كِتَابُ النِّكَاحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فقال: حق المسلم، ولم يقل: حق المؤمن؛ لأن الإسلام أوسع من الإيمان، لكن إذا كان في الهجر مصلحة فإنه إما أن يسن، وإما أن يجب، حسب ما تقتضيه المصلحة، وحسب عظم الذنب، فإذا كان هذا الرجل الحالق للحية إذا هجرناه ارتدع، وصار يمشي بين الناس غريباً، لا يُسلم عليه، ولا يرد سلامه، فيخجل ويعفي لحيته، كان هجره سنة أو واجباً؛ لأن هجره مفيد، أما إذا كان هذا الرجل إذا هجرناه ازداد شره، ونفر من أخيه المؤمن، وحصلت الوحشة بينهما، فلا يسن الهجر هنا، بل لا ينبغي، والمسبل لثيابه مجاهر بالمعصية، والذي يبدو لنا أنه أعظم من حلق اللحية؛ لأنه متوعد عليه، فهو من كبائر الذنوب، وأعظم من شرب الدخان، مع أن شرب الدخان الآن أكثر من حلق اللحية والإسبال.
المهم أن المذهب يقسمون الهجر إلى ثلاثة أقسام: واجب، وسنة، ومباح، ولكن الصحيح عندنا أنه لا ينقسم إلى هذه الأقسام، وأن الأصل في الهجر التحريم، إلا إذا كان فيه مصلحة.
هذا بالنسبة لمن كان مسلماً، أما غير المسلمين فلا يبدؤون بالسلام، سواء كانوا غير منتسبين للإسلام، كأن يصرحوا بأنهم نصارى، أو يهود، أو وثنيون، أو كانوا منتسبين للإسلام لكن بدعتهم تخرجهم من الإسلام؛ لأن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول في أهل الكتاب: «لا تبدأوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه» 1، لكن إن سلم علينا نرد عليه، فإن قال: السلام عليكم، قلنا: وعليكم السلام، وإن قال: السام عليكم، قلنا: وعليكم.
ففي المسألة ثلاثة احتمالات:
إن سلم سلاماً صريحاً، رددنا سلاماً صريحاً، وإن قال: السام عليكم، قلنا: وعليكم، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم 2، وإن قال: السام عليكم، وأدغمه نقول: وعليكم.
الشرط الرابع: قوله: «إليها» أي: إلى وليمة العرس؛ احترازاً مما لو دعاه إلى غير وليمة العرس فإنه لا تجب الإجابة، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، ودليل ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم: «شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها، ويمنعها من يأتيها، ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» 3، وهذا هو الشاهد، وذهب بعض أهل العلم ـ وهو قول الظاهرية ـ إلى وجوب إجابة الدعوة ولو لغير الوليمة؛ لأن هذا من حقوق المسلم على المسلم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم في حق المسلم على المسلم: «وإذا دعاك فأجبه» 4،
وهذا عام يدخل فيه وليمة العرس وغيرها، وتخصيص وليمة العرس بالوجوب لا يدل على أن غيرها غير واجب؛ لأن ذلك من باب ذكر بعض أفراد العام، وذكر بعض أفراد العام بحكم مطابق للعام لا يقتضي التخصيص.
أيضاً الإجابة إلى الدعوة من خلق النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت» 1، إلى هذا الحد!! «ذراع أو كراع» وهو من أزهد ما يكون في الذبيحة، فلو لم يكن من بركة الإجابة إلا أنه من خلق النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأن المجيب سيكون متأسياً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، لو لم يكن إلا هذا لكان كافياً.
وَلاَحِظْ أن الإنسان إذا أشعر نفسه أنه متبع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا أو غيره، فسيكون في قلبه محبة للرسول عليه الصلاة والسلام، كما أنه إذا عود نفسه على الإخلاص لله ـ تعالى ـ فسيكون الإخلاص دأبه في كل شيء.
وقوله: «إن عيَّنه» هذا هو الشرط الخامس، أي: عيَّن الداعي المدعوَ، بأن قال: يا فلان احضر وليمتي، وعلم منه أنه إن لم يعينه فلا يجب، مثل لو أطل برأسه على جماعة، وقال: تفضلوا إلى وليمتي، فإنه لا تجب إجابته؛ لأنه لم يعينه، وإنما وجه الكلام للجميع، ولذلك الناس لا يعدون من تخلف عن هذه الدعوة، كمن عُيِّن وتخلف، فمن عُيِّن وتخلف أشد.
وقوله: «ولم يكن ثَمَّ منكر» هذا هو الشرط السادس،
وقوله: «ثَمَّ» أي: هناك، ويغلط كثير من الناس حتى من طلبة العلم، فيقولون: ثُم؛ لأن «ثُم» حرف عطف و «ثَم» ظرف، والمعنى ولم يكن في مكان الدعوة منكر.
والمنكر ما أنكره الشرع والعرف، والعبرة بإنكار الشرع، فما أنكره الشرع منكر ولو أقره العرف؛ لأن بعض الأعراف ـ والعياذ بالله ـ تقر المنكرات، وما أنكره الشرع فالعقل السليم والعرف السليم ينكره، ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الإثم ما حاك من نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس» 1، لأن الناس ينكرونه، وهذا في أناس فطرهم سليمة، ومناهجهم مستقيمة.
أما إذا كان المجيب قادراً على تغيير المنكر، فحينئذٍ يجب عليه الحضور؛ إجابة للدعوة ولتغيير المنكر، مثل أن يدعى رجل له قيمته العلمية، أو له سلطة إلى وليمة فيها الحرام، فيحضر وهو قادر على أن يغير هذا الحرام، فالحضور عليه واجب؛ لأنه قادر على تغيير المنكر، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» 2.
وأما إذا لم يكن قادراً فالإجابة إلى الوليمة المحرمة حرام، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ
إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140] يعني إن قعدتم معهم فأنتم مثلهم في العقوبة والمعصية.
فالشروط ستة، وهناك شرط سابع ذكره بعضهم، وهو أن لا يكون ماله حراماً، فإن كان حراماً لم تجب الإجابة، مثل أن يكون ممن يتعامل بالربا، أو بالغش، أو بالكذب، والحقيقة أن هذا الشرط ليس في النصوص ما يدل عليه، ولكنه محل اجتهاد من أهل العلم، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجاب دعوة اليهودي 1، وأكل من الشاة التي أهدته اليهودية 2، مع أن اليهود أكَّالون للسحت والربا، ثم إن مَنْ ماله محرم هنا تحريمه لكسبه لا لعينه، وكسبه إثمه عليه، لكن إذا كانت إجابة من يتعامل بالربا والغش ونحو ذلك تغريه، ويغر غيره، فهنا لا يجاب.
واشترط بعض العلماء أن لا يكون في الإجابة دناءة، مثل أن تعلم أن المدعوين ناس من السفهاء والسَّفَل، وأنت رجل محترم بين الناس، فإذا أجبت نزل قدرك، وصار فيه ضرر عليك، لكن هذا الشرط ـ أيضاً ـ ليس بصحيح؛ لأنه يفتح للناس باب الطبقية، والترفع، والتعاظم، بل نقول: احضر، وانصح لعل الله ينفع بك.
قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: ولهذا نأتي إلى المسجد
وفيه ناس نصلي معهم، جنباً إلى جنب، فيهم دناءة وسفل، فأنا أُمرت بالإجابة فأجيب ولا أترفع، لا سيما إذا كان الترفع والعلو على هؤلاء لأجل أنهم فقراء، فهذا أشد، اللهم إلا إذا كان حضور هذا الرجل مع هؤلاء يجلب إليه التهمة، فهذا لا يجب عليه الحضور، ولكن رجل من كبار علماء المسلمين ودعي معهم، فلا يمكن أن تلحقه تهمة، بل يقال: جزاه الله خيراً، يمكن أن ينصحهم وينفعهم، ولكل مقام مقال.
واشترط بعضهم أن لا يلحقه ضرر بذلك، وهذا صحيح؛ لأن جميع الواجبات من شرط وجوبها انتفاء الضرر، فلو كان يخشى ضرراً في ماله، أو بدنه، أو عرضه فإنه لا يجب عليه، وهذا معلوم من القاعدة العامة في الواجبات.
فتلخص لنا ستة شروط:
الأول: أن تكون الدعوة أول مرة.
الثاني: أن يكون الداعي مسلماً.
الثالث: أن يحرم هجره.
الرابع: أن يعين المدعو.
الخامس: أن لا يكون ثَمَّ منكر.
السادس: أن لا يكون عليه ضرر.
ولكن يشترط ـ أيضاً ـ شرط لا بد منه، وهو أن نعلم أن دعوته عن صدق، وهذا يضاف إلى الشروط التي ذكرناها، وضد ذلك أن يكون حياءً، أو خجلاً، أو مجرد إعلام، فلا يجب.
كإنسان واقف عند البيت ومر به شخص فقال له: تفضل، فهذه دعوة الغالب فيها أنها عن غير صدق، أي: حياءً فقط، إلا إذا علمنا أن هذا صديق له، وأنه يرغب الجلوس معه، فإن كانت حياءً أو خجلاً لم تجب الإجابة، بل لو قيل بالتحريم لكان له وجه؛ لأنه أحياناً يحرجك، وأحياناً تقول له عند الباب: تفضل فيدخل، وأنت تود أن تنام مثلاً، أو تجلس إلى أهلك، وعادتك أن تتغدى أنت وأهلك ولا تجتمع معهم إلا في هذا الوقت.
فإذا تمت هذه الشروط وجبت الإجابة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومن لم يجب فقد عصى الله ورسوله» 1. وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]، ولعموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وإذا دعاك فأجبه» 2.
مسألة: البطاقات التي ترسل الآن تعيين أو لا؟ الجواب: إذا رأيت الاسم مطبوعاً قلت: هذا تعيين، وإذا رأيت أنهم لا يبالون، وإنما ذلك عبارة عن مجاملة؛ لأنك صاحب أو قريب، بدليل أنهم لا يأتون ويقولون: هل ستأتي، أو أنت مشغول؟ فالظاهر لي أن البطاقة صارت مثل دعوة الجَفَلى، إلا إذا كان هناك شيء آخر، كقرابة، وإن لم تأته عدّ ذلك قطيعة، أو قال الناس: لِمَ لَمْ يأت إلى قريبه؟
لما ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ الشروط منطوقاً، ذكر مفهومها، فقال:
فَإِنْ دَعَاهُ الجَفَلَى، أَوْ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، أَوْ دَعَاهُ ذِمِّيٌّ كُرِهَتِ الإِْجَابَةُ،
.......
«فإن دعاه الجفلى» وهي دعوة العموم، مثل أن يقول: هلموا أيها الناس، وهي مما يفتخر بها العرب، كما قال شاعرهم:
نحن في المشتات ندعو الجفلى
لا ترى الآدب فينا ينتقر
«النقرى» أن يعين، و «الجفلى» أن يعمم، و «الآدب» صاحب المأدُبة.
فإذا دعا الجفلى يقول المؤلف: «كرهت الإجابة»، والتعليل أن في ذلك دناءة بالنسبة للمدعو، ومفاخرة ومباهاة للداعي، وهذا التعليل عليل، والصحيح أنها لا تكره بل هي جائزة، وقد ثبت أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أرسل أنساً ـ رضي الله عنه ـ وقال له: «ادع فلاناً وفلاناً ومن لقيت» 1، فعيَّن في الأول، ثم عمم، فالصحيح أن الإجابة ليست مكروهة، بل في ظني أن عدم الإجابة إلى الكراهة أقرب؛ لأنك إذا دعوت الناس جميعاً وتخلف واحد قال الناس: هذا مترفع ومتكبر، صحيح أن الإجابة لا تجب على كل واحد؛ لأن الدعوة عامة، فهي تشبه فرض الكفاية، ولكن لا نقول: إنها مكروهة، بل الصواب أنها ليست بمكروهة وليست بواجبة، لكن إذا علم أحد المدعوين أن صاحب الدعوة يُسَرُّ بحضوره فينبغي له أن يجيب.
قوله: «أو في اليوم الثالث» أي دعاه في اليوم الثالث فإنه
تكره الإجابة؛ لأنه يروى عن النبي (ص) أنه قال: «الوليمة في يوم الثالث رياء وسمعة» 1، وإذا كانت رياء وسمعة فلا ينبغي أن يشجع صاحبها، ولأنها إذا خرجت إلى اليوم الثالث صارت إسرافاً، فالإجابة تكون مكروهة، ولكن إذا لم تكن رياء وسمعة، مثل أن يكون له أقارب ما حضروا إلا في اليوم الثالث، فمثل هذه الصورة لا تكره الإجابة فيها؛ لأن الوليمة في اليوم الثاني أو الثالث ليس للعرس ولكن للضيوف، ولكن ينبغي لمن أجاب أولاً أن يقتصر على الإجابة الأولى؛ لأنه إذا تكررت الإجابة فلا بد أن يكون فيها دناءة، اللهم إلا أن يكون هناك سبب خاص تنتفي به الدناءة، مثل أن يكون قريباً، أو صديقاً، أو جاراً.
وقوله: «أو دعاه ذمي كرهت الإجابة»، الذمي هو اليهودي أو النصراني، وعلى الصحيح غيرهما ممن عقدت له الذمة، بأن يقيم في بلاد المسلمين مع دفع الجزية، فالإسلام مسيطر عليه وخاضع لأحكامه، وله حقوق، فإذا دعاك لوليمة العرس، فالمذهب يكره، قالوا: لأن المطلوب هو إذلال أهل الكفر، واحتقارهم، وازدراؤهم، فلا تنبغي إجابتهم، وظاهر كلامهم ولو كانوا يجيبوننا إذا دعوناهم؛ لأن الإسلام يعلو ولا يعلى، وفي هذا نظر، والصواب أنه لا تكره إجابتهم فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أجاب
دعوة يهودي 1، وسئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن إجابة دعوة الذمي، فقال: نعم، وهذا هو الصحيح، فهي لا تجب، ولكن تجوز، لا سيما إذا كان في ذلك تأليف لهم، ومصلحة، وهذا في إجابتهم في الأمور العادية، كالزواج، والقدوم من سفر، وما أشبه ذلك.
وأما الإجابة إلى الشعائر الدينية فإنه لا يجوز، فلو دعانا نصراني إلى عيد الميلاد فإن الإجابة حرام؛ لأن عيد الميلاد من شعائر الكفر، وشعائر الكفر لا يرضاها الله ـ عزّ وجل ـ وهكذا نقول في تهنئتهم، فما يهنؤون بأعيادهم؛ لأن معنى ذلك الرضى، بل ذلك أعظم من الرضى.
وعليه فنقول في مسألة إجابة الذمي لوليمة العرس: الصحيح عدم الكراهة، لكن لدينا قاعدة مقررة عند أهل العلم: أن المباح إن كان وسيلة لمحرم صار حراماً، وإذا كان وسيلة لواجب صار واجباً، وإذا كان وسيلة لمكروه صار مكروهاً، وإذا كان وسيلة لمستحب صار مستحباً، فالبيع حلال قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275]، وقد يكون واجباً، كما لو رأيت مضطراً يريد شراء طعام مني لينقذ نفسه، فالبيع له واجب، وكما لو أردت أن أشتري ماء للوضوء للصلاة فالشراء واجب، وإذا أردت شراء طيب للتطيب به لصلاة الجمعة فالشراء مستحب، ولو أراد رجل شراء سُلَّم يتسلق به بيوت الناس لسرقتها، فالشراء حرام، ولو أراد إنسان شراء بصل ـ على القول بكراهته ـ فيكون الشراء
مكروهاً، والصحيح أنه لا يكره؛ لأن البصل حلال.
وَمَنْ صَوْمُهُ وَاجِبٌ دَعَا وَانْصَرَفَ، وَالمُتَنَفِّلُ يُفْطِرُ إِنْ جَبَرَ، وَلاَ يَجِبُ الأَكْلُ،
قوله: «ومن صومه واجب دعا وانصرف» أي: أن من صومه واجب فإنه يجيب الدعوة، ولكن لا يأكل؛ لأنه لا يجوز قطع الصوم الواجب، كإنسان عليه قضاء من رمضان، فدعي إلى الوليمة وهو صائم، وكإنسان عليه كفارة يمين فصام ودعي إلى الوليمة وهو صائم، وكإنسان عليه فدية لفعل محظور صيام ثلاثة أيام فدعي وهو صائم، فكل هؤلاء يحضرون ولكن لا يأكلون؛ لأن الصيام الواجب لا يجوز قطعه؛ لأن القاعدة الشرعية أن من شرع في واجب وجب عليه إتمامه، ومن شرع في نفل لم يجب عليه إتمامه، إلا الحج والعمرة، وكذلك الجهاد على قول بعض أهل العلم، ولكن يدعو للداعي بما يناسب، إن كان يعرف الوارد فهو أفضل، وإن كان لا يعرفه فيدعو بما يناسب.
وقوله: «وانصرف» هل ينصرف قبل أن تقدم الوليمة، أو بعدها، أو يجلس مع الناس ولا يأكل؟ ظاهر كلام المؤلف: أنه ينصرف قبل ذلك ولا يبقى؛ لأنه إذا بقي مع الناس ولم يأكل ربما يخشى عليه من الرياء، وإذا أخبر الناس بأن صومه عن واجب فقد لا يكون لائقاً، ولكن لو قيل: إن هذا يرجع لحال الإنسان، إن كان يُفقد في الوليمة فليجلس وليتقدم مع الناس في الأكل، ولكن لا يأكل فيقدم لجلسائه مثلاً، لهذا الإدام، ولهذا لحماً، ولهذا خبزاً، فربما لا يُشعر به؛ لأن الإنسان الذي يفقد مثل أن يكون جاراً، أو قريباً، أو صديقاً حميماً، إذا لم يأت تكلم الناس وقالوا: لمَ لمْ يأت جاره، أو قريبه، أو صديقه وما
أشبه ذلك؟ والإنسان ينبغي له أن يكف ألسنة الناس عن نفسه.
وقوله: «صومه واجب» مبتدأ وخبر، وهي صلة الموصول «من» لا محل لها من الإعراب، ولا تصح أن تكون «من» شرطية؛ لأنها دخلت على جملة اسمية، ولكن لها جواب؛ وذلك أن اسم الموصول لما كان يشبه اسم الشرط في العموم صار له جواب كجواب الشرط، وهو هنا: «دعا وانصرف» ومنه قولهم:
الذي يأتيني فله درهم.
فـ «الذي» مبتدأ، و «له درهم» خبره، وقرنت بالفاء؛ لأن اسم الموصول يشبه اسم الشرط في العموم فأعطي حكمه في الجواب.
وقوله: «دعا وانصرف»، الدليل قول ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ: «إذا دعي أحدكم فليُجب، فإن كان صائماً فليُصَلِّ، وإن كان مفطراً فليطعم» 1، ومعنى قوله: «فليصلِّ» فليدعُ.
فإن قال قائل: أنتم تقولون: إن ألفاظ الشارع تحمل على الحقائق الشرعية، والصلاة حقيقتها الشرعية هي العبادة المعروفة.
قلنا: إن الكلمات يعين معناها السياق وقرائن الأحوال، ومن المعلوم هنا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يرد من الإنسان الصائم الذي يُدعى فيجيب أن يصلي؛ لأنه لا معنى لذلك، وإنما المعنى أن يدعو لهم لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا
وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103].
وَإِبَاحَتُهُ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صَرِيحِ إِذْنٍ أَوْ قَرِينَةٍ،
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ ثَمَّ مُنْكَراً يَقْدِرُ عَلَى تَغْيِيرِهِ حَضَرَ وَغَيَّرَه، وَإِلاَّ أَبَى،
قوله: «والمتنفل يفطر إن جبر» يعني أن الصائم المتنفل كصيام أيام البيض، أو الاثنين، أو الخميس، أو ستة أيام من شوال، أو عشر ذي الحجة، أو عاشوراء وما أشبهها، فالمتنفل يجيب الدعوة، ولكن هل يفطر أو لا؟ المؤلف ذكر أن فيه تفصيلاً، إن جبر قلب الداعي، وأدخل السرور عليه فإنه يفطر، وإن لم يجبر كأن يكون الداعي لا يهتم أكل أو ما أكل، المهم أن يجيب الدعوة، فإن الأفضل أن لا يفطر ويتم صومه؛ لأن صومه نفل، ولا ينبغي أن يقطع نفله إلا لغرض صحيح.
قوله: «ولا يجب الأكل» أي: أكل المدعو ليس بواجب، وإنما الواجب الحضور فقط لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا دعي أحدكم فليُجب فإن شاء أكل وإن شاء ترك» 1، فهذا الحديث يدل على أنه لا يجب الأكل، والحديث السابق يدل على وجوب الأكل لقوله: «فليطعم» فكيف الجمع بين الحديثين؟
الجمع بينهما أن يقال: إن الخيار إذا لم يترتب على ترك الأكل مفسدة، فإن ترتب عليه مفسدة فلا شك في وجوب الأكل، كرجل صنع وليمة شاة، أو شاتين، أو أكثر، وجهزها وأذن لهم في الأكل، فقالوا: لا يجب علينا الأكل وما نحن بآكلين!! فهذا فيه نظر، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لرجل معتزل عن القوم ناحيةً، وقال: إني صائم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم، كُلْ، ثم صُمْ يوماً مكانه
إن شئت» 1، والصحيح أن الأكل واجب إلا على من صومه واجب كما سبق، أو من يتضرر بالأكل؛ لأن بعض الناس قد يكون مريضاً بمرض يحتاج إلى حِمْية فلا يستطيع أن يأكل.
وقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إن شاء أكل وإن شاء ترك» يحمل على الصائم، أو على إذا لم يكن في ذلك مضرة، وإلا فلا شك عند كل الناس أن هذا مما يستقبح عادة، أن يدعو الناس ويحضروا، ثم يقولوا: الأكل غير واجب!! ومن عادة العرب أن الإنسان إذا لم يأكل فإنه يخشى منه، وإلى الآن هذا الأمر موجود، ولذلك يلزمون الواحد بالأكل ولو يسيراً، ويسمونها المِلحة؛ يعني أنك تمالح وتأكل، ومعنى ذلك أننا أَمِنَّاك.
ولنا أن نقول: إن الأكل فرض كفاية لا فرض عين، فإذا قام به من يكفي، ويجبر قلب الداعي، فالباقي لا يجب عليهم الأكل، وهو الصواب، أما أن نقول: لا يجب الأكل على الآخرين، فهذا فيه نظر.
قوله: «وإباحته متوقفة على صريح إذن» أي: إباحة الأكل متوقفة على صريح إذن، وهذا من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، يعني على إذن صريح، بأن يقول: تفضل كل، فإذا قال ذلك، أبيح الأكل.
قوله: «أو قرينة» أي: إذا دلت القرينة والعرف والعادة على أنه إن قدم الطعام بهذه الصفة فإنه إذن في الأكل، فلك أن تأكل.
وعادة الناس اليوم على أنه يحتاج إلى ألفاظ صريحة، فلو تقدمت للمائدة ولم تكتمل، عُدَّ ذلك جشعاً، كما قال الشاعر:
وإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن
بأعجلهم إذ أجشعُ القومِ أعجلُ
فما دام الداعي لم يقل: تفضلوا، فلننتظر، أما إذا جاء بإناء الطعام وقدمه بين يديك، فهذا إذن، لا يحتاج إلى لفظ صريح، والحاصل أن هذه الأمور تكون بالألفاظ الصريحة، والقرائن الواضحة الدالة عليها.
وقوله: «وإباحته» فلو أن أحداً أخذ شيئاً من الطعام قبل الإذن، أو القرينة كان ذلك حراماً، والناس لا يرون هذا حراماً، وإنما يرونه سوء أدب بتقدمه قبل الإذن، ولكن ظاهر كلام المؤلف أن الإباحة لا تكون إلا بصريح الإذن، أو القرينة.
ومن هنا نأخذ مسألة مهمة أنه إذا دعاك إنسان وجئت إلى البيت، ووجدت الباب مفتوحاً في الوقت الذي دعاك فيه، فهل يحتاج إلى إذن، أو أن فتح الباب يعتبر إذناً؟
هذا ـ أيضاً ـ عند الناس إذن عرفي، فلو جئت بعد العشاء الآخرة ووجدت الباب مفتوحاً فهو إذن.
ولكن لا شك أن الأفضل أن يستأذن؛ لأنه قد تكون إحدى النساء في فناء البيت ونحوه، أما إذا صرح، وقال: إذا وجدتم الباب مفتوحاً فادخلوا، أو وجد المفتاح على الباب كما كان في الزمن السابق، يتركون المفاتيح على الأبواب، فهذا إذن صريح.
قوله: «وإن علم أن ثم منكراً يقدر على تغييره حضر وغيّره» «إن علم» الضمير يعود على المدعو، «ثَمَّ» ظرف مكان يشار
بها للبعيد، مبني على الفتح في محل نصب، متعلق بمحذوف، خبر مقدم، «منكراً» اسم «أنَّ» مؤخر، والمنكر كل ما حرم الشرع، فإذا علم ـ مثلاً ـ أن في هذه الوليمة اختلاطاً للرجال بالنساء، أو آلات لهو، أو تصويراً، وما أشبه ذلك من الأشياء المحرمة، فهذا إن كان يقدر على تغييره أو تقليله يحضر؛ لأنه يجب على الإنسان أن ينكر المنكر إذا علم أنه إذا أنكر قل، فيحضر وجوباً لسببين:
الأول: أنه دعوة وليمة عرس.
الثاني: أن فيها إزالة لمنكر، أو تقليلاً له، وإزالة المنكر أو تقليله واجب.
مثل أن يكون رجل له هيبة وقيمة، بحيث إذا علم بالمنكر وأمر بإزالته أطاعوه، فهذا يجب عليه الحضور.
قوله: «وإلا أبى»، أي: وإلا يقدر على تغييره امتنع من الحضور، وهل يذكر السبب أو لا؟ الأولى أن يبين السبب لأمور:
الأول: بيان عذره.
الثاني: ردع هؤلاء.
الثالث: ربما أن هؤلاء يجهلون أن هذا الأمر محرم، فإذا قال: لا أحضر؛ لأن عندكم كذا وكذا، وبين لهم أن هذا محرم، فيكفون عنه.
وتبيين الأسباب في الأمور التي تستنكر مما جاء به الشرع، قال ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ: «إذا رأيتم من يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، فإن المساجد لم تُبنَ لهذا» 1 لأجل أن يعذر.
وقوله: «وإلا أبى» وجوباً أو جوازاً؟ وجوباً ما دام يعرف أن ثم منكراً، ولا يقدر على تغييره، فيحرم عليه الحضور، فإذا قال: أنا أحضر وأكره بقلبي، ولا أشاركهم.
نقول: هذا ليس بصحيح؛ لأنك لو كرهت بقلبك لما بقيت، فكل ما يكرهه الإنسان بقلبه لا يمكن أن يبقى فيه إلا مكرهاً، وقد قال الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140].
فلو قال قائل: إذا لم أحضر ترتب على هذا قطيعة رحم، كما لو كان صاحب الوليمة من أقاربه، وعندهم منكر ودعاهم، فإذا لم يُجب غضب عليه، وتقطعت الصلة بينهما.
فالجواب: ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم؛ لأن الله ـ تعالى ـ قال في الوالدين، وهما أقرب الأرحام: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا﴾ [لقمان: 15].
ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس فلا يحل، وربما يكون امتناعه عن الحضور لوليمة
قريبه المشتملة على المحرم، سبباً لهدايته، فيعتب على نفسه، ويوبخ نفسه، ويقول: إنه بفعله هذه المعصية اكتسب هجران قريبه، فيرتدع، وكثيراً ما يقع مثل ذلك، إذا هجر الإنسان قريبه أو صاحبه سابقاً فإنه يراجع نفسه، ويتأمل، وربما يرجع عما كان عليه من المعصية.
المهم أنه لا يجوز الحضور، ولو أدى ذلك إلى قطيعة الرحم، والقاطع هو الداعي إذا قطعت الرحم.
وَإِنْ حَضَرَ ثُمَّ عَلِمَ بِهِ أَزَالَهُ، فَإِنْ دَامَ لِعَجْزِهِ عَنْهُ انْصَرَفَ، وَإِنْ عَلِمَ بِهِ وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ خُيِّرَ،
..........
قوله: «وإن حضر» أي المدعو.
قوله: «ثم علم به» أي بالمنكر.
قوله: «أزاله» وجوباً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه» 1.
قوله: «فإن دام» الضمير يعود على المنكر.
قوله: «لعجزه عنه» اللام للتعليل، يعني من أجل عجزه عن تغييره.
قوله: «انصرف» هذا جواب الشرط، وينصرف وجوباً؛ لأنه لا يمكن أن يقعد مع قوم على منكر، ودليل ذلك ما سبق، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَىءُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140].
قوله: «وإن علم به ولم يره ولم يسمعه خُيِّر» أي: علم بالمنكر بعد حضوره، فيخير بين البقاء والانصراف؛ لأنه لا يشاهد المنكر ولا يسمعه فلا إثم عليه، وله أن ينصرف تعزيراً لهؤلاء الذين فعلوا المنكر.
وأيهما أولى أن ينصرف أو يبقى؟ الجواب: حسب المصلحة؛ لأن التخيير هنا ليس تخيير تشهٍ، ولكنه تخيير مصلحة؛ لأن المقصود بذلك مصلحة الغير، وكل ما كان المقصود به مصلحة الغير فالتخيير فيه للمصلحة لا للتشهي، فإذا كان في انصرافه ردع لهم ولغيرهم، فهذا لا شك أنه يجب عليه الانصراف، وقد يكون عدم الانصراف أحياناً أولى بحسب الحال، فلو فرض أنه في هذه الحال لو انصرف لصار فيه قطيعة رحم، فهنا قد نقول: بقاؤه أولى؛ لأنه لم يرَ ولم يسمعْ، ولكنه يعظ وينصح وينكر؛ فإن لم يستجيبوا فلا بأس أن يجلس؛ لأنه ليس مع الذين يفعلون المنكر.
وإذا كان هذا الرجل كبيراً، كعالم أو وزير ينظر إليه إذا انصرف، ويرون أن هذا من أعظم التعزير؛ فإنه حينئذٍ يجب أن ينصرف، لما في ذلك من إزالة المنكر، وأما إن كان من عامة الناس، إذا انصرف أو لم ينصرف لم يؤبه له، فهذا قد نقول بأنه مخير، وقد نقول بأنه إذا رأى من نفسه أن الانصراف أحسن لقلبه، وأتقى لربه انصرف.
وقوله: «وإن علم به» فإن ظن ولم يعلم، فالأصل وجوب الإجابة، فيحضر ثم إن تحقق ظنه، فإن قدر على تغييره غيَّره، وإلا انصرف.
وَكُرِهَ النِّثَارُ، وَالْتِقَاطُهُ، وَمَنْ أَخَذَهُ أَوْ وَقَعَ فِي حَجْرِهِ فَلَهُ، وَيُسَنُّ إِعْلاَنُ النِّكَاحِ، وَالدُّفُّ فِيهِ لِلنِّسَاءِ.
قوله: «وكره» اعلم أن المكروه في اصطلاح الفقهاء غير المكروه في الكتاب والسنة، فالمكروه في الكتاب والسنة يراد به المحرم، كما في قوله ـ تعالى ـ لما ذكر المنهيات العظيمة قال: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا *﴾ [الإسراء]، وفي الحديث عن ـ النبي عليه الصلاة والسلام ـ: «إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» 1، فالكراهة في لسان الشرع يراد بها المحرم إذا كانت في الأحكام الشرعية.
وأما الكراهة عند الفقهاء فمرتبة بين المباح والمحرم، يثاب تاركها امتثالاً، ولا يعاقب فاعلها.
قوله: «النثار» وهو أن يُنثر في الوليمة طعام، أو فلوس، أو ثياب، فهذا مكروه، فإن كان المنثور طعاماً، فمكروه لسببين:
الأول: إن فيه امتهاناً للنعمة.
الثاني: أن فيه دناءة وخلافاً للمروءة، لا سيما إذا كان من الشرفاء والوجهاء، أما عامة الناس فلا يكره منهم الالتقاط.
وإذا كان مالاً كان إفساداً له وإضاعة، ولو قيل بالتحريم في مسألة الدراهم، أي: الأوراق النقدية، لكان له وجه؛ لأنه عرضة لإتلاف المال وإضاعته، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يكره النثار، واحتجوا بما
جاء في الحديث في الأضحية أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ ضحى عنده رجل فقال: «من شاء اقتطع» 1.
وعندي أن في هذا الاستدلال نظراً؛ لأن هذا الرجل ما نثر، وإنما قدمها تقديماً، ورخص للناس بالأكل، كما لو قدم طعاماً، وقال للناس: تفضلوا؛ فهذا ليس بنثار، ففرق بينهما، وهذا لا بأس به، وجرت به العادة.
قوله: «والتقاطه» أي: يكره أخذ المنثور لما فيه من الدناءة، وعند الفقهاء ـ كما سيأتينا في باب الشهادات ـ أن الشهادة يعتبر لها شيئان: الصلاح في الدين، واستعمال المروءة، وعلى هذا فمن ذهب إلى النثارات ليلتقط منها يعتبر ساقط المروءة، فلا تقبل شهادته.
قوله: «ومن أخذه، أو وقع في حجره فله» أي: من أخذ النثار، أو وقع في حجره فهو له، أما من أخذه فظاهر، وأما من وقع في حجره، فلا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون قد أعد حجره لاستقباله، فهذا واضح أنه يكون له.
الثانية: أن لا يكون قد أعد حجره لذلك، بل هو غافل، فهذا ـ أيضاً ـ النثار له، وإن لم يقصد التملك، وعلى هذا فمن أخذه من حجره، فعليه أن يرده إليه، ولو أن أحداً جاء بسرعة فلما رآه أهوى والتقطه، ولو تركه لوقع في حجر الرجل، فهذا
يجوز؛ لأن المؤلف يقول: «أو وقع في حجره»، ولم يقل: أو أهوى إلى حجره.
ولو أنه حين وقع في حجره نفضه فهو لمن أخذه؛ لأن نفضه إياه يعني عدم قبوله، والهبة لا تلزم إلا بالقبول والقبض.
ولو أن أحداً أتى ببساط، واستعان بأشخاص آخرين، وقال: نجعل البساط على الناس حتى يقع كله على البساط، فهذا لا يجوز؛ لأنه يريد أن يتحجر، مثل الذي يتحجر مكاناً في المسجد.
قوله: «ويسن إعلان النكاح» أي: إظهاره، مأخوذ من العلانية التي هي ضد السر، فيسن إعلانه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أعلنوا النكاح» 1 فأمر بإعلانه، ولما في ذلك من إظهار هذه الفضيلة وهي النكاح، فإن النكاح من سنن المرسلين، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم عن نفسه إنه يتزوج النساء 2، وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ [الرعد: 38]، وما كان كذلك فإنه ينبغي إعلانه.
وأيضاً إعلانه فصل ما بين السفاح والنكاح؛ لأن السفاح، والعياذ بالله ـ وهو الزنا ـ إنما يفعله من يفعله سراً، وأما النكاح فيسن إعلانه والجهر به.
وقوله: «يسن» هذا هو المشهور من المذهب، وقيل: إنه يجب إعلان النكاح؛ لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم به، وهنا ثلاثة أشياء:
إعلان، وإسرار، وتواصٍ بكتمانه، أما الإعلان فهذا هو المشروع، وأما الإسرار بدون تواصٍ بكتمانه، فهذا خلاف المشروع، وعلى قول من يرى أن الإعلان واجب يكون إسراره معصية، يأثم الإنسان عليها.
وأما التواصي بكتمانه بأن يقول الزوج، أو الزوجة، أو وليها: هذا سر بيننا، لا تخبروا أحداً، فهذا لا شك أنه إثم، بل إن بعض أهل العلم قال: إنه يبطل بذلك النكاح؛ لأنه خلاف النكاح الصحيح، وهذا مذهب مالك ـ رحمه الله ـ.
فإن قال قائل: إذا كان في إسراره فائدة، ولم يتواصَ الناس بكتمانه ولكن أسروه، فهل هذا جائز؟
فالجواب: هذا ينبني على اختلاف القولين، إن قلنا: إن الإعلان واجب فإنه لا يجوز إسراره، وإن قلنا: إنه ليس بواجب جاز إسراره إذا كان في ذلك مصلحة، مثل أن يخشى الإنسان إذا كان معه زوجة أخرى، إذا أعلنه أن تتفكك العائلة، فهذا لا بأس به على القول بأنه سنة.
ويعلن بوسائل الإعلان المعروفة، منها مثلاً الدف، ومنها ما كان يفعل في الزمن الأول لما لم تكن أنوار كهرباء، يمشي الزوج من بيته إلى بيت الزوجة ومعه أنوار مصابيح.
ومن الإعلان مزامير السيارات، ولكن فيه غلو؛ لأنه مزعج جداً، ومن الإعلان ـ أيضاً ـ الأنوار التي تكون على بيت الزوج
والزوجة، وفيها غلو أيضاً؛ لأنهم يسرفون فيها، ومن الإعلان أيضاً ما ذكره بقوله:
«والدف فيه للنساء» الدَّف بالفتح وبالضم، أي: يسن الضرب بالدف لكنه للنساء، فهاهنا أمران:
أولاً: أن الذي يسن الدُّف، وهو غير الطبل والطار، فالدف يجعل الرق والجلد على وجه واحد منه، وأما الطبل والطار فبعضهم قال: هي الكُوْبة التي ورد فيها النهي 1، يكون فيه الرَّق من الوجهين جميعاً، وهذا موسيقاه أكثر من الموسيقى الذي فيه الجلد من وجه واحد، ولهذا اشترط الفقهاء في الدف أن لا يكون فيه حلق ولا صنوج، وأخرجوا من ذلك الطبول، فقالوا: لا تسن في النكاح.
ثانياً: أنه للنساء خاصة دون الرجال، والدليل على أن ذلك أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أخبرت الرسول صلّى الله عليه وسلّم بأنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال: «ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو» 2، وفي السنن: «هلاَّ بعثتم معها من يغني» 3، فهذا يدل على أنه يسن الدف وأن يصحبه غناء أيضاً، ولكنه الغناء النزيه
الطيب المنبئ عن السرور والبهجة، مثل: «أتيناكم أتيناكم فحيَّانا وحيَّاكم» 1، وما أشبه ذلك من الكلمات الترحيبية الطيبة، أما الأغاني الماجنة فلا يجوز.
وقوله: «للنساء» ظاهره أنه لا يسن للرجال، لكن قال في الفروع: وظاهر الأخبار، ونص الإمام أحمد أنه لا فرق بين النساء والرجال، وأن الدف فيه للرجال كما هو للنساء؛ لأن الحديث عام: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال» 2 أي الدف، ولما فيه من الإعلان، وإن كان الغالب أن الذي يفعل ذلك النساء، والذين قالوا بتخصيصه بالنساء وكرهوه للرجال، يقولون: لأن ضرب الرجال بالدف تشبه بالنساء؛ لأنه من خصائص النساء، وهذا يعني أن المسألة راجعة للعرف، فإذا كان العرف أنه لا يضرب بالدف إلا النساء، فحينئذٍ نقول: إما أن يكره، أو يحرم تشبه الرجال بهن، وإذا جرت العادة بأنه يُضرب بالدف من قبل الرجال والنساء فلا كراهة؛ لأن المقصود الإعلان، وإعلان النكاح بدف الرجال أبلغ من إعلانه بدف النساء؛ لأن النساء إذا دففن فإنما يدففن في موضع مغلق، حتى لا تظهر أصواتهن، والرجال يدفون في موضع واضح بارز، فهو أبلغ في الإعلان، وهذا ظاهر نص الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وكلامِ الأصحاب حتى «المنتهى» الذي هو عمدة المتأخرين في مذهب الإمام أحمد، ظاهره العموم وأنه لا فرق بين الرجال والنساء في مسألة الدف.
ولكن لو ترتب على هذا مفسدة نمنعه، لا لأنه دف، وإنما نمنعه للمفسدة، وهكذا جميع المباحات إذا ترتب عليها مفسدة منعت، لا لذاتها ولكن لما يترتب عليها.
وهناك آلات عزف أخرى كالمزامير، والطنابير، والرباب، وما أشبهها، وهذه لا تجوز بأي حال من الأحوال لحديث أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» 1.
«الحِرَ» يعني الفرج، والمراد الزنا، والخمر كل ما أسكر، والحرير نوع معروف مما يلبس، لكنه لا يحرم على النساء لدعاء الحاجة إلى لبسه، والمعازف معروفة، واستحلالها نوعان: إما اعتقاد أنها حلال، كما يلبس ثوبه، وإما فعلها فعل المستحل مع اعتقاد أنها حرام، وكلا الأمرين موجود الآن، فمن الناس من يرى حل المعازف، إما عن اجتهاد، أو تأويل، وإما مجرد هوى، فيقول: الناس مختلفون في هذه المعازف، وأنا أرى أنها حلال، بدون أي اجتهاد، ومنهم من يفعلها فعل المستحل.
أما الأول: فوقع فيه علماء أجلاء، وضعفوا حديث أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ بأن البخاري ـ رحمه الله ـ رواه معلقاً، والمعلق نوع من أنواع الضعيف، وقالوا: إن المعازف حلال، وممن قال بذلك ابن حزم الظاهري ـ رحمه الله ـ.
ولكن هذا القول ضعيف، وتعليل الحديث بالانقطاع ـ أيضاً ـ
ضعيف؛ لأن البخاري ـ رحمه الله ـ رواه جازماً به، وما رواه البخاري معلقاً مجزوماً به فهو صحيح عنده، ثم إن الحديث قد روي موصولاً من طرق أخرى، وله شواهد كثيرة في الوعيد على من يستمعون إلى المعازف.
فالحديث لا شك في صحته، لكن ابن حزم رجل مجتهد، والمجتهد قد يخطئ وقد يصيب، وهناك أناس ليسوا أهل اجتهاد ولا أهل علم، ولكن يحكِّمون الهوى، يقولون: المسألة فيها خلاف، وما دامت المسألة خلافية فأمرها هين، فيعتقدون حله بناءً على الخلاف، وما ذاك إلا لهوى في أنفسهم، وكما قال الأول 1:
وليس كل خلاف جاء معتبراً
إلا خلاف له حظ من النظرِ
وهذا لا حظ له من النظر، ومن أراد استقصاء هذه المسألة بأدلتها فعليه مراجعة كتاب: (إغاثة اللهفان) لابن القيم ـ رحمه الله ـ فقد أجاد في ذلك وأفاد.
وإذا كانت المعازف حراماً فإنه لا يحل منها إلا ما خصه الدليل، وبالقيود التي جاءت به.
وهذه قاعدة مهمة إذا جاءنا نص عام، ثم ورد تخصيصه فإنه يتقيد ـ أي التخصيص ـ بالصورة التي ورد بها النص فقط، مثلاً: وردت إباحة الدف في موضعه، فهل يمكن أن يقول قائل: إذاً جميع آلات العزف تباح في مثل هذه المناسبات قياساً على الدف؟
الجواب: لا يصح؛ لأن التخصيص إذا ورد يجب أن يكون
في الصورة المعينة التي ورد بها، ولا يمكن أن تقاس بقية المعازف على الدف؛ لأنها أشد تأثيراً من الدف؛ وذلك لأصواتها ورناتها، والنفوس تطرب بها أكثر مما تطرب بالدف.
ثم إن بعضهم يختار أحسن النساء صوتاً ويجعلها تغني، ثم لا يجعلون بين النساء والرجال سوى جدار قصير يمنع الرؤية، ولكن لا يمنع الصوت، فيحصل بذلك فتنة، وأحياناً ـ والعياذ بالله ـ يجعلون مكبرات صوت على الأسواق، وهذا لا شك أنه فتنة، فإذا وصل إلى هذا الحد فإنه يجب على ولاة الأمور منعه، وأن ينبه الناس على أن هذا ليس هو الوارد.
قال في الروض 1: «وكذا ختان، وقدوم غائب، وولادة، وإملاك».
أما الختان فهو قطع قلفة الذكر، فيسن فيه ـ على كلام صاحب الروض ـ الضرب بالدف.
وأما قدوم الغائب، فقد جاءت السنة بإباحته، فقد أتت امرأة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقالت له: إني نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بالدف بين يديك، فقال: «أوفِ بنذرك» 2، ولو كان هذا معصية لمنعها من الوفاء بالنذر؛ لأنه لا وفاء لنذر في معصية الله.
ولكن هل يشترط في الغائب أن يكون له جاه، وشرف، ومكانة، كأمير، ووزير، وما أشبه ذلك؟
الظاهر نعم بناء على القاعدة التي ذكرناها، وهي أن ما خرج عن العموم وجب أن يتقيد بما قيد به من حيث النوع، والوصف، والزمان، والمكان، وكل شيء؛ لأن الأصل العموم، فالظاهر أنه لا يجوز إلا لمن له شأن في البلد.
فإذا قال قائل: إذا كان الرجل ليس له شأن في البلد، لكن له شأن في قبيلته، مثل ما يكون في البادية مثلاً، فهل يضرب بالدف لقدومه؟
الجواب: نعم، يضرب بالدف لقدومه؛ لأنه فرح.
كذلك ـ أيضاً ـ في أيام العيد يجوز الدف للرجال والنساء على حد سواء؛ وذلك لأنه فرح عام، كلٌ يفرح به، وهو يوم سرور، والدف لا شك أنه يدخل السرور على الإنسان، ويفرح به ويسر.
وهل نطرد هذا في كل مناسبة فرح؟
الظاهر أننا لا نطرده إلا في فرح يكون عاماً، كالأعياد، وقدوم الغائب الذي له شأن في البلد، وما أشبه ذلك، وإلا فيقتصر على ما ورد.
وكذلك الولادة، إذا ولد للإنسان ولد أو بنت يضربون بالدف.
وكذلك الإملاك وهو عقد المِلكة، وقد يكون داخلاً في قول المؤلف «النكاح»؛ لأن النكاح كما يكون بالدخول يكون بالعقد.
وكون صاحب الروض يرى هذا من باب الاستحباب فيه نظر، والصواب أنه لا يتجاوز الإباحة؛ لأن النكاح له شأن خاص، وقد أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإعلانه 1، وأما هذه الأمور فغاية ما هنالك أن نقول: للنفس أن تطرب بعض الطرب بهذه الأشياء.
وقال بعض أهل العلم: كذلك في كل سرور حادث، وعليه نقول: إذا حصل لواحد نجاح في الدراسة، يجمع إخوانه ويضربون بالدف، وكل هذه الأشياء من التوسع، ولكن أن يصل إلى درجة الغلو كما يفعله بعض الناس، فهذا لا يجوز، ونحن الآن ابتلينا بآلات اللهو والأغاني، وهي بلوى عظيمة في الحقيقة أفسدت كثيراً من شؤون الناس وأمورهم، حتى أصبحت عند بعض الناس من الفنون التي يدعى لها، وتعطى الشهادات عليها، ويحمد عليها، وهذا لا شك أنه يوجب قسوة القلب، وغفلته عن الله ـ عزّ وجل ـ وعما خلق له، بل عن مصالح الدين والدنيا، ويصير الإنسان ما همه إلا الطرب، ولذا ينبغي أن يبصر المسلمون بأن هذا لا يجوز، وأقبح من هذا أن يتخذ مثل هذا ديناً، مثل ـ والعياذ بالله ـ من يُلحِّن بعض الآيات القرآنية، ويلحنها تلحيناً كأغنية ماجنة خبيثة، وربما يجعل لها ضرباً خاصاً بالموسيقى، فهذا ـ والعياذ بالله ـ من أكبر ما يكون من امتهان كلام الله ـ عزّ وجل ـ، وصاحبه على خطر عظيم.
ويوجد بعض الناس كذلك يتخذه ديناً، يذكرون بعض القصائد إما محزنة، وإما مسلية، وإما مشجعة ـ كما يزعمون ـ
على الدين، ويجعلونها مصحوبة بموسيقى معينة، ولهم إيقاعات خاصة تسمى بالتغبير، يأتون بقوس معين يسمونه قوس التغبير، ثم يجلسون يذكرون الله ـ تعالى ـ بنغمات معينة، وعندهم عود يضربون به، وكل من كان ضربته أشد وأقوى فهو دليل على أن قلبه أشد تعلقاً بالله، وهذه من طرق الصوفية، ولا شك أنها بدعة محرمة، وهذه لا توجب إخبات الإنسان لله تعالى، وإنما توجب اهتزاز الإنسان لهذه الانفعالات القلبية، ولكنها انفعالات طائشة في الواقع، فالرسول صلّى الله عليه وسلّم أخشع الناس ولم يسمع لهذا، ولا خلفاؤه الراشدون، ولا الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ.
ومن هذا النوع ما يسمى بأناشيد دينية، فهذه كذلك ينهى عنها، وهي مما يصد عن الاتعاظ بالقرآن، فإن استمع إليها الإنسان أحياناً إذا شعر بكسل وخمول ليتنشط بها، فهذا لا بأس به، أما أن يجعلها ديدنه، فهذا لا يجوز، وبعضهم يقول: إننا نستمعها حتى لا نستمع إلى أغانٍ أخرى محرمة.
فنقول لهم: هل الإنسان مجبر أن يسمع إما إلى هذا، أو إلى هذا؟ ليس مجبراً، ومثل هذا من يلعب الورق، فإذا قلت له: هذه لا يجوز اللعب بها، فهي تلهي عن الصلاة وتوجب العداوة والبغضاء، قال لك: أيهم أحسن هذه أو الغيبة؟!
والجواب: نعم هي أهون، وليست أحسن من الغيبة، ولكن لست مجبراً أن تبقى مغتاباً أو لاعباً.
((تتمة)) في آداب الأكل والشرب من الروض المربع
يجب علينا أن نعلم نعمة الله ـ عزّ وجل ـ علينا بالأكل والشرب في تيسيره وتسهيله، حتى وصل إلينا، وقد أشار الله ـ تعالى ـ إلى هذه النعم في سورة الواقعة، فقال ـ عزّ وجل ـ بعد أن ذكر المادة التي خُلِق منها الإنسان، وذكر المواد التي يقوم بها الإنسان: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ *أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا، ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ *﴾ [الواقعة] أي لو نشاء لنبت الزرع ونما واستتم، ثم جعله الله حطاماً، بما يُرسَل عليه من العواصف، أو القواصف، وهذا أشد في الحسرة، من كونه لا ينبت، يعني أن الله لم يقل: لو نشاء لم ينبت، بل قال: ﴿لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ وهذا أشد؛ لأن تعلق النفس به بعد أن نما واستتم أشد من تعلقها به وهو بذر ﴿إِنَّا لَمُغْرَمُونَ *بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ *أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ *﴾ والطعام لا يكون إلا بماء ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ *﴾ الجواب: بل أنت يا ربنا ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ [الواقعة: 70] ولم يقل: لو نشاء لم ننزله من المزن؛ لأن كون الماء بين يديك، ولكن لا تستطيع أن تشربه لكونه أجاجاً أشد حسرة ﴿فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ﴾ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ *﴾ ويصلح بها الطعام ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُونَ *﴾ [الواقعة] الجواب: بل أنت يا ربنا.
اذكر هذه النعم، قبل أن تذكر نعمة الله عليك بالأكل والشرب، ثم اذكر نعمة الله عليك بأنك تسيغ الأكل، ويسهل عليك، وتتلذذ به مذاقاً، وتتلذذ به مقراً في المعدة، وتتلذذ به إخراجاً، نعمٌ عظيمة، ألم يكن في الناس من لا يستطيع أن يسيغ اللقمة أو التمرة؟ بلى، فاحمد الله.
كذلك ـ أيضاً ـ من الناس من لا يتنعم بقرار الطعام في المعدة، ومن الناس من لا يتنعم بإخراج هذا الأكل بعد أن تفرقت الفائدة في الجسد، إذاً اذكر هذا.
إننا في الحقيقة ـ ونسأل الله أن يغفر لنا ويعفو عنا ـ نأكل كما تأكل الأنعام، أكثر ما نأكل تشهياً فقط، دون أن نذكر هذه النعم التي بأيدينا، وليست من صنعنا، اللهم ذكِّرنا ما نسينا، وعلمنا ما جهلنا.
هذا الأكل الذي تدعو إليه الطبيعة، جعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ للموفقين فيه عبادات عند البدء به، وعند الانتهاء منه، وفي أثنائه، فأولاً: اذكر أنك تأكل امتثالاً لأمر الله؛ لأن الله أمرك فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الأعراف: 31]، ثانياً: تأكل لتحفظ صحتك وعافيتك، حتى في العبادة إذا كنت مريضاً وخفت من الماء، فإنك تتيمم حفاظاً على الصحة، ووقاية للبدن من المرض، ثالثاً: تأكل لتقوى على طاعة الله، ولا سيما في السحور حيث قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «تسحروا فإن في السحور بركة» 1، فيكون أكلك الذي تدعو إليه النفس والفطرة عبادة من أجلِّ العبادات.
ثم هناك عبادات مشروعة منها: التسمية عند الأكل، والتسمية عند الشرب، يقول صاحب الروض: «تسن التسمية» 2،
وهذا قول كثير من العلماء إن لم يكن أكثرهم، والصواب أن التسمية واجبة عند الأكل والشرب، وأن الإنسان يأثم بتركها لأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، حيث قال لعمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنه ـ: «يا غلام سمِّ الله» 1 مع أنه صغير، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم أخبر أن الإنسان إذا لم يسمِّ فإن الشيطان يشاركه في طعامه وشرابه 2، وأتت جارية تُدفَع دفعاً، والنبي صلّى الله عليه وسلّم جالس، حتى قعدت ومدت يدها لتأكل، ولكنها لم تسم، فأمسك النبي صلّى الله عليه وسلّم بيدها وأمرها أن تسمي، وأخبر أن يد الشيطان ويد الجارية في يده 3 صلّى الله عليه وسلّم، وهذا يدل على أن الشيطان يتحين الفرص أن يحضر مع من لم يحضر أول الأكل، فيأكل بلا تسمية، فالصواب أن التسمية واجبة.
قوله: «جهراً» وهذا من أجل التعليم إذا كان معه أحد، ومن أجل إعلان هذا الذكر الذي يطرد به الشيطان إذا لم يكن معه أحد، فيقول: بسم الله.
وهل يزيد على ذلك بأن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؟
الجواب: إن اقتصر على قول بسم الله فحسن، وإن زاد: الرحمن الرحيم فحسن أيضاً، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
إذا زاد الرحمن الرحيم فهذا حسن؛ لأن هذا تكملة البسملة، ففي القرآن الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم، لكنه قال ـ رحمه الله ـ: وأما زيادتها عند الذبح أي: الرحمن الرحيم ـ فقد ذكر بعض أهل العلم أنها غير مناسبة؛ لأنك ستفعل ما لولا أن الله أحله لك ما كان لك أن تفعله، وهو ذبح الحيوان، فلا يناسب ذكر هذين الاسمين عند الذبح.
وأما ما قاله بعض الإخوان: إنه يكره أن تقول: الرحمن الرحيم، فعجبٌ من هذا، كيف يتجرأ فيحكم بما ليس له به علم؟!
والذي يقول: الرحمن الرحيم، ما زاد إلا خيراً؛ لأن من رحمة الله أن الله يسر لك هذا الأكل، فهي لا تنافي الحال، ولا تنافي الشرع، فلم يرد النهي، ولا يحل لإنسان أن يقول عن شيء: إنه يكره إلا بدليل؛ لأن الكراهة حكم شرعي تحتاج إلى دليل، أو إلى تعليل صحيح يشهد له النص.
وإذا كان الإنسان لا يحسن البسملة باللغة العربية، ويحسنها بلسانه فإنه يسمي بلسانه، وإذا كان أخرسَ لا ينطق أبداً فبالإشارة، وإذا كان معه أناس وبدؤوا بالأكل جميعاً، فهل تكفي تسمية الواحد، أو لا بد أن يسمي كل إنسان بنفسه؟
الجواب: إن جاؤوا مرتبين، بحيث يأتي الإنسان ولم يسمع تسمية الأول، فلا بد أن يسمي، كما جاء في الحديث في قصة الجارية، وأما إذا كانوا بدؤوا جميعاً فالظاهر أن التسمية تكفي من واحد، لا سيما إذا نوى أنه سمى عن نفسه وعمن معه، ومع ذلك فالذي أختار أن يسمي كل إنسان بنفسه، وإن بدؤوا جميعاً.
قوله: «والحمد إذا فرغ» أي: يسن الحمد إذا فرغ، فيقول: الحمد لله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها» 1، ولا شك أن هذا من باب الشكر لله ـ عزّ وجل ـ على نعمه، أن يسر لك هذا الطعام، فاحمد الله على ذلك.
ولكن هل نقول: إذا فرغ من جميع الأكل، أو من كل أكلة، ومن كل شربة؟
الظاهر: الأول؛ لأن الأكلات، وإن تتابعت فهي أكلة واحدة، فإذا فرغ من أكله فليحمد الله.
مثال ذلك: رجل أمامه رز يأكله، فهل نقول: كلما أكلت لقمة قل: الحمد الله، أو السنة أن تحمد الله إذا فرغت نهائياً؟
الجواب: الثاني.
كذلك ـ أيضاً ـ رجل يأكل تمراً، فلا تقول له: احمد الله كلما أكلت تمرة، فما دامت أكلة واحدة، سم عند أولها، واحمد عند آخرها.
قوله: «وأكله مما يليه»، هذا إذا كان معه أحد، فإن من الأدب أن يأكل مما يليه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر بن أبي سلمة ـ رضي الله عنهما ـ وهو ربيبه: «وكل مما يليك» 2، ولأن هذا من المروءة والأدب، لكن إذا كان وحده فله أن يأكل من أي جانب،
ولكن لا يأكل من أعلى الصحفة؛ لأن البركة تنزل في أعلاها، فيأكل من الجوانب، ولا حرج.
واستثنى العلماء ـ رحمهم الله ـ إذا كان الأكل أنواعاً فلا بأس أن يأخذ مما لا يليه، وقد جاءت بذلك السنة، كما لو كان على الطعام لحم، فاللحم في الوسط، فله أن يتناول منه، وكذلك لو فرض أن المائدة فيها أنواع من الإدام، ويوجد نوع يلي صاحبه، ونوع لا يليه، فله أن يتناول منه، لكن هنا يحسن أن يستأذن؛ لأنه من كمال الأدب.
قوله: «بيمينه» يعني يسن أكله بيمينه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعمر ابن أبي سلمة ـ رضي الله عنها ـ: «كل بيمينك»، وهذا الذي ذكره ـ رحمه الله ـ هو المشهور من المذهب أن الأكل باليمين أفضل من الأكل باليسار.
والقول الراجح في هذه المسألة: أن الأكل باليمين واجب، ودليل هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الأكل بالشمال، وقال: «لا يأكل أحد بشماله، ولا يشرب بشماله، فإن الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله» 1، وقد نهينا عن اتباع خطوات الشيطان.
والعجب أن بعض السفهاء منا ـ معشر المسلمين ـ يرون أن الأكل بالشمال تقدم، فلا أدري كيف يرونه كذلك وهم إنما يقلدون الكفار بهذا الفعل الرديء ولا يستفيدون من سَبْقهم في الصناعات المفيدة، ولكن هذا من إملاء الشيطان ولا شك، فما دام الشيطان
يأكل بشماله، فإنه يحب من بني آدم أن يتابعوه على هذا.
فالصواب أن الأكل بالشمال حرام إلا لعذر، وأكل رجل بشماله عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فنهاه وقال: «كل بيمينك»، قال: لا أستطيع، يعني لا يستطيع نفسياً؛ لأنه ما منعه إلا الكِبْر ـ والعياذ بالله ـ فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا استطعت» فما رفع الرجل يمينه إلى فمه أبداً 1؛ لأن الله ـ تعالى ـ أجاب دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأنه بحق، وهذا نوع من التعزير غريب، أن يعزر الإنسان بأن يدعى عليه بما يشبه معصيته؛ لأن التعزير والتأديب بأي نوع كان.
فإن قال قائل: إذا كان الإنسان يأكل طعاماً، وأراد أن يشرب، فإن أخذ باليمين تأثر الإناء بالطعام، وهذا ربما يكرِّه غيره أن يشرب به، فهل هذا يبيح للإنسان أن يشرب بالشمال؟
الجواب: لا؛ لأن المحرم لا يباح إلا للضرورة، وهذا ليس بضرورة، ويستطيع الإنسان أن يمسك هذا الإناء من أسفله، فإن كان كبيراً يضعه على الراحة ويشرب، وإن كان كأساً فهو سهل؛ لأن الكأس يمكن للسبابة والإبهام الإحاطة به، فيمسكه من الأسفل ويشرب.
على أننا في الوقت الحاضر يسر الله الأمر، وزالت هذه العلة نهائياً بكؤوس البلاستيك، فهذا الكأس لا يشرب به غيرك؛ لأنه سيرمى، لكن هذا كله من وحي الشيطان يتحجج به بعض الناس.
قوله: «بثلاث أصابع» أي: ينبغي أن يأكل الطعام بثلاث أصابع: الإبهام، والوسطى، والسبابة، هذا إذا أمكن، لكن إذا كان لا يمكن الأكل بثلاث أصابع، كالرز ـ مثلاً ـ فإنه يأكل بما يمكن، وجاءت السنة بذلك؛ لأن الأكل بالأصابع كلها يدل على الشره والجشع، لا سيما إذا كان معه أحد.
والعجب أن بعض الناس استنبط من هذا النص أنه ينبغي أن يأكل اللحم بالشوكة، وغير اللحم بالملعقة، قال: لأنه يمسك الشوكة بثلاث أصابع، والملعقة بثلاث أصابع، سبحان الله! نحن لا يضرنا في الوقت الحاضر إلا الأفهام الخاطئة! فهذا لا يقال: أكل بالأصابع، وإنما بالشوكة وبالملعقة، والعلماء ـ رحمهم الله ـ مع قولهم إنه يأكل بثلاث أصابع قالوا: لا بأس بالأكل بالملعقة، قال شارح الإقناع: (وقد يؤخذ من قول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ «أكره كل مُحدَث» أنه يُكره الأكل بالملعقة)؛ لأنها محدثة، ونحن لا نرى كراهة الأكل بالملعقة، لكن لا نرى أن الأكل بها يعني الأكل بثلاث أصابع.
فالصواب: أن الأكل بالملعقة لا بأس به، لا سيما مع دعاء الحاجة، وقد حدثني بعض الناس عن شخص له وزنه أنه كان مع جماعة كانوا يأكلون بالملعقة وهو يأكل بيده، فقالوا له: يا فلان لماذا لا تأكل بالملعقة؟ قال: أنا آكل بملعقة لا يأكل بها إلا أنا، وأنتم تأكلون بملعقة كل الناس يأكلون بها، أنا آكل بملعقة باشرتُ تنظيفها، وأنتم تأكلون بملاعق ما باشرتم تنظيفها، فربما يكون من نظفها نظفها جيداً، وربما لم ينظفها، وهذا جواب
جيد، لكن لكل امرئ من دهره ما تعودا، فنحن لا نستطيع أن ننكر الأكل بالملعقة، لكننا لا نقول: إنه هو السنة؛ لأنه أكل بثلاث أصابع.
قوله: «وتخليل ما علق بأسنانه»، لأن بقاء هذا بين الأسنان يضر بها، وباللثة، وربما يحدث به رائحة كريهة، ودفع المؤذي من الأمور المسنونة.
قوله: «ومسح الصحفة»، وهذا ـ أيضاً ـ مما جاءت به السنة، يعني أن تمسحها من بقية الطعام، وتلعق أصابعك أيضاً، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فإنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة» 1.
قوله: «وأكل ما تناثر» وهذا سنة أيضاً، ولكن بعد إزالة ما فيه من أذى، مثل لو سقطت تمرة، أو قطعة من الطعام، فخذها وامسح ما بها من أذى ثم كُلْها، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا تدعها للشيطان» 2، وهذا يدل على أن الشيطان يأكل ما تناثر إذا لم يؤكل، وأما إذا لم يمكن أكل ما تناثر فإنه يترك.
قوله: «وغض طرفه عن جليسه» وهذا ـ أيضاً ـ من الآداب، أن يغض طرفه عن جليسه الذي يأكل معه، فلا تجلس تنظر ما أكل هذا، وما أخذ هذا، وتجلس تراقبه من حين يأخذ الشيء حتى يضعه في فمه، فهذا ليس من الأدب، والناس كلهم ينتقدون هذا.