الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 214-253
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 214-253
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: «أو قائد» أي: قائد يقودها من أمام؛ لأن القائد يتصرف فيها وخصوصاً البهيمة الذلول التي تنقاد مع صاحبها، فهي ستتبعه، فأما إن نفرت وشردت وعجز فهذه ليست بيده.
قوله: «أو سائق» والسائق أقل الرجلين تصرفاً في البهيمة؛ لأنه يسوقها من الخلف، فالراكب يتصرف، والقائد يتصرف، أما السائق فإنه يتصرف لكن تصرفه قليل؛ لأن السائق يتصرف في إيقافها إذا تكلم معها بما يدل على الوقوف، لكن فيما أمامها لا يستطيع أن يتصرف كما ينبغي، ومع ذلك جعلوا السائق مثل الراكب والقائد.
قوله: «ضمن جنايتها بمقدَّمها لا بمؤخَّرها» يعني ما عضَّت بفمها أو وطئت بيدها فعليه ضمانه، أما ما كان بالرِّجل فلا ضمان فيه، كما لو وطئت على شيء أو نفحت برجلها شيئاً فلا ضمان؛ لأنه لا يستطيع أن يتصرف برجلها، أما يدها فيستطيع أن يحرفها يميناً وشمالاً إذا أقبلت على شيء تتلفه وكذلك السائق، لكن هذا ـ أيضاً ـ في النفس منه شيء؛ لأن البعير إذا رأت طعاماً، تنقَضُّ عليه انقضاض الطير على اللحم وتأكل هذا الطعام، فهل نقول في هذه الحال: على صاحبها الضمان؟ ظاهر كلام المؤلف أن عليه الضمان، ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن صاحبها في هذه الحال لا يتمكن منها، فلهذا ينبغي أن يقال: إذا كانت بيد راكب أو قائد أو سائق وأتلفت شيئاً بناءً على تفريطه أو تعديه فعليه الضمان، وأما إذا كان بغير تعدٍّ ولا تفريط فلدينا قاعدة أسَّسها النبي صلّى الله عليه وسلّم وهي:

«العجماء جُبار» (1). فينبغي أن نجعل مناط الحكم في هذا ـ أي فيما يتعلق بالبهائم من الجنايات ـ هو التعدي أو التفريط، فإذا كان متعدياً أو مفرطاً فعليه الضمان وإلا فلا.
والتعدي مثل أن يمر بها إلى جنب شجر ـ مثلاً ـ أو إلى جنب أطعمة يعرف أنها سوف تنهش من هذه الثمرة أو من هذه الأطعمة.
والتفريط مثل أن يُمْكِنَه كَبْحُ لجامِها ولكنه لا يفعل.

وَبَاقِي جِنَايَتِهَا هَدَرٌ كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ وَكَسْرِ مِزْمَارٍ وَصَلِيبٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَآنِيَةِ خَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ.

قوله: «وباقي جنايتها هدر» أي: باقي جناية البهيمة هدر، والدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «العجماء جُبار»، والتعليل أنه لا يمكن إحالة الضمان عليها؛ لأنها بهيمة، ولا على صاحبها؛ لأنه لم يحصل منه تعدٍّ ولا تفريط، فكل جنايتها هدر ما عدا ما استثني، وما استثني ـ كما تبين ـ مبني على التعدي أو التفريط، فإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان على صاحبها، وهذه القاعدة تطمئن إليها النفس وتركن إليها، وهي قاعدة منضبطة تماماً، ومأخوذة من السنة.
مسألة: نحن الآن ليس عندنا بهائم فيما يتعلق بالراكب والقائد والسائق، ولكن عندنا سيارات، فالسيارات الحكم فيها مبني على القاعدة، إن كان هناك تعدٍّ أو تفريط من السائق فعليه الضمان، وإن لم يكن تعدٍّ ولا تفريط فلا ضمان عليه.1

