كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ويضربها، مع أنه يمكن أن يضربها بسوط مثل الأصبع، فنقول: إنه أخطأ لا شك، فيضربها ضرباً غير مبرح.
ولا يجوز أن يضربها في الوجه، ولا في المقاتل، ولا فيما هو أشد ألماً؛ لأن المقصود هو التأديب.
أما عدد الضرب فهو ما يحصل به المقصود، ولا تتضرر به المرأة؛ لأن هذا للتأديب، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقولون في العدد: لا يزيد على عشر جلدات، مستدلين بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجلد أحد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود الله» 1، لكن قوله في الحديث: «في حد» ليس المراد بالحد العقوبة، كحد الزنا مثلاً، إنما المراد بالحد ترك الواجب، أو فعل المحرم؛ لأن الله ـ تعالى ـ سمى المحرمات حدوداً، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187] وسمى الواجبات حدوداً فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229].
فالصواب أن المراد بالحد في الحديث الحد الشرعي، وليس الحد العقوبي، فإذا كانت لا تتأدب إلا بعشرين جلدة، نضيف إلى العشر عشراً أخرى، لكن نرجع إلى القيد الأول وهو أن يكون غير مبرح.
فإن لم يفد، أي: أنه وعظها، ثم هجرها، ثم ضربها ولا فائدة، فماذا نصنع؟
قيل: إنه إذا كان التعدي منها تسكن هي وزوجها بقرب رجل ثقة أمين، يراقب الحال، ويعرف أيهما الذي أساء إلى صاحبه.
ولكن هذا ليس بصحيح:
أولاً: أن هذا لم يرد لا في الكتاب ولا في السنة.
ثانياً: أنه مهما كان في الرقابة، فلا يمكن أن يكون عندهما في الحجرة مثلاً، فهو عمل لا فائدة منه.
لكن هنا طريقة ذكرها الله تعالى في القرآن فقال: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ﴾ أي: أقاربه ﴿وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء: 35] أي: أقاربها، فالمسألة مهمة؛ لأن الخطاب للأمة كلها، للعناية بهذا الأمر، فكل الأمة مسؤولة عن هذين الزوجين الذين يتنازعان، فالإسلام لا يريد أن يقع النزاع بين أحد.
ويشترط في الحَكَم أن يكون عالماً بالشرع، عالماً بالحال، أي: ذا خبرة وأمانة؛ ولهذا كان من المهم في القاضي أن يكون عارفاً بأحوال الناس الذين يقضي بينهم، فالحكم لا بد فيه من العدالة حتى نأمن الحيف، ولا بد أن يكون عالماً بالشرع وبالحال.
وهذان الحكمان، قيل: إنهما وكيلان للزوجين، وعلى هذا لا بدّ أن توكل المرأة قريبها، ويوكل الرجل قريبه.
وقيل: إنهما حكمان مستقلان، يفعلان ما شاءا، يجمعان أو يفرقان بعوض أو بغير عوض.
وظاهر القرآن القول الثاني: أنهما حكمان مستقلان، فلم
يقل الرب ـ عزّ وجل ـ: فإن خفتم شقاق بينهما فليوكلا من يقوم مقامهما، بل قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾.
ولا يجوز للحكمين أن يريد كل واحد منهما الانتصار لنفسه وقريبه، فإن أراد ذلك فلا توفيق بينهما، لكن ماذا يريدان؟
يقول الله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا﴾ أي: الحكمان ﴿يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الحكمين، وبين الزوجين، يوفق الله بين الحكمين فيتفق الرأي؛ لأنه لو تنازع الحكمان، وكان لكل واحد منهما رأي ما استفدنا شيئاً، لكن مع إرادة الإصلاح يوفق الله بينهما، فيتفق الحكمان على شيء واحد، أو يوفق الله بينهما إن حكم الحكمان بأن يبقى الزوجان في دائرة الزوجية، فإن الله تعالى يوفق بين الزوجين من بعد العدواة، فالآية تحتمل هذا وهذا، ويصح أن يراد بها الجميع، فيقال: إن أراد الحكمان الإصلاح وفق الله بينهما، وجمع قولهما على قول واحد واتفقا، وإن أرادا الإصلاح وحكما بأن تبقى الزوجية، فإن الله يوفق بين الزوجين.
فصارت المراتب أربعاً:
وعظ، هجر، ضرب، إقامة الحكمين.
وأما المرتبة التي قبل إقامة الحكمين وهي الإسكان عند ثقة فهذه لا أصل لها، ولا دليل لها، ولا فائدة منها.
وكلام المؤلف فيما إذا خاف الزوج نشوز امرأته، فما الحكم إذا خافت هي نشوزه؟ لأنه أحياناً يكون النشوز من الزوج
يعرض عنها، ولا يلبي طلبها الواجب عليه، أو يلبيه لكن بتكره، وتثاقل، وما أشبه ذلك.
نقول: الله بيَّن هذا في قوله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، وفي قراءة سبعية أن يصَّالحا 1، وقوله: ﴿نُشُوزًا﴾ يعني يترفع عليها ويستهجنها ﴿أَوْ إِعْرَاضًا﴾ أي: يعرض عنها ولا يقوم بواجبها، لا في الفراش، ولا في غير الفراش، ولا كأنه زوج، قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ أي يتصالحا بأنفسهما، وما ذكر الله ـ عزّ وجل ـ لا وعظاً ولا ضرباً، ولا هجراً، ولا حكمين، والحكمة في هذا ظاهرة جداً؛ لأن الأصل أن الرجل قوَّام على المرأة، فقد يكون إعراضه من أجل إصلاحها، بخلاف العكس، ولهذا هناك يعظها ويهجرها ويضربها، وهي لا تعظه ولا تهجره ولا تضربه، ولكن لا بد من مصالحة بينهما، فإذا لم يمكن أن يتصالحا فيما بينهما، فلا حرج في أن يتدخل الأقارب، لا على سبيل الحَكَم، ولكن على سبيل الإصلاح، ولهذا ما ذكر الله هنا المحاكمة، بل ذكر الإصلاح وندب إليه في قوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ فهذه الجملة كلمتان فقط، وليست خاصة بهذه القضية، بل في كل شيء، وهي من بلاغة القرآن، فكل شيء يكون عن طريق الصلح فهو خير، خيرٌ من المحاصة؛ فإن في المحاصة مهما كان سيكون في نفسه شيء على
صاحبه الذي غلبه، لكن في المصالحة تطمئن النفوس وتستريح، ومع ذلك أشار الله ـ عزّ وجل ـ إلى أنه قد يوجد فيه مانع وعائق، فقال تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء 128] يعني عندما يتكلم أناس في نزاع بينهما يحبون الصلح، لكن نفسك تشح أن يهضم حقك مهما كان الأمر، ولكن على كل حال الذي عنده عقل يغلب النفس.
وفي قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ توجيهات عظيمة من الرب ـ عزّ وجل ـ، يعني ما قال: أطعنكم ورجعن إلى الصواب، فذكروهن ما مضى، وتقولون: فعلتِ كذا، وفعلتِ كذا، أو أنا قلت: كذا، وما أشبه ذلك، مما يبعث الأمور الماضية، بل قال: ﴿فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ أي: اتركوا كل ما مضى، ولا يكن في أذهانكم أبداً، وهذا من الحكمة؛ لأن ذكر الإنسان ما مضى من مثل هذه الأمور ما يزيد الأمر إلا شُقة وشدة ﴿فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34].
بَابُ الْخُلْعِ
قوله: «الخلع» بالفتح والضم، أما بالضم فهو المعنى، وأما بالفتح فهو الفعل، مثل: الغَسل، والغُسل، الغُسل للمعنى، والغَسل للفعل.
وأصل الخلع من خَلَعَ الثوب إذا نزعه، والمراد به اصطلاحاً فراق الزوج زوجته على عوض.
والخلع على المذهب له ألفاظ معلومة، كلفظ الخلع، أو الفداء، أو الفسخ، أو ما أشبه ذلك، فإن وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه ليس له ألفاظ معلومة؛ لأن المقصود به هو فداء المرأة نفسها من زوجها، وعلى هذا فكل لفظ يدل على الفراق بالعوض فهو خلع، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، بأن قال مثلاً: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال، فنقول: هذا خلع، وهذا هو المروي عن عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أن كل ما دخل فيه العوض فليس بطلاق، قال عبد الله ابن الإمام أحمد: كان أبي يرى في الخلع ما يراه عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أي: أنه فسخ بأي لفظ كان، ولا يحسب من الطلاق.
ويترتب على هذا مسألة مهمة، لو طلق الإنسان زوجته
مرتين متفرقتين، ثم حصل الخلع بلفظ الطلاق، فعلى قول من يرى أن الخلع بلفظ الطلاق طلاق تكون بانت منه، لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وعلى قول من يرى أن الخلع فسخ ولو بلفظ الطلاق، تحل له بعقد جديد حتى في العدة، وهذا القول هو الراجح.
لكن مع ذلك ننصح من يكتبون المخالعة أن لا يقولوا: طلق زوجته على عوض قدره كذا وكذا، بل يقولوا: خالع زوجته على عوض قدره كذا وكذا؛ لأن أكثر الحكام عندنا ـ وأظن حتى عند غيرنا ـ يرون أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق صار طلاقاً، ويكون في هذا ضرر على المرأة، فإن كانت الطلقة الأخيرة فقد بانت، وإن كانت غير الأخيرة حُسِبت عليه.
والخلع قد يكون بطلب من الزوج، أو بطلب من الزوجة، أو بطلب من وليها، أو بطلب من أجنبي، فيكون بطلب من الزوج بأن يكون الزوج ملَّ زوجته، لكنه أصدقها مهراً كثيراً، وأراد أن تخالعه بشيء ترده عليه من المهر.
وقد يكون ـ وهو الغالب ـ بطلب من الزوجة، فهل للزوجة أن تطلب الخلع أو لا؟
فالجواب: إن كان لسبب شرعي ولا يمكنها المُقَام مع الزوج فلها ذلك، وإن كان لغير سبب فليس لها ذلك، مثال ذلك: امرأة كرهت عشرة زوجها، إما لسوء منظره، أو لكونه سيئ الخلق، أو لكونه ضعيف الدين، أو لكونه فاتراً دائماً، المهم أنه لسبب تنقص به العشرة، فلها أن تطلب الخلع.
ولهذا قالت امرأة ثابت بن قيس بن شماس ـ رضي الله عنهما ـ للنبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا رسول الله ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين ـ فهو مستقيم الدين، مستقيم الخلق ـ ولكني أكره الكفر في الإسلام، تعني بالكفر عدم القيام بواجب الزوج، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «تكثرن اللعن، وتكفرن العشير» 1، وليس مرادها أن تكفر بالله ـ عزّ وجل ـ، بل تكفر بحق الزوج، لأنها قالت: في الإسلام، و «في» للظرفية، وهذا يعني أن إسلامها باقٍ، وفي بعض الروايات شددت في هذا حتى قالت: لولا مخافة الله لبصقت في وجهه 2، من شدة بغضها له، ولا يُستغرب، فالنساء لهن عواطف جياشة كرهاً وحباً، فقال لها النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أتردين عليه حديقته»، والحديقة هي المهر، حيث كان قد أمهرها بستاناً، فقالت: نعم، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لثابت: «خذ الحديقة وطلقها» فأخذها وطلقها 3. الشاهد من هذا الحديث أنها قالت: «لا أعيب عليه في خلق ولا دين»، وعلى هذا، فإذا كان الزوج قليل شهود الجماعة في الصلاة، أو قليل الصلاة، أو عاقاً لوالديه، أو يتعامل بالربا، وما أشبه ذلك، فللزوجة أن تطلب الخلع لكراهتها دينه، لا سيما أن بعض الأزواج أولَ ما يخطب تجده يأتي بصورة تروق للناظرين، من حيث الخلق والتدين، كما قال الله عن المنافقين: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ﴾ [المنافقون: 4] أي: ترى أنهم من
خيرة عباد الله في الدين، وليس المراد تعجبك في الطول والقصر والسمن وما أشبه ذلك، ولهذا جاء في المقابل: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: 4] فهم يعجبون الناظر والسامع.
فبعض الناس ـ نسأل الله العافية ـ أول ما يخطب تجده متنسكاً، بشوشاً، حسن الخلق، إذا تحدث عن المقصرين في الصلاة قال: أعوذ بالله، هؤلاء لا يخافون الله، وإذا تحدث عن أصحاب القنوات الفضائية، قال: نسأل الله العافية، هؤلاء يخربون بيوتهم بأيديهم، وإذا تزوج ضعف، فلا يصلي، إما مطلقاً، أو لا يصلي مع الجماعة، ثم يأتي بالدش لاستقبال القنوات الفضائية، وهذا واقع حيث ترد علينا أسئلة من هذا النوع، ومثل هذا لا يمكن للمرأة أن تصبر عليه، فلها أن تطلب الخلع.
وإذا وصلت بها الحال إلى ما وصلت إليه امرأة ثابت ـ رضي الله عنهما ـ وطلبت الخلع، فهل يُلزم الزوج بالخلع أو لا يلزم؟
لا شك أنه يستحب للزوج أن يوافق، وهو خير له في حاله ومستقبله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] لكن إذا أبى وعُرض عليه مهره، فقيل له: نعطيك المهر كاملاً، فهل يُلزَم بذلك أو لا؟
اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة، فأكثرهم يقول: لا يُلزَم، فهو زوج وبيده الأمر، والقول الراجح أنه يُلزَم إذا قالت الزوجة: أنا لا مانع عندي، أعطيه مهره، وإن شاء
أعطيته أكثر؛ لأن بقاءها معه على هذه الحال شقاء له ولها، وتفرق، والشارع يمنع كل ما يحدث البغضاء والعداوة، فالبيع على بيع المسلم حرام لئلا يحدث العداوة، فكيف بهذا؟! فيلزم الزوج أن يطلق، وحديث ثابت ـ رضي الله عنه ـ يدل عليه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خذ الحديقة وطلقها»، والأصل في الأمر الوجوب، وقول الجمهور: إن هذا للإرشاد فيه نظر.
والقول بالوجوب هو الراجح، يقول في الفروع: إنه ألزم به بعض القضاة في عهده، وهؤلاء الذين ألزموا به وُفِّقوا للصواب.
مَنْ صَحَّ تَبَرُّعُهُ مِنْ زَوْجَةٍ، وَأَجْنَبِيٍّ صَحَّ بَذْلُهُ لِعِوَضِهِ،
...........
قوله: «من صح تبرعه من زوجة وأجنبي صح بذله لعوضه» «من صح» جملة شرطية، فعل الشرط: «صح» وجواب الشرط: «صح بذله».
وقوله: «صح» هذا حكم وضعي، أما الحكم التكليفي ففيه تفصيل سيأتي.
وقوله: «تبرعه» التبرع هو إعطاء المال بلا عوض.
ويجب أن نعرف الفرق بين التبرع والتصرف:
فالتصرف: العمل في المال.
والتبرع: بذل المال بلا عوض، وأضرب مثلاً يبين هذا:
ولي اليتيم يصح تصرفه في مال اليتيم، ولا يصح تبرعه من مال اليتيم، أي: لا يصح أن يتبرع ولا بقرش واحد من مال اليتيم، وأما التصرف فيتصرف بكل ماله بالتي هي أحسن.
وعلى هذا يكون التصرف أوسع من التبرع؛ لأنه يصح ممن لا يصح تبرعه.
ولننظر إلى الخلع، هل هو تبرع، أو هو تصرف ومعاوضة؟
الجواب: الخلع تبرع في الواقع؛ لأن الزوجة تتبرع للزوجة بما تعطيه في الخلع، وإن كان هناك مقابل، لكن هو في الأصل تبرع.
فإذا كانت الزوجة لا يصح تبرعها، كالمحجور عليها، وأرادت أن تخالع زوجها فليس لها ذلك؛ لأن تبرعها بمالها لا يصح.
وقوله: «وأجنبي» أي: يصح أن يتبرع أجنبي ببذل عوض الخلع، حتى يخالع الزوج زوجته، بأن يأتي إنسان ويقول للزوج: خالع زوجتك، وأنا أعطيك ألف ريال، فإن هذا يصح.
فإذا قال قائل: الأجنبي ما شأنه والمرأة؟ نعم لو كان أباها أو أخاها أو ما أشبه ذلك من أقاربها، لقلنا: هؤلاء تبرعوا ببذل العوض لمصلحة، لكن الأجنبي ما مصلحته من ذلك؟! ولذلك قال بعض أهل العلم: إنه لا يصح بذل عوض الخلع من أجنبي؛ لأنه لا يستفيد شيئاً.
ولكن الصحيح أنه يصح من الأجنبي، وتبرع الأجنبي بعوض الخلع أقسام:
الأول: أن يكون لمصلحة الزوج، مثل أن يعرف أن الزوج متبرم من زوجته، ولا يريدها، ويكرهها، ولا يستطيع أن يفارقها، وقد بذل لها مهراً كثيراً، فهو في حيرة، فهنا نقول: إذا تبرع أجنبي
بعوض الخلع، فالمصلحة للزوج، والزوجة قد يكون لها مصلحة وقد لا يكون، لكنه يقول: أنا أريد أن أخلص هذا الزوج من هذه الحيرة، فنقول له: جزاك الله خيراً، ولا حرج؛ لأن هذا مصلحة.
الثاني: أن يكون لمصلحة الزوجة، بأن تكون الزوجة كارهة لزوجها، وزوجها متعِب لها، لكن ليس عندها المال الذي تفدي به نفسها منه، فيأتي رجل ويقول: يا فلان خالع زوجتك، وأنا أعطيك كذا وكذا من المال، فهذا جائز، وهو إحسان إليها.
الثالث: أن يكون لمصلحتهما جميعاً، ـ أي: مصلحة الزوج والزوجة ـ بأن يكون كل واحد منهما يرغب الانفكاك، لكن الزوج شاحٌّ بما بذله من المهر، وهي ليس عندها ما تفدي به نفسها.
الرابع: أن يكون للإضرار بالزوج، مثل أن تكون المرأة صالحة خادمة لزوجها معتنية به، فيحسد الزوج على هذا، فيقول له: اخلع زوجتك بعوض، وقصده الإضرار بالزوج؛ لأنه حاسده، فهذا لا شك أنه حرام، وأنه عدوان على أخيه، وهو أشد من الحسد المجرد، والحسد من الكبائر.
فإذا قال قائل: أليس الأمر بيد الزوج، وأنه يستطيع أن يقول: لن أخالع، ولو تعطيني الدنيا كلها؟
فالجواب: بلى، لكن الإنسان قد يخدع ويُغرَى بالمال، بأن يقول له مثلاً: خالع زوجتك وأنا سأعطيك سيارة، ومائة ألف ريال، وقصراً، والإنسان بشر ربما ينخدع ويخالع، فهنا نقول: بذل المال في هذا الخلع محرم لما فيه من العدوان.
وإذا قال هذا الباذل: أنا لم أجبره، والأمر بيده؟
قلنا: لكنك خدعته.
الخامس: أن يكون للإضرار بالزوجة، كأن تكون الزوجة مستقيمة مع الزوج، والحال طيبة، فتأتي امرأة تحسدها ـ وما أكثر ما تحسد النساءُ النساءَ ـ فتقول لها: أنا سأعطيك كذا وكذا، وتخلصي من هذا الرجل، وسوف يرزقك الله رجلاً طيباً ومستقيماً، فتخدعها، وتوافق الزوجة، فهذا حرام لا إشكال فيه؛ لأنه عدوان.
السادس: أن يكون للإضرار بهما جميعاً، بأن يحسد رجل الزوجَ والزوجةَ ويبذل العوض، وهذا ـ أيضاً ـ حرام.
السابع: أن يكون لحظ نفسه، أي لمصلحة الباذل، مثال ذلك: أن يكون الباذل قد أعجبته هذه المرأة التي عند زوجها، فقال للزوج: اخلع زوجتك وسأعطيك عشرة آلاف ريال، فهذا حرام وعدوان وجناية، وهو أشد من تخبيب المرأة على زوجها؛ لأن هذا بالفعل أفسدها عليه.
وسئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن رجل قال لآخر: طلق زوجتك لأتزوجها بكذا وكذا من الدراهم، فأنكر هذا إنكاراً شديداً، وقال: أيفعل هذا أحد؟! لا يجوز.
الثامن: أن يكون لمصلحة غيره، مثال ذلك: رجل عرف أن فلاناً قد تعلق قلبه بهذه الزوجة، فقال له: أنا أراك تحب فلانة ـ أي الزوجة ـ فقال: نعم ليتها تكون لي، فقال: أنا آتي بها ولكن أعطني دراهم، فأعطاه الدراهم، فذهب وخالعها، فهذا لا يجوز؛ لأنه عدوان وظلم.
التاسع: إذا كان لا سبب له، وإنما يريد أن يفرق بينهما، فلا يريد الإضرار، ولا يريد المصلحة لنفسه ولا لغيره، فهل يجوز أو لا يجوز؟
هذا ينبني على مسألة، وهي هل يجوز الخلع مع استقامة الحال، يعني لو أن المرأة أرادت أن تخلع نفسها من زوجها، والحال مستقيمة، فهل يجوز لها ذلك أو لا؟
في هذا خلاف بين العلماء، منهم من قال: الخلع لا يجوز مع استقامة الحال، واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، فاشترط الله تعالى لنفي الجناح أن نخاف أن لا يقيما حدود الله، وإلا فلا يجوز ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» 1.
لكن جمهور العلماء على أنه يصح الخلع مع استقامة الحال، إلا أنه يكره إذا لم يكن له سبب.
وقوله: «صح بذله لعوضه» الضمير يعود على عوض الخلع، فالعوض بالنسبة للزوجة المنفعة بالتخلص من هذا الرجل، وبالنسبة للزوج المال المدفوع له.
والصحيح أنه يجوز أن تجعل عوض الخلع غير مال، كخدمته مثلاً، إلا إذا كان العوض محرماً، فهذا لا يجوز.
ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ أسباب الخلع فقال:
فَإِذَا كَرِهَتْ خُلُقَ زَوْجِهَا، أَوْ خَلْقَهُ، أَوْ نَقْصَ دِينِهِ، أَوْ خَافَتْ إِثْماً بِتَرْكِ حَقِّهِ أُبِيحَ الخُلْعُ، وَإِلاَّ كُرِهَ وَوَقَعَ،
..........
«فإذا كرهت خُلق زوجها أو خَلْقَه» «خُلُق» بضم الخاء واللام، قال بعض العلماء في تعريفه: هو الصورة الباطنة التي يكون بها سلوك المرء، و «خَلْقَه» بفتح الخاء وسكون اللام هي الصورة الظاهرة؛ لأن الصورة الباطنة إذا كانت جميلة صار حسن الأخلاق؛ لأنها هي التي تدبره.
قوله: «أو نقص دينه» أي: نقص الدين الذي لا يوصل إلى الكفر، كأن يتهاون بصلاة الجماعة، أو يشرب الدخان، أو يحلق اللحية، وما أشبه ذلك، فإن وصل إلى الكفر فإن الخلع هنا واجب فيجب أن تفارقه بكل ما تستطيع، ويجب على من علم بحالها من المسلمين إذا كان زوجها ـ مثلاً لا يصلي ـ أن ينقذوها منه بالمال؛ لأنها في مثل هذه الحال في الغالب لو حاكمته إلى القاضي فإنها لن تحصل على طائل؛ لأن القاضي سيطلب منها البينة على عدم صلاته، وإقامة البينة على العدم صعب جداً، بخلاف إقامة البينة على الوجود فإنه سهل؛ لأنه يُرى، لكن على العدم صعب؛ لأنه لا أحد يقول: أنا أشهد أن فلاناً لا يصلي؛ لأنه قد يصلي في بيته، أو يصلي في مسجد آخر، أو في بيت صديقه، ففي مثل هذه الحال إذا علمنا صدق المرأة، وأن الزوج قد طلب لفراقها كذا من المال، فإنه يجب علينا ـ فرض كفاية ـ أن نخلصها منه؛ لأن بقاء المسلمة تحت الكافر أمرٌ محرم بالكتاب، والسنة، والإجماع، ولا يمكن أن تبقى عند هذا الرجل الكافر، يتمتع بها.
قوله: «أو خافت إثماً بترك حقه» أي: ما كرهت منه شيئاً، لكن خافت إثماً بترك حقه، تجد نفسها ليست منقادة له، ولا تجيبه إلى الاستمتاع إلا متبرمة متكرهة، كحال امرأة ثابت ـ رضي الله عنهما ـ؛ فإذا خشيت المرأة أن تضيع حق الله فيه، فهل يباح الخلع؟
نعم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: 229] فإذا خافا أن لا يقيما حدود الله قال المؤلف:
«أبيح الخلع» «أبيح» مبني للمجهول، أي: صار مباحاً لها، أي: جائزاً.
قوله: «وإلا» يعني وإلا يكون له سبب.
قوله: «كره ووقع» المكروه هو الذي يثاب تاركه امتثالاً، ولا يعاقب فاعله، ومع ذلك يقع الخلع، فلو أن المرأة ـ مثلاً ـ مستقيمة الحال مع زوجها، ولكنها لأي سببٍ من الأسباب قالت: سأعطيك ما أعطيتني وخلني، طلقني، فما الحكم؟
نقول: الخلع مكروه، ويقع؛ لأنه ليس محرماً، والمكروه ينفذ، هذا هو المشهور من المذهب، وهناك قولٌ آخر أن الخلع في حال الاستقامة محرم ولا يقع، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] فإن مفهوم الآية أنه إن لم يخافا أن لا يقيما حدود الله فعليهما جناح، وهذا يشهد لصحة الحديث، وإن كان ضعيفاً: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرامٌ عليها رائحة الجنة» 1، فهذا يقتضي أن يكون من كبائر الذنوب.
فالحاصل أننا نقول: الآية تؤيد الحديث، وعلى هذا فنقول: إنه إذا كان لغير سبب فإن الصحيح أنه محرم، وأنه لا يقع، فهو محرم للآية وللحديث، ولا يقع لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 2.
ولكن إذا قلنا: لا يقع الخلع، فهل يقع طلاقاً؟
الجواب: إن كان بلفظ الخلع، ولم ينو به الطلاق فإنه لا يقع الطلاق؛ لأنه ما تلفظ به ولا نواه، والخلع وقع غير صحيح، وقولنا: بلفظ الخلع مثل أن يقول: خالعتها أو فسختها أو فاديتها أو ما أشبه ذلك، فهنا لا يقع خلعٌ ولا طلاق، وإن كان بلفظ الطلاق أو بنية الطلاق فإنه يقع الطلاق على المذهب؛ لأن الخلع إذا كان بلفظ الطلاق صار طلاقاً، وعلى القول بأنه لا يقع الخلع إلا إذا كان بلفظ الفسخ أو الفداء فإنه لا يقع الطلاق أيضاً؛ لأنه تبين أنه حرام لا فائدة فيه.
والعجيب أن المؤلف ـ رحمه الله ـ قال: «كره ووقع» واستدل بحديث: «أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة» 3، ومقتضى الاستدلال أن يكون
الحكم حراماً، بل من كبائر الذنوب، وكأنه ـ والله أعلم ـ لم يصح عنده، وقد مر علينا عن صاحب النكت على المحرر ابن مفلح ـ رحمه الله ـ أنه قال: إن الحديث إذا كان ضعيفاً، وكان مفيداً للوجوب فإنه للاستحباب، هذا ما لم يكن الضعف شديداً بحيث لا يقبل، وإذا كان مقتضياً للتحريم صار للكراهة؛ لأن ضعف سنده يتبعه ضعف الحكم، وكونه ورد ونسب إلى الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يوجب للإنسان شبهة، بأنه قد قاله النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ فنجعل الحكم بين التحريم وبين الإباحة، وكذلك بالنسبة للوجوب؛ لأن الأصل عدم الإيجاب حتى يتبين بدليلٍ بيِّن، لكن نقول: نظراً إلى احتمال أن يكون صحيحاً يجب أن تفعل، هذا ما ذكره ـ رحمه الله ـ في هذه القاعدة، ولعل المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الباب أخذ به.
فَإِنْ عَضَلَهَا ظُلْماً لِلافْتِدَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ لِزِنَاهَا، أَوْ نُشُوزِهَا، أَوْ تَرْكِهَا فَرْضاً فَفَعَلَتْ، أَوْ خَالَعَتْ الصَّغِيرَةُ، وَالْمَجْنُونَةُ، وَالسَّفِيهَةُ، أَوَ الأَمَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهَا لَمْ يَصحَّ الخُلْعُ،
قوله: «فإن عضلها» أي: أن الزوج منعها حقها.
قوله: «ظلماً» أي: بغير حق.
قوله: «للافتداء» اللام للتعليل، أي: عضلها لتفدي نفسها بشيء من المال.
قوله: «ولم يكن لزناها أو نشوزها»، فإذا خالعت في هذه الحال لا يصح الخلع؛ لأنه قد أرغمها، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ ﴿وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [النساء: 19]، فإذا فعل هذا بدون سبب، كرجل ـ والعياذ بالله ـ طماع لا يخاف رب العالمين، ولا يرحم
الخلق، ما أحب هذه الزوجة، وقال: لا يمكن مالي يذهب هدراً، وصار يضيق عليها، ويمنعها حقها، ويهجرها في المضجع؛ من أجل أن تفتدي منه، نقول: هذا حرام عليك؛ لأن الله نهى عنه.
وقوله: «ولم يكن لزناها» فإذا كان لغير زناها، لكن لتوسعها في مخاطبة الشباب، تتكلم في الهاتف، وما أشبه ذلك، فهل نقول: إن هذا من سوء الخلق الذي يبيح له أن يعضلها لتفتدي منه؟
نعم، ونجعل قوله: «لزناها» شاملاً لزنا النطق، والنظر، والسمع، والبطش، والمشي، كما أخبر الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ «أن العين تزني، والأذن تزني، واليد تزني، والرجل تزني» 1، فهذا الرجل يقول: ما أصبر على هذه المرأة، وهي بهذه الحال، فصار يضيق عليها لتفتدي منه، فهذا جائز.
فإن قال قائل: إن الله يقول: ﴿إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ والكلام أو النظر ليس من الفواحش، فنقول: إن هذا وسيلة إلى الفواحش، ثم إن كثيراً من الناس يكون عنده غَيْرة، أن تخاطب امرأته الرجال، أو أن تتحدث إليهم.
ولكن إذا قدر أنه عضلها لزناها فلم تبذل، ولم يهمها، فهل يجوز أن يبقيها عنده على هذه الحال؟
الجواب: لا يجوز، ويجب أن يفارقها؛ لأنه لو أبقاها عنده وهي تزني ـ والعياذ بالله ـ صار ديوثاً.
وقوله: «أو نشوزها»، وهو معصية الزوجة زوجها فيما يجب عليها، فإذا صار عندها نشوز وعضلها وضيق عليها لتفتدي فلا حرج.
قوله: «أو تركها فرضاً» كأن تترك الصلاة دون أن تصل إلى الكفر، أو تترك الصيام، أو تترك الزكاة، أو تترك أي فرض، أو تترك الحجاب، وتقول: سأخرج مكشوفة الوجه، فله أن يعضلها إذا لم يمكن تربيتها، أما إذا كان يرغب في المرأة ويمكن أن يربيها فلا حرج أن تبقى معه.
قوله: «ففعلت» أي: افتدت.
قوله: «أو خالعت الصغيرة» أي: فلا يصح الخلع؛ لأنه لا يصح تبرعها من مالها، فإن خالع وليها عنها من مالها لتضررها بهذا الزوج جاز؛ لأن ذلك لمصلحتها.
قوله: «والمجنونة» فلو خالعت لم يصح الخلع من باب أولى؛ لأن ذلك بذل مال، والمجنونة ليست أهلاً لذلك.
قوله: «والسفيهة» وهي التي لا تحسن التصرف في مالها، فإذا خالعته وبذلت عوض الخلع من مالها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يصح تبرعها كما سبق.
قوله: «أو الأمة بغير إذن سيدها» إذا خالعت الأمة بغير إذن
سيدها لم يصح الخلع؛ لأن الأمة لا تملك مالاً، فالمملوك مالُه لسيده ولا يملك، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع عبداً له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع» (1) أي: المشتري، والشاهد قوله صلّى الله عليه وسلّم: «له مال فماله للذي باعه».
فإذا قال قائل: اللاَّمان متناقضتان، يقول: «له مال» ثم يقول: «ماله للذي باعه» فما الجمع؟
فالجواب: أن اللام الأولى للاختصاص، والثانية للتمليك، فمعنى «له مال» أن بيده مالاً أعطاه السيد إياه يتجر فيه، أو ما أشبه ذلك، كما تقول: الزمام للناقة، وهي لا تملك، لكن اللام هنا للاختصاص.
وقوله: «بغير إذن سيدها»، مثل أن يكون لها زوج لا يقوم بحقها، وآذاها، وضيَّق عليها، فجاءت إلى سيدها، وقالت: يا سيدي إن هذا الرجل لا تستقيم الحال معه، فأذن لي أن أخالعه، فإذا أذن صح.
قوله: «لم يصح الخلع» ولكن ماذا تكون هذه الفرقة؟ بينها المؤلف بقوله:
وَوَقَعَ الطَّلاَقُ رَجْعِيّاً إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاقِ، أَوْ نِيَّتِهِ.
«ووقع الطلاق رجعياً» هذا إذا كان الطلاق أول مرة، أو ثاني مرة، فإن كان الثالثة فالطلاق يكون بائناً؛ لأنها تطلق ثلاثاً.1
قوله: «إن كان بلفظ الطلاق» بأن قال لزوجته: طلقتك على عوض قدره كذا.
قوله: «أو نيته» يعني أن الزوج نوى بهذا الفراق الطلاق، فإنه يقع الطلاق رجعياً.
هذا ما ذهب إليه المؤلف بناءً على أن الخلع إذا وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق، والصواب أنه لا يقع شيء، لا طلاق ولا خلع، أما عدم وقوع الخلع فلأنه ليس هناك عوض، وأما عدم وقوع الطلاق فلأن الخلع ليس بطلاق، حتى لو وقع بلفظ الطلاق.
فَصْلٌ
وَالْخُلْعُ بِلَفْظِ صَرِيحِ الطَّلاَقِ، أَوْ كِنَايَتِهِ، وَقَصْدِهِ طَلاَقٌ بَائِنٌ،
......
قوله: «والخلع بلفظ صريح الطلاق أو كنايته وقصده طلاق بائن».
«الخلع» مبتدأ وخبره «طلاق بائن» وقوله: «بلفظ صريح» جار ومجرور في موضع نصب على الحال من كلمة «الخلع» يعني والخلع حال كونه بلفظ صريح الطلاق ... إلخ.
ذكر المؤلف في هذا ال
فصل
ألفاظ الخلع، يقول: إن وقع بلفظ الطلاق، أو نية الطلاق لو كان بغير لفظه، فهو طلاق بائن.
مثال ذلك: طلبت امرأة من زوجها أن يخالعها على ألف ريال، فوافق الزوج، ولكنه قال: طلقت زوجتي على عوض قدره ألف ريال، فيكون هذا طلاقاً، يحسب من الطلاق، فإن كان هذا آخر مرة بانت منه بينونة كبرى.
وقوله: «أو كنايته وقصده» إذا وقع بكناية الطلاق مع قصد الطلاق صار طلاقاً، والضابط في جميع ما يقال: إنه كناية، هي التي تحتمل معنى الصريح وغيره.
مثال ذلك: إذا قال: امرأتي بريئة على ألف ريال، وقصد بذلك الطلاق، فإنه يقع طلاقاً، هذا ما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ.
ولكن القول الراجح: أنه ليس بطلاق وإن وقع بلفظ الصريح، ويدل لهذا القرآن الكريم، قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ أي: في المرتين،
إما أن تمسك وإما أن تسرح، فالأمر بيدك ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229] إذاً هذا فراق يعتبر فداء، ثم قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقر: 230]، فلو أننا حسبنا الخلع طلاقاً لكان قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ هي الطلقة الرابعة، وهذا خلاف الإجماع، فقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ أي: الثالثة ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والدلالة في الآية واضحة، ولهذا ذهب ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ إلى أن كل فراق فيه عوض فهو خلع وليس بطلاق، حتى لو وقع بلفظ الطلاق، وهذا هو القول الراجح.
وقوله: «طلاق بائن» البينونة بمعنى الانفصال، والطلاق البائن على نوعين: بائنٌ بينونة كبرى، وهو الطلاق الثلاث، وبائنٌ بينونة صغرى وهو الطلاق على عوض، فإذا كان الرجل قد طلق زوجته مرتين سابقتين، ثم طلقها الثالثة، نقول: هذا الطلاق بائنٌ بينونة كبرى، يعني ما تحل له إلا بعد زوج، وإذا طلقها على عوض صار بائناً بينونة صغرى، فما معنى بائن إذاً؟ معناه أنه لا يحل له أن يراجعها ولو راجعها؛ ووجه ذلك أن بذلها للعوض افتداء، فقد اشترت نفسها، فلو مكنا الزوج من المراجعة لم يكن لهذا الفداء فائدة، ولكانت هي ومن لم تبذل على حدٍ سواء، فهذه المرأة التي بذلت العوض كأنها اشترت نفسها من زوجها، ولهذا نقول: إنه طلاقٌ بائن لا يملك الرجعة فيه، لكن هل يملك أن يتزوجها بعقد جديد؟
الجواب: نعم؛ لأن البينونة ليست بينونة كبرى، بل صغرى، فلا يملك الرجعة، لكن يملك العقد.
واعلم أن الخلع ليس له بدعة، بمعنى أنه يجوز حتى في حال الحيض؛ لأنه ليس بطلاق، والله إنما أمر بالطلاق للعدة ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]، ولهذا يجوز أن يخالعها ولو كانت حائضاً، ويجوز أن يخالعها ولو كان قد جامعها في الحال؛ لأنه ليس بطلاق بل هو فداء، ولأن أصل منع الزوج من التطليق في حال الحيض، أو في حال الطهر الذي جامعها فيه؛ أن فيه إضراراً بها، لتطويل العدة عليها، فإذا رضيت بذلك فقد أسقطت حقها.
وَإِنْ وَقَعَ بِلَفْظِ الخُلْعِ، أَو الفَسْخِ، أَو الفِدَاءِ، وَلَمْ يَنْوِهِ طَلاَقاً، كَانَ فَسْخاً لاَ يُنَقِّصُ عَدَدَ الطَّلاَقِ،
.........
قوله: «وإن وقع بلفظ الخلع أو الفسخ أو الفداء ولم ينوه طلاقاً كان فسخاً لا ينقص عدد الطلاق».
هاتان صورتان أخريان، فإذا وقع بلفظ الخلع، أو الفسخ، أو الفداء وما أشبهه ولم ينوِ أنه طلاق فهو فسخ، فإن نواه طلاقاً فهو طلاق، فإذا قال: خالعت زوجتي على ألف ريال فهو فسخ، فإن نوى الطلاق صار طلاقاً، وإذا قال: فسخت زوجتي على ألف ريال فهو فسخ، وإذا قال: فاديت زوجتي بألف ريال فهو فسخ، إذاً ألفاظ الفسخ ثلاثة، الخلع، والفسخ، والفداء، بشرط ألا ينوي بذلك الطلاق، فإن نوى بذلك الطلاق فهو طلاق، والصواب أنه فسخ ولو نوى الطلاق، ولو تلفظ بالطلاق، وبهذا تكون الصور أربعاً: أن يكون بلفظ الطلاق، أن يكون بكنايته وقصده، أن يكون
بلفظ الخلع بدون نية الطلاق، أن يكون بلفظ الخلع بنية الطلاق.
فإن وقع بلفظ الطلاق فهو طلاق كما سبق، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو قولٌ وسطٌ بين قولين.
القول الثاني: أنه طلاقٌ بكل حال حتى لو وقع بلفظ الخلع أو الفسخ، وهذا القول لا شك أنه ضعيف.
القول الثالث: أنه فسخٌ بكل حال ولو وقع بلفظ الطلاق، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو المنصوص عن أحمد، وقول قدماء أصحابه، كما حكاه شيخ الإسلام، وعلى هذا فلا عبرة باللفظ، بل العبرة بالمعنى، فما دامت المرأة قد بذلت فداء لنفسها، فلا فرق أن يكون بلفظ الطلاق، أو بلفظ الخلع، أو بلفظ الفسخ.
وهذا القول قريبٌ من الصواب، لكنه ما زال يشكل عندي قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لثابت بن قيس رضي الله عنه: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» 1 بهذا اللفظ، إلا أن الرواة اختلفوا في نقل هذا الحديث، فالحديث الذي فيه «طلقها تطليقة» كأن البخاري يميل إلى أنه مرسل، وليس متصلاً، وأما الأحاديث الأخرى: «فاقبل الحديقة وفارقها» 2 بهذا اللفظ، فإذا تبين أن الراجح من ألفاظ الحديث: «اقبل الحديقة وفارقها» فلا شك إن
الصواب قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ومن تابعه، وأما إذا صحت اللفظة: «اقبل الحديقة وطلقها تطليقة» فإنه واضح أنه طلاق، ولا يمكن للإنسان أن يحيد عنه، وتحمل رواية «فارقها» على أن المراد فارقها فراق طلاق.
وَلاَ يَقَعُ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ خُلْعٍ طَلاَقٌ وَلَوْ وَاجَهَهَا بِهِ،
......
قوله: «ولا يقع بمعتدةٍ من خلع طلاقٌ ولو واجهها به» المعتدة من خلع لا يقع عليها الطلاق؛ لأنها بانت من زوجها، وعليها العدة، وأفاد المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الخلع يوجب العدة، وعلى هذا فيجب عليها أن تعتد كما تعتد المطلقة تماماً، إن كانت تحيض فبثلاث حيض، وإن لم تكن من ذوات الحيض فبثلاثة أشهر، وإن كانت حاملاً فبوضع الحمل.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن المختلعة لا تعتد، وإنما تُستبرأ، وهذا القول هو الصحيح أنه لا عدة عليها، وإنما عليها استبراء، فإذا حاضت مرة واحدة انتهت عدتها؛ لأن ظاهر القرآن أن العدة إنما هي على المطلقة قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]، فدلت الآية على أن التي يلزمها ثلاثة قروءٍ إنما هي المطلقة، وهذا هو الذي صح عن أمير المؤمنين عثمان 1 ـ رضي الله عنه ـ.
فإن قال قائل: إذا قلتم: إن المختلعة لا يجب عليها إلا استبراء فقط، وعللتم ذلك بأنها بانت من زوجها، فقولوا:
في المطلقة ثلاثاً ما عليها إلا استبراء؛ لأن الزوج لا يملك الرجعة.
فالجواب على ذلك بأحد وجهين: إما بالتسليم، وإما بإيجاد فرق، أما التسليم فأن نقول: نعم المطلقة ثلاثاً لا يجب عليها ثلاثة قروء، بل لا يجب عليها إلا استبراء فقط، والآية ظاهرة في ذلك لقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاَحًا﴾ [البقرة: 228] فعندنا عموم في أول الآية، وخصوص في آخرها، وإذا رددنا آخرها على أولها صار المراد بالعموم الرجعيات؛ لأن الله قال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ﴾ والمطلِّق ثلاثاً ليس بعلاً، وقال: ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ والبائن بالثلاث ليس لزوجها حق الرجعة عليها، فحينئذٍ تكون المطلقة ثلاثاً لا يلزمها إلا استبراء، حيضة واحدة، إن كانت من ذوات الحيض، أو شهر واحد إن كانت ممن لا يحيض، أو بوضع الحمل، وليس في وضع الحمل إشكال؛ لأنه تتفق فيه كل العدد، ولهذا يسمون عدة الحامل أم العدد.
أو نقول بالفرق، وهو أن بعضهم حكى إجماع أهل العلم على أن المطلقة ثلاثاً يلزمها ثلاثة قروء، بينما المختلعة فيها خلاف حتى عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، وما دمنا أوجدنا الفرق فالإلزام لا يثبت، ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إن كان أحد قال بأن المطلقة ثلاثاً لا يلزمها إلا حيضة واحدة ـ استبراء ـ فهذا هو الحق.
قال صاحب الاختيارات: إنه قد نقل عن ابن اللبان القول بذلك، وعلى هذا فيكون قولَ شيخ الإسلام، وأن
المطلقة ثلاثاً تستبرأ فقط؛؛ لأن مقتضى النظر أن من لا رجعة عليها، لا تعتد إلا بحيضة، تُرك في المطلقة ثلاثاً؛ لأنه خلاف الإجماع.
وقوله: «ولا يقع بمعتدة طلاق» يعني حتى ولو قال: أنت طالق فإنه لا يقع الطلاق؛ ووجه ذلك أنها بالبينونة صارت غير زوجة، والطلاق إنما يكون للزوجة، هذا وجه الحكم من النظر، أما الأثر فقال في الروض 1: روي عن ابن عباس وابن الزبير ـ رضي الله عنهم ـ، ولم يعلم لهما مخالف، فيكون الدليل قول الصحابة والتعليل.
وقوله: «ولو واجهها به» بأن يقول: أنت طالق، وضد المواجهة أن يقول: فلانة طالق.
ويقع الطلاق على زوجة في عصمته لو طلقها ولو بدون مواجهة، فلو قال: زوجتي فلانة طالق، تطلق، وكذلك ـ أيضاً ـ لو قال على سبيل التعميم: كل زوجاتي طوالق، فإن المختلعة التي في عدتها لا يقع عليها الطلاق، فضد المواجهة صورتان:
الأولى: التعميم.
الثانية: التعيين بالاسم.
وقوله: «ولو واجهها» هذا إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: إنه إذا واجه المخالعة بالطلاق فإنها تطلق، ولكنه قول لا دليل عليه، لا من أثر، ولا من نظر، ودليلهم لأنها إلى
الآن لها تعلق به من جهة الاعتداد، أو الاستبراء على الخلاف، لكن يقال: هذا لا يعني أنها زوجته، فهي ليست بزوجة له، حتى وإن كانت في عدته.
وَلاَ يَصِحُّ شَرْطُ الرَّجْعَةِ فِيهِ، ..........
قوله: «
ولا يصح شرط الرجعة فيه
» أي: في الخلع، بأن قال: أنا أخالعك، لكن لي أن أرجع في الخلع، فأعطيك العِوَض وأراجعك، وقد علم أن الرجل إذا خالع زوجته وسلمته العوض، وقال: خالعتك على هذا العوض انقطعت الصلة بينهما؛ لأن هذا افتداء، فلا يمكن أن يرجع عليها إلا بعقد جديد ورضا.
مثاله: خالعها بألف ريال وسلمته إياه، وقال: خالعتك على هذا الألف، لكنه اشترط، قال: إن بدا لي أن أرجع فإني أرد العوض وأراجعك، يقول المؤلف: إن شرط الرجعة فيه غير صحيح.
وهنا سؤال لماذا صح الخلع وبطل الشرط؟
يقولون: بطل الشرط؛ لأنه ينافي مقصود الخلع؛ إذ إن مقصود الخلع هو التخلص من هذا الزوج، فإذا شرط أن له أن يرجع فإن هذا المقصود يفوت الزوجةَ.
ويصح الخلع؛ لأن هذا الشرط لا يعود إلى صلب العقد، فهو لا يتضمن جهالة، ولا وقوعاً في محرم، غاية ما هنالك أنه شرط فاسد ألغي، كما ألغى النبي صلّى الله عليه وسلّم شرط أهل بريرة ـ رضي الله عنها ـ أن يكون الولاء لهم، وصحح العقد 1،
فالشرط الفاسد يَفْسد، والعقد ما دام لا يوجد ما ينافي أصله فإنه يبقى صحيحاً.
وهذا له نظائر كثيرة مرت علينا في الشروط في النكاح، وفي الشروط في البيع، وفي الشروط في الرهن، وفي الشروط في الوقف، أن هناك شروطاً فاسدة تفسد بنفسها ولا تفسد العقد.
وقال بعض العلماء: إن الخلع لا يصح؛ لأن هذا الشرط يبطل المقصودَ من أصله؛ إذ إنه يجعل الخلع اللازم جائزاً، متى ما شاء أبطله، فهو كما لو وقف شيئاً واشترط أن يبيعه متى شاء، فإن المشهور من المذهب أن هذا شرط يبطل الوقف، ويكون الوقف غير صحيح، وفيه خلاف.
القول الثالث: صحة الشرط والخلع، لأن هذا الشرط ثبت باختيارهما، ولم يكرهها عليه، والأصل في الشروط الصحة، نعم هو ينافي المقصود من الخلع، لكن حق الزوجة، فإذا رضيت بإسقاطه فإن الحق لها.
لكن المذهب في هذه المسألة هو أقرب الأقوال؛ لأنها قد تغتر عند عقد الخلع، وتوافق على هذا الشرط، ثم بعد ذلك تندم.
وأما من قالوا: إن الخلع لا يصح، وأنه يجب عليه أن يرد عليها ما أخذ منها، وله أن يراجعها فلا وجه له؛ لأن العقد وقع باتفاقهما وبرضاهما.
مسألة: إذا اشترط الخيار في الخلع مدة العدة أو الاستبراء، فهذه المسألة فيها خلاف، المذهب أنه لا يصح شرط
الخيار فيه؛ لأنه ليس عقد معاوضة محضة، ولو كان عقد معاوضة محضة لصح فيه شرط الخيار كالبيع، بل أهم ما فيه الفراق.
القول الثاني: أنه يصح شرط الخيار فيه، وإذا اختار أحدهما الرجوع فإنه يرجع؛ لأن الحق لهما، والذي يظهر أنه يصح الشرط؛ لأن هذه ليست كالمسألة الأولى، فالرجعة في المسألة الأولى للزوج، أما هذا فالخيار لهما جميعاً، مع أنه قد يقول قائل: إذا اختار الزوج فإن الزوجة تجبر على الموافقة، وحينئذٍ نعود إلى أنه كشرط الرجعة تماماً، إلا أن الرجعة من جانب واحد، وهذا من جانبين.
وَإِنْ خَالَعَهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ بِمُحَرَّمٍ لَمْ يَصِحَّ،
........
قوله: «وإن خالعها بغير عوض أو بمحرم لم يصح» لقوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، فإذا خالعها على غير عوض فأين الفداء؟! لا فداء، وهذا هو المذهب.
وقال شيخ الإسلام: يصح أن يخالعها على غير عوض، وعلل ذلك بأمرين:
أحدهما: أن العوض حق للزوج، فإذا أسقطه باختياره فلا حرج، كغيره من الحقوق، فكما أنها لو خالعته على ألف ريال وتم الخلع ثم أبرأها منه، فلا حرج، فكذلك إذا اتفقا من أول الأمر على أنه لا عوض.
الثاني: أنه إذا خالعها فإنه يخالعها على عوض؛ لأنها تسقط حقها من الإنفاق؛ لأنه لو كان الطلاق رجعياً لكانت النفقة مدة العدة على الزوج، فإذا خالعته فلا نفقة عليه، فكأنها بذلت له عوضاً، فهي قد أسقطت الحق الذي لها من النفقة على الزوج،
وهو قد أسقط الحق الذي له من الرجعة، فالرجعة حق للزوج، والنفقة مدة العدة حق للزوجة، فإذا رضيا بإسقاطهما في الخلع فلا مانع.
ويجيب عن الاستدلال بالآية بأن الغالب أن الزوج لا يفارق زوجته إلا بعوض، ولهذا قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، وما قاله الشيخ ـ رحمه الله ـ جيد؛ لأنه في الحقيقة خلع على عوض، وهو إسقاط النفقة عنه، وما قاله ـ رحمه الله ـ ظاهر جداً، إلا فيما إذا كان الخلع بما يقتضي الطلاق على المذهب، وكان آخر ثلاث تطليقات، فإن المطلقة ثلاثاً ليس لها على زوجها نفقة، وحينئذٍ لا يستفيد الزوج، ولكن يقال: إذا رضي بهذا فالحق له، فإذا خالعها بغير عوض، وقلنا: على المذهب لم يصح، وإذا لم يصح فإن وقع بلفظ الطلاق أو نيته فهو طلاق، وإن وقع بلفظ الخلع فليس بشيء.
وقوله: «أو بمحرم» مثل الخمر، فلو خالعها على عشرين جرة خمر، فهذا لا يصح؛ لأن الخمر لا يصح أن يكون عوضاً، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله حرم بيع الخمر» 1، وكذلك الدخان لا يصح أن يكون عوضاً؛ لأنه محرم، وكذا الخنزير، والمال المسروق.
فإن كانا لا يعلمان أنه محرم فإن الخلع يصح، ولها قيمته، مثل ما لو خالعته على ولد لها من غيره، قالت: هو لك عبد؟
فهذا لا يجوز؛ لأنه حر، فإذا كانا لا يعلمان أنه حر فله مثل قيمته عبداً، وإذا لم يصح الخلع، فماذا يكون؟ يقول المؤلف:
وَيَقَعُ الطَّلاَقُ رَجْعِيًّا إِنْ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ أَوْ نِيَّتِهِ، وَمَا صَحَّ مَهْراً صَحَّ الْخُلْعُ بِهِ، وَيُكْرَهُ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا،
.........
«ويقع الطلاق رجعياً»؛ لأن العوض لم يصح، فوجوده كعدمه.
قوله: «إن كان بلفظ الطلاق أو نيته»، مفهومه أنه إن كان بغير لفظ الطلاق أو بغير نيته، مثل أن يكون بلفظ الخلع أو الفداء أو الفسخ فإنه لا يقع؛ لأنه ليس بصحيح.
قوله: «وما صح مهراً صح الخلع به»، «ما» موصولة، أو شرطية، والشرطية أقرب؛ لأنها تكون جملة مرتباً بعضها على بعض، «وما صح مهراً» يعني كل شيء يصح مهراً فإنه يصح الخلع به، فيصح أن تعطيه دراهم، ويصح أن تعطيه ثياباً وعرضاً، ويصح أن تعطيه عقاراً، ويصح أن تخالعه على تعليم، فهو علمها سورة البقرة مهراً، وهي تعلمه سورة آل عمران خلعاً، فهذا يجوز على الصحيح، فما صح مهراً من مال، أو منفعة فإنه يصح الخلع به؛ ووجه ذلك أن المهر إنما أخذ لاستباحة البضع، وهذا أخذ لفكاك البضع، فالأمر فيه ظاهر.
قوله: «ويكره بأكثر مما أعطاها» أي: يكره الخلع بأكثر مما أعطاها، وظاهر كلامه صحته بأكثر مما أعطاها، وهذه المسألة مما اختلف فيه العلماء، فقال بعض العلماء: إنه يجوز بالمال قل أو كثر، واستدلوا لجواز الزيادة بعموم قوله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، «وما» اسم موصول تفيد العموم
من قليل وكثير، فهو عام لما تفتدي به نوعاً، وجنساً، وكمية، وكيفية.
وقال آخرون: لا يزيد على ما أعطاها؛ لأن قوله: ﴿فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ عائد على ما سبق؛ لأنه قال: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَنْ يَخَافَا أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: مما آتيتموهن فقط، ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى ثابت بن قيس ـ رضي الله عنه ـ أن يزيد في خلعه فقال له: «خذ الحديقة ولا تزدد» 1.
ولأن هذا الزائد عما أعطاها أكل للمال بالباطل؛ لأنه ليس في مقابلة شيء، نعم ما أُخذ منه له أن يسترجعه لكن ما زاد ففي أي مقابل؟!
وأجاب القائلون بالجواز عن الحديث بأنه ضعيف، والحديث الضعيف لا تقوم به حجة كما هو معلوم، وعلى فرض صحته فهو من باب الإرشاد والتوجيه؛ لأنه لا شك أن كون الزوج يطلب أكثر مما أعطاها أمر غير مستساغ، فالرجل استحل فرجها واستمتع بها وشغلها، ثم في النهاية يقول: أريد أكثر من المهر، فالمروءة لا تسوِّغ هذا.
وأجابوا عن قولهم بأن أخذه أكثر مما أعطى أخذ بغير حق، قالوا: بل هو أخذ بحق؛ لأن هذا الرجل يملك هذه المرأة
إلى الموت فهو حق له، ثم إنه قد يقول: أنا إن تركتها فمتى أجد امرأة؟
ثم قد يكون ـ أيضاً ـ أعطاها المهر في وقت رخص، والآن المهور زائدة مرتفعة، فهذا الذي أخذ منها يمكن أن يأتي له بزوجة، ويمكن ألا يأتي.
والأرجح أن له أن يأخذ أكثر مما أعطى، إلا إذا صح الحديث، ولكن الحديث لا يصح، فإن وجد له شواهد، وإلا فهو بسنده المعروف ضعيف، لكن المروءة تقتضي ألا يأخذ منها أكثر مما أعطاها.
بقي علينا مسألة مهمة، لو أننا ما تمكنا من الجمع بين الزوجين بأي حال من الأحوال، فأبى أن يطلق، وأبت هي أن تبقى عنده، فذهب بعض أهل العلم إلى وجوب الخلع حينئذ بشرط أن ترد عليه المهر كاملاً، ذهب إلى هذا بعض علماء الحنابلة، وشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ يقول عنه تلميذه ابن مفلح: إن شيخنا اختلف كلامه في هذه الصورة، هل يجب الخلع أو لا؟ مع أن بعض علماء الحنابلة صرح بوجوب الخلع والإلزام به، واستدلوا بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لثابت ـ رضي الله عنه ـ: «خذ الحديقة وطلقها»، وقالوا: الأمر للواجب؛ ولأنه لا سبيل إلى فك هذا النزاع والشقاق إلا بهذا الطريق، وفك النزاع والشقاق بين المسلمين أمر واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهذا القول هو الصحيح؛ لأنه لا مضرة عليه، فماله قد جاءه، وبقاؤهما هكذا، هي معلقة لا يمكن أن تتزوج، وهو كذلك غير
موفق في هذا النكاح لا ينبغي، لا سيما إذا ظهر للقاضي أن البلاء من الزوج، مثل أن يكون لا يصلي وتتعذر إقامة البينة عليه، ففي مثل هذه الحال القول بالوجوب قوي جداً.
وَإِنْ خَالَعَتْ حَامِلٌ بِنَفَقَةِ عِدَّتِهَا صَحَّ، وَيَصِحُّ بِالمَجْهُولِ، فَإِنْ خَالَعَتْهُ عَلَى حَمْلِ شَجَرَتِهَا، أَوْ أَمَتِهَا،
قوله: «وإن خالعت حامل بنفقة عدتها صح»، الحامل إذا طلقت فعلى زوجها أن ينفق عليها، قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 6]، فأوجب الله ـ عزّ وجل ـ على الزوج الإنفاق إذا كانت حاملاً، فليس لازماً أن المختلعة تبذل دراهم، فمثلاً لو خالعت بنفقة عدتها يصح، كامرأة حامل طلبت من زوجها أن يخالعها، فقال: أعطيني عوضاً، قالت: العوض أني أسقط عنك نفقة الحمل، فيصح؛ لأنها خالعته بعوض في الواقع، إذ إنه لو لم تخالعه لوجب عليه أن ينفق، مع أن النفقة في هذه الحال واجبة، لكن هل هي للمرأة، أو للحمل من أجل المرأة؟
العلماء اختلفوا في الإنفاق على الحامل المعتدة، فقال بعضهم: إن الإنفاق للزوجة من أجل الحمل، وقيل: إن الإنفاق للحمل، وهذا هو المذهب، ويترتب على هذا مسائل ذكرها ابن رجب في القواعد، منها إذا قلنا: إن النفقة للمرأة وجب عليه إخراج زكاة الفطر عنها؛ لأنه ينفق عليها في رمضان، وإذا قلنا: النفقة للحمل لم يجب عليه؛ لأن الإخراج عن الجنين ليس بواجب.
والصحيح أن النفقة سببها الأمران جميعاً، ودليل هذا أنه على القول الراجح لو مات الحمل في بطنها وجبت النفقة.
فإذا قال قائل: كيف يصح على المذهب أن تخالع الحامل بعدة نفقتها، مع أن النفقة على المذهب للحمل ليس لها؟ قلنا: هذا وارد، والجواب عليه أن حقيقة المنتفع بهذه النفقة هو المرأة، ثم على فرض أن هذه النفقة للحمل حقيقة وحكماً، فإن هذه المرأة التزمت أن تقوم بها عن زوجها، وبهذا تكون قد بذلت العوض على كل تقدير.
قوله: «ويصح بالمجهول» يعني يصح أن يخالع الرجل زوجته على شيء مجهول، لكن إذا آل إلى العلم، مثال ذلك: يقول:
«فإن خالعته على حمل شجرتها» صح، قالت: أريد أن تخالعني على حمل هذه النخلة، والنخلة إلى الآن ما أطلعت فيصح، مع أننا لا ندري هل تخرج قنواً واحداً، أو قنوين، أو ثلاثة، أو عشرة، أو لا تخرج شيئاً، فكيف صح ذلك مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر 1؟ أجابوا عن هذا بأن هذا ليس معاوضة محضة، وإنما الغرض منه التخلص من هذا الزوج، فإذا رضي بأي عوض وهو غير محرم شرعاً فله ذلك.
قوله: «أو أمتها» أي: إذا خالعته على حمل أمتها يصح كالشجرة، أو على حمل بقرتها، أو على حمل شاتها، كل هذا يصح، وإن كان مجهولاً؛ لأنه ليس الغرض من ذلك المعاوضة والمرابحة، إنما الغرض الفداء.
أَوْ مَا فِي يَدِهَا، أَوْ بَيْتِهَا مِنْ دَرَاهِمَ، أَوْ مَتَاعٍ، أَوْ عَلَى عَبْدٍ صَحَّ، وَلَهُ مَعَ عَدَمِ الحَمْلِ وَالمَتَاعِ وَالعَبْدِ أَقَلُّ مُسَمَّاهُ، وَمَعَ عَدَمِ الدَّرَاهِمِ ثَلاَثَةٌ.
قوله: «أو ما في يدها أو بيتها من دراهم أو متاع» أي: لو صالحته على ما في يدها، أو بيتها من دراهم أو متاع، بأن قالت: أخالعك على ما في يدي من دراهم يصح، كذلك ما في بيتها من متاع، بأن قالت: أخالعك على كل المواعين التي في البيت لك، يصح؛ والسبب في كونه يصح مع هذه الجهالة العظيمة، أن الغرض التخلص من الزوج، وليس معاوضة محضة.
قوله: «أو على عبدٍ صح»، أي قالت: أخالعك على عبد، أو على شاة، أو على بقرة، أو على سيارة، ولم تعين يصح، حتى وإن لم تقل: من سياراتي، أو من عبيدي، أو ما شابه ذلك.
قوله: «وله مع عدم الحمل والمتاع والعبد أقل مسمَّاه»، يعني لو فرضنا أن الشجرة ما حملت، فله أقل مسمى، وظاهر كلام المؤلف: أنه ما يعطى الوسط، بل يعطى أقل ما تحمل، وأقل ما تحمل النخلة قنواً واحداً،
فنقول: نعطيك قنواً واحداً، وأقل ما تحمل الشاة أو الأمة واحداً، ومع عدم المتاع أقل ما يسمى متاعاً، حتى ولو كان بساطاً.
وقوله: «أقل مسماه» صريح في أننا نرجع إلى العرف، فما سمي متاعاً أو حملاً رجعنا فيه إلى ذلك، لكن بشرط ألا يكون معيباً؛ لأن الأصل السلامة.
فلو قال قائل: إنه في مسألة الحمل والمتاع يعطى الوسط لكان له وجه؛ لأننا إذا أعطيناه الوسط ما ظلمناه ولا ظلمناها، فإن قيل: هذا القول يرد عليه أنه لو حملت النخلة قنواً واحداً، فنقول: الفرق ظاهر؛ لأنه إذا حملت فقد حصل له ما عين فليس له أكثر منه، أما مع عدم الحمل فيحتمل أن لا تحمل إلا قنواً واحداً، ويحتمل أن تحمل عشرين قنواً، فنحن لا نظلمها فنقول: أعطيه عشرين قنواً، ولا نظلمه فنقول: يأخذ قنواً واحداً، بل يرجع في ذلك إلى الوسط.
قوله: «ومع عدم الدراهم ثلاثة» لأن أقل الجمع ثلاثة، فإن كان في يدها درهمان، فما له إلا الذي في اليد، ولو كان بلفظ الجمع؛ وذلك لأنه عُين بما في يدها فيتقيد به، بخلاف إذا لم يكن شيء، ولو كان في يدها شيء لكنه نوًى، فوجوده كالعدم؛ لأنه ليس بدراهم.
وكل هذه المسائل الأخيرة مسائل فرعية يعني هذه غالباً لا تقع، لكن الفقهاء يفرضون أشياء، وإن كانت غير واقعة؛ للتمرين على القواعد العامة، ولهذا فإن بعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ قال: هذه المسألة لا تصح لكثرة الغرر والجهالة فيها.
فمثل هذه الأمور التي يعظم فيها الخطر ينبغي ألا نصححها؛ لأن الزوج في هذه الصور يكون من جنس المغبون في البيع والشراء، والمغبون في البيع والشراء له الخيار.