الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 365-404
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ النِّكَاحِ

صفحات 365-404
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: «وشربه ثلاثاً مصًّا» أي: سن أن يشرب بثلاثة أنفاس 1، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا شرب شرب مصًّا، وقال: «إنه أهنأ وأبرأ» 2، ففيه ثلاث فوائد، وينبغي أن يكون ذلك مصًّا لا جرعاً؛ وذلك لأن الماء لا يشرب إلا عند الحاجة إليه، إذا عطش الإنسان، والعطش التهاب المعدة وحرارتها، فإذا جاءها الماء جرعاً فإنه يؤثر عليها؛ لأنه يصطدم البارد بالحار، فإذا صار مصاً صار الذي ينزل خفيفاً يسيراً، ويكتسب حرارة من الفم إلى المعدة، فيرد على المعدة وهو ساخن مناسب لها.
ويكون ثلاثاً لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنه أهنأ وأبرأ وأمرأ»، ولذلك يقول العارفون: إنك إذا وجدت شخصاً عطشان جداً لا تعطيه الماء دفعة واحدة؛ لأنك إن فعلت فإنه يهلك، لكن أعطه شربة وجرعة واحدة، ثم تمهل قليلاً، ثم أعطه الثانية، وهكذا؛ لئلا يهلك.
وقوله: «مصًّا»، هذا بالنسبة للماء، وأما اللبن والمرق وما أشبههما فإنه يُعب عباً، والفرق بينهما ظاهر؛ لأن الماء جاف، وليس فيه دهونة، ولا شيء مناسب للمعدة، فكان الأولى أن يأتيها شيئاً فشيئاً، بخلاف اللبن وشبهه فتعبه عبًّا، ولكن بثلاثة أنفاس.

قوله: «ويتنفس خارج الإناء» فيكره أن يتنفس في الإناء، يعني لو فرض أن رجلاً نفسه قليل، ولا يصبر عن النفس، وأراد أن يتنفس، فليَبِنْ الإناءَ عن فمه ثم يتنفس.
قوله: «وكره شربه من فم سقاء» لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك 1، ولأنه قد يكون في السقاء أشياء مؤذية لا يدري عنها، فإذا صب الماء في الإناء فإنه ينظر إلى الماء، هل فيه أشياء مؤذية أو لا؟ ومما يؤذي «العلقة»، وهي دودة حمراء تتغذى من الماء، فإذا شرب الإنسان من ماء فيه علقة، ودخلت إلى جوفه، فأحياناً تلصق على جدار المريء، أو ما قبله، وأحياناً تنزل إلى المعدة، فتلتصق به وتعضه وتتغذى منه، ثم تكبر وتتضخم حتى تسد النَّفَس تماماً، ولهذا أحياناً قد يهلكون بها.
قوله: «وفي أثناء طعام بلا عادة» أي: يكره الشرب في أثناء الطعام بلا عادة، فإن كان الإنسان اعتاد هذا فلا بأس، قال بعضهم: ويكره ـ أيضاً ـ بعد الطعام مباشرة بلا عادة.
وقوله: «بلا عادة» يفهم منه أن المسألة ترجع إلى ناحية طبية، قالوا: لأن الشرب أثناء الطعام يفسده، وتزول به منفعته، وكذلك إذا شرب مباشرة، فإذا كان قد اعتاد هذا فإنه لا يضره.

وقال بعضهم أيضاً: إنه إذا شرب أثناء الطعام فإنه يشعر أن معدته كالسقاء ترجرج، أما إذا كان هناك عادة، فالعادات لها طبائع ثابتة، فكثير من الناس لا يهمه أن يشرب أثناء الطعام، أو بعده مباشرة فلا يضره؛ لأنه معتاد.
ثم إن الطعام إذا كان حاراً والماء بارداً، صار هناك مضرة من جهة أخرى، وهي ورود البارد على الحار، ومعلوم أن الحار يوجب تمدد العروق والجلد، فإذا جاء البارد تقلص بسرعة فيكون في ذلك خطر.
قوله: «وإذا شرب ناوله الأيمن» اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلّم 1، وهذا إذا كان الإناء واحداً، أما إن كان لكل واحد إناء، فالأمر واضح.
ولكن إذا دخل الساقي بمن يبدأ؟ هل يبدأ بمن هو عن يمينه أول ما يدخل، أو بالذي أمامه؟ نقول: يبدأ بالأكبر كما جاءت به السنة، ولا يبدأ بمن هو عن يمينه من عند الباب، وبه نعرف أن ما يفعله بعض الناس إذا دخل صافح كل من في المجلس من أول واحد عن اليمين إلى آخر واحد عن اليسار، أن هذا ليس من السنة، لا من جهة المرور

بالناس ومصافحتهم، ولا من جهة أنه يبدأ من جهة اليمين الذي عند الباب، وهو أصغر القوم.
أما الأول فمن المعروف أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا دخل جلس حيث ينتهي به المجلس 1، ولا يمر على الناس يسلم عليهم.
وأما الثاني فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان معه مسواك يتسوك به، فأراد أن يناوله الأصغر، فقيل له: كبِّر، فأعطاه الأكبر 2، وعلى هذا فإذا كان الإنسان مقبلاً على الناس يبدأ بالأكبر، أما إذا كان بيده إناء وأراد أن يناوله فيبدأ باليمين، فإذا كان عن يمينه واحد، وعن يساره واحد فيعطي الأيمن.
قوله: «ويسن غسل يديه قبل طعام» أي: يسن أن يغسل يديه قبل الطعام، وهذه المسألة مختلف فيها، هل من السنة أن يغسل يديه قبل الطعام مطلقاً، أو إذا كان هناك حاجة؟ الظاهر التفصيل، فإذا كان هناك حاجة فاغسل يديك، ومن الحاجة أن تكون قد لمست شيئاً تتلوث به يدك، أو كثر سلام الناس عليك، فأحسست برائحة كريهة، فهنا الأفضل أن تغسل يديك، وإلا فلا حاجة.

قوله: «متقدماً به ربُّه» يعني أن الذي يتقدم في غسل يديه هو رب البيت.
قوله: «وبعده متأخراً به ربُّه» أي: أنه في آخر الطعام يكون رب البيت آخر الناس غسلاً ليديه.
وهذه راجعة للعرف والمروءة، وفي وقتنا، فالغالب أن رب البيت لا يشارك الناس.
قوله: «وكره رد شيء من فمه إلى الإناء»، لأن هذا خلاف المروءة، ويُكرِّه الطعام للناس، والإنسان ينبغي له أن يتعامل معاملة طيبة مع الناس، ويتأدب بالأدب الرفيع.
أما إذا كانت ثمرة أو لقمة فهي أشد وأشد، ومن ذلك أيضاً أن يأخذ قطعة اللحم يريد أكلها، فيجدها قاسية فيردها في الإناء، فهذا مكروه وخلاف المروءة.
قوله: «وأكله حاراً» أي: يكره أكل الحار الشديد، والذي تتألم منه المعدة، والطعام يمر على ثلاثة أشياء: اليد، والفم، والمعدة، فاليد تحس بالحر أكثر؛ لأنها لم تتعود على الحار، فأحياناً يكون الطعام حاراً في اليد، ويدخله الإنسان في فمه فما يتأثر، وبعض الناس إذا كان الطعام حاراً في الفم وتأثر به، أنزله بسرعة إلى المعدة، وهذا غلط؛ لأن هذا يوجب أن تنصهر المعدة ويحدث فيها قرحة، ولهذا أرى أن صاحب البيت إذا رأى أن الطعام حار، فإنه يصبرحتى يبرد، ثم يقدمه للضيوف؛ لئلا يضرهم وهم لا يشعرون.
قوله: «أو من وسط الصحفة»، كذلك يكره أن يأكل من

وسط الصحفة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ذلك، وقال: «إن البركة تنزل في أعلاها» 1. قوله: «أو أعلاها» الغالب أن الأعلى هو الأوسط، وإذا كانت سواء، كما في صحون الرز فلا يأكل من الوسط.
قوله: «وفعله ما يستقذره من غيره» هذه مهمة جداً، والمعنى أنك لو فعل غيرك هذا لرأيته قذراً، فلا تفعل مثله، وهذا مأخوذ من قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» 2، ومن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» 3. قوله: «ومدح طعامه وتقويمه» أي: أن هذا مكروه؛ لأنه يمنُّ به على الضيف.
قوله: «وعيب الطعام» أي أنه مكروه، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم لا يعيب الطعام، إن اشتهاه أكله، وإلا تركه 4 أما أن تعيبه وتقول: طعامك مالح! وشايك مر! وتمرك حشف! فهذا مكروه،

أما إن أراد أن يعيبه عند أهله حتى لا يعودوا لمثل ذلك، فهذا جائز، بل هو من التعليم، وهنا لم يعب الطعام، ولكن عاب صنعة أهله.
قوله: «وقِران في تمر» أي: يكره أن يأكل تمرتين جميعاً.
قوله: «مطلقاً» أي سواء كان معه مشارك أم لا، وبعض العلماء يقول: إن لم يكن معه مشارك فهو حر، يقرن بين اثنتين أو ثلاث، أما إن كان معه أحد فيكره ذلك؛ لأنه سيأكل أكثر من صاحبه، فيكون في ذلك ظلم.
وأما كراهته إذا كان وحده فلأنه يدل على الشره، وأيضاً ربما غص بذلك فيتضرر.
وقوله: «تمر» احترازاً مما دون التمر، كالعنب والفستق، فإنه يجوز القران فيه، إلا إذا كان معه أحد يضيق عليه، فلا يفعل.
قوله: «وأن يفجأ قوماً عند وضع طعامهم تعمداً»، وهذا ما يسمى بالطفيلي، فإذا ظن أنهم قدموا الطعام فاجأهم حتى لا يستطيعوا أن يقولوا له شيئاً.
فمثل هذا يكره؛ لأنه أولاً: دناءة، وثانياً: إن فيه إحراجاً لأهل البيت.
أما إذا كان عن غير عمد، كإنسان أراد أن يزور صاحبه، فدخل ووجدهم على الطعام فهذا لا بأس به.
قوله: «وأكله كثيراً بحيث يؤذيه» أي: أن ذلك يكره، وعلامة الأذى أن يضيق النفَس، ويتعب عند القيام، والاضطجاع، وما أشبه ذلك.

واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن هذا حرام، وهو الصواب، فلا يجوز للإنسان أن يأكل أكلاً يؤذيه.
قوله: «أو قليلاً بحيث يضره» الأكل القليل ينظر، إذا كان البدن يتغذى به فهذا خير؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «بحسب ابن آدم لُقيمات يُقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه» 1. فكونك تأكل قليلاً، ثم تعود إلى الأكل قريباً أحسن من كونك تأكل كثيراً ثم تتأخر إلى العودة إلى الأكل، ولهذا نسمع عن بعض الأمم أنهم يأكلون قليلاً، ثم يرجعون إلى الأكل عن قرب، فتجدهم يأكلون في اليوم والليلة خمس مرات، ويقولون: هذا أصح للبدن، وما هذا ببعيد؛ لأن الحديث السابق يدل عليه؛ لأنه إذا صار الطعام قليلاً كان هضمه من المعدة بيسر وسهولة، ولا يشق عليها، وإذا هضمته وطلبت طعاماً فكل، فلن يضرك، ولكن أكثر الناس لا يقدر على هذا، فإذا جلس على الطعام لا بد أن يملأ البطن، وهذا أحياناً لا بأس به، أي: أن تملأ بطنك بالطعام حتى لا تجد مكاناً للطعام، كما جاء ذلك في حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ فقد كان فقيراً، وكان يصحب النبي صلّى الله عليه وسلّم على شبع بطنه، وفي يوم من الأيام خرج الناس من المسجد، فجعل إذا لقي أحداً يسأله: ما الذي بعد آية كذا؟ وهو يريد بذلك: أن يدعى من أحدهم، ولكن لم يدعه أحد إلى بيته، حتى

خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: فلما رآني تبسم؛ لأنه عرف أن به جوعاً، قال: فذهبت معه، فجيء إليه بقدح من لبن، فقال لي: «ادع أهل الصفة» يريد أن يسقيهم من اللبن، فقال أبو هريرة في نفسه: إذا دعوت أهل الصفة فماذا يبقى لي؟! ولكن لا بد لي من امتثال أمر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، فذهب ودعاهم، وكانوا أحياناً يبلغون ثمانين رجلاً، فجاءوا وشربوا كلهم من هذا الإناء، وبقي فيه شيء، وكان أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ هو ساقيهم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اشرب أبا هر»، فشرب، ثم قال له: «اشرب»، فشرب، حتى ما وجد مكاناً للبن في بطنه، فقال: والله يا رسول الله لا أجد له مساغاً، فأخذ العلماء من هذا أنه يجوز للإنسان أن يملأ بطنه من الطعام، لكن أحياناً.
وانظر إلى البركة فهذا الإناء كفى أهل الصفة، وأبا هريرة، وبقيت فيه بقية، وكان يقول: إن الناس يقولون لي: أبا هريرة، وإن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمَّاني أبا هر 1، والأحسن أبو هر؛ لأنه مكبر، ولأنها تسمية النبي صلّى الله عليه وسلّم له، ولهذا كان علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أحسن الألقاب عنده أبو تراب، لأنه كان نائماً يوماً في المسجد، وقد علق التراب بجسمه، فجعل النبي صلّى الله عليه وسلّم يمسح عنه التراب، ويقول له: «قم أبا تراب» 2.

وقال صاحب الحاشية 1: «وليس من السنة ترك أكل الطيبات» وهذا صحيح، بل من السنة أكل الطيبات، فقد جيء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم بتمر طيب، فسأل عن مصدره، فقالوا: كنا نأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة 2، ولم ينكر عليهم أكل الطيب، ولكن أنكر عليهم الربا، وأقرهم على أنهم يختارون له الطيب.
وقال أصحاب الكهف: {} [الكهف: 19]، فالتورع عن أكل الطيبات خلاف سنة الأولين والآخرين، لكن إن لزم من أكل الطيبات الخروج إلى حد الإسراف، فحينئذٍ يمنع، لا لأنه أكل من الطيبات، ولكن لأجل السرف.
قوله: «ومن السرف أن يأكل كل ما اشتهى» سبحان الله! هذا ليس من السرف، بل هو من التنعم بنعم الله ـ عزّ وجل ـ، نعم لو اختار أشياء غالية لا تليق بمثله فهذا صحيح، فكلام المؤلف فيه نظر.
قوله: «ومن أذهب طيباته في حياته الدنيا، واستمتع بها، نقصت درجاته في الآخرة للأخبار»، لا شك إذا تلهى بطيبات الدنيا عن أعمال الآخرة، فلا شك أن ذلك ضرر عظيم.

قوله: «وكره نفض يده في القصعة» لأنه يقذرها على الناس، حتى لو قال: أنا أنفضها في جهتي؛ لأن الطعام كالرز ينتشر في القصعة.
قوله: «وأن يقدم إليها رأسه عند وضع اللقمة في فمه»، هذا أيضاً مكروه؛ لأنه دناءة.
قوله: «وأن يغمس اللقمة الدسمة في الخل» الخل عبارة عن ماء يوضع فيه زبيب أو تمر ليحليه، فإذا وضع فيه اللقمة الدسمة تلطخ بالدسم، فأفسده على الناس.
قوله: «أو الخل في الدسم فقد يكرهه غيره» وهذا كذلك؛ إلا إذا كان الخل في إناء خاص به، والدسم كذلك إذا كان في إناء خاص به، فإذا غمس فيه الخبز وفيه دسم فإنه لا يكره؛ لأنه لن يفسده على أحد، ومثله الشاي لو غمست فيه الخبز المدهون فيظهر أثر الدهن فيه، فلا بأس؛ لأن كل واحد يشرب في إناء خاص.
فإذا قال قائل: المؤلف ـ رحمه الله ـ جزم بالكراهة في هذه الأمور، فهل في كل واحد منها سنة مخصوصة؟ فالجواب: لا نعلم، ولكن هنا شيء عام يدل على كراهة هذه الأشياء، وهو قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت» 1، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها

إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» 1، وكل ما يخالف المروءة، فهو مخالف للحياء.
قوله: «وينبغي أن يحول وجهه عند السعال والعطاس عن الطعام» السعال، أي: الكحة، فينبغي أن يبعد وجهه عن الطعام لئلا يخرج شيء من الريق، ويقع في الطعام وهذا حق، والعطاس من باب أولى.
ولكن قوله: «أن يحول وجهه» أي يصرفه عند العطاس هذا غلط؛ لأنهم يقولون: إن هذا خطر عظيم على الأعصاب؛ لأنه كما هو معلوم العطاس يهز البدن كله، فلو التفت أثناء العطاس ربما اختلفت أعصاب الرقبة، ولهذا كره الأطباء أن ينحرف الإنسان عند العطاس، ولكن يفعل كما قال المؤلف: «يبعد عنه، أو يجعل على فيه شيئاً» وهذا من الآداب أن يغطي الإنسان وجهه عند العطاس، فيضع غترته أو ما أشبه ذلك على وجهه إذا أمكن.
قوله: «لئلا يخرج منه ما يقع في الطعام» وهذا سبق.
قوله: «ويكره أن يغمس بقية اللقمة التي أكل منها في المرقة» كإنسان أكل قطعة من خبز، ثم غمسها في المرق، فيكره، إلا إذا كان لا يأكل معه أحد فلا حرج.
قوله: «ويستحب للآكل أن يجلس على رجله اليسرى وينصب اليمنى، أو يتربع» فيجلس على اليسرى وينصب اليمنى

بساقها وفخذها؛ لئلا يتوطن كثيراً فيأكل كثيراً، أو يتربع، ولكن ابن القيم ـ رحمه الله ـ ذكر في «زاد المعاد» أن التربع مكروه، وأنه داخل في قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا آكل متكئاً» 1، وعلل ذلك بأن المتربع مستوطن أكثر، فربما يأكل كثيراً.
والجواب: عن هذا أن يقال: الحديث لا يدل على هذا، فالتربع ليس اتكاء، ومسألة أنه إذا تربع أكثرَ من الطعام هذه ترجع إلى الإنسان، ربما حتى لو جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى ربما يكثر من الطعام، فالظاهر أن التربع لا يكره.
قوله: «وينبغي لمن أكل مع جماعة أن لا يرفع يده قبلهم حتى يكتفوا» خصوصاً إذا كان كبير القوم، أو صاحب البيت، فلا تقم قبلهم؛ لأنك إذا قمت قبلهم ربما يقومون حياء، وهم لم يشبعوا، فكن آخر شخص.
وكان الناس فيما سبق يبالغون في هذا غاية المبالغة، حتى إذا قام صبي من خمسين رجلاً على المائدة قاموا جميعاً، ولكن أخيراً صار لا يقوم الإنسان إلا إذا شبع، ويعبرون عن هذه العادة بقولهم: سعودية؛ لأن أول من سنها ـ كما قيل ـ الملك عبد العزيز ـ رحمه الله ـ، واقترح علينا بعض الناس في مجلس في الرياض أن تكون سعودية في المبتدى والمنتهى، فالناس إذا حضروا على المائدة لا يبدأون حتى يتكاملوا ويحضروا جميعاً، فيتأخرون كثيراً، فلماذا لا نقول: سعودية في الأول، فمن جلس أكل؟

وهذا الاقتراح أعجبني في الواقع، ولا يعد خلافاً للمروءة كما قال الشاعر 1: وإن مُدت الأيدي إلى الزاد لم أكن بأعجلهم إذ أجشع الناس أعجل لأنه إذا صارت عادة لم تكن جشعاً.
قوله: «وأن يخرج مع ضيفه إلى باب الدار» أي: يستحب ذلك، وهذا ـ أيضاً ـ حسب العادة، فإذا كان الضيف ممن يرى أنه أهل لأن يصحب إلى الباب فليكن، وإلا فلا حاجة.
قوله: «ويحسن أن يأخذ بركابه» هذا إذا جاء على بعير، فيأخذ بركابه حتى يسهل الركوب، وفي الوقت الحاضر يفتح له باب السيارة.
قوله: «وينبغي للضيف ـ بل لكل أحد ـ أن يتواضع في مجلسه» وضد التواضع شيئان: الأول: الكبر، وهذا حرام، بل من كبائر الذنوب، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ [لقمان: 18].
الثاني: أن لا يكون متكبراً ولا متواضعاً، بل طبيعياً، وهذه حال جائزة، لكن الأفضل أن يكون متواضعاً.
وهل من التواضع أن يقدم اللحم لجليسه كما يفعل بعض الناس؟ هذه ـ أيضاً ـ ترجع إلى العادات، فإذا جرت العادة بأن هذا من باب التواضع والإكرام فافعل، وإلا فلا تفعل، وكذلك لو قال لك جليسك: كف عن هذا، فلا تحرجه، ودعه يأخذ كما يريد.

قوله: «وإن عيَّن له صاحب البيت مكاناً لم يتعده».
هذا من الأدب، فإذا قال له صاحب البيت: تفضل اجلس هنا، فلا يقول: لا، وإذا كان رجلاً شريفاً، وذا مكانة، وأجلسه في مكان لا يليق به فله أن يرفضه؛ لأنه ما أكرمه، فلا كرامة له، وإذا قال للداخل: اجلس هنا ـ أي: في صدر المجلس ـ ولكن أحب هذا الداخل أن يجلس في مكان آخر يكون قريباً من جميع الحضور، فهل يعصي صاحب البيت، ونقول: لا بأس؟ أو نقول: أنت داخل بإذن من صاحب البيت، فليس لك أن تجلس في مكان غير الذي عينه لك؟ الجواب: الثاني، ولكن إذا رأى من المصلحة أن يجلس وسط الناس دون المقدم فليستأذن.

بَابُ عِشْرَةِ النِّسَاءِ

يَلْزَمُ الزَّوْجَيْنِ العِشْرَةُ بِالمَعْرُوفِ،

.......... قوله: «عشرة»: العِشْرة مأخوذة من المعشر، والعشيرة، وما أشبه ذلك، وأصلها في اللغة الاجتماع، ومنه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب» (1) يخاطب الجمع، ومنه العشيرة؛ لأنها مجتمعة على أب واحد.
لكن المراد هنا غير ما يراد في اللغة، فالمراد بالعشرة هنا المعاملة والالتئام بين الزوجين.
قوله: «النساء»: المراد بالنساء هنا الزوجات، وليس عموم الإناث؛ لقول الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ أي: الزوجات، ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاََّّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ [النساء: 23] أي: الزوجات، أما قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 24]، فالمراد بالنساء هنا الإناث، وعلى هذا فكلمة «النساء» تارة يراد بها الزوجات، وتارة يراد بها عموم النساء، حسب ما يقتضيه السياق.

فقول: «

باب عشرة النساء

» المراد به كيف يعاشر الرجل زوجته؟ وكيف تعاشر المرأة زوجها؟ والحقيقة أنه باب عظيم تجب العناية به؛ لأن تطبيقه من أخلاق الإسلام، ولأن تطبيقه تدوم به المودة بين الزوجين، ولأن1

تطبيقه يحيا به الزوجان حياة سعيدة، ولأن تطبيقه سبب لكثرة الولادة، لأنه إذا حسنت العشرة بين الزوجين ازدادت المحبة، وإذا ازدادت المحبة ازداد الاجتماع على الجماع، وبالجماع يكون الأولاد، فالمعاشرة أمرها عظيم.
ثم اعلم أن معاملتك لزوجتك يجب أن تقدر كأن رجلاً زوجاً لابنتك، كيف يعاملها؟ فهل ترضى أن يعاملها بالجفاء والقسوة؟ الجواب: لا، إذاً لا ترضى أن تعامل بنت الناس بما لا ترضى أن تعَامَل به ابنتك، وهذه قاعدة ينبغي أن يعرفها كل إنسان.
وقد روى الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ في مسنده أن رجلاً سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم عن الزنا، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أترضى أن يزني أحد بأختك، أو بنتك، أو أمك؟ قال: لا، فلم يزل يقول: بكذا وكذا، كل ذلك يقول: لا، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: فاكره ما كره الله، وأحب لأخيك ما تحب لنفسك» 1. وهذا مقياس عقلي واضح جداً، فكما أن الإنسان لا يرضى أن تكون ابنته تحت رجل يقصر في حقها، ويهينها، ويجعلها كالأمة يجلدها جلد العبد، فكذلك يجب أن يعامل زوجته بهذا، لا بالصلف، والاستخدام الخارج عن العادة.
وعلى الزوجة ـ أيضاً ـ أن تعامل زوجها معاملة طيبة، أطيب من معاملته لها؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في كتابه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ [البقرة: 228]، ولأن الله تعالى

سمَّى الزوج سيداً، فقال ـ عزّ وجل ـ في سورة يوسف: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25]، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سمى الزوجة أسيرة فقال: «اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم» 1 «وعوانٍ» جمع عانية وهي الأسيرة.
فعلى كل حال الواجب على الإنسان إذا كان يحب أن يحيا حياة سعيدة، مطمئنة، هادئة أن يعاشر زوجته بالمعروف، وكذلك بالنسبة للزوجة مع زوجها، وإلا ضاعت الأمور، وصارت الحياة شقاء، ثم هذا ـ أيضاً ـ يؤثر على الأولاد، فالأولاد إذا رأوا المشاكل بين أمهم وأبيهم سوف يتألمون وينزعجون، وإذا رأوا الألفة فسيسَرُّون، فعليك يا أخي بالمعاشرة بالمعروف.
ولهذا قال المؤلف: «يلزم الزوجين العشرة بالمعروف»، «يلزم» بمعنى يجب و «الزوجين» الرجل والمرأة «العشرة» فاعل يلزم يعني المعاشرة بالمعروف، أي: بما يعرف شرعاً، وعرفاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19] وهذا أمر، والأصل في الأمر الوجوب وقال: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]. فأثبت أن عليهن عشرة، فيجب على الزوج والزوجة، كل منهما أن يعاشر الآخر بالمعروف.
وقوله: «بالمعروف» يحتمل أن المراد به ما عرفه الشرع وأقره، ويحتمل أن المراد به ما اعتاده الناس وعرفوه، ويمكن أن

نقول بالأمرين جميعاً، ما عرفه الشرع وأقره، وما اعتاده الناس وعرفوه، فلو اعتاد الناس أمراً محرماً فإنه لا يجوز العمل به، ولو كان عادة؛ لأن الشرع لا يقره، وما سكت عنه الشرع، ولكن العرف يلزم به فإنه يلزم؛ لأن هذا من تمام العقد، إذ العقود الجارية بين الناس تتضمن كل ما يستلزمه هذا العقد شرعاً، أو عرفاً، فلو قالت الزوجة: أنت ما شرطت علي أني أفعل كذا، نقول: لكن مقتضى العقد عرفاً أن تفعلي هذا الشيء.
ولو قال الزوج: يا فلانة اصنعي طعاماً فإن معي رجالاً، فقالت: لا أصنع، أنا ما تزوجت إلا للاستمتاع فقط، أما أن أخدمك فلا، فهل يلزمها أو لا؟ نعم، يلزمها؛ لأن هذا مقتضى العرف، وما اطرد به العرف كالمشروط لفظاً، وبعضهم يعبر بقوله: الشرط العرفي كالشرط اللفظي.
وقوله: «يلزم» أي لزوماً شرعياً، وينبغي للإنسان في معاشرته لزوجته بالمعروف أن لا يقصد السعادة الدنيوية، والأنس والمتعة فقط، بل ينوي مع ذلك التقرب إلى الله ـ تعالى ـ بفعل ما يجب، وهذا أمر نغفل عنه كثيراً، فكثير من الناس في معاشرته لزوجته بالمعروف، قصده أن تدوم العشرة بينهما على الوجه الأكمل، ويغيب عن ذهنه أن يفعل ذلك تقرباً إلى الله تعالى، وهذا كثيراً ما ينساه، ينسيه إياه الشياطين، وعلى هذا فينبغي أن تنوي بهذا أنك قائم بأمر الله: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وإذا نويت ذلك حصل لك الأمر الثاني، وهو دوام العشرة الطيبة، والمعاملة الطيبة، وكذلك بالنسبة للزوجة.

وكذا كل ما أمر به الشرع ينبغي للإنسان عند فعله أن ينوي امتثال الأمر ليكون عبادة، ففي الوضوء ـ مثلاً ـ إذا أردنا أن نتوضأ نقصد أن هذا شرط من شروط الصلاة، لا بد من القيام به، ونستحضر أننا نقوم بأمر الله ـ تعالى ـ في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] قد نذكره أحياناً، ولكننا ننساه كثيراً، وهل عندما نفعل هذا نشعر بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كأنه أمامنا، وأننا نقتدي به فنكون بذلك متبعين؟ هذا قد نفعله أحياناً، ولكنه يفوتنا كثيراً، فينبغي للإنسان أن يكون حازماً لا تفوته الأمور والأجور بمثل هذه الغفلة.
وينبغي للإنسان أن يصبر على الزوجة، ولو رأى منها ما يكره لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19] سبحان الله، ما أبلغ القرآن، فلم يقل جل وعلا: فعسى أن تكرهوهن، بل قال: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ أي شيء يكون، فقد يكره الإنسان أن يذهب إلى بيت صاحبه ويجعل الله في هذا الذهاب خيراً كثيراً، وقد يكره الإنسان أن يشتري شيئاً، ويشتريه وهو كاره، فيجعل الله فيه خيراً كثيراً، ولقول ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ: «لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقاً رضي منها آخر» 1، ونبَّه الرسول صلّى الله عليه وسلّم على هذا بقوله: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد،

ثم يضاجعها» 1. والمرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين، وقريبة العاطفة، كلمة منك تبعدها عنك بُعد الثريا، وكلمة تدنيها منك حتى تكون إلى جنبك، فلهذا ينبغي للإنسان أن يراعي هذه الأحوال بينه وبين زوجته، ولكن نسأل الله السلامة، الآن لما كان عند الناس شيء من ضعف الإيمان، صار أقل شيء يوجد بينه وبين زوجته، وأقل غضب، ولو على أتفه الأشياء تجده يغضب، ويطلِّق، وليته يطلق طلاقاً شرعياً، بل تجده يطلق زوجته وهي حائض، أو في طهر جامعها فيه، أو بدعياً بعدده، وبعضهم يزيد على هذا، فيظاهر منها، نسأل الله السلامة، كل هذا من ضعف الإيمان، وقلة التربية الإسلامية.
وينبغي للإنسان أن لا يغضب على كل شيء؛ لأنه لا بد أن يكون هناك قصور، حتى الإنسان في نفسه مقصر، وليس صحيحاً أنه كامل من كل وجه، فهي ـ أيضاً ـ أولى بالتقصير.
وأيضاً: يجب على الإنسان أن يقيس المساوئ بالمحاسن، فبعض الزوجات إذا مرض زوجها قد لا تنام الليل، وتطيعه في أشياء كثيرة، ثم إذا فارقها فمتى يجد زوجة؟! وإذا وجد يمكن أن تكون أسوأ من الأولى، لهذا على الإنسان أن يقدر الأمور حتى يكون سيره مع أهله على الوجه الأكمل، والإنسان إذا عود نفسه حسن الأخلاق انضبط، وبذلك يستريح.

وَيَحْرُمُ مَطْلُ كُلِّ وَاحِدٍ بِمَا يَلْزَمُهُ لِلآخَرِ، وَالتَّكَرُّهُ لِبَذْلِهِ، وَإِذَا تَمَّ الْعَقْدُ لَزِمَ تَسْلِيمُ الحُرَّةِ الَّتِي يُوطَأُ مِثْلُهَا فِي بَيْتِ الزَّوْجِ إِنْ طَلَبَهُ، وَلَمْ تَشْتَرِطْ دَارَهَا أَوْ بَلَدَهَا،

........ قوله: «ويحرم مطل كل واحد بما يلزمه للآخر» المطل، أي: التأخير، ومنه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم» 1، أي: تأخير الغني وفاء الدين ظلم، فيحرم أن يمطل بحق الآخر، فتقول له زوجته: أنا أريد كسوة، يقول: إن شاء الله، ثم تمضي الأيام ولم يأتها بشيء، والمرأة محتاجة، فهذا حرام عليه، يجب أن يسد حاجتها، صحيح أنه ليس عليه أنه كلما نزل في السوق زِيٌّ من الأزياء، وقالت: إيتني به، أن يأتيها به، فبهذا لا يطيعها؛ لأن المرأة لا حد لها، ولكن الشيء الذي لا بد منه يجب عليه أن يبادر ولا يماطل.
فإن منع أحدهما ما يلزمه بالكلية يحرم من باب أولى؛ لأنه إذا كان التأخير حراماً فالمنع من باب أولى.
قوله: «والتكره لبذله» كأن يأتيها بما تطلبه وتحتاجه، ولكنه يعطيها إياه بعنف ومِنَّة، فهذا ـ أيضاً ـ محرم، فما دام أن الأمر واجب عليك فلا تمن، وفي حديث أبي ذر ـ رضي الله عنه ـ في صحيح مسلم 2 عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: المسبل، والمنان، والمنفِّق سلعته باليمين الكاذبة».
كذلك بالنسبة للزوجة يحرم عليها أن تمطل بحق زوجها،

فإذا أمرها بما يجب عليها لم يجز لها أن تؤخر، ولهذا جاء في الحديث الصحيح: «إذا دعا الرجل زوجته فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح» 1 والعياذ بالله، فالمسألة ليست هينة، كذلك يحرم عليها التكره في بذله، كأن تبذل له ما يجب، لكن مع الكراهة والعبوس، وعدم انطلاق الوجه، وإذا بُلي الإنسان بامرأة كهذه يعظها، ويهجرها، ويضربها حتى تستقيم، كما قال تعالى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً﴾ [النساء: 34]، فيعظها وينصحها ويرشدها، والله مع النية الطيبة ييسر الأمر.
فلدينا ثلاثة أشياء: منع ما يجب، والمماطلة به، والتكره لبذله، وكل هذا محرم؛ لأن الحقوق يجب أن تؤدى لأهلها بدون أي توقف.
مسألة: إذا كان مقصراً في النفقة، وهي قادرة على أن تأخذ من ماله بغير علمه، فلها أن تأخذ، أفتاها بذلك سيد المفتين من البشر محمد صلّى الله عليه وسلّم حين جاءت هند بنت عتبة ـ رضي الله عنه ـ إليه، وقالت: إن أبا سفيان رجل شحيح، لا يعطيني ما يكفيني وولدي، فقال: «خذي ما يكفيك وولدك من ماله بالمعروف» 2.

قوله: «وإذا تم العقد» والعقد يتم بالإيجاب والقبول.
قوله: «لزم تسليم الحرة» أي: وجب تسليم الحرة.
وقوله «الحرة» احترازاً من الأمة، وسيأتي حكمها.
وهذه المسألة لها أحوال أربعة: أولاً: أن يطلب الزوج حضورها إلى بيته، فيجب أن تحضر إلى البيت من حين العقد.
ثانياً: أن لا يطلب بلسانه، لكن يطلب بحاله، بمعنى أن توجد قرائن تدل على أنه يرغب أن تأتي إلى بيته، فيلزم؛ لأنه قد يكون الرجل يستحي أن يقول: أعطوني البنت، لكن حاله تدل على هذا، إما أن يشكو التردد إلى بيت أهلها، أو يقول مثلاً: إلى متى ننتظر؟ وما أشبه ذلك.
ثالثاً: أن يطلب أهلها أن يستلمها؛ لأنه زوجها، وسكناها ونفقتها عليه.
رابعاً: أن يكون هناك سكوت من الزوج ومن أهلها، فالأمر إليه، فمتى شاء طلب.
قوله: «التي يوطأ مثلها» قال العلماء: وهي بنت تسع، والحقيقة أن التقييد بالسن في هذا المقام فيه نظر؛ لأن من النساء من تبلغ تسع سنين، ولا يمكن وطؤها لصغر جسمها، أو نحافتها وما أشبه ذلك، ومن النساء من يكون لها ثمان سنين، وتكون صالحة للوطء، فالصواب أنه لا يقيد بالسن، بل يقال: هي التي يمكن وطؤها، والاستمتاع بها، فهذه يجب تسليمها.
وظاهر كلام المؤلف: ولو كانت حائضاً فإنه يجب

تسليمها، والمذهب لا يجب، ولكن هذا مشروط بأن لا يُخشى من الزوج، فإن خشي منه، بحيث نعرف أن الرجل ليس بذاك المستقيم، وأننا لو سلمنا المرأة له ربما يطؤها، فهذه لا نسلمها حتى تطهر، كذلك لو فرض أن المرأة مريضة، والزوج ممن لا يخاف الله، ونخشى عليها أن يجامعها وهي مريضة، فيضرها ذلك، فإننا لا نسلمها.
قوله: «في بيت الزوج» أي يجب أن تسلم في بيت الزوج، وهذا يوافق عرف بعض البلاد، فإذا قال الزوج: دعوها تأتي للبيت، قلنا: يلزم تسليمها له في بيته، ولكن هذا الكلام مقيد بما إذا لم يخالف العادة، فإن خالفها نرجع إلى القاعدة المستقرة وهي ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فإذا كان من عادة الناس أن الزوج هو الذي يأتي لبيت الزوجة، فيلزمه ذلك.
فالمؤلف اشترط لوجوب تسليم المرأة لزوجها أربعة شروط: الأول: أن تكون حرة.
الثاني: أن يوطأ مثلها.
الثالث: قوله: «إن طلبه» أي: يطلب الزوج تسليمها.
الرابع: قوله: «ولم تشترط دارها أو بلدها» إذا كان بيت الزوج في بلد آخر.
فإذا تمت هذه الشروط وجب تسليمها، ويجب على زوجها ـ أيضاً ـ أن يتسلمها، فإن عقد عليها وصار كل يوم يقول: اليوم أدخل، اليوم أدخل، فإنه إذا تم لها أربعة أشهر، ولم يدخل فإن لها الفسخ.

وقوله: «ولم تشترط دارها أو بلدها» عُلم منه أنها إذا اشترطت دارها لم يلزم أن تسلم في بيت الزوج، وقد سبق لنا أن هذا من الشروط الجائزة؛ لقول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» 1؛ لأن وجودها في بيت الزوج من حقه، فإذا أسقطه سقط، وكذلك إذا اشترطت بلدها، كأن يكون الزوج في بلد آخر وطلب تسليمها فإنه لا يلزم؛ لأنها اشترطت بلدها، وقد التزم بهذا الشرط فلا يلزمها.

وَإِذَا اسْتَمْهَلَ أَحَدُهُمَا أُمْهِلَ العَادَةَ وُجُوباً، لاَ لِعَمَلِ جِهَازٍ، وَيَجِبُ تَسْلِيمُ الأمَةِ لَيْلاً فَقَطْ، وَيُبَاشِرُهَا مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا أَوْ يَشْغَلْهَا عَن فَرْضٍ، وَلَهُ السَّفَرُ بِالْحُرَّةِ مَا لَمْ تَشْتَرِطْ ضِدَّهُ،

......... قوله: «وإذا استمهل أحدهما أمهل العادة وجوباً» أي: طلب الإمهال من الآخر، فمثلاً قال الزوج: أريد أن يكون الدخول الليلة المقبلة، فقالت: أمهلني حتى أصلح من أمري، أو قالوا: نريد أن يكون الدخول الليلة المقبلة، فقال: أمهلوني حتى أصلح أمري، يقول المؤلف: «أمهل العادة» أي: أمهل إمهال العادة.
وقوله: «وجوباً» نعت لمصدر محذوف أي: إمهالاً وجوباً، أو عامله محذوف، والتقدير يجب وجوباً.
والمعنى أنه يجب أن ينظر بما جرت به العادة، يوماً أو يومين، أو ثلاثة، بحسب ما جرى به العرف، وإنما وجب ذلك؛ لأنه من العشرة بالمعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: 19].
قوله: «لا لعمل جهاز» يعني لو طلب الإمهال ليجهز بيته لزوجته فإنه لا تجب إجابته؛ لأن هذا شيء لا يتعلق بالنكاح؛ لأن

تجهيز البيت يمكن ولو بعد الدخول، ومثله ـ أيضاً ـ لو كان الجهاز منها هي، تريد أن تأتي معها بأواني البيت وما يصلحه، وطلبت أن تمهل وأبى الزوج؛ فإنها لا تمهل؛ لأن هذا يمكن شراؤه بعد الدخول، فإذا جرت العادة أن هذا يكون مصاحباً للمرأة فإنها تمهل؛ لأنه لا فرق بين ما يتعلق بذاتها، وما يتعلق بشؤون البيت.
قوله: «ويجب تسليم الأمة ليلاً فقط» هذا مفهوم القيد الأول وهو قوله: «لزم تسليم الحرة»، فالأمة يجب تسليمها في الليل فقط؛ لأنها في النهار مشغولة بخدمة سيدها، وما يتعلق بالنكاح عماده الليل دون النهار، فالسيد يقول: أنا أحتاج هذه الأمة في النهار لشغل البيت، والزوج يتمتع بها بالليل، هذا ما لم يشترط الزوج أن تسلم له ليلاً ونهاراً، فإذا اشترط ذلك، وقبل السيد، فهما على شرطهما.
والصحيح في هذه المسألة أنه يلزم تسليمها؛ وذلك لأن حق الزوج طارئ على حق السيد، فهو مقدم عليه، وأن سيدها متى زوجها فقد انقطعت منافعه منها، فالزوج هو السيد، وإلا لقلنا: حتى الحرة إذا كان لها أب وأم يحتاجان إلى رعاية فإنه لا يجب تسليمها؛ لأن حق الوالدين واجب!! فنقول: متى تزوجت المرأة فسيدها زوجها تسلم إليه، سواء كانت حرة أو أمة.
لكن لو اشترط السيد على الزوج أن الأمة تبقى في النهار عنده فعلى ما شرط؛ لحديث: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» 1.

استأنف المؤلف بيان شيء من الحقوق فقال: «ويباشرها» الواو للاستئناف، والجملة خبر بمعنى الإباحة، والمعنى يباح له أن يباشرها بالاستمتاع، إلا في الأماكن والأحوال التي حرمها الشرع؛ فمثلاً لا يطؤها في الدبر، ولا يطؤها في حال الحيض والنفاس، ولا يطؤها وهي صائمة صوماً واجباً، أو تطوعاً بإذنه، وإلا فله أن يباشرها متى شاء ليلاً أو نهاراً.
وهل له أن يباشرها وإن لم يحصل الدخول الرسمي؟ فلو عقد عليها ـ مثلاً ـ وهي في بيت أهلها، ولم يحصل الدخول الرسمي الذي يحتفل به الناس، فذهب إلى أهلها وباشرها جاز؛ لأنها زوجته، إلا أننا لا نحبذ أن يجامعها؛ لأنه لو جامعها ثم حملت اتهمت المرأة، فالناس يقولون: كيف تحمل وهو لم يدخل عليها؟ ثم لو جامعها، وقدر الله أن مات من يومه، ثم حملت بهذا الجماع، ماذا يقول الناس؟! لكن له أن يباشرها بكل شيء سوى الجماع؛ لأنها زوجته، ومن ثَمَّ فأنا أفضل أن يكون العقد عند الدخول.
قوله: «ما لم يضر بها» فإن أضر بها فإنه يحرم عليه لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231] وهذا في الرجعيات، فإذا كان الإمساك بها محرماً في حال الإضرار، فكذلك الاستمتاع بها في حال الإضرار، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1، وكيف يضرها؟ لو فرضنا أن المرأة حامل،

والاستمتاع بها يشق عليها مشقة عظيمة، إما على نفسها، أو جنينها، أو ما أشبه ذلك، أو فرضنا أنها أجرت عملية جراحية، فإنه في هذه الحال لا يجوز له مباشرتها؛ لأنه يحرم عليه الإضرار بها، والواجب تجنب ما يضر بها.
قوله: «أو يَشغَلْها عن فرض» مثلا طلب منها الاستمتاع وهي لم تصلِّ، وقد ضاق الوقت، أو طلب الاستمتاع بها قبل طلوع الشمس، وهي ما صلت الفجر، فنقول: هذا لا يجوز لك؛ لأنك تشغلها عن فرض، وهو الصلاة في وقتها، وكذلك لو شغلها عن فرض آخر غير الصلاة، مثل أن يمنعها من صيام قضاء رمضان مع ضيق الوقت، وذلك بأن يبقى من شعبان بقدر ما عليها من الصيام.
ولو فرضنا أنه طلب الاستمتاع والمباشرة، وهي على التنور، فقالت له: انتظر حتى لا يحترق الخبز، فله أن يفعل، ولا يجوز لها أن تتأخر.
وكذا المكان فله الاستمتاع بها في أي مكان، إلا إذا أضر بها، كما لو كان هناك برد، بل قال الفقهاء: ولو على ظهر قتب، أي: رحل البعير، والمعنى أنه في أي مكان، وفي أي زمان، إلا إذا أضر بها، أو شغلها عن فرض.

كل هذا تحقيقاً للسيادة من الزوج على زوجته، وتحقيقاً لكونهن عواني عندنا، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنهن عوانٍ عندكم» (1)، ولهذا كثر حث النبي صلّى الله عليه وسلّم على الرفق بالنساء؛ لأن الزوج قد يستعلي عليها؛ لأنه سيدها، فحثه الله ـ عزّ وجل ـ، والنبي صلّى الله عليه وسلّم على المعاشرة بالمعروف والرفق، استمع قول الله ـ عزّ وجل ـ ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ﴾ أي فيما يجب ﴿فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ [النساء: 34] يعني اذكروا بِعُلُوِّكم عليهن علوَّ الله ـ عزّ وجل ـ، وبكبريائكم عليهن كبرياء الله ـ عزّ وجل ـ. وهل يشمل الضرر بها الضرر بمالها؟ الظاهر أنه يدخل في ذلك، مثل ما لو كانت المرأة لها غنم، وقد ضاعت غنمها أو هربت، وتحتاج أن تلحق الغنم لتردها، وهو يريد الاستمتاع بها، نقول: هذا لا يجوز؛ لأن فيه إضراراً بها، إلا إذا كنت تختار أن تضمن لها هذا المال إذا تلف، فلا بأس.
وهل لها أن تباشره وتستمع به؟ نعم؛ لأنها كما أنه يريد منها ما يريد، فهي ـ أيضاً ـ تريد منه ذلك، وإنما قال المؤلف: «يباشرها» لأن الزوج هو الذي له الولاية والقوامة عليها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 34].

وَيَحْرُمُ وَطْؤُهَا فِي الْحَيْضِ وَالدُّبُرِ، وَلَهُ إِجْبَارُهَا عَلَى غُسْلِ حَيْضٍ وَنَجَاسَةٍ، وَأَخْذِ مَا تَعَافُهُ النَّفْسُ مِنْ شَعْرٍ، وَغَيْرِهِ،

....... قوله: «وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده»، «له» الضمير يعود على الزوج، «بالحرة» أي بالمرأة الحرة، ما لم تشترط1

ضده، فإن اشترطت ضده فلا حق له أن يسافر بها، لما سبق من الأدلة على وجوب الوفاء بالشروط، ولو سافر بها لكن بعد ما سافر بها أصابها مرضٌ نفسي من هذا السفر، هل يلزمه أن يردها إلى بلدها، أو لا؟ الجواب: نعم يلزمه قياساً على ما سبق في قوله: «ويباشرها ما لم يضر بها»، فإذا أوجب هذا السفر لها المرض، فإن عليه أن يعيدها إلى بلدها، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1. وهل له أن يسافر بالأمَة؟ ليس له أن يسافر بها إلا إذا اشترط السفر بها؛ لأن الأمة مشغولة بخدمة سيدها، بخلاف الحرة، وعلى هذا فيكون الأصل في الحرة أن يسافر بها ما لم تشترط ضده، والأصل في الأمة أن لا يسافر بها ما لم يشترط هو أن يسافر بها.
وقوله: «وله السفر بالحرة ما لم تشترط ضده» أي: تشترطه باللفظ، وكذلك بالعرف، فلو كان من المطرد عند أهل هذا البلد أن الرجل لا يسافر بامرأته إلا بشرط فإنه يؤخذ بالشرط، وتقدم لنا في باب الشروط أن الصحيح من أقوال أهل العلم أن جميع الشروط المباحة في النكاح لازمة، وواجب الوفاء بها، لعموم الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالعهود، وبالعقود، وبالشروط.
أما إذا اضطر إلى السفر بها وأبت، فهل له أن يقول: إما

أن تسافري وإما أن أطلقك؟ هذه مشكلة؛ لأنه إذا قال هذا الكلام، فمقتضاه أن يلزمها بإسقاط الشرط وهي كارهة، فإذا كان يريد تهديدها حتى تسقط هذا الشرط، فإن هذا لا يجوز، أما إذا قال هذا عن جِدٍّ، وليس عن تحدٍّ، وقال: إنه لا يملك نفسه، ولا بد له من زوجة إذا سافر، وقال لها: إما أن تسافري معي وإلا فسأتزوج وأطلقك، أي: ليس قصده إجبارها وإكراهها، فهنا نقول: لا بأس.
قوله: «ويحرم وطؤها في الحيض» أي: يحرم وطء الزوجة في الحيض؛ لقول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيْضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: يطهرن من الحيض ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: اغتسلن ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] والآية نص صريح، وفيها ذِكْر التعليل قبل الحكم؛ من أجل إيقاظ الذهن للعلة؛ حتى يكون الإنسان كارهاً للفعل قبل أن يعرف حكمه، وهذا أسلوب من أساليب البلاغة، وإلا فالغالب أنه يُذكَر الحكم ثم تذكر العلة، لكن هنا ذكرت العلة من أجل أن يرد الحكم على نفس كارهة للمخالفة؛ لأن أي إنسان يعرف أنه أذى سوف يتجنبه.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَذىً﴾ أي: على الزوجين جميعاً، فالزوج يتضرر، والزوجة تتضرر أيضاً، ثم هو دم نجس وليس طاهراً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر الحائض إذا أصاب دمها ثوبها أن تغسله ثم تصلي فيه 1.

وإذا حرم الوطء في الحيض فيجوز ما سواه، من المباشرة والجماع دون الفرج، وما أشبه ذلك؛ لأنه إذا كان الأصل الحل فإنه لا يخرج عن الأصل إلا ما قُيِّد بالوصف فقط، وهو الجماع.
فإذا قال قائل: كيف تقول: إنه الجماع، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾، وهذا يقتضي أن الزوج يعتزلها حتى يكون فراشه غير فراشها، وأن لا يقربها أيضاً؟ فالجواب: أن هذا من باب التوكيد؛ لأن السنة بينت ذلك، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» 1، وأخبرت عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأمرها، فتتزر، فيباشرها وهي حائض 2، فالتعبير بالعبارتين: ﴿فَاعْتَزِلُوا﴾، ﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ﴾ من باب التوكيد والتنفير، وذلك واضح؛ لأن النفس تدعو إلى جماع الزوجة، لا سيما إذا كان شاباً وهي شابة، فيحتاج الحكم بالتحريم إلى عباراتٍ جزلة، توجب النفور من هذا العمل، ومن رحمة الله ـ عزّ وجل ـ أنه لا يمنع شيئاً إلا أحل ما يقوم مقامه، ولو من بعض الوجوه، وهو المباشرة دون الفرج.
لكن ينبغي لمن أراد ذلك أن يأمر زوجته فتتزر، وأن لا

يبقى محل المباشرة مكشوفاً؛ لأنه ربما يرى منها ما يكره من الدم ونحوه، فتتقزز نفسه منها، ويؤثر ذلك على نفسيته، حتى في المستقبل، ولهذا كان من حكمة النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه يأمر المرأة أن تتزر.
فإذا جامع في الحيض ترتب عليه: الإثم، والمعصية، والعقوبة.
وهل تجب عليه كفارة أم لا؟ هذا ينبني على صحة الحديث الوارد في هذا، والعلماء مختلفون فيه، فمن صح عنده الحديث أوجب الأخذ به، والكفارة دينار، أو نصفه، إما على التخيير، أو باعتبار حال الحيض، بمعنى أنه يفرق بين الوطء في آخر الحيض وخفته، وتوقان النفس إلى الجماع، فيكون نصف دينار، وبين أن يكون الحيض في أوله وفوره، فيكون ديناراً.
والتخيير فيه إشكال، وهو أنه جرت العادة في الكفارات أنه لا يمكن أن تكون كفارة واجبة من جنس واحد، كاملة أو ناقصة؛ لأن التخيير إنما يكون بين شيئين مختلفين، كالإطعام، والكسوة، وتحرير الرقبة، في كفارة اليمين، وأما بين شيئين هما من جنس واحد ـ إلا أن هذا كثير وهذا قليل ـ فهذا لم يرد.
ولكن الجواب عن هذا أن نقول: إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ له أن يحكم بما شاء، فإذا خير العبد بين دينار أو نصفه، فهذا من الرحمة، فمن ابتغى الفضل تصدق بدينار، ومن ابتغى الواجب تصدق بنصف دينار.

والمرأة إن وافقت زوجها على الوطء حال الحيض اختياراً فهي مثله، وإن أكرهها فلا شيء عليها، لا إثم ولا كفارة.
قوله: «والدبر» أي: ويحرم وطؤها ـ أيضاً ـ في الدبر، بمعنى أن يولج الذكر في الدبر لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223]، والدبر ليس محلاً للحرث، ولأحاديث متعددة وردت في التحذير منه، ومجموعها يقضي أن تصل إلى درجة الحسن العالي، ومنها أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن» 1. ثم إن القياس الصحيح يقتضي هذا، فالغائط أخس من الدم بلا شك، فإذا كان الله ـ تعالى ـ حرم وطء الحائض للأذى من الدم، فإن وطء الدبر أشد وأقبح؛ لأن هذا يشبه اللواط، وهو جماع الذكر والعياذ بالله، ولهذا أسماه بعض العلماء باللوطية الصغرى، فلا شك في تحريم وطء المرأة في دبرها.
أما أن يستمتع بها فيما بين الأليتين فلا بأس.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: ومن عُرف بالوطء في الدبر وجب أن يفرق بينه وبين زوجته، أي: أن يفسخ النكاح؛ لأن الإصرار على هذه المعصية التي هي من كبائر الذنوب لا يمكن إقراره أبداً.

وأما قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *﴾ [المؤمنون] فبعض الناس يقول: هذه الآية عامة، فإننا نقول: إذا عممت الاستمتاع بالنسبة للأزواج، فعمم الاستمتاع بالنسبة لما ملكت اليمين، وقل: يجوز للرجل أن يجامع بعيره؛ لأنها مما ملكت يمينه!! فالمطلق يحمل على المعروف المعهود، فيكون قوله: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ أي: فيما أبيح لهم من الاستمتاع بهن لا مطلقاً، كما أنك لا تقول بالتعميم في قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن الآية واحدة.
فالوطء في الدبر محرم، ومن سوَّلت له نفسه ففعل فلا كفارة عليه، لكنه آثم.
فإن قال قائل: ألست تقول: إنه يقاس على الوطء في الحيض؟ فالجواب: بلى، لكن لا يلزم من التساوي في الحكم التساوي في الكفارة، فالكفارة حكم جديد مستقل، ولا يمكن أن نقيس، ولهذا نص أصحاب أصول الفقه أنه لا قياس في الكفارات.
قوله: «وله إجبارها على غُسل حيض»، مثلاً امرأة طهرت من الحيض بعد طلوع الشمس، وقالت لزوجها: إنها لن تغتسل إلا عند الظهر، وزوجها ينتظر بفارغ الصبر أن تطهر وتغتسل ليستمتع بها، فقالت: لا يجب عليَّ الغسل إلا إذا أردت القيام للصلاة لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} [المائدة: 6] وعلى هذا فلا أغتسل إلا إذا زالت الشمس، فهنا يجبرها على الغسل.
فإذا أجبرها واغتسلت إجباراً وهي غير مريدة، فهل يرتفع حدثها مع أنها لم تنوِ؟ الجواب: لا يرتفع حدثها بالنسبة لها، فإذا جاء وقت الصلاة يجب عليها الغسل، لكن بالنسبة للزوج ليس له إلا الظاهر فإنه يرتفع، على أن ابن حزم ـ رحمه الله ـ شذ في هذه المسألة وقال: إن معنى قوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: غسلن فروجهن، وليس المعنى اغتسلن، لكن قوله هذا ضعيف بلا شك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ والتطهر الاغتسال لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾.
قوله: «ونجاسة» هذه الكلمة ليست معطوفة على «حيض» بل تحتاج إلى تقدير، وهو: وغَسْلِ نجاسة؛ لأن النجاسة ليس لها غُسْل بل غَسْل، فإن قلت: أُقَدِّر الأولى: على غَسْل حيض، قلنا: لا يستقيم؛ لأنها لو غسلت الحيض لم يجز أن يجامعها حتى تغتسل، وعلى هذا فلا بد من تقدير: وغَسْل نجاسة.
فإن رأى في قدمها قذراً فقال لها: اغسليه، فقالت: لا أغسله، فله أن يجبرها على غسل النجاسة؛ لأن النفس تعاف النجاسة، لا سيما إذا كان لها جرم، أو كان لها لون، فالإنسان ربما لو يرى على وجه واحد منا نقطة حمراء من صبغ، ربما يتقزز، يظنها دماً، وظاهر كلام المؤلف: سواء كانت على بدنها أو على ثيابها.

وهذا الذي ذكره المؤلف فيه نظر، فإنه لا يجبرها على غسل النجاسة إلا في حالين: الأولى: إذا كانت تفوِّت عليه كمال الاستمتاع.
الثانية: إذا كان وقت صلاة لأجل أن تصلي طاهرة، ففي هاتين الحالين له أن يجبرها على غسل النجاسة، أما فيما عدا ذلك فليس له أن يجبرها عليه؛ لأنه لا يفوت بذلك لا حق الله ولا حق الزوج، مثل لو أصابها في ثوبها شيءٌ من البول، وهذا ليس وقت صلاة، والبول يبس، وليس له لون ولا شيء، فإنه ليس له الإجبار، نعم يشير عليها أن تغسله؛ لأن الأفضل أن يبادر الإنسان بغسل النجاسة.
قوله: «وأخذ ما تعافه النفس من شعر» أي: كذلك له أن يجبرها على أَخذ ما تعافه النفس من شعر مثل ما لو نبت لها شارب، وهذا قد يحصل، بعض النساء ينبت لهن شارب، وبعضهن شارب ولحية أيضاً، فلو حصل هذا الأمر فله أن يجبرها على أن تأخذه، فإذا قالت له: قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ «اعفوا اللحى وأحفوا الشوارب» 1، نقول: هذا خاص بالرجال، أما النساء فيعتبر هذا عيباً فيهن، ولهذا جاز إزالته، وإذا طلب الزوج ذلك وجب إزالته.
كذلك لو كان في وجهها شامةٌ فيها شعر تعافها نفسه، فله إجبارها على إزالتها، وكذلك شعر العانة، وشعر الإبط له أن

يجبرها على إزالتها، أما شعر ساق المرأة، فيقال: إذا كثر شعره حتى صار ساقها كساق الرجال فلا بأس، وأما إذا كان طبيعياً فهذا ينبني على قاعدة، وهي أن إزالة الشعور لها ثلاث حالات: مأمور به، ومنهي عنه، ومسكوت عنه، فالمأمور به العانة، والإبط، والشارب، وهذه تزال ولا إشكال، والمنهي عنه اللحية بالنسبة للرجال، والنمص بالنسبة للرجال والنساء، والنمص هو نتف شعر الوجه، سواء الحاجبان أو غيرهما، والمسكوت عنه اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل يجوز، أو يكره، أو يحرم؟ فمنهم من قال: إنه يجوز؛ لأن ما سكت الله عنه فهو عفو، وما دمنا أمرنا بشيء ونهينا عن شيء، يبقى هذا المسكوت عنه، بين أن يكون مأموراً به أو منهياً عنه، فإذا تساوى الطرفان ارتفع هذا وهذا، وصار من باب المباح.
وقال بعضهم: إنه يحرم؛ لأنه من تغيير خلق الله، والأصل في تغيير خلق الله المنع؛ لأن تغيير خلق الله من أوامر الشيطان، قال الله عنه: ﴿وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ [النساء: 119] فيكون حراماً.
وقال بعضهم: إنه مكروه؛ نظراً لتعادل الأدلة المبيحة والمانعة، والذي أراه أنه لا بأس به؛ لأنه مسكوت عنه، لكن الأولى ألا يزال إلا إذا كان مشوهاً؛ لأن الله لم يخلق هذا إلا لحكمة، فلا تظن أن شيئاً خلقه الله إلا لحكمة، لكن قد لا تعلمها.
وهذا يجرنا لمسألة التبرع بالكلية، هل يجوز أو لا؟ قال

بعضهم: يجوز؛ لأن الإنسان قد يحيا على كلية واحدة، وهذا غلط، أولاً: لأنه أزال شيئاً خلقه الله عزّ وجل، وهذا من تغيير خلق الله، وإن كان ليس تغييراً ظاهراً، بل هو في الباطن.
ثانياً: أنه لو قدر مرض هذه الكلية الباقية، أو تلفها، هلك الإنسان، لكن لو كانت الكلية التي تبرع بها موجودة لسلم.
ثالثاً: أن الإقدام على التبرع بها معصية، فإذا ارتكبها الإنسان فقد ارتكب مفسدة محققة، وإذا زرعت في إنسان آخر فقد تنجح وقد لا تنجح، فنكون ارتكبنا مفسدة محققة لمصلحة غير محققة، ولهذا نرى أنه لا يجوز للإنسان أن يتبرع بشيء من أعضائه مطلقاً حتى بعد الموت، وقد نص على هذا فقهاؤنا، ذكر في الإقناع في باب تغسيل الميت: أنه لا يجوز أن يقطع شيء من أعضاء الميت، ولو أوصى به.
قوله: «وغيره» كظفر، فله أن يجبرها على تقليم الأظفار، أو قصها، فلو قالت: أنا أريد أن أطول ظفر الخنصر؛ لأن هذا هو علامة التقدم فله أن يجبرها على إزالته؛ لأن إطالة الأظفار من شيم الحبشة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما الظفر فمدى الحبشة» 1. ومن العجب أن الشيطان لعب على بعض النساء حتى أصبحن يطلن ظفر الخنصر، فهذا حرام؛ لأن هذا تشبه بالكفار؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقت في الظفر، والشارب، والإبط، والعانة أن

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل