الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 294-333
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 294-333
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

المهم إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فتلفت فإنه لا يضمن، إلا إذا نص صاحبها عليه وقال: لا تعطها أحداً، هي مني إليك ومنك إلي، فهنا يضمن؛ لأنه عين حرزاً أقوى من حرز العادة، وقد سبق أنه إذا عين حرزاً فإنه يتعين، فإذا قال: لا تعطها أحداً، لا الخادم، ولا الولد، فحينئذٍ إذا دفعها إلى من يحفظ ماله، فهو ضامن؛ لأنه أقل حفظاً من المودَع.
قوله: «أو مال ربها لم يضمن» أي إذا دفعها المودَع إلى من يحفظ مال ربها لم يضمن، فهذا المودَع كأنه مَلَّ من الوديعة وأراد أن يردها، فردها لمن يحفظ مال صاحبها، مثل أن يردها إلى خدم المودِع، أو إلى غلامه، أو إلى أهله فإنه لا ضمان عليه، مع أنه لم يقل له: ادفعها إلى أهلي، ولم يوكل أهله في قبضها، وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من يقول: إنه إذا دفعها إلى من يحفظ مال ربها بغير إذن ربها فإنه ضامن؛ لأنه لم يُوَكَّل في دفعها إلى غيره؛ ولأن صاحب الوديعة قد لا يأتمن أهله أو خدمه عليها؛ لأنهم مفرطون، والذي ينبغي أن يرجع في ذلك إلى العرف، فما جرى به العرف اتبع وما لم يجرِ به العرف لم يُتَّبع، فالأشياء الثمينة جرت العادة أنها لا ترد الوديعة منها إلا إلى صاحبها بنفسه، والأشياء العادية كالأواني والفرش والبهائم جرت العادة أنه يتولى قبولها عند ردها من يحفظ مال ربها، فيرجع في ذلك إلى العرف، فما جرى العرف بأنه يدفع إلى من يحفظ مال ربها فدفعها إليهم، فلا ضمان عليه؛ وما جرى العرف بأنه لا بد أن يسلم إلى نفس المودِع فإن عليه الضمان.

فمثلاً الوثائق التي فيها إثبات الديون على الناس والمبيعات والمؤجرات وما أشبه ذلك، جرت العادة أنها لا تدفع إلى من يحفظ مال ربها، إنما تدفع إلى ربها، إلا إذا قال: رُدَّها إلى أهلي أو إلى من يحفظ مالي، فعلى ما قال.

وَعَكْسُهُ الأَجْنَبِيُّ وَالحَاكِمُ وَلاَ يُطَالَبَانِ إِنْ جَهِلاَ.
وَإِنْ حَدَثَ خَوْفٌ أَوْ سَفَرٌ رَدَّهَا عَلَى رَبِّهَا، فَإِنْ غَابَ حَمَلَهَا مَعَهُ إِنْ كَانَ أَحْرَزَ، وَإِلاَّ أَوْدَعَهَا ثِقَةً

......... قوله: «وعكسه الأجنبي» أي عكس دفعها إلى من يحفظ ماله أو مال ربها أن يدفعها للأجنبي، والأجنبي هو الذي لا يتولى حفظ مال ربها، ولا حفظ مال المودَع.
وبهذا التفسير نعرف أن كلمة الأجنبي يختلف معناها باختلاف مواضعها، فتكون في موضع لها معنى وفي موضع آخر لها معنى آخر، فإذا قيل: تصح الوصية لأجنبي ولا تصح لوارث، فهنا المراد بالأجنبي من ليس بوارث، وإذا قيل: يحرم كشف وجه المرأة لأجنبي ويجوز للمحارم، فهنا يقصد به غير المحرم، المهم أن الأجنبي في كل موضع بحسبه، فلو دفعها إلى جاره فهنا نقول: عليه الضمان؛ لأن الجار أجنبي، لا يحفظ مال ربها ولا مال المودَع فيكون ضامناً إذا تلفت عند الجار ضمانَ تعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز له، سواء تلفت بتفريط أو تعدٍّ أو بغير تفريط ولا تعدٍّ.
قوله: «والحاكم» وهو القاضي وسُمِّي حاكماً؛ لأنه يحكم بين الناس، وسُمِّي قاضياً لأنه يقضي بين الناس، إذا دفعها إلى الحاكم فهو ضامن؛ لأنه لم يؤمر بدفعها إليه، والحاكم إنما يكون نائباً عن الغائب أو الميت أو نحوهما، لا عن كل الناس، فمثلاً رجل في مدينة أودع دراهم وقيل له: خذ هذه عشرة ملايين

اجعلها عندك، فجعلها عنده، ثم أخذها وأعطاها القاضي، وصاحبها موجود، فهل للقاضي الحق أن يأخذها؟ لا، وليس للمودَع الحق أن يسلمها للقاضي؛ لأن القاضي إنما ينوب عن الغائب أو الممتنع أو ما أشبه ذلك، أما هنا فلا ضرورة، فيضمن المودَع إذا تلفت عند الأجنبي أو عند الحاكم، ويطالب صاحبُ الوديعة المودَع.
وهل يطالب الحاكمَ والأجنبيَ؟ يقول المؤلف: «ولا يطالبان إن جهلا» يعني لا يطالب الأجنبي والحاكم إذا جهلا أنها وديعة عند مودَع؛ لأنهما معذوران، فمثلاً: جاء الأجنبيَ رجلٌ وقال له: خذ هذه اجعلها عندك وديعة، فأخذها على أنها ملك الرجل الذي أعطاه وعلى أنه محسن فلا ضمان عليه، والحاكم كذلك لا ضمان عليه، والمذهب أن له أن يطالبه وإن جهل، وحجتهم أن المال تلف تحت يده، وعلى ما مشى عليه الماتن فليس له أن يطالبه، وحجته أنه جاهل ومحسن وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91]، أما إذا علما أنها وديعة فعليهما الضمان، ولصاحب الوديعة أن يطالب المودَع أو الحاكم أو الأجنبي؛ لأن الحاكم أو الأجنبي حصل التلف تحت يده، وذاك حصل التلف بتسليطه هؤلاء على هذه الوديعة، فله أن يطالب هذا وهذا، وأما مع الجهل فلا يطالب الحاكم ولا الأجنبي.
لكن لو أن المودَع أعطي عشرة ملايين وديعة، وأودعها في البنك فهل يضمن؟ البنوك أحرز ولا شك، لكن هذا المودِع يعلم

عن البنوك ولا يريد أن يعطيها البنوك تديناً، فكأنه نهاه أن يعطيها البنك، فكونه يختار أن يجعل عنده الدراهم وهو يشاهد البنوك وهو يعلم وكلٌ يعلم أن البنك أحرز، فإعطاؤه إياها بمنزلة نهيه أن يعطيها البنك، فيعتبر هنا متعدياً.
لكن في مثل هذه الحال يقدر أن يقول: أنا لا أستطيع أن أحفظ هذه الدراهم الكثيرة، أتأذن لي إن اشتد معي القلق أو الخوف أن أجعلها عند البنك؟ فإذا قال: نعم، فإنه يعمل بما أذن له فيه، وإن قال لا، فيقول: خذ دراهمك لا أقبل الوديعة؛ لأنه في حل.
قوله: «وإن حدث خوف أو سفر» أي للمودَع بأن كثرت السرقات ـ مثلاً ـ أو دخل البلد عدو وخاف عليها، أو أراد المودَع أن يسافر.
قوله: «ردها على ربها» وجوباً ولا يجوز أن يبقيها عنده مع الخوف أو في بيته مع السفر؛ لأنه في هذه الحال مفرط، إذ الواجب التخلص من الخوف أو التخلص من إبقائها في بيت لا يسكنه أحد.
فإن حدث سفر منه لكن البيت فيه الأهل والأولاد، فهل يضمنها في هذه الحال لو بقيت؟ الجواب: لا، خصوصاً وأنه سبق لنا أنه إذا دفعها إلى من يحفظ ماله فلا ضمان، فهنا نقول: لا ضمان، لكن ينبغي للمودَع إذا أراد أن يسافر ولا سيما إذا كانت الوديعة كبيرة، أن يقول له: إني سأسافر، فهل تأذن أن أبقيها عند الأهل أو أردها؟

قوله: «فإن غاب» أي: ربها، أو تغيب، المهم إذا لم يجده عند السفر.
قوله: «حملها معه إن كان أحرز» فإذا غاب صاحبها فإنه يحملها معه، بشرط أن يكون سفره بها أحرز من إبقائها، والغالب أن السفر بها ليس بأحرز؛ لأن السفر يحصل فيه آفات، لكن مع ذلك يقول: «إن كان أحرز».
قوله: «وإلا» يعني وإن لم يكن أحرز.
قوله: «أودعها ثقة» أي جعلها وديعة عند ثقة، فَمَن الثقة؟ الثقة من جمع وصفين: القوة والأمانة، وهذان الوصفان في كل عمل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: 26] وقال الجني العفريت لسليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ﴾ أي: بعرش بلقيس ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾} [النمل: 39] فالمراد بالثقة هنا القوي الأمين فلا يودعها ضعيفاً، ولا يودعها غير أمين.
فإن قال قائل: أرأيتم لو أقرضها مليئاً أيجوز؟ فالجواب: لا؛ لأن القرض عقد لا يجوز إلا ممن يملك العقد أو نائبه أو وكيله، وهذا المودَع لم يوكَّل في القرض.
ولاحظ أن الإيداع عند البنوك من باب القرض، والناس يسمون إعطاء البنوك الأموال إيداعاً، وهذه تسمية خطأ، بل هي في الحقيقة قرض، ولهذا ينتفع بها البنك ويدخلها في رأس ماله ويتجر بها ويضمنها لو تلف ماله كله؛ لأنه قرض، والعلماء نصُّوا تصريحاً بأنه إذا أذن المودِع للمودَع أن ينتفع فهذا يعتبر قرضاً.

ويوجد بنوك تقبل الوديعة، بمعنى أن الدراهم التي تعطى إياها تجعلها في صناديق معينة محفوظة لا يتصرف فيها البنك، فهذه وديعة محضة.
وإن سافر بها ولم يجد ثقة يودعها عنده وربها غائب فماذا يصنع؟ يعطيها الحاكم؛ لأن الحاكم ولي من ليس له ولي، والدليل على هذا التفصيل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58] وهذا أمر بكل ما يلزم للأداء، فالأمر بالأداء أمر به وبما لا يتم إلا به، ومعلوم أنه في مثل هذه الحال إذا كان السفر عرضة للضياع، فإن بقاءها عند ثقة هو الذي فيه الأداء.

وَمَنْ أُودِعَ دَابَّةً فَرَكِبَهَا لِغَيْرِ نَفْعِهَا، أَوْ ثَوْباً فَلَبِسَهُ، أَوْ دَرَاهِمَ فَأَخْرَجَهَا مِنْ مَحْرَزٍ ثُمَّ رَدَّهَا، أَوْ رَفَعَ الخَتْمَ، أَوْ خَلَطَهَا بِغَيْرِ مُتَمَيِّزٍ فَضَاعَ الكُلُّ ضَمِنَ.

قوله: «ومن أودِع دابة فركبها لغير نفعها» فهو ضامن، مثل فرس أو بعير أودعه عنده فركبه لغير نفعه فهو يضمن ضمان تعدٍّ لا تفريط، إن تلف من هذا العمل أو من بعده أيضاً؛ لأنه بتعديه زال عنه وصف الأمانة وصارت يده يد متعدٍّ كالغاصب فيكون ضامناً بكل حال، سواء تعدى أو فرط، أو لم يتعدَّ ولم يفرط، وسواء تلف الشيء بنفس العمل أو بما بعده.
فهذا رجل مشغوف بركوب الخيل وأودِع فرساً فجعل كل يوم يسابق عليه، أو كل يوم يركضه لغير نفع الفرس، فإنه يضمن إن تلف في نفس الاستعمال، أو في غير نفس الاستعمال حتى لو أدخله في الحرز، أما كونه يضمن في نفس الاستعمال فواضح وأما كونه يضمن بعده فلأنه باستعماله إياه صارت يده غير أمينة.
وعلم من قوله: «لغير نفعها» أنه لو ركبها لنفعها فليس

بضامن لأنه محسن، لكن كيف يركبها لنفعها؟ يركبها ـ مثلاً ـ ليذهب بها إلى الماء لتشرب أو يروضها؛ لأنها إذا بقيت ربما تخمل ولا تكون قوية، فهو يركبها لنفعها، فلا ضمان عليه؛ لأن هذا خير.
قوله: «أو ثوباً فلبسه» فإنه يضمن، لكن إذا قال: أنا أريد أن ألبسه للجمعة، فالجمعة يسن فيها لبس أحسن الثياب فإنه يضمن، فإذا قال: أنا أعطيت صاحبها خيراً لأنه يؤجَر، فأنا أؤجر بلبس أحسن الثياب، وهو يؤجر؛ لأنه أعانني على هذا، فنقول: أنت لا تؤجر، ومن قال: إنك تؤجر باستعمال مال غيرك؟! هذا ظلم فلا أجر لك، وإذا بطل أجرك بطل أجره هو؛ لأن أجره فرع عن أجرك.
فإن قال: إنه لبسه لئلا يدخله السوس؛ لأن الحرير إذا لم يبرز في أيام الصيف والحر فإنه يحترق ويتمزق، فما الجواب؟ نقول: يمكن أن تخرجه وتنشره بدون لبس.
إذاً إذا أودع ثوباً فلبسه فإنه يضمن، سواء تلف باللبس أو بأمر آخر ولو بعد خلعه؛ وذلك لأنه بمجرد أن لبس الثوب انتقلت يده من كونها يداً أمينة إلى كونها يداً غير أمينة، وعلى هذا فلو لبس الثوب يتجمل به للجمعة فلما رجع رده إلى محرزه فتلف من محرزه ضمن؛ لأنه تعدى حيث فعل ما لم يؤذن له به، لا شرعاً ولا عرفاً لا من صاحبها ولا من عند الله ـ عزّ وجل ـ. قوله: «أو دراهم فأخرجها من محرز» أي إذا أودع دراهم فاستقرضها فإنه يضمن، حتى وإن احتاج إليها؛ لأنه ليس له الحق

في أن يستقرضها، أو يتصرف فيها بأي شيء حتى لو باع أو اشترى فهو ضامن.
وعلم من قوله: «من محرز» أنه لو لم يخرجها من المحرز لكن غَيَّر مكانها، مثل أن تكون في الرف الأعلى من الصندوق فجعلها في الرف الذي تحته، أو كانت في الرف الأدنى فجعلها في الرف الذي فوقه والصندوق واحد، فهنا لا شك أنه غَيَّر مكانها ولكن لم يخرجها من المحرز فلا ضمان عليه.
فإذا أخرجها لتنظيف الصندوق ـ مثلاً ـ ثم نسي وبقيت خارج الصندوق ثم سرقت، يحتمل أنه يضمن؛ لأن حق الآدمي يستوي فيه الخطأ والنسيان والعمد والذِّكر، وقد نقول: لا يضمن؛ لأن هذا في عرف الناس لا يعد مفرطاً، وإذا تعارض الضمان وعدم الضمان، واليد يد أمانة فالأصل عدم الضمان.
قوله: «ثم ردها» يعني فيضمن ولو أُخذت من الحرز، وكذا لو رأى المصلحة في شراء سلعة فأخرج الوديعة فاشترى السلعة لصاحب الوديعة من أجل ما يرجوه من الكسب فإنه يضمن؛ لأنه غير مأذون له بذلك، اللهم إلا إذا كان قد قال له صاحبها: إن رأيت مصلحة في بيع أو شراء أو غير ذلك فتصرف، فيكون حينئذ غير ضامن.
قوله: «أو رفع الخَتْم» فإنه يضمن حتى لو أعاد الختم مرة أخرى، والختم هو ما جرت به العادة فيما سبق، أنهم يضعون الدراهم في كيس ثم يعقدونها بالخيوط، ثم يضربون على طرف الخيط شمعاً، يُذاب في النار، ويصب على طرف الخيط، ثم

يُختم عليه بالخاتم؛ لأجل ألا يعبث بها أحد، فهذا إنسان رفع الختم ولكنه لم يحلها، فإنه يضمن؛ لأن الختم لا شك أنه أقوى مما لو كانت خالية منه، فإذا رفعه فقد أخل بحرزها فيكون ضامناً.
ومثل الختم القفل فلو أنه رفع قفل الصندوق ـ ولو أعاده ـ فعليه الضمان، إلا إذا كان الصندوق ليس خاصاً بالوديعة مثل أن يكون هذا الصندوق فيه دراهم له، أو لغيره ومعها دراهم المودِع ثم صار يفتح هذا الصندوق ليخرج النفقة منه لنفسه، فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، فالضابط: أنه إذا أزال المودَع ما فيه كمال الحفظ أو أصل الحفظ فعليه الضمان.
قوله: «أو خلطها بغير متميز فضاع الكل ضمن» مثل أن يُودَع براً يخلطه ببر، فهنا خلط الوديعة بشيء غير متميز؛ لأن حب البر واحد لا يختلف، فلو خلطها بغير متميز ثم ضاع الكل، يعني ضاع ما كان عنده أولاً وما خلطه به فإنه يضمن.
ويحتمل أن يكون المراد بقوله: «فضاع الكل» فيما إذا أُودِع دراهم فأخرجها من محرز أو رفع الختم، أو خلطها بغير متميز أي أنه راجع للمسائل الثلاث.
وعُلِمَ من قوله: «خلطها بغير متميز» أنه لو خلطها بمتميز فلا بأس، لكن بشرط أن تكون بحرز مثلها، ولكن ينبغي أن يقال: في هذا تفصيل: إن خلطها بغير متميز يسهل أخذها منه فلا بأس، ولا يقال: إن الرجل فرط أو تعدى، مثل أن يخلط حلياً بدنانير في صندوق

محرز، وأما لو خلط شعيراً ببر فهذا وإن كان متميزاً لكن تخليص الوديعة من خليطها فيه صعوبة، فربما يأبى أن يخلص ذلك ويتعب ويحصل بذلك ضرر على الطرفين.
وعليه فينبغي أن يقيد مفهوم قوله: «بغير متميز فضاع الكل» ما إذا خلطها بمتميز يسهل تخليصه من خليطه، وإلا فيكون ضامناً.
وعليه فالحالات ثلاث: الأولى: أن يخلطها بغير متميز فعليه الضمان.
الثانية: أن يخلطها بمتميز يصعب فيه التمييز فعليه الضمان، والمذهب في ظاهر كلام المؤلف لا ضمان عليه.
الثالثة: أن يخلطها بمتميز يسهل فيه التمييز، فهذا ليس عليه ضمان.

فَصْلٌ

وَيُقْبَلُ قَوْلُ المُودَعِ فِي رَدِّهَا إِلَى رَبِّهَا أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَلَفِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ.

....... قوله: «ويقبل قول المودَع في ردها إلى ربها أو غيره بإذنه، وتلفها، وعدم التفريط» هذه ثلاث مسائل: المسألة الأولى: إذا ادعى المودَع أنه دفع الوديعة إلى ربها، بأن يكون شخص أودع إنساناً دراهم، ثم بعد حين جاء يطالبه بها، فقال: إني رددتها إليك، فالقول قول المودَع لوجهين: الأول: قول الله تبارك وتعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] والمودَع محسن ولا شك وإذا لم يكن عليه سبيل، فإن صاحبها إذا ادعى أنه لم يردها فالقول قول المودَع؛ لأننا لو قبلنا قول صاحبها لكان على المحسن سبيل.
الثاني: أن نقول للمودِع: أنت الآن ائتمنت الرجل على الوديعة، فيجب أن يكون أميناً في دفعها إليك، كما جعلته أميناً في حفظها، والأمين كل من حصل في يده مال بإذن من الشارع أو إذن من المالك، وهذا قياس بَيِّن، فهذا دليل من السمع ومن القياس.
ولذلك عندنا قاعدة: أن من قبض العين لِحَظِّ مالكها قُبِلَ قولُه في الرد.
ومن قبض العين لمصلحته لم يُقبل قوله في الرد.
ومن قبض العين لمصلحته ومصلحة مالكها لم يقبل ـ أيضاً ـ تغليباً لجانب الضمان.

وقوله: «إلى ربها» بأن يقول: رددتها عليك.
وقوله: «أو غيره» أي: إلى غير ربها.
وقوله: «بإذنه» أي بإذن ربها، أما إذا ادعى ردها إلى غيره، وقال: إني رددتها لكنني لم استأذنك، فهو ضامن؛ لأنه لم يوكله في دفعها إليه، فإذا قال: دفعتها إليه بإذنك، أنت الذي قلت لي: يا فلان أعط الوديعة التي عندك لفلان، فأنكر صاحبها الإذن، وقال: إني لم آذن لك، فهنا يقال: إن الرجل أمين عندك، وهو محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] ولا يمكن أن يدعي أنك أذنت له وأنت لم تأذن، والنسيان وارد على كل أحد، ومنه صاحب الوديعة.
وعليه فتكون الحالات ثلاثة: الأولى: إذا ادعى ردها إلى ربها قُبِل.
الثانية: إذا ادعى ردها إلى غيره بغير إذنه فهو ضامن.
الثالثة: إذا ادعى ردها إلى غير صاحبها بإذنه فهو غير ضامن، لأنه أمين، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
وقوله: «وتلفِهَا» هذه هي المسألة الثانية: أي: يقبل قول المودَع في تلفها، فإذا قال لصاحبها: الوديعة تلفت، فقال صاحبها: لم تتلف، فالقول قول المودَع.
لكن لو ادعى التلف بأمر ظاهر كالحريق، بأن قال: احترق الدكان وهي في الدكان، فهنا لا يقبل قوله إلا إذا أثبت أن الدكان قد احترق؛ لأن هذا أمر ظاهر لا يخفى على أحد، فإذا أثبت أنه

احترق وقال صاحبها: نعم الدكان احترق وليس عندي فيه شك، لكن أنا لا أقر بأن الوديعة تلفت بهذا الاحتراق، فلا يقبل قول صاحبها، ويقبل قول المودَع أنها تلفت بهذا الاحتراق.
وقوله: «وعَدَمِ التفريط» هذه هي المسألة الثالثة، بأن قال صاحبها: أنت فرطت ولم تحفظها في حرز مثلها، وقال: لم أفرط، فالقول قول المودَع؛ لأنه مؤتمن، فإن أقر الجميع بالسبب لكن ادعى صاحبها أنه تفريط وهو يقول: ليس بتفريط، فنرجع إلى العرف ويعرض على أهل الخبرة، فإذا قالوا: الرجل الذي حفظها في هذا المكان غير مفرط فهو غير مفرط، وإذا قالوا: إنه تفريط فهو تفريط.
وهذا التفصيل هو القول الراجح، وإن كان ظاهر كلام المؤلف أن قول المودَع مقبول في عدم التفريط مطلقاً، ولكن هذا فيه نظر.
فإذا قال قائل: إذا اختلف المودَع والمودِع في هذا العمل هل هو تفريط أو لا، وقال المودَع هذا في نظري أنه غير تفريط؟ فيقال: كون أهل الخبرة يقولون: إنه تفريط وأنت تعتقد أنه ليس بتفريط يدل على أنك غير فاهم، والمعاملات بين الخلق لا يعذر فيها بالجهل، فكان الواجب عليك أن تسأل أولاً، هل هذا تفريط أو ليس بتفريط؟ ولنضرب لهذا مثلاً: في ليلة شاتية أبقى المودَع الشاة في العراء ظناً منه أن الشاة

تقاوِم، ولكن أهل الخبرة قالوا: إنها لا يمكن أن تقاوم في هذا البرد الشديد والثلج؛ لأن هذه الشاة ليست مما يعيش في بلاد ثلجية، فقال: هذه الشاة في هذا المكان لو نزل عليها الثلج فإنها ستبقى حية، فعد نفسه غير مفرط، لكن أهل الخبرة قالوا: هذا تفريط، فحينئذ يؤخذ بقول أهل الخبرة ويقبل قول المودِع.
هذا في مسائل الاختلافات في الوديعة، والاختلافات التي ذكرها الفقهاء في الواقع كلها ذكرها النبي صلّى الله عليه وسلّم في كلمتين فقال: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1)، فجميع ما ذكره المؤلفون ـ رحمهم الله ـ في الاختلافات ومن يقبل قوله ومن لا يقبل كله يعود إلى هذا الحديث، لكن لا بأس بالتفصيل.

َإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ ثُمَّ ادَّعَى رَدّاً، أَوْ تَلَفاً سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ، لَمْ يُقْبَلاَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍ

.............. قوله: «فإن قال» أي: المودَع للمودِع.
قوله: «لم تودعني» يعني أنكر الوديعة.
قوله: «ثم ثبتت ببينة» يعني ثبت أنه أودعه، والبينة هنا إما رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي؛ لأن المال وما يقصد به المال هذه بينته.
فثبوت البينة برجلين، أو رجل وامرأتين في القرآن لقول الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة: 282]، وثبوتها برجل ويمين المدعي ثبت بالسنة، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: (أنه قضى بالشاهد مع اليمين) 2.1

المهم أن المودَع أنكر وقال: لم تودعني، وثبت أنه أودعه ببينة.
قوله: «أو إقرار» يعني بعد أن أنكر ـ هداه الله ـ وندم وأقر، أو أنكر ناسياً للوديعة ثم تذكر، أو كان ناسياً لها ثم وجدها في بيته، المهم أنه بعد أن أنكر أقر.
قوله: «ثم ادعى رداً أو تلفاً سابقين لجحوده لم يقبلا ولو ببينة» مثال ذلك: أنكر الرجل الوديعة يوم الخميس، وأقيمت الدعوى عليه يوم الجمعة، وثبتت عليه ببينة، ثم ادعى أنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا لا يقبل قوله؛ لأنه كذب نفسه، حيث أنه أنكر الوديعة يوم الخميس وقال: ليس عندي وديعة، ولما ثبتت قال: إنها تلفت يوم الأربعاء، فهنا دعواه التلف لا تقبل، ودعواه الرد لا تقبل؛ لأنه بإنكاره صار خائناً، فلا يقبل قوله لا في الرد ولا في التلف ويلزمه الضمان.
ولو أقام بينة على أنها تلفت يوم الأربعاء، وأتى بشهود يشهدون أن الوديعة الفلانية تلفت يوم الأربعاء، فهل يقبل أو لا يقبل؟ يقول المؤلف: «لم يقبلا» أي: الرد والتلف «ولو ببينة» حتى لو جاء بشهود وقالوا: نشهد إن وديعة فلان تلفت يوم الأربعاء فإنها لا تقبل؛ لأنه هو نفسه مكذب للبينة؛ لأنه لما أنكر يوم الخميس وقال: أبداً ما أودعتني ما صار له عنده وديعة فيكون مكذباً للبينة؛ فكلامه يناقض بينته.
وأشار المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله: «ولو ببينة» إلى خلاف

في هذا، فإن بعض أهل العلم قال: إذا ثبت ببينة أنها تلفت فيكون إنكاره كذباً وتُصدَّق البينة، والمذهب يقولون: تبين كذب البينة بقوله هو، فهو أقر ضمناً أن البينة كاذبة.
لكن بعض العلماء يقول: إذا قامت البينة فليعمل بها؛ لأنه تبين أنه هو الكاذب، لكن في هذه الحال ينبغي للقاضي أن يحكم عليه بالتعزير لكذبه وخيانته، وإتعابه المودِع بإقامة الدعوى، وإشغال القاضي، وإشغال الشهود، فهو مستحق للتعزير من عدة أوجه، ولئلا يتلاعب أحد غيره، فإذا قيل: ليس عليك إلا ضمان الوديعة فلا يهمه، لكن إذا أُدِّب صار ردعاً له.

بَلْ فِي قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ وَنَحْوُهُ، أَوْ بَعْدَهُ بِهَا. وَإِنِ ادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.

........ قوله: «بل في قوله ما لك عندي شيء ونحوه» مثاله: هذا الرجل في يوم الخميس قيل له: إن عندك وديعة، فقال: ليس عندي شيء، وثبت بالبينة أن عنده وديعة، ثم ادعى التلف يوم الأربعاء، يعني قبل الإنكار، وأقام بينة بذلك، فتقبل، سواء ببينة أو بغير بينة؛ لأن الرجل قال: «ما لك عندي شيء»، ومعلوم أن الوديعة إذا تلفت بلا تعدٍّ ولا تفريط، لم يثبت على المودَع شيء فيكون صادقاً في قوله: «ما لك عندي شيء» بخلاف ما لو قال: لم تودعني، والفرق ظاهر؛ لأنه إذا قال: لم تودعني فقد أنكر أصل الوديعة، أما إذا قال: «ما لك عندي شيء» فهو نفي لضمان الوديعة فيقبل قوله حتى لو ثبتت ببينة؛ لأنه لا يتنافى قوله وثبوت الوديعة، فهو يقول: نعم أنا قلت ما لك عندي شيء؛ لأني لا فرطت ولا اعتديت، وإذا تلفت الوديعة بدون تعدٍّ ولا تفريط فليس علي شيء.

قوله: «أو بعده بها» يعني أو ادعى التلف «بعده» أي: بعد الجحد «بها» أي بالبينة فإنه يقبل، لاحتمال حدوث الوديعة بعد الجحد، وحينئذ لا ينافي البينة التي تشهد بالتلف بعد الجحود فلم يحصل تناقض، ولماذا لا يقبل مطلقاً وهو مودَع؟ لأنه بجحوده زال عنه وصف الأمانة، فلا يقبل قوله في التلف ولا في الرد إلا ببينة.
فهذا الرجل طلبت منه الوديعة، فقال للمودِع: لم تودعني، وأنكر، فأقام المودِع بينة أنه أودعه وكان إنكاره يوم الخميس، فادعى أنها تلفت يوم الجمعة فيقبل قوله ببينة، وبغير بينة لا يقبل، وكونه يقبل ببينة؛ لأنه لم يحصل تناقض بين جحوده وبينته بالرد.
فإن قيل: ألستم تقولون: إن المودَع يقبل قوله في الرد؟ فالجواب: بلى، نقول بهذا، لكننا نقول: يقبل قوله في الرد ما دام أميناً، أما وقد خان بإنكار الوديعة فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة.
والحاصل أنه إذا أنكر الوديعة ثم ثبتت عليه ببينة ثم ادعى رداً أو تلفاً، فإن كان الرد والتلف اللذان ادعاهما سابقين على جحوده فلا قبول له مطلقاً لا ببينة ولا بغير بينة، وإن ادعى الرد والتلف بعده قُبِلَ ببينة، وبغير بينة لا يقبل، هذا إذا أنكر.
أما إذا قال: ما لك عندي شيء فهو مقبول على كل حال؛ وذلك لأن قوله: مالك عندي شيء لا ينافي ثبوت الوديعة؛ لأنها إذا تلفت بغير تعدٍّ ولا تفريط فقد صدق، ليس لمدعي الإيداع شيء؛ لأنه يقول: نعم أنت أودعتني وأنت صادق، لكن تلفت، ولما تلفت لم يبق لك عندي شيء، فيكون هنا إقراره بالوديعة أو

ثبوتها بالبينة لا ينافي قوله: «ما لك عندي شيء» فيقبل.
قوله: «وإن ادعى وارثه» أي: وارث المودَع.
قوله: «الرد منه» أي: من الوارث.
قوله: «أو من موِّرثه» وهو المودَع، بأن قال وارث المودَع: إن المودَع ردها عليك.
قوله: «لم يقبل إلا ببينة» لأن الوارث ليس هو المودَع حتى يقبل قوله في الرد.
وقوله: «أو من مورِّثه» بأن ادعى وارث المودَع أن مورِّثه، أي: المودَع ردها، يعني لما جاء صاحب الوديعة يطلبها بعد أن مات المودَع، قال الورثة: إن مورِّثنا قد ردها عليك فلا يقبل قول الوارث؛ لأنه غير مؤتمن من قِبَل ربِّها؛ لأن ربَّها لم يودعها الوارث، إنما أودعها المورِّث، وحينئذ نقول للورثة: إن كان عندكم بينة أنكم رددتموها إلى صاحبها قبلناها، وإلا فعليكم الضمان، فالوارث أقر بالوديعة ولم ينكرها لكن ادعى الرد منه أو من مورثه، فلا تقبل دعوى الرد من الوارث أو المورث إلا ببينة.
ولو ادعى الورثة: أن المورِّث لم يترك شيئاً لا وديعتكم ولا غيرها، فيلزم المودِع حينئذ أن يثبت ببينة أن المورث تركها؛ وذلك لأن المورث قد يكون تصرف فيها وأنفقها، أو ردّها وهم لا يعلمون، أو ما أشبه ذلك.
فإن قال قائل: إذا ترك الميت وديعة، فهل يجب على الورثة أن يبلغوا صاحبها، أو يردوها إليه فوراً؟ الجواب: نعم، يجب على الورثة إذا خلف المورث وديعة

أن يبلغوا صاحبها فوراً أو يردوها عليه فوراً؛ لأن المودِع لم يأتمن الورثة عليها، والورثة وجدوا مالاً لغيرهم غير مؤتمنين عليه، فيجب عليهم أن يبلغوه أو يردوها.

وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُ المُودِعَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ يَنْقَسِمُ أَخَذَهُ. وَلِلمُسْتَوْدَعِ، وَالمُضَارَبِ، وَالمُرْتَهِنِ، وَالمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ غَاصِبِ العَيْنِ

............... قوله: «وإن طلب أحد المودِعَيْنِ» ويجوز «المودِعِينَ» ونظيره في الحديث: «من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذِبَيْنِ، أو الكاذِبِينَ» 1 فهنا يجوز الجمع ويجوز التثنية.
قوله: «نصيبه من مكيل أو موزون ينقسم أخذه» مثال المكيل: مائة صاع بر في كيس مشتركة بين اثنين، أودعاها إلى زيد، وبعد مدة جاء أحدهما وقال: إنا أودعناك مائة صاع بر، وأنا أريد نصيبي منه، وهو يعلم أن نصيبه النصف، أو الثلث، أو الربع، فيلزمه أن يعطيه نصيبه، فإن اتفق الطرفان على أن مائة الصاع هذه بينهما، نصفين، فيعطيه نصفه، وعللوا هذا بأنه ليس على شريكه الغائب الذي لم يطالب ضرر.
وقيل: ما داما قد أودعاه إياها جميعاً، فإنه لا يلزمه أن يسلم للشريك؛ لاحتمال أن هذا الشريك الذي طلب نصيبه قد باعه على شريكه، وأيضاً ربما إذا أخذ نصيبه كاملاً ينقص نصيب الآخر؛ لأن الشيء إذا كيل ورُدِّد فإنه ينقص، ولهذا يقولون: كل شيء ردَّدته فإنه ينقص إلا الكلام، وهذا صحيح، فاملأ ـ مثلاً ـ فنجالاً من الماء ثم صبه في الفنجال الثاني، ثم في الثالث

والرابع والخامس تجده ينقص بلا شك، وكذلك ـ أيضاً ـ المكيل فإذا قدرنا هذا الكيس ـ مثلاً ـ مائة صاع، وكلنا منه خمسين صاعاً وافية، فإن ذلك يؤدي إلى نقص الخمسين صاعاً الباقية.
والصحيح أنه لا يلزمه تسليمه، ويقال له: أحضر صاحبك أو هات منه موافقة وإلا فلا.
وقوله: «أو موزون ينقسم» مثله ـ أيضاً ـ، فالموزون المنقسم كما لو كان بينهما جِراب من عسل أحضراه إليه وقالا له: هذا وديعة، ثم بعد حين جاء أحدهما وقال: أعطني نصيبي؟ فعلى كلام المؤلف يلزمه إعطاؤه، والصحيح أنه لا يلزمه إلا بموافقة صاحبه لما ذكرنا من الاحتمالات.
وقوله: «ينقسم» احترازاً مما لا يمكن أن ينقسم، كما لو كان مخلوطاً، فإنه لا يلزمه لئلا يضر الآخر، أو كان لا تمكن قسمته لكونه متلبداً لا يمكن قسمته بوزن ولا بكيل، ففي هذه الحال لا يلزم المودَع أن يسلمه نصيبه؛ لما في ذلك من الضرر على شريكه، لكن على ما اخترناه، لا يلزمه مطلقاً أن يسلم نصيب الشريك إليه حتى يأتي بإذن من صاحبه.
قوله: «وللمستودَع» المراد به المودَع.
قوله: «والمضارَب» وهو من أعطي المال مضاربة، بأن قيل له: خذ هذه عشرة آلاف ريال مضاربة، اتجر بها ولك نصف الربح، وسميت مضاربة؛ لما سبق من كون التجار غالباً يضربون في الأرض، ويسافرون فيها قال الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: 20].

قوله: «والمرتهن» وهو من بيده الرهن؛ لأن مالك الرهن يسمى راهناً.
قوله: «والمستأجر» أي الذي بيده العين المستأجرة.
قوله: «مطالبة غاصب العين» أي: كل هؤلاء الأربعة لهم مطالبة غاصب العين.
فنبدأ أولاً بالمستودَع وهو المودَع، فلو غُصِبت الوديعة، فهل للمودَع أن يطالب غاصب العين؟ نعم.
ثانياً: المضارَب بيده تجارة غصبت، وأخذها إنسان قهراً، فهل له أن يطالب؟ نعم.
ثالثاً: المرتهن، أيضاً بيده الرهن فغصب فهل له أن يطالب؟ نعم.
رابعاً: المستأجر ـ أي مستأجر سيارة مثلاً ـ لمدة يومين أو ثلاثة، فجاء شخص فغصبها فهل له أن يطالب؟ نعم له أن يطالب.
فلو قال الغاصب: أنت لست بمالك؟ فجوابه أن يقال: لكنه نائب عن المالك.
بقي أن يقال: (اللام) في قوله: «للمستودع» هل هي للإباحة أو لدفع توهم الامتناع؟ (اللام) لدفع توهم الامتناع وليست للإباحة، ولو قلنا: إنها للإباحة، لكان المستودع مخيراً بين أن يطالبه وأن لا يطالبه، فإذا قلنا: لدفع توهم الامتناع، بمعنى أنه لا يُمنع المستودع من مطالبة الغاصب، وكذلك ما عطف عليه، فصار ذلك لا ينافي أن نقول: يجب عليه أن يطالب وهو كذلك، وكيف يتوهم الامتناع؟ يتوهم ذلك بأن يقال: أنت لست المالك، وإذا لم تكن المالك فليس لك حق في المطالبة؛ لأنه من الجائز أن يرضى

المالك بهذا الغصب؛ فهذا هو التوهم الذي قد يتوهمه الإنسان، فبين المؤلف ـ رحمه الله ـ أن للمستودع أن يطالب غاصب العين، ويقول: نعم، أنا لست المالك لكني مؤتمن عليها.
فيجب على المستودَع بمقتضى الأمانة أن يطالب بنفسه أو يبلغ فوراً مالك الوديعة، أما أن يسكت وهو يرى الغاصب يأخذها فلا يجوز؛ لأن ذلك خلاف الأمانة، ويستثنى من ذلك إذا كان صاحب العين حاضراً وعالماً بالغصب فإنه لا يلزم هؤلاء المطالبة؛ لأنه إذا كان صاحبها حاضراً ويعلم بالغصب فهو المسؤول عنها.
واللام تأتي في كلام الفقهاء لمثل هذا: مثلاً عبر بعض العلماء في فسخ المفرد والقارن ـ إذا لم يسوقا الهدي إلى عمرة ـ فقالوا: «وللمفرد والقارن أن يفسخا نيتهما إلى عمرة ليصيرا متمتعين»، فأنت تفهم من هذه العبارة أن اللام للإباحة، وليست كذلك؛ لأن الذين عبروا بهذا التعبير قالوا: يسن، فتكون اللام هنا لدفع توهم الامتناع، ودفع القول بعدم الجواز، وهذا لا ينافي أن يقال: إن فسخ الحج، أو الحج والعمرة إلى تمتع، مباح إباحة مستوية الطرفين، بل تحويل الحج إلى عمرة ليصير الإنسان متمتعاً، سنة مؤكدة، إما وجوباً وإما تأكيداً، والصحيح أن فسخ الحج إلى عمرة ليس بواجب لكنه مؤكد، ولا ينافي القول بالاستحباب أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم غضب على الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تأخروا في التنفيذ 1؛ لأن المخاطبة في

المقابلة أشد من المخاطبة في الإبلاغ، ولو أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ امتنعوا في ذلك الوقت لفات بهذا تشريع هذه السنة؛ لأنه إذا امتنع منها الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فمن بعدهم من باب أولى، ولهذا كان أحسن الأقوال، وأصحها أن الفسخ واجب على الصحابة، ومن أجل ذلك غضب الرسول صلّى الله عليه وسلّم عليهم لما تباطؤوا في الفسخ، وأما من بعدهم فإنه سنة، وليس هذا من تقديم قول أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لأن أبا بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ لا يريان ذلك، بل يريان أن يحج الإنسان حجاً مفرداً ويأتي بالعمرة في وقت آخر، لكن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم أولى، فيقال: للإنسان أن يتمتع حتى في سفر حجه إلا أن الفسخ ليس بواجب على غير الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ. ولهذا لما سئل أبو ذر ـ رضي الله عنه ـ: ألكم هذه خاصة، أم للناس عامة؟ قال: بل لنا خاصة 1، ومراده بنفي العموم نفي الوجوب، فيحمل كلام أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ على نفي الوجوب، وإلا فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم سأله سراقة بن مالك بن جعشم ـ رضي الله عنه ـ وقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد؟ قال: «بل لأبد الأبد» وشبك بين أصابعه 2، وقال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» 3.

بَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِ

وَهِيَ الأَرْضُ المُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ. فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا،

... قوله: «إحياء الموات» «إحياء» مصدر أحيا أي: جعل الحياة في شيء ميت، و «الموات» مشتق من الموت وعبروا بالموات دون الميتة؛ لأن الأرض الميتة قد يراد بها ما لا نبات فيها، كما قال تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ *﴾ [يس] فعبروا عن الأرض هنا بالموات للفرق بينها وبين الأرض التي ليس فيها نبات.
قال المؤلف في تعريف الأرض الموات: «وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم».
فقوله: «الأرض المنفكة» يعني الخالية.
وقوله: «عن الاختصاصات» كمجاري السيول، ومواضع الحطب، ومواضع المراعي، والمصالح العامة، وأفنية الدور ـ وهي مُلْقَى زبالاتهم ـ فهذه غير مملوكة لكنها مختصة لمصالح البلد عموماً، أو لمصالح كل بيت، ففناء الدار وهي البرحة أو الساحة التي أمامها تكون ملقى للكناسة، أو ما أشبه ذلك، هذه وإن لم تكن ملكاً لكنها مختصة لصاحب البيت ينتفع بها، كذلك المصالح العامة كمسايل المياه، ومواضع الاحتطاب، والاحتشاش، والمراعي، وما أشبه ذلك، ومثله ـ أيضاً ـ الطرق، فهذه نسميها

اختصاصات ولا نسميها أملاكاً؛ لأنها ليست ملكاً لأحد.
وقوله: «وملك معصوم» أي: ولم يسبق إحياءَها ملكٌ، فإن سبق إحياءها ملك فإنه لا يمكن لمن أحياها أن يملكها؛ لأنها ملك للأول الذي أحياها، لكن اشترط المؤلف أن تكون ملكاً لمعصوم، والمعصوم من بني آدم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، فهذه أربعة أنفس معصومة لا يجوز لأحد أن يعتدي عليها، أما الحربي الذي ليس له عهد ولا ذمة وليس مسلماً، فماله مباح للمسلمين، فالأرض التي تكون ملكاً لحربي فهي موات وإن كان مستولياً عليها؛ لأن ماله غير معصوم.
ومثل إحياء الموات الأراضي الداثرة التي كانت قرىً في قديم الزمان وارتحل الناس عنها وتركوها، فهذه ـ أيضاً ـ لمن ملكها، ونظير ذلك في الأعيان إذا ألقى الإنسان متاعه زاهداً فيه وراغباً عنه ولا يريده فهو لمن وجده، كما في حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أنه كان على جمل له فأعيا فأراد أن يسيِّبه 1، فلو سيَّبه جابر ووجده آخر فهو له، وكذلك ما يلقى في البحر عند خوف غرق السفينة فإن من وجده فهو له؛ وذلك لأن الذي ألقاه قد تخلى عنه ولم يرد أن يكون ملكاً له، وكذلك أراضي القرى البائدة التي من قديم الزمان ـ كما سبق ـ فهذه ـ أيضاً ـ مَنْ أحياها مَلَكَها، ولهذا الآن يوجد في بعض الأراضي التي تُحيا

آثار إحياء سابقة، حتى إنه عندنا هنا قريب من الوادي عثروا مرة على سوق كله رماد وقطع حديد، مما يدل على أن هذا السوق كان سوق الصناع في هذا المكان، لكنه باد وذهب أهله ولم يعرف له مالك، فهذه تدخل في كلام المؤلف في قوله: «ملك معصوم»؛ لأن هذه الأراضي البائدة الآن ليس لها مالك فتدخل.
والشح في الأراضي شديد، والاعتداء عليها عقابه شديد، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من اقتطع شبراً من الأرض ظلماً طُوِّقَه يوم القيامة من سبع أرضين» 1 أي يُجعل طوقاً في عنقه من سبع أرضين، وليس من أرض واحدة؛ لأنه ظلم، حتى إن العلماء ـ رحمهم الله ـ قالوا: لا يجوز للإنسان أن يزيد في تلييس الجدار أكثر مما جرت به العادة؛ وذلك لأنه يأخذ بهذه الزيادة من السوق، والسوق مشترك، فإلى هذا الحد حذر العلماء من التعدي على الأرض، لكن على كل حال إذا وجدنا أرضاً منفكة عن الاختصاصات وملك معصوم فمن أحياها ملكها، ولهذا قال المؤلف: «فمن أحياها ملكها» «مَنْ» شرطية، وفي أصول الفقه أن أسماء الشرط من صيغ العموم، إذاً فتعم كل من أحياها، وسيأتي إن شاء الله بيان الإحياء.
وقوله: «ملكها» أي: دخلت في ملكه قهراً؛ لأن ملكها عُلِّق

بسبب فمتى وجد ثبت، كما قلنا في الميراث، فالميراث إذا وجد سببه دخل في ملك الوارث قهراً، حتى لو قال الوارث: أنا لا أريد الميراث، قلنا: هو لك قهراً عليك؛ لأن الملك المعلق بسبب، متى وجد سببه ثبت الملك شاء الإنسان أم أبى، نعم الإنسان حر مختار قبل أن يفعل السبب، أما إذا فعل السبب فإن الشارع رتب المسبب على وجود السبب فلا خيار للإنسان فيه.

مِنْ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ بِإِذْنِ الإِمَامِ وَعَدَمِهِ، فِي دَارِ الإِسْلاَمِ وَغَيْرِهَا.
وَالعَنْوَةُ كَغَيْرِهَا.
وَيُمْلَكُ بِالإِحْيَاءِ مَا قَرُبَ مِنْ عَامِرٍ، إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصْلَحَتِهِ.

....... قوله: «من مسلم وكافر» فصل المؤلف العموم في قوله: «من أحياها» لأنه في بعض أفراده خلافاً، فبعض العلماء يرى أن الكافر لا يملك الأرض في البلاد الإسلامية ولو كان ذمياً؛ لأن البلاد الإسلامية لا ينبغي أن يكون فيها مكان لغير المسلمين؛ لأن غير المسلمين إذا تملكوا الأرض كثروا فيها ثم صاروا أغلبية، فيطغى الخبيث على الطيب، فحينئذٍ يوشك أن يعمهم الله بالعقاب، لكن المؤلف يقول: لا فرق بين المسلم والكافر، والمراد بقوله: «كافر» أي معصوم، وأيضاً نزيد شرطاً ثانياً في الكافر وهو أن يكون ممن يصح تملكه الأرض، فإن كان لا يصح فإنه لا يملكها، فمن أحياها ملكها من مسلم أو كافر، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، لكن الصغير الذي لا يميز يتولى ذلك عنه وليه.
قوله: «بإذن الإمام وعدمه» إذا قال الفقهاء: «الإمام» فمرادهم من له السلطة العليا في البلد، فالبلاد الملكية يكون الإمام فيها الملِك، والبلاد الجمهورية يكون الإمام فيها الرئيس، فمن له السلطة العليا في البلد هو ما يعنيه الفقهاء بكلمة: «الإمام».

وقوله: «بإذن الإمام» هل يأذن الإمام مباشرة؟ نقول: بإذن الإمام أو نائبه؛ لأنه الآن اختلفت الأوضاع، واختلف أسلوب الحكم، فالإمام نفسه لا يباشر مثل هذه الأمور لكن له نواب، ووزراء، هذا وزير داخلية، وهذا وزير بلديات، وهذا وزير عمال ... إلخ.
فالوزير ينوب مناب الإمام، وإذا جُعل للوزير من قِبَل الإمام أن ينيب غيره في كل بلد كالأمير أو المحافظ، قام هذا الأمير أو المحافظ مقام الإمام، وقصدي من هذا الترتيب ألا يقول قائل: إن إذن الأمير أو المحافظ أو الوزير أو رئيس البلدية أو ما أشبه ذلك غير معتبر؛ لأن المعتبر إذن الإمام، فنقول: إن النواب عنه بمنزلته يقومون مقامه.
وقوله: «بإذن الإمام وعدمه» لأن الأرض لله وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» 1، لكن لو قال قائل: هذا لا داعي له؛ لأنه إذا قال: من أحياها ملكها، ولم يذكر «بإذن الإمام» معناه أنه لا يشترط إذن الإمام، ولكن الفقهاء إذا قالوا شيئاً لا داعي له من حيث العبارة، فإنما يشيرون إلى رأي آخر، وهنا يريد المؤلف أن يشير إلى رأي آخر، وهو أن هناك قولاً بأنه لا تملك الأرض الميتة إلا بإذن الإمام أو نائبه لئلا تحصل الفوضى والاعتداء، فإذا كانت بإذن الإمام أو نائبه صارت مرتبة مضبوطة.
وسبب اختلافِهم اختلافُهم في فهم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من

أحيا أرضاً ميتة فهي له» فهل هذا حكم تشريعي أو حكم تنظيمي؟ إن قلنا: إنه حكم تشريعي صار «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» سواء أذن الإمام أم لم يأذن؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قاله على وجه التشريع للأمة، وإن قلنا: إنه على وجه التنظيم، صار لا بد أن يقول الإمام: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» في كل زمان ومكان.
ونظير هذا من بعض الوجوه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من قتل قتيلاً فله سَلَبُه» 1 أي في الحرب، فهل هذا تشريع أو تنظيم؟ فيه خلاف، فبعض العلماء قال: إن الرجل إذا قتل قتيلاً في الحرب فله سلبه سواء اشترط ذلك الإمام أم لا، وبعضهم قال: ليس له سلبه إلا بإذن الإمام، وهنا أمير الجيش ينوب مناب الإمام؛ لأن سَلَب القتيل غنيمة فيلحق بالغنيمة ولا يملكه القاتل إلا بإذن خاص.
وكلام المؤلف في المسألة السابقة ـ وهو مذهب الحنابلة ـ يدل على أن من أحيا أرضاً ميتة فهي له، سواء كان ذلك برخصة من ولاة الأمر أم لا، لكن لو أن ولي الأمر قال: لا يحيي أحد أرضاً إلا بإذني وموافقتي، فهل يملك المحيي بعد ذلك الأرض بالإحياء بدون مراجعة ولي الأمر؟ الجواب: لا؛ لأن المسألة انتقلت من كونها داخلة في العموم إلى تخصيص من ولي الأمر، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] فإذا قال ولي الأمر: لا أحد يحيي إلا بإذني وترخيص مني، فمن أحيا بعد أن بلغه هذا القول فإنها تنزع منه ولا حق له فيها؛ وذلك لأن ولي الأمر أمر بهذا،

لكن إذا كان أحياها قبل صدور الأمر فهي له؛ لأن الذي يظهر من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» أنه تشريع، وهذا هو الأصل حتى يقوم دليل على أنه تنظيم، لكن قد تكون المصلحة، أو الحاجة، أو الضرورة في تقييد ولي الأمر الإحياء بهذا الشرط وذلك حسب المنطقة، فبعض المناطق يكون فيها أناس جهال إذا لم يُقَيَّدوا بإذن الإمام اعتدى بعضهم على بعض، فهؤلاء يكون من الضروري أن يقيدوا بإذن الإمام، وقد تكون بعض المناطق أهون، فيكون عندهم خوف من الله وتقوى ولا يعتدي أحد على أحد، فهنا قد يكون من الحاجة تقييدهم بالإذن، وقد يزول هذا كله وتكون المنطقة أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده أرض تكفيه، وكل إنسان عنده خوف من الله فهنا تكون المصلحة، فالتقييد إما أن تقتضيه الضرورة أو الحاجة أو المصلحة.
وفي وقتنا الحاضر حسب ما نسمع، أن تقييد الإحياء بإذن الإمام أمر لا بد منه، يدخل في قسم الضرورة مباشرة في بعض المناطق، ويدخل في الحاجة أو المصلحة في مناطق أخرى؛ لأنه لا يمكن أن يتبعض النظام، بمعنى أن نجعل هذه الجهة لا بد فيها من إذن الإمام، وهذه الجهة يُمَلَك فيها بدون إذن الإمام؛ لأن الدولة واحدة، ولذلك لو قال قائل: لا حاجة إلى إذن الإمام في بلد أهلها أغنياء، وكل إنسان عنده مزرعته وكل إنسان عنده خوف من الله، ولا يمكن أن يعتدي على أحد؟ نقول: نعم، لكن ليست كل المناطق على هذه المنزلة، فَيُعَمَّم النظام ولا بأس.
إذاً المذهب: أنه لا يشترط للإحياء إذن الإمام، والقول

الراجح أنه يملكها بدون إذن الإمام إلا إذا أصدر الإمام أمره بألا يحيي أحد أرضاً إلا بإذنه فلا تحيا إلا بإذنه، وإذا أمر الإمام ألا يُحييَ أحد أرضاً إلا بإذنه فهل تجب طاعته؟ الجواب: نعم، تجب طاعته؛ لأن طاعة ولي الأمر واجبة في غير معصية الله، وتنظيم الأراضي، وكون الناس لا يُعْطَون إلا بترخيص وحدود مضبوطة ليس من معصية الله، بل هو من حفظ حقوق العباد.
قوله: «في دار الإسلام وغيرها» يعني من أحياها ملكها سواء كان في دار الإسلام وغير دار الإسلام، ودار الإسلام هي التي غلب عليها الإسلام ظهوراً وشيوعاً بحيث يؤذن فيها للصلاة، وتقام فيها الجماعات، ويصام فيها رمضان ويعلن، وتظهر فيها الشعائر حتى وإن كان فيها كفار، فلو قدر أن الكفار فيها خمسون في المائة أو أكثر فهي دار إسلام، ما دام حكم الإسلام غالباً عليها، أما إذا لم يكن حكم الإسلام عليها غالباً فهي دار كفر ولو كثر فيها المسلمون، والاعتبار بالمظهر والظاهر، ويدل لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا غزا قوماً أمسك حتى يطلع الفجر، فإن أَذَّنُوا امتنع من قتالهم، وإن لم يؤذِّنوا قاتلهم 1. فمثلاً بلاد أوروبا الآن بلاد كفر؛ لأن الحكم الشائع والظاهر فيها هو الكفر، وإن كان يوجد فيها جمعيات إسلامية، وربما يوجد في بعض البلاد هناك مناطق تقام فيها الجماعة والجمعة، لكنها بلاد كفر؛ لأن الغالب والمهيمن عليها هو حكم

الكفار، فإذا قدر أن شخصاً تملَّك في أوروبا، وأحيا أرضاً فهي ملكه شرعاً، ولا أحد ينازعه فيها إذا تم الإحياء.
وقيل: إن دار الإسلام من كان أكثر أهلها مسلمين بغض النظر عن الحاكم، وقيل: إن دار الإسلام من يحكمها مسلم ولو كان أكثر أهل البلد كفاراً، والعلماء اختلفوا في هذا اختلافاً كبيراً، لكن أقرب الأقوال أنه ما أعلن فيها بالإسلام.
قوله: «والعَنْوة كغيرها» العنوة ما فتح بالسيف، أي: أن بلاد الكفر المفتوحة بالسيف كغيرها من البلاد التي فتحت صلحاً، فإذا أحيا أرضاً ميتة في بلاد فتحت عنوة فهي له، وما زال المسلمون يتبايعون هذه الأراضي، أما قول بعض الفقهاء ومنهم أصحاب الإمام أحمد ـ في المشهور عنهم ـ أنه لا يباع غير المساكن مما فتح عنوة، فهذا قول مخالف لما جرى بين المسلمين، فإن المسلمين منذ فتحوا هذه البلاد وهم يتبايعون الأراضي والمساكن ويملكونها، وكذلك فيما فتحت صلحاً، بأن صولح أهلها أن يبقوا فيها وتكون الأرض أرضنا، ويبقون فيها بالجزية، أما ما صولحوا على أنها لهم، فإنها لا تملك بالإحياء؛ لأن الأرض أرضهم، لكن ما صولحوا على أنها لنا ونقرهم فيها بالجزية أو بالعهد فإنها تملك.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين مكة وغيرها، ولكن هذا فيه خلاف، أما المدينة فكغيرها من البلدان تُملك بالإحياء، وأما مكة ففيها خلاف؛ لأن مكة مشعر يجب على كل مسلم أن يقصده ليؤدي مناسك الحج، فليست خاصة لأحد، ولهذا قال

فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ: إنه لا يصح بيع مساكنها ولا إجارتها؛ لأنها تعتبر أرض مشعر، ولا يملك الإنسان فيها شيئاً على وجه تام كما يملكه في غيرها، إلا المساكن التي بناها فهذه له أن يبيعها لكن الأرض لا تباع.
ويرى شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قولاً وسطاً في هذا فيقول: هي تملك بالإحياء وبالإرث وبالبيع، لكنها يحرم تأجيرها، فمن استغنى عن مكان وجب بذله لغيره، ولو أن الناس مشوا على كلام شيخ الإسلام لحصل في ذلك سعة عظيمة للناس؛ ووجه ذلك أن الناس لا يبنون إلا ما يحتاجون إليه فقط، وإذا لم يبنوا إلا ما يحتاجون إليه وقدم الحجاج، فإن من وجد سكناً مبنياً بالحجارة والطين سكنه وإلا فالخيام.
والقول الثالث في المسألة: أن مكة كغيرها تملك بالإحياء وبالبيع ويجوز بيعها وإجارتها، والعمل الآن على هذا القول، وهذا هو الذي لا يمكن العمل بسواه في الوقت الحاضر؛ لأننا إن قلنا بالمذهب فهو قول ضعيف لا يمكن العمل به، وإن قلنا باختيار شيخ الإسلام صار هناك خصومات وعداوات وبغضاء، فإذا قدم الحاج ووقف عند البيت وقال لصاحب البيت: البيت يوجد فيه حجر فارغة، فقال صاحب البيت: لا يوجد، فهنا يحصل نزاع وخصام، ثم هل يمكن أن نقول للذي جاء ليستأجر: لك الحق أن تسأل صاحب البيت كم عائلتك؟ وكم في البيت من حجرة؟ والزائد لا بد أن تفرغه لنا!! هذا فيه صعوبة، ولهذا مشى القضاة الآن على أنها تملك بيعاً وشراءً ويملك تأجيرها

واستئجارها، لكن على المذهب يقولون: إذا لم يجد مكاناً إلا بأجرة دفعها والإثم على الآخذ، وهذا فيه فسحة، وعللوا ذلك بأن سكناه في هذا البيت حق له، فإذا قال صاحبه: لا يمكن أن تسكن إلا بأجرة، فمعناه أنه منعك حقك إلا بعوض، فابذِلْ العوض وهو الآثم.
وبهذا التقرير نعرف أن بعض البلاد التي يقولون فيها: لا بد أن تؤمن على سيارتك، وحاجاتك وأنت ترى أن التأمين حرام؛ لأنه من الميسر، فلك في هذه الحال أن تعطيهم وهم الآثمون؛ لأنه لا يمكن أن نضيق على الناس ونفوت مصالحهم، فنقول: اعقد معهم عقد التأمين، لكن أضمر في نفسك أنك مظلوم وأنك مكره على بَذْلِكَ ثمن التأمين، وفي هذه الحال إذا قدر عليك حوادث أكثر مما دفعت فإنك لا تستحق هذا الزائد؛ لأنك تعتقد أن العقد باطل وحرام، فخذ ما خسرت أو ما دفعت في التأمين والباقي امتنع منه، فإن أبوا إلا أن تأخذه فخذه وتصدق به تخلصاً منه، وبهذا نسلم من الحرج الذي يصيب بعض الناس الآن، يقول: إنه في بلاد لا يمكن أن يشتري سيارة، ولا أن يعمل أي عمل إلا بتأمين، فنقول: هذا المخرج، والحمد لله والإثم على الآخذ.
قوله: «ويملك بالإحياء ما قرب من عامر إن لم يتعلق بمصلحته» يعني أن الإحياء لا يشترط أن يكون بعيداً عن العمران، فيملك بالإحياء ما قرب من عامر، حتى وإن لاصقه، فلو أن رجلاً قد بنى بيتاً، وما حول البيت فضاء ليس لأحد، فبنى

هو بجنب البيت وليس بينهما إلا الجدار، فإنه يصح الإحياء ويملكه، لكن يقول المؤلف: «إن لم يتعلق بمصلحته» فإن تعلق بمصلحة العامر لكونه مرعى لدوابهم أو فناءً لإلقاء القمامة أو محتطباً لهم، فإنه لا يملك ولا يجوز لأحدٍ أن يتملكها، فإن تملكها فإن كان ببنيان هدم وإن كان بغرس قلع؛ لأن هذه الأرض التي تتعلق بها مصالح الناس ليست منفكة عن الاختصاصات، فلا تكون مواتاً حسب التعريف الفقهي، وإذا قدرنا أن الرجل قد بنى بيتاً إلى جنب بيتِ قد أحيي وسكن صاحبه، فهل يطالب صاحب البيت هذا الذي أحيا من بعد بقيمة الجدار الذي بينهما؟ الجواب: لا يطالبه؛ لأن هذا الرجل بنى الجدار على أنه حماية بيته وأنه مُلْكُه، وهذا تجدد إحياؤه فلا يطالبه بقيمة الجدار الذي بينهما، لكن لو فرض أن الأرض مقطَّعة وكل قطعة لبيت، وتأخر أحد الجارين في عمارة منزله حتى يعمر الآخر فيسقط عنه قيمة الجدار؛ لأن بعض الناس قد يتحيل، ويقول: أتأخر في البناء وإذا بنى جاري سقط عني قيمة الجدار، ففي هذه الحال يحسن قضاءً أن يلزم بما يُستحق عليه من قيمة الجدار سداً لحيل المتحيلين.
أما إذا كان الجار ليس له نية أن يعمر ثم عمر بعد ذلك، فإنه لا يلزمه أن يدفع شيئاً من قيمة الجدار، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه على جداره» قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ حين كان أميراً على المدينة: (ما لي أراكم عنها معرضين والله لأرمين بها بين أكتافكم) 1 أي: أرمين بالخشب،

يعني إذا لم تمكِّنوا من وضع الخشب أضعه على الكتف؛ لأنه أمير، وهذا نظير قول عمر ـ رضي الله عنه ـ لمحمد بن مسلمة مع جاره، حين احتاج جاره أن يجري الماء من ملكه عبر ملك محمد بن مسلمة فامتنع، وقال: لا يمكن أن تجري الساقي على ملكي، فالأرض أرضي، فقال له صاحب الساقية: انتفع به اغرس عليه وابذر، فأبى، فترافعا إلى عمر ـ رضي الله عنه ـ فقال له: (لَيُجرينَّه وإلا أجريته على بطنك) (1)؛ لأن هذا الذي امتنع يعتبر مضاراً، نعم لو قال: أنا لا أريد أن تجري الساقي في ملكي؛ لأني أريد أن أبنيه فهنا له الحق، أما إذا كان يريد أن يزرعه ويغرسه فمن مصلحته أن يجري الماء.

وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً، أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ.

.............. قوله: «ومن أحاط مواتاً، أو حفر بئراً فوصل إلى الماء، أو أجراه إليه من عين ونحوها، أو حبسه عنه ليُزرع فقد أحياه» هذا بيان لما يحصل به الإحياء، وهي مسائل: الأولى: «إذا أحاط مواتاً» أي: ضرب عليها حائطاً يمنع الدخول منه ملكها، وليس حائطاً يسيراً كحجر أو حجرين.
وظاهر كلام المؤلف ولو كبيرة، أما إذا كان في الأراضي شح بأن كانت البلد في أرض محجوزة إما بالأنهار وإما بالجبال، فلولي الأمر أن يحدد، ويقول: لا أحد يتملك أكثر من كذا وكذا قدراً؛ وذلك من أجل ألا يحتكرها أحد الأقوياء، ويحوط أرضاً كبيرة ثم يبيعها على الناس بثمن غالٍ.1

الثانية: «أو حفر بئراً فوصل إلى الماء» فإن هذا إحياء، لكن ما الذي يملكه بحفر البئر؟ إن كانت البئر للوِرْد ونحوه فإنه يملك حريمها، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان ذلك، وإن كانت لسقي الأرض كبئر الزراعة فإنه يملك كل ما أجرى عليه الماء، فإن لم يصل إلى الماء فليس بإحياء لكنه يكون أحق بها من غيره؛ لأنه ابتدأ بالإحياء ولم ينهه.
الثالثة: «أو أجراه إليه من عين ونحوها» فقوله: «أجراه» أي: أجرى الماء إلى الموات «من عين أو نحوها» كالنهر، فإنه يحصل به الإحياء، ولكن ما الذي يُمْلك؟ الجواب: كل ما جرى عليه الماء فهو إحياء.
الرابعة: «أو حبسه عنه ليُزرع» فقد أحياه، فهذه أرضٌ الماءُ فيها كثير لا تصلح للزرع، فإذا زُرِعَ فيها غرق الزرع، فكيف يحييها؟ يحييها بأن يحبس الماء عنها، فإذا حبس الماء عنها لتصلح للزرع فقد أحياها، فكل ما حبس عنه الماء فإنه يعتبر مُحيا يملكه صاحبه، فإجراء الماء إلى الأرض إحياء، ومنع الماء عن الأرض إحياء؛ لأن المقصود أن تتهيأ الأرض للزرع.
وزاد أهل العلم فقالوا: كذلك لو كان فيها أشجار لا يمكن أن تغرس معها أو تزرع فأزال الأشجار فهو إحياء، وكذلك لو كان فيها أحجار متراكمة عليها لا تصلح الأرض مع هذه الأحجار للزرع ثم أزال الأحجار ونقاها فهذا إحياء.
ومن العلماء من يقول: يُرْجع في هذا إلى العرف، فما عده الناس إحياءً فهو إحياء، وما لم يعدوه إحياءً فليس بإحياء، وعللوا

هذا بعلة قوية، فقالوا: إن القاعدة عندنا أن كل ما أطلقه الشارع وليس له حد في الشرع فمرجعه إلى العرف؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا أرضاً ميتة فهي له» (1) ولم يبين النبي صلّى الله عليه وسلّم ما يحصل به الإحياء، وهذا القول لا يبعد عما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ لكن ربما تتغير الأحوال وتختلف.
أما لو غرس على أرض واسعة كبيرة أشجاراً كالجدار، فهل يملك ما كان داخل هذه الأشجار؟ الجواب: لا يملك؛ لأنه ما زرعها، ولا بنى، والأشجار عرضة للزوال، لكنه تَحجُّر فيكون أحق بها، بمعنى أنه لا يزاحمه عليها أحد، ولكن إذا تأخر في إحيائها وَوُجِد من يطلب إحياءها فيمهل، ويقال له: يا فلان إما أن تحيي الأرض، وإما أن ترفع يدك؛ لأن هناك من ينتظر إحياءها.
وقوله: «أو حبسه عنه ليزرع فقد أحياه» أما لو حبس الماء عن هذه الأرض لمجرد أن تيبس فقط فإن هذا ليس بإحياء، وفي هذا إشارة من المؤلف إلى أن النية معتبرة في الإحياء في مثل هذه الصورة.

وَيَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ نِصْفَهَا.

.... قوله: «ويملك حريم البئر العاديَّة خمسين ذراعاً من كل جانب، وحريمَ البديَّة نصفَها».
قوله: «حريم» أي: محارم الشيء، أي: ما حوله.1

وقوله: «العادية» يعني التي أعيدت بعد أن كانت محفورة من قبل ثم طمها الرمل، أو المطر، أو ما أشبه ذلك، ثم أعادها، فيملك خمسين ذراعاً من كل جانب؛ وذلك لأنه حفرها أولاً ثم حفرها ثانياً، فبالحفر الأول ملك خمسة وعشرين ذراعاً، وبالحفر الثاني ملك خمسة وعشرين، فيكون الجميع خمسين ذراعاً.
ومراد المؤلف ـ رحمه الله ـ بذلك البئر المحفورة للسقيا وليست للزرع، وهذا يقع كثيراً في البر عند البادية، تجد الرجل يحفر بئراً حتى يصل إلى الماء من أجل أن يسقي ماشيته من إبل أو بقر أو غنم، فنقول: هذا الرجل يملك بهذه البئر خمسين ذراعاً إن كانت قد أعيدت، أو خمسة وعشرين ذراعاً إن كانت بدية، يعني مبتدأة، ففعيل هنا بمعنى مفعول، أي: ابتدأ حفرها، أما إن كانت البئر للزرع فهو شبيه بإجراء الماء إلى الأرض يكون إحياء لكل ما يمكن أن يزرع بهذه البئر.
وظاهر كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أنه لا فرق بين أن يكون الحفر سهلاً أو يكون الحفر شديداً، كما لو كانت أرضاً صخرية، وأنه لا فرق بين أن يكون عمقها بعيداً أو عمقها قريباً؛ وتعليل ذلك أن هذا الحريم هو الذي يتعلق به مصلحة البئر، فالرجل في البادية إنما حفر هذا البئر من أجل أن يسقي ماشيته، وخمسة وعشرون ذراعاً من كل جانب فيها كفاية، أي: دائرة يبلغ قطرها خمسين ذراعاً، أما إذا كانت عاديَّة بمعنى أنها انطمت ثم حفرها ثانية فإنه يملك خمسين ذراعاً من كل جانب.
وظاهر كلامهم ـ أيضاً ـ أنه لا فرق بين أن يكون الحافر مرة

أخرى، هو الأول أو غيره، أما إذا كان هو الأول فإعطاؤه خمسين ذراعاً واضح؛ لأنه تعب عليها مرتين، وأما إذا كان غيره، فيقال: إن الأول ملك خمساً وعشرين، والثاني ملك خمساً وعشرين فيكون خمسين ذراعاً من كل جانب، فتكون الخمس والعشرون الأولى باعتبار حفر الأول لها، والثانية باعتبار حفر الثاني لها.

وَلِلإمَامِ إِقْطَاعُ مَوَاتٍ لِمَنْ يُحْيِيهِ، وَلاَ يَمْلِكُهُ.
وَإِقْطَاعُ الجُلُوسِ فِي الطُّرُقِ الوَاسِعَةِ مَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّاسِ، وَيَكُونُ أَحَقَّ بِجُلُوسِهَا، وَمِنْ غَيْرِ إِقْطَاعٍ لِمَنْ سَبَقَ بِالجُلُوسِ مَا بَقِيَ قُمَاشُهُ فِيهَا وَإِنْ طَالَ.

...... قوله: «وللإمام» إذا قال الفقهاء: «الإمام» فمرادهم السلطان الأعلى، أي الذي له الكلمة على كل الدولة، كالملك ـ مثلاً ـ في البلاد الملكية وكالرئيس في البلاد الجمهورية، وما أشبه ذلك، فمن له الكلمة العليا فهو عند أهل العلم الإمام؛ لأنه يؤتم به ويطاع فيما يأمر به في غير معصية الله، وكل من كان قدوة فهو إمام، ولذلك نسمي من يصلي بنا في الجماعة إماماً؛ لأننا نأتمر بأمره، فلا نكبر إلا إذا كبر، ولا نركع إلا إذا ركع، وإذا قام قمنا، وإذا سجد سجدنا.
قوله: «إقطاع موات لمن يحييه» إقطاعه يعني أن يقول مثلاً: يا فلان لك هذه الأرض أحيها، فإذا أحياها المقطَع فإنه يملكها، وإذا لم يحيها فإنه يكون أحق بها من غيره، فيكون المقطَع كالمتحجر وليس كالذي أحيا.
وإذا قالوا: «وللإمام» فاللام للإباحة، بمعنى أنه لا يمنع من الإقطاع، ولكن قد يجب وقد يحرم، فيجب عليه إذا تقدم متشوف لإحياء الأرض، وكان هذا المتقدم قادراً على إحيائها، فالواجب على الإمام حينئذ أن يقطعه حتى لا تتعطل الأراضي، وحتى ينتفع هذا المتقدم.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
فَصْلٌوَيُقْبَلُ قَوْلُ المُودَعِ فِي رَدِّهَا إِلَى رَبِّهَا أَوْ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ، وَتَلَفِهَا وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ.َإِنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي، ثُمَّ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارٍ ثُمَّ ادَّعَى رَدّاً، أَوْ تَلَفاً سَابِقَيْنِ لِجُحُودِهِ، لَمْ يُقْبَلاَ وَلَوْ بِبَيِّنَةٍبَلْ فِي قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ وَنَحْوُهُ، أَوْ بَعْدَهُ بِهَا. وَإِنِ ادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ مِنْهُ أَوْ مِنْ مُوَرِّثِهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ.وَإِنْ طَلَبَ أَحَدُ المُودِعَيْنِ نَصِيبَهُ مِنْ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ يَنْقَسِمُ أَخَذَهُ. وَلِلمُسْتَوْدَعِ، وَالمُضَارَبِ، وَالمُرْتَهِنِ، وَالمُسْتَأْجِرِ مُطَالَبَةُ غَاصِبِ العَيْنِبَابُ إِحْيَاءِ المَوَاتِوَهِيَ الأَرْضُ المُنْفَكَّةُ عَنِ الاخْتِصَاصَاتِ وَمِلْكِ مَعْصُومٍ. فَمَنْ أَحْيَاهَا مَلَكَهَا،وَمَنْ أَحَاطَ مَوَاتاً، أَوْ حَفَرَ بِئْراً فَوَصَلَ إِلَى المَاءِ، أَوْ أَجْرَاهُ إِلَيْهِ مِنْ عَيْنٍ وَنَحْوِهَا، أَوْ حَبَسَهُ عَنْهُ لِيُزْرَعَ فَقَدْ أَحْيَاهُ.وَيَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ العَادِيَّةِ خَمْسِينَ ذِرَاعاً مِنْ كُلِّ جَانِبٍ وَحَرِيمَ البَدِيَّةِ نِصْفَهَا.
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل