الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 90-129
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتابُ الصَّلاة

صفحات 90-129
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وبناءً على ذلك؛ لا يُشترط له طهارة، ولا سترُ عورة، ولا استقبالُ قِبلة، فيجوز أن يسجد ولو كان محدثاً حَدَثاً أصغر، بل ولو كان محدثاً حَدَثاً أكبر إنْ قلنا بجواز القراءة للجُنب، والصَّحيح: أنه لا يجوز للجُنب قراءة القرآن (1)، ومن طالع كلام شيخ الإسلام رحمه الله في هذه المسألة تبيَّنَ له أن القول الصَّواب ما ذهب إليه من أن سجود التِّلاوة ليس بصلاة، ولا يُشترط له ما يُشترط للصَّلاة، فلو كنتَ تقرأ القرآن عن ظهر قلب وأنت غير متوضىء، ومررت بآية سجدة، فعلى هذا القول تسجد ولا حرج، وكان ابن عُمر رضي الله عنهما مع شِدَّة وَرَعِهِ ـ يَسجدُ على غيرِ وُضُوءٍ (2) لكن الاحتياط أن لا يسجد إلا متطهِّراً.
يُسَنُّ للقَارِىءِ ..........

قوله: «

يسن للقارىء

» يفيد أن سُجود التِّلاوة ليس بواجب، وإنما هو سُنَّة؛ وهذه المسألة محلُّ خِلاف بين أهل العِلْمِ.
فَمِنهم مَن قال: إنَّ سجود التِّلاوة واجب؛ لأنَّ الله أَمَرَ به، وذمَّ مَن تَرَكه، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: 77] فأمَرَ بالسُّجودِ.
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *﴾ [الانشقاق] فذمَّهم لعدم السُّجود.
وامتدح السَّاجدين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *﴾ [الأعراف] قالوا: وهذا يدلُّ على أنَّ السُّجودَ واجبٌ لِمَدْحِ فاعلِهِ وذَمِّ تارِكِه والأَمْرِ به.12

وقال آخرون: بل هو سُنَّة وليس بواجب.
وهو الرَّاجح.
واستدلُّوا: أولاً: أنَّ زيدَ بنَ ثابتٍ رضي الله عنه قَرَأَ على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سورةَ النَّجم، ولم يسجدْ فيها 1. ولو كان السُّجود واجباً لم يُقرَّه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم على تَرْكِ السُّجود.
فإنْ قال قائلٌ: أفلا يُحتمل أنَّ زيداً ليس على وُضُوء؟ فالجواب: هذا احتمال، لكنه ليس بمتعيِّن، بل الظَّاهرُ أنَّه على وُضُوء، لأنه يبعد أن يقرأَ القُرآنَ على غير وُضُوء.
وأيضاً: لو كان السُّجود واجباً لاستفصلَ منه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم؛ هل كان على وُضُوء فيسجد، أو على غير وُضوء فلا يسجد، كما استفصلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الرَّجل الذي دخل المسجدَ، والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب يومَ الجمعة؛ فجلسَ، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: أصليت؟ قال: لا.
قال: قمْ فصلِّ ركعتين 2. ثانياً: أنَّ عُمرَ بنَ الخطَّابِ رضي الله عنه ثَبَتَ عنه في «صحيح البخاري» وغيره أنه قرأ على المِنْبَرِ سورةَ النَّحل، فلما أتى على السَّجدة نَزَلَ مِن المِنْبَرِ وسَجَدَ، فسجدَ النَّاس، ثم قرأها في الجمعة الثَّانية ولم يسجدْ، ثم قال ـ إزالةً للشُّبهة ـ: «إنَّ اللهَ لم يَفِرضْ علينا السُّجودَ إلا أنْ نشاءَ» 3، وهذا قولُ عُمرَ ـ

وناهيك به ـ الذي قال فيه رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: «إنْ يكن فيكم مُحَدَّثُونَ فعُمَرُ» 1 محدَّثون، أي: مُلهمون للصَّواب، ومع هذا فَعَلَهُ بمحضر الصَّحابة عَلناً على المِنْبَرِ، ولم يُنكرْ عليه أحدٌ، وهذا يدلُّ على أن السُّجود ليس بواجب.
فإن قيل: ما هو الجواب عن الآيات التي استدلَّ بها مَن قال: إنَّه واجب؟ فالجواب: أما قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] فقل: يجب الرُّكوع أيضاً عند التلاوة.
أما أن تقول: يجب السُّجود، ولا يجب الرُّكوع؛ فهذا تناقض؛ لأن الدَّليل واحد.
وبه نعرف أنَّ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] أَمْرٌ بالصَّلاة التي هي ذات رُكوع وسُجود، وأما قوله: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *﴾ [الإنشقاق] فنقول له: أنت لا تقول بهذه الآية، وأنَّ كُلَّ مَن قُرِىءَ عليه القُرآنُ وجب عليه أنْ يسجدَ، مع أنَّ ظاهر الآية أنَّ كُلَّ مَن قُرِىء عليه القرآن يجب عليه أنْ يسجد، فالسُّجود هنا بمعنى التَّذلُّل، وليس السُّجود الحَركة المعروفة، أي: إذا قُرِىءَ عليهم القرآن لا يذلُّون له، وهذا ثابتٌ لكُلِّ القرآن، فكلُّ القرآن يجب أن تَذِلَّ له.
وأما مَدْحُ الملائكةِ بالسُّجودِ؛ فالمراد بالسُّجود: الصَّلاة؛

لأنَّه ما مِن أربع أصابع في السَّماء إلا وفيه مَلَكٌ قائمٌ لله، أو راكع، أو ساجد.
وقوله: «يُسَنُّ للقارىء» دليله أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يسجد إذا مَرَّ بآية السَّجدة.
وفِعْلُ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم الشيءَ على سبيل التَّعبُّد يقتضي سُنِّيَّته.
ولهذا مِن قواعد أصول الفقه: أنَّ فِعْلَ الرسول صلّى الله عليه وسلّم الذي فَعَلَهُ على سبيل التَّعبُّد يكون للاستحباب لا للوجوب، إلا أنْ يُقْرَنَ بأمرٍ، أو يكون بياناً لأمر، أو ما أشبه ذلك مِن القرائن التي تدلُّ على الوجوب.
أما مجرَّد الفِعْل فإنه للاستحباب.
فقد روى ابنُ عمر قال: «كان النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يقرأُ علينا السُّورةَ فيها السَّجدةُ، فيسجُدُ ونَسجُدُ معه؛ حتى ما يَجِدُ أحدُنا موضعاً لجبهتِهِ» (1) أي: أنهم يسجدون، ولقُربهم مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يزدحِمون؛ لأن السَّاجد يشغل مكاناً أكثر مِن الجالس، حتى لا يجد أحدُهم مكاناً لجبهته يسجُدُ عليه.
وهذا دليل استحبابه، وكذلك ما مَرَّ مِن أَثَرِ عُمرَ رضي الله عنه (2).

والمُسْتَمِع دُونَ السَّامع

........ قوله: «والمستمع» دليله: حديثُ ابن عُمر رضي الله عنه وعن أبيه: حيث كانوا يسجدون مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
قوله: «دون السامع» أي: أنَّ السَّامع لا يُسَنُّ له أنْ يسجدَ، والفَرْقُ بين المستمع والسَّامع: أنَّ المستمع: هو الذي يُنصِتُ للقارىء ويتابعه في الاستماع.
والسَّامع: هو الذي يسمعُ الشَّيءَ دون أن يُنصِتَ إليه.12

ولهذا لو سَمِعَ الإنسانُ صوتَ مَلهاة «آلة لهو» سماعاً فقط فإنَّه لا يأثم إذا لم تكن بحضُوره، ولو استمع إليها لأَثِمَ.
مثال السَّامع: إنسانٌ مَرَّ بالسُّوق، وفيه آلة لهو تشتغل بأغانٍ وغيرها.
ومثال المستمع: إنسان آخر لما سَمِعَ هذه الملاهي جلس يستمع إليها.
فالثَّاني ـ وهو المستمتع ـ آثم، والأول غير آثم.
وكذلك السَّامعُ بالنسبة لقِراءة القرآن؛ هو الذي مَرَّ وقارىءٌ يقرأُ فمرّ بآية سجدة فلا يُسَنُّ له أنْ يسجُدَ؛ لأنَّه ليس له حُكم القارىء، أما المُستمع فيسجد؛ لأنَّ له حُكم القارىء.
والدليل على أن المستمع له حكم القارىء أنَّ موسى صلّى الله عليه وسلّم قال: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ژ}!! ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *﴾ ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 88، 89]. وقوله تعالى: «دعوتكما» مُثَنَّى، والدَّاعي واحد، وهو موسى، فمن أين جاءت التثنية؟ قال العلماء: لأنَّ موسى كان يدعو؛ وهارون يستمِعُ ويؤمِّنُ، فجَعلَ اللهُ تعالى للمستمِعِ حُكم المتكلِّم الدَّاعي.
فإذا قال قائل: كيف لا يُسَنُّ للسَّامع وقد سَمِعَ آيةَ السُّجود وسَجَدَ القارىء؟ نقول: لأنَّه لا يلحقه حُكم القارىء، فليس له ثوابه، ولا يطالب بما يطالب به القارىء، ولهذا قال المؤلِّف: «دون السامع».

وَإِنْ لَمْ يَسْجُدِ القَارِىءُ لَمْ يَسْجُدْ .........

قوله: «

وإن لم يسجد القارىء لم يسجد

» أي: إنْ لم يسجدِ القارئ لم يسجدِ المستمعُ؛ لأنَّ سجودَ المستمِعِ تَبَعٌ لسُجودِ القارئِ، فالقارئُ أصلٌ والمستمعُ فَرْعٌ.
ودليل ذلك: حديث زيد بن ثابت: «أنه قرأ على النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سورةَ النَّجم فلم يَسجُدْ فيها» (1) فقوله: «قرأ سورةَ النَّجم فلم يسجدْ فيها» يدلُّ على أنَّ زيدَ بنَ ثابت لم يسجدْ؛ لأنه لو سَجَد لسجدَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، كما كان الصَّحابة يسجدون مع الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم، ولم يُنكر عليهم، فلم يقل: لا تسجدوا؛ لأنكم لم تقرأوا.
بل كان يُقِرُّهم.
فحديثُ زيدِ بن ثابت يُستدلُّ به على أنه إذا لم يسجدِ القارئُ لم يسجدِ المستمِعُ، ولا يصحُّ أن يُستدلَّ به على نَسْخِ سُجود التِّلاوة في «المُفَصَّل» كما قال به بعضُ العلماء؛ لأنه ثبت في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سَجَدَ في «إذا السماء انشقت» وفي سورة «اقرأ» (2). وهما من «المُفَصَّل».
مسألة: هل للمستمع أن يُذَكِّرَ القارئَ فيقول: اسجدْ؟ نقول: إن احتمل الأمرُ أنَّه ناسٍ فَلْيُذكِّرْهُ، أما إذا لم يحتمل النِّسيان كأن يكون ذاكراً فلا يُذكِّرْه؛ لأنه تركها عن عَمْدٍ؛ ليُبيِّن مثلاً ـ إذا كان طالب علم ـ أنَّ سجودَ التِّلاوة ليس بواجب.
قوله: «وهو» أي: سُجودَ التِّلاوة.

وَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِ

......... قوله: «أربع عشرة سجدة» يعني: أنَّ آيات السُّجود التي في القرآن أربع عشرة سَجدة فقط لا تزيد ولا تنقص.12

والدليل: السُّنَّة؛ فإن أهل العلم تتَّبعُوا آياتِ السُّجودِ، فمنها ما صَحَّ مرفوعاً، ومنها ما صَحَّ موقوفاً؛ والذي صَحَّ موقوفاً له حكمُ الرَّفعِ؛ لأن هذا مِن الأمور التي لا يسوغُ فيها الاجتهاد، فهي توقيفيَّة.
قوله: «في الحج منها اثنتان» وقد عَدَّ في «الرَّوض» آياتِ السُّجود كُلَّها.
وتفصيلها كما يأتي: في «الأعراف»: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ *﴾ ووجه كون ذلك مَحَلَّ سجدة: أنَّ اللهَ امتدحَ هؤلاء الذين عنده بكونهم لا يستكبرون عن عبادة الله، ويسبِّحونه ويسجدون له، وما امتدحَ اللهُ فاعلَه فهو محبوبٌ إليه.
وفي «الرَّعد»: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلاَلُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ *﴾.
وفي «النَّحل»: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَآبَّةٍ وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ *﴾.
وفي «الإسراء» ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا *وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً *وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا *﴾.
وفي «مريم»: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَانِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.
وفي «الحَجِّ» منها اثنتان: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ

وَالدَّوَآبُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ *}.
والثانية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ وإنَّما نَصَّ المؤلِّفُ على أنَّ في «الحج» اثنتين؛ للخِلاف في ذلك.
وفي «الفرقان»: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَانِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَانُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا *﴾.
وفي «النَّمل»: ﴿أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *﴾.
وفي «الم تنزيل السَّجدة»: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ *﴾ [السجدة].
وفي «فُصِّلَت»: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لاَ تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلاَ لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ *فَإِنْ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لاَ يَسْأَمُونَ *﴾.
وفي «النَّجم»: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا *﴾ [النجم].
وفي «الانشقاق»: ﴿فَمَا لَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ *﴾ ﴿وَإِذَا قُرِىءَ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لاَ يَسْجُدُونَ *﴾.
وفي «اقرأ باسم ربك» ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ *﴾.
فهذه أربع عشرة سجدة: في «الأعراف» و «الرعد» و «النحل» و «الإسراء» و «مريم» و «الحج» اثنتان، و «الفرقان» و «النمل» و «الم تنزيل السجدة» و «حم السجدة» و «النجم» و «الانشقاق» و «اقرأ باسم ربك».
وأما سجدة «ص» فإنها سجدة شُكْرٍ، ولكن صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه رأى النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يسجدُ فيها 1. والصَّحيح: أنها سجدة تِلاوة.
وعلى هذا؛ فتكون السَّجدات خمسَ عشرة سجدة، وأنه يسجدُ في «ص» في الصَّلاة وخارج الصَّلاة.
فإن قال قائل: في القرآن آياتٌ فيها سُجود، ولم يُشرع فيها السُّجود، مثل قوله تعالى: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ *﴾ [الحجر] قال: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾ وليس فيها سجدة؟ قلنا: لأن هذا أُمِرَ به النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حال معينة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ *﴾ 1 2 3 4 5 6} [الحجر] وذلك إذا ضاق صدره وآذاه المشركون، ولأنَّ الظَّاهر أنَّ المراد بذلك الصَّلاة، لا مجرد السُّجود، لأنَّ الصَّلاة قُرَّةُ عين النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وبها يزولُ همُّه وكربُه.
وهذا لا يقتضي السُّجود على الإطلاق، ولكن قد ينقض هذا التَّعليل بسجدة اقرأ: ﴿:؛ ژ (ص) ـ!! چ = ژ﴾ ـ!! عع؟ ژ ء آ} وهذا أمرٌ بالسُّجود في حال معينة، وهو إذا قام ذلك الرجل يتكلَّم على الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم وينهاه عن الصلاة: قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى *عَبْدًا إِذَا صَلَّى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى *أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى *أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى *أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى *كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ *نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ *فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ *سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ *كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ *﴾ [اقرأ] ومع هذا؛ فالسُّجود فيها مشروع، وحينئذٍ يكون المرجع هو التوقيف، فنقول: وردت السُّنَّة بالسُّجود في آيات معيَّنة، فنتوقَّفُ على ما جاءت به السُّنَّة.

وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ،

......... قوله: «ويكبر إذا سجد وإذا رفع»، بيانٌ لصِفَةِ سُجود التلاوة يكبر إذا سَجَد؛ لأنها صلاة، والصَّلاة لا بُدَّ لها مِن تحريمة، وتحريمها التكبير، وأما عند مَنْ يقول إنها ليست بصلاة فلا يُكبِّر؛ لأنه سجود مجرَّد، لكن وَرَدَ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يُكبِّرُ عند السُّجُود 1، فإنْ صَحَّ الحديث عُمِلَ به سواء قلنا إنها صلاة أم لا، وليس في الحديث أنه كان يقوم ثم يَخِرُّ.
وعليه؛ فيسجدُ مِن حيث كانت حاله فإن كان قائماً سجد عن قيام، وإن كان قاعداً سجد عن قُعود لأنَّ القيام تعبُّد لله يحتاج إلى دليل.
فالتكبير في سجود التِّلاوة إذا كان خارج الصَّلاة فيه ثلاثة أقوال: القول الأول: يُكبِّر إذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ.
القول الثاني: يُكبِّر إذا سَجَدَ فقط.

القول الثالث: لا يُكبِّر مطلقاً.

وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلاَ يَتَشَهَّدُ،

........... قوله: «ويجلس ويُسلم ولا يتشهد» «يجلس» أي: وجوباً؛ لكنه جلوس لا ذِكْرَ فيه إلا شيئاً واحداً، وهو السَّلام مَرَّة عن يمينه، ولهذا قال: «ويُسلِّمُ ولا يتشهَّد» فصار السُّجود فيه تكبيرٌ قبلَه وتكبيرٌ بعدَه، وجلوسٌ وتسليمٌ، وليس فيه تشهُّدٌ؛ لأنَّ التشهُّدَ إنَّما وَرَدَ في الصَّلاة، ولكن السُّنَّة تدلُّ على أنه ليس فيه تكبير عند الرَّفع ولا سلام إلا إذا كان في صلاة، فإنه يجب أن يُكبِّرَ إذا سَجَدَ ويُكبِّرَ إذا رَفَعَ؛ لأنه إذا كان في الصَّلاة ثَبَتَ له حُكم الصَّلاة، حتى الذين قالوا بجواز السُّجود إلى غير القِبْلَة إذا كان في الصَّلاة لا يقولون بذلك.
ودليل ذلك: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ الرَّسولَ صلّى الله عليه وسلّم «سَجَدَ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ *﴾ في صلاة العشاء» 1. وثَبَتَ عنه أنَّه كان يُكبِّر في كُلِّ رَفْعٍ وخَفْضٍ 2 فيدخل في هذا العموم سُجودُ التِّلاوة، وأما ما يفعله بعضُ الأئمةِ إذا سَجَدَ في الصَّلاة مِن التكبير إذا سَجَدَ دون ما إذا رَفَعَ فهو مَبنيٌّ على فَهْمٍ خاطىءٍ ليس على عِلْمٍ؛ لأنه لمَّا رأى بعضَ أهل العِلْمِ اختارَ في سُجودِ التِّلاوة أن يُكبِّر إذا سَجَدَ دون ما إذا رَفَعَ ظَنَّ أنَّ هذا في الصَّلاة وغيرها، وليس كذلك.
بل إذا كان السُّجودُ في الصَّلاة فإنه يُكبِّر إذا سَجَدَ وإذا رَفَعَ كما سَبَقَ.
«تنبيه»: لم يذكر المؤلِّفُ رحمه الله ماذا يقول في هذا السُّجود.
فماذا يقول؟

الجواب: يقول في هذا السُّجود: «سبحان رَبِّي الأعلى» لأنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزل قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى] قال: «اجعلوها في سجودكم» 1 وهذا يشمَلُ السُّجودَ في الصلاة وسجودَ التِّلاوة، ويقول أيضاً: «سبحانك اللَّهُمَّ ربَّنا وبحمدك اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» لدليلين: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: 15] وهذه آية سجدة.
والدَّليل الثَّاني: حديث عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يُكثر أن يقول في رُكوعه وسُجوده: سُبحانك اللَّهُمَّ رَبَّنا وبحمدك، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي» 2. ووَرَدَ أيضاً حديثٌ أخرجَه بعضُ أهلِ السُّنَنِ يقول: «اللَّهُمَّ لك سَجَدتُ، وبك آمنتُ، وعليك توكَّلتُ، سَجَدَ وجهي لله الذي خَلَقَهُ وصَوَّره وشَقَّ سَمْعَه وبصرَه بحوله وقوَّته، فتبارك اللهُ أحسنُ الخالقين» 3 «اللهم اكْتُبْ لي بها أجراً، وضَعْ عَنِّي بها وِزراً، واجْعَلْها لي عندكَ ذُخراً، وتقبَّلْها مَنِّي كما تقبَّلتها مِن عبدِكَ داودَ» 4 فإن قال هذا فَحَسَنٌ.
وإنْ زادَ على ذلك دعاءً فلا بأس.

وَيُكْرَهُ للإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلاَةِ سِرٍّ وَسُجُودُهُ فِيْهَا

.......... قوله: «ويُكره للإِمامِ قراءةُ سجدة في صلاة سر وسجوده فيها».
الكراهة عند المتأخرين: تُطلق على ما يُثاب تاركُهُ امتثالاً، ولا يُعاقب فاعلُهُ.
وتُطلق في عُرْفِ المتقدِّمين على التَّحريم.
فإذا رأيتَ في كلام النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم والصَّحابةِ والتابعين «أَكْرَهُ» فهو للتَّحريم.
وحتى في القرآن الكريم، قال الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [الإسراء: 23] ثم ذَكَرَ أشياءَ كثيرةً مأمورات ومنهيَّات، ثم قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ وهي حرامٌ بلا شَكٍّ.
ووجه الكراهة: أن الإمام إذا قرأ سجدةً في صلاة السِّرِّ فهو بين أمرين، إمَّا أن يقرأ الآية، ولا يسجد فَيُفَوِّت على نفسِهِ الخيرَ، وإمَّا أنْ يقرأها ويسجدُ فيُشوِّشُ على مَنْ خلفَه، ولكن هذا تعليل عليل؛ لأن الكراهة حكمٌ شرعيٌّ يحتاج إلى دليلٍ من السَّمع، أو تعليلٍ مبنيٍّ على نظر صحيح تقتضيه قواعد الشرع.
أما قولهم: إما أنْ يقرأها ويتركَ السُّجودَ، فنقول: حتى لو تَرَكَ السُّجودَ فإن ذلك لا يقتضي الكراهةَ؛ لأنَّ تَرْكَ المَسنون ليس مكروهاً، وإلا لقلنا: إنَّ صلاتنا في غير النِّعال مكروهة.
ولقلنا: إنَّ الإنسان إذا لم يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فقد فعل مكروهاً.
ولقلنا: إن الإنسان إذا لم يجهر في الجهرية فقد فعل مكروهاً.

وما أشبه ذلك.
وهذا ليس بصحيح.
وأيضاً: أليس إذا قرأها خارجَ الصَّلاة ولم يسجد لم يفعل مكروهاً؟ وأما قولهم: أو يسجدُ ويشوِّشُ على المأمومين، فنقول: هذا قد يكون؛ ولهذا لو سَجَدَ سَبَّحوا به، ظَنًّا منهم أنَّه نسي الرُّكوع، ورُبَّما إذا أبى واستمرَّ ساجداً تركوه، وقالوا: تَرَكَ رُكناً متعمِّداً فلا نتابعه، لكن هذا يمكن أن يزول بأن يرفع صوته قليلاً عند آية السَّجدة، فإذا رَفع صوتَه بآية السَّجدة سَجَدَ النَّاسُ، لكن رُبَّما يُقالُ: يسجدُ مَن يعرفُ أنَّ هذه الآية آية سجدة، لكن مَنْ لا يعرف لا يسجد.
وعليه فنقول: إذا حَصَلَ تشويش لا تقرأْ، أو اقرأْ ولا تسجد، لأنه إذا قرأَ ولم يسجدْ لم يأتِ مكروهاً، لكن قد وَرَدَ في السُّنَن بسندٍ فيه نظر أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «قرأ في صلاة الظُّهر ﴿الم تنزيل السَّجدة﴾ وسَجَدَ فيها» (1) فلو صَحَّ هذا الحديث لكان فاصلاً للنِّزاع، وقلنا: إنَّه يجوزُ أن يقرأَ آيةَ سجدة في صلاة السِّرِّ، ويسجدَ فيها كما فَعَلَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم.
وَيَلْزَمُ المَأْمُومَ مُتَابَعَتُهُ فِي غَيْرِهَا ..........

قوله: «

ويلزم المأموم متابعته في غيرها

» أي: يلزم المأموم إذا سجد إمامه أن يتابعه.1

وقوله: «في غيرها» أي: في غير صلاة السِّرِّ وهي صلاة الجهر، وعُلم مِن كلامه رحمه الله أنه لا يلزمه متابعة الإمام في صلاة السِّرِّ، فلو قرأ الإمامُ آيةَ سجدة في صلاة السِّرِّ كالظُّهر أو العصر ثم سَجَدَ، فإن المأموم لا يلزمه أنْ يتابعه.
وعَلَّلوا ذلك: بأن الإمام فَعَلَ مكروهاً فلا يُتابع.
ولكن الصَّحيح: أنه يلزم المأموم متابعته حتى في صلاة السِّرِّ، وذلك لأن الإمام إذا سَجَدَ فإن عمومَ قَوْلِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا سَجَدَ فاسْجُدُوا» (1) يتناول هذه السَّجدة، وهذه السَّجدة لا تبطل صلاة الإمام، لأنَّ أكثر ما يُقال فيها: إنها مكروهة.
على كلام الفقهاء.
والصَّحيح: أنها ليست مكروهة، وأنه يسجد وفي هذه الحال يلزم المأموم متابعته لعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سَجَدَ فاسْجُدُوا».

وَيُسْتَحَبُّ سجود الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ،

.......... قوله: «ويستحبُّ» إذا قال العلماء: «يستحبُّ» أو «يسنُّ» فإن حكم ذلك: أن يُثاب فاعلُه امتثالاً، ولا يعاقب تاركُه، إذاً؛ فسجود الشُّكر إنْ فعلته أُثِبْتَ، وإنْ تركته لم تأثم.
وقوله: «سجود الشكر» الإضافة فيه مِن باب إضافة الشيء إلى نوعه؛ كما تقول: «خاتم حديد» لأن هذا السُّجودَ نوعٌ مِن الشُّكر.
والشُّكر في الأصل هو: الاعترافُ بالنِّعَمِ باللسان، والإقرارُ1

بها بالقلب، والقيامُ بطاعة المُنْعِمِ بالجوارح.
وعلى هذا قال الشَّاعرُ: أفادتكم النَّعماءُ مِنِّي ثلاثة يدي ولساني والضَّمير المحجَّبا فـ «يدي»: الجوارح.
«ولساني»: اللسان.
«والضمير المحجب» هو القلب.
فتعتقد بقلبك أن النِّعمة مِن الله، وتنطق بذلك بلسانك كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ *﴾ [الضحى]، وتشكر الله بجوارحك فتقوم بطاعته، ولهذا فَسَّرَ بعضُ العلماء الشُّكرَ: بأنه طاعة المنعم.
ويؤيِّدُه قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله أمَرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلينَ»، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، وهناك نوعٌ خاصٌّ من أنواع الشُّكر، وهو سُجود الشُّكر.
قوله: «عند تجدد النعم».
أي: عند النِّعمة الجديدة، احترازاً مِن النِّعمة المستمرَّة، فالنِّعمة المستمرَّة لو قلنا للإنسان: إنه يستحبُّ أنْ يسجدَ لها لكان الإنسانُ دائماً في سُجود، لأن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]، والنعمة المستمرَّة دائماً مع الإنسان فسلامةُ السمعِ، وسلامةُ البصرِ، وسلامةُ النُّطقِ، وسلامةُ الجسم، كلُّ هذا مِن النِّعَمِ.
والتنفُّس مِن النِّعَم وغير ذلك، ولم تَرِدِ السُّنَّة بالسُّجود لمثل ذلك، لكن لو فُرِضَ أنَّ أحداً أُصيب بضيق التنفُّس؛ ثم فَرَّجَ الله عنه؛ فَسَجَد شكراً لله؛ كان مصيباً؛ لأنَّ انطلاق نَفَسِهِ بعد ضيقه تجدّد نعمة.

مثال ذلك: إنسان نجح في الاختبار وهو مُشفِقٌ أنْ لا ينجح، فهذا تجدُّد نِعمةٍ يسجدُ لها.
مثال آخر: إنسانٌ سَمِعَ انتصاراً للمسلمين في أيِّ مكانٍ، فهذا تجدُّد نِعمةٍ يسجدُ لله شكراً.
مثال آخر: إنسانٌ بُشِّر بولد، هذا تجدُّد نِعمة يُسجدُ لها، وعلى هذا فَقِسْ.
وانْدِفَاعِ النِّقَمِ.
..........

قوله: «

واندفاع النقم

» أي: التي وُجِدَ سببُها فَسَلِمَ منها.
مثال ذلك: رجل حَصَلَ له حادث في السيارة وهو يسير، وانقبلت وخرجَ سالماً، فهنا يسجدُ؛ لأنَّ هذه النقمة وُجِدَ سببُها وهو الانقلاب لكنه سَلِمَ.
مثال آخر: إنسان اشتعل في بيته حريق، فَيَسَّرَ اللهُ القضاء عليه فانطفأ؛ فهذا اندفاعُ نِقْمَةٍ يَسجدُ لله تعالى شكراً.
مثال آخر: إنسانٌ سَقَطَ في بئر فَخَرَجَ سالماً، فهذا اندفاعُ نِقْمَةٍ؛ يسجدُ لله شُكراً عليها.
فالمُراد بذلك اندفاع النِّقم التي وُجِدَ سَبَبُهَا فَسَلِمَ منها، أمَّا المستمر فلا يمكن إحصاؤه، ولو أننا قلنا للإنسان يُستحبُّ أن تسجدَ لذلك لكان دائماً في سُجود.
ودليل سجود الشُّكر: أنَّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا جاءَه أمرٌ يُسِرُّ به، أو بُشِّر به، خَرَّ ساجداً؛ شُكراً لله تعالى 1. وكذلك

عَمَلُ الصَّحابة، فإنَّ عليَّ بنَ أبي طالب رضي الله عنه لما قاتل الخوارج؛ وقيل له: إنَّ في قتلاهم ذا الثُّدَيَّة الذي أخبرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أنه يكون فيهم (1)، سَجَدَ لله شُكراً (2) لأنه إذا كان ذو الثُّدَيَّة مع مَن يقاتله صار هو على الحَقِّ.
وهم على الباطل؛ فسجد لله شكراً.
وكذلك كعبُ بن مالك رضي الله عنه لما سَمِعَ صوتَ البَشيرِ بتوبة الله عليه سَجَد لله شكراً.
«تنبيه»: لم يُبيِّن المؤلِّف رحمه الله كيفية سُجود الشُّكر، لكن الكتب المُطوَّلَة بيَّنت أن سُجود الشُّكر كسُجُود التلاوة، وبناءً عليه: تكون صفته على ما مشى عليه المؤلِّف: أنْ يُكبِّرَ إذا سَجَدَ، وإذا رَفَعَ، ويجلس ويُسلِّم.
والصَّحيح: أنه يُكبِّرُ إذا سجدَ فقط، ولا يُكبِّرُ إذا رفع ولا يُسلِّمُ، على أن التكبير عند السُّجود فيه شيء مِن النَّظر كما سبق (3).

وتبطل به صلاة غير جاهل وناس

ٍ ............ قوله: «وتبطل به» أي: بسجود الشُّكر.
قوله: «صلاة غير جاهل وناس»: أي: مَن سَجَدَ سَجْدةَ الشُّكر عالماً بالحُكم ذاكِراً له فإنَّ صلاتَه تبطُلُ.
مثال ذلك: رَجُلٌ وهو يُصلِّي سَمِعَ انتصار المسلمين في معركة مِن المعارك؛ فَسَجَدَ، نقول لهذا السَّاجد: إنْ كنت تعلم أنَّ123

سُجود الشُّكر في الصَّلاة يُبطِلُ الصَّلاة فصلاتُك باطلة؛ لأنك زِدت فيها شيئاً متعمِّداً مِن جنس الصَّلاة، وإنْ كنت لا تدري أنَّ سُجود الشُّكر في الصَّلاة مُبطلٌ لها فصلاتُك صحيحة؛ لقول الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286] وكذلك لو بُشِّرَ بخبر سارٍ وهو يُصلِّي فسجَدَ ناسياً أَنَّه لا يجوزُ سُجودُ الشُّكرِ في الصَّلاة، أو ناسياً أنَّه في الصَّلاةِ، فإنَّ صلاتَه لا تبطلُ؛ للآية التي ذكرنا، فإنْ كان عالماً ذاكراً بطلتْ صلاتُهُ؛ لكن يُلاحظ أنَّ هذا لا يمكن أنْ يقعَ، يعني: لا يمكن لشخصٍ يعلَمُ بأنَّ سُجودَ الشُّكرِ أثناء الصَّلاةِ مُبطلٌ لها، ويذكرُ ذلك ثم يسجدُ؛ لأنَّ معنى هذا أنَّه تعمَّد إبطال صلاتِهِ.
وما ذكرَه المؤلِّفُ صحيحٌ؛ أي: أنَّ الصَّلاة تبطلُ بسُجودِ الشُّكرِ، لأنَّه لا علاقة له بالصَّلاة، بخلافِ سُجودِ التِّلاوة؛ لأن سُجودَ التِّلاوةِ لأمرٍ يتعلَّق بالصَّلاة وهو القِراءة.
لكن يبقى النَّظرُ: ماذا يُقال في سجدة (ص)؟ والجواب: أنَّ الفقهاء رحمهم الله يقولون: إنَّ سجدة (ص) سجدةُ شُكرٍ، وعلى هذا فلو سَجَدَ الإنسانُ، إذا مَرَّ بآية سجدة (ص) وهو يُصلِّي لبطلت صلاتُهُ؛ لأنها سجدةُ شُكرٍ 1. ولكن القول الصحيح في هذه المسألة: أنَّ السجدةَ في آية (ص) سجدةُ تِلاوة؛ لأنَّ سببَ السُّجودِ لها أنني تلوتُ القرآن، ولم يحصلْ لي نِعمةٌ ولم تندفعْ عَنِّي نِقمةٌ، فإذا كان السببُ هو

تِلاوتي لهذه الآية صارت مِن سُجود التِّلاوة، وهذا القولُ هو القولُ الرَّاجح في هذه المسألة.

وَأَوْقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ

........ قوله: «وأوقات النهي خمسة».
«أوقات النَّهي»: هي الأوقات التي نهى الشَّارعُ عن الصَّلاة فيها، والمراد: صلاة التطوُّع، وهي خمسة؛ وذلك أنَّ الأصل: أنَّ صلاة التطوُّعِ مشروعةٌ دائماً؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *﴾ [الحج] وعمومِ قولِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للرَّجُل الذي قضى له حاجةً، فقال له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «سَلْ» قال: أسألُك مرافقتك في الجنَّة، فقال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «أَو غَيْرَ ذَلك؟» قال: هو ذاك ـ يعني: لا أَسألُكَ غيرَه ـ قال: «فأعنِّي على نَفسِكَ بكَثْرَةِ السُّجود» 1 وعلى هذا؛ فالأصلُ في صلاةِ التطوُّعِ أنَّها مشروعةٌ كُلَّ وقتٍ للحاضر والمسافر، لكن هناك أوقاتاً نهى الشَّارعُ عن الصلاة فيها، وهذه الأوقات خمسةٌ بالبسطِ، وثلاثةٌ بالاختصارِ.
قوله: «مِن طلوع الفجر الثاني» هذا هو الوقت الأوَّل.
والفجرُ الثاني: هو الفجرُ المعترضُ في الأُفقِ، والفجرُ الأولُ مقدِّمةُ للفجرِ الثاني، لكنه لا يكون معترضاً في الأُفقِ بل يكون مستطيلاً في الأُفق، والفجرُ الثاني مستطيرٌ أي: كالطير يمدُّ جناحَيه فيكون النُّورُ عرضاً في الأُفق مِن الشمال إلى الجنوب، والفجرُ الأوَّل يمتدُّ طولاً مِن الشَّرقِ إلى الغربِ.

والفجرُ الأوَّلُ يبدو قبلَ الفجرِ الثَّاني بنحو نصفِ ساعة، ثم يضمحلُّ، ويرجع الجوُّ مظلماً، ثم يخرجُ الفجرُ الثاني، قال أهلُ العِلْمِ: الفروق بينهما ثلاثة: الأول: أنَّ الفجرَ الثاني مستطيرٌ؛ أي: معترض، والأولُ مستطيلٌ؛ أي: ممتدٌّ نحو وسَطَ السَّماء.
الثاني: أنَّ الفجرَ الثاني لا ظُلمةَ بعدَه، والأولُ يزولُ ويظلِمُ الجوُّ بعدَه.
الثالث: أنَّ الفجرَ الثاني متَّصِلٌ بالأُفقِ، والفجرُ الأولُ غيرُ متَّصلٍ، بمعنى: أنَّ الفجرَ الثاني تجدُه على وجه الأرض، والفجرُ الأولُ بينه وبين أسفل السَّماء سواد 1. وقوله: «مِن الفجرِ الثاني» يعني: لا مِن صلاةِ الفجرِ.
واستُدِلَّ لذلك بحديث ضعيف: «إذا طلعَ الفجرُ؛ فلا صلاةَ إلا ركعتا الفجرِ» 2 لا نافية، والأصلُ في النَّفي نَفْيُ الوجودِ، ثم نَفْيُ الصِّحَّةِ، ثم نَفْيُ الكمالِ، يعني: إذا جاءتِ النصوصُ: لا صلاةَ ... لا وُضُوءَ ... لا صومَ، فالأصلُ نَفْيُ الوجودِ، فإنْ كان الشيءُ موجوداً بحيث لا يمكن نفيُه، صُرفَ إلى نَفْيِ الصِّحةِ؛ فصار هذا النَّفيُ نفياً للصِّحَّةِ، لأنَّ ما لا يصحُّ شرعاً

يكون معدوماً شرعاً، فلو صَلَّى الإنسانُ صلاةً بغيرِ وُضُوء، وأتى فيها بكلِّ شيء فهي غير موجودة شرعاً، وإنْ وُجِدتْ في الواقع.
فإنْ لم يمكن ذلك بأن تكون العبادة صحيحة مع وجود هذا الشيء صار النَّفْيُ للكمال.
فمثلاً: إذا قلنا: لا خالقَ إلا اللهُ، فهذا نَفْيٌ للوجود، فلا يوجد خالقٌ إلا اللهُ عزّ وجل.
وإذا قلت: لا صلاةَ بغير طُهور، فهذا نَفْيٌ للصِّحَّة؛ لأن الإنسانَ رُبَّما يُصلِّي بغير طُهُور.
وإنْ دَلَّ الدَّليلُ على أنَّها تصحُّ صار النفيُ للكمال، مثل: لا إيمانَ لمن لا أمانة له، أي: لا إيمانَ كاملٌ، ومثل: لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه، أي: لا إيمانَ كاملٌ، وعلى هذا فَقِسْ.
فقوله: «لا صلاةَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ إلا ركعتا الفجرِ» يعني: لا تصحُّ.
ولكن القول الصحيح: أنَّ النَّهيَ يتعلَّقُ بصلاةِ الفجرِ نفسِهَا، وأما ما بين الأذان والإقامة، فليس وقت، لكن لا يُشرع فيه سوى ركعتي الفجر.
لأنه ثبت في «صحيح مسلم» وغيره تعليق الحُكم بنفس الصلاة: «لا صلاةَ بعدَ صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ» 1.

ولأن النَّهيَ في العصرِ يتعلَّق بالصَّلاة لا بالوقت، فكان الفجر مثله يتعلَّق فيه النَّهي بنفس الصَّلاة، فإذا كان هذا هو القول الصَّحيح؛ فما الجواب عن الحديث الذي استدلَّ به المؤلِّف؟ الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أنَّ الحديث ضعيف (1). الثاني: على تقدير أنَّ الحديث صحيحٌ؛ يُحمل قولُه: «لا صلاةَ بعدَ طُلوع الفجرِ» على نفي المشروعية، أي: لا يُشرع للإنسانِ أنْ يتطوَّعَ بنافلةٍ بعد طُلوع الفجر إلا ركعتي الفجر، وهذا حقٌّ؛ فإنه لا ينبغي للإنسان بعد طُلوعِ الفجر أنْ يتطوَّع بغير ركعتي الفجر، فلو دخلت المسجدَ وصلَّيتَ ركعتي الفجر، ولم يَحِنْ وقتُ الصَّلاة وقلتَ: سأتطوَّعُ؟ قلنا لك: لا تفعل؛ لأنَّ هذا غيرُ مشروع، لكن لو فعلتَ لم تأثم، وإنما قلنا: غيرُ مشروع؛ لأنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم إنما كان يُصلِّي ركعتين خفيفتين بعد طُلوعِ الفجرِ (2). وهي سُنَّةُ الفجرِ فقط، يعني: بل حتى تطويل الرَّكعتين ليس بمشروع.
وِمِنْ طُلُوعِهَا حَتَّى تَرْتَفِعَ قَيْدَ رُمْحٍ ............

قوله: «

ومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمح

». أي: من طلوع قرص الشمس.
«قيد رمح»: يعني: قَدْرَ رُمح برأي العين.
هذا هو الوقت الثَّاني.12

فإذا طلعت الشَّمس؛ فانظر إليها، فإذا ارتفعت قَدْرَ رُمح، يعني: قَدْرَ متر تقريباً في رأي العين فحينئذٍ خرج وقت النَّهي.
ويُقدَّرُ بالنسبة للساعات باثنتي عشرة دقيقةً إلى عشرِ دقائقَ، أي: ليس بطويل، ولكن الاحتياطُ أن يزيدَ إلى رُبعِ ساعة، فنقول بعد طُلوع الشَّمس برُبعِ ساعة ينتهي وقتُ النَّهي.

وَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَمِنْ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا،

......... قوله: «وعند قيامها حتى تزول».
«عند قيامها»: أي: الشَّمس حتى تزول.
أي: تميل عن وَسَطِ السَّماء نحو المغرب وهذا هو الوقت الثالث.
«وقيامها»: أي: منتهى ارتفاعها في السَّماء؛ لأن الشَّمسَ ترتفع في الأُفق فإذا انتهت بدأت بالانخفاض.
ودليل ذلك: حديث عُقبة بنِ عامرٍ رضي الله عنه قال: «ثلاثُ ساعاتٍ نهانا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم أنْ نُصلِّيَ فيهنَّ، وأنْ نقبُرَ فيهنَّ موتانا، حين تطلعَ الشمسُ بازغةً حتى ترتفعَ، وحين يقوم قائمُ الظَّهيرة، وحين تضَيفُ الشَّمسُ للغروب حتى تغربَ» 1. الشاهد: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أن نصلِّيَ فيهنَّ».
وأما ما بين الفجر إلى طُلوع الشَّمس، ومِن صلاةِ العصرِ إلى الغُروب؛ فقد ثبتَ عن عدد مِن الصَّحابة أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الصَّلاة بعد الفجر ـ أي: بعد الصَّلاة على القولِ الرَّاجحِ ـ حتى تطلعَ الشَّمسُ، وبعد العصرِ حتى تغربَ 2. قوله: «ومن صلاة العصر إلى غروبها» هذا هو الوقت الرابع

لما ثبت في الصَّحيحين وغيرهما من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن الصَّلاةِ بعد الفجرِ حتى تطلعَ الشَّمسُ، وبعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ» (1)، والمراد بقوله: «إلى غروبها» أي: شروعها في الغروب.
وَإِذَا شَرَعَتْ فِيهِ حَتَّى يَتِمَّ ..........

قوله: «

وإذا شرعت فيه حتى يتم

» أي: في الغُروب حتى يتمَّ.
هذا هو الوقت الخامس، أي: أنَّ قُرْصَ الشَّمس إذا دَنَا من الغُروب، يبدو ظاهراً بَيِّناً كبيراً واسعاً، فإذا بدأ أوَّلُه يغيب فهذا هو وقتُ النَّهي إلى تمام الغُروب؛ لقوله في حديث عُقبة: «وحين تَضَيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تغربَ».
ولكن الظَّاهر: أن معنى «تَضَيَّف» أي: تميل للغروب، وينبغي أن يُجعل هذا الميل بمقدارها عند طُلوعها، يعني: قَدْرَ رُمْحٍ، فإذا بقي على غروبها قَدْرَ رُمْحٍ دخل وقتُ النَّهي الذي في حديث عُقبة، لكن ثبت في الصَّحيح عن ابنِ عُمر أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا غابَ حاجبُ الشَّمسِ فأخِّرُوا الصَّلاةَ حتى تغيبَ» 2. فهذه خمسة أوقات بالبسط.
وأمَّا بالاختصار فثلاثة: مِن الفجرِ إلى أنْ ترتفعَ الشمسُ قيد رُمْحٍ، وحين يقومُ قائمُ الظَّهيرة، ومِن صلاة العصر حتى يتمَّ غروبُ الشَّمس.1

مسألة: ما الحكمةُ مِن النَّهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ الجواب مِن وجهين: أولاً: يجب أن نعلمَ أنَّ ما أمرَ اللهُ به ورسولُه، أو نهى اللهُ عنه ورسولُه فهو الحكمة، فعلينا أن نسَلِّمَ ونقول إذا سَأَلَنَا أَحدٌ عن الحكمة في أمْرٍ مِن الأمور: إن الحكمة أمرُ اللهِ ورسولِهِ في المأمورات، ونهيُ اللهِ ورسولِهِ في المنهيَّات.
ودليل ذلك: مِن القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، وسُئلت عائشةُ رضي الله عنها: ما بَالُ الحائضِ تقضي الصَّومَ ولا تقضي الصَّلاةَ؟ فقالت: «كان يصيبنا ذلك فنؤمرُ بقضاء الصَّوم ولا نؤمر بقضاء الصَّلاةَ» 1، فاستدلَّت بالسُّنَّةِ ولم تذكرْ العِلَّةَ، وهذا هو حقيقة التسليم والعبادة؛ أن تكونَ مسلِّماً لأمرِ اللهِ ورسولِهِ عرفتَ حكمته أم لم تعرف، ولو كان الإنسان لا يؤمن بالشيء حتى يعرف حكمته؛ لقلنا: إنك ممن اتَّبعَ هواه، فلا تمتثل إلا حيث ظهرَ لك أنَّ الامتثال خير.
ثانياً: أنَّ هذه الأوقات يعبدُ المشركون فيها الشَّمسَ، فلو قمت تُصلِّي لكان في ذلك مشابهةً للمشركين، لأنهم يسجدون للشَّمسِ عند طلوعها، وعند غروبها.
كما جاء في الحديث 2. لكنه يَرِدُ علينا أنَّ هذا ينطبقُ على ما كان مِن طُلوع الشَّمس إلى أن ترتفعَ قَيْدَ رُمْحٍ، وعلى ما كان حين تضيَّفُ الشَّمسُ

للغُروب حتى تغربَ، لكن كيف ينطبق على ما كان مِن بعدِ صلاة الفجر إلى طلوع الشَّمسِ، ومِن بعد صلاة العصر إلى أنْ تتضيَّفَ الشَّمسُ للغروب، وكيف ينطبق على النَّهي في نصف النهار حين يقوم قائمُ الظَّهيرة؟ فنقول: لما كان الشِّركُ أمرُه خطيرٌ، وشرُّه مستطيرٌ، سَدَّ الشَّارعُ كلَّ طريق يُوصِلُ إليه، ولو مِن بعيد، فلو أُذِنَ للإنسان أنْ يصلِّيَ بعد صلاة الصُّبح لاستمرَّت به الحالُ إلى أن تطلعَ الشمسُ، ولا سيما مَنْ عندهم رغبةٌ في الخير، وكذلك لو أُذِنَ له في أن يصلِّيَ بعد صلاة العصر لاستمرَّت به الحالُ إلى أن تغيبَ الشمسُ.
أما عند قيامها فقد عَلَّلَهُ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بأن جهنَّمَ تُسْجَر 1، أي: هذا الوقت يُزاد في وقودها؛ فناسب أن يبتعد النَّاسُ عن الصَّلاة في هذا الوقت؛ لأنه وقت تُسجر فيه النَّار، فهذه حكمتُه.
فالواجبُ على المسلمِ أن يكون مبايناً للمشركين في كُلِّ شيء؛ لأنه مسلمٌ.
حتى إنَّ عُمرَ رضي الله عنه لما كان الناسُ في عِزَّة الإسلامِ كان لا يُمَكِّن أهلَ الذِّمَّة أنْ يركبوا الخيلَ 2؛ لأنَّ به عِزَّ الإسلامِ، وهي آلةُ الحرب، فلو رَكِبَ الذِّميُّ الخيلَ لحصَلَ في نفسِه عِزَّةٌ وَأَنفَةٌ.
والمطلوب مِن المسلم أن يُذِلَّ الكافرَ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *﴾ [التحريم]، وكان يمنعهم مِن أن يركبوا

كما يركب المسلمون، بل يركبون عرضاً، أي: على جانب واحد، فتكون أرجلُهم مِن الجانب الأيمن كلُّها، أو مِن الجانب الأيسر؛ لئلا يتشبَّهوا بالمسلمين، فكذلك إذا صَلَّى الإنسانُ عند طُلوع الشَّمس أو غروبها تَشبَّه بالمشركين بالعبادة، وهذا أعظمُ مِن التشبُّه باللباس، أو الرُّكوب، أو ما أشبه ذلك.

وَيَجُوْزُ قَضَاءُ الفَرَائِضِ فِيْهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ فِعْلُ رَكْعَتَي طَوَافٍ

........ قوله: «ويجوز قضاء الفرائض فيها».
«فيها» أي: في أوقات النَّهي مثاله: أن ينسى الإنسانُ صلاةَ الظُّهر، ويصلِّي العصرَ على أنه قد صَلَّى الظُّهر، وبعد أن صَلّى العصرَ ذكر أنه لم يُصلِّ الظّهرَ، ففي هذه الحال يقضيها ولو بعد صلاة العصر، والدَّليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «مَن نَامَ عن صلاة أو نسيَهَا فليصلِّها إذا ذكَرَهَا» 1 وهذا عامٌّ يشمل جميع الأوقات، ولأن الفرائض دَيْنٌ واجب فوجب أداؤه على الفَورِ مِن حين أن يعلمَ به.
مثال آخر: رَجُلٌ لما صَلَّى العصرَ ذكر أنه صَلَّى الظُّهرَ بغير وُضُوءٍ، ففي هذه الحال يلزمه قضاءُ صلاةِ الظُّهرِ، ولو بعدَ صلاة العصر.
قوله: «وفي الأوقات الثلاثة فعل ركعتي طواف».
أي: ويجوز في الأوقات الثلاثة فِعْلُ ركعتي طواف، ويعني: بالأوقات الثلاثة الأوقات: القصيرة التي ذُكرت في حديث عُقبة بن عامر: وهي «مِن طُلوعِ الشَّمسِ حتى ترتفعَ قَيْدَ

رُ محٍ، وعند قيامها حتى تزولَ، وحين تضيَّفَ للغروب حتى تغربَ» 1 فيجوز فيها فِعْلُ ركعتي الطَّواف، فإذا طافَ الإنسانُ بعد طُلوع الشَّمس وقبل ارتفاعها قيد رُمْحٍ فإنه يُصلِّي ركعتي الطَّواف، وإذا طاف حين تتضيَّفُ الشَّمسُ للغروب، فإنه يُصلِّي ركعتي الطَّواف.
والدَّليلُ: قولُ النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «يا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، لا تمنعوا أحداً طَافَ بهذا البيتِ وصَلَّى فيه أيَّةَ ساعةٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهارٍ» 2 فقال: «أيَّةَ ساعةٍ شاءَ مِن ليلٍ أو نهارٍ» وهذا صريحٌ بأنه لا يجوز لهم أن يمنعوا أحداً طافَ بهذا البيت في أيِّ ساعة كانت لا بعدَ العصر ولا بعد الصُّبح ولا في أيِّ وقتٍ، ولكن قد يُنازع في الاستدلال بهذا الحديث، فيقال: إنَّ هذا الحديث موجَّه إلى مَن تولَّى البيت فإنه لا يجوز له أن يمنعَ أحداً مِن الطَّواف ومِن الصَّلاة فيه، ويبقى الحكمُ الشَّرعيُّ مانعاً مِن الصَّلاة في أوقات النَّهي.
وأيضاً: لو أخذنا بعموم الحديث لكان دالاًّ على أنَّه لا نَهيَ عن الصَّلاة في المسجد الحرام، سواءٌ كانت ركعتي الطَّواف أم لم تكن، لأنه قال: «طافَ بهذا البيتِ وصَلَّى فيه».

فظاهره: أنه لا نهي عن الصَّلاة في المسجد الحرام، ولو في أوقات النَّهي.
وعلى هذا؛ فيُنازع في الاستدلال بهذا الحديثِ مِن وجهين: الوجه الأول: أنَّ ظاهرَه أنه لا بأسَ بالصَّلاة ولا بأسَ بالطَّوافِ في كُلِّ وقت، وأنتم تخصُّون الصَّلاة بركعتي الطَّواف.
الوجه الثاني: أنَّ الحديثَ موجَّه إلى ولاةِ الأمْرِ في المسجد الحرام؛ أنه لا يَحِلُّ لهم أن يمنعوا أحداً من الصلاة فيه.
وعلى كُلٍّ؛ سيأتينا إنْ شاءَ اللهُ أنَّ ركعتي الطوافِ جائزةٌ لا لهذا الحديث، ولكن لأن لها سبباً، وذوات الأسباب يجوز فِعْلُها في وقت النَّهي 1. وقوله: «في الأوقات الثلاثة» مفهومُه: أنَّ الوقتين الآخرين لا يجوز فيهما فِعْلُ ركعتي الطَّواف، ولكن هذا ليس مراداً، فالمفهوم هنا مفهوم أولوية لا مفهوم مخالفة، لأنه إذا جازت صلاةُ ركعتي الطَّواف في الأوقات الثلاثة القصيرة؛ وهي أغلظ تحريماً مِن الأوقات الطويلة؛ ففي الأوقات الطويلة مِن بابِ أولى، ونَصَّ المؤلِّفُ على الأوقات الثلاثة، لأن بعضَ العُلماءِ قال: إنَّ الأوقاتَ الثلاثةَ القصيرةَ لا يجوز فيها فِعْلُ ركعتي الطَّواف، وإنما تجوز في الوقتين الطويلين فقط، وهذه إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.

والوقتان الطويلان هما مِن صلاةِ العصرِ إلى أن تتضيَّفَ الشَّمسُ للغروب، ومِن صلاة الفجر أو مِن طُلوعِ الفجر إلى أن تطلعَ الشَّمسُ.
وَإِعَادَة جَمَاعَةٍ .........

قوله: «

وإعادة جماعة

». أي: أنه يجوز في هذه الأوقات الثلاثة، وغيرها مِن باب أَولى أنْ يعيدَ الإنسانُ الجماعةَ.
فإذا أتى مسجدَ جماعةٍ، ووجدهم يُصلُّون وقد صَلَّى، فإنَّه يُصلِّي معهم، ولو كان وقتَ نهي.
مثال ذلك: رَجُلٌ صَلَّى العصرَ في مسجدِه، ثم أتى إلى مسجدٍ آخر ليحضُرَ الدَّرسَ مثلاً؛ فوجدَهم يُصلُّون؛ فإنَّه يُصلِّي معهم.
والدَّليلُ أنَّه صلّى الله عليه وسلّم صَلَّى ذاتَ يوم صلاةَ الفجر في مِنَى، فلما انصرف إذا برجلين قد اعتزلا؛ لم يصلِّيا مع الناس، فدعا بهما فجِيء بهما تُرعَدُ فرائصهُما، فقال: ما منعكما أن تُصلِّيَا معنا؟ قالا: يا رسول الله صَلَّينا في رِحالنا، فقال لهما: إذا صَلَّيتُما في رحالِكما، ثم أتيتما مسجدَ جماعةٍ فصلِّيا معهم، فإنها لكما نافلة» 1 أي: الصلاةُ الثانية لكما نافلةٌ، وهذا صريحٌ في جواز إعادة الجماعة في وقت النَّهي، وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنه يُنكر على مَن جَلَسَ والناسُ يصلُّون؛ لأنه شذوذ وخروج عن الجماعة.
حتى إن النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ، فلا صلاةَ إلا

المَكتوبةُ» 1، وفي لفظ: «إلا التي أُقيمَتْ» 2، يعني: حتى لو كان عليك فريضةٌ تريد أنْ تقضيها والإمام يُصلِّي، وصلَّيتَ وحدَك لتؤدِّي الفريضةَ السابقةَ؛ فأنت منهيٌّ عن ذلك لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ إلا التي أُقيمَتْ».
واحتَجَّ بعضُ الناسِ بحديث الرَّجُلين على جواز إقامةِ الجماعةِ في الرَّحْلِ دون المسجد، أي: أنه لا يجبُ على الإنسانِ أنْ يُصلِّيَ مع الجماعةِ في المسجدِ، بل يجوزُ أن يُصلِّيَ جماعة في رَحْلِهِ، وعلى هذا؛ فإذا كُنَّا جماعةً في بيت، وأذَّنَ المؤذِّنُ، فإنه يجوز لنا أن نصلِّيَ في بيتنا، ولا نذهب إلى المسجد؛ لقول الرَّجُلين للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: صَلَّينا في رِحَالِنا فقال: «إذا صَلَّيتُما في رحالِكما، ثم أتيتما مسجدَ جماعة» ولم يقل: لا تصلِّيا في رحالِكُما، بل صَلِّيا في المسجد، وهذا لا شَكَّ أنَّ فيه شيئاً مِن الشُّبهةِ، ففيه فِعْلُ الصحابيين، وفيه إقرارُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لفعِلِهِمَا، أما مجرَّدُ فِعْلِهِمَا فليس فيه دليلٌ بلا شَكٍّ، لأنه يَحتملُ أنهما لم يعلما بوجوب الصلاة في المسجد، ويحتمل أنهما ظَنَّا أنَّ الجماعةَ قد أُقيمت، وأنهما لا يدركان جماعةَ المسجدِ فصلَّيا في رحالِهِمَا.
لكن الذي فيه الإشكالُ إقرارُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لهما، حيث لم يقلْ: لا تصلِّيا في رحالِكُمَا، ولا شك أنَّ هذا فيه شُبهة، وفيه شيءٌ مِن المستند لِمَنْ قال بأنه لا تجب الصلاةُ في المسجدِ، ولكن هناك

أدلَّةٌ أخرى أصرحُ مِن هذا، تدلُّ على وجوب صلاة الجماعةِ في المسجدِ.
والقاعدة الشرعية عندنا: أنه إذا وُجِدَ دليلٌ مشتبهٌ ودليلٌ مُحكمٌ لا اشتباه فيه، فالواجبُ حَمْلُ المشتبه على المحكم.
فالنصوص: تدل على أنه لا بُدَّ مِن الحضور في المسجد، مثل حديث أبي هريرة أنَّ الرسول عليه الصلاة والسلام قال: « ... ثم أنْطَلِقَ إلى قومٍ لا يشهدون الصَّلاةَ؛ فأحرِّقَ عليهم بيوتَهُم بالنَّار» 1 مع أنَّ القومَ يمكن أن يصلوا جماعة في مكانهم، فجعل تخلُّفهم سبباً لإحراقهم بالنار، الذي هَمَّ به عليه الصلاة والسلام.
ومنها أنَّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: لما استأذنه الرَّجُلُ الأعمى أنْ يُصلِّيَ في بيتِهِ؛ أَذِنَ له؛ ثم دعاه، فقال: «هل تسمعُ النداءَ؟» قال: نعم، قال: «فأجِبْ» 2 ولم يقل: انظر مَن يصلّي معك وصَلِّ في بيتك.
فالصحيح في هذه المسألة: أنه لا بُدَّ مِن حضور المسجد لصلاة الجماعة.
لكن لو صَلّى في بيته ظاناً أنَّ الناسَ قد صلّوا بناءً على العادة، ثم تبيَّن أنهم لم يصلوا لم يلزمه الحضور إلى المسجد؛ لأنَّه أدَّى الفريضة.
فاسْتَثنى المؤلِّفُ ـ مما لا يَجوزُ في وَقْتِ النَّهي ـ ثلاثَ مسائلٍ:

1 ـ قضاءَ الفرائضِ فيها.
2 ـ فِعْلَ ركعتي الطَّواف.
3 ـ إعادةَ الجَماعةِ.
ويُستثنى أيضاً على المذهبِ مسألةٌ رابعةٌ وهي: سُنَّةُ الظُّهرِ التي بعدَها إذا جُمِعت مع العصر.
مثاله: رَجُلٌ جَمَعَ العصرَ مع الظُّهرِ جَمْعَ تقديم، فقد دَخَلَ وقتُ النَّهي في حَقِّهِ، لأنَّ النَّهيَ مُعلَّقٌ بالصَّلاةِ في هذه الحال، ولم يُصَلِّ راتبةَ الظُّهرِ البعديَّةَ؛ فلا بأسَ أن يصلِّيها بعدَ العصرِ.
وخامسةٌ: وهي مَن دَخَلَ يومَ الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ؛ فإنَّه يُصلِّي ركعتين خفيفتين، ولو كان عند قيام الشمس.
ودليل ذلك: «أنَّ رَجُلاً دَخَلَ والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يخطُبُ يومَ الجُمُعَةِ، فجَلَسَ، فقال له: «أصَلَّيتَ؟» قال: لا، قال: «قُمْ فَصَلِّ ركعتين وتجوَّزْ فيهما» 1 فلو أَنَّ الإمامَ جاءَ قبل أنْ تزولَ الشَّمسُ ـ والجُمُعةُ يجوز أنْ يحضُرَ الإمامُ فيها قبلَ الزَّوالِ ويَشْرَعَ في الخطبةِ عند قيامِ الشَّمسِ وقبلَ أنْ تزولَ، أي: في وقْتِ النَّهي ـ فإذا دَخَلَ رَجُلٌ، ففي هذه الحال نقول: صَلِّ تحيةَ المسجدِ ولو في وَقْتِ النَّهي.
وسادسة وهي ـ: سُنَّة الفجر قبل صلاة الفجر.
وسابعة وهي: صلاة الجَنازة تُفعل في أوقات النَّهي الطويلة، أي: لو صَلَّينا العصرَ، وحضرت جنازةٌ، فإنَّنا نُصلِّي

عليها؛ لعمُومِ الأدلَّة في وجوبِ الصَّلاةِ على الميِّتِ، ولأنه ينبغي الإسراعُ في دَفْنِهِ.

وَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ.

قوله: «ويحرم تطوع بغيرها» أي: بغير المتقدِّمات مِن إعادة الجَماعةِ، وركعتي الطَّواف، وكذلك تحيَّة المسجدِ لمَن دَخَلَ والإمامُ يخطبُ، وسُنَّة الظُّهر البعديَّة لمَن جمعَها مع العصرِ وسُنَّة الفجر قبلها.
قوله: «حتى ما له سبب» أي: لا يجوزُ التطوُّع في هذه الأوقات حتى الذي له سببٌ.
وذلك لعموم الأدلَّةِ؛ في أنَّه لا صلاةَ في هذه الأوقات، فعمُوم النَّهي مقدَّمٌ على عموم الأمر؛ لأنَّ الذي له سببٌ تعارَضَ مع أحاديثِ النَّهي حيث كان كلٌّ منهما عاماً مِن وجهٍ، خاصاً مِن وجهٍ.
مثال ذلك: تحية المسجد، فيها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يركعَ ركعتين» 1 ففيه عمومٌ في الوقت مستفادٌ مِن قوله: «إذا دَخَلَ»؛ لأنَّ «إذا» شرطيَّةٌ ظرفيةٌ، أي: في أيِّ وَقْتٍ دَخَلَ المسجدَ فلا يجلسْ حتى يصلِّيَ ركعتين، وفيه خُصوصٌ في الصَّلاةِ، وهو أنَّ هذه الصلاةَ المأمورَ بها على سبيل العُمومِ صلاةٌ مخصوصةٌ، وهي تحيَّةُ المسجدِ، ففيه عمومٌ وفيه خصوصٌ.

وقوله: «لا صَلاةَ بعد العصر حتى تغيبَ الشَّمسُ» 1 فيه عمومٌ، وفيه خصوصٌ.
فيه عمومٌ في الصَّلاةِ في قوله: «لا صَلاَةَ» لا تحيَّةَ مسجدٍ ولا غيرَها، وفيه خُصوصٌ في الوقت «بعدَ العصرِ» فصار عمومُ الوقت في قوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ».
وخصوصُ الوقت في قوله: «بعدَ العصرِ» وصار عمومُ الصَّلاةِ في قوله: «لا صلاة بعدَ العصرِ» وخصوصُ تحيَّةِ المسجدِ، فلهذا صار بينهما عمومٌ وخصوصٌ، فإذا دَخَلَ إنسانٌ المسجدَ بعدَ العصرِ فإنْ قلتَ له: «صَلِّ» خالفتَ النَّهيَ ووافقتَ الأمرَ، وإن قلت: «لا تصلِّ» وافقتَ النَّهيَ وخالفتَ الأمْر، فالمؤلِّفُ يقول: وافق النَّهي فلا تُصَلِّ.
والحجةُ في ذلك: أنه اجتمعَ مُبيحٌ وحاظرٌ، أو اجتمعَ أمْرٌ ونهيٌ، فالاحتياطُ التجنُّبُ خوفاً مِن الوقوع في النَّهي، كما قالوا: إذا اجتمعَ مبيحٌ وحاظرٌ قُدِّمَ الحاظرُ، فلذلك نمتنعُ ونقتصرُ على ما وَرَدَ به النَّصُّ مِن إعادةِ الجَمَاعةِ وركعتي الطَّواف وما أشبههما.
وذهبَ بعضُ أهلِ العِلْم: إلى ترجيحِ الأمرِ الخاصِّ.
وعلّلوا ذلك: بأنَّه تعارضَ عامَّان وخاصَّان، والعامُّ في النَّهي مخصوصٌ بمسائلٍ متفقٍ عليها.
فالعامُّ في النَّهي: «لا صلاةَ بعدَ العصرِ حتى تغربَ الشَّمسُ» مخصوصٌ بمسائلٍ متَّفقٍ عليها، وهي قضاءُ الفرائضِ، وإعادةُ الجماعةِ، وفِعْلُ ركعتي الطَّوافِ، وركعتي تحيَّةِ المسجدِ لمَن دَخَلَ

والإمامُ يخطبُ يومَ الجُمُعةِ، فلمَّا كان هذا العمومُ مخصوصاً بمسائلَ؛ صارت دلالتُه على العمومِ ضعيفةً؛ لأنَّه لما اسْتُثنيَ منه أشياءٌ، ضعف عمومُه.
حتى إنَّ بعضَ العلماءِ مِن الأصوليين قال: إنَّ العامَّ إذا خُصَّ بطلت دلالتُه على العموم نهائيًّا؛ لأنَّ تخصيصَه يدلُّ على عدمِ إرادةِ العموم.
وإذا بطلَ عمومُه لم يكن معارضاً للأحاديثِ الدَّالةِ على فِعْلِ الصَّلواتِ التي لها سببٌ.
والقولُ الصحيحُ في هذه المسألةِ: أنَّ ما له سببٌ يجوز فِعْلُه في أوقاتِ النَّهي كلِّها، الطويلةِ والقصيرةِ لِما يأتي: أولاً: أنَّ عمومَه محفوظٌ، أي: لم يُخصَّصْ، والعمومُ المحفوظُ أقوى مِن العمومِ المخصوصِ.
ثانياً: أنْ يُقال: ما الفرقُ بين العمومِ في قوله: «مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصلِّها إذا ذَكَرَها» 1. وقوله: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين»؟.
فإذا قلتم: إنَّ قولَه: «مَن نامَ عن صلاةٍ أو نسيَها» عامُّ في الوقت فليَكُن قولُه: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ» عامًّا في الوقتِ أيضاً ولا فَرْقَ.
فإنَّ قولَه: «مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها» خاصٌّ في الصلاةِ عامٌّ في الوقتِ.
وكذلك «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلسْ حتى يُصلِّيَ ركعتين» خاصٌّ في الصَّلاة عامٌّ في الوقتِ، فكيف تأخذون بعموم: «مَن نامَ عن صَلاةٍ أو نسيَها» وتقولون: إنَّه مخصِّصٌ

لعموم: «لا صَلاةَ بعدَ الصُّبح» أو «بعدَ العصرِ» ولا تأخذون بعمومِ: «إذا دَخَلَ أحدُكم المسجدَ فلا يجلَسْ حتى يصلِّي ركعتين».
ثالثاً: أنَّها مقرونة بسبب، فيبعد أنْ يقعَ فيها الاشتباهُ في مشابهة المشركين؛ لأنَّ النَّهيَ عن الصَّلاةِ قبلَ طلوعِ الشَّمسِ وقبلَ غروبِها، لئلا يَتَشَبَّهَ المُصلِّي المسلمُ بالمشركين الذين يسجدونَ للشَّمسِ إذا طلعتْ وإذا غربتْ، فإذا أُحيلت الصَّلاةُ على سببٍ معلومٍ كانت المشابهةُ بعيدةً أو معدومةً.
رابعاً: أنَّه في بعضِ ألفاظِ أحاديثِ النَّهي: «لا تَحرَّوا بصلاتِكُم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها» 1 والذي يُصلِّي لسببٍ لا يُقال: إنَّه متحرٍّ.
بل يُقال: صَلَّى للسَّببِ.
والمتحرِّي: هو الذي يَرْقبُ الشمسَ، فإذا قاربتِ الطُّلوعَ مثلاً قامَ وصَلَّى، أو الذي يرقبُ وَقْتَ النَّهي، فإذا جاءَ وَقْتُ النَّهي قامَ وصَلَّى.
وهذا مذهبُ الشافعي وإحدى الرِّوايتين عن الإمام أحمدَ رحمه الله، واختيارُ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيمية، وشيخِنا عبدِ الرَّحمن بنِ سعدي، وشيخِنا عبدِ العزيزِ بنِ باز.
وعلى هذا؛ إذا دخلتَ المسجدَ لصلاةِ المغربِ قبلَ الغُروبِ بربع ساعة مثلاً؛ تُصلِّي ولا حَرَج، بل لو جلستَ لكنت واقعاً في نَهْيِ الرَّسولِ صلّى الله عليه وسلّم عن الجلوسِ لمَن دَخَلَ المسجدَ حتى يُصلِّيَ ركعتين.

وقوله: «حتى ما له سبب» إشارة إلى الخِلافِ في هذه المسألةِ، مع أنَّ الخِلافَ قويٌّ، وقد ذَكَرَ بعضُ المتأخِّرين أنهم إذا قالوا: «ولو كذا» فالخِلافُ قويٌّ، وإذا قالوا: «وإنْ كان كذا» فالخِلافُ أقلُّ، وإذا قالوا: «حتى» فالخِلافُ ضَعيفٌ.
ولكن؛ الخِلافُ في هذه المسألةِ قويٌّ جدًّا، لا مِن حيث الدليلُ ولا مِن حيث كثرةُ المخالفين.
مسألة: لو أنَّ رجُلاً توضَّأ بعدَ صلاةِ العصرِ هل يُصلِّي سُنَّة الوضُوءِ، أم لا يُصلِّي؟ الجواب: إنْ توضَّأ ليصلِّي؛ فلا يجوز؛ لأنَّه تعمَّدَ الصلاةَ في أوقات النَّهي.
وإن توضَّأ للطَّهارة؛ صَلَّى على القول الصَّحيحِ، أما على قَوْلِ مَن يقول: إنَّه لا يُصلِّي مِن النوافل إلا ما خصَّصوها، فلا يجوز.
مسألة: لو أنَّ رجُلاً تقدَّم إلى صلاةِ المَغربِ يومَ الجُمُعةِ في آخر النَّهارِ مِن أجلِ أن يُصلِّي تحيَّةَ المسجدِ حتى يشمله الحديث: «إنَّ في الجُمُعَةِ لساعةً، لا يوافِقُها عبدٌ مسلمٌ ـ وهو قائمٌ يُصلِّي ـ يسألُ اللهَ شيئاً إلا أعطَاهُ إيَّاهُ» 1، فهل نقول: إنَّ هذا حرامٌ، أو نقول: إنَّ هذا جائزٌ؟ الجواب: إنْ قَصَدَ المسجدَ ليصلِّيَ؛ فهذا حرامٌ، كما قلنا: إنْ توضَّأ ليصلِّيَ، وإنْ قَصَدَ المسجدَ مِن أجل التقدُّم لصلاةِ المَغربِ، ثم لمَّا دَخَلَ صَلَّى ركعتين مِن أجْلِ أنَّه دَخَلَ المسجدَ،

حتى وإنْ كان لا يتقدَّم إلا يومَ الجمعة فإنَّه لا بأس به.
فهناك فَرْقٌ بين مَن يتوضَّأ ليصلِّي في وَقْت النَّهي فلا يجوز أنْ يصلِّي، وبين مَن يتوضَّأ لا للصَّلاة فنقول له: إذا توضَّأتَ فصلِّ، وكذلك تحيةُ المسجدِ، هناك فَرْقٌ بين مَن دَخَلَ المسجدَ لصلاة التحيَّة في وَقْتِ النَّهي وبين مَن دَخَلَه لغرضٍ آخر، ثم أمرناه بالتحيَّة لقولِ النَّبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنَّما الأعمالُ بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرىءٍ ما نوى» 1. (فائدة): الأمورُ التي تفارقُ فيها النوافلُ الفرائضَ: 1 ـ أنَّ الفرائضَ فُرضتْ على النَّبي صلّى الله عليه وسلّم وهو في السَّماءِ ليلة المعراجِ، بخلافِ النوافلِ، فإنَّها كسائرِ شرائعِ الإسلامِ.
2 ـ تحريمُ الخروجِ مِن الفرائضِ بلا عُذْرٍ، بخلافِ النوافلِ.
3 ـ الفريضةُ يأثمُ تارِكُها، بخلافِ النافلةِ.
4 ـ الفرائضُ محصورةُ العددِ، بخلافِ النوافلِ فلا حصرَ لها.
5 ـ صلاةُ الفريضةِ تكون في المسجدِ، بخلافِ النافلةِ فهي في البيتِ أفضلُ إلا ما استُثني 2. 6 ـ جوازُ صلاةِ النافلةِ على الراحلة بلا ضرورة، بخلاف الفريضةِ 3. 7 ـ الفريضةُ مؤقَّتةٌ بوقتٍ معيَّن، بخلافِ النافلةِ، فمنها المؤقَّتُ وغيرُ المؤقَّتُ.
8 ـ النافلةُ في السفر لا يُشترط لها استقبالُ القِبلة، بخلافِ الفريضةِ 4.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
يسن للقارىءوالمُسْتَمِع دُونَ السَّامعوإن لم يسجد القارىء لم يسجدوَهُوَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً فِي الحَجِّ مِنْهَا اثْنَتَانِوَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ،وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلاَ يَتَشَهَّدُ،وَيُكْرَهُ للإِمَامِ قِرَاءَةُ سَجْدَةٍ فِي صَلاَةِ سِرٍّ وَسُجُودُهُ فِيْهَاويلزم المأموم متابعته في غيرهاوَيُسْتَحَبُّ سجود الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النِّعَمِ،واندفاع النقموتبطل به صلاة غير جاهل وناسوَأَوْقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّانِي إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِومن طلوعها حتى ترتفع قيد رمحوَعِنْدَ قِيَامِهَا حَتَّى تَزُولَ، وَمِنْ صَلاَةِ العَصْرِ إِلَى غُرُوبِهَا،وإذا شرعت فيه حتى يتموَيَجُوْزُ قَضَاءُ الفَرَائِضِ فِيْهَا، وَفِي الأَوْقَاتِ الثَّلاَثَةِ فِعْلُ رَكْعَتَي طَوَافٍوإعادة جماعةوَيَحْرُمُ تَطَوُّعٌ بِغَيْرِهَا فِي شَيْءٍ مِنَ الأَوْقَاتِ الخَمْسَةِ حَتَّى مَا لَهُ سَبَبٌ.
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل