الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 291-330
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 291-330
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

وقيل: إنه يحرم ويصح وهذا المذهب.
وقيل: يحرم ولا يصح.
وتعليل المذهب أن للعتق نفوذاً قوياً فينفذ، ولذلك لو أن الرجل أعتق نصيبه من عبد، بأن يكون عبد بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه من العبد، فإن العبد يعتق كله، ويلزم هذا المعتِقُ بدفع قيمة نصيب صاحبه إليه، لقوة نفوذ العتق؛ ولأن الشارع يتشوَّف إلى العتق تشوفاً كبيراً، ويحرم لأنه تصرف بغير إذن صاحبه فهو إسقاط لحقه؛ لأنه إذا أعتقه لا يمكنه أن يفسخ البيع.
ولكن الصحيح أنه يحرم ولا يصح ولا يستثنى العتق، فالعتق كغيره من التصرفات، أما كونه يحرم؛ فلأنه اعتداء على حق صاحبه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» 1، وهذا من الاعتداء على الأموال، وأما كونه لا يصح فلقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 2، وليس أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم على العدوان على الناس، بل العكس، وعلى هذا فلا يصح.
وهناك ـ أيضاً ـ تعليل فيقال: إن العتق يقع قربة لله ـ عزّ وجل ـ وهل يمكن أن يتقرب إلى الله بمعصيته؟! لا يمكن فهذا تضاد ونوع من الاستهزاء بشريعة الله.
وقوله: «إلا عتق المشتري» لو أن البائع أعتق العبد فلا

يصح، والفرق بين البائع والمشتري، أن المشتري قد انتقل إليه الملك، وأما البائع فليس له ملك في هذا المبيع، فلهذا صح عتق المشتري دون عتق البائع.
قوله: «وتصرف المشتري فسخ لخياره» أي: إذا تصرف المشتري في المبيع الذي اشترط فيه الخيار له وحده، فإن تصرفه فسخ لخياره، ويؤخذ من كلام أهل العلم هنا أن الفسخ يثبت بما دل عليه من قول أو فعل.
مثال ذلك: اشترى الرجل بيتاً من شخص واشترط الخيار لمدة شهر، وفي أثناء الشهر آجَره من يسكنه فيبطل خياره، فإن قال: أنا ما أبطلت الخيار؟ نقول: تصرفك دليل على رضاك به، وأنك أسقطت الخيار، وكذلك البيع مع اشتراط الخيار لنفسه في هذا البيت لمدة شهر، وقد اشتراه بمائة ألف، ثم جاءه إنسان وقال: بعني إياه بمائة وعشرة، فباعه بمائة وعشرة فيبطل خياره؛ لتصرفه في البيت، وتصرفه فيه دليل على رضاه به، وأنه لا يريد رده.
ويستثنى من هذا ما سبق من تجربة المبيع، فإن تصرف المشتري بتجربة المبيع لا يفسخ خياره، ولو كان الخيار له وحده؛ لأن هذا هو المقصود من الشرط أن ينظر هل يصلح له أو لا؟ وقوله: «وتصرف المشتري فسخ لخياره» ظاهر كلامه أن تصرف البائع ليس فسخاً لخيار المشتري؛ لأن المشتري حقه باق.

أما لو كان الخيار للبائع وحده فلا يجوز أن يتصرف، وإذا تصرف فلا يصح تصرفه؛ لأن ملك المبيع للمشتري، ولكن يستطيع أن يقول: فسخت البيع ثم يتصرف، والصحيح أنه فسخ لخياره.
مثال ذلك: باع زيد على عمرو هذا البيت بمائة ألف، وقال البائع وهو زيد: لي الخيار لمدة شهر، ثم إن زيداً باعه على رجل آخر فهذا فسخ لخياره؛ لأن بيعه إياه يدل على أنه ألغى البيع الأول، وهذا الفسخ دلالته فعلية لا قولية، أما لو قال البائع: اشهدوا أني فسخت، فهذا دلالته قولية، ولا إشكال فيها، ولكن إذا كان فسخ خياره من أجل تصرفه، فهو فسخ فعلي.
قوله: «ومن مات منهما بطل خياره» أي: من البائع أو المشتري بطل خياره، سواء شرط الخيار له وحده، أو له ولصاحبه فإنه يبطل الخيار.
مثاله: اشترى رجل من آخر بيتاً بمائة ألف، وجعل الخيار له لمدة شهر، ثم مات فإن الخيار يبطل، وعلى هذا فلا خيار للورثة في هذا المبيع، وهذه المسألة ظاهر كلام الماتن فيها غير المذهب.
فإذا قال الورثة: لماذا لم يكن لنا خيار، أليس قد انتقل إلينا من مورثنا بحقوقه ومنها الخيار؟.
نقول: على كلام المؤلف، لا خيار؛ لأن اختيار الإمضاء أو الفسخ لا يكون إلا من قبل المشتري الذي مات، فلا ندري الآن، هل يريد الإمضاء أو يريد الفسخ فيبطل، فإن علمنا أنه يريد

الفسخ بحيث يكون قد طالب به، بأن قال: إني أريد الفسخ فإنه يورث من بعده؛ لأن مطالبته به دليل على أنه اختار الفسخ، أما إذا لم يطالب فإننا لا ندري، والأصل بقاء العقد، وهذا هو التعليل عند الأصحاب ـ رحمهم الله ـ. ولكن تفسير المطالبة بهذا فيه نظر؛ لأنه إذا قال: فسخت، انفسخ البيع، ولم يبق خيار، وأما إذا فسرت المطالبة بأنه قد قال: أنا على خياري، فهذه ثابتة وإن لم يقلها؛ لأنه ما دام اشترى بشرط الخيار ولم يسقط الخيار فالأصل بقاؤه.
القول الثاني: أنه يورث سواء طالب به أم لم يطالب؛ وعللوا ذلك بأن الملك انتقل إلى الورثة بحقوقه، وهذا الذي اشتُرِيَ بشرط الخيار انتقل إلى الورثة بحقوقه، فيثبت لهم ذلك، وإذا كان الخيار للبائع فقد انتقل منه إلى الورثة، فيورث عنه؛ لقوله تعالى في المواريث: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: 12]، وكلمة ﴿تَرَكَ﴾ تشمل كل متروكاته من أعيان أو منافع أو حقوق، وهذا هو القول الصحيح أنه ينتقل الحق إلى الورثة، ولهم الخيار بين الإمضاء أو الفسخ؛ لأنهم ورثوه من مورثهم على هذا الوجه.
وأما قولهم: لا بد أن يطالب، فيقال: إذا طالب لا حاجة أن نقول: إن خيار الشرط باقٍ؛ لأنه إذا طالب به فقد انتهى الخيار؛ لأنه اختار الفسخ.
مسألة: إذا اختلف الورثة فبعضهم قال: أريد الإمضاء، وبعضهم قال: أريد الفسخ.

فيقال: إن كان الوارث واحداً لم يتصور الخلاف إما أن يفسخ أو يُمْضي، وإن كان أكثر من واحد، واختار بعض الورثة الفسخ، واختار آخرون الإمضاء؛ فإن كان لا ضرر على البائع في تفريق الصفقة، فلكل حكمه، مثل ما لو كانت الصفقة عشر سيارات، كلها متساوية القيم ومن نوع واحد فمات الرجل وخلف أربعة أبناء وبنتين، فيكون لكل بنت سيارة واحدة ولكل ابن سيارتان، إذا قال أحد الأبناء: أنا أختار فسخ البيع، يرد على البائع سيارتين، ويعطيه ثمنهما ولا نقص على البائع، وإذا قالت إحدى البنات: أنا أختار فسخ البيع، يعطى البائع سيارة، ويعطيها ثمنها، وهذا لا إشكال فيه.
ولكن إن كان باع عليه حذاء بمائة ريال، وقال: لي الخيار لمدة أسبوع، ومات خلال الأسبوع، وخلف ابنين أحدهما اختار الفسخ والثاني اختار الإمضاء، فهنا لا يمكن تفريق الصفقة؛ لأن البائع يتضرر، فيقال: إما أن تفسخا جميعاً، وإما أن تمضيا جميعاً.
وقوله: «ومن مات منهما بطل خياره» لو مات أحدهما في خيار المجلس يبطل خياره، وهذا لا إشكال فيه؛ لأن من أعظم التفرق التفرق بالموت، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا» 1. مسألة: لو نام أحدهما في خيار المجلس بأن كان متعباً جداً وفيه نوم، فقال البائع: بعتك هذا الشيء، فقال: قبلت، وإذا رأسه على صدره ينعس فنام، فهذا لا يبطل خياره ما داما في

المجلس، ولو طال نومه؛ لأنه لم يفارق الحياة بخلاف من مات.

الثَّالِثُ: إِذا غُبِنَ في المَبِيْعِ غَبْناً يَخْرُج عَن العَادَةِ وبِزِيَادَةِ النَّاجِشِ وَالمُستَرسِلِ.

قوله: «الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة» «الثالث» أي: من أقسام الخيار، خيار الغبن، وأشار إليه بقوله: «إذا غبن في المبيع»، وكذلك إذا غبن في الثمن، فإذا كان الثمن غير نقود أو كان نقوداً مغشوشة أو ما أشبه ذلك، فالمهم أنه غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة، والغبن معناه الغلبة، أي: إذا غلب غلبة تخرج عن العادة فله الخيار، فالمؤلف قيد الغبن بأن يخرج عن العادة، فمثلاً إذا غبن بريال واحد من مليون بأن اشترى أرضاً بمليون وهي تساوي مليوناً إلا ريالاً، فهذا مما يتغابنه الناس، وواحد من ألف كذلك، وواحد من مائة كذلك لا يخرج عن العادة، وهل واحد من عشرة يعتبر غبناً؟.
الظاهر لي يعتبر غبناً، ولا سيما إذا كانت السيولة بأيدي الناس عزيزة؛ لأن واحداً من عشرة ربما يكون صعباً على كثير من الناس إذا كانت السيولة قليلة، أما مع وفرة المال، فقد يقال: واحد من عشرة ليس بشيء.
وقال بعض العلماء: إن الغبن الذي يخرج عن العادة هو واحد من خمسة، ونسبة واحد من خمسة إلى المائة عشرون في المائة، ولكن في القلب من هذا شيء، بل يقال: إذا جعلنا الأمر مرتبطاً بالعادة فهو أحسن، فإن اختلفنا نرجع إلى أهل الخبرة، إلى الدلاَّلين المعتبرين في البلد، فيقال: ما تقولون إذا غبن في واحد من عشرة؟ وقد يقال: أيضاً إنه يختلف باختلاف الأموال، بعضها الواحد من عشرة غبن، وبعضها غير غبن.

فإذا غُبن الإنسان غبناً يخرج عن العادة، فهل له الخيار به أو لا خيار له؟ يرى بعض العلماء أنه لا خيار له إلا إذا اشترط لنفسه وتحفظ، ويستدلون بحديث الرجل الذي شكى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه يُغبن في البيوع، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا بايعت فقل: لا خلابة»، فكان يبايع ويقول: لا خلابة 1، فقالوا: إن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ جعله يشترط لنفسه أن لا خلابة، أي أن لا غلبة، فلو كان هذا الغبن موجباً للخيار بدون شرط، لقال له الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ: إذا غبنت فرد ما غبنت به، ولم يقل له: إذا بايعت فقل: لا خلابة.
هذا رأي لبعض العلماء وهو قوي جداً، ويرى آخرون أنه يثبت به الخيار وإن لم يشترط، قالوا: إن هذا من الغش والخيانة، ولو لم نثبت الفسخ لكان في ذلك فتح لباب الغش والخيانة، والشارع يأتي بدرء المفاسد وجلب المصالح، فما دمنا نعرف أن في هذا درءاً للمفسدة وقطعاً على أهل الخيانة والغش طريقهم، فإن الواجب سلوك هذا الطريق، وهذا تعليل قوي، ولكنه يحتاج إلى الإجابة عن الحديث؛ لأن صاحب القول إذا رجح قوله لا بد أن يأتي بالمرجحات، وبالدافعات التي تدفع قول خصمه، فيقولون: إنما أمره الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أن يشترط وإن كان ثابتاً له بدون اشتراط، لأمرين:

الأول: أنه إذا قال: «لا خلابة»، صار له الخيار فيما غلب فيه سواء كان يخرج عن العادة أم لا يخرج؛ لأن «لا» نافية للجنس، و «خلابة» نكرة في سياق «لا» النافية للجنس فتفيد العموم، أي: لا خلابة، قليلة أو كثيرة.
الثاني: قطع النزاع بين الطرفين لأنه إذا لم يشترط أنه لا خلابة، يمكن للبائع أن يقول: أنا ما غلبتك، فبمجرد ما يقول: لا خلابة، فإن البائع يمتنع من الخلابة من أول الأمر؛ لأنه إذا شرط عليه سيعرف أنه إذا غبن سوف يرد عليه، فهذا فائدة إرشاد النبي صلّى الله عليه وسلّم هذا الرجل لاشتراط أن لا غبن، وعلى هذا يتوجه أن القول الراجح إثبات خيار الغبن، سواء شرط أو لم يشترط.
وقوله: «يخرج عن العادة» أحالنا المؤلف إلى العرف، فما عدّه الناس غبناً فهو غبن، وما لم يعدّوه غبناً فليس بغبن، وقدره بعض العلماء بالثلث، وبعضهم بالربع، وبعضهم بالخمس.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف أولى أن يرجع في ذلك إلى العادة، والمحكم في العادة هم أصحاب الخبرة، فإذا قالوا: هذا غبن؛ لأنه يخرج عن العادة، قلنا: يثبت الخيار له.
مسألة: هل خيار الغبن مقيد بشيء معين، أو متى حصل الغبن حصل له الخيار؟.
الجواب: هذه المسألة فيها خلاف، أما المذهب فإن خيار الغبن مخصص بثلاث صور: الصورة الأولى: تلقي الركبان، أي: أن يخرج عن البلد ليتلقى الجالبين إليه فيشتري منهم، ومن المعلوم أن هذا المتلقي

سوف يشتري بأقل من الثمن، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه ـ أي: من الجلب ـ فإذا أتى سيده السوق ـ وهو البائع ـ فهو بالخيار» 1، هذا خيار غبن.
وقوله: «فهو بالخيار» إذا قال قائل: الحديث مطلق «فهو بالخيار»، ولم يقل: إذا غبن؟.
فالجواب: أنه يحمل على الغالب المعتاد؛ لأن الجالب إذا قدم للسوق، ولم يجد أنه غبن فإنه لن يفسخ، إذ لا فائدة من الفسخ ثم البيع مرة أخرى، فيحمل الحديث على أنه إذا غبن، وإن كان ظاهر الحديث الخيار مطلقاً.
الصورة الثانية: قوله: «وبزيادة الناجش» «الباء» في قوله: «بزيادة» للسببية، أي: بسبب زيادة الناجش، والناجش اسم فاعل من نَجَش يَنْجُش، وأصل النجش الإثارة، فإثارة الشيء نجشه.
والناجش هو من يزيد في السلعة، وهو لا يريد شراءها، وإنما يريد الإضرار بالمشتري، أو نفع البائع، أو الأمرين جميعاً.
مثال ذلك: عرضت سلعة للسوم فصار الناس يتزايدون فيها، وكان أحد هؤلاء يزيد في الثمن، وهو لا يريد الشراء، ولكن من أجل منفعة البائع؛ لأنه صاحبه، أما هو فلا يريد السلعة، أو يريد إضرار المشتري؛ لأنه عدوه، أو يريد نفع نفسه كأن يكون عنده سلعة مثلها فزاد في ثمنها لأجل أن يزيد ثمن سلعته، أو يريد أن يقول الناس: فلان ما شاء الله يزيد في السلعة، وهذا معناه أنه عنده أموال وتاجر.

فالضابط هو: أن يزيد وهو لا يريد الشراء، وإنما يريد غرضاً آخر، فإذا غبن المشتري بسبب هذه الزيادة غبناً يخرج عن العادة فإن له الخيار.
والنجش محرم؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عنه فقال: «لا تناجشوا» 1 ولأنه يورث العداوة والبغضاء بين المسلمين؛ لأنه إذا علم أن هذا ينجش من أجل الإضرار بالمشترين كرهوه وأبغضوه، ثم عند الفسخ في الغبن ربما لا يرضى البائع بالفسخ، فيحصل بينه وبين المشتري عداوة أيضاً.
الصورة الثالثة: قوله: «والمسترسل» وهو المنقاد مع غيره المطمئن إلى قوله، هذا في اللغة.
وفي الاصطلاح: من جهل القيمة ولم يحسن المماكسة.
والمماكسة هي المحاطة في الثمن، وهي التي تعرف عندنا بالمكاسرة، فإذا أتى إلى صاحب الدكان، وقال: بكم هذه الحاجة؟ قال: بعشرة ريالات، وهو رجل يجهل القيمة ولا يحسن أن يماكس فأخذها بعشرة، فلما عرضها على الناس، قالوا: هذه بخمسة ريالات، قال: ما علمت، فنسمي هذا مسترسلاً له الخيار؛ لأنه إذا كانت قيمة الشيء بخمسة، واشتراها بعشرة فهذا غبن يخرج عن العادة فله الخيار، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من غش فليس منا» 2، وهو من الخيانة للمسلمين، وكل من غش

فيجب أن يحال بينه وبين مأربه، فإن كان يعلم القيمة ويدري أن قيمتها خمسة، ولكنه أخذها بعشرة تطييباً لقلب البائع، كما يعمله بعض الناس مثلاً إذا وجد رجلاً فقيراً عنده بسطة صغيرة، قال: بكم هذه يا فلان؟ قال: بعشرة وهو يعرف أنها بخمسة فأخذها بعشرة فلا يكون مسترسلاً؛ لأنه يعلم القيمة، وكذلك لو رأى مع صبي دجاجة تساوي عشرة، قال: بكم يا بني هذه؟ قال: هذه يا عم بعشرين وهو يدري أنها تساوي عشرة، لكن جبراً لقلب هذا الصبي وإدخالاً للسرور عليه، قال: خذ هذه العشرين، ثم بعدئذٍ ندم قال: كيف أبذل عشرين بما يساوي عشرة؟ فرجع إلى الصبي وقال: يا بني غبنتني فلا خيار له؛ لأنه يعلم القيمة ودخل على بصيرة.
وقوله في الروض 1: «ولم يحسن المماكسة» ظاهره أنه إذا كان يحسن المماكسة فإنه لا خيار له ولو غبن، مثاله: رجل يجهل قيمة الأشياء لكنه جيد في المماكسة، فأتى إلى صاحب الدكان، وقال له: كم قيمة هذا المسجل؟ قال: قيمته مائتا ريال وصاحب الدكان وضع ورقة عليه صغيرة وكتب عليها مائتي ريال، وهو جيد في المماكسة، لكن ظن أن هذه قيمته في الأسواق، فأخذ المسجل ثم لما عرضه على إخوانه، قالوا: هذا يباع في السوق بثمانين ريالاً، فغبن بمائة وعشرين، فرجع إلى الرجل، وقال له: هذا بثمانين ريالاً، فعلى كلام المؤلف لا خيار له؛ لأنه يحسن المماكسة ويقدر أن يحاطه في الثمن حتى يصل إلى الثمانين.

ولكن الصحيح أن له الخيار لجهله بالقيمة ولتغرير البائع به، فلا ينبغي إلا أن نعامل البائع بنقيض قصده لما غره، ونقول: له الخيار.
فإذا قال: هذا الرجل يعرف البيع والشراء لماذا لم يماكسني؟.
نقول: جزاه الله خيراً وثق بك ولست أهلاً للثقة، والآن له الخيار.
ومن المناجشة وهي نوع من الاسترسال أن يقول البائع للمشتري: أعطيت في السلعة كذا وهو يكذب، والمشتري سوف يقول: إذا كانت سيمت بمائتين فسأشتريها بمائتين وعشرة، وفعلاً اشتراها بمائتين وعشرة، وتبين أن قيمتها مائة وخمسون فإن له الخيار؛ لأنه غبن على وجه يشبه النجش.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ إذا قال: اشتريتها بمائة وهو كاذب اشتراها بخمسين فأخذها المشتري بمائة وخمسة؛ ليربح ذاك خمسة ريالات، وتبين أنه اشتراها بخمسين فإنه له الخيار؛ لأن هذا من النجش؛ لأنه استثار المشتري حتى اشتراها بأكثر من ثمنها.
فإن قيل: ما حكم النجش، وما حكم أن يفعل ما يسترسل معه المشتري؟.
فالجواب: كله حرام؛ لأنه خلاف ما يجب أن يكون عليه المؤمن لأخيه، فقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» 1.

فإن قيل: بعض الباعة إذا سئل عن قيمة السلعة، قال: قيمتها مائة وهو يبيعها بثمانين، لكنه يخشى أن يكون المشتري ممن يماكسون، فقال: بمائة على تقدير أنه سيماكس حتى تنزل إلى ثمانين، فهل يجوز له ذلك؟.
الجواب: فيه تفصيل، إذا كان المشتري سيطمئن ويأخذها بما قدره فهذا حرام؛ لأنه من الغش، وإن كان البائع إذا رأى المشتري عازماً على الأخذ، قال له: اصبر يا أخي أنا قلت لك: بمائة؛ لأن بعض الناس يماكسني ويضطرني إلى أن أنزل، ولكن قيمتها الحقيقية ثمانون فهذا جائز، وإن كان فيه شيء بالنسبة للبائع، لكن هو الذي جنى على نفسه؛ لأنه إذا قال: يا أخي القيمة ثمانون، لكني قلت لك بمائة خوفاً من المماكسة فإن المشتري سوف لا يطمئن ـ أيضاً ـ إلى أن القيمة ثمانون، ولهذا نجد بعض المشترين إذا قال له البائع هذا الكلام يأنف ويستنكف ويذهب إلى غيره، فيقال للبائع: قل الثمن ثمانون ولا مماكسة، إن أخذ فهذا المطلوب وإن لم يأخذ فالسلعة باقية.
ويوجد ـ أيضاً ـ بعض الناس إذا جاءه الرجل المحنك الجيد في المماكسة أعلمه بالثمن فَوراً، وإذا جاءه الرجل الذي يكون سليم الصدر، ولا يعرف أو امرأة أو فتى شاب لا يعرف الأمور زاد عليهم في الثمن، فهذا لا يجوز؛ لأنه أخذ للناس بالغرات، فالإنسان الغرير له عنده ثمن، والذكي الجيد له ثمن فهذا حرام، فالواجب أن يكون مخلصاً ناصحاً للعباد؛ لأن هذا من الدين.
فإن قال قائل: هل الغبن يكون للبائع أيضاً؟

الجواب: نعم وهذه تقع كثيراً لا سيما فيما سبق من الزمان، ـ فمثلاً ـ يعلم التاجر بأن السكر ارتفعت قيمته، فيذهب إلى من عندهم السكر، ويشتري كل ما عندهم بالقيمة الحاضرة، وهم لا يعلمون أن قيمته ارتفعت فيكون غبناً ولا شك، وهم لم يفرطوا في الواقع في مثل الصورة التي ذكرتها الآن؛ لأنه باع على أن هذه القيمة، وأن الأسعار مستقرة.
والحاصل أنه كما أن للمشتري الحق إذا غبن في فسخ البيع، فللبائع الحق إذا غبن في فسخ البيع ولا فرق.

الرَّابِعُ: خِيَارُ التَّدْلِيْسِ، كَتَسْوِيدِ شَعْرِ الجَارِيَةِ، وَتَجْعِيدهِ، وَجمْع مَاءِ الرَّحَى، وَإِرسَالِهِ عِنْدَ عَرْضِهَا.

قوله: «الرابع: خيار التدليس» التدليس مأخوذ من الدُّلسة وهي الظلمة، ومعناه خيار الإخفاء؛ لأن الذي يخفي الشيء مدلس.
ولو صورتان: الأولى: أن يظهر الشيء على وجه أكمل مما كان عليه.
الثانية: أن يظهر الشيء على وجه كامل وفيه عيب.
والفرق بينهما ظاهر، فالأولى ليس في المبيع عيب ولكنه يظهره على وجه أجود وأكمل، وفي الثانية فيه شيء ولكنه أخفاه وأظهره على وجه سليم.
أمثلة التدليس فعل الصحابي ـ عفا الله عنه ـ حين وضع الطعام السليم فوق الطعام الذي أصابته 1 السماء، فإن هذا تدليس.

ومنه أن يكون عند الإنسان بيت قديم فيليسه حتى يظهره، وكأنه جديد.
ومنه أن يكون عنده سيارة مخدشة فيضربها صبغاً حتى يظن الظان أنه ليس فيها شيء.
قوله: «كتسويد شعر الجارية» أي: عند بيعها، بأن يكون عنده جارية يريد أن يبيعها، وشعرها أبيض إما لآفة أو كبر فيسوِّده؛ ليظن الظان أنها شابة صغيرة، فهذا حرام، وفيه الخيار كما سيأتي.
قوله: «وتجعيده» بمعنى أن يدهنه بدهن يجعله مموجاً، لأنه إذا ظهر مجعداً دل ذلك على أنه قوي، وضده السَّبِط اللين الذي لا يكون له تجعيد، والأول أرغب عند الناس، فإذا كان الشعر قوياً متجعداً فهو أرغب من أن يكون ليناً سهلاً مسترسلاً، فهذا الرجل لما أراد أن يبيع الجارية جعد رأسها من أجل أن يزيد الثمن، فنقول: هذا حرام لا يجوز لأنه غش.
قوله: «وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها» هذان شيئان، لكنهما شيء واحد في الواقع، وذلك بأن يجمع ماء الرحى ثم يرسله عند عرضها للبيع، والرحى كيف يكون لها ماء؟.
هناك أرحية تدور على حسب جريان الماء، فيجعل صاحب الرحى سداً ينحبس به الماء، فإذا أراد بيعها فتح هذا السد ثم اندفع الماء بشدة وسرعة فتدور الرحى دوراناً سريعاً، فيظن المشتري أن هذا هو وصفها وأنها جيدة، وأن الماء يندفع بسرعة

فيزيد الثمن، فهذا من التدليس؛ لأنه أظهر المبيع بمظهر مرغوب فيه، وهو خالٍ منه.
فإذا قال قائل: كيف يكون للرحى ماء وهي ستطحن الدقيق؟ وهذا يقتضي أن يكون الدقيق عجيناً؟.
نقول: تُجعل عجلة أي بكرة لها رِيَشٌ يضرب فيها الماء فتدور، ثم في هذه البكرة سير متصل بالرحى البعيدة عن الماء، وهذا السير هو الذي يدير هذه الرحى البعيدة، ويشبهه من بعض الوجوه جنزير العجلة (الدراجة)، فيظن الظان أن هذا هو ماؤها، وأن هذه قوتها فيزيد في ثمنها.
واقتصار المؤلف ـ رحمه الله ـ على هذه الأمثلة الثلاثة، تسويد شعر الجارية، وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها، لا يعني أنه لا يثبت إلا في هذه فقط، بل هذه أمثلة.
والضابط ما ذكرناه، وهو إظهار المبيع بصفة مرغوب فيها وهو خالٍ منها، ومن ذلك: تصرية اللبن في ضرع بهيمة الأنعام، أي: جمع اللبن في ضرع البهيمة، وهو محرم، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تصروا الإبل والغنم»، فيربط ضرع البهيمة ويجتمع اللبن في الضرع، فإذا جلبها في السوق ورآها المشتري ظن أن هذه عادتها، وأن لبنها كثير فيزيد في ثمنها، فإذا وقع هذا من البائع أعني هذا التدليس، نقول: أما التصرية فإن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حكم فيها بحكم الله ـ عزّ وجل ـ قال: «ومن ابتاعها بَعْدُ ـ أي بعد التصرية ـ فهو بالخيار إن شاء أمسكها وإن شاء ردها وصاعاً من تمر» 1، وفي رواية: «هو بالخيار ثلاثة أيام» 2، أي: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل له الخيار ثلاثة أيام إن شاء أمسك، وإن شاء رد، وجعل الثلاثة لأجل أن يستقر اللبن؛ لأنه ربما يستقر على هذه الكثرة، فإن شاء أمسكها بلا أرش؛ لأن الحديث ظاهر في ذلك، وإن شاء ردها، ورد معها صاعاً من تمر، وربما يمسكها ولو كان لبنها قليلاً؛ لأنه يريد عين هذه البهيمة، أو يرتفع السعر في أثناء هذه المدة فيختارها ولو كان لبنها قليلاً، لكن إذا قال: أنا أريد أن أردها، فنقول: لا بأس ردها ورد معها صاعاً من تمر، وحينئذٍ يرد علينا مسائل: الأولى: هذا الصاع من التمر هل هو عوض عن اللبن الحادث بعد العقد، أو هو عوض عن اللبن الموجود حين العقد؟ الجواب: هذا الصاع عوض عن اللبن الموجود حين العقد؛ لأن اللبن الموجود حين العقد ملك للبائع، أما ما حدث بعد العقد فهو ملك للمشتري، وقد سبق أن نماء المبيع المنفصل للمشتري.
الثانية: لماذا قدره بصاع، وقد يساوي أكثر من صاع، وقد يساوي أقل؟.

الجواب: قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم بصاع قطعاً للنزاع؛ لأنه ربما يتنازع المشتري والبائع، فيقول البائع: اللبن فيها كثير، والمشتري يقول: اللبن فيها قليل، فقطعاً للنزاع قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم وقوَّمه للأمة إلى يوم القيامة.
الثالثة: لماذا لم يقل: صاعاً من طعام، وجعله كالفطرة من البر، أو الشعير، أو الزبيب، بل قال: صاعاً من تمر؟.
الجواب: لأن التمر أقرب ما يكون شبهاً إلى اللبن، ففي اللبن حلاوة، وغذاء، والتمر كذلك، فلو أنك أردت أن تشبه بين اللبن والخبز لوجدت الفرق أكثر، لكن اللبن والتمر متقارب، وكله يؤكل ويشرب طرياً بدون كلفة وبدون طبخ.
مسألة: إذا فقد التمر فما يقوم مقامه يجزئ عنه.
الرابعة: لو أراد المشتري أن يرد اللبن الذي حلبه، وقال للبائع: أنا حلبت صاعاً من اللبن أو نصف صاع من اللبن، وهو موجود الآن أرده عليك بعينه، فهل نقول: إنه يجب على البائع أن يقبله؛ لأنه رد عليه عين ملكه، أو نقول: إن الشرع ورد بتقديره من التمر، فلا نعدل عما جاء به الشرع؟.
الجواب: بعض العلماء قال: إذا رده بحاله لزم البائع أن يقبل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل هذا عوضاً عنه؛ لأنه في الغالب أن المشتري إذا حلبه استهلكه.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجبر على قبول اللبن؛ لأنه باع اللبن متصلاً بالبهيمة، وفصله المشتري، فكان عرضة للحموضة

والفساد، والتمر جنس عيَّنه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ فلا نتعداه.
وعندي أن هذا أقرب إلى الصواب لو لم يكن فيه إلا اتباع السنة لكان كافياً، فيقال: للمشتري إذ أراد أن يرد اللبن: يجب أن ترد صاعاً من تمر، كما أن البائع لو أراد الحليب، قال: أعطني الحليب الذي حلبته، وهو عندك الآن لم تشربه ولم تتصرف فيه، وقال المشتري: أبداً أعطيك صاعاً من التمر، أيهما يقبل؟.
الجواب: يقبل قول المشتري أن يرد الصاع من التمر، إذاً يقبل قول من قال: أرد الصاع؛ لأن البائع ربما يقول للمشتري: أعطني اللبن الذي حلبت وهو عندك الآن، واللبن يساوي ثلاثة آصع من التمر، والمشتري يقول: لا أعطيك إلا ما قدره النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والخلاصة: أن كل من طلب ما قدَّره الرسول صلّى الله عليه وسلّم وعيَّنه فهو المقبول.
الخامسة: إذا كان اللبن لا قيمة له شرعاً، كما لو اشترى حمارة مصراة، فهل يرد صاعاً من تمر؟ وذلك إذا قال المشتري: أنا عندي أتان صغير، واللبن هذا وإن كان ليس له قيمة بالنسبة للآدمي؛ لأنه حرام.
لكن بالنسبة للأتان الصغير له قيمة.
فيقال: إن هذا ليس له قيمة شرعاً فليس له عوض، لكن ما دام قد دلس عليك واشتريت حمارة مصراة، فلك الرد.

الخَامِسُ: خِيَارُ العَيْبِ، وَهُوَ مَا يُنَقِّصُ قِيمَةَ الَمبِيْع كَمَرَضِهِ، وَفَقْدِ عُضْوٍ أوْ سِنٍّ أَوْ زِيادتِهِمَا، ..

قوله: «الخامس» أي: من أقسام الخيار.
قوله: «خيار العيب» خيار مضاف والعيب مضاف إليه وهو من باب إضافة الشيء إلى سببه، أي: الخيار الذي سببه العيب، والعيب ضد السلامة، فيقال: هذا معيب، وهذا سليم، ويقال في البهيمة التي لا تجزئ في الأضحية: هذه معيبة، والسالمة يقال لها: سليمة، فالعيب ضد السلامة، والمعيب ضد السليم والفرق بين خيار العيب وخيار التدليس، أن العيب فوات كمال، أما التدليس فهو إظهار محاسن والمبيع خالٍ منها.
قوله: «وهو ما يُنَقِّصُ قيمةَ المبيع» فإذا كان هذا المبيع لولا هذا العيب لكان يساوي ألفاً، وبالعيب يساوي ثمانمائة، فهنا نقص قيمة المبيع.
وظاهر كلام المؤلف أنه ولو كان النقص مما يتغابن به عادة، أي: ولو كان النقص يسيراً كاثنين في المائة فظاهر كلامه أن هذا عيب؛ لأنه أطلق فقال: «ما ينقص» وكلمة «ما» اسم موصول تفيد العموم.
وقوله: «ما ينقص قيمة المبيع» هذا هو الضابط، وما بعده فأمثلة.
قوله: «كمرضه» ولو كان المرض يسيراً؛ لأنه من الجائز أن يتطور هذا المرض حتى يتدهور، فإذا وجد في المبيع مرضٌ ولو يسيراً، حتى وإن كان لا ينقص القيمة إلا شيئاً يسيراً، فله الخيار.

قوله: «وفقد عضو» أي: وكفقد عضو، مثل إن وجد أحد أصابعه مقطوعاً فهذا فقد عضو، وظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ ولو كان خصاءً، فإذا اشتراه على أنه فحل فتبين أنه خصي، فظاهر كلام المؤلف أنه عيب؛ لأن هذا فقد عضو حتى وإن زادت القيمة لأنه ربما تزيد القيمة.
أما في الرقيق فظاهر أن الخصي أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أقل فتنة وشراً، وأما في البهائم فقد يكون الخصي أرفع قيمة من الفحل، وقد يكون الفحل أرفع قيمة من الخصي، فقد يشتري هذا الذكر من الضأن على أنه فحل من أجل أن يُنزيه على الشياه، فإذا كان خصيّاً لم ينفع فتنقص قيمته، وقد يشتريه للأكل على أنه فحل فيتبين أنه خصي والخصي في الأكل أرغب عند الناس من الفحل؛ لأنه أطيب لحماً وأكثر قيمة، وعلى كل حال، الخصاء، الصحيح أنه ليس بعيب مطلقاً وليس سلامة مطلقاً، بل على حسب مقاصد المشترين، إذا قصدوا فحلاً فتبين خصيّاً فهو عيب، وإن كان الأمر بالعكس فليس بعيب.
فإذا قال مشتري الرقيق: أنا أريد أن يكون فحلاً لعله في يوم من الأيام يتزوج ويأتيه أولاد، نقول: وإذا تزوج وأتاه أولاد ما فائدتك منه؟! لأنه إن تزوج بحرة فأولادها أحرار، وإن تزوج بمملوكة فأولادها لسيدها ولن تستفيد من ذلك شيئاً، فإن قال: لعلي إذا أعتقته تزوج وأنجب، فيقال: إذا تزوج وأنجب بعد إعتاقه فلا فائدة منه، والخصاء في الرقيق لا شك أنه رفعة لقيمته، وهذا أمر معروف.

والخلاصة: أن فقد عضو عيب، إلا في الخصاء ففيه التفصيل الذي سبق.
قوله: «أو سن» السن ليس عضواً؛ لأنه في حكم المنفصل، ولهذا لو مس إنسان سن امرأته بشهوة، وقلنا: إنه إذا مس امرأته بشهوة انتقض وضوؤه، فمس سنها، وحدث منه أعلى شهوة إلا أنه لم يخرج منه شيء فإن وضوءه لا ينتقض؛ لأنه ليس عضواً وفي حكم المنفصل؛ فلهذا قال: «وفقد عوض أو سن» ولا يقال: هذا من باب عطف الخاص على العام؛ لأن السن ليس من جنس الأعضاء، بل هو من عطف المغاير على مغايره.
وقوله: «سن» سواء كان من الأسنان أو من الأضراس، فإذا وجد في المبيع أنه فقد سناً واحداً أو أكثر فإنه عيب، ولو أنه جعل بدل السن تركيبة فإنه عيب؛ لأن المركب ليس كالأصلي.
قوله: «أو زيادتهما» فقد العضو أو السن إذا كانا زائدين فليس عيباً؛ لأن هذا زيادة خير والأصبع الزائد الناس يقطعونه، وكذلك السن الزائد، فبعض الناس يكون عنده أسنان مترادفة زائدة، فإذا فقد الزائد فليس بعيب، ولهذا قال: «أو زيادتهما» فزيادة العضو عيب، وزيادة السن عيب أيضاً؛ لأن ذلك ينقص القيمة، فإذا كان له يدان من المرفق متساويتان، وقال المشتري: هذا عيب، وقال البائع: بل هذا زيادة خير بدلاً من أن يكون له يد واحدة تعمل صار له الآن اثنتان، يقال: يرجع إلى عرف الناس، فإذا قالوا: إن قيمته تزيد بزيادة هذا العضو فليس بعيب، لكن الغالب أنها عيب تنقص قيمته حتى وإن كان يعمل بهما سويّاً.

مسألة: هل يجوز قطع الإصبع الزائدة أو لا؟ الفقهاء يقولون: لا يجوز، ويعللون ذلك بالخطر، ولكن بناء على تقدم الطب الآن فإن الصحيح جواز ذلك؛ لأن هذا إزالة عيب، وليس من باب التجميل، ولو كان من باب التجميل لكان حراماً، ولهذا لعن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «النامصة والمتنمصة» (1)، لأنها تزيل شيئاً خلقه الله للتجميل، وأما هذا فيقطع أصبعاً زائدة من باب إزالة العيب، وأنت الآن قدر نفسك قد أصبت بهذا الأمر ألست تحب أن لا يراك الناس؟ بلى ما في ذلك شك، فالصواب أن إزالة الأصبع الزائدة في وقتنا الحاضر جائزة ولا شيء فيها، وهذا نظير ما قال العلماء في البواسير، قالوا: إن قطع البواسير حرام؛ لأنه يمكن أن ينزف الدم حتى يموت، فيكون متسبباً في قتل نفسه، ولكنه في الوقت الحاضر أصبحت هذه العملية عملية بسيطة وليس فيها أي نوع من الخطر، فلكل مقام مقال، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

وَزنَا الرَّقِيقِ وَسَرِقَتِهِ، وإِبَاقِهِ، وَبَوْلِهِ فِي الفِرَاشِ.

قوله: «وزنا الرقيق» إذا زنا الرقيق فزناه عيب معنوي، وظاهر كلامه ولو مرة واحدة؛ لأن ذلك ينقص قيمته، إذا تبين أن هذا الرقيق الذي اشتراه قد زنا، إن كان ذكراً فالأمر واضح، وإن كان أنثى فكذلك.
ولم يفصح المؤلف عن سن الرقيق إذا زنا؛ ولهذا اختلف الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فقال بعضهم: يشترط أن1

يكون الرقيق قد بلغ عشراً وأطلقوا 1. ويحتمل أن يقال: إذا بلغ عشراً في الذكور، أو تسعاً في الإناث؛ لأن بنت التسع قد تحمل، وابن العشر قد يُحمل له، وما دون ذلك لا حمل.
وقال بعض الفقهاء: العبرة بالبلوغ؛ لأنه قبل ذلك ليس بمكلف.
ولكن الأقرب أن يحدد بعشر سنين في الذكور وبتسع سنوات في النساء، أما ما دون ذلك فينظر إن استمر به هذا الأمر فهو عيب، وإن كان وقع منه مرة واحدة فليس بعيب؛ لأن هذا يكثر فيما بين الصبيان الصغار.
قوله: «وسرقته» أي: أن يكون سارقاً، إذاً فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله، فإذا تبين أنه يسرق فإنه يعتبر عيباً.
وظاهر كلامهم ولو مرة واحدة؛ لأنه لا بد أن يخدشه حتى لو تاب من السرقة ومن الزنى، فإن الناس لا يزال في نفوسهم شيء من ذلك، وليست المسألة مبنية على عدالته في دينه، حتى يقال: إنه إذا تاب فقد زال فسقه، بل المسألة راجعة إلى عرف الناس، فإذا قالوا: إن زناه أو سرقته يوجبان أن تنقص قيمته فهذا عيب.
قوله: «وإباقه» أي: هربه، وسواء كان الإباق مطلقاً بمعنى أن يهرب أياماً، أو كان إباقه مؤقتاً مثل أن يخرج

الصبح فلا يرجع إلا في الليل، فإذا كان هذا الرقيق قد عرف بالإباق فهو عيب؛ لأنه يهرب فيفوت على سيده، والإباق لا شك أنه ينقص قيمة المبيع.
قوله: «وبوله في الفراش» فإذا كان يبول في الفراش فهو عيب، وحدَّه الفقهاء بعشر سنوات، ولكن يجب أن يقيد بكونه في سن لا يبول فيها مثله في فراشه، فلو اشترى رقيقاً طفلاً، فالطفل لا بد أن يبول في الفراش، فيكون المراد بقوله: «وبوله في الفراش» أي: إذا بلغ سناً لا يبول فيها مثله في الفراش، وقيده في «الروض» بأن يكون قد بلغ عشر سنين 1، ولكننا إذا كنا نقول: إن العيب ما ينقص قيمة المبيع عرفاً، فإننا نرجع في ذلك إلى العرف، والظاهر أن الناس إذا كان الطفل يبول وعمره ثمان سنوات يعتقدون أن هذا من العيب، وإذا كان به سلس فهذا عيب ومرض أيضاً.
وكونه أعسر لا يعمل بيمينه عملها المعتاد، ويعمل باليسار أكثر مما يعمل بيمينه، فيكتب بيساره، ويرمي بيساره، ويضرب بيساره، ويساره هي التي فيها القوة، واليمين لا يعرف أن يعمل بها شيئاً إلا الأكل، ولولا أنه نهي عن الأكل بالشمال لأكل بشماله، وهذا يسمى أعسر، فإذا اشترى عبداً وتبين أنه أعسر فهو عيب.
وقال بعض العلماء: إنه ليس بعيب إذا كان يعمل بيساره عمل يمينه لو كان غير أعسر، فإن ذلك لا ينقص قيمته، بل ربما يكون عمله باليسار أقوى، ولهذا يقول بعض الناس: هذه ضربة أشدف، والأشدف هو الأعسر الذي لا يضرب إلا باليسار،

ويقال: إن ضرب الأعسر أشد، فإذا كان عمله بيساره أشد من عمله بيمينه فكيف يكون عيباً؟! ولدينا قاعدة نبني عليها: هل تنقص قيمته إذا كان أعسر؟ إذا قال أهل البيع في الرقيق: إنها لا تنقص فليس بعيب، وإن قالوا: تنقص فهو عيب، فإذا كان أعسر يَسِر لم يكن عيباً؛ لأن هذا زيادة خير، والأعسر اليسر الذي يعمل بيديه جميعاً على حد سواء، فيوجد بعض الناس يعمل باليد اليمنى واليسرى سواءً، يكتب باليمنى ويكتب باليسرى، فنقول: إذا وجد أعسر يسر فهو زيادة خير.
اقتصر الماتن على أمثلة، وزاد في «الروض» (1) أمثلة كثيرة لا حاجة لقراءتها؛ لأن لدينا ضابطاً، وهو أن العيب كل ما ينقص قيمة المبيع.

فَإذَا عَلِمَ المُشْتَرِي العَيبَ بَعْدُ أمْسَكَهُ بَأرْشِهِ، وَهُوَ قِسْطُ مَا بَيْنَ قِيمَةِ الصّحَةِ والعَيْبِ، أَوْ رَدَّه وَأخَذَ الثَّمَنَ،

... قوله: «فإذا علم المشتري العيب بعدُ» الفاعل المشتري، هذا إذا كان العيب في المبيع، أو البائع إذا كان العيب في الثمن وهذا يمكن.
مثاله: بعتك شاة بماعز، الشاة مبيع والماعز ثمن، فإذا علم سواء المشتري، أو البائع في ثمن معين.
وقوله: «بعدُ» فيه إشكال بكون الكلمة مرفوعة مع أنها ظرف زمان.
والجواب على الإشكال أنه حُذِف المضاف إليه ونوي معناه، فصار مبنيّاً على الضم، فالحركة هنا حركة بناء، وليست حركة إعراب.1

وذكروا أن (قبل وبعد) لهما أربع حالات: إما أن يذكر المضاف إليه، أو يحذف وينوى لفظه، أو يحذف وينوى معناه، أو يحذف ولا ينوى لفظه ولا معناه، فهو في الحالة الأخيرة معرب منون، ومنه قول الشاعر: فساغ لي الشراب وكنت قبلاً أكاد أغص بالماء الفرات والشاهد قوله: «وكنت قبلاً».
فإذا حذف المضاف ونوي لفظه، فهو معرب غير منون، فتقول: أتيت من قبلِ فوجدت صاحبي، فهنا معرب غير منون؛ لأنه نوي لفظ المضاف إليه.
وإذا حذف المضاف ونوي معناه، فحينئذٍ يبنى على الضم، فتقول: أتيت من قبلُ، أي: من قبل هذا الزمن فوجدت صاحبي.
وإذا ذكر المضاف إليه فحينئذٍ يعرب، وبالطبع لا ينون؛ لأن الشاعر يقول لمخاطبه: كأني تنوين وأنت إضافة فأين تراني لا تحل مكاني فهنا نقول: حذف المضاف إليه ونوي معناه، ويمكن أن تنصب «بعد» وتنوي اللفظ؛ لأن هذا على نية المتكلم، فإذا قال مثلاً: «فإذا علم المشتري العيب بعدَ»، عرفنا أنه حذف المضاف إليه ونوى لفظه.
وقوله: «بعد» أي علم المشتري العيب بعد العقد، فإذا علم به عند العقد فلا خيار له؛ لأنه عقده عليه مع علمه بعيبه يدل على رضاه به، وإذا رضي بالعيب فقد لزم البيع، وكذا لو شُرط عليه ولكن إذا لم يعلم ثم علم به يقول المؤلف:

«أمسكه» أي: أمسك المبيع المعيب.
قوله: «بأرشه، وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب» والأرش فسَّره المؤلف: بقوله: «قسط»، أي: قسط ما بين قيمة الصحة والعيب، وقال: «قيمة» ولم يقل: ثمن، والفرق بين القيمة والثمن، أن القيمة هي ثمنه عند عامة الناس، والثمن هو الذي وقع عليه العقد، فإذا اشتريت ما يساوي ثمانية بستة، فالقيمة ثمانية والثمن الستة، ولهذا انتبه عند كتابة العقود لا تقل: باعه عليه بقيمة قدرها كذا وكذا، قل: بثمن قدره كذا وكذا، وما أكثر الكُتَّاب الذين يخطئون في هذا، أو يقول: باعه بثمن قدره كذا وكذا، والقيمة واصلة، بدلاً من أن تقول: القيمة، قل: الثمن واصل.
ولهذا قال: «قسط ما بين قيمة الصحة والعيب» فيقوم هذا الشيء صحيحاً ثم يقوم معيباً، وتؤخذ النسبة التي بين قيمته صحيحاً وقيمته معيباً، وتكون هي الأرش، فيسقط نظيرها من الثمن، ويكون التقويم وقت العقد، ولا وقت العلم بالعيب، لأن القيمة قد تختلف فيما بين وقت العقد والعلم بالعيب.
مثال ذلك: باع سيارة قيمتها مائة ألف بخمسين ألفاً، ثم تبين بها عيب، وقلنا: لأهل الخبرة: قدروا العيب، قالوا: هي معيبة تساوي ثمانين وسليمة تساوي مائة، فالأرش الآن الخمس، والثمن كان خمسين ألفاً فينقص عشرة آلاف، ولو قلنا: ينقص ما بين القيمتين كان النقص عشرين وتبقى بثلاثين ألفاً وهذا غلط، ولو باعها بمائتي ألف وتبين بها عيب فقوِّمت السيارة، وقيل إن

السيارة سليمة بمائة ومعيبة بثمانين، فالقسط الخمس وينقص من الثمن أربعون ألفاً.
قوله: «أو رده وأخذ الثمن» أي: لك أن ترد المبيع وتفسخ البيع وتأخذ الثمن، فالمشتري بالخيار، هذا ما ذهب إليه الفقهاء رحمهم الله، لكن شيخ الإسلام يقول: إما أن يأخذه مجاناً وإما أن يرده، أما الأرش فلا بد من رضا البائع لأنه معاوضة، فالبائع يقول: أنا بعت عليك هذا الشيء إما أن تأخذه وأما أن ترده، أما الأرش فهذا يعتبر عقداً جديداً، وما ذهب إليه الشيخ وجيه إلا إذا علمنا أن البائع مدلس ـ أي عالم بالعيب لكنه دلس ـ فهنا يكون الخيار بين الإمساك مع الأرش وبين الرد، معاملة له بأضيق الأمرين، وكذلك يقال في خيار التدليس وخيار الغبن.
فإن باعه بشرط البراءة من العيب، فقد سبق أنه إن أبرأه بعد العقد فالإبراء صحيح، وقيل: العقد لا يصح على المذهب.
وتقدم أن القول الصحيح أنه إن أبرأه، وهو مدلس، أي: البائع، فإنه لا يبرأ، سواء كان قبل العقد أو بعده، وإن كان غير مدلس صح، سواء كان قبل العقد أو بعد العقد.

وَإِنْ تَلِفَ المَبِيعُ أَوْ عتَقَ العَبْدُ تَعَيَّنَ الأرْشُ وَإِنْ اشْتَرى مَا لَمْ يَعْلَمْ عَيْبَهُ بِدُونِ كَسْرِهِ كَجَوْزِ هِنْدٍ، وَبَيْضِ نَعَامٍ فَكَسَرَهُ فَوَجَدَهُ فَاسِداً فَأمسَكَهُ فَلَهُ أرْشُهُ وإِن رَدَّهُ رَدَّ أرْشَ كَسرِهِ

....... قوله: «وإن تلف المبيع أو عتق العبد تعين الأرش» المشتري بين خيارين، وإما أن يرد وإما أن يأخذ الأرش، لكن يتعين الأرش إذا تعذر الرد، فهذه القاعدة: إذا تعذر الرد تعين الأرش، ويتعذر الرد إذا تلف المبيع المعيب، وحينئذٍ يتعين الأرش.
مثاله: رجل اشترى ناقة فوجد فيها عيباً، ولكن الناقة ماتت قبل أن يردها فيتعين الأرش.

مثال آخر: اشترى عبداً فأعتقه، ثم وجد فيه عيباً، فيتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد.
فإذا قال قائل: العبد موجود فكيف يتعذر الرد؟.
قلنا: لأن عبوديته الآن زالت، فماليته تلفت في الواقع.
ويتعين الرد إذا لزم من الأرش الربا، مثل أن يبيع حليّاً من الذهب بوزنه دنانير ثم يجد في الحلي عيباً، فهنا لا يمكن أن يأخذ الأرش؛ لأنه يلزم منه الوقوع في الربا، إذ سيكون للمشتري ذهب بوزن الذهب الذي دفع، ثم يزاد على ذلك الأرش.
فالضابط: إذا تعذر الرد تعين الأرش، وإذا لزم منه الوقوع في الربا تعين الرد.
فيقال لهذا الذي وجد في الحلي عيباً: إما أن ترده، وإما أن تمسكه بدون أرش؛ لأنك لو أخذت الأرش لزم من هذا الربا فلا يجوز.
قوله: «وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز هند وبيض نعام فكسره فوجده فاسداً فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره» إذا اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز الهند، وجوز الهند كبير وكبيض النعام أو نحوه، والمقصود منه ما كان

داخل القشر، فإذا كسره فوجد ما كان داخل القشر فاسداً، وهذا عيب، فنقول: أنت الآن بالخيار إن شئت رددته وأخذت الثمن، وإن شئت أمسكته وأخذت الأرش، لكن إن رددته وأخذت الثمن لزمك رد أرش الكسر؛ لأن قشر بيض النعام ينتفع به كأوانٍ.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا لم يكن هناك فساد في الكسر فإنه لا يرد أرش الكسر، كما لو شذبه شذباً متساوياً فصار قطعتين، يمكن أن ينتفع بهما على أنهما إناءان فحينئذٍ نقول: لا أرش لهذا الكسر؛ لأنه لم يتأثر، ثم نقول: إذا كسره كسراً لا يبقى له قيمة بعده، مثل أن يكسره، فيرضَّه رضًّا فإنه حينئذٍ يتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد، فصارت هذه المسألة لها ثلاث حالات: الأولى: أن يكسره متوازياً بحيث يصلح أن يكون إناء ولا تنقص به القيمة، فهذا لا أرش له؛ لأنه لم ينقص.
الثانية: أن يكسره كسراً لا تبقى معه قيمة، فيتعين الأرش؛ لأنه تعذر الرد.
الثالثة: أن يكسره كسراً تبقى معه القيمة لكنها تنقص، فهذا يأخذ أرش الكسر، وإن أبقاه وأخذ الأرش فهو بالخيار، يعني أنه على الخيار الأول.

وَإِنْ كَانَ كَبَيْضِ دَجَاجٍ رَجَعَ بِكُلِّ الثَّمَنِ، وَخِيَارُ عَيْبٍ مُتَرَاخٍ مَا لَمْ يُوْجَدْ دَلِيلُ الرّضَا.

قوله: «وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن» لأن بيض الدجاج لا ينتفع الناس بقشره، بل يرمى في الزبالة، فإذا كسر بيض الدجاج فوجده فاسداً لا يصلح للأكل، فإن المشتري يرجع بكل الثمن؛ لأنه تبين أن العقد عليه فاسد، إذ من شرط العقد أن يكون على عين ينتفع بها، وهذا لا نفع فيه.

ولو قال البائع: أعطني القشور إذا كنت تقول: إن العقد فاسد، فإنه لا يلزمه؛ لأنه لا قيمة لها عادة، وترمى في الزبالة.
وإذا كان بطيخة «حبحبة» فلما شقها وجدها فاسدة، فهل يرجع بكل الثمن؟.
الجواب: لا يرجع بكل الثمن؛ لأن هذه البطيخة يمكن أن تكون علفاً للدواب، فيقال له: لك أن تردها، ولكن ترد أرش الشق الذي حصل منك، والفرق بينها وبين البيض، أن البيض لا ينتفع بقشره بخلاف البطيخة.
قوله: «وخيار عيب متراخٍ» 1 أي: أنه لا يلزم المشتري أن يطالب بالرد بالعيب من حين أن يعلم به؛ بل له أن يؤخر الطلب، فإذا علم بالعيب في أول النهار، ولم يطالب بالرد إلا في آخر النهار فله ذلك، ولو قلنا: إنه على الفور لكان إذا علم في أول النهار ولم يطالب بالرد إلا في آخره فليس له الخيار، ولكن الصحيح أنه على التراخي؛ لأنه حق للمشتري لا يلزمه أن يطالب به فوراً، ولا يسقط إلا بما يدل على إسقاطه، ولكن بعض أهل العلم يقول: إنه على التراخي ما لم يؤخر تأخيراً يضر البائع، وهذا أرجح.
قوله: «ما لم يوجد دليل الرضا» ودليل الرضا له صور: الصورة الأولى: أن يصرح بذلك بأن يقول لصاحبه: باع فلان عليَّ حاجة فوجدتها معيبة، ولكن نظراً لحقه عليَّ فأنا راضٍ بذلك ولن أطالبه بالرد، وهذا صريح فلا يمكن أن يرد بعد هذا القول.
الصورة الثانية: أن يتصرف فيه بعد أن علم بالعيب بأن باعه، أو وقفه أو رهنه أو ما أشبه ذلك، فعلى المذهب يسقط خياره؛ لأن تصرفه فيه دليل على رضاه به.
والصحيح أن في ذلك تفصيلاً، فإن قال: إني تصرفت فيه راضياً بالأرش وعدم الرد فله الأرش، وإن قال: تصرفت فيه مسقطاً للخيار سقط خياره؛ لأن هذا الأمر يعود إلى نيته.
فإن قال البائع: أنا أريد أن أُحلِّفَهُ أنه إنما تصرف فيه راضياً بالأرش لا بالعيب فإنه يُحَلَّف، ويقال: احلف أنك إنما تصرفت فيه إمضاءً للعقد ورضا بالأرش، فإذا حَلَفَ فالأمر موكول إلى ذمته.

وَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمٍ وَلاَ رِضَا وَلاَ حُضُورِ صَاحِبِهِ وَإِن اخْتَلَفَا عِنْدَ مَنْ حَدَثَ العَيْبُ، فَقَوْلُ مُشْتَرٍ مَعَ يمينِهِ، وَإِن لَمْ يَحْتَمِلْ إِلاّ قَوْلَ أحَدِهِمَا قُبِلَ بِلاَ يَمينٍ.

قوله: «ولا يفتقر إلى حكم» أي: لا يفتقر الفسخ بالعيب إلى حكم حاكم، فلا يلزم المشتري إذا أراد أن يفسخ أن يذهب إلى القاضي، ويقول: إنني أريد أن أفسخ البيع الذي حدث مع فلان؛ لأن هذا حق من الحقوق ثابت لصاحبه فلا يحتاج إلى محاكمة، وليس شيئاً مختلفاً فيه حتى نقول: إن الحاكم يرفع حكمه الخلاف بل هو أمر متفق عليه.
قوله: «ولا رضا ولا حضور صاحبه» كذلك لا يفتقر إلى رضا وحضور صاحبه.
و «رضا» هنا غير منونة؛ لأنها بنية المضاف إليه، فلا يفتقر إلى رضا صاحبه، ولا حضور صاحبه، أي: فلا يفتقر إلى رضا صاحب المشتري، وهو البائع، ولا إلى حضوره.

ووجه ذلك أن الحق للمشتري، فهو الذي له حق الفسخ، فلم يُشترط رضا المفسوخ عليه، كالطلاق بيد الزوج، ولا يشترط أن ترضى الزوجة ولا أن تحضر، ولهذا لو طلق زوجته، وهي غير حاضرة طلقت وإن لم تعلم إلا بعد يومين أو ثلاثة؛ لأنه لا يشترط رضاها، كذلك أيضاً لا يشترط رضا البائع ولا حضوره.
فإن ادعى المشتري أنه قد فسخ، وأنكر البائع، فالقول قول المشتري؛ لأن هذا لا يعلم إلا من جهته.
قد يقول قائل: إن الأصل عدم الفسخ، فعليه يكون القول قول البائع؟ فيقال: هذا الأصل معارض بأصل آخر، وهو أنه لا يعلم إلا من جهته، فإذا قال: إني فسخت، أخذنا بقوله.
قوله: «وإن اختلفا عند من حدث العيب» الفاعل البائع والمشتري، و «من» استفهامية، اختلفا فقال البائع: حدث العيب عندك فلا خيار لك، وقال المشتري: بل هو سابق للعقد فلي الخيار.
قوله: «فقول مشترٍ مع يمينه، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قُبل بلا يمين» فهذه المسألة، أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها لا تخلو من حالين: الحال الأولى: أن يمتنع صدق أحدهما، فهنا القول قول من لا يحتمل قوله الكذب.

الحال الثانية: أن يكون هناك احتمال، فهنا يكون القول قول المشتري.
مثال ما لا يحتمل قول البائع: الإصبع الزائدة، فإذا اشترى عبداً فوجد فيه إصبعاً زائدة، فأراد رده، فقال البائع: حدث هذا العيب عندك، وقال المشتري: أبداً، فالقول قول المشتري؛ إذ لا يمكن أن يحدث له إصبع زائدة، ولو أمكن أن يحدث لكان كل إنسان يتوقع أن يحدث له ذلك، وإذا قبلنا قول المشتري فلا يشترط أن يحلف؛ لأنه لا حاجة للحلف.
مثال ما لا يحتمل قول المشتري: اشترى بهيمة ثم ردها، والعيبُ الذي فيها جُرْحٌ، ادعاه المشتري فنظرنا إلى الجرح وإذا هو يثعب دماً، جرح طري والبيع له مدة أسبوع، فالقول قول البائع بلا يمين؛ لأنه لا يحتمل أن يكون هذا الجرح قبل العقد.
أما إذا كان يحتمل هذا وهذا، كعرج وفساد في طعام، وما أشبه ذلك فالمؤلف يقول: إن القول قول المشتري.
وعلة ذلك أن العيب فوات جزء في البيع وهو الكمال، فالمعيب قد فاته الكمال، والأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت، والذي يدعي عدم قبضه المشتري، فيكون القول قول المشتري وهذا وجهه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1، فالبائع الآن يقول: إني بعت عليك هذا الشيء

سليماً، وهو يقول بعته علي معيباً، والمسألة محتملة فالقول: قول المشتري؛ لأن الأصل عدم قبض هذا الجزء الفائت بالعيب، فيكون المشتري مدعى عليه والبائع مدعياً، وهذه الرواية من مفردات مذهب الإمام أحمد رحمه الله.
والقول الثاني: أن القول قول البائع، وهو مذهب الأئمة الثلاثة ـ رحمهم الله ـ وهو القول الراجح؛ للأثر والنظر، أما الأثر فقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اختلف المتبايعان فالقول ما قال البائع أو يترادَّان» 1، وهذا نص صريح؛ ولأن المشتري مدعٍ أن العيب سابق، حتى على قاعدة الفقهاء، المدعي: من إذا سكت تُرك، والمشتري هنا لو سكت لم يُطالب، والرسول صلّى الله عليه وسلّم يقول: «البينة على المدعي»، والمدعي هنا بلا شك هو المشتري، فنقول له: إيت ببينة أن العيب حدث عند البائع.
وأما النظر فلأن الأصل عدمُ وجودِ العيب والسلامةُ، ودعوى أن العيب سابق على العقد خلاف الأصل، وإذا كان لا

يقبل قول المشتري في أصل العيب، فكذلك لا يقبل قوله في زمن العيب.
ولكن يجب أن نعلم أن كل من قلنا القول قوله، فإنه لا بد من اليمين، وهذه قاعدة عامة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على المدعى عليه ـ وفي لفظ ـ على من أنكر، لو يُعطى الناس بدعواهم لادَّعى رجال دماء قوم وأموالهم» 1. فإن قال قائل: المدعي يسهل عليه أن يحلف، أولاً: لأجل أن يصر على قوله، وثانياً: طمعاً.
ولكن نقول: إذا حلف على يمين هو فيها كاذب يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان، ولا يمكن لمؤمن أن يُقدم على هذا العمل، وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: اليمين الفاجرة تدع البلاد بلاقع، أي: أنها متلِفة، وهذا هو الواقع.
ولقد حدثني أحد الأشخاص الموثوقين أنه صار له دعوى على شخص بدراهم، وليس له بها بينة وهي ثابتة، فتحاكموا إلى القاضي وحكم ببراءة المدعى عليه باليمين، وحلف أنه بريء منها، فدعا عليه المحكوم عليه، فخرج هو وعائلته من البلد التي جرى فيها التحاكم إلى بلد قريبة منها، فأصيب بحادث ومات هو وعائلته، وهذا شاهد لقول الإمام أحمد: إنها تدع الديار بلاقع، أي: خالية ليس فيها أحد، ففائدة اليمين أن فيها خطراً عظيماً دنيوياً وأخروياً، ولا يقدم عليها إنسان إلا رأى النتيجة سيئة قريباً أو بعيداً.

السّادِسُ: خِيَارٌ فِي البَيعِ بِتَخْبِيرِ الثّمَنِ، مَتَى بَانَ أقَلّ أوْ أكْثَرَ، وَيَثْبُتُ فِي التَّوْلِيَةِ، وَالشّرِكَةِ، والمُرَابَحَةِ، وَالمُواضعَةِ وَلاَ بُدَّ فِي جَمِيْعِها مِن مَعرِفَةِ المُشتَرِي رَأسَ المَالِ ..

قوله: «السادس» أي من أقسام الخيار.
قوله: «خيار في البيع بتخبير الثمن» «بتخبير الثمن» متعلق بالبيع، وليس متعلقاً بخيار، أي: فيما إذا باعه بتخبيره بالثمن، وتخبير بمعنى إخبار؛ لأنه مصدر خبر يخبر تخبيراً، ويماثله أخبر يخبر إخباراً.
والظاهر ـ والله أعلم أن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ تناقلوها، عبَّر بها الأول ثم تبعه الآخر، وإلا لو قيل: خيار يثبت فيما إذا أخبره بالثمن لكان أوضح، أي: إذا باع الشيء، وقال المشتري: كم الثمن؟ قال: الثمن مائة ريال وهو باعه برأس ماله، الآن أخبره بالثمن، بأن رأس المال مائة ريال، فإذا تبين أن رأس المال تسعون ريالاً، فحينئذٍ يثبت له الخيار بسبب إخبار البائع إياه بالثمن؛ فتبين أن إخباره بالثمن غير صحيح؛ لأنه قال: بمائة، ثم ثبت أنه اشتراه بثمانين.
مثال آخر: جاءني رجل فقال: أنا اشتريت سيارة بثمانين ألفاً، فجاءني رجل وقال: بعنيها برأس مالها، قلت: بعتها عليك برأس المال، فكم رأس المال؟ قلت: مائة ألف، فقال: قبلت، ثم تبين بعد ذلك أن الثمن ثمانون ألفاً، فالبائع حينئذٍ كذب على المشتري حيث أخبره بما لا صحة له.
فسبب ثبوت الخيار للمشتري التخبير الكاذب بالثمن؛ لأن البائع أخبره خبراً كاذباً بثمن هذه السلعة، وهو نوع من الغش والتدليس، فإنه أظهر السلعة بثمن كثير وهي في الواقع بثمن قليل، وهذا حرام، ولهذا جُعل للمشتري الخيار.

والبيع بالتخبير يقابله البيع بالمساومة، فالبيع بالتخبير فيه نوع من التقييد والبيع بالمساومة فيه نوع من التحرر، فالبائع والمشتري غير مقيدين بثمن، والبيع بالمساومة أسلم من وجه ولكنه أخطر من وجه آخر، أسلم من جهة أنه لا يكون فيه كذب، ولكنه أخطر من جهة أن البائع ربما يزيد في ثمن السلعة كثيراً، ففي كل منهما سهولة من وجه وخطورة من وجه آخر، والغالب أن التخبير أشد طمأنينة للمشتري.
قوله: «متى بان أقل أو أكثر» «متى بان أقل» واضح؛ لأن المشتري مغبون، أي: متى بان الثمن أقل مما أخبر به، لكن قوله: «أو أكثر» تصويرها صعب، ولهذا لا توجد هذه العبارة «أكثر» لا في «الإقناع»، ولا في «المنتهى»، ولا في «المقنع» الذي هو أصل هذا الكتاب، ولا غيره، وهي عند التأمل لا وجه لها، فلعلها سبق قلم من المؤلف.
فإذا بان أكثر فليس بمغبون، اللهم إلا إذا قال المشتري: أنا لا أريد أن يمن علي، أنا أريد الثمن الحقيقي بلا زيادة، فهذه ربما تكون صورة المسألة، وأما من الناحية المالية فمتى بان أكثر، فالواقع أن الحظ في جانب المشتري، فكيف يثبت له الخيار؟! قوله: «ويثبت في التولية، والشركة، والمرابحة، والمواضعة» وجه حصره في هذه الأربع أن هذه هي الصور الممكنة عقلاً، فالبيع بالتخبير يمكن في صور أربع فقط.

التولية هي أن يبيعه برأس ماله، وسميت تولية؛ لأن المشتري صار بدلاً عن البائع، وكأنما يصير وليّاً له أي متابعاً له، كأنه يقول له: وليتك ما توليت، فيشتريه بمائة، ويأتيه آخر ليشتريه منه، فيقول: بعته عليك برأس المال فهذه تولية.
والشركة أن يبيع عليه بعضه بقسطه من الثمن، مثل أن يبيع عليه النصف فيكون على المشتري الثاني نصف الثمن، أو الثلث، أو الربع، أو أكثر، أو أقل، والبيع بالشركة قد يكون تولية وقد يكون مرابحة وقد يكون مواضعة.
والمرابحة أن يبيعه برأس ماله وربح معلوم، فيقول: بعتك برأس ماله وربح عشرة ريالات، أو بعتك برأس ماله مع ربح العشر، أي: سواء عين الربح أو نسبته.
المواضعة أن يضع من الثمن، فيقول: بعتك إياه بخسارة عشرة ريالات، أو العشر، أو الخمس، أو ما أشبه ذلك.
أمثلة أخرى على هذه الصور الأربع: مثال التولية: أن يقول: اشتريت سيارة بمائة ألف، فجاءني رجل فقال: بعنيها برأس مالها، فقلت: بعتكها برأس مالها.
مثال الشركة: اشتريت أرضاً بمائة ألف، فجاءني رجل فقال لي: اجعل لي نصف الأرض، أنا أريد أن أعمر مستراحاً لي، فقلت: أشركتك بنصف الأرض على حسب رأس المال، فهذه شركة، لكنها حسب الثمن تولية؛ لأنه لم يربح عليه ولا نزل له من الثمن.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل