الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 210-249
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الصَّلاة

صفحات 210-249
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الأقرأُ، فالأعلمُ بالسُّنَّةِ، فالأقدم هِجرةً، فالأقدمُ إسلاماً، فالأكبرُ سِنًّا.
أما التقوى: فهي صِفةٌ يجبُ أن تُراعى ـ بلا شَكٍّ ـ في كُلِّ هؤلاء، ولا اعتبارَ لأشرفيَّة.

ثُمَّ مَنْ قَرَعَ. وَسَاكِنُ البَيْتِ،

............ قوله: «ثم من قرع» أي: إذا استوى في هذه المراتبِ كلِّها رَجُلان؛ فإنَّنا في هذه الحال نستعملُ القُرْعَةَ، فمَن غَلَبَ في القُرعةِ فهو أحقُّ، فإذا اجتمعَ جماعةٌ يريدون الصَّلاةَ، فقال أحدُهم: أنا أتقدَّمُ، وقال الثاني: أنا أتقدَّمُ، ونظرنا فإذا هما متساويان في كلِّ الأوصافِ فهنا نُقرِعُ بينهما ما لم يتنازل أحدِهما عن طَلَبِهِ، فَمَنْ قَرَعَ فهو الإِمامُ.
والقُرْعَةُ ليس لها صورةٌ معينةٌ، بل هي بحسب ما يتَّفِقُ الناسُ عليه، فممكن أن نكتب بورقة (إمام) والأخرى (بيضاء)، ونخلُطَ بعضَهما ببعضٍ، ونعطيهما واحداً، ونقولُ: أعطِ كُلَّ واحدٍ مِن هذين الرَّجُلين ورقةً، فإذا وقعت بيد أحدِهما، (إمام) فهو الإِمام، أو ما أشبه ذلك، فكيفما اقترعوا جَازَ.
فإن قال قائلٌ: ما الدَّليلُ على استعمال القُرعةِ في العباداتِ؟ قلنا: قَولُ النَّبيِّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لو يَعْلَمُ النَّاسُ ما في النِّداءِ والصَّفِّ الأولِ، ثم لم يجدوا إلا أنْ يَسْتَهِموا عليه لاسْتَهَمُوا» 1 فهذا نصٌّ واضحٌ في أنَّ القُرعةَ تدخُلُ في الأذانِ والصَّفِ الأولِ إذا تَشَاحُّوا فيهما.

وهل وردت القُرعَةُ في القرآن؟ الجواب: نعم، في موضعين مِن القرآن: الأول: في سورة آل عمران: في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ *﴾ [آل عمران].
الثاني: في سورة الصافات: في قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *﴾ [الصافات].

وَإِمَامُ المَسْجِدِ أَحَقُّ إِلاَّ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ.

قوله: «وساكن البيت وإمام المسجد أحق».
أي: ساكنُ البيتِ أحقُّ مِن الضَّيفِ؛ لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يَؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في أهلِهِ ولا في سُلطانِهِ» 1 أخرجه مسلم.
«أو في بيتِهِ» 2 كما هي رواية أبي داود، والنَّهيُ عنه على سبيلِ التَّنزيه، وقيل: على سبيلِ التَّحريمِ.
مسألة: إذا اجتمعَ مالكُ البيتِ ومستأجرُ البيتِ، فالمستأجرُ أَولى: لأنَّ المستأجرَ مالكُ المنفعةِ، فهو أحقُّ بانتفاعِهِ في هذا البيتِ.
وقوله: «وإمام المسجد أحق» أي: أنَّ إمامَ المسجدِ أحقُّ مِن غيرِه، حتى وإنْ وُجِدَ مَن هو أقرأُ، فلو أنَّ إمامَ المسجدِ كان قارئاً يقرأ القرآن على وَجْهٍ تحصُلُ به براءةُ الذِّمَّةِ، وحضرَ رَجُلٌ عالمٌ قارىءٌ فقيه، فالأَولى إمامُ المسجدِ؛ لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا

يُؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانه» 1، وإمامُ المسجدِ في مسجدِه سُلطانٌ فيه، ولهذا لا تُقامُ الصَّلاةُ إلا بحضورِه وإذنِهِ، حتى إنَّ بعضَ العلماءِ قال: لو أنَّ شخصاً أمَّ في مسجدٍ بدون إذنِ إمامِهِ فالصلاةُ باطلةٌ.
ولأننا لو قلنا: إنَّ الأقرأَ أَولى؛ حتى ولو كان للمسجدِ إمامٌ راتبٌ؛ لحصَلَ بذلك فوضى، وكان لهذا المسجدِ في كلِّ صلاةٍ إمامٌ.
قوله: «إلا من ذي سلطان» أي: أنَّ ذا السُّلطانِ، مقدَّمٌ على إمامِ المسجدِ، والسُّلطانُ هو الإِمامُ الأعظمُ، فلو أنَّ الإِمامَ الأعظمَ حَضَرَ إلى المسجدِ، فهو أَولى مِن إمامِ المسجدِ بالإِمامةِ.
واستدلُّوا بعمومِ قولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يَؤمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ في سُلطانِهِ» 2. ولكن قد يقول قائلٌ: الإِمامُ في مسجدِه سُلطانٌ، وهذه سُلْطَةٌ أخصُّ مِن سُلْطَةِ الإِمامِ الأعظمِ؟ والجواب: بأنَّ سُلطتَه دون سُلطةِ السُّلطان الأعظمِ، فَسُلطةُ السلطانِ الأعظمِ أقوى، بدليل أنَّه يمكن للسُّلطانِ الأعظمِ أن يُزيلَ هذا عن منصِبِه.
مسألة: لو حَضَرَ الإِمامُ الأعظمُ إلى صلاةِ الجُمعةِ في بلدٍ غير وَطَنِهِ، فمَن الذي يُقدَّمُ، الإِمامُ الأعظم، أو إمامُ المسجدِ الجامعِ؟

فالجواب: نُقدِّمُ إمامَ الجامعِ؛ لأنَّ مِن شرطِ الإِمامةِ في الجُمعةِ أن يكون الإِمامُ مستوطناً، والإِمامُ الأعظمُ في غير وطنِهِ غير مستوطن.
وأجاز ذلك بعضُ العلماء لوجهين: الأول: أنه ليس هناك دليلٌ على أنَّ الجُمعةَ لا يصحُّ أنْ يكون الإِنسانُ إماماً فيها إلا إذا كان مستوطناً (1)؟ الثاني: رُبَّما يُقال: إنَّ الإِمامَ الأعظمَ مستوطنٌ في جميعِ بلادِ مملكتِه، ولهذا كان مِن اعتذارِ بعضِ العلماءِ (2) لعثمانَ بنِ عفَّان رضي الله عنه حين أَتمَّ الصلاةَ في مِنَى في الحَجِّ (3) أن قالوا: الإِمامُ الأعظمُ أو الخليفةُ، كلُّ ما تحت يدِهِ فهو بلدٌ له، فيكون مهما ذَهَبَ فهو مستوطنٌ.
ولا شَكَّ أنَّ هذا التعليلَ عليلٌ، بل ميتٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أشدُّ ملكاً وتثبيتاً مِن غيرِه، ومع ذلك كان إذا سافرَ مِن المدينةِ يقصُرُ الصَّلاةَ، وقَصَرَ في حجة الوداع حتى رَجَعَ إلى المدينة، وقَصَرَ عثمان في أول خِلافتِهِ.
والقولُ بأن الإِمامَ الأعظمَ لا يصحُّ أن يكون إماماً في الجمعة في غير بلدِه قولٌ ضعيفٌ، وتعليلٌ عليلٌ، بل الصَّحيحُ أنَّ غيرَ الإِمامِ الأعظمِ أيضاً يصحُّ أن يكون إماماً للجُمعةِ في غيرِ بلدِهِ، فلو أنَّ عالماً مِن الناسِ قَدِمَ إلى بلدٍ فقال له أهلُ البلد: صَلِّ بنا، فَخَطَبَ وصَلَّى بهم، فلا بأسَ بذلك.

وَحُرٌّ، وَحَاضِرٌ، وَمُقِيمٌ،

............ قوله: «وحُرٌّ، وحاضر، ومقيم» إلخ.123

الحُرُّ أَولى مِن ضِدِّه، وضِدُّ العبدُ الرَّقيقُ الذي يُباع ويُشترى، وإنَّما كان الحُرُّ أَولى مِن العبدِ؛ لأنَّ الحُرَّ غالباً أعْلمُ بالأحكامِ مِن العبدِ، ولأنَّ العبدَ مملوكٌ، فلا يُؤمنُ أن يطلبَه سيدُه في أيِّ ساعةٍ مِن ليلٍ أو نهارٍ بخلاف الحُرِّ، ولأنه إنْ كان العبدُ عبده فمرتبتُه أعلى مِن مرتبةِ العبدِ وهو سيدُه، فلا ينبغي أن يكون مأموماً له وهو أرفعُ منه.
وقوله: «وحاضر» المراد به الذي يسكن الحاضرةَ.
وضِدُّه البدوي؛ لأنَّ البدوَ غالباً يكونون جُفاةً جُهَّالاً، كما قال الله تعالى: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [التوبة: 97].
وقوله: «ومقيم» يعني أن المقيم أَولى مِن المسافر، مثلاً: إنسانٌ في هذا البلدِ مقيمٌ لحاجةٍ فمرَّ مسافرٌ عابراً فتقول: المقيمُ أَولى مِن هذا العابرِ لأنَّ المقيمَ على المشهورِ مِن المذهبِ إذا نوى الإقامة أكثر مِن أربعة أيام لزمه أن يُتمَّ فكان بذلك أولى مِن المسافر الذي لا يتم وبناء على قوله: فالمقيم هنا ضد المسافر والمستوطن، فالناس ثلاثة أقسام: مستوطن ومسافر ومقيم، فالمستوطن أولى ثم المقيم.

وَبَصِيرٌ، وَمَخْتُونٌ، وَمَنْ لَهُ ثِيَابٌ أَوْلَى مِنْ ضِدّهِمْ.

قوله: «وبصير» يعني: أنَّ البصير أَولى مِن الأعمى؛ لأنَّ البصيرَ يتحرَّزُ مِن النجاساتِ وغيرِها، ويُدرك استقبالَ القِبلة أكثر مِن الأعمى.
وأيضاً: البصيرُ لو أَنَّ بعضَ أعضائِهِ في الوُضُوء لم يصبه الماءُ لعَلِمَ به بخلافِ الأعمى، فالبصير أَولى مِن الأعمى، وذلك بعد اتِّفاقِهما فيما سَبَقَ.

قوله: «ومختون» أي: أن المختون أَولى مِن الأقلفِ؛ لأنه أبعد مِن التنزُّه مِن النجاسةِ.
والمختون: هو مقطوعُ القُلْفَة، والأقْلَفُ ضِدُّه؛ لأنَّ الإِنسانَ يُولدُ وعلى رأس ذَكَرِهِ قُلْفَةٌ، أي: جِلدةٌ تُغطِّي الحَشَفَةَ، وهذه الجِلدةُ يجب إزالتُها؛ لأنها لو بقيت لاحتقنَ فيها البولُ، وصارت سبباً للنجاسةِ، وربما يتولَّدُ فيها جراثيمٌ بين جِلدةِ القُلْفَةِ والحَشَفَةِ فيتأثَّرُ بأمراضٍ صعبةٍ.
قوله: «ومَن له ثياب» أي: مَن عليه ثيابٌ سترُها أكملُ، أَولى ممَّن عليه ثيابٌ يسترُ بها قَدْرَ الواجبِ.
مثاله: شخصٌ عليه إزارٌ فقط، وآخرُ عليه إزارٌ ورداءٌ فكلٌّ منهما صلاتُه صحيحةٌ، لكن الثاني أكمل ستراً مِن الأول، فيكون هو الأَولى بالإِمامةِ.
وفُهِمَ مِن قولِ المؤلِّفِ: «أَولى مِن ضِدِّهم» أنَّ هؤلاء المذكورين السِّتَّة تصحُّ إمامتُهم؛ لأنَّ «الأَولى» تدلُّ على الاختيارِ، وعلى هذا؛ فيصحُّ أن يؤمَّ العبدُ حُرًّا، ولو كان سيده لكن الأَولى الحُرُّ، وكذلك أيضاً المقيمُ وضِدُّه المسافرُ، فلو صَلَّى المسافرُ بالمقيمِ فإنَّ صلاتَه تصحُّ، وأيضاً: لو صَلَّى بدويٌّ بحاضرٍ لصحّت صلاتُهُ، لكن على خِلافِ الأَولى، ولو صَلَّى الأعمى بالبصيرِ صحَّتْ صلاتُهُ، لكن الأَولى العكسُ، وكذلك لو صَلَّى أقلفٌ بمختونٍ فصلاتُه صحيحةٌ، لكن الأَولى العكسُ، ولو صَلَّى مَن له ثيابٌ قليلةٌ بمَن له ثيابٌ كثيرة لصحّت الصلاةُ، ولكن الأَولى العكسُ.

وَلاَ تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ كَكَافِرٍ،

............. قوله: «ولا تصحُّ خلف فاسق».
شرح المؤلف رحمه الله في بيان مَن لا تصحُّ إمامتُهُ إما مطلقاً أو بمَن هو أكملُ منه.
و «الفاسق» في اللغة: الخارج، مأخوذ مِن قولهم: فَسَقَتِ الثَّمرةُ عن قشرِها، أي: خرجت.
واصطلاحاً: مَن خرجَ عن طاعةِ الله بفعلِ كبيرةٍ دون الكفر، أو بالإِصرارِ على صغيرة.
ويُطلق الفاسقُ على الكافرِ كما في قوله تعالى: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [المائدة: 25]، وكما في قوله تعالى: ﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: 50] وكما في قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمْ النَّارُ﴾ [السجدة: 20].
وقوله: «خلف فاسق» ظاهر كلامه رحمه الله: أنها لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ، سواءٌ كان بمثلِهِ أو بغيرِه، لأنَّه أطلقَ، وعلى هذا؛ فلو اجتمعَ شخصان يغتابان الناسَ وحضرتِ الصَّلاةُ، فإنه لا يُصلِّي أحدُهما بالآخر؛ لأنه إن صَلَّى زيدٌ بعَمرٍو بطلت، وإن صَلَّى عَمرٌو بزيدٍ بطلت، فيصلِّيان فُرادى، ولو اجتمعَ شخصان كلاهما يشربُ الدُّخان لم يُصلِّ أحدُهما بالآخر، لأن كلَّ واحدٍ منهما فاسقٌ، ولو اجتمعَ شخصان قد حَلَقَا لحيتيهما لم يصلِّ أحدُهما بالآخر؛ لأنَّهما فاسقان، ولا يصحُّ أن يكون الفاسقُ إماماً، ولو عُمِل بهذا القولِ لفاتَ كثيرٌ مِن الناسِ أن يُصلّوا جماعة.
القول الثاني: أنَّ الصلاةَ تصحُّ خلفَ الفاسقِ، ولو كان ظاهرُ الفسق، وذلك بدليلين أثريٍ ونظريٍ:

أما الأثري: 1 ـ عمومُ قولِ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ» 1. 2 ـ خصوصُ قولِه صلّى الله عليه وسلّم في أئمةِ الجَورِ الذين يُصلُّون الصَّلاةَ لغيرِ وقتها: «صَلِّ الصَّلاةَ لوقتِها، فإنْ أدركتَها معهم فَصَلِّ، فإنَّها لك نافلةٌ» 2. 3 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يُصلُّونَ لكم، فإنْ أصابُوا فَلَكُم، وإنْ أخطأوا فَلَكُمْ وعليهم» 3. 4 ـ أنَّ الصحابةَ رضي الله عنهم، ومنهم ابنُ عمر كانوا يُصلُّونَ خلفَ الحجَّاجِ 4. وابنُ عُمرَ رضي الله عنه مِن أشدِّ الناسِ تحرِّياً لاتِّباعِ السُّنَّةِ واحتياطاً لها، والحجَّاجُ معروفٌ.
وأما الدليلُ النَّظريُّ: فنقول: كلُّ مَن صحَّت صلاتُهُ صحَّت إمامتُه، ولا دليلَ على التفريقِ بين صحَّةِ الصَّلاةِ وصحَّةِ الإمامةِ، فما دام هذا يصلِّي صلاةً صحيحةً؛ فكيف لا أُصلِّي وراءَه؛ لأنَّه

إذا كان يفعلُ معصيةً فمعصيتُه على نفسِه، لكن لو فَعَلَ معصيةً تتعلَّقُ بالصَّلاةِ بأن كان هذا الإِمامُ إذا دخلَ في الصَّلاةِ أتى بما يبطِلَها، فلا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه؛ لأن صلاتَه لا تصحُّ؛ لفعلِهِ محرَّماً في الصَّلاةِ؛ لأنَّ معصيتَه تتعلَّقُ بالصَّلاةِ، أما إذا كانت معصيتُه خارجةً عنها فهي عليه.
وهذا القولُ لا يَسَعُ الناسَ اليومَ إلا هو؛ لأننا لو طبَّقنا القولَ الأولَ على الناسِ؛ ما وجدنا إماماً يصلحُ للإِمامة إلا نادراً.
واحتجَّ الذين قالوا: لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ بما يُروى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لا يَؤمَّنَّ فاجرٌ مؤمناً» 1 وهذا الحديثُ ضعيفٌ، وعلى تقدير صِحَّتهِ فإن المرادَ بالفاجرِ الكافرَ؛ لقول الله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ *إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ *وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ *يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ *وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ *﴾ [الانفطار] والفاجرُ الذي لا يغيبُ عن جهنَّم كافر؛ لأن الفاجرَ الذي فيه إيمانٌ يمكن أنْ يغيبَ عن جهنَّم؛ ولقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ *كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ *وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ *﴾ [المطففين]، فتبيَّنَ الآن أن الفاجرَ يُطلقُ على الكافر، وحينئذٍ لا يكون في الحديث دليلٌ على عدم صِحَّةِ إمامةِ الفاسق لأنَّه إنْ كان ضعيفاً لم يصحَّ الاستدلالُ به، وإنْ لم يكن ضعيفاً كان محتملاً لوجهين، وإذا دخله احتمالُ الوجهين

بطلَ الاستدلالُ به على تعيين أحدهما إلا بدليلٍ.
إذاً؛ القولُ الرَّاجحُ؛ صحَّةُ الصَّلاةُ خلفَ الفاسقِ، فالرَّجلُ إذا صَلَّى خلفَ شخصٍ حالق لحيتَه أو شارب الدُّخان أو آكل الربا أو زانٍ، أو سارق فصلاته صحيحة، لكن يُقدَّمُ أخَفُّ الفاسقين على أشدِّهما، فيُقدَّم مَن يُقصِّرُ من لحيته على حالِقها.
قوله: «ككافر» أي: كما لا تصحُّ خلفَ الكافرِ، وهنا أراد المؤلِّفُ رحمه الله أنْ يقيسَ شيئاً على شيء لا يساويه في العِلَّة، فأرادَ أنْ يقيسَ الفاسقَ على الكافرِ، ومِن شَرْطِ صِحَّةِ القياسِ تساوي الأصلِ والفرعِ في العِلَّة لأجل أنْ يتساويا في الحُكم، فإذا اختلفا في العِلَّة فالقياسُ غيرُ صَحيحٍ، وهنا بينهما فَرْقٌ عظيمٌ، لأنَّ الكافرَ لا تصحُّ صلاتُه، والفاسقُ تصحُّ صلاتُه.
فالرَّجُلُ الذي يأتمُّ بكافرٍ متلاعبٌ؛ لأنَّه يَعلَمُ أنَّ هذا الكافرَ صلاتُه باطلةٌ، إذ كيف يأتَمَّ بشخصٍ يعلَمُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ؟! أما إذا كان فاسقاً؛ فصلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه ائتَمَّ بشخصٍ صلاتُه صحيحةٌ، والأصلُ أنَّ مَن صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه، لأنَّ الإِمامةَ فَرْعٌ عن الصَّلاةِ.
ويحتمل أن يريدَ المؤلِّفُ رحمه الله: قياسَ المُختَلَفِ فيه على المُتَّفقِ عليه، لا إثبات الحُكم بذلك، أي: كأنما يقول: لا تصحُّ خلفَ الفاسقِ كما أنها لا تصحُّ خلفَ الكافرِ بالاتِّفاقِ، وهذا أيضاً فيه نَظَرٌ؛ لأنَّه قد يقول الخصمُ: أنا لا أُسلِّمُ بهذا، بل أقول: إنَّ الصَّلاةَ تصحُّ خلفَ الفاسقِ، ولا تصحُّ خلفَ الكافرِ، وأُفَرِّقُ بينهما.

مسألة: الكافرُ لا تصحُّ الصلاةُ خلفَه مطلقاً، سواءٌ كان كفرُه بالاعتقادِ، أو بالقولِ، أو بالفعلِ، أو بالتَّركِ.
فالاعتقادُ، مثل: أن يعتقدَ أنَّ مع الله إلهاً آخر.
والقولُ، مثل: أن يستهزئ باللهِ أو رسولِه، أو دينِه.
فمَن كان يستهزئُ باللهِ أو رسولِه، أو دينِه فهو كافرٌ، ولو كان يصلِّي.
والفِعلُ، مثل: أن يسجدَ لمن سوى الله تعالى.
والتَّركُ، مثل: تَرْكُ الصَّلاةِ.
لكن إذا كان كفرُه بتركِ الصَّلاةِ، ثم صلَّى أسْلَمَ.
لكنهم قالوا: إنَّه حين تكبيرةِ الإحرامِ كافرٌ، لأنَّه لا يُسْلِمُ إلا إذا صَلَّى، وعلى هذا؛ فلا تصحُّ الصلاةُ خلفَ الكافرِ بتَرْكِ الصَّلاةِ.
ونحن نعلمُ أنَّه لا يمكن أنْ يُصلِّي مسلمٌ خلفَ كافرٍ، لكن لو فُرضَ أنَّ شخصاً صلَّى خلفَ رَجُلٍ، ولم يعلَمْ أنه كافرٌ إلا بعدَ الصَّلاةِ فهل تلزمُه إعادةُ الصَّلاةِ أو لا؟ الجواب: مِن العلماءِ مَن قال: إنه لا يعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّه معذورٌ.
ومِنهم مَن قال: بل يعيدُ الصَّلاةَ، لأنَّ مِن شرطِ صحَّةِ الإِمامة أن يكونَ الإِمامُ مسلماً.
ولو قال قائلٌ: هل يمكن أن نُفَصِّلَ ونقول: إن كانت علامةُ الكفرِ عليه ظاهرةٌ لم تصحَّ، ولم يُعذرْ بالجهلِ لوجود القرينةِ، وإلا فلا؟ فالجواب: يمكن ذلك، فالقولُ الراجحُ في هذه المسألة: أنه إن كان جاهلاً فإن صلاتَه صحيحةٌ.

مسألة: إذا كان الفاسقُ إماماً لا تمكن مقاومتُه، كمَن له سُلطان، فهل تصحُّ الصَّلاةَ خلفَه؟ فالجواب: لا تصحُّ على المذهبِ، لكنَّهم يستثنون مِن هذا مسألتين: الجُمعة والعيد، إذا تعذَّرتا خلفَ غيره، كأن يكون هذا البلدُ ليس فيه إلا جامعٌ واحدٌ، وإمامُهُ فاسقٌ فحينئذٍ تصلّي خلفَه.
وكذا العيد إذا لم يكن فيه إلا مصلًّى واحد، وإمامُه فاسقٌ نصلِّي خلفَه؛ لأننا لو تركنا الصَّلاةَ خلفَه فاتتنا الجُمعةُ وفاتنا العيدُ.
وإذا لم يكن في البلدِ إلا هذا المسجدُ، وإمامُه فاسقٌ في غير الجُمعةِ والعيدِ؟ فالجواب: على المذهب يصلِّي منفرداً، ولا يصلِّي خلفَه.
ولكن؛ الصحيحُ أنَّ الصلاةَ خلفَه صحيحةٌ كما سبقَ.
مسألة: إذا كان الإمامُ فاسقاً في معتقدِك، غيرُ فاسقٍ في معتقدِه، مثل: أن يرى أن شُربَ الدُّخانِ حلالٌ، وأنت ترى أنَّه حرامٌ، فهل تصلِّي خلفَه؟ الجواب: تصلِّي خلفَه، لأنك لو سألتَ عنه، فقيل لك: هو فاسقٌ بحسب اعتقادِه؟ لقلت: لا؛ لأنه يعتقدُ أنَّ هذا حلال، ولذلك لو أنَّ رَجُلاً لا يرى أن لَحْمَ الإِبل ناقضٌ للوُضُوءِ، وأنت ترى أنه ناقضٌ، فأكلَ مِن لَحمِ الإِبلِ، ثم صلَّى إماماً لك، فصلاتُكَ خلفَه صحيحةٌ مع أنك تعتقدُ أنَّ صلاتَه باطلةٌ، لكن هذا في اعتقادِك فيما لو فعلتَه أنت، لكن فيما لو فعلَه تعتقد أنَّ صلاتَه صحيحةٌ.
ولهذا قال العلماءُ رحمهم الله: تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ

المخالفِ في الفُروعِ، ولو فَعَلَ ما تعتقدُه حراماً.
وهذا مِن نِعمة الله؛ لأننا لو قلنا: إنَّها لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَ المخالفِ في الفروعِ لَلَحِقَ بذلك حَرَجٌ ومشَقَّةٌ.

وَلاَ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى لِلرِّجَالِ،

........ قوله: «ولا امرأة»، أي: لا تصحُّ صلاةُ الرَّجُلِ خلفَ امرأةٍ.
والدليلُ: ما رُوي عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «لا تَؤمَّنَّ امرأةٌ رَجُلاً» 1، وهذا الحديث ضعيفٌ، لكن يؤيده في الحُكم قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لن يُفْلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهم امرأةً» 2، والجماعةُ قد وَلَّوْا أمرَهم الإِمامَ فلا يصحُّ أنْ تكونَ المرأةُ إماماً لهم.
ودليلٌ آخرٌ: أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: « ... خيرُ صُفوفِ النساءِ آخِرُها» 3. وهذا دليلٌ على أنَّه لا موقعَ لَهُنَّ في الأمامِ، والإِمامُ لا يكونُ إلا في الأمامِ، فلو قلنا بصحَّةِ إمامتِهِنَّ بالرِّجالِ لانقلبَ الوضعُ، فصارت هي المتقدِّمة على الرَّجُلِ، وهذا لا تؤيده الشريعةُ.
ولأنه قد تحصُلُ فتنةً تُخِلُّ بصلاةِ الرَّجُلِ إذا كانت إلى جَنْبِهِ أو بين يديه.
قوله: «ولا خنثى للرجال» أي: ولا تصح صلاةُ الرَّجُلِ خلفَ الخُنثى.

والخُنثى هو: الذي لا يُعْلَمُ أَذكرٌ هو أم أنثى؟ فيشمَلُ مَن له ذَكَرٌ وفَرْجٌ يبول منهما جميعاً.
ويشمَلُ مَن ليس له ذَكَرٌ ولا فَرْجٌ، لكن له دُبُرٌ فقط.
والخُنثى سواءٌ كان على هذه الصُّورةِ أو صُورةٍ أخرى لا يَصحُّ أن يكون إماماً للرِّجال، لاحتمالِ أنْ يكون أُنثى، وإذا احتملَ أن يكونَ أُنثى، فإنَّ الصَّلاةَ خلفَه تكون مشكوكاً فيها، فلا تصحُّ.
وذكر الموفَّقُ رحمه الله أنه حُدِّث عن أشخاصٍ ثلاثةٍ: أحدهم: له مخرجٌ واحدٌ بين القُبُلِ والدُّبُرِ يخرجُ منه البولُ والغائطُ.
الثاني: ليس له فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، وإنَّما له شيءٌ نابئ يخرجُ منه البولُ رشحاً مثل العرقِ، وهذا أيضاً خُنثى.
والثالث: ليس له دُبُرٌ ولا فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، وإنما يتقيأ الطَّعامَ إذا بقي في معدتِه شيئاً مِن الوقت، فإذا امتصت المعدة المنافع التي فيه تقيَّأهُ فيكون خروج هذا الشيء مِن فمِهِ، والله على كلِّ شيء قدير.
أمَّا نحن؛ فقد حدَّثنا بعضُ الأطباءِ هنا في «عُنَيْزَة» أنه وُلِدَ شخصٌ ليس له فَرْجٌ ولا ذَكَرٌ، والله على كلِّ شيءٍ قدير.
وفُهِمَ مِن قولِ المؤلِّفِ: «ولا امرأة وخنثى للرجال» أنه يصحُّ أن تكون المرأةُ إماماً للمرأةِ، والخُنثى يصحُّ أن يكون إماماً للمرأة؛ لأنه إما مثلُها أو أعلى منها.
لكن؛ هل يصحُّ أن تكون المرأةُ إماماً للخُنثى؟

الجواب: لا؛ لاحتمالِ أن يكون ذَكَراً.
وَلاَ صَبِيٍّ لِبَالِغٍ، ..........

قوله: «

ولا صبي لبالغ

» أي: لا تصحُّ إمامةٌ مِن صبيٍّ لبالغٍ.
والصَّبيُّ: مَن دونَ البلوغِ، والبالغُ مَن بَلَغَ، ويحصُلُ البلوغُ بواحدٍ مِن أمورٍ ثلاثةٍ بالنسبة للذُّكورِ وهي: 1 ـ تمامُ خمس عشرة سَنَةً.
2 ـ إنباتُ العَانةِ.
3 ـ إنزالُ المَنيِّ بشهوةٍ يقظةً أو مناماً.
فإذا وُجِدَ واحدٌ مِن هذه الأمورِ الثلاثةِ صارَ الإِنسانُ بالغاً.
والمرأةُ تزيدُ على ذلك بأمرٍ رابعٍ وهو الحيضُ، فإذا حاضت ولو لعشرِ سنواتٍ فهي بالغةٌ.
وقوله: «لا صبي لبالغ» أي: أنَّ الصَّبيَّ إذا صارَ إماماً، والبالغُ مأموماً، فصلاةُ البالغِ لا تصحُّ لدليلين؛ أثريٍّ ونظريٍّ.
أما الأثريُّ؛ فهو ما يُذكر عن رسولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «لا تُقدِّموا سفهاءَكمْ وصبيانَكمْ في صلاتِكم ... » 1. وأما النظريُّ؛ فهو أنَّ صلاةَ الصَّبيِّ نَفْلٌ، وصلاةُ البالغِ فَرْضٌ.
والفرضُ أعلى رُتْبةً مِن النَّفْلِ، فإذا كان أعلى رُتْبَةً فكيف يكون صاحبُه تابعاً مَن هو أدنى منه رُتْبةً؛ لأننا لو صحَّحنا صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ لجعلنا الأعلى تابعاً لما دونه؛ وهذا خِلافُ القياسِ، والقياسُ أن يكونَ الأعلى متبوعاً لا تابعاً.

وقوله: «لبالغ» يُفهمُ منه أنَّ إمامةَ الصَّبيِّ للصَّبيِّ جائزةٌ، وهو كذلك، وهذا ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ رحمه الله.
القول الثاني: أنَّ صلاةَ البالغِ خلفَ الصَّبيِّ صحيحةٌ.
ودليلُ ذلك: ما ثَبَتَ في «صحيح البخاري» أن عَمرَو بنَ سَلَمة الجَرْمي أمَّ قومَه وله ستٌّ أو سبعُ سنين؛ لأنه كان رضي الله عنه يتلقَّفُ الرُّكبان، وهو صبيٌّ ذكيٌّ فيحفظُ منهم القرآنَ، ولما قَدِمَ أبوه مِن عند الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم حدَّثَهم عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: « ... فإذا حضرتِ الصلاةُ؛ فَلْيُؤَذِّنْ أحدُكُم وَلْيَؤُمَّكُمْ أكثرُكُم قرآناً»، قال: فنظروا، فلم يكنْ أحدٌ أكثرَ قرآناً منِّي؛ لِمَا كنتُ أتلقَّى مِن الرُّكبانِ، فقدَّمُوني بين أيديهم وأنا ابنُ سِتٍّ أو سبعِ سنينَ، وكانت عليَّ بُرْدَةٌ، وكنتُ إذا سجدتُ تَقَلَّصَتْ عنِّي، فقالت امرأةٌ مِن الحَيِّ: ألا تُغَطُّون عنَّا إسْتَ قارِئِكم؟!.
فاشتروا فقطعوا لي قميصاً.
فما فرحتُ بشيءٍ فرحي بذلك القميصِ 1. أما حديث: «لا تُقدِّموا صبيانكم في صلاتِكم» 2، فهو حديثٌ لا أصلَ له إطلاقاً، فلا يصحُّ عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم.
وأما التَّعليلُ: فقد علِمْنَا القاعدةَ وهي: أنه لا قياسَ في مقابلة النَّصِّ؛ لأنَّ القياسَ رأيٌ يُخطئُ ويُصيبُ، ولا يجوز القول في الدين بالرَّأي، فإذا كان لدينا حديثٌ صحيحٌ فإنَّ الرأيَ أمامَه ليس بشيءٍ.

لكن؛ قد يعترضُ مُعترضٌ فيقول: هل عَلِمَ بذلك رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أوَ لم يعلمْ؟ الجواب: إما أنْ نقولَ: إنَّه عَلِمَ.
وإما أنْ نقولَ: إنَّه لم يعلمْ.
وإما أنْ نقولَ: لا ندري.
فإن كان قد عَلِمَ فالاستدلالُ بهذه السُّنَّةِ واضحٌ، وإن عَلِمنا أنَّه لم يعلم فإننا نقول: إنَّ الله قد عَلِمَ، وإقرارُ اللهِ للشيء في زَمَنِ نزولِ الوحي دليلٌ على جَوازِه، وأنه ليس بمنكرٍ؛ لأنه لو كان منكراً لأنكرَه اللهُ، وإن كان الرسولُ لم يعلمْ به، ودليل ذلك: أولاً: قول الله تعالى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا *﴾ [النساء] فأنكرَ اللهُ عليهم تبييتَهم للقولِ مع أنَّ الناسَ لا يعلمون به؛ لأنهم إنما بَيَّتوا أمراً منكراً، فدلَّ هذا على أن الأمرَ المنكرَ لا يمكن أن يَدَعَهُ الله، وإنْ كان الناسُ لا يعلمون به.
ثانياً: أن الصحابةَ استدلُّوا على جوازِ العَزْلِ بأنهم كانوا يَعزلون والقرآنُ ينزل (1). وهذا استدلالٌ منهم بإقرارِ الله تعالى.
َلاَ أَخْرَسَ، ...........

قوله: «و

لا أخرس

» أي: ولا تصحُّ إمامةُ الأخرسِ.
وظاهرُ كلامِهِ حتى بمثلِه، والأخرسُ هو الذي لا يستطيعُ النُّطقَ، وهو نوعان: 1 ـ خَرَسٌ لازمٌ.1

2 ـ خَرَسٌ عارضٌ.
فاللازم: أن يكون ملازماً للمرءِ مِن صغرِه، والعارضُ هو الذي يحدثُ للمرءِ إما بحادثٍ، أو بمرضٍ، أو بغير ذلك.
وإذا كان لازماً؛ فالغالبُ أنَّه لا يَسمَعُ، وانتفاءُ السَّمْعِ سابقٌ على الخَرَسِ؛ لأنه إذا كان لا يَسمَعُ لا يمكن أن يتكلَّمَ؛ إذ لا يَسمَعُ شيئاً يقلِّدُه حتى يتكلَّم مثلَه، ولهذا إذا وُلِدَ الصَّبيُّ أصمَّ، ولم يفتحِ الله أذنيهِ فإنه يبقى أخرس.
أما الطارئ؛ فقد يكون الأخرسُ سميعاً، لكن طرأ عليه عِلَّةٌ منعته مِن الكلام.
وكلا النوعين لا يصحُّ أن يكون إماماً، لا بمثلِه ولا بغيرِه؛ لأنه لا يستطيع النُّطقَ بالرُّكنِ كقراءة الفاتحةِ، ولا بالواجبات كالتشهد الأول، ولا بما تنعقدُ به الصَّلاةُ، وهو تكبيرةُ الإِحرامِ؛ فيكون عاجزاً عن الأركانِ والواجباتِ، فلا يصحُّ أن يكون إماماً لمن هو قادرٌ على ذلك، وهذا التعليلُ قد يكون متوجِّهاً بالنسبةِ لكونه إماماً لِمَن هو قادرٌ على النُّطقِ، لكن بالنسبة لمَن هو عاجزٌ عن النُّطقِ، فهذا التَّعليلُ يكون عليلاً؛ وذلك لأنَّ العاجزَ عن النُّطقِ لا يفوقُه ولا يفضُله بشيء، فلماذا لا يصحُّ أن يكون إماماً له؟ ولهذا كان القولُ الراجحُ: أنَّ إمامةَ الأخرسِ تصحُّ بمثلِه وبمَن ليس بأخرس؛ لأنَّ القاعدةَ عندنا: أنَّ كلَّ مَن صحَّتْ صلاتُه صحَّتْ إمامتُه.
لكن مع ذلك لا ينبغي أن يكون إماماً؛ لأنَّ

النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (1) وهذا لا يقرأ، لكن بالنسبة للصِّحَّةِ فالصحيحُ، أنَّها تصحُّ.

وَلاَ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍ

........... قوله: «ولا عاجز عن ركوع أو سجود» أي: ولا تصحُّ إمامةُ عاجزٍ عن ركوعٍ، مثل: أن يكون الشخصُ فيه آلامٌ في ظهرِه لا يستطيعُ أن يركعَ، فإنَّه لا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادرِ على الرُّكوعِ.
وأما العاجزُ عن الرُّكوعِ؛ فإنه يصحُّ أن يكون إماماً له؛ لتساويهما في العِلَّة.
والتعليل: أنَّ القادرَ على الرُّكوعِ أكملُ حالاً مِن العاجزِ عنه، ولا يصحُّ أن يكون العاجزُ إماماً للقادرِ، هذا ما ذهبَ إليه المؤلِّفُ، وهو المذهبُ.
وكذلك العاجزُ عن السُّجودِ، مثل: أن يكون الإِنسانُ قد عَمِلَ عمليةً لعينيه، يستطيع أن يركعَ ويقومَ ويقعدَ، ولكن لا يستطيع السُّجودَ إلا بإيماء، فلا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادر على السُّجودِ، ويصحُّ أن يكون إماماً للعاجز عنه.
والعِلَّةُ فيه؛ كالعِلَّةِ في العاجزِ عن الرُّكوعِ.
قوله: «أو قعود» أي: لا تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن القعودِ إلا بمثلِه.
والعِلَّةُ فيه: ما سَبَقَ في العاجزِ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ.
قوله: «أو قيام» أي: أنَّ العاجزَ عن القيامِ لا يصحُّ أن يكونَ إماماً للقادرِ عليه.1

والعِلَّةُ فيه: ما سَبَقَ مِن أنَّه عاجز عن الإِتيان بالرُّكنِ، فحالُه دون القادرِ عليه، مع أنَّ صلاتَه صحيحةٌ، واستثنى المؤلِّفُ فقال:

إِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ المَرْجُو زَوَالَ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوساً نَدْباً.

قوله: «إلا إمام الحي» هذا مستثنًى مِن الصُّورةِ الأخيرةِ، وهو قوله: «أو قيام».
وقوله: «إلا إمام الحي» أي: الإِمامَ الراتبَ في المسجدِ.
والحيُّ: جمعُه أحياء، وهي الدُّور والحارات، فإذا كان لهذا المسجدِ إمامٌ راتبٌ عاجزٌ عن القيامِ فإنَّه يكون إماماً لأهلِ الحيِّ القادرين على القيام؛ لكن بشرطٍ بيَّنه المؤلِّفُ بـ: قوله: «المرجو زوال علته» أي: بأن يكون عجزُه عن القيامِ طارئاً يُرجى زوالُه، بخلافِ العاجزِ عن القيامِ عجزاً مستمرًّا كالشيخِ الكبير، فإن الصَّلاةَ خلفَه لا تصحُّ.
والحاصلُ: أنَّ المؤلِّفَ رحمه الله أفادنا بهذه العبارات أنَّ مَن عَجِزَ عن رُكنِ القيامِ والقعودِ والركوعِ والسجودِ لا تصحُّ إمامتُه إلا بمثلِه، إلا القيامَ فتصحُّ إمامةُ العاجزِ عن القيامِ بقادرٍ عليه بشرطين: 1 ـ أنْ يكون العاجزُ عن القيام إمامَ الحَيِّ.
2 ـ أنْ تكون عِلَّتُه مرجوةَ الزَّوالِ، مثل: أن يطرأ عليه وَجَعٌ يُرجى زوالُه في ظهرِه أو بركبتِه، فهنا يصحُّ أن يؤمَّ لأهلِ الحَيِّ وإنْ كان عاجزاً عن القيامِ.
قوله: «ويصلون» الضَّميرِ يعودُ على أهلِ الحَيِّ.
قوله: «وراءه» أي: وراءَ إمامِ الحَيِّ الجالسِ.

قوله: «جلوساً» حال مِن فاعل يصلُّون.
قوله: «ندباً» أي: أنَّ هذا الحكمَ نَدْبٌ، وليس بواجبٍ، والنَّدْبُ السُّنَّةُ، أي: فالسُّنَّةُ أن يصلُّوا خلفَه جلوساً.
ودليلُ ذلك: قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به» إلى أن قال: «وإذا صلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صَلَّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» 1. وهذا نصٌّ صريحٌ بأنَّ الصَّلاةَ خلفَ العاجزِ عن القيامِ بالقادرِ عليه صحيحةٌ، وأنَّه يصلِّي خلفَ إمامِهِ قاعداً اقتداءً بإمامِهِ.
وقوله: «ويصلون وراءه جلوساً ندباً» أفادنا رحمه الله: أنَّهم لو صَلُّوا وراءَه قياماً فصلاتُهم صحيحةٌ؛ لأنَّ السُّنَّةَ لا تَبطلُ الصَّلاةُ بِتَرْكِها.
وذهبَ بعضُ العلماءِ إلى أن الصَّلاةَ خلفَه يجبُ أن تكون قعوداً.
واستدلُّوا لذلك بما يلي: 1 ـ قول الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «صَلُّوا قعوداً» والأصلُ في الأمرِ الوجوبُ، لا سيَّما وأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم علَّلَ ذلك في أول الحديثِ بقولِهِ: «إنما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به».
2 ـ أنه لما صَلَّى عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بأصحابِهِ ذاتَ يومٍ، وكان عاجزاً عن القيامِ فقاموا، أشار إليهم أن اجلسوا،

فجلسوا 1. فكونُه يُشيرُ إليهم حتى في أثناء الصَّلاةِ يدلُّ على أنَّ ذلك على سبيلِ الوجوبِ.
ونظيرُ هذا: أنَّه لمَّا قامَ عبدُ الله بنُ عبَّاسٍ يصلِّي معه عن يسارِه أخذَ برأسِهِ مِن ورائِهِ وجعلَه عن يمينِهِ 2. وقد قالوا: إنَّه لا يجوزُ أنْ يقفَ المأمومُ الواحدُ عن يسارِ الإِمامِ.
فنقول: هذا مثلُه، بل هنا قَوْلٌ وهو أبلغُ مِن الفِعلِ وهو قوله: «إذا صلّى قاعداً فصَلُّوا قعوداً أجمعون» 3. وهذا القولُ هو الصَّحيحُ، أنَّ الإِمامَ إذا صلَّى قاعداً وَجَبَ على المأمومين أن يصلُّوا قعوداً، فإن صلُّوا قياماً فصلاتُهم باطلةٌ، ولهذا يُلغزُ بها فيقال: رَجُلٌ صَلَّى الفرضَ قائماً فبطلتْ صلاتُه، فمَنْ هو؟! والجواب: هو الذي صَلَّى قائماً خلفَ إمامٍ يصلِّي قاعداً.
والمؤلِّفُ رحمه الله جَزَمَ بأن الإِمامَ إذا صَلَّى قاعداً فإنَّ المأمومين يصلُّون قعوداً، إلا أنَّه اشترطَ في ذلك شرطين.
وذهبَ كثيرٌ مِن أهلِ العلمِ إلى أنَّ الإِمامَ إذا صَلَّى قاعداً وَجَبَ على المأمومين القادرين على القيامِ أن يصلُّوا قياماً.
فإنْ صلُّوا قعوداً بطلتْ صلاتُهم.
واستدلُّوا لذلك: 1 ـ أن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم خَرَجَ في مَرَضِ موتِه والناسُ يصلُّون خلفَ

أبي بكرٍ، فتقدَّمَ حتى جَلَسَ عن يسارِ أبي بكرٍ، فجعل يُصلِّي بهم عليه الصَّلاةُ والسَّلام قاعداً وهم قيام، هم يَقتدون بأبي بكرٍ، وأبو بكر يقتدي بصلاةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنَّ صوتَه صلّى الله عليه وسلّم كان ضعيفاً لا يُسْمِعُ النَّاسَ، فكان أبو بكر يَسمَعُهُ؛ لأنه إلى جَنْبِهِ، فيرفعُ أبو بكرٍ صوتَه فيقتدي النَّاسُ بصلاةِ أبي بكرٍ 1. قالوا: وهذا في آخرِ حياتِهِ، فيكون ناسخاً لقولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا صَلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً أجمعون» 2. وناسخاً لإِشارته إلى أصحابه: «حين صلّى قاعداً فصلُّوا خلفَه قياماً فأشارَ إليهم أنِ اجلسوا» 3 لأنَّه مِن المعروفِ أن المتأخِّرَ مِن سُنَّةِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم ينسخُ المتقدِّمَ.
2 ـ أنَّ القيامَ رُكنٌ على القادرِ عليه، وهؤلاء قادرون على القيامِ فيكون القيامُ في حقِّهم رُكناً.
ولكننا نقولُ: إنَّ هذا القولَ ضعيفٌ؛ وذلك لأنه لا يجوز الرجوعُ إلى النَّسخِ إلا عند تعذُّرِ الجمعِ، فإنَّ مِن المعلومِ عند أهلِ العِلمِ أنَّه يُشترط للنسخِ شرطان: الشرط الأول: العلم بتأخُّرِ النَّاسخِ.
الشرط الثاني: أنْ لا يمكن الجمعُ بينَه وبين ما ادُّعِيَ أنه منسوخٌ.
وذلك أنك إذا قلتَ بالنَّسخِ ألغيتَ أحدَ الدَّليلينِ، وأبطلتَ حُكمَه.
وإلغاءُ الدَّليلِ ليس بالأمرِ الهيِّنِ حتى نقولَ كلما أعيانا الجمعُ: هذا منسوخٌ.
فهذا لا يجوز.

والجمعُ هنا ممكنٌ جداً، أشار إليه الإِمام أحمد رحمه الله فقال: «إنما بقيَ الصَّحابةُ قياماً، لأنَّ أبا بكرٍ ابتدأَ بهم الصَّلاةَ قائماً».
وعلى هذا نقول: لو حَدَثَ لإِمام الحَيِّ عِلَّةٌ في أثناء الصَّلاةِ أعجزته عن القيام؛ فأكملَ صلاتَه جالساً، فإنَّ المأمومين يتمُّونَها قياماً.
وهذا لا شَكَّ أنه جَمْعٌ حَسَنٌ واضح.
وعلى هذا؛ إذا صلّى الإِمامُ بالمأمومين قاعداً مِن أولِ الصَّلاةِ فليصلُّوا قعوداً، وإن صَلَّى بهم قائماً ثم أصابته عِلَّةٌ فجَلَسَ فإنَّهم يصلُّون قياماً، وبهذا يحصُلُ الجَمْعُ بين الدليلين، والجَمْعُ بين الدَّليلين إعمالٌ لهما جميعاً.
وقلنا: إنَّ المؤلِّفَ اشترط شرطين لصلاةِ المأمومينَ القادرينَ على القيامِ خلفَ الإِمامِ العاجزِ عنه.
الشرط الأول: أن يكون إمامَ الحي.
الشرط الثاني: أن تكون عِلَّتُه مرجوةَ الزوال.
ومِن المعلومِ أن القاعدة الأصولية: أن ما وَرَدَ عن الشارع مطلقاً فإنَّه لا يجوز إدخال أيِّ قيدٍ مِن القيود عليه إلا بدليل؛ لأنه ليس لنا أن نقيِّد ما أطلقه الشرعُ.
وهذه القاعدةُ تفيدك كثيراً في مسائلَ؛ منها المسحُ على الخُفَّينِ، فقد أطلقَ الشارعُ المسحَ على الخُفَّينِ، ولم يشترط في الخُفِّ أن يكون مِن نوعٍ معيَّنٍ، ولا أن يكون سليماً مِن عيوبٍ ذكروا أنها مانعة مِن المسحِ كالخرق وما أشبهه 1، فالواجبُ علينا إطلاقُ ما أطلقَه الشرعُ؛ لأننا لسنا

الذين نتحكَّمُ بالشرعِ، ولكن الشرعُ هو الذي يَحكمُ فينا، أمَّا أن نُدخِلَ قيوداً على أمْرٍ أطلقه الشرعُ فهذا لا شَكَّ أنه ليس مِن حَقِّنا، فلننظرْ إلى المسألة هنا، فقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما جُعِلَ الإِمامُ ليؤتمَّ به، فإذا كبَّر فكبِّروا، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا سَجَدَ فاسجدوا، وإذا صَلَّى قائماً فصلّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» 1 هل هذه الأحكام التي جعلها الشارعُ في مسارٍ واحدٍ تختلفُ بين إمامِ الحيِّ وغيرِه أو لا؟ فهل نقولُ إذا كبّر إمام الحَيِّ فكبِّرْ، وإذا رَكَعَ فاركعْ، وإذا كَبَّرَ غيرُ إمامِ الحَيِّ فأنت بالخيارِ، وإذا رَكَعَ فأنت بالخيارِ؟ الجواب: لا، فالأحكامُ هذه كلُّها عامةٌ لإِمامِ الحَيِّ ولغيرِه، وعلى هذا يتبيَّنُ ضعفُ الشرطِ الأولِ الذي اشترطه المؤلِّفُ، وهو قوله: «إمام الحي» ونقول: إذا صَلَّى الإِمامُ قاعداً فنصلِّي قعوداً، سواء كان إمامَ الحَيِّ أم غيره، وقد قال النَّبيُّ عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله» 2 فإذا كان هذا الأقرأُ عاجزاً عن القيام، قلنا: أنت إمامُنا فَصَلِّ بنا.
وإذا صَلَّى بنا قاعداً فإننا نصلِّي خلفَه قُعوداً بأمرِه صلّى الله عليه وسلّم في كونه إمامَنا، وبأمره في كوننا نصلِّي قعوداً.
والشرط الثاني: المرجو زوال عِلَّتِهِ.
هذا أيضاً قيدٌ في أمرٍ أطلقَه الشارعُ، فإنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل: إذا صَلَّى قاعداً وأنتم ترجون زوالَ عِلَّته فصلُّوا قعوداً، بل قال:

«إذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» 1 وعلى هذا؛ فإننا نصلِّي قعوداً خلفَ الإِمامِ العاجزِ عن القيامِ، سواءٌ كان ممن يُرجى زوالُ عِلَّتِهِ، أو ممن لا يُرجى زوالُ عِلَّتِه.
والدليل: عمومُ النَّصِّ، فالدليلُ عامٌّ مطلقٌ، فإذا كان عاماً مطلقاً فليس لنا أن نخصِّصَهُ ولا أن نقيّدَه؛ لأننا عبيدٌ محكومٌ علينا، ولسنا بحاكمين، وليس هناك دليلٌ يدلُّ على هذا القيد مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ولا الإِجماعِ، فإذا انتفى ذلك وَجَبَ أن يبقى النَّصُّ على إطلاقِهِ فلا يُشترطُ أن يكونَ عجزُ الإِمامِ عن القيامِ مرجوَّ الزَّوالِ.
مسألة: إذا قال قائلٌ: إذا كان الإِمامُ شيخاً كبيراً لا يُرجى زوالُ عِلَّتِهِ لزم مِن ذلك أن يبقى الجماعةُ يصلُّون دائماً قعوداً؟ الجواب: أننا نلتزمُ بهذا اللازمِ، ما دام هذا لازمُ قولِ الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فإنَّ قولَ الرسولِ حَقٌّ، ولازمُ الحَقِّ حَقٌّ، ونحن إذا صلَّينا قعوداً مع قُدرتنا على القيامِ في جميع صلواتنا خلفَ الإِمامِ القاعدِ فقد صلَّينا بأمرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فليس علينا ضَيرٌ، على أنَّ هذا لا يمكن أن يطَّرِدَ، أي: ليس كلُّ الناسِ يصلّون خلفَ هذا الإِمامِ جميع الصَّلواتِ، فقد تفوتهم الصَّلاةُ، ويصلّون فُرادى، أو مع جماعةٍ أُخرى، وقد يصلُّون في مسجدٍ آخر، وقد يُعذرون عن الحضور للجماعة فيصلُّون في بيوتهم، ولكن الأَولى أن يقوم بالإِمامةِ في هذه الحالِ مَن كان قادراً على القيامِ.

مسألة: العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ؛ هل تصحُّ الصلاةُ خلفَه؟ سبق أنَّ المذهبَ لا تصحُّ الصَّلاةُ خلفَه إلا بمثلِه.
ولكن الصحيحَ: أنَّ الصَّلاةَ خلفَه صحيحةٌ؛ بناءً على القاعدةِ؛ أنَّ مَن صحّتْ صلاتُه صحّتْ إمامتُه إلا بدليلٍ.
لأن هذه القاعدةِ دلَّت عليها النصوصُ العامةُ؛ إلا في مسألة المرأةِ، فإنَّها لا تصحُّ أن تكون إماماً للرَّجُلِ، لأنَّها مِن جنسٍ آخرٍ.
وأيضاً: قياساً على العاجزِ عن القيام، فإنَّ صلاةَ القادرِ على القيامِ خلفَ العاجزِ عنه صحيحةٌ بالنصِّ، فكذلك العاجزُ عن الرُّكوعِ والسُّجودِ.
فإن قال قائل: إنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً، وإذا صلّى قاعداً فصلّوا قعوداً أجمعون» 1 ولم يقلْ: إذا صَلَّى راكعاً فاركعوا، وإذا أومأ فأومِئوا؟ قلنا: إنَّ الحديثَ إنما ذَكَرَ القيامَ؛ لأنه وَرَدَ في حالِ العجزِ عن القيامِ، فالرَّسولُ صلّى الله عليه وسلّم خاطَبهم حين صَلَّى بهم قاعداً، فقاموا، ثمَّ أشارَ إليهم فجلسوا، فلهذا ذَكَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم القيامَ كمثالٍ؛ لأن هذا هو الواقع.
فعليه نقول: إنَّ القولَ الراجحَ: أنَّ الصلاةَ خلفَ العاجزِ عن الركوعِ صحيحةٌ، فلو كان إمامُنا لا يستطيع الرُّكوعَ لأَِلَمٍ في ظهرهِ صلّينا خلفَه.

ولكن؛ هل إذا رَكَعَ بالإِيماءِ نركعُ بالإِيماءِ؟ أو نركعُ ركوعاً تاماً؟ الظاهر: أننا نركعُ ركوعاً تامًّا؛ وذلك لأنَّ إيماءَ العاجزِ عن الرُّكوعِ لا يغيرُ هيئةَ القيامِ إلا بالانحناءِ، بخلافِ القيامِ مع القعودِ.
وأيضاً: القيام مع القعودِ أشارَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى عِلَّتِه بأنَّنا لو قمنا وإمامُنا قاعدٌ كنَّا مشبهين للأعاجمِ الذين يقفون على ملوكهم.
ولهذا جاءَ في بعضِ ألفاظِ الحديث: «إنْ كِدْتُم آنفاً لتفعَلُونَ فِعْلَ فارسَ والرُّومِ، يقومونَ على مُلُوكهم وهم قُعودٌ، فلا تفعلُوا، ائْتَموا بأئمتِكُم، إنْ صَلَّى قائماً فصلُّوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً» 1. فإذا كان إمامُنا قاعداً، ونحن قيامٌ، صِرنا قائمين عليه، أما الرُّكوع، إذا عَجَزَ عنه وأومأ وركعنَا فإننا لا نُشبه العَجَمَ بذلك.
وكذلك في العَجْزِ عن السُّجودِ، الصحيحُ: أنه تصحُّ إمامةُ العاجزِ عن السُّجودِ بالقادرِ عليه، وهل المأمومُ في هذه الحالِ يومئُ بالسُّجودِ؟ الجواب: لا، بل يسجدُ سجوداً تاماً.
وكذا العاجزُ عن القعودِ، نصلِّي خلفَه مع قُدرتِنا على القعودِ، كما لو كان مريضاً لا يستطيع القعودَ ويصلِّي على جنبِه.
ولكن هل نضطجعُ؟

الجواب: لا، لأنَّ الأمرَ بموافقةِ الإِمامِ إنَّما جاءَ في القعودِ والقيامِ، وعلى هذا؛ فنصلِّي جلوساً وهو مضطجعٌ، وكذلك لو عَجَزَ عن القعودِ بين السجدتين مثلاً، أو عن القعودِ في التشهُّدِ فإننا نصلِّي خلفَه.
إذاً؛ فالصحيحُ: أننا نصلِّي خلفَ العاجزِ عن القيامِ والرُّكوعِ والسُّجودِ والقعودِ.
وهذا القولُ هو اختيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تيمية رحمه الله.
وهو الصحيحُ؛ بناءً على عموماتِ الأدلةِ كقوله صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ الله» (1) وعلى القاعدة التي ذكرناها وهي: أنَّ مَن صحّتْ صلاتُه صحّت إمامتُه.

فَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِماً ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامَاً وُجُوباً

........... قوله: «فإن ابتدأ» الضمير يعود على الإِمامِ.
قوله: «بهم» الضميرُ يعودُ على الجماعةِ.
قوله: «ثم اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً وجوباً» أي أصابتْهُ عِلَّةٌ فَجَلَسَ، فإنهم يصلّون خلفَه قياماً وجوباً.
مثال ذلك: إمامٌ يصلّي بالجماعةِ، وفي أثناء القيامِ أصابه وَجَعٌ في ظهرِه، أو في بطنِه فَجَلَسَ، وأتمَّ بهم الصَّلاةَ جالساً، فالجماعةُ يلزمهم أن يُتمّوا الصَّلاةَ قياماً ولا يجوز لهم الجلوسُ.
والدَّليلُ: فِعْلُ الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم في مرضِ موتِهِ «حين دَخَلَ المسجدَ وأبو بكرٍ يصلِّي بالناسِ، قد ابتدأ بهم الصلاةَ قائماً، فَجَلَسَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى يسارِ أبي بكرٍ، وبقي أبو بكرٍ قائماً.
يُصلّي1

أبو بكرٍ بصلاةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ويصلّي الناسُ بصلاةِ أبي بكرٍ.
ولم يأمرهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالجلوس» (1). وهذا الدليلُ هو الذي أجابَ به الإِمامُ أحمدُ جامعاً بينه وبين حديث: «إذا صلّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» (2). وعلى هذا؛ فيكون عمومُ قوله: «إذا صلَّى قاعداً فصلُّوا قعوداً» مخصوصاً بهذه الحالِ: إذا ابتدأ بهم قائماً أتمُّوا قياماً.
وَتَصِحُّ خَلْفَ مَنْ بِهِ سَلَسُ البَوْلِ بِمِثْلِهِ.

وقوله: «

وتصح خلف من به سلس البول بمثله

» سَلَسُ البولِ، أي: استمرارُه وعدمُ انقطاعِه، ولا يستطيعُ منعَه، وذلك أن الإِنسانَ قد يُبتلى بدوامِ الحَدَثِ مِن بولٍ أو غائطٍ أو ريحٍ، وهذا لا شَكَّ أنه مَرَضٌ؛ لا يَعرفُ قَدْرَ نِعمةِ اللهِ على الإِنسانِ بالسلامةِ منه إلا مَن أُصيبَ به.
وكيف يتوضَّأ ويصلّي مَن ابتُليَ بهذا المرضِ؟ الجواب: أنَّ الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] فَكُلُّ الدِّينِ ـ ولله الحمد ـ يُسْرٌ، وكيفيَّةُ وُضوءِ وصلاةِ هذا: أن نقول له: إذا دَخَلَ الوقتُ فاغسِلْ فَرْجَكَ، وتحفَّظْ، أي: اجعلْ على فرجِكَ حفَّاظةً تمنع مِن تسرُّبِ البولِ وانتشارِه في جسدِكَ وفي ثيابِك، ثم توضَّأ وُضُوءَكَ للصَّلاةِ، ثم صَلِّ ما شئتَ فروضاً ونوافل وإنْ خرجَ الوقت، لأنَّه ليس هناك دليلٌ على أنَّ خروجَ الوقتِ يُبطِلُ الوضوءَ فيمَن حَدَثُه دائمٌ، لكن إذا دخَلَ وقتُ صلاةٍ مؤقَّتةٍ فإننا نقول: توضَّأ؛ لقولِ النَّبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام للمستحاضة: «توضَّئي لكلِّ صلاة» 3.12

والأصلُ بقاءُ الطَّهارةِ حتى يقومُ دليلٌ على بُطلانِها.
وصلاتُه مأموماً بإمامٍ سليمٍ مِن هذا المرضِ صحيحةٌ، وصلاتُه إماماً بمصابٍ بهذا المرضِ صحيحةٌ، هاتان صورتان.
الصورةُ الثالثةُ: صلاتُه إماماً بمَن هو سليمٌ مِن هذا المرضِ فمفهومُ كلامِ المؤلِّفِ؛ أنَّها لا تصحُّ، فإذا صَلَّى مَنْ به سلسُ البولِ إماماً بمَن هو سالمٌ مِن هذا المرضِ، فصلاةُ المأمومِ باطلةٌ وصلاةُ هذا أيضاً باطلةٌ؛ لأنَّه نَوى الإِمامةَ بمَن لا يصحُّ ائتمامُه به إلا أنْ يكون جاهلاً بحاله.
والعلَّةُ في عدمِ صحَّةِ إمامتِه: أنَّ حالَ مَن به سَلسُ البولِ دون حالِ مَن سَلِمَ منه، ولا يمكن أن يكون المأمومُ أعلى حالاً مِن الإِمامِ.
والقول الصحيحُ في هذا: أن إمامةَ مَن به سَلَسُ البولِ صحيحةٌ بمثْلِهِ وبصحيحٍ سليمٍ.
ودليلُ ذلك: عمومُ قولِه صلّى الله عليه وسلّم: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» (1) وهذا الرَّجلُ صلاتُه صحيحةٌ؛ لأنَّه فَعَلَ ما يجب عليه، وإذا كانت صلاتُه صحيحةٌ لزمَ مِن ذلك صحَّةُ إمامتِه.
وقولهم: إنَّ المأمومَ لا يكون أعلى حالاً مِن الإِمام مُنتقضٌ بصحَّةِ صلاةِ المتوضئِ خلفَ المُتَيمِّمِ، وهم يقولون بذلك مع أنَّ المتوضئَ أعلى حالاً، لكن قالوا: إنَّ المتيمِّمَ طهارتُه صحيحةٌ.
ونقول: ومَن به سَلَسُ البولِ طهارتُه أيضاً صحيحةٌ.
وَلاَ تَصِحُّ خَلْفَ مُحْدِثٍ وَلاَ مُتَنَجِّسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، ...........

قوله: «

ولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلك

... ».1

هاتان مسألتان: المسألة الأولى: الصلاةُ خلفَ المُحدثِ فتصحُّ بشرطِ أن يكونَ الإِمامُ والمأمومُ جاهلين بذلك حتى تتمَّ الصلاةُ.
مثال ذلك في الحَدَثِ الأصغرِ: إمامٌ أَكَلَ لحمَ إبلٍ، ولم يعلمْ أنَّه لَحْمُ إبلٍ فصلَّى بالجماعةِ وهم لا يعلمون أنَّه أَكَل ذلك، فلما انتهتِ الصلاةُ عَلِمَ أنَّ اللَّحمَ الذي أَكَلَه لَحْمُ إبلٍ.
فهنا لا يعيدُ المأمومون صلاتَهم، والإِمامُ يعيدُ الصَّلاةَ.
أما الإِمامُ فلأنه صَلَّى بغيرِ وضوءٍ، وقد قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبلُ اللهُ صلاةَ أحدِكم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ» (1). وأما المأمومُ فعُذْرُه ظاهرٌ؛ لأنَّه لا يعلمُ الغيبَ، ولا يكلِّفُ اللهُ نفساً إلا وسعَها.
فإن عَلِمَ أنه مُحدثٌ في أثناء الصَّلاةِ فإنَّ صلاتَه تبطلُ، والمرادُ أنه تبيَّن عدمَ انعقادِها، وصلاةُ المأمومين تبطلُ أيضاً.
أما بُطلانُ صلاتِه فظاهرٌ؛ لأنه تبيَّن أنه على غيرِ وُضُوءِ، فتبيَّن أنَّ صلاتَه لم تنعقدْ.
وأما صلاةُ المأمومين؛ فلأنَّه تبيَّن أنَّهم اقتدوا بمَن لا تصحُّ صلاتُه فبطلت صلاتُهم؛ لأنَّ صلاتَهم مبنيَّةٌ على صلاةِ إمامِهم، فإذا بَطلتْ صلاةُ الإِمامِ بَطلتْ صلاةُ المأمومِ.

فَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالمَأْمُومُ حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُوم وَحْدَه.

فإن عَلِمَ واحدٌ مِن المأمومينَ؛ والباقون لم يعلموا؛ لا الإِمام ولا بقية المأمومين بَطلتْ صلاتُهم جميعاً؛ لقول المؤلِّفِ:1

«فإن جهل هو والمأموم حتى انقضت صحّت لمأموم وحده» أي: بحيثُ لا يعلمُ أحدٌ مِن المأمومينَ أنه على غيرِ وُضُوءٍ، فإن عَلِمَ واحدٌ ولو في أثناءِ الصَّلاةِ بطلتْ صَلاةُ الجميعِ، وهذا الحكمُ الثاني ليس له عِلَّةٌ واضحةٌ أنه إذا عَلِمَ واحدٌ مِن المأمومينَ أعادَ الكُلُّ، أما الحكمُ الأولُ فله عِلَّةٌ سبق ذكرُها.
ومثالُ ذلك في الحَدَثِ الأكبر: رَجُلٌ استيقظَ مِن نومِه، فتوضَّأ وذهب يصلِّي إماماً، وبعد انتهائِه مِن الصَّلاةِ رأى عليه أَثَرَ جنابةٍ، ولكن كان جاهلاً بها، فهنا نقول: المأمومون صلاتُهم صحيحةٌ.
أما هو؛ فإنه يعيدُ الصلاةَ، فإنْ عَلِمَ هو أو أحدٌ مِن المأمومينَ في أثناءِ الصَّلاةِ، فالصَّلاةُ باطلةٌ.
والصحيح في هذه المسألة: أنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ بكُلِّ حالٍ، إلا مَن عَلِمَ أنَّ الإِمامَ مُحدِثٌ.
وذلك لأنهم كانوا جاهلين، فهم معذورون بالجهلِ، وليس بوسعِهم ولا بواجبٍ عليهم أن يسألوا إمامَهم: هل أنت على وُضُوءٍ أم لا؟ وهل عليك جنابةٌ أم لا؟ فإذا كان هذا لا يلزمُهم وصَلَّى بهم وهو يعلم أنه مُحدثٌ، فكيف تَبطلُ صلاتُهم؟!! وههنا قاعدةٌ مهمَّةٌ جداً وهي: «أنَّ مَن فَعَلَ شيئاً على وَجْهٍ صحيحٍ بمقتضى الدَّليلِ الشَّرعي، فإنَّه لا يمكن إبطالُه إلا بدليلٍ شرعيٍّ»، لأننا لو أبطلنا ما قامَ الدليلُ على صحَّتِهِ لكان في هذا قولٌ بلا عِلْمٍ على الشرعِ، وإعناةٌ للمكلف ومشقَّةٌ عليه، فهم فعلوا ما أُمِرُوا به مِن الاقتداء بهذا الإِمامِ، وما لم يكلَّفوا به فإنَّه لا يلزمهم حُكمه.

وعلى هذا؛ فالصحيحُ أن صلاة المأمومين مع جهلهم بحاله صحيحةٌ بكلِّ حال حتى وإنْ كان الإِمامُ عالماً؛ لأنَّه أحياناً يكون الإِمام محدثاً، لكن لا يذكرُ إلا وهو يصلِّي، ثم يستحي أنْ ينصرفَ، وهذا حرامٌ عليه لا شَكَّ، لكن قد تقعُ مِن بعضِ الجُهالِ، فإذا ذَكَرَ الإِمامُ في أثناءِ الصَّلاةِ أنَّه محدثٌ، أو عَلِمَ أنه مُحدِثٌ وَجَبَ عليه الانصرافُ، ويستخلفُ مَن يُكملُ بهم الصَّلاةَ؛ لأن عُمرَ بن الخطَّاب رضي الله عنه لمَّا طَعَنَهُ أبو لؤلؤة المجوسيُّ، غلامُ المغيرةِ، بعدَ أنْ شَرَعَ في صلاةِ الصُّبحِ، تناولَ عُمرُ يَدَ عبدِ الرحمنِ بنِ عَوْفٍ فقدَّمَهُ، فصلَّى بهم صلاةً خفيفةً 1 وهذا بحَضْرةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم، فإنْ لم يفعلْ وانصرفَ، فللمأمومينَ الخِيارُ بين أن يُقدِّموا واحداً منهم يُكملُ بهم الصَّلاةَ، أو يتمُّوها فُرادى؛ لأنَّ إمامَهم ذَهَبَ ولم يستخلفْ.
المسألة الثانية: الصلاةُ خلفَ المتنجِّس، وقد جَعَلَ المؤلِّفُ رحمه الله حكمها كحكم الصَّلاةِ خلفَ المحدث.
فإذا صَلَّى الإِمامُ بنجاسةٍ يجهلُها هو والمأمومُ، ولم يعلمْ بها حتى انتهتِ الصَّلاةُ، فإنَّ صلاةَ المأمومينَ صحيحةٌ؛ لأنَّهم معذورون بالجهلِ، وأما الإِمامُ فلا تصحُّ صلاتُه فيجبُ أن يغسلَ النجاسةَ التي في ثوبِهِ أو على بدنِهِ، ثم يعيدُ الصَّلاةَ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ صحَّةِ الصَّلاةِ اجتنابَ النجاسةِ.
والقاعدةُ: أنه إذا تخلَّفَ الشرطُ تخلَّفَ المشروطُ.
فإنْ عَلِمَ في أثناءِ الصَّلاةِ وَجَبَ عليه أن يستأنفَ الصَّلاةَ هو

والمأمومون بعد إزالةِ النجاسةِ.
هذا هو الذي يقتضيه كلام المؤلِّفِ.
والقولُ الصَّحيحُ في هذه المسألةِ: أنه إذا جَهِلَ الإِمامُ النجاسةَ هو والمأمومُ حتى انقضتِ الصَّلاةُ فصلاتُهم جميعاً صحيحةٌ، والعذرُ للجميع الجهلُ، والمصلِّي بالنَّجاسةِ جاهلاً بها على القولِ الرَّاجحِ ليس عليه إعادةٌ، وكذلك لو عَلِمَ بها لكن نسيَ أن يغسِلَها فإن صلاتَه على القول الرَّاجحِ صحيحةٌ 1. ومِن هنا يتَّضحُ الفرقُ بين هذه والتي قبلَها على القول الرَّاجحِ: أنه إذا جَهِلَ المصلِّي بالحدثَ أعادَ الصلاةَ، ولا يعيدُ الصَّلاةَ إذا كان جاهلاً بالنجاسةِ.
والفَرْقُ بينهما: أنَّ الوُضُوءَ مِن الحَدَثِ مِن بابِ فِعْلِ المأمورِ، واجتنابَ النَّجاسةِ مِن بابِ تَرْكِ المحظورِ، فإذا فَعَلَهُ جاهلاً فلا يلحقُه حكمُه.
ويدلُّ لهذا القولِ الرَّاجِحِ: «أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى بأصحابِه ذاتَ يومٍ وعليه نعلاه فَخَلَعَهُما، فَخَلَعَ الصحابةُ نعالَهم، فلمَّا انصرفَ سألهم: لماذا خلعوا نِعالهم؟ قالوا: رأيناكَ خلعتَ نعليكَ فخلعنا نِعالنا، فقال: إنَّ جبريلَ أتاني فأخبرني أنَّ فيهما قَذَراً فَخَلَعتُهما» 2، وهذا صريحٌ في أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم كان قد لَبِسَ نعليه قذرتين، لكنه لم يكن عالماً بذلك، ولو كانتِ الصَّلاةُ تبطلُ مع الجهلِ لاستأنفَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم صلاتَه.
وعلى هذا؛ إنْ عَلِمَ الإِمامُ في أثناءِ الصَّلاةِ بالنجاسةِ، فإنْ

كان يمكنه إزالتها أزالها، وإنْ كان لا يمكنه انصرفَ، وأتمَّ المأمومون صلاتَهم.
مثال ذلك: لو كانت النجاسةُ في نعليه، أو كانت في «غُترتِه» أو كانت في قميصِه وعليه سراويل فهذه يمكن إزالتها، فيخلعُ القميصَ ولا يبقى عليه إلا السراويلُ، وسيستغرب المصلُّون، ولكن لا يضرُّ ولا حَرَجَ، والذي ينبغي أنْ يَفعلَ الإنسانُ الشيءَ المشروعَ، والناسُ إذا استنكروه أوَّلَ مرَّةٍ، فلن يستنكروه في المرَّةِ الثانيةِ.
لكن إنْ خشيَ مذمَّةً مِن العامَّةِ فلا حَرَجَ عليه أنْ ينصرفَ مِن صلاتِهِ.
وَلاَ إِمَامَةُ الأُمِّيِّ وَهُوَ: مَنْ لاَ يُحْسِنُ الفَاتِحَةَ، ..........

قوله: «

ولا إمامة الأمي وهو: من لا يحسن الفاتحة

»، أي: لا تصحُّ إمامةُ الأُمِّي.
والأُمِّيُّ: نسبةً إلى الأم، والإِنسانُ إذا خَرَجَ مِن أُمِّهِ فهو لا يَعلمُ شيئاً، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: 78].
والأُمِّيُّ لُغةً: مَنْ لا يقرأ ولا يكتبُ؛ لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [الجمعة: 2]، ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ فيقرؤون ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ فيكتبون.
وقال الله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ﴾ [الأعراف: 158]، وقال في تفسير ذلك: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: 48].

والأُمِّيُّ في الاصطلاح هنا: مَن لا يُحسنُ الفاتحةَ، يعني: لا يُحسنُ قراءتَها لا حِفظاً ولا في المصحفِ، ولو كان يقرأ كُلَّ القرآنِ ولا يُحسنُ الفاتحةَ فهو أُمّيّ.
والفاتحةُ: سورةُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ [الفاتحة] وسُمِّيت فاتحةٌ؛ لأنه افْتُتِحَ بها القرآنُ الكريمُ، ولها أسماءٌ متعدِّدةٌ.

أَوْ يُدْغِمُ فِيْهَا مَا لاَ يُدْغَمُ، أَوْ يُبدلُ حَرْفاً،

........... قوله: «أو يدغم فيها ما لا يدغم» أي: يُدغِمُ في الفاتحةِ ما لا يُدْغَمُ.
والإِدغامُ عند العلماءِ: كبير، وصغير.
فإذا أدغمتَ حرفاً بمثلِهِ فهذا إدغامٌ صغيرٌ.
وإذا أدغمتَ حَرْفاً بما يقاربه، فهو إدغامٌ كبيرٌ.
وإذا أدغمتَ حَرْفاً بما لا يقارِبُه ولا يماثِلُه، فهو غَلَطٌ.
مثال ذلك: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ *﴾ فَيُدغمُ الهاءَ بالرَّاءِ.
فهذا إدغامٌ غيرُ صحيحٍ؛ لأنَّ الهاءَ بعيدةٌ مِن الرَّاءِ، فهذا أُمِّيٌّ حتى ولو كان لا يستطيع إلا هذا.
وجه ذلك: أنَّه إذا أدْغَمَ فيها ما لا يُدْغَمُ فقد أسقطَ ذلك الحرفِ المُدْغَمِ.
أما إدغامُ المتقاربينِ فمثل: إدغامُ الدَّال بالجيم «قد جّاءكم» وهذه فيها قِراءة، والقِراءةُ المشهورةُ هي التحقيقُ «قد جَاءكم»، لكن لو كان يقولُ «قد جّاءكم» بإدغامِ الدَّالِ في الجيمِ، فإنه لا يُعَدُّ أُمِّيًّا، لكن ليس في الفاتحةِ مثل «قد جاءكم».
قوله: «أو يبدل حرفاً» أي: يُبدل حرفاً بحرفٍ، وهو الألتغُ،

مثل: أنْ يُبدِلَ الرَّاءَ باللام، أي: يجعلَ الرَّاءَ لاماً فيقول: «الحمدُ لله لَبِّ العالمين» فهذا أُمِّيٌّ؛ لأنه أبدلَ حرفاً مِن الفاتحة بغيرِه.
ويُستثنى مِن هذه المسألةِ: إبدالُ الضَّادِ ظاءً فإنَّه معفوٌّ عنه على القولِ الرَّاجحِ وهو المذهبُ، وذلك لخَفَاءِ الفَرْقِ بينهما، ولا سيَّما إذا كان عاميَّاً، فإنَّ العاميَّ لا يكادُ يُفرِّقُ بين الضَّادِ والظَّاءِ، فإذا قال: «غير المغظوب عليهم ولا الظالين» فقد أبدلَ الضَّادَ وجعلها ظاءً، فهذا يُعفى عنه لمشقَّةِ التَّحرُّز منه وعُسْرِ الفَرْقِ بينهما لا سيَّما مِن العوامِ.
فالإِبدال كما يلي: 1 ـ إبدالُ حَرْفٍ بحَرْفٍ لا يماثلُه.
فهذا أُمِّيٌّ.
2 ـ إبدالُ حَرْفٍ بما يقارِبُه، مثل: الضَّاد بالظَّاءِ.
فهذا معفوٌّ عنه.
3 ـ إبدالُ الصَّادِ سيناً، مثل: السراط والصراط، فهذا جائزٌ بل ينبغي أنْ يقرأَ بها أحياناً، لأنها قِراءةٌ سبعيَّةٌ، والقِراءة السبعيَّةُ ينبغي للإِنسانِ أنْ يقرأَ بها أحياناً، لكن بشرط أن لا يكون أمامَ العامَّةِ، لأنك لو قرأتَ أمامَ العامَّةِ بما لا يعرفون لأنكروا ذلك، وَشَوَّشْتَ عليهم.

أَوْ يَلْحَنُ فِيْهَا لَحْناً يُحِيلُ المَعْنَى

.......... قوله: «أو يلحن فيها لحناً يحيل المعنى» أي: يَلْحَنَ في الفاتحةِ لحناً يُحيلُ المعنى.
واللَّحنُ: تغييرُ الحركات، سواءٌ كان تغييراً صرفياً أو نحوياً، فإن كان يغيِّرُ المعنى، فإن المُغيِّرَ أُمِّيٌّ، وإنْ كان لا يغيِّرُه

فليس بأُمِّيٍّ، فإذ قال: (الحمد لله ربَ العالمين) بفتح الباء، فاللَّحنُ هذا لا يُحيلُ المعنى، وعلى هذا؛ فليس بأُمِّيٍّ فيجوز أن يكون إماماً بمَن هو قارئٌ، وإذا قال: (أَهدنا الصراط المستقيم) بفتح الهمزة فهذا يُحيل المعنى؛ لأن «أهدنا» مِن الإِهداء، أي: إعطاء الهديَّة: ﴿اهْدِنَا﴾ [الفاتحة] بهمزة الوصل مِن الهدايةِ، وهي الدّلالة والتوفيق، ولو قال: «إياكِ نعبد» بكسر الكاف فهذه إحالةٌ شديدةٌ فهو أُمِّيٌّ، ولو قال: «صراط الذين أنعمتُ عليهم» بضم التاء فهذا يُحيلُ المعنى أيضاً.
ولو قال: «إياكَ نعبَد» بفتح الباء فهذا لا يُحيلُ المعنى.
وكذا: «إياك نستعينَ» بفتح النون الثانية فهذا لا يُحيلُ المعنى، وليس معنى ذلك جوازُ قِراءةِ الفاتحةِ ملحونةً؛ فإنَّه لا يجوز أنْ يَلْحَنَ ولو كان لا يُحيلُ المعنى، لكن المرادُ صِحَّةُ الإِمامةِ.

إِلاَّ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلاَحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ.

قوله: «إلا بمثله» أي: إذا صَلَّى أُمِّيٌّ لا يَعرفُ الفاتحةَ بأُمِّيٍّ مثله فصلاتُه صحيحةٌ لمساواتِه له في النَّقْصِ، ولو صَلَّى أُمِّيٌّ بقارئ فإنَّه لا يَصحُّ، وهذا هو المذهبُ.
وتعليل ذلك: أنَّ المأمومَ أعلى حالاً مِن الإِمامِ، فكيف يأتمُّ الأعلى بالأدنى.
والقول الثاني: وهو رواية عن أحمد: أنه يَصحُّ أن يكون الأُمِّيُّ إماماً للقارئ، لكن ينبغي أنْ نتجنَّبَها؛ لأنَّ فيها شيئاً مِن المخالفةِ لقول الرسولِ صلّى الله عليه وسلّم: «يَؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» 1 ومراعاةً للخِلافِ.

قوله: «وإن قدر على إصلاحه لم تصح صلاته» أي: إنْ قَدِرَ الأُمِّيُّ على إصلاح اللَّحنِ الذي يُحيلُ المعنى ولم يُصلِحْهُ فإنَّ صلاتَه لا تَصِحُّ، وإن لم يَقْدِرْ فصلاتُه صحيحةٌ دون إمامتِه إلا بمثلِه.
ولكن الصحيحُ: أنَّها تصحُّ إمامتُه في هذه الحالِ؛ لأنَّه معذورٌ لعجزِه عن إقامةِ الفاتحةِ وقد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ ويوجد في بعضِ الباديةِ مَن لا يستطيعُ أنْ ينطِقَ بالفاتحة على وَجْهٍ صحيحٍ، فرُبَّما تسمعُه يقرأ «أَهدنا» ولا يمكن أنْ يقرأَ إلا ما كان قد اعتادَه، والعاجزُ عن إصلاح اللَّحنِ صلاتُه صحيحةٌ، وأما مَن كان قادراً فصلاتُه غيرُ صحيحةٍ، كما قال المؤلِّف، إذا كان يُحيلُ المعنى.

وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ

............ قوله: «وتكره إمامةُ اللَّحَّان» واللَّحَّانُ: كثيرُ اللَّحْنِ، والمرادُ في غيرِ الفاتحةِ، فإنْ كان في الفاتحةِ وأحَالَ المعنى صارَ أُمِّيًّا لا تَصِحُّ إمامتُه على المذهبِ، لكن إذا كان كثيرَ اللَّحْنِ في غيرِ الفاتحةِ فإمامتُه صحيحةٌ، إلا أنَّها تُكره.
والدليلُ: قولُ النَّبيِّ عليه الصلاة والسلام: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتابِ اللهِ» 1، وهذا خَبَرٌ بمعنى الأمرِ، فإذا كان خبراً بمعنى الأمر فإنَّه إذا أمَّهم مَن ليس أقرأهم فقد خالفوا أَمْرَ

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
ثُمَّ مَنْ قَرَعَ. وَسَاكِنُ البَيْتِ،وَإِمَامُ المَسْجِدِ أَحَقُّ إِلاَّ مِنْ ذِي سُلْطَانٍ.وَحُرٌّ، وَحَاضِرٌ، وَمُقِيمٌ،وَبَصِيرٌ، وَمَخْتُونٌ، وَمَنْ لَهُ ثِيَابٌ أَوْلَى مِنْ ضِدّهِمْ.وَلاَ تَصِحُّ خَلْفَ فَاسِقٍ كَكَافِرٍ،وَلاَ امْرَأَةٍ وَخُنْثَى لِلرِّجَالِ،ولا صبي لبالغلا أخرسوَلاَ عَاجِزٍ عَنْ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ أَوْ قُعُودٍ أَوْ قِيَامٍإِلاَّ إِمَامَ الحَيِّ المَرْجُو زَوَالَ عِلَّتِهِ، وَيُصَلُّونَ وَرَاءَهُ جُلُوساً نَدْباً.فَإِنْ ابْتَدَأَ بِهِمْ قَائِماً ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ أَتَمُّوا خَلْفَهُ قِيَامَاً وُجُوباًوتصح خلف من به سلس البول بمثلهولا تصح خلف محدث ولا متنجس يعلم ذلكفَإِنْ جَهِلَ هُوَ وَالمَأْمُومُ حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لِمَأْمُوم وَحْدَه.ولا إمامة الأمي وهو: من لا يحسن الفاتحةأَوْ يُدْغِمُ فِيْهَا مَا لاَ يُدْغَمُ، أَوْ يُبدلُ حَرْفاً،أَوْ يَلْحَنُ فِيْهَا لَحْناً يُحِيلُ المَعْنَىإِلاَّ بِمِثْلِهِ، وَإِنْ قَدَرَ عَلَى إِصْلاَحِهِ لَمْ تَصِحَّ صَلاَتُهُ.وَتُكْرَهُ إِمَامَةُ اللَّحَّانِ
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل