كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
والمذهب وهو أصح أنه لا يعطى من الزكاة خصوصاً؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] ولذا قال العلماء: من سافر ليفطر حرم عليه السفر والفطر إلا إذا تاب، وهو سهل بأن نقول له: تب إلى الله ونعطيك، فيستفيد بهذا فائدتين:
الأولى: التوبة.
الثانية: قضاء حاجته.
وأما من سافر في مكروه فلا يعطى؛ لأنه إعانة على المكروه، أما من سافر في مباح كالنزهة أو واجب أو مستحب فيعطى.
دونَ المُنْشِئِ لِلسَّفَرِ مِنْ بَلَدِهِ، فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ.
قوله: «دون المنشئ للسفر من بلده» لأن المنشئ للسفر من بلده لا يصدق عليه أنه ابن سبيل فلو قال: إني محتاج أن أسافر إلى المدينة، وليس معه فلوس، فإننا لا نعطيه بوصفه ابن سبيل؛ لأنه لا يصدق عليه أنه ابن سبيل، لكن إذا كان سفره إلى المدينة ملحاً كالعلاج مثلاً، وليس معه ما يسافر به فإنه يعطى من جهة أخرى، وهي الفقر.
قوله: «فيعطى ما يوصله إلى بلده» ظاهره أنه يعطى ما يوصله إلى غاية سفره، ثم رجوعه، فإذا قدرنا أن رجلاً يريد أن يحج من القصيم عن طريق المدينة وفي المدينة ضاعت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى غاية مقصوده، ثم يرجعه، وليس ما يرجعه فقط؛ لأنه يفوت غرضه إذا قلنا: يرجع.
وقول المؤلف: (فيعطى ما يوصله إلى بلده) يفهم منه أنه لا يعطى أكثر، فإن بقي شيء من المال بعد أن وصل رده إلى صاحبه إن كان معلوماً، أو بيت المال إن كان مجهولاً، إلا إذا كان ابن السبيل فقيراً فيأخذه باعتبار الفقر، فإذا وصل إلى بلده لا يرده؛ لأن الفقراء يملكون الزكاة ملكاً مستقراً.
وَمَنْ كَانَ ذَا عِيالٍ أَخَذَ مَا يَكْفِيهِم، وَيَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى صِنْفٍ وَاحِدٍ.
قوله: «ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم» أي: إذا كان ذا عيال فإنه يأخذ ما يكفيهم، ولو دراهم كثيرة، فلو فرضنا أنه ذو عائلة كبيرة، وأن المعيشة غالية، وأنه يحتاج إلى مائة ألف في السنة، فنعطيه مائة ألف؛ وذلك لأن عائلته لازمة له، فيعطى ما يكفيه ويكفي عياله؛ لأن ذلك من باب سد الحاجة.
وقوله: «ذا عيال» مأخوذ من العَيْلَةِ؛ لأن العيال فقراء بالنسبة لمن يعولهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 28].
والمراد بالعيال شرعاً من يعولهم من زوجات وأولاد وإخوة وليس المراد بهم الأولاد فقط كما اشتهر عند الناس.
قوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد» أي: من الأصناف الثمانية، الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ ... } [التوبة: 60]، وهذه المسألة مسألة خلاف بين أهل العلم.
فمن العلماء من يقول: يجب تعميم الأصناف في الزكاة، فمن زكاته ثمانون درهماً يجب أن يعطي كل واحد عشرة ـ مثلاً ـ
أو ثمانية، المهم أن يعمهم؛ لأن هؤلاء الأصناف ذكروا بالواو الدالة على الاشتراك، وكما أن الغنيمة يجب أن تعطى جميع الأصناف، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ ... } [الأنفال: 41].
وقد ذكر أهل العلم أن الغنيمة تقسم خمسة أسهم أربعة للغانمين، والسهم الخامس يقسم على خمسة أسهم.
وكما لو قلت: هذا المال لزيد، وعمرو، وبكر، وخالد، أو هذا المال لطلبة العلم والعباد والمجاهدين فهو للجميع، فهذا أيضاً مثله ولا شك أن هذا القول قوي، ولكن إذا وجد ما يخرجه عن هذا المدلول، وجب الأخذ بما يدل على إخراجه عن هذا المدلول.
وقد جاءت الأدلة على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 271]، والصدقات هنا تشمل الزكاة والتطوع، وقد ذكر الله الزكاة بلفظ الصدقات، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: 60].
ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين بعث معاذاً ـ رضي الله عنه ـ إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» 1.
ولأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال لقبيصة رضي الله عنه: «أقم عندنا حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها» 2.
فهذه الأدلة تدل على أن المراد بالآية بيان المستحقين لا تعميم المستحقين، ومعلوم أن الشريعة يبين بعضها بعضاً، وما بينته الشريعة أولى من القياس.
وقوله: «ويجوز صرفها إلى صنف واحد».
وإذا جاز صرفها إلى صنف واحد، فهل يجب أن نعطي من هذا الصنف ثلاثة فأكثر؛ لأن الآية بصفة الجمع، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ الآية، فهل يجب أن نعمم أو يجب أن نقول: هذا بيان للمستحقين، فيصدق بالواحد؟
الجواب: الثاني، بدليل حديث قبيصة ـ رضي الله عنه ـ «فنأمر لك بها».
فصار في المسألة أقوال:
الأول: أنه يجوز الاقتصار على واحد من صنف واحد، وهذا أخص ما يكون من الأقوال، وهو الصواب لدلالة القرآن والسنة، فيكون ذكر هذا بالواو لبيان المستحقين لا لوجوب تعميمهم.
الثاني: يجوز أن تقتصر على صنف واحد، بشرط أن يكون جماعة.
الثالث: يجب تعميم الأصناف، ولو على واحد.
والرابع: يجب تعميم الأصناف كل صنف، على جماعة، ثلاثة فأكثر.
وظاهر كلام المؤلف أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد
ولو كان غريماً له، مثل أن يكون لك غريم تطلبه دراهم وهو فقير فتعطيه من الزكاة، فهل هو جائز أم لا؟
الجواب: يجوز؛ لأنه يصدق عليه أنه فقير؛ إذ الحكم معلق بهذا الوصف وهو الفقر فيعطى.
هل يجوز أن يعطيه لقضاء الدين؟
الجواب: نعم؛ لأنه غارم لنفسه، وفقير لا يقدر أن يوفي، والله يقول: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾، لكن لو قلت: هذه ألف ريال من الزكاة أوفني بها فهذا لا يجوز، ولو قلت: هذه ألف ريال؛ لأنه مدين فقير قد يصرفها في دينه أو في دين غيره، فهذا جائز، ولو ردها لي فهذا جائز؛ لأنه ملكها.
ويُسَنُّ إِلَى أَقَارِبِهِ الَّذِينَ لاَ تَلْزَمُهُ مَؤُونَتُهُم.
قوله: «
ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم
» أي: يسن صرف الزكاة في أقاربه الذين لا تلزمه مؤونتهم مثل أخيه، وعمه، وخاله، وابن أخيه، وما أشبه ذلك.
فإذا كانوا من أهل الزكاة، فإن السنة والأفضل أن تصرف زكاتك فيهم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صدقتك على ذي القرابة صدقة وصلة» 1 فيجمع بين أمرين.
لكن اشترط المؤلف ألاّ تلزمه مؤونتهم، أي: لا يلزمه الإنفاق عليهم، فإن لزمه الإنفاق عليهم فلا تجزئ؛ لأنه يدفع عن ماله ضرراً؛ لأنه إذا أعطاهم زكاته واغتنوا بها سقطت عنه نفقتهم، فصار ببذله الزكاة مسقطاً لواجب عليه، والقاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يسقط بزكاته أو بكفارته واجباً عليه.
مثال الزكاة: هؤلاء إخوتي فقراء وأنا رجل غني، وتلزمني نفقتهم، وعندي زكاة إذا أعطيتهم إياها كفتهم لمدة سنة أو أقل أو أكثر، فلا يجوز أن أعطيهم إياها؛ لأنهم إذا اغتنوا بها سقط الواجب عني، فأسقطت بها واجباً علي.
مثال الكفارة: علي كفارة إطعام عشرة مساكين، فيجوز أن أغديهم، أو أعشيهم على الصحيح، وهؤلاء الفقراء نزلوا أضيافاً علي، والضيف يجب إكرامه بغدائه وعشائه يومه وليلته، فغديت هؤلاء ونويتها كفارة، فلا يجزئ؛ لأنني بهذا الإطعام أسقطت واجباً علي؛ لأنه يجب علي أن أضيفهم بغداء وعشاء، وبكل ما يلزم في الضيافة، فإذا غديتهم وعشيتهم، ونويته كفارة علي، فقد أسقطت واجباً.
مسألة: إذا كان الأب فقيراً، وعند الابن زكاة وهو عاجز عن نفقة أبيه، فهل يجوز أن يصرفها لأبيه؟
الجواب: يجوز أن يعطيها لوالده؛ لأنه لا تلزمه نفقته؛ لأن الابن لا يملك شيئاً، وهو هنا لا يسقط واجباً، والزكاة إما ستذهب إلى الوالد أو إلى غيره، فهل من الأولى عقلاً فضلاً عن
الشرع، أن أعطي غريباً يتمتع بزكاتي ويدفع حاجته وأبي يتضور من الجوع؟
الجواب: لا؛ لأنني لا أستطيع أن أنفق على والدي ففي هذه الحال تجزئ الزكاة للوالد، وربما يؤخذ من قول المؤلف: «الذين لا تلزمه مؤونتهم»؛ لأن من شرط وجوب النفقة حتى عند المؤلف ومن قال بقوله من الأصحاب غنى المنفق، وهنا المنفق غير غني؛ لأنه لا يجد ما ينفق على هؤلاء، والقاعدة (أنه لا يجوز إسقاط الواجب بالزكاة)، وهذه القاعدة نافعة، فطبقها على الأخ والعم، إذا وجبت نفقتهما لا تعطيهما من الزكاة.
أما إذا أعطى من تجب عليه نفقتهم لغير النفقة، ولكن لكونهم غزاة أو غارمين أو من العاملين عليها فيجوز.
فَصْلٌ وَلاَ تُدْفَعُ إِلَى هَاشِمِيٍّ ..........
قوله: «
فصل
» أي: في بيان موانع الزكاة.
أي: موانع استحقاق من هو من أهل الزكاة فلا تصرف الزكاة إليه، أي: ما الذي يمنع من إعطائها له وهو من أهلها؟ هذا هو المراد بهذا الفصل، والأصل أن الأشياء لا تتم إلا بوجود أسبابها وشروطها، وانتفاء موانعها.
فالقرابة ـ مثلاً ـ سبب من أسباب الإرث، إذا وجد مانع لاختلاف الدين امتنع الإرث، وهكذا أيضاً الوصف الذي يستحق به الإنسان الزكاة، فقد توجد موانع تمنع من إعطاء الزكاة.
قوله: «
ولا تدفع إلى هاشمي
» أي لا تدفع الزكاة.
وقوله: «هاشمي» أي ذرية هاشم بن عبد مناف؛ لأنهم من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، وآل محمد أشرف الناس نسباً، ولشرفهم لا يعطون من الزكاة، لا احتقاراً لهم، بل إكراماً لهم؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم للفضل بن عباس وعبد المطلب بن ربيعة بن الحارث ـ رضي الله عنهم ـ حين سألاه الزكاة: «إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس» 1، فبين الرسول صلّى الله عليه وسلّم الحكم والعلة.
الحكم أنها لا تحل لهم.
العلة أنها أوساخ الناس، وهم أكمل وأشرف من أن يتلقوا أوساخ الناس.
فالزكاة من أي صنف كان أوساخ ذلك الصنف؛ لأن الزكاة تطهر، والطهور يتسخ بما يطهره؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ [التوبة: 103].
فإذا كان بين يديك إناء وسخ فغسلته بالماء صار الماء يحمل هذه الأوساخ؛ فلذلك قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما هي أوساخ الناس».
وهاشم منزلته بالنسبة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجد الثاني، والأب الثالث.
وأجاز بعض العلماء أن يعطى الهاشمي من الزكاة، إذا كان مجاهداً، أو غارماً لإصلاح ذات البين، أو مؤلفاً قلبه، وظاهر النصوص المنع؛ للعموم.
واختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل يصح دفع زكاة هاشمي لهاشمي؛ لقوله: «إنما هي أوساخ الناس» أي: الناس الذين سواهم أو لا؟
قال بعض العلماء: إنه يصح أن تدفع زكاة الهاشمي لهاشمي مثله؛ لأنهما في الشرف سواء، فإذا كانا سواء فإنه لا يعد مثلبة، إذا أعطى زكاته نظيره.
ولكن إذا نظرنا إلى عموم الأحاديث، وجدنا أنه لا فرق بين أن تكون زكاة هاشمي أو غيره؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أوساخ الناس» والهاشميون من الناس فلا تحل لهم.
لكن لو فرض أنه لا يوجد لإنقاذ حياة هؤلاء من الجوع إلا زكاة الهاشميين، فزكاة الهاشميين أولى من زكاة غير الهاشميين.
وقال بعض أهل العلم: يجوز أن يعطوا من الزكاة إذا لم يكن خمس؛ أو وجد ومنعوا منه.
والخمس: هو أن الغنائم تقسم خمسة أسهم، أربعة أسهم للغانمين، وسهم واحد يقسم خمسة أسهم أيضاً:
الأول: لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم يكون في مصالح المسلمين، وهو ما يعرف بالفيء أو بيت المال.
الثاني: لذي القربى، هم قرابة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ وهم بنو هاشم، وبنو عبد المطلب؛ لأن بني عبد المطلب يشاركون بني هاشم في الخمس.
الثالث: لليتامى.
الرابع: للمساكين.
الخامس: لابن السبيل.
فإذا منعوا أو لم يوجد خمس، كما هو الشأن في وقتنا هذا فإنهم يعطون من الزكاة دفعاً لضرورتهم إذا كانوا فقراء، وليس عندهم عمل، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
وأما صدقة التطوع فتدفع لبني هاشم وهو قول جمهور أهل العلم، وهو الراجح؛ لأن صدقة التطوع كمال، وليست أوساخ الناس، فيعطون من صدقة التطوع.
والقول الثاني: لا تحل لهم صدقة التطوع؛ لأن صدقة التطوع من أوساخ الناس؛ ولذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «والصدقة تطفئ
الخطيئة كما يطفئ الماء النار» (1)، والتطهير كما يحصل بالواجب يحصل بالمستحب وهذا القول مال إليه الشوكاني وجماعة من أهل العلم؛ لعموم الحديث.
وبهذا نعرف أن بني هاشم ينقسمون إلى قسمين:
الأول: من لا تحل له صدقة التطوع، ولا الزكاة الواجبة، وهو شخص واحد، وهو محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وسلّم فهو لا يأكل الصدقة الواجبة ولا التطوع.
الثاني: البقية من بني هاشم يأكلون من صدقة التطوع، ولا يأكلون من الصدقة الواجبة.
وَمُطَّلِبيٍّ ........
قوله: «
ومطلبي
».
والمطلبيون المنتسبون إلى المطلب، والمطلب أخو هاشم وأبوهما عبد مناف، وله أربعة أولاد وهم هاشم، والمطلب، ونوفل، وعبد شمس.
«بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد» 2 كما قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ أي: في النصرة، حتى إن قريشاً لما حاصرت بني هاشم انضم إليهم بنو المطلب، وقصة المحاصرة في الشعب مشهورة في التاريخ، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم لما احتج عليه رجال من بني عبد شمس في إعطائه بني المطلب من الخمس ولم يعطهم: «إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد».1
وبناء على ذلك قال المؤلف: إنها لا تدفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لا لأنهم من آل البيت، ولكن لأنهم مشاركون لآل البيت في الخمس فيستغنون بما يأخذون من الخمس عن الزكاة، وهذا التعليل يدل على أنهم إذا لم يكن خمس فهم يستحقون الزكاة قطعاً، ولا إشكال فيه، خلاف بني هاشم.
إذاً بنو المطلب حكمهم في منع الزكاة حكم بني هاشم، وحكمهم في استحقاق الخمس كبني هاشم.
وبنو عمهم النوفليون والعبشميون كانوا مع قريش على بني هاشم ولذا دعا عليهم أبو طالب في لاميته المشهورة:
جزى الله عنا عبد شمس ونوفلاً
عقوبة شر عاجلاً غير آجل
فليس لهؤلاء حق في الخمس، ولهم الأخذ من الزكاة.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف رواية عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ والصحيح الرواية الأخرى ـ وهي المذهب ـ أنه يصح دفع الزكاة إلى بني المطلب؛ لأنهم ليسوا من آل محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولعموم الأدلة ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ ... } [التوبة: 60] فيدخل فيهم بنو المطلب.
ويجاب عن تشريكهم في الخمس بأنه مبني على المناصرة والمؤازرة بخلاف الزكاة، فإنهم لما آزروا بني هاشم وناصروهم أعطوا جزاءً لفضلهم من الخمس، أما الزكاة فهي شيء آخر.
وَمَوَالِيهِمَا ........
قوله: «
ومواليهما
» أي: عتقائهم، أي: العبيد الذين أعتقهم بنو هاشم، أو أعتقهم بنو المطلب، فلا تدفع الزكاة إليهم؛ لقول
النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن مولى القوم منهم» (1).
فإذا قلنا: بدفع الزكاة لبني المطلب جاز دفع الزكاة إلى مواليهم.
إذا قال قائل: هل هؤلاء موجودون؟ أعني بني هاشم والمطلب؟
قلنا: نعم موجودون، وقد ذكروا أن مِنْ أثبت الناس نسباً لبني هاشم، ملوك اليمن الأئمة، الذين انتهى ملكهم بثورة الجمهوريين عليهم قريباً، فهم منذ أكثر من ألف سنة متولون على اليمن، ونسبهم مشهور معروف بأنهم من بني هاشم.
ويوجد ناس كثيرون أيضاً ينتمون إلى بني هاشم، فمن قال: أنا من بني هاشم! قلنا: لا تحل لك الزكاة؛ لأنك من آل الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
وَلاَ إِلَى فَقِيرَةٍ تَحْتَ غَنِيٍّ مُنْفِقٍ .......
قوله: «
ولا إلى فقيرة تحت غني منفق
».
«فقيرة» هذه صفة لموصوف محذوف، التقدير امرأة فقيرة.
واشترط المؤلف شرطين هما:
الأول: أن تكون تحت غني.
الثاني: أن يكون منفقاً باذلاً للنفقة، فلا تدفع إليها؛ لأنها1
في الحقيقة غير فقيرة، إذ إن زوجها الذي ينفق عليها قد استغنت به، فإن كانت تحت فقير، فتحل لها، وتحل لزوجها؛ لأن الوصف منطبق عليها، وإذا كانت تحت غني، لكنه من أبخل الناس فتعطى من الزكاة؛ لأنها فقيرة، ولم تستغن بزوجها، فتدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ .. }.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون لها: طالبي الزوج وارفعيه إلى المحكمة؟
قلنا: لا نقول لها ذلك؛ لأن هذا يترتب عليه مشاكل، فقد يفضي إلى أن يطلقها، وهذا ضرر عليها، ودفع حاجتها لدفع هذا الضرر لا شك أنه مما جاءت به الشريعة.
وَلاَ إِلَى فَرْعِهِ وأصْلِهِ .........
قوله: «
ولا إلى فرعه وأصله
».
فرعه: من كان هو أصلاً له.
وأصله: من كان هو فرعاً له.
فالأصل هم الآباء، والأمهات، وإن علوا.
والفرع هم الأبناء، والبنات، وإن نزلوا، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.
وعلى هذا فلا يدفع زكاته إلى جدته لا من قبل أبيه ولا من قبل أمه، ولا إلى بنته ولا بنت ابنه، ولا بنت ابنته؛ لأن كل هؤلاء أصول وفروع، والمؤلف ـ رحمه الله ـ لم يقيد الأصل والفرع.
أي: لم يقل إلى فرعه الوارث، أو أصله الوارث، فيشمل الوارث وغير الوارث؛ لأن الأصل والفرع تجب النفقة لهما بكل
حال إذا كانوا فقراء وهو غني، سواء كانوا وارثين أم غير وارثين.
وقال شيخ الإسلام: يجوز صرف الزكاة إلى الوالدين وإن علوا وإلى الولد وإن سفل إذا كانوا فقراء وهو عاجز عن نفقتهم.
ويقال: استحقاق الزكاة مقيد بوصف كالفقر، والمسكنة، والعمالة، فكل من انطبق عليه هذا الوصف فهو من أهل الزكاة.
ومن ادعى خروجه فعليه الدليل، وليس في المسألة دليل، ولهذا فالقول الراجح الصحيح، أنه يجوز أن يدفع الزكاة لأصله وفرعه ما لم يدفع بها واجباً عليه، فإن وجبت نفقتهم عليه، فلا يجوز أن يدفع لهم الزكاة؛ لأن ذلك يعني أنه أسقط النفقة عن نفسه.
وعلى هذا فإذا كان له جد وأب كلاهما فقير، لكن الأب يتسع ماله للإنفاق عليه فهو ينفق عليه، فهنا لا يجوز أن يعطي والده الزكاة.
والجد لا يتسع ماله للإنفاق عليه وهو فقير، فيجوز أن يعطيه منها.
مثال آخر: عنده أم وجدة فهو ينفق على الأم، ولكن لا يتسع ماله للإنفاق على الجدة، فيجوز أن يعطيها من الزكاة.
والمذهب لا يجوز، فتأخذ الزكاة من غيره، وهذا ضعيف جداً؛ قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الصدقة على ذي القرابة صدقة وصلة» 1 وأنا الآن لا أسقط عن نفسي واجباً حتى يقال: إني حميت نفسي.
مثال آخر: لو كان غنياً ينفق على أبيه، وأبوه مستغن، إما بنفسه، أو بإنفاق ولده، لكن عليه دين يستطيع الولد أن يؤدي الدين عنه، لكن يقول: أنا أؤدي الدين من زكاتي.
فيجوز؛ لأنه لا يجب على الابن وفاء دين أبيه، اللهم إلا إذا كان هذا الدين بسبب النفقة، أي: أن الأب يحتاج، ويشتري في ذمته فلحقه الدين لشراء مؤونته، ففي هذه الحال نقول: لا تقض دين أبيك من زكاتك؛ لأن هذا يؤدي إلى أن يضيق الإنسان على أبيه، حتى يستدين للنفقة، ثم يقول: أبي عليه دين فأقضي دينه من زكاتي، فيجوز أن يقضي الدين عن أبيه، أو أمه، أو ابنه وابنته، بشرط ألا يكون هذا الدين استدانة لنفقة واجبة على الابن، فإن كان لنفقة واجبة فلا يجوز.
وَلاَ إِلَى عَبْدٍ وَزَوْجٍ .........
قوله: «
ولا إلى عبد وزوج
».
أي: لا تدفع الزكاة إلى العبد؛ لأن العبد إذا أعطيناه الزكاة انتقل ملك الزكاة فوراً إلى سيده، فإن مال العبد ملك لسيده، فلا يجوز أن نعطي العبد؛ لأنه لا يملك وملكه لسيده، والله يقول: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾.
ويستثنى من هذا المكاتب، وقد سبق أن المكاتب من أهل الزكاة داخل في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: 60] فيعطى المكاتب ما يقضي به دين الكتابة.
ولكن هل المكاتب عبد؟
الجواب: نعم هو عبد، فيعطى ليعتق، والمكاتبة أن يشتري العبد نفسه من سيده بثمن مؤجل، فيعطى هذا العبد الذي اشترى
نفسه من سيده ما يوفي سيده ليعتق، فهو قبل أن يؤدي عبد، ولهذا جاء في الحديث «المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم» 1.
واستثنى بعض العلماء ما إذا كان العبد عاملاً على الزكاة، فإنه يعطى على عمالته كما لو كان أجيراً، ومعلوم أنه يصح أن يستأجر العبد من سيده، فيصح أن يجعل عاملاً على الزكاة بإذن سيده.
إذاً يستثنى من ذلك مسألتان:
الأولى: المكاتب.
الثانية: العامل؛ لأنه كأجير، والعبد يجوز أن يستأجر بإذن سيده.
وقوله: «وزوج» فلا يصح أن تدفع الزوجة زكاتها إلى زوجها، لقوة الصلة بينهما، فيشبه الأصل مع الفرع، لكن هذا التعليل عليل.
والصواب جواز دفع الزكاة إلى الزوج إذا كان من أهل الزكاة.
مثال ذلك: امرأة موظفة وعندها مال وزوجها فقير محتاج، إما أنه مدين، أو أنه ينفق على أولاده، أو ما أشبه ذلك، فللزوجة أن تؤدي زكاتها إليه.
وقولنا أو أنه ينفق على أولاده، المراد بأولاده من غيرها؛ لأن أولاده منها إذا كان أبوهم فقيراً، يلزمها أن تنفق عليهم؛ لأنهم أولادها، لكن إذا كان له أولاد من غيرها وهو فقير، فللزوجة أن تعطيه زكاتها وربما يستدل لذلك بحديث زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم «حث على الصدقة، فقال ابن مسعود لزوجته: أعطيني وأولادي أنا أحق من تصدقت عليه».
فقالت: لا حتى أسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم فسألت النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: «صدق عبد الله، زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» 1 فيمكن أن نقول: قوله: «من تصدقت عليهم» يشمل الفريضة والنافلة.
وعلى كل حال إن كان في الحديث دليل فهو خير، وإن قيل هو خاص بصدقة التطوع، فإننا نقول في تقرير دفع الزكاة إلى الزوج: الزوج فقير ففيه الوصف الذي يستحق به من الزكاة، فأين الدليل على المنع؟ لأنه إذا وجد السبب ثبت الحكم، إلا بدليل، وليس هناك دليل لا من القرآن ولا من السنة، على أن المرأة لا تدفع زكاتها لزوجها، وهذه قاعدة: «الأصل فيمن ينطبق عليه وصف الاستحقاق أنه مستحق، وتجزئ الزكاة إليه إلا بدليل» ولا نعلم مانعاً من ذلك إلا مَنْ كان إذا أعطاها له أسقط عن نفسه بذلك واجباً.
مسألة: هل يجوز أن يعطي الزوج زوجته من زكاته؟
الجواب: أنها تجزئ الزكاة إذا دفعها إلى زوجته على ما اخترناه، أما على المذهب فلا يجزئ أن يدفع الزوج زكاته إلى زوجته لقوة الصلة والرابطة.
ولكن القول الراجح يجوز بشرط ألا يسقط به حقاً واجباً عليه؛ فإذا أعطاها من زكاته للنفقة لتشتري ثوباً أو طعاماً، فإن ذلك لا يجزئ، وإن أعطاها لقضاء دين عليها فإن ذلك يجزئ؛ لأن قضاء الدين عن زوجته لا يلزمه.
وَإِنْ أَعْطَاهَا لِمَنْ ظَنَّهُ غَيْرَ أَهْلٍ فَبَانَ أهْلاً، أوْ بِالْعَكْسِ لَمْ يُجْزِهِ،
........
قوله: «وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزه» لأنه حين دفعها يعتقد أنها وضعت في غير موضعها؛ ولأنه متلاعب؛ إذْ كيف يعطي زكاته لشخص يظنه غنياً ثم تبين أنه فقير؟! فلا تجزئه.
وقوله: «أو بالعكس» أي: أعطاها لمن ظن أنه أهل فبان غير أهل فلا تجزئه أيضاً؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر لا بما في ظنه.
مثاله: أعطى رجلاً يظنه غارماً فبان أنه غير غارم، فإنها لا تجزئ؛ لأن العبرة بما في نفس الأمر، أي: بالواقع، والواقع أنه غير أهل.
مثال آخر: أعطاها لشخص يظنه ابن سبيل فتبين أنه غير ابن سبيل فإنها لا تجزئه.
مثال آخر: أعطاها لقريب يظن أنها تجزئه فتبين أنه لا يجزئه إعطاء هذا القريب؛ لوجوب الإنفاق عليه.
إِلاَّ لِغَنِيٍّ ظَنَّهُ فَقِيراً فَإِنَّهُ يُجْزِئُهُ.
...........
قوله: «إلا لغني ظنه فقيراً فإنه يجزئه».
هذا مستثنى من قوله: «أو بالعكس».
مثل: رجل جاء يسأل؛ وعليه علامة الفقر فأعطيته من الزكاة فجاءني شخص فقال: ماذا أعطيته؟ قلت: زكاة، قال: هذا أغنى منك، فتجزئ؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، ومثل ذلك الذين يسألون في المدارس والمساجد ثم نعطيهم بناء على الظاهر.
والدليل على ذلك: قصة الرجل الذي تصدق ليلة من الليالي فخرج بصدقته فدفعها إلى شخص فأصبح الناس يتحدثون: تصدق اليلة على غني، فقال: الحمد لله على غني ـ يرى أنها مصيبة ـ ثم خرج مرة أخرى فتصدق على بغي ـ زانية ـ فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على بغي، فقال: الحمد لله؛ على غني وبغي، ثم خرج مرة ثالثة فتصدق فوقعت الصدقة في يد سارق، فأصبح الناس يتحدثون: تصدق الليلة على سارق، فقال: الحمد لله على غني وبغي وسارق، فقيل له: أما صدقتك فقد قبلت؛ أما الغني فلعله يتذكر ويتصدق، وأما البغي فلعلها تستعف، وأما السارق فلعله يكتفي بما أعطيته عن السرقة 1.
فهذا الرجل نيته طيبة، ولحسن نيته وقعت صدقته في
محلها، وصارت مفيدة مقبولة عند الله، ونافعة لمن تصدق عليهم، فيؤخذ منه أنه إذا تصدق على فقير فبان غنياً أنها تجزئه.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنه إذا دفعها إلى من يظن أنه أهل بعد التحري، فبان أنه غير أهل فإنها تجزئه؛ حتى في غير مسألة الغني؛ أي: عموماً؛ لأنه اتقى الله ما استطاع لقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] والعبرة في العبادات بما في ظن المكلف بخلاف المعاملات فالعبرة بما في نفس الأمر، ويصعب أن نقول له: إن زكاتك لم تقبل مع أنه اجتهد، والمجتهد إن أخطأ فله أجر، وإن أصاب فله أجران.
وهذا القول أقرب إلى الصواب أنه إذا دفع إلى من يظنه أهلاً مع الاجتهاد والتحري فتبين أنه غير أهل فزكاته مجزئة؛ لأنه لما ثبت أنها مجزئة إذا أعطاها لغني ظنه فقيراً، فيقاس عليه بقية الأصناف.
مسألة: إذا جاءك سائل يسأل الزكاة، ورأيته جلداً قوياً، فهل تعطيه أم لا؟
الجواب: نقول: عظه أولاً، وقل: إن شئت أعطيتك ولا حظ فيها لغني ولا قوي مكتسب، كما فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم في الرجلين اللذين أتيا إليه يسألانه من الصدقة فرآهما جلدين، وقال: «إن شئتما أعطيتكما ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب» 1.
فإن قال قائل: أحوال الناس اليوم فسدت، فإنك لو وعظته بهذا الكلام لم يتعظ فما الجواب؟
الجواب: أن لنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة فنعظه بما وعظه النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإذا أصر ونحن لا نعلم خلاف ما يدعي، فإننا نعطيه، أما إذا أصر على السؤال، ونحن نعلم خلاف ما يدعي فإننا لا نعطيه.
وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ مُسْتَحَبَّةٌ .........
قوله: «
وصدقة التطوع مستحبة
» هذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، وصدقة التطوع أي: الصدقة التي ليست بواجبة، وإنما يتطوع بها الإنسان، بأن يبذلها لوجه الله.
وقوله: «مستحبة» بمعنى أنها مسنونة مشروعة، ولا سيما مع حاجة الناس إليها.
واعلم أنه لا فرق بين مستحب ومسنون، عند الحنابلة، فالمستحب والمسنون بمعنى واحد، فنقول: يستحب السواك، ويسن السواك، ولا فرق، وذهب بعض العلماء إلى أن ما ثبت بالنص فهو مسنون، وما ثبت بالاجتهاد والقياس فهو مستحب.
والدليل على استحبابها أثري ونظري.
أما الدليل الأثري: فإن الله أثنى على المتصدقين فقال: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى أن قال: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ وقال في آخر الآية: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ ... } [البقرة: 261]، وقال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ *﴾ [الحديد].
والسنة مستفيضة كثيرة في الحث على الصدقة، ومنها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنه ما من رجل يتصدق من كسب طيب إلا أخذها الله تعالى بيمينه فيربيها لأحدكم كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل» (1)، ويقول عليه الصلاة والسلام: «كل امرئ في ظل صدقته يوم القيامة» (2)، ويقول: «الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار» (3)، ويقول: «إنها تطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء» (4).
والدليل النظري: أن في الصدقة دفع حاجة الفقراء، والتخلق بأخلاق الفضلاء الكرماء، وأنها من أسباب انشراح الصدر، وجرِّبْ تَجِدْ، وقد ذكر ابن القيم في زاد المعاد عشر فوائد لها، فمن أرادها فليرجع إليها.
ولكن تتأكد في زمان، ومكان، وفي أحوال؛ ولهذا قال المؤلف مبيناً ذلك:
وَفِي رَمَضان وأوقاتِ الحاجاتِ أفضلُ
....... «وفي رمضان، وأوقات الحاجات أفضل» فشهر رمضان من الزمان الذي تتأكد فيه الصدقة، والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كان أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان» 5 وهذا يدل على أنه صلّى الله عليه وسلّم1234
يزداد إنفاقه في هذا الشهر، ولكن الراجح أنها في عشر ذي الحجة الأولى أفضل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله، قال: ولا الجهاد في سبيل الله إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع من ذلك بشيء» 1.
وهذا عام، والدليل قولهم: «ولا الجهاد» قال: «ولا الجهاد».
ولو قيل: ألا يعارض هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان أجود ما يكون في رمضان؟
فالجواب: أن حديث عشر ذي الحجة قول، وحديث جود الرسول صلّى الله عليه وسلّم في رمضان فعل، والقول مقدم على الفعل.
أو يقال: جوده في رمضان جود خاص بالرسول صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن في بعض ألفاظ الحديث: «أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن»، فيكون هذا الجود مخصوصاً بهذه الحال ـ والله أعلم ـ.
وأما المكان ففي الحرم المكي، والمدني أفضل من غيرهما؛ لشرف المكان.
وأما الحالات فقال المؤلف: «أوقات الحاجة أفضل» وأوقات الحاجات نوعان: دائمة، وطارئة.
فمن أوقات الحاجة الدائمة: فصل الشتاء، فإن الفقراء فيه
أحوج من وقت الصيف؛ لأنهم يحتاجون إلى زيادة أكل؛ فالإنسان في الشتاء يأكل أكثر مما يأكل في الصيف، وفي الشتاء يحتاج إلى ثياب أكثر مما يحتاجه في الصيف، فيحتاج إلى تدفئة أكثر مما يحتاجه في الصيف.
والطارئة: مثل أن تحدث مجاعة أو جدب، فيحتاج الناس أكثر، سواء في الشتاء أم الصيف، فهذه أيضاً تكون الصدقة فيها أفضل.
وهل من شرف المكان ما لو كانت جهة من الأرض فيها مجاعة أو لا؟
الجواب: لا؛ لأن هذا ليس من شرف المكان، ولكن للحاجة بدليل أن أهل هذا المكان إذا اغتنوا صارت الصدقة فيهم مثل غيرهم.
لكن مكة والمدينة الصدقة فيهما أفضل من غيرهما مطلقاً لشرف المكان.
مسألة: إذا تعارض شرف المكان وشرف الأحوال، فأيهما يقدم؟
الجواب: يقدم شرف الأحوال؛ لأن الصدقة إنما شرعت لدفع الحاجة، فالفضل فيها باعتبار الحاجات يتعلق بنفس العبادة، وقد سبق قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي:
«أن الفضل إذا كان يتعلق بذات العبادة كانت مراعاته أولى من الفضل الذي يتعلق بزمانها أو مكانها».
وَتُسَنُّ بِالفَاضِلِ عَن كِفَايَتِهِ وَمَنْ يَمُونُهُ وَيَأْثَمُ بِمَا يَنْقُصُهَا.
قوله: «وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه» الفاضل
الزائد، أي: يسن أن يكون التصدق بشيء فاضل عن كفايته، وكفاية من يمونه أي: كفاية من تلزمه مؤونته.
ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول» 1.
فدل هذا على أن صدقة التطوع تأتي في الدرجة الثانية بعد كفاية من يعولهم.
وقال عليه الصلاة والسلام: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى» (2) أي: عن فاضل غنى.
فإن قال قائل: فالجواب عن قول النبي صلّى الله عليه وسلّم حين سُئل أي الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المقل» 2؟
فالجواب: أنه لا منافاة، فإن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته وكفاية من يمونه، وهو خلاف الغني.
فإذا تصدق رجل بعشرة دراهم، وهي الفاضل عن كفايته فقط، وآخر بعشرة دراهم وعنده عشرة ملايين، أيهما أفضل؟
فالأول أفضل؛ لأن هذا جهده.
فإذا تأملت الحديثين لم تجد بينهما منافاة؛ لأن المراد بجهد المقل ما زاد عن كفايته، ولكنه ليس ذا غنى واسع.
قوله: «ويأثم بما ينقصها» «يَنْقُصُهَا» هذا هو الصواب، وقد يقرؤها البعض «يُنْقِصُهُا» من الرباعي، لكنها من الثلاثي، وهي لازمة ومتعدية، بل تتعدى لاثنين، قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا﴾ [التوبة: 4] فهنا تعدت لاثنين: الكاف، وشيئاً، وتكون لازمة كما لو قلت: نقص المال، ومثلها «زاد» تستعمل متعدية مثل زادني خيراً، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [التوبة: 124] نصبت مفعولين، ولازمة مثل: زاد المال.
وقوله: «يأثم» أي: المتصدق.
وقوله: «بما» أي: بصدقة تنقص كفايته وكفاية من يمونه.
ووجه ذلك أنه إذا نقص الواجب أثم، كيف يليق بك أن تترك واجباً وتتصدق بتطوع؟ لهذا لا يليق لا شرعاً، ولا عقلاً، ولا عرفاً، فابدأ أولاً بمن تعول.
ثم اعلم أيضاً أن خير صدقة تتصدق بها ما تصدقت به على نفسك وأهلك؛ لأن الصدقة على أهلك أفضل من الصدقة على البعيد، كما جاء في الحديث 1، فإذا قمت بالواجب في مؤونة أهلك كنت قائماً بواجب وصدقة، كما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن
الإنسان إذا أنفق على أهله فهي صدقة 1 بل لو أنفق على نفسه فهي صدقة، وحينئذ نقول: إنك في الواقع لم تخرج عن مسمى المتصدق إذا أنفقت على أهلك ونفسك؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم جعل الإنفاق على الأهل من الصدقة، بل الإنفاق على الأهل واجب تثاب عليه أكثر من الثواب على الصدقة على بعيد.
وقوله: «بما ينقُصُها».
إن قال قائل: كيف تؤثمون من ينقصها، وقد أقر النبي صلّى الله عليه وسلّم أبا بكر ـ رضي الله عنه ـ حينما تصدق بجميع ماله 2؟ وكيف تؤثمونه، والله تعالى امتدح الذين يؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة؟ وكيف تقولون ذلك وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم للأنصاري الذي قدم الضيف على نفسه وأهله قال: «إن الله عجب من صنيعكما بضيفكما البارحة» 3 والقصة مشهورة؟
فهذه الأدلة وغيرها تدل على أنه لا يأثم الإنسان بما ينقص مؤونة نفسه وعياله.
فالجواب على ذلك أن يقال:
إذا كان الإنسان قد عرف من نفسه الصبر والتوكل، وعنده ما يستطيع أن يُحَصِّلَ به، فهذا لا حرج عليه إذا تصدق بما ينقص مؤونته، أما إذا كان لا يعرف من نفسه الصبر والتوكل، وإخلاف ما أنفق، فإن الأمر كما قال المؤلف.
فإذا فرضنا أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونته خرج يتكفف الناس، فهذا لا يجوز، لكن إذا علم أنه إذا تصدق بما ينقص مؤونة أهله خرج يشتغل ويبيع ويشتري، كما كان أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ يفعل، فإن ذلك لا بأس به.
أما قصة الضيف فقد يقال: إن أهل الأنصاري رضوا بذلك وصبروا، وإكرام الضيف ليس تطوعاً، بل هو واجب فيدخل في الواجب.
وأما ثناء الله ـ عزّ وجل ـ على الأنصار في قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] فهذا كما قلنا فيمن عرف من نفسه الصبر والتوكل وأنه يتحمل وسيجد ما أنفقه.
وقوله تعالى: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا﴾ [الحشر: 9] أي: مما أوتي المهاجرون.
فالمهاجرون آتاهم الله فضلاً على الأنصار، فهم لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا فيحسدونهم.
فقوله: ﴿فِي صُدُورِهِمْ﴾ الضمير يعود على الأنصار.
وقوله: ﴿مِمَّا أُوتُوا﴾ الضمير يعود على المهاجرين.
(تم كتاب الزكاة والحمد لله)
رسالة في زكاة الحلي
1
الحمد لله رب العالمين نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه 2 ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فهذه رسالة في بيان حكم زكاة الحلي المباح، ذكرت فيها ما بلغه علمي من الخلاف والراجح من الأقوال وأدلة الترجيح، فأقول وبالله التوفيق والثقة، وعليه التكلال، وهو المستعان:
لقد اختلف أهل العلم رحمهم الله في وجوب الزكاة في الحلي المباح على خمسة أقوال:
أحدها: لا زكاة فيه، وهو المشهور من مذاهب الأئمة الثلاثة، مالك والشافعي وأحمد، إلا إذا أعد للنفقة، وإن أعد
للأجرة ففيه الزكاة عند أصحاب أحمد، ولا زكاة فيه عند أصحاب مالك والشافعي وقد ذكرنا أدلة هذا القول إيراداً على القائلين بالوجوب وأجبنا عنها.
الثاني: فيه الزكاة سنة واحدة، وهو مروي عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
الثالث: زكاته عاريته، وهو مروي عن أسماء، وأنس بن مالك أيضاً رضي الله عنهما.
الرابع: أنه يجب فيه إما الزكاة وإما العارية، ورجحه ابن القيم رحمه الله في الطرق الحكمية.
الخامس: وجوب الزكاة فيه إذا بلغ نصاباً كل عام، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وأحد القولين في مذهب الشافعي، وهذا هو القول الراجح لدلالة الكتاب والسنة والآثار عليه، فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَِنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ *﴾ [التوبة].
والمراد بكنز الذهب والفضة، عدم إخراج ما يجب فيهما من زكاة وغيرها من الحقوق، قال عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «كل ما أديت زكاته، وإن كان تحت سبع أرضين فليس بكنز، وكل ما لا تؤدي زكاته فهو كنز، وإن كان ظاهراً على وجه الأرض».
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: وقد روي هذا عن ابن عباس،
وجابر، وأبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً 1 اهـ.
والآية عامة في جميع الذهب والفضة ولم تخصص شيئاً دون شيء فمن ادعى خروج الحلي المباح من هذا العموم فعليه الدليل.
وأما السنة فمن أدلتها:
1 ـ ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار فأحمي عليها في نار جهنم فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره» 2 الحديث.
والمتحلي بالذهب والفضة صاحب ذهب وفضة، ولا دليل على إخراجه من العموم، وحق الذهب والفضة من أعظمه وأوجبه الزكاة قال أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ: الزكاة حق المال.
2 ـ ما رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ له قال: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة، المعنى أن خالد بن الحارث حدثهم، حدثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن امرأة أتت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وقالت: هما لله ورسوله» 3 قال في بلوغ المرام: وإسناده قوي 4 5، وقد رواه الترمذي من طريق
ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، ثم قال: «إنهما يضعفان في الحديث ولا يصح في هذا الباب عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء» 1، لكن قد رد قول الترمذي هذا برواية أبي داود لهذا الحديث من طريق حسين المعلم، وهو ثقة احتج به صاحبا الصحيح، البخاري ومسلم، وقد وافقه الحجاج بن أرطاة، وقد وثقه بعضهم، وروى نحوه أحمد 2 عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها بإسناد حسن.
3 ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، حدثنا عمرو بن الربيع بن طارق، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء، أخبره عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها فقالت: «دخل عليّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، فقال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار» 3 قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره 4.
وهذا الحديث أخرجه أيضاً الحاكم والبيهقي والدارقطني، وقال في التلخيص: «إسناده على شرط الصحيح، وصححه الحاكم وقال: إنه على شرط الشيخين يعني البخاري ومسلماً،
وقال ابن دقيق: إنه على شرط مسلم» 1.
4 ـ ما رواه أبو داود قال: حدثنا محمد بن عيسى، حدثنا عتاب يعني ابن بشير عن ثابت بن عجلان عن عطاء عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: «كنت ألبس أوضاحاً من ذهب فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدي زكاته فزكي فليس بكنز» 2 وأخرجه أيضاً البيهقي والدارقطني والحاكم، وقال: «صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه» وصححه أيضاً الذهبي، وقال البيهقي: تفرد به ابن عجلان، قال في التنقيح: «وهذا لا يضر فإن ثابت بن عجلان روى له البخاري، ووثقه ابن معين والنسائي، وقول عبد الحق فيه: لا يحتج بحديثه، قول لم يقله غيره، قال ابن دقيق: وقول العقيلي في ثابت بن عجلان: لا يتابع على حديثه، تحامل منه» اهـ.
فإن قيل: لعل هذا حين كان التحلي ممنوعاً، كما قاله مسقطو الزكاة في الحلي.
فالجواب: أن هذا لا يستقيم فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يمنع من التحلي به، بل أقره مع الوعيد على ترك الزكاة، ولو كان التحلي ممنوعاً لأمر بخلعه وتوعد على لبسه 3، ثم إن النسخ يحتاج إلى4
معرفة التاريخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال 1، ثم لو فرضنا أنه كان
حين التحريم فإن الأحاديث المذكورة تدل على الجواز بشرط إخراج الزكاة، ولا دليل على ارتفاع هذا الشرط، وإباحته إباحة مطلقة.
فإن قيل: ما الجواب عما احتج به من لا يرى الزكاة في الحلي وهو ما رواه ابن الجوزي بسنده في «التحقيق» عن عافية بن أيوب عن الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس في الحلي زكاة» 1 ورواه البيهقي في معرفة السنن والآثار 2؟
قيل: الجواب على هذا من ثلاثة أوجه:
الأول: أن البيهقي قال فيه: إنه باطل لا أصل له، وإنما يروى عن جابر من قوله، وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به كان مغرراً بدينه.
اهـ.
الثاني: أننا إذا فرضنا توثيق عافية كما نقله ابن أبي حاتم
عن أبي زرعة فإنه لا يعارض أحاديث الوجوب، ولا يقابل بها لصحتها ونهاية ضعفه.
الثالث: أننا إذا فرضنا أنه مساوٍ لها، ويمكن معارضتها به فإن الأخذ بها أحوط، وما كان أحوط فهو أولى بالاتباع؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يَريبك إلى ما لا يَرِيبك» 1 وقوله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه» 2.
وأما الآثار فمنها:
1 ـ عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ «أنه كتب إلى أبي موسى ـ رضي الله عنه ـ أن مُرْ من قِبَلَكَ من نساء المسلمين أن يَصَّدّقن من حُلِيِّهن» 3.
قال ابن حجر في التلخيص: «أخرجه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار ... وهو مرسل قاله البخاري.
وقد أنكر ذلك الحسن فيما رواه ابن أبي شيبة عنه قال: لا نعلم أحداً من الخلفاء قال: في الحلي زكاة» 4 اهـ. لكن ذكره مروياً عن عمر ـ رضي الله عنه ـ صاحب المغني، والمحلى، والخطابي.
2 ـ عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «أن امرأة سألته عن حلي لها؟ فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة» رواه الطبراني والبيهقي ورواه الدارقطني 5 من حديثه مرفوعاً، وقال: هذا وهم،
والصواب عن إبراهيم عن عبد الله مرسل موقوف 1.
3 ـ عن ابن عباس رضي الله عنهما حكاه عنه ابن المنذر والبيهقي، قال الشافعي: «لا أدري يثبت عنه أم لا» 2.
4 ـ عن عبد الله بن عمرو بن العاص ـ رضي الله عنهما ـ «أنه كان يأمر بالزكاة في حلي بناته ونسائه» ذكره عنه في المحلى 3 من طريق جرير بن حازم عن عمرو بن شعيب عن أبيه.
5 ـ عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت: «لا بأس بلبس الحلي إذا أعطي زكاته» 4 رواه الدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ لكن روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ «أنها كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة» 5 قال ابن حجر في التلخيص: يمكن الجمع بينهما بأنها كانت ترى الزكاة فيها ولا ترى إخراج الزكاة مطلقاً عن مال الأيتام.
اهـ، لكن يرد على جمعه هذا ما رواه مالك في الموطأ عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال: «كانت عائشة تليني أنا وخالي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا
الزكاة» 1 قال بعضهم: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأنها لا ترى إخراج الزكاة عن أموال اليتامى واجباً فتخرج تارة، ولا تخرج أخرى كذا قال.
وأحسن منه أن يجاب بوجه آخر وهو أن عدم إخراجها فعل والفعل لا عموم له، فقد يكون لأسباب ترى أنها مانعة من وجوب الزكاة، فلا يعارض القول، والله أعلم 2.
فإن قيل: ما الجواب عما استدل به مسقطو الزكاة فيما نقله الأثرم قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: «خمسة من الصحابة كانوا لا يرون في الحلي زكاة أنس بن مالك، وجابر، وابن عمر، وعائشة، وأسماء رضي الله عنهم».
فالجواب: أن بعض هؤلاء روي عنهم الوجوب وإذا فرضنا أن لجميعهم قولاً واحداً، أو أن المتأخر عنهم هو القول بعدم الوجوب، فقد خالفهم من خالفهم من الصحابة، وعند التنازع يجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، وقد جاء فيهما ما يدل على الوجوب كما سبق.
فإن قيل: قد ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «تصدقن يا معشر النساء، ولو من حليكن» 1 وهذا دليل على عدم وجوب الزكاة في الحلي إذ لو كانت واجبة في الحلي لما جعله النبي صلّى الله عليه وسلّم مضرباً لصدقة التطوع.
فالجواب على هذا: أن الأمر بالصدقة من الحلي ليس فيه إثبات وجوب الزكاة فيه ولا نفيه عنه، وإنما فيه الأمر بالصدقة