الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 45-84
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الجِنَايَاتِ

صفحات 45-84
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فيما سبق من الزمان من يقتلون الناس عمداً، ومع ذلك ما قُتلوا، وما أظن أن أحداً سكت عن المطالبة بالقصاص لو حصل له، ولكني أرى أن تعليلهم عليل؛ لأن النصوص الواردة عامة، ولو فتح الباب للسلاطين الظلمة لاعتدوا على الناس يقتلونهم عمداً وعدواناً، وبدون أي سبب، وبكل جرأة على الله وعلى خلقه والعياذ بالله، والمسألة تحتاج إلى نظر دقيق.

بَابُ اسْتِيفَاءِ القِصَاصِ

يُشْتَرَطُ لَهُ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُ مُسْتَحِقِّهِ مُكَلَّفاً، فَإِنْ كَانَ صَبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً لَمْ يُسْتَوْفَ، وَحُبِسَ الْجَانِي إِلَى البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ.

عندنا شروط القصاص، وشروط استيفاء القصاص، فشروط القصاص، أي: شروط ثبوته، وشروط استيفاء القصاص شروط تنفيذه واستيفائه، فأيهما يسأل عنها أولاً؟ يسأل عن شروط الثبوت، فإذا قيل: تمت، نسأل عن شروط استيفاء القصاص وتنفيذه، وهو قتل القاتل.
قوله: «يشترط له ثلاثة شروط» أي: يشترط لاستيفاء القصاص ثلاثة شروط.
قوله: «أحدها: كون مستحقه مكلفاً» أي: بالغاً عاقلاً، والذي يستحق القصاص هم ورثة المقتول، فعلى هذا يشترط أن يكون ورثة المقتول مكلفين، سواء كانوا يرثونه بالسبب، أو بالنسب، أو بالرحم بالفرض، أو بالتعصيب.
فالسبب كالزوجية والولاء، والنسب القرابة، وعلى هذا فللزوجة والزوج حق استيفاء القصاص.
قوله: «فإن كان صبياً أو مجنوناً لم يُستوفَ» أي: فإن كان المستحق للقصاص صبياً أو مجنوناً لم يستوف؛ وذلك لعدم التكليف، ولكن ماذا يصنع بالجاني؟ بيَّنه المؤلف فقال: «وحبس الجاني إلى البلوغ والإفاقة» فلو كان المستحِق

للقصاص صغيراً وله أب، كما لو قتل رجل، وورثه أبوه وابنه الصغير، فليس للأب أن يستوفي القصاص؛ لأن أحد مستحقيه صغير لم يبلغ، والعلة أن القصاص إنما وجب للتشفي من القاتل، وليذهب الإنسان ما في قلبه من الغيظ على هذا القاتل الذي قتل مورِّثه، وهذا لا يمكن أن يقوم به أحد عن أحد؛ لأن التشفي معنى يقوم بالنفس، فأبو الرجل لا يتشفّى عن ابن ابنه، ولهذا يحبس حتى البلوغ أو الإفاقة، وقال في الروض 1: «ولأن معاوية ـ رضي الله عنه ـ حبس هدبة بن خشرم في قصاص حتى بلغ ابن القتيل 2، وكان ذلك في عصر الصحابة ولم ينكر»، فعندنا هنا دليل وتعليل.
واستثنى بعض العلماء من هذه المسألة ما إذا كان القتل غيلة ـ أي: أن يقتله على غِرَّة ـ فإنه يقتل القاتل بكل حال، سواء اختار أولياء المقتول القتل أم الدية، فإنه لا خيار لهم في ذلك، وهذا مذهب الإمام مالك، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وبناءً على هذا القول فإنه لا يحبس الجاني حتى يبلغ أولياء المقتول.
وإنما اختار ذلك مالك وشيخ الإسلام؛ لأن قتل الغيلة فيه مفسدة عظيمة، ولأنه لا يمكن التحرز منه، إلاّ أن يكون مَلِكاً أو أميراً له جنود وحاشية يحرسونه فيمكنه التحرز منه، لكن عامة الناس لا يمكنهم التحرز منه.

الثَّانِي: اِتِّفاقُ الأَوْلِياءِ المُشْتَرِكينَ فِيهِ عَلَى اسْتِيفَائِهِ، وَلَيْسَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ مَنْ بَقِيَ غَائِباً، أَوْ صَغِيراً، أَوْ مَجْنُوناً، انْتُظِرَ القُدُومُ، وَالبُلُوغُ، وَالعَقْلُ، الثَّالِثُ: أَنْ يُؤْمَنَ فِي الاسْتِيفَاءِ أَنْ يَتَعَدَّى الْجَانِيَ، فَإِذَا وَجَبَ عَلَى حَامِلٍ أَوْ حَائِلٍ فَحَمَلَتْ لَمْ تُقْتَلْ حَتَّى تَضَعَ الوَلَدَ

وَتُسْقِيَهُ اللَّبَأَ، ........................ قوله «الثاني: اتفاق الأولياء المشتركين فيه على استيفائه» فإن عفا بعضهم سقط القصاص، حتى لو فرض أن هذا الذي عفا لا يرث إلاّ واحداً من مليون سهم فإنه لا يمكن القصاص؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 178] ﴿عُفِيَ لَهُ﴾ أي: القاتل، ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ المقتول، و ﴿شَيْءٍ﴾ نكرة في سياق الشرط، فتعم أي جزء، فإذا عفي عن القاتل ولو جزءاً يسيراً فإنه لا قصاص؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ فيُتبَع القاتلُ بالمعروف ولا يؤذى، وقوله: ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ﴾ أي: إلى العافي ﴿بِإِحْسَانٍ﴾ فالأداء وصف من أوصاف الدية.
وأما التعليل فلأنه إذا عفي عن القاتل جزء من دمه فإن القتل لا يتبعض، فإذا كان الورثة ستة، وعفا واحد منهم، فلا يمكن أن نقتل القاتل خمسة من ستة من القتل، ونبقي واحداً من ستة! فلمَّا كان جزء من القاتل لا بد أن يبقى حياً، وكان لا يمكن حياة هذا الجزء إلاّ بحياة الباقي، كان عفو بعض الورثة مانعاً من القتل.
قوله: «وليس لبعضهم أن ينفرد به» فلو كان المستحقون للقصاص ثلاثة إخوة، فقال أكبرهم: أنا الكبير، وانفرد به وقتل القاتل، فهذا حرام عليه، ولا يجوز، ويجب أن يعزر، فإن قال أولياء المقتول الأول: نحن لا ننتفع بتعزيره، بل نريد الدية، فلهم ذلك، ويرجعون على تركة الجاني بالدية، وورثة الجاني يرجعون على الأخ القاتل بما أُخذ منهم؛ لأنه هو الذي فوَّته عليهم.

قوله: «وإن كان من بقي غائباً أو صغيراً أو مجنوناً انتظر القدوم، والبلوغ، والعقل» هذا في البلاغة يسمى لفاً ونشراً مرتباً، فلو قال: «انتظر البلوغ والعقل والقدوم» فهذا يسمى لفاً ونشراً غير مرتب أو مشوشاً.
فإذا كان بعض الورثة المستحقين للقصاص صغيراً، فليس للبالغين أن يختصوا بالقصاص، بل يجب أن يحبس الجاني إلى بلوغ الصغير، ثم الصغير إن اختار القصاص نفِّذ، وإن اختار الدية سقط القصاص.
قوله: «الثالث» أي: الشرط الثالث.
قوله: «أن يؤمن في الاستيفاء أن يتعدى» أي: الاستيفاءُ.
قوله: «الجاني» مفعول به منصوب.
قوله: «فإذا وجب على حامل أو حائل فحملت لم تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ» إذا وجب القصاص على حامل فلو اقتصصنا منها قتلناها وما في بطنها، والجنين بريء، فينتظر ولا تقتل حتى تضع الولد وتسقيه اللبأ.
وظاهر كلام المؤلف سواء كان ذلك في ابتداء الحمل، أو بعد نفخ الروح فيه؛ لأنه في ابتداء الحمل سيتكون، ويتطور من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى إنسان، ولأنَّ لأبيه حقاً في

بقائه، فلا يمكن أن يهدر حقه، فإذا وجب على حامل ولو في أول الحمل فإنها تترك حتى تضع.
وقوله: «أو على حائل فحملت» مثاله: امرأة ليست حاملاً، قتلت إنساناً عمداً عدواناً، ولكن قبل أن يحكم عليها بالقصاص حملت، فتترك حتى تضع.
فإن قلت: كيف تترك مع أن الحق سابق على الحمل، والقاعدة أنه يقدم الأسبق فالأسبق؟ فالجواب: أن هذا التأخير لا يُضيع الحق، وغاية ما هنالك أنه يؤجل حتى يزول هذا المانع، فالقصاص يثبت، لكن نظراً إلى أنه سيتعدى لغير الجاني فيجب أن يؤخر.
وقوله: «لم تقتل حتى تضع الولد» هذا باعتبار ما سيكون، وإلاّ فإن الجنين في البطن لا يسمى ولداً حتى يولد.
وقوله: «الولد» يشمل الواحد والأكثر، فالمعنى حتى تضع كل ما في بطنها.
وقوله: «وتسقيه اللبأ» وهو اللبن الذي يكون من الحوامل عند الوضع، وهو ـ بإذن الله ـ من أنفع ما يكون للطفل، ويقولون: إنه لمعدة الطفل كالدباغ للجلد، ففيه نفع عظيم، وهذا اللبأ هو الذي يؤخذ منه الأنفِحَّة التي يكون منها تجبين الأشياء.

ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وِإِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَتَّى تَضَعَ، وَالْحَدُّ فِي ذلِكَ كَالقِصَاصِ.

قوله: «ثم إن وجد من يرضعه، وإلاّ تركت حتى تفطمه» إن وجد من يرضعه أقيم عليها القصاص، وإلاّ تُركت حتى تفطمه.
و «من» للعاقل، أي: إن وجد امرأة ترضعه، وفي وقتنا

يمكن أن نعبر فنقول: «إن وجد ما يرضعه» حتى يشمل العاقل وغير العاقل، فإذا كان يتغذى بلبن العلب فإنه يقام عليها الحد، إلاّ إذا قيل: إن غذاءه بلبن أمه أفضل، فهنا يجب مراعاة مصلحة الطفل.
وقوله: «وإلاّ تركت حتى تفطمه» دليل ذلك قصة الغامدية ـ رضي الله عنها ـ التي حصل منها الزنا، فحملت فأجّلها النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ حتى وضعت الولد، فلما وضعته جاءت به إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم تريد أن يقيم عليها الحد، فأجّلها حتى تفطمه، فلما فطمته جاءت به وفي يده كسرة من الخبز يأكلها، فلما رآها عليه الصلاة والسلام أمر بإقامة الحد عليها، فانظر كيف جادت بنفسها ـ رضي الله عنها ـ وجاءت بالطفل ومعه الخبز حتى يتيقن النبي صلّى الله عليه وسلّم بنفسه، ويرى بعينه أنه قد فطم، فلما أقيم عليها الحد كان ممن ضربها خالد بن الوليد ـ رضي الله عنه ـ فنضح دم من دمها في وجهه، فسبَّها رضي الله عنه، لكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ وبَّخه، وقال: «لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وَجَدْتَ أفضل من أن جادت بنفسها لله عزّ وجل؟!» 1. فهذا دليل على أن من وجب عليها حَدٌّ يؤدي إلى أن يتلف ما في بطنها، أو أنه يحتاج إلى لبن ولم يرضع، فإنه يُنتظر إلى أن يرضع، ويكون هذا من باب دفع أعلى المفسدتين بأدناهما، وارتكاب أدنى المفسدتين؛ لأن تأجيل القصاص،

وتأجيل الحد لا شك أن فيه مضرَّة، لكن هذه المضرَّة أهون من مضرة تلف نفس بغير حق.
قوله: «ولا يقتص منها» أي: من الحامل.
قوله: «في الطرف» كاليد، والرِّجْل، والعين، والأنف، واللسان، وما أشبه ذلك، فلا يقتص فيه من الحامل.
قوله: «حتى تضع» لأنه إذا اقتص منها في الطرف يمكن أن ينزف الجرح حتى تموت، أو يتعفن الجرح حتى تموت، وربما يحصل منها فزع عندما تقطع يدها، أو رجلها، أو ما أشبه ذلك، فيسقط الحمل فلهذا لا يقتص منها حتى تضع.
وهل يقتص منها في غير الطرف، كما لو كان في جراح؛ لأن القصاص في الجروح ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ يثبت في كل جرح ينتهي إلى عظم، وعلى القول الراجح في كل جرح يمكن المماثلة فيه؟ فالجواب: أن ظاهر قول المؤلف «في الطرف» أنه يقتص منها في الجراح؛ لأن الجراح أهون من الطرف، وأما مجرَّد الفزع، فالفزع قد يكون حتى لو استدعيت للحق المالي، فلو أرسلنا إليها الشُّرَط، وقلنا لهم: أحضروا فلانة في حق مالي، فيمكن أن تفزع، فمجرد الفزع لا يمكن أن يكون مقياساً، فالظاهر أنه يقتص منها في الجروح، إلاّ إذا كان جرحاً كبيراً واسعاً، كما لو كان يغطي ثلثي الرأس، فهذا ربما نقول: إنه ينتظر فيه.
قوله: «والحد في ذلك كالقصاص» يوجد حد في إتلاف

الطرف، وحد في إتلاف الكل، وكلاهما ينتظر فيه حتى تضع الحمل فقط، ولا يشترط الانتظار حتى تسقيه اللبأ، أو تفطمه، بخلاف القصاص في النفس، فهذا ينتظر حتى تسقيه اللبأ وتفطمه، وهذا هو الفرق بين القصاص في النفس، والقصاص في الطرف، فالقصاص في الطرف منتهاه الوضع، والقصاص في النفس منتهاه أن تسقيه اللبأ أو الفطام.
مثال الحد الذي يؤدي إلى قطع الطرف: السرقة تقطع فيها اليد، وقطع الطريق تقطع فيه اليد اليمنى والرجل اليسرى.
مثال الحد الذي فيه القتل: قطع الطريق في بعض الصور، وزنا المحصن.


فَصْلٌ

وَلاَ يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلاَّ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ، وآلَةٍ مَاضِيَةٍ، وَلاَ يُسْتَوْفَى فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِضَرْبِ الْعُنُقِ بِسَيْفٍ، وَلَوْ كَانَ الجَانِي قَتَلَهُ بِغَيْرِهِ.

قوله: «لا يستوفى قصاص» أي: من الجاني.
قوله: «إلا بحضرة سلطان» السلطان هو الرئيس الأعلى للدولة.
قوله: «أو نائبه» أي: من ينوب عنه عادة في هذه الأمور، والذي ينوب عنه في عصرنا هو الأمير، فالأمير نائب عن أمير المنطقة، وأمير المنطقة نائب عن وزير الداخلية، ووزير الداخلية نائب عن الرئيس الأعلى للدولة.
فالنائب المباشر لا بد من حضوره، فإن اقتص بدون حضوره فإن القصاص نافذ، ولكن يعزر من اقتص؛ لافتياته على الإمام، وإنما منع القصاص إلاّ بحضرة السلطان، أو نائبه؛ خوفاً من العدوان؛ لأن أولياء المقتول قد امتلأت قلوبهم غيظاً على القاتل، فإذا قدّم للقتل بدون حضور السلطان أو نائبه فربما يعتدون عليه بالتمثيل، أو بسوء القتل، أو بغير ذلك، وهذا أمر لا يجوز.
وأفادنا قوله: «ولا يستوفى قصاص» أن الذي يستوفي القصاص ليس هو الإمام ولا نائبه، وإنما الذي يستوفيه من له الحق، وهم أولياء المقتول، بشرط أن يحسنوا القصاص، فإن لم يحسنوه وجب عليهم أن يَدَعُوا ذلك إما للإمام، أو يوكلوا من يحسن القصاص.
وقوله: «قصاص» عام يشمل القصاص في النفس فما دونها، فيدخل فيه القصاص في اليد، أو الرجل، أو اللسان، أو ما أشبه ذلك، فلا يستوفى إلاّ بحضرة الإمام أو نائبه.

قوله: «وآلة ماضية» أي: لا يستوفى ـ أيضاً ـ إلا بآلة ماضية، أي: حادَّة، احترازاً من الآلة الكالَّة، فإنه لا يجوز أن يقتص بها؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته» 1، فإذا اقتصصنا من هذا الجاني بالآلة الكالَّة فإننا لم نحسن إليه، وهذا شرط في جميع الحدود.
قوله: «ولا يستوفى في النفس إلاّ بضرب العنق» دون غيره، فلو ضربه من وسطه فإنه لا يمكّن من ذلك، وكذلك لو ضربه على هامته فلا يمكّن، بل لا بد من ضرب العنق؛ لأنه مجمع العروق، وأريح للمقتول.
قوله: «بسيف» أي: لا بغيره، فلا بد من السيف؛ لأنه أمضى ما يكون من الآلات التي يقتل بها.
قوله: «ولو كان الجاني قتله بغيره» أي: بغير السيف، يعني لو أن الجاني قتله بالرصاص فلا نقتل الجاني بالرصاص، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بحجر فلا نقتله بحجر، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بصعق كهربائي فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف، ولو قتله بالعين أو بالسحر، فلا نقتله بذلك، بل بالسيف، ولو قتله بالسم، فلا نقتله بذلك، بل نقتله بالسيف.
وقوله: «ولو» إشارة خلاف، والخلاف في هذه المسألة أنه

يقتل الجاني بمثل ما قتل به؛ لعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178]، وتمام القصاص أن يفعل بالجاني كما فعل؛ لأنه من القص وهو تتبع الأثر، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]، ولقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: 126]، ولقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]، وما أشبه ذلك من الآيات، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم رضَّ رأس الرجل اليهودي بين حجرين؛ لأنه قتل الجارية الأنصارية برض رأسها بين حجرين 1، وهذا دليل خاص، والآيات التي سقناها أدلة عامة، فهذه أدلة من الكتاب والسنة، ومن النظر أيضاً نقول: كيف يمثل هذا الجاني بالمقتول، ويقتله بأبشع قتلة ويمزقه تمزيقاً، ثم نقول له: سنضربك بالسيف؟! فهذا ليس بعدل، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، إلاّ إذا قتله بوسيلة محرّمة فإننا لا نقتله بها، مثل أن يقتله باللواط والعياذ بالله، أو بالسحر، أو أن يقتله بإسقاء الخمر حتى يموت فإنه لا يفعل به كذلك.
وقال بعضهم: بل يفعل به ولو كان محرماً، لكننا لا نفعل المحرَّم، فمثلاً لو قتله باللواط وما أشبه ذلك فإننا ندخل في دبره خشبة حتى يموت، وعلى كل حال هذه الصور النادرة يمكن أن تستثنى، أما إذا رض رأسه بين حجرين، أو ذبحه بسكين كالَّة، أو بالصعق الكهربائي، أو أحرقه بالنار، فإن الصواب ـ ولا شك ـ أن يفعل به كما فعل.

بَابُ العَفْوِ عَنِ القِصَاصِ

يَجِبُ بالعَمْدِ القَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، فَيُخَيَّرُ الوَلِيُّ بَيْنَهُمَا، وَعَفْوُهُ مَجَّاناً أَفْضَلُ،

اعلم أن هذه الملة ـ ولله الحمد ـ ملة وسط بين ملتين: إحداهما غلت في القصاص، والثانية فرَّطت فيه، وليس معنى ذلك أننا نقول: إن هاتين الشريعتين خرجتا عما شرعه الله، ولكن الله بحكمته أوجب على هؤلاء كذا، وأوجب على هؤلاء كذا، فقد ذكروا أن شريعة اليهود وجوب القصاص، وأنه لا طريق إلى العفو عن الجاني، وأن شريعة النصارى وجوب العفو عن القصاص، وأنه لا سبيل إلى القصاص.
وجاءت هذه الشريعة وسطاً بين الملتين، فيجب القصاص ويجوز العفو، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ في الآية: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ باعتبار إيجاب القصاص، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: 178] باعتبار العفو، أي: من رحمة الله تعالى أن يعطي لأولياء المقتول حظاً لأنفسهم يتشفون به من القاتل.
قوله: «يجب بالعمد» أي: العمد العدوان الذي بغير حق.
قوله: «القوّد أو الدية» «أو» هنا للتخيير؛ ولهذا قال: «فيخير الولي بينهما» الولي، أي: ولي المقتول وهم ورثته، فالولي اسم جنس، فيشمل ما كان واحداً أو أكثر.
ودليل ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ

فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ}، فقوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيءٌ﴾ علم منه أن لمن له القصاص أن يعفو ويأخذ الدية، ولهذا قال: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ هذا من القرآن، ومن السنة قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فمن قُتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يقاد وإما أن يودى» 1، أي: إما أن يقاد للمقتول، وإما أن تؤدى ديته.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «بخير النظرين» صريح بأن الخيار لأولياء المقتول؛ لقوله: «من قتل له قتيل» وعلى هذا فلا خيار للقاتل، فلو قال القاتل: اقتلوني، أنا أريد أن يكون المال لورثتي، فلا خيار له، بل الخيار لأولياء المقتول؛ وذلك لأن هذا الجاني معتدٍ ظالم فلا يناسب أن يعطى خياراً، وأما أولياء المقتول فقد اعتدي عليهم، وأهينت كرامتهم بقتل مورثهم، فكان لهم الخيار؛ ولهذا يقول المؤلف: «ويخير الولي بينهما».
قوله: «وعفوه» أي: ولي المقتول.
قوله: «مجاناً» أي: بدون مقابل.
قوله: «أفضل» من القصاص، ومن الدية.
فالمراتب ثلاث: قصاص ودية وعفو مجاناً، فهذه الثلاث يخير فيها أولياء المقتول.
ويوجد شيء رابع اختلف فيه أهل العلم، وهو أن يصالح عن القصاص بأكثر من الدية، وسيأتي في كلام المؤلف إن شاء الله تعالى، ونبين ما هو الحق في ذلك.

وقوله: «وعفوه مجاناً أفضل» ظاهر كلامه أنه أفضل مطلقاً، سواءً كان هذا الجاني ممن عرف بالظلم والفساد، أم ممن لم يعرف بذلك؟ لكن الصواب بلا شك ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله تعالى ـ حيث قال: إن العفو إحسان، والإحسان لا يكون إحساناً حتى يخلو من الظلم والشر والفساد؛ فإذا تضمن هذا الإحسان شراً وفساداً أو ظلماً، لم يكن إحساناً ولا عدلاً، وعلى هذا فإذا كان هذا القاتل ممن عرف بالشر والفساد فإن القصاص منه أفضل.
ويدل لما قاله شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، وهل العافي عن المجرم الظالم المعتدي، المعروف بالعدوان، مُصلح؟! لا؛ لأنه إذا عفي عنه اليوم، فقد يقتل واحداً أو عشرة غداً، فمثل هذا لا ينبغي أن يعفى عنه، وإن لم نقل بتحريم العفو، فإننا لا نقول بترجيحه.
ومن هنا نعرف خطأ بعض الناس الذين عندهم عاطفة أقوى من التعقل، والعاطفة إذا خلت من التعقل جرفت بالإنسان؛ لأن العاطفة عاصفة، فلهذا يجب على الإنسان أن يحكم العقل في أموره قبل العاطفة، وإلاّ عصفت به عاطفته حتى أودت به إلى الهلاك، فبعض الناس إذا حدثت من إنسان حادثة سير، وما أشبه ذلك، فإنه يعفو عن الدية سريعاً، وهذا خطأ عظيم، أمَّا إذا كان الميت عليه دين، أو كان الورثة قصّاراً فإن العفو حرام بلا شك، والعجب أن بعض الورثة يعفون ولا يسألون هل عليه دين أو لا؟ والدَّين مقدّم على حق الورثة.

وأمَّا إذا لم يكن عليه دين، والورثة كلهم مرشدون، فإنه يجب علينا أن نتعقل وننظر، هل هذا الرجل من المتهورين الذين لا يبالون، والذين يُذكر عنهم أنهم يقولون: نحن لا نبالي، الدية في دُرْج السيارة!! فمثل هذا لا يقابل بالعفو، بل ينبغي أن يقابل بالشدة؛ حتى يكون رادعاً له، ولأمثاله من المتهورين.
ودليل المؤلف على أن العفو أفضل، قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: 237]، وقوله في وصف المتقين: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134]، ولكنا نقول: إن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فإذا كان في العفو مخالفة للتقوى، فكيف يكون أقرب للتقوى؟! وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أعقبه تعالى بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ فإذا لم يكن العفو إحساناً فإن صاحبه لا يمدح.

فَإِنِ اخْتَارَ القَوَدَ، أَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ فَقَطْ فَلَهُ أَخْذُهَا وَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا،

... قوله: «فإن اختار القود أو عفا عن الدية فقط» دون القصاص «فله أخذها» أي: إن اختار القود فله أخذ الدية، وإن اختار الدية فليس له القود ـ أي: القصاص ـ مثاله: قيل لولي المقتول: أنت بالخيار، إن شئت فاقتص، وإن شئت فخذ الدية، فقال: أريد القصاص، ثم بعدئذٍ فكّر، وقال: أنا لن أستفيد من قتله، فرجع إلينا، وقال: أريد الدية، فله ذلك؛ لأنه نزل من الأشد إلى الأخف.
لكن لو قال الجاني: أنا لا أقبل تنازله، والقصاص أحب إلي، فظاهر كلام المؤلف أنه ليس له ذلك، وأن الخيار بيد أولياء المقتول.

وقال بعض أهل العلم: بل له ذلك، لأنه أعلم بنفسه، وهذا رجل اختار القصاص، فإذا رجع إلى الدية فليس له أن يرجع إلاّ برضا الجاني، والجاني قد يختار القصاص على الدية؛ وذلك بأن يكون رجلاً بائساً، قد ملَّ من الدنيا وأتعبته، ويقول: لعلي إن قُتِلْتُ قصاصاً أن أستريح، كما يسأل بعضهم ويقول: أنا سئمت من الدنيا، ومللت منها وتعبتُ، ودائماً في قلق، وأرغب أن أذهب إلى جبهة القتال؛ لأجاهد فأُقْتَل، فهل أنال أجر الشهداء؟ الجواب: لا، بل هذا حرام عليه، أن يذهب للجهاد من أجل أن يقتل.
فقد يختار الجاني القصاص على الدية لمثل هذه الأمور، لكن مذهبنا خلاف مذهب مالك ـ رحمه الله ـ الذي يقول: إنه ليس له أن يرجع، فمذهبنا أن له الرجوع؛ لأنه نزول من الأشد إلى الأخف.
وقوله: «أو عفا عن الدية فقط» يعني أنه لمّا خُيِّر قال: أنا عفوت عن الدية، فهذا لا يكون عفواً عن القصاص؛ لأن عندنا شيئين، فإذا عفي عن أحدهما تعين الثاني، كما لو عفا عن القصاص فله الدية، فإذا عفا عن الدية فله القصاص.
قوله: «والصلح على أكثر منها» أي: أنه إذا اختار القصاص، ثم إن القاتل وأهله قالوا لولي المقتول: لا تقتله، ونحن نعطيك بدل الدية ديتين، أو ثلاث ديات، أو أربعاً، أو عشراً، أو ما أردت، فهذا جائز؛ لأنه لما اختار القصاص تعين له، فله أن يبيعه بما شاء.

ورجَّح ابن القيم ـ رحمه الله ـ أنه ليس له إلاّ الدية فقط؛ لأنه ورد في حديث رواه الإمام أحمد، لكن في سنده محمد بن إسحاق وقد عنعن، أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حين قال: القود، أو الدية، أو العفو، ثم قال: «فإن اختار الرابعة فخذوا على يديه» (1)، أي: لا توافقوه، ولهذا رجَّح ابن القيم أنه ليس له أن يصالح بأكثر من الدية؛ لأن الشرع ما جعل له إلاّ هذا، أو هذا، فإمّا أن تقتص أو الدية، والغالب في هذا أنه إذا قيل له: ما لك إلاّ الدية، فإنه يختار القود.

وَإِنِ اخْتَارَهَا، أَوْ عَفَا مُطْلَقاً، أَوْ هَلَكَ الْجَانِي، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا،

....... قوله: «وإن اختارها، أو عفا مطلقاً، أو هلك الجاني، فليس له غيرها» فتتعين الدية في ثلاث صور: الأولى: إذا اختار الدية، فلو قال: رجعت إلى القصاص، نقول: لا قصاص؛ لأنك باختيارك الدية سقط القصاص.
الثانية: إن عفا مطلقاً، والعفو له ثلاث حالات: إما أن يكون مطلقاً، أو يقيد بالقصاص، أو يقيد بالدية، فإن قال: عفوت عن القصاص، فهذا عفو مقيد بالقصاص فتثبت له الدية، وإن قال: عفوت عن الدية، فهو عفو مقيد بالدية، فله القصاص1

وله أن يعود إلى الدية، فإن قال: عفوت، وأطلق، فالمذهب أن له الدية، والقول الثاني في المذهب: أنه ليس له قصاص ولا دية؛ لأنه عفو مطلق.
ودليل المذهب أن العفو المطلق ينصرف إلى الأشد، وهو القصاص، ويمكن أن نرد على هذا بأن نقول: إن العفو المطلق مقتضاه أن لا يجب على المعفوِّ عنه شيء، والناس يعرفون أنه إذا قال: عفوت عنه، أو سامحته، أو ما أشبه ذلك، أن المعنى أنني لا أطالبه بشيء، اللهم إلا إذا دلّت قرينة على أن المراد بالعفو العفو عن القصاص، كأن يُسأل: هل ستقتل فلاناً، فقال: لا، سامحته، فربما نقول: إذا وجِدت قرينة تدل على أن المراد العفو عن القصاص، لا مطلقاً عُمل بها، وأما إذا نظرنا إلى مجرَّد اللفظ، فإن مجرَّد اللفظ يقتضي العفو مطلقاً، فلا يستحق دية ولا قصاصاً.
الثالثة: إذا هلك الجاني أي: مات، فهنا تتعين الدية، ولا يمكن القصاص، وعليه فتتعين الدية في أربع صور: الأولى: إذا اختار الدية.
الثانية: إذا عفا عن القصاص.
الثالثة: إذا عفا مطلقاً.
الرابعة: إذا هلك الجاني.
ومن ذلك لو قتل هذا الجاني أربعة أشخاص، تعلق به أربع رقاب، فإذا اختار أولياء المقتول الأول القصاص وقتل، فهنا يتعين للآخرين الدية، ولهذا لو قتل رجل أربعة أنفس فأولياء المقتولين كُلٌّ له حق، لكن نبدأ بالأول فالأول.

وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعاً عَمْداً فَعَفَا عَنْها، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ العَفْوُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَهَدَرٌ، وَإنْ كَانَ العَفْوُ عَلَى مَالٍ فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ،

........... قوله: «وإذا قطع إصبعاً عمداً» لفظ «أصبع» فيه عشر لغات مجموعة في قولك: وهمزَ أنملة ثَلِّثْ وثالثَه التسعُ في إصبع واختم بأصبوع قوله: «فعفا عنها» الضمير في «عنها» يعود على المقطوع، يعني فعفا المقطوع عن هذه الإصبع.
قوله: «ثم سرت إلى الكف أو النفس» بمعنى أن الجرح تعفَّن، وسرى هذا التعفن إلى الكف حتى تساقطت الكف، وزالت كلها، أو صار الجرح يتعفن حتى مات الإنسان.
قوله: «وكان العفو على غير شيء فهدر، وإن كان العفو على مالٍ فله تمام الدية» أي: هل تضمن هذه السراية، أو لا تضمن؟ نقول: فيه تفصيل، إن كان العافي عفا على غير شيء، بأن قال: عفوت مجاناً، ثم سرت إلى الكف، أو النفس فهدر، ولا شيء له؛ لأن عفوه مجاناً دليل على أنه لا يريد أخذ عوض عن هذه الجناية، وأن الرجل متبرع، يريد ثواب الله تعالى، وإن كان العفو على مال، سواء كان هذا المال الدية أو غيرها، فإن له تمام الدية، بمعنى أننا نسقط ما يقابل دية الأصبع، أي: عُشْر الدية، وهو عشر من الإبل.
مثاله: قطع رجل إصبع رجل عمداً، فقال المجني عليه: أنا أريد أن أصالحك، فصالحه على الدية، أو على مالٍ فوق الدية، أو دونها، ثم سرت الجناية إلى الكف والنفس، فيقول المؤلف:

«فله تمام الدية» والدية مائة من الإبل، فيسقط منها عشر من الإبل، ويبقى تسعون، هذا إذا سرت إلى النفس، وإذا سرت إلى الكف، فإن في الكف نصف الدية، فيجب عليه أربعون من الإبل، وتسقط عشر من الإبل، ولهذا قال المؤلف: «وله تمام الدية» أي: دية النفس فيما إذا سرت إلى النفس أو دية الكف فيما إذا سرت للكف.
وقيل: ليس له شيء مطلقاً، وتكون هدراً، سواء عفا على مال، أو على غير مال، وقالوا في توجيهه: إنه إذا عفا مطلقاً بدون عوض، فقد رضي بأن تكون الجناية هدراً، ويريد الثواب من الله عزّ وجل، وإن أخذ المال فقد اقتنع بما أوتي من المال، سواء كان الدية، أو أكثر، أو أقل، وأخذ عوض الجناية، فإذا سرت فليس له شيء، ويؤيد هذا ما سيأتي ـ إن شاء الله ـ من أنه لا يقتص من جرح قبل أن يبرأ، ولا تطلب له دية قبل أن يبرأ، فإن طلبت له دية ثم سرى فهدر، وعلى هذا فنقول للمجني عليه: انتظر حتى تنظر ماذا تكون النتيجة؛ لأن هذه الجناية ربما تسري إلى الكف، أو إلى النفس، وهي إلى الآن لم تستقر، فكونك تعفو وتصالح على مال فخطأ، فانتظر، أما إذا كنت تريد الأجر من الله، وتقول: أنا لا أريد شيئاً حتى لو سرت إلى كفي، أو نفسي، فهذا إليك.
والمذهب أن له تمام الدية، سواء عفا على مال أو على غير مال.
وما ذهب إليه المؤلف أصح، وهو أنه إذا عفا على مال فله تمام الدية، وإذا كان العفو مجاناً فليس له شيء.

وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْتَصُّ ثُمَّ عَفَا، فَاقْتَصَّ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا،

وَإِنْ وَجَبَ لِرَقِيقٍ قَوَدٌ، أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ فَلِسَيِّدِهِ.

قوله: «وإن وكَّل من يقتص ثم عفا، فاقتص وكيله ولم يعلم فلا شيء عليهما» كإنسان وجب له قصاص، سواء كان في النفس أو فيما دونها، فوكَّل شخصاً ليقتص له، ثم إنه عفا قبل أن ينفّذ الوكيل، ولكن الوكيل لم يعلم ونفَّذ القصاص فلا شيء عليهما، لا على العافي ـ سواء كان المجني عليه، أو أولياءه إن كان قد مات ـ ولا على الوكيل؛ لأن الوكيل معذور، وهو في قصاصه مُستَنِدٌ إلى مُستَنَدٍ شرعي، وهو توكيل من له الحق، وأما العافي فإنه محسن، وقد قال الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
مثال ذلك: رجل جُني عليه وقطعت يده، فثبت له القصاص على قاطع يده، فوكَّل من يقتص، وقبل أن ينفّذ الوكيل القصاص، عفا المجني عليه، وقال: أشهدكم أني قد عفوت عن فلان، والوكيل لم يعلم فقطع يد الجاني استناداً إلى وكالة الرجل، فنقول: لا شيء على الوكيل؛ لأنه إنما قطع مستنداً إلى مستندٍ شرعي وهو التوكيل؛ ولا شيء على العافي؛ لأنه محسن، والله تعالى يقول: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91].
فإن اقتص الوكيل بعد علمه بالعفو فهو معتدٍ ظالم، وتقطع يده إذا كان التوكيل في قطع اليد، ويقتل إذا كان القصاص في النفس؛ لأنه لمَّا عفا صاحب الحق صار الجاني بعد ذلك معصوماً، فإذا جنى عليه الوكيل وقطع يده، أو قتله، فقد اعتدى على نفس معصومة، فأُلزم بما يقتضيه ذلك العدوان.
وفي هذا دليل على أن تصرف الوكيل بعد العزل إذا لم يعلم

تصرف صحيح، والمشهور من المذهب أن تصرفه غير صحيح، إلاّ في هذه الصورة فإن تصرفه فيها صحيح، فلو وكَّلت شخصاً يبيع لك سيارة، وبعد أن ذهب عزلته، أو بعت أنت السيارة بنفسك على آخر، وبيعك لها عزل للوكيل بالفعل، ثم باع الوكيل السيارة قبل أن يعلم بالعزل، فالمذهب أن تصرف الوكيل في هذه الحال غير صحيح، وأن بيعه باطل، ويجب أن ترد السلعة إلى صاحبها، مع أنه لا فرق في الحقيقة؛ فإن هذا الرجل الذي وكِّل في القصاص عُزِل بالفعل، فالصحيح أن الوكيل إذا تصرف قبل أن يعلم بالعزل فإن تصرفه صحيح؛ لأنه مستندٌ إلى مستند شرعي وهو التوكيل، وأي فرق بين هذه المسألة، وبين المسائل الأخرى؟! وإذا كانت هذه المسألة مع عظم خطر الدماء إذا كان عزله لا يعتبر عزلاً، ويكون التصرف صحيحاً، فإن كون تصرفه صحيحاً في البيع، والرهن، والتأجير، وما أشبه ذلك، من باب أولى؛ لأنها أقل خطراً.
قوله: «وإن وجب لرقيق قود، أو تعزير قذف، فطلبُهُ وإسقاطُهُ إليه» فلو أن رقيقاً قطع يد رقيقٍ عمداً عدواناً فيجب القود للرقيق المقطوع، وطلب القود وإسقاطه إليه لا إلى سيده، فإن شاء طلب أن يقتص له من الجاني، فتقطع يد القاطع، وإن شاء قال: عفوت، لكن هل له أن يعفو مطلقاً، أو لا يعفو إلا على مال؟ إذا عفا مطلقاً كان في ذلك ضرر على السيد، حتى إذا وجب له القود وقال: أنا أريد القصاص، فسيقول السيد: وما ينفعني أن تقتص

من الذي جنى عليك، أنا أريد أن آخذ الدية، نقول للسيد: ليس لك حق في أن تمنعه من القصاص؛ لأن القصاص فيه تشفٍّ للإنسان المعتدى عليه، فقد يقول: أنا لا يشفيني ولا يذهب ما في قلبي من الغم والغل إلاّ أن أقطع يده مثل ما قطع يدي.
فالخسارة المالية على السيد، ربما تكون اليد المقطوعة هي اليمنى، وهذا العبد كاتِبٌ فإذا قطعت يده صار بدلاً من أن يساوي عشرة آلاف، لا يساوي إلا ألف ريال، لكن نقول: الحق له، وليس له أن يعفو مجاناً، بل لا بد أن يكون عفوه على مال؛ لأننا إنما أبحنا له القصاص؛ لأجل التشفي، فإذا لم يرد التشفي فلا يمكن أن تضيع المالية على سيده.
وقوله: «أو تعزير قذف» القذف هو أن يرميه بالزنا، وقذف العبد لا يوجب الحد؛ لأن من شرط الإحصان أن يكون حراً، وهذا ليس بحر، وإنما يوجب التعزير؛ لئلا يتطاول الناس على الأرقاء، ولهذا قال المؤلف: «تعزير قذف» ولم يقل: حد قذف؛ لأنه لا حد.
فلو قُذِف هذا العبد نقول له: إن شئت فطالب، وإن شئت فلا تطالب، فإن قال السيد: الحق لي أنا؛ لأنه إن قُذِف ولم يطالب، قال الناس: إن قذفه بذلك صحيح، وإذا كان موصوفاً بالزنا فإن قيمته تنقص، فإذا قال هذا العبد: أنا أسقط تعزير القذف، قال السيد: أنا لا أسقطه، فهذه المسألة في النفس منها شيء، أي: كوننا نجعل للعبد الخيار بين إسقاط تعزير القذف، وعدم إسقاطه؛ ووجه ذلك أن الضرر ليس عليه وحده، بل الضرر

عليه وعلى سيده؛ فإنه إذا قيل: إنه قد زنا، ولم يأخذ بحقه بتعزير القاذف، فإنه سيرخُص في أعين الناس ولا يريده أحد، إلاّ إنسان سيخاطر، فالصواب أن الحق للعبد ولكن ليس له إسقاطه.
قوله: «فإن مات فلسيده» أي: إن مات العبد فالحق لسيده، ولم نقل: لورثته؛ لأن الرقيق لا يورث، لوجود مانع من موانع الإرث، وهو الرق.

بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ

مَنْ أُقِيدَ بِأَحَدٍ فِي النَّفْسِ أُقيدَ بِهِ في الطَّرَفِ وَالجِرَاحِ، وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِمَا يُوجِبُ القَوَدَ فِي النَّفْسِ،

................. أفادنا المؤلف بقوله: «فيما دون النفس» أن القصاص يكون في النفس، ويكون فيما دونها، والأصل في هذا قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].
قوله: «من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الطرف والجراح، ومن لا فلا» هذه قاعدة مهمة.
فقوله: «من أقيد بأحد في النفس» أي: قتل به قصاصاً.
وقوله: «أقيد به في الطرف والجراح» يعني اقتص منه في الطرف والجراح.
وقوله: «ومن لا فلا» أي: من لا يقاد بأحد في النفس لا يقاد به في الطرف والجروح، إذاً فالقصاص في الطرف والجروح فرع عن القصاص في النفس، فلو أن حراً قطع يد عبد فهل يقطع به؟ لا؛ لأن الحر لا يقتل بالعبد على كلام المؤلف، ولو أن مسلماً قطع يد كافر، فلا يقطع به؛ لأن المسلم لا يقتل بكافر، فإذا لم يقتص به في كله لا يقتص به في جزئه، ولو أن كافراً قطع يد مسلم فإنه يقطع به؛ لأن الكافر يُقتل بالمسلم.
ولو أن امرأة قطعت يد رجل فتقطع يدها، لأن المرأة تُقتل

بالرجل، ولو أن رجلاً قطع يد امرأة قطع بها أيضاً؛ لأن الرجل يقتل بالمرأة.
إذاً في هذه القاعدة لا بد أن نرجع إلى ما سبق، فننظر عندما يقطع أحد يد أحد هل يقتل به إذا قتله؟ فإن قيل: نعم، قطعناه به، وإلا فلا، ثم ذكر المؤلف قاعدة أخرى فقال: «ولا يجب إلاّ بما يوجب القود في النفس» يعني لا يجب القود في الطرف والجروح إلاّ بما يوجب القود في النفس، والمراد هنا الإشارة إلى الجناية، أما الأولى فالمراد منها الإشارة إلى الجاني.
والذي يوجب القود في النفس من الجنايات هو العمد العدوان، فإن قطع أحدٌ يد أحد عمداً عدواناً، نظرنا في القاعدة السابقة، إذا كان يقتل به قطعنا يده، وإلاّ فلا، فإن قطع يده خطأ، كإنسان قال لآخر: امسك لي اللحم، وأخذ السكين ليقطع اللحم، فأخطأ وقطع أصبعاً من أصابعه، فهنا لا تقطع إصبعه، لأنها خطأ، وكما أن هذه الجناية لا توجب القود في النفس، فكذلك لا توجب القود فيما دون النفس.
والطرف: هو الأعضاء، والأجزاء من البدن، مثل اليد، والرجل، والعين، والأنف، والأذن، والسن، والذكر، وما أشبه ذلك.
والجراح: هي الشقوق في البدن، مثل رجل جرح يد إنسان، أو ساقه، أو فخذه، أو صدره، أو رأسه، أو ظهره، أو ما أشبه ذلك.

لكن القصاص في الطرف يزيد بأمور على القصاص في النفس، قال المؤلف:

وَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الطَّرَفِ، فَتُؤْخَذُ الْعَيْنُ، وَالأَْنْفُ، وَالأُْذُنُ، وَالسِّنُّ، وَالْجَفْنُ، وَالشَّفَةُ، وَالْيَدُ، وَالرِّجْلُ، وَالإِْصْبَعُ، وَالْكَفُّ، وَالْمِرْفَقُ، وَالذَّكَرُ، وَالْخِصْيَةُ، وَالأَلْيَةُ، وَالشُّفْرُ، كُلُّ واحدٍ مِنْ ذلِكَ بِمِثْلِهِ.

«وهو نوعان» أي: القصاص فيما دون النفس نوعان: أحدهما: في الطرف، والثاني: في الجراح.
قوله: «أحدهما: في الطرف، فتؤخذ العين، والأنف، والأذن، والسن، والجفن، والشفة، واليد، والرجل، والإصبع، والكف، والمرفق، والذكر، والخصية، والألية، والشفر، كل واحد من ذلك بمثله».
فقوله: «فتؤخذ العين» أي: بالعين، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والأنف» بالأنف.
وقوله: «والأذن» بالأذن، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والسن» بالسن، الثنية بالثنية، والرَّباعية بالرَّباعية، والعليا بالعليا، والسفلى بالسفلى، فلا بد من المماثلة.
وقوله: «والجفن» أي: غطاء العين وهو حساس جداً، إذا أقبل إليه شيء يؤذي العين انقفل بدون أي إرادة من صاحبه، وهذا من آيات الله عزّ وجل أن جعل فيه هذا الإحساس الغريب،

والإنسان لديه أربعة جفون، فيؤخذ الأيمن بالأيمن، والأعلى بالأعلى، والأيسر بالأيسر.
وقوله: «والشفة» هي حافة الفم، وهي عليا وسفلى.
وقوله: «واليد» باليد، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والرجل» بالرجل، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والأصبع» بالإصبع، فالإبهام بالإبهام، والأيمن بالأيمن، وكذلك البقية.
وقوله: «والكف» بالكف، ولِمَ ذكر هنا الكف مع أنه سبق ذكر اليد؟ الجواب: نحمل كلام المؤلف الأول في قوله: «اليد» على اليد كلها من الكتف، أو من المرفق، وأما الكف فهو منبت الأصابع، فاليمين باليمين، واليسار باليسار.
وقوله: «والمرفق» بالمرفق، أي: تقطع اليد من مفصل الذراع من العضد.
وقوله: «والذكر» بالذكر.
وقوله: «والخصية» بالخصية، اليمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والألية» بالألية، اليُمنى باليمنى، واليسرى باليسرى.
وقوله: «والشُّفر» بالشفر، وهو اللحم المحيط بفرج المرأة، بمنزلة الشفتين للفم.
وقوله: «كل واحد من ذلك بمثله» وأصل هذا قوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ

وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45].

وَلِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ شُرُوطٌ: الأَْوَّلُ: الأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الأَنْفِ، وَهُوَ مَا لاَنَ مِنْهُ.

قوله: «وللقصاص في الطرف شروط» هذه شروط زائدة عما سبق من الشروط الأربعة.
قوله: «الأول: الأمن من الحيف» يعني إمكان الاستيفاء بلا حيف، وهذا شرط لتنفيذ القصاص، وقد مر علينا أنه لو وجب القصاص في الطرف على حامل تُركت حتى تضع، مع أن الاستيفاء ممكن، لكن نظراً إلى أنه يخشى أن يتعدى إلى غير الجاني وجب الانتظار، فالمقصود إمكان الاستيفاء بلا حيف؛ ولذلك قال المؤلف: «بأن يكون القطع من مفصل» فمثلاً في الأصبع من مفصل الأنملة، وفي الكف من مفصل الرسغ، وفي الذراع من مفصل المرفق، وفي العضد من مفصل الكتف.
قوله: «أو له حَدٌّ ينتهي إليه» أي: له حدٌّ ينتهي إليه وإن لم يكن مفصل.
قوله: «كمارن الأنف وهو ما لان منه» أي: من الأنف؛ لأن الأنف له قصبة من عظام، يليها المارن، وهو جامع لثلاثة أشياء: للمنخرين وللحاجز بينهما، فلو أن أحداً قطع شخصاً من الحد اللين اقتص منه، لأنه يمكن الاستيفاء بلا حيف، ولو أن رجلاً قطع يد رجل من مفصل اليد تماماً فإنه يقتص منه، ولو قطعه من نصف

الذراع فلا يقتص منه؛ لأن القطع ليس من مفصل، وعلى هذا فلو أراد أحد من الجناة الفقهاء أن يقطع كف إنسان، ولا يُقطع به، فإنه سيقطع من نصف الذراع بدلاً من مفصل الكف، ويكون زاد في الجناية وسلم من القصاص؛ لأن من الشروط أن يكون القطع من مفصل، وهذا ليس من مفصل، وإذا لم يكن من مفصل فلا نأمن أن نحيف عند القصاص، ربما يزيد أو ينقص، وقد يكون الكسر ليس مستقيماً فلا يتمكن، بخلاف المفصل هذا ما ذهب إليه المؤلف.
ويحتمل أن نقول: يقتص من المفصل الذي دونه ويؤخذ منه أرش الزائد، كما سيأتينا في الجراح ـ إن شاء الله ـ والأرش هو ما يسمَّى في باب الديات بالحكومة، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ لها بحث معين، وهذا إذا لم يمكن القصاص من مكان القطع، فإن أمكن القصاص من مكان القطع اقتص منه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وكلما أمكن القصاص وجب، فإذا وُجِدَ أطباء أكفاء، وقالوا: نحن يمكن أن نقدِّر هذه الجناية بدقة، بحيث نقتص من الجاني ولا نزيد أبداً، فما المانع من القصاص؟! لا مانع، بل لو قال المجني عليه: أنا أتنازل، فهو قطع يدي من نصف الذراع، وأنا أقطعها من ثلث الذراع، وأتنازل عن الزائد، فما المانع؟! لا مانع، فهذا رجل تنازل عن بعض حقه ليقتص من هذا الظالم المعتدي.
فعندنا ثلاثة احتمالات على خلاف كلام المؤلف: الأول: أن يقتص من المفصل الذي دون القطع، ويأخذ أرش الزائد.

الثاني: أن يقتص من مكان القطع إذا أمكن.
الثالث: أن يقتص من دون محل القطع، وفوق المفصل ويسقط المجني عليه الزائد.
وأما أن نقول: إذا قَطَعْتَ من مفصل قطعنا كفَّك، وإذا تجاوزت شيئاً أبقينا كفّك! فهذا بعيد، والصواب أن نقول: إن أمكن القصاص تماماً بدون حيف وجب، إن لم يمكن فلنا طريقان: الأولى: أن يقتص من الكف ويأخذ أرش الزائد.
الثانية: أن يقتص من فوق الكف ودون القطع، ويسقط الزائد إذا أحب.
أما على رأي المؤلف فإنه لا قصاص وله الدية، وهي بالنسبة لليد نصف الدية.
مسألة: هل يمكن القصاص من السن إذا ذهب بعضه؟ نعم، وذلك بأن يبرد سن الجاني حتى نصل للغاية.
وهل نأخذ منه بالمقدار أو بالنسبة؟ نأخذ بالنسبة؛ لأنه قد يكون سن الجاني صغيراً، وسن المجني عليه كبيراً، فإذا أخذنا بالمقدار فنصف سن المجني عليه يبلغ سن الجاني كاملاً، فلو أخذنا من سنِّه بالمقدار لانتهى السن، وكذلك العكس لو كان سن المجني عليه صغيراً فنأخذ بالنسبة، فإذا كان هذا الجزء من سن المجني عليه يقابل النصف من سنِّك أخذنا من سنك النصف، كما نفعل في الكف فقد تكون كف الجاني قدر كف المجني عليه مرتين أو أكثر، كرجل جاء إلى طفل في المهد فأخذ يده وقطعها، فهنا تقطع يد الجاني كاملةً.

مسألة: هل يجوز أن نبنِّج الجاني حتى لا يتألم؟ لا، لا يجوز؛ لأننا لو بنَّجناه ما تم القصاص، بل نقتص منه بدون تبنيج، لكن لو كان حداً لله كالسرقة، وقطع الأيدي والأرجل من خلاف في قطاع الطريق، فهذا يجوز أن نبنِّجه؛ لأن المقصود إتلاف هذا العضو لا تعذيبه.
وهل يجوز إذا قطعنا يد السارق أن نلصقها مرة أخرى؟ لا يجوز؛ لأن المقصود ليس حصول الألم، بل المقصود إتلاف هذا العضو الذي حصلت منه السرقة، وإلاَّ لو كان المقصود هو إيلام الجاني، لأخذناه وضربناها حتى يتألم، وهو أحسن من القطع، لكن إذا نظرنا إلى مقاصد الشرع وجدنا أن المقصود إتلاف العضو، وإبقاء هذا الجاني شُهرة بين الناس، كما قال ـ تعالى ـ في أصحاب السبت: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:66].
وقد قال الفقهاء رحمهم الله تعالى: إذا قطع أذنه ثم أعادها وهي حارة فيمكن أن تلتصق، وكذلك الجرح إذا جرحت بسكين، أو غيره فأَلْصِقْهُ سريعاً واضغط عليه، فهنا يلتئم ويتوقف الدم، لكن بشرط أن تفعل ذلك، والدم حار، ولا تتركه حتى يبرد.
الثَّانِي: الْمُمَاثَلَةُ فِي الاسْمِ وَالْمَوْضِعِ، ......................

قوله: «

الثاني: المماثلة في الاسم والموضع

» أي: الشرط الثاني من شروط القصاص في الطرف، بأن تكون يداً بيد، هذا الاسم، والموضع يمين بيمين مثلاً.
وكذلك خنصر بخنصر، هذا اسم، ويمين بيمين هذا موضع.

وأنملة وسطى بأنملة وسطى، هذا اسم، لكن يجب أن تبين من أي الأصابع، خنصر، بنصر، من اليمين، أو اليسار.

فَلاَ تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، وَلاَ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلاَ خِنْصِرٌ بِبِنْصِرٍ، وَلاَ أَصْلِيٌّ بِزَائِدٍ، وَلاَ عَكْسُهُ، وَلَوْ تَرَاضَيَا لَمْ يَجُزْ،

....................... قوله: «فلا تؤخذ يمين بيسار، ولا يسار بيمين، ولا خنصر ببنصر، ولا أصلي بزائد، ولا عكسه» أي: ولا يؤخذ عكسه؛ لأن الموضع مختلف.
قوله: «ولو تراضيا لم يجز» لو قال المجني عليه: هذا الجاني أخذ مني الخنصر الأصلي، وعنده خنصر زائد، وأنا أريد أخذ خنصره الزائد، وتراضيا على هذا، فإنه لا يجوز؛ لعدم المماثلة في الموضع.
ويؤخذ من كلام المؤلف: أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع بشيء من أجزائه؛ لأن الحق في ذلك لله عزَّ وجل، فلا يجوز أن تتبرع لأحد بأي شيء، لا بعين، ولا بأذن، ولا بأصبع، ولا بكُلية؛ لأن الحق لله تعالى، أما التبرع بالدم فجائز؛ لأنه يتعوض، مثل اللبن في ثدي الأم فإنه يتعوض، أمَّا ما لا يتعوض فلا يجوز.
وقد نص الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أنه لا يجوز لأحد أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، وذلك في كتاب الجنائز، فقالوا: لا يجوز للميت أن يتبرع لأحد بشيء من أعضائه، ولو أوصى به لم تنفذ وصيته؛ لأن بدنك أمانة عندك، لا يجوز أن تتحكم فيه.
وأقوى ما يعتمد عليه المجيزون أن ذلك من باب الإيثار.
والجواب: أن هذا بعيد عن الإيثار؛ لأن الإيثار أن تؤثر غيرك بشيء لم يكن فيك، فتؤثره مثلاً في أن يشرب قبلك، أو

يأكل قبلك، فهذا لا بأس به، أما شيء من نفسك فلا يمكن؛ لأن غاية ما هنالك في باب الإيثار أنك آثرته بنفع شيء خارج، أما أن تؤثره بإعطائه شيئاً تنقصه من بدنك فلا.

الثَّالِثُ: اسْتِوَاؤُهُمَا فِي الصِّحَّةِ وَالكَمَالِ، فَلاَ تُؤْخَذُ صَحِيحَةٌ بِشَلاَّءَ، وَلاَ كَامِلَةُ الأَْصَابِعِ بِنَاقِصَةٍ، وَلاَ عَيْنٌ صَحِيحَةٌ بِقَائِمَةٍ، وَيُؤْخَذُ عَكْسُهُ وَلاَ أَرْشَ.

قوله: «الثالث: استواؤهما في الصحة والكمال، فلا تؤخذ صحيحة بشلاَّء» أي: الثالث من شروط القصاص في الطرف.
والمراد بالاستواء ألاّ يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه، وعلى هذا فلا يخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن يكون طرف الجاني أكمل، وهذا هو موضوع البحث.
الثانية: أن يكون طرف المجني عليه أكمل، فهنا يؤخذ طرف الجاني بطرف المجني عليه.
الثالثة: أن يكونا سواءً، بأن يكون طرف الجاني وطرف المجني عليه صحيحين أو معيبين، وعلى هذا فقول المؤلف ليس بدقيق، والتعبير الدقيق أن يقول: «أن لا يكون طرف الجاني أكمل من طرف المجني عليه» فإذا كان طرف الجاني أكمل فإنها لا تقطع بيد المجني عليه، فإذا كان المجني عليه يده مشلولة ويد الجاني سليمة، فإنه لا تؤخذ يد الجاني بيد المجني عليه؛ وذلك لتفاوت ما بين اليدين، فيد المجني عليه معطلة المنفعة ويد الجاني سليمة المنفعة، فلم تستويا، فلا يثبت القصاص؛ لأن يد الجاني أكمل، وهذا هو الذي عليه جمهور أهل العلم، ومنهم المذاهب الأربعة، وحكاه بعضهم إجماعاً.

وقال داود الظاهري ـ رحمه الله ـ: إنها تؤخذ اليد السليمة بالشلاء؛ لعموم الآية ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، وقوله صلّى الله عليه وسلّم لأنس بن النضر ـ رضي الله عنه ـ: «كتاب الله القصاص» 1، والجاني هو الذي أراد ذلك لنفسه، وهو الذي جنى على نفسه في الواقع؛ لأنه فعل سبباً يقتضي قطع يده، فيكون هو المتسبب، وعلى نفسها جنت براقش، فعلى هذا تؤخذ اليد الصحيحة بالشلاء، وكما أننا نقتل الرّجل العاقل، الشاب، الجلد، بالرجل الأشل، الكبير السن، المجنون، فهكذا هذه اليد نأخذها باليد الشلاء، فعنده دليل أثري ونظري، فالأثري عموم النصوص الدالة على القصاص، فهاتوا نصاً يستثني ذلك، أما النظري وهو القياس، وإن كان داود الظاهري لا يقول به، لكن الجمهور يقولون به، وقياسه جيِّد.
لكنَّ أولئك يقولون: إن اليد الشلاء بمنزلة البدن الميت، لأن منفعتها مفقودة نهائياً، فلا تتحرك، ولا تحس بلامس، ولا بشيء أبداً، ومن المعلوم لو أن رجلاً حياً ذبح ميتاً لم يقتل به، فهم يقولون: إن قياس داود منتقض بهذا.
أما استدلاله بعموم النصوص، فقالوا: صحيح أن العموم يقتضي أن تؤخذ الصحيحة بالشلاء؛ لعدم التفصيل وعدم التقييد، وإذا لم يكن تفصيل ولا تقييد بقي العموم على ظاهره، لكن كلمة القصاص تعني أنه لا بد أن تكون هناك مماثلة بين الجزء المقتص

منه والمقتص له، وإلاّ لم يتحقق القصاص، فهذا هو رأي الجمهور، والمسألة تحتاج إلى بحث؛ لأن دليل داود قوي جداً.
قوله: «ولا كاملة الأصابع بناقصة» فلو كان الجاني كامل الأصابع والمجني عليه أصابعه أربعة، فإننا لا نأخذ يد الجاني بيد المجني عليه؛ لأن أصابع يد المجني عليه ناقصة فلا يتم القصاص.
وظاهر كلام المؤلف سواء كانت ناقصة بأصل الخلقة، أي: خلقه الله ما له إلا أربع أصابع، أو نقصاً طارئاً فيما لو قطع أصبعه.
وهذه المسألة أضعف من المسألة السابقة؛ وذلك لأن أصابع اليد الناقصة فيها منفعة، كالحركة والإحساس، ومثل ما لو قتل شخص رجلاً مقطَّع الأربع، يعني قد قطعت يداه ورجلاه، فإن الجاني يُقتل، ولو كان كامل الأطراف، فهذه مثلها، والقول بأنه يقتص من كاملة الأصابع بالناقصة أقوى من الأول؛ لأن الشلل تعطل المنفعة بالكلية، أما هذا فإنه نقص.
قوله: «ولا عين صحيحة بقائمة» العين القائمة هي التي بقيت على حالتها، وصورتها، بحيث من رآها يظنها تبصر، لكنها لا تبصر، والصحيحة هي التي تبصر، فإذا كانت عين الجاني صحيحة، وعين المجني عليه قائمة، فلا قصاص؛ لأن القائمة لا فائدة منها، وقد يقول قائل: لعل هذا الحكم يختلف في هذا الزمن؛ لأن العين القائمة يمكن أن تجرى لها جراحة، ويركب لها قرنيَّة، وتصبح صحيحة، أمَّا إذا كان الخلل في أعصاب العين

فالغالب أنه لا تنفعه العملية، وهذا إذا قاله الأطباء، فإن كانت منفعة العين قليلة فإنه يقتص لها، فتؤخذ عين الرجل القوي النظر بعين الأعمش ما دام أن فيها منفعة.
قوله: «ويؤخذ عكسه» أي: تؤخذ الشلاء بالصحيحة، وتؤخذ ناقصة الأصابع بكاملتها، وتؤخذ العين القائمة بالعين الصحيحة، لكن بشرط رضى من له الحق.
قوله: «ولا أرش» أي: أنَّنا لا نعطي المجني عليه الفرق بين الصحيح والأشل، وبين الزائد والناقص، وبين القائم والمبصر، وذلك لأن المأخوذ قصاصاً كالمتلف جناية من حيث الخلقة، لكنهما اختلفا في المنفعة؛ ولذلك لا نعتبر ذلك اختلافاً، فلا أرش له.
وهل تؤخذ الأذن السليمة بأذن الأصم؟ نعم، تؤخذ، يقولون: لأن السمع في الدماغ وليس في الأذن، ولذلك لو قُطعت أُذن الإنسان بقي سميعاً، وكذلك يؤخذ الأنف الصحيح بالأنف الذي لا يشم؛ لأن الشم حاسة في الدماغ وليس في الأنف؛ ولهذا مقطوع الأنف يشم.
وتؤخذ الأذن السليمة بالأذن الشلاء؛ لأن الصورة واحدة، لكن الحقيقة أن الشلاء ناقصة فلو مشت عليها ذرَّة لم تحس، وأُذن الجاني تحس، لكن لا عبرة بهذا، بل العبرة بالصورة.


فَصْلٌ

النَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ، فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ،

قوله: «النوع الثاني: الجراح» أي: النوع الثاني من القصاص فيما دون النفس، ويجب أن نتذكر القاعدتين السابقتين في أول الباب.
الأولى: من أقيد بأحد في النفس أقيد به في الجراح، ومن لا فلا.
الثانية: إذا كانت الجناية موجبة للقصاص في النفس فهي موجبة له في الجراح، وإلاَّ فلا.
وعلى هذا فالجرح خطأ لا قصاص فيه، وجرح المسلم الكافر لا قصاص فيه، وجرح الوالد الولد ـ على المذهب ـ لا قصاص فيه.
قوله: «فيقتص في كل جرح ينتهي إلى عظم» هذه قاعدة القصاص في الجروح، فإن كان الجرح لا ينتهي إلى عظم فلا قصاص؛ وذلك لأن الذي ينتهي إلى عظم يمكن الاستيفاء منه بلا حيف؛ لأنك ستأخذ اللحم حتى تصل إلى العظم، وأما ما لا ينتهي إلى عظم فلا يمكن القصاص منه، فهذا مبني على ما سبق وهو إمكان الاستيفاء بلا حيف، مثاله: قوله: «كالموضحة» وهي التي توضح العظم في الرأس والوجه خاصة، وهذا ما تقتضيه اللغة العربية، فإن العرب إذا قالوا: الموضحة، فإنما يعنون بها الجرح في الرأس والوجه فقط،

أما الجرح في الصدر ولو بيَّن العظم فلا يسمى موضحة.
فإذا جنى شخص على آخر عمداً، وكشط جلد رأسه ولحمه حتى وصل إلى العظم فإنه يقتص منه؛ لأنه جرح ينتهي إلى عظم، والاعتبار بالمساحة لا بالكثافة، أي بمساحة الجرح لا بكثافة عمقه؛ لأن بعض الناس يكون سميناً، وتكون طبقات اللحم فوق العظم أكثر، وبعض الناس بالعكس، فهذا لا عبرة به، بل العبرة بالمساحة، فيؤخذ من الجاني بمثل ما أخذ من المجني عليه.
وهل يؤخذ بالنسبة أو بالقدر؟ الظاهر أننا نأخذ بالنسبة، فإذا أوضح ربع رأسه نوضح ربع رأسه.

وَجُرْحِ العَضُدِ، وَالسَّاقِ، وَالفَخْذِ، وَالقَدَمِ، وَلاَ يُقْتَصُّ فِي غَيْرِ ذلِكَ مِنَ الشِّجَاجِ وَالجُرُوحِ غَيْرَ كَسْرِ سِنٍّ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَعْظَمَ مِن المُوضِحَةِ، كَالهَاشِمَةِ، وَالمُنَقِّلَةِ، وَالمَأْمُومَةِ، فَلَهُ أَنْ يَقْتَصَّ موضِحَةً، وَلَهُ أَرْشُ الزَّائِدِ،

............. قوله: «وجرح العضد، والساق، والفخذ، والقدم» والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فيقتص من كل جرح بمثله.
وقوله: «العضد» هو العظم الذي بين الكتف والمرفق.
وقوله: «والساق» وهو العظم بين الركبة والقدم.
وقوله: «والفخذ» وهو العظم الذي بين الورك والركبة.
وقوله: «والقدم» وهو العظم الذي بين الكعبين إلى نهاية الأصابع.
فالجروح في هذه المواضع تنتهي إلى عظم، والجرح في الصدر ينتهي إلى عظم إذا كان على الضلوع، أما إن كان بينهما فإنه لا ينتهي إلى عظم، والجرح في الرقبة ينتهي إلى عظم في مكان منه، وفي مكان آخر لا ينتهي إلى عظم، فالقاعدة أن كل جرح ينتهي إلى عظم ففيه قصاص.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
بَابُ اسْتِيفَاءِ القِصَاصِيُشْتَرَطُ لَهُ ثَلاَثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: كَوْنُ مُسْتَحِقِّهِ مُكَلَّفاً، فَإِنْ كَانَ صَبِيّاً، أَوْ مَجْنُوناً لَمْ يُسْتَوْفَ، وَحُبِسَ الْجَانِي إِلَى البُلُوغِ وَالإِفَاقَةِ.ثُمَّ إِنْ وُجِدَ مَنْ يُرْضِعُهُ، وِإِلاَّ تُرِكَتْ حَتَّى تَفْطِمَهُ، وَلاَ يُقْتَصُّ مِنْهَا فِي الطَّرَفِ حَتَّى تَضَعَ، وَالْحَدُّ فِي ذلِكَ كَالقِصَاصِ.فَصْلٌوَلاَ يُسْتَوْفَى قِصَاصٌ إِلاَّ بِحَضْرَةِ سُلْطَانٍ أَوْ نَائِبِهِ، وآلَةٍ مَاضِيَةٍ، وَلاَ يُسْتَوْفَى فِي النَّفْسِ إِلاَّ بِضَرْبِ الْعُنُقِ بِسَيْفٍ، وَلَوْ كَانَ الجَانِي قَتَلَهُ بِغَيْرِهِ.بَابُ العَفْوِ عَنِ القِصَاصِيَجِبُ بالعَمْدِ القَوَدُ، أَوْ الدِّيَةُ، فَيُخَيَّرُ الوَلِيُّ بَيْنَهُمَا، وَعَفْوُهُ مَجَّاناً أَفْضَلُ،فَإِنِ اخْتَارَ القَوَدَ، أَوْ عَفَا عَنِ الدِّيَةِ فَقَطْ فَلَهُ أَخْذُهَا وَالصُّلْحُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْهَا،وَإِنِ اخْتَارَهَا، أَوْ عَفَا مُطْلَقاً، أَوْ هَلَكَ الْجَانِي، فَلَيْسَ لَهُ غَيْرُهَا،وَإِذَا قَطَعَ إِصْبَعاً عَمْداً فَعَفَا عَنْها، ثُمَّ سَرَتْ إِلَى الْكَفِّ أَوِ النَّفْسِ، وَكَانَ العَفْوُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ فَهَدَرٌ، وَإنْ كَانَ العَفْوُ عَلَى مَالٍ فَلَهُ تَمَامُ الدِّيَةِ،وَإِنْ وَكَّلَ مَنْ يَقْتَصُّ ثُمَّ عَفَا، فَاقْتَصَّ وَكِيلُهُ وَلَمْ يَعْلَمْ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا،وَإِنْ وَجَبَ لِرَقِيقٍ قَوَدٌ، أَوْ تَعْزِيرُ قَذْفٍ، فَطَلَبُهُ وَإِسْقَاطُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ فَلِسَيِّدِهِ.بَابُ مَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِمَنْ أُقِيدَ بِأَحَدٍ فِي النَّفْسِ أُقيدَ بِهِ في الطَّرَفِ وَالجِرَاحِ، وَمَنْ لاَ فَلاَ، وَلاَ يَجِبُ إِلاَّ بِمَا يُوجِبُ القَوَدَ فِي النَّفْسِ،وَلِلْقِصَاصِ فِي الطَّرَفِ شُرُوطٌ: الأَْوَّلُ: الأَمْنُ مِنَ الْحَيْفِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَطْعُ مِنْ مَفْصِلٍ، أَوْ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، كَمَارِنِ الأَنْفِ، وَهُوَ مَا لاَنَ مِنْهُ.الثاني: المماثلة في الاسم والموضعفَلاَ تُؤْخَذُ يَمِينٌ بِيَسَارٍ، وَلاَ يَسَارٌ بِيَمِينٍ، وَلاَ خِنْصِرٌ بِبِنْصِرٍ، وَلاَ أَصْلِيٌّ بِزَائِدٍ، وَلاَ عَكْسُهُ، وَلَوْ تَرَاضَيَا لَمْ يَجُزْ،فَصْلٌالنَّوْعُ الثَّانِي: الْجِرَاحُ، فَيُقْتَصُّ فِي كُلِّ جُرْحٍ يَنْتَهِي إِلَى عَظْمٍ، كَالْمُوضِحَةِ،
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل