي عرف.
والثاني: أنه لو أعطاه من رقيق الثياب ما يعم العورة ولا يسترها لرقته أجزأه، وإن لم تجز فيه الصلاة، ولأنه لما استوى قدر الإطعام في الرجال والنساء وجب أن يستوي قدر الكسوة فيهما وفي اعتبار ستر العورة يوجب اختلاف القدر فيهما لاختلاف العورة منهما فكان ذلك مدفوعًا، وإذا بطل بما ذكر أن يعتبر ما زاد على انطلاق الاسم ثبت أن ما انطلق اسم الكسوة عليه هو المعتبر فنقول: كساه قميصًا أو كساه منديلاً وكساه سراويل وكذلك المقنعة والخمار فأجزأه ذلك كله، وقال أبو يوسف: لا تجزئه السراويل، لأنه تبع لغيره، وهذا فاسد بالعمامة والمنديل، فأما القلنسوة ففي إجزائها وجهان؟ أحدهما: يجوز لأنها من حملة ما يكتسى.
والثاني: لا يجوز لأنها زيادة ولا ينفرد بلباسها، وقال أبو الغياض البصري: إن كانت صغيرة تغطي نصف الرأس لم تجز وإن كانت كبيرة تعم الرأس وتغطي الآذان والقفا أجزأت ولا يجزئ أن يعطي خفين، ولا نعلين ولا تكة، ولا ما يلبس من العصائب ولا تجزئ منطقة ولا مكعب ولا هميان لخروج ذلك عن الكسوات الملبوسة.
فصل: وما أعطى من ثياب قطن أو كتان أو شعر أجزأ فأما ثياب الحرير والإبريسم، فيجوز أن يعطاه النساء لإحالة لهن، وكذلك الصبيان، وفي جواز إعطائه للرجال وجهان: أحدهما: لا يجوز لتحريم لبسه عليهم.
والثاني: يجوز وهو أصح؛ لأنه يجوز أن يعطي للرجال ثياب النساء، ويعطي النساء ثياب الرجال، وسواء بياض الثياب ومصبوغها، وخامها، ومقصورها، وجديدها وغسيلها فأما اللبيس منها، فإن أذهب اللبس أكثر منافعه لم يجزه وإن أذهب أقلها أجزأه كالرقبة

الجزء: 10 - الصفحة: 420

المعيبة إن كان عيبها يضر بالعمل إضراراً بيناً لم يجزه، وإن لم يضر بالعمل إضراراً بيناً أجزأه ويجوز أن يعطيهم ثوباً نجساً، لأنه يطهر بالغسل، لكن عليه أن يعلمهم بنجاسته حتى لا يصلوا فيه، إلا بعد غسله، ولا يجوز أن يعطيهم ما نسخ من صوف ميتة، ولا من شعرها؟ لعموم تحريمه وخصوص الانتفاع به، وإن لا سبيل إلي طهارته.
فصل ولا يجوز أن يعطى الزلالي والبسط والأنطاع، لخروجها عن اسم الكسوة والملبوس، وكذلك لا يجوز أن يعطيهم غزلاً غير منسوج فأما لباس الجلود والفراءة فإن كان في بلد أهله ذلك أجزأ وإن كان في بلد لا يلبسه أهله، ففيه وجهان مخرجان من اختلاف قوليه في أجناس الحبوب في الإطعام هل يكون مخيراً فيها أو يعتبر بالغالب منها، وكذلك قميص اللبود، ولكن يجزئ أن يعطيهم الأكسية لأنها تلبس دثاراً، وإن لم تلبس شعاراً ولو أعطى مساكين ثوباً طويلاً فإن دفعه إليهم بعد قطعة أجزاه، لأنه قد صارت كل قطعة منه كسوة، وإن دفعة إليهم صحيحاً لم يجزه، لأنه ثوب واحد، فلم يكن إلا كسوة واحدة والله أعلم.

باب ما يجوز في عتق الكفارات وما لا يجوز مسألة

: قال الشافعي رحمه الله:" ولا يجزئ رقبة في كفارةٍ ولا واجبٍ إلا مؤمنه".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن العتق في الكفارات لا يجزئ إلا في رقبة مؤمنة وهو قول الأكثرين، وقال أبو حنيفة: يجزئ عتق الكافرة في جميعها إلا في كفارة القتال، لأن الله تعالى شرط إيمانها فحمل الشروط علي تقييده، والمطلق علي إطلاقه، ومن أصل الشافعي أن كل مطلق قيد بعض جنسه بشرط كان جميع المطلق محمولاً علي تقييد ذلك الشرط، كما أطلق قوله تعالى: ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾ [البقرة:282]، وقيد قوله: ﴿وأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ﴾ [الطلاق:2]، فحمل ذلك المطلق علي هذا المقيد في اشتراط العدالة، واختلف أصحابنا فيما ذهب إليه الشافعي من حمل المطلق علي المقيد، هل قاله لغة أو شرعاً علي وجهين: أحدهما: انه قاله من طريق اللغة وما يقتضيه لسان العرب الذي جاء به الشرع ما لم يصرف عنه دليل.
والثاني: أنه قال من طريق الشرع وما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة، واختلف من قال بهذا علي وجهين: أحدهما: يجمع بينهما بالإطلاق إلا أن تفرقا في (المعنى).

الجزء: 10 - الصفحة: 421

والثاني: أن لا يجمع بينهما إلا بعد اشتراكهما في المعني، ثم من الدليل انه عتق في كفارة، فوجب أن لا يجزئ إلا مؤمنه، كالعتق في كفارة القتل.
ولأن كل رقبة لا يجزئ عتقها في كفارة القتل لم يجز عتقها في سائر الكفارات، قياساً علي المعيبة وقد مضت هذه المسألة في كتاب الظهار مستوفاة.
مسألة: قال الشافعي:"وأقل ما يقع عليه اسم الإيمان علي الأعجمي أن يصف الإيمان أذا أمر بصفته ثم يكون به مؤمناً".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا ثبت أن الإيمان شرط في عتق الكفارة فإيمانها علي ضربين: أحدهما: إيمان فعل.
والثاني: إيمان حكم، فأما إيمان الفعل فلا يكون إلا من بالغ عاقل، تؤخذ عليه شروط الإيمان قطعاً، وشروطه أن يتلفظ بالشهادتين فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، قال الشافعي:"ويقر بالبعث والجزاء، ويبرأ من كل دين خالف الإسلام، فأما إقراره بالبعث والجزاء فمستحب، وليس يقف إيمانه علي إقراراه، لأنه من موجبات الإيمان، وأما براءته من كل دين خالف الإسلام فقد اختلف أصحابنا في وجوبه علي ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه شرط في كالشهادتين.
والثاني: أنه مستحب كالبعث والثالث: أنه إن كان من قوم ينكرون نبوة محمد صلي الله عليه وسلم، كان إقراره بنبوته يغنى عن براءته من كل دين خالف الإسلام، ويكون اشتراط ذلك فيه مستحباً، وإن كان من قوم يعتقدون انه مبعوث إلي قومه من العرب دون غيرهم كيهود خيبر، فإنهم كانوا يقولون: هو مبعوث إلي الأميين من العرب دوننا، وإنما ننتظر مبعوثاً إلينا من ولد إسحاق فتكون البراءة من كل دين خالف الإسلام شرطاً في صحة إيمانه، وبهذا قال أبو علي بن أبي هريرة فإذا صح ما يكون شرطاً في إيمانه نظر فإن كان عربي اللسان تلفظ به نطقاً ولا نفتنع منه بالإشارة مع سلامة لسانه وفهم كلامه، وإن كان أعجمي اللسان نظر، فإن حضر من يفهم لسانه لم يكن مؤمناً إلا بالنطق دون الإشارة كالعربي، وإن لم يحضر من يفهم لسانه دعت الضرورة إلي أن تؤخذ عليه شروط الإسلام، بالإشارة دون النطق كالأخرس، وروي أن معاوية بن الحكم جاء إلي النبي صلي الله عليه وسلم بعبد أعجمي جليب؟ فقال: يا رسول الله: إني ندرت أن أعتق مؤمنه افيجزئ هذا فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:"من ربك، فأشار (إلى)

الجزء: 10 - الصفحة: 422

السماء، أي: رب السماء؟ فقال: من نبيك، فأشار إليه، فقال له النبي صلي الله عليه وسلم:" أعتقه فإنه مؤمن".
مسألة قال الشافعي:" ويجزئ فيه الصغير إذا كان أبواه مؤمنين أو أحدهما".
قال في الحاوي: وأما إيمان الحكم، فمعتبر فيمن لا يحكم بقوله في صغير أو مجنون، فيكون الصغير مسلماً بإسلام أبويه.
وقال مالك: لا يصير مسلماً بإسلام أمه وحدها، وإن صار مسلماً بإسلام أبيه وحده، اعتباراً بلحوق نسبه بأبيه دون أمه، كذلك في الإسلام، لأن أحكامه في إتباع أبويه تنقسم قسمين: أحدهما: ما كان فيها تابعاً لأبيه دون أمه، وهو النسب.
والثاني: ما كان فيها تابعاً لأمه دون أبيه، وهو الحرية والرق، فأما ما ينفرد به كل واحد من الأبوين، فخارج القسمين، ودليلنا قول الله تعالى: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا واتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور:21]، فأخبر أن الأولاد يتبعون الآباء والأمهات في الإيمان، وقال النبي صلي الله عليه وسلم:"الإسلام يعلو، ولا يعلى" وقد خلق الولد من ماء الأبوين، فإذا اجتمع فيه إسلام أحدهما وكفر الآخر وجب أن يعلو الإسلام علي الكفر، وروي عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال:"كل مولود يولد علي الفطرة، فأبوه يهودانه أو ينصرانه، أو يجسمانه" فجعل اجتماع أبويه سبباً لشهوده فخرج بإسلام أحدهما من اليهودية؟ ولأنه لو افترق حكم أبويه في إسلامه لكان اعتباره بأمه أحق، منها قطعاً، ومن أبيه ظناً.
فأما السبب فلا يلزم لأن حكمه في التحريم معتبر لكل واحد منهما فصار بالدين أشبه، وأما استدلالهم بتقسيم الحكمين فقد يقترن بهما ثالث وهو أن حرية الأب توجب حرية الولد إذا وطئها بملك اليمين، ورق الأم يوجب رق الولد إذا وطئها بعقد النكاح، فصارت الحرية والرق معتبرين بكل واحد من الأمرين فكذلك الإسلام ويصير هذا قسماً ثالثا.
فصل فإذا صح إسلام الصغير المجنون بإسلام كل واحد من أبويه فعتق الصغير في الكفارة مجزئ، وإن كان ناقص العمل بخلاف الزمن؟ لأن نقص الصغير يزول، ونقص الزمانة لا يزول، سواء كان الصغير مستقلاً بنفسه، مستغنياً عن التربية كالمراهق، أو كان طفلاً يربي كالرضيع، لأنه ينشأ ويستكمل ونفقته بعد عتقه في بيت المال وفي الصدقات

الجزء: 10 - الصفحة: 423

ولا يجب (على) معتقه ولو تبرع بها حتى يبلغ هو الاكتساب كان أولي وإن لم تجب، فأما عتق المجنون فلا يجزئ إن كان جنونه مستديماً طبعا وكذلك المعتوه، وإن كان يجن في زمان ويفيق في زمان، فإن كان زمان جنوبه أكثر من زمان أفاقته، أو كان سواء لم يجزه عتقه، وإن كان زمان إفاقته أكثر من جنونه، ففي إجزاء عتقه وجهان: أحدهما: يجزئ كما يجزئ عتق من قل عيبه.
والثاني: لا يجزئ، لأن قليل الجنون يصير كثيراً، فأما عتق الأحمق فيجزئ، لأنه يستهل بتدبير غيره، وأما عتق الفاسق فمجزئ لأجزاء أحكام الإسلام عليه.
مسألة قال الشافعي:"وولد الزنا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، لأنه صحة الانساب في عتق الكفارات غير معتبر؟ ولأن سلامه بدنه وصحة عمله مماثل لذوي الانسباب؟ ولأنه لما لم يكن ذلك عيباً في نقصان ثمنه، فأولي أن لايكون عيباً في أجزاء عتقه، واحسب الشافعي قال ذلك، ونص عليه، بخلاف شذ من بعض السلف تمسكا بقول النبي صلي الله عليه وسلم:"ولد الزنا شر الثلاثة"ولا دليل فيه، لأنه غير مستهل علي ظاهرة، وفيه تأويلان: أحدهما: انه شرهم نسباً.
والثاني: أنه شرهم إذا زنا لأنه صار مع شر نسبه زانياً.
مسألة: قال الشافعي:"وكل ذي نقص بعيب لا يضر بالعمل إضراراً بينا مثل العرج الخفيف والعور والشلل في الخنصر ونخو ذلك ولا يجزئ المقعد ولا الأعمى ولا الأشل الرجل ويجزئ الأصم والخصي والمريض الذي ليس به مرض زمانه مثل الفالج والسل".
قال في الحاوي: اعلم أن الله تعالى أطلق عتق الرقبة في الكفارة فاقتضي إطلاقها أحد أمرين: إما السلامة من جميع العيوب كالغرة في الجنين والإبل من الدية، وإما جوازها مع كل العيوب اعتباراً بمطلق الاسم كالنذور، لكن انعقد فيها إجماع منع من اعتبار احد هذين الأصلين لأنهم أجمعوا علي أن من ذوات العيوب ما يجزئ، وهي العوراء والبرصاء والجدعاء، ومن ذوات العيوب ما لا يجزئ، وهي العمياء والقطعاء والشلل، فاعتبرنا معني ما أجاوزه، ومعني ما ردوه، فوجدناهم قد أجازوا منها ما لا يضر بالعمل إضراراً بينا وردوا منها ما يضر بالعمل إضراراً بينا، فصار هذا أصلاً عقده

الجزء: 10 - الصفحة: 424

الإجماع في الكفارة خارجاً عن الأصلين في إطلاقها فاعتبروا كمال المنفعة دون كمان الصفة، لأن المقصود بالعتق تميلك الرقبة منافع نفسها، فاعتبرنا كمال ما توجه إليه التمليك من المنافع دون الصفات، فإذا صار هذا أصلاً معتبراً انساق عليه التفريع، فقلنا: إن العوراء تجزئ بكمال منافعها؟ وإنها تدرك بإحدى العينين ما تدركه بهما، فإن قيل: فقد منع الشرع من الأضحية بالعوراء قيل: لأنه قصد به كمال اللحم واستطابته في الأضحية والعور مؤثر فيه، فمنع منه، ولم يمنع مما قصد به كمال المنفعة في العتق فأجير فيه.
وإذا أجزأت العوراء في عتق الرقبة فأولي أن يجزئ عتق الحولاء والخيفاء والمقطوعة الأنف والأذنين والبرصاء، لأن كل هذه العيوب غير مضرة بالعمل، وكذلك يجزئ عتق الخرساء، وعتق الصماء، لأن عملها كامل والإشارة معها تقوم مقام النطق، فإن لم يفهما الإشارة لم يجز عتقهما، فإن الشافعي أجاز في موضع عتقهما ومنه منه في موضع آخر، وليس ذلك علي اختلاف قولين، وإنما هو علي اختلاف حالهما في فهم الإشارة، فأما إن اجتمع فيهما الخرس والصمم لم يجز، لأن اجتماعهما مؤثر من العمل ومقتضي عرفهم الإشارة ولا يجزئ عتق العمياء لأضرار العمى بالعمل، ولا يجوز عتق المقطوعة اليدين أو إحداهما ولا عتق المقطوعة الرجلين أو إحداهما، بخلاف العوراء، لأن ذهاب احدي اليدين مضر بالعمل، وكذلك إحدى الرجلين وذهاب احدي العينين غير مضر بالعمل، ويجزئ عتق العرجاء إذا كان عرجها قليلاً، ولا يجزء إذا كان كثيراً، لأن قليلة غير مضر؟ وكثيرة مضر، وتجزئ المقطوعة الخنصر أو البنصر من احدي الأطراف، أو الخناصر والبناصر من الأطراف كلها ولا يجزئ إذا اجتمع قطع الخنصر والبنصر من طرف واحد، ويجوز إن كانا من طرفين، لأن اجتماعهما مضر وافتراقهما غير مضر، ولا تجزئ المقطوعة الإبهام أو السبابة أو الوسطي، لأن قطع كل واحدة من هذه الأصابع الثلاث مضر، فأما قطع الأنملة الواحدة فيمنع منها إن كانت في الإبهام ولا يمنع منها إن كانت في غيرها من الأصابع، لأن الباقي من أنامل غير الإبهام أكثر بخلاف الإبهام والشلل في الأطراف كالقطع فما منع من القطع منع منه الشلل، وما جاز مع القطع جاز مع الشلل، فإذا لم تجز القطعاء فأولي أن لاتجزئ المقعدة ولا ذات الزمانه، وأما المريضة فإن كان مرضها مرجواً كالحمى والصداع أجزأت وإن ماتت، وإن كان مرضها غير مرجو كالسل والفالج لم تجز وإن صحت، وأما عتق الشيخ والعجوز، فعتقهما مجزئ، ما لم ينتهيا إلي الهرم المضر بالعمل، فلا يجزئ، وسواء في الأجزاء اعتق ذات الضعة وغير ذات الضعة، ويجزئ عتق الخصي والمجبوب لكمال عملهما، وكذلك يجزئ عتق الخنثي، فأما عتق الجذماء فإن كان الجذام في الأنف والأذن أو الشفة أجزأت، وإن كان في أطراف البدن والرجلين لم يجز، لأنه مضر بالعمل في الأطراف وغير مضر بالعمل في غير الأطراف ويجزئ عتق الأبرص والبرصاء لأنه غير مضر بالعمل، والله أعلم.

الجزء: 10 - الصفحة: 425

مسألة: قال الشافعي:"ولو اشترى من يعتق عليه لم يجزه ولا يعتق عليه إلا الوالد والمولودون".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أنم ملك أحداً من والديه أو مولودية عتق عليه، ولا يعتق عليه غيرهما من ذوى الأنساب، واعتق عليه أبو حنيفة كل ذي رحم محرم وسائر الكلام معه في كتاب العتق، وإن ما مضي في كتاب الظهار، وذكرنا أن من اشترى من يعتق عليه ناوياً به العتق عن كفارته لم تجزه، وأجازه أبو حنيفة وقد مضى الكلام معه في كتاب الظهار لكن اختلف أصحابنا في تعليل ما قاله الشافعي في المنع من إجزائه علي وجهين: أحدهما: هو أن الله تعالى أوجب عليه تحرير رقبة، وهذا يعتق عليه بغير تحرير منه، فلم يجزه لعدم ما لزمه من فعل التحرير.
والثاني: أن تعليل المنع من إجزائه أن الرقبة الواحدة لا يجزئ عتقها بسببين حتى يكون مقصوراً علي أحدهما، وهذا عتق بسببين، فكان مقصوراً علي أثبتهما.
مسألة قال الشافعي:"ولو اشترى رقبة بشرط يعتقها لم تجز عنه" قال في الحاوي: قد مضت هذه المسألة في كتاب البيوع إذا شتري عبداً بشرط العتق فالشافعي في البيع والشرط ثلاثة أقاويل: أحدها: أن البيع والشرط باطلان، وهو مذهب أبي حنيفة، فعلي هذا إن اعتقه عن كفارة لم يجزه، لأنه اعتق مالم يملك، وقال أبو حنيفة: يجزئه، ويكون مأخوذا بعتقه، لأجل الشرط حكاه أبو ثور عن الشافعي احتجاجاً بأن عائشة رضوان الله عليها اشترت بريرة بشرط العتق فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم البيع وأمضى الشرط، فعلي هذا لا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقاً بسببين، ولا يجزئه عتقه عن كفارته، لأنه يصير عتقاً بسببين، ولا يجزئ في الكفارة إلا عتق رقبة يختص بسببها.
والثالث: أن البيع جائز والشرط باطل ولا يلزمه عتقها عن غير الكفارة، فعلي هذا إن اعتقها في الكفارة ففي إجزائها وجهان: أحدهما: تجزئ، لأنه عتق بسبب واحد، وهو التكفير.
والثاني: أنها لا تجزئ لأن الشرط قد أخذ من الثمر قسطاً، فصار العتق في مقابلة عوض فجرى العتق بسببين، وخرج عما انفرد عتقه عن التكفير مسألة: قال الشافعي:"ويجزئ المدبر ولا يجوز المكاتب حتى يعجز فيعتق بعد العجز

الجزء: 10 - الصفحة: 426

ويجزئ المعتق إلي سنين واحتج في كتاب اليمين مع الشاهد علي من أجاز عتق الذمي في الكفارة بأن الله عز وجل لما ذكر رقبة في كفارة فقال؛"مؤمنةٍ، ثم ذكر رقبة أخرى في كفارةٍ كانت مؤمنة لأنهما يجتمعان في أنهما كفارتان ولما رأينا ما فرض الله عز وجل علي المسلمين في أموالهم منقولاً إلي المسلمين لم يجز أن يخرج من ماله فرضاً عليه فيعتق به ذمياً مؤمناً".
قال في الحاوي: أما المدبر فيجزئ عتقه عن الكفارة لبقائه علي الرق، وجواز بيعه، ومنع أبو حنيفة من أجزائه لمنعه من جواز بيعه وسائر الكلام معه في كتاب المدبر، وكذلك المعلق عتقه بصفه إذا عجل عتقه عن كفارة أجزأه سواء كانت الصفة معلقة بالزمان، كقوله: إذا هل شهر كذا فأنت حر كانت الصفة معلقة بالفعل، كقوله: إن دخلت الدار فأنت حر، وإنما أجزأه إلحاقاً له بالمدبر، كما أن بيعه يجوز كالمدبر، ولكن لو نوى فيه ان يصير بمجئ الصفة حراً عن كفارته لم يجزه لأنه يصير معتقاً بسببين، وتعجيل عتقه قبل الصفة يجعله معتقاً بسبب واحد فأما عتق أم الولد فلا يجزئ عن الكفارة.
واختلف أصحابنا في تعليل هذا المنع، فقال بعضهم: التحريم بيعها، وقال آخرون: استحقاق عتقها بالولادة يجعلها معتقه بسببين وأما عتق المكاتب قبل عجزه فلا يجزئ وقال أبو حنيفة: إن لم يؤد شيئا من نجومه أجزاه، وإن أدى شيئاً منها لم يجزه، وقد ذكرناه في كتاب الظهار، فأما إن عجز عن الأداء فأعتقه بعد التعجيز أجزاه لأنه قد عاد إلي الرق في جواز البيع، وجميع الأحكام، فأما إذا اعتق شقصاً له من عبد ينوي به الكفارة، وكان موسراً عتق عليه جمعيه، وأجزأه منه قدر حصته، وفي إجزاء حصة شريكة ثلاثة أوجه: أحدها: لا يجزئه لأنه يعتق عليه بغير التكفير فصار عتقاً بسببين: والثاني: يجزئه، لأن عتقه تبع لعتق حصته، فجرى عليه حكمها في الأجزاء.
والثالث: أنه إن نوى عند عتق حصته عتق جميعه عن كفارته أجزأة، وإن قصر نيته علي عتق حصته وحدها لم يجزه، وإذا أكمل عتق رقبة من عبدين اعتق من كل واحد نصفه، وفي إجزائه وجهان مضيا.
وفيه رابع: أنه إن كان الباقي من كل واحد منهما حراً أجزأه، وإن كان الباقي منهما حراً أجزاه، وإن كان الباقي منهما مملوكاً لم يجزه، فأما إذا اعتق عبداً مرهوناً أو جانياً، فإن قيل ببطلان عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل يجوزاه عتقهما علي ما ذكرناه من الأقاويل فيها لم يجزه، وإن قيل بجواز عتقهما أجزأه عن كفارته ثم ختم المزني الباب بالاحتجاج علي أبي حنيفة والمنع من إجزاءه عتق الكافر بما مضي وبالله التوفيق.

باب الصيام في كفارة الإيمان المتتابع وغيره

مسألة قال الشافعي رحمه الله:"كل من وجب عليه ليس بمشروطٍ في كتاب الله أن

الجزء: 10 - الصفحة: 427

يكون متتابعاً أجزأه متفرقاً قياساً علي قوله الله عز وجل ذكره: (فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [البقرة:184] والعدة أن يأتي بعدد صوم لا ولاء وقال في كتاب الصيام أن صيام كفارة اليمين متتابع والله اعلم قال المزني رحمه الله هذا ألزم لأن الله عز وجل شرط صوم كفارة المتظاهر متتابعاً وهذا صوم كفارة مثله كما احتج الشافعي بشرط الله عز وجل رقبة القتل مؤمنه قال المزني فجعل الشافعي رقبة الظهار مثلها مؤمنه لأنها كفارة شبيه بكفارة فكذلك الكفارة عن ذنب بالكفارة عن ذنب أشبه منها بقضاء رمضان الذي ليس بكفارة عن ذنب فتفهم".
قال في الحاوي: قد ذكرنا أن الصوم في كفارة الإيمان مترتب لا يجزئ إلا بعد العجز عن الإطعام والكسوة والعتق لقول الله تعالى: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة:89]، وهل يكون تتابع صومها شرطاً في صحتها أم لا علي قولين: أحدهما: نص عليه في كتاب الصيام، وهو قول أبي حنيفة والعراقيين واختاره المزني أن التتابع شرط في صيامها، فإن صام متفرقاً لم يجزه استدلالاً بقراءة ابن مسعود:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات" وقراءة أبي: فصيام ثلاثة أيام متتابعة" والقراءة الشاذة تقوم مقام خبر الواحد في وجوب العمل، لأنها منقولة عن الرسول، ولأنه صوم تكفير فيه عتق، فوجب أن يكون التتابع من شرطه قياساً علي كفارة القتل والظهار، لما ذكره المزني أن من أصل الشافعي حمل المطلق علي ما قيد من جنسه كما حمل إطلاق العتق في كفارة الإيمان علي ما قيد في كفارة القتل من الإيمان فلزمه أن يحمل إطلاق هذا الصيام علي ما قيد من تتابعه في القتل.
والثاني: نص عليه في هذا الموضع، وهو قول مالك والحاجزين أن التتابع استحباب وليس بواجب وأن صومه متفرقاً جائزاً استدلالاً بما ورد به القرآن من إطلاق صيامها فاقتضي الظاهر إجزاء صيامها في حالتي تتابعها وتفريقها، ولا يجب حمله علي المقيد من كفارة الظهار كما ألزمه المزني لتردد هذا الإطلاق بين أصلين يجب التتابع في أحدها وهو كفارة الظهار، ولا يجب في الآخر وهو قضاء رمضان فلم يكن أحد الأصلين في التتابع بأولي من الآخر في التفرق.
ولأنه صوم يتردد موجبه بين إباحة خطر، فوجب أن لا يستحق فيه التتابع قياساً علي قضاء رمضان، فأما قراءة ابن مسعود وأبى فإنما تجرى في وجوب العمل بها مجرى خير الواحد، إذا أضيفت إلي التنزيل والي سماعها من الرسول صلي الله عليه وسلم فأما إذا أطلقت جرت مجرى التأويل دون التنزيل، ثم لو سلمت لحملت علي الاستحباب وإطلاقها علي الجواز، وأما كفارة القتل فلما تغلظ صومها بزيادة العدد تغلظ بالتتابع، ولما تخفف صوم كفارة اليمين بنقصان العدد تخفف بالتفرقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 428

مسألة: قال الشافعي: "وإذا كان الصوم متتابعاً فافطر فيه الصائم أو الصائمة من ذعر وغير عذر استأنفا الصيام إلا الحائض فإنها لا تستأنف وقال في القديم: المرض كالحيض وقد يرتفع الحيض بالحمل وغيره كما يرتفع المرض قال ولا صوم فيما لا يجوز صومه تطوعاً مثل يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق".
قال في الحاوي: وصورتها أن يجب عليه صوم متتابع في كفارة قتل أو إظهار فيفطر في أثناء صيامه، وإن كان أكثر من باقية فلا يخلو فطره من أن يكون بعذر أو غير عذر، فإن أفطر بغير عذر أبطل به التتابع ولم يعتد بما تقدم من صيامه، وإن كان أكثر من باقية، واستأنف صوم شهرين متتابعين، وإن افطر بعذر فالأعذار ضربان: أحدهما: ما كان من أعذار الأبدان.
والثاني: ما كان من أعذار الزمان، فأما أعذار الأبدان فأربعة أعذار: أحدها: الحيض، فهو مناف للصوم، فإذا دخلت المرأة في صيام شهرين متتابعين بكفارة قتل ثم حاضت في تضاعيفها لا يبطل به تتابع صيامها وتبني علي ما مضي من صيامها بعد انقطاع حيضها لعلتين: إحداهما: أنه فطر بعذر، لا يقدر معه علي الصيام.
والثانية: أن طرق الحيض معتاد لا يسلم لها في العرف صيام شهرين لا حيض فيها.
والثاني: المرض تفطر به في تضاعيف صيامها فهل ينقطع به التتابع أم لا؟ علي قولين: أحدهما: وهو القديم أنه يجوز معه البناء ولا ينقطع به التتابع كالحيض، تعليلاً بأنه فطر بعذر، لا يمكن معه الصوم.
والثاني: وهو الجديد يجب معه الاستئناف، وينقطع به التتابع، تعليلاً بأنه لا يعتاد استمراره.
والثالث: الفطر بالسفر.
فإن قيل: إن الفطر بالمرض يقطع التتابع، فالفطر بالسفر أولي أن يقطعه.
وإن قيل: إن الفطر بالمرض لا يقطع التتابع ففي قطعة بالسفر قولان: أحدهما: لا يقطعه، ويجوز معه البناء، لأنه قطر بعذرين قد جمع الله بينهما في الإباحة.
والثاني: يقطع التتابع ويوجب الاستئناف، لأن فطره بالمرض ضرورة وبالسفر عن

الجزء: 10 - الصفحة: 429

اختيار، ولذلك إذ مرض في يوم كان صحيحاً في أوله أفطر، ولو سافر في يوم كان سقيماً في أوله لم يفطر.
والرابع: أن يطرأ عليه في تضاعيف صيامه جنون، أو إغماء، فإن قيل في المرض يبني فهذا أولي، وإن قيل في المرض يستأنف ففي الاستئناف بالجنون والإغماء وجهان: أحدهما: يستأنف كالمريض.
والثاني: يبني ولا يستأنف لأن الصوم مع المرض يصح، مومع الجنون والإغماء لا يصح وأما أعذار الزمان، فهو أن يتخلل مدة صيامه زمان لا يجوز صيامه مثل يوم الفطر، ويوم النحر، فهذا قاطع للتتابع وموجب للاستئناف، ولأن الاحتراز منه ممكن، وهكذا لو تخلل صيامه شهر رمضان قطع التتابع، فأما أيام التشريق فما تقدمه من يوم النحر قطع التتابع، فأما الابتداء بصيامها في الكفارة فقد كان الشافعي يرى في القديم جواز صيامها في كفارة تمتعه، لقول الله تعالى ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة:196]، ثم رجع عنه في الجديد، ومنع صيامها للمتمتع وغيره لنهي رسول الله صلي الله عليه وسلم عن صيامها، وقوله:"إنها أيام أكل وشرب وبعال، فلا تصوموها"، فإن منع من صيامها للمتمتع، كان غير المتمتع أولي بالمنع، وإن جوز صيامها للمتمتع لم يجز أن تصام تطوعاً لغير سبب، وفي جواز صيامها بسبب موجب وجهان: أحدهما: يجوز وهو قول أبي إسحاق المروزي كالمتمتع لاشتراكهما في السبب الموجب.
والثاني: لا تجزئ لأن صيام التمتع مختص بأيام الحج، وصيام غيره لا يختص بها، وأما إذا كان عليه صيام ثلاثة أيام في كفارة اليمين فإن قيل: إن التتابع فيها غير مستحق لم يمنع الفطر في تضاعيفها من جواز البناء.
وإن قيل: إن التتابع فيها شرط مستحق كان الفطر فيها بالحيض قاطعاً للتتابع قولاً واحداً، بخلافه في كفارة القتل، لأن التحرز منه بصيامها في أول الطهر ممكن، لأن اقله خمسة عشر يوماً، وإن أفطر فيها بمرض، كان البناء علي قولين كفطره في كفارة القتل، لأن التحرز من هجوم المرض غير ممكن، وكذلك يكون حكم فطره بالسفر والجنون، كحكمه في كفارة القتل سواء، ولا يجزئ صومه في الكفارة إلا بنيه قبل الفجر، تجدد النية لكل يوم، والله أعلم.

باب الوصية بكفارة الإيمان والزكاة

مسألة قال الشافعي رحمه الله:"من لزمه حق المساكين في زكاةٍ أو كفارةٍ يمينٍ أو حج

الجزء: 10 - الصفحة: 430

فَذَلِكَ كُلُهُ رَاسِ مَالِهِ يُحَاصُّ بِهِ الغُرَمَاءُ".
قال في الحاوي: أما أخص الحقوق بتركة الميت فهو الكفن، ومؤونة الدفن يقدم على حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين، وإن استوعبت جميع التركة، وأما غيره من الحقوق فضربان: أحدهما: ما كان من حقوق الآدميين كالديون فلا خلاف أنها لا تسقط بالموت لقول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: 11]، ولقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "نفس الميت معلقة بدينه حتى يقضى" وأما حقوق الله تعالى من الزكوات والكفارات والحج والنذور فمذهب الشافعي أنها لا تسقط بالموت سواء وجبت باختياره كالكفارات والنذور أو بغير اختياره كالزكوات والحج، وقال أبو حنيفة: يسقط جميعها بالموت، وفرق بعض الفقهاء بين ما وجب باختياره فسقط بالموت وما وجب بغير اختياره فلا يسقط بالموت، وعكس بعضهم هذا فأسقط بالموت ما وجب بغير اختياره لم يسقط به ما وجب باختياره، وقد حكى الشافعي هذه المذاهب كلها في كتاب الأم، وقد قدمنا الكلام مع أبي حنيفة في كتاب الزكاة والحج بما أغنى عن الإعادة فإذا تقرر هذه الجملة لم يحل حال بعد الموت فيما لزمه من الحقوق من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يكون جميعها من حقوق الآدميين فهي على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة، فجميع أربابها أسوة في التركة، إن اتسعت لها قضى جميعها، وإن ضاقت عنها تحاصوها بينهم على قدر ديونهم.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين كالرهن، والعبد الجاني، فإن اختلفت العينان اختص كل واحد منهم بالعين التي تعلق حقه بها وإن تعلقت حقوقهم بعين واحدة اشتركوا فيها بقدر حقوقهم منها.
والثالث: أن يكون بعض الحقوق ثابتًا في الذمة، وبعضها متعلقًا بالعين فيقدم ما تعلق بالعين على ما تعلق بالذمة، لأن صاحب العين قد جمع بين حقين، وتفرد صاحب الذمة بأحدهما.
فصل: الثانية: أن يكون جميعها من حقوق الله تعالى فهي على ثلاثة أضرب: أحدها: أن يتعلق جميعها بالذمة كالحج والكفارة والزكاة بعد تلف الحال والنذور المتعلقة بالذمة، فإن اتسعت التركة لجميعها قضيت، فإن فضل عنها شيء كان للورثة وإن استوعبت التركة فلا شيء للورثة، وإن ضاقت التركة عنها قسمت التركة على الحقوق بالحصص، فإن كان ما خرج بقسط الحج يمكن أن يحج به عنه من ميقات بلده أخرج

الجزء: 10 - الصفحة: 431

عنه وإن لم يكن سقط وتدبر من التركة على ما سواه من الحقوق وكذلك حكم العتق في الكفارة إذا لم يمكن فيه تخيير كالعتق في كفارة القتل والظهار إذا ضاق سقط عن تحرير رقبة سقط حكمه، وعاد على ما سواه.
والثاني: أن يكون جميعها متعلقة بالعين، كالزكاة في نصاب موجود والنذور في عتق عبد معين، أو الصدقة بمال معين، فإن تغايرت الأعيان اختصت كل عين بالحق المتعلق بها، وإن اتفقت قسطت على الحقوق المتعلقة بها.
والثالث: أن يختص بعضها بالذمة ويتعلق بعضها بالعين، فالمتعلق بالعين أحق أن يقدم على ما تعلق بالذمة كما ذكرنا في حقوق الآدميين.
فصل: والثالثة: أن تجمع في تركته حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين فهذا على أربعة أضرب: أحدها: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالعين، وحقوق الآدميين مختصة بالذمة، فيقدم حق الله تعالى المتعلقة بالعين على حقوق الآدميين المتعلقة بالذمة.
والثاني: أن تكون حقوق الله تعالى متعلقة بالذمة وحقوق الآدميين متعلقة بالعين فيقدم حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى.
والثالث: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالذمة ففيها ثلاثة أقاويل: أحدها: أن حقوق الله تعالى مقدمة على حقوق الآدميين لقول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: "فدين الله أحق أن يقضى" ولأنها حقوق لا تسقط بالإبراء فكانت أوكد من حقوق الآدميين الساقطة بالإبراء.
والثاني: أن حقوق الآدميين مقدمة على حقوق الله تعالى لأمرين: أحدهما: أن نفوس الآدميين أشح، والله تعالى بحقوقه أسمح، ولذلك جعل لها أبدالًا وأسقطها بالشبهات.
والثاني: أن مستحقيها متعينون؟ وحقوق الله تعالى لا يتعين مستحقها، وما تعين مستحقة أوكد.
والثالث: أن كلا الحقين سواء لاشتراكهما في الوجوب، وتساويهما في الاستحقاق فتسقط التركة بينهما على قدر الحقين.
والرابع: أن تكون حقوق الله تعالى وحقوق الآدميين متعلقة بالعين، فإن تغايرت اختصت كل عين بمستحقها، وإن اتفقت في عين واحدة فقد أشار أبو علي بن أبي هريرة إلى وجهين: أحدهما: أنه يكون على الأقاويل الثلاثة كالمتعلق بالذمة.

الجزء: 10 - الصفحة: 432

والثاني: أنه يقدم فيها حقوق الآدميين على حقوق الله تعالى قولًا واحدًا لأنها في أيديهم.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "فَإِنْ أَوْصَى بِأَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ فِي كَفَّارَةٍ فَإِنْ حَمَلَ ثُلْثُهُ العِتْقَ أُعْتِقَ عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهُ الثُّلُثُ أُطْعِمَ عَنْهُ مِنْ رَاسِ مَالِهِ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال: إذا مات وعليه كفارة لم يخل حالها أن تكون على الترتيب أو على التخيير، كانت على الترتيب مثل كفارة القتل والظهار لم يخل حالة فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى فإن لم يوص أخرجت الكفارة من رأس ماله، فإن احتمل العتق صار من أهله فأعتق عليه، وإن لم تحتمل تركته العتق صار معسرًا به، فلا يعدل عنه إلى الصيام؟ لأنه لا تصح منه النيابة، وعدل عنه إلى الإطعام وإن أوصى بالتكفير عنه لم يخل حاله في الوصية من ثلاثة أحوال: أحدها: أن يجعله من رأس ماله فيكون من أصل التركة وتكون الوصية به تأكيدًا.
والثانية: أن يجعله من ثلثه فتصير الوصية في الثلث، وهو بها مرفه على ورثته، فإن وفي العتق من الثلث، وإلا كمل من رأس المال.
والثالثة: أن يطلق الوصية به ولا يسميه من رأس المال ولا من الثلث ففيه ثلاثة أوجه: أحدها: يكون من رأس المال حملًا للوصية على التأكيد.
والثاني: يكون من الثلث حملًا للوصية على التأثير والترفيه.
والثالث: أن ينظر فإن قرن له في الوصية بما يكون في الثلث، صار العتق في الثلث، وإن قرن به ما يكون من رأس المال صار العتق من رأس المال اعتبارًا بالجمع.
فصل: فإن كانت الكفارة على التخيير مثل كفارة اليمين لم يخل حاله فيها من أن يوصى بها أو لا يوصى، فإن لم يوص بها وجب أن يخرج من رأس ماله أقل الأمرين من الإطعام أو الكسوة فإن عدل الوارث إلى أعلاهما أجزأه، وإن عدل عنهما إلى العتق ففي إجزائه وجهان: أحدهما: يجزئ لأنه يقوم في التكفير مقام الموروث فاستحق التخيير.
والثاني: أنه لا يجزئ لأنه أدخل في ولاية من لا يستحق عتقه، ويشبه أن يكون هذان الوجهان مخرجين من اختلاف الوجهين فيما أوجبه التخيير في كفارة اليمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 433

فإن قيل بوجوب أحدهما لا بعينه لم يجز العتق لأنه لم يتعين في الوجوب، وإن قيل: إنه موجب لجميعها وله إسقاط وجوبها بإخراج أحدها أجزأ، وإن وصى بالتكفير عنه، فإن لم يتعين مما يكفر به كان كمن لم يوص فيما يكفر به عنه، فيكون على ما مضى، وتكون الوصية إذكارًا أو توكيدًا، وإن عين ما يكفر به عنه لم يخل ما عينه من أحد ثلاثة أحوال: أحدها: أن يعين الإطعام الذي هو أقل فيكفر عنه بالإطعام ويكون من رأس المال إلا أن يجعله في الثلث فيصير بالوصية من الثلث.
والثانية: أن يوصى بالكسوة وهو فوق الإطعام ودون العتق، فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من الثلث، وهل يصير قدر قيمة الإطعام بذلك من الثلث أم لا؟ على وجهين نذكرهما.
والثالثة: أن يوصى بالعتق فيكون ما زاد على قيمة الإطعام من العتق من الثلث.
وفي قدر قيمة الإطعام وجهان: أحدهما: يكون في الثلث أيضًا، فيصير جميع قيمة العتق من الثلث، فإن امتنع له الثلث أعتق عنه، وإن ضاق الثلث بطلت الوصية بالعتق، وأطعم عنه من رأس المال، ولم يجز أن يقيم قيمة الإطعام إلى ما عجز عنه الثلث من العتق ليستكمل به جميع العتق هذا هو الأظهر في مذهب الشافعي، والمعول من قول أكثر أصحابه.
والثاني: وهو محكي عن أبي العباس بن سريج وأبي إسحاق المروزي أنه يجعل في الثلث من قيمة العتق ما زاد على قيمة الإطعام، ويكون قدر قيمة الإطعام مستحقًا من رأس المال لاستحقاق إخراجه من غير وصية، فإذا ضاق الثلث عن قيمة العتق، وكان في قيمة الإطعام ما يستكمل به قيمة العتق أعتق عنه، وإن عجز عن قيمة العتق بطلت الوصية بالعتق وعدل عنه إلى الإطعام الذي هو فرضه من غير وصية ويكون من رأس ماله، لأن الثلث محل الوصايا دون الفروض والله أعلم.

باب كفارة يمين العبد بعد أن يعتق

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَا يُجْزِئ العَبْدُ فِي الكَفَّارَةِ إِلَّا الصَّوْمَ لأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مَالًا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا وجبت على العبد كفارة يمين أو إظهار أو قتل لم يجزه إذا لم يملكه السيد مالًا أن يكفر إلا بالصيام؛ لأنه لا يقدر على المال وهو أسوأ حالًا من الحر المعسر الذي يصح منه تملك المال وإن ملكه السيد مالًا لم يكن له أن يكفر به إن لم يأذن له السيد في التكفير به سواء حكم له بملك المال أو لم يحكم لأنه

الجزء: 10 - الصفحة: 434

محجور عليه في حق السيد وإن أذن له أن يكفر بالمال فقد اختلف قول الشافعي في العبد هل يملك إذا ملك أم لا؟ على قولين: أحدهما: يملك إذا ملك وبه قال في القديم وهو مذهب مالك والحجازيين.
والثاني: لا يملك وإن ملك قال في الجديد، وهو مذهب أبي حنيفة والعراقيين وقد مضى توجيه القولين في غير موضع.
فإن قيل: بالجديد أن لا يملك لم يكفر إلا بالصيام، ولا يجوز أن يكفر بإطعام ولا كسوة ولا عتق، وإن قيل بالقديم أنه يملك إذا ملك جاز أن يكفر بالإطعام والكسوة لقدرته عليه مع ملكه، وفي جواز تكفيره بالعتق وجهان: أحدهما: يجوز كالإطعام والكسوة والثاني: لا يجوز لما فيه من استحقاق الولاء الذي لا يستقر له عليه ملك ولا يثبت له به ولاية ولا إرث، وإذا قيل بجوازه على الوجه الأول ففي ولائه قولان: أحدهما: للسيد.
والثاني: أنه موقوف على ما يفضي إليه حاله من عتق فيصير الولاء له أو يموت على رقه، فيكون لسيده، وهكذا حكم المدبر وأم الولد والمعتق بالصفة فأما المكاتب فإن قيل: إن العبد لا يملك إذا ملك لم يكن له أن يكفر إلا بالصيام وإن أذن له السيد ففي جوازه تكفيره بالمال قولان: أحدهما: يجوز كالعبد وليس بأسوأ حالًا منه.
والثاني: لا يجوز أن يكفر إلا بالصيام، وإن كان العبد أن يكفر بالمال، لأن ملك السيد لمال مكاتبه ضعيف، فضعف إذنه معه، وملكه لما عبده قوي فقوي إذنه معه.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَصُومَ إِلَّا بِإِذْنِ مَوْلَاهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا لَزِمَهُ بِإِذْنِهِ وَلَوْ صَامَ فِي أَيْ حَالٍ أَجْزَأَهُ".
قال في الحاوي: وصورتها: أن يجب على العبد الصيام في كفارة يمين، فلا يخلو حاله إذا أضر الصيام بخدمة السيد في عقد يمينه وحنثه من أربعة أحوال: أحدها: أن يحلف بإذن سيده ويحنث بإذنه فللعبد أن يصوم عن الكفارة بغير إذنه، لأن موجب الكفارة عن إذنه.
والثانية: أن يحلف بغير إذنه ويحنث بغير إذنه فليس للعبد أن يصوم إلا بإذن سيده، لما فيه من التقصير في خدمته.
والثالثة: أن يحلف بغير إذنه، ويحنث بإذنه، فللعبد أن يصوم بغير إذنه،

الجزء: 10 - الصفحة: 435

لأن وجوب الصيام بإذنه.
والرابعة: أن يحلف بإذنه ويحنث بغير إذنه ففي جواز صيامه بغير إذنه وجهان: أحدهما: لا يجوز لأن عقد يمينه بإذنه فصار ما أفضى إليه من الحنث داخلًا في حكم إذنه، كما لو أذن لعبده في النكاح كان إذنًا له بالنفقة.
والثاني: لا يجوز أن يصوم إلا بإذنه لأن عقد اليمين مانعة من فعل الحنث، فلم يجز أن يجري عليه حكم الإذن.
فصل: وإذا كان ممنوعًا من الصوم إلا بإذن سيده على ما فصلناه، لم يحل من أن يكون الصوم فيه مؤثرًا في الضعف كالصيف أو غير مؤثر فيه كالشتاء، فإن كان الزمان صائفًا يؤثر في ضعف الصائم، فهو الممنوع من الصيام فيه إلا بإذن سيده، وإن كان الزمان شاتيًا لا يؤثر صيامه في ضعفه ففيه وجهان: أحدهما: أنه لا يلزمه استئذان سيده في صيامه لعدم تأثيره في عمله.
والثاني: يلزمه استئذان وللسيد منعه، لأنه وإن قل تأثيره في إضعافه، فالفطر أنشط لعمله، وأبلغ في توفره، فإن خالف العبد في الموضع الذي نهى عن الصيام إلا بإذن سيده فصام بغير إذنه أجزأه لأنها عبادة لا يقف انعقادها على إذنه فصحت، وإن جاز للسيد منعه منها كالحج.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَنَثَ ثُمَّ أَعْتَقَ وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ حُرٍّ أَجْزَأَهُ لأَنَّه حِينَئِذٍ مَالِكٌ وَلَوْ صَامَ أَجْزَأَهُ لأَنَّ حُكْمَهُ يَوْمَ حَنَثَ حُكْمُ الصِّيَامِ قَالَ المزْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ مَضَتِ الحُجَّةُ أَنَّ الحُكْمَ يَوْمَ يُكَفِّرُ لَا يَوْمَ يَحْنَثُ كَمَا قَالَ إِنَّ حُكْمِهِ فِي الصَّلَاةِ حِينَ يُصَلِّي كَمَا يُمْكِنُهُ لَا حِينَ وَجَبَتْ عَلَيْهِ".
قال في الحاوي: وصورتها في عبد حلف في حال رقه ثم حنث وأعتق فلا يخلو حال حنثه من أحد أمرين: إما أن يكون في رقه أو بعد عتقه.
فإن حنث بعد عتقه، فهو في الكفارة كالحر لوجوبها عليه، وهو حر، فإن كان موسرًا كفر بالمال، وإن كان معسرًا كفر بالصيام، فإن عدل عنه إلى المال أجزأه سواء كان إطعامًا أو عتقًا، وإن حنث في حال رقه وقبل عتقه ولم يكفر حتى أعتق، فإن كان بعد عتقه معسرًا كفر بالصيام، وإن كان موسرًا فعلى قولين:

الجزء: 10 - الصفحة: 436

أحدهما: لا يكفر إلا بالمال من إطعام أو كسوة أو عتق إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الأداء، أو أغلظ الأمرين من حال الوجوب أو حال الأداء.
والثاني: يجوز أن يكفر بالصيام إذا قيل: إن المعتبر بالكفارة حال الوجوب.
فإن أراد أن يعدل عن الصيام إلى المال من إطعام أو كسوة أو عتق، فإن قيل: إن العبد يجوز أن يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك، كان بعد عتقه أولى بالجواز، وإن قيل إنه لا يجوز للعبد أن يكفر بالمال على قوله في الجديد أنه لا يملك إذا ملك، فهل يجوز له بعد عتقه أن يكفر بالمال على وجهين: أحدهما: يجوز، لأنه عند تكفيره حر فأشبه الحر المعسر.
والثاني: لا يجوز، لأنه لو أراد التكفير بالمال عند الوجوب لم يجزه، بخلاف الحر المعسر الذي لو كفّر بالمال أجزأه فلزمه استصحاب هذا الحكم بعد عتقه لاستقرار وجوبه في حال رقه فصار في محصول تكفيره ثلاثة أوجه: أحدها: لا يكفر إلا بالمال والثاني: لا يكفر إلا بالصيام.
والثالث: أنه مخير بين التكفير بالمال أو الصيام.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَنِصْفِهِ عَبْدٌ وَنِصْفُهُ حُرٌّ وَكَانَ فِي يَدَيْهِ مَالٌ لِنَفْسِهِ لَمْ يُجْزِئْهُ الصَّوْمُ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُكَفِّرَ مِمَّا فِي يَدَيْهِ لِنَفْسِهِ قَالَ المَزْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا المَالُ لِنِصْفِهِ الحُرِّ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ النِّصْفَ العَبْدُ شَيْئًا فَكَيْفَ يُكَفِّرُ بِالمَالِ نِصْفُ عَبْدٍ لَا يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا فَأَحَقُّ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ كَرَجُلَ مُوسِرٍ بِنِصْفِ الكَفَّارَةِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الصَّوْمَ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ".
قال في الحاوي: قال المزني: إذا حنث عن نصفه حر ونصفه عبد لم يخل حاله من أن يكون بنصفه الحر موسرًا أو معسرًا، فإن كان معسرًا ففرضه التكفير بالصيام، لأنه لما صام بالإعسار مع كمال حريته كان صيامه مع تبعيض الحرية أولى، وإن كان بنصفه الحر موسرًا فقد قال الشافعي ها هنا: كفر بالمال فقلب حكم الحرية على حكم الرق في الكفارة، وإن كان يغلب حكم الرق على حكم الحرية في النكاح والطلاق والنفقة والميراث والشهادة: فاختلف أصحابنا في كفارته على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول طائفة منهم أنه يكفر بالمال على قوله في القديم أنه يملك إذا ملك وعليه خرج الجواب فأما على قوله في الجديد: إنه لا يملك إذا ملك فلا يكفر إلا بالصيام.
والثاني: قاله المزني وساعده غيره من أصحابنا أنه لا يكفر إلا بالصيام على القولين

الجزء: 10 - الصفحة: 437

معًا، وأن ما ذهب إليه الشافعي من تكفيره بالمال مخالف لأصوله من وجهين: أحدهما: أنه لما غلب فيما عدا الكفارة حكم الرق على الحرية وجب أن يكون كذلك في الكفارة.
والثاني: ما ذكره المزني من أن نقصان المكفر إذا كان بعضه حرًا مملوكًا كنقصان التكفير إذا وجد بعض الإطعام وعدم بعضه، فوجب أن يكون عجزه ببعض بدنه مع قدرته على جميع الكفارة كعجزه عن بعض الكفارة مع قدرته بجميع بدنه.
والثالث: وهو ظاهر المذهب وما عليه جمهور أصحابنا أنه لا يكفر إلا بالمال على القولين معًا تغليبًا لحكم الحرية على الرق وإن غلب حكم الرق على الحرية في غير الكفارة، استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ [النساء: 92] وهذا واحد فلم يجزه الصيام، ولأن تكفير الحر الموسر بالمال، وتكفير العبد القن بالصوم، فلم يخل حال من تبعضت فيه الحرية والرق، من ثلاثة أحوال، إما أن يغلب حكم الحرية من تكفير المال، أو يغلب حكم الرق في تكفيره بالصيام، أو ببعض تكفيره بالمال والصيام بحسب ما فيه من حرية ورق، وقد أجمعوا على إبطال التبعيض فلم يبق إلا تغليب أحدها فكان تغليب الحرية على الرق في التكفير بالمال أولى من تغليب الرق على الحرية في التكفير بالصيام من وجهين: أحدهما: أنه لما تغلب حرية بعضه في السراية إلى عتق جميعه تغلب حكمها في تكفيره.
والثاني: أن التكفير بالمال أصل، وبالصيام بدل، ولذلك كان لمن فرضه الصيام أن يكفر بالمال ولم يجز لمن فرضه المال أن يكفر بالصيام فكان تغليب ما أوجب الأصل من المال أولى من تغليب ما أوجب البدل من الصيام، أما تغليب الرق فيما سوى ذلك من الأحكام، فلأن تبعيض الحرية والرق موجب لتغليب أغلظ حكميه، فكان أغلظهما من الكفارة حكم الجزية، وأغلظهما فيما عداها حكم الرق.
وأما الجواب عما استدل به المزني من أن نقصان المكفر كنقصان الكفارة، فهو أن نقصان الكفارة مفضٍ إلى التبعيض فسقط، ونقصان المكفر موجب لكمال الكفارة، وافترقا في النقص لافتراقهما في الموجب، والله أعلم بالصواب، وبالله التوفيق.

باب جامع الأيمان

مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَإِذَا كَانَ فِي دَارٍ فَحَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَهَا أَخَذَ فِي الخُرُوجِ مَكَاَنُه وَإِنْ تَخَلَّفَ سَاعَةً يُمْكِنُهُ الخُرُوجُ مِنْهَا فَلَمْ يَفْعَلْ حَنَثَ".

الجزء: 10 - الصفحة: 438

قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا كان ساكنًا في دار فحلف أن لا يسكنها فإن بادر بالخروج منها عقيب يمينه بر ولم يحنث وإن توقف عن الخروج مع القدرة عليه حنث، سواء قل مقامه، أو كثر وشرع في إخراج رجله، أو لم يشرع، وقال مالك: إن أقام بعد يمينه يومًا وليلة حنث، وإن أقام أقل من يوم وليلة لم يحنث لأنه لا ينطلق عليه اسم السكنى إلا باستكمال هذا الزمان، وقال أبو حنيفة: إن أقام لنقل رحله وجمع متاعه لم يحنث وإن أقام لغير ذلك حنث، لأنه بإخراج متاعه مفارق لحكم السكنى، وقال زفر بن الهذيل: قد حنث بنفس اليمين، ولا يبر أن يبادر بالخروج، لأنه مقيم على السكنى قبل مفارقتها.
ودليلنا هو أن استدامة المقام فيها سكنى لاستصحاب ما تقدم من حاله فحنث لانطلاق اسم السكن عليه بخلاف ما قال مالك وأبو حنيفة، وإذا بادر بالخروج فهو تارك ولا يكون ترك الفعل جاريًا مجرى الفعل، لأنهما ضدان، فيبطل به قول زفر، ثم يقال لمالك وأبي حنيفة: قد وافقتما أنه لو حلف لا أقيم في هذه الدار فلبث فيها بعد يمينه حنث وكذلك إذا حلف لا يسكنها، لأن المقام فيها سكنى والسكنى فيها مقام، ويتحرر هذا الاستدلال قياسًا فيقال: إن ما حنث به في المقام حنث به في السكنى قياسًا على اليوم والليلة مع مالك وعلى من أمسك عن جميع رحله وقياسه مع أبي حنيفة.
مسألة: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "فَيَخْرُجُ بِبَدَنِهِ مُتَحَوِّلًا وَلَا يَضُرُّهُ أَنْ يَتَرَدَّدَ عَلَى حَمْلِ مَتَاعِهِ وَإِخْرَاجِ أَهْلِهِ لأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِسُكْنَى".
قال في الحاوي: اختلف الفقهاء فيمن حلف لا يسكن دارًا هو ساكنها بماذا يبر في يمينه على أربعة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي أنه يبر إذا انتقل منها ببدنه ولا اعتبار بنقل عياله وماله.
والثاني: وهو مذهب مالك أنه لا يبر إلا أن ينتقل ببدنه وعياله، ولا اعتبار بنقل ماله.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة: أنه لا يبر، حتى ينتقل ببدنه وعياله وماله؟ فمتى خلف أحدها حنث.
والرابع: وهو مذهب محمد بن الحسن أن بره معتبر بنقل بدنه وعياله، وأن ينقل من ماله ما يستقل به، وإن خلف فيها ما لا يستقل به من سكانها بر، وإن خلف ما يستقل به في سكانها حنث، واستدلوا على اختلاف مذاهبهم في أن البر لا يختص ببدنه دون عياله

الجزء: 10 - الصفحة: 439

وماله بأمرين: أحدهما: أن من استضاف رجلًا ببدنه لم ينسب إلى السكنى عنده لخروجه عن عرف السكنى، فصار العيال والمال من جملة السكنى.
والثاني: أن من خلف عياله وماله في داره، وخرج منها إلى دكانه، أو بستانه لا يشار بسكناه إلى مكانه ويشار به إلى داره المشتملة على عياله ماله.
ودليلنا قول الله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: 37] فكان بالشام وولده وأمه بمكة، فلم يخرج عن سكنى الشام، وإن كان عياله في غيرها.
ولأنه لو جاز أن يكون ساكنًا فيها بعد الانتقال عنها ببدنه، لبقاء عياله وماله لوجب إذا سافر ببدنه أن يكون كالمقيم في المنع من قصره، وفطره، فلما أجرى عليه حكم السفر وجب أن يجري عليه حكم الانتقال، ولأن المتمتع بالعمرة إلى الحج لو أقام بمكة كان كالمستوطن لها في سقوط الدم عنه، وإن كان عياله وماله في غيرها فدل على أن الاعتبار ببدنه دون عياله وماله، وقد قال الشافعي أنا مقيم بمصر، وأهلي وولدي وكتب بمكة أفتراني ساكن بمكة، لأنه علق يمينه بفعله فوجب أن يكون حكمها موقوفًا عليه دون غيره، لأن الأحكام تتعلق بحقائق الأسماء.
وأما الجواب عن استشهادهم بالضيف فهو أنه نزلها ضيفًا، فلم ينطلق عليه اسم السكنى، وإن كان مع عياله وماله وليس كذلك إذا قصد السكنى فكان اختلاف الاسمين لاختلاف المقصدين موجبًا لاختلاف الحكمين، وبمثله يجاب عن استشهادهم الثاني من الخارج إلى دكانه وبستانه.
فصل: فإذا تقرر ما وصفنا من شرط بره أن يكون معتبرًا بتعجيل خروجه بنفسه لم يخل حاله من أن يكون قادرًا على الخروج أو ممنوعًا، فإن كان ممنوعًا من الخروج، إما لحبسه في داره المغلق أبوابه، أو لتقييده وإمساكه أو لزمانته، وهو لا يجب من يحملها منها لم يحنث ما كان باقيًا على عجزه ومنعه، لأن وجود المكنة شرط في الأفعال المستحقة وخرج فيها أبو علي بن أبي هريرة قولًا آخر أنه يحنث من اختلاف قوليه في حنث الناس، وليس بصحيح لما عللنا.
وإن كان قادرًا على الخروج فتوقف للبس ثيابه التي جرت عادته في الخروج بها لم يحنث ولو توقف لأكل أو شرب حنث، وكذلك لو توقف لطهارة أو صلاة حنث، لأنه لم يقدر على فعل ذلك في غيرها إلا أن يضيق عليه وقت الصلاة، ويعلم أنه إن خرج منها فاتته فلا يحنث بالصلاة، لأن الشرع قد منعه من الخروج قبل الصلاة فكان أوكد من منع المخلوقين، ولو توقف فيها لغلق أبوابه، أو إحراز ما يخاف عليه تلفه من أمواله، فإن

الجزء: 10 - الصفحة: 440

كان يقدر على استنابة أمين فيه حنث، وإن لم يقدر على الاستنابة لم يحنث على الصحيح من المذهب، لأن أخذه في ذلك شروع في الخروج، ويحتمل وجهًا آخر أنه يحنث، لأنه منع لا يختص ببدنه، وإن قدر على الخروج وارتفعت عوارض المنع حنث بقليل المقام وكثيره فإن كان لخروجه بابان يقرب من أحدهما ويبعد من الآخر كان مخيرًا في الخروج من أيهما شاء، ولا يحنث بالخروج من أبعدهما، لأنه أخذ في الخروج وإن بعد مسلكه، فإن صعد إلى علوها للخروج من سطحهما، وله باب يخرج منه حنث؛ لأنه بالصعود في حكم المقيم، ولو لم يقدر على الخروج من بابه لم يحنث بالصعود للخروج.
فصل: وإذا خرج منها، ثم عاد إليها لنقل عياله، أو ماله، سواء قدر على الاستنابة في ذلك، أو لم يقدر، لأنه لا يكون بالعود بعد الخروج لنقل أهل، أو رحل ساكنًا، فإن لبث بعد العود لغير نقل أهل أو رحل حنث، قل زمانه لبثه أو كثر، ويراعى في لبثه لنقل الرحل والأهل وما جرى به العرف من غير إرهاق، ولا استعجال.
فإن قال: (أردت بيميني لا سكنت هذه الدار شهرًا) فإن كانت بالله، حملت على ما نواه ظاهرًا أو باطنًا لأنها مختصة بحق الله الذي يحمل فيه على نيته، وإن كانت بطلاق، أو عتاق حمل على التأبيد في ظاهر الحكم لوجود خصم فيه، وكان في الباطن مدينًا فيما بينه وبين الله تعالى، ومحمولًا على ما نواه، ولو قال (لا سكنتها يومًا، كانت معلقة إلي مثل وقته من غده، ولو قال: (لا سكنتها يومي هذا) انقضت بغروب الشمس من يومه، يكون في الأولة مستوفيًا اليوم، وفي الثانية مستوفيًا لبقية اليوم: لوقوع الفرق بين الإطلاق والتعيين.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ: ﴿وَلَوْ حِلْفً أَنَّ لَا يُسَاكِنْهُ وَهُوَ سَاكِنٌ فَإِنَّ أَقَامَا جَمِيعًا سَاعَةُ يُمْكِنُهُ التَّحْوِيلَ عَنْه حِنْثً﴾.
قال في الحاوي: أما المساكنة فهي المفاعلة بين اثنين، فأكثر، فإذا حلف "لا ساكنت فلانًا" فاليمين منعقدة على أن لا يجتمعا في مسكن واحد، وبر الحالف بخروج أحدهما، فإن خرج الحالف، وبقى المحلوف عليه، بر وإن خرج المحلوف عليه، وبقى الحالف بر وإن خرجا معًا كان أوكد في البرد، وإن بقيا فيها معًا، حنث الحالف، وإن قال: "والله لا سكنت مع زيد" فقد ذهب بعض أصحابنا البصريين أحسبه "أبا الفياض" إلى أن اليمين تكون متعلقة بفعل الحالف وحده، فإن خرج الحالف بر، وإن خرج المحلوف عليه، لم يبر، لأنه أضاف الفعل إلى نفسه، وهكذا لو قال: "والله لا سكن معي زيد" كان تعلق البر بفعل المحلوف عليه وحده، فإن خرج المحلوف عليه بر، وإن خرج

الجزء: 10 - الصفحة: 441

الحالف لم يبر، لأنه أضاف الفعل إلى المحلوف عليه إلى نفسه وفرق بين هذين وبين المساكنة، وهذا وإن كان له وجه فهو ضعيف والصحيح أنه يبر في هذه المسائل الثلاث بخروج أحدهما، لأن اليمين معها معقودة على الإجماع فيها، وبخروج أحدهما يزول الاجتماع، فوجب أن يقع له البر، والله أعلم.
فصل: ولو قال: والله لا سكنت زيدًا وعمرًا بر بخروج أحدهما.
ولو قال: والله لا ساكنت زيدًا، ولا عمرًا، لم يبر بخروج أحدهما، لأن كل واحد منهما محلوف عليه، وكان بره بخروجه دونهما، أو بخروجهما معًا دونه، وفي الأولى يبر بخروجه، أو بخروج أحدهما لأن يمينه في الأولى معقودة على الاجتماع، وفي الثانية معقودة على الإفراد والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ كَانَا فِي بَيْتَيْنٍ فَجَعَلَ بَيَّنَهُمَا حَدًّا وَلِكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْحَجَرَتَيْنِ بَابً فَلَيْسَتْ هَذِهٍ بِمُسَاكَنَةٍ وَإِنَّ كَانَا فِي دَارِ وَاحِدَةٍ وَالْمُسَاكَنَةَ أَنْ يَكُونَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَيْتَيْنِ حُجْرَتِهُمَا وَاحِدَةٍ وَمَدْخَلُهُمَا وَاحِدٌ وَإِذَا اِفْتَرَقَ الْبَيْتَانِ أَوْ الْحَجَرَتَانِِ فَلَيْسَتْ بِمساكِنَةٍ إلّا أَنْ يَكُونُ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ عَلَى مَا نَوَى، فَإِنَّ قَيَّلَ مَا الْحُجَّةُ فِي أَنَّ النُّقْلَةَ بِبَدَنِهِ دُونَ مَتَاعِهِ وَأُهِلُّهُ وَمَالَهُ؟ قَيَّلَ أَرَأَيْتِ إِذَا سَافِرِ أَيَكُونُ مَنْ أهْلُ السَّفَرِ فَيَقْصُرُ؟ أَوْ رَأَيْتِ لَوْ اِنْقَطَعَ إلى مَكَّةٍ بِبَدَنِهِ أَيَكُونُ مِنْ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامَ الَّذِينَ إِنَّ تُمَتِّعُوا لَمْ يَكُنْ عَلِيُّهُمْ دَمٍ؟ فَإِذَا قَالٍ نَعَمْ فَإِنَّمَا النُّقْلَةَ وَالْحُكْمَ عَلَى الْبَدَنِ لَا عَلَى مَالِ وَأَهُلُّ وَعِيَالَ".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا حلف لا يساكنه، وقد جمعتهما دار واحدة لم يخل حالهما في وقت اليمين من أن يكونا مجتمعين أو غير مجتمعين، فإن لم يكونا مجتمعين وكانا خارجين، أو أحدهما فقسمت الدار بينهما بحائط بنى في وسطها، وسكن كل واحد منهما أحد الجانبين بباب مفرد، يدخل ويخرج منه، بر في يمينه، وليست هذه مساكنة، وإنما هي مجاورة، وإن كانا في وقت اليمين مجتمعين فشرعا في بناء حائط بينهما، حنث، لأنها قبل كمال ما يقع بينهما متساكنان ولو كان في الدار حجرة، فسكن أحدهما في الحجرة، والآخر في الدار نظر فإن كان باب الحجرة إلى الدار، حنث لأنهما متساكنان، وإن انفردت الحجرة بباب غير باب الدار نظر، فإن كان بابها إلى الدار مسدودًا بر، وإن كان بابها إلى الدار مفتوحًا حنث، ولو كان في الدار حجرتان فسكن كل واحد منهما في إحدى الحجرتين، فإن لم تكن الدار مع واحد منهما بر، وإن كان باب كل واحد منهما إلى الدار صارت كالخان الذي فيه حجر فلا يحنث إذا سكن كل واحد منهما

الجزء: 10 - الصفحة: 442

في حجرة من الخان، كذلك الدار، وإن كانت الدار مع أحدهما، فهو علي ما مضى إذا كان في الدار حجرة واحدة، فإنه لا يبر حتى تنفرد الحجرة عن الدار بباب للدخول والخروج منها بعد قطع ما بين الحجرة والدار.
ولو كانا في دار واحدة فاختص كل واحد منهما ببيت منها، فإن كانت الدارة صغيرة، حنث لأنها مسكن واحد، وإن كانت واسعة فإن اعتزلا الدار، وتفرط بالبابين منها بباب يغلق كل واحد منهما على نفسه، بر وصارا كساكن بيتين من خان جامع، فلا يحنث بسكني كل واحد منهما في بيت منه، كذلك في علوها، وسكن الآخر في سفلها، فإن كان مدخلهما ومخرجهما واحدًا حنث، إن انفرد كل واحد منهما بمدخل ومخرج وانقطع ما بين العلو والسفل بر.
فصل: قال الشافعي: " إلا يكون له نية، فهو على ما نوى" يريد بذلك أن ما بينه من اعتزالهما في حجرتين، أو بيتين من دار، إذا كانت يمينه مطلقة على المساكنة، فأما إذا اقترنت بنية ألا يجاوره في موضع أو في محلة، أو في قبيلة، أو في بلد كانت على يمينه محمولة علي ما نواه، ولا يبر بانفرادهما في حجرتين من دار، ثم ذكر الشافعي رضي الله عنه على أن الانتقال بالبدن دون العيال، والمال مزيل لحكم السكنى، والمساكنة وقد ذكرناه.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَدْخُلْهَا فرمى فَوْقَهَا لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَدْخُلَ بَيْتًا مِنْهَا أَوْ عَرْصَتَهَا".
قال في الحاوي: وهذا كما قال، إذا حلف لا يدخل الدار فرقى سطحها والسطح غير محجز لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث احتجاجًا، بأنه من حقوقها، وإن سورها محيط به فأشبه قرارها.
ودليلنا شيئان: أحدهما: أن السطح حاجز فأشبه سورها، فصار الراقي عليه كالراقي علي السور، وقد وافق علي أنه لا يحنث، بارتقائه علي السور، كذلك يجب أن لا يحنث بارتقائه على السطح.
والثاني: هو أن الدار حرز لما فيها، يقطع سارقه، وما فوق السطح ليس بمحرز، ولا قطع علي سارقه، فلما خرج عن حكم الحرز في القطع وجب أن يخرج عن حكم الدار في الحنث.

الجزء: 10 - الصفحة: 443

واستدلالهم بأنه من حقوقها يبطل بارتقائه على سورها.
واستدلاله بأنه محيط بها كالسور فصحيح، لكن ما فوق السطح جار مجرى ما وراء السور.
فصل: فأما إذا كان علي السطح تحجيز، فهو علي ضربين: أحدهما: أن يكون غير مانع كالقصب، وما ضعف من الخشب، فلا يحنث بارتقائه عليه.
والثاني: أن يكون مانعًا ببناء يمتنع بمثله ويتحرز من بناء أو خشب وثيق فقد اختلف أصحابنا في حنثه بارتقائه على ثلاثة أوجه: أحدهما: يحنث ويشبه أن يكون قول أبى إسحاق المروزي، لأن إحاطة السطح بالدار تحجز عما فوقه.
والثاني: يحنث وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، لأن السترة محيطة بالدار، فأشبهت السور.
والثالث: وهو طريقة أبي الفياض إن كانت السترة عالية يحجز مثلها، لو كان في العرصة حنث، وإن كانت السترة قصيرة لا يحجز مثلها، لو كان في العرصة، لم يحنث، ولو كان في السطح غرفة فدخلها يحنث، ولو نزل من السطح إلى مرقاة من درجتها الداخلة فيها، حنث، ولو صعد من درج الدار إلى سطحها، والدرجة خارج الدار معقودة، أو غير معقودة، فإن لم يدخل في سور الدار، لم يحنث وإن دخلت في سور الدار، حتى تجاوزته في الدخول حنث، وإن لم تتجاوز حد السور لم يحنث، وإن رقى على شجرة الدار، وأغصانها في الدار، وعدل عن أغصانها الداخلة لم يحنث، وإن صار فوق أغصانها الداخلة نظر فيها فإن كانت الأغصان فوق السطح لم يحنث، وإن كانت دون السطح حنث، ولو جلس خارج الدار في ماء يجري إلى الدار، فحمله الماء إليها حنث، وصار الماء كالدابة، إذا ركبها فأدخلته الدار حنث، لأنه يصير بهما داخلًا، إلى الدار، ولو رقى على سورها فألقته الريح إليها لم يحنث، إن بادر بالخروج منها، لأن دخولها من غير فعله، ولو أدخل إحدى رجليه من باب الدار دون الأخرى، لم يحنث، لأن الدخول لم يكمل، ولو ثقب حائط الدار، ودخل إليها من ثقبها، حنث، إلا أن يكون له نية أن لا يدخلها من بابها، فيحمل على ما نواه، ولا يحنث بالدخول من غير الباب، والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَلْبَسْ ثَوْبًا وَهُوَ لَابِسُهُ وَلَا يَرْكَبُ دَابَّةً وَهُوَ رَاكِبُهَا

الجزء: 10 - الصفحة: 444

فَإِنَّ نَزْعً أَوْ نُزَلْ مَكَانَهُ إلّا حِنْثً وَكَذَلِكً مَا أَشِبْهُه".
قال في الحاوي: أعلم أن ما حلف عليه من الأفعال ينقسم إلي ثلاثة أقسام: أحدها: ما يحنث فيه بابتداء الفعل، واستدامته، وهو خمسة أشياء: السكنى، واللباس، والركوب، والغصب، والجماع، فإذا حلف لا سكنت دارًا حنث بأن يبتدئ سكناها، وحنث بأن يكون ساكنًا فيها، فيستديم يسكناها إلا أن يبادر بالخروج منها.
ولو حلف لا لبست ثوبًا حنث بأن يبتدئ لباسه، وحنث أن يكون لابسه، فيستديم لباسه إلا أن يبادر بنزعه.
ولو حلف "لا يركب دابة، حنث" بان يبتدئ ركوبها وحنث بأن يكون راكبًا، فيستديم ركوبها إلا أن يبادر بالنزل عنها، ولو حلف: لا غصبت مالًا، حنث، بأن يبتدئ بالغصب، وحنث بأن يكون غاصبًا، فيستديم الغصب إلا أن يبادر برده.
ولو حلف لا جامعت، حنث بأن يبتدئ الجماع، وحنث بأن يكون مجامعًا، فيستديم الجماع إلا أن يبادر بالإخراج.
وإنما حنث في هذه الخمسة بالابتداء والاستدامة لأن اسم الفعل منطلق عليه في الحالين، فاستوي حكمها في الحنث.
والثاني: ما يحنث بابتداء الفعل، ولا يحنث باستدامته، وهو خمسة أشياء النكاح، والإحرام، والرهن، والشراء، والوقف، فإذا حلف لا ينكح، وقد نكح.
وأن لا يحرم وقد أحرم، أو لا يرهن، وقد رهن، أو لا يقف وقد وقف، لم يحنث، حتى يستأنف نكاحًا، وإحرامًا، ورهنًا، وشراء، ووقفًا، لأنها عقود فلم يحنث باستدامتها لتقدم العقد فيها.
والثالث: ما اختلف هل تكون الاستدامة فيه كالابتداء، وهو ثلاثة أشياء: الدخول، والطيب، والسفر، هلي يكون الاستدامة كالابتداء فإذا حلف لا دخلت هذه الدار حنث بأن يستأنف دخولها، إذا كان خارجًا، وفي حنثه باستدامة دخولها، إذا كان فيها قولان.
أحدهما: وهو مقتضى نصه في كتاب الأم.
وقال أبو عبد الله الزبيري أنه يحنث، باستدامة جلوسه فيها لما كما يحنث باستئناف دخولها، كالسكنى، وقد قال الشافعي: لو حلف لا يدخلها فأكره على دخولها، فإن عجل الخروج منها بعد المكنة، لم يحنث وإن أقام حنث، فجعل استدامة الدخول كالدخول.
والثاني: نص عليه في كتاب حرملة، وقاله أبو العباس بن سريج، لا يحنث باستدامة الدخول، حتى يستأنفه، لأن الدخول يكون بعد خروج.
ولو حلف لا تطيبت حنث بأن يستأنف الطيب، وفي حنثه باستدامة طيب متقدم ثلاثة أوجه: أحدها: يحنث باستدامته، لأنه منسوب إلى التطيب.

الجزء: 10 - الصفحة: 445

والثاني: لا يحنث بالاستدامة، لأنه لم يستحدث فعلًا.
والثالث: أنه إن كان أثر طيبه باقيًا، حنث، وإن بقيت الرائحة دون الأثر لم يحنث، وهى طريقة أبي الغياض اعتبارًا ببقاء العين، وزوالها ولو حلف لا يسافر، حنث بأن يستأنف السفر طويلًا، كان أو قصيرً فأما إذا حلف وهو مسافر، فله ثلاثة أحوال: أحدها: أن يأخذ في العود من سفره، فلا يحنث، لأنه قد أخذ في ترك السفر.
والثانية: أن يكون باقيًا على وجهه في السفر، فيحنث باستدامة مسيره، لأن أخذ في السفر.
والثالثة: أن يقيم مكانه من سفره، ففي حنثه باستدامته وجهان: أحدها: يحنث كالتوجه لبقائه على السفر.
والثاني: لا يحنث لكفه عن السير، فصار كالعود.
وكل ما لم نسمه فهو معتبر بما سميناه من هذه الأقسام، فيكون ملحقًا بأشبهها به والله أعلم.
مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَإِنَّ حِلْفً لَا سَيُكَنُّ بَيْتًا وَهُوَ بِدَوى أَوْ قروي وَعَلَا نِيَّةً لَهُ فَأَيُّ بَيْتٍ مِنْ شِعْرٍ أَوْ أَدَمً أَوْ خَيْمَةً أَوْ بَيْتٌ مِنْ حَجَّارَةٍ أَوْ مُدِرًّ أَوْ مَا وَقْعٌ عَلَيه اِسْمُ بَيْتِ سَكَنِهِ حِنْثٍ".
قال في الحاوي: أعلم أن بيوت السكني تختلف من وجهين: أحدها: باختلاف الأحوال.
والثاني: باختلاف العادات.
فأما المختلف باختلاف الأحوال فللبوادي بيوت النقلة من الأدم، والشعر، لأنهم ينتجعون في طلب الكلأ، فيسكنون من البيوت ما ينتقل معهم في النجعة من الخيام، والفساطيط، ولأهل القرى بيوت الاستقرار فيسكنون ما يدوم ثبوته في أوطانهم من الأبنية المستقرة، وأما ما يختلف باختلاف العادات، فهو أن بيوت أهل الأمصار لتشيدها، وقسمة مساكنها، مخالفة لبيوت أهل القرى في ذهابها، واحتلال قسمها وتختلف العادات، فمنهم من يبني بالأحجار والنورة، ومنهم من يبنى بالآجر والجص، ومنهم يبني بالبن والطين، ومنهم من يبني بالخشب، ومنهم من يبني بالقصب، واختلاف العادات، لا تؤثر في الأيمان وجميعا بيوت لمن اعتادها، ومن لم يعتدها، فإذا حلف لا يسكن بيتًا، حنث بسكنى كل بيت منها، وإن لم يعتد سكناه من حجر أو أجر أو طين أو خشب، أو قصب، محكم يدوم على مر السنين، ولا يحنث أن يسكن بيوت الرعاة من

الجزء: 10 - الصفحة: 446

الهشيم، والجريد، والحشيش، لأنه يستدفع له أذى وقت من حر أو برد، ولا يستدم سكناها، فأما إن سكن مسجدًا أو حمامًا، لم يحنث لأمرين: أحدهما: أن انطلاق اسم البيت عليهما مجاز لا حقيقة.
والثاني: أنهما لا يسكنان في العرف، فلهذا لم يحنث لسكناهما.
فصل: وأما ما اختلف باختلاف الأحوال من بيوت النقلة للبوادي وبيوت الاستقرار لأهل الأمصار، فلا يختلف مذهب الشافعي وسائر أصحابه، أن بيوت الاستقرار، من أبنية أهل الأمصار والقرى يحنث الحالف بسكناها بدويًا، كان أو قرويًا لأمرين: أحدهما: انطلاق اسم الحقيقة عليها، ووجود عرف الاستعمال فيها، فاقترن بحقيقة الاسم عرف الاستعمال.
وأما بيوت النقلة من خيم الشعر، وفساطيط الأدم فقد قال الشافعي يحنث بسكناها البدوي، والقروي، فلم يختلف أصحابه أن الحالف لا يسكن بيتًا، إذا كان بدويًا حنث بسكناها، لانطلاق اسم الحقيقة عليها ووجود عرف الاستعمال فيها، وإن كان الحالف قرويًا، فقد اختلف أصحابه هل يحنث بسكناها، وحمل كلام الشافعي على أهل قرى عربية، يسكن أهلها بيوت المدر تارة، وبيوت الشعر أخرى، فأما من لا يسكن إلا بيوت المدر فلا يحنث بسكنى بيوت الشعر والأدم وبه قال أبو حنيفة لخروجها عن العرف والعادة، كما لو حلف لا يأكل رؤوسًا لم يحنث، برؤوس الطير والجراد، حتى يأكل رأس النعم من الإبل، والبقر، والغنم، وإن انطلق اسم الحقيقة على جميعها اعتبارًا بالعرف والعادة، وكذلك لو حلف لا يأكل بيضًا لم يحنث ببيض السمك والجراد، وإن انطلق اسم البيض عليها حقيقة، حتى يأكل من البيض ما فارق بائضه حيًا اعتبارًا بالعرف.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي: وأكثر المتأخرين أنه يحنث القروي بسكناها، كما يحنث البدوي لأمرين: أحدهما: انطلاق اسم الحقيقة عليها.
والثاني: اقتران عرف الاستعمال فيها، وإن خرجت عن عادة الحالف لوجودها في غيره كما حنث البدوي بسكنى بيوت المدر.
وإن خرجت عن عادته، لوجودها في غيره، وكما لو حلف عراقي من أهل اليسار، أن لا يأكل خبزًا حنث بخبز الذرة، والأرز، وإن خرج عن عرفه وعادته، لوجودها في غيره فلا يعتبر في الأيمان عادة الحالف إذا وجدت في غيره، ويعتبر في الوكالة عادة الموكل دون غيره، فإذا وكله في شراء الخبز، وعادته أكل البر فاشترى له حب الأرز لم يلزمه، ولو حلف لا يأكل الخبز وعادته أكل البر فأكل حب الأرز حنث.

الجزء: 10 - الصفحة: 447

مسألة: قَالَ الشّافِعِيُّ:" وَإِنَّ حِلْفً أَنَّ لَا يَاكُلْ طَعَامًا اِشْتَرَاهُ فُلَانٌ فَاِشْتَرَاهُ فُلَانٌ وَآخِرَ مَعَه طَعَامًا وَلَا نِيَّةً لَهُ فَأُكْلً مِنْه لَمْ يَحْنَثْ".
قال في الحاوي: وهو كما قال: إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، فاشترى زيد وعمرو طعامًا صفقة واحدة، فأكل منه لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أنه قد أكل طعامًا قد اشتراه زيد، وعمرو، فوجب أن يحنث كما لو اشترياه في صفقتين.
والثاني: إلزام لنا أنه لما أجرى الشافعي على اجتماعهما في الشراء حكم الصفقتين في انفراد كل واحد منهما، بالرد بالعيب، وجب أن يجري عليه حكم الصفقتين في الحنث.
ودليلنا شيئان: أحدهما: أن الشراء عقد إذا اشتركا فيه، لم ينفرد أحدهما به واختص كل واحد منهما في العرف بنصفه، فلم تكمل الصفة، فلم يقع الحنث، لأن الأسماء في الأيمان يختص بالعرف.
والثاني: أن كل جزء من الطعام لم يختص الحالف بشرائه، فإن قل فوجب ان لا يقع له الحنث كما لو حلف، لا دخلت دار زيد فدخل دارًا بين زيد وعمرو، أو حلف لا يلبس ثوب زيد، فلبس ثوبًا بين زيد وعمرو لم يحنث بوفاق أبي حنيفة، كذلك يلزمه أن لا يحنث بطعام اشتراه زيد وعمرو.
فإما الجواب عن استدلاله بالشراء في صفقتين مشاعًا فهو أن كل جزء من أجزاء الطعام قد اشتري زيد نصفه، بعقد تام فوجد شرط الحنث، وإذا كان بعقد واحد فهو مشترك، فلم يكمل شرط الحنث فافترقا.
وأما الجواب عما ذكره من الرد بالعيب، فهو أن الأيمان والأحكام وإن اشتركا في اعتبار الأسماء فقد افترقا في غيرها، فاعتبر العرف في الأيمان واعتبر المعنى في الأحكام، فصار هذا الفرق مانعًا من اشتراكهما في تعلق الحكم بهما على سواء.
فصل: فإما إذا اشترى زيد طعامًا انفرد به، واشترى عمرو طعامًا انفرد به، وخلطاه فأكل منه الحالف، ففي حنثه ثلاثة أوجه: أحدها: وهو قول أبى سعيد الإصطخري أنه لا يحنث بحال، وإن أكل جميع

الجزء: 10 - الصفحة: 448

الطعامين، لأن الاختلاط المحلوف عليه بغيره خارج في العرف عن اسم الانفراد، فخرج عنه من حيث الأيمان، حتى قال أبو سعيد الإصطخري: لو حلف لا يأكل جبنًا فأكل خبزًا وجبنًا لم يحنث، وزعم من نص قوله بأن الشافعي قد نص في الجامع الكبير: "أنه لو حلف لا يأكل زيتًا فأكل خبزًا وزيتًا لم يحنث"، وهذا المحكي عنه في الجامع الكبير سهو من حاكيه، والموجود في الجامع الكبير للمزني عن الشافعي: "أنه لو حلف لا أكل خبزًا وجبنًا فأكل خبزًا وزيتًا، لم يحنث" ورد بهذا القول على مالك حيث حنثه بذلك فهذا وجه.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إذا اختلط الطعامان وكانا متساوين في القدر فأكل منهما أكثر من النصف حنثه، لعلمنا أنه قد أكل مما اشتراه زيد، وإن أكل أقل من النصف، لم يحنث للاحتمال وجواز أن لا يكون قد أكل ما اشتراه زيد، لأن الحنث لا يقع بالاحتمال، والجواز.
والثالث: مذهب البصريين ويشبه أن يكون قول أبي علي بن أبي هريرة أنه إن كان كالمانع في الامتزاج، وإن كان متميزًا مثل التمر، والرطب، لم يحنث، حتى يأكل منه أكثر من النصف لدخول الاحتمال في المتميز، وانتفائه عن الممتزج.
وقد قال الشافعي: "لو حلف على تمرة أن لا يأكلها فوقعت في تمر كثير.
فأكله كله إلا تمرة لم يحنث" لجواز أن تكون الباقية هي التمرة المحلوف عليها.
فصل: ولو حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد، فأكل من طعام ورثه زيد، أو استو هبه، لم يحنث، لأنه جعل الشراء شرطًا في الحنث.
وقال مالك: يحنث، لأن المقصود ملك زيد، ولو كان زيد في الشراء وكيلًا، فأكل منه الحالف لم يحنث، لأن الشراء من غيره، وحنثه مالك، لأنه من ملكه ولو توكل زيد لغيره فاشترى طعامًا لموكله، حنث الحالف بأكله، وإن لم يملكه زيد، لأن اليمين معقودة على الشراء، دون الملك، وهذا إذا كانت اليمين مطلقة فأما إن كانت له نية فإنه يحمل في الحنث على نيته.
مسألة: قَالَ الشافعي:" وَلَوْ حِلْفً لَا يَسْكُنُ دَارً فُلَانٌ هَذِهٍ بِعَيْنِهَا فَبَاعَهَا فُلَانٌ حِنْثً بأَيْ وَجْهُ سَكَنِهَا إِنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَإِنَّ كَانَتْ نِيَّتُهُ مَا كَانَتْ لِفُلاَنٍ لَمْ يَحْنَثْ إِذَا خَرَجْتِ مَنْ مَلَكَهُ".

الجزء: 10 - الصفحة: 449

قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف على دار زيد أن لا يسكنها ولا يدخلها فذلك ضربان: أحدهما: أن يعين الدار فيقول لا دخلت دار زيد هذه، فتكون اليمين منعقدة على عين الدار، وتكون إضافتها آلي زيد تعريفًا فإن دخلها، وهى على ملك زيد حنث، بإجماع، وإن دخلها بعد أن باعها زيد حنث عندنا وهو مذهب مالك، ومحمد بن الحسن، وزفر تغليبًا لحكم العين دون الإضافة.
وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يحنث بزوال ملك زيد عنها، وجعل إضافتها إلى زيد شرطًا في عقد اليمين احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أن المقصود بهذه اليمين قطع الموالاة، وإظهار العداوة والدار لا توالي ولا تعادي فصار صاحبها مقصودًا، فكان بقاء ملكه في اليمين شرطًا.
والثاني: أنه لما كان دخولها موقوفًا على إذنه، وجب أن يكون بقاء ملكه شرطًا في حنثه.
ودليلنا شيئان: أحدهما: أن اليمين إذا تعلقت بعين مضافة وجب أن يغلب حكم العين على الإضافة، ويقع بهما الحنث مع زوال الإضافة كما لو حلف لا يكلم زوجة زيد، فطلقها زيد حنث بكلامها، تغليبًا للعين على الإضافة، كذلك إذا قال: لا دخلت هذه الدار، التي لزيد، وجب أن يحنث بدخولها وإن خرجت عن ملك زيد، فإن قيل: الزوجة توالي وتعادي فغلب حكم العين على الإضافة، والدار لا توالي ولا تعادي، فغلب حكم الإضافة على العين.
قيل: اعتبار هذا التعليل في إيقاع الفرق بين الفرع، والأصل باطل في الفرع بأن يقول: لا دخلت الدار من غير إضافة، فيحنث بدخولها، وإن كانت الدار لا توالي ولا تعادي وباطل في الأصل بأن يقول لا كلمت عبد زيد فحنث عنده بكلامه، إذا باعه زيد، وإن كان العبد لا يوالي ولا يعادي وإذا بطل التعليل في الأصل والفرع سقط.
والثاني: أن العين إذا أضيفت آلي صفة، كانت الصفة تعريفًا ولم تكن شرطًا، كما لو قال: لا كلمت هذا الراكب، لم يكن بقاء ركوبه شرطًا في حنثه، وحنث بكلامه راكبًا، ونازلًا لأنهما إضافة تعريف، كذلك دار زيد وقد مضى الجواب عن استدلالهم بالموالاة، والمعاداة.
فالجواب عن استدلالهم بأن دخولها موقوف على إذن مالكها، فهو أن الإذن في الدخول غير معتبر في البر، والحنث، فكان أولى لا يعتبر به مستحق الإذن والله أعلم.
فصل: والثاني: أن يعين الدار بأن يقول: لا دخلت دار زيد، فتكون اليمين منعقدة على ملك زيد للدار، فأي دار دخلها، وزيد مالكها حنث بدخولها فإن باعها زيد بعد ملكه

الجزء: 10 - الصفحة: 450

لها، فدخلها الحالف لم يحنث بوفاق.
والفرق بين الإطلاق والتعيين، أن عدم العين في الإطلاق أوجب عقد اليمين على الإضافة، ووجود العين في التعيين، أوجب عقدها على العين ألا تراه لو أسلم في ثوب هروي.
كان العقد مختصًا بالصفة، ولو اشترى هذا الثوب الهروي، كان العقد مختصًا بالعين دون الصفة، فإن وجده هرويًا لم يبطل البيع، فإن حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارًا بين زيد وعمرو لم يحنث قل سهم زيد فيها، أو كثر، لأن ملكه لم يكمل وإن أعار زيد داره، أو رهنها حنث، بدخولها، لبقائها على ملكه، ولو وقفها لم يحنث لخروج الوقف عن ملك واقفه، ولو دخل استأجرها زيد من مالكها، لم يحنث بدخولها لأن حقيقة الإضافة محمولة على الملك دون اليد والتصرف وهذا مع إطلاق يمينه، وإن حنثه مالك بهذا كله فأما إذا كانت له نية، فحنثه محمول على نيته، والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُهَا فَانْهَدَمَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا لَمْ يَحْنَثْ لأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَارٍ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا حلف، لا يدخل هذه الدار، فانهدمت وصارت عراصًا، فدخلها لم يحنث، وهكذا لو حلف لا يدخل هذا البيت، فانهدم، وصار براحًا لم يحنث.
وقال أبو حنيفة: إذا دخل عرصة الدار بعد انهدامها حنث، وإذا دخل عرصة البيت بعد انهدامه، لم يحنث فوافق في البيت، وخالف في الدار، إلا أن يبني مسجدًا أو حمامًا، أو يجعل بستانًا، استدلالًا بأن اسم الدار ينطلق على العرصة بعد ذهاب العمارة، كما ينطلق عليها مع العمارة كما يقولون هذه ديار عاد، وديار ثمود، وديار ربيعة، وديار مضر، وإن ذهبت عمارتها، وبقيت عراصها، وهو واضح في أشعار العرب قال النابغة: يَا دَارَ مَيَّةَ بِالْعَلْيَاءِ فَالسَّنَدِ أَقْوَتْ وَطَالَ عَلَيْهَا سَالِفُ الأَمَدِ وقال لبيد: عَفَتْ الدِّيَارُ مَحَلُّهَا فَمُقَامُهَا بِمِنًى تَأَبَّدَ غَوْلُهَا فَرَجَامُهَا فَمَا هَا دَارًا بَعْدُ أَقْوَاتُهَا والعفا: الدرس فسماها ديارًا بعد دروسها، فكان بقاء الاسم على عرصها موجبًا، لوقوع الحنث، بدخولها، ولأنه لو انهدم من سورها، فأدخل منه آلي عرصة ضمنها حنث، وإن لم يدخل في بناء ولا صار في عمارة فكذلك إذا انهدم جميع بنائها حنث بدخول عرصتها.

الجزء: 10 - الصفحة: 451

ودليلنا هو أن ما تناوله الاسم مع البناء زاله عنه حكم الحنث بذهاب البناء، كالبيت فإن قيل: البيت لا يسمى بعد انهدامه بيتًا، وتسمى الدار بعد انهدامها دارًا بطل بقول الله تعالى: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: 52].
فسماها بعد الخراب بيوتًا، ولأن ما منع من الحنث بدخول عرصة البيت، منع منه بدخول عرصة الدار، كما لو بنى العرصة مسجدًا، ولأن أبا حنيفة قد وافقنا أنه لو حلف لا يدخل دارًا، ولم يعينها، فدخل عرصة دار قد انهدم بناؤها لم يحنث كذلك إذا عينها.
وتحريره أن كل ما لا يتناوله الاسم الحقيقي، مع عدم التعيين، لم يتناوله مع وجود، التعيين كالبيت.
فإن قيل: قد فرق الشرع في الأيمان بين التعيين والإبهام، لأنه لو حلف فقال: لا جلست في سراج فجلس في الشمس لم يحنث، وإن مساها الله تعالى سراجًا، ولو عين، فقال: لا جلست في هذا السراج إشارة إلى الشمس حنث بجلوسه فيها، ولو حلف لا جلست على بساط فجلس على الأرض لم يحنث وإن سماها الله تعالى بساطًا، ولو عين، فقال: لا جلست على هذا البساط مشيرًا إلى الأرض، فجلس عليها حنث فصارت الشمس سراجًا مع التعيين، وإن لم تكن سراجًا مع الإبهام وصارت الأرض بساطًا مع التعيين، وإن لم تكن بساطًا مع الإبهام، كذلك وجب أن تكون العرصة دارًا مع التعيين، وإن لم تكن دراً مع الإبهام، قلنا: ليس يفترق التعيين، والإبهام في حقائق الأسماء، فإن اسم السراج ينطلق على الشمس مجازًا في الإبهام، والتعيين، واسم البساط ينطلق على الأرض مجازًا في الإبهام، والتعيين، وإنما جعل التعيين مقصودًا والاسم مستعارًا، فإذا أبهم الاسم اعتبر فيه الحقيقة، دون المجاز المستعار والتعيين، في الدار توجه إلى شيئين جمعهما حقيقة الاسم وهي العرصة والبناء، فإذا ذهب البناء زال شطر العين، فارتفع حقيقة الاسم ولأن الإبهام، إذا حلف لا دخلت دارًا، أعم من التعيين، وإذا حلف لا دخلت هذه الدار، لأنه يحنث في الإبهام بدخول دار، ولا يحنث في التعيين إلا بدخول تلك الدار فلما ارتفع بالهدم حكم الأعم، كان أولى أن يرتفع به حكم الأخص.
فأما الجواب عن قولهم بأن اسم الدار ينطلق عليها بعد انهدامها هو أن الاسم ينطلق عليها بعد الهدم على أحد وجهين: إما على الاستعارة والمجاز، والأيمان تراعي فيها حقائق الأسماء دون مجازها، وإما لأنها كانت دارًا فاستصحب اسمها اتساعًا، والأسماء في الأيمان معتبرة، بالحال دون ما سلف، كما لو حلف لا كلمت عبدًا فكلمه معتقًا، ثم يقال لأبي حنيفة هذا الاستدلال، والتعيين يفسد بالإطلاق في الإبهام، وأما استدلاله بدخوله إلى صحنها من هدم من سورها، فنشرح من مذهبنا فيه ما يكون انفصالًا عنه، وهو أنه ليس يخلو حال ما انهدم منها، وبقي من ثلاثة أقسام: أحدها: أن لا يمنع من سكنى شيء منها، فيحنث بدخوله من المستهدم والعامر.

الجزء: 10 - الصفحة: 452

والثاني: أن يمنع بالهدم من سكنى الباقي، وسكنى المستهدم، فلا يحنث بدخول ما بقي، ولا بدخول ما أنهدم.
والثالث: أن يمنع الهدم من سكنى ما استهدم، ولا يمنع من سكنى ما بقي على عمارته، ولم يستهدم فلا يحنث بدخول المستهدم منها، ويحنث بدخول الباقي من عامرها، ولو انهدمت بيتونها، وبقي سورها، فإن كان السور مانعًا لعلوه حنث بدخوله، وإن كان غير مانع لقصره فالصحيح أنه لا يحنث بدخوله، وخرج بعض أصحابنا وجهًا آخر فمن حلف لا يدخل الدار، ورقا على سطحها أنه يحنث، إذا كانت عليه سترة وليس هذا التحريم صحيحًا، لأن السطح ممتنع بسكنى أسفله، فجاز أن يكون قصر سترته مانعًا فخالف الباقي من سترة الدار.
فصل وإذا انهدمت الدار المحلوف عليها فبينت مسجدًا، أو حمامًا، لم يحنث بدخوله، سواء كان البناء بتلك الآلة، أو بغيرها لزوال اسم الدار عنها، وإن أعيد بناؤها دارًا، لم يخل أن تبنى بتلك الآلة، أو بغيرها، فإن بنيت بغير تلك الآلة، لم يحنث، لأنه دخل غير تلك الدار، وإن بنيت الآلة ففي حنثه بدخولها وجهان: أحدهما: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة، لا يحنث، لأن غير ذلك البناء يجعلها غير تلك الدار.
والثاني: يحنث لأن تلك العرصة، وتلك الآلة تجعلها تلك الدار وجرى تغيير بنائها، مجرى تغيير سقوفها وأبوبها.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلْ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ فِي مَوْضِعٍ فَحَوَّلَ لَمْ يَحْنَث إِلَّا أَنْ يَنْوِي أَنْ يَدْخُلَهَا فَيَحْنَثَ".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال من حلف، لا يدخل هذه الدار من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يطلق يمينه في دخولها، ولا يسمى موضع دخوله إليها، فيحنث بدخولها من بابها، وغير بابها، من ثقب فيها أو جدار تسوره، حتى دخلها لأن عقد اليمين في الإطلاق مقصور على الدخول، دون المدخل.
والثاني: أن يحلف "لا دخلتها من هذا الباب" فإن دخلها منه حنث، وإن دخلها من باب استحدث لها، لم يحنث، سواء فعل ذلك الباب من الأول إلى المستحدث، أو ترك وحكي أبو حامد الإسفراييني عن بعض أصحابنا أنه إن نقل باب الأول إلى الثاني،

الجزء: 10 - الصفحة: 453

حنث بدخول الثاني دون الأول، وإن ترك على الأول حنث بدخول الأول، ولم يحنث بدخول الثاني، فجعل الباب معتبرًا بالخشب المنحوت دون الفتح المعقود، والذي عليه جمهور أصحابنا هو المعول عليه من مذهب الشافعي أن الباب معتبر بالفتح المقعود، دون الخشب المنصوب، لأن الباب على ما يكون منه الدخول، والخروج، وذلك من الفتح المعقود، فكان أحق بالاسم من الخشب المنصوب.
والثالث: أن يحلف لا دخلت هذه الدار من بابها، ولا يشير إلى باب بعينه، فإن تسور عليه من جدارها، أو دخل من ثقب في حائطها لم يحنث، وإن دخل من بابها الموجود لها وقت يمينه حنث، وإن استحدث لها باب غيره فدخل منه ففي حنثه وجهان: أحدهما: وهو ظاهر ما نص عليها الشافعي في هذا الموضع، أنه لا يحنث وبه قال أبو علي بن أبي هريرة لأن اليمين انعقدت على باب موجود، فكان شرطًا في الحنث، كما لو حلف: "لا دخلت دار زيد" فباعها زيد لم يحنث.
والثاني: وهو أظهرهما وبه، قال أبو إسحاق المروزي أنه يحنث لأن الحادث باب لها فصار داخلًا من بابها فصار كما لو حلف "لا دخلت هذه الدار التي لزيد" فباعها زيد، حنث بدخولها، فيكون نص الشافعي محمولًا على تعين الباب دون إبهامه.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا وَهُوَ رِدَاءٌ فَقَطَعَهُ قَمِيصًا أَوْ اتْتَزرَ بِهِ أَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ سَرَاوِيلَ فَئْتَزَرَ بِهِ أَوْ قَمِيصًا فَارْتَدَى بِه فَهَذَا كُلُّهُ لُبْسٌ يَحْنَثُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ فَلَا يَحْنَثُ إِلَّا عَلَى نِيَّتِهِ".
قال في الحاوي: وهذه مسألة اختلط فيها كلام أصحابنا، حتى خبطوا خبط عشواء، وسنذكر ما يسره الله تعالى، وأرجو أن يكون بالصواب مقرونًا، فإذا حلف لا يلبس ثوبًا، وهو على صفة، فلبسه وهو على خلافها، كمن حلف لا يلبس ثوبًا هو رداء فائتتزر به، أو قطعه قميصًا، أو حلف لا يلبس قميصًا، فارتدى به، أو قطعه سراويل أو حلف لا يلبس سراويل، فائتزر به، أو حوله منديلًا أو حلف لا يلبس طيلسانًا، فتعمم به، أو قطعه ملبوسًا، فلا يخلو حال يمينه من ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعقدها على عين الثوب، ويلغي صفته، وصفة لبسه، فهذا يحنث على أي حال لبسه، وعلى أي صفة لبسه مع تغير أحواله، وأوصافه اعتبارًا، بعقد اليمين على عينه، دون صفته، وهذا مما اتفق أصحابنا عليه.
والثاني: أن يعقد يمينه على صفة الثوب وصفة لبسه فحنث يلبسه إذا كان على حاله، وعلى الصفة المعتادة في لبسه، ولا يحنث أن يجعل الإزار قميصًا، أو اتزر به،

الجزء: 10 - الصفحة: 454

ولا إن جعل القميص سراويل، أو ارتدى به ولا أن جعل السراويل منديلًا، أو اتزر به، حتى يجمع في لبسه بين بقائه على صفته، وبين المعهود في لبسه، اعتبارًا بما عقد يمينه عليه، من الجمع بين الأمرين، وهذا مما اتفق أيضًا عليه أصحابنا.
والثالث: وهو الذي اختلط فيه الكلام، واختلف فيه الجواب وهو أن يعقد يمينه على الإطلاق، فيقول: لا لبست هذا الثوب، أو هذا القميص، أو هذه السراويل، فيغيره عن صفته، أو يلبسه على غير عادته، فقد اختلف أصحابنا فيما يقع به حنثه على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الظاهر من مذهب الشافعي رضي الله عنه أنه يحنث بلبسه على أي صفة كانت، فإن غير القيمص سراويل أو ارتدى به أو غير السراويل منديلًا، أو اتزر به حنث وهو قول الجمهور من أصحابنا، تغليبًا لحكم العين على الصفة ولحكم الفعل على العادة، وقد نص بقوله، فهذا كله ليس يحنث به، ويكون قوله: لا لبست ثوبًا وهو رداء من كلام الشافعي صفة للثواب، وليس من كلام الحالف شرطًا في الحنث، لأن الحالف لو قال: "هذا لم يحنث إذا لبسه وهو غير رداء".
والثاني: وهو منسوب إلى المزني، وطائفة من متقدمي أصحابنا أنه لا يحنث بلبسه، إذا غيره عن صفته، ولا إذا لبسه على غير عادته، فإن جعل الرداء قميصًا، أو القميص سراويل، وارتدى بالقميص أو اتزر بالسراويل، لم يحنث، حتى يتقمص بالقميص، ويتسرول بالسراويل، ويرتدي بالرداء، فيجمع بين بقائه على صفته، وبين لبسه على عادته، حتى حكى عن المزني، أنه قال لو حلف لا يلبس خاتمًا، فلبسه في غير الخنصر من أصابعه لم يحنث، لأنه عدل به عن عادة لبسه، والعرف ولعادة في الأيمان شرط معتبر، ولأن المحرم ممنوع من لبس القميص والسراويل، ولو ارتدى بالقميص واتزر بالسراويل، جاز ولم يكفر وتأول قائل هذا الوجه كلام الشافعي، فهذا كله ليس بحنث على النفي أي لا يحنث به وهذا التأويل لكلامه زلل من قائله، لأن الشافعي قال بعده، إلا أن تكون له نية ولا نحسبه إلا على نيته، وهذا استثناء ضد حكم المستثنى منه فهذا الاستثناء نفي فلم يجز أن يعود إلى نفي، لأنه إنما يستثنى النفي من الإثبات، ويستثنى الإثبات من النفي، فدل على فساد هذا التأويل، وإن كان لما قاله من الحكم وجه.
والثالث: وهو قول أبي إسحاق المروزي أنه إن كانت يمينه على الثوب حنث بلبسه على جميع الأحوال، فإن اشتمل به أو ارتدى أو تعمم، أو قطعه قميصًا أو سراويل حنث، وإن كانت يمينه على قميص لم يحنث إذا غيره فجعله سراويل، أو ارتدى به، ولم يتقمص، وفرق بين اسم الثوب والقميص بأن اسم الثوب عام، ينطلق على كل ملبوس، ولا يزول عنه اسم الثوب وإن تغيرت أوصفاه، واسم القميص خاص، يزول عنه اسم القميص إذا غيره فجعل سراويل، أو يخرج عن العرف، إذا لبس على غير المعهود من

الجزء: 10 - الصفحة: 455

الارتداء به فلم يحنث بتغيير لبسه، ولا بتخيير قطعه، لوقوع الفرق بينهما ببقاء الاسم على الثوب إذا غير لعمومه وزواله عن القميص، إذا غير لخصوصه ومن حكي عن أبي إسحاق غير هذا حرف عليه، لأن شرحه دار على ما ذكرنا.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَ رَجُلٍ مَنَّ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُ لَهُ فَبَاعَهُ وَاشْتَرَى بِثَمَنِهِ ثَوْبًا لَبِسَهُ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَلْبَسَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بَعَيْنِهِ وَإِنَّمَا أَنْظُرُ إلى مَخْرَج اليَمِينِ ثُمَّ أَحْنُث صَاحِبَهَا أَوْ أَبُّرُهُ وَذَلِكَ أَنَّ الأَسْبَابَ مُتَقَدِّمَةٌ وَالأَيْمَانُ بَعْدَهَا مُحَدَّثَةٌ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مِثَالِهَا وَعَلَى خِلَافِهَا فَأُحْنِثُهُ عَلَى مَخْرَجِ يَمِينِهِ أَرَأَيْتَ رَجُلًا لَوْ كَانَ قَالَ وَهَبْتُ لَهُ مَالِي فَحَلَفَ لِيَضْرِبَنَّهُ أَمَا يَحْنَثُ إِنْ لَمْ يَضْرِبْهُ؟ وَلَيْسَ يُشْبِهُ سَبَبَ مَا قَالَ؟ ". قال في الحاوي: اعلم أن عقد الأيمان ضربان: أحدهما: ما ابتدأ الحالف عقد يمينه على نفسه من غير أن يتقدمها سبب يدعو إليه، فيقول مبتدأ والله لا كلمت زيدًا فلا يحنث بغير كلامه، أو يقول: لا أكلت طعامه، فلا يحنث بغير أكل طعامه، أو لا لبست له ثوبًا، فلا يحنث بغير لبس ثيابه، أو لا ركبت له دابة، فلا يحنث بغير ركوب دوابه، وهذا متفق عليه، لم يخالفنا مالك في شيء وتكون اليمين مقصورة على اقتضاه الاسم من خصوص وعموم.
والثاني: أن تتقدم اليمين أسباب دعت إليها مثل أن يمن عليه رجل بإحسان أوصله إليه، أو بمال أنعم به عليه، فبعثه ذلك على اليمين فيقول والله لا لبست لك ثوبًا، ولا شربت لك ماء من عطش فقد اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في هذا هل تكون اليمين محمولة على السبب المتقدم أو مقصورة على العقد المتأخر، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها مقصورة على ما تضمنه لفظ الحالف في عقودها، ولا اعتبار بما تقدمه من سببها، فإذا حلف لا يلبس له ثوبًا لم يحنث بركوب دوابه، ولا بأكل طعامه، ولا بدخول داره.
وإذا حلف لا شربت لك من عطش لم يحنث ليشرب غير الماء من الشراب ولا بلبس الثياب ولا بركوب الدواب وقال مالك رحمه الله ومن وافقه من أهل المدينة رضي الله عنهم: أن يمينه محمولة على السبب الداعي إليها، فإذا كان سببها المنة عامة، حنث بكل نفع عاد إليه، فإن حلف لا يلبس له ثوبًا حنث بأكل طعامه وركوب دوابه، وسكن داره، ولو حلف لا شربت لك ماء من عطش حنث بكل أقواله وحنث إن استظل بجدار داره اعتبارًا بعموم السبب.
وإلغاء الخصوص في اليمين استدلالًا بأمرين: أحدهما: أنه لما جاز في الأيمان تخصيص عمومها بالعرف حتى يخرج منها بعض ما انطلق عليه الاسم جاز أن يتجاوز خصوصها بالعرف، إلى غير ما انطلق (عليه) الاسم.

الجزء: 10 - الصفحة: 456

والثاني: أنه لما جاز في أصول الشرع تخصيص العموم في قتل المشركين مع وجود الاسم، وجاز تجاوز النص في ثبوت الربا في البر أن ما لا ينطلق عليه اسم البر وجب اعتبار مثله في الأيمان فيخص عمومها بالعرف تارة مع وجود الاسم ويتخطاه بالعرف تارة مع عدم الاسم.
والدليل على اعتبار الاسم وإسقاط السبب هو أن السبب قد يتجرد عن اليمين فلا يتعلق، وقد تنفرد اليمين عن سبب فيتعلق بها الحكم فوجب إذا اجتمعا وهما مختلفان أن يتعلق الحكم باليمين دون السبب لأمرين: أحدها: لقوة اليمين على السبب.
والثاني: لحدوث اليمين وتقدم السبب وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89].
ولأن ما لا ينطلق عليه حقيقة الاسم المظهر لم يجز أن يكون في الأيمان معتبرًا ألا تراه لو قال: والله لا، وقطع كلامه، فقال: أردت: لا كلمت زيدًا، لم تنعقد يمينه على الامتناع من كلامه، وإن أراده بقلبه وقرنه بيمينه فلأن لا تنعقد على السبب الذي يقترن باليمين ولم يعتقد القلب أولى: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أحكم بالظاهر ويتولى الله السرائر".
واحتج الشافعي رضي الله عنه على إلغاء السبب بأن رجلًا لو وهب لرجل مالًا فحلف الموهوب له ليضربن الواهب.
حنث إن لم يضربه، وإن كان يمينه مخالفة لما تقدمها من السبب، وقد كان يلزم من اعتبار الأسباب أن لا يحنثه فيها، وإن لم نقله فدل على فساد اعتباره.
فأما الجواب عن استدلالهم بأنه لما جاز في الأيمان تخصيص عمومها بالعرف جاز تخطي خصوصها بالعرف، فهو أن العرف من تخصيصها مقارن بعقدها فجاز اعتباره والعرف في تخطي خصوصها، مفارق فلم يجز اعتباره وأما الجواب عن استدلالهم بأنه لم جاز في أصول الشرع تخصيص العموم مع وجود الاسم وجاز تجاوز النص في ثبوت الربا في البر إلا ما لا ينطلق عليها اسم البر كذلك في الأيمان معتبرة بالأسامي دون المعاني، لأن الضرورة دعت في المسكوت عنه في أحكام الشرع إلى اعتبار المعاني وتجاوز الأسامي، ولم تدع الضرورة في الأيمان إلى اعتبار المعاني، فوقفت على اعتبار الأسامي والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ بَيْتَ فُلَانٍ فَدَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُهُ فُلَانٌ بِكِرَاءٍ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا بِأَنْ يَكُونَ نَوَى مَسْكَنَ فُلَانٍ فَيَحْنَثَ".

الجزء: 10 - الصفحة: 457

قال في الحاوي: أما إذا قال: والله لا دخلت مسكن زيد، فدخل دارًا يسكنها زويد بملك أو إجارة أو غصب حنث لأنها مسكن له في الأحوال كلها، ولو حلف لا يدخل دار زيد، فدخل دارًا يملكها زيد حنث.
سواء كان يسكنها أو لا يسكنها، ولو كان زيد يملك نصفها أو أكثرها لم يحنث، ولو دخل دارًا يسكنها زيد بإجارة وهو لا يملكها لم يحنث على مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة ومالك يحنث استدلالًا بقول الله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ [الأنفال: 5]، وكان قد أخرجه من بيت خديجة: فأضاف البيت إليه، وإن لم يملكه، لأنه كان ساكنه.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، أي من بيوت أزواجهن فأضافها إليهن بسكناها، لأن ملكها لا يجوز أن يخرج منه بالفاحشة المبينة، ولا يغيرها ولأنه لما كان الإذن في دخولها مقصورًا عليه دون مالكها صار بالإضافة إليه أحق فوجب أن يكون بالحنث ألزم.
ودليلنا أن إضافة الأملاك بلام التمليك تقتضي إضافة الملك للرقاب دون المنافع ألا تراه لو قال: هذه الدار لزيد كان هذا إقرارًا منه له بالملك دون المنفعة، فلو قال: أردت أنه مالك لمنافعها لم يقبل منه فإذا كان هذا في الإقرار موجبًا للملك وجب أن يكون في الأيمان محمولًا على الملك، ولأنه لو سكن زيد دار عمرو، فحلف رجل ألا يدخل دار زيد وحلف آخر لا يدخل دار عمرو ثم دخلها كل واحد من الحالفين قالوا: يحنثان جميعًا فجعلوها كلها دار زيد، وجعلوها كلها دار عمرو ومن المستحيل أن يكون كل الدار لزيد وكلها لعمرو، فوجب أن تضاف إلى أحقهما بها والمالك أحق بها من الساكن، لأن الساكن لو حلف أن الدار له، حنث والمالك إن حلف أن الدار له لم يحنث.
فوجب أن يكون الحانث من الحالفين من اختص بالملك دون الساكن.
وأما الجواب عن استلالهم بالآيتين في إضافة الدار إلى ساكنها فهو أنها إضافة مجاز لا حقيقة كما يقال: مال العبد وسرج الدابة، والأيمان محمولة على حقائق الأسماء دون مجازها.
وأما الجواب عن استلالهم بالإذن فهو أن استحقاق الإذن لا يغير حكم الملك، كما لو حلف المالك لا دخلت داري فدخل دارًا قد أجرها حنث، وإن كان الإذن في دخولها حقًا لغيره، فإذا تقرر هذا فهذا هو الكلام في الحكم مع عدم النية، فأما إن كانت له نية تخالف هذا الإطلاق حمل في الحنث على نيته.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حُمِلَ فَأُدْخِلَ فِيْهِ لَمْ يَحْنَثْ إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُوَ أَمَرَهُمْ بِذَلِكَ تَرَاخَى أَوْ لَمْ يَتَرَاخَ".

الجزء: 10 - الصفحة: 458

قال في الحاوي: أما إذا حلف أن لا يدخل دارًا فدخلها مختارًا ذاكرًا حنث بدخولها ماشيًا كان أو راكبًا لأنه دخل إليها حقيقة، ولو دخلها ناسيًا كان على قولين نذكرهما من بعد، ولو حمل فأدخل إليها محمولًا فلا يخلو فيه من أحد أمرين: إما بأمره أو بغير أمره، فإن كان قد أمر بحمله فعل الدخول، وإن كان من غيره فهو منسوب إليه إذا كان عن أمره فأشبه دخوله إليها راكبًا.
فإن قيل: لو حلف لا باع، ولا ضرب فأمر غيره بالضرب والبيع لم يحنث، فهلا كانت في الأمر بالدخول كذلك.
قيل: لأن البيع والضرب وإن كان عن أمره فالفعل موجود من غيره، فكان مثاله من دخول الدار أن يأمر غيره بالدخول فلا يحنث.
فهذا إذا دخل الدار بأمر سواء أدخل عقيب الأمر أو بعد تطاول الزمان تسوية بين الفور والتراخي، لإضافته إلى أمره في الحالين، فأما إذا حمل وأدخل الدار بغير أمره لم يحنث، استصعب أو تراخى، وقال مالك رضي الله عنه إنه استصعب على الحامل لم يحنث، وإن تراخى حنث لأنه مع الاستصعاب كاره ومع التراخي مختار، وهذا ليس بصحيح، لأنه غير فاعل ولا آمر، فلا يجوز أن يضاف إليه ما لم يفعله، ولم يأمر به، ولو جاز أن يضاف إليه لاستوى حكمه في حالتي الاستصعاب والتراخي لأنه يمينه محمولة على الفعل دون الاختيار والكراهية، فأما قول الشافعي: "تراخى أو لم يتراخ" فمن أصحابنا من حمله على الرد على مالك في سقوط الحنث مع الاستصعاب والتراخي، ومنهم من حمله على الأمر في وقوع الحنث على الفور والتراخي فإذا ثبت أنه لا يحنث، إذا حمل نظر فإن بادر بالخروج منه عقب قدرته على الخروج فهو على بره وإن مكث بعد قدرته على الخروج.
ففي حنثه قولان على ما بيناه من قبل هل يكون استدامة الدخول جاريًا ابتدائه أم لا؟ وقد نص الشافعي ها هنا على أنه يحنث به فكان أولاهما بمذهبه.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلَوْ قَالَ: نَوَيْتُ شَهْرًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي الحُكْمِ إِنْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ وَدِينَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ".
قال في الحاوي: أما اليمين المطلقة أن لا يدخل الدار فمحمولة على التأبيد فإن قيدها نطقًا في الامتناع من دخولها شهرًا لم يحنث بدخولها بعد انقضائه ولو نوى مع إطلاق يمينه أن لا يدخلها شهرًا لم تخل اليمين من أن يتعلق بها حق آدمي أو لا يتعلق بها حق آدمي، وهي اليمين بالله تعالى في غير الإيلاء، فهو محمول على نيته في الظاهر والباطن لاختصاصها بحقوق الله تعالى المحضة فكانت موكولة إلى ديانته، وإن تعلق بها

الجزء: 10 - الصفحة: 459

حق آدمي كاليمين بالطلاق والعتاق وبالله في الإيلاء من الزوجة حمل على ظاهر الحكم عند نزاعه على ما اقتضاه ظاهره لفظه من التأبيد دون ما نواه من التقييد، لأن الحكم في حقوق الآدميين محمول على الظاهر فيقع الحنث بوجود ذلك على التأييد، وهو فيما بينه وبين الله تعالى في البطن محمول على ما نوى من التقييد.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا فَدَخَلَ عَلَى رَجُلٍ غَيْرِهِ بَيْتًا فَوَجَدَ المَحْلُوفَ عَلَيْهِ فِيهِ لَمْ يَحْنَثْ لأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ فِي البَيْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ حَنَثَ فِي قَوْلِ مَنْ يُحَنِّثُ عَلَى غَيْرِ النِّيَّةِ وَلَا يَرْفَعُ الخَطَأَ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: قَدْ سَوَّى الشَّافِعِيُّ فِي الحِنْثِ بَيْنَ مَنْ حَلَفَ فَفَعَلَ عَمْدًا أَوْ خَطَأَ".
قال في الحاوي: وصورتها أن يقول: والله لا دخلت على زيد بيتًا فيدخل عليه، فهذا على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يدخل عليه في بيته الذي هو ساكنه إما بملك أو إجارة أو غصب، فإن كان ذاكرًا ليمينه حنث، وإن كان ناسيًا ففي حنثه قولان، وكذلك إذا دخل عليه مكرهًا على ما سنذكره من توجيه القولين: أحدهما: يحنث بنفس الدخول.
والثاني: لا يحنث بنفس الدخول، ولا باستدامته مع تعذر الخروج، فإن أمكنه الخروج فأقام ولم يخرج حنث باستدامة الدخول قولًا واحدًا، لأنه قد وجد منه العقل وتجدد منه الذكر فصار كالعمد.
والثالث: أن يدخل عليه في مسجد فقد نص الشافعي في كتاب الأم أنه لا يحنث لأن اسم البيت ينطلق على المسجد مجازًا، والحقيقة أن يسمى مسجدًا، فحمل على الحقيقة دون المجاز، وعند مالك يحنث، لأنه يعتبر الأسباب.
والرابع: أن يدخل على عمرو بيتًا، فيكون زيد المحلوف عليه عنده في بيته فقد اختلف كلام الشافعي في حنثه بهذا الدخول فاختلف أصحابنا فيه على أربعة أوجه: أحدها: وهو اختيار المزني أنه يحنث علم أن بالبيت أو لم يعلم اعتبارًا بالفعل دون القصد، وهو قول من حنث العامد والناس.
والثاني: وهو اختيار الربيع أنه لا يحنث علم أنه في البيت أو لم يعلم، لأنه داخل على غيره اعتبارًا بالمقاصد.
والثالث: وهو اختيار أبي العباس بن سريج أنه يحنث إن علم أنه في البيت ولا يحنث إن لم يعلم، لأنه مع العلم قاصد ومع الجهل غير قاصد، وهذا قول من فرق بين العمد والخطأ.

الجزء: 10 - الصفحة: 460

والرابع: وهو مذهب عطاء أنه إن لم يعلم به أو علم فاستثناه بقلبه لم يحنث وإن علم ولم يستثنه حنث تخريجًا ممن حلف لا يكلم زيدًا فسلم على الجماعة وهو فيهم، واستثناه بنيته لم يحنث على ما سنذكره من شرح المذهب فيه.
فصل فإذا ثبت تعليل ما ذكرنا من هذه الأوجه الأربعة، فإن قيل: بوقوع الحنث بهذا الدخول حنث إذا جمعهما بيت واحد، فإن كانا في بيتين من دار واحدة لم يحنث لأنه لا يكون داخلًا عليه بيتًا، وإن جمعتهما دار واحدة، فإن كانت صغيرة لا يفرق المتبايعان فيها حنث، لأن اسم البيت منطلق على الدار عرفًا، لأنه مشتق من المبيت، وإن كانت الدار كبيرة، وكل واحد منهما بمكان يفترق المتبايعان منه لم يحنث، وكان أبو العباس بن سريج، يرى أنه لا يحنث حتى يدخل عليه، وهو في بيت من الدار، فإن دخل عليه وهو في صحنها أو صفتها لم يحنث اعتبارًا بحقيقة اسم البيت أنه منطلق على ما تميز من الدار بهذا الاسم كما لو قال: والله لا دخلت بيتًا فدخل صحن الدار أو صفتها، أو استطرق دهليزها لم يحنث، وبينهما فرق يمنع من التساوي، وإن كان أبو حنيفة يسوي بينهما في الحنث، كما سوى أبو العباس بينهما في البر.
وإن قيل: بأن الحنث لا يقع بهذا الدخول، فإن بادر بالخروج ساعة دخوله أو بادر المحلوف عليه بالخروج لم يحنث، وإن لم يخرج واحد منهما في الحال ففي حنثه قولان، فمن حلف لا يدخل دارًا وهو داخلها، هل يحنث بالاستدامة كما يحنث بالابتداء أم لا؟ على قولين: أحدهما: يحنث هذا إذا جعل الاستدامة كالابتداء.
والثاني: لا يحنث، إذا فرق بين الاستدامة والابتداء فلو دخل المحلوف عليه بيتًا على الحالف فإن بادر الحالف بالخروج منه لم يحنث، وإن أقام فيه، فإن قيل: إن استدامة الدخول لا تكون دخولًا لم يحنث الحالف ها هنا.
وإن قيل: إن استدامة الدخول تكون كابتدائه ففي حنث الحالف ها هنا وجهان: أحدهما: يحنث لأنه قد صار كالداخل.
والثاني: لا يحنث لأنه مدخول عليه وليس بداخل على المحلوف عليه والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَاكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدَا فَهَلَكَ قَبْلَ غَدٍ لَمْ يَحْنَثَ لِلإِكْرَاهِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ

الجزء: 10 - الصفحة: 461

مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} [النّحل: 106] فَعَقَلْنَا أَنَّ قَوْلَ المُكْرَهِ كَمَا لَمْ يَكُنْ فِي الحُكُمِ وَعَقَلْنَا أَنَّ الإِكْرَاهِ هُوَ أَنْ يُغْلِبَ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ فَإِذَا تَلَفَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ لِيَفْعَلَنَّ فِيهِ شَيْئًا بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ فَهُوَ فِي أَكْثَرِ مِنَ الإِكْرَاهِ".
قال في الحاوي: ومقدمة هذه المسألة أن من حلف لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا ففي حنثه قولان: أحدهما: يحنث به وبه قال مالك وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل.
والثاني: لا يحنث وبه قال عطاء والزهري وعمرو بن دينار وإسحاق بن راهويه.
فإذا قيل: يحنث فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، فكان عقدها موجبًا للمؤاخذة بالكفارة على عموم الأحوال من عمد وخطأ وعلم وجهل واختيار وإكراه ولأن إطلاق عقدها مع القدرة على استثناء النسيان والإكراه فيها موجب لحملها في الحنث على إطلاق الأحوال كلها كما أن تقييدها موجب لتقييد الحنث فيها اعتبارًا بالنصوص الشرعية في حمل المطلق على إطلاقه والمقيد على تقييده ألا ترى أن إطلاق قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95]، موجب للجزاء في العمد والخطأ وإطلاق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح" موجب لإبطال النكاح مع الذكر والنسيان، ولأن الكفارة تطهير فأشبهت طهارة الحدث فلما استوى حكم الحدث في العمد والخطأ وجب أن يستوي حكم الحنث في العمد والخطأ وإذا قيل لا يحنث، فدليله قول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَاتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] فكان رفع الجناح في الخطأ موجبًا لإسقاط الكفارة عن الخاطئ وبما رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" فكان حكم الأيمان داخلًا في عموم هذا التجاوز، ولأن مطلق النواهي في الشرع محمول على العمد دون السهو، كالكلام في الصلاة والأكل في الصيام، كذلك في الأيمان، ولأن عقد الأيمان لما لم يلزم إلا بالقصد والاختيار وجب أن يكون حلها بالحنث لا يكون إلا عن قصد واختيار فهذا توجيه القولين والبغداديون من أصحابنا يذهبون إلى تصحيح القول بأن لا حنث على الناس، لما يرتكبونه من خلاف أبي حنيفة، وأما البصريون فقال أبو القاسم الصيمري: ما أفتيت في يمين الناسي بشيء قط، وحكي عن شيخه أبي العياض أنه لم يفت فيها بشيء قط، وحكي أبو العياض عن شيخه أبي حامد المروزي أنه لم يفت فيها بشيء قط فاقتديت بهذا السلف ولم أفت فيها بشيء لأن استعمال التوقي أحوط من ورطات الأقدام.

الجزء: 10 - الصفحة: 462

فصل فأما يمين المكره فلا تنعقد قولًا واحدًا.
وقال أبو حنيفة: تنعقد كالمختار، وقد مضى الكلام معه في كتاب الطلاق.
ودليله في الأيمان ما روي أن اليمان والد حذيفة حلفه المشركون أن لا يغير رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "أوف بعهدك" فسوى بين يمين المكره والمختار ولأنها يمين مكلف فانعقدت كالمختار.
ودليلنا رواية مكحول عن واثلة بن الأسقع وعن أبي أمامة قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس على مقهور يمين"، ولأن ما منع ثبوت الكفر من انعقاد اليمين كالجنون، وأما يمين اليمان بها مختارًا، لأنه كان مشركًا.
وأما قياسهم على المختار فلا يصح الجمع بينهما كما لا يصح الجمع بينهما في الكفر.
فصل فإذا تقرر ما ذكرنا في هذه المقدمة فصورة مسألتنا هذه أن يحلف ليأكلن هذا الطعام غدًا أو ليركبن هذه الدابة غدًا، أو ليلبس هذا الثوب غدًا، فلا يخلو حاله في ذلك من أربعة أقسام: أحدها: أن يفعل ذلك في وقته.
والثاني: أن يقدمه على وقته.
والثالث: أن يؤخره عن وقته.
والرابع: أن يفوته فعله في وقته.
فأما القسم الأول: وهو أن يفعل ذلك في وقته، وهو أن يأكل الطعام في غده ويركب الدابة ويلبس فيه الثوب، فقد بر في يمينه إذا جعل ذلك ما بين طلوع الفجر وغروب الشمس، لأن الغد هو يوم يستوعب ما بين طلوع فجره وغروب شمسه وليس ما قبل طلوع الفجر بعد غروب الشمس من الغد ولا هما وقت البر.
وأما القسم الثاني: وهو أن يقدم فعل ذلك قبل وقته فهو أن يأكل الطعام في يومه ويركب فيه الدابة، ويلبس فيه الثوب، فلا يبر بذلك عند الشافعي ويحنث بالاقتصار على فعله فيه.
وقال مالك أبو حنيفة: يبر ولا يحنث، لأن مقصود يمينه أن لا يؤخذ فعل ذلك عن غده وهو في القديم غير مؤخر له فبر فيه.
ودليلنا هو أن البر مفيد بزمان فوجب أن يكون شرطًا فيه كالمقيد بالمكان ولأنه لما كان تقديم المكان كتأخيره وجب أن يكون تقديم الزمان كتأخيره، وإذا لم يبر بفعل ذلك في يومه فإن كان طعامًا قد أكله حنث، إذا لا سبيل له أن يأكله في غده إلا أن حنثه لا

الجزء: 10 - الصفحة: 463

يقع إلا في غده، وهل يتعلق حنثه بطلوع فجره، أو بغروب شمسه، على وجهين: أحدهما: يحنث بطلوع فجره، لأنه أول وقت البر فيما فات، فأشبه الصلاة التي يكون خروج وقتها دليلًا على وجوبها بأوله.
والثاني: أن يحنث بغروب شمسه لبقاء زمان البر قبل الغروب فلم يتعلق به حكم القوات كأوله، فأما إن كان المحلوف عليه دابة إن ركبها في غده أو ثوبًا يلبسه فيه لم يحنث بركوب الدابة ولبس الثوب في يومه لإمكان ذلك في غده فإن ركب وليس في غده فيما بين طلوع فجره وغروب شمسه بر في يمينه، وإن لم يفعل حنث بغروب الشمس وجهًا واحدًا، لأن إمكان الفعل يمنع من القطع بالحنث.
وأما القسم الثالث: وهو أن يؤخر فعل ذلك عن وقته، فإن أخره عامدًا حنث، وإن أخره ناسيًا ففي حنثه قولان: أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث، ولا يلزمه فعله بعد فوات وقته، فلو أكل بعض الطعام في يومه وباقيه في غده حنث لأن إكمال الأكل في غده شرط في بره.
وأما القسم الرابع: وهو أن يفوته فعل ذلك في وقته، فهذا على أربعة أضرب: أحدها: أن يفوت ذلك الحالف قبل الغد فلا حنث عليه لزوال تكليفه بالموت.
والثاني: أن يفوته ذلك باستهلاكه له قبل غده باختياره فيحنث في غده قولًا واحدًا، لأنه قد كان قادرًا على فعله في الغد.
والثالث: أن يتلف قبل غده بفعل غيره ففي حنثه قولان لزوال قدرته وعدم مكنته.
والرابع: أن يفوته فعله مع بقاء ذلك وجوده إما بحبس أو إكراه أو مرض، فيكون حنثه على قولين كالمكره فأما إن قدر على فعله في غده فلم يفعله مع القدرة حتى تلف في بقية غده، فقد اختلف أصحابنا، هل يجري على فواته فيه حكم المختار أو حكم المكره على وجهين: أحدهما: يجري عليه حكم المختار لإمكان فعله في وقته، فعلى هذا يحنث قولًا واحدًا.
والوجه الثاني: يجري عليه حكم المكره لبقاء رقته، فعلى هذا يكون في حنثه قولان، والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ لَوَقْتٍ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ فَمَاتَ قَبْلَ يشَاءَ أَنْ يُؤَخِّرَهُ أَنَّهُ لَا حَنَثَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ فَمَاتَ فُلَانٌ الَّذِي

الجزء: 10 - الصفحة: 464

جَعَلَ المَشِيئَةَ إِلَيْهِ.
قَالَ المُزَنِيُّ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ فِي مَوْتِهِ مَا يَمْنَعُ إِمْكَانَ بَرِّهِ وَأَصْلُ قَوْلِهِ وَإِنْ أَمْكَنَهُ البِرُّ فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى فَاتَهُ الإِمْكَانُ أَنهُ يَحْنَثُ وَقَدْ قَالَ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ الدَّارَ إِلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ فَمَاتَ الَّذِي جَعَلَ الإِذْنَ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ دَخَلَهَا حَنَثَ قَالَ المُزَنِيُّ: وَهَذَا وَذَاكَ سَوَاءٌ".
قال في الحاوي: وهاتان مسألتان جمع المزني بينهما، ونحن نذكر قبل شرحهما مسألتين ليكونا أصلًا يتمهد به جواب مسائلهم، فتصير المسائل أربعًا.
فالمسألة الأولى: أن يقول: والله لأقضينك حقك، ولا يعين للقضاء وقتًا، فيكون بره معتبرًا بقضائه قبل موت الغريم وصاحب الحق في قريب الزمان وبعيده سواء، لأن إطلاق اليمين يتناول مدة الحياة، فإن مات صاحب الحق قبل قضائه حنث الحالف، وكذلك لو مات الغريم الحالف قبل القضاء حنث أيضًا فيقع الحنث، بموت كل واحد منهما قبل القضاء لحدوث الموت مع إمكان البر.
والمسألة الثانية: أن يحلف لأقضينك حقك في يوم الجمعة، فيجعل للقضاء وقتًا، فلا يبر الحالف إلا بقضائه فيه، فإن قضاه قبل يوم الجمعة أو بعده حنث، فلو مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث قولًا واحدًا لموته قبل إمكان بره، وإن مات صاحب الحق قبل يوم الجمعة ففي حنث الحالف قولان من اختلاف قوليه فيمن حلف ليأكلن هذا الطعام غدًا، فهلك الطعام اليوم.
أحدهما: يحنث.
والثاني: وهو أصح، لا يحنث، وعليه يكون التفريع، والفرق بين إطلاق اليمين، فيحنث بموت كل واحد منهما، وبين تقييدها بوقت فلا يحنث بموت كل واحد منهما قبل الوقت هو إمكان البر مع الإطلاق، وتعذر إمكانه مع التوقيت.
والمسألة الثالثة: وهي أولى المنصوصين أن يحلف ليقضينه حقه في يوم الجمعة، إلا أن يشاء صاحب الحق أن يؤخره، فبره معتبرًا بأحد شطرين إما أن يشاء صاحب الحق أن يؤخره قبل انقضاء يوم الجمعة، وإما أن يقضيه حقه في يوم الجمعة إلا أن مشيئة تأخيره حل ليمينه والقضاء بر في يمينه فإن مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث بفوات القضاء فيه، وإن مات صاحب الحق قبل يوم الجمعة لم يحنث الحالف أيضًا، لكنه إن مات بعد مشيئته ارتفع الحنث بحل اليمين، وإن مات قبل مشيئته ارتفع الحنث بتعذر إمكان البر، وإن احتمل تخريج الحنث.
والمسألة الرابعة: أن يحلف ليقضينه حقه في يوم الجمعة إلا أن يشاء زيد تأخيره، فارتفاع حنثه يكون بأحد شرطين: إما بمشيئة زيد للتأخير فتحل به اليمين، وإما بقضاء الحق في يوم الجمعة فيبر في اليمين، فإن مات الحالف قبل يوم الجمعة لم يحنث قولًا واحدًا، وإن مات صاحب الحق قبله لم يحنث على الصحيح من المذهب وإن احتمل تخريج الحنث، وإن مات زيد صاحب المشيئة وهي مسألة الكتاب فله قبل موته ثلاثة أحوال:

الجزء: 10 - الصفحة: 465

أحدها: أن يموت بعد مشيئة التأخير، فاليمين قد انحلت ولا يقع الحنث فيها بتأخير القضاء.
والحال الثانية: أن يموت قبل مشيئة التأخير، فاليمين منعقدة ولا حنث عليه في الحال، لأن زمان البر منتظر، وهو بإمكان القضاء معتبر فإن قضاه في يوم الجمعة بر، وإن لم يقضه حنث لإمكان البر، فأما المزني لما رأى الشافعي رحمه الله قال في هذه المسألة: إنه لا يحنث بموت صاحب المشيئة كما لو كانت المشيئة مردودة آلي صاحب الحق ظن أنه جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها في الأحوال كلها، فقال: كيف جمع بينهما في سقوط الحنث بموتها والبر في موت صاحب الحق متعذر وفي موت صاحب المشيئة ممكن فيقال له: إنما جمع الشافعي رحمه الله بينهما في أن الحنث لا يقع في حال موتهما، لأن وقت القضاء لم يأت فصارا فيه سواء في الحال، وإن افترقا بتأخير القضاء، فيحنث بتأخيره إذا كانت المشيئة إلى غير صاحب الحق، ولا يجب تأخيره إذا كانت المشيئة إلى صاحب الحق بما علل المزني من تعذر القضاء بموت صاحب الحق أو إمكانه بموت غيره.
والحال الثالثة: من أحوال صاحب المشيئة قبل موته أن يقع الشك في مشيئته، فلا يعلم هل شاء التأخير أو لم يشأ فالذي عليه جمهور أصحابنا وهو الصحيح أنه يجري عليه حكم من لم يشأ التأخير، لأن الأصل عدم المشيئة حتى يعلم حدوثها، فيكون الحكم على ما مضى.
وحكي أبو علي بن أبي هريرة أنه يجري عليه حكم التأني فلا يحنث الحالف بتأخير القضاء اعتبارًا بالظاهر من نص الشافعي واحتجاجًا بأن الحنث لا يقع بالشك وهذا زلل لأن اليمين منعقدة فلا تحل بالشك.
فصل ثم إن المزني وصل احتجاجه على ما وهم في تأويله وإن أصاب في جوابه بأن الشافعي قال: إن حلف لا يدخل الدار إلا بإذن فلان، فمات الذي جعل الإذن إليه، إنه إن دخلها حنث، وهذا وذاك سواء، وهذا صحيح.
والجواب في المسألتين على ما ذكره، وليس بينه وبين الشافعي فيهما اختلاف وإنما وهم فيما أطلقه الشافعي من جواب المسألة المتقدمة، فإذا حلف لا يدخل الدار إلا بإذن زيد فدخلها بعد موت زيد فإن كان زيد قد أذن قبل موته لم يحنث، ويكون إذنه شرطًا في البر وتكون المشيئة في المسألة المتقدمة شرطًا في حل اليمين لأن اليمين في دخول الدار معقودة على الإذن، وفي المشيئة معقودة على القضاء، وإن مات زيد قبل إذنه حنث في الدخول، لأن شرط البر لم يوجد، وإن مات على وشك من وجود إذنه وعدمه حنث وجهًا واحدًا على قول جميع أصحابنا، والفرق بين الإذن في هذه المسألة وبين المشيئة في المسألة المتقدمة حيث خرج فيها بعض أصحابنا من الاحتمال على ما خرج فمن وجهين:

الجزء: 10 - الصفحة: 466

أحدهما: أن الإذن ظاهر والمشيئة باطنة.
والثاني: أن الإذن في هذه شرط في البر، والمشيئة في ذلك شرط في الحل.
والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ عِنْدَ رَاسِ الهِلَالِ أَوْ إلى رَاسِ الهِلَالِ فَرَأَى فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يَهِلُّ فِيهَا الهِلَالُ حَنَثَ.
قَالَ المُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: وَقَدْ قَالَ فِي الَّذِي حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ إلى رَمَضَانَ فَهَلْ إِنَّهُ حَانِثٌ لَأَنَّهُ حَدَّ قَالَ المُزَيِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: هَذَا أَصَحُّ كَقَوْلِهِ إلى اللَّيْلِ فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ حَنَثَ".
قال في الحاوي: وهذا صحيح كقوله إلى الليل فإذا جاء الليل حنث، نقل المزني عن الشافعي في هذا الموضع ثلاث مسائل، اتفق الجواب في مسألتين واختلف في الثالثة، إحدى المسائل التي اتفق المذهب في الجواب عليها إذا حلف ليقضيه حقه عند رأس الهلال، أو عند رأس الشهر فوقت بره معين بين زماني حنث وهو أن يقضيه مع رأس الشهر ورؤية الهلال، فإن قضاه قبل الهلال حنث، وإن قضاه بعد الهلال وبعد إمكان القضاء معه حنث بمضي زمان الإمكان بعد الهلال.
وقال مالك: لا يحنث بقضائه قبل القضاء يوم وليلة، وجعل زمان القضاء بعد الهلال معتبرًا بيوم وليلة، واعتبره الشافعي رحمه الله بالإمكان وهو أصح، لأن مقادير الزمان إن لم تؤخذ عن نص أو قياس بطلت لما يتوجه عليها من المعاوضة وإذا ثبت أن ذلك معتبر بالإمكان فعليه أن يأخذ في القضاء مع رأس الشهر فيستوي حكم قوله: عند رأس الشهر مع رأس الشهر، وإن كان الحق مما لا يكون زمان قضائه كوزنه من ذهب أو فضة، ضاق زمان بره لإمكان وزنه في أول زمان بعد رأس الشهر، فإن أخره عنه بأقل زمان حنث، فإن شرع في حمله إليه مع رأس الشهر، وكان بعيد الدار منه حتى مضت الليلة أو أكثرها لم يحنث، لأنه معتبر في الإمكان، وإن كان الحق مما يطول زمان قضائه كمائة كر من بر اتسع زمان بره، إذا شرع في القضاء مع رأس الشهر وامتد بحسب الواقع من كيل هذا القدر حتى ربما أيامًا، فإن أخر عند رأس الشهر في جميع ما يقضيه وتحصيله للقضاء حنث، ولو أخذ في نقله إليه لم يحنث، لأن نقله مشروع في القضاء، وليس جمعه مشروعًا فيه، وقول الشافعي رحمه الله في هذه المسألة فرأى في الليلة التي يهل فيها الهلال حنث، يعني إذا لم يقضه فيها، فإن قضاه بر، وليس رؤية الهلال شرطًا وإنما دخول الشهر بأوله جزء من ليلته هو الزمان المعتبر، لأن الهلال ربما غم بسحاب منع من رؤيته إلا أن يعلم في ليلة شك، فلا يكون من الشهر.

الجزء: 10 - الصفحة: 467

فصل: وأما المسألة الثانية المتفق عليها، فهي أن يحلف ليقضينه حقه إلى رمضان، فجعل رمضان غاية واحدًا، لأنه علقه بحرف وضع للغاية والحرف هو "آلي" فيكون زمان بره، من وقت يمينه إلى أول جزء من ليلة رمضان كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] فكان زمان الصيام إلى أول جزء من أجزاء الليل فإن لم يقضه حقه حتى دخل أول جزء من ليلة رمضان حنث ويجيء على مذهب مالك أنه لا يحنث إلا بانقضاء يوم وليلة منه، فإن شرع في قضاء الحق قبل رمضان وكمله في رمضان لطول زمانه بر، لأن الشروع في القضاء كالقضاء، فإن أخر القضاء في ليلة شك في دخول رمضان، ثم بان أنها من رمضان، ففي حنثه قولان كالناسي والمكره، فإن قال: أردت بقولي إلى رمضان أي: في رمضان، دين في الباطن لاحتمال ما أراد لأنها حروف تقام بعضها مقام بعض كقول الله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71] أي: عليها فأما في ظاهر الحكم فيحنث إذا تعلق بيمينه حق آدمي من طلاق أو عتاق اعتبارًا بحقيقة اللفظ دون مجازه، فإن حلف لأقضينك حقك عند رمضان لم يبر بقضائه قبل رمضان، لأن كلمة عند موضوعة للمقاربة، فإذا أهل رمضان احتمل ما يعتبر في بره وجهين: أحدهما: يعتبر بإمكان القضاء عند دخوله، فإن أخره حنث كما لو قال عند رأس الشهر.
والثاني: يكون جميع الشهر وقتًا للبر، لأنه لم يعين على جزء منه، فصار حكم آخره كحكم أوله.
فصل وأما المسألة الثالثة: المختلف فيها، فهو أن يحلف ليقضينه حقه عند رأس الهلال، أو إلى رأس الهلال، فالذي نقله المزني فيها عن الشافعي أنه جمع بين قوله: إلى رأس الهلال، وبين قوله: عند رأس الهلال في أنه يحنث برؤية الهلال، ليكون زمان البر فيها بين وقتي حنث بتقدم أحدهما على رأس الهلال ويتأخر الآخر عنه، وجمع المزني بين قوله إلى رأس الهلال، وإلى رمضان في أن زمان البر من وقت يمينه، وإلى رأس الهلال، كما كان في وقت يمينه إلى رمضان، واختلف أصحابنا في ذلك على ثلاثة أوجه: أحدها: وهو الصحيح أن الأمر على ما قاله المزني من اختلاف الحكم بين قوله: عند رأس الهلال، في أن وقت البر يكون مع رؤية الهلال بين زماني حنث، وقوله: عند رأس الهلال، أن البر من وقت يمينه وإلى رؤية الهلال، فيكون رؤية الهلال وقتًا لحنثه، ورؤيته في قوله: عند رأس الهلال وقتًا لبره لأن لفظه "إلى" موضوعة في اللغة للحد والغاية، ولفظة: عند موضوعة للمقاربة، فاختلف حكمهما لاختلاف موضوعهما، كما اختلف حكم قوله: إلى رأس الهلال، والشافعي عادة أن يجمع بين مسألتي يعطف بالجواب عليهما، فيريد به إحداهما اكتفاء بما عرف من مذهبه في الأخرى ولم يخف

الجزء: 10 - الصفحة: 468

عليه أن "إلى" و"عند" مختلفا المعنى في اللغة، ويجب أن يكونا مختلفين في الحكم في الشرع.
والثاني: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي أن جمع الشافعي بين عند رأس الهلال، وإلى رأس الهلال صحيح، وإن كليهما في البر والحنث واحد، وأن رأس الهلال وقت البر فيهما، وأن ما قبله وما بعده وقت الحنث فيهما، لأن لفظة "إلى" قد تستعمل للحد تارة وللماقربة تارة كما قال تعالى: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] أي: مع الله، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إلى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6]، أي: مع المرافق، فلما احتمل أن تكون للحد تارة، وللمقاربة أخرى، صار الحنث في جعلها للحد مشكوكًا فيه، وفي جعلها للمقاربة متيقنًا، فحنث باليقين دون الشك، وفرق أبو إسحاق ومن تابعه، بين قوله إلى رأس الشهر، فيكون للمقاربة، وبين قوله: إلى رمضان فيكون للحد بأن رأس الشهر معين للقضاء، فغلب حكم الوقت على حكم اللفظ فحمل على المقاربة، ورمضان غير معين للقضاء، لأنه ليس جميعه وقتًا له، فغلب حكم اللفظ على حكم الوقت فحمل على الحد.
والثالث: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أن الشافعي جمع بين "عند" و"إلى" في الحنث، وفرق بينهما في البر، فإذا قال عند رأس الشهر لم يبر إلا بدفعه مع رأس الشهر وإذا قال: إلى رأس الشهر بر بدفعه في وقته، وإلى عند رأس الشهر، لأنه عند لم توضع إلا للمقاربة، وإلى قد وصفت للمقاربة تارة، وللحد آخر: فاجتمع فيهما حكم المقاربة وحكم الحد فوجب أن يتعلق بهما الحكمان معًا فصار الأجل ذلك مجتمعين في الحنث إن لم يقضه حتى جاء رأس الشهر حنث، ومفترقين في البر إن قضاه في قوله: إلى رأس الشهر قبل الشهر بر، وإن قضاه في قوله: عند رأس الشهر قبل الشهر لم يبر والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَلَوْ قَالَ إلى حِينٍ فَلَيْسَ بِمَعْلُومِ لأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى مُدَّة الدُّنْيَا وَيَوْمٍ والفُتْيَا أَنْ يُقَالَ لَهُ الوَرَعَ لَكَ أَنْ تَقْضِيَهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ يَوْمٍ لأَنَّ الحِينَ يَقَعُ عَلَيْهِ مِنْ حِينِ حَلَتْتَ وَلَا نُحْنِثُكَ أَبَدًا لأَنَّا لَا نَعْلَمُ لِلْحِينِ غَايَةً".
قال في الحاوي: أما الحين من الزمان فجمعهم لا حد له في الشرع عندنا، وحده أبو حنيفة بستة أشهر، وحده مالك بسنة، فإذا حلف ليقضينه حقه إلى حين لم يحنث على مذهب الشافعي إلا بفوات القضاء بموته أو موت صاحب الحق.
وقال أبو حنيفة: إن قضاه في ستة أشهر بر، وإن قضاه بعدها حنث، وقال مالك: إن قضاه إلى ستة بر، وإن قضاه بعدها حنث، واستدلالنا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ [إبراهيم: 25] فقدره أبو حنيفة بستة أشهر، لأنها في

الجزء: 10 - الصفحة: 469

النخل مدة حملها من أول طلعها إلى آخر جذاؤها، وقدره مالك بسنة، لأنها تحمل من كل سنة، فتكون من الإطلاع إلى الإطلاع ستة.
ودليلنا هو أن الحين اسم مبهم، ينطلق على قليل الزمان، كقوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: 17] وأراد به أقل من يوم، وينطلق على مدة الدنيا لقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ [ص: 88] يعني يوم القيامة، وينطلق على ما بين الزمانين كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ﴾ [الإنسان: 1] يعني: تسعة أشهر هي مدة حمله، وقيل: هي أربعون سنة إشارة إلى آدم أنه صور من حمإ مسنون وطين لازب، ثم نفخ فيه الروح بعد أربعين سنة، وإذا اختلف المراد به في هذه المواضع دل على أنه مشترك لا يختص بزمان دون غيره، وينطلق على قليل الزمان وكثيره، وإذا كان كذلك وقضاه قبل موته، ولو بطرفة عين بر في يمينه، لأنه قضاه في زمان ينطلق عليه اسم الحين، قال الشافعي رضي الله عنه: وأفتيه ورعًا أن يقضيه في يومه، وأن يحنث نفسه إن قضاه بعد انقضائه ليحمل على أقل ما ورد به الشرع، وإن لم يلزم ذلك في الحكم.
فصل قال: ويتفرع على هذا إذا حلف لا أكلم فلانًا إلا بعد حين فكلمه بعد ساعة من يمينه بر لوجود الكلام بعد زمان ينطلق اسم الحين عليه.
وعند أبي حنيفة لا يبر حتى يكلمه بعد ستة أشهر.
وعند مالك لا يبر حتى يكلمه بعد سنة على حسب اختلافهم في مدة الحين، والفرق بين هذه المسألة والتي تقدمت أن هذه نفي وتلك إثبات، فإذا وجد الفعل النفي والإثبات في زمان ينطلق اسم الحين عليه بر، وقليل الزمان حين، فبر في النفي وكثيره حين فبر في الإثبات والله أعلم.
مسألة قَالَ الشَّافِعِيُّ: "وَكَذَلَكَ زَمَانٌ وَدَهْرٌ وَأَحْقَابٌ وَكُلُّ كَلِمَةٍ مُفْرَدَةٍ لَيْسَ لَهَا ظَاهِرٌ يَدُلُّ عَلَيْهَا".
قال في الحاوي: وهذا صحيح: إذا حلف ليقضينه حقه بعد زمان أو بعد دهر أو بعد أحقاب بر إذا قضاه بعد قليل الزمان وكثير كالحين، لأنها أسماء مبهمة ينطلق على ما قل وكثر.
وقال أبو حنيفة: أقل الزمان ستة أشهر وأقل الحقب ثمانون سنة، وقال مالك: أقله أربعون سنة وليس لهذا التحديد وجه لعدم النص فيه والقياس، وهو في الجملة عبارة عن

الجزء: 10 - الصفحة: 470

زمان غير محدود وقال أهل اللغة ولو حلف ليقضينه حقه قريبًا أو بعيدًا فإنه غير محدود فجاز أن يقضيه في قليل الزمان وكثيره، وكذلك قريب الزمان وبعيده.
وقال أبو حنيفة في القريب: إنه أقل من شهر، وفي البعيد: إنه أكثر من شهر وليس بصحيح، لأنه قد يكون قريبًا بالإضافة إلى ما هو أبعد ويكون بعيدًا بالإضافة إلى ما هو أقرب، فصار كقوله: له علي مال كثير أو قليل والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو حلف لا يشترى فأمر غيره أو لا يُطّلِّقُ فجعل طلاقها إليها فطلقت أو لا يضرب عبده فأمر غيره فضربه لا يحنث إلا أن يكون نوى ذلك".
قال في الحاوي: اعلم أنه لا يخلو حال من حلف لا يفعل شيئًا فأمر غيره حتى فعله من ثلاثة أحوال: أحدها: أن ينوي لا يفعله بنفسه، فلا يحنث إذا أمر غيره بفعله، لا يختلف المذهب فيه اعتبارًا بنيته، سواء جل قدر الحالف أو قلّ.
والثانية: أن ينوي أنه لا كان منه ما يقتضي ذلك الفعل ولا كان باعثًا عليه فيحنث إذا أمر غيره بفعله كما يحنث إذا فعله بنفسه، لأنه قد كان باعثًا عليه سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ.
والثالثة: أن تكون يمينه مطلقة لم تقترن بها نية، فينقسم ذلك الفعل المحلوف عليه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون العرف في فعله جاريًأ بالأمر دون المباشرة من جميع الناس، كقوله: والله لا احتجمت، ولا اقتصدت ولا حلقت رأسي، ولا بنيت داري، فإذا أمر غيره بالحجامة وفصده وحلق رأسه، وبناء داره حنث سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأنه لم يجر في العرف من قليل أو جليل أن يباشر فعلها في نفسه، إلا بأمره، فصار العرف فيه شرطًا يصرف حقيقة الفعل إلى مجازه فيصير اعتبار المجاز إذا اقترن بالعرف أولى من اعتبار الحقيقة إذا فارق العرف لأن العرف ناقل.
والثاني: أن يكون العرف في فعله جاريًا بمباشرته دون أمره من جميع الناس كقوله: والله لا كتبت، ولا قرأت، ولا حججت، ولا اعتمرت فإذا أمر غيره بالكتابة والقراءة والحج والعمرة لم يحنث، سواء جلّ قدر الحالف أو قلّ، لأن العرف جار بين الناس بمباشرة ذلك من كل قليل وجليل، فصار العرف مقترنًا بالحقيقة دون المجاز فخرج مجازه عن حكمه.
والثالث: أن يكون العرف مختلفًا في مباشرة فعله فيباشره من دنا، ولا يباشره من

الجزء: 10 - الصفحة: 471

علا، فهذا على ضربين: أحدهما: أن يقترن بعرف الاستعمال في الاختلاف بينهما عرف الشرع وهو إقامة الحدود التي لا يقيمها في الشرع والعرف إلا أولو الأمر من ذي ولاية وسلطان، فيحنث الآمر بها إن كان من أولي الأمر وإن لم يباشرها، كما قيل جلد النبي صلى الله عليه وسلم زانيًا، ورجم ماعزًا وقطع سارقًا، ولا يحنث بها غير أولي الأمر حتى يباشرها بفعله، لأنه غير نافذ الأسر فيهما.
والثاني: أن ينفرد الاختلاف بينهما بعرف الاستعمال دون عرف الشرع، فيباشره من دنا، ولا يباشره من علا تنزعًا وتصونًا كعقود البيوع والأشربة وتأدية العبيد والخدم، فينقسم حال الحالف والمحلوف عليه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون عرف الحالف جاريًا بمباشرته كرجل من عوام السوقة حلف لا باع ولا اشترى، ولا تزوج ولا طلق، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا أمر غيره بأن باع له واشترى وزوجه وطلق عنه وضرب عبده وأدب خادمه لم يحنث في هذا كله، وقال مالك: يحنث في هذا كله، وقال أبو حنيفة: إن كان هذا العقد مما إذا باشره الوكيل إضافة إلى نفسه كالشري، يقول: اشتريت هذه الدار لموكلي لم يحنث الموكل، وإن كان مما لا يضيفه إلى نفسه كالنكاح يقول: قبلت هذا النكاح لموكلي، ولا يقول: نكحت لموكلي، كما يقول: اشتريت لموكلي حنث الموكل، وكلا المذهبين مدخول، والصحيح أن جميعها سواء في أنه لا يحنث الآمر بهما والموكل فيها إذا كان العرف بمباشرته لها جاريًا، لأن الأيمان تحمل على حقائق الأسماء والأفعال، ما لم ينقلها عرف الحقيقة في هذه الأفعال بمباشرتها، والعرف مقترن بها، فلم يجز أن يعدل في الأمر بها عن الحقيقة والعرف إلى مجاز تجرد عن العرف فعلى هذا لو حلف على امرأته أنه لا يطلقها فرد إليها الطلاق، فطلقت نفسها لم يحنث، لأنه لا يكون مطلقًا، وإنما يكون مخيرًا في الطلاق، ولو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، فدخلتها طلقت وحنث، لأنه مطلق لها على صفة وقعت منها فلذلك افترقا.
والثاني: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة دون مباشرته، وإن باشره استنكرته النفوس منه، كالسلطان أو من قاربه في رتبته إذا خلف، لا باع ولا اشترى، ولا ضرب عبدًا، ولا أدب خادمًا، فإذا وكل في البيع والشراء وأمر بضرب عبده وبأدب خادمه ففي حنثه قولان: أحدهما: تفرد البيع بنقله وتفرد بعض أصحاب الشافعي، أنه يحنث اعتبارًا بالعرف، لأن العرف قد صار مقترنًا بالمجاز دون الحقيقة، والعرف ناقل، كما لو حلف: لا أكلت رؤوسًا، لم يحنث برؤوس الطير والجراد، وإن وجد حقيقة الاسم فيها، لأن

الجزء: 10 - الصفحة: 472

العرف لما اختص برؤوس الغنم نقل عما عداها حقيقة الاسم.
والثاني: وهو الأظهر، وما عليه الأكثرون من أصحابنا أنه لا يحنث، لأن الحقيقة فيها المباشرة لها دون الأمر بها والحقيقة لا تنقل إلا بعرف عام، كما قيل في الرؤوس، وهذا عرف خاص، فلم يجز أن ينتقل به الحقيقة، كما لو حلف سلطان: لا أكلت خبزًأ ولا لبست ثوبًا، فأكل خبز الذرة ولبس عباءة حنث وإن لم تجر عادته بأكل الذرة ولبس العباءة، لأنه عرف خاص وليس بعام، فلذلك ساوى فيه عرف العموم فكذلك في هذه العقود.
والثالث: أن يكون عرف الحالف جاريًا بالاستنابة فيه، لكن إن باشره لم تستنكر النفوس منه، ولا تستقبحه، كالنكاح والطلاق والعتق، لا يستقبح من السلطان أن يباشر بنفسه، فإذا حلف سلطان لا تنكح ولا طلق، ولا أعتق، فوكل في النكاح والطلاق والعتاق فقد اختلف أصحابنا هل يعتبر حكم عرفة أو يعتبر ما تستنكره النفوس من فعله، على وجهين: أحدهما: يعتبر حكم عرفة، لأنه أخص به، فعلى هذا في حنثه قولان.
والثاني: يعتبر ما لا تستنكره النفوس من فعله، لأنه أعم فعلى هذا لا يحنث قولاً واحدًا والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ومن حلف لا يفعل فعلين أو لا يكون أمران، لم يحنث حتى يكونا جميعًا وحتى يأكل كل الذي حلف أن لا يأكله".
قال في الحاوي: عقد اليمين على فعلين ضربان: أحدهما: أن يعقد على إثباتهما.
والثاني: أن يعقد على نفيهما.
فإن كانت معقودة على إثباتهما كقوله: والله لآكلن هذين الرغيفين، ولألبسن هذين الثوبين، ولأركبن هاتين الدابتين، فلا خلاف بين القضاء أنه لا يبر إلا بفعلهما فيأكل الرغيفين، يلبس الثوبين ويركب الدابتين، فإن أكل إحدى الرغيفين ولبس أحد الثوبين وركب إحدى الدابتين لم يبر، وهذا متفق عليه، وإن كانت اليمين معقودة على نفي فقال: والله لا أكلت هذين الرغيفين، ولا لبست هذين الثوبين، ولا ركبت هاتين الدابتين، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يحنث إلا بهما، كما لا يبر إلا بهما، فإن أكل أحد الرغيفين، ولبس أحد الثوبين، وركب إحدى الدابتين لم يحنث.
وقال مالك: يحنث بفعل أحدهما، وإن لم يبر إلا بهما وفرق بينهما من وجهين:

الجزء: 10 - الصفحة: 473

أحدهما: أن الإثبات إباحة، والنفي حظر، والحظر أغلب من الإباحة.
والثاني: أن الأيمان موضوعة على التغليظ، والتغليظ في النفي أن يحنث بأحدهما، وفي الإثبات أن لا يبر إلا بهما، وهذا فاسد من وجهين: أحدهما: أن فعل بعض الشيء لا يقوم مقام فعل جميعه في النفي والإثبات معًا وفاقًا وشرعًا، لأنه لو حلف لا يدخل هذه الدار، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يحنث.
ولو حلف ليدخلنها، فأدخل رأسه أو إحدى رجليه لم يبر وهذا وفاق قد ورد به الشرع، قد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في مساجده فأدخل رأسه منه إلى حجرة عائشة رضوان الله عليها لتغسله، ولم يؤثر في اعتكافه.
وقال لبعض أصحابه، وهو في المسجد الحرام: لقد أنزلت على آية لم تنزل على أحد قبلي إلا على أخي سليمان، قال: يا رسول الله، أي آية هي؟ قال: لا أخرج من المسجد حتى أعلمك فتوجه للخروج، وقدم إحدى رجليه فأخرجها ثم قال للرجل: بم تستفتح صلاتك قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قال: "هي هي".
فدل على أن إخراج إحدى رجليه لا يكون خروجًا، وإذا كان بعض الفعل لا يقوم مقام جميع الفعل، فأحد الفعلين أولى أن لا يقوم مقام الفعلين.
والثاني: أنه لما استوي الفعلان في شرط البر وجب أن يستويا في شرط الحنث، لتردد اليمين بين بر وحنث؟ وفرقاه بينهما منتقض بفعل بعض الشيء حيث لم يقم مقام جميعه في الإثبات والنفي معًا مع وجود الحظر والإباحة فيهما.
مسألة: قال الشافعي: "ولو قال: والله لا أشرب ماء هذه الإداوة أو ما هذا النهر لم يحنث حتى يشرب ماء الإداوة كله ولا سبيل له إلى شرب ماء النهر كله ولو قال من ماء هذه الإداوة أو من ماء هذا النهر حنث إن شرب شيئًًا من ذلك".
قال في الحاوي: أما إذا حلف لا شربت من ماء هذه الإداوة، ولا شربت من ماء هذا النهر، فاليمين معقودة على بعض ماء الإداوة وبعض ماء النهر، لدخول حرف التبعيض عليها، وهو قوله: فأي قدر شرب من ماء الإداوة وماء النهر حنث من قليل وكثير، وكذا في الإثبات لو حلف ليشربن من ماء الإداوة أو من ماء النهر، فأي قدر شرب منهما من قليل أو كثير بر في يمينه ارتوى به أو لم يرتو.
فأما إذا حذف من يمينه حرف التبعيض فأطلقها، فقال: والله لأشربن ماء هذه الإداوة لم يحنث بشرب بعضه، وإن حنثه مالك، لأن الحقيقة في إطلاق اليمين توجب

الجزء: 10 - الصفحة: 474

الاستيعاب فإن قيل: أفليس لو قال: والله لا أكلت طعامًا اشتراه زيد، أكل بعضه حنث، فلا حنث بشرب بعض الماء، كما حنث بأكل بعض الطعام.
قيل: لا يختلف المذهب أنه لا يحنث بشرب بعض الماء وفي حنثه بأكل بعض الطعام وجهان: أحدهما: أنه كما لا يحنث بأكل بعضه فعلى هذا قد استويا.
والثاني: وهو اختيار أبي على بن أبي هريرة، أنه يحنث بأكل بعض الطعام، وإن لم يحنث إلا بشرب جميع الماء، والفرق بينهما أن الماء في الإداوة مقدار ينطلق على جميعه، ولا ينطلق على بعضه، فلذلك لم يحنث بشرب بعضه وشراء زيد للطعام صفة تنطلق على بعضه، كما تنطلق على جميعه، فلذلك حنث بأكل بعضه، فإذا ثبت أن الحنث في الإداوة يقع بشرب مائها كله، ولا يحنث بشرب بعضه، فذهب من ماء الإداوة قطرة انحلت اليمين لأنه لا حنث فيها إن شرب باقي مائها، فلو شك أذهب منها قطرة أو لم يذهب، فشرب جميع مائها، ففي حنثه وجهان: أحدهما: يحنث: لأن ذهاب القطرة مشكوك فيه.
والثاني: لا يحنث، لأن الحنث مشكوك فيه.
فصل: فأما إذا حلف، لا شربت ماء هذا النهر، فقد قال الشافعي رضي الله عنه: لا سبيل إلى شرب ماء النهر كله، ولم يتعرض لبره ولا لحنثه فيما شرب منه، فاختلف أصحابنا في شربه منه على وجهين: أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج يحنث بما شرب منه، لأنه لما استحال شرب جميعه، صارت اليمين معقودة على ما لا يستحيل لأن لا يصير بيمينه بعد العقد لغوًا.
ألا تراه لو قال: والله لا شربت الماء حنث بشرب ما قل منه، وإن كان دخول الأول واللام يقتضي استيعاب جميعه، لأنه لما كان شرب جميعه من المستحيل، حمل على شرب ما لا يستحيل، كذلك ماء النهر لما استحال شرب جميعه، حمل على ما لا يستحيل من شرب بعضه، وتأول قول الشافعي رضي الله عنه، ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله على حمل يمينه على ما يجد السبيل إليه، وهو أن يشرب من ماء النهر، فعلى هذا: أى شرب شرب من مائه حنث به مما يروى أو لا يروى.
والثاني: وهو قول أبي إسحاق المروزي، ويشبه أن يكون هو الظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحنث بشرب بشيء من مائه لأن يمينه توجهت إلى شرب جميعه، لأنه عقدها على ماء النهر، ولم يطلق فصار النهر مقدارًا كالإداوة وليس إذا استحال شرب الجميع وجب أن يحمل على شرب ما لا يستحيل.

الجزء: 10 - الصفحة: 475

ألا تراه لو حلف لأصعدن السماء، وهو مستحيل لم يحمل على صعود السقف، وقد يسمى سماء، لأنه غير مستحيل، ووجب حمل يمينه في صعود السماء على الحقيقة دون المجاز كذلك في شرب ماء النهر فأما إذا قال: لا شربت الماء، والألف واللام لفظ تعريف وضع لاستيعاب الجنس تارة وللمعهود أخرى وهو حقيقة فيهما، فإذا استحال استيعاب الجنس حمل على المعهود، وكان حقيقة فيه، وفارق ماء النهر لأن الاسم حقيقة في جميعه ومجاز في بعضه، وتأول قول الشافعي: "ولا سبيل إلى شرب ماء النهر كله" بسقوط حنثه.
ثم يتفرع على هذين الوجهين في النفي أن يعقد يمينه على الإثبات فيقول: والله لأشربن ماء هذا النهر، فعلى مقتضى قول أبي العباس: متى شرب بعض مائه بر، لأنه لما حنث بشرب بعضه في النفي وجب أن يبر بشرب بعضه في الإثبات، وعلى مقتضى قول المروزي لا يبر في الإثبات بشرب بعضه كما لا يحنث في النفس بشرب بعضه، وإذا لم يبر صار محكومًا بحنثه، لأنه لا سبيل إلى بره، فصار كقوله: والله لأصعدن السماء، يكون حانثًا، لأنه لا سبيل له إلى البر وفي زمان حنثه وجهان: أحدهما: عقيب يمينه، لأن استحالة البر يمنع من تأخير الحنث.
والثاني: يحنث من آخر حياته، لأنه عقد يمينه على التراخي، فكان تحقيق الحنث على التراخي.
فصل: وإذا حلف لأشرب من ماء دجلة، فشرب من ماء الفرات، أو لأشرب من ماء الفرات فشرب من ماء دجلة، لم يحنث لأن التعيين يخص اليمين، ولو قال: والله لأشرب ماء فراتًا حنث بشربه من دجلة ومن الفرات، لأن الماء الفرات هو العذب، فحنث بشرب كل ماء عذب.
قال الله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتاً﴾ [المرسلات: 27] أي: عذبًا، ولا فرق إذا حلف لأشرب من ماء دجلة بين أن يشربه من إناء اغترف به وبين أن يشربه كرعًا بفيه كالبهيمة.
فأما إذا حلف، لا شربت من دجلة، فإن شرب منها كرعًا بفمه حنث بإجماع، وإن اغترف منها بإناء وشرب من الإناء حنث عند الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يكرع منها بفمه، ولا يبر إن اغترف بيده احتجاجًا بأمرين: أحدهما: أنه لو حلف: لأشرب من هذا الإناء، فاغترف من مائه، وشربه لم يحنث كذلك إذا حلف لا شربت من دجلة، فاغترف ما شربه من ماء لم يحنث بوقوع اليمين على مستقر الماء في الموضعين.
والثاني: أن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، وحمل الأيمان على الحقيقة

الجزء: 10 - الصفحة: 476

أولى من حملها على المجاز.
ودليلنا أمور: أحدها: أن الماء المشروب مضمر في اللفظ، لأنه المقصود بالشرب، كما يقال: شرب أهل بغداد من دجلة وأهل الكوفة من الفرات، أي من ماء دجلة وماء الفرات فصار إضماره كإظهاره، فلما كان لو حلف: لأشرب من ماء دجلة حانثًا فشربه منها على جميع الأحوال وجب إذا حلف، لأشرب من دجلة أن يحنث بشربه منها على كل حال، لأن المضمر مقصود كالمظهر.
والثاني: إن إجماعنا منعقد على أنه لو حلف لا شرب من البئر، ولا أكلت من النخلة أنه يحنث بشرب ما استقاه من البئر، ويأكل ما لقطه من النخلة، وإن لم يكرع ماء البئر بفمه، ولا تناول ثمرة النخلة بفمة، كذلك الدجلة.
وتحريره قياسًا، أن ما كان حنثًا في ماء البر كان حنثًا في ماء الدجلة قياسًا على أصلين: أحدهما: إذا كرع منهما.
والثاني: إذا تلفظ باسم الماء فيهما.
فإن قيل: ماء البئر لا يمكن أن يشرب إلا باستقائه وثمر النخلة لا يمكن أن يؤكل إلا بلقاطه.
قيل: يمكن أن يشرب ماء البئر بنزوله إليها، ويؤكل من النخلة بصعوده إليها وإن كان تلحقه المشقة كما يمكن أن يكرع من الدجلة بالمشقة.
والثالث: أن حقيقة الدجلة اسم لقرارها، والحقيقة في هذا الاسم معدول عنها من وجهين: أحدهما: أن القرار غير مشروب.
والثاني: أن ما باشر القرار لا يصل إلى كرعه لعمقه، وإذا سقط حقيقة الاسم من هذين الوجهين وجب العدول إلى مجازه، وهو الماء، لأن اسم الدجلة حقيقة في قرارها، ومجاز في مائها، والمجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة.
فأما الجواب عن استدلاله إذا حلف لا يشرب من هذا الإناء فهو أن الإناء آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة عليه، وليست الدجلة آلة للشرب، فصارت اليمين معقودة على مائها، ألا تراه إذا قال: والله لا شربت من هذه الناقة حنث إذا شرب من لبنها، وإن لم يمتصه من أخلاف ضروعها.
ولو قال: والله لا شربت من هذا الإناء، فشرب من لبن الإناء بعد إخراجه منه لم يحنث.
وأما الجواب عن استدلالهم بأن الشرب منها حقيقة، ومن مائها مجاز، فهو ما قدمناه من أن المجاز المستعمل أولى من الحقيقة المتروكة والله أعلم بالصواب.

الجزء: 10 - الصفحة: 477

باب من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه

مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "من حلف على غريمه لا يفارقه حتى يستوفي حقه ففر منه لم يحنث لأنه لم يفارقه ولو قال: لا أفترق أنا وأنت حنث".
قال في الحاوي: وأصل هذا الباب أن كل يمين علقت على فعل فاعل كانت مقصورة على فعله، ولم يتعلق بفعل غيره، فيكون البر والحنث معتبرًا بفعل من قصد باليمين، فإذا لازم صاحب الدين غريمه، وحلف أن لا يفترقا حتى يستوفي حقه لم يخل يمينه من أحد ثلاثة أقسام: أحدها: أن يعقدها على فعله.
والثاني: على فعل غريمه.
والثالث: على فعلهما.
فأما الأول: وهو أن يعقدها على فعله، فهو أن يقول: والله لا فارقتك حتى أستوفي حقي منك، فالبر والحنث متعلق بفعل الحالف دون المحلوف عليه، فإن فارقه الحالف مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا ففي حنثه قولان، على ما مضى في حنث المكره والناسي، فأما إن فارقه الغريم المحلوف عليه وفر منه لم يحنث الحالف، سواء قدر على إمساكه أو لم يقدر، لأن اليمين معقودة على فعله فكان حنثه بأن يكون الفراق منسوب إلى فعل غريمه، فلم يتعلق به حنث، ووهم ابن أبي هريرة فخرج حنثه بفراق الغريم على قولين من حنث المكره والناس وهو خطأ لما ذكرنا.
وأما الثاني: فهو أن يعقد يمينه على فعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا فارقتني حتى أستوفي حقي منك، فإن فارقه الغريم مختارًا ذاكرًا حنث، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، فقد اختلف أصحابنا في الإكراه إذا كان في فعل المحلوف عليه، هل يجري مجرى الإكراه في فعل الحالف على وجهين: أحدهما: وهو قول البغداديين أن الإكراه فيهما على سواء، فعلى هذا في حنث الحالف قولان: والثاني: وهو قول البصريين، أن الإكراه معتبر في فعل الحالف وغير معتبر في فعل المحلوف عليه، فعلى هذا يحنث الحالف قولاً واحدًا، فأما إن كان الحالف هو المفارق للغريم، فلا حنث عليه لأن يمينه معقودة على فعل غريمه، لا على فعل نفسه، وهذا الفراق منسوب إليه، وليس بمنسوب إلى الغريم، فلم يتعلق به حنث.
وأما الثالث: وهو أن يعقد يمينه على فعله، وفعل غريمه، وهو أن يقول: والله لا

الجزء: 10 - الصفحة: 478

افترقنا أنا وأنت، أو والله لا فارق واحد منا صاحبه، حتى أستوفي حقي منك، فالحنث ها هنا واقع بفراق كل واحد منهما صاحبه، لانعقاد اليمين على فعلهما، فإن فارقه الحالف حنث إن كان ذاكرًا مختارًا، وفي حنثه إن كان مكرهًا أو ناسيًا قولان، وإن فارقه الغريم المحلوف عليه ذاكرًا مختارًا حنث الحالف، وإن فارقه مكرهًا أو ناسيًا، ففي حنث الحالف ما قدمناه من خلال البغداديين والبصريين في معاني هذه الأقسام في اليمين إذا كانت في الكلام أن يقول: والله لا كلمتك، فإن كلمة الحالف، حنث لعقد اليمين على كلام الحالف، وإن كلمه المحلوف عليه لم يحنث ولو قال: والله لا كلمتن فكلمه المحلوف عليه حنث، ولو كلمه الحالف لم لحنث لعقد اليمين على كلام المحلوف عليه، ولو قال: والله لا تكلمنا أو لا كلم واحد منا صاحبه، فأيهما كلم الآخر حنث لأن اليمين معقودة على كلام كل واحد منهما والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أفلس قبل أن يفارقه".
قال في الحاوي: وهذا راجع إلى من حلف لا يفارقه غريمه حتى يستوفي حقه منه فأفلس الغريم ففارقه لأجل الفلس الموجب لإطلاقه لا لخديعة، فلا يخلو حال فراقه من أن يكون بحكم أو بغير حكم، فإن فارقه بنفسه لما أوجبه الشرع من إنظار المعسر حنث، لأن أحكام الشرع إذا خالفت عقد اليمين لم يمنع من الحنث كمن غصب مالاً، وصف لا رده على صاحبه حنث برده عليه، وإن كان رده بالشرع واجبًا، لأنه رده عليه مختارًا، وهكذا لو دخل دار غيره وحلف لا خرج منها حنث بخروجه، وإن أوجبه الشرع، فأما إن حكم الحاكم عليه بمفارقته لما حكم به من فلسه، فهو في هذا الفراق مكره غير مختار، لأنه منسوب إلى إجبار الحاكم، فيكون في حنثه قولان من حنث المكره.
مسألة: قال الشافعي: "أو استوفي حقه فيما يرى فوجد في دنانيره زجاجًا أو نحاسًا حنث في قول من لا يطرح الغلبة والخطأ عن الناس لأن هذا لم يعمده".
قال في الحاوي: إذا استوفي حقه في الظاهر ثم وجد فيه بعد فراقه نحاسًا أو رصاصًا أو زجاجًا لم يعلم به صار فيه كالمغلوب والناسي، فيكون في حنثه قولان: أحدهما: يحنث اعتبارًا بوجود الفعل وإطراحًا للقصد.
والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالقصد وإطراحًا للفعل.
وأما إذا أوجده معيبًا، وهو من جنس الحق، فهو على ضربين:

الجزء: 10 - الصفحة: 479

أحدهما: أن يكون عيبها يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها، لأن حقه دنانير مغربية فأعطاه دنانير مشرقية، فتكون خلاف الصفة في اليمين جاريًا مجرى خلاف الجنس، فإن علم به قبل فراقه حنث، وإن لم يعلم به إلا بعد فراقه كان حنثه على ما مضى من القولين.
والثاني: أن يكون عيبها لا يخرجها من انطلاق اسم الحق عليها؛ بأن تكون دنانير مغربية لكنها معيبة نظر، فإن كان عيبها مما يسمح به في الأغلب لقلة أرشه بر في يمينه، وإن كان ضد ذلك لكثرة أرشه حنث.
فإن قيل: نقصان القدر موجب للحنث فيما قل وكثر فهلا كان نقصان الأرض بمثابته في وقوع الحنث بما قلّ أو كثر قيل: لأن نقصان القدر مستحق يمنع من التماثل في الربا ونقصان الأرض مظنون لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين.
فإن قيل: فهذا ينكسر بكثير الأرش لا يمنع من التماثل في الربا ويمنع من البر في اليمين، قيل: لأن الظن في كثيره أقوى، وفي قليله أضعف فافترقا في بر اليمين وإن استويا في تماثل الربا.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أخذ بحقه عرضًا فإن كان قيمة حقه لم يحنث وإن كان أقل حنث إلا أن ينوى حتى لا يبقى عليك من حقي شيء فلا يحنث قال المزني رحمه الله: ليس للقيمة معنى لأن يمينه إن كانت على عين الحق لم يبر إلا بعينه وإن كانت على البراءة فقد براء والعرض غير الحق سوى أو لم يسو".
قال في الحاوي: وصورتها أن يحلف صاحب الحق على غريمه أن لا يفارقه حتى يستوفي حقه منه فيأخذ منه عوض حقه متاعًا أو عروضًا أو يأخذ بدل الدراهم دنانير أو بدل الدنانير دراهم، فقد اختلف الفقاء في بره على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أنه لا يبر في يمينه، ويحنث سواء كان ما أخذه بقيمة حقه أو أقل منه.
والثاني: وهو مذهب أبي حنيفة أنه يبر في يمينه ولا يحنث، سواء كان بقيمة حقه أو أقل منه.
والثالث: وهو مذهب مالك أنه يبر إن كان بقيمة حقه، ويحنث إن كان أقل من قيمة حقه، ووهم المزني، فنقل هذا المذهب عن الشافعي ثم رد عليه فقال: ليس للقيمة معنى، لأن يمينه إن كانت على غير الحق لم يبر إلا بعينه، وإن كانت على البراءة فقد برئ، والعوض غير الحق، سوى أو لم يساو فيقال للمزني: نقلك خطأ وجوابك صحيح، وإنما

الجزء: 10 - الصفحة: 480

حكاه الشافعي عن مالك، وقد أفصح بمذهبه في كتاب الأم أنه يحنث، واحتج أبو حنيفة على بره بأخذ البدل بأنه إذا أخذ عن مائة دينار ألف درهم صار عليه بأخذ الألف مائة دينار، فصار مستوفيًا لحقه.
ودليلنا هو أن سقوط الحق إنما هو بالمأخوذ وهو دراهم والحق دنانير، فصار آخذًا لبدل الحق، وليس بآخذ للحق، ولأننا أجمعنا وأبو حنيفة أنه لو كان حق الحالف ثوبًا فصالح عنه بدراهم أخذها منه أنه يحنث، فكذلك إذا أخذ عن الدراهم ثوبًا أو أخذ عن الدنانير دراهم حنث، لأنه قد أخذ في الحالين بدل حقه، ولم يأخذ بعينه وفيه جواب.
فصل: فأما إذا حلف لا يفارقه حتى يستوفي ما عليه ولم يقل: أستوفي حقي فأخذ بحقه بدلاً بر في يمينه، لأنه قد صار بأخذ البدل مستوفيًا ما عليه، ولو أبرأه من الحق حنث، لأن الإبراء ليس باستيفاء، ولو أخذ به رهنًا حنث أيضًا، لأن الرهن وثيقة، ولو أحاله بالحق حنث، لأنه ما استوفي ما عليه، وإنما نقله إلى ذمة غيره، ولو أحاله صاحب الحق على الغريم بر لأنه قد استوفي بالحوالة حقه، ولو جني عليه جناية أرشها بقدر حقه فإن كانت خطأ لم يبر، لأن أرشها على عاقلته، وإن كانت عمدًا فأرشها في ذمته، وحقه في ذمة غريمه، فإن كانا من جنسين لم يجز أن يتقاضاه، لأنه بيع دين بدين، فيحنث لبقاء حقه على غريمه، وإن كانا جنس واحد فهل يكون قصاصًا فيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يكون قصاصًا، وإن لم يتراضيا، فعلى هذا فقد بر في يمينه.
والثاني: لا يكون قصاصًا وإن تراضيا، فعلى هذا قد حنث في يمينه.
والثالث: يكون قصاصًا مع التراخي، ولا يكون قصاصًا مع عدم التراخي، فعلى هذا إن تراضيا قبل الافتراق بر، وإن لم يتراضيا حنث.
مسألة: قال الشافعي رحمه الله: "حد الفراق أن يتفرقا عن مقامهما الذي كانا فيه أو مجلسهما".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، وهو معتبر بالعرف أن يصير كل واحد منهما في مكان لا ينسب إلى مكان صاحبه، وجملته أن كل ما جعلناه افتراقًا في البيع في سقوط الخيار في المجلس جعلناه افتراقًا في اليمين في وقوع الحنث وقد أوضحناه فأغنى عن إعادته، فلو أكره الحالف على الافتراق كان في حنثه قولان، ولو مات الحالف قبل فراقه لم يحنث، ولو مات المحلوف عليه لم يكن مفارقًا له بالموت بخلاف الافتراق بالبيع حتى يفارقه ببدنه، فإذا فارقه ببدنه، ففي حنثه حينئذٍ قولان كالمكره.

الجزء: 10 - الصفحة: 481

مسألة: قال الشافعي: "ولو حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم حنث لأن قصاءه غدًا غير قضائه اليوم فإن كانت نيته أن لا يخرج غد حتى أقضيك حقك فقد بر".
قال في الحاوي: وقد مضت هذه المسألة إذا حلف ليقضينه حقه غدًا فقضاه اليوم أنه يحنث، لأن قضاءه اليوم ليس بقضاء في غد وقال أبو حنيفة ومالك: لا يحنث، ولكن لو نوى بيمينه أن لا يخرج غدًا حتى أقضيك بر، لأنه جعل خروج الغد حدًا، ولم يجعله وقتًا ولو حلف، لأدخلن الدار في غد فدخلها اليوم لم يحنث، لأنه يقدر على دخولها في غد فإن لم يدخلها في غد حنث، ولو حلف ليبيعن عبده في غد فباعه اليوم لا يحنث، لأنه يقدر على ابتياعه بعد بيعه ثم يبيعه في غد، فإن فعل ذلك وإلا حنث حينئذٍ، ولو أعتقه قبل غد حنث، لأنه لا يقدر على بيعه بعد عتقه، ولو دبره لم يحنث، لأنه يقدر على بيعه، ولو كاتبه لم يتعجل حنثه لجواز أن يعجز العبد نفسه قبل غد فيقدر على بيعه في غد.
ولو حلف ليطلقن زوجته في غد، فطلقها اليوم، فإن استوفي به جميع طلاقها حنث، وإن لم يستوفيه لم يحنث، لأنه يقدر على طلاقها في غد.
ولو حلف ليتزوجن هذه المرأة في غد فتزوجها اليوم، ولم يتعجل حنثه، لأنه يقدر على طلاقها واستئناف نكاحها في غد، فإن فعل وإلا حنث.
ولو حلف ليعتقن عبده في غد فأغتقه اليوم حنث، لأنه لا يقدر على استئناف عتقه بعد نفوذه اليوم بخلاف النكاح، وإذا حنث في هذه المسائل على ما بينا، ففي زمان حنثه ثلاثة أوجه: أحدها: حكاه ابن أبى هريرة احتمالاً، أنه يحنث لوقته، لأنه لا سبيل له آلي البر.
والثاني: أنه يحنث في أول دخول غده.
لأنه أول أوقات بره.
والثالث: أنه لا يحنث إلا بخروج غده، لأنه أخر أوقات بره، فصار وقتًا لحنثه، والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "هكذا لو وهبه له رب الحق حنث إلا أن يكون نوى أن لا يبقى على غدًا من حق شيء فيبر".
قال في الحاوي: ولسقوط الحق عنه بغير أداء حالتان: إحداهما: هبة تتوجه إلى الأعيان.
والثاني: إبراء يتوجه إلى الذمة، فأما الهبة فهي تمليك محض لا يتم إلا بالقبول بعد البدل والقبض بعد العقد، فإذا حلف ليقضيه حقه في غد أو ليدفعن إليه حقه في غد فوهبه

الجزء: 10 - الصفحة: 482

صاحب الحق له حنث الحالف، لأن الحق سقط بغير دفع، وقد اختار التملك فصار مختارًا للحنث، فحنث ولو كان الحق في الذمة فأبرأه منه، فإن قيل: إن الإبراء تمليك يقف على القبول حنث كالهبة وإن قيل: إنه إسقاط لا يفتقر إلى القبول ففي حنثه قولان، كالمغلوب على الحنث، ولكن لو قال: والله لا فارقتك ولي عليك حق، فوهبه له أو أبرأه منه بر في يمينه، لأنه لم يبق له بعد الهبة، والإبراء حق.
ولو كان له عنده وديعة ففارقه قبل استرجاعها نظر مخرج يمينه، فإن قال: لا أفارقك ولي عليك حق بر مع بقاء الوديعة، لأنه ليست عليه، وإن قال: لا أفارقك ولي عندك حق حنث ببقاء الوديعة، لأنها حق له عنده.
ولو كان له عنده عارية حنث في الحالين سواء قال: عليه أو عنده، لأن عليه ضمانها وعنده عينها.
فصل: ولو حلف لا بعت لزيد متاعًا فوكل زيد في بيع فباعه الحالف لم يحنث، وعلى مذهب مالك يحنث، وليس بصحيح، لأنه أضاف المتاع إلى زيد بلام التمليك، فصارت يمينه مقصورة على ملك زيد، وهذا المتاع ملك لغير زيد، ولو قال: والله لا بعت متاعًا في زيد فوكل زيد في بيع متاعه فباعه الحالف نظر في توكيل زيد فإن وكل أن يبيعه كيف أرى بنفسه أو بغيره حنث الحالف، لأنه قد باع متاعًا في يد زيد، وإن وكل أن يبيعه بنفسه فدفعه إلى الحالف حتى باعه كان البيع باطلاً، ولم يحنث به الحالف ويكون الحنث واقعًا بما يصح من البيع دون ما فسد، وكذلك سائر العقود إذا حلف لا يعقدها، فعقدها عقدًا فاسد لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث بالصحيح منها والفاسد استدلالاً بأن العقد فعل، والصحة والفساد حكم، وعقد يمينه على الفعل دون الحكم.
ودليلنا: هو أن العقد ما تم، والفساد يمنع من تمامه، وإذا لم يتم شرط الحنث، لم يقع كالنكاح الفاسد، فإنه وافق على أنه لا يحنث به، وخالف في البيع الفاسد، فأوقع الحنث به، فإن اعتبر الحنق بفعل العقد بطل النكاح، وإن اعتبر بصحة العقد بطل البيع، فلم يسلم له دليل، ولم يصح له تعليل.
فصل: فإذا حلف لا يصوم، فدخل في الصيام حنث بالدخول فيه، وإن لم يستكمل جميع اليوم.
ولو حلف لا يصلي حنث بإحرامه بالصلاة، وإن لم يستكملها.
وقال ابن سريج: لا يحنث حتى يقرأ بعد الإحرام، ويركع، فيأتي بأكثر الركعة.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث حتى يستكمل ركعة بسجدتها يستوعب بها جنس، أفعال الصلاة.
ودليلنا: هو أن يكون مصليًا بالدخول في الصلاة، كما يكون صائمًا بالدخول في

الجزء: 10 - الصفحة: 483

الصيام، فوجب أن يستوفيا في الحنث بالدخول، لأن اليمين إذا تعلقت باسم استقر حكمها بالدخول في أول الاسم كمن حلف لا يدخل الدار، فدخل أول دهليزها حنث واستدلاله يفسد بالجلوس قدرًا لتشهد، فإنه من جنس أفعالها، ولم تشتمل عليه الركعة الأولى، والله أعلم بالصواب.

باب من حلف على امرأته لا تخرج إلا بإذنه

مسألة: قال الشافعي: "من قال لامرأته أنتِ طالق إن خرجت إلا بإذني أو حتى آذن لك فهذا على مرة واحدة وإذا خرجت بإذنه فقد بر ولا يحنث ثانية إلا أن يقول كلما خرجت إلا بإذني فهذا على كل مرة".
قال في الحاوي: اعلم أن ألفاظ يمينه إذا حلف على زوجته أن لا تخرج إلا بإذنه ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما اتفق الفقهاء على أنها تنعقد على مرة واحدة، ولا توجب التكرار، وذلك لفظتان "إلى" و"حتى".
فإذا قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أن آذن لك، أو حتى آذن لك، فتنعقد يمينه على خروجها مرة واحدة بإذنه، فإن خرجت مرة واحدة بإذنه بر، وانحلت يمينه ولا يحنث، وإن خرجت بعد ذلك بغير إذنه، واختلفوا في العلة مع اتفاقهم في الحكم، فعلل أصحاب أبي حنيفة بأنهما لفظتان غاية ارتفع حكمها بانقضائها.
وعلل أصحاب الشافعي رحمه الله بأنهما لما لم يتكررا في الحنث لم يتكرر في البر.
وتأثير هذا الاختلاف في التعليل يتبين في القسم الثالث، فهذا حكم القسم الأول.
والثاني: ما اتفقوا على أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وهي لفظة واحدة، وذلك قوله: كلما دخلت الدار بغير إذني، فأنت طالق فلفظة "كلما" موضوعة للتكرار، فبره يكون بإذنه لها في كل مرة، وحنثه يكون بأن لا يأذن لها في كل مرة، وإن خرجت مرة بغير إذنه حنث، وطلقت واحدة، ولم تسقط يمينه، وإن خرجت ثالثة بغير إذنه حنث، وطلقت ثالثة، وسقطت يمينه بعدها لاستيفاء ما ملكه من طلاقها.
ولو أذن لها بالخروج ثلاثة مرات من ثلاثة خرجات بر، ولم تخل يمينه، لبقاء الطلاق.
فإن خرجت رابعة بغير إذنه، طلقت، فيقدر الحنث بالثلاث، ولم يتقدر بها البر، لاعتبار الحنث بما ملكه من عدد الطلاق، فلو خرجت مرة بإذنه وثانية بغير إذنه، وثالثة بإذنه، ورابعة بغير إذنه بر في خرجتين الأولى والثالثة.

الجزء: 10 - الصفحة: 484

وحنث في خرجتين في الثانية والرابعة ثم على هذه العبرة.
والثالث: ما اختلف فيه: هل تنعقد يمينه على مرة واحدة أو على التكرار، وذلك فيما عدا القسمين الماضيين من الألفاظ، وهي خمسة ألفاظ: أحدها: إن خرجت من الدار إلا بإذني، فأنت طالق.
والثانية: إن خرجت من الدار إلا أن آذن لك، فأنت طالق.
والثالثة: إن خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والرابعة: أي وقت خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
والخامسة: متى خرجت من الدار بغير إذني، فأنت طالق.
فاختلفوا في انعقاد اليمين بهذه الألفاظ هل توجب التكرار في البر والحنث على ثلاثة مذاهب: أحدها: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه أنها تنعقد على مرة واحدة في البر والحنث، ولا توجب التكرار في بر ولا حنث.
فإن خرجت مرة واحدة بإذن بر وانحلت اليمين، ولا يحنث إن خرجت بعد ذلك بغير إذن.
وإن خرجت مرة واحدة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولا يعود الحنث إن خرجت بعده بغير إذن.
والثاني: وهو مقتضى مذهب مالك أنها تنعقد على التكرار في البر والحنث، وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وإن خرجت مرة بغير إذن حنث، ولم تسقط اليمين.
والثالث: وهو مذهب أبي حنيفة أنها تنعقد على المرة الواحدة في الحنث، وعلى التكرار في البر، فإذا خرجت مرة بغير إذن حنث، وسقطت اليمين، ولم يحنث إن خرجت مرة من بعد بغير إذن.
وإن خرجت مرة بإذن بر، ولم تخل اليمين، وحنث إن خرجت بعده بغير إذن، ولأصحابه في هذا طريقان: منهم من يرى أن قوله: "إلا بإذني" استثناء يوجب خروج المستثنى، ولا يتعلق به بر ولا حنث، وبره بأن يكون لا تخرج، وحنثه يكون بأن تخرج بغير إذن، ليكون بارًا من وجه واحد، وحانثًأ من وجه واحد به، ولا يكون بارًا من وجهين: وحانثًا من وجه، كمن قال لزوجته: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق كان بكلامها لزيد حانثًا ويترك كلامه بارًا، وبكلامها لغيره غير بار، ولا حانث، وهذه أشبه بطريقة المحققين منهم، وهي فاسدة من وجهين: أحدهما: أن يمينه تضمنت منعًا، وتمكينًا، فالمنع خروجها بغير إذن، والتمكين خروجها بإذن.

الجزء: 10 - الصفحة: 485

فلما حنث بالجمع وجب أن يبر بالتمكين، لأن كل واحد منهما قد تضمنته اليمين، وخالف ما استشهد به من يمينه على كلامها لزيد، لأن كلامها لغيره لم يدخل في يمينه من منع ولا تمكين، فلم يتعلق به بر ولا حنث.
والثاني: أن البر والحنث يتعلقان في الأيمان بشيء واحد، فإن كانت على إثبات كقوله: والله لأدخلن الدار، كان بره بدخولها، وحنثه بأن لا يدخلها.
وإن كانت على نفي كقوله: والله لا دخلت الدار كان بره بأن لا يدخلها وحنثه بأن يدخلها.
فلما كان حنثه في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فأنت طالق، يكون بخروجها بغير إذنه وجب أن يكون بره بخروجها بإذنه، فتثبت بهذين المعنيين فساد هذه الطريقة.
والثانية: لهم أن يسلموا وقوع البر بالخروج بإذن، كما أن وقوع الحنث بالخروج بغير إذن، ويستدلوا على وجوب تكرار البر، وإن لم يتكرر الحنث بأمرين: أحدهما: إنما انعقد الإجماع عليه في قوله لزوجته: إن خرجت من الدار إلا راكبة فأنت طالق، أن البر يتكرر، ويلزمها أن تخرج في كل مرة راكبة، وإن خرجت مرة غير راكبة حنث وسقطت اليمين، وإن خرجت مرة راكبة بر ولم تخل اليمين، ولزمها الخروج بعد هذا البر راكبة أبدًا، كذلك ما اختلفنا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذن، فأنت طالق، فخرجت مرة بإذنه، لم تخل اليمين، ولزمها أن تخرج كل مرة بإذنه.
ولو خرجت مرة بغير إذنه حنث، وسقطت اليمين، فيكون الإجماع في اشتراط الركوب دليلاً على الخلاف في اشتراط الإذن، إذ ليس بين الشرطين فرق في الحكم.
والثاني: أنه لما كان البر يترك الخروج مؤبدًا، والحنث بالخروج من غير إذن مقيدًا وجب أن يكون البر بالخروج بالإذن متكررًا، وإن لم يكن الحنث بالخروج بغير إذن متكررًا.
والدليل على فساد هذه الطريقة من وجهين: أحدهما: لما كان عقد اليمين بلفظ الغاية يوجب استواء البر والحنث في سقوط التكرار، وكان عقدها بقوله: "كلما" يوجب استواء البر والحنث في وجوب التكرار، وجب أن يكون عقدها بما اختلفا فيه من قوله: إن خرجت إلا بإذني، ملحقًا بأحدهما في استواء البر والحنث في وجوب التكرار وسقوطه، فلما سقط التكرار في الحنث وجب أن يسقط التكرار في البر.
وتحريره قياسًا: أن كل يمين اشتملت على منع وتمكين وجب أن يكون البر فيها مقابلاً للحنث في وجوب التكرار وسقوطه كالمعقود بلفظ الغاية في سقوط التكرار، وكالمعقودة ب "كلما" في وجوب التكرار.
والثاني: أن البر والحنث في الأيمان معتبران بالعقد، فإن أوجب تكرار المنع والتمكين أوجب تكرار البر والحنث، وإن لم يوجب تكرارهما لم يتكرر البر والحنث.
ولفظ التكرار معدوم في قوله: إن خرجت إلا بإذني، فانعقد على مرة، وموجود في قوله:

الجزء: 10 - الصفحة: 486

كلما خرجت بغير إذني، فانعقد على كل مرة.
ألا تراه لو قال لها: إن خرجت بإذني، فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني فأنت طالق، انعقدت على مرة، ولو قال: كلما خرجت بإذني انعقدت على التكرار وما انعقدت عليه اليمين سواء في البر والحنث في التكرار والانفراد، لأن عقدها إن قابلت مقتضاها كان حكمها مقصورًا عليه.
وتحريره قياسًا: أن ما انعقدت عليه اليمين وجب أن يستوي فيه البر والحنث، قياسًا على تعليق الطلاق بالإذن، تسوية بين الإثبات والنفي فأما الجواب عن استدلالهم بقوله: إن خرجت إلا راكبة، فهو أن هذا تعليق طلاق بصفة، وهي خروجها ماشية، فوقع بوجود الصفة، وليست يمينًا توجب منعًا، وتمكينًا، فافترقا.
وأما الجواب عن اجتماعهم بامتداد البر في المقام إلى الموت، وتوقيت الحنث بالخروج، فهو أن المقام في منزلها ترك مطلق، فحمل على التأبيد في البر، والخروج فعل مقيد بوقته، فتقدر به البر والحنث، فوجب أن يكون البر فيه مساويًا للحنث.
فصل: ويتفرع على ما قدمناه أن يقول لها: إن خرجت إلى غير الحمام بغير إذني، فأنت طالق، فخروجها إلى الحمام مستثنى من يمينه، لأنه لا يفتقر إلى إذن، ولم يتعلق به بر ولا حنث، فاليمين منعقدة على خروجها إلى غير الحمام، فإن خرجت إليه بغير إذنه حنث وسقطت اليمين فإن خرجت إليه بإذنه بر، وانحلت اليمين.
فإذا كان كذلك لم يحل خروجها بغير إذن، إذا جمعت فيه بين الحمام وغير الحمام من ثلاث أضرب: أحدها: أن تخرج إلى الحمام، ثم تعدل إلى غير الحمام، فلا حنث عليه اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى الحمام.
والثاني: أن تخرج إلى غير الحمام، ثم يعدل إلى الحمام، فيحنث اعتبارًا بقصد الخروج أنه كان إلى غير الحمام.
والثالث: أن تخرج جامعه في قصدها بين الحمام وغير الحمام، فيحنث، لأن خروجها إلى غير الحمام موجود، فلم يمنع اقترانه بالخروج إلى الحمام من وقوع الحنث به.
ووهم أبو حامد الإسفراييني، فقال: لا يحنث به تغليبًا لما لا يوجب الحنث على ما يوجبه، والله فيه واضح، لما عللناه.
ألا تراه لو قال لها: إن كلمت زيدًا، فأنت طالق، فكلمت زيدًا وعمرًا معًا طلقت، ولم يمنع كلامها لعمرو من وقوع الطلاق بكلامها لزيد؟!

الجزء: 10 - الصفحة: 487

فصل: فأما الإذن، فقد يكون تارة بالقول، وتارة بالكناية، وتارة بالرسالة، وتارة بالإشارة وجميعه يكون إذنًا اعتبارًا بالعرف فيه.
وسواء ابتدأ الزوج بالإذن أو سألته، فأذن.
فإن استأذنته وأمسك، فلم يكن منه إذن ولا منع، لم يكن السكوت إذنًا إلا أن تقترن به إشارة، فتصير الإشارة إذنًا.
فإن أذن لها، ثم رجع في إذنه، لم يسقط حكم الإذن برجوعه، لأن شرط البر وجود الإذن، وليس بقاؤه عليه شرطًا فيه، وسواء كان رجوعه قبل الخروج أو بعده.
فإن شرط إذنًا باقيًا، فرجع فيه حنث إن كان رجوعه قبل الخروج، ولم يحنث إن كان رجوعه بعد الخروج.
ولو شرط في يمينه أن يكون خروجها بإذن غيره، اعتبر إذن ذلك الغير دون الحالف، ولو شرط إذنهما معًا حنث بخروجها عن إذن أحدهما، فإن أذن للغير أن يأذن لها، فعلى ثلاثة أضرب: أحدها: أن يقول: ائذن لها عن نفسك، فلا يجزئ في البر أن يأذن لها الغير، حتى يأذن معه الحالف، فإن أذن الغير، ولم يأذن الحالف حنث.
والثاني: أن يقول: ائذن لها عني، فقد صار في الإذن نائبًا عن الحالف، فيحتاج الغير أن يأذن لها إذنين.
أحدهما: عن نفسه.
والثاني: عن الحالف.
فإذا جمع بين الإذنين بر الحالف، وإن اقتصر على أحدهما حنث.
والثالث: أن يطلق إذنه للغير، فيسأل عنه الحالف.
فإذا أراد به أحد الأمرين عمل عليه، وكان حكمه على ما قدمناه من الضربين، فإن فات سؤال الحالف عنه الغيبة طالت نظر، حال ذلك الغير مع الحالف.
فإن كان ممن جرت عادته أن يأمره وينهاه، صار هذا الإذن له أمرًا، فيكون إذنًا عن الحالف، فيصير كالضرب الثاني.
وإن لم تجر عادته بأمره ونهيه صار مثل هذا الإذن طلبًا، فيكون إذنًا عن الغير، فيصير كالضرب الأول اعتبارًا بالعرف والله أعلم.
مسألة: قال الشافعي: "ولو أذن لها وأشهد على ذلك فخرجت لم يحنث لأنه قد أذن لها وإن لم تعلم كما لو كان عليه حق لرجل فغاب أو مات فجعله صاحب الحق في حل

الجزء: 10 - الصفحة: 488

برئ غير أني أحب له في الورع لو أحنث نفسه لأنها خرجت عاصية له عند نفسها وإن كان قد أذن لها".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، إذا حلف بطلاقها أن لا تخرج إلا بإذنه، وأذن لها ولم تعلم بالإذن حتى خرجت لم يحنث، ولا يكون علمها بالإذن شرطًا في البر، وهذا مذهب الشافعي وبه قال أبو يوسف وقال مالك وأبو حنيفة ومحمد يحنث، ويكون علمها بالإذن شرطًا في البر، استدلالاً بأربعة معانٍ: أحدها: أن الإذن تضمن الإعلام لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27]، أي أعلمهم بفرضه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس: "إذا حللت، فآذنيني"، أي: أعلميني.
وقول الشاعر: آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء أي: أعلمتنا، فإذا ثبت بالشرع واللغة أن الإذن يتضمن الإعلام صار شرطًا، فيه فإن عدم لم يكمل الإذن، فلم يقع به البر.
والثاني: أن الإذن أمر يخالف ما بعد حكم ما قبله، فجرى مجرى النسخ، ثم ثبت أن العلم بالنسخ شرط في لزومه كذلك العلم، بالإذن شرط في صحته.
والثالث: أنه ألزمها بخروجه عن إذنه أن تكون مطيعة في الخروج، فإذا لم تعلم بالإذن صارت عاصية بالخروج، فلم يكن هو الخروج المأذون فيه، فوجب أن يحنث به، ويصير عدم علمها بالإذن جاريًا مجرى عدم الإذن، لوجود المعصية فيهما، كمن باع ما لا يعلم أنه مالك له، ثم علم أنه قد كان مالكًا له، كان بيعه باطلاً، وجرى عدم علمه بالملك مجرى عدم الملك.
والرابع: أن الإذن يفتقر إلى آذن، ومأذون له، كالكلام الذي يفتقر إلى قائل ومستمع، فلما كان المنفرد بالكلام يسلبه حكم الكلام، وجب أن يكون تفرده بالإذن يسلبه حكم الإذن.
ودليلنا أربعة معان: أحدهما: إن الإذن يختص بالآذان، والعلم به مختص بالمأذون لها، وشرط يمينه إنما كان معقوداً على ما يختص به من الإذن دون ما يختص بها من العلم.
ألا ترى أن اسم الإذن ينطلق على إذنه دون علمها، فوجب أن يكون موجباً لوجود الشرط، فلا يقع به الحثت، كما لو قال: إن قمت، فأنت طالق، طلقت بقيامه، إن لم تعلم.
والثاني: أنه لو كان العلم شرطًا في الإذن لكان وجوده من الحالف شرطًا فيه، كما كان وجود الإذن منه شرطًا فيه، فلما ثبت أنها لو علمت به من غيره صح، لو أذن لها

الجزء: 10 - الصفحة: 489

غيره لم يصح، دل على خروجه من حقوق الإذن، وصح بمجرد القول.
والثالث: أنه قد حظر الخروج عليها باليمين، وأباحها الخروج بالإذن، فصار عقدها جامعًا بين حظر وإباحة، والاستباحة، إذا صادفت إباحة لم يعلم بها المستبيح جرى عليها حكم الإباحة دون الحظر، كمن استباح مال رجل قد أباح له، وهو لا يعلم بإباحته، جرى على المال المبتدئ حكم الإباحة اعتبارًا بالمبيح، ولم يجز عليه الحظر اعتبارًا بالمستبيح.
كذلك حكم هذه الخروج.
وتحريره: أنها استباحة بعد إباحة، فلم يكن فقد العلم بها مؤثرًا في حكمها كالمال.
والرابع: أنها لا تعلم بإذنه، لبعدها تارة، ولنومها أخرى، وقد وافقوا أنه لو أذن لها، وهي نائمة، فخرجت غير عالمة بإذنه لم يحنث، كذلك إذا أذن لها، وهي بعيدة، فلم تعد تعلم بإذنه حتى خرجت وجب أن لا يحنث.
وتحريره: أنها يمين تعلق البر فيها بالإذن، فوجب أن لا يكون عدم العلم به موجبًا للحنث، كالنائمة والناسية.
وأما الجواب عن استدلالهم الأول، بأن الإذن يتضمن الإعلام استشهادًا بما ذكروه، فمن وجهين: أحدهما: أن الإعلام، هو الإيذان دون الإذن، وفرق بين الإذن والإيذان.
والثاني: أن الإذن لو اقتضى الإعلام، لاختص به الإذن دون غيره، وهو لا يختص به، فلم يكن من شرط إذنه.
وأما الجواب عن استدلالهم الثاني في النسخ، فهو أن في اعتبار العلم به وجهين: أحدهما: أن النسخ يلزم مع عدم العلم به كالإذن، فلم يكن فيه دليل.
والثاني: أنه لا يلزم إلا بعد العلم به، كأهل قباء حين استداروا في صلاتهم، وبنوا على ما قتدم قبل علمهم بنسخ بيت المقدس بالكعبة.
فعلى هذا أن الفرق بينهما أن النسخ مختص بالتعبد الشرعي، فلم يلزم إلا بعد العلم به، لوجوب إبلاغه، والإذن رافع للمنع، فصار مرتفعًا قبل العلم به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضة بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الثالث بأن اشتراط الإذن يقتضي خروجًا تكون فيه مطيعة، فهو انتقاضه بخروجها إن كانت ناسية لإذنه، أو كانت نائمة عند إذنه هي قاصدة لمعصيته ولا يحنث به.
وأما الجواب عن استدلالهم الرابع بالمتكلم، فهو فساد الجمع بينهما، لأن المعتبر في كلام الغير الاستماع دون الإعلام والسماع، وهم يعتبرون في الإذن الإعلام دون السماع والاستماع، ففسد الجمع بينهما مع اختلاف مقصودهما.

الجزء: 10 - الصفحة: 490

فصل: فإذا ثبت أن العلم ليس بشرط في صحة الإذن، فقد قال الشافعي رضي الله عنه: ولو أذن لها وأشهد على نفسه لم يحنث، وليس إشهاده على الإذن شرطًا فيه، وإنما هي حجة له إن ادعاه، ليرفع به الطلاق إذا أنكرته الزوجة، ليقع عليه الطلاق.
وإنما الشرط في صحة الإذن أن يكون مسموعًا منه، فإن لم يذكره لمستمع لم يصح، لأنه يصير من حديث النفس الذي لا يصح به الإذن.
ثم قال الشافعي رضي الله عنه: "وأحب له في الورع أن يحنث نفسه".
وإنما اختار له ذلك، لأنه مخرج مختلف في استباحته، فاختار له أن تكون الاستباحة ومتفقًا عليها، وأمره بالتزام الحنث، ولم يرد بالتزام الحنث التزام الطلاق، لأنه التزام الطلاق لم تصر زوجته مستبيحة الأزواج باتفاق، وإنما أمره بما تكون الاستباحة في الجهتين باتفاق يقع.
وإذا كان كذلك لم يخل أن يكون الطلاق رجعيًا أو ثلاثًا.
فإن كان رجعيًا، فيختار له في الورع إن أراد المقام معها أن يرتجعها، لأن الطلاق إن وقع استباحها بالرجعة، وإن لم يقع لم تضره الرجعة.
وإن لم يرد المقام معها قال لها: إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك، فأنت طالق واحدة، حتى لا يلزمه أكثر من واحدة في الحالين.
فإن لم يقل هكذا، وقال: أنت طالق، واحدة لزمته واحدة، وكانت الثانية على اختلاف.
وإن لم يقل أحد هذين كان النكاح لازمًا، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها والورع أن يمتنع من إصابتها.
وإن كان الطلاق ثلاثًا، فليس من الورع الإقامة عليها، والورع أن يفارقها بأن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا.
وليس يحتاج أن يقول لها: أنت طالق ثلاثًا إن لم يكن الطلاق قد وقع عليك لأن طلاق الحنث إن وقع لم يقع طلاق المباشرة، وخالف طلاق الرجعة، لأنه إن لم يقع طلاق الحنث وقع طلاق المباشرة.
فإن لم يقل هذا في الطلاق الثلاث، كان ملتزمًا لنكاحها، وهي ممنوعة من الإزواج، ويؤخذ بنفقتها، والورع له أن يمتنع من إصابتها، فإن لم يمتنع، وأصابها في الطلاقين فلا حرج عليه، ولا مأثم، لما حكم به من بره في يمينه.

الجزء: 10 - الصفحة: 491

تتمة كتاب الأيمان

باب من يعتق من مماليكه إذا حنث

مسألة: قال: "ومن يعتق ما يملِكُ".
الفصل يعني إذا قال: رقيقي أحرار، أو مماليكي أحرار، أو إن دخلت الدار فمماليكي أحرار، أو رقيقي أحرار ودخل الدار، فإن كان عبيد وإماء عتقوا؛ لأن هذا الاسم يتناولهم حقيقة، وإن كان مدبرًا أو مدبرة عتقًا أيضًا؛ لأنهما في حكم العبد القن، ولو باشرهما بالعتق عتقًا، وإن كانت له أم ولدٍ عتقت أيضًا؛ لأنه لو باشرها بالعتق عتقت، وكذلك إذا كان له أشقاصٌ من عبيدٍ وإماءٍ يحكم بعتقهم؛ لأنه يملك ذلك ملكًا حقيقةً، وإن كان له مكاتب أو مكاتبة فإن نوى عتقهما عتقًا بالنية، وإن أطلق ولم ينو فالمنصوص أنهما لا يعتقان؛ لأنه خارج عن ملك سيده في تصرفه فلا يتصرف في رقبته ولا منفعته، ويستحق كل واحدٍ منهما الحقوق على صاحبه فلا يدخل في اسم المماليك.
واعلم أن الشافعي علل فقال: "لأن المكاتب خارج عن ملكه بمعنى داخل".
وله تأويلان: أحدهما: أنه خارج عن ملكه مع براء عقد الكتابة، وداخل في ملكه بتعجيزه نفسه.
والثاني: أنه أراد أنه خارج ببعض أحكام الحرية له، وداخل بثبوت بعض أحكام الرق له.
وقال الربيع: سماعي من الشافعي أنهما يعتقان، فمن أصحابنا من لم يجعل هذا قولاً للشافعي، وقال: هذا من كيس الربيع وتخريجه وليس بقول الشافعي.
ومنهم من قال وهو الصحيح: هذا قول آخر ففي المسألة قولان؛ لأنه قال: سماعي منه وهو ثقة فيما يرويه، ووجه قوله: "المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".
ويؤكده أنه مملوك لسيده، ولهذا لا ولاية ولا شهادة، وهذا لا يصح؛ لأن من أصحابنا من قال: يجوز أن يكون مملوكًا لا مالك له كستر الكعبة.
ومنهم من قال: مملوك لنفسه ولا يعتق؛ لأنه لم يكمل ملكه، كما إذا [1/ أ] اشترى عبدًا فإنه يملكه ولا ينفذ عتقه فيه؛ لأنه لم يكمل ملكه.
فإنه قيل: أليس لو أعتقه نفذ عتقه فدل أنه مملوك؟ قلنا: إذا واجهه بالعتق كان إبراٌ من مال الكتابة؛ لأن عتقه لا يحصل إلا به، ولهذا بقي له أولاده واكتسابه، وهنا أطلق اللفظ فينصرف إلى من ملكه حقيقة، ولا حاجة إلى استعماله في المكاتب ولا يتناوله المطلق في الحقيقة.

الجزء: 10 - الصفحة: 492

مسألة: قال: "ولو حلف بعتق عبده ليضربنه غدًا فباعه اليوم فلما مضى غدٌ اشتراه".
الفصل هذه مسألة مبنية على مسألة في الطلاق، وهي إذا قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، ثم أبانها فدخلت الدار لم تطلق، فإن تزوجها بعد ذلك ثم دخلت الدار لم تطلق أيضًا؛ لأن الصفة قد وجدت دفعة فانحلت اليمين.
ولو لم تدخل الدار في حال البينونة ثم تزوجها فدخلت هل تعود الصفة؟ قد ذكرنا أنه إن أبانها بدون الثلاث ثم تزوجها، ففي القديم تعود اليمين قولاً واحدًا، وفي الجديد قولان.
وإن أبانها الثلاث ففي الجديد لا تعود قولاً واحدًا، وفي القديم قولان.
فإذا ثبت هذا فهاهنا إذا قال لعبده: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فإن جاء الغد وهو مالكه، فإن ضربه بر في يمينه، وإن لم يضربه حنث، إلا أنه لا يعتق؛ لأنه ليس في ملكه.
فإن اشتراه بعد ذلك لا يؤثر شيئًا؛ لأن وقت اليمين قد فات.
وفرَّع أصحابنا على هذا إذا قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، ثم جاء الغد وتمكن من ضربه فلم يضربه ثم باعه قبل غروب الشمس لا يعتق أيضًا، لأن الصفة قد وجدت وهي حالة الغروب وليس العبد في ملكه فلم يعتق.
ولو باع العبد قبل أن يضربه ثم ابتاعه قبل غروب الشمس من الغد وتمكن من ضربه هل تعود اليمين حتى إذا لم يضربه عتق أم لا يعود؟ فيه قولان.
واختلف أصحابنا على أي أصل يبنى ذلك، فمنهم من قال: هو بمنزلة البينونة [1/ ب] بعد الثلاث، وقد تقدم هذا في "كتاب الخلع".
وقال القفال: العود بملكٍ جديد في هذا الرق يشبه العود بنكاح جديدٍ قبل زوج آخر، وإن أعتقه وهو كافر فاسترق فملكه من الرق الجديد، فهو كالعود في النكاح بعد زوج آخر في الجديد لا يعود الحنث، وفي القديم قولان.
فرع لو قال: والله لأضربنك غدًا، فإن ضربه في الغد برَّ، وإن لم يضربه حنث عند غروب الشمس، وإن باعه قبل الغروب وفاته الضرب حنث أيضًا وتلزمه الكفارة.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها أن اليمين هناك معلقة بالعتق وذلك تعلق بعين العبد ولا يمكن ذلك؛ لأن العبد غير مملوك له فحنث ولزمته الكفارة عند تمكنه من الضرب وتفويته إياه على نفسه.
فرع آخر لو قال: إن لم أضربك غدًا فأنت حر، فباعه قبل مجيء الغد ثم اشتراه بعد انقضاء غده، قال ابن أبي هريرة: يعتق عليه وينتقض البيع ويرجع بثمنه لاستحقاق عتقه قبل بيعه وهذا غلط؛ لأن نفوذ البيع أوجب زوال ملكه.

الجزء: 10 - الصفحة: 493

فرع آخر لو رهنه قبل غده وافتكه بعد غده ففي عتقه عليه ثلاثة أقوال بناء على إعتاق المرهون.
مسألة: قال: "ولو قال لعبده أنت حر إن بعتك فباعه بيعًا ليس ببيع خيار فهو حر".
الفصل إذا قال لعبده: إن بعتك فأنت حر فقد علق عتقه على بيعه، فإن باعه مطلقًا عتق عليه؛ لأن صفة العتق مصادفة عقيب البيع والخيار ثابت له في تلك الحالة وهو خيار المجلس.
ولو باشره بالعتق عتق فكذلك إذا وجدت الصفة عتق خلافًا لمالك وأبي حنيفة؛ لأن عندهما لا يثبت خيار المجلس.
ولو باعه بشرط خيار الثلاث عتق بالإجماع عندنا لثبوت الخيارين؛ خيار المجلس وخيار الشريك، وعندهما لثبوت خيار الثلاث.
وقد ذكرنا أنه لو باعه على أن لا خيار له فيه، ظاهر كلام الشافعي هنا مقتضى صحة البيع وأن لا يعتق عليه؛ لأنه قال: "فباعه [2/ أ] بيعًا ليس ببيع خيار" لم يعتق.
وقيل: قوله: "ليس ببيع خيار"، لم يرد به هذا، بل أراد ليس ببيع شرط فيه خيار ثلاثة أيام، وقصد به الرد على مالك وأبي حنيفة حيث شرطا في نفوذ العتق هنا شرط خيار الثلاث وهذا هو الصحيح، وهو الذي نص عليه في البويطي، وذكره أبو إسحاق، واختاره القاضي أبو حامد.
وقال القاضي أبو حامد: هذا يسقط تأويل من قال من أصحابنا: إن معناه ليس ببيع شرط فيه إبطال خيار المجلس عند عقد البيع وجعل جواز اشتراط إبطال خيار المجلس مع العقد قولاً للشافعي بهذا اللفظ، وقد ذكرنا في البيع فيه ثلاثة أوجهٍ، والصحيح بطلان البيع والشرط، وهو ظاهر قوله في "كتاب البيوع"؛ لأنه شرط ما ينافي مقتضى العقد ولا يتعلق به مصلحة العقد.
وعلى هذا لا يعتق العبد أيضًا؛ لأن الصفة لم توجد، وإذا قلنا يصح العقد دون الشرط يعتق؛ لأن الصفة توجد.
مسألة: قال: "ولو قال إن زوجتك أو بعتك فأنت حر، فزوجه أو باعه بيعًا فاسدًا لم يحنث".
هذا على ما ذكر صحيح؛ لأن ظاهر اللفظ ينصرف إلى الصحيح دون الفاسد، ووافقنا المزني في عقد بصور مرة صحيحًا ومرة فاسدًا مثل هذا العقد.
فأما إذا قال: إن بعت خمرًا أو خنزيرًا فأنت حر لا يحنث عند الشافعي بحالٍ، لأن البيع الصحيح لا يتصور فيها بحالٍ، وقال المزني: يحنث.
وكذلك لو قال: لا أبيع الخمر فباعها لا يحنث عندنا خلافًا للمزني.
واحتج بأنه لا يبيع الخمر إلا فاسدًا، فكأنه لم يرد إلا وجود لفظ لا يجافي القبول وقد وجد ذلك، وهذا غلط لما ذكرنا.

الجزء: 10 - الصفحة: 494

وكذلك لو قال: لا أبيع بيعًا فاسدًا لم يحنث وقلنا: لا يمكنك أن تبيع بيعًا فاسدًا فتحنث به.
وقال أبو حنيفة: إذا قال لا أبيع بيعًا فاسدًا وأقبض حنث عند الإقباض؛ لأن الملك به يقع.
وفي التزويج سلم أنه لا يحنث بالفاسد إذا حلف بعقد من المستقبل، فإن حلف أنه لا يزوج وكان قد زوج تزويجًأ فاسدًا قال: يحنث [3/ ب] وكذلك لو تزوج فاسدًا ثم قال: والله ما تزوجت حنث عنده، فيقيس الماضي على المستقبل.
وقال مالك: يحنث بالبيع الفاسد والنكاح الفاسد بكل حال.
فرع لو قال: والله ما صليت وكان قد صلى صلاةً فاسدةً لا يحنث.
وقال محمد: يحنث وهذا غلط؛ لأن الفاسد لا يتناوله النهي في المستقبل كذلك في الماضي.
فرع آخر لو قال: والله ما وهبت لفلان فوهب فلم يقبل، قد ذكرنا أنه لا يحنث في أصح الوجهين.
وقال أبو حنيفة وبه قال ابن سريج: يحنث؛ لأن البذل أول العقد وهذا يبطل بالبيع؛ لأنه لا يعتق بالبذل حتى يعقبه القبول؛ لأن مجرد البذل لا يكون عقد فيهما.
وكذلك لو علقه بالرهن والإجارة.
وكذلك لو قال لا أُعيره فأعاره فلم يقبل لا يحنث خلافًا لأبي حنيفة، وعلل بأنه لا عوض في العارية، والمقصود ما يوجد من المعير فيحنث به، وهذا لا يصح لما ذكرنا.
مسألة: قال: "وإذا حلف لا يأكل الرؤوس".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث إلا بأكل رؤوس النعم خاصة الإبل والبقر والغنم، فأما غيرها فلا يحنث بأكله.
وقال أبو حنيفة: يحنث بأكل رؤوس الغنم والبقر دون الإبل.
وقال أبو يوسف: يحنث بأكل رؤوس الغنم فقط، وقال: يحنث بأكل رؤوس الطيور والحيتان.
ودليلنا أن اسم الرؤوس وإن كان يقع على كل رأس حقيقة إلا أن الذي يتعارف الناس أكله هو هذه الثلاثة، فإنها هي التي تتميز عن الأبدان وتقصد للأكل فحنث بأكلها دون غيرها، وهو معنى قول الشافعي: "لأن الأيمان مخصوصة بالعرف".
وقيل: إنما اختلفت أجوبة العلماء هنا لاختلاف العادات في بلدانهم، ففي الحجاز تفرد رؤوس الغنم كلها فتسوى وتباع صحيحة مشوية.
وفي الكوفة جرت العادة بذلك في البقر والغنم خاصة.
وبغداد جرت العادة بذلك برؤوس الغنم خاصة، وكذلك [3/ أ] بخراسان.
وأما إذا أكل رؤوس الصيد كالأرانب والغزلان والثعالب ونحو ذلك، قال: إلا أن يكون ببلد يكثر فيها الصيد كما تكثر فيها لحوم الأنعام في السوق وتميز رؤوسها فيحنث في رؤوسها.
وإن كان ببلد يقل فيها الصيد ولا يكثر، قال أصحابنا: فيه وجهان:

الجزء: 10 - الصفحة: 495

أحدهما: لا يحنث؛ لأن إطلاق الاسم لا يتناوله.
والثاني: يحنث؛ لأن ما يثبت له العرف في بلد يثبت في سائر البلاد كخبز الأرز ولحم الفرس.
قال أبو إسحاق: وعلى هذا إذا كان قوم في موضع من السواحل يأكلون السمك وتباع رؤوسها مفردة عندهم كما تباع رؤوس الغنم عندنا يحنث بأكل تلك الرؤوس أيضًا.
ومن هذا أفتى بعض علماء طبرستان أنه يحنث فيها بأكل رأس الحوت وعندي هذا التخريج خطأ؛ لأنه لا يشوى في طبرستان رأس الحوت كما يشوى رأس البقر والغنم خاصة.
وإذا قال بالفارسية: سربريان نخورم، فإنه لا يحتمل ذلك رأس الحوت.
وقال في "الحاوي": إذا كان في بلدة يكثر فيها الصيد أو السمك، ويقطع رأسه عن جسده ويفرد بيعه في سوقه يحنث بأكله.
ولكن هل يجوز عرف هذا البلد مقصورًا على أهله أم عامًا فيهم وفي الطارئين إليها؟ فيه وجهان: أحدهما: خاص في أهلها دون الطارئين إليها تغليبًا لعرف الحالف، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات والبحار لم يحنثوا إلا برؤوس النعم، وإن دخل أهل الفلوات إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الصيد، وإن دخل أهل البحار إلى أمصار الريف لم يحنثوا إلا برؤوس الحيتان.
الثاني: أنه عام في أهلها وفي الطارئين إليها تغليبًا لعرف المكان، فإن دخل أهل الريف إلى بلاد الفلوات حنثوا برؤوس الصيد، وإن دخلوا إلى بلاد البحار حنثوا برؤوس الحيتان، وإن دخل أهل الفلوات والبحار إلى الريف حنثوا برؤوس النعم.
[3/ ب] وفي بقاء حنثهم بعرف بلادهم وجهان: أحدهما: باقٍ عليهم لاستقراره عندهم، فعلى هذا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات بأكل رؤوس الصيد وبأكل رؤوس النعم مع رؤوس الصيد، ويحنث أهل البحار فيها بأكل رؤوس الحيتان ورؤوس النعم.
والثاني: لا يزول عنهم عرف بلادهم بالانتقال عنها، فلا يحنث أهل الفلوات والبحار في بلاد الريف إلا برؤوس النعم، ولا يحنث أهل الريف في بلاد الفلوات إلا برؤوس الصيد، وفي بلاد البحر إلا برؤوس الحيتان.
وهذا كله إذا عللنا أن الشافعي حنثه برؤوس النعم لاختصاصها بقطع رؤوسها عن أجسادها وإفرادها ببيعها في أسواقها.
ومن أصحابنا من علل بعلة أخرى، وهي أن عرف كلامهم متوجه إليها وإفراد أكلها مختص بها، فإنه لا يعرف ممن قال أكل الرؤوس إلا رؤوس النعم وغيرها يعرف بقرنيه، ولا يفرد بالأكل إلا رؤوس النعم وغيرها تؤكل مع أجسادها.
قال صاحب "الحاوى": في التعليلين امتزاج من وجه وتمييز من وجه، فعلى هذا هل

الجزء: 10 - الصفحة: 496

يكون عرف البلد خاصًا فيه أو عامًا في جميع البلاد فيه؟ ظاهر المذهب أنه يصير عامًا في جميع البلاد كلها فيحنث جميعهم برؤوس النعم الثلاثة.
وإن عرفنا أن لبعض البلاد عرفًا في رؤوس الصيد والحيتان حنث جميع الناس، وإن لم نعلمه لم يحنثوا.
والشافعي إنما خص الحنث برؤوس النعم الثلاثة لأنه لم يعرف عرف بلد في غيرها، ولم علم لحنث بها جميع الناس كما حنثهم برؤوس النعم، ولهذا حنث القروي الذي لا يسكن بيت شعرٍ في حلفه لا يسكن بيتًا بسكونه؛ لأن عرف البادية جارٍ به.
وقال ابن سريج: عرف كل بلدٍ مخصوص في أهله ومقصور عليهم دون غيرهم، فعلى هذا يحنث أهل الحجاز برؤوس النعم الثلاثة [4/ أ] كما قال الشافعي اعتبارً بعرفهم، ويحنث أهل الكوفة برؤوس البقر والغنم دون الإبل كما قال أبو حنيفة اعتبارًا بعرفهم، ويحنث أهل بغداد برؤوس الغنم وحدها كما قال أبو يوسف ومحمد.
وعلى هذا لا يحنث القروي بسكنى بيت الشعر.
قال: فإن انتقل عن بلدةٍ لهم فيها عرف إلى بلدةٍ يخالفونهم فيه ثلاثة أوجه: أحدها: يحنثون بعرف بلدهم الذي انتقلوا عنه.
والثاني: يحنثون بعرف البلد الذي انتقلوا إليه.
والثالث: يحنثون بعرف البلدين معًا.
مسألة: قال: "وكذلك البيض".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل بيضًا إنما يحنث بأكل البيض الذي يزايل بائضه حيًا ويؤكل منفردًا عنه، وهو بيض الدجاج والطيور والبط والنعام والعصافير ونحو ذلك، ولا يحنث بأكل بيض الحيتان والجراد لأنهما لا يزايل ببائضه إلا أن ينوي ذلك.
فإن قيل: أكل بيض النعامة نادر فوجب أن لا يحنث بأكله؟ قيل: العرف في بيض النعامة والدجاجة واحد في إطلاق الاسم، وإنما يؤكل نادرًا لقلته وكثير ثمنه، ومنزلة ذلك منزلة رجل فقير حلف لا يلبس ثوبًا وهو ممن يلبس الصوف أو القطن، فلبس خزًا أو وشيًا أو غير ذلك من الثياب الفاخرة التي لا يلبسها مثله يحنث؛ لأن الاسم في الجميع واحدٌ، وإنما يختلف الاستعمال للتواضع أو كثرة الثمن ونحو ذلك.
وقال في "الحاوي": في بيض النعامة يحنث به أهل البادية، وهل يحنث أهل الأمصار؟ فيه وجهان: أحدها: يحنثون إذا قلنا أهل القرى يحنثون بسكنى بيت الشعر.
والثاني: لا يحنثون به إذا قلنا إن أهل القرى لا يحنثون بسكنى بيت الشعر ويحنث بأكل المعتاد أهل النادر والمعتاد بلا إشكال.
وقال أبو إسحاق: يحتمل أن لا يحنث ببيض العصافير والحمام ونحو ذلك؛ لأنه علم عنهم [4/ ب] ترك أكله، فخرج بالعرف من اليمين، والصحيح المنصوص ما تقدم.
فرع لو ذبح دجاجة في جوفها بيض وصل إليه بذبحها فهل يحنث بأكلها؟

الجزء: 10 - الصفحة: 497

وجهان أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لم يزايل بائضه حيًا فصار كبيض السمك.
والثاني: يحنث؛ لأنه من جنس ما وصل إليه مع حياة بائضه.
وقيل: إذا أكل الذي في جوفها من غير قشر لا يحنث وجهًا واحدًا.
وقيل: لا يحنث إلا بأكل بيض الدجاج فقط للعرف، وهذا غلط.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل لحمًا".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل لحمًا حنث بأكل لحم الإبل، والبقر، والغنم، والوحش، والطيور؛ لأن كلها لحم، ولا يحنث بأكل لحم السمك؛ لأنه ليس بالأغلب وإن كان الله تعالى أطلق عليه اسم اللحم.
ويقال: أكلت السمك والحوت ولا يقال أكلت لحم السمك، وهذا إذا لم يكن له نية، فإن نوى ذلك حنث.
وقال مالك وأبو يوسف: يحنث بذلك بكل حال؛ لأن الله تعالى سماه لحمًا، فقال: "لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً" [النحل: 14] قلنا: لو حلف لا يقعد تحت سقف بيتٍ لا يحنث إذا قعد تحت السماء وقد سماها الله تعالى سقفًا، لأنه مجاز كذلك ههنا.
فرع لو أكله ناسيًا حنث خلافًا لمالك، وهذا لأنه يقال: أكل اللحم على الإطلاق.
فرع آخر لو أكل لحم الخنزير وسائر ما لا يحل له من اللحوم، قال ابن سريج: فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن ما لا يحل أكله في الشرع لا تتناوله يمينه المطلقة، كما لو قال: لا أبيع لم يحنث بالبيع الفاسد.
والثاني: يحنث، وبه قال أبو حنيفة؛ لأن اسم اللحم يقع عليه حقيقة كما يقع على المأكول، ويخالف البيع لأن الاسم لا ينصرف إلى الفاسد عند الإطلاق، ولذا لو باع غيره لم يحنث.
لو أكل لحم شاة غيره يحنث بلا خلاف، وهذا اختيار القفال، والأول أصح عندي للعرف والعادة.
فرع آخر لو قال [5/ أ] لها: والله لا وطئتك فوطئها في حال الحيض حنث في يمينه.
وقال المزني في "المنثور": لو حلف ليطأن امرأته الساعة فحاضت المرأة من ساعتها، نص الشافعي أنه إن وطئها حائضًا لا يبر؛ - لأن الشافعي يقول: لو حلف لا يشتري اليوم فاشترى فاسدًا لا يحنث؛ لأن الفاسد لا معنى له، فحصل وجهان، ذكره القاضي الطبري.
وقيل: المنصوص أنه يحنث وإن كان الوطء حرامًا في الشرع وخالفه المزني.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يشرب سويقًا فأكله، أو لا يأكل خبزًا فماثه ثم شربه".

الجزء: 10 - الصفحة: 498

الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يشرب سويقًا فإن شربه خلطه بالماء وتحساه حنث به، وإن استفه يابسًا لم يحنث؛ لأنه ليس بشربٍ.
وإن حلف لا يأكل خبزًا فأكله بأن مضغه وابتلعه حنث، وإن جعله فيتًا وبله بالماء وتحساه لا يحنث؛ لأنه شرب وليس بأكل، والتعليل في ذلك أن الأفعال أجناس مختلفة كما أن الأعيان أجناس مختلفة، ثم علق يمينه على يمين من الأعيان لم تتعلق اليمين بغيرها، فكذلك إذا علقه على فعلٍ لا يتعلق بغيره.
وقول الشافعي رضي الله عنه: "فماثه" في الماء، أي ميَّثَه، يقال: ماثه وميَّثه.
فرع آخر لو حلف لا يشرب سويقًا فذاقه بلسانه لا يحنث؛ لأن الذوق ليس بأكل ولا شرب وإن دخل بطنه.
فرع آخر لو حلف لا يذوق فأكل وشرب حنث؛ لأن الأكل والشرب يتضمنان الذوق.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أنه إذا شرب لا يحنث؛ لأن الشرب غير الذوق.
وقال القفال: فيهما وجهان، وعند أبي حنيفة لا يحنث.
فرع آخر لو حلف لا يذوق شيئًا فأخذه بقيه فمضغه بفيه فمضغه ثم لفظه ولم يصل إلى جوفه هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث، كما لا يفطر به الصائم، ولا يقال: ذاق الشيء حتى يصل إلى حلقه [5/ ب].
والثاني: يحنث، وهو الأصح؛ لأن اسم الذوق يقع عليه وإن لم يصل إلى جوفه، فإنه عبارة عن معرفة طعم الشيء بلهواته وقد وجد ذلك، وهو قول عامة أصحابنا.
فرع آخر لو قال لا أطعم شيئًا حنث بالأكل والشرب، وكذلك إذا قال بالفارسية؛ لأن الطعم اسم جامع لهما.
فرع آخر لو حلف لا يتطعم هذا العام، فالتطعم معرفة طعمه بلسانه، فلا يعتبر فيه وصول شيء إلى جوفه، فمتى عرف طعمه حنث، ولو قال لا أطعم الطعام لم يحنث بتطعمه للفرق بين الطعم والتطعم، فإن الطعم أن يصير طعامًا له، والتطعم أن يعرف طعمه.
فرع آخر لو أوجر الطعام بقمع في حلقه ولم يدر في لهوات فمه حتى وصل إلى جوفه، فإن كانت يمينه على الأكل والشرب والذوق والتطعم لا يحنث لعدم شرطها، وإن كانت على أن لا أطعم حنث؛ لأنه قد وصل إلى جوفه ما صار طعامًا له.

الجزء: 10 - الصفحة: 499

فرع آخر قال بعض أصحابنا بخراسان: لو حلف لا يأكل السكر فمضغه حنث.
ولو أمسكه في فيه فذاب ودخل جوفه لا يحنث؛ لأنه يشترط في الأكل المضغ حتى يحنث، وعندي أنه يحنث به؛ لأنه يقال: أكل السكر وإن ذاب في حلقه.
فرع آخر لو قال: لا ابتلعت هذا التفاح أو شيئًا آخر فمضغه ثم ابتلعه لم يحنث.
ولو قال: لا أكلته فابتلعه لم يحنث ما لم يزدرده.
فرع آخر لو قال: لا وطئتك فأتاها في دبرها حنث؛ لأنه يسمى وطئًا، ذكره بعض أصحابنا، وذكر في "الحاوي" أنه لا يحنث؛ لأن جنسه لا يباح.
فرع آخر لو قال: لا تناولت دواء فتناول السكر بغير علة لم يحنث، وإن تداوى به حنث، كما لو قال: لا تداويت فاحتجم لعلةٍ حنث، وإن كان لغير علة لم يحنث.
[6/ أ] مسألة: قال: "ولو حلف لا يأكل سمنًا فأكله بالخبز أو بالعصيدة".
الفصل السمن على ضربين؛ جامد ومائع.
فأما الجامد فأكله أن يمضغه، فإذا قال: لا آكل سمنًا فأكله هكذا حنث، وإن أكله بالخبز قال الشافعي رضي الله عنه وعامة أصحابنا: يحنث؛ لأنه أكله مع الخبز، يقال: أكل الخبز وأكل السمن، فقد وجد المحلوف عليه وزيادة فيحنث به.
وقال أبو يوسف: لا يحنث به؛ لأنه لم يأكله وحده، بل أكله مع غيره فصار كما لو قال: لا آكل من طعام اشتراه زيد فاشتراه زيد وعمرو فأكل منه لم يحنث، وبه قال الإصطخري من أصحابنا وهذا غلط؛ لأن هناك ما أكل ما اشتراه المحلوف عليه خاصة، وهاهنا أكل المحلوف عليه حقيقة فوزانه أنه إذا حلف لا يأكل طعامًا اشتراه زيد فاشترى زيد طعامًا واشترى عمرو طعامًا فخلطهما وأكلهما حنث، وإن أذابه أو كان مائعًا فشربه لم يحنث؛ لأنه ليس بأكل، وإن أكله بالخبز حنث خلافًا للإصطخري فإنه قال: لا يحنث إذا أكله مع غيره.
وقال في "الحاوي": إذا أكله مع غيره من خبز أو سويق فيه ثلاثة أوجه؛ أحدها: ما ذكرنا أولاً وهو المذهب، سواء كان جامدًا أو ذائبًا.
والثاني: ما قاله الأصطخري.
والثالث: ما قاله أبو إسحاق: إن كان جامدًا لم يحنث بأكله مع غيره؛ لأنه يقدر على أكل الجامد منفردًا، ولا يقدر على أكل الذائب إلا مع غيره.
وكذلك لو حلف لا يأكل عسلاً أو دبسًا؛ لأنهما يجمدان تارةً ويذوبان أخرى.
وكذلك لو حلف لا يأكل.

الجزء: 10 - الصفحة: 500

لبنًا فأكله بغيره أو طبخه مع غيره.
فرع لو أكله بعصيدة، قال الشافعي رضي الله عنه: يحنث.
قال بعض أصحابنا: أراد به أن يعصده في خبز ويأكله، فأما إذا طبخ عصيدة فأكلها لا يحنث؛ لأنه لا يقال له: أكل سمنًا [6/ ب] وإنما له أكل عصيدة أو خبيصًا أو غير ذلك.
ومن أصحابنا من قال: أراد به العصيدة المعروفة وهي الفالوذج وغير ذلك مما يجعل السمن فيه، ينظر فيه فإن كان مستهلكًا لم يحنث، وإن كان غير مستهلك حتى لو انجمد تبين السمن فيه ونرى ذلك يحنث؛ لأنه قد أكل سمنًا مع عصيدة فكأنه أكله مع الخبز وهذا هو الصحيح، وهو كما قلنا في المحرم إذا أكل خبيصًا فيه زعفران ظاهرٌ يلزمه الفدية.
وأما إذا قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل فهي على الاختلاف الذي ذكرنا بين أصحابنا، وقد نص عليه في "الأم" فقال: "ولو قال لا آكل خلًا فأكل مرقًا فيه خل لا يحنث"؛ لأن الخل مستهلك فيه بحيث لا أثر له، فأما إذا كان لونه وطعمه قائمين فهو غير مستهلك فيجب أن يحنث.
وقيل: قول الشافعي: "إلا أن يكون جامدًا" أراد به أنه إذا لم يأكله منفردًا أو أكله في العصيدة لا يحنث، وهذا التفسير غير صحيح، وإنما ذكر هذا الاستثناء آلي ذكر العرف والعادة، حيث قال: لأن السمن لا يكون ماكولًا إلا بغيره، إلا أن يكون جامدًا فيقدر على أن يأكله جامدًا منفردًا فيأكله في عادة نادرة جامدًا منفردًا، هذا معنى الاستثناء لا ما قال القائل.
فرع آخر لو حلف لا يشرب لبنًا فخلطه بمائع، فإن كان اللبن أغلب لظهور طعمه ولونه حنث بشربه وإلا فلا يحنث.
مسألة: قال: "فَإذَا حَلَفَ لَا يَأُكُلُ هَذِهِ التَّمْرَةَ فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يأكل هذه التمرة بعينها فوقعت في تمر كثير فأكل، يُنظر فإن تيقن أنه أكل التمرة المحلوف عليها حنث بيقين، وإن [7/ أ] تيقن أن التي بقيت هي المحلوف عليها لا يحنث بيقين، فإن شك فلا يدري هي الباقية أم قد أكلها؟ قال الشافعي رضي الله عنه: "لا يحنث"؛ لأن الأصل عدم الحنث حتى يتحقق ذلك، ولكن الورع أن يحنث نفسه لجواز أن يكون قد حنث.
وقال في "الأم": "والورع أن لا يأكل منه شيئًا إلا حنَّث نفسه".
قال أصحابنا: وإذا حنَّث نفسه خرَّج كفارة يمين، كما لو تيقن الحنث، وكذلك لو هلك تمرة واحدة منها ولا يدري أنها المحلوف عليها أولًا.
قال بعض مشايخنا بخراسان: وفي ضد هذا لو حلف أن لا يأكلها ثم وقعت في تمر، ثم استبقى واحدة أو ضاعت لم يبر؛ لأن الأصل عدم البر، واليقين لا يترك بالشك.

الجزء: 10 - الصفحة: 501

فرع لو حلف لا يأكل هذه التمرة فأكلها إلا نواها وقمعها حنث؛ لأنه أكل مأكولها أو ألقى غير مأكولها.
ولو أكلها إلا يسيرًا منها كنقرة طائر لم يحنث خلافًا لمالك.
مسألة: قَالَ: "وَإِذَا حَلَفَ لَا يَاكُلُ هَذِهِ الحِنْطَةَ فَطَحَنَهَا".
الفصل لا فرق بين أن يقول: لا آكل هذه الحنطة، أو يقول: لا آكل من هذه الحنطة، في أنه إذا طحنها دقيقًا أو قلاها فجعلها سويقًا أو خبزها أو عصدها فأكل من ذلك لا يحنث؛ لأنه لم يأكل ما يقع عليه اسم حنطة، إلا أن قوله: من هذه الحنطة يقتضي بعضها، وقوله هذه الحنطة يقتضي جميعها.
وقال أبو يوسف ومحمد: يحنث بكل ذلك.
وقال أبو حنيفة: يحنث بالدقيق ولا يحنث بالخبز.
وحكي عن أبي حنيفة مثل قولنا.
واحتجوا بأن الحنطة تؤكل هكذا، فأشبه إذا قال: لا أكلت هذا اللحم فشواه وأكله حنث، وهذا لا يصح لما ذكرنا، فصار كما لو زرعها وأكل من حشيشها أو قال: لا أكلت هذا البيض فصار فرخًا فأكله لم يحنث، ويفارق ما قاس عليه؛ لأن اسم اللحم وصورته لم يزولا بخلاف مسألتنا.
فرع إذا حلف لا يأكل من [7/ ب] هذا الدقيق فخبزه وأكله لم يحنث، ولو استلف منه حشًا لا يحنث؛ لأن العرف أنه لا يؤكل منه إلا مخبوزًا، وهذا لا يصح؛ لأن في الحنطة لا يعتبر بقاء الاسم دون العرف بالاتفاق كذلك هاهنا، ولأنه يؤكل غير مخبوز من وجوه.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: من وجه لنا.
فرع آخر لو قال: لا أكلمه شابًا فكلمه شيخًا، أو قال: لا أكلت جديًا فأكله تيسًا، أو قال: لا آكل تمرًا فأكل رطبًا لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن اليمين ها هنا تعلقت بالصفة دون العين ولم توجد الصفة.
ولو قال: والله لا أكلم هذا الصبي فصار شابًا، أو لا أكلم هذا الشاب فصار شيخًا، أو لا أكلت من لحم هذا الجدي فصار تيسًا، أو لا أكلت هذه البسرة فصارت رطبة، أو هذه الرطبة فصارت تمرة هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث لزوال الاسم.
والثاني: يحنث؛ لأن صورتها لم تزل بل تغيرت الصفة.
وقال أبو حنيفة: في الحيوان يحنث، وفي الباقي لا يحنث؛ لأن قصده بأن لا يكلم الشاب لاستخفاف به وذلك لا يزول بكبره، وكذلك قصده باليمين أن لا يأكل لحم الجدي وذلك المعنى لم يزل وهذا صحيح؛ لأن المعتبر في اليمين الاسم دون القصد، ولهذا لو حلف لا يأكل هذا اللحم فأكله نيئًا يحنث وإن كان القصد به الانتفاع من أكله مطبوخًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 502

وقال بعض أصحابنا بخراسان: إذا قال لا آكل هذه الحنطة فجعلها دقيقًا فأكلها هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: يحنث بكل ما يتخذ منها، ومعناه لا آكل شيئًا يتخذ من هذه الحنطة.
والثاني: لا يحنث، ومن للتبعيض، أي لا آكل قليلها وكثيرها.
قال: وقيل: نص الشافعي رضي الله عنه على أنه إذا قال: لا آكل هذه الحنطة فاتخذها دقيقًا فأكل منه لا يحنث، ونص أنه لو قال: لا آكل هذا السخل فصار كبشًا، أو لا أكلم هذه الصبي فصار شيخًا فكلمه، أو أكل التيس حنث [8/ أ] فمن الأصحاب من قال: في الكل قولان، ومنهم من فرق بأن في مسألة الحنطة والتمر ذكر الاسم وقد تبدل الاسم، والصبي صفة فتبدل الصفة لا يوجب سقوط حكم الحنث، وأيضًا الحنطة تصير خبزًا، والتمر يصير عصيدة بفعل وعلاج، والسخلة تصير كبشًا بفعل الله تعالى عند مضي الزمان، وهذا إذا عَرَّف فأما إذا نَكَّر فقال: صبيًا فكلم شيخًا حنث على ما ذكرنا، وهذا كله تخليط والاعتماد على ما ذكرنا أولًا.
فرع آخر لو حلف لا يشرب هذا العصير فشربه خمرًا، أو قال: لا أشرب هذا الخمر فصارت خلًا لا يحنث وجهًا واحدًا؛ لأنه اقترنَ بزوال الاسم زوالُ الحكم.
فرع آخر لو حلف لا يلبس هذا العزل فنسجه ثوبًا حنث بلبسه وجهًا واحدًا؛ لن الغزل لما كان لا يلبس إلا منسوجًا صار مضمرًا في اليمين والمضمر في الإيمان كالمظهر، كما لو قال: لا آكل هذا الحيوان حنث بأكله مذبوحًا وإن لم يكن حيوانًا عند أكله؛ لأنها صفة مضمرة فجرى عليها حكم المظهر.
فرع آخر لو حلف لا يشم البنفسخ أو الورد فشم دهن البنفسج أو الورد لا يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث بدهن البنفسج دون دهن الورد لعرف أهل الكوفة؛ لأنهم يسمون دهن البنفسج بنفسجًا ولا يسمون دهن الورد وردًا.
وقال أحمد: يحنث بدهن البنفسج والورد أيضًا؛ لأن المقصود الرائحة.
قلنا: هذه تسمية مجازًا والحقيقة أولى، ولأن البنفسج اسم لجسم ذي رائحة فلا يجوز أن يتعلق حكمه بالرائحة وحدها ولهذا لو شم بنفسجًا بعد انتقال رائحته إلى الدهن حنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر لو يبسا كان في الحنث بهما بعد يبسها وجهان، أحدهما: لا يحنث، كمن حلف لا يأكل رطبًا فأكل تمرًا.
والثاني: يحنث لبقاء اسمه وصفته ويخالف التمرة لأنه زال عنه اسم الرطب وبقي اسم الورد والبنفسج على ما يبس منه.
[8/ ب]

الجزء: 10 - الصفحة: 503

والتعليل في هذين الوجهين كأن حلف من لا يأكل الرطب فأكله تمرًا على وجهين.
فرع آخر لو مرَّ بهما في السوق فشم رائحتها، فإن حمل النسيم الرائحة حتى شمها لم يحنث، وإن اجتذب الرائحة بخياشيمه حتى شمها حنث؛ لأن شمها بهبوب النسيم ليس من فعله، وشمها باجتذاب خياشيمه من فعله، ويخالف المحرم يشم الطيب من حانوت العطار؛ لأن المحرم عليه استعمال الطيب دون الرائحة.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَاكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا".
الفصل الأصل في هذا أن كل ما انفرد عن غيره باسمه، ففي حكم الحنث ينفرد، فإذا قال: لا آكل لحمًا فأكل اللحم الأحمر أو اللحم السمين الذي على الظهر أو الحشو حنث؛ لأنه لحم سمين، ولو أكل من شحم البطن لم يحنث.
وحكي عن مالك أنه قال: يحنث وهذا خطأ؛ لأنه لا يسمى لحمًا عرفًا وعادة، فهو كما لو حلف لا يأكل الشحم لم يحنث بأكل اللحم بالإجماع.
فرع لو حلف لا يأكل لحمًا فأكل القلب أو الكبد أو الطحال لا يحنث.
وقال أبو حنيفة: يحنث بأكلها.
ودليلنا أن له اسمًا آخر منفردًا، كما لو أكل الريَّة والكرش لا يحنث بالإجماع.
وقال بعض أصحابنا بخراسان: لا نص فيه، وينبغي أن يحنث بالقلب لأنه لحم.
وقيل: فيه وجهان، وفي الكبد والطحال لا خلاف.
فرع آخر لو أكل من قانصة الدجاج فهو على الخلاف الذي ذكرنا في الكبد والطحال.
فرع آخر لو أكل لحم اللسان أو لحم الخدين من الرأس يحنث لأنه لحم.
وكذلك لو أكل الأكارع؛ لأنها لحم وهي اسم عضو.
وقال في "الحاوي" فيه وجهان؛ أحدهما: هذا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسمه مضاف، يقال: لحم اللسان، ولحم الرأس، ولا يقال له لحم على الإطلاق.
فرع آخر لو أكل شحم العينين لا يحنث لأنه لا يسمى لحمًا.
فرع آخر لو أكل الألية فيه وجهان: [9/ أ] أحدهما: يحنث؛ لأنها لا تسمى شحمًا فكانت لحمًا.

الجزء: 10 - الصفحة: 504

والثاني: وهو الأصح أنه لا يحنث؛ لأنها لا تسمى لحمًا كما لا تسمى شحمًا.
وقال في "الحاوي": فيها ثلاثة أوجه: أحدهما: أنه من الشحم فيحنث بها في الشحم دون اللحم.
والثاني: أنها من اللحم لاتصالها بالعظم، وهو قول البغداديين.
والثالث: وهو قول البصريين أنها ليست من اللحم ولا من الشحم؛ لأنها تتميز عن اللحم والشحم.
فرع آخر لو حلف لا يأكل شحمًا فأكل اللحم أو البياض الذي على اللحم لا يحنث.
وقال أبو حامد: لا يحنث بالألية بلا خلافٍ.
وقد ذكرنا وجهًا آخر يحنث لأنه يسمى شحمًا، قال الله تعالى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: 146] فاستثناه من الشحم، ودليلنا أنه لا يسمى شحمًا ولهذا لا يفرد عن اللحم ولا يسمى بائعه شحامًا، فلم يحنث به وإنما يحنث بالشحم الذي ينفرد عن اللحم وهو شحم الكُلية والكرش.
وحكي عن القفال أنه قال مرة: يحنث بشحم الظهر، وقال مرة: لا يحنث فيحتمل وجهين، والصحيح عندي ما تقدم.
فرع آخر لو أكل شحم العينين فيه وجهان؛ أحدهما: يحنث لأنه ينطلق عليه اسم الشحم.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا ينطلق إلا بقرينة، فيقال: شحم العينين ولا يقال له شحم على الإطلاق، وأما الدماغ فليس بشحم ولا لحم فلا يحنث باليمين بأحدهما بلا خلاف.
فرع آخر لو حلف لا يأكل رطبًا فأكل بسرًا لم يحنث، وكذلك إذا قال: لا آكل بسرًا فأكل رطبًا لم يحنث، ولو قال: لا آكل رطبًا ولا بسرًا فأكل طلعًا وملحًا لا يحنث؛ لأن لكل واحدٍ اسمًا ينفرد به.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل تمرًا، أو تمرًا فأكل رطبًا لم يحنث، وحكي أن أبا حنيفة قال: إذا حلف لا يأكل تمرًا فأكل رطبًا حنث؛ لأن الرطب تمر وزيادة، ولو قال: رطبًا فأكل تمرًا لم يحنث؛ لأن التمر ليس برطبٍ وهذا لا يصح؛ لأن الرطب [9/ ب] لا يسمى تمرًا كما لا يسمى التمر رطبًا.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبًا فأكل منصفًا، فإن أكل ما ترطب منه حنث، وإن أكل الذي لم يترطب منه ل يحنث، وإن أكل الجميع حنث؛ لأنه أكل ما يسمى رطبًا، هكذا ذكره جماعة من أصحابنا.
وقال بعضهم: لا يحنث؛ لأنه لا يسمى رطبًا وإنما يسمى منصفًا

الجزء: 10 - الصفحة: 505

وهذا غلط؛ لأن معنى المنصف أن نصفه رطب ونصفه بسر، فإذا كان هذا معناه ينبغي أن يحنث بأكل ما هو رطب منه، ألا ترى أنه لو أكل بعض رطبة حنث؛ لأنه أكل ما هو رطب، كذلك هاهنا.
وقال في "الحاوي": إذا أكل جميعها فيه ثلاثة أوجه: أحدهما: وهو قول الأكثرين يحنث بها في البسر والرطب لما فيه من بسرٍ ورطبٍ.
والثاني: وهو اختيار الاصطخري وابن أبي هريرة لا يحنث بها في البسر ولا في الرطب لخروجها في الإطلاق من اسم البسر والرطب.
والثالث: قاله أبو الفياض البصري، إن كان أكثرها بسرًا حنث في البسر دون الرطب، وإن كان أكثرها رطبًا حنث بها في الرطب دون البسر اعتبارًا بالأغلب.
فرع آخر لو قال: لا آكل رطبة فأكل منصفة لم يحنث؛ لأنها ليست برطبة.
ولو قال: لا آكل تمرة فأكل منصفة لم يحنث أيضًا لهذا المعنى.
فرع آخر لو قال: لا آكل هذه الرطبة فصارت تمرًا، قال صاحب "الإفصاح": وهل يحنث بأكلها؟ فيه وجهان، والصحيح أنه لا يحنث، كالحنطة إذا طبخها ثم أكلها يحنث؛ لأن تغيره بغير صنعةِ أدميٍ وليس بشيء.
فرع آخر لو حلف: لا آكل خوخًا فأكله يابسًا، أو لا يأكل مشمشًا فأكله يابسًا ففي حنثه وجهان: أحدهما: لا يحنث لزوال الصفة.
والثاني: يحنث لبقاء الاسم بخلاف الرطب الذي يزول عنه الاسم.
فرع آخر لو حلف لا يأكل زبدًا فأكل لبنًا لم يحنث؛ لأن كل واحد منهما غير الآخر، وإن كان يستخرج منه، كما لو حلف لا يأكل دبسًا فأكل تمرًا، [10/ أ] وكذلك إن كان سمنًا لم يحنث، كما لو حلف لا يأكل تمرًا فأكل دبسًا.
وقيل: إذا أكل لبنًا في يمين الزبد فيه وجه آخر أنه يحنث؛ لأن فيه زبدًا وليس بشيء.
فرع آخر لو قال: لا آكل لبنًا فأكل زبدًا لا نص فيه، واختلف أصحابنا، قال أبو إسحاق: لا يحنث، لأن أحدهما غير الآخر.
وقال ابن أبي هريرة، وصاحب "الإفصاح": يحنث؛ لأن جميع ما يخرج من اللبن فهو لبن، وبه قال إبراهيم النخعي، وهو اختيار بعض مشايخ خراسان.
وقال ابن أبي هريرة: ولا يحنث باللبن في يمين الزبد؛ لأنه ليس

الجزء: 10 - الصفحة: 506

اللبن من الزبد، وهذا بالعكس أولى؛ لأن اللبن زبدًا.
وقال بعض أصحابنا: الصحيح أن يقال: إن كان فيه لبن ظاهر حنث، وإن كان مستهلكًا غير ظاهر لم يحنث، كما قلنا فيه إذا حلف لا يأكل سمنًا فعصد به.
فرع آخر لو أكل السمن في يمين اللبن لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأنه لا لبن في السمن.
وقيل: فيه وجهان؛ لأنه يستخرج من اللبن وليس بشيء.
وقال في "الحاوي": قياس قول ابن أبي هريرة أنه يحنث به لاشتراكهما في الصفة، وهو غلط.
فرع آخر لو أكل طيبًا أو رائبًا أو ماستًا أو لبئًا أو شيرازًا.
قال القاضي الطبري: يحنث في جميع ذلك.
ورأيت بعض أصحابنا توقف في الشيراز وليس فيه توقف عندي فإنه من أنواع اللبن، وعندي يحتمل أن يقال: لا يحنث به ولا باللباء والماست والرائب؛ لأنه لا يقع عليه اسم اللبن عرفًا وعادة ظاهرة.
فرع آخر لو أكل الجبن أو المصل.
قال القاضي الطبري: الذي عندي أنه لا يحنث؛ لأنه قد خرج من اسم اللبن بالصفة، كما لو حلف لا يأكل الدبس فأكل الناطف لم يحنث.
وحكي عن صاحب "الإفصاح" وابن أبي هريرة أنهما قالا: لا يحنث؛ لأنه لبن مجمد كالشيراز والماست.
فرع آخر لو قال: لا آكل لبنًا فأكل ألبان الصيود [10/ ب] يحنث عند الشافعي رضي الله عنه.
وكذلك بكل مباح معهود كان أو غير معهود.
وقال ابن سريج: يحنث بالمعهود من ألبان النعم دون ألبان الصيد، كما لو قال في البيض: لا يحنث ببيض العصافير والحمام.
فرع آخر ألبان الخيل معهودة في بلاد الترك دون العرب، وألبان الأدميات معهودٌ في الصغار دون الكبار فيتغير به الحكم عند ابن سريج، والمذهب أن الكل سواء.
فرع آخر في الألبان المحرمة كألبان الأتان وجهان؛ أحدهما: يحنث اعتبارًا بالاسم.
والثاني: لا يحنث اعتبارًا بالشرع.
فرع آخر إذا حلف على الزبد فلا يكون لألبان الإبل زبد، فإن كان لألبان شيء من الصيود

الجزء: 10 - الصفحة: 507

فهو نادرٌ غير معتاد، فيحنث به عند الشافعي رضي الله عنه اعتبارًا بالاسم، ولا يحنث به على قول ابن سريج اعتباراً بالعرف.
فرع آخر لو حلف لا يأكل اللباء وهو أول لبن يحدث بالولادة بعد انقطاعه بالحمل إذا رأيت وقت الولادة، وفي حنثه بما حلب قبلها وجهان مخرجان من الوجهين فيما تقدم على الولادة من يوم النفاس هل يكون نفاسًا؟ فيه وجهان؟ فإن قلنا يكون نفاسًا لأن هذا لباءً، وإن قلنا لا يكون نفاسًا لأن هذا اللبن لباءً، وغاية اللباء بعد الولادة ثلاث حلبان، وربما زاد ونقص بحسب اختلاف الحيوان في القوة والضعف، وصفته ما خالف اللبن في لونه وقوامه، فإن لون اللباء يمين إلى الصفرة وهو أثخن من اللبن وهو عند الرعاة معروف.
فرع آخر لو قال: والله لا آكل فاكهة حنث بأكل ما يسمى فاكهة، ومن جملتها الرطب والعنب والرمان والتفاح والخوخ ونحو ذلك.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث بأكل الرطب والعنب والرمان وخالفه صاحباه، واحتج [11/ أ] بقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمَّانٌ (68)﴾ [الرحمن: 68]، فأفردهما بالذكر ودليلنا أنه يسمى فاكهة بدليل أنه يسمى بائعه فاكهيًا، وموضع بيعه دار الفاكهة فيحنث به.
وأما الآية الكرية قلنا: أفردهما تخصصًا لأنهما أجلُ الفواكه، فهو كقوله تعالى: ﴿مَن كَانَ عَدُوًا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكَالَ﴾ [البقرة: 98]، فأفردهما وإن كانا من جملة الملائكة.
فرع آخر لو أكل نبقًا أو توتًا يحنث، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو أكل رطبًا ذكرنا حكمه، وهو قول الجمهور.
وقال بعض أصحابنا: هو من الفاكهة في البلاد التي يقل فيها كبغداد، ولا يكون من الفاكهة في جميع الأمصار التي يكثر فيها كالبصرة.
وقيل: لا يحنث بالرطب أصلًا في وجهٍ.
فرع آخر الموز والبطيخ فاكهة؛ لأنه ينضج ويحلو، وهذا اختيار ابن سريج وجماعةٍ.
ومن أصحابنا من قال: لا يحنث به.
فرع آخر الزيتون هل يدخل في اسم الفاكهة؟ وجهان.
فرع آخر القثاء والخيار لا يكون فاكهةً لا تتغير عن كونها عند فسادها لو أكله يابسًا، فإن

الجزء: 10 - الصفحة: 508

انتقل من اسمه كالرطب يسمى تمرًا بعد يسبه وكالعنب يسمى زبيبًا لا يحنث بأكله، وقد خرج عن الفاكهة، وإن كان لا ينتقل عن اسمه كالتين والخوخ والمشمش ففي حنثه بأكله وجهان؛ أحدهما: يحنث به لبقاء اسمه.
والثاني: لا يحنث به لانتقاله عن صفته.
فرع آخر لو حلف لا يأكل أدمًا فأكل لحمًا أو جبنًا حنث.
وكذلك كل ما يؤتدم به في العادة سواء كان مما يصطبغ به أو لا يصطبغ، وبه قال محمد، وأحمد، ولو أكل تمرًا ففيه وجهان؛ أحدهما: يحنث.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يؤتدم به وإنما يؤكل قوتًا وحلاوة.
وقال أبو حنيفة: الأدم ما يصطبغ به كالخل والشيرج، فأما ما لا يصطبغ به كاللحم والجبن [11/ ب] والبيض والباذنجان فليس بأدم.
واحتج بما روت عائشة رضي الله عنها قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم والبرمة تفور بأدمٍ ولحمٍ، فعطفت الأدم على اللحم فدل على افتراقهما.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم "سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية"، قال الأصمعي: الفاغية: نور الحناء.
وروي "سيد إدام أهل الدنيا اللحم، وسيد ريحان أهل الجنة الفاغية".
وعن صهيب رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللحم سيد الإدام في الدنيا والآخرة، والخبز سيد الطعام في الدنيا والآخرة" ونوعان أكرمهما الله تعالى في الدنيا والآخرة فجعلهما شرفًا لأهل الدنيا في دنياهم وزينة لأهل الآخرة في آخراهم الذهب والفضة.
وفي رواية عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فضل عائشة على النساء كفضل الخبز واللحم على سائر الإدام".
وروت حفصة بنت عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اللحم إدام".
وقد قال أبو حنيفة: يحنث بالملح الطيب.
وأما ما ذكروه فلا يصح التسمك به؛ لأنها ذكرته تأكيدًا وإن كان داخلًا في اسم الإدام.
وقال في "الحاوي": الأدم مشتق في استطابة أكل الخبز حتى يستمري، وهو أربعة أقسام: أحدهما: ما يكون إدامًا بحيث يأكله منفردًا، وهو ما يؤدم به في الأغلب من اللحم والسمك، والبيض واللبن.
والثاني: ما لا يكون إدامًا إذا انفرد ويصير إدامًا مع الخبز وهو يستأدم به في خصوص العرف دون عمومه كالعسل والدبس والتمر فلا يحنث به عند الانفراد، ويحنث إن أكله مع الخبز.
[12/ أ] وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى سائلًا خبزًا وتمرًا، فقال: "هذا إدام هذا".
وروي عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم

الجزء: 10 - الصفحة: 509

أخذ كسرة من خبز شعير فوضع عليها تمرة وقال: "هذه إدام هذه" فأكلها.
الثالث: ما لا يكون إدامًا ولا يحنث بأكله منفردًا ولا بالخبز، وهو الفواكه كلها؛ لأن اسم الإدام لا ينطلق عليها من عرف عام ولا خاص، والمستأدم بها خارج عن العرب.
والرابع: ما اختلف فيه لاختلاف أحواله، فتارة يؤكل قوتًا وتارة أدمًا كالأرز والباقلاء، فله في أكله ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يأكله مخبوزًا فقد صار بهذه الصفة قوتًا ولا يحنث به.
والثاني: أن يأكله مطبوخًا بخبز، فقد صار بهذه الصفة إدامًا يحنث بأكله.
والثالث: أن يأكله مطبوخًا منفردًا بغير خبز ففيه ثلاثة أوجهٍ: أحدها: يحنث بها اعتبارًا بصفته في الابتداء.
والثاني: لا يحنث به اعتبارًا بأصله من الأقوات.
والثالث: يعتبر عرف بلده، فإن كان في عرفهم إدامًا كأهل العراق حنث بأكله، وإن كان في عرفهم قوتًا كأهل طبرستان لم يحنث بأكله.
فرع آخر لو قال: لا أكلت قوتًا فالأقوات ما قامت به الأبدان وأمكن الاقتصار عليه وهو معتبر بالعرف، والعرف فيه ضربان؛ عرف شرع وعرف استعمال.
فأما عرف الشرع فهو منطلق على ما وجبت فيه زكاة العين فيحنث بأكله سواء دخل في عرف قوته أو خرج عنه؛ لأن عرف الشرع عام لعموم أحكامه، فيحنث بأكل التمر والزبيب وإن لم يكن من أقواته.
فأما عرف الاختيار كأهل البوادي يقتاتون ألبان الحيوان، أو سكان الجزاير يقتاتون لحوم السمك، وسكان قلل الجبال يقتاتون لحوم الصيد، فيحنث كل قوم منهم بأكل عرفهم في أٌواتهم ولا يحنثون بعرف غيرهم لخصوصه في عرفهم، ويحنثون بالعرف الشرعي لعمومه فيهم، ولا يحنث غيرهم بعرفهم لخصوصه فيهم.
وأما عرف الاضطرار [12/ ب] كأهل الفلوات يقتاتون الحشيش في زمان الجذب، فيحنثون في زمان الجذب بقوتهم في الجذب، وقوتهم في الخصب وهو الألبان، ويحنثون في زمان الخصيب بقوتهم في الخصب دون الجذب، ويكون عرف الزمان معتبرًا كما كان عرف المكان معتبرًا، ذكره في "الحاوي".
فرع آخر لو حلف لا يأكل طعامًا حنث بكل مطعوم من الحلوى وغيره، ولا يحنث بأكل الدواء وإن كان مطعومًا؛ لأن اسم الطعام لا ينطلق عليه.
وقال في "المهذب": في الدواء وجهان؛ لأنه يجري فيه الدواء بقلة الطعم.
وحكي عن محمد أنه قال: لا يحنث إلا بأكل

الجزء: 10 - الصفحة: 510

الحنطة اعتبارًا باسمه عرفًا، وهذا غلط لقوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إسْرَائِيلَ إلاَّ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] فأطلق الاسم على كل مطعوم.
فرع آخر لو قال: لا أكلت الحلواء فأكل ما عصر بالسكر والعسل والدبس حنث، ولا يحنث بأكل السكر والعسل لأنه حلو وليس بحلواء.
فرع آخر لو قال: لا آكلت حلاوة يحنث بعلكها ولا يحنث بأكل الفواكه الحلوة.
ولو حلف لا يأكل شيئًا حلوًا حنث بالفواكه الحلوة أيضًا.
فرع آخر لو قال: لا أكلت لذيذًا فأكل ما يستلذه هو ولا يستلذه غيره حنث.
ولو أكل ما يستلذه غيره ولا يستلذه هو لم يحنث؛ لأنه غير مسلتذٍ فيما أكل.
فرع آخر لو قال: لا أكلت مستلذًا حنث بما يستلذه غيره أيضًا؛ لأن المستلذ من صفات المأكول في اللذيذ من صفات الأكل.
فرع آخر لو حلف لا شممت مشمومًا حنث بشم الياسمين والخزامى واللينوفر؛ لأن اسم المشموم يطلق على جميعه، ولا يحنث بشم الكافور، والمسك والعنبر لخروجهما عن اسم المشموم بأسمائها المفردة.
فرع آخر لو حلف لا شممت طيبًا حنث [13/ أ] بشم الكافور والمسك والعنبر، ولا يحنث بشم المشموم؛ لأنه ليس بطيب.
ولو قال: لا أشم مستطابًا حنث بكل هذا؛ لأنه مستطاب الرائحة.
فرع آخر لو حلف لا يشم الريحان، قال ابن سريج يحنث إذا شم الريحان الفارس الأخضر وهو الشاهسفرم، ولا يحنث بشم الورد والياسمين وغيرهما؛ لأنه ينطلق عليه اسم الريحان لما ذكرنا.
فرع آخر لو حلف لا يشم الورد فإنما يحنث بشم الورد الجوري الأحمر والأبيض دون غيره من الأوراد لما ذكرنا.
فرع آخر لو حلف لا يضرب امرأته فعضها أو نتف شعرها أو خنقها لم يحنث، ذكره ابن سريج.
وقال أبو حنيفة وأحمد: يحنث، واحتجوا بأن الغرض باليمين أن يؤلمها، وما فعله مؤلم لها.
ودليلنا أنه لا يسمى ضربًا ولا يحنث به في اليمين على الضرب

الجزء: 10 - الصفحة: 511

كالشتم.
وأما [...] فيحصل بالشتم ولا يحنث به.
وحكي عن المزني أنه قال: أنا في هذا واقف، ولكن إن قلت لا يقع اسم الضرب على العض احتملت اللغة ذلك.
فرع آخر وإذا سبها أو شتمها لا يحنث بلا إشكال.
وقال مالك: يحنث بكل ما ألم قلبها من الأقوال والأفعال.
فرع آخر لو لكمها أو لطمها أو رضها، قال في "الحاوي": فيه وجهان: أحدهما: يحنث به؛ لأنه يقال: ضربه بيده وإن تنوعت أسماء الضرب.
والثاني: لا يحنث؛ لأن اسم الضرب ينطلق على ما كان بآلة مستعملة فيه.
فرع آخر لو حلف لا يشرب الماء فشرب ماء البحر يحتمل وجهين: أحدهما: يحنث؛ لأنه ماء مطلق يجوز التوضاء به.
والثاني: لا يحنث؛ لأنه لا يُشرب عادة.
فرع آخر لو حلف لا يستخدم فلانًا فخدمه من غير أن يطلب خدمته لم يحنث، سواء كان عبده أو عبد غيره أو حرًا.
وقال أبو حنيفة: إذا كان عبد نفسه حنث؛ لأن سكوته وإقراره على الخدمة استخدام عليه، ودليلنا أن اليمين عقدها [13/ ب] على فعل نفسه وهو الاستخدام، فإذا خدمه العبد بنفسه من جهة فعلٍ لا مختارًا ولا مكرهًا لم يحنث، كما لو قال: لا فارقتكَ حتى أستوفي حقي منك ففرَّ الغريم منه لم يحنث.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأنه تقرير على الخدمة ولا يسمى استخدامًا.
فرع آخر لو حلف فقال: كل جارية أتسراها فهي حرة، ينظر فإن لم يكن له في ذلك الوقت جارية ثم اشترى جارية وتسراها لم تعتق؛ لأن عقد الصفة قبل وجود الملك، وإن كانت له جارية أو جوار انعقدت الصفة، فإذا تسرى بواحدة منهن عتقت وفي صفة التسري قال ابن سريج: فيه ثلاثة أوجةٍ: أحدهما: أن يحصنها الموطئ ويمنعها من الدخول والخروج، ويطأها أنزل أو لم ينزل، أحبل أو لم يحبل، وبه قال أبو حنيفة، ومحمد.
والثاني: أن التسري هو الوطء حصن أو لم يحصن أنزل أو لم ينزل، وبه قال: [...]؛ لأنه مشتق من السرور، وذلك يكون بالجماع.
وقيل: مشتق من السر وهو

الجزء: 10 - الصفحة: 512

الجماع أيضًا.
وقيل: من السر وهو الظهر، فإنها صارت مركوبةً ممطاةً.
والثالث: وهو المنصوص عليه في اللعان والإيلاء، وأن التسري هو الوطء الذي يطلب به الولد، وهو أن يطأ وينزل أحبل أو لم يحبل؛ لأن هذا هو العادة في التسري، وبه قال أبو يوسف.
وقال القاضي الطبري: قال في "الإملاء": والتسري أن يطأ جاريته طالبًا للولد؛ وهو أن يطأ وينزل ولا يعزل سواء أحبلها أو لم يحبلها إذا كان مبتغيًا للولد.
لأن العرف أن من أعد سرية فإنما يتخذها لطلب الولد، فوجب حمله على مقتضى العرف، فالمذهب هو المنصوص.
ولأصحابنا وجهان آخران.
وقيل: نص في "الإملاء" أن التسري يحصل بثلاث شرائط؛ أن يسترها عن أعين الناس، وأن يطأها وينزل في فرجها؛ لأن كونها أسرى جواريه إنما يحصل باتخاذها للولد، وهو في هذا.
فرع آخر إذا حلف لا يصلي [14/ أ] فكبر ونوى الصلاة.
قال أصحابنا: حنث، وقال ابن سريج: إذا كبر وقرأ وركع حنث سجد أو لم يسجد واحتج بأنه قيل أن يركع لم يأت بمعظم الركعة، وإذا أتى بمعظمها فقام مقام كلها.
وقال أبو حنيفة: يحنث إذا أتى بسجدة؛ لأن الركعة لا يثبت لها حكم حتى يقيدها بسجدة وهذا لا يصح؛ لأنه يقال صلى إذا أحرم بالصلاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في إمامة جبريل عليه السلام: "وصلّى بي الظهر حين زالت الشمس"، وأراد: أحرم بي الصلاة، فإذا تناوله الاسم وجب أن يحنث.
وأما ما ذكره فلا يصح؛ لأن عند أبي حنيفة الركعة الواحدة لا تكون صلاة بانفرادها، وعندنا من غير السجدتين والتشهد لا تكون صلاة، فإذا حنث ببعضٍ وجب أن يحنث بأولها؛ لأنه إبطال قول أبي حنيفة حيث اعتبر السجود.
فرع آخر إذا حلف لا يصوم فدخل في الصوم بالنية حنث؛ لأنه يسمى صائمًا به.
فرع آخر لو قال: والله لا أصلى صلاةً، لا يحنث بالدخول فيها حتى يصلي ركعتين ويسلم منها.
وقيل: فيه قول آخر يحنث إذا صلى ركعةً واحدةً ويسلم منها.
فرع آخر لو حلف لا يدخل بيتًا فدخل دهليز الدار لا يحنث؛ لأنه لا يراد الإيواء والسكني، بل يراد للممر والاجتياز، فلو دخل بيتًا في دارٍ حنث؛ لأن اسم البيت يقع عليه وإن كان من جملة الدار.
فرع آخر لو دخل صُفّةَ في دار لم يحنث، وقال أبو حنيفة: يحنث وهذا لا يصح؛ لأن اسم

الجزء: 10 - الصفحة: 513

البيت لا يقع على الصُفّة، كاسم الصُفّة لا يقع على البيت إذا حلف لا يدخل صُفة فدخل بيتًا لا يحنث.
فرع آخر لو قال: من بشرني بخبر زيدٍ من عبيدي فهو حر، فبشره واحدٌ بخبر سار لزيدٍ عتق، وإن بشره بخبرٍ مكروهٍ لزيد ففيه وجهان: أحدهما: يعتق؛ لأن البشارة مأخوذة من تغير البشرة، وقد تتغير بالمكروه كما تتغير بالسار.
والثاني: [14/ ب] أنه لا يعتق؛ لأن البشارة قد صارت في العرف للسار من الأخبار دون المكروه.
وقال صاحب "الحاوي": الصحيح أن ينظر حال الحالف مع زيد، فإن كان صديقًا له لم يعتق بالخبر المكروه، وإن كان عدوًا له عتق بالخبر المكروه؛ لأنه يسر فصار بشارة عنده.
فرع آخر لو بشره الجماعة في حالةٍ واحدةٍ أعتقوا جميعًا، ولو بشره جميع عبيده في حالةٍ واحدةٍ لم يعتق واحد منهم؛ لأنه قال: من بشرني من عبيدي يقتضي البعض دون الجميع.
فرع آخر لو قال: من بشرني بقدوم زيد من عبيدي فهو حرٌّ، فبشره واحد ثم آخر عتق الأول دون الآخر؛ لأن البشارة اسم لما تحصل به البشرى والسرور، وقد حصل ذلك بالأول دون الثاني، فإن جاء اثنان أو ثلاثة دفعةً واحدة فبشروه يعتق الكل ولا يعتق من جاء بعده.
ولو قال: من أخبرني بقدوم زيد فهو حر، فأخبره واحد فهو حر، فدخل واحدٌ أولًا ثم دخل آخر يعتق الأول دون الثاني، فإن دخل اثنان معًا ثم دخل ثالث لم يعتق واحدٌ منهم؛ لأن الاثنين لم يسبق أحدهما الآخر، والشرط أن يكون عبدًا هو أول ولم توجد هذه الصفة، والثالث لا يوصف بأنه أول.
فرع آخر لو قال: أول من يدخل الدار من عبيدي وحده فهو حر، فدخل اثنان معًا ثم دخل واحد بعدهما، يعتق الذي دخل بعدهما، لأنه أول من دخل الدار وحده.
فرع آخر لو دخل واحد ولم يدخل بعده، قال ابن سريج: يحتمل أن يقال: يعتق الأول؛ لأنه أول داخل.
ويحتمل أن يقال: لا يعتق؛ لأنه لا يكون أولًا إلا إذا كان له آخر والأول أصح، وحكي القاضي الطبري هذا الوجه الثاني عن ابن سريج، والوجه الأول عن سائر أصحابنا.
[15/ أ] فرع آخر لو قال: من سبق بدخول الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فأيهم سبق بالدخول عتق ولم يعتق بعده.
ولو سبق بالدخول اثنان معًا ثم دخل بعدهما ثالث لم يعتقا؛ لأنه ليس فيهما سابق.

الجزء: 10 - الصفحة: 514

فرع آخر لو قال: آخر من دخل الدار من عبيدي فهو حرٌّ، فدخل واحدٌ ثم واحد لم يعتق واحد منهم حتى يموت السيد، فإذا مات عتق آخر عبدٍ دخل الدار قبل موته؛ لأن قوله: "آخر من دخل" أطلق في جميع من يدخل، فما دام هو حيًا لا يكون آخرًا لجواز أن يدخل بعده غيره وبالموت يتبين الآخر.
فرع آخر لو قال لعبده: إن لم أحج العام فأنت حر، ثم اختلف العبد والسيد فقال السيد: قد حججت، وقال العبد: ما حججت وقد عتقت، وأقام العبد بينة أن السيد رؤي يوم النحر بالكوفة.
قال ابن سريج: يعتق العبد؛ لأنه يستحيل في حكم العادة أن يكون حاجًا في هذه السنة، فحكم أنه لم يحج وعتق العبد.
فرع آخر إذا قال لعبدين له: إذا جاء الغد فأحدكما حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه يعتق أحدهما لا بعينه ويرجع إليه في التفسير وهو ظاهر، فأما إذا باع أحدهما قبل مجيء الغد أو أعتقه أو وهبه وأقبضه، ثم جاء الغد قال محمد: يعتق الباقي عليه.
وقال ابن سريج: لا يعتق؛ لأنه أوقع عتقًا فيهما، قال: يجوز أن يتعين من غير تعينه، فينبغي أن يكون على صفةٍ بتعلق الحرية عند مجيء الغد بهما ثم يعتق هو أحدهما.
فإن باع أحد العبدين في يومه ثم اشتراه وجاء الغد وهما في ملكه، فإن قلنا: الصفة تعود بعود الملك فهو كالمسألة الأولى، وإن قلنا: لا تعود، فهو كالمسألة الثانية.
فرع آخر لو كانت المسألة بحالها نصف أحدهما في يومه، ثم جاء الغد وقع العتق مبهمًا في أحدهما لأنهما [15/ ب] جميعًا محل لوقوع العتق، ثم ينظر فإن عين العتق في العبد الكامل عتق كله، وإن عينه في الذي باع نصفه عتق النصف وسرى إلى الباقي إن كان مؤسرًا، وإن كان معسرًا لم يسر.
فرع آخر قال ابن سريج تفريعًا على هذا: إذا كان له عبدان فقال: إذا جاء الغد وأحدكما في ملكي فهو حر، ثم جاء الغد وهما في ملكه عتق أحدهما لا بعينه، فإن باع أحدهما أو مات أو أعتقه ثم جاء الغد لا يعتق عليه النصف الباقي؛ لأنه جعل الشرط مجيء الغد وأحدهما في ملكه، وهاهنا في ملكه نصف أحدهما.
فرع آخر لو قال لعبده وعبد غيره: أحدكما حرٌّ لم يعتق واحد منهما؛ لأن أحدهما لا يملك إعتاقه فلا يصح التخيير.
فرع آخر لو قال: لا كملت زيدًا فيسُميَ عمرًا ثم كلمه حنث؛ لأن اليمين تعلقت بنفسه دون اسمه.

الجزء: 10 - الصفحة: 515

فرع آخر إذا حلف لا يتكفل لفلانٍ بمال فتكفل بوجهه لم يحنث، وبه قال أبو حنيفة.
وقال أحمد: يحنث بناءً على قوله: "إذا تعذر تسليم المكفول به يجب المال وصار ذلك كفالة"، قال: وهذا لا يصح؛ لأن الكفالة بالوجه كفالة ببدنه، وبدنه ليس بمال فلم يتناوله يمينه، وما ذكروه لا يسلم ولا يصح أيضًا؛ لأنه يلزمه المال لتعذر تسليمه لأن الكفالة كانت بالمال.
فرع آخر لو حلف لا يتكلم فقرأ القرآن لم يحنث سواء كان في الصلاة أو في غيرها، وبه قال أحمد: وقال أبو حنيفة: إن قرأ خارج الصلاة حنث؛ لأن القرآن كلام الله، فإذا قرأه فهو متكلم به وهذا لا يصح؛ لأن ما لا يحنث به في الصلاة لا يحنث به خارج الصلاة كالإشارة.
فرع آخر إذا حلف لا يكلمه فصلى خلفه فسها فسبح أو كبر، قياس المذهب أنه يحنث.
وقال أبو حنيفة: إن كان في الصلاة لم يحنث، وإن كان خارجًا يحنث كما قال في القرآن وهذا لا يصح؛ لأن قارئ القرآن لا يسمى [16/ أ] متكلمًا بل يسمى قارئًا، ويسمى بالتسبيح متكلمًا.
فرع آخر لو حلف لا يكلم فلانًا فقرأ آية من القرآن فهم ذلك الرجل منها، مثل إن كان يدق الباب فقال: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ (46)﴾ [الحجر: 46] فإن قصده قراءة القرآن لم يحنث وإلا حنث.
فرع آخر لو حلف لا يكلم الناس فكلم واحدًا حنث، لأن الألف واللام للجنس، فإذا كلم واحدًا من الجنس حنث، كما لو قال: لا أكلت الخبز فأكل خبزًا حنث.
فرع آخر لو قال: لا أكلم ناسًا انصرف إلى ثلاثة أنفس.
فرع آخر لو حلف لا يكلمه فزجره بأن قال: تنح عني حنث.
وقال أبو حنيفة: إن زجره عقيب اليمين لم يحنث، وإن قال بعد ذلك حنث.
وكذا الخلاف إذا قال: لا كلمتك فاذهب أو فقم.
وحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إذا قال لزوجته: والله لا كلمتك فاذهبي لا يحنث إلا أن ينوي بقوله فاذهبي الطلاقَ؛ لأنه إذا نوى به الطلاق كان كلامًا مستأنفًا لا يتعلق بالأول، بخلاف ما لو لمم ينو به الطلاق؛ لأنه يكون تمام الكلام، وهذا لا يصح؛ لأن قوله: قومي كلام منه لها حقيقة، فإذا وجد منه بعد يمينه حنث به، كما لو كان قد فصله.

الجزء: 10 - الصفحة: 516

فرع آخر لو قال رجل لرجلٍ: كلم زيدًا اليوم، وقال: والله لا كلمته، فإن يمينه على الأبد إلا أن ينوي اليوم، فإن كان ذلك في الطلاق وقال: نويت اليوم لم يقبل في الحكم.
وقال أصحاب أبي حنيفة: تكون يمينه على اليوم ودلالة الحال خصت ذلك، إلا أن يطول الكلام مثل أن يقول: ما أتيتني في منزلي وقد أتيتك في منزلك غير مرة، فيقول: والله لا أتيتك فإن هذا يكون على اليوم؛ لأن الكلام طال وهذا لا يصح؛ لأن يمينه مطلقة فوجب أن تكون على التأبيد، كما لو ابتدأ بها أو طال الكلام.
فرع آخر لو قال: لا لبست حُليًا، قال أبو حنيفة: لا يحنث باللؤلؤ [16/ ب] حتى تمزج بذهبٍ أو فضةٍ وعندنا يحنث به؛ لأنه حُليٌ، قال الله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا﴾ [الحج: 23].
فرع آخر لو تحلى بالخرز والصفر، فإن كان في عرفهم حُليًا كأهل البوادي وسكان السواد يحنث وإلا فلا يحنث.
وقيل: هل يحنث به غيرهم؟ فيه وجهان كما قلنا في بيوت الشعر ورؤوس الصيد.
فرع آخر لا فرق في الحنث بين مباحه ومحظوره، ويحنث بلبس الخاتم ذهبًا كان أو فضة.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث إن كان من فضة، ويحنث إن كان من ذهب؛ لأن الذهب غير مألوفٍ والفضة مألوفة، وهذا لا يصحٍ؛ لأن مألوفه وغيره سواء كالإسورة والأطواق.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم تحلى خاتمًا من ذهبٍ ثم نزعه.
فرع آخر لو لبس ثوبًا منسوجًا بالذهب لا يحنث؛ لأنه باسم الثوب أخص منه باسم الحلي.
وكذلك لو تقلد بسيف محلي؛ لأن السيف ليس بحلي وإن كان على حلٌي.
فرع آخر لو لبس منطقةً محلاةً بذهب أو فضةٍ فيه وجهان، أحدهما: يحنث بها؛ لأنها من حلي الرجال.
والثاني: لا يحنث بها؛ لأنها من الآلات المحلاة كالسيف.
فرع آخر لو حلف لا يلبس قلنسوة فلبسها في رجله لم يحنث؛ لأن اليمين تقتضي لبسًا متعارفًا وهذا غير متعارف.

الجزء: 10 - الصفحة: 517

فرع آخر لو حلف لا يلبس شيئًا فلبس درعًا أو جوشنًا أو خفًا أو نعلًا فيه وجهان؛ أحدهما يحنث؛ لأنه لبس شيئًا.
والثاني: لا يحنث؛ لأن إطلاق اللبس لا ينصرف آلي غير الثياب.
فرع آخر لو قال: والله لا كلمتك حنث؛ لأنه بإعادة الكلام قد صار متكلمًا له.
فرع آخر لو كلمه وهو نائم، فإن كان كلامًا يوقظ مثله النائم حنث به وإلا فلا.
فصل قال صاحب "الحاوي": أذكر في الإيمان أصلًا يحمل عليه أحكامها ليسلم من الإخلال، فأقول: [17/ أ] كل يمين انعقدت على اسم يعتبر به البر والحنث لم يخل ذلك الاسم من أمرين؛ مجمل ومفسر، فإن كان مجملًا كقوله في الإثبات: والله لأفعلن شيئًا، وفي النفي: والله لا فعلت شيئًا، فاسم الشيء يُضم إلى كل مُسمى فلا يحمل على جميع الأشياء لخروجها عن القدرة، والعرف يوجب أن يحمل على بعضها ولا يتغير بعضها إلا بالبيان فيرجع فيها إلى بيانه، فإن كانت له نية وقت يمينه يحمل على نيته فيصير بالنية مفسرًا وبالقول مخبرًا، كأنه أراد بقوله: لا فعلت شيئًا أي لا دخلت هذه الدار.
وبقوله: لأفعلن شيئًا أي لأدخلن هذه الدار، فتعلق بره وحنثه بدخول الدار، سواء تقدم على بيانه أو تأخر، فإن لم يكن له نية وقت يمينه له أن يعينها بعد اليمين فيما شاء ويعمل فيها على خياره، كمن قال لنسائه: إحداكن طالق، ولم يعين واحدة، كان لهن تعيين الطلاق فيمن شاء منهن، وإذا كان التعيين إلى خياره فإن كان حلف بالطلاق أو العتاق يؤخذ جبرًا باليقين لتعلق حق الآدمي بها، وإن كان حلف بالله لا يجبر فيعين متى شاء ولا حنث فيها قبل التعيين، وإذا عينها باختياره فجعل قوله: لأفعلن شيئًا معينًا، في أن يركب هذه الدابة، وقوله: لا فعلت شيئًا معينًا في أن لا يركب هذه الدابة صار هذا التعيين هو المراد باليمين، فتعلق به البر والحنث دون غيره.
ثم لا يخلو إما إن وجد منه ركوب الدابة قبل التعيين أو لم يوجد، فإن لم يوجد تعلق بالبر والحنث بما يستأنفه من ركوبها بعد التعيين، وإن كان ركوبها قبل التعيين ففي وقوع البر والحنث به وجهان مبنيان على تعيين الطلاق المبهم في واحدة من نسائه، هل يوجب وقوعه وقت اللفظ أم وقت التعيين؟ فيه وجهان: فإن قلنا: يقع باللفظ يتعلق البر والحنث بما تقدم من [17/ ب] الركوب قبل التعيين، ولا يتعلق بما تأخر عنه برُّ ولا حنثٌ.
والثاني: يقع الطلاق وقت التعيين، فعلى هذا يتعلق البر والحنث بالركوب بعد

الجزء: 10 - الصفحة: 518

التعيين ولا يتعلق بما تقدمه برٌّ ولا حنثٌ.
وأما الاسم المفسر فضربان، أحدهما: إن كان له حقيقة ومجاز كالسراج مجاز في الشمس، والبساط مجاز في الأرض، فينقسم في الإيمان خمسة أقسام: أحدهما: أن يريد به الحقيقة دون المجاز، فيحمل على حقيقته لفظًا ومعتقدًا سواء كان من إرادة الحقيقة لغويًا أو شرعيًا، فإذا حلف لا يأكل الزبد لم يحنث باللبن على هذا.
والثاني: أن يريد به المجاز دون الحقيقة، فيريد بالسراج الشمس دون المصباح، وباللحم السمك، فإن كانت يمينه بالله عز وجل حمل على المجاز في الظاهر والباطن لاستثناء الحقيقة بنيته، وإن كان بالطلاق حملت على المجاز في الباطنٍ وحملت على أغلظ الأمرين في الظاهر، وسواء كان ما أراد من المجاز شرعيًا أو لغويًا.
والثالث: أن يريد به الجمع بين حقيقته ومجازه، فيحمل عليهما في بره وحنثه؛ لأنه أغلظ فيحمل السراج على المصباح والشمس على هذا.
والرابع: أن يريد به غير حقيقته ومجازه، كمن أراد بالسراج غير المصباح والشمس، فلا يحمل على الذي أراده لخروجه عن مقتضي لفظه، كمن أراد الطلاق بما ليس بصريح ولا كناية، ولا يحمل على المجاز لتجرده عن النية.
وأما حمله على الحقيقة، فإن كانت يمينه بالطلاق حملت على الحقيقة في الظاهر لا في الباطن، وإن كانت يمينه بالله تعالى لم يحمل على الحقيقة لا في الظاهر ولا في الباطن، وإن كانت لغوًا لا يتعلق بها برٌّ ولا حنثٌ.
وقال مالك ومحمد: إنه حمل يمينه على إرادته وإن خرج عن الحقيقة والمجاز إذا اقترن به ضربٌ من الاحتمال.
وحكي عن محمد أنه قال فيمن قال لغريمه: والله لأجرنك على الشوك [18/ أ] [برَّ] بمطله وتأخير دينه اعتبارًا بمخرج النية والنية لا يتعلق بها يمين، كما لو نوى يمينًا.
والخامس: أن تتجرد يمينه عن نيته وإرادته فتحمل في البر والحنث على الحقيقة دون المجاز [لأن افتقار المجاز إلى النية يسقط حكمه إذا تجرد عن نية مثل كنايات الطلاق إذا لم تقترن بها نية] فإن اختلف الشرع واللغة في حقيقته ومجازه كالنجاح في الشرع هو حقيقة في العقد ومجاز في الوطء، وفي اللغة حقيقة في الوطء مجاز في العقد، وكالصلاة، والزكاة، والصوم لها حقيقة في الشرع غير حقيقة اللغة، فيحمل على حقيقته في الشرع دون اللغة لأن الشرع ناقل.
والضرب الثاني على الاسم الخاص أن يكون له حقيقة وليس له مجاز، وهو على أربعة أقسام؛ مبهم، ومعين، ومطلق، ومقيد.
فالمبهم: لا كلمت رجلًا يحنث بكل من كلمه من الرجال دون الصبي والمرأة.

الجزء: 10 - الصفحة: 519

والمعين: لا كلمت زيدًا يحنث بكلامه صغيرًا أو كبيرًا.
والمطلق: أن يقول: لا شربت ماءً، فإطلاقه أن لا يذكر أنه قدرًا، ولا يعين له زمانًا ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث ولا مكانًا، فيحنث بشربه في كل مكان وزمان إذا شربه صرفًا، فإن شربه ممزوجًا حنث إذا غلب على غيره بلونه وطعمه، وإن غلب عليه غيره بلونه وطعمه لم يحنث.
والمقيد: ثلاثة؛ مقيد بمكانٍ لا شربته بالبصرة، ومقيد بزمانٍ لا شربته اليوم، ومقيد بصفة لا شربته صرفًا فيتقيد به.
ويحنث في المبهم بالمعين ولم يحنث في المعين بالمبهم، وحنث في المطلق بالمقيد ولم يحنث في المقيد بالمطلق، لعموم المبهم والمطلق وخصوص المعين والمقيد، فإن أراد بالمبهم معينًا وبالمطلق مقيدًا حمل على إرادته لفظه، فيجعل المبهم معينًا والمطلق مقيدًا في الظاهر والباطن إن كان حالفًا بالطلاق؛ لأنه استثناء بعض ما شمله عموم الجنس، فصار بتخصيص العموم في النصوص الشرعية، فلا يحنث في إبهام قوله: لا كلمت رجلًا وقد أراد زيدًا [18/ ب] إلا بكلامه دون غيره من الرجال، ولا يحنث في إطلاق قوله: لا شربت ماءً وقد أراد شهرًا لا شربه فيه دون غيره من الشهور.
فأما عكس هذا إذا أراد بالمعين مبهمًا وبالمقيد مطلقًا حمل على لفظه في التعيين والتقييد ولم يحمل على إرادته في الإبهام والإطلاق؛ لأن ما تجاوز المعين والمقيد خارج عن لفظ اليمين، فصار مرادً بغير يمين فلا يحنث في تعيين قوله: لا كلمت زيدًا هذا وقد أراد كل الرجال إلا بكلام زيد وحده.
ولا يحنث في تقييد قوله: لا شربت الماء في شهري هذا وقد أراد كل الشهر على الأبد ألا يشربه فيه وحده.
وشاهده من الطلاق أن يقول لامرأته: أنت طالق واحدة ويريد بها ثلاثًا لا تطلق ثلاثًا؛ لأنه قد صرح بنفيها بلفظ فلم يقع بمجرد إرادته، فافترق حكم العكس لافتراق العلتين.
وأما العام فضربان؛ أحدهما: عامُ اللفظ عام المراد ينقسم ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان عمومه في لفظه ومعناه، مثل قوله: والله لا كلمت الناس يحمل على كل إنسان من صغير وكبير، وعلى كل نوع من الكلام سقيم وسليم، ومثله في التنزيل قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [العنكبوت: 62]، وقياسه بالإيمان أن يقول: لا أكلت اللحم، يحنث بكل نوع من اللحم على كل صفة من الأكل.
والثاني: ما كان عمومه في لفظه دون معناه، كقوله: والله لا أكلت الحنطة، يحنث بكل نوع من الحنطة ولا يحنث بأكل ما حدث عن الحنطة من سويق أو دقيق.
وإذا قال: لا أكلت اللبن يحنث بكل نوع من اللبن ولا يحنث بما حدث من اللبن من جبن وصل [وزبد] وسمن، فيصير محمولًا على عموم لفظه دون معناه، وهذا يختص بما إذا تغير عن حاله زال عن اسمه فاجعل ذلك قياسًا مطردًا في نظائره.
والثالث: ما كان عمومه في معناه دون لفظه، مثل قوله: لا أكلت عسلًا فأكل خبيصًا فيه عسل، [19/ أ] ولا أكلت دقيقًا فأكل خبيصًا فيه دقيق حنث؛ لأن في الخبيص عسلًا

الجزء: 10 - الصفحة: 520

ودقيقًا، وكذلك السمن، وهذا يختص بما إذا حدث له اسم بالمشاركة لم يزل الاسم الخاص عن كل نوع منها؛ لأنه لا يسمى خبيصًا إلا باجتماعهما ولا يزول اسم كل نوع عنه؛ لأنه لا يقال: هذا خبيص فيه عسل وفيه دقيق وفيه سمن.
فإن قيل: أليس لو قال: لا أكلت دقيقًا فأكل خبزًا حنث؟ قلنا: الفرق أنه لا يقال هذا خبز فيه دقيق، ويقال: هذا خبيص فيه دقيق، فصار اسم الدقيق في الخبيص باقيًا وفي الخبز زائلًا فافترقا.
والضرب الثاني: ما كان عام اللفظ خاص المراد، فهو ما خص عموم لفظه بسببٍ أوجب خروجه عن عموم كما خصه عموم الكتاب والسنة، وتخصيص اللفظ العام في الإيمان من خمسة أوجه أحدها: تخصيص عمومه بالمفقود.
والثاني: بالشرع.
والثالث: بالعرف.
والرابع: بالاستثناء.
والخامس: بالنية.
فأما الأول: ما امتنع استيفاء عمومه في القصد كقوله: والله لآكلنَّ الخبز، ولأشربنَّ الماء، ولأكلمنَّ الناس، ولأتصدقن على المساكين، لما امتنع أن يأكل كل الخبز، أو يشرب كل الماء، [ويكلم جميع الناس، ويتصدق على جميع المساكين] لما خص العقل عموم الجنس فتعلق البر والحنث بأكل بعضه وشرب بعضه، وكلام بعض الناس، والتصدق على بعض المساكين.
ثم هذه الأجناس ضربان [معدود وغير معدود] فغير المعدود الخبز والماء فيتعلق البر والحنث بقليله وكثيره.
والمعدود كالناس والمساكين، فإن كانت يمينه على الإثبات كقوله: لأكلمنَّ الناس، ولأتصدقنَّ على المساكين لم يبر حتى يكلم ثلاثةً ويتصدق على ثلاثة اعتبارًا بأقل الجمع، وإن كانت يمينه على نفي كقوله: لا كلمت الناس ولا تصدقت على المساكين حنث بكلام واحدٍ وبالصدقة على واحدٍ اعتبارًا [19/ ب] بأقل العدد، والفرق أن نفي الجميع ممكن وإثبات الجميع ممتنع، فاعتبر أقل الجمع بالإثبات واعتبر أقل العدد في النفي.
وأما التخصيص بالشرع فضربان؛ تخصيص اسم وتخصيص حكم، فتخصيص الاسم كالصيام في اللغة الإمساك عن الطعام والكلام، ثم خصه الشرع بالإمساك عن الطعام والشراب في النهار فلا تنعقد يمينه إلا بالصوم الشرعي، وكذا الحج، والصلاة.
وأما تخصيص الحكم فكلحم الخنزير خص بالتحريم من عموم اللحوم المباعة، ففي تخصيص العموم به في الإيمان وجهان: فلا يحنث إذا حلف لا يأكل لحم الخنزير، ولا يبر إذا حلف ليأكلن اللحم فأكل لحم الخنزير، ولو حلف لأوطانَّ لا يحنث بالوطء في الدبر، ولو حلف أنه لا يطأ لم يبر بالوطء

الجزء: 10 - الصفحة: 521

في الدبر، ويبرَّ ويحن بوطء الزنا؛ لأنه من جنس المباح، وعلى هذا لو حلف لا يتيمم لا يحمل على موضوع اللغة وهو القصد، بل يحمل على التيمم الشرعي في سفرٍ أو مرضٍ وعلى الوجه الآخر لا يتخصص عموم الإيمان بالأحكام الشرعية، لاتفاق أحكام القرآن في الحظر والإباحة اعتبارًا بما انعقدت عليه، فيحمل على عمومها فيما حل وحرم اعتبارًا بالاسم دون الحكم فيحنث في اللحم بكل لحمٍ، وفي الوطء بكل وطء.
وأما تخصيص العموم بالعرف فضربان؛ عام وخاص.
فالعام: كمن حلف لغيره لا خدمتك الليل والنهار، فيختص بالعرف من خدمة النهار زمان الأكل والشرب، والطهارة والصلاة، والاستراحة بحسب ما يخدم فيه من شاقٍ وسهلٍ، ومن خدمة الليل وقت النوم المألوف، فإن ترك الخدمة فيها لم يحنث لخروجها بالعرف من عموم يمينه، وإن ترك الخدمة في غيرها من الأوقات حنث لدخولها في عرف يمينه، ولو حلف [20/ أ] لأضربنك الليل والنهار خرج بالعرف من زمان الليل والنهار ما ذكرناه، فلا يكون بترك الضرب فيها حانثًا، وخرج بالعرف من بقية الزمان في الضرب خصوصًا للوقت الذي يكون ألم الضرب فيه باقيًا، فيكون بقاء ألمه كبقاء فعله، فإن ترك ضربه مع بقاء الألم لم يحنث، وإن تركه مع زوال الألم حنث؛ لأن من دوام فعله أن يتخلله فترات من العرف، فاعتبر بدوام ألمه الحادث عنه.
ولو قال: والله لا وضعت ردائي عن عاتقي انعقدت يمينه على لبسه في زمان العرف، فإن نزعه في زمان الليل، أو في دخول الحمام، أو عند تبدله في منزله لم يحنث لخروجه بالعرف من زمان لبسه، وإن نزعه في غيره حنث لدخوله في عرف لبسها، ولو قال لغريمه: والله لا نزعت ردائي عن عاتقي أقضيك حقك حنث بنزعه قبل قضاء دينه في زمان العرف وغيره، والفرق أنه جعله في الإطلاق مقصودًا، وفي قضاء الدين شرطًا، والعرف معتبر في الإيمان دون الشرط.
وعلى هذا لو قال لغريمه: والله لا خدمتك حتى أقضيك حقك لم يحنث بترك الخدمة في زماني الاستراحة قبل القضاء؛ لأنه جعل الخدمة جزاءً ولم يجعلها شرطًا، وعلى هذا لو حلف لا يأكل الرؤوس لا يحنث بأكل رؤوس غير النعم لخروجها بالرف من عموم الاسم.
ولو حلف لا يلبس هذا القميص لا يحنث إذا ارتدى به، ولو حلف لا يلبس الخاتم لا يحنث بلبسه في الإبهام ويحنث بلبسه في الخنصر اعتبارًا بالعادة وتخصيصًا بالعرف.
وأما العرف الخاص: كقوله: لا قتلت ولا ضربت، فأمر بالقتل والضرب يحنث به الملوك دون السوقة.
ولو قال: والله لا تصدقت حنث الأغنياء بدفعها وحنث الفقراء بأخذها اعتبارًا بالعرف في الفريقين.
ولو قال: والله لا طفت ولا سعيت حنث أهل مكة [20/ ب] بالطواف بالبيت وبالسعي بين الصفا والمروة، وحنث غيرهم بالسعي على القدم وبالطواف في الأسواق، وحنث [أهل] الوشاة بالسعي إلى الولاة.
ولو قال: والله لا ختمت، حنث القارئ بختم القرآن، ويحنث التاجر بختم كيسه؛

الجزء: 10 - الصفحة: 522

لأنه عرفٌ بكل واحدٍ منهما به، ولو قال: والله لا قرأت، حنث بقراءة القرآن دون قراءة الشعر، ولو قال: والله لا تكلمت، حنث بالكلام، وإنشاء الشعر دون قراءة القرآن لخروجه بالإعجاز من جنس الكلام الذي ليس فيه إعجاز.
وأما تخصيص العموم بالاستثناء: فهو القول المخرج من لفظ اليمين بعد ما اشتمل عليه وله شرطان؛ أن يكون متصلًا بها، وأن يخالف حكم اليمين، فإن كانت على نفيٍ كان الاستثناء إثباتًا، وإن كانت على إثباتٍ كان الاستثناء نفيًا، واختلف أصحابنا في هذا الاستنثاء، هل يفتقر إلى اعتقاده في أول اليمين على وجهين: أحدهما: يفتقر إليه حتى إن لم يعتقده بطل حكمه فيما بينه وبين الله تعالى، وإن كان حكمه في الظاهر صحيحًا.
والثاني: لا يفتقر ويصح إذا اتصل بها ظاهرًا وباطنًا، وحكم هذا الاستثناء أن يخرج عن يمينه بعض جملها وهو على أربعة أضرب: أحدها: استثناء مكانٍ.
والثاني: استثناء زمانٍ.
والثالث: استثناء عددٍ.
والرابع: استثناء صفةٍ.
وفي ذكر إحداها بيان جميعها، فإذا قال: والله لأضربن زيدًا إلا في داري برَّ إن ضربه في غير داره، ولم يبر إن ضربه في داره.
ولو قال: والله لا ضربت زيدًا إلا في داري، حنث إن ضربه في غير داره، ولم يحنث إن ضربه في داره، وبرَّ إن لم يضربه في غير داره، ولم يبر إن لم يضربه في داره، وعلى هذا القياس.
وأما التخصيص بالنية: فإن ينوي بقلبه [21/ أ] في عقد يمنيه ما يصح أن يذكر بلفظه، فيحمل فيه على نيته إذا اقترنت بعقد يمينه، ولا يصح إن تقدمت النية على اليمين أو تأخرت عنها، وذلك مثل قوله: والله لا كلمت زيدًا وينوي به مبهمًا، أو لا أكلت خبزًا وينوي بله ليلًا، فيحمل في اليمين بالله تعالى على نيته ظاهرًا وباطنًا، وفي الطلاق يحمل ظاهرًا لا باطنًا والله أعلم.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّم رَجُلًا فَسَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ وَالمَحْلُوفُ عَلَيْهِ فِيهِمْ لم يَحْنَتْ".
قال أصحابنا: جملة هذا أنه إذا علم ونواه بقلبه حنث قولًا واحدًا، وإن عَزَله بقلبه وقصد السلام على غيره لم يحنث قولًا واحدًا وإن لم يعلم فسلم على جماعتهم فهل يحنث؟ قولان؛ لأنه مخطئ، وفي الخاطئ قولان، ولو مرَّ عليه فسلم عليه ناسيًا فيه قولان، وإن سلم عليه ذاكرًا لليمين إلا أنه لا يعرف فهو خاطئ فيه قولان، وإن نوى السلام على جماعتهم حنث؛ لأنه سلم عليه وعليهم، وإن أطلق السلام عالمًا بأنه فيهم ولم يعزله بالنية ولا قصده بالنية، قال في "الأم" ونقله المزني إلى "المختصر": لا يحنث.
وقال الربيع: وفيه قول آخر إنه يحنث.
فالمسألة على قولين:

الجزء: 10 - الصفحة: 523

أحدهما: لا يحنث؛ لأنه يحتمل أن يسلم عليهم دونه، ويحتمل أن يسلم عليه وعليهم فلم يحنث بالشك.
والثاني: يحنث؛ لأنه إذا سلم عليهم وهو فيهم فقد سلم عليهم وعلى كل واحدٍ منهم لحق عموم اللفظ فحنث به.
مسألة: قَالَ: " وَلَوْ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا أَوْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ رَسُولًا فَالوَرَعُ أَنْ يُحَنِّثَ نَفْسَه".
اعلم أنه إذا حلف لا يكلم رجلًا، فكتب إليه، أو أرسل إليه رسولًا، أو أشار إليه، أو أومَأ إليه هل يحنث؟ قولان: قال في "القديم": يحنث، وبه قال مالك لقوله تعالى: ﴿ومَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلاَّ وحْيًا﴾ [الشورى: 51] فاستثني الوحي من الكلام.
[21/ ب] وقال تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] فاستثني الرمز من الكلام، ولأن الكلام يراد لإفهام ما في القلب، وبهذه الأشياء يحصل الإفهام.
وقال في "الجديد" لا يحنث وهو الأصح، واختاره المزني؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَقُولِي إنيِّ نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: 26] الآية، ثم قال: ﴿فَأَشَارَتْ إلَيْهِ﴾ [مريم: 29]، فلو كانت الإشارة من الكلام لما أشارت وقد نذرت أن لا تتكلم، ولنه يصح نفي اسم الكلام عن هذه الأشياء فيقول: ما تكلمت ولكن أشرت وكتبت فلم يحنث به، وأما الآية التي ذكروها قلنا: ذاك استثناء من غير الجنس وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى: ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلاَّ سَلامًا﴾ [مريم: 62].
واحتج المزني على اختياره بأن الله تعالى قال: ﴿أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًا فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرَابِ فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًا (11)﴾ [مريم: 10، 11] فافهم بما يقوم في الفهم مقام الكلام ولم تتكلم به، وقد احتج الشافعي - رضي الله عنه - بأن الهجرة محرمة فوق ثلاثٍ، فلو كتب أو أرسل إليه وهو يقدر على كلامه لم يخرجه هذا من الهجرة التي يأثم بها، فلو كان الكتاب كلامًا يخرج به من الهجرة، وأجاب بعض أصحابنا عما ذكر المزني فقال: أما حديث زكريا صلى الله عليه وسلم فلأنه نهي عن الكلام مع استثناء الإشارة، وهو قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلاَّ رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41]، وبهذا استدللنا على أن الرمز كلام.
وأما الهجرة فإن كانت المخاطبة بينهما فيما قبل الهجرة بالكتاب أو الرسالة خرج من الهجرة إذا كانت عادته جارية بالتسليم بالإشارة، وإن كاتبه وهما في مجلس واحدٍ وقال في هذه الحالة لغيره: قل له كذا وكذا، فهذا إصرار منه على الهجرة؛ لأنه لا تزول به الوحشة وإن كان كلامًا إذا لم يقصد إزالة الوحشة حتى لو غاب صاحبه فكاتبه [22/ أ] معتذرًا أو غير معتذرٍ، ولكنه لم يؤذنه بما في الكتاب زالت الهجرة بذلك، ولو كاتبه بالشتم أو استقبله فشافهه بالشتم لم تزل به الهجرة وإن تكلم، وهذا المعنى غير موجود، هكذا ذكره أصحابنا بخراسان.
وقال في "الحاوي" وغيره: إذا كتب إليه أو أرسل إليه رسولًا (وهو) يقدر على

الجزء: 10 - الصفحة: 524

الكلام معه، هل يخرج عن مأثم الهجرة؟ فيه وجهان؛ قال أبو إسحاق: لا يخرج.
وقال ابن أبي هريرة: يخرج؛ لأن المقصود نفي الوحشة التي بينهما وعودهما إلى ما كان عليه من الأنس.
ومن أصحابنا من قال في أصل المسألة: لا يحنث قولًا واحدًا، وما ذكر في "القديم" أراد به في الورع، وأراد أنوى في يمينه المكاتبة والمراسلة.
ومن أصحابنا من قال: هذا في المعاتبة بحيث جرت العادة بالمكاتبة والمراسلة، فإن كان معه في المجلس فكتب إليه رقعة لم يحنث قولًا واحدًا.
فرع لو حلف لا يكلم فلانًا فكلم غيره بكلامٍ سمعه، فإن لم يكن فيه تعريض له لم يحنث، وإن كان فيه تعريض له، فإن كان مواجهًا بالكلام حنث به؛ لأنه قد صار مكلمًا له، وإن كان غير مواجهًا له لم يحنث.
وقد روي عن عائشة - رضي الله عنها - لما أرادت الخروج إلى البصرة أشارت عليها أم سلمة ألا تفعل، وحلفت عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: عليها إن خرجت أن لا تكلمها، فلما خرجت وعادت إلى المدينة، قالت أم سلمة: يا حائط ألم أقل لك، يا حائط ألم أنهك، فبلغت غرضها وسلمت من الحنث.
فرع لو كان الحالف إمامًا والمحلوف عليه مصليًا خلفه فسلم في الصلاة، فالحكم فيه كما ذكرناه إذا سلم على جماعة وهو فيهم في قياس المذهب.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث؛ لأن سلام الصلاة ليس بكلام [22/ ب] كتكبيرها وهذا لا يصح؛ لأنه شرع له أن ينوي السلام على الحاضرين، وليس كالتكبير فإنه يخرج بالسلام من الصلاة وينافيها، ولو قدمه عامدًا عن موضعه بطلت صلاته.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَرَى كَذَا إِلَّا رَفَعَهُ" إلى فلان القاضي ثم رآه نُظر، فإن رفعه إليه بَّر، وإن لم يرفعه إليه مع الإمكان حتى مات القاضي أو هو حنث؛ لأنه فاته رفعه إليه بتفريط من جهته، وإن أمكنه رفعه إليه إلا أنه حجب عن القاضي ومنع من رفعه إليه حتى فات بموته هل يحنث؟ فيه قولان، وإن لم يمكنه رفعه إليه حتى مات القاضي أو هو، مثل أن يرى فيموت القاضي عقيبه من غير أن يكون بين الرؤية وبين موته زمان يمكن رفعه إليه، أو يرى فيخرج في الحال ثم يموت هو في الطريق.
قال أبو إسحاق: لا يحنث قولًا واحدًا؛ لأن ما لم يمكنه رفعه إليه فهو كما لم يره، وإنما يلحقه الحنث إذا أمكنه الرفع مع الرؤية، ووافقه بعض أصحابنا على هذا وقال: القولان في المكره الذي أدركه زمان الرفع فمنع.
وقال أبو حامد: في هذا قولان أيضًا كالمكره، والأول أصح.
فإن قيل: قال الشافعي رضي الله عنه: "لو حلف لا يرى كذا إلا رفعه آلي قاضٍ" فنكر ولم يعين فلم يصح حمل المسألة على تعيين القاضي؟ قلنا: الشافعي لم يحك لفظ الحالف وإنما هو لفظه، ألا ترى أنه لو وصل به إلى قاضٍ سماه

الجزء: 10 - الصفحة: 525

وعينه كان صحيحًا فثبت ما قلناه.
قال الشافعي رضي الله عنه: "وَلَوْ عُزِلَ فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ يَرْفَعَهُ إِلَيْهِ إِنْ كَانَ قَاضِيًا فَلَا بَجِبُ رَفْعُهُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌُ خَشِيتُ أَنْ يَحْنِثَ إِنْ لَمْ يَرْفَعْهُ إِلَيْهِ".
ومعنى هذا الكلام أنه إذا سمى القاضي وعنيه ثم رأى الأمر الذي حلف على رفعه [23/ أ] إليه فلم يرفعه حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته حتى عزل عن القضاء يُنظر، فإن قال: ما دام قاضيًا أو نوى ذلك بقلبه، فهو بمنزلة موته على ما بيناه فأغنى عن الإعادة، وإن لم يقل ذلك ولا نية له، قال الشافعي: "حشيت أن يحنث إن لم يرفع فيه".
قال أبو إسحاق: إنما علَّق الشافعي القول في حنثه ولم يقطع؛ لأنه لم يقتصر على اسمه حتى وصفه بالقضاء، فيمكن أن يكون هذا شرطًا ويمكن أن يكون هذا شرطًا، وتكون الإشارة واقعة على العين دون الصفة.
وقال بعض أصحابنا: فيه وجهان: أحدهما: أنه إشارة إلى العين والصفة؛ لأنه سمى ووصف فتعلق بهما.
وقال أبو حنيفة: لأن الرفع إليه لا يكون إلا في حال الولاية.
والثاني: لا يتعلق بالصفة وإنما يتعلق بالعين ويكون ذكر الصفة زيادة في معرفة العين وهو الصحيح، وهو ظاهر مذهب الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: "فإن لم يرفعه بعد عزله خشيت أن يحنث"، فنص على الحنث، فدل على أنه كان أقوى في نفسه، وهذا اختيار القاضي الطبري.
قال: والدليل عليه أن رجلًا لو قال: والله لا ركبت دابة فلان بن فلان القاضي، ثم عزل فركب دابته حنث، وإن لم يكن قوله: القاضي إلا زيادة في تعريف عينه، فيجب أن يكون هنا مثله.
فإذا ثبت هذا وقلنا: القضاء لا يتعلق به اليمين، فإنه يرفعه إليه بعد عزله ويبر، فإن لم يرقعه حنث.
وكذلك ما يراه بعد عزله يحتاج أن يرفعه إليه، فإن لم يفعل حنث.
وإذا قلنا: يتعلق اليمين بالقضاء، فإذا عزل كان كما لو مات على ما قدمناه.
فرع لو لم يسم فقال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى قاضٍ، فإن كان قاضيًا أو عزل ثم رآه فعليه رفعه إلى القاضي بعده؛ لأنه لم يخص قاضيًا دون قاضٍ، فإن مات الذي كان قاضيًا [23/ ب] وقت يمينه قبل الرفع إليه أو عُزل وولي غيره رفعَهُ إليه برَّ بيمينه ولا يحنث هاهنا حتى يرى منكرًا ويمكنه الرفع إلى قاضٍ، ولا يرفعه حتى يموت فيحنث به.
فرع آخر لو قال: لا أرى منكرًا إلا رفعته إلى القاضي، قال أبو إسحاق: هذا التعريف وهو القاضي في بلده؛ لأنه المعروف والمعهود، ولو أمكنه الرفع إلى قاضي بلده في ذلك الوقت فلم يرفعه حتى مات ذلك القاضي حنث، ولا يبر بأن يرفع إلى القاضي بعده.
ولم يذكر أبو إسحاق في هذا القسم إذا رأى بعد موت قاضي البلد وتقليد غيره كيف الحكم، ويجب أن يقال: لا يجب رفعه إليه؛ لأن التعريف عنده تعلق بالقاضي الموجود في حال يمينه، ويكون حكم هذا القسم حكم مسألة الكتاب، فإن التعريف إذا رجع إليه كان بمنزلة ما لو عنيه وعرّفه بيمينه.
وقال القاضي الطبري: هذا مذهب أبي

الجزء: 10 - الصفحة: 526

إسحاق وقد ذكره في شرحه.
وقال بعض أصحابنا: إن لم يكن له نية المعهود كان للجنس، وهذا يصح على قول من قال من أصحابنا: إن الاسم المفرد إذا عرف بالألف واللام ظاهرة للجنس ويجعل للعهد بدليل، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿والسَّارِقُ والسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] الآية، ﴿الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: 2] الآية، ونحو ذلك، فعلى هذا فآلي أي قاضٍ رفعه في ذلك البلد يبرَّ في يمينه، ولا يحنث بموته إذا ولي آخر رفعه إليه ويبرّ.
مسألة: قَالَ: "ولو حَلَفَ مَا لَهُ مَالٌ وَلَهُ عَرَضٌ أَوْ دِينٌ حَنَثَ".
إذا حلف ما له مال وله شيء من العروض والعقار ونحو ذلك حنث.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا أن يملك شيئًا من الأموال الزكاتية استحسانًا؛ لأن عرف المال في الشرع ينصرف إلى الزكاتي لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103]، ودليلنا [24/ أ] أن العروض مال حقيقة، بدليل أن الله تعالى قال: ﴿وأُحِلَّ لَكُم مَّا ورَاءَ ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُم﴾ [النساء: 24]، ويجوز الترويح بالعروض، وقال صلى الله عليه وسلم: "خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة".
والمهرة المأمورة: الخيل الكثيرة النتاج، والسكة المأبورة، النخيل المصطفة المؤبرة.
وقال مالك: لا يحنث إلا بالذهب والفضة دون غيرها، وهذا أيضًا لا يصح لما ذكرنا.
فرع إذا قال: إن شفي الله مريضي فلله عليَّ أن أتصدق بمالي، فالحكم فيه كما ذكرنا في اليمين، ويتناول ذلك كل ما يتمول خلافًا لأبي حنيفة ومالك رحمهما الله.
فرع آخر قال: لو كان له دين على إنسان، فإن كان حالًا حنث، فإن ذلك مال يملك أخذه والمطالبة به متى شاء كالوديعة، وإن كان مؤجلًا ففيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأنه لا يملكه في الحال، وإنما يملكه بعد حلول الأجل، بدليل أنه لا يملك المطالبة به، وبه قال مالك رحمه الله.
والثاني: وهو الأصح يحنث؛ لأنه مال له وإن لم يملك المطالبة به كالدين على المعسر، وعدم المطالبة لا تخرجه عن كونه مالًا، كما لو آجره داره وسلمها إليه فليس له المطالبة بها وهي ماله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: لا يحنث به حالًا كان أو مؤجلًا، كما لو كانت له المطالبة بالشفعة وهذا غلط؛ لأن الزكاة تتعلق بالدين ولا تجب الزكاة إلا في المال، ولأنه لو قال: لفلانٍ علىَّ مال، وفسره بالدين فدل على أنه يسمى مالًا.
فرع آخر لو كان يملك بضع زوجته لم يحنث.
قال أصحابنا: وكذا لو ملك سائر المنافع؛

الجزء: 10 - الصفحة: 527

لأنها لا تسمى أموالًا وإن كانت في معنى المال.
فرع آخر لو كان له مكاتب أو أم ولدٍ أو مدبرٌ يحنث لقبولها على ملكه، ذكره أصحابنا مشايخ خراسان.
وقال صاحب "الحاوي": [24/ ب] في أم الولد وجهان؛ أحدهما: لا يحنث لأنه لا يجوز أن يعوض عنها بمال بخلاف المكاتب إذا عجز.
فرع آخر لو كان له مال مغصوب يحنث لبقائه على ملكه، وفي الضال وجهان؛ أحدهما: لا يحنث؛ لأن بقاءه مشكوك فيه.
والثاني: يحنث؛ لأن الأصل بقاءه.
فرع آخر لو كان له وقف، فإن قلنا: رقبة الوقف غير داخله في ملكه لم يحنث، وإن قلنا: رقبة الوقف داخلة في ملكه فيه وجهان كأم الولد، ولو نوى مالًا دون مالٍ فهو على نيته فيما بينه وبين الله تعالى.
فرع آخر لو قال: ما لي إلا مائة درهم ولم أملك إلا خمسين درهمًا، ونوى أنه لا يملك زيادة على مائةٍ لم يحنث، وإن أطلق ففيه وجهان.
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ مائَةَ شَوْطٍ".
الفصل في هذا مسائل؛ إحداها: أن يجمع مائة سوطٍ ويشدها وضربه بها ضربة واحدة، وتحقق أن المائة كلها أصابته فقد برَّ في يمينه.
وقال مالك رحمه الله: لا يبرّ حتى يضربه مائة سوطٍ متفرقة، وبه قال أحمد، وهذا لا يصح لقوله تعالى: "وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ ولا تَحْنَثْ"

فدل أنه يبر بذلك، ولأن حقيقة الضرب أن يصيب المضروب من يد الضارب، وهذا يوجد في الضرب بالجمع كوجوده بالمتفرق فحصل البر بهما.
فرع لو حلف ليضربنه مائة ضربة، فجمع مائة سوط أو مائة شمراخ فضربه بها دفعة واحدة هل يبر بذلك؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يبر؛ لأنه ما ضرب إلا ضربةً واحدةً فصار كالرامي سبع حصيات في رمي الجمار تعد رمية واحدة؛ لأن هاهنا جعل العدد للضربات، وفي المسألة الأولى جعل العدد الأسواط.

الجزء: 10 - الصفحة: 528

والثاني: يبرُّ به؛ لأن كل سوط يحصل به ضربة، ألا ترى أن الزاني إذا ضرب به [25/ أ] سقط عنه الحد.
فرع آخر متى وقع اسم الضرب فقد برَّ، سواء ألمه بذلك أو لم يؤلمه، نص عليه.
وقال مالك: لا يبر إلا بأن يألم بالضرب؛ لأنه يشترط الإيلام في ضربه الحد والتعزيز، وهذا لا يصح؛ لأن اسم الضرب يتناوله مؤلمًا كان أو غير مؤلم، يقال: ضربٌ مؤلمٌ، وضربٌ غير مؤلم، فإذا تناوله الاسم برَّ به ويخالف الحد والتعزيز؛ لأن الغرض بهما الردع والزجر، ولا يحصل ذلك إلا بالإيلام، وهاهنا الاعتبار بما يتناوله وله الاسم فلا يشترط فيه الألم.
ولو وضع عليه السوط ورفعه لا يبر به بلا خلاف.
فرع آخر لو علم أن الجميع لم يماسه لم بر؛ لأن الضرب لم يحصل بكماله ومماسته الجميع أن يقع البعض فوق البعض حتى يصل إليه شدة الكل.
فرع آخر لو شك هل أصابه الكل أم لا ظاهره قال ههنا: إنه يبر، والورع أن يحنث نفسه.
قال المزني: هذا خلاف قوله: ليفعلن كذا إلا أن يشاء فلان فمات فلانٌ حنث، وقد ذكرنا هذا فيما تقدم، وعند أبي حنيفة والمزني هاهنا لا يبر.
وقال القفال: هاهنا قول آخر لا يبر أيضًا كما في مسألة المشتبه، وهما كالقولين في إعتاق العبد الغائب الذي لا يعرف حياته عن الكفارة، ففي قول يعتبر براءة الذمة، والأصل أنها لم تبرأ، بل هي مشتغلة بالكفارة، وفي قول يعتبر أصل بقاء العبد، كذا هاهنا يعتبر أحد القولين ظاهر إصابته الكل، وفي الثاني يعتبر أن الأصل أنه لم يبر ما لم يتيقن.
ومن أصحابنا من أنكر هذا وقال: ما لم يماسه في السياط فقد يقل ما ماسه، فقد حصل معنى الضرب بالمماس وغير المماس، وهذا خلاف نص الشافعي رضي الله عنه؛ لأنه قال: أحاط أنها ل تماسه كلها لم يبر.
ومن أصحابنا من قال: إذا شك في الإصابة ولم يغلب على ظنه شيء حنث، وإن لم يتيقن الإصابة وغلب على ظنه [25/ ب] الكل برَّ.
وقال أبو حنيفة والمزني: لا يبر؛ لأن الأصل عدم الإصابة مالم يتيقن وهذا لا يصح؛ لأن غلبة الظن أجريت في الحكم مجرى اليقين، كما يحكم بخبر الواحد والقياس على غلبة الظن.
فرع آخر لو قال: مائة سوط لم يبر بعثكال النخل، ولو قال مائة خشبة برَّ بالعثكال.
فرع آخر لو كان عليه لباسٌ يمنع وصول الضرب إلى بشرة بدنه، فإن كان كثيفًا يخرج عن

الجزء: 10 - الصفحة: 529

العرف ويمنع من الإحساس بالضرب لم يبر، وإن كان مألوفًا لا يخرج عن العرف ولا يمنع من الإحساس بالضرب يبر وإن لم يألم.
فرع آخر لو قال: ليضربن عبده مائة مرةٍ فعليه في البر أن يفارقها، ولا يجوز أيجمعها، فإن جمعها وضربه كانت مرة، ولو قال: أضربك بمائة سوطٍ وضربه بها جاز وإن لم يصل جميعها إلى بدنه على ما ذكرنا؛ لأن دخول الباء على العدد لم يجعله صفة لآلة الضرب ولا يجعله صفةً لعدد المضروب، ولو قال: أضربك مائة سوطٍ وحذف الباء من العدد لزم البر أن يصل جميعها إلى بدنه؛ لأنه جعله صفةً لعدد الضرب دون الآلة، ذكره في "الحاوي".
مسألة: قَالَ: "وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةٌ فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هِبَةٌ".
الفصل اعلم أنه إذا حلف لا يهب لفلانٍ هبة فإن هذا يتناول جميع أنواع التمليك بغير عوضٍ في حال الحياة، فإن وهب له شيئًا أو أهدى إليه هدية وأقبض، وإن لم يتقدمها عقد، أو كان ابنه فنحله أو أعمره، أو تصدق عليه صدقة تطوع يحنث بجميع ذلك، وبه قال أحمد.
وقال أبو حنيفة: لا يحنث في صدقة التطوع؛ لأن الصدقة لا تسمى هبة، ولهذا كانت الصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتحل له الهدية والهبة وهذا لا يصح؛ لأن [26/ أ] المسكين الذي يتصدق عليه بشيء لا يتحاشى في العبارة أن يقول: وهب لي فلان كذا، ولأن الهبة اسم عام لجميع التمليكات بغير عوض، إلا أن كل نوع منها مختص باسم، فإذا وهب النضير من النضير يقال: هبة، وإذا وهب لمن هو أعلى منه يقال: هدية، وإذا وهب الولد يقال: نحله، وإذا وهب الفقير يقال: صدقة حنث بكلها، وهو كاسم الرطب يتناول أنواعًا كثيرة.
وأما صدقة التطوع هل كانت تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه قولان.
فرع لو أوصى بمالٍ لم يحنث؛ لأنه ليس بتمليك عين في حال الحياة، وإنما يحصل التمليك منها بالموت والقبول، وإذا مات سقطت.
فرع آخر إذا عقد الهبة ففي زمان حنثه وجهان مخرجان من القولين متى يملك الهبة؟ أحدهما: بالقبض، فيحنث وقت إقباضها.
والثاني: يدل بالقبض على ملكها وقت عقدها فيحنث وقت العقد.
فرع آخر إذا عقد الهبة وسلم فلم يقبلها الموهوب له وردها هل يحنث؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يحنث؛ لأن الهبة لم تتم تخريجًا من قوله أنه ملكها بالقبض.

الجزء: 10 - الصفحة: 530

والثاني: يحنث؛ لتعلقها بفعله تخريجًا من قوله أنها تملك بالعقد.
ذكره في "الحاوي"، وقد ذكرنا هذا فيما قبله مختصرًا.
فرع آخر لو تصدق عليه صدقةً فرض لم يحنث لخروجها عن تبرع الهبات، وقال بعض أصحابنا بخراسان: فيه وجهان، ولو حاب في بيع لم يحنث لخروجها عن الهبةَ، ولو أبرأ من دين عليه، فإن قلنا القبول شرط في صحته حنث، وإن قلنا لا يشترط القبول ففي صحته وجهان; أحدهما: يحث به؛ لأنه نوع من الهبةَ.
والثاني: لا يحنث به لتعلقه بالذمةَ دون العين.
فرع آخر لو عفا عن قود عليه [(86) / ب] لم يحنث؛ لأنه ليس ملك، وكذلك لو عفا عن الشفعةَ.
فرع آخر لو وقف عليه وقفًا، فإن قلنا: إن رقبةَ الوقف لا تُملك لم يحنث به وإن قلنا: تُملك ففي حنثه به وجهان؛ أحدهما: يحنث لنقل ملكيةً بغير بدلٍ.
والثاني: لا يحنث؛ لأن ملكه غير تام لمنعه من كمال التصرف فيه.
فرع آخر لو دعاه إلى طعام وليمةً لم يحنث به؛ لأن طعام الوليمةَ غير موهوب، هما هو مأذون في استهلاكه على صفةً مخصوصةً.
فرع آخر قال الشافعي رضي الله عنه: "فإن أسكنه دارًا فهي عاريةً لم يملكها إياه، ومتى شاء رجع" فلا ينطلق عليه اسم الهبةَ ولا يحنث.
وحكي عن مالك رحمه الله أنه قال: يحنث بالعاريةً والوقف.
فرع آخر لو حلف لا يتصدق فتصدق على غني حنث، ذكره أصحابنا بخراسان.
ونال أبو حيفة: لا يحث؛ لأن الصدقة على الغني هبة.
ولو حلف لا يتصدق فوهب لم يحنث بلا خلاف، كما لو حلف لا يأكل خوخا فأكل غيره من الفواكه لا يحنث؛ لأنه غم الذي خصه بالاسم.
مسألة: قال: "ولو حلف لا يركب دابة العبد فركب لم يحنث".
الفصل صورة المسألة أن يحلف لا يركب دابةً العبد فركب دابةً جعلها السيد برسم عبده يركبها

الجزء: 10 - الصفحة: 531

لم يحنث.
وقال أبو حنيفة؛ يحنث: لأن هذه الدابةً تضاف إلى عبده ولا تضاف إليه، وهذا لا يصح؛ لأن العبد لا يملكها، والإضافةَ تقتضي الملك في حق من يملك، فإذا لم يملكها المحلوف عليها لم يحنث الحالف، كما لو ركبا دابةً استعارها المحلوف عليه لم يحنث الحالف، ولأن الدابةً الواحدةَ لا تنسب إلى اثنين في حالةٍ واحدةٍ على طريق الحقيقةَ، وقد ثبت أنه لو قال: لا ركب دابةٍ سيده فركب دابةً جعلها برسم عبده يحنث، وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن اليمين تحل على الحقيقةَ دون المجاز إذا كان لها [(27) / أ] حقيقةً ومجاز، وكذلك الخلاف إذا قال: والله لا دخلت دارًا الليلةَ، فدخل دارًا لا يسكنها لا يحنث في يمينه؛ لأن الدار لغيره خلافًا لأبي حنيفةَ، ويقوله قال المزني.
فرع لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً جعلها زيدٌ لركوبه يحنث عندنا خلافًا لأبي حنيفة.
فرع آخر لو حلف لا يركب دابة فلان فملكه سيده دابةً.
فإن قلنا: يملك العبد بالتملك حنث، وإن قلنا: لا يملك لا يحنث.
فرع آخر لو حلف لا يركب دابةً زيي فركب دابةً لمكاتبه لا يحنث؛ لأن السيد لا يملكها ولا ينفذ تصرفه فيها.
فرع آخر لو حلف لا يركب دابةً زيد فركب دابةً ملكها زيد عبده، قال صاحب "الإفصاح"; يحنث؛ لأنه المالك حقيقةً.
وقال بعض أصحابنا: هذا مبنى على أنه يملك بالتمليك، فإن قلنا يملك التمليك لا يحنث، وإن قلنا: لا يملك يحنث.
فرع آخر لو حلف لا يركب دابةً المكاتب فركب دابةً له، قال أبو حامد: يحتمل أن يقال: لا يحنث؛ لأنه له الملك حقيقةً، ويحتمل أن يقال: يحنث؛ لأنه يتصرف فيه تصرف المالك، ويملك ملكًا ضعيفًا، وهو اختيار مشايخ خراسان وهذا أظهر؛ لأنه إذا لم يضف إلى سيد المكاتب لا بد من إضافتها إليه.
فرع آخر لو قال: لا أركب سرج هذه الدابةَ، أو دابةً الطبل حنث بركوب السرج الذي هو برسم تلك الدابةَ؛ لأن مقصوده بذلك التعريف لا التمليك ولذلك لو قال: لا آكل ثمرةً هذه النخلةَ أو طعام هذه القريةَ فأكل حنث.
فرع آخر لو قادت لا أدخل دارا في كانجار بابل آو خان يحي بنيسابور حث بدخوله في ذلك

الجزء: 10 - الصفحة: 532

الموضع وإن مات أضيف إليه ذلك كما ذكرناه.
فرع آخر [(88) / ب]: لو حلف لا يملك عبدًا وله مكاتب لا يحنث، نص عليه، وقال في "الأم": "لو ذهب ذاهب إلى أنه عبث ما بقي عليه درهم" فإنما يعني به أنه عبدَّ في حال دون حال؛ لأنه لو كان عبدًا لكان مسلطًا على بيعه وأخذ كسبه، فقد قيل: هذا قول آخر.
وقال صاحب "الإفصاح": لا نجعل هذا قولًا آخر؛ لأن الشافعي - رضي الله عنه - ألزم نفسه شيئًا وانفصل عنه فلا يجعل بذلك قول آخر.
فرع آخر لو قال: لا ضربت عبد زيدٍ، فوهبه زيد ولم يقبضه، أو جني فتعلق أرش الجنايةً برقبته فضربه حنث؛ لأن ملكه لم يزل بعد كما لو رهنه.
مسألة: قال: " وَلَوْ قَالَ: مَالُي فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوْ صدقَهُ عَلَى مُعَنّى الأيمان ". الفصل هذه المسألة بالنذر أشبه منها بالأيمان، غير آن المزني أوردها هاهنا لتعلقها بالأيمان، والحكم فيها أن الرجل إذا نذر نذرًا أخرجه مخرج اللجاج والغضب، بأن يقصد به منع نفسه عن فعل شيء أو إلزامها فعل شيء، فيقول: إن فعلت كذا فمالي صدقةً، أو إن لم أفعل كذا فمالي صدقةً، فوجد شرطًا ذلك لزمه حكمه، واختلف العلماء فيما يلزمه على سبعةً مذاهب: فذهب الشافعي - رضي الله عنه - آلي أنه بالخيار بين أن يفي بنذره وبين أن يكفر كفارة يمين، وبه قال عمر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشةً، وحفصةً، وزينب، وأم سلمه - رضي الله عنهم - وعطاء، وطاوس، وعبيد الله العنبري، وشريك، والحسن، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقال في كتاب "الاعتكاف" لو قال: إن فعلت كذا وكذا فعلي اعتكاف شهر، وكان قد فعل ذلك الشيء فعليه اعتكاف شهي.
ومن أصحابنا من قال: الواجب الكفارة، [(28) / أ] وإذا أخرج ماله كان زيادةً على الكفارةً، واختلف أصحابنا فيه على طرقٍ: إحداها: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير.
والثاني: يلزمه الوفاء فقط.
والثانية: قولًا واحدًا هو مخير، وما ذكره في الاعتكاف ليس بقول ثانٍ، بل هو أحد الشيئين المخير فيهما.
والثالثة: قال بعض أصحابنا بخراسان: فيه قولان؛ أحدهما: أنه مخير.
والثاني: يلزمه كفارة؛ لأنه يمين لا نذر.
وقد قال الشافعي رضي الله عنه: القياس آن عليه كفارة يمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 533

والرابعة: فيه ثلاثةَ أقوال؛ أحدها: يلزمه كفارةَ اليمين ولكنه إن وفي بما ذكره أجزأه، وهذا العبد في القياس عبد عبدٍ.
وقال في والحاوي: إذا قلنا بالتخيير فيه وجهان: أحدهما: الواجب عليه أحدهما وهما في الوجوب سواء، وله الخيار فيما شاء منهما.
والثاني: الواجب عليه الكفارةً وله إسقاطها بالنذر؛ لأن حكم اليمين أغلب وهي بالله أغلظ وإن كان الوفاء بالنذر أفضل.
وقال الحكم وحماد والنخعي: لا يلزمه بهذا القول شيء بحالٍ؛ لأنه وصف ماله بما لا يصير موصوفًا به، وقال ربيعة: يلزمه أن يتصدق بقدر الزكاة من الأموال الزكاتية؛ لأن المطلق محمول على معهود الشرع، وإنما يجب في الشرع من المال قدر الزكاةً.
وقال مالك، والزهري، وأحمد في روايةً: يلزمه أن يتصدق بثلث ماله، واحتج بأن آبا لبابة قال: يا رسول الله، أتأذن لي آن أنخلع من مالي كله؟ فقال: "يجزيك منه الثلث".، فثبت أن الثلث يقوم مقام الكل.
وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يتصدق بجمع أمواله الزكاتيةً دون غيرها، فإن لم يكن له إلا المال الزكاتي أمسك منه قدر النفقةً ثم قضى ذلك إذا أيسر.
وقال عثمان البتي: يلزمه التصدق بجميع ماله الزكاتي وغير الزكاتي، كما لو قال: إن شفي الله مريضي [(88) / ب] فلله علتي التصدق بمالي، وهو رواية عن ابن عمر - رمحي الله عنهما - وقال جابر ين زيد أبو الشعثاء ت إن كان ماله كثيرًا يتصدق بعشرهِ، وإن وسطًا يتصدق بسبعهِ، وإن كان قليلًا يتصدق بخمسهِ، والكثير ألفان، والوسط ألف، والقليل خمسمائةً.
ودليلنا ما روت عائشة - رضي الله عنها - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال؛ " من حلف بالمشي والهدى، أو جعل ماله في سبيل الله أو المساكين، آو في رتاج الكعبةَ فكفارته كفارة يمينًا، وأيضًا فبدايته بداية الأيمان، ونهايته نهايةَ النذر فخيرنا بين حكميهما.
وروى سعيد بن المسيب آن أخوين كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمةً، فقال- صلى الله عليه وسلم - إن عدت سألتني القسمة لا أكلمك أبدأ وكل مالي في رتاج الكعبةً، فقال له عمر - رضي الله عنه- إن الكعبةً غنية عن مالك، كفر عن يمينك وكلم أخاك، سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب".
وقال في قطيعةُ الرحم؛ "ولا فيما تملك".
وأصل الرتاج الباب، ولم يرد به الباب نفسه، وإنما المعنى أن يكون ماله هديًا إلى الكعبةً، أي في كسوةَ الكعبةً والنفقةً عليها.
وروي أن رجلا مال عائشةَ - رضي الله عنها - عمن قال: كل عالي في سبيل الله، أو كل مالي في رتاج الكعبةً، ما يكفر ذلك؟ فقالت: يكفره ما يكفر اليمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 534

وروى عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: وكفارةَ النذر كفارةَ اليمين، وهذا معتبر في نذر اللجاج، فإن في نذر النذور لا تجري الكفارة، وروي عن أبي رافعٍ أن مولاته حلفت بالمشي إلى بيت الله، وكل مملوك لها حر؛ وهي يومًا يهوديةً ويومًا نصرانيةً، وكل شيء لها في سبيل الله إن لم تفرق بينه وبين امرأته، فسألت [(29) / أ] ابن عمر، وابن عباس، وآبا هريرة، وعائشةً، وحفصةً، وأم سلمه - رضي الله عنهم - فكلهم: كفري عن يمينك وخلي بينهما، ففعلت وروى عمران بن حصين - رض الله عنه - أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين".
وأما ما ذكره النخعي فلا يصح؛ لأنه ألزمهُ وهو قربةً في نفسه فيستحيل ألا يلزمه شيء، وأما ما ذكره ربيعةً فلا يصح؛ لأن الزكاةً تجب مواساةً من المال، وهاهنا تصدق بجميعه، وأما ما ذكره مالك، قلنا: أبو لبابةً كان من الثلاثةَ الذين خلفوا، فأراد أن يتبرع بماله على سبيل الله والشكر، ولم يكن أوجب ذلك؛ لأنه يقابله ما روي أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه -تصدق يجمح ماله فأقره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
وأما ما ذكره أبو حنيفةَ فلا يصح؛ لأن نذر التبرر لم يخرج مخرج اليمين بخلاف هذا، وأما ما ذكره جابر بن زيدٍ فلا يصح لما ذكرناه.
فإذا تقرر هذا فما تعلق بهذا النذر على ثلاثة أضرب: أحدها: صدقة المال، أو الصوم، آو الصلاة، أو الاعتكاف، فإذا وجد شرطه تخير على المذهب الصحيح.
والثاني: إن تعلق به طلاقًا أو عتاقًا يلزمه ذلك عند وجود الشرط؛ لأنهما ينتجزان عند وجود الشرط، وصورته أن يقول: إن كلمت فلانًا فعبدي حرٌ، أو امرأتي طالق، ولو قال: إن كلمت فلانًا فلله علتي أن أعتق عبدًا، فكلمه كان مخيرًا بين العتاق والكفارةً على ما ذكرنا، والفرق أنه رفع العتق والطلاق بشرط هناك، فإذا وجد الشرط وقعا، وهاهنا التزم في الذمةً بالشرط، فإن لم يكن الشرط فيه عوضًا لم يلزم.
والثالث: [29/ ب] إن تعلق به حجًا فالمنصوص أنه مخير، ومن أصحابنا من قال: يلزمه الحج، والفرق بينه وبين سائر العبادات آن الحج يلزم بالدخول فيه، فكذلك بالنذر بخلاف الصوم والصلاةَ.
ومن أصحابنا من قال: قال المزني: قال الشافعي - رضي الله عنه -: ومن حنث بالمشي إلى بيت الله الحرام ففيه قولان: أحدهما: قول عطاء عليه كفارةَ يمين، ومذهبه أن أعمال البر لا تكون إلا في فرض الله تعالى، وسكت الشافعي عن القول الثاني

الجزء: 10 - الصفحة: 535

إيجاب الوفاء.
ومنهم من أراد بالقول الثاني التخيير بين الوفاء وبين الكفارة؛ ففي هذه المسألة ثلاثةَ أقاويل كالمسألة الأولى، وهي منصوصةً في مواضع متفرقةٍ.
ومن أصحابنا من قال: ليس على قولين عنده، وإنما حكي خلاف الناس على قولين، واختار لنفسه قول عطاء، ومعناه أنه يجزئه كفارةَ اليمين لا أنه تتعين الكفارة، ومن خرج من هذه المسائل على قولين فإنما خرج القول الآخر من الاعتكاف على ما ذكرنا، وقدر المزني أنه خرجه على قولين فقال: قطع بأنه قول عددٍ من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -والقياس، فلا وجه للقول الآخر، والجواب عنه ما ذكره هذا القائل.
قال المزني: وقد قال الشافعي في موضع آخر: لو قال: لله علتي نذر حج إن شاء فلان، فشاء لم يكن عليه شيء، إنما النذر ما أريد به الله تعالى ليس ما أريد به الخلق، الخلق والثاني غير الناذر، فمال المزني إلى هذا القول وهو إيجاب الكفارةً، وقال بعض أصحابنا بخراسان: هو الكفارةَ كما في الأيمان يحنث لا يتخير بينهما وبين غيرها، وهو ظاهر قول عطاء، وهو القياس.
وقال في "الحاوي": [(30) / أ] إذا علق به الحج قال في "الأم": فيه قولان، فوهم أبو حامد وخرج مذهبه على قولين؛ أحدهما: يتخير، والثاني: يلزمه الحج؛ لأن الحج في الالتزام بخلاف الصدفةَ، والصوم، والصلاةً.
وقال جمهور أصحابنا مذهبه لا يختلف فيه كما لم يختلف في غيره، وأنه مخير بين الحج والكفارة قولًا واحدًا كما في الصدقةَ والصلاةً، وحملوا قول الشافعي: "فيه قولان" أي تفقهًا؛ لأن لهم في الصدقةً أقاويل وليس لهم في الحج إلا قولان، ومذهبه التخيير قولًا واحدًا في الكل.
وأما قول الشافعي هاهنا: "والتبرر أن يقول: لله علي إن شفاني الله أن أحج له نذرًا قال أصحابنا هذا يدل على أنه إذا قال: لله عليّ آن أتصدق بمالي لم يلزمه شيء حتى يعلقه بمعنى، فيقول: إن شفي الله مريضي، أو رد على غائبي، أو آتاني مالأ".
ومن أصحابنا من قال: لا يدل على هذا المعنى؛ لأن الشافعي قال: "لو قال فه علي آن أحج في عامي هذا كان عليه أن يحج" وإنما أراد الشافعي أن يبين أن أقل اليمين يخالف النذر، وهذا ظاهر المذهب.
وقد فرع في مسائل الاعتكاف ولم يشترط فيه آن يكون على المجازاةً، وبه قال ابن سريج، وابن أبي هريرةً، والأصطخري، ولأن نذر الهدي المسمى لبيت الله الحرام لا يتعلق بالمجازاة بالإجماع، وكذلك إيجاب الضحايا، وكذلك سائر القربات والطاعات، فحصل من هذا أن النذر ضربان: نذر تبرر، ونذر لجاج وغضب.
فأما نذر اللجاج فيه طرق؛ أحدها: قول واحد وهو التخيير.
والثانيةً: قولان التخيير والوفاء.
والثالثةً: ثلاثةَ أقوال على ما ذكرنا.

الجزء: 10 - الصفحة: 536

والرابعة: قولان كفارةَ اليمين والتخيير.
والخامسةُ: قول واحد وهو كفارةَ اليمين، وهو اختيار كثير من مشايخ خراسان.
وأما نذر التبرر ضربان: أحدهما: ما يقصد به المجازاةً بأن يستجلب نعمةً، مثل أن يقول: إن رزقني الله ولدًا أو علمًا، أو شفي مريضي فلله عليّ كذا، أو يدفع به نعمةً بأن يقول: [30/ ب] إن نجاني الله من ظلم فلانٍ أو من الغرق أو الحرق؛، فلله علي كذا، فهذا يلزمه الوفاء به بلا خلاف عند وجود الشرط لقوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: (1)]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: (75)] الآية، فذم من لم يف بنذره، ولأنه في مقابلةً شرط بمنزلة المعاوضات، فإذا وجد الشرط لزم كما يلزم الثمن في مقابلة الثمن.
والثاني: ما يبتدئ به النذر مطلقًا من غير المجازاةً فهو على خلافٍ، بين أصحابنا؛ فقال الجمهور: يلزم الوفاء به قولًا واحدًا، وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله وقال أبو إسحاق والصيرفي: لا يلزم الوفاء به، وبه قال أبو يوسف، وهذا لأن حقوق الآدميين إنما تلزم ما كان في مقابلها عوض كالبيع وما لا عوض في مقابلها لا تلزم، فكذلك حقوق الله تعالى بالنذر لا تجب إلا أن يكون في مقابلته عوض.
وحكي غلام ثعلب عن ثعلب أنه قال: النذر عند العرب وعد بشرطٍ، ودليلنا أنه ألزم نفسه غرامةً على وجه التبرر فيلزمه كما لو ألزم نفسه أضحيته، وأما ما ذكر ثعلب فلا يصح؛ لأن العرب تسمي الملتزم نذرًا.
وأما ما ذكروه فلا يصح؛ لأن الأضحيةً والضمان عن الغير يلزمان بغير عوض، ومن أصحابنا من قال: فيه قولان مخرجان، آو وجهان، والصحيح الطريقة الأولى.
فرع لو قال: إن رأيت فلانًا فلله عليّ أن أحج، سئل فإن قال: أردت إن رزقني الله رؤيته فرأيته كان عليه الحج.
وإن أراد به اليمين كان حالفًا فيتخير بين الوفاء وبين كفارةً اليمين.
قال أصحابنا: وكذلك لو قال: إن دخلت مكة فلله علىّ أن أعتق رقبةً، فإن أراد إن رزقني الله دخولها فهو نذرٍ، وإن أراد معنى اليمين، آي لأدخلنها فهو مخير على ما ذكرنا.
وكذلك لو قال: إن سلمت علىّ فلان فلله علتي كذا، يحتمل هذين المعنيين.
فرع آخر لو قال: إن دخلت الدار [(31) / أ] فمالي عليّ حرام فهو موقوف على ما حرمه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على نفسه في ماريةُ القبطيةُ حتى أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: (1)] الآيةً، روى الأكثرون أنه حرم ماريةَ، فعلى هذا لا يلزم الحالف في تحريم غير ذات الفروج من ماله شيء، ويكون اليمين فيه لغوًا، وروي أن الذي حرمه الغسل فعلى هذا يلزم الحالف تحريم ماله، وعليه كفارة يمين كما يلزم في تحريم ذات الفروج كفارةَ يمين.

الجزء: 10 - الصفحة: 537

فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي تصدقت بمالي، وقد ذكرنا أنه يلزمه الوفاء به، وفي قدر ما يستر به عورته وجهان؛ أحدهما: يتصدق به لاستثنائه بالشرع في حقوق الله والثاني: يلزم ذلك لعموم اللفظ.
فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي فلا ألبس جديدًا ولا آكل الحلوى لا ينعقد ولا يلزم الوفاء به.
فرع آخر لو قال: إن هلك فلانٌ وهبت داري لفلان، فإن كان الهالك من أعداء الله تعالى انعقد به الشرط؛ لأنه طاعةً، وإن لم يكن كذلك فلا ينعقد به الشرط.
ثم إن كان الموهوب له ممن يقصد بهبته الأجر والثواب لزمه الجزاء؛ لأنه طاعة، وإن كان ممن يقصد به التواصل والمحبةً لم يلزم به الجزاء لأنه مباح.
فرع آخر لو قال: إن سَليم مالي وهلك مال فلان أعتقت عبدي وطلقت امرأتي، انعقد نذره على سلامةً ماله ولم ينعقد على هلاك مال غيره؛ لأن ما شرطه من سلامةُ ماله مباح، وما شرطه من هلاك مال غيره معصيةً، ولزمهُ في الجزاء عتق عبده ولا يلزمه الطلاق؛ لأن الجزاء بالعتق طاعًا، والجزاء بالطلاق مباح.
فرع آخر لو قال: إن شفي الله مريضي فلله عليّ نذر، ينحرف إطلاق هذا النذر إلى الصدقةً؛ لأنها الأغلب من عرف النذور، ولا يتعذر إطلاقها بما في فجاز تقليل المال اعتبارًا بالاسم.
فرع آخر لو قال: [31/ ب] أيمان البيعةً لازمةً لي، لم يلزمه بإطلاق هذا شيء ولا ينعقد به يمين؛ لأن البيعةً التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابةً والتابعين كانت أخذًا باليد بلا يمين، وإنما أحدثت الأيمان في بيعةَ الحجاج بن يوسف، فأدخل أيماناً بالله تعالى، وبالعتاق، والطلاق، والحج، وصدقةَ المال، فإذا قال: أيمان البيعةً لازمةً لي ينصرف ذلك إلى البيعةً الشرعيةُ، وليس فيها يمين.
فإذا قال ذلك وعنى به الأيمان التي رتبها الحجاج نظر، فإن قال: بطلاقها وعتاقها فقد صرح بذكرها، فلا تحتاج إلى النيةً وتنعقد يمينه بالطلاق والعتاق، وإن لم يصرح بذلك ونوى أيمان البيعةً هذه التي فيها الطلاق والعتاق انعقدت يمينه بالطلاق والعتاق خاصةً؛ لأن اليمين بها تنعقد بالكناية مع النية، وليس ذلك من أجل ذكر البيعة.
وقال في والحاوي: لو قادت علي أيمان البيعةً انصرف ذلك عن بيعة الرسول - صلى الله عليه وسلم -؛

الجزء: 10 - الصفحة: 538

لأنه لم يكن في بيعته يمين وتوجه إلى بيعةً الحجاج لانعقادها على يمين، والحكم على ما ذكرنا.
فرع آخر إذا قال: إن كلمت زيدًا وشفي الله مريضي فلله عليّ أن أحج، هل يخير بين الوفاء والكفارةً عند وجود الشرطين على قول التخيير في نذر اللجاج؟ قال والدي - رحمه الله -: القياس يقتضي أنه يخير؛ لأن التخيير هناك إنما يثبت لاجتماع الشبهين فيه، وهذا المعنى موجود هاهنا فوجب إثبات التخيير.
فرع أخر لو حلف ثم نوى في الليل أن يصوم غدًا عن كفارة اليمين ثم حنث صحت هذه النيةً، وإذا طلع الفجر بعد وجوب الكفارةً، وإن كنا نقول لا يجوز تقدم الصوم على الحنث في كفارةَ اليمين؛ لأنه من صحةً النيةً لا يعتبر وجوب الصوم، وإن اعتبر في صحةً الصوم وجوبه، ألا ترى أنه ينوي في الليل صوم الغد من رمضان [(32) / أ] فيجوز، وإن لم يكن الصوم ثابتًا في الذمةً في تلك الحالةً، ولا يصح منه صومه إلا في الوقت الذي ثبت وجوبه، ومحل نيةَ الصوم محل طهارة الصلاةً قبل دخول وقت الصلاة وإن لم تكن واجبة فيه، ولا تصح الصلاة قبل وجوبها كذلك في الموضع مغله، ليحتمل وجهًا آخر، وهو أن النية في مسألة الكفارةَ لا تصح؛ لأن النيةً عبادةً على البدن، وهو في حال النيةً غير مخاطب بصوم الغد ويخالف صوم رمضان؛ لأنه مخاطب في حال النيةً يصوم الغد، وهذا الوجه ذكره والدي - رحمه الله -. فرع أخر إذا حلف وحنث ثم حلف ولم يحنث، ثم اعتق رقبةً بنية الكفارةً ولم يمن، وأراد صرف هذا العتق آلي كفارةَ اليمين الثانيةً هل له ذلك؟ قال والدي - رحمه الله -: يحتمل وجهين: أحدهما: له ذلك كما لو كانتا واجبتين عليه؛ لأن جواز كفارةَ اليمين قبل الحنث وبعد الحلف كجوازها بعدهما.
والثاني: يكون العتق عن الواجب وقد تعين عنه عند الوقوع؛ لأنه إذا عين بالنيةَ إحدى الكفارتين الواجبتين عليه تعين في ذلك المزيةَ الحاصلةً بنيته التي أحدثها، وهاهنا المزيةَ حاصلةً بالوجوب فانصرف إليه دون غيره.
وهكذا إذا كان عليه دينان مثلان مؤجل ومعجل وماله مرهون بالمؤجل، فقضى أحدهما من غير تعيين ولا نيةً، ثم أراد صرفه إلى المؤجل احتمل ما ذكرناه من الوجهين.
فرع أخر إذا حلف لا شيء عليه لفلان، فقبل شهد شاهدان أن عليه لفلانٍ كذا وكذا، وأنه كان عليه عند هذا الحلف حنث في الحكم ووقع الطلاق إن كان الحلف به؛ لأن الشاهدين صحةً في الطلاق، والثاني وهو كالطلاق المعلق بدخول الدار، فإذا صح

الجزء: 10 - الصفحة: 539

الدخول بالشهادةً، كان كصحته بالإقرار في وقوع الطلاق، فكذلك إذا كانت الصفةُ [32/ ب] وجوب الحق عليه، ولا يصح أن يقال: يجوز أن يكون وفّر المال على صاحب الحق والشهود لا يعلمونه، فلا يقع الطلاق بالاحتمال؛ لأن هذا الموضع من رقيع الطلاق يصح من وجوب المال أيضًا، ويمنع من قبول الشهادة في مسألة الدخول لاحتمال كذب الشهود، ويمنع من قبول الشهادةً على أصل الطلاق لاحتمال الكذب، فلما حمل على الظاهر في هذه المواضع يحمل على الظاهر فيما نحن فيه، فلو شهد شاهدان في ذلك المجلس أن عليه لفلان كذا، ولم يكن، وكان عليه عند الحلف احتمل ألا يقبل في وقوع الطلاق لجواز وجوبه بعد اليمين في ذلك المجلس، بأن يعقد وكيله بعد اليمين عقدًا أو يجيئه الرَّاد للآبق به، وكان شرط له جعلًا ونحو ذلك من الأسباب التي قد لا تظهر، ويكون الحالف عارفًا بها والشهود كمثله ولكنهم يشهدون من غير بيان السبب، فإذا أمكن هذا لم يجز إيقاع الطلاق بالاحتمال.
فرع آخر قال والدي - رحمه الله -: إذا قدم الإطعام على وقت الوجوب كأنه خرج خطأ وهو عادم للرتبةً ولا يستطيع الصوم، فأطعم ستين مسكينًا قبل ثبوت الخروج، هل يصح الإطعام؟ عندي أنه ينظر، فإن كان شيخا كبيرًا لا يستطيع الصوم بحال صح الإطعام، وإن كان مريضًا ولكن يرجى زوال مرضه احتمل أن لا يجوز؛ لأن الإطعام إنما يجوز عند العجز عن أصله وهو الصوم، وهذا إنما يعتبر عند وجوب الصوم وقبل الموت لم يكن الصوم، وإن أطعم ربما يكون قادرًا على الصوم في وقت الوجوب، وهو عقيب موت المخرج، ولا تجوز عبادةً البدن موقوفةً على شرط متأخر عنها، ويحتمل جوازه؛ لأنه حق ما في يتعلق بالكفارة فصح تقديمه كالعتق، وفي الشيخ الهرم أيضًا نظر.
فرع أخر إذا مات وعليه كفارةَ القتل وهو عادم للرقبة وله مال، [(33) / أ] الظاهر أنه يطعم عنه من جهةَ أن أداء الصوم إذا تعذر بالموت بعد الإمكان يوجب الإطعام كقضاء رمضان، فإن كان هذا الصوم لا بدل له من حيث الإطعام في حال الحياةً، ولو صار هذا المكفر شيخًا هرمًا بعد الإمكان لا يجوز الإطعام لجواز أن يتمكن من العتق، وقد قيل خلاف هذا، والأصح ما ذكرنا.
وهذا إذا قلنا الاعتبار في الكفارةً بحالة الأداء، فإن قلنا الاعتبار بحالةً الوجوب يلزم الإطعام.
فرع أخر لو قال لها: إن خرجت من الدار بغير إذني فأنت طالق، فأذن لها في الخروج وبقي مجنونا هل يصح الإذن؟ فيه وجهان: أحدهما: لا يمح كما لو أذن لها في البيع والشراء.
والثاني: يصح وهو الأصح؛ لأن البيع والشراء لا يصحان من المجنون فلم يصح الإذن بها للمجنون، والدخول والخروج يوجد من المجنون فصح الإذن به للمجنون.
فإذا قلنا بالثاني لم يقع الطلاق، وإذا قلنا بالأول صار كما لو خرجت بغير إذنٍ،

الجزء: 10 - الصفحة: 540

فيبنى على القولين في أن عمد المجنون عمد أم خطأ؟ فإن قلنا: عمدٌ وقع الطلاق، وإن قلنا: خطأ ففي ومع الطلاق قولان كما لو خرجت ناسيةً فيه قولان، والقول في الصبيةً كالقول في المجنونةَ وفيه وجهان.
فرع آخر لو قال: والله لا أدخل هذه الدار مثلًا هل يعتبر القصد عند قوله والله؟ فيه ثلاث مسائل: أحدها: أن ينوي عند قوله: والله؟ تعقيبه بالدخول ذكرا فهذا حلف لا محالةً.
والثانية: أن ينوي عند قوله: والله شيئًا، فلما فرغ منه عقَّبه بذكر الدخول، فهذا لا يكون حلفا.
والثالثة: أن ينوي عند قوله: والله تعقيبه بذكر شيء لا على التعيين على وجه اليمين، فلما فرغ منه عقبه بذكر الدخول فيحتمل وجهين: أحدهما: يكون حلفًا ولا يجعل التعيين شرطًا عند ذكر الله تعالى.
والثاني: لا يكون [33/ ب] حلفًا لفقد التعيين عند ذكر الله تعالى.
فرع آخر إذا لاعن ولاعنت فالكاذب منهما يلزمه الكفارة؛ لأنه يمين عندنا، وهل يلزم كفارة أم كفارات؟ يحتمل أن يقال: يلزم كفارةً واحدةً؛ لأن الأيمان إذا تكررت على شيء وكان القصد الإعادةً التكرار فالواجب كفارةً، وكذا في أيمان القسامةً إذا كانت كذبًا يكفي كفارةً واحدةً لما ذكرنا.
فرع آخر إذا حلف الكافر الذي ينفي الإله بالله تنعقد يمينه؛ لأنه يستحلف في الدعاوى بالله تعالى، وإن حلف بالله تعالى ومراده الصنم أعيد عليه الحلف؛ لأن اليمين بغير الله تعالى لا تصح بحالٍ، ولو حلف بجسم فقال: والله الذي هو جسم لا أفعل كذا، يحتمل أن يقال: لا تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بغير الله تعالى في الحقيقةَ لاستحالةُ كون الله تعالى جسمًا، وهذا أوضح على قول من يكفرهم، ويحتمل أن يقال: تنعقد يمينه؛ لأنه حلف بالله تعالى ولكنه أخطأ في وصفه، وهذا أوضح على قول من لا يكفرهم، وهكذا لو حلف لتلك الدعوى هل تعاد عليه اليمين؟ تخرج على وجهين: أحدهما: تعاد عليه اليمين، وهذا على الوجه الأول.
والثاني: لا تعاد عليه، وهذا على الوجه الثاني.
فرع آخر إذا أقر بالقتل عمدا ثم رجع عن إقراره هل يقبل قوله في سقوط الكفارة؟ قال الإمام والدي - رحمه الله - يحتمل أن يقال: إن كان من أهل الإعتاق أو الإطعام لم يقبل، وإن كان من أهل الخيام قُبل، والفرق أن حق الآدمي يتعلق بكفارةَ العتق والإطعام فلم يقبل الرجوع من أجل حق الآدمي بخلاف الصوم؛ لأن حق الله تعالى على الاختصاص لا حق للآدمي فيه بوجه، فجاز قبول الرجوع فيه.

الجزء: 10 - الصفحة: 541

فرع أخر إذا حلف لا يدخل الدار اليوم فدخلها ناسيًا وانقضى اليوم [(34) / أ] صار بارَّا في يمينه، ولو حلف لا يدخلها فدخلها ناسيًا لا يصير حانثًا في أحد القولين.
والفرق أن الغرض في الأول تحصيل الدخول، والحلف وقع ليكون داعيًا إلى فعله، فإذا حصل الدخول فقد وجد المقصود بالداعي فأغنى عن ذكر الداعي، وفي المسألة الثانيةً المقصود انتفاء الدخول والحلف ليكون داعيًا له إلى الترك، وإنما يصح أن يكون داعيًا له إلى تركه إذا كان ذاكرًا له، فإذا لم يكن ذاكرًا صار كأن حلفه لم يتناول هذا الفعل فلم يقع الحنث.
تم الجزء العاشر ويليه إن شاء الله الجزء الحادي عشر وأوله: كتاب النذور

الجزء: 10 - الصفحة: 542

الجزء: 10 - الصفحة: 543

الجزء: 10 - الصفحة: 544

بحر المذهب في فروع المذهب الشافعي

تأليف القاضي العلامة فخر الإسلام شيخ الشافعية الإمام أبي المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل الروياني المتوفي سنة 502 هـ

تحقيق طارق فتحي السيد

الجزء الحادي عشر

يحتوي على الكتب التالية: النذور - أدب القضاء- العدد- الرضاع- النفقات

الجزء: 11 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 74 فصل · 44 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بحر المذهب للروياني · 44 صفحة
المقدمةالمقدمةكتاب الطهارةكتاب الصلاةكتاب الجمعةكتاب صلاة الخوفكتاب صلاة العيدينكتاب الجنائزكتاب الزكاةكتاب زكاة الفطركتاب الصيامكتاب الاعتكافكتاب الصيد والذبائحكتاب الضحاياكتاب الأطعمةكتاب السبق والرميكتاب البيوعكتاب مختصر الرهن من كتابين جديد وقديمكتاب التفليسكتاب الحجركتاب الصلحكتاب الحوالةكتاب الضمانكتاب الشركةكتاب الوكالةكتاب الإقراركتاب الوديعةكتاب قسم الفيء وقسم الغنائمكتاب الصدقاتكتاب العاريةكتاب الغضبكتاب الشفعةكتاب القراضكتاب المساقاةكتاب الشرط في الرقيقكتاب الإجاراتكتاب العطايا والصدقات والحبس والسائبةكتاب المزارعة وكراء الأرضكتاب إحياء المواتكتاب اللقطةكتاب الفرائضكتاب الوصاياكتاب العتقكتاب الولاءكتاب المدبركتاب مختصر المكاتبكتاب النكاحكتاب الصداقكتاب الطلاقكتاب الرجعةكتاب الإيلاءكتاب الظهاركتاب اللعانكتاب الأيمانكتاب النذوركتاب أدب القضاءكتاب العددكتاب الرضاعكتاب النفقاتكتاب القتلكتاب الدياتكتاب قتال أهل البغيكتاب الحدودكتاب السرقةكتاب قطاع الطريقكتاب الأشربةكتاب السيركتاب الجزيةكتاب القاضي إلى القاضيكتاب الشهاداتكتاب الأقضية واليمين مع الشاهدكتاب القسامةكتاب الشهادات الثانيكتاب الدعوى والبينات
جارٍ التحميل