الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 174-213
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 174-213
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الغاصب، وحينئذٍ نقول: يخير المالك بين الرجوع على الغاصب؛ لأنه هو الذي غصب ملكه أي: باشر الغصب، والرجوع على الآكل؛ لأن التلف كان تحت يده.
وقد ذكر ابن رجب ـ رحمه الله ـ في القواعد الفقهية 1: أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب ـ وهي التي انتقل إليها المغصوب من الغاصب ـ عشرة، وأنها كلها أيدي ضمان، يعني يصح أن نضمِّنَها، وأما قرار الضمان فإن كانت هذه اليد عالمة فقرار الضمان عليها، وإن كانت جاهلة فقرار الضمان على الغاصب، إلا ما دخلت على أنه مضمون عليها بكل حال فيكون قرار الضمان عليها.
مثال ذلك: إذا غصب شخص من غاصب، فالغاصب الثاني أخذ العين على أنها مضمونة عليه؛ لأنه متعدٍّ، ففي هذه الحال إذا ضمَّنَ المالكُ الغاصبَ الأول رجع على الثاني، وإن ضمن الثاني لم يرجع على أحد بشيء.
مثال آخر: غصب شخص ساعة وجعلها وديعة عند شخص آخر، ثم سرقت الساعة من بيت المودَع مع تحفظه ووضعها في الحرز، فالمودَع لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط، فإذا جاء المالك وضمّن المودَع، فإنه يرجع على الغاصب بما ضمن؛ لأنه أخذ الساعة على أنها غير مضمونة عليه وأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل، فإن ضمّن المالك الغاصبَ، فإن الغاصب لا يرجع على المودَع؛ لأنه غير ضامن، فلو فرض أن

الساعة للغاصب وتلفت عند المودَع بلا تعدٍّ ولا تفريط فإنه لا يرجع عليه؛ لأن المودَع محسن وما على المحسنين من سبيل.
قوله: «وإن أطعمه لمالكه أو رهنه أو أودعه أو آجره إياه لم يبرأ إلا أن يعلم» مثال ذلك: رجل غصب طعاماً كخبز وأرز وغيره فأطعمه لمالكه، فأكله المالك على أنه مُلْك للغاصب، فهنا نقول: إن الغاصب لا يبرأ إلا إذا أعلمه، بأن قال: أنا غصبت هذا المال منك والآن أنا تائب فتفضل كُلْه، فإذا أكله برئ؛ لأنه علم.
وكذلك لو رهنه إياه، كما لو استدان من المالك ديناً وأرهنه المغصوب فإنه لا يبرأ؛ لأن المرتهن داخل على أنه لا ضمان عليه، فيده يد أمانة فلو تلف بلا تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه، إلا إذا علم مالكه أن هذا ملكه فإنه يبرأ الغاصب؛ لأنه الآن مكَّنه منه وسلَّطه عليه.
وقوله: «أو أودعه» أي: أودع المغصوب «إياه» أي: المالك «لم يبرأ إلا أن يعلم»، والوديعة هي الاستحفاظ، يعني استحفاظ المالك بأن تعطي الشخص مالاً يحفظه لك، ويسمى عند الناس «أمانة» وهو في الحقيقة وديعة، فإذا أودعه عنده فمن المعلوم أن المُودَع لا يضمن إلا إن تعدى أو فرط، فإن أعلمه الغاصبُ أن هذا ملكه برئ منه سواء تلف أم لم يتلف؛ لأنه إذا تلف فإنه بيد مالكه، وأما إذا أودع الغاصب المال المغصوب لمالِكهِ، ومالِكُهُ لم يعلم فالضمان على الغاصب، حتى لو تلف تحت المُودَع بلا

تعدٍّ أو تفريط فإن الغاصب يضمنه؛ لأنه معتدٍ، والمالك أخذه على أنه ملك للغاصب.
فإن تلف بتعدٍّ من المودَع أو بتفريط منه فإن عليه الضمان، وإذا كان عليه الضمان وهو ملكه فلا يستحق على الغاصب شيئاً ولا يستحق الغاصب منه شيئاً، ومثل ذلك يقال في الرهن.
وقوله: «أو آجره إياه» فلو غصبه سيارة ـ مثلاً ـ وآجره إياها يوماً أو أكثر ولم يعلم، فالضمان لو حصل عليها تلف ـ ولو بلا تعدٍّ ولا تفريط ـ على الغاصب؛ لأن يده يد عدوان، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1. وقوله: «لم يبرأ إلا أن يعلم» يعني إلا أن يعلم المالك الذي أُودِع أو ارتهن أو أكل أو استأجر، فإذا علم، فمعلوم أن السلطة له على ماله والغاصب بريء.
قوله: «ويبرأ بإعارته» «يبرأ» الفاعل الغاصب «بإعارته» الضمير يعود على المغصوب، يبرأ بإعارته لمالكه، مثال ذلك: رجل غصب كتاباً وأعاره مالكه، فهنا يبرأ سواء علم المالك أم لم يعلم؛ وجه ذلك أنه إن علم أنه ملكه فقد تم استيلاؤه عليه وتلف تحت يده، وإن لم يعلم أنه ملكه فالمستعير ضامن بكل حال، حتى وإن أخذه على أنه ملك للغاصب، وهذا مبني على أن المستعير ضامن بكل حال سواء فرط أو تعدى أو لم يتعدَّ ولم يفرط.

وقد سبق أن القول الراجح أن المستعير كغيره، ممن يكون المال تحت يده بإذن من المالك أو إذن من الشارع، وأن يد المستعير يد أمانة، وعلى هذا لو تلف تحت يد مالكه في إعارة فالضمان على الغاصب، إلا أن يعلم المالك أنه ملكه فيبرأ به، فإن تعدى أو فرط ضمن وإلا فلا.

وَمَا تَلِفَ أَوْ تَغَيَّبَ مِنْ مَغْصُوبٍ مِثْلِيٍّ غَرِمَ مِثْلَهُ إِذاً وَإِلاَّ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ تَعَذَّرَ، وَيُضْمَنُ غَيْرُ المِثْلِيِّ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ، وَإِنْ تَخَمَّرَ عَصِيرٌ فَالمِثْلُ.
فَإِنِ انْقَلَبَ خَلاًّ دَفَعَهُ وَمَعَهُ نَقْصُ قِيمَتِهِ عَصِيراً

...... قوله: «وما تلف أو تغيب من مغصوب مثلي غَرِمَ مثله إذاً» أي حين تلفه.
وقوله: «وما تلف» «ما» يحتمل أنها موصولة، ويحتمل أنها شرطية، والظاهر من السياق أنها شرطية.
وقوله: «تغيب» مراده تغيب غيبة لا يمكن الحصول عليه، فكأنما تلف.
فالمغصوبات تنقسم إلى قسمين: مغصوب مثلي يعني له مثيل، ومغصوب غير مثلي.
فالمغصوب المثلي يُضمن بمثله، وغير المثلي يُضمن بقيمته، فلننظر ما هو المثلي؟.
المثلي ضيق جداً على المذهب، وهو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة.
ولكن القول الراجح في هذا، أن المثلي ما له مثيل أو مشابه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً مصنوعاً أو غير مصنوع، فكل ما له مثيل أو مشابه فإنه مثلي.
وقاعدة: (أن المثلي يُضمن بمثله) قاعدة متفق عليها، وعلى هذا فلو أن شخصاً كسر فنجالاً لشخص، فهل نلزمه أن يأتي

بفنجال مثله لصاحب الفنجال الأول؟ على المذهب: لا، بل له قيمة الفنجال، وعلى القول الراجح يلزمه أن يأتي بفنجال.
ولو أنه ذبح شاته الثنية التي صفتها كذا وكذا في السمن والهزال واللون، وعند ذابح الشاة شاة مثلها تماماً، فهل يضمن الشاة بهذه الشاة، أو بالقيمة؟ المذهب: يلزمه الضمان بالقيمة، والقول الراجح في المسألتين جميعاً الفنجال يضمن بفنجال، والشاة تضمن بشاة.
ولو أن رجلاً أخذ خبزة إنسان وأكلها فإنه يضمنها على المذهب بالقيمة؛ لأن فيها صناعة مباحة، وأيضاً هي غير مكيلة، وعلى القول الراجح يضمنها بمثلها، فإذا كان رجلان واقفان عند الفَرَّان فقدم الفران الخبزة لفلان وأخذها، ثم خطفها الثاني من يده وأكلها، فكيف يضمن؟ على المذهب بالقيمة، وعلى القول الراجح يقول: انتظر حتى يعطيني خبزتي فخذها وينتهي كل شيء.
فالقول الراجح أن المثلي كل ما له مثل أو شبه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو حيواناً أو جماداً أو مصنوعاً أو غير مصنوع، ويدل لهذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم استسلف إبلاً فرد مثلها 1 ولم يرد القيمة، وعلى المذهب لو استسلفت شاة من جارك ترد قيمتها لا مثلها؛ لأنها غير مثلية فليست مكيلة ولا موزونة، ويدل لهذا ـ أيضاً ـ قصة الصحفة والطعام حيث أرسلت إحدى أمهات المؤمنين إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم طعاماً بصحفة مع رسول لها فأتى الرسول

بالطعام والصحفة إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم في بيت إحدى نسائه، فغارت التي هو في بيتها وضربت بيد الرسول حتى سقطت الصحفة وتكسرت، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم صاحبة البيت أن تعطي هذه صحفتها وطعامها وقال: «طعام بطعام، وإناء بإناء» 1 وهذا دليل واضح.
ثم ـ يا سبحان الله ـ أيما أدق أن يضمن الإنسان فنجالاً بفنجال أو صاعاً بصاع؟ الأول بلا شك؛ لأن المماثلة في الفنجال بالفنجال متطابقة تماماً، والمماثلة بين صاع وصاع لا بد أن تختلف، فلا بد أن يكون هناك زيادة يسيرة.
إذاً القاعدة أن المثلي يضمن بمثله؛ لأن مطابقة المثلي لمثله أقوى من مطابقة القيمة للشيء، فالقيمة تقدير وتخمين، والمماثلة مماثلة.
مسألة: قال في «الروض» 2: و «ينبغي أن يستثنى منه الماء في المفازة، فإنه يضمن بقيمته في مكانه، ذكره في المبدع»؛ لأن الماء في المفازة قيمته كبيرة، فلو أن شخصاً غصب من آخر قربة ماء في مفازة ـ أي: في مهلكة ـ فلما وصلا إلى البلد قال: أعطيك قربة ماء، فعلى القاعدة فإنه ماء بماء وهو مثله فيكفي، ولكن هذا مستثنى، وقالوا: بل يعطى قيمته في مكانه، فالقربة في المفازة ـ مثلاً ـ تساوي ألف ريال، وفي البلد لا تساوي شيئاً وقد يكون باعها هناك وانتفع بها فكيف يقال: رد مثلها؟! فهذا مستثنى حتى على المذهب.

قوله: «وإلا فقيمته يوم تعذر» أي: وإلا يمكن الضمان بالمثل فإنه يضمن بقيمته يوم تعذره.
فإذا قدرنا أنه أتلف مثلياً ولكن تعذر المثلي، مثال ذلك: غصبه في محرم وأتلفه وما زال له نظير في السوق، وفي ربيع ـ مثلاً ـ فُقِد من السوق، ثم في جمادى طالبه المالك بالضمان، فماذا يضمن الآن؟ هل يضمن القيمة وقت الضمان، أو وقت التعذر؟ يقول المؤلف: «وإلا فقيمته يوم تعذر» ووجه هذا القول: أنه لما تعذر ثبتت القيمة، فلزمه الضمان بالقيمة وقت التعذر، ولو قيل: إن عليه الضمان بالقيمة وقت الاستيفاء منه لكان له وجه؛ وذلك أن الأصل ثبوت المثل في ذمته حتى يسلمه، وهو إذا تعذر فيما بين الإتلاف وبين الاستيفاء فقد لا يتعذر عند الاستيفاء، ربما يتعذر ـ مثلاً ـ في ربيع، ولكن لا يتعذر في جمادى، فنضمنه المثل فإن تعذر فقيمة المثل وقت الاستيفاء؛ لأن الأصل أن الذي ثبت في ذمة الغاصب هو المثل، والتعذر قد يكون في حين ولا يكون في حين آخر.
قوله: «ويضمن غير المثلي بقيمته يوم تلفه» وذلك لأن غير المثلي تثبت القيمة من حين الغصب، فلو تلف هذا الذي ليس بمثلي فقيمته وقت التلف؛ لأنه قبل التلف لا يزال ملكاً لصاحبه فزيادته ونقصه على صاحبه.
لكن المغصوب اختلف العلماء هل يضمن بنقص السعر أو لا؟ وسبق القول فيه.
قوله: «وإن تخمر عصير فالمثل» إنسان غصب عصير عنب

ثم تخمر، لمَّا تخمر العصير زالت ماليته وصار الواجب إراقته، يقول المؤلف: إنه إذا تخمر العصير ضمنه بالمثل، أي: مثل العصير لا مثل الخمر؛ وذلك لأن تخمره بمنزلة تلفه، والمتعذر شرعاً كالمتعذر حساً، والعصير مثلي؛ لأنه مكيل.
قوله: «فإن انقلب خلاًّ» يعني بعد أن تخمر انقلب خلاًّ بنفسه بأن زالت الشدة المسكرة فيه.
قوله: «دفعه» أي: دفع الخل؛ لأنه عين ماله.
قوله: «ومعه نقص قيمته عصيراً» لأنه إذا تخمر ثم تخلل فلا بد أن ينقص فيضمن نقص قيمته عصيراً؛ لأنه حصل النقص وهو في يد الغاصب.
مثال ذلك: رجل غصب عصير عنب ثم تخمر، فتحول من عين حلال إلى عين حرام، لكنه في نفس الوقت عاد خلاًّ؛ لأنه قد يتخلل الخمر بنفسه، وإذا تخللت الخمرة بنفسها فهي حلال، فعاد إلى كونه عصيراً لكنه عصير متخلل من خمر، فينقص؛ لأنك لو أتيت بهذا الإناء الذي تخلل بعد التخمر، وإناء مثله من العصير لكانت قيمة إناء العصير أكثر بلا شك، يقول المؤلف: «دفعه» يعني الغاصب يدفع هذا الخمر الذي تخلل؛ لأنه عين ملك صاحبه.
فإن نقص بأن كان حين غصبه عصيراً يساوي مائة، والآن لا يساوي إلا ثمانين فهنا الغاصب يضمن النقص، ولهذا قال: «ومعه نقص قيمته عصيراً» يعني نقص قيمته عن كونه عصيراً.
هل يمكن أن يقال: إن هذا شاهد لما ذهب إليه شيخ الإسلام

ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من أن نقص السعر مضمون على الغاصب؟ الجواب: لا؛ لأن نقص السعر هنا لنقص العين وليس للقيمة، فلا يكون فيه رد على من قالوا: إن النقص بالسعر لا يضمن، ولكن سبق لنا أننا فصلنا في هذا، وأنه إن قصد تأخير تسليمه حتى يزول الموسم وينقص السعر، فعليه الضمان وإلا فلا.
وقوله: «فإن انقلب خلاًّ» ولم يقل: قُلب خلاًّ؛ لأن الخمر إن تخلل بنفسه فهو حلال؛ لأنه بفعل الله وليس بفعلنا، وإن تخلل بفعلنا فهو حرام لحديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الخمر تتخذ خلاًّ، قال: لا 1، ولأن الشارع أمر بإراقة الخمر 2، ولو كان يحل بالتخليل لأمر بتخليله؛ لأن تخليله إبقاء له، وإراقته إتلاف له، ولو كان يمكن أن تعود ماليته شرعاً لأرشد إليه الشارع، فلما لم يرشد إليه عُلم أن التخليل حرام.
لكن لو خلَّله من يعتقد حِلَّ التخليل من مسلم أو كافر، فهل يحل؟ الصحيح أنه يحل؛ لأن هذا انقلب خلاًّ على وجه مباح، فصار مباحاً، وعلى هذا فالخل الوارد من بلاد الكفار يكون حلالاً للمسلمين؛ وإن كان مخللاً بفعل آدمي، لأنه مخلل بفعل آدمي يعتقد تحليله.

فَصْلٌ

وَتَصَرُّفَاتُ الغَاصِبِ الْحُكْمِيَّةُ بَاطِلَةٌ ..........

قوله: «

وتصرفات الغاصب الحكمية باطلة

» «تصرفات» مبتدأ، و «الحكمية» نعت لـ: «تصرفات» و «باطلة» خبر المبتدأ.
وقوله: «وتصرفات الغاصب» أي: تصرفاته في المغصوب.
وقوله: «الحكمية» يعني التي يلحقها حكم من صحة أو فساد؛ لأن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي كلها حرام، ومن حيث الحكم الوضعي ـ وهو الحكم بالصحة والفساد ـ ما كان له حكم من صحة أو فساد فإن تصرفات الغاصب باطلة، يعني أن وجودها كالعدم، فمثلاً إذا غصب ثوباً فباعه، فالغصب حكمه حرام، والبيع حرام، وهل هو صحيح أو فاسد؟ ننظر هل البيوع منها صحيح وفاسد؟ الجواب: نعم، منها صحيح وفاسد، وعلى هذا فيكون هذا البيع باطلاً لا ينتقل به الملك إلى المشتري؛ لأن من شرط البيع أن يكون من مالك أو من يقوم مقامه، والغاصب لا يقوم مقام المالك.
والإجارة منها صحيح وفاسد، والوقف منه صحيح وفاسد، والرهن منه صحيح وفاسد، فجميع التصرفات الحكمية يعني التي يلحقها حكم بالصحة أو بالفساد، يقول المؤلف: «باطلة» فبيع الغاصب للمغصوب باطل، وتأجيره للمغصوب باطل، ويظهر ذلك فيما لو غصب داراً وآجرها شخصاً بعشرة آلاف ريال، ثم مَنَّ الله عليه بالتوبة وردَّ الدار إلى مالكها، فهل تأجيره هذا صحيح، أو باطل؟ الجواب: باطل، ولو قلنا: إنه صحيح لكان لمالك البيت الأجرة التي تم العقد عليها وهي عشرة آلاف، وإذا قلنا: غير صحيح

فإن الغاصب يضمن الأجرة، فإذا قدرنا أنه يؤجر باثني عشر ألفاً فإن الغاصب يضمن اثني عشر ألفاً؛ لأن العقد الأول غير صحيح ويجب أن يُضمن لصاحب البيت الأجرة المعتادة، ولو قلنا: إنه صحيح لم يلزمه إلا عشرة آلاف فقط، أما المستأجر الذي أخذها بعشرة آلاف والبيت يساوي اثني عشر ألفاً، هل نضمنه اثني عشر ألفاً، أو عشرة آلاف؟ فيه تفصيل: إن كان عالماً بأنه مغصوب فإننا نضمنه اثني عشر ألفاً، وإن كان غير عالم نضمنه عشرة آلاف فقط.
وفُهِمَ من قوله: «الحكمية» أن غير الحكمية لا يُحكم لها بصحة أو فساد، فلو غصب ماءً فأزال به نجاسة، فهل نقول: إن الإزالة غير صحيحة؟ الجواب: لا؛ لأن إزالة النجاسة لا يقال: صحيحة وفاسدة، وعلى هذا فلو غصب ماء فأزال به نجاسة على ثوبه طهر الثوب؛ لأن إزالة النجاسة ليس لها حكم بالصحة ولا بالفساد.
ولو غصب ماء فتوضأ به فهل يصح وضوؤه؟ ننظر هل الوضوء ينقسم إلى فاسد وصحيح؟ الجواب: نعم، إذاً لا يصح وضوؤه بالماء المغصوب؛ لأنه تصرفٌ حكمي، أي: يلحقه الصحة والفساد.
مثال آخر: رجل غصب ثوباً فباعه، فحكم البيع أنه فاسد؛ لأنه من التصرفات الحكمية التي يلحقها الصحة والفساد.
وظاهر كلام المؤلف: أن الغاصب لو ذكى الشاة التي غصبها صارت حراماً؛ لأن التذكية تنقسم إلى صحيحة وفاسدة فتكون تذكية الغاصب غير مبيحةٍ للمذكاة.

فالضابط: أن تصرفات الغاصب من حيث الحكم التكليفي حرام مطلقاً، ومن حيث الصحة والنفوذ تنقسم إلى قسمين: ما له حكم من صحة أو فساد يكون تصرف الغاصب فيه باطلاً، وما ليس له حكم يكون تصرف الغاصب فيه نافذاً.
وظاهر كلام المؤلف أن تصرفات الغاصب الحكمية باطلة سواء أجازها المالك أو لم يجزها، وسواء تضرر الغاصب وغيره بذلك أم لا.
القول الثاني خلاف ظاهر كلام المؤلف، وهو أنه إذا أجازه المالك فالتصرف صحيح نافذ؛ لأن تحريم التصرف لحق الغير لا لحق الله، فإذا أسقط حقه سقط وزال المانع، وعلى هذا فإذا قيل للمالك: إن الغاصب قد باع ثوبك، فقال: أنا أجزته، فالبيع صحيح والمشتري يملك الثوب، أما إذا لم يجزه فإن البيع لا يصح ويجب على المشتري رد الثوب وأخذ ثمنه الذي بذله فيه؛ لأن التصرف غير صحيح.
القول الثالث: إن كانت التصرفات يسيرة، مثل ما لو باعه على شخص ثم اطلع عليه المالك وطالب به فهو له ويأخذه من المشتري، أما إذا صَعُبَ وتعذر، مثل ما لو باعه الغاصب على رجل، وهذا الرجل باعه على آخر، وهكذا تناقل الناس هذا المغصوب، فإن التصرفات صحيحة، بناء على الحرج والمشقة التي تلحق فيما لو حكمنا ببطلان التصرف، وأيضاً ربما يكون المغصوب بعيراً غصبه الغاصب وباعه على شخص وولدت البعير وكثر نسلها، فكيف نقول: إنه باطل مع العسر والمشقة العظيمة؟!

فالصحيح أنه مع العسر والمشقة يُحكَم بالصحة للضرورة ويقال لمالكه: لك مثل مالك إن كان مثلياً أو قيمته إن كان متقوماً.
القول الرابع: أن تصرفات الغاصب صحيحة، وهو رواية عن أحمد ـ رحمه الله ـ ولكن للمالك أن يستردها، فمثلاً إذا ذكى الشاة فالتذكية على هذه الرواية صحيحة والشاة ترجع لمالكها، وإذا طالب بالمثل وقلنا: إنها مثلية ضمنها بمثلها، وإذا قلنا: إنها متقومة وطالب بمثلها حية، وقال: إن قيمتها حية أكثر من قيمتها لحماً أعطيناه الفرق، أو أعطيناه القيمة كاملة واللحم يكون للغاصب.
وكذلك ـ أيضاً ـ لو توضأ بماء مغصوب، فعلى هذه الرواية ـ التي هي خلاف المذهب ـ الوضوء صحيح، وهو الصحيح؛ لأن هذا التصرف لا يختص بالوضوء، إذ أن تصرف الغاصب بالمغصوب يشمل الوضوء وغير الوضوء، فالغاصب لم يُنه عن الوضوء، لم يُقَلْ له: لا تتوضأ بالماء المغصوب، بل قيل له: لا تتصرف بالماء المغصوب، ولما لم يكن النهي خاصاً بل كان عاماً صارت العبادة صحيحة، هذا هو القول الراجح، ويدل لهذا: أن الغِيبة على الصائم حرام، والأكل ـ أيضاً ـ حرام، فلو أكل فسد صومه، أما لو اغتاب لم يفسد؛ لأن الأكل حرام على الصائم بخصوصه، والغِيبة ليست حراماً على الصائم بخصوصها، بل هي حرام عليه وعلى غيره، فتبين بهذا الفرق الواضح بين العموم والخصوص.
إذاً الخلاصة: أن تصرفات الغاصب صحيحة، أما إن أجازها المالك فهذا أمر واضح مثل الشمس، وأما إذا لم يجزها

فالصحيح ـ أيضاً ـ صحتها، لكن إذا كان عين مال المالك باقياً، فله أن يسترده ويقول: هذا عين مالي أريده، وأنت أيها المشتري اذهب إلى الغاصب.

وَالقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِفَتِهِ قَوْلُهُ. وَفِي رَدِّهِ وَعَدَمِ عَيْبِهِ قَوْلُ رَبِّهِ.

قوله: «والقول في قيمة التالف أو قدره أو صفته قوله» أي: قول الغاصب، فلو غصب شيئاً فتلف ـ وكان متقوماً ـ فقال المالك: قيمته ألف، وقال الغاصب: قيمته خمسمائة، فالقول قول الغاصب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1 والآن المالك والغاصب اتفقا على أن القيمة خمسمائة وادعى المالك الزيادة، فيكون المالك مدعياً، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر، ومن التعليل أن الغاصب غارم، وكل غارم فالقول قوله، وهذه القاعدة أخذها العلماء من الحديث السابق وهو: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر».
لكن كل من قلنا القول قوله ـ وهو يتعلق بحق الآدميين ـ فإنه لا بد من اليمين لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «واليمين على من أنكر»، أما الذي يتعلق بحق الله فالقول قول المنكِر بلا يمين، فلو قال المحتسِب يعني الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لصاحب المال: أدِّ الزكاة، فقال: أنا زكيت مالي، فقال المحتسب: لا،

الزكاة باقية عليك، فقال: أبداً ما بقيت، فهنا القول قول المالك بغير يمين، ولو قيل له: صل، فقال: صليت، فلا يجوز أن نحلفه، ولا يَلْزمه اليمين، فلو قلنا: احلف، فقال: ما أنا بحالف لَكُنَّا نحن الآثمين؛ لأن هذا شيء بينه وبين ربه والناس مؤتمنون على أديانهم، لكن فيما يتعلق بحق الآدميين فالمنكر لا بد من اليمين على إنكاره.
وقوله: «أو قدره» القول في قدره قول الغاصب، كرجل غصب شاة وتلفت ثم جاء صاحبها وقال: إنك غصبت شاتين أو شاة وولدها، فقال: بل غصبت واحدة لا ولد معها، فالقول قول الغاصب، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1، ومن التعليل أن الغاصب غارم وكل غارم فإنه يقبل قوله فيما غرم مع يمينه كما سبق.
وقوله: «أو صفته» أي: صفة المغصوب فالقول قوله، فإذا غصب من شخص شاة، وتلفت، فقال مالكها: إنها سمينة لبون ـ أي: ذات لبن ـ وقال الغاصب: بل هزيلة لا لبن فيها، فالقول قول الغاصب، والدليل والتعليل كما سبق.
قوله: «وفي رده وعدم عيبه قول ربه» يعني إذا اختلف الغاصب والمالك فقال الغاصب: إني رددته عليك، وقال المالك: لم ترده، فهنا قد اتفقا على شيء وادعى أحدهما خلاف ما اتفقا عليه، اتفقا على أن العين كانت عند الغاصب ثم ادعى الغاصب أنه ردها، وهذه دعوى فوق ما اتفقا عليه، فنقول: القول

قول المالك، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» فالطرفان متفقان على أن العين المغصوبة كانت عند الغاصب، ثم ادعى الغاصب أنه ردها فنقول: عليك البينة، وإلا فيحلف المالك ويُحْكَم له بها، هذا من حيث الدليل، ومن حيث التعليل نقول: الأصل عدم الرد، فما دام أن الغاصب قد أقر أنها عنده وأنه غصبها فالأصل عدم الرد، وهذا يقاس على قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وجد في بطنه شيئاً فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» 1 فإن هذا الحديث أصل في بناء الأمور على ما كانت عليه.
وقوله: «وعدم عيبه» لو غصب شاة فتلفت فأراد أن يضمنها بقيمتها، ولكنه ـ أي: الغاصب ـ قال: إنها معيبة، إنها تعرج وعرجها بَيِّن، وقال المالك: بل هي سليمة؛ ومعلوم أن السليمة أغلى من المعيبة، فهنا تعارَضَ أصلان، الأصل الأول: السلامة، وإذا أخذنا بهذا الأصل قلنا: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة وعدم العيب، والأصل الثاني: هو الغرم؛ لأن الغاصب ـ إذا قلنا: إنها سليمة ـ سوف يغرم زيادة على ما أقر به؛ لأنها إذا كانت معيبة سيغرم ـ مثلاًـ ثمانين ريالاً، وإذا كانت سليمة سيغرم مائة، فالآن زاد الغرم عليه، والأصل أن الغارم يقبل قوله.

فهل نقول: إن القول قول الغاصب؛ لأنه غارم، أو نقول: إن القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة؟ نقول: القول قول المالك؛ لأن الأصل السلامة، وهذا الأصل متقدم على الأصل الثاني؛ لأن العيب حادث على السلامة فقُدم هذا الأصل على أصل الغرم.
وهذه في الحقيقة قاعدة ينبغي لطالب العلم أن ينتبه لها، فأحياناً يتعارض الأصل والظاهر، وأحياناً يتعارض أصلان فيقدم أحدهما على الآخر حسب ما تقتضيه الشريعة، وحسب ما تقتضيه قرائن الأحوال، ولهذا ـ مثلاً ـ لو أن امرأة فارقت زوجها وأمسكت بيدها إبريق القهوة ـ وقهوة البُنِّ يشربها غالباً الرجال ـ وادعت أن الإبريق لها، والزوج يقول: لي.
فعندنا أصل وظاهر، الأصل أن ما بيد الإنسان فهو له، وعندنا ظاهر، وهو أن هذا الإبريق للرجال، فأيهما نقدم؟ يُنْظَر إذا كان الظاهر قوياً أقوى من الأصل قدمنا الظاهر.
وقوله: «وفي رده وعدم عيبه قول ربه» هذا النزاع الذي ذكره المؤلف وهل القول قول الغاصب، أو القول قول ربه، من الذي يحكم به؟ يوجه هذا إلى القاضي، أو إلى رجلٍ حَكّمه الغاصب ورب المال، فيعطى هذه القواعد.

وَإِنْ جَهِلَ رَبَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ مَضْمُوناً

.............. قوله: «وإن جهل ربَّه تصدق به عنه مضموناً» «إن جهل» الفاعل الغاصب «ربه» أي: رب المغصوب، أي: صاحبه، إذا جهل صاحبه، بأن يكون قد غصب هذا الشيء من زمان قديم ونسي، أو غصب شيئاً من عند باب المسجد، كأن يكون قد أخذ نعلاً

ومشى به، أو أخذه من شخص معين لكنه لا يعرفه، المهم إذا جهل من ربه يقول المؤلف: «تصدق به عنه مضموناً»، وهنا طريقان: الطريق الأول: أن يدفعه إلى الحاكم ـ أي: إلى القاضي ـ فيبرأ منه بلا نزاع، يعني لم ينازع أحد من العلماء في أنه إذا جهل ربه يعطيه الحاكم، والحاكم يتصرف فيه، وهذا لا شك أنه أسهل على الإنسان.
لكن ـ أحياناً ـ لا يكون الحاكم ثقة، قال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: أما حكامنا هؤلاء فلا أرى أن يدفع إليهم شيئاً، والإمام أحمد قد مات في القرن الثالث ومع ذلك يقول: حكامه لا يرى أن يدفع إليهم شيئاً؛ لأنهم غير ثقات، فكيف بحكام هذا الوقت؟! فالثقة فيهم أندر من الكبريت الأحمر إلا أن يشاء الله، لكن على كل حال إذا كان الحاكم غير ثقة وخاف أنه إذا أعطاه إياه صرفه في جهة أخرى، أو أن الحاكم أبى، فالأول ـ يعني إذا كان غير ثقة ـ لا يجوز أن يعطيه إياه، والثاني: هل يلزم الحاكم أن يقبل أو لا يلزمه؟ هذا محل نظر وتفصيل، فيقال: إذا كانت الدولة قد جعلت جهة معينة لاستقبال الضائع فللحاكم أن يمتنع، ويقول: اذهب إلى الجهات الأخرى، لكن إذا لم يكن هناك جهات مسؤولة عن استقبال الضائع، فأرى أنه يجب على القاضي أن يقبل هذا.
وهذه المشكلة قد لا تكون في مسألة الغصب إلا قليلاً والحمد لله، لكن تكون في لُقَطَة مكة كثيراً، ولقطة مكة قال فيها

النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تحل ساقطتها إلا لمنشد» 1 يعني إلا لشخص يُنشِد عنها مدى حياته ويوصي بها بعد مماته؛ لأنه لا يمكن أن يملكها أبداً، فكل ما في الحرم آمن حتى الجمادات، فالإنسان إذا رأى ـ مثلاً ـ دراهم، ألف ريال أو ألفين أو عشرة آلاف في سوق من أسواق مكة، إن تركها فيا ويلها من اللصوص وإن أخذها تعب فيها، فماذا يصنع؟ إذا كان هناك جهة مسؤولة لاستقبال الضائع فالأمر واضح وسهل ـ والحمد لله ـ يأخذها ويُؤْجَر على إيصالها إلى هذه الجهة، لكن إذا لم يكن هناك جهة فأرى أنه يجب على الحاكم الشرعي أن يستقبلها؛ لأن هذه من جملة ما يتولاه الحاكم فالسلطان ولي من لا ولي له 2، فماذا يصنع الناس؟ الإنسان ليس مستعداً أن يأخذ هذه اللقطة من مكة وينشد عنها مدى الدهر، لكن يسهل عليه جداً أن يأخذها ويوصلها إلى المحكمة ـ مثلاً ـ إذا لم تكن جهة مسؤولة عن ذلك.
فالمهم إذا جهل الغاصب «ربه» أي: مالكه يقول المؤلف: «يتصدق به عنه» وقد ذكرنا طريقين: الطريق الأول: أن يسلمه إلى الحاكم فإن لم يفعل يقول: «تصدق به عنه» يعني دفعه للفقراء، وهذا هو الطريق الثاني.

وقوله: «عنه» أي: عن ربه أي: المالك «مضموناً» أي: بشرط الضمان إذا وجده، فيعتقد أنه تصدق بهذا عن ربه مضموناً عليه لو وجد ربه، فعندنا شيئان: الأول: أن تكون الصدقة عن ربه لا عن نفس الغاصب.
الثاني: أن ينوي أنه ضامن له إذا وجد ربه وطالب به.
فإن تصدق به عن نفسه فإن صدَقته لا تقبل؛ لأنها صدقة غير طيبة، والله ـ عزّ وجل ـ لا يقبل إلا ما كان طيباً، وذمته لا تبرأ؛ لأنه لم ينو هذه الصدقة عن ربها ولم ينو الضمان، فلم يستفد التقرب إلى الله ولم يستفد إبراء الذمة، بل أقول: إن ذلك لا يزيده إلا إثماً، يعني لو تصدق به عن نفسه فهو آثم.
فإذا وجد ربه بعد أن تصدق به عنه فإنه يقول: أنت الآن مخير إن شئت فأمضِ الصدقة والأجر لك، وإن شئت ضمنت لك مالك، والأجر للغاصب؛ لأن الغاصب اتقى الله وهذا غاية ما يستطيع فيؤجر على تصرفه.
وهذه المسألة من مسائل تصرف الفضولي التي أجازها الفقهاء ـ رحمهم الله ـ؛ لأنها ضرورة، إذ إنه لا يعرف صاحبها فلا بد أن يتخلص منها بهذا.
وقوله: «تصدق به عنه» لو أراد أن لا يتصدق بها بل أراد أن يجعلها في مسجد ـ مثلاً ـ فهل يجوز ذلك؟ ظاهر كلام المؤلف: لا، ولكن هذا الظاهر غير مراد، بل له أن يجعلها في طرق الخير من بناء مسجد، أو بناء أربطة للفقراء، أو شراء كتب لطلبة العلم، المهم أن يصرفها فيما يقرِّب إلى الله، وحينئذٍ هل

يخير بين جهات الخير أو ينظر ما هو أفضل؟ نسأل: هل هو متصرف لنفسه أو لغيره؟ فإذا كان يتصرف لغيره ينظر إلى الأصلح، فقد يكون هذا البلد أهله ليسوا بذاك الفقراء لكنهم محتاجون إلى مسجد، فهنا نقول: صرفه في بناء المسجد أفضل، وقد يكون العكس، المساجد كثيرة وأهل البلد فقراء، فنقول: الصدقة أفضل، فعلى كل حال كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ غير مراد، وإن قلنا: إنه مراد فإن الراجح خلافه، وأن له أن يصرف هذا المغصوب في أي جهة خيرية.
لو قدر أن له أقارب محتاجين فهل يصرف هذا في أقاربه؟ الجواب: نعم، يصرف هذا في أقاربه، لكنه لا يجوز أن يحابيهم فيرى غيرهم أحوج ويعطي أقاربه، لكن إذا كان أقاربه مساوين لغيرهم أو أحوج من غيرهم فلا بأس أن يعطيهم.
وهل له أن يأخذه هو إذا كان فقيراً؟ الجواب: فيه خلاف، فمن العلماء من قال: إنه إذا تاب إلى الله ـ وهو على كل حال تائب؛ لأنه الآن يريد أن يتخلص ـ وكان فقيراً فله أن يأخذه، ومن العلماء من قال: لا يجوز سداً للباب؛ لأن الإنسان ربما يفتي نفسه بأنه فقير وليس كذلك، فيتهاون أو يتربص حتى يفتقر، فالقول بمنعه من أن يجعل نفسه مصرفاً قول قوي، لكن لو سلمه إلى الحاكم وكان هو فقيراً فأعطاه الحاكم منه، فهذا يجوز بلا شك؛ لأن التهمة الآن منتفية تماماً، وعلى هذا فلو أعطاه الحاكم وهو من أهل الحاجة ودفع إليه ما غصبه فلا حرج عليه أن يقبله وذمته قد برئت.

وقوله: «وإن جهل ربه» أي: رب المغصوب أي: مالكه، فهل يقال هذا في كل مال مجهول صاحبه؟ الجواب: نعم، كوديعة أُودعها الإنسانُ ثم نسي الذي أودعها إياه، فنقول: إذا نسيت وأيست تصدق به مضموناً، كذلك لو أن إنساناً يعمل خياطاً وأعطاه شخص ثوباً ليخيطه وذهب الرجل وأيسنا منه، فماذا يصنع الخياط في هذا الثوب؟ يتصدق به مضموناً، أو يبيعه إذا رأى أن المصلحة في بيعه مثل أن يكون ثوباً كبيراً واسعاً لا يشتريه أحد فيبيعه ويشتري ثوبين ـ مثلاً ـ فله هذا.
فالقاعدة إذاً: (كل من بيده مال جهل صاحبه وأيس من العثور عليه فله أن يتصدق به بشرط الضمان).
وهنا مسألة تشبه هذه من بعض الوجوه، وهي ما يؤخذ غرامة على المخالفين في بعض البضائع، إذا دخلوا بها وصودرت منهم، فهل يجوز أن تُشتَرى من الجهات المسؤولة أو لا؟ الجواب: نعم يجوز أن تشترى؛ لأنها الآن خرجت عن ملك أصحابها بمقتضى العقوبة، والعقوبة المالية جائزة في الشريعة ولها وقائع وقعت في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم 1؛ فيجوز أن يشتريها الإنسان وتدخل ملكه ولا حرج عليه في ذلك،

كالمغصوب إذ جُهِلَ مالكه وبِيعَ وتُصُرِّف فيه على وجه جائز فلا حرج أن يشتريه.
فإن قال قائل: أنا أعلم رب هذه العين التي صودرت أنه فلان، فكيف يجوز لي أن أشتريها؟! نقول: نعم؛ لأنها أُخذت بحق، أما لو جاءتك وهي مسروقة تعرف أنها سرقت فهنا لا يجوز أن تشتريها، لكن إذا صودرت عقوبة فقد أخذت بحق؛ لأن لولي الأمر أن يعاقب من خالف ما يجب عليه بما يرى أنه أردع وأنفع، ولولا هذا لكانت الأمور فوضى وصار كل إنسان يعمل على ما يريد وهذا لا يمكن، ولذلك نرى أن الأنظمة التي ليس فيها مخالفة للشريعة وإنما هي اجتهادية أنه يجب اتباعها امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59] ولو قيل: لا يجب أن يطاع ولي الأمر إلا فيما أمر الله به، لقلنا: الجواب على هذا من وجهين: الأول: أن طاعته في غير معصية مما أمر الله به وإن لم يكن في هذا الشيء بعينه.
الثاني: إذا قلنا: إنه لا يطاع إلا إذا أمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج وبر الوالدين لكان قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لا فائدة منه؛ لأن هذه الأشياء قد أُمر بها من قِبَلِ الشرع، ويكون الأمر بطاعة ولي الأمر عبثاً؛ لأن طاعته في هذه الأشياء داخلة في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ ولهذا يغلط غلطاً عظيماً من ظن أن أوامر ولاة الأمور لا يجب تنفيذها إلا إذا كان مأموراً بها

شرعاً، ومثل هذه المسائل ينبغي لطلبة العلم أن يبينوها لبعض الإخوة الذين ينطلقون في الكلام في الحكام من العاطفة دون التأمل والتأني، وهذه مسألة خطيرة في الحقيقة، يعني كون الإنسان ينطلق بمقتضى العاطفة، فهذا غلط سواء في معاملة الحكام أو غيرها حتى في الصلاة والزكاة، بعض الناس ينطلق من العاطفة ثم يوجب على المسلمين ما لا يجب، وكذلك بالعكس بعض الناس ينطلق من منطلق التأخر بمعنى أنه يقول: هذا غير واجب والدين يسر وما أشبه ذلك، وينفلت الزمام، كل هذا خطأ، فالواجب الوسط، والوسط هو الحق.
وإذا تأملت خلاف العلماء وتأملت تصرفات الناس، وجدت أن الصواب يكون غالباً في الوسط، حتى مسائل خلاف العلماء، الآن ـ مثلاً ـ أهل التعطيل وأهل التمثيل في صفات الله ما هو الوسط؟ الوسط: الإثبات بلا تمثيل، وكذلك في القدر، وكذلك في الإيمان وغير ذلك.
مسألة: في الدول الشيوعية تقوم الحكومات بأخذ أموال الناس غصباً ولا تردها إلى أصحابها، فإنه لا حرج في شرائها منها أو استئجارها لدفع الحاجة.

وَمَنْ أَتْلَفَ مُحْتَرَماً، أَوْ فَتَحَ قَفَصاً، أَوْ بَاباً، أَوْ حَلَّ وِكَاءً، أَوْ رِبَاطاً أَوْ قَيْداً، فَذَهَبَ مَا فِيهِ، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئاً وَنَحْوَهُ ضَمِنَهُ،

...... قوله: «ومن أتلف محترماً» «من» شرطية، والمعنى أي إنسان «أتلف محترماً» أي: شيئاً محترماً وهو ما لا يجوز إتلافه، واحترز به عما ليس بمحترم كالكافر الحربي، فالكافر الحربي غير محترم فمن أتلفه فلا ضمان عليه، وكذا الخمر في يد المسلم غير محترم فمن أتلفه فلا ضمان عليه؛ لأنه ليس بمحترم.

وقوله: «ومن أتلف محترماً» يعم الصغير والكبير، والحيوان وغير الحيوان، ويعم ـ أيضاً ـ ما كان عن عمد وما كان عن غير عمد، إلا أن الفرق بين العامد وغير العامد هو أن العامد آثم، وغير العامد ليس بآثم، لكن حق الآدمي لا يسقط، فيجب عليه ضمانه.
فلو أتلف الإنسان مالاً يظنه مال نفسه، فتبين أنه مالُ غيره فعليه الضمان؛ وذلك لأنه أتلف محترماً، فإذا قال: إن الله يقول: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، قلنا: نعم، قال الله هذا، لكن هذا في حق الله تعالى فقط، أما في حق الآدمي فعليه الضمان.
ولو أن رجلاً مُحْرِماً قتل صيداً مملوكاً جهلاً أو نسياناً فعليه الضمان لصاحبه وليس عليه الجزاء، والفرق أن الجزاء حق لله تعالى، والضمان حق للآدمي، ولو أتلفه عمداً وهو مملوك لزمه ضمانان: الضمان الأول: للآدمي، والضمان الثاني: الجزاء وهو حق الله ـ عزّ وجل ـ. إذاً كل من أتلف محترماً فعليه الضمان سواء كان عالماً أو جاهلاً أو ناسياً أو ذاكراً أو عامداً أو مخطئاً، فعليه الضمان بكل حال، وسواء كان هذا المحترم قليلاً أم كثيراً.
قوله: «أو فتح قفصاً» القفص وعاء تُجعل فيه الطيور، فإذا فتح القفص وطار الطائر فعليه ضمانه، لأنه متسبب، والمتسبب إذا لم يكن معه مباشر فعليه الضمان.

وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين أن يهيج الطائر أو لا، يعني أنه لا فرق بين أن ينهر الطائر حين فتح القفص أو لم يفعل، ولا فرق بين أن ينضم الطائر إلى جانب القفص لما فُتِح عليه ثم يطير بعد أن يولي هذا الذي فتحه، أو يطير وهو حاضر؛ لأن بعض الطيور إذا فتحت عليه الباب انحاز إلى جهة من القفص خوفاً من فتح الباب، فظاهر كلام المؤلف أنه متى فتح القفص وطار ما فيه فإنه ضامن، ونظير القفص في وقتنا الحاضر (الشَبْك) فلو كان هناك شبك فيه طيور وفتح شخص الباب ثم طارت الطيور فعليه الضمان، لأنه متسبب، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، مثل أن يفتح الباب ثم يأتي آخر فيهيج الطائر فيطير فعليه الضمان، أي على المباشر الذي أهاج الطائر.
قوله: «أو باباً» يعني فتح باباً فذهب ما فيه، فلو فتح باباً عن شاة ـ مثلاً ـ فلما فتح الباب خرجت الشاة فتلفت، فعلى فاتح الباب الضمان؛ لأنه متسبب، والمتسبب عليه الضمان، فإن اجتمع معه مباشر فالضمان على المباشر، يعني لو فتح الباب ثم جاء إنسان وأخرج الشاة وتلفت فالضمان على الثاني؛ لأنه مباشر ولا ضمان على المتسبب مع المباشر إلا إذا كانت المباشرة مبنية على السبب.
قوله: «أو حل وكاءً» يعني لو كان هناك دهن أو عسل في وعاء فحل وكاء هذا الوعاء، فاندفق الدهن أو العسل فعليه الضمان؛ لأنه متسبب.

وظاهر كلام المؤلف: أنه ضامن ولو كان حين حل الوكاء جامداً ثم أذابته الشمس، أو كان حين حل الوكاء واقفاً ثم حرفته الريح فعليه الضمان؛ لأنه متسبب.
قوله: «أو رباطاً» يعني وجد حيواناً مربوطاً ـ مثلاً ـ فحل رباطه فذهب، فعليه الضمان.
قوله: «أو قيداً فذهب ما فيه» القيد لحيوان مقيد، والفرق بين القيد والرباط، أن الرباط يثبت في الأرض وتربط به البهيمة، والقيد تقيد به اليد والرجل أو اليدان والبهيمة تمشي.
وهذا الذي ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ أمثلة وصور وليست قواعد، لكن القاعدة أن كل من أتلف شيئاً فعليه الضمان.
قوله: «أو أتلف شيئاً ونحوه ضمنه» فمثلاً لو فُرِض أن هذه الشاة التي فتح لها الباب خرجت وأكلت زرع إنسان، فعلى من فتح الباب ضمان الشاة، وضمان ما أتلفت من الزرع، وكذلك لو أن الطائر اصطدم بشيء وتلف هذا الشيء فعلى من فتح قفصه الضمان، وكذلك لو أن الدهن اندفق على شيء فأفسده فعليه ضمان الدهن وضمان ما أفسده، فيضمن الشيء وما ترتب عليه.

وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ ضَمِنَ، كَالكَلْبِ العَقُورِ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ بِإِذْنِهِ، أَوْ عَقَرَهُ خَارِجَ مَنْزِلِهِ

........ قوله: «وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن» كان مقتضى السياق أن يقول: «فعثر بها إنسان ضمن».
في وقت المؤلف لا توجد سيارات، وفي وقتنا لا توجد الدواب لكن الشيء يقاس بالشيء، فإذا ربط دابة بطريق ضيق فعثر

بها إنسان وانكسر أو هلك فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ في ربطها في هذا المكان الضيق.
وعُلِم من كلام المؤلف: أنه لو ربطها بطريق واسع فلا ضمان عليه، وهذا متجه إذا لم يربطها في طريق المارة، فإن ربطها في طريق المارة فهو كما لو ربطها في طريق ضيق، عليه الضمان.
فإن قال قائل: الطريق الواسع وإن كان مُطَّرَق الناس ـ في وسطه مثلاً ـ فإن الإنسان يستطيع أن ينحرف يميناً أو شمالاً.
قلنا: لنسأل هل هذا الرجل الذي ربط الدابة في الطريق الواسع ـ في مطرق الناس ـ معتدٍ أو غير معتدٍ؟ الجواب: معتد، وإذا كان معتدياً فهو ظالم، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ [الشورى: 42] نعم لو ربطها في طريق واسع في أحد جوانبه فلا ضمان.
وقوله: «وإن ربط» ظاهر كلامه ـ رحمه الله ـ: أنه لو أوقفها بلا ربط فلا ضمان عليه؛ لأنه إذا أوقفها سوف تمشي وتذهب، ولكن في هذا الظاهر نظر، والصواب أن إيقافها كربطها؛ لأن مجرد وقوفها في الطريق الضيق أو الواسع ـ إذا أوقفها في مطرق الناس ـ يعتبر عدواناً، نعم لو فرض أنه أوقفها لتحميل متاعه عليها أو لتنزيل متاعه منها فعثر بها إنسان، فهذا لا ضمان عليه؛ وذلك لأنه غير معتدٍ، وهذه عادة الناس، ولو قلنا بالضمان لحصل إشكال عظيم، ولكان الإنسان لا يمكن أن يحمل متاعه على بعيره إلا إذا أدخلها إلى بيته، وهذه مشقة عظيمة، إذاً

الضابط: أنه إذا أوقفها أو ربطها في مكان يعتبر متعدياً فعليه الضمان.
والسيارات الآن حكمها حكم الدابة، فإذا أوقفها في مكان واسع وليس في طريق الناس، فعثر بها إنسان فإنه لا ضمان على صاحب السيارة؛ لأنه لم يعتدِ حيث إن العادة جرت بأن الناس يوقفون سيارتهم في الأمكنة الواسعة ولا يعد هذا اعتداءً، فإن أوقفها في مكان واسع في مطرق الناس فعليه الضمان؛ لأنه متعدٍّ، وإن أوقفها في طريق واسع في جانب الطريق فلا ضمان عليه.
لكن ما هي السعة؟ السعة أن يبقى مكاناً يمكن أن تمر به السيارات، فإذا ترك مكاناً يمكن أن تمر به السيارات فهذا ليس بمعتدٍ، والعادة الآن جارية بذلك.
لكن هل يجب أن نقول: لا بد أن يترك ممراً يستطيع أن ينفذ فيه المتقابلان؟ الظاهر نعم، لا سيما في الطرقات النافذة، أما غير النافذة فهي إلى أصحابها، لكن في الطرقات النافذة ولا سيما الطويلة فلا بدّ من ذلك، وما دمنا نعتبر الاعتداء والضرر فلنطبق كل ما يحصل على هذه القاعدة.
ولو أنه أوقف سيارته في مكان واسع وكان حوله فتيان يلعبون الكرة، ثم إن أحدهم لحق الكرة لما طارت واصطدم بالسيارة، فهل عليه الضمان؟ لا ضمان عليه؛ لأن المكان واسع والعادة جارية بذلك، وهذا الذي اصطدم بها كما لو اصطدم بجدار البيت وما أشبهه.

وقوله: «وإن ربط دابة بطريق ضيق فعثر به إنسان ضمن» أي: رابط الدابة، وكذلك مُوقِفُها، فلو لم يعثر بها ولكنها رفسته فعليه الضمان؛ لأن هذا المكان يحرم عليه أن يوقف الدابة فيه، فإن أوقفها في هذا المكان الضيق وجاء إنسان فنخسها فرفسته فلا ضمان على الرابط؛ لأن التلف الآن حصل بفعل الرجل، فهو المباشر فلا ضمان على رابطها، وإن نخسها فضربت برجلها آخر فالضمان على من نخسها، وهذا يُنَزَّل على القاعدة: مباشر ومتسبب.
قوله: «كالكلب العقور لمن دخل بيته بإذنه أو عقره خارج منزله» يعني كما يضمن صاحب الكلب العقور إذا عقر الكلب من دخل بيته بإذنه، أو عقر من كان خارج المنزل؛ وذلك أن الكلب العقور ـ وهو الذي عُرف منه العدوان على الناس ـ لا يجوز اقتناؤه بأي حال من الأحوال ويجب قتله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «خمس يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» 1 فاقتناؤه حرام، وعلى هذا كل ما تلف بعقره فهو مضمون على صاحبه، إلا من دخل بيت صاحبه بغير إذنه فلا ضمان فيه؛ لأن الداخل معتدٍ حيث دخل البيت بغير إذن صاحبه، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ [النور: 27] فإن أذن له ودخل الرجل وصاحب المنزل في داخل منزله فعقره الكلب؟ فعليه الضمان؛ لأنه دخل بإذن رب البيت.
وقيل: إنه إن أعلمه أنه عقور فإنه لا ضمان عليه.

وقوله: «أو عقره خارج منزله» فالكلب العقور إذا عقر إنساناً خارج المنزل فعلى صاحبه الضمان على كل حال.
وقوله: «كالكلب العقور» غير الكلب العقور هل يضمن صاحبه؟ فلو أن رجلاً عنده كلب هادئ ليس بعقور، فخرج الكلب فعقر إنساناً وليس من عادته العقر فهل يضمن؟ لا؛ لأنه يقول: «الكلب العقور» أي: الذي من طبيعته العقر، وهذا كلب غير عقور فلا ضمان عليه.
لكن لو كان غير عقور فأشلاه صاحبه بالرجل، فعليه الضمان؛ لأنه معتدٍ بذلك.
قال العلماء: إن الكلاب ثلاثة: عقور، وأسود، وما سواهما، فالعقور، يجب قتله، والأسود يباح قتله، وغيرهما لا يباح قتله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن قتل الكلاب 1، إلا إذا آذى فإنه يقتل؛ لأن القاعدة هي: (أن كل مؤذٍ يسن قتله) سواء كانت الأذية طبيعته أم حدثت له بعد ذلك.
قال في «الروض» 2: «وإن أتلف العقور شيئاً بغير العقر كما لو ولغ، أو بال في إناء إنسان، فلا ضمان؛ لأنه لا يختص بالعقور» هذا صحيح؛ إذا أفسد شيئاً بغير العقر فإنه لا ضمان؛ لأنه شيء معتاد، وما زال الناس تكون عندهم الكلاب وربما تبول

في أماكن للناس، ولم يرجع أحد من المسلمين على أصحابها، لكن الشيء الذي يضمنه هو الذي يكون معتدياً فيه.
قال في الروض: «وحكم أسد ونمر وذئب، وهر تأكل الطيور، وتقلب القدور، في العادة حكم كلب عقور» 1. إذا اقتنى الإنسان أسداً، وعدى هذا الأسد على إنسان خارج المنزل فإنه يضمن، لأنه معتدٍ باقتنائه، وكذلك الذئب.
وإذا كان له هرة وذهبت عند الجيران وأكلت اللحم وكفأت القدور فإنه يضمن؛ لأن الواجب عليه حبسها، وهذا إذا كان من عادتها ذلك صارت بمنزلة الكلب العقور، وأما إذا كانت عادتها أنها لا تتعدى فلا ضمان على صاحبها؛ لأن يده ليست عليها.
قال: «وله قتل هر بأكل لحم ونحوه، كالفواسق» يعني للإنسان أن يقتل الهر بأكل اللحم، ولكن هل يشترط أن يكون ذلك حين أكل اللحم أو ولو بعد مفارقة الأكل؟ قال بعض الأصحاب: إن له ذلك حال كونه يأكل، وعليه فيكون قتله من باب دفع الصائل، وأما إذا فرغ من الأكل فلا يقتله، والمذهب أن له أن يقتله ولو بعد فراغه من الأكل؛ لأنه معتدٍ.
فإن لم يكن يأكل اللحم فإن ظاهر قوله: «له قتل ... » أنه إذا لم يكن عدوان من الهر فإنه لا يقتل؛ وذلك أن الحيوانات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

الأول: ما أمر بقتله وهي كل المؤذيات.
الثاني: ما نهي عن قتله، وهي أربعة: النحلة، والنملة، والهدهد، والصُّرَد 1. الثالث: ما سكت عنه، فهذه الأصل أن لا تقتل، ولكن هل يباح؛ لأن نهي الشارع عن قتل شيء بعينه يدل على جواز غيره، أو لا يباح؛ لأن أمر الشارع بقتل شيء يدل على أن غيره لا يقتل؟ الظاهر الأول وأن الأصل الإباحة، اللهم إلا أن يخشى الإنسان على نفسه أن يكون بقتله لهذه الأشياء محباً للعدوان فحينئذٍ يجب أن يمنع نفسه.
قال في الروض: «وإن حفر في فنائه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها» 2 الفناء ما يكون أمام البيت متصلاً به أو منفصلاً عنه لإلقاء الكناسة فيه ونفايات البيت، هذا الفناء ليس ملكاً للإنسان، فإذا حفر فيه بئراً لنفسه ضمن ما تلف بها.
قال: «وإن حفرها للمسلمين بلا ضرر في سابلة لم يضمن ما تلف بها؛ لأنه محسن» أي: إن حفرها لنفع المسلمين ولم يكن ذلك في سابلتهم ـ أي طريقهم ـ بأن حفرها في جانب طريق واسع فإنه لا يضمن ما تلف بها.

قال: «وإن مال حائطه ولم يهدمه حتى أتلف شيئاً لم يضمنه؛ لأن الميل حادث والسقوط بغير فعله».
أفادنا بقوله: «حادث» أنه لو بناه مائلاً فسقط على ناس فأتلفهم ضمن، وأفادنا بقوله: «بغير فعله» أنه لو كان السقوط بفعله بأن رأى الجدار مائلاً، فدفعه بيده فسقط على شيء وأتلفه فإنه يضمن، لأنه بفعله.
وهذه المسألة اختلف فيها الفقهاء، فقال بعضهم: إنه إذا علم ميله ولم يقومه فإنه يضمن؛ لأن الواجب عليه كف الأذى عن المسلمين، والجدار إذا مال إلى الشارع ولم يقومه معناه أنه لم يكف الأذى.
وقال بعضهم: إن طولب به ضمن، وإن لم يطالب لم يضمن.
والقول الثالث: ـ وهو المذهب ـ أنه لا ضمان عليه مطلقاً، سواء طولب بنقضه أم لم يطالب، ولكن الصحيح أنه يضمن؛ لأن الجدار جداره وهو مأمور بإزالة الأذى، إلا أنه يقيد بما إذا مضى وقت يمكنه فيه نقضه ولم يفعل، أما إذا مضى وقت لا يمكنه نقضه فيه فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط.
وعلى هذا إذا كان الإنسان غائباً عن بيته ومال الجدار وسقط ولم يعلم ولم يُعلَم فإنه لا ضمان عليه؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط.

وَمَا أَتْلَفَتْ البَهِيمَةُ مِنَ الزَّرْعِ لَيْلاً ضَمِنَهُ صَاحِبُهَا وَعَكْسُهُ النَّهَارُ، إِلاَّ أَنْ تُرْسَلَ بِقُرْبِ مَا تُتْلِفُهُ عَادَةً.

............ قوله: «وما أتلفت البهيمة» البهيمة هي الحيوان من إبل، وبقر، وغنم ضأنها ومعزها، وغير ذلك، وسميت بهيمة؛ لأنها لا تنطق، ولهذا تسمى ـ أيضاً ـ عجماء؛ لأنها لا يُفهم نطقها،

قال الله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل: 16] فالبهمية إذاً تشمل جميع الحيوان الذي يُقتنى من إبل، وغنم، وحُمُر، وخيل، وظباء، وغير ذلك.
قوله: «من الزرع» يفهم منه أن غير الزرع ليس هذا حكمه، فثمر النخل، والتين، والبرتقال وغيرها، ليس هذا حكمها، وكذلك الأطعمة من حبوب وغيرها ليس هذا حكمها؛ لأن المؤلف خصَّه بالزرع.
قوله: «ليلاً» يدخل الليل بغروب الشمس ويخرج بطلوع الشمس.
قوله: «ضمنه صاحبها» دليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بأن على أهل المواشي حفظها في الليل، وعلى أهل الزروع حفظها في النهار 1، وهذا واضح؛ وذلك لأن العادة جرت أن أهل المواشي يحفظونها في الليل إما بقيودها، وإما بأحواشها أو غير ذلك؛ لأنها لا ترعى في الليل، وأهل المزارع يحفظونها في النهار وينامون في الليل وهم مسؤولون عنها في النهار، فكان هذا الحديث مطابقاً للحكمة تماماً.
وقوله: «وما أتلفت البهيمة من الزرع» فلو أتلفت شيئاً من الثمار بأن انطلقت في النهار أو في الليل على نخل قصير فأكلت

ثمرته، فهل يضمن صاحبها أو لا؟ ظاهر كلام المؤلف أنه لا يضمن صاحبها، لا في الليل ولا في النهار؛ لأنه خص ذلك بالزرع، وهذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة أقوال: الأول: أنه خاص بالزرع كما هو ظاهر كلام المؤلف، وهو الذي دل عليه الحديث.
الثاني: أنه خاص بالزروع والثمار التي في الحوائط؛ لأن الثمار التي في الحوائط بمنزلة الزرع؛ إذ العادة جرت بأن الناس يحفظون زروعهم وثمارهم في النهار وينامون عنها في الليل، كما أن العادة جرت بأن أهل المواشي يحفظونها في الليل ويطلقونها في النهار لترعى.
الثالث: أن جميع ما أتلفت من زرع وثمار وأموال وغيرها حكمه حكم ما أتلفت من الزرع وهذا هو المذهب، فعلى هذا يكون عموم ما أتلفت البهائم إن كان في الليل فعلى أصحابها الضمان، وإن كان في النهار فليس على أصحابها شيء، ودليل ذلك عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «العجماء جُبار» 1 العجماء يعني البهائم، وجبار يعني هدر، وضَمَّنَّا صاحبها في الليل قياساً على الزرع؛ لأن العلة واحدة وهي أن أهل المواشي يحفظون مواشيهم في الليل ويطلقونها في النهار لترعى، وهذا القول أصح، فلو أن إنساناً كان عند بيته أكياس من القمح فجاءت المواشي فأكلتها

فهنا نقول: الضمان على صاحبها؛ لأن الناس في الليل ينامون ولا ينتبهون لأموالهم، وفي النهار لا ضمان على صاحبها؛ لأن الواجب على أهل الأموال حمايتها.
والمذهب ـ أيضاً ـ التفريق بين المفرِّط في حفظ البهيمة وغير المفرِّط، يعني أن الإنسان في الليل إذا حفظ البهيمة إما برباط أو قيد أو شبك أو سور، ثم انطلقت مع تمام التحفظ فإنه لا ضمان على صاحبها، لأن الرجل لم يفرط، والعادة جرت أن الناس يحفظون مواشيهم ثم ينامون، فإذا انطلقت بأن عضت القيد حتى انقطع ـ مثلاً ـ أو تسورت الجدار الذي لا تتسور مثله البهائم فلا ضمان، وهذا في الحقيقة قد يقال: إنه قول لا بأس به؛ لأن الإنسان لم يفرط ولم يتعدَّ، فإذا لم يفرط ولم يتعدَّ فإنه لا ضمان عليه، ويدخل هذا في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «العجماء جبار» 1. ومبنى الخلاف على أنه هل مناط الحكم تفريط صاحب البهيمة أو تفريط صاحب المال المتلَف؟ إن قلنا: إن مناط الحكم تفريط صاحب المال المتلَف فإننا نفرق بين الزرع وغيره، ونقول: جرت العادة أن غير الزروع تكون وراء الأبواب وتحفظ في المساكن بخلاف الزروع فإنها على البَر، وإذا قلنا: إن مناط الحكم هو تفريط صاحب البهيمة، قلنا: لا فرق بين الزرع وغيره؛ لأن صاحب البهيمة الذي وُجِّه إليه الضمان هو المفرط، وهذا أقرب من القول بأن مناط الحكم هو تفريط صاحب المال

المتلف، ولو قال قائل: إن مناط الحكم تفريط الطرفين، لم يكن بعيداً، ولكن الأقرب أن مناط الحكم هو تفريط صاحب البهيمة فنقول: متى ما فرط صاحب البهيمة في حفظها فأتلفت شيئاً فالضمان عليه؛ لأنه مأمور بحفظها وكف شرها، فإذا لم يفعل ضمن.
وظاهر كلام المؤلف أن على صاحب البهيمة الضمان في الليل سواء فرَّط أو لم يفرِّط، والصحيح المذهب أنه إن فرط فعليه الضمان وإن لم يفرِّط فلا ضمان عليه، فصار كلام المؤلف مخالفاً للمذهب في أمرين: الأول: تخصيص الضمان بالزرع دون غيره.
الثاني: أن صاحب البهيمة ضامن سواء فرط أم لم يفرط، والمذهب العموم في مسألة المتلف في الزرع وغيره والتقييد في مسألة التفريط، وأنه إذا لم يفرط فلا ضمان عليه.
قوله: «وعكسه النهار» أي: ما أتلفته البهيمة في النهار يكون الضمان على صاحب الزرع، وليس على صاحب البهيمة ضمان؛ لأن المأمور بالحفظ أصحاب المزارع، إلا أن المؤلف ـ رحمه الله ـ استثنى معنى وجيهاً يؤيد ما نقلناه أخيراً فقال: «إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة» مثال ذلك: رجل يرعى إبله في النهار فأطلقها قرب مزرعة، والمزرعة ليس عليها شبك وليس عليها جدار، فمثل هذا جرت العادة أن البهيمة تذهب وتأكل الزرع كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه» 1 وهذا الاستثناء الذي ذكره المؤلف وجيه وصحيح، فيرسلها ـ مثلاً ـ على بُعْد خمسة أمتار أو عشرة أمتار أو على مرآه ثم يذهب، ومن المعلوم أنها سوف تذهب إلى الزرع وتأكله، فيكون الضمان هنا على صاحبها ولهذا قال: «إلا أن ترسل بقرب ما تتلفه عادة».
وهذا ـ أيضاً ـ خلاف المذهب، فالمذهب لا ضمان على صاحبها في النهار سواء أرسلها بقرب ما تتلفه عادة أم لم يرسلها، بناء على أن مناط الحكم هو تفريط صاحب الزرع أو عدمه؛ لأن صاحب الزرع هو المأمور بحفظ زرعه في النهار، والأصح المذهب؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بأن على أهل الحوائط حفظها بالنهار 2، إلا أن يكون صاحب البهيمة اهتبل فرصة غياب أصحاب المزارع فأرسل بهيمته فهنا يكون الضمان عليه، أو أرسل البهيمة بقرب ما تتلفه عادة كما تقدم فيضمن.
لو قال قائل: إذا انعكس الأمر وصار الناس يحفظون أموالهم في الليل، والمواشي ـ أيضاً ـ تُطلَق في الليل فهل ينعكس الحكم؟ قال بعض العلماء: إنه ينعكس؛ لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وقال بعض العلماء: لا ينعكس؛ لأن هذه مسألة

نادرة، يعني يندر أن تكون المواشي تُرعى في الليل وأن يكون حفظ الأموال في الليل، والنادر لا حكم له.
فإن قال قائل: ما هو الأصل فيما أتلفت البهيمة من أجل أن نعرف ما خرج عن هذا الأصل، هل الأصل الضمان أو لا؟ قلنا: الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «العجماء جبار» (1) ما لم يكن عدوان من صاحبها أو تفريط، فإن كان عدوان أو تفريط عومل بما يقتضيه ذلك العدوان والتفريط.
فمثلاً الكلب العقور يحرم اقتناؤه كما تقدم، فإذا أتلف شيئاً خارج منزل صاحبه فعليه الضمان، أما الكلب غير العقور إذا أتلف شيئاً خارج منزل صاحبه، ليس فيه ضمان بناءً على القاعدة أن الأصل فيما أتلفت البهيمة عدم الضمان.

وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ رَاكِبٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ سَائِقٍ ضَمِنَ جِنَايَتَهَا بِمُقَدَّمِهَا لاَ بِمُؤَخَّرِهَا.

قوله: «وإن كانت» الضمير يعود على البهيمة.
قوله: «بيد راكب» أي: أنه متمكن من التصرف فيها، ولهذا يقول الناس فيما يخرج عن طاقتهم: هذا ليس بيدي.
وقوله: «بيد راكب» الراكب إذا لم تكن البهيمة شكسة فإنه يتصرف، فإذا أتلفت شيئاً ـ كما سيأتي ـ فعليه الضمان؛ لأنه يستطيع أن يتصرف.
فإن انفلتت منه وشردت وعجز أن يتصرف فلا ضمان عليه، وهذا نفهمه من قوله: «بيده».1

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
فَصْلٌوتصرفات الغاصب الحكمية باطلةوَالقَوْلُ فِي قِيمَةِ التَّالِفِ، أَوْ قَدْرِهِ، أَوْ صِفَتِهِ قَوْلُهُ. وَفِي رَدِّهِ وَعَدَمِ عَيْبِهِ قَوْلُ رَبِّهِ.وَإِنْ جَهِلَ رَبَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ عَنْهُ مَضْمُوناًوَمَنْ أَتْلَفَ مُحْتَرَماً، أَوْ فَتَحَ قَفَصاً، أَوْ بَاباً، أَوْ حَلَّ وِكَاءً، أَوْ رِبَاطاً أَوْ قَيْداً، فَذَهَبَ مَا فِيهِ، أَوْ أَتْلَفَ شَيْئاً وَنَحْوَهُ ضَمِنَهُ،وَإِنْ رَبَطَ دَابَّةً بِطَرِيقٍ ضَيِّقٍ فَعَثَرَ بِهِ إِنْسَانٌ ضَمِنَ، كَالكَلْبِ العَقُورِ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتَهُ بِإِذْنِهِ، أَوْ عَقَرَهُ خَارِجَ مَنْزِلِهِوَمَا أَتْلَفَتْ البَهِيمَةُ مِنَ الزَّرْعِ لَيْلاً ضَمِنَهُ صَاحِبُهَا وَعَكْسُهُ النَّهَارُ، إِلاَّ أَنْ تُرْسَلَ بِقُرْبِ مَا تُتْلِفُهُ عَادَةً.وَإِنْ كَانَتْ بِيَدِ رَاكِبٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ سَائِقٍ ضَمِنَ جِنَايَتَهَا بِمُقَدَّمِهَا لاَ بِمُؤَخَّرِهَا.
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل