كِتَابُ الدِّيَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
كُلُّ مَنْ أَتْلَفَ إِنْسَاناً بِمُبَاشَرَةٍ، أَوْ سَبَبٍ لَزِمَتْهُ دِيَتُهُ،
قوله: «الديات» جمع دية، وهي المال المؤدى إلى المجني عليه أو ورثته بسبب الجناية، أي: الجناية بالمعنى الاصطلاحي، وهي التعدي على البدن بما يوجب قصاصاً أو مالاً، وبناءً على ذلك فإن الدية قد تكون للنفس، وقد تكون للأعضاء، وقد تكون للمنافع؛ والقاعدة العامة في وجوب الدية هي ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله:
«كل من أتلف إنساناً بمباشرة أو سبب لزمته ديته» سواء كانت الدية للبدن، أو لجزء منه، أو للمنافع، فإن اجتمع مباشران فعليهما الدية، وإن اجتمع متسببان فعليهما الدية، وإن اجتمع متسبب ومباشر، فإن كان المباشر يمكن تضمينه فعلى المباشر وحده، وإن كان لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب وحده.
مثال المباشرة: أن يأخذ الإنسان آلة تقتل، فيقتل بها هذا الإنسان، سواء عمداً أو خطأ، أو يلقيه من شاهق.
ومثال السبب: أن يحفر حفرة في طريق الناس، فيقع فيها الناس، فهذا لم يباشر لكنه تسبب، فيكون الضمان عليه.
ومثال المباشرين: أن يشترك اثنان في قتل شخص، فعليهما الدية.
ومثال المتسببين: أن يشترك اثنان في حفر حفرة في الطريق، فعليهما الدية.
ومثال اجتماع المباشر والمتسبب: شخص حفر حفرة، ووقف شخص آخر عليها، فجاء إنسان فدفعه فيها حتى سقط ومات، فالضمان على المباشر وهو الدافع؛ لأنه أقوى صلة بالجناية من المتسبب.
وكذلك لو أن شخصاً أعطى إنساناً سكيناً بدون مواطأة على القتل، فقتل بها إنساناً، فالضمان على المباشر، فإن كان المباشر لا يمكن تضمينه فعلى المتسبب، كما لو أن رجلاً ألقى إنساناً مكتوفاً بحضرة الأسد، فأكله الأسد، فعندنا مباشر ومتسبب، المباشر هو الأسد، والمتسبب هو الذي ألقى الرجل مكتوفاً بحضرة الأسد، فالضمان هنا على المتسبب؛ لأن المباشر لا يمكن تضمينه، كذلك إذا كان المباشر غير معتدٍ، وكان المتسبب هو المعتدي، وكانت المباشرة مبنية على ذلك السبب، فإن الضمان يكون على المتسبب، وذلك مثل لو شهد جماعة على شخص بما يوجب قتله، فقتله السلطان، ثم بعد ذلك رجعوا، وقالوا: عمدنا قتله، فهنا المباشر السلطان والمتسبب هم الشهود، لكن المباشر قد بنى مباشرته على مسوِّغ شرعي، وهو شهادة الشهود، ولا يمكنه أن يتخلص من هذه الشهادة الموجبة للقتل، وهذا السبب هو الذي أقر على نفسه بالجناية، فيكون الضمان على المتسبب، فهاتان حالتان.
والحال الثالثة: إذا كان المباشر لا يمكن تضمينه؛ لعدم تكليفه، فالضمان يكون على المتسبب، كمن أمر غير مكلف
بالقتل، فالضمان على الآمر؛ لأنه هو السبب، وهنا المباشر غير مكلف فلا يمكن تضمينه؛ لأنه لا قصد له، ولولا أمر هذا الإنسان ما قتل.
فهذه ثلاث مسائل، وإن كانت المسألة الأولى والأخيرة داخلاً بعضها في بعض؛ لأن كلاًّ من المسألتين يقال فيها: لا يمكن إحالة الضمان على المباشر، إلاَّ أن الفرق بينهما هو أنَّ عدم إحالة الضمان على المباشر في المسألة الأخيرة، لا لقصور فيه، ولكن لأنه مبنيٌّ على سبب أقوى، بخلاف الأولى فإن المباشر فيها ـ وهو السبُع ـ لا يمكن تضمينه بحال من الأحوال، لكن غير المكلف، كالصبي، والمجنون يمكن تضمينهما؛ لأن عمدهما خطأ، لكن لما كان السبب قوياً مؤثراً في قصدهما صار العمل بالسبب.
والخلاصة أن القاعدة في موجب الدية، إما مباشرة أو سبب، وهذه القاعدة يتفرع عليها المسائل التالية:
الأولى: أن يجتمع مباشران، فعليهما الدية.
الثانية: أن يجتمع متسببان فعليهما الدية.
الثالثة: أن يجتمع متسبب ومباشر، فالضمان على المباشر، إلا في ثلاث مسائل:
الأولى: أن لا يمكن إحالة الضمان على المباشر بأي حال من الأحوال، بأن كان المباشر غير أهل للتضمين كالمثال الأول.
الثانية: إذا كانت المباشرة مبنية على سبب يسوغ شرعاً العمل به، كالمثال الثاني.
الثالثة: إذا كانت المباشرة مبنية على السبب، وكان لهذا السبب تأثير قوي فيها، مع عدم صحة القصد منها، كالمثال الثالث.
فإن كان الذي قتل كالآلة، بأن أخذه إنسان وضرب به إنساناً آخر فمات، فالضمان على الإنسان الذي جعله كالآلة؛ لأن هذا الذي أُخِذ وضرب به الآخر حتى مات كالآلة، فكأنه عصا ليس له أي اختيار، وسبق لنا أنه لو أكره إنساناً على القتل فالضمان عليهما، على المذهب، وقيل: على المكرَه، وقيل: على المكرِه.
فَإِنْ كَانَتْ عَمْداً مَحْضاً فَفِي مَالِ الْجَانِي حَالَّةً.
وَشِبْهُ العَمْدِ وَالخَطَأُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وإِنْ غَصَبَ حُرّاً صَغِيراً فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، أَوْ أَصَابَتْهُ صَاعِقَةٌ، أَوْ مَاتَ بِمَرَضٍ، أَوْ غَلَّ حُرّاً مُكَلَّفاً وَقَيَّدَهُ، فَمَاتَ بالصَّاعِقَةِ، أَوِ الْحَيَّةِ وَجَبَتِ الدِّيَةُ.
قوله: «فإن كانت» أي: الجناية.
قوله: «عمداً» خرج به الخطأ.
قوله: «محضاً» خرج به شبه العمد؛ لأن شبه العمد، وإن كان عمداً إلا أن صاحبه لا يقصد القتل؛ لأنه جنى بما لا يقتل غالباً.
ومراد المؤلف عمداً محضاً وعدواناً؛ لأن ما كان بحق فإنه لا قصاص فيه ولا دية.
قوله: «ففي مال الجاني» أي: أن الدية في مال الجاني.
قوله: «حالة» أي: غير مؤجلة، فتخالف دية شبه العمد والخطأ بأنها حالة في مال الجاني، فالعاقلة لا يجب عليها حمل شيء منها.
مثاله: رجل قتل إنساناً عمداً محضاً، واختار أولياء المقتول الدية، فوجبت الدية، فالذي يقوم بدفع الدية هو الجاني، ولا يلزم عاقلته أن يؤدوا عنه، فإن تبرعوا بالأداء عنه جاز ولا مانع.
وقوله: «حالة» باعتبار وضعها، فإذا كان القاتل فقيراً فإنها تبقى في ذمته حتى يوسر الله عليه، كسائر ديونه.
وفي هذه الحال هل يجوز أن ندفع عنه من الزكاة؟
الجواب: نعم؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ وهو غارم، ولكن يجب أن يتوب إلى الله مما صنع، فإذا علمنا توبته فإننا نقضي دينه من الزكاة.
قوله: «وشبه العمد والخطأ» بالرفع، ويجوز أن نقول: «شبهِ» بالكسر بناءً على أن المضاف حُذف، وأن التقدير «ودية شبه العمد»، ولكنَّ المشهور أنه إذا حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، كما قال ابن مالك:
وما يَلِي المضافَ يأتي خَلَفا ... عنه في الإعراب إذ ما حُذِفا
وربَّما جَرُّوا الذي أبْقَوْا كما ... لو كان قَبلَ حَذْفِ ما تقدَّما
قوله: «على عاقلته» «العاقلة» اسم فاعل من العقل، والعقل الدية، وسُميت عقلاً؛ لأنه جرت العادة أن الإبل المؤداة يؤتى بها إلى مكان أولياء المقتول، وتُناخ وتعقل بعُقلها، ولهذا تسمى الدية عقلاً، والمؤدون لها يسمون عاقلة.
والدليل على أن دية شبه العمد والخطأ على العاقلة ما ثبت في الصحيحين «في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا، فرمت إحداهما الأخرى بحجر، فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلّى الله عليه وسلّم أن ديتها على العاقلة» 1، أي: عاقلة القاتلة، فهذا دليل أثري.
وأما الدليل النظري: فهو أنه لمَّا كان الخطأ بغير قصد من الفاعل، كان من المناسب أن يخفَّف عنه في أداء الدية، وهو يتحمل الكفَّارة وهي عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين؛ لأن الكفارة حق لله تعالى، فهي عبادة يُلزم بها المكلف، وأما الدية فهي عبارة عن غرم كغرامة الأموال، فخفِّف عن هذا القاتل الذي لم يقصد القتل بأن حُمِّلته العاقلة، وهذا ـ والله أعلم ـ هو سرُّ تعبير القرآن حيث قال تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: 92] ولم يقل: «يسلِّمها» بل قال: ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ بالبناء للمفعول؛ لأن الذي سيسلم هذه الدية هم العاقلة.
قوله: «وإن غصب حراً» هذا من باب التسامح والتساهل في العبارة؛ لأن الحر لا يغصب، حيث إن اليد لا تثبت عليه، ولا تثبت اليد إلاَّ على الأموال، والحر ليس بمالٍ، حتى لو غصب وباعه الغاصب، فلا يصح البيع، لكن العبد يغصب؛ لأنه مال، لكن المؤلف يريد أنه إذا قهر حراً.
قوله: «صغيراً» أي: لم يبلغ، ومثله المجنون؛ لأن كلاً منهما ليس له قصد، ولا يتمكن من الامتناع.
قوله: «فنهشته حية» يعني إذا أكره الحرَّ الصغيرَ، وجاء به إلى بيته، واستخدمه كرهاً، فنهشته في البيت حية، فعليه ديته؛ لعدوانه عليه بإكراهه على أن يبقى في هذا المكان.
أمَّا لو كانت الحية أمامه فالأمر ظاهر، لكن لو لم تكن أمامه، بأن جاءت من خارج البيت، ونهشت هذا الصبي، فمات فإنه
يضمن؛ لأنه معتدٍ بقهره واستيلائه عليه، ولولا أنه قهر هذا الصبي، أو هذا المجنون، حتى كان في هذا المكان لما أصيب بهذه الحية.
قوله: «أو أصابته صاعقة» كذلك لو أصابته صاعقة، قال الجوهري: هي نار تنزل من السماء فيها رعدٌ شديد.
والآن العلم الحديث يشهد لذلك، فإن الصاعقة عبارة عن كتلة كهربائية شديدة الحرارة، تنزل على هذا المكان، وتحرقه في لحظة، حتى أني قرأت في بعض المجلات أن الطاقة في الصاعقة الواحدة، لو تجتمع جميع مولدات الأرض كلها بأعلى طاقاتها ما ساوت هذه الصاعقة التي يخلقها الله بلحظة.
وهذه الصاعقة كان الناس يقولون: إنها حديدة تنزل من السماء، ويقولون: نحن شاهدنا ذلك، ولكن هذا ليس بصحيح، وإنما هي نار محرقة؛ ولهذا أحياناً تسقط على الأشجار فتشتعل ناراً، وتسقط على الحيوان، ويشاهد فيه لسعات من هذه النار، ولكن يظهر لي ـ والله أعلم، إن صح ما نُقل من أنهم وجدوا حديداً ـ أنها لمَّا ضربت الأرض انصهر الحديد واجتمع وأخرجُوه، وليست الصاعقة هي البرق، بل إنها تنزل مع البرق، وقد يكون برقٌ بلا صاعقة.
فهذا الطفل لمَّا غصبه الرجل، وأكرهه على الجلوس في بيته أنزل الله عليه صاعقة، وأهلكته، فالضمان على هذا القاهِر الذي أكرهه على الجلوس في بيته، ولا يقول: هذا هلك بفعل الله بآفة سماوية، ليس لي فيها دخل! بل نقول له: أنت اعتديت على هذا وحبسته في هذا المكان.
قوله: «أو مات بمرض» أي: الصغير الذي حبسه هذا الإنسان لو مرض ومات فإنه يضمنه، وهذا إذا كان عبداً فظاهر أنه يضمنه؛ لأنه غاصب، وضمان العبيد ضمان مالٍ يضمنه الغاصب بكل حال، لكنه حر، فإذا مات بمرض فإنَّه يضمنه، مع أنهم يقولون: إن اليد لا تستولي على الحر، ولا ضمان له، ولهذا قيده بعض أهل العلم بأن المراد مات بمرض يختص بتلك البقعة، وهذا صحيح، أما لو مات موتاً عادياً بغير سبب يختص بهذه البقعة، فلا وجه لضمانه؛ لأن اليد لا تثبت عليه، لكن إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة، مثل لو قهره وذهب به إلى أرض وَبِيئة، فمرض ومات، فلا شك أنه هو السبب في جلبه إلى هذه الأرض التي مات فيها بسبب الوباء.
وعلى هذا فإطلاق كلام المؤلف مرجوح، والصواب إذا مات بمرض يختص بتلك البقعة؛ لأنه هو السبب في مجيئه لهذه البقعة الموبوءة، وهذا إذا كان حراً، أما إن كان عبداً فإنه يضمنه مطلقاً؛ لأن ضمان العبد ضمان أموال، فإذا استولى عليه ضمن منافعه، وضمن نقصه إن نقص بمرض، وضمن كل آفة تحدث عليه؛ لأن استيلاءه عليه محرم.
فإن شككنا في سبب موت الحر، هل مات بسبب كونه في هذه البقعة، أو بسبب آخر خارجي؟ فالأصل عدم الضمان.
قوله: «أو غلَّ حراً مكلفاً وقيده فمات بالصاعقة أو الحية وجبت الدية» الصغير تقدم أنه بمجرد قهره وحبسه يضمنه إذا مات
بالحية، أو بالصاعقة، أو بمرض يختص بالبقعة، أمَّا المكلَّف فذكر أنه لا بدَّ من أمرين: الأول: أن يغلّه، الثاني: أن يقيده.
فالغل في اليد، والقيد في الرِّجل، فإذا أخذ حراً وغلَّه وقيَّده وحبسه، ثم جاءت حية ونهشته فإنه يضمنه، وكذلك إذا أصابته صاعقة فإنه يضمنه؛ لأن سبب الموت اختص بهذه البقعة، فإن مات بمرض فظاهر كلام المؤلف أنه لا ضمان؛ لأنه قال: «فمات بالصاعقة أو الحية» ولكن الصحيح أنه إن مات بمرض يختص بتلك البقعة فإنه يضمنه؛ لأنه لا فرق بين الصغير وبين المكلف الذي غلَّه وقيده؛ لأنه إذا غلَّه وقيده فإنه لا يستطيع أن يتخلص، ولا أن يدافع عن نفسه، فكان حكمه حكم الصغير.
وهذه الأمثلة في مسألة الصغير، أو المكلف هي من باب السبب، لا من باب المباشرة.
فَصْلٌ
وَإِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ، أَوْ سُلْطَانٌ رَعِيَّتَهُ، أَوْ مُعَلِّمٌ صَبِيَّهُ، وَلَمْ يُسْرِفْ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ، وَلَوْ كَانَ التَّأْدِيبُ لِحَامِلٍ فَأَسْقَطَتْ جَنِيناً ضَمِنَهُ المُؤَدِّبُ،
................ هذا ال
فصل
مبني على قاعدة وهي: «ما ترتب على المأذون فليس بمضمون، وما ترتب على غير المأذون فهو مضمون»، وهي من أحسن قواعد الفقه.
قوله: «وإذا أدَّب الرجل ولده، أو سلطان رعيته، أو معلِّم صبيَّه، ولم يسرف لم يضمن ما تلف به».
فقوله: «وإذا أدَّب الرجل ولده» هذه الجملة نفهم منها أربعة شروط:
فقوله: «أدَّب»، التأديب بمعنى التقويم والتهذيب، تقول: أدَّبته، أي: قوَّمت أخلاقه وهذَّبتها، فكلمة «أدَّب» يؤخذ منها ثلاثة شروط:
الأول: أن يكون هذا الولد مستحقاً للتأديب، أي فعل ما يستحق التأديب عليه، أما لو ضربه بدون سبب فإنه ضامن.
الثاني: أن يكون هذا الولد قابلاً للتأديب، فإن كان غير قابل، وهو الذي لم يميز، أو لا عقل له ـ أي: المجنون ـ فهذا لا ينفع فيه التأديب، بل تأديبه عدوان.
الثالث: أن يقصد المؤدِّب التأديب لا الانتقام لنفسه، فإن قصد الانتقام لنفسه لم يكن مؤدِّباً بل منتصراً، وحينئذٍ يضمن ما ترتب على فعله.
وكثير من الناس يضرب ولده ضرباً شديداً، لا لأنه ترك
خلقاً فاضلاً أمره به، لكن لأنه عانده وخالفه، فيضربه انتقاماً لنفسه وغضباً.
الرابع: قوله: «ولده» وهذا يشمل الذكر والأنثى؛ لأن الولد في اللغة العربية يشمل الذكر والأنثى، قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 11].
وقوله: «ولده» الإضافة تقتضي الاختصاص، فيؤخذ من هذا شرط أن يكون له عليه ولاية، فإن لم يكن عليه ولاية، فلا حق له في ضربه، وإذا ترتب على ضربه شيء فإنه ضامن، لأنه لا حق له في هذا، مثل أبي أمٍّ يؤدب أولاد ابنته، فأدَبُهم ليس إليه، ولكنه إلى أبيهم.
وقوله: «رعيته» و «صبيه» يؤخذ منه أنه لا بد أن يكون للمؤدب ولاية التأديب، وإلا كان ضامناً.
وقوله: «أو سلطانٌ رعيَّتَه» فلا ضمان، أيضاً تراعى فيه الشروط الأربعة السابقة، والسلطان عندما يطلقه العلماء فإنهم يريدون به الرئيس الأعلى في الدولة، وقد يُراد به من دون ذلك، وهو من له سُلطة، فيشمل الأمير، والمحتسب، وما أشبه ذلك؛ لأن هؤلاء لهم سلطان على من تحت ولايتهم.
فالأمير مثلاً سلطانه على بلدته التي أُمِّر فيها، والمحتسب كذلك على بلدته التي أمر فيها، فالأحسن أن نقول في المراد بالسلطان: ذو السلطة على من أدَّبه، سواء كان السلطان
الأعلى أو من دونه، فإذا أدب رعيته، وتمت الشروط فلا ضمان عليه.
وقوله: «أو معلمٌ صبِيَّهُ» الإضافة هنا على أدنى ملابسة، يعني الصبي الذي ينتسب إليه ولو بالتعليم، فإذا أدَّب صبيه وتمَّت الشروط فلا ضمان.
واستفدنا من كلام المؤلف أن للمعلم أن يؤدِّب الصبيان بالضرب، والضرب لا شك أنه وسيلة من وسائل التعليم والتأديب، وقد قال أحكم المؤدِّبين، وأرحم المؤدِّبين من الناس صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر» 1.
والفوضويون الذين يدَّعون التقدم الآن يقولون: لا تضرب الصغار؛ لأن الضرب ينافي التربية الحديثة! وهذه لا شك أنها خطة يراد بها أن يصبح الأولاد فوضويين، لا يستفيدون شيئاً.
فطالب له عشر سنوات لن ينتفع حين يقول له المدرس: يا بني، إنّ التعليم طيب، فلا تضيِّع الوقت؛ لأن الوقت من ذهب، فاحرص وقم بالواجبات.
فيقول له الطالب: أنا حين وصلت إلى البيت، وضعت الكتب، وذهبت ألعب! فهذا لا ينفعه الكلام، لكن لو مسَّه بعذاب
فإنه سيقوم بالواجب، ولذلك فأنا أعتقد أن هذه الخطة مع مخالفتها للشرع، ولحكمة النبي صلّى الله عليه وسلّم، لا شك أنها لا تجدي.
وقوله: «وإذا أدب الرجل ولده» ظاهره العموم، وأنه ما دام تحت رعايته فإنه مسؤول عنه، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته، فالرجل راعٍ في أهل بيته ومسؤول في رعيته» 1، فما دام أنه في بيته فهو مسؤول عنه، أما إذا انفصل فليس بمسؤول عنه، إلا إن كانت ولايته عامة، كما لو كان ذا سلطان في مكانه فله أن يؤدِّبه.
وأمَّا تأديب المعلم صبيه فالظاهر لي أن المعلِّم كل من يدرس عنده فله أن يؤدِّبه، حتى لو كان أكبر منه.
وقوله: «ولم يسرف» هذا هو الشرط الخامس، والإسراف مجاوزة الحد بالكمية أو بالكيفية، فإذا قدَّرنا أنه يتأدَّب بضربتين، صارت الثالثة إسرافاً، وإن كان يتأدب بعشر صارت الحادية عشرة إسرافاً، وكذلك بالكيفية فإذا قدَّرنا أنَّه يتأدب بضرب بسيط فلا نضربه ضرباً شديداً، ولا نضربه ـ أيضاً ـ في أمكنة تضره، كالوجه، والمقاتل، وشبهها فإن هذا إسرافٌ، فالإسراف إذاً مجاوزة الحد كمية أو كيفية، ويدخل في الكيفية موضع الضرب، ويدخل فيه ـ أيضاً ـ أن الناس يختلفون، فتحمُّل الكبير للضرب ليس كتحمل الصغير.
فصارت الشروط خمسة:
الأول: أن يكون المؤدَّب مستحقاً للتأديب.
الثاني: أن يكون المؤدَّب قابلاً للتأديب.
الثالث: أن يقصد المؤدِّب بذلك التأديب، لا الانتقام لنفسه.
الرابع: أن تكون له ولاية التأديب، سواء كانت ولاية عامة أو خاصة.
الخامس: ألاَّ يسرف، فإن أسرف كان ضامناً؛ لأنه معتدٍ، والله تعالى يقول في النساء الناشزات: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾ [النساء: 34]، والآية مطلقة، لكن النبي صلّى الله عليه وسلّم بيّن أنه ضربٌ غير مبرِّح 1.
قوله: «ولو كان التأديب لحامل فأسقطت جنيناً ضمِنه المؤدِّب» الزوج يُتَصَوَّر أن يؤدب امرأته بأن تكون ناشزة، والله تعالى قال: ﴿فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾.
وكذلك المعلِّم قد يؤدِّب امرأة حاملاً؛ لأنه يجوز للمعلم الذكر أن يُعَلِّم النساء، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم النساء، وجئن إليه مرة يطلبن منه وعظاً، وقلن له: إن الرجال غلبونا عليك، فاجعل لنا من نفسك يوماً تعلمنا فيه مما علمك الله، فوعدهن في بيت امرأة منهن، وأتى إليهن ـ عليه الصلاة والسلام ـ ووعظهن، وهذا
ثابت في البخاري 1، وسواء كان المعلم أعمى أو مبصراً، لكن المبصر لا بد أن يكون بينه وبين النساء حجاب.
وكذلك السلطان يملك أن يؤدب امرأة حاملاً من رعيته، فإن كان التأديب لحامل، وهي لم تتضرر، ولكن أسقطت جنيناً فإن المؤدب يضمنه، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ مقدار دية الجنين، ومتى يضمن.
وظاهر كلام المؤلف أن المؤدب يضمنه مطلقاً؛ لأن الجناية هنا تعدت إلى الغير، والجنين لم يفعل ما يستحق التأديب عليه حتى نقول: إنه تلف بتأديبه، فلما تعدى حكم التأديب إلى الغير صار مضموناً؛ لأن ضمان الآدمي لا يشترط فيه التحريم، فيضمن حتى لو فعل الإنسان ما يباح له، وقد سبق لنا أن الإنسان لو رمى صيداً فأصاب إنساناً ضمنه، فعلى هذا إذا أدب الرجل امرأة حاملاً فأسقطت جنيناً، فعليه ضمانه، وأما هي فإذا تمت الشروط الخمسة فلا ضمان.
وَإِنْ طَلَبَ السُّلْطَانُ امْرَأَةً لِكَشْفِ حَقِّ اللهِ تَعَالَى، أَوِ اسْتَعْدَى عَلَيْهَا رَجُلٌ بالشُّرَطِ فِي دَعْوَى لَهُ فَأَسْقَطَتْ ضَمِنَهُ السُّلْطَانُ وَالْمُسْتَعْدِي، وَلَوْ مَاتَتْ فَزَعاً لَمْ يَضْمَنَا،
................
قوله: «وإن طلب السلطان امرأة لكشف حق الله تعالى» بأن اتُّهِمَت بشيء من حقوق الله عزّ وجل، فطلبها وأمرها أن تحضر، فأسقطت جنينها من الروعة، فإنه يضمنه؛ لأن هذا الأمر تعدى إلى الغير.
وظاهر كلام المؤلف سواء طلبها لحق الله عزّ وجل وهي ظالمة، أو طلبها وهو الظالم، أو طلبها قبل أن يتبين الأمر،
فيضمنها السلطان مطلقاً في الأحوال الثلاثة، ولكن بعض أصحابنا ـ رحمه الله ـ قيد هذا بما إذا لم تكن ظالمة، وقال: إن كانت ظالمة فهي الجانية على نفسها، وهذا القول له وجه قوي؛ لأن طلب السلطان إياها في حال الظلم مأمور به شرعاً، والقاعدة العظيمة النافعة «أن ما ترتب على المأذون فغير مضمون» لا سيما إذا كان السلطان لا يعلم عن حال المرأة، هل هي حامل أو لا؟ ولا يعلم هل هي من النساء اللاتي يفزعن بأدنى سبب، أو لا؟
ثم على القول بالضمان فظاهر كلام المؤلف أن السلطان يضمنها ضمان شخص، يعني ضماناً شخصياً، لا ضمان ولاية، بمعنى أن الدية تكون على عاقلته، وكأنما قتل شخصاً عادياً.
ولكن القول الراجح ـ على القول بالضمان ـ أن الدية في بيت المال؛ لأن السلطان يتصرف لحقوق المسلمين بالولاية، فلو أننا ضمنَّاه كل شيء يكون من تصرفه لاجتحنا ماله، ومال عاقلته، نعم لو تيقنَّا أن السلطان ظالم، فهنا يتوجَّه أن يكون الضمان عليه، أو على عاقلته، حسب ما تقتضيه الأدلة الشرعية.
قوله: «أو استعدى عليها رجل بالشُّرَط في دعوى له فأسقطت» «استعدى» بمعنى أقام دعوى عليها، ولكنه استعان بالشرط، والشُّرط: جمع شُرْطة، كحجة جمعها حُجَج، والشرطة جمع شُرَطي.
مثاله: رجل أقام على حاملٍ دعوى، وذهب إلى الشرطة، وقال: أنا أدعي على فلانة كذا وكذا، فقال الضابط للشرط: اذهبوا وائتوا بها، فذهب رجلان من الشرطة بلباسهما الرسمي،
وقالا للمرأة: تعالي معنا، ففزعت المرأة، وأسقطت الجنين.
قوله: «ضمنه السلطان والمستعدي» أي: ضمنه السلطان في المسألة الأولى، والمستعدي في المسألة الثانية؛ لأنه هو السبب في هلاك هذا الجنين، فكان عليه الضمان.
وظاهر كلام المؤلف ـ أيضاً ـ ولو كان المستعدي مستحقاً للاستعداء، وكانت هي ظالمة، فإن الضمان على المستعدي.
ولكن في هذا الظاهر نظر، فإنه إذا كان على حق، ولم يعلم عن حال المرأة، فكيف نضمِّنه؟! أما إذا كان يعلم أن هذه المرأة من النساء اللاتي يفزعن، وأنَّه يخشى على حملها، فربما يقال: إن تضمينه له وجه.
وقوله: «ضمنه السلطان والمستعدي» أفلا يكون هذا ناقِضاً لقاعدة: «إذا اجتمع متسبب ومباشر فالضمان على المباشر»؟
فهنا عندنا متسبب وهو المستعدي، وعندنا مباشر وهم الشرط، وإنما جعلنا الضمان على المستعدي ـ أي: المتسبب ـ لأن المباشرة مبنية على السبب، وذلك أن الشُّرط مأمورون شرعاً بأن يستجيبوا لمثل هذه الدعاوى، فهو كحكم الحاكم بشهادة الشهود الذين قالوا: إنما تعمَّدنا قتله، ورجعوا عن شهادتهم فالضمان على الشهود، فكذلك هنا نجعل الضمان على المستعدي؛ لأن الشُّرَط عبارة عن آلة لهذا الرجل.
قوله: «ولو ماتت فزعاً لم يضمنا» هذه المرأة لما جاءها مندوب السلطان الذي طلبها لكشف حق الله، فزعت، وماتت سريعاً، فليس عليهما الضمان.
فإن قيل: كيف لا يكون عليهما الضمان، مع أنه لولا مندوب السلطان لم تمُت؟
الجواب: أن مثل هذا لا يحصل به الموت عادة، وما لم يكن معتاداً فليس فيه ضمان، كما لو دخَلْتَ على شخص وسَلَّمْتَ عليه، وهو يهابُك هيبة عظيمة، فلما صافحته وهززت يده مات، فهنا لا تضمنه؛ لأنه لم تجرِ العادة بأن يموت الإنسان بمثل هذا العمل.
وهناك قول آخر ـ وهو المذهب ـ أنهما ضامنان؛ لأنها هلكت بسببهما، ولكن يجاب عنه بما سبق، من أن مثل هذا الفعل ليس سبباً للقتل إطلاقاً، وقد جرت عادة الناس بمثله.
وَمَنْ أَمَرَ شَخْصاً مُكلَّفاً أَنْ يَنْزِلَ بِئْراً، أَوْ يَصْعَدَ شَجَرَةً فَهَلَكَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ،
......
قوله: «ومن أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، أو يصعد شجرة، فهلك به لم يضمنه».
فقوله: «شخصاً» أي: ذكراً أو أنثى.
وقوله: «مكلفاً» أي: بالغاً عاقلاً.
وقوله: «لم يضمنه» أي: الآمر.
فلو أمر شخصاً مكلفاً أن ينزل بئراً، فلما نزل زلَّت قدمه فسقط في البئر فمات، فلا ضمان على الآمر؛ لأن النازل بالغ عاقل يعرف الذي ينفعه، والذي لا ينفعه، وكان بإمكانه أن يقول: لست بنازل، إلاَّ إذا كان الآمر يعلم أن في البئر ما يكون سبباً للهلاك، ولم يخبره، كأن تكون البئر ملساء، لا يستطيع الإنسان النزول فيها، لكنه لم يُعلمه ذلك، فعليه الضمان؛ لأنه غرَّه،
وكذلك لو كان في البئر حية، وإذا أحسَّت بإنسانٍ وشَّت عليه، فلما نزل هذا الرجل وشَّت عليه فارْتَبَكَ وسقط، فعليه الضمان؛ لأنه مفرِّط بعدم تنبيه هذا الرجل على ما في البئر من أسباب الهلاك.
وكذلك لو كانت البئر قديمة ولم يُخبره، فلما نزل انهدمت عليه، فعليه الضمان، وعلى هذا فكلام المؤلف يحتاج إلى قيد، وهو إذا لم يكن منه تفريط بإعلامه بما يكون سبباً لهلاكه، فإن كان منه تفريط في ذلك فعليه الضمان.
مسألة: لو تحدَّى رجُل آخر بشيء كان سبباً في هلاكه، فهل عليه الضمان؟
مثاله: رجل قال: من أكل هذا الخروف كاملاً فله كذا وكذا من المال، فلو أكله رجل حتى انتفخ بطنه ومات، فلا ضمان على المتحدي؛ لأن الرجل لم يجبره أحدٌ على أكل الخروف.
وكذلك لو أَمره أن يصعد شجرة نخلٍ مثلاً، وكان الرجل عاقلاً بالغاً، فصعدها، ثم سقط ومات، فهنا ليس على الآمر ضمان؛ لأن المأمور بالغ عاقل.
وعُلِم من قول المؤلف: «ومن أمر» أنه لو أكرهه على ذلك فعليه الضمان؛ لأنه تسبب في هلاكه بغير اختيار الهالك، فصار معتدياً، والمعتدي عليه الضمان.
وعُلم من قول المؤلف: «من أمر شخصاً مكلفاً» أنه لو أمر غير مكلَّف فعليه الضمان مطلقاً، وهذا هو المشهور من المذهب، لكن ذهب بعض أهل العلم إلى أنه إذا كان المأمور مميزاً ـ أي:
يفهم الخطاب ـ له سبع سنوات أو نحوها، وكان هذا الأمر مما جرت به العادة أن يؤمر مثله فإنه لا ضمان، مثال ذلك: قلتَ لصبي عمره عشر سنوات: اشترِ لي بهذا الدرهم خبزاً، فذهب الصبي، وقدر الله على هذا الصبي أن انزلق في الطريق ومات، أو حصل حريق في المخبز وتلف به هذا الصبي، فظاهر كلام المؤلف أنك ضامن؛ لأنه غير مكلَّف، ولكن بعض أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ قالوا: لا ضمان إذا كان ذلك مما جرت به العادة؛ لأنه ما زال الناس منذ عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى يومنا هذا يرسلون المميزين في مثل هذه الأشياء القليلة السهلة، ولا يعدون ذلك عدواناً، وما ترتب على المأذون فليس بمضمون.
وَلَوْ أَنَّ الآمِرَ سُلْطَانٌ، كَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَهُ سُلْطَانٌ أَوْ غَيْرُهُ.
قوله: «ولو أنَّ الآمر سلطان» «لو» إشارة خلاف، فإن بعض أهل العلم يقول: إذا كان الذي أمره أن ينزل البئر، أو يصعد الشجرة سلطان وهلك فعلى السلطان الضمان؛ لأن أمر السلطان لا يسع الإنسان مخالفته، لا سيما إذا كان السلطان من الظلمة الذين إذا خولفوا حبسوا، أو ضربوا، أو ما أشبه ذلك، أما إذا كان السلطان من السلاطين العابدين الذين إذا قلت لهم: لا أستطيع صعود الشجرة لم يُلزمك، فإنه هنا لا وجه لتضمين السلطان؛ لإمكان هذا المأمور أن يقول: لا أستطيع.
والصحيح في مسألة السلطان أنه إذا كان السلطان ممن يخشى شرُّه بحيث إذا أبيت حبسك، أو ضربك، أو هضمك مالاً، أو ظلمك في أهلك، فإن أمره مثل الإكراه، وعلى هذا فيكون ضامناً.
وأما إذا كان السلطان من ذوي العدل والرحمة الذين إذا قلت: لا أستطيع قال: إذن نطلب غيرك، فإنه لا ضمان عليه في هذه الحال؛ لأنه كسائر الناس، فلم يُكرهه.
فإذا كان الآمر هو الضابط في الجيش، أو الشرطة، وقال لأحد الجنود: اصعد عمود الكهرباء هذا وركِّب لنا المصباح، فقال الجندي: لا أستطيع، فقال له الضابط: حاول الصعود، ولم يُكرهه أو يضربه، فصعد الجندي ثم سقط فهنا يضمن الضابط؛ لأن أوامره عند الجنود واجبة الطاعة، ومخالفته توجب العقوبة، من حبسه أو توقيفه أمام الجنود، أو عزله، أو تنزيل رتبته، فالمهم أن هذا يكون كالإكراه.
قوله: «كما لو استأجره سلطان» يعني أن السلطان لو استأجر أحداً ليصعد شجرة، أو ينزل بئراً فهلك به لم يضمنه، وهذا واضح.
والمؤلف هنا قاس ما يشتبه فيه على ما هو واضح، فقال: «كما لو استأجره سلطان»، ووجه ذلك أنَّ الأمر غير عقد الإجارة، لأن عقد الإجارة الرضى فيه واضح، وليس فيه آمِر ومأمور؛ إذ إنَّه عقد تام بين شخصين برضىً منهما، وليس أحدهما آمراً للآخر، وعدم الضمان فيه ظاهر جداً، فهو كما لو استأجره سلطان على أن يصعد شجرة، أو ينزل بئراً لهلك به فلا ضمان، فكذلك لو أمره، والجامع بينهما هو الرضا وعدم الإكراه في كل منهما، فهنا قاس ما يشتبه فيه على ما لا يشتبه فيه، وقد اشتهر عند العامة التفريق بين الاستئجار وغيره، فقالوا: إن استأجرته
فديته أُجرته، وإن نزل تبرعاً فعليك ضمانه، ولكن هذا لا أصل له، ولا فرق بين الأمر وبين الاستئجار، إذا كان الأمر ليس فيه إكراه أو غيره.
قوله: «أو غيره» أي: لو استأجره غير السلطان، فلو استأجرت إنساناً أن يصعد لك شجرة، أو أن ينزل بئراً، فهلك فإنه لا ضمان عليك؛ لأنه فعل ذلك برضاه واختياره.
وبهذا نعرف خطأ تلك القوانين التي قُنِّنَت في بعض الدول، أن العامل لدى الشركات يكون مضموناً بكل حال، حتى لو كان بالغاً عاقلاً مختاراً، وحتى لو كان غير مغرور، بأن عرف عمله وخطره إن كان فيه خطورة، فهذا حكم طاغوتي مخالف لحكم الشريعة، ولا يجوز العمل به، ويجب أن يحكم فيه بمقتضى شريعة الله، فيقال: إن هذا العامل غير مضمون؛ إلاَّ إذا كان مكرهاً على العمل فيكون مضموناً.
فإن قلت: أليس هذا قانوناً دولياً عاماً؟
الجواب: لا، بل القانون الدولي العام هو قانون الله ـ عزّ وجل ـ، وليس لأحد من عباد الله أن يُقنِّن في عباد الله ما ليس في شريعة الله، فالحكم لله ـ عزّ وجل ـ وحده، كما قال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ﴾ [يوسف: 40]، فأي إنسان يشرع قوانين تخالف شريعة الله فقد اتخذ لنفسه جانباً من الربوبية، وشارك الله ـ تعالى ـ فيما هو من خصائصه، فلا أحد يحكم في عباد الله إلاَّ بما اقتضاه شرع الله، وعلى هذا نقول: إن القانون الدولي العام، والشعبي الإفرادي هو قانون الله عزّ وجل، الذي شرعه لعباده،
وكل القوانين سوى ذلك فإنها باطلة؛ لأنها ناقصة وقاصرة، حتى لو اجتمع أذكياء العالم على مشروعيتها فإنها ناقصة قاصرة، لا تفي بأي غرض من الأغراض، وإن وَفَتْ بغرض من جانب هدمت أغراضاً أخرى من جوانب أخرى، وإن قدر أنها تخدم غرضاً من جانب، فإنها لا تخدم هذا الغرض إلا في أناس معينين، وفي مكان معين، وفي زمان معين، أما الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان فإنها أحكام الله ـ سبحانه وتعالى ـ، وبهذا نعرف خطورة الذهاب هذا المذهب، وهي أن نسن القوانين الوضعية التي لم يضعها الشرع ونحكم بها عباد الله، ونجعل التحاكم إليها لا إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد نوَّه الله ـ تعالى ـ عن أحوال هؤلاء فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60]، وتأمل كلمة ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾، فهم في الحقيقة غير مؤمنين، بل هو زعم فقط، والزعم قد يوافق الواقع وقد لا يوافقه، فهم يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك بألسنتهم، لكن قلوبهم على العكس من ذلك لقوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ والإرادة محلها القلب ﴿أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولو كانوا صادقين في إيمانهم لكفروا بهذا الطاغوت، ولم يريدوا أن يتحاكموا إليه، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا﴾، وعلى هذا فهم موافقون لمراد الشيطان لا لمراد الرحمن ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: إلى الكتاب والسنَّة فلا يُصرِّحون بقولهم: لا،
حتى لا يظهر كفرهم، ولكنهم ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي: يعرضون، ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقًا *﴾، أي: أردنا أن نحسن وأن نوفِّق بين الشريعة والوضيعة، وهل هم صادقون؟ قال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا *﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 63 ـ 64] لا ليتلاعب بأحكامه وتترك، ويراد التحاكم إلى الطاغوت.
واعلم أنَّ الناس لو جعلوا التحاكم إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وحكَّموا الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم في كل شيءٍ لصلحت أحوالهم، ولكنها تفسد بمقدار ما أبعدوا عن الدين، فيظنون أن هذا الفساد بسبب تمسكهم بما تمسكوا به من الدين، فَيُوغِلُون في الإعراض عن دين الله، وعن التحاكم إلى الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، وهذا هو الواقع، يظنون أن ما أصابهم من الخلل الاقتصادي، والمادي، والتخلف المعنوي، والعسكري، بسبب ما هم عليه من أحكام الشريعة، والحقيقة أنه بسبب ما قاموا به من مخالفة الشريعة، ولو أنهم وافقوا الشريعة، لكانت هذه شريعة الله العادلة القاهرة الغالبة، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [الصف: 9] ﴿لِيُظْهِرَهُ﴾ بمعنى لِيُعْليه، ولسنا بحاجة إلى بيان ذلك؛ لأن هذا معلوم بالتاريخ، فلمَّا كانت الأمة متمسكة بدين الله، لا تقاتل إلاَّ بكتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم مستعينة بالله عزّ وجل، سقطت الأديان والإمبراطوريَّات أمامها،
فسقطت النصارى بسقوط الروم «هرقل»، وسقط دين المجوس بسقوط كسرى، وسقط دين المشركين بفتح مكة، فسقطت الأديان كلها، ومَلَكَ المسلمون مشارق الأرض ومغاربها، ولما حصل ما حصل من مخالفة الشريعة تفرَّقت الأمة، وتنازعت، وصار بأسها بينها، وتغلَّب عليها أعداؤها، فصاروا يأتون الأرض ينقصونها من أطرافها، فأخذوا الأندلس، وأخذوا الشام، ومصر، والعراق، وغير ذلك، وكل ذلك بسبب البعد عن شريعة الله، وإننا ندعو إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ونضمن لكل من رجع بصدق وإخلاص في ظاهره وباطنه، في روحه وقالبه، نضمن له أن ينتصر على أعدائه مهما كانت الظروف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [غافر:51] بل أبلغ من ذلك أننا نضمن له أن يكون عدوه ـ ولو كان بينه وبينه مسافة شهر ـ راهباً وخائفاً منه، كما قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً» 1.
بَابُ مَقَادِيرِ دِيَاتِ النَّفْسِ
دِيَةُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةُ بَعِيرٍ، أَوْ أَلْفُ مِثْقَالٍ ذَهَباً، أَوِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فِضَّةً، أَوْ مِائَتَا بَقَرَةٍ، أَوْ أَلْفَا شَاةٍ،
........
قوله: «مقادير ديات النفس» «مقادير» جمع مقدار، يعني القدر الذي تكون عليه الدية، والباب هنا بيان للمقادير والكيفيات أيضاً، فهو بيان للكمية والكيفية.
وأصل الدية ثابت في القرآن والسنة، لكن تفصيل الدية إنما جاء في السنة؛ لأن السنة تبين القرآن، وتفسِّره، وتعبِّر عنه.
قوله: «دية الحر المسلم» هذان شرطان: الأول: أن يكون حراً، الثاني: أن يكون مسلماً، فخرج بالحر العبد المملوك، وبالمسلم من ليس بمسلم.
وعموم قول المؤلف: «الحر المسلم» يشمل الكبير والصغير؛ لأنه لم يقيد، ويشمل العاقل والمجنون، ويشمل العالم والجاهل، ويشمل الذكر والأنثى، لكن الأنثى سيتبين فيما بعد إخراجها من هذا العموم، ويشمل المريض والصحيح، والأخرس والناطق، والأعمى والبصير، والأصم والسميع، والمريض مرضاً مخوفاً، وغير ذلك.
قوله: «مائة بعير» وسيأتي بيان أسمائها.
قوله: «أو ألف مثقال ذهباً» «ذهباً» تمييز لـ «ألف مثقال»، يعني ألف مثقال من الذهب، وكان الدينار في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم يساوي مثقالاً من الذهب، ولهذا جاء في حديث عمرو بن حزم: «وعلى أهل الذهب ألف دينار» 1، وإذا كان الدينار مثقالاً، صار ألف دينار يساوي ألف مثقال، وإنما عدل المؤلف عن ألف دينار إلى ألف مثقال؛ لأن الدنانير قد تختلف، فمثلاً الدينار السعودي ثمانية مثاقيل، بينما كان في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم وفي صدر الإسلام مثقالاً واحداً.
قوله: «أو اثنا عشر ألف درهم فضة» «فضة» تمييز، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فيكون الدرهم الإسلامي أقل من الدينار الإسلامي، فكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، فالاثنا عشر ألفاً من الدراهم تساوي ثمانية آلاف وأربعمائة مثقال من الفضة.
وعندما نحوِّل الاثني عشر ألف درهم إلى الجنيهات الموجودة الآن، والجنيه يساوي ثمانية مثاقيل، تساوي ألفاً وخمسين جنيهاً.
وكل مائتي درهم تساوي ستة وخمسين ريالاً سعودياً، فتكون الدية ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين ريال فضة سعودياً.
قوله: «أو مائتا بقرة أو ألفا شاة» دية البعير تختلف قيمتها
باختلاف الأزمان واختلاف الأمكنة، وكذلك مائتا بقرة وألفا شاة، فلا يمكن ضبطها بالدراهم والدنانير، والدراهم والدنانير ثابتة غالباً، الدراهم اثنا عشر ألف درهم، وبالمثاقيل ثمانية آلاف وأربعمائة مثقال، والدنانير ألف دينار، وهي ألف مثقال، والمثقال بالغرام يساوي أربعة غرامات وربعاً، وبهذا يمكن أن تقيس جميع دراهم العالم ودنانيره، وتعرف مقدار الدية بالذهب والفضة في أي مكان.
أما الإبل، والبقر، والغنم، فهذه خاضعة للقبول والعرض، والكثرة والقلة، وتختلف باختلاف الزمان والمكان.
هذِهِ أُصُولُ الدِّيَةِ، فأيَّهَا أَحْضَرَ مَنْ تَلْزَمُهُ لَزِمَ الْوَلِيَّ قَبُولُهُ، فَفِي قَتْلِ الْعَمْدِ وَشِبْهِهِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً،
....................
قوله: «هذه أصول الدية» «هذه» اسم إشارة، والمشار إليه خمسة الأصناف السابقة، وهي: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة، فهذه هي أصول الدية، وهذا الذي مشى عليه المؤلف إحدى الروايات عن الإمام أحمد رحمه الله.
والرواية الثانية أن هناك أصلاً سادساً وهو الحُلَل، جمع حلة، وهي إزار ورداء، والدية من الحلل مائتا حُلَّة.
والرواية الثالثة أنَّ الأصل الإبل فقط، وما عداها فهو مقوَّم بها، وليس أصلاً؛ وذلك لأنَّ جميع الأعضاء التي فيها مقادير تقدّر بالإبل، ففي الموضحة خمس من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الأصبع عشر من الإبل، فالشارع دائماً يقدر أجزاء الدية بالإبل، فدل هذا على أنه هو الأصل، وأن ما ذكر من الفضة، والذهب، والبقر، والغنم فهو من باب التقويم، وتابع
لها، وليس أصلاً، وهذا هو ظاهر كلام الخرقي ـ رحمه الله ـ واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وجماعة من الأصحاب، وهذا هو الذي عليه العمل عندنا، فلا يزال الناس من قديم الزمان يحكمون بأن الأصل في الدية الإبل، والدية عندنا الآن تقدَّر بمائة ألف ريال، ولو كانت الفضة أصلاً لكانت دية الإنسان ثلاثة آلاف وثلاثمائة وستين ريال فضة.
قوله: «فأيها أحضر من تلزمه لزم الوليَّ قبوله» فـ «أيَّها» بالنصب، مفعول به مقدّم لـ «أحضر»، و «من» فاعل.
وقوله: «تلزمه» لم يقل: القاتل؛ لأن الدية قد تكون على العاقلة لا على القاتل، فأتى بقوله: «من تلزمه» ليكون عاماً في القاتل والعاقلة.
وقوله: «لزم الوليَّ قبولُه» لم يقل: المجني عليه؛ لأنه قد يكون ميتاً، وقد يكون حياً؛ لأنه سيأتينا في دية الأعضاء أنه لو قطع يديه لزمه دية كاملة؛ ولهذا لو قال المؤلف: «لزم من هي له قبوله» لكان أعم.
على كل حال إذا أحضر الجاني مائة من الإبل، فقال الذي له الدية: أنا أريد ألف مثقالٍ ذهباً، نقول له: الأمرُ ليس لك، بل للجاني.
وكذلك لو أحضر الجاني ثمانية آلاف، وأربعمائة مثقال فضة، فقال من له الدية: أنا أريدها من الإبل، نقول له: الأمر ليس إليك.
ومن هذا الحكم نعرف أنه لوحظ في رفع الدية التخفيف
على من تلزمه؛ لأن الخيار له، أما إذا قلنا بأن الأصل هو الإبل، فإنه إذا أحضر ما سواها فلا بد من موافقة من هي له، وعلى هذا القول لو أحضر الجاني الدية اثني عشر ألفاً من الفضة، فقال من هي له: أنا أريد إبلاً، فهنا يُلزم الجاني بإحضار الإبل، حتى لو كانت الاثنا عشر تعادل مائة من الإبل، أو أكثر منها، لكن إذا رأى ولي الأمر أن تؤخذ الديات من صنف من هذه الأصناف، وأنه من المصلحة، حتى لا يحصل النزاع، فله ذلك.
قوله: «ففي قتل العمد وشبهه خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة» فقوله: «ففي قتل العمد» يجوز أن نقدر المبتدأ محذوفاً تقديره: «الواجب خمس وعشرون».
ولنا أن نقول: «ففي قتل العمد» خبر مقدم، و «خمس وعشرون» مبتدأ مؤخر.
وعلم من قوله: «ففي قتل العمد وشبهه» أن العمد وشبهه متفقان في أسنان الإبل.
وقوله: «خمس وعشرون بنت مخاض» بنت المخاض هي بكرة لها سنة، سميت بذلك؛ لأن أمها تكون ماخضاً في الغالب، أي: حاملاً.
وقوله: «وخمس وعشرون بنت لبون» أي: بكرة لها سنتان؛ لأن أمها صارت ذات لبن غالباً.
وقوله: «وخمس وعشرون حقة» وهي بكرة لها ثلاث سنوات، سميت حقة؛ لأنها استحقت أن يطرقها الفحل.
وقوله: «خمس وعشرون جذعة» هي بكرة تم لها أربع سنوات.
فلو أن من تلزمه الدية جاء بخمس وعشرين بنت لبون، وخمس وعشرين حقة، وخمس وعشرين جذعة، وخمس وعشرين ثنية.
فقال من له الدية: لا أقبل، فهل يلزمه قبولها؟
هذه المسألة سبقت في باب السلم عند قول المؤلف: «فإن جاء بما شرط، أو أجود منه من نوعه ولو قبل محله، ولا ضرر في قبضه لزمه أخذه» وأن المذهب يرون لزوم قبول الصفات دون الأعيان، فإذا جاءه قبل مَحلِّه أو جاءه بأجود، أو أبرأه من الدَّيْن لزمه القبول، وسبق أن الأصح في ذلك التفصيل، فإذا خاف أن هذا الذي أعطاه أجود أن يمنَّ عليه فلا نُلزمه بالقبول، أما إذا كان لا يتضرر المدفوع إليه بهذه الزيادة، لا حالاً ولا مستقبلاً فإنه يجب عليه القبول، ولنا في ذلك أصل وهي قصة عمر ـ رضي الله عنه ـ مع محمد بن مسلمة وجاره حينما امتنع أن يجري الماء من ملكه إلى ملك الآخر، فقال له عمر ـ رضي الله عنه ـ: «لأجرينَّه ولو على بطنك» 1.
وأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حينما كان أميراً على المدينة قال: «والله لأرمين بها بين أكتافكم» (1) فيمن منع جاره مِن وضع الأخشاب فوق جداره.
وَفِي الْخَطَإِ تَجِبُ أَخْمَاساً، ثَمَانُونَ مِنَ الأَْرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَعِشْرُونَ مِنْ بَنِي مَخَاضٍ،
.........
قوله: «وفي الخطأ تجب أخماساً، ثمانون من الأربعة المذكورة وعشرون من بني مخاض» «أخماساً» حال.
هذه الدية فيها تخفيف؛ لأننا أدخلنا فيها الذكور، والذكور عند الناس أقل رغبة من الإناث، فتكون دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بنت لبون، وعشرين حقة، وعشرين جذعة، وعشرين بني مخاض، يعني ذكوراً لكل واحد سنة.
وهذا التقسيم إذا كان الواجب دية كاملة، أما إذا كان الواجب بعض الدية فهل نعامل هذا البعض معاملة الكل؟ نعم، فمثلاً إذا كانت الموضحة عمداً ففيها خمس من الإبل، واحدة بنت مخاض، والثانية بنت لبون، والثالثة حقة، والرابعة جذعة، والخامسة وسطاً على قدر القيمة.
أما إذا كانت الموضحة خطأ فهي أخماس، واحدة بنت مخاض، والثانية بنت لبون، والثالثة حقة، والرابعة جذعة، والخامسة ابن مخاض.1
والدليل على ذلك ما رواه أبو داود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه ذكر الدية 1 على نحوٍ مما ذكره المؤلف.
وهناك سُنَّة أخرى في هذه المسألة، وهي أن الدية تجب أثلاثاً، ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خَلِفَة ـ أي: حاملاً ـ في بطونها أولاد 2.
وكلتاهما صح فيها الحديث، فمن العلماء من أخذ بهذا، ومنهم من أخذ بهذا، والأخير أغلظ من الأول، فإن قيل: أي القولين نسلك؟
فالجواب: يمكن أن نرد ذلك إلى رأي الحاكم الشرعي، فإذا رأى أن يجعلها هكذا فعل، وإذا رأى أن يجعلها هكذا فعل، حسب ما تقتضيه الأحوال، وأما المذهب فإنها متعيِّنة في الأسنان الأربعة، في العمد وشبهه، وفي الخطأ في الأسنان
الخمسة، وبهذا نعرف أن العمد وشبه العمد من ناحية الدية يشتركان في شيء، ويفترقان في شيء، فيشتركان في تغليظ الدية، فكلاهما الدية فيه مغلظة، ويختلفان في التحميل والتأجيل، فشبه العمد على العاقلة مؤجلاً ثلاث سنوات، والعمد على الجاني حالًّا.
ويشترك الخطأ وشبه العمد من ناحية الدية في أنها على العاقلة، ومؤجلة بثلاث سنوات، ويختلفان في التغليظ.
والحكمة في هذا الاختلاف، قالوا: لأننا إذا نظرنا إلى القصد في شبه العمد ألحقناه بالعمد، وإذا نظرنا إلى عدم قصد القتل ألحقناه بالخطأ، فروعي فيه الأمران، فبالنظر إلى أنه عمد غلَّظناه، وبالنظر إلى أن القاتل لم يقصد القتل خففناه، وجعلنا الدية على العاقلة مؤجلة ثلاث سنوات.
واعلم أن التغليظ خاص بالإبل فقط، أما سائر الأصناف فلا تغلظ، فلا يلزم ـ مثلاً ـ أن يدفع ذهباً عيار أربعة وعشرين، فما دام أنه ذهب فإنه يجزئ بشرط عدم كونه معيباً.
وكذلك لا تغليظ في البقر، بل تدفع نصفها مسنَّات، ونصفها أتبعة، وفي الغنم نصفها ثنايا، ونصفها أجذعة، إذا كانت من الضأن، أما إذا كانت من المعز فكلها ثنايا، وليس فيها تغليظ، فلا فرق بين العمد، وشبه العمد، والخطأ، وهذا مما يدل على أن دية الإبل هي الأصل.
وهل هناك تغليظ بزمان أو مكان؟
في ذلك خلاف بين العلماء، فمنهم من يرى أنه لا تغليظ في الزمان، ولا في المكان؛ لأن الأدلة عامة، وليس فيها تفصيل.
ومنهم من يرى أن هناك تغليظاً في الزمان، أو المكان، أو الحال، فقالوا: تغلظ إذا كانت في الحَرم، أو كانت في الإحرام، أو كانت في الأشهر الحرم، وهي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، ومُحَرَّم، فكل صفة تغلظ إلى ثلث الدية، فإذا قتل شخصاً في ذي القعدة غير مُحْرِم، ولم يكن بالحرم فعليه دية وثلث الدية، وإن قتله، وهو مُحْرِم، في مكة، في غير أشهر الحرم، فيلزمه دية وثلثا دية، أي: مائة وستة وستون بعيراً وثلثا بعير، فإذا اجتمعت الثلاثة بأن قتله في الحرم، وهو مُحرِم، وفي الأشهر الحرم فعليه ديتان.
وبعضهم قال: لا تغليظ في الإحرام، إنما التغليظ في المقتول إذا كان ذا محرَمٍ منه، فإنه تغلظ عليه الدية.
والقول الراجح أنه لا تغليظ، لا في حرم، ولا في إحرام، ولا في الأشهر الحرم؛ لعموم الأدلة وعدم التفصيل، وعلى هذا تكون الدية مائة من الإبل في كل حال، والراجح ـ أيضاً ـ أن الدية مائة من الإبل، وليس الذهب، ولا الفضة، ولا البقر، ولا الغنم أصلاً فيها.
وَلاَ تُعْتَبرُ الْقِيمَةُ في ذلِكَ، بَلِ السَّلاَمَةُ، وَدِيَةُ الْكِتَابِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ،
....... قوله: «ولا تعتبر القيمة في ذلك» المشار إليه ما سبق، يعني لا يُعتبر أن يكون كل واحد من الأصول مثل الآخر؛ لأن ذلك غير ممكن غالباً، فلا يشترط أن تكون قيمة مائة الإبل هي مائتي بقرة، وألفي شاة، واثني عشر ألف فضة، وألف مثقال ذهباً.
فلو فرض أن الإبل رخصت حتى صارت مائة بعير تساوي خمسمائة مثقال من الذهب، فهل نقول: نرفع دية الإبل إلى مائتين؟ لا.
ولو فرض أن ألف مثقال ذهباً لا تساوي إلا خمسين من الإبل، فإننا لا نرفع الذهب إلى ألفي مثقال.
قوله: «بل السلامة» أي: المعتبر هو السلامة لا القيمة، ومعنى السلامة، أي: أن تكون سالمة من العيوب، وهل المراد العيوب الشرعية، أو العيوب العرفية؟
الظاهر أن المراد العيوب العرفية؛ لأن الدية حق للآدمي، فإذا كان حقاً لآدمي فإن المعتبر في العيوب ما ينقصها في حق الآدمي، أو لا ينقصها.
والفرق بين العيوب الشرعية والعيوب العرفية، أن العيوب الشرعية هي ما لا يقبل معه الشيء عند الله، والعيوب العرفية ما لا يقبل معه عند الخلق.
مثال ذلك: إذا كانت الإبل عرجاء عرجاً غير بَيِّن، فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة، وإذا كانت عوراء عوراً غير بيِّن فهي عند الله غير معيبة، وعند الناس معيبة.
فالمعتبر هو السلامة من العيوب العرفية، حتى لو كانت شرعاً غير معيبة، وعرفاً معيبة، فلا يلزم الولي أن يقبلها؛ لأنها حق للآدمي، ولهذا لو تنازل من تجب له الدية، وقال: يكفيني أن تعطيني مائة من الإبل، كلها بنت مخاض، فإنه يجوز.
قوله: «ودية الكتابي نصف دية المسلم» «الكتابي» هو اليهودي والنصراني، وسمي كتابياً؛ لأنهم أهل كتاب، والكتب التي بقيت ينتسب إليها هي التوراة، والإنجيل، فسمي من انتسب إليها كتابياً.
وقوله: «ودية الكتابي» يشمل المعاهد، والذمِّي، والمستأمِن، ولا يشمل الحربي؛ لأنه غير معصوم فلا دية له، فهؤلاء ديتهم نصف دية المسلم، لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «قضى بأنّ عقْل أهل الكتاب نصف عقل المسلمين» رواه أحمد 1، ولو قرأ هذا عامي لقال: سبحان الله عقول الكفار ناقصة عن المسلمين، وهذا من المحاذير التي قالها بعض الناس من اعتماد الإنسان على مجرَّد الكتب؛ لأنه قد يقرأ المكتوب ويفهمه على غير مراده، فيَضل ويُضل، والمراد بالعقل في الحديث الدية، وسميت عقلاً باسم المصدر؛ لأنها من عقلت البعير أعقِلُه عقلاً، فسميت عقلاً لأنه من عادتهم أن دافع الدية يأتي بالإبل إلى بيت من هي له، وينيخها ويعقلها.
وفي لفظ آخر للحديث: «عقل الكفار نصف عقل المسلمين» 3، وفرقٌ بين قوله: «عقل الكفار» وبين قوله: «عقل2
الكتابي»، لأن «عقل الكفار» عام، و «عقل الكتابي» خاص، فتكون دية الواحد من أهل الكتاب خمسين بعيراً، ومائة بقرة، وألف شاة، وخمسمائة دينار أو مثقال، ستة آلاف درهم.
وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ وَالْوَثَنِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ كَالْمُسْلِمِينَ،
.........
قوله: «ودية المجوسي والوثني ثمانمائة درهم» المجوسي هو الذي يعبد النار، والوثني هو الذي يعبد الأصنام، وعلى هذا فالمجوس نوع من الوثنيين، لكن خصه المؤلف بالذكر؛ لأن لهم أحكاماً خاصة كأخذ الجزية منهم دون غيرهم من المشركين، على رأي أكثر أهل العلم، والصحيح أن المشركين ولو كانوا غير مجوس تؤخذ منهم الجزية.
وقوله: «ثمانمائة درهم» إذا جعلنا كل مائتي درهم ستة وخمسين ريالاً، فتكون ثمانمائة الدرهم مائتين وأربعة وعشرين ريال فضة، فدية المجوسي، والوثني، ومن لا دِين له، والشيوعي ومن أشبههم مائتان وأربعة وعشرون ريال فضة سعودي فقط، وهذا مروي عن عمر وعثمان وابن مسعود ـ رضي الله عنهم ـ 1.
ولكن هل هذا القول توقيفي أو تقدير؟
قال بعض العلماء: إنه توقيف، وأنه نص في ثمانمائة درهم.
وقال آخرون: إنه تقدير، وأنه ورد حديث ـ وإن كان
ضعيفاً ـ «أن ديتهم ثلثا عشر دية المسلم» 1 وأنه قدِّر بثمانمائة درهم.
وذهب بعض العلماء إلى أن دية الكتابي وغيره كدية المسلم، وقال: إن الأحاديث المفرِّقة في صحتها نظر، والآية الكريمة قال الله فيها: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾، وقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92]، فقال: «دية» في الموضعين، والأصل عدم الفرق حتى يقوم دليل صحيح على ذلك.
ولأنَّ كلًّا منهما آدمي، ومن الممكن أن يهدي الله هذا الكافر حتى يكون كالمسلم، وإذا كنا لا نفرِّق بين أَعْبَدِ الناس وأطوعهم لله، وبين أفسق الناس وأفجرهم، فكذلك لا نفرق بين الكافر والمسلم، وهذا يدل على أن الدِّين لا دخل له في الدية ولا يعطي تقويماً فيها، وعلى هذا تكون دية المسلم والكافر ـ أياً كان نوعه ـ سواء.
وذهب آخرون إلى قول وسط، وهو أنَّ الكفار كلهم على النصف من دية المسلم، واستدلوا بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «عقل الكفار نصف عقل المسلمين» 2 وهذا عام، قالوا: وتخصيص الكتابي ببعض الألفاظ لا يقتضي تخصيص الحكم أو تقييده؛ لأن القاعدة في العام والخاص: «أن
ذكر بعض أفراد العام بحكم يطابق العام لا يقتضي التخصيص» كما لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم زيداً، وزيد منهم، فهل معنى ذلك أن الكلام الثاني يخصص الأول؟ لا، لكن لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: لا تكرم زيداً، وهو منهم، فهنا صار في العموم تخصيص، وهو أننا أخرجنا زيداً من العموم، بخلاف ما لو ذكرناه بحكم يطابق العام فإن ذلك لا يقتضي التخصيص.
وأما قول بعضهم في حديث «عقل الكتابي نصف عقل المسلم»: إنه مفهوم لقب، ومفهوم اللقب عند جمهور أهل العلم غير معتبر؛ لأن المفهوم المخصص عندهم هو الذي يتضمن معنى يكون من أجله التخصيص، وأما مجرد اسم زيد، وعمرو، وبكر، أو ثوب، وحجر، أو أسد مما ليس فيه معنى يقتضي التخصيص فإنه يُسمى مفهوم لقب، ولا عبرة به.
فجوابنا على هذا: أن مفهوم أهل الكتاب ليس من باب مفهوم اللقب؛ لأن «أهل الكتاب» المفهوم فيه مفهوم وصف؛ لأن معنى أهل الكتاب المنتسبون لليهود والنصارى، وهذا وصف وله معنى.
وكما أنه بإجماع المسلمين لا يحل نكاح المرأة الكافرة، سوى التي من أهل الكتاب، فإن كل حكم خصص بأهل الكتاب يجب ألاَّ نعتبره مفهوم لقب، بل نجعله مفهوم وصف، ونحن لا نستدل على جواز نكاح الكافرة اليهودية، أو النصرانية، إلا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: 5]، وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للإنسان أن يتزوج مجوسية،