الشرح الممتع على زاد المستقنعكِتَابُ العِتْقِ
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ العِتْقِ

عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

جعل الفقهاء العتق بعد المعاملات المالية مباشرة؛ لأن فيه شائبة مال، فإن العتق هو تخليص الرقبة من الرق، والرقيق مال؛ فلهذا ضمّوه إلى المعاملات المالية قبل أن تأتي المعاملات الشخصية، ومن العلماء من جعل باب العتق في آخر الفقه بعد الإقرار، والإقرار جعلوه في الصلح أو في مكان آخر، ولكل وجهة، أما الذين جعلوا آخر الفقه كتاب الإقرار، قالوا: تفاؤلاً بالإقرار بالشهادة عند الموت الذي هو آخر عمل الإنسان، والذين جعلوا العتق آخر الفقه، قالوا: تفاؤلاً بأن يعتق الله الإنسان من النار، لكن الفقهاء المتأخرين لاحظوا المعنى الأول أن العتق فيه شائبة مالية، فألحقوه بالمعاملات.
العتق في اللغة: القِدَم، ومن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33].
واصطلاحاً: تخليص الرقبة من الرق.
يعني إنسان عنده عبد مملوك فأعتقه، أي: حرره من الرق.
ويحصل العتق بأمور، منها: أولاً: الصيغة القولية، وهي نوعان: صريح، وكناية، فالصريح ما لا يحتمل غير المراد، مثل أعتقتك، حررتك، أنت عتيق، أنت حر، وما أشبه ذلك.
الكناية كل لفظ يحتمل المعنى المراد وغيره، مثل أن يقول: لا سبيل لي عليك، أنت طليق في الهواء، وما أشبه ذلك.

والفرق بين الصريح والكناية من حيث الحكم، أن الصريح لا يحتاج إلى نية، والكناية تحتاج إلى نية؛ لأن الكناية كل لفظ يحتمل المعنى المراد وغيره، فإذا كان كذلك فإنه لا يكون للمعنى المراد إلا بالنية، فإذا قال السيد لعبده: لا سبيل لي عليك، اذهب، فيحتمل أن المعنى لا سبيل لي عليك في هذا المذهب الذي قلت لك فيه: اذهب، ويحتمل لا سبيل لي عليك مطلقاً، يعني فأنت حر.
ثانياً: القوة وهي السراية، فإذا أعتق نصف العبد سرى العتق إلى جميعه بالقوة حتى وإن لم يرده، فلو أن إنساناً عنده عبد فقال: عشرك حر، يعتق كله، أو: إصبعك حر، يسري العتق إليه كله، فلا يتبعض العتق، بل لو أن الرجل أعتق نصيبه من عبد وله شركاء سرى إلى نصيب شركائه، مع أنه لا يملكه، لكن يسري بالقوة ويعطي شركاءه قيمة أنصبائهم، هكذا جاء الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 1، هذا إذا كان عنده ثمن الشركاء، أما إذا لم يكن عنده، فهذا فيه قولان للعلماء: القول الأول: أنه لا يسري العتق؛ لأنه لو سرى لكان في ذلك ضرر على الشركاء؛ لأنه فوَّت العبد عليهم، فيبقى ملكهم على ما هو عليه، ويكون هذا العبد مبعضاً، جزء منه حر والباقي رقيق.

القول الثاني: يُستسعى العبد، فيقال له: اذهب، اتجر، اعمل، ثم اردد ما يحصل لك على أسيادك الآخرين حتى ينتهي، فإن قال أسياده: نحن لا نريد أن يعتق بل يبقى، قلنا: قهراً عليكم أن يستسعى ويوفي أسياده.
ثالثاً: ملك ذي الرحم 1، وضابطه أن يملك مَنْ لو كان أنثى لحرم عليه بنسب أن يتزوجه، فإنه لو ملك أباه يعتق عليه، ولو لم يكن عنده مال إلا قيمة أبيه، وكذلك لو ملك أخاه فإنه يعتق عليه، وكذلك عمته تعتق؛ لأنه لا يمكن أن يتزوج بها، أما ابنة عمه فإنها لا تعتق؛ لأنه يحل أن يتزوج بها، ولو ملك من لو كان أنثى لحرم عليه برضاع لم يعتق، وهذا مما يفرق فيه بين الرضاع والنسب.
رابعاً: التمثيل،، يعني أنه يمثل بعبده، فإذا مثل به عتق عليه 2، كإنسان عنده عبد فحل وخاف على أهله منه فخصاه

ـ أي: قطع خصيتيه ـ فإنه يعتق عليه، ولو أنه غضب على عبده فقطع شحمة أذنه فإنه يعتق، ولكن لو قلم أظافره فإنه لا يعتق؛ لأن هذا ليس تمثيلاً.
وإنما جعل الشرع العتق يحصل بأدنى سبب حرصاً منه على تحرير الرقاب، وبه تندفع الشبهة التي يوردها الكفار على الإسلام في مسألة الرق؛ لأننا نقول: إن الإسلام ضَيَّقَ سبب الملك في الرق، إذ ليس هناك سبب للرق إلا الكفر، ووسَّع جداً أسباب الحرية، وما يندب إلى الحرية، وجعل العتق في الكفارات، وقربة من القربات من أفضل الأعمال، فضيق جداً نطاق الرق من وجوه منها: أولاً: أن سببه واحد.
ثانياً: أنه فتح أبواباً كثيرة تكون سبباً للعتق، باختيار المرء مثل الكفارات، وبغير اختياره كالسراية والتمثيل.

وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ القُرَبِ، وَيُسْتَحَبُّ عِتْقُ مَنْ لَهُ كَسْبٌ، وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ العِتْقِ بِمَوْتٍ، وَهُوَ التَّدْبِيرُ.

قوله: «وهو من أفضل القُرَب»، «من» للتبعيض فليس أفضل القرب ولكن من أفضلها؛ لأن من أعتق عبداً أعتق الله من هذا المعتِق كل عضو من النار، حتى الفرج بالفرج 1، ولا يعني قولنا: إنه من أفضل القرب أن يكون مشروعاً بكل حال، ولذا قال المؤلف:

«ويستحب عتق من له كسب، وعكسه بعكسه»، فالذي ليس له كسب لا يستحب عتقه؛ لأننا نجعله عالة على نفسه وعالة على غيره، ومن باب أولى إذا كان هذا العبد معروفاً بالشر والفساد فإننا نقول: لا تعتقه؛ لأنك إذا أعتقته ذهب يفسد في الأرض، وكذلك لو كان إذا أعتق هرب إلى الكفار، وصار علينا فإننا لا نعتقه، فالمهم أن كون العتق من أفضل القربات مقيد بما إذا لم يترتب عليه مفسدة، فإن ترتب عليه مفسدة فإنه ليس من القربات فضلاً عن أن يكون من أفضلها.
قوله: «ويصح تعليق العِتق بموتٍ وهو التدبير»، التدبير: مأخوذ من دبر الحياة أي ما بعدها، وهو تعليق العتق بالموت، سمي تدبيراً؛ لأنه ينفذ في دبر الحياة، ولا شك أنه صحيح؛ لأنه ثبتت به السنة، فإن رجلاً أعتق غلاماً له عن دبر، ولم يكن له مال غيره، وكان عليه دين، فباعه النبي صلّى الله عليه وسلّم وأوفى دينه 1، وليس عتق التدبير كعتق الحياة؛ لأن عتق التدبير يكون بعد الموت، بعد أن خرج الإنسان من الدنيا، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح تأمل البقاء وتخشى الفقر، ولا تمهل ـ أي: تؤخر ـ حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ـ يعني أوصيت ـ وقد كان لفلان 2، أي: الوارث، فالعتق بالتدبير أقل أجراً من العتق في حال الحياة، والعتق في

مرض الموت أقل من العتق في الصحة، فإذا قال الإنسان لعبده: أنت حر بعد موتي صح، فإذا مات عتق، ولكن لا يعتق إلا بعد الدَّين ومن الثلث فأقل، فحكمه حكم الوصية فلا يعتق مطلقاً، فإذا مات السيد والعبد مدبر، قيمته عشرة آلاف ريال، وعليه دين يبلغ عشرة آلاف ريال، فإن العبد لا يعتق؛ لأن الدين مقدم عليه، ولهذا باع النبي صلّى الله عليه وسلّم العبد المدبر لقضاء دين سيده 1، وإذا دبر سيدٌ عبده وقيمة العبد عشرة آلاف ريال، وعليه دين يبلغ خمسة آلاف ريال، وليس له سوى هذا العبد، فنصفه للدين ويعتق ثلث النصف الباقي، أي: سدس جميعه، والباقي للورثة، فيباع العبد على أن سدسه حر، فيوفى الدين، والباقي من الثَّمَن يكون ثلثه للعبد؛ لأنه كَسَبَه بجزئه الحر، والباقي للورثة.
ولو دبر عبداً وقيمته عشرة آلاف ريال، وليس عنده إلا خمسة آلاف ريال، فالجميع خمسة عشر ألفاً، فثلثها خمسة ـ آلاف وهو نصف قيمة العبد ـ فيعتق نصفه، وفي هذه الحال يستسعى العبد ـ على قول بعض العلماء ـ حتى يتحرر.

بَابُ الكِتَابَةِ

وَهِيَ بَيْعُ عَبْدِهِ نَفْسَهُ بِمَالٍ مُؤَجَّلٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَتُسَنُّ مَعَ أَمَانَةِ العَبْدِ وَكَسْبِهِ وَتُكْرَهُ مَعَ عَدَمِهِ، وَيَجُوزُ بَيْعُ المُكَاتَبِ، وَمُشْتَريِهِ يَقُومُ مَقَامَ مُكَاتِبِهِ فَإِنْ أَدَّى لَهُ عَتَقَ، وَوَلاؤُهُ لَهُ وَإِنْ عَجَزَ عَادَ قِنّاً.

الكتابة: اسم مصدر كتب يكتب كتباً وكتابة، وهي مأخوذة من الكتب، وهي أن يشتري العبد نفسه من سيده، وقد قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، وسميت بذلك؛ لأن الغالب ألا تقع إلا بمكاتبة بين السيد والعبد.
قوله: «وهي بيع عبدِهِ نفسَه»، لو قال المؤلف: شراء العبد نفسه من سيده، لكان أوضح وأخصر.
فقوله: «بيع» مصدر مضاف إلى المفعول به؛ لأن البائع ليس العبدَ بل السيد، والعبد مشترٍ، «ونفسَه» مفعول ثانٍ، أو منصوب بنزع الخافض.
قوله: «بمالٍ مؤجلٍ»، لا بد أن يكون المال مؤجلاً فلا تصح بمال حال؛ لأن العبد ليس عنده مال ولو ملَّكه أحد مالاً فماله لسيده، ولو قال قائل: العبد ليس عنده مال، ولكن لو فرض أن أحداً من الناس قال له: اشترِ نفسك من سيدك، وأنا أعطيك المال نقداً، ولهذا إن أراد المؤلف أنه لا بد من التأجيل فهذا ليس بصحيح؛ لأنه قد تكون القضية كقضية بريرة مع عائشة ـ رضي الله عنهما ـ فإن بريرة كاتبت أهلها على تسع أواقٍ، ثم جاءت تستعين عائشة ـ رضي الله عنها ـ، فقالت: «إن أراد أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت» 1، فهذا دليل على أن الكتابة يجوز أن تكون بحالٍ إذا كان من غير العبد، أما من العبد فهذا متعذر؛ لأنه لا يملك.
قوله: «في ذمته»، أي: ذمة العبد؛ لأنه لا يمكن أن تقع على عين إذ إنه ليس له مال، فصار لا بد أن يكون مؤجلاً في الذمة.
ثم بيَّن المؤلف حكم الكتابة فقال: «وتسن مع أمانة العبد وكسبه»، أفادنا المؤلف أن الكتابة سنَّة إذا كان العبد أميناً قادراً على التكسب، فإن لم يكن أميناً، بأن كان يخشى من عتقه أن يذهب إلى الكفار، ويكون معهم على المسلمين، أو خشي أنه إذا عتق سعى في الأرض فساداً، فهنا لا تسن الكتابة؛ لأنه ليس بأمين، ولأن العتق هنا يفضي إلى شر، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح.
ويشترط ـ أيضاً ـ قدرته على التكسب، فإن كان عاجزاً عن التكسب كما لو كان زَمِناً، أي: لا يستطيع أن يكتسب ولا يسعى، فهنا لا تسن الكتابة، ودليل هذا قوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، قال المفسرون: أي صلاحاً في دينهم وكسباً.
وقوله: «تسن»، هذه المسألة فيها خلاف، إذا علم السيد في عبده خيراً وطلب منه العبد الكتابة، فالمؤلف يرى أن كتابته سنة، ودليل ذلك أن الله أمر به فقال: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾، وتعليل كون الأمر للندب لا للوجوب أن العبد ملك للسيد، ولا يجبر الإنسان على إزالة ملكه إلا إذا تعلق به حق الآدمي.

وقال بعض العلماء ومنهم الظاهرية: إنَّ الكتابة تجب إذا طلبها العبد بهذا الشرط: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: 33]، قالوا: لأن الأصل في الأمر الوجوب؛ ولأن في هذا تكثيراً للأحرار، والشارع له تشوُّف إلى الحرية حتى إن العبد يعتق بالتمثيل، ويعتق بالسراية.
وأما الجواب عن قوله: إن الإنسان لا يجبر على إزالة ملكه إلا إذا كان لآدمي، فيقال: بل قد يجبر ولو لغير آدمي، كما في الزكاة يجب أن يخرجها الإنسان من ملكه بأمر الله ـ عزّ وجل ـ، وهذا القول قوي جداً، أي: وجوب إجابة العبد إلى الكتابة إذا طلبها، بشرط أن نعلم فيه خيراً.
قوله: «وتكره مع عدمه» أي عدم الخير، يعني تكره إذا كان يخشى منه الشر والفساد، أو إذا لم يكن ذا كسب؛ لأنه إذا أعتق وليس ذا كسب صار كَلًّا على نفسه وعلى غيره.
قوله: «ويجوز بيع المكاتب، ومشتريه يقوم مقام مكاتِبِه»، يعني لو أن الرجل كاتبه عبده وأراد أن يبيعه هل يجوز؟ الجواب نعم، يجوز، ودليل ذلك حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قصة بريرة أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ اشترتها من أهلها، فأجازها النبي صلّى الله عليه وسلّم وأقرها على ذلك، بل أذن لها باللفظ قال: «خذيها واشترطي لهم الولاء» 1، فبيع المكاتب يجوز، ولكن هل يملك السيد الثاني أن

يبطل كتابته؟ الجواب: لا؛ لأن سبب العتق قد انعقد، فلا يملك مشتريه إبطال الكتابة، لكن العبد يبقى على كتابته فيقوم مشتريه مقام مكاتبه الأول، ويبقى العبد عند المشتري بصفة مكاتب، لكن لو أن العبد رغب أن يبقى عبداً عند المشتري، يعني أن المشتري رجل طيب ينتفع به العبد، فرغب أن يكون عند المشتري عبداً، ماذا يعمل؟ قال العلماء: يمكن ألا يؤدي النجوم التي عليه، أي: لا يؤدي القيمة التي اتفق عليها مع سيده الأول، وإذا عجز عاد قِنًّا كما قال المؤلف: «فإن أدى له عتق» جبراً على الثاني؛ لأن الثاني لا يملك فسخ الكتابة، كما أن الأول كذلك لا يملك فسخها؛ لأن الكتابة عقد جائز من جهة العبد لازم من جهة السيد.
قوله: «وولاؤه له» أي للمشتري، فإن اشترط السيد الأول أن يكون الولاء له، لا للمشتري الثاني، فهل يصح؟ الجواب: لا يصح، ولو رضي الثاني، والدليل أن بريرة جاءت تستعين عائشة ـ رضي الله عنهما ـ في كتابتها، فقالت: إن أحب أهلك أن أعد لهم ما اتفقتم عليه تسع أواق فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت بريرة إلى أهلها وقالت لهم، قالوا: لا، إلا أن يكون الولاء لنا، فجاءت فأخبرت عائشة، والنبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عندها فقال لها: «خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق» 1، يعني وإن اشترطوا أن الولاء لهم فإنه

لا يصح الشرط، إذاً يكون ولاؤه للثاني لا للأول، ولهذا يقول: «وولاؤه له».
قوله: «وإن عجز» أي: عن الأداء، وهذا مقابل قوله: «فإن أدى».
قوله: «عاد قناً» يعني رجع عبداً.

بَابُ أَحْكَامِ أُمَّهَاتِ الأَوْلادِ

إِذَا أَوْلَدَ حُرٌّ أَمَتَهُ، أَوْ أَمَةً لَهُ وَلِغَيْرِهِ، أَوْ أَمَةً لِوَلَدِهِ خُلِقَ وَلَدُهُ حُرّاً، حَيّاً وُلِدَ أَوْ مَيِّتَاً قَدْ تَبَيَّنَ فِيهِ خَلْقُ الإِنْسَانِ لا مُضْغَةٍ أَوْ جِسْمٍ بِلا تَخْطِيطٍ صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، تَعتِقُ بِمَوْتِهِ مِنْ كُلِّ مَالِهِ،

.......... قوله: «أمهات الأولاد» يقال: أمهات في بني آدم، وأُمَّات في الحيوان، تقول: أمات السخال ولا تقل: أمهات، وإنما يقال: أمهات في بني آدم، قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23].
وقوله: «أمهات الأولاد»، يراد بأمهات الأولاد مَنْ أتت من سيدها بولد ـ كما سيأتي ـ لكن بشروط.
قوله: «إذا أولد حر أمته» صارت أم ولد بالشروط المذكورة.
وقوله: «حر» احترازاً من العبد، فالعبد لا يملك حتى لو مُلِّك فإنه لا يملك على المشهور من المذهب، وكذلك ـ أيضاً ـ احترازاً من المكاتَب، فالمكاتَب عبد، فلو أولد أمته التي اشتراها ليتكسب بها إن صح أن يجامعها فإنها لا تكون أم ولد، إنما إذا أولد الحر أمته.
قوله: «أو أمة له ولغيره»، أما أمته فظاهر، أما الأمة له ولغيره أي المشتركة، فلا يجوز للشريك أن يجامعها، لا بملك اليمين؛ لأنه لم يتمحض الملك له، ولا بالنكاح؛ لأن المالك لا يتزوج المملوكة، وهذا له ملك فيها، لكن يمكن أن يكون ذلك بوطء شبهة، يعني وجد امرأة نائمة على فراش زوجته فجامعها، فإذا هي الأمة المشتركة.
قوله: «أو أمة لولده»، إذا أولد أمة لولده صارت أم ولد، والمؤلف أطلق، فيقتضي أنه لا فرق بين أن يكون الولد وطئها أو

لا، وفي هذا نظر؛ لأن الولد إذا وطئها صارت من حلائله فلا تحل للأب، كما أن القول الراجح أنه لا يحل للأب أن يطأ أمة ولده إلا بعد أن ينوي التملك، أما أن يطأها ونيته أنها باقية في ملك الولد، فهذا حرام؛ لأن الله قال: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المعارج: 30]، لكن لنقل: إنه جامع أمة ولده بشبهة، فإنها تكون أم ولد.
إذا قال قائل: لماذا تكون أم ولد وليست ملكاً له حتى ولو بشبهة؟ قالوا: لأن الوالد له أن يتملك من مال ولده ما شاء، فلما صار له أن يتملك صارت كأنها مملوكة.
قوله: «خلق ولده حراً» يعني حال كون الولد قد خلق حراً، احترازاً مما لو تزوج أمة وجامعها وحملت ثم اشتراها، فهنا لا تكون أم ولد؛ لأن الولد الذي في بطنها لم يخلق حراً إنما خلق عبداً لسيدها، فلا بد أن يكون الولد قد خلق حراً، أي: نشأت به وهي في ملك السيد الذي وطِئها.
قوله: «حياً ولد أو ميتاً قد تبين فيه خلق الإنسان» يعني إذا ولدت ولو ميتاً أو حياً فإنه لا بد أن يتبين فيه خلق إنسان، يتبين فيه اليدان والرجلان والرأس، وهذا إنما يكون بعد بلوغ الحمل ثمانين يوماً، أما قبل ذلك فلا يمكن أن يُخَلَّق؛ لأن الجنين في بطن أمه يكون في الأربعين الأولى نطفة، وفي الثانية علقة، ثم في الثالثة يكون مضغة مخلقة وغير مخلقة، إذاً لا يمكن أن يبدأ التخطيط إلا بعد الثمانين، فبعد الثمانين يمكن أن يخلق، وفي التسعين الغالب أنه مخلَّقٌ.

قوله: «لا مضغةٍ» يعني لا بإلقاء مضغة.
قوله: «أو جسمٍ بلا تخطيط»، فإذا ألقت مضغة أو علقة فإنها لا تكون أم ولد؛ لأنه لم يتبين فيه خلق إنسان.
واعلم أن أحكام الجنين تتنوع، فمنها ما يتعلق بكونه نطفة، ومنها ما يتعلق بكونه علقة، ومنها ما يتعلق بكونه مخلَّقاً، ومنها ما يتعلق بنفخ الروح فيه، ومنها ما يتعلق بوضعه حياً، هذه خمسة أحكام: الأول: يتعلق بكونه نطفة أنه يجوز إلقاؤه عند الحاجة، وإن لم يكن هناك ضرورة.
الثاني: يتعلق بكونه علقة أنه لا يجوز إلقاؤه إلا للضرورة.
الثالث: يتعلق بكونه مضغة مخلقة أنه يترتب عليه النفاس، فالمرأة إذا وضعت الحمل قبل أن يتبيَّن فيه خلق إنسان فإن الدم الذي يخرج ليس دم نفاس.
الرابع: يتعلق بنفخ الروح، فيه الصلاة عليه، وتكفينه، وتغسيله، ودفنه مع المسلمين، وتسميته، وكذلك العقيقة عنه.
الخامس: يتعلق بخروجه حياً الإرث؛ لأنه لا يرث حتى يخرج حياً كما هو معروف.
قوله: «صارت أم ولد له»، «صارت» جواب «إذا»، يعني إذا أولد حُرٌّ أمَتَه بهذه الشروط صارت أم ولد له، أي: للمُولد.
قوله: «تعتق بموته من كل ماله»، يعني تعتق عتقاً قهرياً على

الورثة من كل ماله، أي: أنها مقدمة على كل شيء، حتى على الدَّيْن والوصية، والميراث من باب أولى، والفرق بينها وبين التدبير أن التدبير يعتق من الثلث كالوصية، أما هذه فمن كل المال.

وَأَحْكَامُ أُمِّ الوَلَدِ أَحْكَامُ الأَمَةِ، مِنْ وَطْءٍ وَخِدْمَةٍ وَإِجَارَةٍ وَنَحْوِهِ، لاَ فِي نَقْلِ المُلْكِ فِي رَقَبَتِهَا، وَلاَ بِمَا يُرَادُ لَهُ كَوَقْفٍ وَبَيْعٍ وَرَهْنٍ وَنَحْوِهَا.

قوله: «وأحكام أم الولد أحكام الأمة، من وطء وخدمةٍ وإجارةٍ ونحوه، لا في نقل الملك في رقبتها، ولا بما يراد له كوقف وبيع ورهن ونحوها».
ذكر المؤلف ثلاثة أحكام، فما يتعلق بالمنفعة جائز، مثل الوطء والخدمة والإجارة والإعارة وما أشبهها، وما يتعلق بنقل الملك فإنه ليس بجائز؛ لأن هذا يؤدي إلى بطلان حريتها، وما يراد لنقل الملك كالرهن فإنه أيضاً لا يجوز؛ لأن الغاية منه نقل الملك.
انتهى بحمد الله تعالى المجلد الحادي عشر ويليه بمشيئة الله عزّ وجل المجلد الثاني عشر وأوله

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل