الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 195-234
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 195-234
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

حق، فضمان المغصوب صحيح؛ لأن الغاصب ضامن بكل حال.
مثاله: إنسان غصب آخَرَ ساعة وأخذها قهراً منه، وهرب فوجده صاحب الساعة فأمسكه، وقال: أذهب بك إلى السجن، أو أعطني ساعتي، فقال: الساعة في البيت ليست معي، قال صاحب الساعة: سوف أرفعك حتى تسجن، فتقدم رجل آخر وقال: أنا أضمن الساعة، فهنا يصح الضمان؛ لأن المغصوب مضمون على كل حال والغاصب ضامن على كل حال؛ لأنه معتدٍ، يده ليست يد أمانة، وعلى هذا ففي هذه الحال يصح للضامن أن يضمن هذه الساعة؛ لأنها مضمونة بكل حال.
قوله: «والمقبوض بسوم» أي: ويصح ـ أيضاً ـ ضمان المقبوض بسوم، والمقبوض على وجه السوم له صور: الصورة الأولى: أن يساومه ويقطع الثمن.
مثاله: أن يقف الإنسان على صاحب محل، ويقول: هذه السلعة اشتريتها منك بمائة ريال، فسامها منه الآن، وقال صاحب المحل: لا بأس، قال: سأذهب إلى أهلي أريهم إياها، إن وافقوا أخذتها وإن لم يوافقوا رددتها، قال: لا بأس، فأخذها الذي سامها ليذهب بها إلى أهله، فتلفت السلعة، فهي مضمونة على كل حال على السائم، سواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط؛ وذلك لأنه قبضها وقطع الثمن فصار كأن البيع تم، فهي مضمونة عليه بكل حال، ولهذا صح ضمان هذه السلعة المقبوضة على وجه السوم.

وكيف يضمن؟ الجواب: هذا الرجل الذي أراد أن يأخذ السلعة ليريها أهله إن وافقوا أخذها، وإن لم يوافقوا ردها، قال له صاحب الدكان: لا أعرفك، فتقدم رجل وقال: أعطه وأنا ضامن، فهذا يصح، فيصح أن يضمن المقبوض على وجه السوم، بناءً على أنه مضمون على القابض بكل حال، والمقبوض على وجه السوم ليس محل اتفاق أنه مضمون بكل حال.
فالقول الثاني: وهو الصحيح، أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط؛ ووجه ذلك أن هذا المقبوض حصل بيد السائم بإذن مالكه، فيده يد أمانة، وكونه سامه وقطع الثمن أو سامه ولم يقطع الثمن، فإنه لا أثر له في الضمان؛ لأن الرجل الذي قبضه أمين ائتمنه صاحب السلعة، وعلى هذا فيكون المقبوض على وجه السوم ليس مضموناً على قابضه إلا أن يتعدى أو يفرط، وبناءً على هذا القول هل يصح ضمان المقبوض على وجه السوم؟ الجواب: لا يصح؛ لأنه ليس مضموناً على القابض، وإذا لم يكن الأصل ضامناً، فالفرع لا يصح أن يكون ضامناً، لكن يصح أن يضمن التعدي أو التفريط، فيقول: أنا أضمن إذا تعدى أو فرط؛ لأنه كسائر الأمانات.
الصورة الثانية: أن يساومه بدون قطع الثمن، مثل أن يساومه ولكن لم يرض بالسوم، فقال: أعطني أذهب به إلى أهلي إذا رضوا أتيت إليك، وزدتك واشتريت، فهذا يضمن على المذهب؛ لأنه إذا قبضه بعد المساومة صار مضموناً عليه،

والصحيح أنه لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط؛ لأن هذا الرجل الذي أخذ المال بعد المساومة أخذه من صاحبه باختياره، فصار المال بيده بإذن مالكه فهو أمين، والأمين لا يضمن إلا إذا تعدى أو فرط.
الصورة الثالثة: أن يقبضه قبل أن يساومه، فقال: أعطني هذا أريه أهلي إذا رضوا اشتريته منك، فهذا مقبوض بلا مساومة، فهذا لا يصح ضمانه؛ لأنه لم يسم؛ لأن الضمان إنما يكون فيما يجب.
الخلاصة: هل المقبوض على وجه السوم مضمون بكل حال؟ المذهب نعم إذا ساومه وقطع الثمن.
والقول الثاني: أنه ليس مضموناً إلا إذا حصل تعدٍ أو تفريط.
والفرق بين التعدي والتفريط أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب.
قوله: «وعهدة مبيع» وذلك أن البائع إذا باع الشيء فقد ضمن عهدته، أي تعهد بأن هذا البيع صحيح، وأن المال ملكه وما أشبه ذلك، والمشتري إذا اشتراه فقد تعهد بإقباضه الثمن وتسليمه، فعهدة المبيع يصح ضمانها سواء ضمنت عهدة المبيع للمشتري أو ضمنت عهدة الثمن للبائع، مثاله: عنده سيارة وعند الآخر سيارة فقال له: بعني سيارتك الكبيرة بسيارتي الصغيرة، فالثمن السيارة الصغيرة، فقال المشتري: من يضمن لي عهدة السيارة الكبيرة، ومعنى عهدتها أنني خفت أنها مسروقة أو

مستعارة وليست للبائع أو ليس له ولاية عليها، بمعنى أنها إذا خرجت مستحقة أو أن البيع فاسد فإنه يضمن لي القيمة، فهذا عهدة المبيع للمشتري.
وعهدة الثمن للبائع فالصغيرة هي الثمن، فقال البائع: أنا أخشى أن هذه السيارة الصغيرة مسروقة فأطلب أحداً يضمن العهدة، فهذا يصح؛ لأنه لو ظهر الثمن مستَحَقاً لكان الذي دفعه واجباً عليه أن يضمن فصار ضمانه جائزاً.
وفي ضمان عهدة المبيع فوائد: أن فيه راحة لمن ضمن له، وأيضاً تمشية حال للمضمون عنه؛ فلهذا كان من محاسن الشريعة أنه يصح ضمان عهدة المبيع سواء كان ذلك عهدة الثمن للبائع، أو عهدة المثمن للمشتري.
هل من ضمان عهدة المبيع إذا ظهر به عيب أن يرجع الإنسان بأرش العيب، فقال: أريد أحداً يضمن لي العهدة إذا ظهر فيه عيب، أن يضمن لي الأرش أو يضمن لي التمكن من الرد؟ نعم هذا جائز.
قوله: «لا ضمان الأمانات» أي: لا يصح ضمان الأمانات، وهي كل عين بيدك بإذن من الشرع أو إذن من المالك.
ولا ضمان فيها إلا بتعدٍّ أو تفريط فلا يصح ضمانها؛ لأن الأصل غير ضامن، وإذا كان الأصل غير ضامن، فلا يصح أن يبنى على شيء لم يثبت فلم يضمن الفرع.
قوله: «بل التعدي فيها» أي: لكن التعدي فيها يصح ضمانه؛ لأنه إذا تعدى الأمين انتفت عنه الأمانة وصار ضامناً بكل حال، فيصح أن يضمن التعدي فيها.

مثاله: رجل أودع عند آخر وديعة، ولتكن ألف ريال، ثم بعد أن أودعه صار عنده إشكال، فتقدم رجل آخر، وقال: أنا أضمن لك الوديعة، فالضمان هنا لا يصح؛ لأن الأصل غير ضامن، لكن لو قال: أنا أضمن لك إن تعدى أو فرط، فهذا صحيح؛ لأنه في حال التعدي أو التفريط يكون ضامناً، فحينئذٍ يصح الضمان.
وهذا مأخوذ من الشرط الذي اشترطناه، وهو أن يكون الدين واجباً أو مآله إلى الوجوب؛ لأن ما ليس مضموناً بكل حال ليس بواجب فلا يستحقه صاحبه.
مسألة: لو قضى الضامن الدين، فهل يرجع على المضمون عنه؟ الجواب: نعم يرجع؛ لأنه هو الأصيل، ومعلوم أنه لا يمكن أن نجعل الضامن يخسر ولا يُعوض، ورجوعه لا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن ينوي التبرع فهذا لا يرجع.
الثانية: أن ينوي الرجوع فيرجع.
الثالثة: إذا أوفى ولم يطرأ على باله نية الرجوع أو عدمها، على المذهب لا يرجع، والصحيح أنه يرجع؛ لأنه إنما التزمها فرعاً عن أصل.
وعلى هذا فإنه على القول الراجح يرجع في حالين، إذا نوى الرجوع، وإذا لم ينو شيئاً، ولا يرجع إذا نوى التبرع، والمذهب يرجع إذا نوى الرجوع فقط، قال العلماء: وهكذا كل

من أدى عن غيره ديناً واجباً، فإنه يرجع إن نوى الرجوع، ولو بغير إذنه، إلا إذا كان الدين مما تشترط فيه نية المدين، فإنه لا يرجع إلا بإذن مثل الزكاة والكفارة؛ لأن الذي عليه الزكاة لم ينوِ ولم يوكل.
مثاله: جاء رجل وقال: أنا سأذهب إلى المجاهدين أعطوني دراهم من الزكاة، وكنت أعلم أن صاحبي عنده زكاة كثيرة، فأعطيت هذا الرجل ثلاثين ألفاً على أنها زكاة صاحبي فهل أرجع؟ لا؛ لأن الزكاة تجب فيها النية، وهنا الذي عليه الزكاة لم ينو، وأما الثلاثون ألفاً فلا تذهب، بل عند الله وفيها أجر وتكون صدقة للذي بذلها.
فلو أنني أخبرته، وقلت: إنني دفعت عنك زكاة، فقال: جزاك الله خيراً، وأنا مجيز لك هذا التصرف، فالمذهب لا يجزئ؛ لعدم وجود النية حين الدفع، والصحيح جواز ذلك، والدليل على ذلك حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ في قصة حفظه التمر، وهو وكيل للرسول صلّى الله عليه وسلّم على صدقة الفطر يحفظها، فجاءه الشيطان ليلة من الليالي وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة، فقال الشيطان: إنه فقير وله عائلة، فَرَقَّ له أبو هريرة وتركه، وهكذا الليلة الثانية، والليلة الثالثة قال: لا بد أن تذهب إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم فخاف من الرسول صلّى الله عليه وسلّم وقال: أخبرك بآية تقرؤها، فإن قرأتها في ليلة لم يزل عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأعلمه بآية الكرسي، فلما أصبح قال له الرسول صلّى الله عليه وسلّم: ما فعل أسيرك البارحة؟ وقال: إنه صدقك وهو

كذوب، فقال: أتدري من تخاطب منذ ثلاثة أيام؟ فقال: لا، فقال: ذلك شيطان 1. فأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حين دفع من الزكاة لم يدفع بإذن الرسول، لكن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجازه.
فالصحيح أن الإنسان لو دفع عن غيره زكاة وأجازه الغير، فإن الصحيح جواز ذلك.

فصل

ٌ

وَتَصِحُّ الكَفَالَةُ بِكُلِّ عَيْنٍ مَضْمُونَةٍ، وَبِبَدَنِ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ، لاَ حَدَّ وَلاَ قِصَاصَ، وَيُعْتَبَرُ رِضَا الكَفِيلِ لاَ مَكْفُولٍ بِهِ، فَإِنْ مَاتَ أَوْ تَلِفَتِ العَيْنُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالَى، أوْ سَلَّمَ نَفْسَه بَرِئَ الكَفِيلُ.

قوله: «فصل: وتصح الكفالة» الكفالة هي العقد الثالث من عقود التوثقة؛ لأن عقود التوثقة رهن وضمان وكفالة.
والكفالة التزام جائز التصرف إحضار بدن من عليه الحق، وإن شئت فقل: إحضار من يصح ضمانه؛ حتى تدخل الأعيان المضمونة كالعواري على القول بأنها مضمونة بكل حال، والمغصوب، وعهدة المبيع، وضمان التعدي في الأمانات.
وبهذا التعريف نعرف الفرق بينها وبين الضمان، فالضمان أن يلتزم إحضار الدين، وهذا إحضار البدن، فإذا أحضر الكافل المكفول وسلمه لصاحب الحق برئ منه، سواء أوفاه أو لم يوفه، وهذا فرق واضح وحينئذٍ تكون الكفالة أدنى توثقة من الضمان؛ لأن الضمان يضمن الدين، وهذا يضمن من عليه الدين، فإذا أحضره برئ منه، وإذا مات المكفول برئ، وإذا مات في الضمان لا يبرأ.
ولكن لو كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يحمل المعنى على العرف أو على الشرع؟ الجواب: على العرف؛ لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم، فعندنا الآن عرف متبع، إذا قال: أنا أكفل فلاناً، يريدون بذلك أن يضمن ما عليه من الدين.
لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالةَ غُرمٍ صار ضامناً، وإن أطلق فهي كفالة بدن، فيُعمل بالعُرف سواء في هذا أو هذا.

وقوله: «وتصح الكفالة» المؤلف ـ رحمه الله ـ تكلم على الكفالة وعلى الضمان، فيما سبق من حيث الحكم الوضعي، هل هما صحيحان أو غير صحيحين، لكن لم يتكلم عنهما من حيث الحكم التكليفي.
فما حكم الضمان، وما حكم الكفالة؟ سبق أن قلنا في الضمان: إنه سنة للضامن؛ لما فيه من مساعدة أخيه وتفريج كربته وغير ذلك، ولكننا قيدنا ذلك بما إذا كان الضامن قادراً على الوفاء، أما إذا كان فقيراً ثم بعد أن يحل الأجل يطالب وليس عنده شيء، فهذا خطأ وليس بمستحب؛ بل هو في أقل الأحوال أن يكون مكروهاً؛ لأنه يُلزم نفسه ما لا يلزمه.
وكذلك يقال في الكفالة، فالكفالة من حيث هي سنة للكفيل وهذا بشرط أن يعلم أنه قادر على إحضار بدن المكفول، أو إيفاء الدين عنه، فإن عرف من نفسه أنه غير قادر فلا ينبغي أن يكفل أحداً؛ ولهذا نجد الآن أناساً كثيرين يأتون وهم يشكون ديوناً عظيمة عليهم، سببها أنهم يكفلون الناس، والإنسان إذا عرف أن مكفوله متساهل ومتلاعب فلا يكفله.
فنقول: احرص على ألا تكفل؛ لأن الناس في الوقت الحاضر خاصة لا أحد يوثق به إلا من شاء الله.
أما من حيث المكفول والمضمون، فهذا لا يعتبر له رضاً، ولا يعتبر له علم؛ لأنه ليس عليه ضرر، وقد سبق لنا التفصيل في

مسألة الضمان أنه إذا كان عليه ضرر، فإنه لا ينبغي للضامن أن يُقْدِم ويضمن.
قوله: «بكل عين مضمونة» هل الأعيان التي تضمن هي التي تكفل؟ الجواب: لا، وإنما الذي يكفل بدن من عنده عين مضمونة، ولهذا تعتبر عبارة المؤلف ـ رحمه الله ـ قاصرة، أي: أنه اختصر اختصاراً مُخِلًّا؛ لأن الذي يقرأ هذه العبارة يفهم بأن الذي تكفل هي العين، وليس كذلك، بل الذي يكفل هو الشخص الذي عنده العين.
إذاً كل عين مضمونة، يصح كفالة بدن من هي عنده.
والعين المضمونة هي التي تضمن بكل حال سواء بتفريط أو بغير تفريط.
مثاله: المسروق عند السارق عين مضمونة، والمغصوب عند الغاصب عين مضمونة، المبيع بكيل أو وزن أو ما أشبه ذلك قبل قبضه هذا ـ أيضاً ـ من الأعيان المضمونة على البائع، فكل عين تضمن بكل حال فإنها تصح الكفالة ببدن من هي عنده.
أما بالنسبة للعارية فعلى ما جرى عليه المؤلف فهي عين مضمونة تصح كفالة من هي عنده، وأما على القول الصحيح فليست من الأعيان المضمونة؛ بل هي أمانة وإذا وجد فيها تلفاً، نظرنا هل يضمن أو لا يضمن؟.
قوله: «وببدن من عليه دين» لأن الحقوق الواجبة للغير إما

أعيان ـ واشترط المؤلف أن تكون مضمونة ـ، وإما ديون في الذمم.
فقوله: «وببدن من عليه دين» أي: تصح الكفالة ببدن من عليه الدين، كرجل في ذمته لشخص ألف ريال، فطالبه صاحب الحق، وأمسك به وقال: أوفني، ولكنه ليس معه شيء، فقال: سوف أرفعك إلى الجهات المسؤولة، فتقدم إنسان محسن، وقال: أنا أكفل الرجل؛ لأنه لو قال: أنا أكفل الدين صار ضامناً، لكن قال: أنا أكفل الرجل، يعني إحضاره، فهذا يصح.
ولا فرق في الدين بين أن يكون عن قرض، أو عن إجارة، أو عن قيمة متلف، أو قيمة مبيع، أو صداق، أو غير ذلك، المهم أن يكون الدين ثابتاً، فتجوز الكفالة ببدن من عليه دين.
قوله: «لا حد» أي: لا ببدن من عليه حد.
مثاله: رجل سارق أمسكته الجهات المسؤولة لتقطع يده، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأخبرهم بأني مستحق لقطع اليد فقالت الجهات المسؤولة: لا نتركك، لا بد من القطع الآن، فقال السارق: لي من يكفلني وهو فلان، يكفلني إلى أن أرجع، فتقدم رجل وقال: أنا أكفله فلا يصح أن يكفله؛ لأنه لو تعذر الاستيفاء من السارق، لم يمكن الاستيفاء من الكفيل، فأي فائدة في الكفالة؟ فلا فائدة في الواقع، أما لو كان عليه مال وجاء وقت الإحضار ولم يحضره أخذنا المال منه.
وقد يقول قائل: بل هناك فائدة؛ لأن هذا الرجل الذي كفله

له سلطة، فهو ـ مثلاً ـ أمير قومه، وهذا الرجل من قومه، ويستطيع أن يحضره، وَتَعَذُّر إحضاره أمر طارئ، وإلا فالأصل أن هذا الكفيل قادر على إحضاره، وبناءً على هذا يمكن أن يفرق بين شخص له القدرة التامة على إحضار بدن من عليه حد، وبين شخص عاديٍّ لا يستطيع، فالأول قد يقال: بصحة كفالته، والثاني: لا تصح بلا شك.
والمشهور من المذهب ـ الذي مشى عليه المؤلف ـ أنه لا تصح كفالةُ مَنْ عليه حَدٌّ بأي حال من الأحوال؛ والعلة في ذلك ما ذكرنا وهي تعذر الاستيفاء من الكفيل، لو تعذر الاستيفاءُ من المكفول.
قوله: «ولا قصاص» أي: من عليه قصاص، أي: أن يكون قاتلاً وطالب أولياء المقتول بقتله وثبت ذلك، وأردنا أن نقتله، فقال: ذروني أذهب إلى أهلي، وأكتب وصيتي، وأخبرهم بما عليّ من الديون وغيرها، ثم أرجع، فقيل له: من يكفلك؟ قال: يكفلني فلان، فلا يصح؛ لأنه لو تعذر حضور هذا الذي وجب عليه القصاص لم نتمكن من استيفائه من الكفيل، لكن يلاحظ أن القصاص أهون؛ لأنه إذا تعذر القصاص رجعنا إلى الدية، والدية يمكن أن يقوم بها الكفيل، ولهذا من صحح الكفالة في الحد فيمن يستطيع إحضار المكفول، فإنه يصحح الكفالة فيمن عليه قصاص من باب أولى؛ وذلك لأنه إذا تعذر القصاص لعدم حضور المكفول فإنه يمكن أن يعاد إلى الدية.
والمذهب أنه لا تصح كفالة بدن من عليه قصاص؛ ووجه

ذلك أنه لو تعذر حضور المكفول، لم نتمكن من استيفاء القصاص من الكفيل، فتكون الكفالة لا فائدة منها.
فالقاعدة في هذا تؤخذ من التعليل (أن كل شخص لا يمكن الاستيفاء منه لو تغيب المكفول فإنه لا يصح أن يكفل).
مثال آخر: امرأة أمسكت بزوجها ولها ضرة، وقالت: أنت لا تقسم لي، فالليلة المقبلة لي، وأنت لم تحضر قبل ليلتين، أو أربع ليالٍ والآن لا بد من المحاكمة، فقال لها: أمهليني، فقالت: لا أمهلك، فقام رجل فقال: أنا أكفل الرجل أن يحضر إليك، فهذا لا يمكن؛ لأن المكفول لو لم يحضر، فإن الكفيل لا يمكن أن يقوم مقام المكفول.
فالقاعدة أنه متى تعذر الاستيفاء من الكفيل فإن الكفالة لا تصح؛ وذلك لعدم الفائدة منها، وأحكام الله لا تؤخذ باللعب واللغو الذي لا فائدة منه.
قوله: «ويعتبر رضا الكفيل لا مكفول به» وهذا معلوم؛ لأنه سوف يلتزم بحق وإذا لم يرض بذلك فإنه لا يلزم به، والمكفول له لا تمكن له الكفالة إلا بطلب منه، فإذا تقدم إنسان يكفل له، وقال المكفول له: لا حاجة في أن تكفل فلاناً أنا أعرفه، فهنا لا كفالة؛ لأن المكفول له يجوز له إسقاط الكفالة بعد ثبوتها، فعدم قبولها من أول الأمر من باب أولى.
وقوله: «لا مكفولٍ به» المكفول به في الواقع هو الدين أو الحق، والعبارة السليمة: «لا مكفول» يعني لا يعتبر رضا المكفول، فلو قال إنسان لشخص: أنا أكفل فلاناً، فقال

المكفول: أنت تكفلني؟! أنا أوثق منك عند الناس وأوفى منك، وأعلى منك حسباً، أنت تكفلني، من أنت؟! فهنا يقول: أنا لا أرضى أن تكفلني، فهل يعتبر؟ الجواب: لا يعتبر؛ لأن عندنا حقاً للمكفول له، وحقاً للكفيل فهما صاحبا الحق، أما المكفول فليس له حق، لكن كما سبق في الضمان، إذا كان يترتب على هذا سوء السمعة بالنسبة للمكفول، فإنه لا يجوز أن يتقدم أحد في كفالته؛ لأن ذلك يضر بسمعته، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1. قوله: «فإن مات» الضمير يعود على المكفول، أي: إن مات برئ الكفيل حتى من الدين؛ لأنه لما مات المكفول فلا يمكن إحضاره، فإن طالب من له الحق بإحضاره، قال له الكفيل: تعال وأوقفه عند المقبرة، وقال له: خذ حقك منه!! وهذا لا يمكن، ولو قيل هذا القول له، لقال: إنها سخرية بي، فيقال: إذا مات المكفول برئ الكفيل، وهذا من الفروق بين الكفالة والضمان، فالضمان إذا مات المضمون لم يبرأ الضامن، أما الكفالة فإذا مات المكفول برئ الكفيل.
قوله: «أو تلفت العين بفعل الله تعالى» وهذا يعود على ما إذا كفله بعين مضمونة فتلفت العين بفعل الله، مثل أن يأتي سيل عظيم يجترف هذه العين، فهذه تلفت بفعل الله لا بتعدٍّ ولا تفريط فيبرأ الكفيل، ولو كان ضماناً لم يبرأ.
وعلم من قول المؤلف: «بفعل الله» أنها لو تلفت بفعل

آدمي فإن الكفيلَ لا يبرأ؛ لأن الكفيل في هذه الحال يمكنه مطالبة المتلف، فيقول للمتلف: أحضر بدل ما أتلفت، لكن إذا كانت العين تلفت بفعل الله فإنه يبرأ ولا ضمان عليه.
قوله: «أو سَلَّم نفسه برئ الكفيل» «سلم» الفاعل هو المكفول، سلم نفسه وجاء في الوقت المحدد فإنه يبرأ الكفيل، وهذا واضح إذا سلمه عند حلول الأجل.
مثاله: الدين يحل في أول يوم من رمضان، فجاء هذا الرجل أول يوم من رمضان وسلم نفسه لصاحب الحق، فإنه يبرأ الكفيل، سواء قدر على الاستيفاء منه أم لم يقدر؛ لأنه إنما التزم بإحضار بدنه وقد حضر.
فإن سلم نفسه قبل حلول الأجل فهل يبرأ؟ فيه تفصيل، إن سلم نفسه قبل حلول الأجل وليس ثَمَّة يد ظالمة تحول بينه وبين استيفاء حقه فلا بأس وإلا فلا؛ لأنه لو سلم نفسه قبل أن يحل الدين، ربما يكون هذا حيلة ليبرأ الكفيل، ثم بعد ذلك يهرب، لكن إذا لم يكن هناك يد حائلة ظالمة تمنع من استيفاء الحق، فلا بأس بأن قال: أنا الآن أسلم نفسي وأعطيك الحق الآن.
وإن أُبرئ المكفول برئ الكفيل، كما ذكرنا في الضمان، إذا برئ المضمون عنه برئ الضامن؛ لأن القاعدة أنه إذا برئ الأصل برئ الفرع، وإن أبرئ الكفيل لم يبرأ المكفول، لأنه لا يبرأ الأصل ببراءة الفرع.

بَابُ الحَوَالَةِ

قوله: «باب الحَوَالَة» الحوالة معناها التحويل أو التحول، أي: تحول الحق من ذمة إلى ذمة، وهو عبارة عن انتقال الحق من فلان إلى فلان، مثاله: عندي لشخص مائة درهم وعند زيد لي مائة درهم، فجاء يطلبني حقه الذي عليَّ فقلت له: أحلتك به على زيد، فالآن نقلتُ الحق من ذمتي أنا المطلوب، إلى ذمة رجل آخر وهو الذي أنا أطلبه.
وهي من حسن القضاء والاقتضاء؛ لأن المحال إذا قَبِل فقد يسر الأمر على المحيل؛ ولأن المحيل ـ أيضاً ـ إذا أحال صاحبَ الدين بدينه فهذا من التيسير؛ لأن المحيل قد يكون معسراً فيحيله على موسر.
وهي من الإحسان والمعروف، إذا كان فيها تسهيل وتيسير على المكلف.
أما حكمها شرعاً فإنها جائزة بل مستحبة بل واجبة عند بعض العلماء لكن بشروط، والدليل على جوازها قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ومن أحيل بدَينه على مليء فليحتل» 1 فهذا أصل في جواز الحوالة، لكنها لها شروط: الشرط الأول: ذكره المؤلف في قوله:

لاَ تَصِحُّ إِلاَّ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَلاَ يُعْتَبَرُ اسْتِقْرَارُ المُحَالِ بِهِ، وَيُشْتَرَطُ اتِّفَاقُ الدَّيْنَيْنِ جِنْساً وَوَصْفاً وَوَقْتاً وَقَدْراً، وَلاَ يُؤَثِّرُ الفَاضِلُ.

«لا تصح إلا على دينٍ مستقر» أي: أنه لا بد من استقرار المحال عليه، عندنا الآن دَيْنان، محال به ومحال عليه، وعندنا مُحيل ومحتال ومُحال عليه، فالدَّينان أحدهما عند المحيل والثاني عند المحال عليه، والمحيل هو المطلوب والمحتال هو الطالب والمحال عليه ـ أيضاً ـ هو المطلوب للمحيل.
فلا بد أن يكون الدين المحال عليه مستقرّاً، أي ثابتاً ثبوتاً ليس فيه فسخ أو عرضة لفسخ، كثمن المبيع، والأجرة بعد تمام المدة، والقرض، وغُرم الجنايات، وما أشبهها.
المهم أن يكون على دين مستقر، احترازاً من الدَّين غير المستقر كدين الكتابة.
مثاله: إنسان كاتب عبده بعشرة آلاف، فصار على العبد دين، حيث اشترى نفسه من سيده بعشرة آلاف ريال، فلا يملك السيد الآن أن يحيل على الدين الذي في ذمة المكاتب؛ لأنه غير مستقر، فإذا كان هذا السيد عليه عشرة آلاف وأراد أن يحيل صاحب الدين على دين الكتابة، فقد تحصل وقد لا تحصل، فيكون هذا الذي تحول إما سالماً وإما غارماً، أي: أنه لا يدري هل يغرم أو يحصل على حقه؛ لأن هذا العبد قد يعجز عن تسليم المال المكاتب عليه فيضيع حق المحتال، فلهذا لا بد من أن يكون المحال عليه مستقراً.
كذلك مهر المرأة قبل الدخول غير مستقر على الزوج؛ لأنه لا يستقر إلا بالدخول، فإذا أحالت المرأة به على الزوج صارت الحوالة غير صحيحة؛ لأنه غير مستقر؛ لأنه ما دام لم يدخل فيجوز أن يجد فيها عيباً فيفسخ النكاح ويأخذ المهر كاملاً، ويجوز أن

يطلقها فتستحق نصف المهر، ويجوز أن يدخل بها فتستحق المهر كاملاً، إذاً فالمهر هنا دين غير مستقر فلا تصح الحوالة عليه.
قوله: «ولا يُعتبر استقرارُ المحالِ به» أي أن المحال به لا يشترط استقراره وهو الدين الذي على المحيل، والمحال عليه هو الدين الذي على الشخص المحال عليه، فلو أن المكاتب أحال سيده بدينه على من في ذمته دين مستقر للمكاتب، فإن الحوالة صحيحة؛ لأنه لا يشترط استقرار المحال به، ومثل لو أحال الزوج زوجته بمهرها قبل الدخول على شخص يطلبه فيجوز، مثال ذلك: تزوجت امرأة بعشرة آلاف ريال وأطلب رجلاً بعشرة آلاف ريال، فأحلتها بعشرة آلاف ريال على الرجل الذي أطلبُه فهذا يجوز؛ لأن طلبي على فلان مستقر، لكن طلب المرأة عليَّ غير مستقر، لكنه لا يضر؛ لأن استقرار المحال به ليس بشرط، لكن هذه المرأة لا تملك أن تطالب هذا الرجل بمهرها قبل الدخول، لكنها تعرف أن حقها عند هذا الرجل.
فالشرط أن تكون على دين مستقر، فإن كانت على عين فتوكيل، وإن كانت على دين غير مستقر لم تصح، وإن كان على غير دين ولا عين فهذه لا تصح حوالة، لكنها توكيل في الاستقراض.
الشرط الثاني قوله: «ويشترط اتفاق الدَّينين» أي المحال به، والمحال عليه.
قوله: «جنساً ووصفاً ووقتاً وقدراً» أي: اتفاقهما في أربعة أمور:

الأمر الأول: الجنس، بأن يحيل مائة صاع بر في ذمته، على من له في ذمته مائة صاع بر، فإن أحاله بمائة صاع بر على مائة صاع شعير فإنه لا يصح، لاختلاف الجنسين، فهي ليست حوالة ولكنها في الحقيقة بيع.
وأيضاً لو أحاله بعشرة دنانير على عشرة دراهم، فلا يصح لاختلاف الجنسين.
الأمر الثاني: الوصف بأن يكون كل منهما جيداً، أو رديئاً، أو وسطاً، وظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح أن يحيل جيداً على رديء، ولا رديئاً على جيد، وفي هذا نظر؛ لأنه لا محظور من ذلك، فإذا أحال بجيد على رديء، وقَبِلَ المحال الرديء عن الجيد فما المانع؟ ما دام الجنس واحداً والقدر واحداً، فليس فيه ربا ولا غرر.
فهذا الذي أحيل بالجيد على رديء، يقول: أنا أحب أن آخذ الرديء ولا يبقى حقي في ذمة هذا الرجل الفقير أو المماطل.
وكذلك العكس، لو أحال بمائة صاع رديء على مائة صاع جيد فليس في ذلك شيء؛ لأن المحيل الآن أحال باختياره، كما لو أوفاه جيداً عن رديء.
فالصواب أن الوصف إذا قصد به الرداءة والجودة أنه لا بأس به.
الأمر الثالث: الوقت، وذلك فيما إذا كان الدَّينان مؤجلين، فلا بد من اتفاق الدينين في الأجل، فلا يحيل ما يحل بعد شهر،

على ما يحل بعد شهرين، أو ما يحل بعد شهرين على ما يحل بعد شهر؛ وذلك لعدم الاتفاق في الوقت، ولا يجوز أن يحيل مؤجلاً بحال ـ أيضاً ـ للاختلاف في الوقت.
وهذا ـ أيضاً ـ فيه نظر، فأي مانع يمنع إذا أحلت عشرة دراهم تحل بعد شهر، على عشرة دراهم لا تحل إلا بعد شهرين ورضي المحال؟ فليس في ذلك أي ضرر، والصحيح أنه جائز.
قد يقول قائل: إن هذه تشبه بيع الدراهم بالدراهم إلى أجل؟ فيقال: هذا ليس بيعاً، ولكنه استيفاء، ومن المعلوم أنه لو عجل المؤجل، أو أجل المعجل، فإنه لا بأس به، فالصواب إذن أنه لا يشترط اتفاقهما في الوقت.
الأمر الرابع: القدر فيشترط ـ أيضاً ـ اتفاق الدَّينين قدراً، فلا يحيل بعشرة على ثمانية؛ لأن هذا يشبه البيع، والبيع مع التفاضل لا يجوز، فلو أسقط عنه اثنين، وأحاله على فلان بثمانية فهذا يجوز، لأنه لما أسقط الاثنين صار الذي عنده ثمانية، فإذا أحاله بها على من يطلبه ثمانية تساويا.
أما بثمانية على عشرة فلا بأس، ولهذا قال المؤلف: «ولا يؤثر الفاضل» يعني الزائد في المحال عليه، ولا بأس به؛ لأنه كأنه أحاله على ثمانية من عشرة، وهذا لا بأس به، وهذا معنى قوله: «ولا يؤثر الفاضل» ويبقى الفاضل لصاحبه.
فإن قال: أحلتك بثمانية على عشرة ليقبض كل العشرة؟ فهذا لا يجوز، لأنه صار معاوضة، والمعاوضة بين جنسين ربويين لا بد أن يكون أحدهما مساوياً للآخر إذا كان الجنس واحداً،

ومعلوم أنه إذا اختلف الجنس فهو معاوضة من باب أولى.
فصار اتفاقهما في القدر تحته أمران: الأول: التحويل بالناقص على الزائد، على أساس أنه يأخذ مقدار حقه والباقي يبقى في ذمة المحال عليه، فهذا جائز.
الثاني: التحويل بالزائد على الناقص ـ على كلام المؤلف ـ لا يصح، لكن ما هو الطريق للصحة؟ الجواب: الطريق أن يبرئه من الزائد، ثم يحيله على المساوي.
فإذا قال: أنا أريد أن أبرأ منه نهائيّاً؟ قلنا: الطريق إلى هذا أن يبرئه من الزائد ثم يحيله، وهذه حيلة لا بأس بها؛ لأنها حيلة على مباح.
ولو قيل: إذا لم يكن في المسألة إجماع، فإنه يصح بدون إبراء لكان له وجه؛ لأن حقيقة تحول الدائن على ما هو أقل من حقه حقيقته الإبراء، لكن بدلاً من أن يقول: أبرأتك ثم ذاك يقول: أحلتك، اكتفى بالحوالة.
والخلاصة: (أن الحوالة من باب الاستيفاء، فإذا انقلبت إلى معاوضة صار لا بد من مراعاة شروط البيع المعروفة)، هذه هي القاعدة، أما هذه الشروط التي ذكرها المؤلف فكما سبق أن بعضها فيه نظر.

وَإِذَا صَحَّتْ نَقَلَتِ الحَقَّ إِلَى ذِمَّةِ المُحَالِ عَلَيْهِ وَبَرِئَ المُحِيلُ. وَيُعَتَبرُ رِضَاهُ لاَ رِضَا المُحَالِ عَلَيْهِ، وَلاَ المُحْتَالِ عَلَى مَلِيءٍ

قوله: «وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل» وتصح الحوالة بتمام الشروط وانتفاء الموانع؛ لأن كل

شيء من عبادة أو معاملة لا يصح إلا باجتماع شروطه وانتفاء موانعه، فإذا صحت نقلت الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، وبرئ المحيل براءة تامة، والحوالة غير الضمان، فالضمان سبق أنه لا ينقل الحق؛ فلا ينقل الحق من ذمة المضمون عنه إلى ذمة الضامن، وكذلك الكفالة، لكن الحوالة تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه، ويبقى المحيل بريئاً.
ولكن يشترط هنا وفي كل عقد أن يكون العاقد جائز التصرف، وكل عقد ـ أيضاً ـ لا بد أن يكون من مالك للعقد أو من يقوم مقامه، فهذان الشرطان يُصطحبان في كل عقد في البيوع والأوقاف والرهون والهبات والأنكحة وغيرها.
ولو فرض أن المحال عليه أعسر، فهل يرجع المحال على المحيل؟ الجواب: لا؛ لأن الحق انتقل وبرئ المحيل براءة تامة.
وقوله: «وإذا صحت نقلت الحق إلى ذمة المحال عليه وبرئ المحيل»، دليل ذلك قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيل بدينه على مليء فليحتل» 1، أي: يتحول من المحيل إلى المحال عليه، فلو كان رجل عليه مائة ألف، وأحال بها على شخص، وتمت الشروط، ثم إن المحال عليه افتقر، فإن المحال لا يملك الرجوع إلى المحيل، فيقول المحيل: أنا أحلتك والحوالة تمت، وإذا تمت، فإنها تنقل الحق من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.

قوله: «ويعتبر رضاه» هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة الحوالة.
والدليل على ذلك أن الله ـ تعالى ـ قال: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، فالرضا لا بد منه في جميع العقود حتى عقد النكاح ـ على القول الراجح ـ فيما إذا كانت البنت بكراً.
قوله: «لا رضا المحال عليه» المحال عليه لا يعتبر رضاه، فلو أحال رجل بدينه على آخر، وقال المحال عليه: لا أقبل؛ لأن المحتال رجل سيئ الطلب، ويتعب المطلوب، أنا أريد الأول؛ لأنه أسهل وأيسر، فلا يملك ذلك، قال العلماء: لأنه ـ أي: صاحب الحق ـ يملك استيفاءه بنفسه وبوكيله، والمحتال كأنه وكيل، فكما أن لصاحب الحق أن يوكل رجلاً خصماً لدوداً في استيفاء حقه فله أن يحيله أيضاً.
وإذا امتنع المحيل عن الحوالة لكونه فقيراً، فهل يملك صاحب الدين أن يجبره على إحالته على دينه في ذمة غني؟ الجواب: على كلام المؤلف لا يملك؛ لأنه يشترط رضاه على كل حال.
فلو قال الدائن: أنت الآن ليس عندك شيء، لكن لك في ذمة فلان الغني الباذل كذا وكذا، فأحلني عليه، فقال: لا أحيلك، فإنه لا يلزمه، لكن لو رأى القاضي أن إحالته لا بد منها فله ذلك، ونظير هذا، لو أن المدين غيَّبَ ماله وقال: ليس عندي شيء، وكان عنده مال، لكنه غيبه وكتمه، فإنه يُلزم بأن يظهر هذا

المال ويوفي منه، فالقول بأنه في هذه الحال لا يعتبر رضاه وأنه يجبر على الإحالة قول قوي؛ لئلا يضيع حق صاحب الدين.
قوله: «ولا المحتال على مليء» المحتال في رضاه تفصيل إن كان على مليء لم يعتبر رضاه، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم، وإذا أحيل أحدكم بدينه على مليء فليحتل» 1، ومفهومه أنه إذا أحيل على غير مليء لا يلزمه الاحتيال، فصار المحيل والمحتال والمحال عليه باعتبار الرضا على ثلاثة أقسام: الأول: من يعتبر رضاه بكل حال وهو المحيل.
الثاني: من لا يعتبر رضاه على كل حال وهو المحال عليه.
الثالث: من فيه التفصيل وهو المحتال، إن كان على مليء لم يشترط رضاه، وإن كان على غير مليء اشترط رضاه.
ومن هو المليء؟ الجواب: قال العلماء: هو القادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه.
أما «قوله»: فألا يكون كاذباً يَعِدُ ويُخْلِفُ، وهذا هو المماطل، فإذا أحاله على شخص غني، لكن من عادَته أن يماطل فيعد ويكذب، فإنه يعتبر رضا المحتال.
«وماله» بأن يكون عنده مال يستطيع الوفاء منه، فإن كان فقيراً اعتبر رضا المحتال.

«وبدنه» وهو أن يمكن إحضاره عند المحاكمة إلى مجلس الحكم، فإن كان لا يمكن محاكمته شرعاً أو عادة، فإنه لا يلزمه أن يتحول، ولا بد من رضاه.
والذي لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم شرعاً الأب، فإن العلماء ـ رحمهم الله ـ يقولون: لا تمكن مطالبة الأب بالدَّيْن، إلا ما كان من النفقة فقط، أما غيره فلا يمكن، فلو استقرض أبوك منك مالاً، وطالبته به فلا يمكن أن تحضره إلى مجلس الحكم، ولو طالبته أن يحضر فإن القاضي لا ينظر في ذلك، فإذا أحالك إنسان إلى أبيك، فقال: أنت تطالبني بعشرة آلاف، وأنا أطالب والدك بعشرة آلاف، أحيلك على أبيك، فهل لك أن ترفض؟ هذه مشكلة؛ لأنك لو رفضت، صار قدحاً عظيماً في والدك، وإن قبلت ربما يضيع حقك.
ونحن عرفنا المسألة فقهاً، أما واقعاً، فينبغي للإنسان أن ينظر إلى ما يترتب على ذلك من مفاسد، فقد يكون بره بأبيه ورفع معنوية أبيه خيراً من أن يحصل على مقصوده.
ومثال من لا يمكن إحضاره لمجلس الحكم عادة السلطان.
مثاله: إنسان يطلب منك عشرة آلاف ريال، وأنت تطلب من الأمير عشرة آلاف ريال، فقلت: أحلتك على الأمير، فهنا لا يلزمه القبول، ولا بد من رضاه؛ لأن الأمير لا تمكن مطالبته، فإذا ألزمناه بأن يتحول صار هذا سبباً لضياع حقه، والظلم ظلمات يوم القيامة.
إذاً رضا المحتال فيه تفصيل: إن كان على مليء لم يُعتبر

رضاه، وإن كان على غير مليء اعتبر رضاه، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وهو ما مشى عليه المؤلف، بناء على أن الأمر في قوله: «فليحتل» للوجوب، وعلى هذا فيجبر المحتال أن يتحول وتبرأ ذمة المحيل إذا كان المحال عليه مليئاً.
وذهب أكثر العلماء إلى اعتبار رضاه حتى وإن أحيل على مليء، وقالوا: إن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «فليحتل» 1، على سبيل الاستحباب وليس على سبيل الوجوب؛ لأنه من حُسن الاقتضاء، وأنا أميل إلى هذا القول وأنه لا يجب قبول التحول؛ لأنه صاحب حق، وأنت ربما تُحيلني على مليء، قادر على الوفاء بقوله وماله وبدنه، وأستطيع أن أحضره إلى مجلس الحكم، لكن له احترام عندي، إما أنه أخ، أو قريب، أو صديق، أو ذو شرف وجاه، فكيف تجبرني؟ أو بالعكس، فلا أُنَزِّل نفسي بمنزلة هذا السفيه مثلاً.
فالصواب أنه لا بد من رضا المحتال سواء كان على مليء أم على غير مليء، وهو قول الجمهور.

وَإِنْ كَانَ مُفْلِسَاً وَلَمْ يَكُنْ رِضِيَ رَجَعَ بِهِ وَمَنْ أُحِيلَ بِثَمَنِ مَبِيعٍ، أَوْ أُحِيلَ بِهِ عَلَيْهِ فَبَانَ البَيْعُ بَاطِلاً فلا حَوَالَةَ، وإذا فُسِخَ البيعُ لم تَبْطُلْ.
ولَهُمَا أَنْ يُحِيلا.

قوله: «وإن كان مفلساً» أي: المحال عليه.
قوله: «ولم يكن» أي: المحتال.
قوله: «رضي» أي: بالحوالة عليه.
قوله: «رجع به» أي: بما أحيل به.
مثال ذلك: أحلت فلاناً على زيد ثم تبين أنه مفلس، فإنه يرجع بذلك؛ لأن صاحبه كان مفلساً، لكن إن رضي المحتال،

وتبين أن المحال عليه مفلس، فإنه لا يرجع، وهذه المسألة لها ثلاث حالات: الحال الأولى: ألا يكون المحتال رضي، بأن قال المحيل للمحتال: أحلتك على فلان وهو مفلس ليس عنده دراهم، فقال: لا أقبل، فهنا يرجع قولاً واحداً، ولا خلاف في ذلك؛ لأنه يشترط للمحتال على غير مليء أن يكون راضياً، وهنا لم يرض، فيرجع بلا خلاف.
الحال الثانية: أن يعلم أنه مفلس ويرضى بذلك، فهنا لا يرجع بلا خلاف؛ لأنه رضي به فلا يرجع.
الحال الثالثة: أن يرضى وهو لا يعلم بحاله ثم يتبين أنه مفلس، فعلى كلام المؤلف لا يرجع؛ لأنه قيد ذلك بما إذا لم يكن رضي، وهذا الرجل رضي.
فإن قال المحتال: أنا رضيت، أحسب أن فلاناً غني، فلما تبين أنه مفلس أريد أن أرجع إلى الذي أحالني، وآخذ حقي منه؟ قلنا: لا رجوع لك؛ لأنك فرطت، فلماذا لم تشترط الملاءة حين أحالك، وأنت لا تدري عن صاحبك المحال عليه؟ فيقال: ما دمت أنك لم تشترطها فأنت الذي فرطت فلا رجوع لك.
فالأحوال إذن ثلاث: حالتان لا خلاف فيهما، وحالة فيها التفصيل.

الأولى: إذا كان يعلم أنه مفلس ورضي، فلا رجوع، قولاً واحداً.
الثانية: إذا كان لم يرض، والمحال عليه مفلس، فيرجع بكل حال.
الثالثة: إذا كان رضي، ولم يعلم عن حال المحال عليه، ثم تبين أنه مفلس فيقول المؤلف: إنه لا يرجع؛ لأنه مفرط، فلماذا لم يشترط أن يكون المحال عليه مليّاً حين كان يجهل حاله؟ وقيل: إنه يرجع في هذه الحال؛ لأن كثيراً من الناس قد يستحي أن يستفصل أو يشترط عند الحوالة، ويحسن الظن بالمحيل والمحال عليه ويسكت، فإذا تبين أنه مفلس فإنه يرجع، ولا سيما إذا غلب على ظننا أن المحيل قد غرَّه، وهو يعلم أنه مفلس ولم يخبره، فهنا يتوجه القول بالرجوع.
كذلك ـ أيضاً ـ لو كانت حال المحال عليه جيدة، وكان غنيّاً بالأمس، وقَبِلَ المحتال الحوالة دون اشتراط الملاءة، بناءً على حال المحال عليه، وأنه غني، ثم تبين أن المحال عليه قد أصيب بجائحة، وأنه لا يمكن الاستيفاء منه، فحينئذٍ يتوجه القول بأنه يرجع؛ لأن المحتال إنما قبل بناءً على ما كان من حال المحال عليه.
فتبين الآن ما ذهب إليه المؤلف، والراجح فيه تفصيل، وهو أننا إذا علمنا أن المحيل قد غر المحتال بحيث يكون عالماً بإفلاس المحال عليه ولم يخبره، أو كان المحتال قد بنى على

حال المحال عليه من قبل، حيث كان غنيّاً ثم اجتيح ماله فإن له أن يرجع، وإلا فإن ما ذهب إليه المؤلف وجيه؛ لأن المحتَال مفرِّط، إذ كان يلزمه أن يسأل ويبحث عن المحال عليه، أو على الأقل أن يشترط عند التحويل أن يكون مليّاً.
قوله: «ومن أحيل بثمن مبيع، أو أحيل به عليه فبان البيع باطلاً فلا حوالة، وإذا فسخ البيع لم تبطل» الصورة الأولى عندنا بائع ومشترٍ ومحال عليه، ثلاثة، فالذي يُحال بثمن المبيع البائع، يعني أن المشتري أحال البائع على مدين له فَقَبِل الحوالة، ولكن تبين أن البيع باطل، فالحوالة باطلة؛ وذلك لأن المبني على باطل يكون باطلاً.
مثال ذلك: عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات، فأحال عبدُ الرحمن الطاهرَ على سامي، لأنه كان مديناً له، فتبين بطلان البيع لكون الكتاب وقفاً والوقف لا يباع، فهنا تبطل الحوالة والبائع يرجع على المشتري بالمبيع، وهو هنا الطاهر فيأخذ كتابه وتنتهي المسألة.
ولكن إذا فسخ البيع فإنها لا تبطل، مثلاً لما اشترى عبد الرحمن الكتاب من الطاهر وجد فيه عيباً، فرده لعيبه، فهذا فسخ للعقد فالحوالة لا تبطل، وللطاهر أن يطالب سامياً بالثمن؛ لأنه أحيل عليه به، فله أن يطالبه، ولكنه إذا قبضه يرده إلى المشتري وهو عبد الرحمن؛ لأنه فسخ العقد.

إذاً إن كانت الحوالة مبنية على باطل فهي باطلة، وإن كانت مبنية على صحيح ولكن فُسخ، فالحوالة صحيحة ولا تبطل.
فإن طالب الطاهر ـ الذي هو البائع ـ المحال عليه ـ وهو سامي ـ بالثمن، فقال سامي: ما دام البيع قد فسخ فلا حق لك، أنا أعطي ديني الذي عليَّ لصاحبي فهل يملك ذلك؟ لا يملك هذا؛ لأن المفروض أن الذي يسلم الثمن بعد الفسخ هو البائع، وهو سيقول: إن البيع لما فسخ فإن المشتري سوف يطالبني، فأعطني الدراهم التي أُحلت بها عليك وأنا أسلمها للمشتري.
وقوله: «أو أحيل به عليه» هذه هي الصورة الثانية، أي: أحيل بثمن المبيع على شخص، أي أن البائع أحال شخصاً يأخذ الثمن من المشتري، يعني عكس الصورة الأولى، مثلاً الطاهر باع كتاباً لعبد الرحمن، وسامي يطلب الطاهرَ ديناً له عليه فأحال الطاهرُ سامياً على عبد الرحمن.
فللمسألة صورتان، تارة يحيل المشتري البائعَ على مدين له، وتارة يحيل البائعُ مدينَه على المشتري.
قوله: «ولهما أن يحيلا» يعني للمشتري في الأولى، وللبائع في الثانية.
ففي المثال الأول عبد الرحمن اشترى من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات وأحال الطاهرَ على سامي بالعشرة، فثبتت العشرة التي في ذمة سامي للطاهر، فللطاهر لما فسخ البيع أن يحيل المشتري ـ عبد الرحمن ـ على سامي؛ لأن عبد الرحمن لا يملك

مطالبة سامي؛ لأن الحق انتقل إلى البائع ـ الذي هو الطاهر ـ فللبائع أن يحيل عبد الرحمن على سامي.
فالطاهر الآن صار مديناً للمشتري ـ عبد الرحمن ـ فأحاله على مدينه ـ سامي، وسامي كان مديناً لعبد الرحمن ـ المشتري؛ ثم صار مديناً للبائع ـ الطاهر ـ فأحال البائع بدينه عليه.
وفي المسألة الثانية: [المثال الثاني] بالعكس، البائع أحال مدينه على المشتري.
مثال ذلك: اشترى عبد الرحمن من الطاهر كتاباً بعشرة ريالات، فثبت في ذمة عبد الرحمن للطاهر عشرة ريالات، كان سامي يطلب الطاهر عشرة ريالات، فقال له الطاهر: أحلتك على عبد الرحمن ـ المشتري ـ فإذا فسخ البيع، فإن سامياً سوف يستلم من المشتري ـ عبد الرحمن ـ وهنا سوف يحيل المشتري ـ عبد الرحمن ـ سامياً على البائع ـ الطاهر ـ.

بَابُ الصُّلح

قوله: «

باب الصلح

» الصلح مصدر صالح يصالح صلحاً، ويشتق منه ـ أيضاً ـ أصلح يصلح إصلاحاً، وهو في اللغة قطع النزاع.
والصلح عقد يحصل به قطع النزاع بين المتخاصمين، هذا هو الأصل، وله أنواع كثيرة، ويتعلق بجميع الحقوق المالية وغيرها، فكلها يمكن أن يقع فيها الصلح، قال الله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128]. وهذا فيما بين الزوجين من حقوق، وقال الله تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: 114]، وجاز شرعاً أن يكذب الإنسان من أجل السير إلى الصلح والمصالحة بين الناس، وحث الشرع على الإصلاح بين الناس، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه صالح المشركين في غزوة الحديبية 1، وهذا فيما يقع بين المسلمين والمشركين من العهود.
ولكن يمتنع الإصلاح في حالة واحدة، وهي ما إذا تبين للقاضي أن الحق مع أحد الخصمين، فإن الصلح هنا ممتنع ولا يجوز ما لم يبين لصاحب الحق أن الحق له، ثم يطلب منه الصلح؛ لأنه يوجد قضاة علمهم ضعيف، فكل مسألة ترد عليهم يجعلونها صلحاً، وهذا حرام ولا يجوز.

المهم أن الصلح جارٍ في كل شيء، وبين كل متعاقدين، وهو كما جاء في الحديث المرسل الذي تلقته الأمة بالقبول «الصلح جائز بين المسلمين»، أي في كل شيء، وجائز بمعنى نافذ، «إلاَّ صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» 1، أي: فإنه لا ينفذ.
والصلح أنواع، فيكون في الحقوق والأموال والأعراض، كل شيء، ولهذا أطلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ فقال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] وهنا في هذا الباب، يريد الفقهاء به الصلح في الأموال، ويذكرون الصلح في النزاع بين الزوج وزوجته في باب عِشْرَة النساء، وفي باب أهل الزكاة في الغارم لإصلاح ذات البين، ففي كل موضع بحسبه، فالذي معنا هنا الصلح في الأموال، وهو على نوعين صلح على إقرار وصلح على إنكار، أي: الصلح يكون على شيء أقرَّ به مَنْ عليه الحق، ويكون على شيء أنكره من عليه الحق.
الأول: الصلح على إقرار، وقد بينه المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «إذا أقر له بدين أو عين فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح».

إِذَا أقَرَّ لَهُ بِدَيْنٍ أوْ عَيْنٍ فَأسْقَطَ أَوْ وَهَبَ البَعْضَ وَتَرَكَ البَاقِيَ صَحَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ شَرَطَاهُ، وَمِمَّنْ لاَ يَصِحُّ تَبَرُّعُهُ.

قوله: «إذا أقر له بدين» بأن قال: في ذمتي لك ألف ريال.
وقوله: «أو عين» بأن قال: هذا المسجل لك.
وقوله: «فأسقط» يعود على الدين.
وقوله: «أو وهب» يعود على العين، ففيه لف ونشر مرتب، يعني يذكر شيئين ثم يثني بمثل حكمهما مرتباً؛ لأنه أعاد الأول على الأول والثاني على الثاني، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ *خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ *﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود]، فهذا يسمى لفّاً ونشراً مرتّباً.
وهناك لف ونشر غير مرتب، بأن يُذكر ما يعود على الثاني، ثم ما يعود على الأول، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ [آل عمران: 106]، هذا لف ونشر غير مرتب.
وهذه كلها من أساليب البلاغة، ولا بد لكل ما خالف الأصل من فائدة، وإلا فالأصل أن يكون اللف والنشر مرتبين.
وقوله: «فأسقط أو وهب البعض وترك الباقي صح»، بأن قال حينما أقر له بمائة ريال قال: أسقطت عنك خمسين ريالاً صح؛ لأن هذا إبراء محض وإحسان ومطلوب، ولكن قد يقال: أين هذا من الصلح؟ فهل حصل نزاع حتى يحصل صلح؟! الجواب: الفقهاء يقولون: لو وقع هذا بلفظ الصلح لم يصح، وهذا وجه إدخاله في باب الصلح، فلو أن صاحب الحق قال للمقر: قد صالحتك على بعض الدين، يقولون: لا يصح، لأنه لا

يمكن أن يصالحه عن ماله ببعضه، لكن القول الثاني أنه يصح بلفظ الصلح؛ لأن المقصود المعنى.
وكذلك لو أقر له بعين فقال: وهبتك نصفها أو ربعها أو ما أشبه ذلك فإنه جائز، لكن لو قال: صالحتك بنصفها فالفقهاء يقولون: لم يصح؛ وهذا وجه إدخاله في باب الصلح، والصحيح أنه يجوز ولو وقع بلفظ الصلح ولكن بشروط: قوله: «إن لم يكن شرطاه» أي: المتنازعان، أو إن لم يكن شرطاً، أي: بشرط ألا يكون المقر أقر للشخص بهذا الشرط، أي: بأن منعه حقه إلا بأن يسقط أو يهب، فإن كان كذلك فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه فهذا حرام، ومن أكل المال بالباطل، ولكن هل لا يجوز للمسقِط أو لا يجوز للمسقَط عنه؟ أيهما الظالم؟ الجواب: الظالم هو المسقَط عنه، إذا قال: أنا أقر لك بهذا الدين بشرط أن تسقط كذا وكذا، فالظالم المسقَط عنه، إذا كان الدَّين حقيقة ثابتاً، فيشترط ألا يكون شرطاه، فإن شرطاه فإنه لا يصح، لكن في حق المعتدي منهما؛ لأن العبرة بما في الأمر نفسه.
قوله: «وممن لا يصح تبرعه» هذه الجملة معطوفة على قوله: «شرطاه» يعني وإن لم يكن ممن لا يصح تبرعه، أي: ويشترط ـ أيضاً ـ ألا يكون ممن لا يصح تبرعه، أي: بذله المال مجاناً، وهناك فرق بين من يصح تبرعه ومن يصح تصرفه، فالذي يصح تصرفه أوسع من الذي يصح تبرعه، فمثلاً ولي اليتيم يصح تصرفه ولا يصح تبرعه، وكذلك الوكيل.

إذاً يشترط أن يكون الإسقاط أو الهبة ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
فإذا أسقط ولي اليتيم بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط؛ لأن ولي اليتيم لا يصح تبرعه، ولكن قد يقال: إنه إذا لم يتمكن من الوصول إلى حقه إلاّ بالإسقاط، فإن الإسقاط جائز؛ لما في ذلك من المصلحة، فمثلاً هذا رجل مماطل وأنا بعت عليه على أنه رجل موفٍ وأنه مليء ثم تبين الأمر بالعكس، ثم صالحته على إسقاط بعض الشيء، فهنا استدراك بعض الشيء خير من فوات الكل، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] وهل يضمن الولي في هذه الحال؟ الجواب: ينظر إن كان مفرطاً ضمن، وإن كان غير مفرط لم يضمن.
ومن الشروط ـ أيضاً ـ ألا يقع بلفظ الصلح؛ لأنه لا يصح أن يصالح بشيء من ماله على ماله.
مثاله: أن يقول: أقرضتك مائة درهم فصالحني على بعضها، فيقول: صالحتك، فهذا لا يصح.
هكذا قالوا ـ رحمهم الله ـ. ولكن ينبغي أن يقال: إذا فهم من هذه المصالحة أنها إسقاط في دين، أو هبة في عين، فينبغي قَبول ذلك؛ لأن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، فإذا علمنا أن مرادهما بالمصالحة، الهبة في العين، والإسقاط في الدين، فلا مانع.

صحيح أن المصالحة لا تكون إلا بعد نزاع، ولا تكون إلا لفض النزاع، وهنا لا نزاع في المسألة؛ لأنه إقرار وهبة، لكن يقال: ما دمنا عرفنا أن المقصود بالمصالحة هنا، الإسقاط في الدين، والهبة في العين، فإن الألفاظ قوالب في الواقع، والعبرة بالمعاني.
إذاً هذا يسمى الصلح على إقرار، وشرطه ألا يكون مشروطاً، ومن باب أولى ألا يمنعه حقه بدونه، فإن منعه حقه بدونه، قال: لا أقر لك إلا أن تسقط، فإنه لا يصح، وهذا معنى قولنا: ألا يكون شرطاً، والثاني: أن يكون ممن يصح تبرعه.

وَإِنْ وَضَعَ بَعْضَ الحَالِّ وَأجَّلَ بَاقِيَهُ صَحَّ الإسْقَاطُ فَقَطْ. وَإِنْ صَالَحَ عَنْ المُؤَجَّلِ بِبَعْضِهِ حَالاًّ، أَوْ بِالعَكْسِ،

................ قوله: «وإن وضع بعض الحال وأجَّل باقيه صح الإسقاط فقط» أي: دون التأجيل.
مثال ذلك: إنسان عنده لشخص مائة درهم قد أقر بها، فقال له: أنا أريد أن تسقط عني خمسين درهماً وتؤجل الباقي، فقال: لا بأس أفعل، ففعل.
يقول المؤلف: يصح الإسقاط ولا يصح التأجيل، فيصح الإسقاط؛ لأنه أسقط عنه، فقال: وضعت عنك خمسين درهماً، وفي ذمتك خمسون درهماً، لكن التأجيل لا يصح؛ لأن الفقهاء عندهم ـ رحمهم الله ـ قاعدة: وهي أن الحال لا يمكن أن يتأجل، ولا يقبل التأجيل، ولهذا مر علينا في القرض، أنه إذا استقرض شيئاً، وأجَّل وفاءه، فإنه لا يصح التأجيل ولا يلزم.
ولكن الصحيح في هذه المسألة، وفي مسألة القرض أنه

يصح، فإذا قال: وضعت عنك خمسين درهماً وأجَّلت الخمسين، فإنه يجب أن يفي بوعده؛ لأن إخلافَ الوعدِ ـ ولا سيما في مثل هذه الأمور المالية التي قد يترتب عليها ضمان أو نقص ـ محرمٌ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال محذراً منه: «آية المنافق ثلاث ومنها إذا وعد أخلف» 1، ويلزمه خمسون مؤجلة.
فالصواب أنه يصح الوضع، وأن الحال يتأجل بالتأجيل وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ لأنه عهد ووعد، وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: 34]، ولأن هذا الذي أجلته عليه ربما يبني على تأجيلك إياه تصرفاً لولا أنك أجلته لم يتصرفه، فإذا قلت: أعطني إياه الآن تضرر، ونظير ذلك جئت إلى رجل وقلت: أنا محتاج عشرة آلاف ريال، اشتري سيارة وليس عندي شيء أقرضنيها وأجلها إلى سنة، فقال: تفضل، فأخذتها واشتريت السيارة، فلما اشتريت السيارة، أتى إليَّ من الغد وقال: أعطني عشرة آلاف الريال، على المذهب له أن يطالبني؛ لأن القرض حال والحال لا يتأجل، فيترتب عليَّ من الضرر الكثير، ولا شك أن هذا حتى الفطرة السليمة لا تقبله، وأما على رأي شيخ الإسلام فإنه يتأجل لعموم: «المسلمون على شروطهم» 2. قوله: «وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاً» فإنه لا يصح.

مثاله: رجل في ذمته لآخر مائة درهم مؤجلة إلى سنة، وفي أثناء السنة جاء الدائن للمدين، وقال: أعطني منها خمسين وأبرئك من الباقي، يقول المؤلف: «لم يصح»؛ لأن هذا يشبه الربا، حيث أخذ عن المائة خمسين.
والصواب أنه جائز، وأن الإنسان إذا أخذ البعض في المؤجل وأسقط الباقي فإن ذلك صحيح؛ لأن السنة وردت به في قصة إجلاء بني النضير من المدينة، حيث قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ضعوا وتعجلوا» 1، ضعوا أي: أسقطوا، وتعجلوا أي: المؤجل؛ ولأن فيه مصلحة للطرفين، أما الطالب فمصلحته التعجيل، وأما المطلوب فمصلحته الإسقاط، ومن المعلوم أن الشريعة لا تأتي بمنع عقد فيه مصلحة للطرفين، وليس فيه غرر ولا جهالة، وأيضاً فإن الربا في هذا بعيد جداً؛ لأن المدين لم يطرأ على باله حين استدان أنه سوف يرده أنقص معجلاً، فمحظور الربا بعيد جداً، وهذا اختيار شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ. لكن لو أجبر أحدهما الآخر على هذا الفعل فإنه لا يصح، أي: لو قال المطلوب للطالب: هذا نصف حقك أعجله لك، وأسقط عني الباقي، قال: لا، أنا أريد حقي كاملاً متى حلَّ، فإنه لا يجبره.
فإن أعطاه حقه كاملاً حالاً عن المؤجل فهل يجبره أو لا؟

الجواب: في هذا خلاف، فالمذهب لا يجبره.
والصواب: أنه يجبره ما لم يكن عليه ضرر.
مثال ذلك: إنسان في ذمته لشخص مائة درهم تحل بعد سنة، وقبل تمام السنة جاء المطلوب إلى الطالب بالمائة درهم، وقال: خذ حقك، قال: لا، حتى تحل، فهل يجبر الطالب؟ في هذا خلاف، فالمشهور من المذهب أنه لا يجبر؛ لأنه حق مؤجل لا يلزمه قبل أجله.
والصحيح أنه يجبر إلا إذا كان في ذلك ضرر عليه؛ ووجه ذلك أنه إذا عجل له دينه فهو مصلحة بلا مضرة، وفيه مصلحة للمطلوب؛ لأن المطلوب يقول: الآن توفر عندي المال، وأخشى إذا جاء أجل الدين ألا يكون عندي مال، فيكون في هذا ضرر عليك.
فالصواب أنه إذا عجل المؤجل فإنه يلزم الطالب القبول ويجبر عليه؛ لأنه زاده خيراً، إلا إذا كان فيه ضرر، بأن قال الطالب: نحن الآن في وقت خوف، وأخشى أن آخذ المال منك فيسرق، أو قال: إني على سفر وليس عندي ما أودعه به، وما أشبه ذلك فإنه لا يلزم بالقبول.
قوله: «أو بالعكس» أي إذا صالح عن الحال بزائد عليه مؤجل، فإنه لا يصح.
مثال ذلك: رجل في ذمته لشخص مائة درهم حالة، فقال المطلوب: أصالحك على أن تؤجل الحق، وتكون بمائة وعشرة، فهذا لا يجوز؛ ووجه ذلك أنه ربا، وهذا هو الربا الذي كانوا

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل