الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 155-194
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الأَيْمَانِ

صفحات 155-194
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الظهار بيد الرجل، والمذهب يقولون: عليها كفارة ظهار، وليس بظهار، فلزوجها أن يجامعها، ولكن الصحيح أن عليها كفارة يمين.
وقوله: «وتلزمه كفارة يمين إن فعله» فإن لم يفعل فلا شيء عليه.
وإذا قال الرجل: هو يهودي، أو نصراني، أو مجوسي، أو بريء من الإسلام، أو شيوعي إن فعل كذا وكذا، فهل هذا حكمه حكم اليمين، أو هو تَقوُّلٌ فقط؟ بعض العلماء يقول: حكمه حكم اليمين؛ لأن هذه الأمور مكروهة عنده، ولهذا جعل فعل هذا الشيء وكراهته له ككراهته أن يكون يهودياً، أو نصرانياً، أو شيوعياً، أو ما أشبه ذلك، وعلى هذا فيكون حكمه حكم التحريم، أي: تحريم المباح، فيلزمه كفارة يمين، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو مروي عن ابن عمر رضي الله عنهما وغيره من السلف.
وقال بعض العلماء: إنه لا كفارة عليه؛ لأن هذا ليس يميناً، وليس في معنى ما ورد من اليمين، ولكن الصحيح أن حكمه حكم اليمين.


فَصْلٌ

يُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عَتْقِ رَقَبَةٍ.

قوله: «يخير» أي: يفعل ما يشاء، أو خير الأمرين، وهل هو تخيير إرادة وتشهٍّ، أو هو تخيير مصلحة؟ فيه تفصيل: إذا كان المقصود به التيسير على المكلف فهو تخيير إرادة وتشهٍّ، وإذا كان المقصود به مراعاة المصلحة فهو تخيير مصلحة.
خيَّر الله ـ عزّ وجل ـ الحانث في يمينه بين أمور، فهل هو للمصلحة أو للتيسير والتسهيل؟ الجواب: للتيسير والتسهيل؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ﴾ الآية، فإذا كان للتيسير والتسهيل فأنا أفعل ما هو أسهل وأيسر لي.
وقال ـ تعالى ـ في فدية الأذى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]، فهذا تخيير تشهٍّ وإرادة، حتى لو كانت المصلحة في ذبح الشاة فلا يلزمه ذلك، والأمر موكول إليه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]، فهذا التخيير تخيير مصلحة على القول بأن الآية للتخيير، وبعض العلماء يقول: الآية للتنويع، لكن على القول بأنها للتخيير، فهو تخيير مصلحة، يعني يتبع في ذلك ما هو أصلح وأردع.
وإذا قيل لولي اليتيم: أنت بالخيار بين أن تقرض ماله، أو تدفعه مضاربة، أو تحفظه عندك، فالتخيير هنا مصلحة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152].

فالقاعدة أنَّه إذا خير الإنسان بين شيئين، أو أشياء، فإن كان المقصود بالتخيير التيسير فالتخيير تشهٍّ وإرادة، وإذا كان المقصود المصلحة فهو تخيير مصلحة، بناءً على قاعدة أن كل من خُيِّر بين شيئين وهو متصرف لغيره، فتخييره مصلحة، وليس تخيير تشهٍّ.
قوله: «من لزمته كفارة يمين» تلزم الكفارة إذا تمت الشروط السابقة، وهي ثلاثة شروط على كلام المؤلف، وزدنا شرطاً رابعاً وهو أن يكون عالماً.
مثال ذلك: رجل قال: والله ليقدمن زيد غداً، فلم يقدم، فعلى المذهب تلزمه الكفارة، وعلى القول الراجح لا تلزمه؛ لأنه يُخبر عمَّا يغلب على ظنه.
ولو قال رجل لأخيه عند دخول الباب: والله لتدخلن، وقصد عقد اليمين، فقال أخوه: لا أدخل قبلك، بل ادخل أنت، فهل يحنث الحالف وتلزمه الكفارة؟ هذه المسألة فيها خلاف، فالمشهور من المذهب أن الكفارة تلزمه؛ لأنه قصد اليمين وحنث في يمينه.
والقول الثاني: لا تلزمه إذا كان قصده الإكرام؛ لأن الإكرام حصل بيمينه، فقوله: والله لتدخلن، كقوله: والله إني لأكرمك، فهذا هو المقصود؛ لأنه ليس هدفه من أن يدخل قبله إلا الإكرام، فكأنه حلف على الإكرام الحاصل.
قالوا: وعلى هذا تُخَرَّج قصة أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ، لما قدم الطعام للضيفان، فقال الضيفان له: كل، فقال: والله ما آكل، فقالوا لزوجته: كلي، فقالت: والله ما آكل، فقال الضيفان:

والله ما نأكل، فحلفوا كلهم، فقال أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ: هذا من الشيطان وأكل، وأكلوا بعد ذلك، فلما أصبحوا غدوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وأخبروه، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم لأبي بكر رضي الله عنه: «أنت أبرهم وخيرهم» 1، ولم يأمره بالكفارة.
وهذا الحديث اختلف فيه العلماء، فبعضهم قال: لم يأمره بها؛ لأن الكفارة معلومة، وفعل أبي بكر رضي الله عنه من باب الحنث في اليمين إذا كان خيراً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه: «إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فكفِّر عن يمينك، وائت الذي هو خير» 2، فهذا من باب الحنث للخير، والكفارة لا تسقط به.
وقال بعض العلماء: ليس هذا حنثاً في الواقع؛ لأن أبا بكر لم يقصد إلزامهم بذلك، وإنما قصد إكرامهم به، والإكرام حصل، ثم هؤلاء الذين أبوا أن يأكلوا قصدوا إكرامه أيضاً، فالإكرام حصل من الطرفين، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وقال: إن الحنث معناه الإثم، فأبو بكر ما قصد الإلزام، وهم ما قصدوا تحنيث أبي بكر، فكل منهم قصد الإكرام، والإكرام قد حصل، فحينئذ لا يكون هناك حنث، ولا شك أن دلالة حديث أبي بكر رضي الله عنه على ما اختاره شيخ

الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ واضحة، وهذا القول في الحقيقة فيه فرج للناس؛ لأن الناس دائماً يحلفون هذه الأيمان، أما إذا قصد الإلزام فواضح أنه يحنث.
تلخّص لنا أن بعض العلماء يقول: إذا لم يكن القصد باليمين الإلزام إنما قصده الإكرام فإنه لا يحنث بالمخالفة؛ لأن الإكرام حصل، فكأن صاحب اليمين يقول: والله إني أكرمك بهذا، وقد تم، وعندي أنه لا ينبغي الإكثار من الحلف للإكرام؛ لأن فيه إحراجاً، ولأنه عند الجمهور فيه كفارة بالحنث فيه.
والكفارة تجب على الفور؛ وقد بينا 1 في أصول الفقه أن الواجبات تجب على الفور.
ولو قال رجل لآخر: إن فعلت كذا فزوجتي طالق فهل يقع به الطلاق؟ فالجواب: هذا يمين لأن هذا اللفظ جاء به المتكلم للتوكيد.
يعني أن أغلى ما عندي زوجتي ومع ذلك سوف أرخصها من أجلك لتأكيد الإلزام، والحلف بالطلاق لم يكن في عهد الصحابة ولذلك لم ترد به الآثار ولكن كان في عهد الصحابة الإقسام بالنذر وقد جعل الفقهاء حكمه حكم اليمين.
فكل من حلف قاصداً به الامتناع فهو يمين سواء حلف بالطلاق أو الظهار أو التحريم أو الوقف أو غير ذلك.
وقوله: «يخير من لزمته» احترازاً ممن لا تلزمه.
قوله: «بين إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو عتق رقبة»

انتقد النحويون على الفقهاء كلمة «أو» في هذا المكان؛ لأنها لا تستقيم مع التخيير، وكان عليهم أن يقولوا: يخير بين إطعام عشرة مساكين، وكسوتهم، وتحرير رقبة، ولا نستدل بالآية الكريمة؛ لأن الآية الكريمة فيها: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] ليس فيها «يخيَّر»، فـ (أو) لا حاجة لنا أن نأتي بها، لأنا إذا أتينا بها جمعنا بين الفعل الدال على التخيير، والحرف الدال على التخيير، وهذا لا حاجة إليه.
ولكن قال بعض النحويين: إن هذا جائز وسائغ، وتكون «أو» هنا بمعنى «الواو» ولا حرج.
وقوله: «بين إطعام عشرة مساكين» المسكين هنا يتناول الفقير، وهو من لا يجد كفايته وكفاية عائلته لمدة سنة.
والإطعام له كيفيتان: الأولى: أن يصنع طعاماً يكفي عشرة مساكين ـ غداء أو عشاءً ـ ثم يدعوهم؛ وذلك لأن الله ـ تعالى ـ أطلق فقال: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ فإذا صنع طعاماً وتغدّوا، أو تعشوا فقد أطعمهم.
الثانية: التقدير، وقد قدَّرناه بنحو كيلو من الأرز لكل واحد، فيكون عشرة كيلوات للجميع، ويحسن في هذه الحال أن يجعل معه ما يؤدِّمه من لحم أو نحوه، ليتم الإطعام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾.
فإن قيل: ما الدليل على تقديره بالكيلو؟ ولماذا لا نقول: نعطيه ما يسد كفايته؟

في الحقيقة ليس هناك دليل واضح في الموضوع، إلا أن يقول قائل: إن دليلنا حديث كعب بن عُجرة ـ رضي الله عنه ـ، حين أذن له النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يحلق، ويطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع 1، فعيَّن لكل مسكين نصف صاع، فيقاس عليه البقية، والمسألة تقريبية، وليست حدّاً معروفاً.
وإذا تأملت وجدت أن الإطعام، والمطعم له ثلاث حالات: تارة يقدَّر المعطى دون الآخذ، وتارة يقدر الآخذ دون المعطى، وتارة يقدر المعطى والآخذ: مثال ما قُدر فيه المعطى دون الآخذ: زكاة الفطر، فهي مقدرة بصاع على كل شخص، لكن لم يقدر فيها من يدفع له، ولهذا يجوز أن توزع الفطرة على أكثر من مسكين، ويجوز أن تعطى عدة فطرات لمسكين واحد، فهذا قدر فيه المعطى دون الآخذ، وإن شئت قلت: قدر فيه المدفوع دون المدفوع إليه.
ومثال ما قدِّر فيه المدفوع والمدفوع إليه: فدية الأذى، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» (1). ومثال ما قدر فيه المدفوع إليه دون المدفوع: كفارة اليمين، ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: ما دام الشرع لم يقدر

لنا، فإن ما يسمى إطعاماً يكون مجزئاً، حتى الغداء أو العشاء.
وقوله: «أو كسوتهم»: أي: كسوة العشرة، سواء كانوا صغاراً أم كباراً.
وكيف نكسوهم، هل بقميص، أو بقميص وسراويل، أو إزار ورداء، وهل مع ذلك عمامة، أو غترة وطاقية، أو مشلح، أو ماذا؟ فنقول: أما الإطعام فقد قال الله تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾، و «أوسط» بمعن وسط، وليس بمعنى الأعلى، استدلالاً بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه إلى اليمن: «وإياك وكرائم أموالهم» 1 فلو أوجبنا الأعلى لكنا أخذنا من كرائم الأموال.
أما الكسوة فإن الله ـ تعالى ـ لم يقيدها بشيء، وعلى هذا فأي شيء يطلق عليه كسوة يحصل به المقصود، فمثلاً عندنا لو أن شخصاً كسا آخر إزاراً من السرة إلى الركبة فهذا لا يسمى كسوة، فهي في كل بلد بحسبه، ففي بلادنا الكسوة تكون درعاً، وهو الثوب، وغترة، وطاقية، أما السراويل فليست لازمة بل هي من كمال الكسوة.
وظاهر الآية الكريمة أنه لا فرق بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، مع أن كسوة الأنثى غالباً أكثر من كسوة الرجل.
وقوله: «أو عتق رقبة» العتق هو تحرير الرقبة وتخليصها من

الرق، وهو مطلق، فظاهره أن الرقبة تجزئ ولو كانت كافرة، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة، وأصحابه، وابن المنذر، وجماعة من أهل العلم، قالوا: لأن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] وأطلق، بينما قال ـ سبحانه ـ في كفارة قتل الخطأ: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، فقيدها الله ـ تعالى ـ بالإيمان، وفي كفارة اليمين والظهار أطلق، وليس لنا أن نقيد ما أطلقه الله، وإذا كنا نقول: إنه لا إطعام في كفارة القتل؛ لأنه لم يذكر، فكذلك نقول: إنه لا يشترط الإيمان في كفارة الظهار، وكفارة الأيمان؛ لأنه لم يذكر.
ثم نقول: آية القتل اشترط الله فيها الإيمان في ثلاثة مواضع، فقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92].
فقيدت الرقبة بالإيمان ثلاث مرات، مع أنه لو كنا نقول بحمل المطلق على المقيد لكان يكفي أن تقيد في الآية الكريمة مرة واحدة، ثم يحمل في الموضعين الآخرين عليها، فإذا كان الله ـ تعالى ـ كلما ذكر العتق يقيده بالإيمان، والسبب واحد وهو قتل النفس المحترمة، دل ذلك على أن الإيمان ليس شرطاً في كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، لا سيما

وأن الجماع في نهار رمضان جاء فيه قصة الرجل الذي جامع في نهار رمضان وجاء يسأل: فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «هل تجد ما تعتق رقبة» 1؟ ولم يقل له: مؤمنة، مع أن المقام يقتضي أن يقول له ذلك، ولهذا كان هذا القول قوياً جداً وهو مذهب الإمام أبي حنيفة وابن المنذر وجماعة من العلماء.
أما الذين قالوا: باشتراط الإيمان فاستدلوا بالقاعدة المعروفة: «أنه يحمل المطلق على المقيد إذا كان الحكم واحداً».
فإن لم يستقم الأمر فإن الإيمان شرط فيها من باب القياس، وذلك بأن يقال: رقبة وجب إعتاقها للخروج من الذنب، فاشترط فيها الإيمان، كالرقبة الواجبة في كفارة قتل الخطأ.
ولكن قد يُعارض ذلك، فأما الأول وهو حمل المطلق على المقيد، فقد نقول: إنه لا حمل هنا؛ لأن الحكم مختلف، ففي كفارة القتل عتق، وصيام بدون إطعام، وفي كفارة الظهار والجماع في نهار رمضان عتق، وصيام، وإطعام، وفي كفارة اليمين الاختلاف واضح، فهو إطعام، وكسوة، وعتق، وصيام، فيختلف اختلافاً بيناً عن كفارة القتل.
وأيضاً السبب مختلف، وإن كان اختلاف السبب لا يؤثر، لكن لا بد أنَّ مؤثراً أثَّر في الحكم.
وأما القول بالقياس، فإن القياس هنا قد يكون ممنوعاً؛

وذلك لأن القتل أعظم ذنباً من كفارة اليمين، فكفارة اليمين الحنث فيها مباح، والقتل محرَّم ومغلظ، فلا يقاس هذا على هذا.
فإن قلت: بماذا تجيب عن حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه حين أخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن له جارية غضب عليها، فصكَّها ـ أي: ضربها ـ وأنه يريد أن يعتقها، فدعاها النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال لها: «أين الله؟» قالت: في السماء، قال: «من أنا؟»، قالت: أنت رسول الله، قال: «أعتقها فإنها مؤمنة» 1. فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أعتقها فإنها مؤمنة»، جملة تعليلية، أي: لإيمانها أعتقها، أفلا يدل هذا على أن غير المؤمن ليس محلاً للعتق؟ فالجواب: بلى، هو يدل على أن الإيمان شرط.
أيضاً لو أعتقنا الكافر فإنه يتحرر، ولا يُؤمَن أن يلحق بدار الكفر، فيكون في ذلك ضرر عليه وعلينا، أما الضرر عليه فلأنه إذا لحق بدار الكفر فيكون أبعد لإسلامه، والضرر الذي علينا فلأنه قد يعين الكفار على المسلمين في يوم من الأيام، لا سيما إذا كان فيه حنق على المسلمين وكان جلداً شجاعاً.
ولهذا نقول: لا تعتق الكافر مطلقاً، إلا إذا أسلم.
وهذا في الحقيقة هو الذي يمنع من أن يرجح الإنسان الإطلاق في كفارة اليمين والظهار.
فإذا أردنا أن نخرج من المتشابه فلا نعتق إلاّ مؤمنة؛ لأنك

إذا أعتقت مؤمنة أبرأت ذمتك بلا خلاف، وإن أعتقت كافرة فقد أبرأت ذمتك على قولٍ من الأقوال، قد يكون هذا الصواب عند الله تعالى، وقد يكون الصواب خلافه، هذا إذا جاء يسألنا في ابتداء الأمر فنقول له: أعتق رقبة مؤمنة فهو أحوط لك، واتَّقِ الشبهات.
وأما رجل قد أعتق ورأى أنه قد أبرأ ذمته إما جهلاً، وإمَّا تقليداً لقول بعض العلماء، فهذا لا نأمره بإعادة العتق؛ لأن أمرنا إياه بإعادة العتق مقتضاه القضاء عليه بالغرم، وهو أمرٌ غير متيقن، فنكون ارتكبنا مفسدة التغريم بدون دليل بيِّن، وحينئذٍ يكون الحكم عليه بإبراء ذمته هو الاحتياط، ولهذا كثير من العلماء في مثل هذه الأمور المشتبهة التي تعارضت فيها الأدلة، أو تكافأت فيها أقوال العلماء إذا لم يكن هناك دليل، يفرقون بين الشيء إذا وقع، وبين الشيء قبل وقوعه، فيقولون: قبل الوقوع نأخذ بالأحوط، وبعد الوقوع نأخذ بالأحوط أيضاً، وهو عدم إفساد العبادة، أو عدم التغريم، أو ما أشبه ذلك.

فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ،

............ قوله: «فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام» وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89].
ثم قال «فمن لم يجد» هنا المفعول محذوف، وحَذْف المفعول يدل على العموم، وهذا من القواعد.
إذاً فمن لم يجد ما يُطعم به، أو يكسو، أو يعتق، ومن لم يجد من يطعمه، أو يكسوه، أو يعتقه، فكذلك، فمثلاً رجل عنده مال وغني، طلب رقبةً فما وَجد، وطلب مساكين فما وجد، فقيل

له: إن هناك مساكين في أقصى ماليزيا، وهو في المغرب الأقصى، فهذا غير واجد.
إذاً من لم يجد شيئاً يشتري به طعاماً، أو كسوة، أو رقبة، أو عنده مال، ولكن لا يجد محلاً لهذا المال، بأن لم يجد رقبة في السوق، أو لا يجد فقراء يطعمهم ويكسوهم، وهذه المشكلة الآن قائمة عندنا ـ والحمد لله ـ فكثيراً إذا ما قلنا للناس: عليكم إطعام عشرة مساكين، يقولون: أأعطيك لتطعم لي؟ فما يجدون فقراء، ولذا أُفتي الناس وأقول: هؤلاء العمال غالبهم ذوو عائلات وفقراء، وإذا أعطيتهم من هذا الطعام ما يكفيهم غداءً، أو عشاء يوماً أو يومين، ويكونون عشرة مساكين مسلمين، فقد أجزأت الكفارة، ولا يُعطى الكافر.
والدليل على أن الكافر لا يعطى من الكفارة القياس على الزكاة، فإن الكافر لا يعطى من الزكاة إلا إذا كان مؤلَّفاً، ولذلك قاس العلماء الإطعام على الزكاة، وقالوا: إن الكفار ليسوا أهلاً، والمسألة فيها شيء من التأمل؛ لأنه قد يقال: حتى في الزكاة يعطى الكافر إذا لم يكن حربياً.
وقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ لاحظ أن الإطعام لا يقابل الصوم، فالإطعام عشرة، والصيام ثلاثة، وفي كفارة الظهار صيام شهرين أو إطعام ستين مسكيناً وهو مقارب، وإن كان الصيام قد يكون ثمانية وخمسين يوماً والإطعام ستين مسكيناً، وفي فدية الأذى صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين فهو متقارب، فدل هذا على أن هناك حِكَماً لله ـ عزّ وجل ـ تخفى

على الناس، ما نستطيع أن ندركها، وإلا لقال الإنسان: جعل الله إطعام المسكين في صيام رمضان عن يوم، وفي كفارة الظهار والجماع في نهار رمضان عن يوم تقريباً، فلماذا جعل هنا مختلفاً؟ نقول: هذه من الأمور التي لا ندركها، والله أعلم.
قوله: «متتابعة» أي: واحداً تلو الآخر، فإن صامها متفرقة لم تجزئ، فلو صام يوماً وأفطر يوماً، وصام يوماً وأفطر يوماً، وصام يوماً فيبقى عليه يومان؛ لأن اليومين السابقين أفطر بينهما فلم يصحَّا، فما الدليل، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾، ولم يقل: متتابعة، والأصل عدم التتابع والله تعالى لما أراد التتابع قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: 4]، ولما أراد الإطلاق قال: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وهنا عين العدد، ولم يذكر التتابع؟ قال العلماء: الدليل على ذلك قراءة عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «فصيام ثلاثة أيام متتابعة» 1، وقراءة ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ حجة، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أراد أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد» 2 يعني ابن مسعود؛ إذاً فقراءته إذا صحت عنه تكون ثابتة وحجة، ويكون هذا هو الدليل، وإلا لوجب أن نطلق ما أطلقه الله.

وقال بعض العلماء: إن القراءة إذا لم تكن متواترة فليست بثابتة، وهذا غير صحيح، بل القراءة إذا صحت ولو لم تكن متواترة فهي كالحديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن مثلاً ابن مسعود إذا كان يقرؤها، فمعناه أنه رواها عن النبي صلّى الله عليه وسلّم وسمعها منه، ونحن نقول: لا تُقرأ في الصلاة، مع أن شيخ الإسلام رحمه الله يقول: تقرأ في الصلاة متى صحت، ولو لم تكن متواترة.

وَمَنْ لَزِمَتْهُ أَيْمَانٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مُوجَبُهَا وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،

....... قوله: «ومن لزمته أيمان قبل التكفير مُوجَبُها واحد فعليه كفارة واحدة» «من» اسم شرط جازم، وفعل الشرط «لزمته»، وجوابه «فعليه كفارة واحدة» مثال ذلك: أن يقول: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق، هذه أيمان ثلاث موجَبها ـ أي: ما يجب بسببها، أو ما توجبه ـ واحد، وهو إطعام، أو كسوة، أو عتق، فإن لم يجد فصيام، فكلها تتفق في الموجب ـ أي: إن كفارتها واحدة ـ فماذا يلزمه إذا حنث في الثلاث؟ يلزمه كفارة واحدة، قياساً على ما إذا تعددت الأحداث، فلا يلزمه إلا وضوء واحد، كرجل نام، وتغوط، وبال، وخرجت منه ريح، وأكل لحم إبل، فهذه خمسة أحداث، ويلزمه الوضوء مرة واحدة.
قالوا: فهذه أسباب متعددة، والمسبَّب واحد، فلا يلزمه إلا كفارة واحدة، وهذا إذا كان قبل التكفير.
أما إذا كان بعد التكفير، مثل ما لو قال: والله لا أكلم فلاناً، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق فهذه ثلاثة

أيمان، فكلم فلاناً، ثم كفّر عن تكليمه إياه، ثم دخل البيت، وذهب إلى السوق، فهنا لا تجزئه الكفارة الأولى؛ لأن كفارة اليمينين الآخرين لم تلزمه إلا بعدما كفَّر عن الأول.
ولو نوى بالكفارة عن الأول الكفارة عن الأول، والتحلة عن الثاني، والثالث، فيجزئه؛ لأن الموجَب واحد، وهذا ما مشى عليه المؤلف، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وذهب جمهور العلماء إلى أنه إذا تعدد المحلوف عليه، واليمين فعليه لكل واحدة كفارة، مثل لو قال: والله لا أكلم زيداً، والله لا أدخل البيت، والله لا أذهب إلى السوق، فالأيمان متعددة، والمحلوف عليه متعدد.
قالوا: فيلزمه كفارة لكل يمين، ففي هذه الحال يلزمه ثلاث كفارات، وعللوا ذلك بعموم الآية: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89]، وهذه أيمان متعددة فيلزمه كفارات بعددها، كما لو قتل المحرم صيداً كعشر حمامات، فالموجَب واحد وهو مثل ما قتل من النعم، فيلزمه عشر شياه، قالوا: فهذا مثله؛ لأن السبب متعدد، وكل يمين مستقلة بنفسها.
وهذه المسألة لها ثلاث حالات: الأولى: أن تتعدد اليمين والمحلوف عليه واحد، مثل لو قالت له أمه: البس ثوب الصوف، اليوم برد، فقال: والله ما ألبسه، ثم لقيه أخوه فقال له: البس ثوب الصوف للبرد، فقال: والله ما ألبسه، ثم لقيه أبوه فقال: يا ولدي البس هذا الثوب للبرد، قال: والله لا ألبسه، فالأيمان متعددة، والمحلوف عليه

شيء واحد، فهذا يجزئه كفارة واحدة قولاً واحداً، ولا إشكال فيه.
الثانية: أن تكون اليمين واحدة، والمحلوف عليه متعدداً، مثاله: قيل له: اذهب إلى صاحبك، قد دعاك إلى وليمة عرس، وكل من طعامه، وهنئه بالزواج، فقال: والله لا أذهب إليه، ولا أهنئه بالزواج، ولا آكل من طعامه.
فالمحلوف عليه ثلاثة أشياء، ولكن اليمين واحدة، فهذا ـ أيضاً ـ تجزئه كفارة واحدة، قولاً واحداً؛ لأن اليمين واحدة.
الثالثة: أن تتعدد الأيمان والمحلوفُ عليه، وهذا هو محل الخلاف بين العلماء، فمنهم من قال: إنه يجزئه كفارة واحدة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومنهم من قال: إنه لا بد لكل يمين من كفارة، وهذا مذهب الجمهور، والظاهر ما ذهب إليه الجمهور، أنه إذا كانت اليمين على أفعال فإن لكل فعل حكماً.
ما لم يكن على الصفتين السابقتين.

وَإِنْ اخْتَلَفَ مُوجَبُهَا، كَظِهَارٍ، وَيَمِينٍ بِاللهِ لَزِمَاهُ، وَلَمْ يَتَدَاخَلاَ.

قوله: «وإن اختلف موجَبُها كظهار ويمين بالله لزماه ولم يتداخلا» معلوم أن كفارة الظهار غير كفارة اليمين، فإذا لزمته كفارة ظهار، وكفارة يمين، وجب عليه أن يكفر كفارة ظهار تامة، وكفارة يمين تامة؛ لاختلاف الموجَب.
مثال ذلك: رجل قال: والله لا أكلم زوجتي، وهي عليَّ كظهر أمي، ففي هذا يمين، وظهار، فإن أراد الرجل أن يعود نقول له: عليك كفارة يمين، وكفارة ظهار، فلو قال: أنا أريد أن أعتق رقبة واحدة عن الجميع، فلا يجزئه، ولا بد من رقبتين.

فإن قال: الموجَب واحد، نقول: لكن المعتبر أصل الكفارة، وعلى هذا فلو أراد أن يعتق رقبة واحدة عن اثنين لم يصح.
ولو قال رجل: أنا عليَّ صيام شهرين متتابعين ـ ستين يوماً ـ عن الظهار، وأنوي ثلاثة أيام منها عن اليمين فلا يجزئه، ولا تتداخل الكفارتان.
ولو قال: أنا عليَّ إطعام ستين مسكيناً إذا لم أستطع الصوم عن الظهار، فأنوي إطعام عشرة مساكين من الستين عن اليمين، فهذا لا يجزئ، والعلة اختلاف الموجَب.
فإذا قيل: على أي شيء يقاس هذا؟ قالوا: كالحدث الأصغر، والحدث الأكبر، فالمذهب لا يرتفع الحدث الأصغر بنية ارتفاع الحدث الأكبر فقط، بل لا بد أن ينوي بغُسله رفع الحدثين، وعليه فنقول لهذا الرجل الذي قال: والله لا أكلم زوجتي، وهي عليَّ كظهر أمي، يلزمه إذا عاد كفارتان: كفارة لليمين، وكفارة للظهار.
ولو قال رجل: لله عليَّ نذر ألاَّ آكل من طعامكم، وقال: والله لا أخرج إلى السوق، وقال: إن كلمت فلاناً فزوجتي طالق يريد اليمين، ثم حنث في الثلاثة، فماذا يلزمه على المذهب؟ الجواب: عليه كفارة واحدة؛ لأن موجب هذه الأشياء الثلاثة واحد، فالنذر الذي يقصد به اليمين يمين، والطلاق الذي يقصد به اليمين يمين، فعلى المذهب يجزئه كفارة واحدة، ولكن تطلق الزوجة، والصحيح أنها لا تطلق.
وعلى القول الثاني ـ الذي هو قول الجمهور ـ يلزمه ثلاث كفارات؛ لأن الأفعال متعددة.

بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ

يُرْجَعُ فِي الأَْيْمَانِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِذَا احْتَمَلَهَا اللَّفْظُ،

.................. قوله: «

باب جامع الأيمان

» يعني باب جامع أحكام الأيمان، والأيمان جمع يمين، وهو القسم، وهذا الباب يبحث فيه على أي شيء ينزل القسم، هل على العرف، أو على اللغة، أو على النية، أو على السبب؟ قوله: «يُرجع في الأيمان إلى نية الحالف» والدليل على ذلك الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُّمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] ووجه الدلالة من الآية أنه إذا رُجِع إلى النية في أصل اليمين، هل هي يمين منعقدة أو غير منعقدة؟ فلأن يرجع إليها في المراد باليمين من باب أولى.
وأما من السنة فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1. وما أعظم هذا الحديث.
لكن اشترط المؤلف: «إذا احتملها اللفظ» يعني بأن كان هذا اللفظ يمكن أن يراد به ما نواه الحالف، فإن لم يمكن لم يقبل منه؛ لأن هذه النية معاندة للفظ مضادة له، فلا تقبل.
مثال النية التي يحتملها اللفظ: إذا قال: والله لا أنام الليلة إلا على فراش ليِّن، فخرج ونام في الصحراء على الرمل، فلما

أصبح قيل له: كفِّر، فقال: لا أكفِّر؛ لأني نويت بالفراش الأرض، فيصح هذا؛ لأن اللفظ يحتمله، قال الله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22]، والرمل لين، فصار اللفظ يحتمل هذا وصالحاً له، وعليه فلا شيء عليه.
أما إذا نوى شيئاً لا يحتمله اللفظ فإنه لا يقبل.
ولو قال: والله لأبيتن الليلة على وتد، فذهب إلى جبل وبات عليه، فقلنا له: كفِّر، فقال: لقد بت على الوتد، وقد أردت بالوتد الجبل، فلا شيء عليه؛ لأن اللفظ يحتمله.
ولو حلف ألا ينام إلا تحت سقف، ثم خرج إلى البر ووضع فراشه ونام وليس فوقه إلا السماء، فقيل له: عليك أن تكفر؛ لأنك لم تنم تحت سقف، فقال: أردت السماء، فهذا يصح؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: 32]، فاللفظ يحتمله.
مثال النية التي لا يحتملها اللفظ، إذا قال: والله لا أشتري اليوم خبزاً، فذهب إلى الفرَّان ووقف عنده واشترى، فقيل له: كفِّر عن يمينك، فقال: أنا أردت بقولي: والله لا أشتري اليوم خبزاً، والله لا أكلم فلاناً، فهذا لا يصح، واللفظ لا يحتمله إطلاقاً، فلا يقبل لأنه ليس هناك ارتباط بين اليمين والمحلوف عليه.

فَإِنْ عُدِمَتِ النِّيَّةُ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ اليَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا،

............... قوله: «فإن عُدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيَّجها» هيجها يعني: أثارها أي: إذا لم يكن للحالف نية، نرجع إلى سبب اليمين فنحمل اليمين عليه.

مثال ذلك: رجل قيل له: إن ابنك يصاحب الأشرار، فقال: والله لا أكلمه ما حييت، بناءً على أنه يصاحب الأشرار، فجاء إليه رجل، وقال له: لماذا لا تكلمه؟ فقال: لأنه يصاحب الأشرار، فلاناً، وفلاناً، فقال له: هؤلاء أناس طيبون جداً ومن أحسن الشباب، فكيف تمنعه؟! قال: قال لي فلان: إنهم أشرار، قال: نعم، هم أشرار عنده؛ لأنهم أخيار وهو شرٌّ، والشرُّ يرى الأخيارَ أشراراً، فهل إذا كلَّمه أبوه في هذه الحال عليه الكفارة؟ ليس عليه الكفارة؛ لأنه معروفٌ قصده، وسبب اليمين أن ابنه يصاحب الأشرار، فكأن هذا الحالف قال: إن كان ابني مصاحباً للأشرار فلا أكلمه، وهو وإن لم يقل هذا الشرط بلفظه فهو مضمر له في نفسه.
ولو قيل له: اذهب معنا، نريد أن نسافر إلى بلدٍ ما، فقال: البلد الفلاني؟ قالوا: نعم، قال: والله ما أسافر إليه؛ لأنه كان يعلم أنها بلد تشرب فيها الخمور، ويعصى فيها الله ـ عزّ وجل ـ علانية، ولا يُحكم فيها بما أنزل الله، فقيل له: الحكم تغير، تولاها رجل مؤمن صالح، فأزال الظلم وحكم بشريعة الله، واختفى الفُسَّاق، فلو سافر إليها أعليه كفارة؟ لا؛ لأننا علمنا أن سبب يمينه هذا البلاء الذي في هذا البلد، فكأنه قال: والله لا أسافر إليه ما دام كذلك، والآن زال هذا الأمر فله أن يسافر.
ولو قال: والله لا أكلم زيداً؛ بناءً على أنه سمع أن زيداً رجل وضيع، لا ينبغي لمثله أن يكلمه، فتبين له أن زيداً رجل شريف فكلمه، فهنا نقول: لا حنث عليه؛ لأن السبب الذي جعله يحلف تبين عدمه.

ولو قال: يعلم الله أنني لا أكل هذا، فهل يُعد يميناً؟ الجواب: نعم، هذا يمين أو أبلغ من اليمين لأنه إذا قال هذا الكلام ثم أكل فإن كلامه يتضمن معنى باطلاً في حق الله جل وعلا وهو الجهل.

فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا حَلَفَ لاَ لَبِسْتُ هَذَا الْقَمِيصَ، فَجَعَلَهُ سَرَاوِيلَ، أَوْ رِدَاءً، أَوْ عِمَامَةً، وَلَبِسَهُ، أَوْ لاَ كَلَّمْتُ هَذَا الصَّبِيَّ فَصَارَ شَيْخَاً، أَوْ زَوْجَةَ فُلاَنٍ هَذِهِ، أَوْ صَدِيقَهُ فُلاَناً، أَوْ مَمْلُوكَهُ سَعِيداً، فَزَالَتْ الزَّوْجِيَّةُ وَالْمُلْكُ وَالصَّدَاقَةُ ثُمَّ كَلَّمَهُمْ،

....... قوله: «فإن عُدم ذلك رُجع إلى التعيين» هذه المرتبة الثالثة، فإذا لم يكن له نية، ولم يكن لليمين سبب، رُجع إلى التعيين، أي: إلى عين المحلوف عليه، فإذا عين شيئاً تعلق الحكم به على أي صفةٍ كان.
قوله: «فإذا حلف لا لبستُ هذا القميص» هنا الحلف فيه تعيين، وطريقه الإشارة، قال: والله لا ألبس هذا القميص، وليس له نية، ولا سبب، فهنا تتعلق اليمين بعين ذلك القميص.
قوله: «فجعله سراويل أو رداءً أو عمامة ولبسه» «سراويل» مفرد، قال ابن مالك: ولسراويل بهذا الجمعِ شَبَهٌ اقتضى عمومَ المنعِ وبعضهم يقول: إنها جمع سروال، وجمع سراويل سراويلات، كما جاء في الحديث: «لا يلبس السراويلات» 1. فإذا شقق القميص وجعله سراويل ولبسه فإنه يحنث؛ لأنه عينه، فهذا المحلوف عليه هو عين هذا الشيء، أو شققه وجعله رداءً

يرتديه، كرداء الإحرام فإنه يحنث؛ لأنه عينه، أو جعله عمامة ولبسه فإنه يحنث اعتباراً بالتعيين؛ لأن هذا الرجل ليس عنده نية ولا سبب، وقد عين هذا الشيء، وقال: لا ألبسه فتتعلق اليمين بهذا الشيء على أي صفة كان.
قوله: «أو لا كلمت هذا الصبي فصار شيخاً» «كلم» فعل ماضٍ لكن إذا دخلت عليها «لا» النافية في القسم قلبتها إلى مستقبل، وهذا أحد المواضع الذي ينقلب فيه الفعل الماضي مستقبلاً، فكما ينقلب بالشرط مثل: إن قام زيد قمت، كذلك ينقلب هنا في باب اليمين، فمعنى لا كلمت، أي: لا أكلم، فلو قال: والله لا كلمت هذا الصبي، ثم هذا الصبي كَبر، وصار شيخاً كبيراً، فكلمه فإنه يحنث بناءً على التعيين.
قوله: «أو» قال: لا كلمت «زوجة فلان هذه» فعينها.
قوله: «أو» قال: لا كلمت «صديقه فلاناً» أي: هذا.
قوله: «أو مملوكه سعيداً» أي: هذا.
قوله: «فزالت الزوجية، والملك، والصداقة ثم كلمهم» فزالت الزوجية بالطلاق، أو الموت وأصبحت غير زوجة له، فكلمها فإنه يحنث بناءً على التعيين، وكذلك صديقه إذا زالت الصداقة، بأن كان هذا الرجل صديقاً لفلان، فقال: والله لا أكلم صديق الرجل هذا، ثم صار غير صديق له وكلمه فإنه يحنث.

وكذلك المُلْك، فلو أن هذا الرجل باع العبد الذي حلف أن لا يكلمه ثم كلمه فإنه يحنث.

أَوْ لاَ أَكَلْتُ لَحْمَ هَذَا الْحَمَلِ، فَصَارَ كَبْشاً، أَوْ هَذَا الرُّطَبَ فَصَارَ تَمْراً، أَوْ دِبْساً أَوْ خَلاًّ، أَوْ هَذَا اللَّبَنَ فَصَارَ جُبْناً، أَوْ كِشْكاً، أَوْ نَحْوَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ حَنِثَ فِي الْكُلِّ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.

قوله: «أو لا أكلت لحم هذا الحمل فصار كبشاً» «الحمل» هو الصغير من أولاد الضأن؛ فإذا صار كبشاً زال وصف الحمل، لكنه عينه فيحنث.
قوله: «أو هذا الرطب فصار تمراً أو دبساً أو خلاً» فإذا صار تمراً أو دبساً أي: ينعصر فيخرج منه الدبس، فأكل من دبسه فإنه يحنث.
وقوله: «أو صار خلاً» الخل أن يوضع الرطب في الماء ويبقى لمدة يوم أو يومين، ثم يُشرب فالماء يكتسب حلاوة من التمر، والتمر يمتص الرواسب غير الطيبة التي في الماء، وكان الناس يستعملونه قديماً، وكان طعمه من أطيب وأحسن ما يكون، فحل محله الشاي، فلو صار الرطب خلاًّ وشربه يحنث؛ لأن طعم الرطب موجود في الماء.
قوله: «أو هذا اللبنَ فصار جبناً أو كشكاً أو نحوه ثم أكله حنث في الكل» قال في الروض: «أو حلف لا أكلت» 1 هذا اللبن، فإن قال قائل: كيف يؤكل اللبن؟ قلنا: يجب أن يُقدر فعل يناسبه، ويكون التقدير لا شربت هذا اللبن، على حد قول الشاعر: علفتها تبناً وماءً بارداً

أي: سقيتها ماءً بارداً.
أو صار هذا اللبن جبناً، وأَكَلَ الجبن فإنه يحنث؛ لأنه عينه، أو صار كَشكاً وهو البُر المطبوخ باللبن، ويسمى عندنا جريشاً، وبعضهم يسميه برغلاً، فإذا قال: والله لا شربت هذا اللبن وجعله كشكاً وأكله يحنث؛ لأن طعم اللبن موجود مع أن الكشك لا يسمى لبناً، إلا أن طعمه موجود فيه.
وقوله: «ثم أكله حنث في الكل» أي: في المسائل الثماني التي سبقت، بناء على التعيين.
قوله: «إلا أن ينوي ما دام على تلك الصفة» فإذا نوى ما دام على تلك الصفة، فقد سبق أن النية هي المرجع الأول في الأيمان، فإذا قال: أنا قلت: والله ما ألبس هذا القميص، ما قصدي عين هذا القميص لكن قصدي صفته، أي: لا ألبسه ما دام قميصاً، فشقَّقه، وجعله سراويل، فلا حنث عليه.
ولو قال: لا كلمت هذا الصبي، وقال: لم أقصد عينه، لكن قصدت ما دام على صباه، ثم كلمه بعدما صار شيخاً فلا يحنث، أو قال: لا شربت هذا اللبن، ونيتي ما دام لبناً، أما إذا تغير فأنا ما نويت هذا، فلا يحنث، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، فما دمت قد نويت على تلك الصفة فلك نيتك؛ والتعليل أن المرجع في الأيمان قبل كل شيء إلى نية الحالف.

ولو قال: والله لا أكلم زوجة فلان هذه؛ لأني أعرف أن فلاناً ذو غيرةٍ شديدة، فلو يسمعني أكلم زوجته آذاني، وربما اتهمني، وربما قتلني، فإذا زالت الزوجية زالت هذه النية، ولم يحنث، ولم يذكر المؤلف السبب، لكن نقول أيضاً: ما لم ينوِ ما دام على تلك الصفة، أو يكن السبب يقتضي ما دام على تلك الصفة، كالمثال الذي ذكرته أخيراً، وإنما أضفنا: أو لم يكن السبب؛ لأن السبب مقدم على التعيين.
فالخلاصة: أن المراتب التي ذكرها المؤلف في هذا الفصل ثلاث: النية، ثم السبب، ثم التعيين، فالتعيين يستمر مع هذا المعين، وإن تغيرت صفته، ما لم ينوِ ما دام على تلك الصفة، أو يكن السبب ما دام على تلك الصفة.


فَصْلٌ

فَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ: شَرْعِيٌّ، وَحَقِيقِيٌّ، وَعُرْفِيٌّ،

.... قوله: «فإن عدم ذلك رجع إلى ما يتناوله الاسم» هذه المرتبة الرابعة، يعني إذا لم تكن نية، ولا سبب، ولا تعيين، نرجع إلى ما يتناوله الاسم، ومعنى ما يتناوله، أي: ما يدل عليه الاسم، والمراد بالاسم هنا ليس ما يقابل الحرف، بل المراد بالاسمِ المحلوفُ عليه، أي: اللفظ الذي وقع الحلف عليه، فيرجع إلى ما يتناوله الاسم في ذلك المحلوف عليه.
قوله: «وهو ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعُرفي» الاسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: شرعي، ولغوي، وعرفي، فالأسماء إما أن يكون لها مدلول شرعي، أو مدلول لغوي، أو مدلول عرفي.
وأحياناً تتفق المدلولات في الكلمة الواحدة، فتكون الكلمة معناها واحد، في اللغة، والشرع، والعرف، وأحياناً يكون معناها في اللغة غير معناها في الشرع، ومعناها في العرف غير معناها في الشرع واللغة.
والمراد باللغة هنا اللغة العربية، والمراد بالعرف اللغة العرفية.
وقوله: «وهو ثلاثة: شرعي، وحقيقي، وعرفي» إذا اتفقت هذه الثلاثة في مدلول الكلمة فلا إشكال، لكن الإشكال إذا اختلفت، فأيها يقدم؟ سيبيِّن ذلك المؤلف.
فالسماء مدلولها اللغوي، والشرعي، والعرفي واحد،

والبيضة مدلولها الشرعي، واللغوي، والعرفي واحد، والأرض لها مدلول واحد، وأمثال هذا كثير، فهناك كلمات لا يختلف فيها الشرع، والعرف، واللغة، وهذه الأمر فيها واضح، فإذا حلف تحمل الكلمة على مدلولها وهو لا يختلف، ولكن إذا اختلف، فهل نقدم الشرعي، أو العرفي، أو اللغوي؟ سيأتي في كلام المؤلف.

فالشَّرْعِيُّ مَا لَهُ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ،

.............. قوله: «فالشرعي ما له موضوعٌ في الشرع وموضوع في اللغة» أي: ما له مدلول في الشرع، ومدلول في اللغة، فكأن المؤلف يقول: الشرعي ما اختلفت فيه اللغة والشرع، مثل البيع، والطهارة، والصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، والوقف، وأشياء كثيرة، هذه يختلف فيها الشرع واللغة، ولهذا نقول: الطهارة لغة كذا، وشرعاً كذا، الصلاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الزكاة لغة كذا، وشرعاً كذا، الحج لغة كذا، وشرعاً كذا، البيع لغة كذا، وشرعاً كذا، فهذه الأشياء التي اختلف فيها الشرع واللغة، ما دمنا مؤمنين فإن كلامنا يحمل على المعنى الشرعي عند إطلاقه، أي إن كان لا يوجد سبب ولا نية فهو يحمل على المعنى الشرعي، فإذا قال قائل: والله لأصلينَّ قبل أذان العشاء، ثم مدّ يديه إلى السماء وجعل يدعو حتى أذن العشاء، فقلنا له: يا رجل، لماذا لم تصلِّ؟ قال: أنا صليت، فهنا إن كان ليس له نية ولا سبب، فإنه يحنث؛ لأن كلامه يحمل على المعنى الشرعي، صحيح أن الصلاة في اللغة الدعاء، لكن نحن المسلمين يحمل كلامنا على الأمر الشرعي.

وإذا قال: والله لأحجن اليوم، وكانت الليلة الرابعة عشرة من شهر جمادى الأولى، ثم ذهب إلى صديق له وغابت الشمس، فهذا لا يحنث لأن في كلامه ما يمنع حمله على المعنى الشرعي، وهو قوله: اليوم.
أما لو قال: والله لأحجّن، وأَطْلق، ثم ذهب إلى صديق له؛ وقال: هذا الحج، فالحج في اللغة القصد وأنا قصدت، فنقول له: لا يمكن؛ لأن الحج عند الإطلاق ـ ما دام ليس لك نية ولا يوجد سبب ـ يُحمل على المعنى الشرعي، فهنا يحنث؛ لأنه لم يحج، فإذا كانت الكلمة لها معنى شرعي، ومعنى لغوي، فإنها تحمل على المعنى الشرعي، ولهذا قال المؤلف:

فالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، فَإِذَا حَلَفَ لاَ يَبِيعُ أَوْ لاَ يَنْكِحُ، فَعَقَدَ عَقْداً فَاسِداً لَمْ يَحْنَثْ،

..................................... «فالمطلق ينصرف إلى الموضوع الشرعي الصحيح، فإذا حلف لا يبيع أو لا ينكح فعقد عقداً فاسداً لم يحنث» فالاسم المطلق يحمل على المعنى الشرعي الصحيح؛ لأن الشرعي لمَّا شاع بين المسلمين صار كالعرفي، فالوضوء مثلاً في اللغة النظافة، وفي الشرع غسل الأعضاء الأربعة على صفة مخصوصة تعبداً لله عزّ وجل، فإذا قال إنسان: والله لا أتوضأ، ثم ذهب إلى الحمام ونظف جسمه كله، فهو من جهة الشرع لم يتوضأ فلا يحنث.
مثال آخر: رجل قال: والله لا أصلي قبل الظهر، فدعا، فقيل له: حنثت؛ لأن الصلاة في اللغة الدعاء، نقول: لا يحنث؛

لأن الصلاة في الشرع التعبد لله ـ عزّ وجل ـ بالأقوال والأفعال المعلومة، وعلى هذا فنقول لهذا الرجل: أنت لم تحنث؛ لأن الشيء المطلق يحمل على الشرع.
كذلك ـ أيضاً ـ قال: والله لا أبيع شيئاً فأجَّر إنساناً سيارتَه؛ فإنه لا يحنث؛ لأن الأجرة ليست ببيع شرعاً، أو باع دخاناً فإنه لا يحنث؛ لأن هذا ليس بيعاً شرعيّاً، بل هو بيع فاسد باطل، أو باع خمراً، فإنه لا يحنث، أو باع حملاً في بطن فإنه لا يحنث، لأن هذا وإن سمي بيعاً في اللغة، لكنه في الشرع لا يسمى بيعاً فلا يحنث.

وَإِنْ قَيَّدَ يَمِينَهُ بِمَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُ الْخَمْرَ أَوِ الْحُرَّ حَنِثَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ،

.......... قوله: «وإن قيد يمينه بما يمنع الصحة، كأن حلف لا يبيع الخمر أو الحر حنث بصورة العقد» يعني إذا حلف أن لا يفعل شيئاً، وقيده بلفظ يدل على الفساد، فإنه يحنث وإن كان فاسداً، مثل أن يقول: والله لا أبيع الخمر، ثم باع، فهذا من الناحية الشرعية ليس ببيع؛ لأنه فاسد، لكن الرجل لم يأت به مطلقاً، بل قيده بأمر تنتفي معه الصحة، حيث قال: والله لا أبيع الخمر، فإذا باعه حنث.
فإن قال قائل: كيف تحنثونه وهذا التصرف ليس ببيع شرعي؟! قلنا: إنه قيده بأمر معين، فبمجرد وجود ذلك الأمر المعين يحنث، ولهذا قال المؤلف: «حنث بصورة العقد»؛ لأن هذا عقد صوري، والمؤلف قيد يمينه بأمر صوري، فكلمة «لا أبيع الخمر»

لا يمكن أن توافق من الناحية الشرعية؛ لأن الخمر شرعاً لا يباع، فإذا تعذر حمله على الحقيقة والمعنى حملناه على الصورة، فنقول: بمجرد أن يبيع الخمر يحنث، وبناء عليه فالمثال الذي ذكرناه آنفاً وهو بيع الدخان، إذا قال: والله لا أبيع الدخان فباعه، فإنه يحنث، لا لأنه بيع، ولكن لأنه صورة ما حلف عليه، ولو قال: والله لا أبيع بربا، فذهب وباع بالربا فإنه يحنث؛ لأنه قيد اليمين بشيء يمنع الصحة، فيحمل على الصورة.
أما لو قال: والله لا أبيع، فباع ديناراً بدينارين، فإنه لا يحنث؛ لأنه أطلق والمطلق يطلق على الشرعي الصحيح.
وقال بعض العلماء: إنه لا يحنث إذا باع ما يحرم بيعه، ولو قيده بما يمنع الصحة؛ لوجود التناقض؛ لأن قوله: لا أبيع الخمر، كلمة (أبيع) تناقض الخمر، وعلى هذا فنقول: هذا وإن باع الخمر فليس ببيع، فمن نظر إلى الصورة حنَّثه، ومن نظر إلى الحقيقة لم يحنثه.
والمسألة فيها قولان للعلماء وعلى المذهب إنه يحنث بصورة العقد.
ولو قال: والله لا أبيع حمل بعيري الذي في بطنها، ثم باعه فعلى المذهب يحنث؛ لأنه يحنث بصورة العقد؛ لأنه قيد يمينه بما يمنع الصحة، أي: قرنه بشيء لا يمكن أن يصح معه العقد، فيحمل على الصورة.
مثال آخر: تأجير الدكان لشخص ليعمل فيه محرماً، مثل أن يؤجره له ليتعامل فيه بالربا فهذا حرام، والعقد غير صحيح، فإذا قال: والله لا أؤجر دكاني لمن يتعامل فيه بالربا، ثم أجره، فعلى

المذهب يحنث بصورة العقد؛ لأنه قيدها بما يمنع الصحة، وعلى القول الثاني: لا يحنث؛ لأن هذا ليس بإجارة فهو وإن سماه إجارة فإنه شرعاً لا يسمى إجارة، لكن المذهب يغلبون الصورة ويؤاخذونه بلفظه، وهذا القول الثاني يغلب المعنى ويقول: هذا ليس بإجارة شرعية.

وَالْحَقِيقِيُّ هُوَ الَّذِي لَمْ يَغْلِبْ مَجَازُهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ كَاللَّحْمِ، فَإِنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ فَأَكَلَ شَحْمَاً، أَوْ مُخًّا، أَوْ كَبِداً، أوَ نَحْوَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لاَ يَأْكُلُ أُدُماً، حَنِثَ بِأَكْلِ الْبَيْضِ، وَالتَّمْرِ، وَالْمِلْحِ، وَالْخلِّ، وَالزَّيْتُونِ

................ قوله: «والحقيقي هو الذي لم يغلب مجازه على حقيقته كاللحم» يجب أن نعرف أن العلماء ذكروا أن من العيب التعريف بالعدم، أو بالنفي؛ لأن التعريف بالعدم أو بالنفي ما يعطي الصورة؛ لأنه يقتضي رفع هذا المنفي، ولكن ما الذي يحل محله؟! فقوله: «لم يغلب مجازه على حقيقته» هذا تعريف بالنفي، وهو لا يحدد المُعرَّف، والمُعرَّف لا بد أن يكون عن طريق الإثبات والإيجاب، أما النفي فإنه كما قيل: نفي وعدم، ولهذا التعريف الصحيح للحقيقة أن يقال: هو اللفظ المستعمل في حقيقته اللغوية، أو إن شئت فقل: اللفظ الذي استعمل فيما وضع له لغة.
فإذا لم يكن لهذا اللفظ حقيقة شرعية حملناه على الحقيقة اللغوية، مثاله: قوله: «كاللحم» وهي حقيقةً الهَبْرُ في اللغة، أما الكرش والكبد، والطحال، والشحم، والودك وما أشبه ذلك، فليس بلحم حسب اللغة العربية، ولهذا قال المؤلف: «فإن حلف لا يأكل اللحم فأكل شحماً، أو مخاً، أو كبداً أو نحوه لم يحنث» قال: والله لا آكل لحماً أبداً، فجاءوا إليه بسنام بعير فأكل حتى شبع، لم يحنث؛ لأن هذا في اللغة العربية ليس بلحم بل شحم، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: 146]، وهذا يقتضي أن الشحوم غير اللحوم، وإنما هي بعض من الحيوان، كذلك لو قال: والله لا آكل لحماً فأكل مخاً، فإنه لا يحنث؛ لأن المخ لا يسمى لحماً، وكذلك لو أكل كبداً، فلا يحنث؛ لأن الكبد في اللغة العربية ليست بلحم.
وقوله: «أو نحوه» مثل الكلية، والكرش، والأمعاء، والطحال ونحو ذلك، فهذه لا تسمى لحماً فلا يحنث تغليباً للحقيقة اللغوية.
لكن لو علم أن غرضه من ذلك تجنب الدسم، أي: كانت نيته تجنب الدسم، فأكل من هذه الأشياء يحنث؛ لأن النية مقدمة.
مثال ذلك: رجل مريض قال له الطبيب: لا تأكل اللحم ليتجنب الدسم، فهذا إذا أكل الشحم صار أشد ضرراً من اللحم، أو المخ أو ما أشبه ذلك، فإذا علم أن المراد تجنب الدسم، فإنه يحنث بأكل هذه الأشياء.
قوله: «وإن حلف لا يأكل أُدُماً حنث بأكل البيض، والتمر، والملح، والخل، والزيتون» قال: والله لا آكل الأُدُم؛ يعني الإدام الذي يؤدم به الخبز، يحنث بهذه الأشياء، فلو قال: والله ما آكل

إداماً فأكل بيضاً حنث؛ لأنه يؤتدم به، فالإنسان يغمس الخبز في البيض ويأكل، ولو أكل بيضاً لم يطبخ، ولم يُقلى حنث؛ لأنه يصطبغ به، وهو ظاهر كلام المؤلف؛ لأنه قال: «بأكل البيض» ولم يقل: مطبوخاً أو مقلياً.
ولو قال: والله ما آكل إداماً وأكل تمراً، يحنث؛ لأنه يؤتدم به، وكذلك يحنث بأكل الملح؛ لأنه يؤتدم به، وكذلك الخل وهذا واضح، وفي الحديث: «نعم الإدام الخل» (1). وكذلك الزيتون الصغير والكبير كلاهما يؤتدم به.

وَنَحْوِهِ، وَكُلِّ مَا يُصْطَبَغُ بِهِ، وَلاَ يَلْبَسُ شَيْئاً فَلَبِسَ ثَوْباً، أَوْ دِرْعاً، أَوْ جوْشَناً، أَوْ نَعْلاً حَنِثَ،

............. قوله: «ونحوه» قال في الروض 2: «كالجبن واللبن» وكلاهما يؤتدم به.
ثم قال المؤلف عبارة عامة: «وكل ما يصطبغ به» أي: يؤتدم به، يعني يجعل إداماً، قال الله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ﴾ [المؤمنون:20].
وسُمي الإدام صبغاً؛ لأنه يصبغ الطعام، فإنك إذا غمسته في شيء أسود صار أسود، وفي شيء أحمر صار أحمر، وهكذا، فهو صبغ للطعام الذي يؤتدم به فيه.
ولننظر هل هناك أشياء غير هذه يصطبغ بها؟ نعم مثل: الزيت، والعسل، والأقط، والمربى، والقرع، وغيرها.1

قوله: «ولا يلبس شيئاً» «شيئاً» نكرة في سياق النفي فتفيد العموم.
قوله: «فلبس ثوباً» أو لبس سروالاً أو تُبَّاناً يحنث والتُّبان بسروال قصير ليس له أكمام.
قوله: «أو درعاً» يحنث، والدرع يلبسونه في الحرب، قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ [الأنبياء: 80]، وقال تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: 11] يعني دروعاً سابغات، والدرع عبارة عن ثوب منسوج من حلق الحديد، يلبسه الإنسان ليتقي به الرماح والسكاكين، وغير ذلك.
قوله: «أو جوشناً» الجوشن نوع من الدروع، لكنه على صفة خاصة، كذلك لو لبس طاقية أو غترة حنث.
قوله: «أو نعلاً حنث» وكذلك الجوارب، إذن كل ما يلبس يحنث به.
مسألة: لو صلى على حصير فهل يحنث أو لا؟ وإذا كان لا يحنث، فكيف نجيب عن حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ: «فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس» 1، وفي رواية: «لبث» 2؟ قال العلماء: إن اللباس هنا بمعنى الاستعمال، فلباس

كل شيء بحسبه، ولكنه في اللغة العربية لا يسمى لباساً.

وَإِنْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ إِنْسَاناً حَنِثَ بِكَلاَمِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ حَنِثَ، إِلاَّ أنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهَ بِنَفْسِهِ،

............................. قوله: «وإن حلف لا يكلم إنساناً حنث بكلام كل إنسان» لننظر هل هذه الكلية عائدة على الإنسان، أو عائدة على الكلام؟ هل المعنى بكل كلام إنسان؟ أو المعنى بكلام كل إنسان؟ مراده الأول؛ لأنه قال: حلف لا يكلم إنساناً، فلا يحتاج أن يقول: كل إنسان، اللهم إلا أن يريد أن يبين أن «إنساناً» هنا نكرة في سياق النفي فتعم.
وقوله: «حنث بكلام كل إنسان» فيحنث بكل ما يسمى كلاماً، سواء كلم إنساناً كبيراً، أو صغيراً، أو ذكراً، أو أنثى، أو حراً، أو عبداً، فلو قال: يا فلان، حنث، ولو قال: فلان، حنث، ولو قال: قِ، فعل أمر من وقى يقي، حنث.
ولو قال: أح، لم يحنث، لأنه ليس كلاماً.
ولهذا لو قال هذا في الصلاة ما بطلت صلاته، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» 1، وقد كان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يتنحنح لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ إذا دخل عليه 2.

ولو أشار، لم يحنث؛ لأن الإشارة ليست كلاماً.
قوله: «ولا يفعل شيئاً فَوَكَّلَ من فعله حنث» لأن الوكيل قائم مقام المُوكل، بدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم وكّلَ علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن ينحر إبله التي أهداها 1، فلو قال: والله لا أبيع بيتي، فوكل شخصاً يبيع البيت، فإنه يحنث؛ لأن الوكيل قائم مقام الموكل، ولو قال: والله لا أذبح بعيري، فوكل إنساناً يذبحه، حنث، ولو قال: والله لا أركب السيارة، فوكل شخصاً يركبها، لم يحنث؛ لأن هذا ليس بفعله، إلا إذا كان قصده: والله لا أركب السيارة زائراً فلاناً، فوكل شخصاً يركبها ليزور فلاناً، فهنا يحنث.
قوله: «إلا أن ينوي مباشرته بنفسه» قال: والله لا أبيع بيتي، ناوياً لا أباشر بيعه بنفسي، فهنا إذا وكل من يبيعه لا يحنث؛ لأن النية مقدمة كما سبق.
لكن قد يقول قائل: ما فائدته من هذا، إذا قال: نويت أن لا أباشر البيع بنفسي، فهل له غرض؟ نقول: نعم، ربما يكون له غرض، مثلاً يرى أنه لو باعه هو بنفسه لتهاون بعض الناس في إيفاء الثمن، ويقول: هذا رجل طيب، متى ما رزقني الله وفيته، لكن إذا وكل آخر يبيعه سيلحُّ عليه ويقول: أعطني القيمة.
كذلك لو قال: والله لا أشتري سيارة فلان، ووكل واحداً

يشتريها، وقال: أنا نويت لا أباشر الشراء، نقول في هذه الحال: لا يحنث.
فإذا قال قائل: ما غرضه؟ نقول: قد يخشى أنه إذا ذهب إلى فلان وقال له: بع سيارتك عليَّ، يقول: خذها بدون ثمن، أو أنها تساوي عشرة ويقول: أبيعها عليك بثمانية، لكن إذا أخذها من طريق آخر، فإن البائع سوف يستوفي الثمن كاملاً.
المهم أنه إذا حلف أن لا يفعل شيئاً فوكل من يفعله حنث، إلا أن ينوي مباشرته بنفسه.
ولو قال: والله لا أصلي الضحى ركعتين ثم وكل شخصاً يصلي عنه فهنا لم تصح الوكالة أصلاً ولو صلى هذا الرجل عنه لم يحنث لأنه لا يستفيد من هذه الصلاة شيئاً.

وَالْعُرْفِيُّ مَا اشْتَهَرَ مَجَازُهُ فَغَلَبَ الْحَقِيقَةَ، كَالرَّاوِيَةِ وَالْغَائِطِ، وَنَحْوِهِمَا، فَتَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْعُرْفِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى وَطْءِ زَوْجَتِهِ، أَوْ وَطْءِ دَارٍ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُهُ بِجِمَاعِهَا، وَبِدُخُولِ الدَّارِ،

........................................ قوله: «والعرفي ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة، كالراوية والغائط ونحوهما، فتتعلق اليمين بالعرف» ليت المؤلف قدم العرف.
فقوله: «ما اشتهر مجازه فغلب الحقيقة» يعني الذي استعمله الناس في عرفهم، فتحمل اليمين على العرف مُقدماً على اللغة إذا اشتهر بين الناس، وغلب على الحقيقة، ومراد المؤلف بالحقيقة هنا الحقيقة اللغوية، فإذا اشتهر هذا المعنى بين الناس، وهجرت الحقيقة اللغوية، يقول المؤلف: «فتتعلق اليمين بالعرف»، ويحمل اللفظ على معناه العرفي، حتى وإن كان له في اللغة معنى، ولكنه

هجر واشتهر بين الناس المعنى العرفي فإنه يقدم.
إذاً يقدم الشرع، ثم العرف، ثم اللغة؛ لأن الناس يعاملون بنياتهم، ولا شك أن العامي إذا أطلق الكلمة فإنما يريد معناها العرفي، فالعامي لا يعرف اللغة العربية الفصحى، فيكون العرف مقدماً؛ لأنه هو المنوي ظاهراً، مثاله الرَّاوية، وتطلق في اللغة العربية على التي تحمل الماء، وهي البعير التي يسقى عليها، ومنه التسمية العامية «الرَّوَّاية» وهي المرأة التي تُرَوِّي الماء، لكنه في العرف تطلق الرَّاوِية على المَزَادَةِ، وهي عبارة عن جلد يشق، ويؤتى بجلد آخر مثله، ويخاط بعضهما ببعض، فبدل ما كان قربةً واحدة يكون قربتين.
فإذا قال: والله لا أشتري راوية، فذهب، واشترى الراوية التي هي القربة الكبيرة، يحنث؛ لأن هذا هو العرف، ولو اشترى بعيراً لم يحنث، إلا إن نوى فالنية مقدمة.
كذلك أيضاً «الغائط» وهو في اللغة المكان المطمئن يعني المنخفض، وعندنا الآن يقولون: ماء غويط، يعني عميق، وفي العرف الغائط هو الخارج المستقذر من الدبر.
فإذا قال قائل: والله لا أنظر إلى غائط، وذهب إلى مكان منخفض ينظر إليه، فلا يحنث؛ لأن العرف نقل الحقيقة إلى الخارج المستقذر.
وقوله: «ونحوهما» مثل الشاة، فالشاة عندنا في العرف هي الأنثى من الضأن، وفي اللغة العربية أعم من هذا، ولهذا لو جاء رجل بعَنْزٍ وقال: هذه شاة، لأنكر عليه العوام، لكن في اللغة

يطلق عليها شاة، فإذا قال: والله لأشترين لضيوفي شاةً، ثم ذهب واشترى عنزاً، يحنث؛ لأنه ما بَرَّ بيمينه؛ لأن الشاة في العرف هي أنثى الضأن.
مثال ثانٍ: الدابة وهي في اللغة لكل ما دب على الأرض، سواء كان له رجلان أو أربعة، أو كان مما يمشي على بطنه، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ﴾ [النور: 45]، فهذه الدابة تعم كل شيء، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: 6].
فما هي الدابة في العرف؟ ذوات الأربع على عرف، وعلى عرف آخر الحمار خاصة، فإذا قال: أنت دابة، يعني أنت حمار.
إذن فتتعلق اليمين بالعرف؛ لأنه هو الغالب وهو المعروف عند العامة، وإذا كان هو الغالب المعروف عند العامة، فإن النية تنصرف إليه.
وقد تتفق اللغة، والعرف، والشرع، وإذا اتفقت فالأمر واضح، وإذا اختلفت قدم الشرع، ثم العرف، ثم اللغة.
قوله: «فإذا حلف على وطء زوجته، أو وطء دار، تعلقت يمينه بجماعها، وبدخول الدار» كرجل قال: والله لا أطأ زوجتي، فذهب وجامعها، نقول له: حنثت، فإذا قال: كيف أحنث، والوطء أن أطأها بقدمي؟! نقول: لكن العرف غلب على اللغة.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
فَصْلٌيُخَيَّرُ مَنْ لَزِمَتْهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بَيْنَ إِطْعَامِ عَشَرَةِ مَسَاكِينِ، أَوْ كِسْوَتِهِمْ، أَوْ عَتْقِ رَقَبَةٍ.فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَةٍ،وَمَنْ لَزِمَتْهُ أَيْمَانٌ قَبْلَ التَّكْفِيرِ مُوجَبُهَا وَاحِدٌ فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ،وَإِنْ اخْتَلَفَ مُوجَبُهَا، كَظِهَارٍ، وَيَمِينٍ بِاللهِ لَزِمَاهُ، وَلَمْ يَتَدَاخَلاَ.يُرْجَعُ فِي الأَْيْمَانِ إِلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ إِذَا احْتَمَلَهَا اللَّفْظُ،باب جامع الأيمانفَإِنْ عُدِمَتِ النِّيَّةُ رُجِعَ إِلَى سَبَبِ اليَمِينِ وَمَا هَيَّجَهَا،فَصْلٌفَإِنْ عُدِمَ ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى مَا يَتَنَاوَلُهُ الاسْمُ، وَهُوَ ثَلاَثَةٌ: شَرْعِيٌّ، وَحَقِيقِيٌّ، وَعُرْفِيٌّ،فالشَّرْعِيُّ مَا لَهُ مَوْضُوعٌ فِي الشَّرْعِ، وَمَوْضُوعٌ فِي اللُّغَةِ،فالْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْمَوْضُوعِ الشَّرْعِيِّ الصَّحِيحِ، فَإِذَا حَلَفَ لاَ يَبِيعُ أَوْ لاَ يَنْكِحُ، فَعَقَدَ عَقْداً فَاسِداً لَمْ يَحْنَثْ،وَإِنْ قَيَّدَ يَمِينَهُ بِمَا يَمْنَعُ الصِّحَّةَ، كَأَنْ حَلَفَ لاَ يَبِيعُ الْخَمْرَ أَوِ الْحُرَّ حَنِثَ بِصُورَةِ الْعَقْدِ،وَنَحْوِهِ، وَكُلِّ مَا يُصْطَبَغُ بِهِ، وَلاَ يَلْبَسُ شَيْئاً فَلَبِسَ ثَوْباً، أَوْ دِرْعاً، أَوْ جوْشَناً، أَوْ نَعْلاً حَنِثَ،وَإِنْ حَلَفَ لاَ يُكَلِّمُ إِنْسَاناً حَنِثَ بِكَلاَمِ كُلِّ إِنْسَانٍ، وَلاَ يَفْعَلُ شَيْئاً فَوَكَّلَ مَنْ فَعَلَهُ حَنِثَ، إِلاَّ أنْ يَنْوِيَ مُبَاشَرَتَهَ بِنَفْسِهِ،
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل