كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» كذبك يعني أخبرك بالكذب.
يقول أبو هريرة: فترقبته في الليلة الثانية، فعاد وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ، وقال له: لأرفعنك إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فأقسم له أنه لن يعود، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بما حدث في الليلة الثانية فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أما إنه كذبك وسيعود» وفي الليلة الثالثة عاد، وأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فأقسم له أنه لن يعود، ولكن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ أصر على أن يرفعه إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له: هل أدلك على شيء يحفظك؟ فقال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ بلى، فقال له: اقرأ آية الكرسي كل ليلة فإنه لا يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح، فأخبر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقك وهو كذوب» 1.
وفي هذا الحديث دليل على أن الكذوب قد يصدق، وأن العدو قد ينصح، لكن نصح الشيطان في هذه الحال ليس نصحاً حقيقياً، وإنما نصح خوفاً من أن يرفع أمره إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم.
والشاهد من ذلك أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أجاز هذا التصرف من أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وجعله مجزئاً مع أن
المأخوذ منه زكاة، وأبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكيل في الحفظ لا وكيل في التصرف.
وقد ذكر الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان لو ضحّى بأضحية غيره، فإنه تقع عن الغير، وإن لم يأذن له.
مثال آخر: ولد يجب على والده إخراج فطرته فأخرج الولد عن نفسه بدون إذن أبيه أجزأه؛ لأنه الأصل فالخطاب موجه إليه، فإذا أخرج الأصل سقط عن الفرع.
قوله: «وتجب بغروب الشمس ليلة الفطر».
وَتَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، فَمَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهُ، أَوْ مَلَكَ عَبْداً، أو تَزَوَّجَ، أَوْ وُلِدَ لَهُ لَمْ تَلْزَمْهُ فِطرَتُهُ
........
«تجب» أي: زكاة الفطر.
«بغروب» الباء للسببية.
وقوله: «بغروب الشمس ليلة الفطر» هذا هو وقت الوجوب، أي الوقت الذي يوجه فيه الخطاب إلى الإنسان بإخراجها هو وقت غروب الشمس ليلة الفطر، والدليل حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر من رمضان» 1؛ ولأنها تسمى صدقة الفطر فتضاف إليه، والفطر من رمضان يتحقق بغروب الشمس ليلة عيد الفطر.
ولكن كيف يعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر؟
الجواب: نعرف أن الليلة ليلة عيد الفطر بأمرين:
الأول: إن كنا أتممنا ثلاثين يوماً من رمضان، فغروب الشمس يوم الثلاثين هذا وقت ليلة عيد الفطر قطعاً.
الثاني: أن نرى الهلال ليلة الثلاثين فتكون تلك ليلة، عيد الفطر، وإن لم نره فإن الليلة من رمضان لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» 1.
قوله: «فمن أسلم بعده أو ملك عبداً، أو تزوج، أو ولد له لم تلزمه فطرته».
يترتب على قولنا: إنها تجب بغروب الشمس ليلة الفطر ما يأتي:
1 ـ أن من أسلم بعده فلا فطرة عليه؛ لأنه وقت الوجوب لم يكن من أهل الوجوب.
2 ـ كذلك لو أن رجلاً ملك عبداً فإنه لا فطرة للعبد عليه إذا ملكه بعد غروب الشمس، وتكون فطرته على المالك الأول؛ لأنه وقت الوجوب كان ملكاً له.
3 ـ لو أن رجلاً تزوج أي: عقد ليلة الفطر بعد الغروب، ودخل عليها بعد ذلك؛ فلا تجب عليه فطرتها؛ لأنها حين الغروب لم تكن زوجةً له.
فإن عقد عليها قبل الغروب ودخل عليها بعد الغروب ففطرتها على الزوج، وهذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن قوله: «تزوج» يعني به عَقَدَ الزَّواج.
أما المذهب فلا فطرة عليه لها؛ لأنه لا تجب عليه نفقتها
حتى يتسلمها، فما دامت عند أهلها فلا نفقة لها عليه؛ لأن الفطرة تابعة للنفقة.
وعلى هذا لو عقد رجل على امرأة في رمضان، ولم يدخل بها إلا بعد صلاة العشاء ليلة العيد فليس عليه فطرتها؛ لأنه لا يلزمه نفقتها إلا بتسلمها.
وعلى القول الراجح لا شيء عليها مطلقاً حتى لو دخل بها في رمضان.
4 ـ كذلك لو ولد للرجل ولد، بعد غروب الشمس ليلة العيد، فإن الفطرة لا تجب عليه، ولكن تسن؛ لأنه جنين، ويستحب الإخراج عنه.
وَقَبْلَهُ تَلْزَمُ، وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ فَقَطْ
...........
قوله: «وقبله تلزم» أي: إذا وجدت هذه الأشياء قبل الغروب ليلة العيد، فإن الفطرة تلزم من تجب عليه نفقة من سبق ذكرهم، فالذي يسلم قبل الغروب بلحظة تلزمه الفطرة؛ لأنه وقت الوجوب صار من أهل الوجوب، والذي ملك عبداً قبل الغروب ولو بدقيقة فإنه تلزمه فطرته، وكذلك الذي ولد له ولد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرته، وأيضاً من عقد قبل الغروب فإنه تلزمه فطرة زوجته حتى لو لم يدخل عليها، وهذا على ظاهر كلام المؤلف.
مسألة: لو أُعْطِيَ صباح العيد عدة فطر، فصار عنده ما يزيد على قوت يومه لم تلزمه زكاة الفطر؛ لأن وقت الوجوب غروب الشمس ليلة العيد، ولهذا لو أعطي ذلك في آخر رمضان للزمته.
ثم بَيَّنَ المؤلف ـ رحمه الله ـ وقت إخراج زكاة الفطر،
فقال: «ويجوز إخراجها قبل العيد بيومين فقط».
أي: يجوز إخراج زكاة الفطر قبل العيد بيومين فقط، وقبل اليومين لا يجوز.
ولكن كيف يجوز ذلك وسبب الوجوب؛ وهو غروب الشمس ليلة العيد لم يحصل بعد، كما أن لدينا قاعدة فقهية تقول: «إن تقديم الشيء على سببه ملغى، وتقديم الشيء على شرطه جائز»؟
مثاله: لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم بدا له أن يلبسه فكفّر، فهنا قدّم التكفير قبل وجود شرطه فهذا جائز، ولو أخرج الكفارة قبل الحلف لم يجزئ لأنه قبل وجود السبب.
وهنا سبب الوجوب، وهو غروب الشمس لم يحصل بعد؟
والجواب: نقول: إن جواز هذا من باب الرخصة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلوا ذلك فقد كانوا يعطونها للذين يقبلونها قبل العيد بيوم أو يومين 1، وما دام أن هذه الرخصة جاءت عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فهم خير القرون وعملهم متبع، فتكون هذه المسألة مستثناة من القاعدة التي أشرنا إليها.
وقوله: «بيوم أو يومين» أو للتخيير فيجوز أن تخرج قبل العيد بيوم أو يومين، وإن قلنا: للتنويع فالمعنى قبل العيد بيوم إن كان الشهر ناقصاً، وقبله بيومين إن كان تاماً، وعلى هذا تخرج في الثامن والعشرين، لا في السابع والعشرين، وهذا فيه احتمال.
وقال بعض العلماء: يجوز إخراجها من أول الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنها لا تسمى صدقة رمضان، وإنما تسمى صدقة الفطر من رمضان.
وقوله: «فقط» أي: لا زيادة، وهذه الكلمة ترد كثيراً، وأصلها «قط»، كما جاء في الحديث «لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة عليها قدمه فتقول: قط قط» (1) أي: حسبي حسبي، فتكون «قط» اسماً بمعنى حسب، ودخلت عليها الفاء لتحسين اللفظ وهي مبنية على السكون.
مسألة: لو أخرج زكاة الفطر يوم سبع وعشرين وتم الشهر فهل يجزئ؟
الجواب: لا يجزئ، فهو كمن صلى قبل الوقت ظاناً أن الوقت قد دخل.
وَيومَ العِيدِ قَبْلَ الصَّلاَةِ أفْضَلُ. وَتُكْرَهُ فِي بَاقِيهِ. وَيَقْضِيهَا بَعْدَ يومِهِ آثِماً
.......... قوله: «ويوم العيد قبل الصلاة أفضل» أي: إخراج زكاة الفطر يوم العيد قبل صلاة العيد أفضل؛ لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة» 2، ولأن المقصود منها إغناء الفقراء في هذا اليوم عن السؤال من أجل أن يشاركوا الموسرين في الفرح والسرور، هذا1
من مقاصدها؛ وإلا فإن الأصل فيها أنها طهرة للصائم من اللغو والرفث، ومن ثم قال أهل العلم: ينبغي أن يؤخر الإمام صلاة العيد يوم الفطر ليتسع الوقت لإخراج زكاة الفطر، واليوم الشرعي يبدأ من طلوع الفجر.
ويجب أن تصل إلى صاحبها قبل الصلاة أو إلى وكيله أي: وكيل الفقير، ويجوز للفقير أن يوكل من تلزمه الفطرة في قبضها.
مثال ذلك: أن يقول الفقير لصاحب الصدقة: أنت وكيلي فيما تعطيني من صدقة الفطر، ففي هذه الحال يكيل الرجل زكاة الفطر ويحوزها عنده في مكان حتى يعود الفقير من سفره، إذا كان مسافراً مثلاً أو ما شابه ذلك، وبهذا يكون الرجل قد قبض من نفسه زكاة الفطر لموكله.
فإن قال للفقير: عندي لك فطرةٌ، لم يكفِ، حتى يقبضها، أو يجعله وكيلاً في قبضها.
قوله: «وتكره في باقيه» أي: ويكره أن تخرج زكاة الفطر في باقي يوم العيد وهذا وقت ثالث لإخراجها؛ وهو من بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد، فيكون هذا وقت كراهة؛ وذلك لأن إخراجها بعد الصلاة يفوت بعض المقصود من إغناء الفقراء في هذا اليوم، فلا يحصل لهم الغناء إلا بعد الصلاة، والذي يريد أن يعطيهم ليغنيهم فإنه يجب عليه أن يعطيهم إياها قبل الصلاة؛ لأجل أن يشملهم الفرح جميع اليوم.
والدليل على الإجزاء، دخولها في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» 1 وهذا ضعيف.
والصحيح: أن إخراجها في هذا الوقت محرم، وأنها لا تجزئ، والدليل على ذلك حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أمر أن تؤدى قبل خروج الناس للصلاة» 2 فإذا أخرها حتى يخرج الناس من الصلاة فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الله ورسوله فهو مردود، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 3.
بل إن حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ صريح في هذا حيث قال فيه النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أدّاها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات» 4 وهذا نص في أنها لا تجزئ، وإذا كانت لا تجزئ فإن الإنسان يكون قد ترك فرضاً عليه بالنص وهو «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر» 5 فيكون بذلك آثماً، ولا تقبل على أنها زكاة فطر.
فإذا قال قائل: إذا أخرجها بعد الصلاة متعمداً، فهل تجزئ على أنها صدقة؟
الجواب: تجزئ؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ومَنْ أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات».
فإن قيل: إنه إذا نوى الفرض بأدائها بعد الصلاة وهي لا تجزئ فهو متلاعب فكيف تجزئ على أنها صدقة؟
فالجواب: أننا نقول ذلك؛ لأن نفعها متعد، والنفع المتعدي يعطى الإنسان أجره على ما انتفع به الناس، كالمزارع التي يزرع فيها شجر، فتأكل منها الطير والسباع، رغم أن صاحبها معه البندقية التي يروع بها الطير؛ لكيلا تأكل إلا نادراً، لكن إذا أكلت منها فله بذلك أجر، فالنفع المتعدي فيه خير حتى لو لم ينو.
أرأيت قول الله تعالى: ﴿لاَ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 114].
فجعل الله ـ سبحانه وتعالى ـ الخيرية بهذه الثلاثة مطلقاً، ولو لم ينو الإنسان التقرب إلى الله، وأن الأجر العظيم لمن يتقرب بالفعل إلى الله، فالأشياء التي لها نفع متعدٍ لها حال خاصة.
قوله: «ويقضيها بعد يومه آثماً» أي: يقضي زكاة الفطر بعد يوم العيد ويكون آثماً، وذلك إذا كان متعمداً.
فعلى هذا يكون وقت إخراج زكاة الفطر على أربعة أقسام:
1 ـ جائز: وهو قبل العيد بيوم أو يومين.
2 ـ مندوب: وهو صباح يوم العيد قبل صلاة العيد.
3 ـ مكروه: وهو بعد صلاة العيد إلى غروب شمس يوم العيد.
4 ـ محرم: بعد غروب شمس يوم العيد وتكون قضاء.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا أخرجها يوم العيد تقع أداء وبعده تقع قضاء.
والصواب في هذا والذي تقتضيه الأدلة، أنها لا تقبل زكاته منه إذا أخرها ولم يخرجها إلا بعد الصلاة من يوم العيد، بل تكون صدقة من الصدقات، ويكون بذلك آثماً.
وذلك بناءً على القاعدة التي دلت عليها النصوص وهي:
«أن كل عبادة مؤقتة إذا تعمد الإنسان إخراجها عن وقتها لم تقبل»؛ ولهذا قلنا في الذين لا يصلون في أول أعمارهم، ثم منَّ الله عليهم بالهداية: إنهم لا يقضون؛ لأنهم قد تعمدوا أن يخرجوا الصلاة عن وقتها، وهذا إذا لم نحكم بكفرهم.
أما إذا حكمنا بكفرهم فلا يقضون؛ لأن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بالقضاء.
مسألة: إذا أخرها لعذر، بمعنى لو أن الإنسان وكّل إنساناً في إخراج الزكاة عنه بأن كان مسافراً مثلاً، فلما رجع من السفر تبين أن وكيله لم يفعل، فهذا يقضيها غير آثم، ولو بعد فوات أيام العيد، وذلك قياساً على الصلاة لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» 1.
وكذلك أيضاً لو جاء خبر العيد بغتة ولم يتمكن من إيصالها إلى الفقير إلا بعد صلاة العيد فإنه معذور ويقضيها، ولا يكون آثماً.
ومن فعل العبادة بعد وقتها الخاص لعذر، فإنها توصف بأنها أداء؛ إذا فعلها بعد زوال العذر مباشرة، وكذلك لو جاء العيد وهو في البر مثلاً، وليس عنده أحد يؤديها إليه ولم يوكل أحداً يخرجها عنه، فهل تسقط عنه لفوات المحل، كالذي قطعت يده يسقط عنه غسلها، أو نقول: إنها تبقى في ذمته؟
الجواب: الأحوط أن تبقى في ذمته ويخرجها ولو بعد أيام العيد، واحتمال أن تسقط في هذه الحال قوي؛ لأن المحل غير موجود.
مسألة: زكاة الفطر تخرج في البلد الذي فيه الإنسان، ومن الغلط إخراجها في غيره، وكذلك الأضحية؛ لأنهما من الشعائر الإسلامية التي ينبغي أن تكون في كل بيت، وفي إرسال النقود إلى بلاد بعيدة تعطيل لتلك الشعيرة في ذلك البيت.
ثم من الذي يؤمن على اختيار الفطرة والأضحية التي يريدها صاحبها؟! ثم قد تتأخر عن يوم العيد.
مسألة: يجوز دفع الزكاة لجمعيات البر المصرح بها من الدولة، وعندها إذن منها وهي نائبة عن الدولة، والدولة نائبة عن الفقراء، وعلى هذا إذا وصلتهم الفطرة في وقتها أجزأت، ولو لم تصرف للفقراء إلا بعد العيد؛ لأنهم قد يرون المصلحة تأخير صرفها.
فَصْلٌ
وَيَجِبُ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ، أَوْ شَعِيرٍ، أو دَقِيقِهِمَا، أوْ سَوِيْقِهِمَا، أَوْ تَمْرٍ، أَوْ زَبِيبٍ، أو أقِطٍ
......... قوله: «
فصل
» بيَّن المؤلف ـ رحمه الله ـ في هذا الفصل: مقدار الفطرة، ومن أي شيء تخرج.
قوله: «ويجب صاع» أي: يجب إخراج صاع، والصاع مكيال معروف، وهو صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض النبي صلّى الله عليه وسلّم صدقة الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب ... » 1 والأصواع تختلف باختلاف الأزمان والأماكن والناس، ولذلك اتفق العلماء بأن المراد بالصاع في الفطرة والصاع في الغسل، والمد في الوضوء، ونصف الصاع في فدية الأذى، أن المراد بذلك الصاع والمد النبويان.
والصاع مكيال يقدر به الحجم، نقل إلى المثقال الذي يقدر به الوزن نظراً؛ لأن الأزمان اختلفت والمكاييل اختلفت، فقال العلماء: ونقلت إلى الوزن من أجل أن تحفظ؛ لأن الوزن يحفظ، واعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ البر الرزين، الذي يعادل العدس وحرروا ذلك تحريراً كاملاً، وقد حررته فبلغ كيلوين وأربعين جراماً من البر الرزين.
ومن المعلوم أن الأشياء تختلف خفة وثقلاً، فإذا كان الشيء ثقيلاً فإننا نحتاط ونزيد الوزن، وإذا كان خفيفاً فإننا نقلل، ولا بأس أن نأخذ بالوزن؛ لأن الخفيف يكون جرمه كبيراً، والثقيل يكون جرمه صغيراً.
وعلى هذا نقول: إن أردت أن تعرف الصاع النبوي، فزن ألفين وأربعين جراماً من البر الرزين أي: البر الجيد، ثم ضعه بعد ذلك في الإناء فما بلغ فهو الصاع النبوي.
وقد عُثِرَ على مد نبوي في عنيزة، في إحدى الخربات، وقد اشتريته من صاحبه بثمن غال، وهو من النحاس، وقد كتب عليه: إن هذا المد قدر على مد فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ إلى مد النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقد وجدناه مقارباً لما قاله العلماء من أن زنته خمسمائة وعشرة جرامات؛ لأن المد النبوي ربع الصاع النبوي، وقد اتخذنا مداً وصاعاً نبوياً قياساً على ذلك.
مسألة: إذا وجد نصف صاع من الفطرة هل يلزمه إخراجه؟
المذهب أنه يلزمه، والقول الثاني: لا يلزمه! لأن الفطرة صاع.
ولهذا نظائر: إذا وجد ماء لا يكفي إلا بعض أعضائه، فالمذهب يستعمله ويتيمم؛ لقوله تعالى، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وهذا وجد ما يغسل به بعض الأعضاء فيستعمله، ويتيمم؛ لأن بقية الأعضاء لا يستطيع غسلها، وهذا أقوى الأقوال وأحوطها.
والقول الثاني: يستعمله ولا يتيمم؛ لأن التيمم فيمن عجز عن الوضوء كاملاً، ولا تتركب طهارة من ماء وتراب، فيستعمل الماء، ويسقط عنه الباقي للعجز.
والقول الثالث: لا يستعمله ويتيمم، لأنه لا يجمع في
طهارة واحدة بين التراب والتيمم، وهو عاجز عن الوضوء فليتيمم.
مسألة: عندنا الصاع زائد على الصاع النبوي، فالصاع النبوي أقل من الصاع الموجود عندنا بالخمس، وخمس الخمس، فهل يكره إخراج الزكاة به، أو لا يكره ويكون الزائد صدقة؟
الجواب: الصحيح أنه لا يكره ويكون الزائد صدقة، وقد ورد عن الإمام مالك أنه كره ذلك؛ لأن هذه عبادة مقدرة من الشارع، لكن الصحيح أنها عبادة مغلَّبٌ فيها جانب التمول والإطعام فإذا زاد فلا بأس، كما لو وجب عليه أربعون درهماً وأخرج ستين درهماً، لكن الزيادة تحتاج إلى نية لكي تكون صدقة.
قوله: «من بر» البر: حب معروف، وهو من أفضل أنواع الحبوب، وكان قليلاً في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكنه كان موجوداً، لحديث عبادة بن الصامت: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح» 1. ولقلته وندرته فإنه لم يذكر من الأصناف التي تخرج منها الفطرة كما في حديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» 2 وعدم ذكره لا يدل على عدم إجزائه، بل إنه مجزئ بلا شك.
قوله: «أو شعير» وهو: حب معروف ومفيد، ولا سيما إذا
كانت فيه قشوره، وقد ذكر فيه الأطباء منافع كثيرة، لكن فائدته أقل من فائدة البر.
قوله: «أو دقيقهما» أي: دقيق البر أو دقيق الشعير، فلو أنه دفع صاعاً من دقيق أحدهما فإنه يجزئ، ولكن على أن يكون المعتبر في الدقيق الوزن؛ لأن الحب إذا طحن انتشرت أجزاؤه، فالصاع من الدقيق يكون صاعاً إلا سدساً تقريباً من الحب، والصاع من الحب (البر أو الشعير) يكون صاعاً وزيادة من الدقيق؛ لأن الحب في خلقة الله ـ عزّ وجل ـ له منطبق تماماً وإن كان فيه فرجات ما بين الحبة والأخرى.
قوله: «أو سويقهما» أي سويق البر والشعير، والسويق: هو الحب المحموس الذي يحمس على النار ثم يطحن، وبعد ذلك يُلت بالماء، ويكون طعاماً شهياً.
قوله: «أو تمر» معناه أنه لا يجوز أن يدفع الرطب في الفطرة، بل لا بد أن يكون تمراً جافاً، والتمر كان يكال على عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فهو من الأصناف المكيلة، لكنه صار عندنا الآن من الأصناف التي توزن، ولذلك فإنه عند الإخراج يجب على الإنسان أن يلاحظ الخفة والثقل.
قوله: «أو زبيب» والزبيب هو يابس العنب، ولكن العنب ليس كله يصلح أن يكون زبيباً، بل يصلح لذلك أنواع معينة منه والزبيب غذاء وقوت كالتمر.
قوله: «أو أقط» والأقط نوع من الطعام يعمل من اللبن المخيض، ثم يجفف، وتعمله البادية في الغالب.
فالواجب أن زكاة الفطر تخرج من طعام الآدميين، وإذا كانت هذه الأطعمة متنوعة فإننا نأخذ بالوسط العام، وفي وقتنا الحاضر وجدنا أكثر شيء هو الرز، وعموم كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن هذه الأنواع تخرج في زكاة الفطر، سواء كانت قوتاً وطعاماً أم لم تكن؛ لأنها جاءت منصوصاً عليها في الحديث، والفقهاء هنا أخذوا بظاهر النص دون معناه؛ وعليه لو أن أحد الناس في هذا الوقت أخرج شعيراً أو زبيباً أو أقطاً، لأجزأه ذلك رغم أنها ليست بقوت.
وقول المؤلف: «يجب صاع من بر أو شعير» ظاهرهُ أَنَّهُ لا فرق بين البر وما سواه، وأنه يجب إخراج صاع من البر.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه يخرج من البر نصف صاع وقال: هذا الذي جرى عليه الناس في عهد معاوية ـ رضي الله عنه ـ، فإن معاوية ـ رضي الله عنه ـ لما قدم المدينة قال: أرى أن مداً من هذه ـ يعني الحنطة ـ يعدل مدين من هذا ـ يعني الشعير ـ فعدل الناس عن الصاع من البر إلى نصف الصاع منه 1.
وقال شيخ الإسلام: وهو أيضاً قياس بقية الكفارات عند الفقهاء، فإن الفقهاء يقولون: إن الواجب صاع من كذا، أو نصف صاع من البر، أو يقولون: الواجب نصف صاع من كذا أو مد
من البر فيجعلون البر على النصف من غيره، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الواجب صاع من بر أو غيره.
لكن يبقى النظر فيما إذا لم تكن هذه الأنواع أو بعضها قوتاً فهل تجزئ؟
الجواب: الصحيح أنها لا تجزئ ولهذا ورد عن الإمام أحمد: الأقط لا يجزئ إلا إذا كان قوتاً، وإنما نص عليها في الحديث؛ لأنها كانت طعاماً فيكون ذكرها على سبيل التمثيل لا التعيين؛ لما ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخذري ـ رضي الله عنه ـ قال: «كنا نخرجها في عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذٍ التمر والزبيب والشعير والأقط» 1.
فقوله: «من طعام» فيه إشارة إلى العلة، وهي أنها طعام يؤكل ويطعم.
ويرجح هذا ويقويه قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم» 2، وهذا الحديث وإن كان ضعيفاً لكن يقويه حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ «فرضها أي: زكاة الفطرطهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين» 3، وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإنها لا تجزئ.
فَإِنْ عَدِمَ الخمْسَةَ أجْزَأ كُلُّ حب وَثَمَرٍ يُقْتَاتُ لاَ مَعيبٌ، وَلاَ خُبْزٌ
..........
قوله: «فإن عدم الخمسة» أي: عدم البر أو الشعير أو التمر أو الزبيب أو الأقط في مكانه أو ما يقرب منه عرفاً، ويشق عليه الإتيان بها، فإنه لا يلزمه أن يسافر للحصول عليها.
قوله: «أجزأ كل حب وثمر يقتات» أي: إنه يجزئ في زكاة الفطر عند عدم الخمسة كل ما يقتات، ويطعم من الحب والثمر.
وعلم من ذلك أنه إذا أخرج من غير الخمسة مع وجودها لم تجزئ، ولو كان ذلك قوتاً، أو كان أفضل عند الناس.
والحب: مثل الأرز والذرة وغيرهما.
والثمر: مثل التين، فالتين في السابق كان يقتات، ويكنز مثل التمر تماماً، وذلك لما كان كثيراً في الجزيرة العربية.
وخلاصة ذلك على كلام المؤلف أنه إن عدم الإنسان أياً من الأصناف الخمسة السابقة أجزأه كل حَبٍّ، بدلاً من الشعير، والبر، أو كل ثمر بدلاً من الزبيب، والتمر.
ولكن إذا كان قوت الناس ليس حباً ولا ثمراً، بل لحماً مثلاً، مثل أولئك الذين يقطنون القطب الشمالي، فإن قوتهم وطعامهم في الغالب هو اللحم، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يجزئ إخراجه في زكاة الفطر، ولكن الصحيح أنه يجزئ إخراجه، ولا شك في ذلك.
ولكن يرد علينا أن صاع اللحم يتعذر كيله، فنقول: إن تعذر الكيل رجعنا إلى الوزن مع أن اللحم إذا يبس يمكن أن يكال.
قوله: «لا معيب» معطوف على «كل» أي: لا يجزئ معيب حتى من البر والتمر.
والمعيب هو الذي تغير طعمه، أو أحد أوصافه، أو صار فيه دود، أو سوس، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 267].
قوله: «ولا خبز» أي: ولا يجزئ الخبز في زكاة الفطر؛ لأنه لا يكال ولا يقتات مع أنه إذا يبس يمكن أن يكال ويقتات، لكن يقال: إن العلة في عدم إجزائه أن النار أثرت عليه وغيرته.
والصحيح في الخبز أنه إذا كان قوتاً، بأن يُيَبَّس وينتفع الناس به، فلا بأس بإخراجه، أما إذا كان رطباً فلا يصلح أن يقتات، ولكن يرد علينا سؤال، وهو هل تجزئ المكرونة في زكاة الفطر؟
الجواب: من قال: إن الخبز يجزئ فالمكرونة عند صاحب هذا الرأي تجزئ أيضاً.
ومن قال: لا يجزئ الخبز؛ لأن الخبز أثرت عليه النار، فإن المكرونة إذا أثرت عليها النار في تصنيعها فإنها لا تجزئ كذلك، ولو أن إلحاق المكرونة بالخبز من كل وجه فيه نظر، ولهذا نرى أن إخراج المكرونة يجزئ ما دامت قوتاً للناس ليست كالخبز من كل وجه، وتعتبر بالكيل إذا كانت صغيرة مثل الأرز، أما إذا كانت كبيرة فتعتبر بالوزن.
والصحيح أن كل ما كان قوتاً من حب وثمر ولحم ونحوها فهو مجزئ سواء عدم الخمسة، أو لم يعدمها لحديث أبي سعيد: «وكان طعامنا يومئذٍ الشعير والتمر والزبيب والأقط» 1.
وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى الجَمَاعَةُ مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ، وَعَكْسُهُ
...........
قوله: «ويجوز أن يعطَى الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» هنا يجوز أن نقول: أن يُعْطَى الجماعةُ، ويجوز أن نقول: أن يعطِيَ الجماعةَ.
وقوله: «الجماعة» أي: ممن يستحقون زكاة الفطر.
وهل مصرف زكاة الفطر مثل مصرف بقية الزكاوات أو أن مصرفها لذوي الحاجة من الفقراء؟
الجواب: هناك قولان لأهل العلم، وهما:
الأول: أنها تصرف مصرف بقية الزكوات حتى للمؤلفة قلوبهم والغارمين، وهو ما ذهب إليه المؤلف.
الثاني: أن زكاة الفطر مصرفها للفقراء فقط، وهو الصحيح.
وقوله: «يعطي الجماعة ما يلزم الواحد وعكسه» مثال ذلك: إذا كان إنسان عنده عشر فطر، فإنه يجوز أن يعطيها لفقير واحد.
وإذا كان إنسان عنده فطرة واحدة فيجوز أن يعطيها عشرة فقراء؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدر المعطى، ولم يقدر الآخذ.
قال العلماء: إذا أعطى الفطرة لجماعة فيسن ألا ينقص المعطى عن مدٍ.
ولكن إذا أعطى دون الصاع فيجب أن ينبه المعطى أنه أعطاه دون الصاع؛ لأنه يخشى أن يخرجها المعطى عن نفسه، وهي أقل من صاع.
وعلى هذا التقرير الذي ذكرنا الآن أنه في زكاة الفطر يجوز أن يعطي الجماعةُ ما يلزمهم لفقير واحد، أو يعطي الإنسانُ ما يلزمه لعدة فقراء.
يتبين أن ما يجب بذله في هذه الأمور ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي:
القسم الأول: ما قدر فيه المدفوع بقطع النظر عن الدافع وعن المدفوع إليه، مثل زكاة الفطر، فالمقدر فيها صاع، سواء أعطيتها واحداً أو جماعة، أو أعطاها جماعة لواحد، أو أعطاها واحد لواحد، أو أعطاها جماعة لجماعة؛ لأنه مقدر فيها ما يجب دفعه، وهذا بالاتفاق فيما أعلم.
القسم الثاني: ما قدر فيه المدفوع والمدفوع إليه، كما هي الحال في فدية الأذى، وهي فدية حلق الرأس في الإحرام، فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة ـ رضي الله عنه ـ: «أطعم ستة مساكين، لكن مسكين نصف صاع» 1 وعلى هذا فلا بد أن نخرج نصف صاع لكل واحد من الستة المساكين.
القسم الثالث: ما قدر فيه الآخذ المعطى دون المدفوع، مثل: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة الجماع في نهار رمضان، ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89].
وبناء على ذلك نقول للمكفر فيها: أطعم مسكيناً ما شئت حتى ولو كان مداً من بر.
ويجوز في هذا القسم أن يغدي المساكين أو يعشيهم؛ لأن الله ذكر الإطعام ولم يذكر مقداره فمتى حصل الإطعام بأي صفة كانت أجزأ.
بَابُ إخْرَاجِ الزَّكَاةِ
وَيَجِبُ عَلَى الفَوْرِ مَعَ إِمْكَانِهِ
......... قوله: «
باب إخراج الزكاة
» «أل» في الزكاة للعهد الذهني، وإنما قلنا ذلك؛ لئلا يدخل فيها زكاة الفطر، فإن زكاة الفطر قد علمت وبين وقت وجوبها وإخراجها وقدرها، لكن المراد بإخراج الزكاة هنا زكاة المال.
وقوله: «إخراج الزكاة» أي: من ملكه إلى مستحقها.
وأنواع الأموال هي: الذهب، والفضة، وعروض التجارة، وسائمة بهيمة الأنعام، والخارج من الأرض.
قوله: «ويجب على الفور» أي: المبادرة.
قوله: «مع إمكانه» أي: مع إمكان الإخراج، والمراد بهذا وجوب المبادرة بالإخراج، لا وجوب الإخراج فإنه معلوم مما سبق.
وقوله: «يجب على الفور» دليله أن الأصل في الأوامر الفورية، والدليل على أن الأصل في الأوامر الفورية ما يلي:
1 ـ قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133] وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148].
2 ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لما أمر الصحابة في حجة الوداع أن يحل من إحرامه من لم يسق الهدي منهم، وتأخروا بعض الشيء رجاء
أن ينسخ الأمر غضب النبي صلّى الله عليه وسلّم غضباً شديداً» 1.
3 ـ أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ لما تأخروا في حلق رؤوسهم في غزوة الحديبية؛ ليتحللوا بذلك، غضب لتأخرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم 2 ولو لم يكن الأصل في الأوامر الفورية لم يغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم.
4 ـ أن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فهو إذا أخر الواجب يكون مخاطراً، فقد يموت ويبقى الواجب في ذمته، وإبراء الذمة واجب، فهذا دليل نظري أيضاً على أن الواجب يفعل على الفور.
5 ـ أن النظر يوجب إخراجَها على الفور؛ لأن حاجة الفقراء متعلقة بها، وإذا أمهل الناس في إخراجها بقي الفقراء بحاجة.
6 ـ أن تأخير الواجبات يلزم منه تراكمها، وحينئذ يغريه الشيطان بالبخل إذا كان الواجب من المال، أو بالتكاسل إذا كان الواجب من الأعمال البدنية.
وقال بعض العلماء: لا يجب الإخراج على الفور؛ لأن الله لم يوقت لها وقتاً، وهذا ضعيف، بل وقت الله لها وقتاً في قوله تعالى، ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] إذا قلنا: إن هذا الحق هو الزكاة.
لكن المؤلف اشترط بقوله: «مع إمكانه» أن يكون الإخراج ممكناً، فإذا لم يمكنه الإخراج فإنه لا يلزمه؛ كما لو كان ماله غائباً؛ وكما لو كان له دين في ذمة موسر أو في ذمة معسر، وقلنا بوجوب زكاة الدين في ذمة الموسر أو المعسر، وهو الآن ليس بيده فلا يلزمه الإخراج لعدم إمكانه.
وهل من ذلك إذا وجب على المرأة زكاة الحلي، وليس عندها دراهم لتزكي بها؟
الجواب: ليس من ذلك؛ فيمكن لها أن تزكي على الفور؛ وذلك بأن تبيع من الحلي بمقدار الزكاة وتخرج الزكاة، ما لم يتبرع لها زوجها أو أحد من أقاربها، فإن تبرع فلا بأس.
لكن النساء يقلن: إذا أوجبتم علينا أن نبيع من الحلي لإخراج زكاته فإنه سينفد ولن يبقى عندنا منه شيء، وهذا مما نحتاجه بنص القرآن، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزخرف].
فنقول: إن هذا الإيراد غير وارد؛ لأنه ينقطع الوجوب إذا نقص الحلي عن النصاب، فإذا لم يكن عند إحداهن إلا ثمانون جراماً من الذهب فإنه لا زكاة عليها، ولذلك نقول: إنه لا ينفد؛ لأنك تصبحين عندئذ من الفقيرات، والفقيرات يكفيهن من حلي الذهب ثمانون جراماً.
إِلاَّ لِضَرَرٍ ...........
قوله: «
إلا لضرر
» أي: فإذا كان هناك ضرر على الرجل في إخراج الزكاة فور وجوبها فلا حرج عليه أن يؤخرها حتى يزول الضرر، كأن يخشى أن يرجع الساعي إليه مرة أخرى.
مثال ذلك: وجبت على شخص زكاة الماشية في محرم، ويخشى أن يأتي الساعي في صفر ويقول له: أخرج زكاتك، ولا يصدقه إذا قال له هذا الشخص: لقد أخرجتها، فإن له أن يؤخرها إلى أن ييأس من قدوم الساعي.
والواجب أن يصدق صاحب الزكاة في دفع زكاته؛ لأنها عبادة، وهو مؤتمن عليها.
ومن الضرر أيضاً أن يخشى على نفسه أو ماله إذا أخرج الزكاة، وذلك بأن يكون بين قوم من الفقراء لصوص، ولو أخرج الزكاة لقالوا: إنه ذو مال، فيسطون على بيته، ويسرقونه أو يقتلونه، وهذا ضرر يحل له أن يؤخر الزكاة حتى ييسر الله له.
ومثل ذلك إذا كان ماله غائباً، فلا يجب عليه الإخراج عنه، ولو كان عنده مال.
فإن قال قائل: هل يجوز أن يؤخرها لمصلحة وليس لضرر؟
الجواب: نعم يجوز، فمثلاً عندنا في رمضان يكثر إخراج الزكاة ويغتني الفقراء أو أكثرهم، لكن في أيام الشتاء التي لا توافق رمضان يكونون أشد حاجة، ويقل من يخرج الزكاة، فهنا يجوز تأخيرها؛ لأن في ذلك مصلحة لمن يستحقها، لكن بشرط أن يفرزها عن ماله، أو أن يكتب وثيقة يقول فيها: إن زكاته تحل في رمضان، ولكنه أخرها إلى الشتاء من أجل مصلحة الفقراء، حتى يكون ورثته على علم بذلك، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» 1 والزكاة مما يوصى فيه؛ لأنه حق واجب.
وأيضاً يجوز له أن يؤخر الزكاة من أجل أن يتحرى من يستحقها؛ لأن الأمانة ضاعت في وقتنا الحاضر، وحب المال ازداد فتأخير الزكاة حتى يتحرى من يستحقها جائز؛ لأن في ذلك مصلحة المستحق، والله أعلم بالنيات، فقد يتعلل بعض الناس بهذا، وهو يريد أن ينتفع بماله قبل إخراج زكاته، لكن إذا كان في نيته أن يؤخرها؛ من أجل تحري من يستحق فإن هذا لا بأس به.
والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يذكر جواز تأخير الزكاة لمصلحة المستحق، وإنما ذكرها صاحب الروض، وغيره من العلماء، ويجوز التأخير كذلك، إذا تعذر الإخراج لقوله: «مع إمكانه»، كما سبق.
فصار التأخير يجوز في الحالات الآتية:
1 ـ عند تعذر الإخراج.
2 ـ عند حصول الضرر عليه بالإخراج.
3 ـ عند وجود حاجة، أو مصلحة في التأخير.
مسألة: لو أخر الزكاة عن موعدها ثم زاد ماله؛ فإن المعتبر وقت وجوبها عند تمام الحول.
فلو كانت تجب في رمضان وماله عشرة آلاف، فأخرها إلى ذي الحجة فبلغ ماله عشرين ألفاً، فلا زكاة عليه إلا في العشرة.
فَإِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِهَا كَفَرَ عَارِفٌ بالحُكْمِ
.........
قوله: «فإن منعها جحداً لوجوبها كفر عارف بالحكم».
أي: إن منع إخراج الزكاة، والفاعل يعود على صاحب المال الزكوي، والهاء مفعول به تعود على الزكاة.
وقوله: «كفر» هذا الكفر كفر اعتقاد لا كفر عمل؛ لأنه اعتقد خلاف ما دل عليه الشرع، وكذب الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، فإذا انضم إلى الجحد منع، صار أشد وأعظم لأنه كفر بالاعتقاد، وفسق بالعمل.
علة ذلك ـ أي: الحكم بكفره ـ ليس لمنعها، وإنما لجحد كونها فريضة، وأما إذا منعها بخلاً، أو تهاوناً، فسيأتي في كلام المصنف، وعلى هذا فيكون قول المؤلف: «إِنْ مَنَعَهَا جَحْداً لِوُجُوبِها» تصويراً لا تأصيلاً؛ فليس من شرط القول بكفر جاحدها أن يمنعها بل الشرط جحد وجوبها؛ فلو أدّاها وهو جاحد وجوبها فإنه يكفر.
وقوله: «جحداً» مفعول لأجله وهو سابق على الفعل؛ لأن المفعول لأجله إما أن يكون سابقاً للفعل، أو مقارناً له، أو يكون لاَحِقاً له، فهذا الجحد سابق للفعل أو مقارن له، ومعنى سابق أن يقول: ليس علي زكاة، وهي غير مفروضة، ومعنى مقارن أن يجحد الزكاة حين المنع، فإن منعها على هذا الوجه «كفر عارف بالحكم» أي: أنه يكفر إذا جحد الزكاة وهو يعلم أنها واجبة، وذلك لأن وجوب الزكاة مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، فكل مسلم يعلم أن الزكاة واجبة، فإذا جحد ذلك كفر.
وهنا قيد المؤلف ـ رحمه الله ـ الكفر بأن يكون عارفاً
بالحكم، فعلم من كلامه أنه لو جحد وجوبها جاهلاً فإنه لا يكفر؛ لأن الجهل عذر بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين في الجملة؛ أي: ليس في كل الصور.
وذلك لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ... } إلى قوله: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: 163 ـ 165] فدل هذا على أنه لو لم يرسل رسلاً إلى الخلق فلهم حجة على الله؛ لأنهم معذورون، وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ *﴾ [القصص]، وقال الله تعالى عن قريش: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى *﴾ [طه].
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» 1، والنصوص الدالة على أن الجهل عذر كثيرة جداً.
ولكن هل تقبل دعوى الجهل من كل أحد؟
الجواب؛ لا، فإن من عاش بين المسلمين، وجحد الصلاة، أو الزكاة، أو الصوم، أو الحج، وقال: لا أعلم، فلا
يقبل قوله؛ لأن هذا معلوم بالضرورة من دين الإسلام؛ إذ يعرفه العالم والعامي، لكن لو كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئاً ببادية بعيدة عن القرى والمدن، فيقبل منه دعوى الجهل ولا يكفر، ولكن نعلمه فإذا أصر بعد التَّبيين حكمنا بكفره، وهذه المسألة ـ أعني مسألة العذر بالجهل ـ مسألة عظيمة شائكة، وهي من أعظم المسائل تحقيقاً وتصويراً.
فمن الناس من أطلق وقال: لا يعذر بالجهل في أصول الدين كالتوحيد، فلو وجدنا مسلماً في بعض القرى أو البوادي النائية يعبد قبراً أو ولياً، ويقول: إنه مسلم، وإنه وجد آباءه على هذا ولم يعلم بأنه شرك فلا يعذر.
والصحيح أنه لا يكفر؛ لأن أول شيء جاءت به الرسل هو التوحيد، ومع ذلك قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الإسراء: 15] فلا بد أن يكون الإنسان ظالماً، وإلا فلا يستحق العذاب.
على أن تقسيم الدين إلى أصول وفروع أنكره شيخ الإسلام، وهذا التقسيم لم يحدث إلا بعد القرون المفضلة في آخر القرن الثالث، وقال شيخ الإسلام: كيف نقول: إن الصلاة من الفروع؟! ـ لأن الذين يقسمون الدين إلى أصول وفروع يجعلون الصلاة من الفروع ـ وهي الركن الثاني من أركان الإسلام، وكذا الزكاة، والصوم، والحج، كيف يقال: إنها من الفروع؟!
ولكن قد لا يعذر الإنسان بالجهل، وذلك إذا كان بإمكانه
أن يتعلم ولم يفعل، مع قيام الشبهة عنده، كرجل قيل له: هذا محرم، وكان يعتقد الحل، فسوف تكون عنده شبهة على الأقل، فعندئذٍ يلزمه أن يتعلم ليصل إلى الحكم بيقين.
فهذا ربما لا نعذره بجهله؛ لأنه فرط في التعليم، والتفريط يسقط العذر، لكن من كان جاهلاً، ولم يكن عنده أي شبهة، ويعتقد أن ما هو عليه حق، أو يقول هذا على أنه الحق، فهذا لا شك أنه لا يريد المخالفة ولم يرد المعصية والكفر، فلا يمكن أن نكفره حتى ولو كان جاهلاً بأصل من أصول الدين، فالإيمان بالزكاة وفرضيتها أصل من أصول الدين، ومع ذلك لا يكفر الجاهل.
وبناءً على هذا يتبين حال كثير من المسلمين في بعض الأقطار الإسلامية الذين يستغيثون بالأموات، وهم لا يعلمون أن هذا حرام، بل قد لُبِّس عليهم أن هذا مِمَّا يقرب إلى الله، وأن هذا وليٌّ لله وما أشبه ذلك، وهم معتنقون للإسلام، وغيورون عليه، ويعتقدون أن ما يفعلونه من الإسلام، ولم يأت أحد ينبههم، فهؤلاء معذورون، لا يؤاخذون مؤاخذة المعاند الذي قال له العلماء: هذا شرك، فيقول: هذا ما وجدت عليه آبائي وأجدادي، فإن حكم هذا الأخير حكم من قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].
فإن قيل: كيف يعذر هؤلاء ولم يعذر أهل الفترة، فقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أبي وأبوك في النار» 1؟ فيقال: أهل الفترة ليس لنا
أن نتجاوز ما جاءت به النصوص، ولولا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: إن أباه في النار، لكان مقتضى القاعدة الشرعية أنه لا يعذب، وأن يكون أمره إلى الله، كسائر أصحاب الفترة، فإن القول الراجح أن أصحاب الفترة يمتحنون يوم القيامة بما شاء الله، أما هؤلاء فإنهم يعتقدون أنهم على الإسلام ولم يأتهم من يعلمهم، بل قد يكون عندهم من علماء الضلالة من يقول: إنَّ ما هم عليه هو الحق.
إذاً لا بد أن يكون الجاحد لوجوب الزكاة عارفاً بالحكم، فإن جحدها وهو عارف بالحكم صار كافراً، وإن كان جاهلاً وعلمناه وبينا له النصوص وأصر على ما هو عليه، فحينئذٍ يكون كافراً؛ لأنه عالم بالحكم.
وعلى هذا يتبين لنا أنه لا يشترط الإقرار بالحكم، فإذا بلغه الحكم على وجه واضح بين، فقد قامت عليه الحجة سواء أقر أم أنكر، حتى ولو أنكر فإن ذلك لا ينفعه، ولا يرفع عنه الحكم؛ وإلا لكان فرعون ـ الذي أنكر رسالة موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع إقراره بها في باطن نفسه ـ مؤمناً محقاً، ولكنه ليس كذلك، فالشرط هو بلوغ الحجة على وجه يتبين به الأمر، فإذا بلغ الإنسان ذلك، فإن إقراره بها ليس بشرط، فيحكم بكفره ولو لم يقر بها.
وإذا أخبرناه فأصر على أنها ليست واجبة، ولكنه يخرجها على أنها تطوع، فإنه يكفر وعلى هذا فإن قول المؤلف: «ومن منعها جحداً لوجوبها» ليس قيداً في الحكم؛ لأن المدار على الجحود، فإذا جحد الوجوب وهو عارف بالحكم، كفر سواء أخرجها أم لم يخرجها.
وقد قيل للإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: إن فلاناً يقول في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا *﴾: «إن ذلك فيمن استحل قتل المؤمن»، فتبسم الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ وقال: «إذا استحل قتل المؤمن فهو كافر، سواء قتله، أم لم يقتله»!! فتبقى الآية لا فائدة منها؛ لأن الآية علقت الحكم على وصف دون هذا الوصف الذي ذكره هذا القائل وهو الجحود.
والذين قالوا: إن النصوص الدالة على كفر تارك الصلاة محمولة على من تركها جحداً لوجوبها، نقول لهم: إن الذي جحد وجوب الصلاة كافر ولو صلى، فلم تعتبرون وصفاً لم يشر إليه الدليل، وتتركون وصفاً علق عليه الحكم؟ فهذه جناية على النص من وجهين هما:
الأول: إلغاء ما اعتبره الشرع وصفاً موجباً للحكم.
الثاني: استحداث وصف لم يكن في النص.
وهذا البلاء يأتي كثيراً من العلماء؛ لأنهم اعتقدوا قبل أن يستدلوا فحاولوا ليَّ أعناق النصوص إلى ما يعتقدون، أو يكون المستدل قد استعظم الأمر كيف يكفر تارك الصلاة، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويؤمن باليوم الآخر، فيحاول أن يُحَرِّفَ النصوصَ من أجل استعظامه أن يكفر.
وَأُخِذَتْ منه وقُتِلَ .........
قوله: «
وأخذت منه وقتل
» أي: من منع الزكاة جحداً لوجوبها فإنها تؤخذ منه، وتعطى لأهلها، ويقتل؛ لردته.
وهنا يرد سؤال وهو كيف تؤخذ منه، وقد حكمنا بكفره،
وهي لا تقبل منه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ﴾ [التوبة: 54]، وأيضاً هل يكون ماله لبيت المال؟
الجواب: تؤخذ منه؛ لأنها وجبت عليه، وتعلق بها حق الغير، وهم أهل الزكاة.
ولا تدخل الزكاة بيت المال؛ لأن الأخص وهو مال الزكاة، لا يدخل في الأعم وهو بيت المال؛ لأنها ربما تصرف في المصالح العامة، مثل: بناء المساجد، وإصلاح الطرق، وهذا لا يصح أن تصرف الزكاة فيه، ويكون باقي ماله في بيت المال؛ لأن المرتد لا يورث.
قوله: «وقتل» أي: قتل لردته فلا يصلى عليه، وإذا تاب قبلت توبته ولم يقتل، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» 1.
وظاهر كلام المؤلف أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا الظاهر قد يكون مراداً، وقد يكون غير مراد، وأن المراد بيان الحكم بقطع النظر عن شروطه.
واختلف العلماء هل كل كفر يستتاب منه أم لا؟ وهل الاستتابة واجبة أو راجعة للإمام؟
والصواب أنها ليست واجبة، وأنها راجعة للإمام، ووجود مصلحة في استتابته، ككون المرتد زعيماً في قومه، ولو أنه عاد
إلى الإسلام لنفع الله به، فهذا يجب أن يستتيبه الإمام، ولو رأى الإمام أن قتله خير من بقائه لنفسه ولغيره؛ لأن طول عمر الكافر زيادة في إثمه، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَِنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ *﴾ [آل عمران: 178] فهذا لا يحتاج إلى استتابته؛ بل يقتله بدونها.
والقول الراجح أن التوبة مقبولة من كل ذنب حتى من سب الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن من سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم تقبل توبته ويقتل، ومن سب الله تقبل توبته لو تاب ولا يقتل؛ لأن حق الله لله، وقد بين سبحانه أنه يغفر الذنوب جميعاً، أما سب الرسول صلّى الله عليه وسلّم فحق له، وقتل الساب حق لآدمي، ولا ندري هل يعفو الرسول صلّى الله عليه وسلّم عمن سبه أم لا؟ ولكن إذا تاب وقتلناه فإنه يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدعى له بالمغفرة، ويدفن في مقابر المسلمين؛ لأنَّ قتله حصل به أداء الحق إلى أهله وقد تاب إلى الله.
أو بُخْلاً أخِذَتْ مِنهُ وَعُزِّرَ
............
قوله: «أو بخلاً» أي منع الزكاة بخلاً، والبخل منع ما يجب، والشح الطمع فيما ليس عنده.
فالبخيل ممسك، والشحيح مقتطع، يريد أن تكون أموال الناس جميعاً عنده.
قوله: «أخذت منه وعزر» أي: أخذت الزكاة ممن منعها بخلاً، وأدِّبَ.
وقوله: «أخذت» فعل مبني للمجهول والآخذ هو من له حق الأخذ، وهو الذي يلزم الناس بالشرع، والسلطان هو الذي له الحق، ولذلك فإنه يأخذها من البخيل قهراً ويعزره.
والتعزير يطلق على معان عدة، منها: التوقير، والنصرة؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: 9].
ومنها التأديب كما هو مراد المؤلف، وسمي التأديب تعزيراً مع أن أصل التعزير النصرة، لأن فيه نصرة للإنسان على نفسه؛ لأنه إذا أدب استقام وانتصر على نفسه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تمنعه من الظلم فذاك نصره» 1 فهذا الذي أدبناه يكون تعزيره نصراً في الواقع، لأننا نصرناه على نفسه؛ إذ إن هذا سيردعه عما كان عليه.
مسألة: هل إذا أخذت الزكاة من البخيل تبرأ بها ذمته؟
الجواب: أما ظاهراً فإنها تبرأ بها ذمته فلا نطالبه بها مرة ثانية، وأما باطناً فإنها لا تبرأ ذمته، ولا تجزئه؛ لأنه لم ينو بها التقرب إلى الله، وإبراء ذمته من حق الله، ولذلك فإنه يعاقب على ذلك معاقبة من لم تؤخذ منه؛ لأنها أخرجت بغير اختيار منه، فإذا تاب من ذلك فإن من توبته أن يخرجها مرة ثانية.
ولم يبين المؤلف كيف يعزر؟ بالضرب أم بالحبس أم بالتوبيخ أمام الناس، أم بغير ذلك من وسائل التأديب؟
فقيل: المقصود بالتعزير التأديب، فما يحصل به التأديب هو الواجب، ويختلف ذلك باختلاف الناس، فمنهم من يعزر بالمال وهو البخيل، ومنهم من يعزر بالضرب، ومنهم من يعزر بالتوبيخ
أمام الناس، أو بالفصل من الوظيفة، ولذلك فإن التعزير لا يرتبط بعقوبة معينة؛ لأن المراد منه الإصلاح والتأديب، وهذا يختلف باختلاف الناس، ولهذا أطلق المؤلف التعزير، فقد يقترف رجلان ذنباً واحداً، أحدهما نعزره بالمال، والآخر بالضرب.
والصحيح أنه يعزر بما ورد في حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال فيمن منعها: «إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا» 1.
ولا شك أن الشرع إذا عين نوعاً من العقوبة، ولو بالتعزير فهي خير مما يفرضه السلطان، فنأخذها وشطر ماله.
وشطر المال أي: نصفه.
ولكن هل هو شطر ماله عموماً أو شطر ماله الذي منع منه زكاته؟
الجواب: في هذا قولان للعلماء:
الأول: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله الذي منع زكاته.
الثاني: أننا نأخذ الزكاة ونصف ماله كله.
مثال ذلك: إذا كان عند رجل مائة من الإبل ومائة من الغنم، ومنع زكاة الغنم.
فعلى القول الأول: نأخذ منه خمسين من الغنم، وزكاة الغنم.
وعلى القول الثاني: نأخذ منه خمسين من الغنم، وخمسين
من الإبل وزكاة الغنم؛ لأن المراد المال كله، والنص محتمل.
فإذا كان محتملاً، فالظاهر أننا نأخذ بأيسر الاحتمالين؛ لأن ما زاد على الأيسر فمشكوك فيه، والأصل احترام مال المسلم.
ولكن إذا انهمك الناس وتمردوا في ذلك ومنعوا الزكاة، ورأى ولي الأمر أن يأخذ بالاحتمال الآخر فيأخذ الزكاة ونصف المال كله فله ذلك.
ودليل ذلك تضعيف عمر ـ رضي الله عنه ـ عقوبة شارب الخمر حيث زاد فيها إلى أخف الحدود، وهو ثمانون جلدة (1).
وَتَجِبُ فِي مَالِ صَبِيٍّ وَمَجْنُونٍ ........
قوله: «
وتجب في مال صبي ومجنون
».
تجب: الضمير يعود على الزكاة.
وقوله: «في مال صبي ومجنون» سبقت الإشارة إليه حيث ذكرنا في شروط وجوب الزكاة الإسلام، ولم نشترط البلوغ والعقل، وذلك لأنها واجبة في المال.
فهي من جهة كونها عبادة تكليفية يرجح فيها جانب السقوط، ولذلك قال بعض العلماء: إنها لا تجب في مال الصبي والمجنون؛ لأنهما غير مكلفين، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رفع القلم عن ثلاثة منهم: الصبي حتى يبلغ، والمجنون حتى يفيق» 2.1
ولكن القول الصحيح والراجح أنها واجبة في المال، وأنها تجب في مال الصبي والمجنون، كما يجب عليهما ضمان ما أتلفاه؛ لأنه حق آدمي، ولو أفسدا عبادة فإنه لا يجب عليهما شيء؛ لأنها حق الله تعالى.
والزكاة فيها شائبة كونها تجب لحق الآدمي لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60] وفيها أيضاً شائبة أنها تجب في المال؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ *﴾ [المعارج]، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ رضي الله عنه: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» (1).
فَيُخْرِجُهَا وَلِيُّهُمَا، وَلاَ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا إِلاَّ بِنِيَّةٍ
...........
قوله: «فيخرجها وليهما» أي يخرج الزكاة الواجبة في مال الصبي والمجنون ولي كل منهما، فلا ينتظر بلوغ الصغير، وعقل المجنون، أما كونه لا ينتظر المجنون فهذا ظاهر؛ لأننا لا ندري متى يزول جنونه، وأما الصغير فلأن إخراج الزكاة على الفور.
وقال بعض العلماء: لا يخرجها، بل يكتبها، فإذا بلغ الصبي وعقل المجنون أو مات، وانتقل المال إلى وارثه وأخبرهم بعدم الإخراج فقد برئت ذمته، لأنه لا يأمن التبعة.
وقال بعض أهل العلم، وهو رواية عن أحمد: إن خاف من التبعة أخرج الزكاة، وإلا فلا، مثال التبعة أن يخاف أن يطالبه اليتيم بأكثر مما أخرج.
والصحيح أنه يخرج الزكاة كما قال المؤلف، لوجوب1
إخراجها على الفور، وأما مسألة التبعة فإذا طولب الولي، فالقول قوله؛ لأنه أمين.
ووليهما هو من يتولى شأنهما في المال خاصة، وهو الأب، أو وصيه إن كان ميتاً، أو وكيله إن كان حياً، وأما الأخ والأم فإنه لا ولاية لهما في مال الصبي والمجنون، على المشهور من المذهب، إلا أنهم قالوا: إذا لم يوص لأحد، فالأمر للحاكم، يولي من يشاء.
والصحيح أن وليهما من يتولى أمرهما من الأقربين من أب، أو أم، أو أخ، أو أخت، أو عم، أو خال، أو غيرهم؛ لأن هذا مقتضى الولاية، فقد يكون أبوه ميتاً ولم يوص أحداً.
قوله: «ولا يجوز إخراجها إلا بنية» أي: ولا يجزئ إخراج الزكاة إلا بنية ممن تجب عليه.
والدليل على ذلك أثري ونظري.
أما الأثر فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾ [الروم: 39]، وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.
وأما النظر؛ فلأن إخراج المال يكون للزكاة الواجبة، والصدقة المستحبة، ويكون هدية، ويكون ضماناً لمتلف، ولا يحدد نوع الإخراج إلا النية؛ فلا بد من النية عند إخراج الزكاة، فينوي إخراجها من ماله المعين، فإذا كانت عروض تجارة نواها عروض تجارة، وإن كانت نقدية نواها نقدية، وهكذا.
وبناء على هذا لو أخرج رجل الزكاة عن آخر بدون توكيل فإنها لا تجزئ؛ لعدم وجود النية ممن تجب عليه.
وظاهر كلام المؤلف أنها لا تجزئ، وإن أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة وهذا هو القول الأول.
ودليله أن النية إنما تكون ممن خوطب بها، والدافع قبل أن يُوَكَّلَ ليس أصلاً ولا فرعاً، ولذلك فإنها لا تجزئ؛ لأن النية لا بد أن تقارن الفعل.
والقول الثاني: أنه إذا أجاز ذلك من تجب عليه الزكاة، فإنها تجزئ.
ودليله أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أجاز لأبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ الدفع لمن جاء إليه، وقال: إنه فقير 1، مع أن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كان وكيلاً في الحفظ فقط، وليس في الإعطاء، فأجازه النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ ولأن منع التصرف لحق الغير، فإذا أجازه ورضي فما المانع من قبوله لكن تبقى مشكلة النية، فيقال: بأن النائب قد نوى، وهذا النائب لو أذن له المالك قبل التصرف صح، فكذا إذا أذن له بعد التصرف كان صحيحاً، وهذا هو الأقرب، ولكن القول الأول هو الأحوط.
وإنما نص المصنف على النية لئلا يقول قائل: إنها كالدين لا تجب النية فيه، فلو كان عليك دين لإنسان عشرة دراهم، ثم أعطيته الدراهم، ولم تنو شيئاً كان وفاء.