كتاب الأطعمة
باب ما يحرم من جهة ما لا تأكل العرب
قال الشافعي رحمه الله: "قال الله جل ثناؤه: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: 157] وإنما خوطب بذلك العرب الذين يسألون عن هذا ونزلت فيهم الأحكام وكانوا يتركون من خبيث المآكل ما لا يترك غيرهم".
قال في الحاوي: اعلم أن المأكول ضربان، حيوان ونبات.
فأما النبات، فيأتي.
وأما الحيوان فضربان: بري وبحري فأما البحري فقد مضى، وأما البري فضربان: دواب وطائر، وهذا الباب يشتمل على ما حلّ منها وحرم، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: ما ورد النص بتحليله في كتاب أو سنة، فهو حلال.
والثاني: ما ورد النص بتحريمه في كتاب أو سنة فهو حرام.
والثالث: ما كان غفلا لم يرد فيه نص بتحليل ولا تحريم، فقد جعل الله تعالى له أصلاً يعرف به حلاله وحرامه، فى آيتين من كتاب وسنة عن رسوله فأما الآيتان فإحداهما قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ [المائدة: 4] فجعل الطيب حلالا.
والثانية: قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: 157] فجعل الطيب حلالاً، والخبث حراماً، فكانت هذه الآية أعمّ من الأولى لأن الأولى مقصورة على إحلال الطيبات وهذه تشتمل على إحلال الطيبات وتحريم الخبائث، فجعل الطيب حلالا، والخبث حراماً وهذا خطاب من الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، يدل على أن الناس سألوه عما يحل لهم ويحرم عليهم، فأمره أن يخبرهم أنه قد أحل لهم الطيبات، وحرم عليهم الخبائث، ولا يخلو مراده بالطيب والخبيث من ثلاثة أمور: إما أن يريد به الحلال والحرام كما قال: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 75، 172، والأعراف: 160، وطه: 81] يعني من الحلال، ولا يجوز أن يكون هذا مراداً؛ لأنهم سألوه عما يحل ويحرم، فلا يصح أن يقول لهم: الحلال الحلال، والحرام الحرام؛ لأنه لا يكون فيه بيان
الجزء: 4 - الصفحة: 227
للحلال ولا للحرام، وإما أن يريد به الطاهر والنجس، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ [النساء: 34] أي: طاهراً، ولا يجوز أن يكون هذا مراداً، لأن الطاهر والنجس معروف بشرع آخر، فلا يكون في هذا بيان شرعي يعني عن غيره.
وإما أن يريد به ما كان مستطاب الأكل في التحليل، ومستخبث الأكل في التحريم وهذا هو المراد إذا أبطل ما سواه؛ لأنهم يتوصلون بما استطابوه إلى العلم بتحليله، وبما استخبثوه إلى العلم بتحريمه، وإذا كان هذا أصلاً وصار المستطاب حلالاً والمستخبث حراماً وجب أن يعتبر فيه العرف العام، ولا يعتبر فيه عرف الواحد من الناس، لأنه قد يستطيب ما يستخبثه غيره، فيصير حلالاً له وحراماً على غيره والحلال والحرام ما عمّ الناس كلهم، ولذلك اعتبر فيه العرف العام، ولا يجوز أن يراد به عرف جميع الناس في جميع الأزمنة؛ لأنه خاطب به بعضهم دون بعض في بعض الأرض: فاحتيج إلى معرفة من خوطب به من الناس ومعرفة ما أريد به من البلاد، فكان أحق الناس بتوجه الخطاب إليهم العرب لأنهم السائلون المجابون: وأحق الأرض من بلادهم؛ لأنها أوطانهم، وقد يختلفون فيما يستطيبون ويستخبثون بالضرورة والاختيار فيستطيب أهل الضرورة ما استخبثه أهل الاختيار، فوجب أن يعتبر فيه عرف أهل الاختيار، دون أهل الضرورة لأنه ليس مع الضرورة عرف معهود، وهم يختلفون فيها من ثلاثة أوجه:
أحدها: بالغنى والفقر، فيستطيب الفقير ما يستخبثه الغني.
والثاني: بالبدو والحضر، فيستطيب البادية ما يستخبثه الحاضرة.
والثالث: بزمان الجدب وزمان بالخصب، فيستطاب في زمان الجدب ما يستخبث في زمان الخصب، وإذا كان كذلك وجب أن يعتبر فيه أهل الاختيار من جمع الأوصاف الثلاثة، وهم الأغنياء دون الفقراء، أو سكان الأمصار والقرى دون البادية، وفي زمان الخصب دون زمان الجدب، من العرب دون العجم، وبلادهم دون غيرها فتصير الأوصاف المعينة فيمن يرجع إلى استطابته واستخباثه خمسة:
أحدها: أن يكونوا عرباً.
والثاني: أن يكونوا في بلادهم.
والثالث: أن يكونوا من أهل الأمصار والقرى، دون الفلوات.
والرابع: أن يكونوا أغنياء من أهل السبعة.
والخامس: أن يكونوا في زمان الخصب والسعة.
فإذا تكاملت في قوم استطابوا أكل شيء كان حلالاً ما لم يرد فيه نص بتحريمه وان استخبثوا أكل شيء كان حراماً ما لم يرد نص بتحليله.
فصل:
فإذا تقرر هذا الأصل المعتبر في التحليل والتحريم، لم يخل حالهم فيه من ثلاثة أقسام:
الجزء: 4 - الصفحة: 228
أحدها: أن يتفقوا على استطابته، فيكون حلالاً.
والثاني: أن يتفقوا على استخباثه فيكون حراماً.
والثالث: أن يستطيبه بعضهم ويستخبثه بعضهم، فيعتبر فيه أكثرهم فإن استطابة الأكثرون كان حلالاً، ولم يكن لاستخباث الأقلين تأثير.
وان استخبثه الأكثرون كان حراماً، ولم يكن لاستطابة الأقلين تأثير وإن تساوى الفريقين في الاستطابة والاستخباث، ولم يفصل أحدهما على الآخر اعتبرت قريش، لأنهم قطب العرب وفيهم النبوة، وهم أول من خوطب بالرسالة، فإن كانوا في المستطيبين حلّ، وان كانوا في المستخبثين حرم، وان تساوت قريش فيهم اعتبرت شبه ما اختلفوا فيه بما اتفقوا عليه، فإن كان المستطاب أشبه حل.
وان كان المستخبث أشبه حرم.
وإن تساوى الأمران ففيه وجهان، من اختلاف أصحابنا في أصول الأشياء قبل ورود الشرع، هل هي الإباحة أو الحظر؟
أحد الوجهين: أنها على الإباحة حتى يرد الشرع بالحظر، فعلى هذا يكون معاً تكافؤ اختلافهم فيه حلالاً.
والثاني: أنها على الحظر حتى يرد شرع بالإباحة، فعلى هذا يكون تكافؤ اختلافهم فيه حراماً، فأما السنة فتأتي.
فصل:
فأما ما لم يكن في أرض العرب، ولا في بلاد العجم، اعتبرت فيه حكمه في أقرب العرب عند من جمع الأوصاف المعتبرة من بلاد العرب، فإن استطابوه كان حلالا، وإن استخبثوه كان حراماً، فإن اختلفوا فيه اعتبر حكمه عند أهل الكتاب دون عبدة الأوثان، فإن اختلف فيه أهل الكتاب اعتبرت فيه حكمه في أقرب الشرائع بالإسلام، وهي النصرانية، فإن اختلفوا فيه فعلى ما ذكرناه من الوجهين.
مسألة:
قال الشافعي: "وسمعت أهل العلم يقولون في قول الله عز وجل: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الانعام: 145] الآيه يعنى مما كنتم تأكلون ولم يكن الله عز وجل ليحرم عليهم من صيد البر في الإحرام إلا ما كان حلالا لهم في الإحلال والله أعلم فلما أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الغراب والحدأه والعقرب والحية والفأره والكلب العقور دل ذللك على أن هذا مخرجه ودل على معنى آخر أن العرب كانت لا تأكل مما اباح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتله في الإحرام شيئاً".
الجزء: 4 - الصفحة: 229
قال في الحاوي: اعلم أن مقصود الشافعي بهذه الجملة أمران:
أحدهما: إثبات أصله في التحليل والتحريم، أنه معتبر باستطابة العرب واستخباثهم، وقد قدمناه واستوفيناه.
والتاني: الرد على مخالفة فيه، وهو مالك، فإنه قال: كل الحيوان حلال إلا ما ورد نص بتحريمه، فأباح حشرات الأرض من الجعلان والديدان وهوامها من الحيات والعقارب وسباع الدواب، وبغاث الطير وجوارحها، وحلل لحوم الكلاب، وحرم لحوم الخيل، وجعل أصله إحلال جميعها إلا ما ورد فيه نص استدلالاً بقول الله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [الأنعام: 145] وبقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] فعم ولم يخص قال: ولئن كان المعتبر باستطابة العرب فهم يستطيبون أكل جميعها سئل بعض العرب عما يأكلون وما يذرون؟ فقال: نأكل كل ما دب ودرج إلا أم حبين فقيل له: لتهنأ آم حبين العافية.
ودليلنا مع تقرير الأصل الذي حررنا قول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: 157]. فدل على أن فيها خبيثاً محرما وطيباً حلالاً، ومالك جعل جميعها حلالا طيبا.
وروى عاصم بن ضمرة عن علي - عليه السلام - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير" فجعل هذا في التحريم أصلاً معتبراً، ومالك لا يعتبره، ويجعل الكل حلالاً.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور" وما أبيح قتله ولم يحرم في الحرم والإحرام كان حراما مستتنى من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] وهو انفصال عنها، ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أحل بعض الحيوان وحرم بعضه، وأغفل بعضه، فكان نصه متبعا في ما أحل وحرم، وبقي المغفل، ولا به له من أصل يعتبر فيه، لأنه ليس له رده إلى التحليل بأولى من رده إلى التحريم، وليس فيه إلا أحد أصلين، إما القياس وإما عرف العرب، ومالك لا يعمل على واحد منهما، ونحن نعمل عليهما، لأننا نعتبر عرف العرب ثم يرجع إلى القياس عند التكافؤ فكنا في اعتبار الأصلين أرجح منه في ترك الأصلين.
فأما الجواب عن قوله تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ﴾ [الأنعام: 145] في وجهين:
أحدهما: لا أجد فيما نزل به القرآن محرماً إلا هذه المذكورة، وما عداها محرم بالسنة.
الجزء: 4 - الصفحة: 230
والثاني: لا أجد فيما استطابته العرب محرما إلا هذه ال`كورة.
وقوله: إن العرب كانت تستطيب أكل جميعها، فإنما ذلك في جفاة البوادي لجذب مواضعهم في الضرورات، فقد ذكرنا أن مثلهم لا يعتبر.
مسألة:
قال الشافعي: "ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع وأحل الضبوع ولها ناب، وكانت العرب تأكلها وتدع الأسد والنمر والذئب تحريماً له بالتقدر وكان الفرق بين ذوات الأنياب أن ما عدا منها على الناس لقوته بنابه حرام وما لم يعد عليهم بنابه الضبع والثعلب وما أشبههما حلال".
قال في الحاوي: أما نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أكل كل ذي ناب من السباع، فهو أصل في التحريم دون الإباحة، وقد رواه الشافعي عن سفيان عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ثعلبة الخشني، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومعلوم أن في ذوات الأنياب مأكولاً، فاحتيج إلى تعليل ما حرم به ذوات الأنياب، وقد اختلف في معنى تعليله، فعند الشافعي أن ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالباً له غير مطلوب، فكان عداؤه بأنيابه علة تحريمه وقال من أصحابه أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه دون غيره، لا يأكل إلا ما يفرس من الحيوان، فكان عيشه بأنيابه، وان لم يبتدئ بالعدوى، وإن عاش بغير أنيابه، وهذه ثلاث علل، أعمها علة أبي حنيفة، وأوسطها علة الشافعي وأخصها علة المروزي، فالأسد والذئب والفهد والنمر حرام، لوجود العلل الثلاث فيها، لأنها تبتدئ العدوى بقوة أنيابها وتعيش بفريسة أنيابها، وكذلك أمثالها مما اجتمعت فيه العلل الثلاث.
فأما الضبع فحلال عندنا، لعدم العلتين فيه، لأنه لا يبتدئ بالعدوى، وقد يعيش بغير أنيابه.
وقيل: إنه من أحمق الحيوان، لأن يتناوم حتى يصطاد.
وقال مالك: هو حرام.
وقال أبو حنيفة: مكروه، والمكروه عنده ما يأثم بأكله، ولا يقطع بتحريمه احتجاجاً بنهيه عن أكل كل ذي ناب من السباعء وهو ذو ناب يفرس به، ولأن ما فرس بأنيابه حرم أكله كالسباع.
ودليلنا: مع التعليل الذي قدمناه: ما رواه الشافعي عن سفيان عن ابن جريج، عن عبد الله بن عبيد عن ابن أبي عمارة قال: قلت لجابر: أرأيت الضبع أصيد هو؟ قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 231
نعم.
قلت: أيؤكل؟ قال: نعم قلت: أسمعت ذلك من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "نعم".
وهذا نص وقد ورد عن الصحابة فيه ما صار في الحجة كالإجماع، فروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما قالا: الضبع حلال، وقال أبو هريرة: الضبع شاة من الضأن، وقال أبو سعيد الخدري: الضبع أحب إلي من دجاجة سمينة، وقد انتشر هذا عنهم ولم يظهر مخالف لهم فكان متردداً بين أن يكون إجماعاً أو حجة في كل واحد منهما دليل، ولأنه حيوان لا ينجس بالذبح، فوجب أن يحل أكله كالنعم.
فأما الجواب عن الاستثناء بالخبر، فهو ما قدمناه من التعليل فيه، وكذلك قياسهم.
فصل:
وأما الضب فهو عندنا حلال، وعند مالك حرام، وعند أبي حنيفة مكروه، واحتج مالك برواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال: أتي بالضب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى أن يأكله وقال: لا أدري لعلها من القرون التي مسخت.
واحتج لأبي حنيفة برواية عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر أن رجلاً سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما ترى في الضب فقال: "لست آكله ولا أحرمه ".
ودليلنا ما رواه الشافعي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عبد الله بن عباس وخالد بن الوليد أنهما دخلا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة فأتي بضب مجنون فأهوى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فقال بعض النسوة لميمونة: أخبري رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما يريد أن يأكل، فقالوا: هو خبث فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يده فقلت: أحرام هو يا رسول الله فقال: "لا ولكنه لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه" قال خالد: فأجررته وأكلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينظر.
وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عبد الله بن أبي صعصعة عن سليمان بن يسار عن ابن عباس قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيت ميمونة ومعه خالد بن الوليد، فإذا خباب فقال: من أين لكم هذا؟ فقالت: أهدت إلى أختي؟ فقال لخالد بن الوليد، ولابن عباس: كلا، قالا: ولا يأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أنى تحضر من الله حاضرة.
وفي هذين الحديثين نص على الإباحة، وقد روى مالك أحدهما، وهو له ألزم، وليس في الحديثين المتقدمين دليل على التحريم، وإنما فيها امتناع من الأكل.
وقد روى أبو إسحاق الشيباني عن يزيد الأصم أنه أنكر الرواية، أنه قال: لا آكله
الجزء: 4 - الصفحة: 232
ولا أحرمه، وقال: ما بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الا محللاً ومحرماً.
فصل:
فأما الأرنب فحلال، لأنه لا عدوى فيه، ويعيش بغير أنيابه، وقد روى سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: من حاضرنا يوم كذا وكذا فقال: أبو ذر أنا شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتي بأرنب فقال للذي جاءه بها: رأيتها كأنها تدمي، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل وقال للقوم كلوا.
وروى صفوان بن محمد، أو محمد بن صفوان قال: اصطدت أرنبين فذبحتهما بمروة - يعني بحجر - وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها فأمرني بأكلهما.
فأما الثعلب فهو حلال.
وقال أبو حنيفة مكروه كالضبع، لأنه يفرس بنابه، وهو على ما قدمناه من التعليلين مباح؛ لأنه لا عدوى فيه، وقد يعيش بغير أنيابه.
وأما ابن آوى ففي إباحته أكله وجهان:
أحدهما: يؤكل، وهو مقتضى تعليل الشافعي، لأنه لا يبتدئ بالعدوى.
والثاني: لا يؤكل، وهو مقتضى تعليل أبي إسحاق المروزي، لأنه يعيش بأنيابه.
فصل:
فأما اليربوع فيؤكل، وقد حكم فيه عمر _ رضي الله عنه _ على المحرم بحفرة، وقيل: إنه فار البر فيؤكل، وان لم يؤكل فار المدن.
قد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل الفأرة ولم يأمر بقتل اليربوع.
فأما السنور فضربان: أهلي ووحشي.
فأما الأهلي: فحرام لا يؤكلء لرواية جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل السنور وعن أكل ثمنها، ولأنها تأكل حشرات الأرض، فكانت من الخبائث.
وأما السنور البري ففي إباحة أكله وجهان كابن آوى:
أحدهما: يؤكل وهو مقتضى تعليل الشافعي، لأنه لا يبتدئ بالعدوى.
والثاني: لا يؤكل، وهو مقتضى تعليل المروزي، لأنه يعيش بأنيابه.
قال الشافعي: ويؤكل الوبر والقنفذ والوبر دويبة سوداء أكبر من ابن عرس وفي أكل ابن عرس وجهان:
أحدهما: يؤكل على مقتضى تعليل الشافعي.
والثاني: لا يؤكل على مقتضى تعليل المروزي.
الجزء: 4 - الصفحة: 233
فإن قيل: فكيف أبحتم أكل القنفذ وقد روى أبو هريرة أنها ذكرت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خبيثة من الخبائث".
قيل: يحتمل إن صحّ الحديث على أنها خبيثة الفعل دون اللحم، لما فيه من إخفاء رأسه عند التعرض لذبحه، وإبداء شوكه عند أخذه.
فأما أم حبين ففي إباحة أكلها وجهان:
أحدهما: تؤكل، وهو مقتضى كلام تعليل الشافعي، وقد نص على أن فيه الجزاء.
والثاني: أنها لا تؤكل، وهو مقتضى تعليل المروزي، وقد قال فيها البدوي ما قال.
فصل:
فأما أكل الحمير، فما كان منها وحشياً فأكله حلال، روى الشافعي عن مطرف بن مازن عن معمر بن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قبالة عن أبيه قال: بينما أنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية، وقد أحرم من أحرم من أصحابي، ولم أحرم، فإذا أنا بحمار وحشي، فحملت عليه فطعنته برمحي فصرعته، فأكلنا من لحمه، ثم لحقت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: أصبت حماراً وحشياً وعندي منه فأكله وقال للقوم وهم محرمون: "كلوا فأكلوا" فدل هذا الحديث على ثلاثة أحكام: على إباحة أكل الحمار الوحشي، ودل على أن زكاة الصيد الممتنع في أي موضع أصيب من جسده، ودل على أن المحرم يحل له أن يأكل من صيد المحرم إذا لم يصده لأجله.
وروى الصعب بن جثامة قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل حمار وحشي، فرده علي فتعمر وجهي، فلما عرف الكراهة في وجهي قال: ما بنا رد عليك، ولكنا قوم حرم، فامتنع من أكله لإحرامه، فإن الصعب صاده لأجله بعد إحلاله من الإحرام.
وفي قول الصعب: رجل حمار وحشي تأويلان:
أحدهما: يعني به أحد رجليه التي يمشي عليها.
والثاني: أنه أراد جماعة حمير يقال لها: رجل، كما يقال حيط نعام، وسرب ظباء، وهو أشبه، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يقصد وهو في كثير من أصحابه بهدية عضو من حمار.
فأما الحمير الأهلية فأكلها، واختلف أصحابنا، هل حرمت باستخباث العرب لها أو بالنص في المنع منها؟ على وجهين، وبتحريمها قال جمهور الصحابة والتابعين والفقهاء، وقال عبد الله بن عباس وسعيد بن جبير: أكلها حلال احتجاجاً بحديث رواه الشافعي عن سفيان عن مسعر عن عبيد بن الحسن عن أبي معقل قال: أخبرنا رجلان من مزينة قالا: قلنا يا رسول الله إنه لم تبق لنا الشدة إلا الحمر أفنأكل منها؟ فقال: أطعما
الجزء: 4 - الصفحة: 234
أهلكما من سمين فإني إنما قدرت عليكم بجوال القرية يعني: أكلة الزبل والعذرة قال الشافعي: لا أعرف من ثبوت هذا الحديث على الانفراد ما أعرف من ثبوت نهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية فأحرمها.
ونهيه عنها دليل على إباحة الحمر الوحشية: لأنه إذا نهى عن شي، يجمع صنفين، فقد أباح ما يخرج عن صنفه.
والدليل على تحريم الحمر الأهلية ما رواه الشافعي عن سفيان عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك قال: صبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر بكرة، وقد خرجوا بالشاة من الحصن، فلما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: محمد والخميس، لم ولجوا إلى الحصن، فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه ثلاثاً وقال: الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين، فلما فتحوها أصابوا حمراً فطبخوا منها، فنادى منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ألا إن الله ورسوله ينهاكم عنها، فإنها رجس فكفوا القدور وإنها لتفور.
فاحتمل ما حكموا به من أكلها، لأنهم كانوا يستطيبونها كالحمر الوحشية، حتى نهوا عنها بالنص.
واحتمل أن يكونوا هموا بذلك لمجاعة لحقتهم حتى نهوا عنها بالفتح، فلذلك ما اختلف أصحابنا في علة تحريمها على وجهين، والله أعلم.
فصل:
وأما لحم الخيل فأكلها حلال، قال الشافعي لا كل ما لزمه اسم الخيل من العراب والمقاديف والبراذين فأكلها حلال.
وبه قال أبو يوسف وأحمد ومحمد وإسحاق، وقال مالك: كلها حرام.
وقال أبو حنيفة: مكروه، احتجاجا بقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: 8] فكان في تحريم أكلها دليل من وجهين:
أحدهما: تخصيص منفعتها بالركوب والزينة، فدل على تحريم ما عداه.
والثاني: ضمها إلى ما حرم أكله من الحمير، وبرواية خالد بن الوليد، قال: خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى خيبر، فأتته اليهود، فشكوا أن الناس قد أسرعوا إلى حظائرهم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا لا تحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم حمر الأهلية وخيلها وبغالها".
وهذا نص قالوا: ولأنه ذو حافر أهلي، فوجب أن يحرم أكله كالحمير ولأنه حيوان يسهم له، فوجب أن لا يحل أكله كالآدميين.
الجزء: 4 - الصفحة: 235
ودليلنا: ما رواه الشافعي عن سفيان عن عمرو بن دينار عن جابر قال: أطعمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمير، وهذا نص.
وروى الشافعي عن سفيان عن هاشم بن عروة عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا فرساً على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأكلناه؛ ولانها بهيمة لا تنجس بالذبح، فلم يحرم أكلها كالنعم.
فأما الجواب عن الآية فمن وجهين:
أحدهما: أن تعيين بعض منافعها بالذكر لا يدل على ما عداه، كما لا يحرم البيع والشراء.
والثاني: أنه خص الركوب في الخيل، ولحوم الخيل ليست بخيل، وليس جمعه بينها وبين الحمير موجباً لتساويهما في التحريم، كما لم يتساويا في السهم من المغنم.
وأما الجواب في الخبر فمن وجهين:
أحدهما: ضعف الحديث: لأن الواقدي حكى أن خالد بن الوليد أسلم بعد فتح خيبر.
والثاني: أنه حرم أخذها من أهلها بالعهد ولم يرد تحريم اللحم.
وأما الجواب عن القياسين فمن وجهين:
أحدهما: أنهما يدفعان النص فأطرحا.
والثاني: أن العرف لما جرى بأكل الخيل، ولم يجر عرف بأكل الآدميين والحمير فافترقا في الحكم، وامتنع الجمع بينهما في التحريم.
فصل:
فأما البغال فأكلها حرام، وهو قول الجمهور، وقال الحسن البصري: حلال تغليباً لحكم الإباحة في الخيل.
ودليلنا حديث خالد بن الوليد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها" ولأن اجتماع الحظر والإباحة يوجب تغليب الحظر في الإباحة، فوجب في البغال أن يغلب تحريم الحمير على إباحة الخيل وهكذا حكم كل متولد من بين مأكول وغير مأكول حرام تغليباً لحكم التحريم على التحليل كالسمع والمتولد بين الضبع والذئب كما أن كل متولد من بين طاهر ونجس فهو نجس، وكل حيوان كان أكل لحمه حراماً كان شرب لبنه حراماً إلا ألبان النساء.
الجزء: 4 - الصفحة: 236
مسألة:
قال الشافعي: "وكذلك تترك أكل النسر والبازي والصقر والشاهين وهي مما يعدو على حمام الناس وطائرهم وكانت تترك مما لا يعدو من الطائر الغراب والحدأة والرخمة والبغاثة ".
قال في الحاوي: قد مضى الكلام في البهائم الماشية من الوحشية والإنسية فأما الطير فضربان:
أحدهما: ما فيه عدوى على الطائر بمخلبه وافتراس له بمنسره كالبازي والصقر والشاهين والنسر والحدأة والعقاب، فأكل جميعها حرام، وأباحها مالك، ولم يحرم من الطائر كله شيئاً.
ودليلنا رواية عاصم بن ضمرة عن علي _ عليه السلام _ ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يؤكل ما دف ولا يؤكل ما صف" يريد ما حرك جناحه كالحمام وغيره يؤكل، وما صف جناحيه ولم يحركهما كالصقور والنسور، لا يؤكل، ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ﴾ [تبارك: 19].
والثاني: ما لا عدوى فيه، فتنقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: ما اغتذى بالميتة والجيف كالبغاث والرخم، فأكله حرام، لخبث غذائه.
والثاني: ما كان مستخبثاً كالخطاطيف والخشاشيف، فأكله حرام، لخبث لحمه.
والثالث: ما لم يخبث غذاؤه، ولا لحمه كالحبارى والكروان، فأكله حلال.
روى سفينة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: أكلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحم حبارى ويقاس على أصله هذه الأقسام الثلاثة ما في نظائرها، فمن ذلك الهدهد أكله حرام، وقد ورد الخبر بالنهي عنه، وكذلك الشقراق والعقعق ولأنها مستخبثة عند العرب، فأما الغراب، فأكله حرام الأسود منه والأبقع سواء.
وحكي عن الشعبي أنه أباح أكله وقال من دجاجة ما أسمنها؟ وقال آخرون: يؤكل منه الأسود دون الأبقع وهذا خطأ: لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أباح قتله في الحل والحرم.
وقد روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إني لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتله للمحرم وسماه فاسقاً، والله ما هو من الطيبات وما يشبه الغراب، وليس بغراب الزاغ والغداف، فأما الزاغ فهو غراب الزرع، وأما الغداف، فهو أصغر منه أغبر اللون كالرماد، ولأصحابنا في إباحة أكلها وجهان:
أحدهما: أن أكلها حرام، لشبهها بالغراب، وانطلاق اسمه عليها.
الجزء: 4 - الصفحة: 237
والثاني: ومنه قال أبو حنيفة: إن أكلها حلال، لأنهما يلقطان الحب ويأكلان الزرع ولحمهما مستطاب، وكل طائر حرم أكل لحمه حل أكل بيضه.
مسألة:
قال الشافعي: "وكذلك تترك العرب اللحكاء والعظاء والخنافس فكانت داخله في معنى الخبائث وخارجه من معنى الطيبات فوافقت السنه فيما أحلوا وحرموا مع الكتاب ما وصفت فانظر ما ليس فيه نص تحريم ولا تحليل فان كانت العرب تأكله فهو داخل في جمله الحلال والطيبات عندهم لأنهم كانوا يحللون ما يشتطيبون وما لم يكونوا يأكلونه باستقذاره فهو داخل في معنى الخبائث ولا بأس بأكل الضب وضع بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعافه فقيل: أحرام هو يا رسول الله؟ قال: "لا ولكن لم يكن بأرض قومي" فأكل بين يديه وهو ينظر إليه ولو كان حراما ما تركه وأكله".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، حشرات الأرض وهوامها حرام فالهوام ما كان مؤذيا كالحيات والعقارب، وحشراتها ما ليس بمؤذٍ كالخنافس والجعلان، والديدان والنمل، والوزع والعظاء واللحكاء وهي دويبة كالسمكة تسكن في الرمال إذا أحست بالإنسان غاصت فيه، وهي صقيلة الجلدة، والعرب تشبه أنامل المرأة بها، والوزع وهو كالسمكة خشنة الجلد، ويعرض مقدمها، ويدق مؤخرها، فهذا كله غير مأكول.
وأباح مالك أكل جميعه، وكره الحية، ولم يحرمها، وكذلك الفأرة والغراب وفيما قدمناه من الدليل معه على هذا الأصل مقنع، وسواء في تحريم الديدان ما تولد في الطعام أو في الأرض، ومن الفقهاء من أباح أكل ما تولد في الطعام، وحرم أكل ما تولد في الأرض، وكلاهما مستغيث، فاستويا.
وهكذا الذباب والزنابير، وسواء كان من زنابير العسل وغيرها، فإن قيل: فإذا كان عسلها مأكولا، فهلا كان أكلها حلالاً؟
قيل: هي مستخبثة ومؤذية، وليس يمتنع أن يحرم أكلها، وان حلّ عسلها كألبان النساء في إباحة شربه مع تحريم لحومهن فأما ما يحل أكله، فيكثر تعداده، وهو ما يمنع الحرم والإحرام من قتله وفيه إذا أصابه المحرم الجزاء إلا يسمع.
وما تولد من بين مأكول وغير مأكول، فإنه لا يؤكل، ويجب فيه الجزاء، تغليباً للحظر في الأمرين.
وقال أبو العباس بن القاص: لا جزاء فيه، لأنه غير مأكول، ووهم فيه، لأن تغليب الحظر موجبه، والله أعلم بالصواب.
الجزء: 4 - الصفحة: 238
فصل:
روى مجاهد عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن أكل الجلالة وألبانها" وروى نافع عن ابن عمر ان النبي ... - صلى الله عليه وسلم - "نهى عن الجلالة والمجثمة وعن المصبورة ".
فأما الجلالة فهي التي ترعى الجلة، وهي البعر والعذرة، فحمل بعض أصحاب الحديث النهي على التحريم، وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل.
وعندي أنه محمول على الكراهة دون التحريم، لأن النهي عنها وارد، لأجل ما تأكله من الأنجاس، وهي تغتذيه في كرشها، والعلف الطاهر ينجس في الكرش، فساوى في حصوله منه حال النجس؛ ولأن لحومها ترعى الأنجاس نتن، وأكل اللحم إذا نتن يحرم وإذا كان هكذا فلما كان أكثر غذائه رعي الأنجاس، كان أكل لحمه وشرب لبنه مكروهاً.
فأما ركوبه، فيكره إذا كان عرياً لنتن عرقه، ولا يكره إذا كان موكفاً أو مسرجاً، فإن كان أكثر ما يغتذيه طاهراً، وإن اغتذى في بعضها نجساً لم يكره اعتباراً بالأغلب، ويختار في الجلالة إذا أريد شرب لبنها أو أكل لحمها أن تحبس عن الأقذار بالعلف الطاهر في البعير أربعين يومأ، وفي الشاة سبعة أيام، وفي الدجاجة ثلاثة أيام، وليست هذه المقادير توفيقاً لا يزاد عليه، ولا ينقص منه، لأن المقصود زوال ما أنتن من أبدانها، والأغلب أنها تزول بهذه المقادير، فإن زالت بأقل منها زالت الكراهة وان لم تزل فيها بقيت الكراهة حتى تزول مما زاد عليها، فإن أكل منها قبل علفها نظر في رائحة لحمها، فإن لم يتغير بأكل النجاسة كان حلالاً، وان تغير بها فإن كان يسيراً لم يستوعب رائحة تلك النجاسة حلّ أكله، وان كانت كثيرة قد استوعبت رائحة تلك النجاسة حلّ أكله، وان كانت كثيرة قد استوعبت رائحة تلك النجاسة أو قاربها، ففي إباحة أكله وجهان حكاهما ابن أبي هريرة:
أحدهما: مباح، لأنه من أصل مأكول.
والثاني: أنه حراام، لأنه قد صار من الخبائث، وهكذا نقول في الجدي إذا ارتضع من لبن كلبة أو خنزيرة حتى نبت له لحمه كانت إباحة أكله على هذين الوجهين فإما المجثمة التي روى ابن عباس النهي عنها، فهي التي جثمت على الموت بضرب أو غيره، وفرق بين الصيد الجاثم والمجثوم، فالجاثم الممتنع، ويحل أكله إذا جثم بحديدة، والمجثوم المقدور عليه لا يحل أكله إلا بزكاة.
والمصبورة: هي التي حبست عن الطعام والشراب حتى ماتت، ولا يحل أكلها في ممتنع، ولا مقدور عليه.
وأما المختطفة ففيها وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 239
أحدهما: ما اختطفه السبع من الحيوان أكله حرام قاله ابن قتيبة.
والثاني: أنها النهبة لاختطافها بسرعة ومنه سمي الخطاف لسرعته قاله ابن جرير.
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: "لا تتخذوا ذا الروح غرضاً"وهو رمي الحيوان حتى يموت، فإن كان من مقدور عليه حرم أكله، وان كان من ممتنع حلّ أكله إن كان بمحدد، وحرم إن كان بمثقل.
فصل:
فأما أكل الأجنة، وهو أن تذبح البهيمة، فيوجد في بطنها جنين، فإن كان حياً مقدوراً على ذكاته لم يحل أكله إلا بالذكاة، وان كان ميتاً أو حياً قصرت مدة حياته عن ذكاته، حلّ أكله بذكاة أمه، وهو إجماع الصحابة وقاله مالك والأوزاعي والثوري، وأبو يوسف ومحمد، وأحمد، وإسحاق، وتفرد أبو حنيفة.
فحرم أكله احتجاجاً بقول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحلت لنا ميتتان ودمان: الميتتان: الحوت والجراد، والدمان: الكبد والطحال"، وهذه ميتة ثالثة: يوجب الخبر أن تكون محرمة، ولأنه من جس ما يذكى، فوجب أن لا يحل إلا بالذكاة كالأم، ولأنه ذبح واحد، فلم يجز أن تكون ذكاة الاثنين كما لو خرج الجنين حياً، ولأن ما كان موته "ذكاة " في غير المقدور عليه كان موته ذكاة في المقدور عليه، وما لم يكن قوته ذكاة في المقدور عليه لم يكن ذكاة في غير المقدور عليه كالصيد والنعم فلما لم يكن موت المقدور عليه من الأجنة ذكاة لم يكن موت غير المقدور عليه ذكاة، ولأن العقر من حميع المذكي معتبر، وإنما يختلف في المقدور عليه وغيره باختلاف المحل، ولا يختلف باعتباره في بعضه وإسقاطه في بعضه وقد اعتبرتم العقر في المقدور عليه وأسقطتموه في غير المقدور عليه، وهذا مخالف للأصول.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1].
قال ابن عباس، وابن عمر: بهيمة الأنعام هي أجنتها إذا وجدت ميتة في بطون أمهاتها يحلّ أكلها بذكاة الأمهات، وهذا من أول أحكام هذه السورة التي هي من أكثر الأحكام المشروعة والغالب من تأويلهم هذا أنهم لم يقولوه إلا نقلاً.
ومن السنة ما رواه عاصم بن ضمرة عن علي - عليه السلام - ورواه عكرمة عن ابن عباس ورواه نافع عن ابن عمر، ورواية أبي الزبير عن جابر، ورواية ابن سيرين عن أبي هريرة: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه".
الجزء: 4 - الصفحة: 240
فجعل إحدى الذكاتين نائبة عنهما، أو قائمة مقامهما، كما يقال: مال زيد مالي ومالي مال زيد.
يريد أن أحد المالين ينوبعن الآخر، ويقول مقامه.
فإن قيل: إنما أراد به التشبيه دون النيابة، ويكون معناه: ذكاة الجنين كذكاة أمه؛ لأن قدم الجنين على الأم، فصار تشبيهاً بالأمر، ولو أراد النيابة لقدم الأم على الجنين فقال: ذكاة الأم ذكاة جنينها ـ ففيه ثلاثة أجوبة:
أحدها: أن اسم الجنين منطلق عليه، إذا كان مستجناً في بطن أمه، فيزول عنه الاسم إذا انفصل عنها، فيسمى ولداً.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم: 32].
وهو في بطن أمه لا يقدر على ذكاته، فبطل أن يحمل على التشبيه، ووجب حمله على النيابة.
والثاني: أنه لو أراد التشبيه دون النيابة، لساوى الأم غيرها، ولم يكن لتخصيص الأم فائدة، فوجب أن يحمل على النيابة دون التشبيه، ليصير لتخصيص الأم تأثير.
والثالث: لو أراد التشبيه لنصب ذكاة أمه لحذف كاف التشبيه، والرواية مرفوعة: "ذكاة أمه" فثبت أنه أراد النيابة دون التشبيه.
فإن قيل: فقد روي بالنصب: "ذكاة الجنين ذكاة أمه".
قيل: هذه الرواية غير صحيحة، ولو سلمت لكانت محمولة على نصبها بحذف "يا" النيابة دون كاف التشبيه لما قدمناه، ولأنه إثبات الذكاة لم يجز أن يحمل على نفيها، لأنهما ضدان، ولا نفعل النفي من الإثبات كما لا نفعل الإثبات من النفي، ويكون معناه: ذكاة الجنين بذكاة أمه، ولو احتمل الأمرين لكانتا مستعملتين، فتستعمل الرواية المرفوعة على النيابة إذا خرج ميتاً، وتستعمل الرواية المنصوبة على التشبيه: إذا خرج حياً، فيكون أولى ممن استعمل إحداهما، وأسقط الأخرى.
ويدل عليه أيضاً نص لا يحتمل هذا التأويل، وهو ما رواه يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن أبي الوداني عن أبي سعيد الخدري، قال: قلت: يا رسول الله ننحر الناقة وتذبح البقرة أو الشاة في بطنها جنين ميت أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم، فإن ذكاة الجنين ذكاة أمه" ولأنه إجماع الصحابة.
روي ذلك عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وقال عبد الرحمن بن كعب بن ملك: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقولون: "ذكاة الجنين ذكاة أمه".
وما انعقد به إجماعهم لم يجز فيه خلافهم.
ومن الاعتبار هو أن الجنين يغتذى بغذاء أمه، فلما كانت حياته بحياتها جاز أن تكون ذكاته بذكاتها كالأعضاء.
فإن قيل: فأعضاؤها لا تعتبر ذكاتها بعدها، وأنتم تعتبرون ذكاة الجنين إذا خرج حياً، فدل على افتراقهما.
الجزء: 4 - الصفحة: 241
قيل: لا (فرق) بينهما، لأننا جعلنا ذكاته بذكاتها، إذا خرجت روحه، بخروج روحها، وإذا خرج حياً لم تخرج روحه لخروج روحها، فلم تحل بذكاتها كذلك الأعضاء إذا خرجت منها الروح بخروج روحها حلت، ولو خرجت الروح منها بغير خروج الروح من أصلها لقطعها قبل ذبحها لم تؤكل، فاستويا، وقد يتحرر من هذا الجواب المعلل قياس ثان، فيقال: حيوان خرجت روحه بذكاة، فجاز أن يكون مأكولاً، كالأم، ولا يدخل الجنين المتولد من حمار وحشي، وحمار أهلي لا يحل أكله بذكاة أمه، لأننا أجمعنا بينه وبين الأم، والأم تؤكل إذا لم تتولد من بين جنسين كذلك الجنين.
فإن قيل: إنما مات باختناقه في بطن أمه، واحتباس نفسه، لا بالذكاة فدخل في تحريم المنخنقة.
قيل: لا يجوز أن يعلق على الأسباب المباحة أحكام المحظورات كما لا يجوز أن يعلق على الأسباب المحظورة أحكام المباحات وموت الجنين بذبح أمه مباح، يتعلق به إحلال الأم، فتبعها في الحكم، والمنخنقة ضدها؟ لتحريم جميعها، فتعلق به تحريم أكلها.
ويدل على ما ذكرناه أن الذكاة معتبرة بالقدرة بعد الأسباب المباحة، وهي تنقسم ثلاثة أقسام.
فقسم يمكن ذبحه، وهو المقدور عليه من الصيد والنعم، فلا ذكاة له إلا في حلقه ولبته.
وقسم ممتنع لا يمكن ذبحه، ويمكن عقره، وهو الصيد، فذكاته بعقره من أي موضع وقع من جسده، لتعذر ذبحه.
وقسم يتعذر ذبحه وعقره وهو الحوت والجراد؟ لأن موت الحوت بعد موته سريع وعقر الجراد شاق، فكان موتهما ذكاة.
وان كان هذا أصلاً متفقاً عليه وجب أن يعتبر في الجنين، فإن لم يقدر على ذبحه لسرعة موته، كان موته ذكاة له، فالحوت والجراد، وان كان مقدوراً على ذبحه، لبقاء حياته كانت ذكاته في الحلق واللبة، كالمقدور عليه في الصيد والنعم، فيصير الخلاف فيه مردوداً إلى الأصل المتفق عليه، ولأنه لما سرى حكم الأم إلى جنينها في البيع الهبة والعتق سرى إليه في الذكاة والإباحة.
ألا ترى أن الجناية على الأم إذا ألقته ميتاً، كالجناية عليه في وجوب الضمان؟ فصار في جميع أحواله ملحقاً بأمه، فكانت الذكاة منها، ولم يجز أن يقتطع عنها.
فإن قيل: لو لحق بها في الذكاة إذا خرج ميتاً لم يحتج إلى الذكاة، إذا خرج حياً فعنه جوابان:
أحدهما: إنما حلّ إذا خرج ميتاً لفراق روحه بذكاتها، ولم يحل إذا خرج حياً لأن روحه لم يفت بذكاتها.
والثاني: أنه لا يجوز أن يعتبر خروجه حياً في الذكاة بخروجه ميتاً كما لا يعتبر في
الجزء: 4 - الصفحة: 242
الجناية؛ لأنه إذا خرج ميتاً كانت ديته معتبرة بأمهء وإذا خرج حياً كانت ديته معتبرة بنفسه، كذلك في الذكاة.
فأما الجواب عن الآية والخبر فمن وجهين:
أحدهما: أن الخبر خارج عن الميت؟ لأن موته بذكاة أمه، ولو مات بغير ذكاتها فألقته ميتاً حرم؟ لأنه ميتة.
والثاني: أن عموم الآية مخصوص في الجنين بالخبر، كما خصت في الحوت والجراد، وملحق بالحوت والجراد؟ لما ذكرنا من اشتراكهما في المعنى وأما الجواب عن قياسه على الأم، فهو أن ذكاتها مقدور عليها، فلم تحل إلا بهاء وذكاة الجنين غير مقدور عليها، فحل ولو قدر على ذكاته لم يحل إلا بها كالأم، وهو الجواب عن قياسهم عليه، إذا خرج ميتاً؛ لأنه يقدر على ذكاته حياً، فاعتبرت؛ ولأنه يقدر على ذكاته ميتاً فسقطت.
وأما الجواب عن استدلالهم بالتسوية بين حالتي موته وحياته، فهو أن التسوية بين حالتي القدرة، والعجز في الذكاة مطرحة، والفرق بينهما أحق كالصيد لما اختلفت ذكاته، في القدرة والعجز اختلف بها حكم الجنين فامتنع الجمع.
وأما الجواب بأن العقر في جميع الحيوان معتبر وإنما يختلفان بالقدرة والعجز في اختلاف المحل، فمن وجهين:
أحدهما: أن العقر فيه معتبر، وهو ذبح الأم.
والثاني: أنه لما اعتبرت الذكاة بالقدرة عليها وجب أن يعتبر العقر بالقدرة عليه، وهي متعذرة في الجنين، فسقطت بالعجز، كما سقطت في الحوت والجراد، ولم تسقط في الصيد، لإمكانه فيه.
فصل:
فإذا ثبت إباحة الجنين بذكاة أمه، فلا يخلو حاله من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يكون كامل الصورة تجب فيه الغرة، وتصير به الأمة أم ولد، فهذا مأكول.
والقسم الثاني: أن يكون علقة لا تجب فيه العزةء ولا يصير به أم ولد، فهذا غير مأكول؛ لأن العلقة دم.
والقسم الثالث: أن يكون مضغة قد انعقدت لحماً لم تشكل أعضاؤه، ولم تبن صورته، ففي إباحة أكله وجهان من اختلاف قوليه في وجوب الغرة وكونها أم ولد:
أحدهما: يؤكل إذا جرى عليه في ذلك حكم الولد.
والثاني: لا يؤكل إذا سلب حكم الولد، وقال بعض أصحابه إن نفخ فيه الروح أكل، وان لم ينفخ فيه لم يؤكل، وهذا مما لا سبيل إلى إدراكه، وإنما يستدل على خلقها فيه بتخطيط صورته وتشكل أعضائه، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 243
باب كسب الحجام
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولا بأس بكسب الحجَّام فإن قيل: فما معنى نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل عن كسبه وارخاصه في أن يطعمه رقيقه وناضحه؟ قيل: لا معنى له إلا واحد وهو أن للمكاسب حسناً ودنيئاً فكان كسب الحجام دنيئاً فأحب له تنزيه نفسه عن الدناءة لكثرة المكاسب التي هي أجمل منه فلما زاده فيه أمره أن يعلفه ناضحه ويطعمه رقيقه تنزيهاً له لا تحريماً عليه وقد حجم أبو طيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأمر له بصاع من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه ولو كان حراما لم يعطه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا يعطي إلا ما يحل اعطاؤه ولآخذه ملكه وقد روي أن رجلاً ذا قرابة لعثمان قدم عليه فسأله عن معاشه فذكر له غلة حجام أو حجامين فقال إن كسبكم لوسخ أو قال لدنس أو لدنئ أو كلمة تشبيهاً"
قال في الحاوي: اعلم أن الحاجة إلى المكاسب داعية لما فطر الله تعالى عليه الخلق من الحاجة إلى الطعام، والشراب، والكسوة لنفسه، ومن يلزمه الإنفاق عليه من مناسب ومصاحب وأصول المكاسب المألوفة ثلاثة: زراعة، وتجارة وصناعة، فينبغي للمكتسب بها أن يختار لنفسه أطيبها، لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: 267].
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " من لم يبال من أين مطعمه ولا من أين مشربه لم يبال الله من أي أبواب النار أدخله".
واختلف الناس في أطيبها، فقال قوم: الزراعات، وهو عندي أشبه؛ لأن الإنسان فيها متوكل على الله، في عطائه، مستسلم لقضائه.
وقال آخرون: التجارة اطيبها، وهو أشبه بمذهب الشافعي؛ لتصريح الله تعالى بإحلاله في كتابه، بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275].
واقتداء بالصحابة رضي الله عنهم في اكتسابهم بها.
وقال آخرون: الصناعة، لاكتساب الإنسان فيها بكد يديه.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن من الذنوب ما لا يكفره صوم ولا صلاة ولكن يكفره عرق الجبين في طلب الحرفة ".
الجزء: 4 - الصفحة: 244
فأما الزراعة فلا مدخل لها في تحريم ولا كراهية، وهذا أول شيء على أنها أطيب المكاسب، وأما التجارة، فتنقسم ثلاثة أقسام: حلال، وهي: البيوع الصحيحة.
وحرام: وهو البيوع الفاسدة.
ومكروه: وهو الغش والتدليس.
وأما الصناعة فتقسم ثلاثة أقسام.
حلال: وهو ما أبيح من الأعمال التي لا ندس فيها كالكتابة والتجارة والبناء.
وحرام: وهو ما حظر من الأعمال كالتصاوير والملاهي.
ومكروه: وهو ما باشر فيه النجاسة كالحجام، والجزار، وكناس الحشوش، والأقذار والنص فيه وارد في الحجام، وهو أصل نظائره، والنص فيه ما رواه معمر عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه أنه سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن أجر الحجام فنهاه عنه، فشكا من حاجتهم، فقال: "اعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك".
فذهب بعض أصحاب الحديث إلى أنه حرام على الأحرار حلال للعبيد؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن السادة دون العبيد، واعتمدوا فيه على رواية رافع بن خديج أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "كسب الحجام خبيث ومهر البغي خبيث، وثمن الكلب خبيث".
فلما وصفه بالخبث، وقرنه بالحرام كان حراماً.
والدليل على فساد ما ذهبوا إليه ما رواه علي بن أبي طالب عليه السلام أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم وأمرني أن أعطي الحجام أجرة.
وروى أنس بن مالك أن أبا طيبة حجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر له بصاع من تمر، وأمر مواليه أن يخففوا عنه من خراجه، قال جابر: وكان خراجه ثلاثة آصع من تمر في كل يوم، فخففوا عنه في كل يوم صاعاً.
ووجه الدليل منه: أنه لو حرم كسبه على أخذه حرم دفعه على معطيه، فلما استجاز النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر بدفعه إليه دلّ على جواز أخذه؟
فإن قيل: إنما حجمه أبو طيبة متطوعاً تقرباً إلى الله بخدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولذلك شرب معه فقال له: قد حرم الله جسمك على النار"، وكان ما أعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مواساة، ولم يكن أجره، فعنه جوابان:
أحدهما: إنما أعطاه مقابلة على عمله صار عوضاً ينصرف عن حكم المواساة.
والثاني: أن أبا طيبة كان مملوكاً لا يصح تطوعه بعمله ولا يستعمل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تطوعه! ولأنه لم يزل الناس على هذا في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه إلى وقتنا هذا في
الجزء: 4 - الصفحة: 245
سائر الأمصار يتكسبون بهذا، فلا ينكره مستحسن في حق الله تعالى، فدل على انعقاد الإجماع به، وارتفاع الخلاف فيه.
ولأن الحاجة إليه داعية، والضرورة إليه ماسة؛ لأنه لا يقدر الإنسان على حجامة نفسه إذا احتاج، وما كان بهذه المنزلة لم يمنع منه الشرع، لما فيه من إدخال الضرر على الخلق، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ضرر ولا ضرار"، ولأن كل كسب حلّ للعبيد حلّ للأحرار كسائر الأكساب.
فأما الجواب عن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كسب الحجام خبيث" فهو أن اسم الخبث يتناول الحرام تارة والدنيء أخرى كما قال تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾ [البقرة: 267] يعني الدنيء وكقوله من بعد: ﴿وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267] فيحمل على الدنيء دون الحرام؟ بدليل ما قلناه، وليس هو إلى الحرام بموجب لاشتراكهما في حكم التحريم؛ لأنه لما ضم إلى ما يحرم على الأحرار والعبيد، وهذا لا يحرم على العبيد؛ فجاز أن لا يحرم على الأحرار.
فصل:
فإذا ثبت أنه ليس بحرام، فهو مكروه، واختلف أصحابنا في علة كراهته على وجهين:
أحدهما: لمباشرة النجاسة لقول الله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: 5]: فعلى هذا يكره كسب كل مباشر للنجاسة من كناس، وخراز وقصاب.
واختلف قائل هذا، هل يكون كسب الفصاد من جملتهم؟ على وجهين:
أحدهما: يكون من جملتهم، لأنه يباشر نجاسة الدم.
والثاني: وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه لا يكره كسبه، لاقترانه بعلم الطب، فإنه قل ما يباشر نجاسة الدم.
فأما الختان، فمكروه الكسب كالحجام، بل يزيد عليه في مباشرة العورات، وتكون الكراهة مقصورة على مباشرة الأنجاس، ومنتفية عمن لا يبارها من سماك ودباغ.
والثاني: أن كراهة التكسب به لدناءته، وهو الظاهر من مذهب الشافعي؛ لأنه جعل من المكاسب دنيئاً وحسناً، وقد روي أن ذا قرابة لعثمان بن عفان رضي الله عنه قدم عليه، فأله عن كسبه، فقال: غلة حجام أو حجامين، فقال: إن كسبكم لدنيء أو قال: لوسخ فعلى هذا يكره مع ذلك كسب السماك، والدباغ، والحلاق والقيم.
واختلف على هذا في كسب الحجامين على وجهين:
أحدهما: مكروه، دنيء لأنه يشاهد العورات ويتكسب بحران غير مقدر.
والثاني: لا يكره كسب، لأنه لا يباشر عملاً، ويمكنه غض طرفه عن العورات وليس يتكسب بمباشرتها؛ فإن أرسل طرفه صار كغيره من الناس.
الجزء: 4 - الصفحة: 246
وكذلك نظائر ما ذكرناه، وجميع هذا مكروه للأحرار.
فأما العبيد ففيهم وجهان:
أحدهما: يكره لهم كالأحرار، وهو قول الأكثرين.
والثاني: لا يكره لهم؛ لأنهم أدنى من الأحرار، فليتأهبوا أدنى الاكتساب، فإن أخذ ساداتهم كسبهم كره لهم أن يأكلوه، ولم يكره لهم أن يطعموه رقيقهم، وبهائمهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لمحيصة حين سأله عنه: "أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك " والله أعلم.
باب ما لا يحل أكله وما يجوز للمضطر من الميتة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: "ولا يحل أكل زيت ماتت فيه فأرة" ..
قال في الحاوي: وأصل هذا ما رواه الشافعي عن سفيان عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن فأرة وقعت في سمن، فماتت فيه، فسئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقال: "ألقوها وما حولها وكلوه".
فكان هذا الحديث وارداً في السمن إذا كان جامداً: لأن إلقاء ما حولها لا يصح إذا كان ذائباً.
وروى الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن السمن تقع فيه الفأرة، فقال: "إن كان جامدا، فألقوها، وما حولها، وان كان ذائباً فأريقوه ".
وهذا الحديث وارد في الجامد والمانع، والحديث الأول أثبت.
فإذا ماتت فأرة أو غيرها من الحيوان في سمن أو غيره من دهن أو دبس أو لبن لم يخل حاله من أن يكون جامدا، أو مانعا.
فإن كان جامدا بخس بموت الفأرة ما حولها من السمن: لأنها نجاسة لاقت محلاً رطباً، فنجس بها كما ينجس الثوب الرطب إذا لاقى نجسا يابساً، وكان ما جاوز ما حول الملاقي للفأرة طاهراً: لأن جموده يمنع من امتزاجه بالنجس.
وان كان السمن مائعا نجس جميعه قليلاً كان أو كثيراً، سواء تغير بالنجاسة، أو لم يتغير؛ بخلاف الماء الذي لا ينجس إذا بلغ قلتين، ولم يتغير.
وحكي عن أبي ثور أنه كالماء إذا بلغ قلتين لم ينجس، حتى يتغير وحكي عن أبي حنيفة أنه أجراه مجرى الماء، وأنه إذا اتسع، ولم يلتق طرفاه لم ينجس، بناء على أصله في أن المائع كالماء في إزالة الأنجاس، وهذا أصل قد خولف فيه، وتقدم الكلام فيه، ثم الدليل على المائع خصوصا قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "وان كان ذائباً فأريقوه ". فلما عمّ أمره بالإراقة دلّ على أنه لا مدخل له في الطهارة؛ لأنه لا يأمر باستهلاك الأموال في غير
الجزء: 4 - الصفحة: 247
تحريم وقد نهى عن إضاعتها؛ ولأن طهارة الماء أقوى، لاختصاصه برفع الحدث، فقويت طهارته على رفع النجس عنه، وضعفت طهارة المائع عن دفع النجس عنه.
فصل:
فإذا ثبت نجاسة قليله وكثيره حرم أكله، وأكل كل نجس وحرمه شربه، وشرب كل ما نجس.
وقال داود: يحرم أكل السمن وحده إذا نجس دون غيره، تمسكاً بظاهر النص في السمن، فجعل الحكم مقصوراً عليه، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما كان حكم الفأرة مع ورود النص فيها متعدياً إلى نظائرها كان السمن في تقدير حكمه بمثابتها.
والثاني: أن غير السمن لما شاركه في الإباحة قبل النجاسة وجب أن يشاركه في التحريم بعد النجاسة؛ لاشتراكهما في الطهارة والنجاسة.
مسألة:
قال الشافعي: "أولا يحل بيعه لأنه نجس بالمجاوره، فجاز بيعه كالثوب النجس".
قال في الحاوي: وهو كما قال، لا يحل بيع ما نجس من الزيت، والسمن، والدبس وجميع ما لم يتميز نجاسته.
وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه؛ لأنه نجس بالمجاورة، فجاز بيعه، كالثوب النجس.
ودليلنا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقته، ولو جاز بيعه لم يأمر بإضاعته، وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوه، وإن الله تعالى إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه ".
وقوله: "جملوها" يعني أذابوها.
ولأنه مائع ورد الشرع بإراقته، فلم يجز بيعه كالخمر.
ولأنه مائع نجس، فلم يجنى بيعه كولوغ الكلب، وكاللبن والخل.
وأما الجواب عن قياسه على بيع الثوب فمن وجهين:
أحدهما: أن عين الثوب طاهر، ونجاسته مجاورة، فتميز عنها وعين الزيت قد نجس، لامتزاج النجاسة به.
وإنها لا تتميز عنه كما لم تتميز عن الخل، واللبن.
والثاني: أن أكثر منافع الناس الزيت، قد ذهبت نجاسته؟ لأن مقصوده الأكل، وأكثر منافع الثوب باقية بعد نجاسته؛ البقاء أكثر منافعه، ولم يجز بيع الزيت النجس،
الجزء: 4 - الصفحة: 248
لذهاب أكثر منافعه، أو لا ترى أن الميتة، وان جاز الانتفاع بها للمضطر لا يجوز بيعها، لذهاب أكثر منافعها، ولو أذيب شحمها جاز الانتفاع به، وان لم يجز بيعه.
فصل:
فإذا تقرر ما وصفنا لم يخل حال ما حكم بنجاسته من ثلاثة أقسام:
أحدها: ما كان نجس العين من الأصل خلقة، ولم يكن له من الطهارة أصل كالكلب، والخنزير، فلا يجوز بيعه بحال، لنجاسة عينه، سواء كان منتفعاً به كالكلب، أو غير منتفع به كالخنزير.
والثاني: ما طرأت نجاسته بعد تقدم طهارته من غير نجاسة جاورته، كنجاسة الخمر، بحدوث الشدة، ونجاسة الميتة، بحدوث الموت.
والشدة والموت لا يوصف بنجاسة ولا طهارة، وان نجس بهما الأعيان الطاهرة.
وهذه النجاسة مانعة من جواز البيع سواء أمكن إزالتها بدباغ الجلد أو لم يمكن إزالتها، كاللحم لنجاسة جميع الأجزاء التي لا يتخللها جزء طاهر.
وأجاز أبو حنيفة بيع ما يمكن إزالة نجاسته، كالجلد، لإمكان طهارته بالدباغة وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن نجاسة الخمر يمكن إزالتها عنده بالتخليل، ولا يجوز بيعها، كذلك الجلد.
والثاني: أنه قبل زوال نجاسته مساوٍ لما تمكن إزالة نجاسته؛ لا لنجاسة جميع أجزائه فلم يجز أن يجري على حكم الطهارة، مع عدمها فيه.
والثالث: ما نجس بمجاورة النجاسة له مع طهارة عينه، فهذا ينقسم ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تتميز نجاسته ويمكن إزالتها، كالثوب النجس، فيجوز بيعه، قبل إزالة نجاسته، لعلتين:
احداهما: إمكان إزالتها.
والثانية: بقاء أكثر منافعه معها.
والثاني: أن لا تتميز نجاسته؛ لامتزاجه بهاء ولا يمكن إزالتها، كالدبس واللبن إذا نجس وكذلك الماء النجس، فلا يجوز بيع ذلك، لأنه لا سبيل إلى طهارته فإن قيل: فالماء النجس يطهر بالمكاثرة.
قيل: المكاثرة لا تزيل النجاسة؛ لبقائها فيه، وإنما يغلب حكم المكاثرة، فيحكم له بالطهارة.
أو لا ترى أن البول لو وقع في الماء الكثير، فلم يغيره كان طاهراً، وجاز بيعه ولا يدل ذلك على طهارة البول، كذلك الماء النجس.
والثالث: ما لم يتميز نجاسته، لامتزاجه واختلف في إمكان إزالتها منه، وهو الزيت النجس، وما جرى مجراه من الأدهان، دون السمن.
ففي إمكان غسله وطهارته وجهان:
الجزء: 4 - الصفحة: 249
أحدهما: وهو قول أبي العباس بن سريج وابن أبي هريرة أنه يمكن غسله ويطهر بأن يراق عليه الماء في إناء ويمخض فيه مخضاً، يصير به مغسولاً كالثوب؛ لأن الدهن يتميز عن الماء ويعلو عليه، كما يتميز الثوب، ثم يؤخذ فيكون طاهراً.
والثاني: وهو الظاهر من مذهب الشافعي، وقول جمهور أصحابه أن غسله لا يصح بخلاف الثوب، لأنه مائع كالماء، فلم يكن جذب الماء للنجاسة بأولى من جذب الزيت لها، فكان باقياً على نجاسته والماء في الثوب يجذب نجاسته إليه، فافترقا.
فإن قيل: إن غسله لا يصحّ لم يجز بيعه، وهو الصحيح.
وان قيل: إن غسله يصحّ، ففي جواز بيعه وجهان من علتي بيع الثوب النجس:
إحداهما: يجوز بيعه تعليلاً بإمكان تطهيره بالمغسل.
والوجه الثاني: لا يجوز بيعه تعليلاً بذهاب أكثر منافعه بنجاسته.
مسألة:
قال الشافعي: "ويستصبح به فإن قيل كيف ينتفع به ولا يبيعه؟ قيل قد ينتفع المضطر بالميتة ولا يبيعها وينتفع بالطعام في دار الحرب ولا يبيعه في تلك الحال قال: وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب وأباح الانتفاع به في بعض الأحوال فغير مستنكر أن ينتفع الرجل بالزيت ولا يبيعه في هذه الحال".
قال في الحاوي: وهذا صحيح، والانتفاع بما نجس من السمن والزيت في الاستصباح، جائز على ما سنصفه.
وقال ابن جرير الطبري وطائفة من أصحاب الحديث: الانتفاع به حرام في استصباح وغيره؛ احتجاجا بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقته.
والدليل على ما ذهبنا إليه، وهو قول الجمهور رواية الزهري عن سالم عن إبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الفأرة تعق في السمن والودك، فقال: "إن كان جامداً فاطرحوها وما حولها وإن كان مائعاً، فانتفعوا به، ولا تأكلوه ".
وروى أبو هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الفأرة تقع في السمن والزيت، فقال: "استصبحوا به ولا تأكلوه ".
وهذان الحديثان نص في إباحة الانتفاع والاستصباح؛ ولأنه لما أمر بإراقته مع بقاء عينه، كان الاستصباح به أولى؛ لأنه استهلاك لعينه، مع الانتفاع به.
فصل:
فإذا ثبت جواز الانتفاع به، فالمنافع تنقم ثلاثة أقسام ورد النص بإباحته، وقسم ورد النص بالنهي عنه، وقسم مرسل لم يرد فيه نص.
الجزء: 4 - الصفحة: 250
فأما القسم الأول الذي ورد النص بإباحته، فهو الاستصباح به، فكذلك ما في معناه من إسجار التنانير بالبعر والسرجين وجميع الأنجاس، وإبقاءه تحت القدور، ومن الاصطلاء بناره، واختلف أصحابنا في نجاسة دخانه على وجهين:
أحدهما: أنه نجس؛ لأنه تولد عن نجاسة والأعيان النجسة لا تطهر بالاستحالة كالرماد.
والثاني: أنه طاهر، لأنه تولد من التقاء جسمين، فلم ينجس بنجاسة أحد الجسمين، كالريح الخارجة من الجوف.
فإن قيل: بطهارته لم يلزم الاحتراز منه إلا تنزهاً.
وإن قيل: بنجاسته، ففي العفو عنه وجهان:
أحدهما: يعفى عنه؛ للحوق المشقة في التحرز منه، كدم البراغيث، فعلى هذا إن سجر به تنواً لم يلزمه مسحه منه، وجاز الخبر فيه.
والثاني: أنه لا يعفى عنه، لأن البعد منه عند استعماله له ممكن، فأمكن التحرز منه، ولا يمكن التحرز من دم البراغيث.
فعلى هذا إن تدخن به ثوب وجب غسله، ولذا سجر به تنور، وجب مسحه منه قبل الخبز فيه، فإن خبز فيه قبل مسحه نجس ظهر الرغيف، وكان وجهه طاهراً، ولم يجز أن يأكل الرغيف إلا بعد أن يغسل ظاهره.
وأما القسم الثاني: الذي ورد النص بالنهي عنه، وهو أن تطلى به السفن والمراكب.
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن تطلى الفن بشحوم الميتة وحكم شحوم الميتة والزيت النجس سواء في جواز الاستصباح بهما، فكان سواء في المنع من إطلاء السفن بهما.
واختلف في معنى النهي عن طلاء السفن وجواز الاستصباح على وجهين:
أحدهما: أن في الاستصباح بدا استهلاكاً له فجاز وفي طلاء السفن به استبقاء له، فلم يجز.
والثاني: أن المصباح لا يمسه في الغالب إلا من يعلم بالنجاسة فيتوقاها، والسفينة يمسها في الغالب من لا يعلم بالنجاسة، فلا يتوقاها.
فعلى هذا إن جعل طلاء للبهائم، فإن كانت مستعملة لم يجز كالسفينة لوجود العلتين من بقاء العين ومسيس حق لا يعلم.
وان كانت سائمة غير مستعملة فعلى وجهين:
أحدهما: يجوز تعليلاً بأنه لا يكاد يمسها من لا يعلم بها.
والثاني: لا يجوز تعليلاً ببقاء عينها.
الجزء: 4 - الصفحة: 251
وأما القسم الثالث: وهو المرسل عن أمر به أن نهي عنه، فينظر في استعماله فإن وجد فيه معنى الأمر أبيح، وإن وجد فيه معنى النهي حظر.
فعلى هذا يجوز أن يطعم البازي، والفهد لحم الميتة لوجود معنى الإباحة فيه 0 بالاستهلاك، فإنه لا يباشرها من لا يعلم بها، ويجوز أن يسقيهما الماء النجس، والأبوال.
فأما طرح الأنجاس من البعر والسرجين على الزروع والأشجار، فإن لم يماس الثمرة المأكولة، وكان مستعملاً في أصول الشجر وفي قضبان الزرع جاز، لاشتهار حالها وأنه لا يباشرها إلا عالم بها، وإن كان مستعملاً من ثمارها فإن كانت يابسة جاز؛ لأن اليابس لا نجس يابساً.
وان كان أحدهما رطباً أو ندياً، بنجس بالملاقاة، فإباحة استعماله مقروناً بأحد شرطين أما بغسله قبل بيعه، أو بإعلام مشتريه بنجاسته، وهكذا إذا عجن طين الكيزان والخزف بالسرجين لزمه عند بيعه أن يغسله أو يخبر بنجاسته، ليغسله المشتري قبل استعماله فإن صار هذا عرفاً مشهوراً بين جميع الناس سقط الأمران عند بيعه من الغسل والإعلام، ولم يكن للمشتري أن يستعمله إلا بعد غسله؛ لأنه قد صار بالعرف معلوم النجاسة.
مسألة:
قال الشافعي: " ولا يحل من الميته إلا إهابها بالدباغ ويباع "
قال في الحاوي: وهذا صحيح إذا مات الحيوان صار جميعه بالموت نجساً.
وقال أبو حنيفة: ينجس لحمه وجلده، ولا ينجس شعره ولا عظمه.
وقال مالك: ينجس عظمه، ولا ينجس شعره، وقد حكي هذا عن الشافعي.
فخرجه ابن أبي هريرة قولا ثانيا، وامتنع جمهور أصحابه من تخريجه، وجعلوه حكاية عن مذهب غيره، وحكي عن ابن أبي ليلى أن استعمال جلد الميتة قبل الدباغ جائز.
فمن الناس من جعل ذلك منه حكما بطهارته، كما قاله غيره في العظم والشعر ومنهم من جعله إباحة لاستعماله مع الحكم بنجاسته، وفي قول الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] ما يقتضي تحريم جميعها على العموم، فكان دليلا على جميعهم في نجاسة الجمع، فإذا ثبت هذا لم يطهر شيء منها إلا جلدها بالدباغة.
وقال الليث بن سعد: يطهر عظمها بالطبخ إذا ذهب دسمه.
وقال إبراهيم النخعي: يطهر بالخرط وقال خرط العاج ذكاته.
وقال بعض أصحاب الحديث: يطهر شعرها بالغسل، وفي قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هلا انتفعتم بإهابها" دليل على اختصاص الإهاب بطهارة الدباغة دون غيره، فإذا دبغ الجلد
الجزء: 4 - الصفحة: 252
طهر دون شعره، وحكى الربيع بن سليمان الجيزي عن الشافعي أن الشعر تابع للجلد يطهر بدباغه، وامتنع سائر أصحابه من تحريمه، وجعلوه حكاية عن مذهب غيره، وقد مضت هذه المسألة في كتاب الطهارة، وإنما أشرنا إلى جملتها حين أعيدت.
مسألة:
قال الشافعي: "ولا يأكل المضطر من الميته إلا ما يرد نفسه فيخرج به من الاضطرار.
قال في كتاب اختلاف أبي حنيفة وأهل المدينة: بهذا أقول.
وقال فيه: وما هو بالبين من قبل أن الشيء حلال وحرام فإذا كان حراماً لم يحل منه شيئ وإذا كان حلالاً فقد يحتمل أن لا يحرم منه شيئاً فهو محرم إلا ما أباح منه بصفه فإذا زالت الصفة زالت الاباحه.
قال المزني: ولا خلاف أعلمه أن ليس لأ أن يأكل من الميتة وهو بادي الشبع لأنه ليس بمضطر فإذا كان خائفاً على نفسه فمضطر فإذا أكل منها ما يذهب الخوف فقد أمن فارتفع الاضطرار الذي هو علة الإباحة.
قل المزني رحمه الله.
وإذا ارتفعت العلة ارتفع محكمها ورجع الحكم كما كان قبل الاضطرار وهو تحريم الله عز وجل الميتة على من ليس بمضطر ولو جاز أن يرتفع الاضطرار ولا يرتفع حكمه جاز أن يحدث الإضرار ولا يحدث حكمه وهذا إخلاف القرآن ".
قال في الحاوي: والأصل في إباحة الميتة للمضطر قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ فأخبر بتحريمها بعد قوله: ﴿كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: 172] ليدل على تخصيص التحريم في عموم الإباحة، فقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ [البقرة: 173] وهو ما فاتت روحه بغير ذكاة من كل ذي نفس سائلة، والدم وهو الجاري من الحيوان يذبح او جرح ولحم الخنزير فيه تأويلان:
أحدهما: أن التحريم مقصور على لحمه دون شحمه اقتصاراً على النص، وهو قول داود.
والثاني: أن التحريم عام في جميعه، وخص النص باللحم تنبها عليه؛ لأنه معظم مقصوده: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: 73] يريد بالإحلال: الذبح لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لألهتهم جهروا بأسماء آلهتهم عند الذبح.
ومن قوله: ﴿لِغَيْرِ اللهِ﴾ تأويلان:
أحدهما: ما ذبح لغير الله من الأصنام، قاله مجاهد.
والثاني: ما ذكر عليه غير اسم الله من الأصنام، قال عطاء، وهو على التأويلين حرام، فانتهى ما ذكره من التحريم، ثم ابتدأ بإباحة ذلك للمضطر فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] ومن ﴿اضْطُرَّ﴾ تأويلان:
الجزء: 4 - الصفحة: 253
أحدهما: أنه افتعل من الضرورة.
والثاني: أنه من إصابة الضر وفي: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ ثلاث تأويلات:
أحدها: غير باغ على الإمام بعصيانه ولا عاد على الأمة بفساده، وهو معنى قول مجاهد.
والثاني: غير باغ في أكله فوق حاجته، ولا عاد بأكلها، وهو يجد غيرها، وهو قول قتادة.
والثالث: غير باغ في أكلها شهوة وتلذذا، ولا عاد باستيفاء الأكل إلى حد الشبع وهو قول السدي.
وفي قوله: ﴿إِثْمَ عَلَيْهِ إنَّ﴾ تأويلان:
أحدهما: فلا عقاب عليه في أكلها.
والثاني: فلا منع عليه في أكلها، والاستثناء إباحة أكلها عند الاضطرار من عموم تحريمها مع الاختيار على ما ذكره من شروط الإباحة.
وقال تعالى في سورة المائدة، وهي من محكمات السور التي لم يرده بعدها نسخ، واختلف هل نزل بعدها فرض فقال سبحانه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [المائدة: 13] وذكر في هذه الآية المحرمات مثل ما ذكر في تلك الآية، وزاد فقال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي تختنق بحبل الصائد، وغيره حتى تموت.
﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي التي تضرب بالخشب حتى تموت، وكانت المجوس تقذ ولا تذبح، ليكون دمه فيه، ويقولون: هو أطيب وأسمن.
﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ كا وهي التي تسقط من رأس جبل أو في بئر حتى تموت.
﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ وهي التي تنطحها أخرى، فتموت الناطحة والمنطوحة.
﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] ومأكولة السبع هي فريسته، التي أكل منها، أو لم يأكل، وإنما نص على هذا أكله، وان كان داخلاً في عموم الميتة لأمرين:
أحدهما: لأنها ماتت بأسباب حتى لا تقدروا وان أسباب موتها ذكاة.
والثاني: أنهم كانوا يستطيبون أكلها من قبل، فنص عليها في التحريم، ليزول الالتباس.
ومن قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ قولان:
أحدهما: أنه راجع إلى مأكولة السبع وحدها، وهو قول أهل الظاهر.
والثاني: أنه راجع إلى جميع ما تقدم من المنخنقة، وما بعدها، وهو قول علي وابن عباس وجمهور الفقهاء.
وفيها قولان:
أحدهما: أن يدركها ولها عين تطرف أو ذنب يتحرك، وهو قول أهل الظاهر.
والثاني: أن تكون فيها حركة قوية لا كحركة المذبوح، وهو قول الشافعي ومالك
الجزء: 4 - الصفحة: 254
ثم قال: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: 3] وفيها قولان:
أحدهما: أنها أصنام كانوا يعبدونها يذبحون لها.
والثاني: أنها أوثان كانوا يذبحون عليها، لأصنامهم، والفرق بين الأصنام والأوثان أن الصنم مصور يعبدونه، والوثن غير مصور، يتقربون به إلى الصنم، فهذه كلها محرمات نص الله تعالى على تحريمها في هذه الآية.
ثم قال: ﴿وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزْلاَمِ﴾ [المائدة: 3] وفيها قولان:
أحدهما: أنه ما يتقامرون من الشطرنج والنرد.
والثاني: وهو أشهر أنها قداح ثلاثة مكتوب على أحدها: "أمرني ربي" وعلى الآخر: "نهاني ربي" والآخر غفل، يضربونها وإذا أرادوا سفراً أو أمراً، فإن خرج: أمرني ربي فعلوه، هران خرج "نهاني ربي" تركوه، وان خرج الغفل أعادوه وفي تسميته: استقساماً تأوبلان:
أحدهما: أنهم طلبوا به علم ما قسم لهم.
والثاني: أنهم التزموا بالقداح مثل ما التزموه بقسم اليمين.
﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3] فيه قولان:
أحدهما: أنه راجع إلى الاستقسام بالأزلام.
والثاني: أنه راجع إلى جميع ما تقدم تحريمه.
وفي قوله: ﴿فِسْقٌ﴾ [المائدة: 3] تأويلان:
أحدهما: كفر قاله السدي.
والثاني: خروج عن طاعة الله وهو قول الجمهور ثم بين بعد المحرمات، حال نعمه عليهم، فقال: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ [المائدة: 3] وفي هذا اليوم قولان:
أحدهما: أنه يوم فتح مكة.
والثاني: أنه يوم حجة الوداع، وفيما يئسوا به من الذين قولان:
أحدهما: أن يرتدوا عنه.
والثاني: أن يقدروا على إبطاله.
﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 3] أي: لا تخشوهم أن يظهروا عليكم، واخشوني أن تخالفوا أمري.
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: 3] فيه قولان:
أحدهما: أنه يوم عرفة في حجة الوداع، ولم يعش بعد ذلك إلا إحدى وثمانين ليلة، وهذا قول ابن عباس والسدي.
والثاني: أنه زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - كله إلى أن نزلت عليه هذه الآية في عرفة وفي إكماله للدين قولان:
الجزء: 4 - الصفحة: 255
أحدهما: أنه كمال فرائضه وحدوده وحلاله وحرامه، ولم ينزل بعدها على النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء من الفرائض من تحليل ولا تحريم، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: أن إكماله برفع النسخ عنه بعد هذا الوقت.
فأما الفروض، فلم تزل تنزل عليه حتى قبض وهذا قول ابن قتيبة.
﴿وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] فيه قولان:
أحدهما: بإظهاركم على عدوكم.
والثاني: بإكمال دينكم.
﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينا﴾ [المائدة: 3] وفيه قولان:
أحدهما: رضيت دين الإسلام ديناً.
والثاني: رضيت الاستسلام أي طاعة، فروى قبيصة أن كعب الأحبار قال: لو نزلت هذه الآية على غير هذه الأمة لعظموا اليوم الذي نزلت فيه، واتخذوه عيداً، فقال عمر: لقد نزلت بعرفة، في يوم جمعة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، ثم بين بعدها إباحة ما استثناه من المحرمات فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: 3] يعني: مجاعة، وهي مفعلة من خمص البطن وهو اضطماره من الجوع مثل: مخملة ومخلة ﴿غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ﴾ [المائدة: 3] وفي المتجانف تأويلان:
أحدهما: أنه المتعمد.
والثاني: أنه الماثل.
وفي هذا الإثم تأويلان:
أحدهما: أن يأكل ما حرم عليه مما تقدم ذكره من غير ضرورة.
والثاني: أن يتجاوز في الضرورة ما أمسك الرمق إلى أن ينتهي إلى الشبع، فإن الله غفور رحيم يعني غفوراً للمآثم، رحيماً في الإباحة.
وإنما استوفيت تفسيرها هاتين الآيتين، وإن تجاوزنا بهما مسألة الكتاب؛ لما تعلق بهما من الأحكام والنعم، مع إباحة الميتة للمضطر.
ويدل عليه من السنة ما رواه الأوزاعي، عن حسان بن عطية عن أبي واقد الليثي قال: قلنا: يا رسول الله إنا بأرض تصيبنا فيها المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ قال: ما لم تصطبحوا، أو تغتبقوا أو تحتفئوا بها بقلاً فشأنكم بهاّ! ِ قوله: "تصطبحوا" من الصبوح، وهو الغذاء، و "تغتبقوا" من الغبوق، وهو العشاء، أي لم تجدوا "الحفا" مقصور، وهو أصول البردي الرطب، وقيل: إنه أراده وأمثاله من الحشيش؛ لأنه مأكول يغني عن الميتة.
الجزء: 4 - الصفحة: 256
ومعنى الحديث: أنكم إذا تغذيتم، فليس لكم أن تأكلوها عند العشاء إذا تعشيتم فليس لكم أن تأكلوها عند الغداء؛ لأن الرمق يتماسك، وإذا وجدتم "الحفا" فليس لكم أن تأكلوها؛ لأن المرمق به متماسك، فدل على إباحة أكلها إذا لم يتماسك الرمق إلا بها.
فإذا ثبت إباحة أكل الميتة للمضطر بإباحتها معتبرة بأربعة شروط:
أحدها: أن ينتهي به الجوع إلى حدّ التلف، ولا يقدر على مشي ولا نهوض، فيصير غير متماسك الرمق إلا بها، فيصير حينئذ من أهل الإباحة، فإن تماسك رمقه أو جلس وأقام ولم يتماسك إن مشى، وسار نظر: فإن كان في سفر يخاف فوت رفاقته حلّ له أكلها، وان لم يخف فوت رفاقته لم تحل له.
والشرط الثاني: أن لا يجد مأكول الحشيش والشجر ما يمسك به رمقه، فإن وجده لم تحل له الميتة، ولو وجد من الحشيش ما يستصر بأكله حلت له الميتة.
والشرط الثالث: أن لا يجد طعاماً يشتريه، فإن وجد ما يشتريه بثمن مثله لزمه شراؤه، سواء وجد ثمنه أو لم يجد إذا أنظره البائع ثمنه بخلاف الماء الذي لا يلزمه أن يشتريه إذا كان عادماً؛ لأن إباحة التيمم معتبرة بالعدم، وهو بإعواز الثمن عادم.
وإباحة الميتة معتبرة بالضرورة، وهو مع الإنظار بالثمن غير مضطر، فإن بذل له الطعام بأكثر ثمن المثل لم يلزمه أن يشتريه كالماء؛ لأن التماس الزيادة منتف.
والشرط الرابع: أن لا يكون بما دعته الضرورة إلى الميتة عاصياً، كمقامه على قطع الطريق، واخافته السبيل أو لبغيه على إمام عادل لقول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173]؛ ولأنه إباحة أكل الميتة رخصة والعاصي لا يترخص في معصيته، فإن تاب من المعصية حل له أكل الميتة، وإن أقام عليها ولم يتب حرمت عليه، وهو غير مضطر إلى الامتناع من التوبة.
ولا فرق بين المسافر والمقيم، وان قصر السفر، لأنه الأغلب من أحواله العدم وإن حدث مثله في الأمصار والقرى حلّ فيها أكل الميتة كالسفر.
فصل:
فإذا أحل له أكل الميتة بالشروط المعتبرة، كان له أن يأكل منها ما يمسك رمقه كيف ما ساغه طبخاً وقلياً، وشياً، ونيئاً، وهل يجوز أن يتجاوز بالأكل بعد إمساك الرمق إلى أبد ينتهي إلى حدّ الشبع، فيه قولان:
أحدهما: ليس له الزيادة على إمساك الرمق، وما بعده إلى حدّ الشبع حرام، وبه قال أبو حنيفة، واختاره المزني.
والثاني: أنه يأكل حتى ينتهي إلى الشبع، ولا يحرم عليه إلا ما زاد على حدّ الشبع وبه قال مالك، وسفيان الثوري.
ودليل القول الأول في تحريم الشبع قول الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَاكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119] والضرورة
الجزء: 4 - الصفحة: 257
تزول بإمساك الرمق، فدلت على تحريم ما زاد عليه ولأنه لو كان متماسك الرمق قبل أكلها حرمت عليه كذلك إذا صار بها متماسك الرمق وجب أن تحرم عليه؛ لأنه غير مضطر إليها في الحالين؛ ولأن ارتفاع الضرورة موجب لارتفاع حكمها، كما أن حدوث الضرورة موجب لحدوث حكمها.
ولو جاز أن ترتفع الضرورة، ولا يرتفع حكمها لجاز أن تحدث، ولا يحدث حكمها.
ودليل القول الثاني: أن الشبع منها حلال قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 173] فعم الإباحة برفع المأثم وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الميتة، فقال: "ما لم تصطبحوا أو تغتبقوا أو تحتفئوا بقلا فشأنكم بها".
فعم إباحتها؛ ولأن ما حل أكله حلّ الاكتفاء منه، كالطعام طرداً والحرام عكساً؛ ولأنه مضطر إلى الشبع لحفظ قوته؛ لأن إمساك الرمق لا لبث له، وتتعقبه الضرورة بعده إلى إمساكه بغيره، وقد لا يجد الميتة بعدها، فكان الشبع أمسك لرمقه، وأحفظ لحياته، ولئن كان إمساك الرمق في الابتداء معتبراً فقد لا يكون في الانتهاء معتبرا بعدم الطول في نكاح الأمة شرط في ابتداء العقد، وليس بشرط بعد العقد؛ فإذا تقرر توجيه القولين، فإن قلنا بالأول منهما أنه لا يأكل منها إلا ما أمسك الرمق فأكل هذا القدر منها مباح له وواجب عليه لإحياء نفسه به، لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] فإن ترك أكل ما يمسك الرمق حتى مات أثم، وان أكل ما زاد على إمساك الرمق كان آثما، وما أكله من الزيادة حرام.
وإن قلنا بالقول الثاني إنه يأكل منها حتى يشبع كان أكل ما أمسك الرمق واجباً عليه، وكان أكل ما زاد عليه إلى الشبع مباحا له؛ لأن الوجوب مختص بما أحيا النفس، وهو إمساك الرمق والزيادة عليه للحاجة وحفظ القوة، وذلك ليس بواجب، وأكل ما زاد على حدّ الشبع حرام؛ لأنه لا تدعو إليه ضرورة ولا حاجة وهكذا حكم العطشان إذا خاف التلف، ووجد ماء نجسا أو بولاً حل له الشرب منه؛ لأمسك رمقه وهل له أن يرتوي منه؟ على القولين الماضيين في الميتة، فإن وجد بولاً وماء نجساً، كان شرب الماء النجس أولى من شرب البول؛ لأن نجاسة الماء طارئة بالمخالطةء ونجاسة البول لذاته، ويجوز أن يتداوى بالبول إذا لم يجد دواء طاهراً، قد أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "للعرنين أن يشربوا من ألبان الإبل وأبوالها بالمدينة لما اجتووها" وهكذا يحل له أن يأكل من لحوم الميتة للتداوي إذا لم يكن له دواء سواه ومنعه بعض أصحابنا من التداوي بالمحرمات احتجاجا بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما جعل الله شفاءكم فيم حرم عليكم " وهذا القائل مخطئ بعد حديث العرنيين من وجهين:
أحدهما: أن التداوي حال الضرورة، فصار بها مضطراً إلى أكل الميتة.
الجزء: 4 - الصفحة: 258
والثاني: أن أكل السم حرام والتداوي به متداول، وقيل: إن السقمونيا سم قاتل، ولهذا من استكثر منه في الدواء قتله، ثم يجوز التداوي به كذلك كل حرام.
فأما الخبر، فمعناه أن ما فيه شفاؤكم مما حرم عليكم.
فأما شرب الخمر من العطش وللتداوي، فالظاهر من مذهب الشافعي أنه لا يحل شربها من العطش ولا للتداوي، وذهب بعض البغداديين من أصحابه إلى جواز شربها للعطش لا للتداوي، ولأن ضرر العطش عاجل، وضرر الداء آجل وذهب بعض البصريين من أصحابه أن جواز شربها للتداوي دون العطش، لأنها متعينة في الدواء وغير متعينة في العطش.
وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: يجوز شربها في العطش والتداوي.
والدليل على تحريمها في الحالين ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الخمر داء"ا؛ ولأنها تزيد في العطش ولا تروى؛ ولأنها تحدث من السكر ما يزيل العقل، وتمنع الفرائض، ولأن شربها في أحد الحالين ذريعة إلى شربها مع عدم تلك الحال، لأن الشهوة رغيبة عليها؛ ولذلك حرم إمساكها، ووجب الحدّ على شاربها، وهكذا كل مسكر فهو خمر.
مسألة:
قال الشافعي فيما وضعه بخطه لا أعلمه سمع منه: "إن مر المضطر بنمر أو زرع لم أرَ بأساً أن يأكل ما يرد به جوعه ويرد قيمته ولا أرى لصاحبه منعه فضلاً عنه وخفت أن يكون أعان على قتله إذا خاف عليه بالمنع الموت "
قال في الحاوي: أما غير المضطر إذا مرّ بثمرة غيره على نخلها أو شجرها، لم يحل له أن يأكل منها بغير إذن مالكها سواء كانت بارزة أو من وراء جدار.
وقال بعض أصحاب الحديث: ينادي على الباب ثلاثاً، فإن أجابوه، وإلا دخل، وأكل، ولم يدخر، احتجاجا برواية نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مرّ أحدكم بحائط غيره، فليدخل، فليأكل، ولا يتخذ خبنة " أي: لا يحمل منه شيئا، وهذا المذهب فاسد لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه ".
وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحلبن أحدكم ماشية أخيه بغير إذنه، ضروع مواشيكم خزائن طعامكم، أو يحب أحدكم أن يدخل لخربة أخيه، فيأخذ ما فيها بغير إذنه " فنص على ألبان المواشي، ونبه على ثمار النخل، لأن اللبن أسهل: لأنه مستخلف في كل يوم، ومن الثمار ما لا يستخلف إلا من كل عام.
الجزء: 4 - الصفحة: 259
فأما الخبر فمحمول على المضطر، فأما سواقط النخل والشجر من الثمار، وهو ما تساقط منها على الأرض؛ فإذ كانت من وراء جدار قد أحرزها لم يجز للمار أن يتعرض لأخذها؛ لأن الحرز يمنع منها، وان كانت بارزة غير محرزة فإن لم تجر عادة أهلها بإباحتها حرم أخذها، وان جرت عادتهم بإباحتها كثمار النخل بالبصرة والمدينة، فقد اختلف أصحابنا في العادة، هل تجري مجرى الإذن في الإباحة أم لا؟ على وجهين:
أحدهما: أنها كالإذن، فيحل لكل مار بها أن يأكل منها، ولا يدخره ولا يتعرض لغير السواقط، وقد حكي أن بعض العرب دخل حائطاً بالمدينة، فجعل يأكل من سواقط النخل، فرآه صاحب الحائط، فدعاه، وعرض عليه الأكل، فامتنع وقال: إنما هاج علي كلب الجوع، فسكنته بتمرات.
والثاني: أن العادة لا تكون إذناً، ولا يستبيح المار أكل السواقط إلا بإذن صريح؛ لأن جميعه ملك لأربابه، ونفوس الناس فيه مختلفة، بالشح والسخاء، فلم يكن عموم العرف فيه مقنعاً.
فصل:
فأما المضطر إذا مر بثمرة أو ز، ح أو طعام لغيره، فلا يخلو إما أن يكون مالكه حاضراً أو غائباً، فإن كان غائباً كان للمضطر أن يأكل منه محرزاً كان أو بارزاً، وفي قدر ما يأكل منه قولان، كالميتة:
أحدهما: قدر ما يمسك رمقه.
والثاني: أن يشبع منه؛ لأنه لما استباح بالضرورة ما تعلق بحقوق الله تعالى من تحريم الميتة استباح بها مما تعلق بحقوق الآدميين من الأموال، فإذا أكل منها قدر الإباحة، فثمن قيمته لمالكه؛ لأن الضرورة إنما دعت إلى الأكل، ولم تدع إلى سقوط الغرم، فإن كان موسراً عجل دفع القيمة، وان كان معسراً أنظر بها إلى ميسرته.
وذهب بعض أصحابنا إلى أنه لا يجب عليه قيمة ما أكل؟ لأنه يصير بالضرورة كالاستباحة التي لا تضمن من الميتة، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أن الميتة لا قيمة لها، وللطعام قيمة.
والثاني: أن الميتة لا مالك لها، وللطعام مالك، وإن كان صاحب الطعام حاضراً، فعلى المضطر أن يستأذنه في الأكل بعد إخباره بضرورته، وعلى مالك الطعام إذا علم بحاله أن يأذن له في الأكل استحياء لنفسه لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة: 32] ولما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أعان على قتل مسلم، ولو بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه آيس من رحمة الله" ولأنه لو قدر على
الجزء: 4 - الصفحة: 260
استنقاذه بماله من تلف كغرق أو حريق وجب عليه كذلك إذا قدر على استنفاذه بماله من تلف الجوع.
وإذا كان كذلك لم يدخل حال المالك من أن يأذن له في الأكل أو لا يأذن فإن أذن له في الأكل لم يخل حال إذنه من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن يأذن له بإباحة الأكل، فللمضطر أن يأكل منه حتى ينتهي إلى حد الشبع قولاً واحداً؛ لأنه قد صار بالإباحة كطعام الولائم التي يجوز الشبع منها، ولا يجوز له الزيادة على شبعه، ولا يأخذ منها بعد الأكل شيئاً.
والقسم الثاني: أن يأذن له في المأكل بعوض، فهذا على ضربين:
أحدها: أن لا يذكر قدر العوض، فللمضطر أن يأكل، وعليه قيمة ما أكل في وقته بمكانه، وله أن ينتهي إلى حد الشبع.
والثاني: أن يذكر له قدر العوض، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون ثمن مثله، فله أن يأكل، فإن أفرد له ما يأكله حين سمى ثمنه صحّ الثمن، وكان له أن يأكل ما أفرده، فإن فضل منه فضلة أخذها؛ لأنه قدر ملكها بابتياع صحيح، وان لم يفرد ما سمي ثمنه قبل الأكل لزم المضطر قيمة ما أكل سواء كان أقل من المسمى أو أكثر، لأن ما يأكله مجهولاً لا يصح فيه ثمن مسمى.
والثاني: أن يكون ما سماه من الثمن أكثر من ثمن مثله، فيكون بطلب الزيادة من المضطر آثماً، وينظر، فإن لم يفرد ما سمى ثمنه لم يلزم المضطر فيما أكل إلا قيمته بمكانه في وقته، وبطل المسمى وان أفرد ما سمى ثمنه، ففي قدر ما يلزم المضطر إذا أكله وجهان:
أحدهما: الثمن المسمى لما تضمنه من عقد لازم.
والثاني: ثمن القتل دون المسمى لنهي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع المضطر، وهو هذا وأصح من هذين الوجهين المطلقين عندي أن ينظر، فإن كانت الزيادة في الثمن لا تشق على المضطر ليساره، فهو في بذلها غير مكره، فلزمته وإن كانت شاقة عليه لإعساره، فهو من بذلها مكره، فلم تلزمه.
والقسم الثالث: أن يأذن له في الأكل إذناً مطلقاً من غير تصريح بإباحة ولا معاوضة، فله أن يأكل حتى حتى ينتهي إلى حد الشبع كطعام الولائم، ولا قيمة عليه؛ لأن عرف الاستطعام والإطعام موضوع على المواساة، دون المعاوضة، فأوجب إطلاق الإذن حمله على العرف والمعهود فيه.
فلو اختلف في الإذن، فقال المالك: أذنت لك في أكله بعوض لي عليك.
وقال المضطر: بل أذنت لي في الأكل مبيحاً، فلا عوض لك علي فالقول قول
الجزء: 4 - الصفحة: 261
المالك مع يمينه، لأنه مالك.
فإذ اختلف في قدر القيمة، فالقول قول المضطر مع يمينه لأنه غارم.
فصل:
وان لم يأذن له مالك الطعام في الأكل، فلا يخلو المضطر من ثلاثة أحوال:
أحدها: أن يقدر على أخذ الطعام منه بغير قتال، فله أن يأخذ الطعام جبراً ولا يتعدى الآخذ إلى قتاله، وفي قدر ما يستبيح أخذه منه قولان:
أحدهما: قدر ما يمسك به رمقه.
والثاني: ما ينتهي به إلى حدّ الشبع، ويأكله في موضعه، ولا يحمله، لأن ضرورته معتبرة في مكانه.
وقد يجوز أن تزول الضرورة إن زال عنه، فإذا أكله كانت عليه قيمته بمكانه في وقته.
والحال الثانية: أن لا يقدر على أخذه، ولا على قتاله عليه، فمالك الطعام عاص بالمنع، ومعصيته إن أفضت إلى تلف المضطر أعظم، لكن لا يضمنه بقود ولاية لأنه لم يكن منعه فعلأ يتعلق به الضمان.
ولو قيل: إنه يضمن ديته كان مذهباً؛ لأن الضرورة قد جعلت له في طعامه حقاً، فصار منعه منه كمنعه من طعام نفسه، وهو لو منع إنساناً من طعام نفسه حتى مات جوعاً ضمن ديته كذلك إذا منعه من طعام قد صار حقه متعلقاً به وجب أن يضمن ديته.
والحال الثالثة: أن لا يقدر المضطر على أخذه إلا بقتاله عليه، فله أن يقاتله عليه، وهل يجب عليه أن يقاتله حتى يصل إلى طعامه أم لا على وجهين ممن أريدت نفسه هل يجب عليه المنع منها؟
أحدهما: يجب عليه أن يقاتله؛ ليصل إلى إحياء نفسه بطعامه، كما يجب عليه أكل الميتة لإحياء نفسه بها.
والثاني: أن القتال مباح له، وليس بواجب عليه؛ لأن مالك الطعام لا ينفك في الأغلب من دين أو عقل يبعثه كل واحد منهما على إحياء المضطر بماله فجاز أن يكون موكولاً إليه، وخالف أكل الميتة في الوجوب؛ لأنه لا سبيل إلى إحياء نفسه إلا بها، فإذا شرع في قتاله توصل بالقتال إلى أخذ ما يتعلق به الإباحة من طعامه، وفيه ما قدمناه من القولين:
أحدهما: يقاتله إلى أن يصل أخذ ما يمسك الرمق، فإن قاتله بعد الوصول إلى إمساك الرمق كان متعدياً.
والثاني: يقاتله إلى أن يصل إلى قدر الشبع، ويكون القتال بعد الوصول إلى إمساك الرمق مباحاً، وليس بواجب وجهاً واحداً، وقتاله بعد الوصول إلى قدر الشبع عدوان.
فإن لم يصل بالقتال إلى شيء من طعامه حتى تلف أحدهما، نظر، فإن كان التالف
الجزء: 4 - الصفحة: 262
رب الطعام كانت نفسه هدراً لا تضمن بقود ولا دية، لأنه مقتول بحق 0 كمن طلب نفس إنسان، فقتله المطلوب دفعاً كانت نفسه هدراً، وإن كان التالف المضطر كانت نفسه مضمونة على رب الطعام، لأنه قتل مظلوماً ثم نظر فإن علم رب الطعام بضرورة المضطر ضمنه بالقود 0 وإن لم يعلم بضرورته بالدية؛ لأنه مع العلم بها عامد 0 ومع الجهل بها خاطئ والله أعلم.
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله: "ولو وجد المضطر ميتة وصيداً وهو محرم أكلل الميتة ولو قيل يأكل الصيد ويفتدي كان مذهباً.
قال المزني رحمه الله: الصيد محرم لغيره وهو الإحرام ومباح لغير محرم والميتة محرمة لعينها لا لغيرها على كل حلال وحرام فهى أغلظ تحريماً فإحياء نفسه بترك الأغلظ وتناول الأيسر أولى به من ركوب الأغلظ بالله التوفيق ".
قال في الحاوي: مقدمة هذه المسألة أن يذكر ما يستبيحه المضطر من أكل المحرمات إذا انفردت ثم يذكر حكمها في حقه إذا اجتمعت، فإذا وجد المضطر صيداً، وهو محرم حلّ له أكل الصيد، لضرورته في إحياء نفسه كالميتة التي يستبيح أكلها بالضرورة، وإن حرمت عليه إذا أكل الصيد أن يفديه بالجزاء؛ لأن الضرورة لا تمنع من وجوب الجزاء؛ لأنها فيه، وليست في الصيد، وهو من حقوق الله تعالى، التي يستوي فيها العامد والخاطئ، وفي قدر ما تستبيحه من أكله قولان كالميتة:
أحدهما: قدر إمساك الرمق.
والثاني: قدر الشبع، ولو كان ما وجده المحرم المضطر صيداً مقتولاً أكل منه، ولم يضمنه بالجزاء سواء ضمنه قاتله أو لم يضمنه؟ لأن ضمان الصيد على المحرم مستحق بالقتل دون الأكل، وذا كان غير ضامن لجزائه، نظر، فإن كان قاتل الصيد محلاً، فهو ذكي مملوك، فيضمن المضطر قيمة ما أكل لمالكه، وان كان قاتله محرماً، فهل يكون ميتة أو مذكى؟ فيه قولان:
أحدهما: يكون ميتة كالذكاة المجوسي، فعلى هذا لا يجب على المضطر قيمة ما أكل؛ لأنه لا قيمة للميتة.
والثاني: يكون مذكى يحرم على المحرم، ويحلّ لغيره، فعلى هذا من ضمان المضطر لقيمة ما أكل وجهان من اختلاف القولين هل يستقر للمحرم عليه ملك أم لا؟ أحد الوجهين لا ضمان عليه إذا قيل: إن المحرم لم يملك.
والثاني: عليه الضمان، إذا قيل إنه يملك.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
فصل:
وإذا وجد المضطر لحم آدمي ميت جاز أن يأكل منه، وهو قول الجماعة وقال داود: لا يجوز أن يأكل منه، وهو حرام على المضطر كتحريمه على غيره، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "حرمة ابن آدم بعد موته كحرمته في حياته وكسر عظمه بعد موته ككسر عظمه في حياته ".
قال محمد بن داود: ولأن هذا مفض إلى أكل لحوم الأنبياء والصديقين، ومن أوجب الله تعالى حفظ حرمته، وتعظيم حقه.
فقلبه عليه أبو العباس بن سريج وقال: المنع من أكله مفض إلى قتل الأنبياء والصديقين إذا اضطروا حفظاً لحرمة ميت كافر، وهذا أعظم، فلم يصح بما قاله ابن داود.
والدليل على إباحته، قول الله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة:3] فكان على عمومه، وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في حمزة بن عبد المطلب حين قتل بأحد: "ولا صفية لتركته تأكله السباع، حتى يحشر من بطونها".
فإذا جاز أن تأكله البهائم التي لا حرمة لها، فأولى أن تحفظ به نفوس ذوي الحرمات؛ ولأنه لما كان أن يحيي نفساً بقتل نفس، فإحياؤها بغير ذي نفس أولى؛ ولأن لحمه يبلى بغير إحياء نفس، فكان أولى أن يبلى بإحياء نفس.
وأما الخبر فهو بأن يكون دليلاً في إباحة أكله أشبه؛ لأنه لما حفظ حرمته بعد الموت، كان حفظها في الحياة أوكد، وإذا لم يمكن حفظ الحرمتين، كان حفظ حرمة الحي بالميت أولى من حفظ حرمة الميت بالحي.
فإذا ثبت إباحة أكله منه، فليس له أن يأكل إلا قدر ما يمسك رمقه قولاً واحداً؛ ليحفظ به الحرمتين معاً، ويمنع من طبخه وشيه، ويأكله نيئاً إن قدر لأن طبخه محظور، وان لم يؤكل، وأكله محظور وان لم يطبخ، والضرورة تدعو إلى الأكل فأبحناه، ولا تدعو إلى الطبخ فحظرناه.
وخالف الميتة التي تختص بتحريم الأكل دون الطبخ، فجاز أن يجمع بينهما عند الضرورة.
وأما إذا وجد، المضطر آدمياً حياً، فمان كان ممن لا يستباح قتله حرم على المضطر أن يأكله ما يحيي به نفساً؛ لأنه لا يجوز إيحاء نفس بإتلاف نفس مع تكافئهما في الحرمة.
وسواء كان المأكول مسلماً أو ذميا؛ لأن نفس الذميين محظورة كالمسلم وان كان
الجزء: 4 - الصفحة: 264
المأكول ممن يجب قتله في ردّة أو حرابة أو زناً جاز أن يأكل المضطر من لحمه لكن بعد قتله، ولا يأكل لحمه في حياته، لما فيه من تعذيبه، فإن أكل من لحمه حياً كان مسيئاً إن قدر على قتله، ومعذوراً إن لم يقدر على قتله لشدة الخوف على نفسه، فإن لم يجد المضطر ما يمسك رمقه إلا بقطع عضو من جسده ففي إباحته وجهان:
أحدهما: وهو محكي عن أبي إسحاق المروزي إذا كان غالب قطعه السلامة لحفظ نفسه بعضو من جسده، كما يقطع إذا وقعت فيه الأكلة ليحفظ به نفسه.
والثاني: لا يجوز؛ لأنه يجمع بقطعه بين خوفين، فكان أسرع إلى تلفه وليس كقطع الأكلة، لأن يأمن سرايتها بقطعه.
فصل:
فإذا تكرر ما ذكرنا من حكم الاستباحة على الانفراد انتقلنا إلى الجمع بين كل مستباحين بالضرورة محظورين من غير ضرورة.
فمن ذلك إذا وجد المضطر، وهو محرم ميتة وصيداً حياً.
وهي مسألة الكتاب، ففيما يستبيحه منهما قولان:
أحدهما: وهو مذهب مالك وأبي حنيفة: أنه يأكل الميتة دون الصيد لأمرين:
أحدهما: أن استباحة الميتة نص، واستباحة الصيد اجتهاد.
والثاني: أن أكل الميتة لا يوجب الضمان، وأكل الصيد موجب لضمان الجزاء، فصارت الميتة بهذين الأمرين أخف حكماً.
والثاني: وهو اختيار المزني: أنه يأكل الصيد، ويعدل عن الميتة لأمرين:
أحدهما: أن إباحة الصيد عامة، وحظره خاصة من الإحرام، وحظر الميتة عام، واباحتها خاصة في الاضطرار، فكان ما أباحته أعمّ أخفّ مما تحريمه أعم.
والثاني: أن تحريم الصيد لمعنى في غيره، وتحريم الميتة لمعنى فيها، فكان ما فارقه معنى التحريم أخف مما حله معنى التحريم، فثبت بهذين أن أكل الصيد أولى.
فأما إذا وجد ميتة ولحم صيد قتله محرم، فإن قيل: بذكاته كان أولى من الميتة وإن قيل: بنجاسته كان الميتة أولى منه.
فصل:
وإذا وجد المضطر ميتة وطعاماً لغيره، فإن أذن له في أكله حرمت عليه الميتة، وإن منعه من أكله حلّت له الميتة، وإن كان غائباً لم يأذن ولم يمنع فعلى قولين كالميتة مع الصيد.
ولو وجد المضطر المحرم مبدأ وطعام الغير، ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: يأكل الصيد؛ لأن تحريمه عليه من حق الله تعالى، فكان أخف.
الجزء: 4 - الصفحة: 265
والثاني: يأكل طعام الغير؛ لأنه يستباح بالإباحة.
والثالث: أنه مخير في الأكل من أيهما شاء.
فصل:
ولو وجد المضطر ميتتين إحداهما من جنس ما يؤكل لحمه، كالشاة والبعير والأخرى من جنس ما لا يؤكل لحمه كالسبع والذئب، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء، وله الخيار في الأكل من أيهما شاء؛ لأنهما قد استويا في النجاسة بالموت.
والثاني: أنه يأكل مما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل؛ لأن للمأكول أصلاً في الإباحة فكان أولى مما لا أصل له في الإباحة.
ولو وجد المضطر ميتين إحداهما طاهرة في حياتها، والأخرى نجسة في حياتها، ففيه وجهان:
أحدهما: أنهما سواء، ويأكل من أيهما شاء: إلا أن يكون خنزيراً، لأنهما قد استويا في النجاسة بعد الموت.
والثاني: أنه يأكل من الطاهر دون النجس: لأن له في الطهارة أصلاً ليس للنجس ولو وجد المضطر ميتة ولحم ابن آدم أكل الميتة، وان كان خنزيراً دون لحم ابن آدم وجهاً واحداً، لأن تحريم الميتة من حق الأكل وتحريم ابن آدم في حقه وحق الأكل، فكان أغلظ، وكذلك لو وجد صيداً ولحماً ابن أدم وهو محرم أكل الصيد تعليلاً بما ذكرنا.
فصل:
وإذ قد مضى ما يحل ويحرم من الحيوان وجب أن نبين ما يحل ويحرم من النبات، والنبات على أربعة أقسام:
أحدها: ما كان غذاء كالحبوب والثمار والفواكه، والبقول، فأكلها مباح وبيعها جائز، وسواء أكلت قوتاً أو تفكهاً، فإن كانت مما زرعه الآدميون، فهي ملك لزراعها وان كانت مما أتيته الله تعالى في الموات، فهي ملك لآخذها.
والثاني: ما كان دواء، فأكله للتداوي مباح، وينظر في أكله لغير التداوي، فإن كان ضاراً منع من أكله، وان كان غير ضار أبيح أكله وبيعه في الحالين جميعاً جائز.
والثالث: ما كان مسكراً، وهو على ثلاثة أضرب:
أحدها: أن يكون فيه مع السكر شدة مطربة، فأكله حرام، وعلى آكله الحدّ، ولا يجوز أن يستعمل في دواء ولا غيره كالخمر، وبيعه حرام.
والثاني: أن يسكر، ولا تكون فيه شدة مطربة كالبنج، فأكله حرام، ولا حدّ على آكله، ويجوز أن يستعمل في الدواء عند الحاجة، وان أفضى إلى السكر إذا لم يوجد من إسكاره بد، وينظر في بيعه، فإن كان يستعمل في الأدوية غالباً جاز بيعه ولم يكره، وان
الجزء: 4 - الصفحة: 266
كان يستعمل فيها نادراً كره بيعه، وان جاز.
والثالث: ط أمكر مع غيره ولم يسكر بانفراده كالداذي، وما شاكله، فينظر فيه، فإن لم ينتفع به من دواء، ولا غيره، حرم أكله وبيعه تغليباً، لغالب أحواله، وان انتفع بأكله في الدواء، حلّ أكله تداوياً وجاز بيعه، وكان مكروهاً إن كان أغلب أحواله استعماله في المسكر، ولم يكره إن كان أغلب أحواله استعماله من غير المسكر.
والرابع: ما كان ضاراً كالسموم، فهذا على أربعة أضرب:
أحدها: ما قتل قليله، وكثيره، فأكله حرام، وبيعه باطل سواء كان قتله موجباً أو مبطئاً.
والثاني: ما قتل كثيره دون قليله، فأكل كثيره حرام، فأما قليله، فإن كان غير منتفع به حرم أكله، وبطل بيعه تغليباً لضرورة، وإن كان منتفعاً به من التداوي حل أكله تداوياً وجاز بيعه، ولم يكره، وإن كان غالبه التداوي وكره إن كان غالبه غير التداوي.
والثالث: ما يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن لا يقتل، فحكم الأغلب له ألزم ويكون على ما تقدم.
والرابع: ما لا يقتل في الأغلب، وقد يجوز أن يقتل، فقد ذكر الشافعي في موضع إباحة أكله، وذكر في موضع تحريم أكله، فتوهم بعض أصحابه، فخرج إباحة أكله على قولين اعتباراً بظاهر كلامه في الموضعين.
والصحيح أن إباحته لأكله إذا كان منتفعاً به في التداوي وتحريم أكله إذا كان غير منتفع به في التداوي، فيكون على اختلاف حالين لا على اختلاف قولين.
مسألة:
قال المزني: "وخالف الشافعي المزني والكوفي في الانتفاع بشعر الخنزير وفي صوف الميتة وشعرها فقال: لا ينتفع بشيء من ذلك".
قال في الحاوي: وقد مضى الخلاف في نجاسة الشعور والأصواف وطهارتها في كتاب الطهارة، فالظاهر منها يجوز استعماله في الذائب واليابس وأما النجس منها، فضربان:
أحدهما: ما كان في الحياة طاهراً، كشعور السباع، والذئاب، فاستعمالها في اليابسات من متاع دون الذائبات.
والثاني: ما كان نجساً في الحياة كشعر الكلب والخنزير، وإن جرى عرف العوام باستعماله، وأجازه أبو حنيفة ومالك.
وسئل عنه أحمد بن حنبل، فقال الليف أعجب إلي منه، فكأنه كرهه وأجازه وعولوا
الجزء: 4 - الصفحة: 267
في إباحة استعماله على أمرين:
أحدهما: أن الحاجة داعية إليه.
والثاني: أن عرف العامة جاز باستعماله، وهذا فاسد من وجهين:
أحدهما: أنه لما حرم الانتفاع بالخنزير حياً كان تحريم شعره ميتاً أولى.
والثاني: أنه لما كان أغلظ تنجيساً وجب أن يكون أغلظ تحريماً، فإن خالفوا من نجاسته انتقل الكلام إليه.
فأما تعويلهم على الحاجة إليه فالحاجة لا تبيح محظوارً، وقد يقوم الليف مقامه، فسقطت الحاجة إليه.
وتعويلهم على العرف في استعماله، فهو عرف من مسترسل في دينه.
فإذا صح تحريم استعماله كان مأثم تحريمه عائداً على مستعمله، وجاز بيع المحروز به، فإن كان الشعر عند الاستعمال يابساً لاقى يابساً، فالخف المحروز به طاهر، والصلاة فيه جائزة، وإن لاقى في الحرز نداوة كان ما مسه الشعر من الخف المحروز نجساً، فإن غسل سبعاً بتراب طهر ظاهره، ولم تطهر دواخل الحرز، ولم تجز الصلاة فيه، والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 268