لو فرض أن شخصاً أتى مسرعاً والسيارة تسير في طريقها ثم اصطدم بالسيارة بالجنب أو بالمؤخر فهل على السائق ضمان؟ فالجواب: ليس عليه ضمان أبداً؛ لأنه لم يتعدَّ ولم يفرط بل يمشي في الطريق مشياً معتاداً، وهذا هو الذي جاء مسرعاً واصطدم بالسيارة.
ولو فرض أن رجلاً يمشي بسيارته في الطريق على العادة وإذا بشخص يقفز ويكون بين عجلتي السيارة، فهل عليه ضمان أو لا؟ الجواب: ليس عليه ضمان؛ لأن الرجل لم يتعدَّ ولم يفرط، أما لو رأى رجلاً قفز حتى صار في وسط الطريق وهو يملك السيارة ولكنه تهاون أو ظن أنه سوف يجتاز فهذا عليه الضمان، والفرق بينهما أن هذا مفرط والأول غير مفرط.
قوله: «كقتل الصائل عليه» قتل الصائل لا ضمان فيه، وهو يشمل الصائل على النفس، والصائل على العرض، والصائل على المال، فهذا يُدافَع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فقتله فلا ضمان، والدليل على هذا أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سأله رجل فقال: أرأيت إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي؟ فقال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «أنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» 1 فقوله: «هو في النار» يدل على أنه معتدٍ ظالم والمعتدي الظالم لا ضمان فيه؛ ولأن العدوان حصل من الصائل

فهو الذي قتل نفسه في الحقيقة فلا ضمان على القاتل، ولكن يجب أن يدافعه بالأسهل فالأسهل، فإذا اندفع بالتهديد فلا يضربه، وإذا اندفع بالضرب الخفيف فلا يضربه ضرباً شديداً، وإذا اندفع بالضرب الشديد فلا يقتله، وإذا لم يندفع إلا بالقتل فله قتله.
فإذا قال قائل: قد ورد فيمن وجد شخصاً على امرأته فقتله أنه لا ضمان فيه 1، وإن كان يمكن أن يندفع بما دون القتل، وأنتم تقولون: إن الصائل لا يجوز قتله إن أمكن دفعه بما دون القتل.
فالجواب: أن قتل من وجد شخصاً على امرأته أو محرمه ليس من دفع الصائل، ولكنه من باب عقوبة المعتدي، والعدوان حصل منه، فهو يقتل عقوبة لا لدفع عدوانه، ففرق بين هذا وهذا، ونظير ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أهدر عين من نظر من خصاص الباب فقام إنسان ففقأ عينه دون أن يحذره 2، فإن هذا من باب عقوبة المعتدي؛ لأنه قد حصل العدوان وليس من باب دفع الصائل، فإن المدافعة عن شيء لم يقع، أما شيء وقع ليس فيه إلا العقوبة.
فإذا كان المصول عليه لا يدري هل يبادره بالقتل؟ لأن

الصائل ربما يكون معه سلاح، فهل للمصول عليه في هذه الحال أن يبادره بالقتل؟ الجواب: نعم، إذا غلب على ظنه غلبة قوية أنه إن دافعه بالأسهل فالأسهل قَتَلَهُ، فإنه يقتله ولا شيء عليه، وهذا فيما بينه وبين الله.
لكن لو ادعى فيما بعد أولياء المقتول أنه لم يصل على هذا الرجل، وأن هذا الرجل هو الذي اعتدى عليه وقتله ثم ادعى أنه صائل، فيقال للقاتل: أثبت أن الرجل صالَ عليك، فقال: أثبت ذلك، إنه صال علي في بيتي، حيث إنه لم يقتله في الشارع بل قتله في بيته، قالوا: نعم، قتلته في بيتك؛ لأنك دعوته فأجاب الدعوة فاستغللت الفرصة وقتلته، وهذا يمكن، إذاً ماذا نصنع؟ المشهور في المذهب أنه يُقتل القاتل مع أنه مدافع إلا إذا أثبت أن هذا صائل عليه فلا يقتل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ يجب أن يُنظر للقرائن في القاتل والمقتول، فإذا كان القاتل ممن عُرِف بالصلاح والاستقامة وأنه لا يمكن أن يعتدي على أحد بالقتل، وَعُرِف الصائل بالشر والفساد والهجوم على الناس، فالقول قول القاتل لكن بيمينه ولا حاجة لبينة، وما قاله شيخ الإسلام هو الذي لا يسع الناس العمل إلا به.
وقوله: «الصائل» يشمل الصائل من بني آدم ومن غير بني آدم، فلو صال عليه جمل فقتله دفعاً للصول، فهل يضمن لصاحب الجمل؟ لا؛ لأن الجمل أصبح لا قيمة له، ولو قتل صيداً صال

عليه وهو محرم فليس عليه الجزاء؛ لأنه صال عليه فهو معذور.
فإذا قال قائل: هل يجب قتل الصائل إذا صال؟ بمعنى هل يلزم الإنسان أن يدافع عن نفسه أو لا؟ الجواب: أما أهله وحرمته ونفسه فيجب أن يدافع، وأما المال فمختلف فيه، والصحيح أنه يجب أن يدافع عن ماله؛ لأن المال وإن كان أهون من العرض ومن النفس، لكن الذل الذي يصيب الإنسان بتمكين هذا المجرم من إتلاف المال أو سرقته أو ما أشبه ذلك يقتضي وجوب المدافعة، وقد سأل النبي صلّى الله عليه وسلّم رجل فقال: يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار»، قال: وإن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد» 1. قوله: «وكسر مزمار» يعني كما لا يضمن كسر المزمار؛ لأن هذا من باب تغيير المنكر، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده» 2، ولأن هذه الآلة لا يجوز الإقرار عليها وكسرها وسيلة إلى ذلك، ولكن إتلافه يضمن؛ لأن إتلافه غير كسره؛ لأن كسره يمنع من استعماله في المحرم، ولكن تبقى مادة هذا المزمار ينتفع بها في إيقاد نار، إذا كان من خشب أو في صنع قدور وأوانٍ إذا كان من حديد، أما إتلافه بالكلية فمعناه أنه أزال عين هذا الشيء، وإزالة عينه أكثر من إزالة وصفه الذي يصح

أن يكون به مزماراً، ولذلك قال المؤلف: «وكسر مزمار».
وقوله: «مزمار» المزمار آلة من آلات العزف، وآلات العزف كلها حرام سواء اقترنت بالغناء أم لم تقترن وإن كان الغالب أنها تقترن، والدليل على تحريمها ما ثبت في صحيح البخاري عن أبي مالك الأشعري ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليكونَنَّ من أمتي أقوام يستحلُّون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» 1 هذه أربعة كلها تكاد تكون متلازمة.
فالمعازف يصحبها غناء في الغالب، والغناء يكون مع المعازف فيه الغزل والإغراء، فينبني عليه الزنا حيث قال: «يستحلُّون الحِرَ» أي: الزنا.
وقوله في الحديث: «والخمر والحرير» فالحرير سببه الترف، وأن الإنسان يميل إلى أعلى ما يكون من الترف وحينئذٍ يشرب الخمر ليكمل ـ على ما يزعم ـ ترفُهُ، فهذا نص صريح في أن المعازف حرام؛ لأن قوله: «يستحلون» يدل على أنها حرام.
وهل الاستحلال هنا اعتقاد أنها حلال، أو ممارستها كممارسة الحلال؟! الجواب: الثاني؛ لأن اعتقاد أنها حلال قد يُخرج من الإسلام، إذا اعتقد أن الخمر حلال وهو في أمة الإسلام قد عاش وفهم ذلك كان مرتداً، لكن المراد يستحلونها أي يفعلونها فعل المستحل لها فلا ينكرونها ولا يدعونها.

والمعازف عامة تشمل كل آلات العزف، لكن هناك شيء مخصص للعموم وهو استعمال الدف في المناسبات، فإن السنة جاءت بجوازه، كاستعمال الدف في الأعراس، واستعمال الدف في أيام الأعياد، واستعمال الدف في قدوم الغائب الكبير الذي له إمرة أو نحو ذلك، كل هذا جاءت به السنَّة.
أما الأول فظاهر فإن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال» 1 وإن كان هذا الحديث فيه ما فيه لكنه له مؤيدات.
وأما الأعياد فلأن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ رأى جاريتين تغنيان وتدفان عند النبي صلّى الله عليه وسلّم فانتهرهما، وقال: أمزمار الشيطان عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟! فقال: «دعهما فإنها أيام عيد» 2. وأما قدوم الغائب فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم من سفر فجاءت امرأة إليه فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردَّك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف، فقال لها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أوفي بنذرك» 3.

وما عدا الدف من آلات الزمر، فالأصل فيه التحريم؛ لأنه داخل في العموم، وما عدا ذلك ـ أيضاً ـ من الأحوال التي رُخص فيها فإنه حتى الدف يكون حراماً؛ لأن ما خصص بحال يجب أن يتخصص بها.
إذاً المزمار من آلات العزف التي لا تباح بحال، وعلى هذا فيجب إتلافه، فإذا أتلفه متلف لم يكن عليه ضمان.
ولكن مَنْ الذي يُخاطَب في إتلافه؟ يخاطب في إتلافه من هو بيده، ويقال له: يجب عليك أن تكسر هذا.
فإن قال: أحرقه أو أكسره؟ قلنا: إن كانت مادته يمكن أن ينتفع بها في شيء مباح فلا تحرقه، يعني بحيث يحولها إلى صندوق من خشب أو ما أشبه ذلك فلا تتلفه؛ لأن هذا إنما حرم لا لأنه خشب لكن لكونه استعمل في حرام، فإذا كان يمكن أن يُحَوَّل إلى حلال فإنه لا يجوز أن يُتلف؛ لأن في ذلك إتلاف مال، وأما إذا كان لا يمكن الانتفاع به فإنه يحرق؛ لأن إحراقه أبلغ في التنفير عنه؛ ولئلا تدعوه نفسه فيما بعد إلى جمع المكسَّرات بعضها إلى بعض، حتى يُكوِّنَ منها مزماراً، ويدلنا على أن التحريق أبلغ وأنكى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حَرَّق نخل بني النضير 1 ولم يقطعه، مع أنه يمكن أن

تقطع وينتفع بجذوعها وينتفع بعُسْبها، لكنه حرَّقها؛ لأنه أبلغ في الإهانة.
إذاً يخاطب من هي بيده، ثم يجب على ولاة الأمور أن يكسروها ويتلفوها؛ لأنهم مسؤولون عن الأمة في هذا الشيء، وهم قادرون على أن يكسروها وليسوا عاجزين فيلزمهم أن يكسروها؛ لئلا يشيع المنكر في أمتهم، وهم إذا اتقوا الله ـ تعالى ـ في الأمة اتقت الأمة ربها فيهم، وإذا كان الأمر بالعكس صار الأمر بالعكس؛ لأن من أذل الخلق في طاعة الله أعزه الله بهذه الطاعة، وهذا شيء مُسلَّم؛ لذلك يجب على ولاة الأمور أن يكسروا هذه الآلات؛ لأنها ضرر على المجتمع عامة، وعلى الأمن وعلى الولاة أيضاً؛ لأن النفوس إذا أبعدت عن الخالق لم ترحم المخلوق، وهذه الأشياء تبعد الخلق عن الخالق؛ لأنها تلهي وتصد عن سبيل الله وعن ذكر الله وعن الصلاة.
وهل يجب على الواحد من الناس أن يكسر هذه المزامير؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس له السلطة.
وهل يجوز أن يكسرها؟ يُنظر، إن كان يترتب على ذلك ضرر أكبر فإنه لا يكسرها، كما لو حصلت فتنة في تكسيرها بأن يقوم صاحبها على هذا وينازعه ويخاصمه وربما يحصل بينهما شر، فهنا لا يكسرها ولكن إذا سمعها يهرب منها، وإن لم يكن فتنة بحيث أتى على حين

غفلة ووجدها وكسرها فلا بأس، لكن مع هذا إذا كان يخشى أنه يمكن أن يُتتبع حتى يُعرف ويحصل الشر والفتنة، فإنه لا يجوز له أن يكسرها فضلاً عن كونه يجب.
قوله: «وصليب» يعني كذلك كسر الصليب، والصليب هو عبارة عن خطين أحدهما قائم والآخر معترض، ادعت النصارى أن المسيح عيسى بن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ قُتل وصلب عليه، ولعل ذلك ـ والله أعلم ـ لقوة اليهود وظهورهم عليهم ذَلوا أمامهم، وإلا فمن المعلوم أن النصارى يعظمون عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ، والذين ادعوا أنهم قتلوه وصلبوه هم اليهود كما قال الله ـ تعالى ـ عنهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً *﴾ [النساء] ولهذا يجب علينا نحن المسلمين أن نعتقد أن عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ لم يقتل ولم يصلب، ويجب علينا أن نعتقد أن اليهود باؤوا بإثم قتله وصلبه؛ لأنهم أقروا بأنهم قتلوه وصلبوه فباؤوا بالإثم لإقرارهم.
هذا الصليب تعظمه النصارى وتعلقه في أعناقها وترسمه على أبواب بيوتها وفي مجالسها وفي كل شيء، تعظمه بحجة أن المسيح ـ عليه الصلاة والسلام ـ قتل وصلب عليه، ونحن نرى أنه منكر عظيم؛ لأنه شعار كفر، وأنه مبني على كذب لا حقيقة له، والمبني على الكذب ـ والكذب باطل ـ يكون باطلاً.
فإذا كسر إنسان صليباً فإنه لا يضمنه؛ لأنه لا يجوز إقراره

فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان لا يدع شيئاً فيه صليب إلا نقضه 1، ولكن لو أتلفه ضمن، وهل يضمنه بقيمته صليباً أو بقيمته مكسراً؟ يضمنه بقيمته مكسراً؛ لأنه ليس له قيمة شرعاً.
ولكن هل للإنسان أن يكسر الصلبان التي ينصبها النصارى مثلاً؟ الجواب: لا؛ لأنه ليس له ولاية حتى يمكن من كسر هذه الصلبان، ثم لو فرض أن النصراني أظهر الصليب وأعلنه في لباسه أو غير ذلك، فهنا يجب على ولاة الأمر في البلاد الإسلامية أن يمنعوهم من إظهار الصليب؛ لأنه شعار كفر، وهم يعتقدون تعظيمه ديناً يدينون لله ـ تعالى ـ به.
قوله: «وآنية ذهب وفضة» آنية الذهب والفضة إذا كسرها الإنسان فإنه لا ضمان عليه؛ لأن آنية الذهب والفضة ـ على المشهور من المذهب ـ حرام مطلقاً، سواء كان يستعملها صاحبها في الأكل والشرب أو للزينة أو لغير ذلك، بناءً على أن آنية الذهب والفضة يحرم استعمالها واتخاذها.
وهذه المسألة فيها خلاف، وظاهر السنة أن المحرم الأكل والشرب بها فقط دون بقية الاستعمالات ودون اتخاذها للزينة، اللهم إلا أن يكون هذا من باب السرف فينهى عن ذلك للإسراف لا لذاتها، ودليل هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها» 2 فلم يذكر إلا الأكل والشرب

ولو كان المراد الأكل والشرب وغيرهما لقال: لا تستعملوا، ولو كان الاتخاذ بدون الاستعمال حراماً لقال: لا تتخذوا، فلا يمكن أن يدع النبي صلّى الله عليه وسلّم ما هو أعم، ويذكر ما هو أخص، وإذا كان كذلك فلا يمكن أن نستدل بالأخص على الأعم؛ لأن الدليل لا بد أن يكون أعم من المدلول أو مساوياً له، حتى يمكن الاستدلال، أما إذا كان الدليل أخص فالشارع قد وسع للأمة، ويدل لهذا أن أم سلمة ـ رضي الله تعالى عنها ـ وهي ممن روى النهي عن آنية الفضة خاصة، كان عندها جلجل من فضة ـ يعني مثل ما نسميه نحن (قارورة) حفظت فيه شعرات من شعر النبي صلّى الله عليه وسلّم وكان الناس يستشفون بهذه الشعرات، إذا مرض المريض صبت في هذا الجلجل ماءً ورجته بالشعرات واستشفى به الناس 1. بناءً على هذا القول ـ الذي هو ظاهر السنة وهو الراجح ـ نقول: لا يجوز كسر آنية الذهب والفضة إلا لمن يستعملها في الأكل والشرب؛ لأن الأصل في جواز كسر آنية الذهب والفضة وعدم ضمانها بالإتلاف أنها محرمة الاستعمال.
وعلى القول بجواز اتخاذها فإنه يضمنها إذا كسرها؛ لأنه حال بين صاحبها وبين أمر مباح له، ولكن هل يضمنها على أنها آنية تتخذ أو على أنها آنية تستعمل؟ يضمنها على أنها آنية مستعملة في غير الأكل والشرب.

قوله: «وآنية خمر غير محترمة» آنية الخمر إذا كسرها الإنسان فلا ضمان عليه؛ لأن فيها ما لا يضمن وهو الخمر، فإن الخمر لا يضمن، حتى لو كان يساوي آلافاً فأتلفه الإنسان فلا ضمان عليه؛ لأنه لا قيمة له شرعاً.
ولو قال قائل: ما شأن الآنية، الآنية تحفظ الخمر وغيره فهي تستعمل في الخمر وغيره؟ نقول: لأنه لما كان الخمر فيها ذهبت حرمتها لذهاب حرمة ما فيها فلا تضمن، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، ويدل لذلك أن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ حرّق حانوت الخمار 1، وهذا أبعد من آنية الخمر، وقال بعض العلماء: إنه إذا كسر آنية خمر فهو ضامن؛ لأن الآنية محترمة ويمكن إتلاف الخمر دون إتلافها، إلا إذا لم يمكن إتلاف الخمر إلا بإتلافها، بناء على أن الأمر الذي لا يتم الأمر إلا به داخل في الأمر الذي أبيح، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأصل في مال المسلم أنه محترم.
وقوله: «غير محترمة» هذه صفة لخمر وليست صفة لآنية، وأفادنا ـ رحمه الله ـ أن الخمر المحترمة إذا كسر آنيتها فهو ضامن، فما هي الخمر المحترمة؟ هي خمر الذمي الذي يعيش في بلاد المسلمين بالجزية فخمره محترمة، بمعنى أنه لا يحل لنا أن نريق خمره التي يشربها لكن بدون إعلان، فإذا كان ذمي في بيته

يشرب الخمر فلا يجوز لنا أن ندخل بيته ونكسر أوانيه أو نريق خمره؛ لأنه يعتقد حله ولم يعلن به فيكون محترماً كاحترام دم الذمي وماله، والخمر عند الذمي مال يباع ويشترى.
والمعاهد والمستأمِن حكمهما حكم الذمي؛ لأن المعاهد والمستأمِن قد عاهدهما المسلمون على أن لا يتعدى عليهما أحد، لكن لو أن الذمي أظهر الخمر وخرج إلينا بكؤوسه يشرب في أسواقنا، فهنا انتقض عهده ولم يكن له عهد، وخمره غير محترمة.
وذكروا ـ أيضاً ـ أن من المحترم من الخمر خمر الخلاَّل الذي يبيع الخل، فلو أنه في يوم من الأيام تخمر الخل إما لشدة الحر أو لسبب آخر فإن خمره محترم؛ وعللوا ذلك بأنه لو كان غير محترم لزم على الخلاَّل ضرر عظيم؛ لأن هذا ماله فيتضرر بهذا.
وهذه المسألة تحتاج إلى نظر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الخمر تتخذ خلاًّ فقال: لا 1، وهذا الخلاّل سوف يحبس الخمر حتى تتخلّل، وربما يخلّلها هو بنفسه، ففيما قاله الأصحاب ـ رحمهم الله ـ في هذه المسألة نظر، فالله أعلم.
وكسر هذه الأشياء ينظر فيه للمصلحة إن كان الإنسان يمكن أن يقوم بذلك بدون ضرر فليفعل، مثل أن يكون المكان خالياً ولا يشاهده أحد فإنه يجب أن يكسرها، وإن كان يخشى ضرراً

فلا يفعل، مثل أن تكون حكومة جائرة إذا كسرت هذه الأشياء وقيل: إن الذي كسرها المسلمون سجنتهم ومنعت دعوتهم إلى الخير، فحينئذٍ نقول: لا يجوز أن تقدم على تكسيرها؛ لأن فيه ضرراً، أما إذا كان ولاة الأمور يفرحون بذلك ولم يكن ذلك على سبيل المنابذة فإن هذا قد يجب لما فيه من إزالة الإثم والعدوان.

بَابُ الشُّفْعَةِ

وَهِيَ اسْتِحْقَاقُ انْتِزَاعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِثَمَنِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُ

..... قوله: «الشفعة» مأخوذة من الشَفْعِ وهو جعل الواحد اثنين وهو ضد الوتر، وسميت بذلك؛ لأن الشريك يضم نصيب شريكه إلى ملكه فلذلك صار كجعل الوتر شفعاً.
أما اصطلاحاً فيقول: «هي استحقاق انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه» يعني الحصة، مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض فباع أحدهما نصيبه على ثالث، فللشريك الذي لم يبع أن ينتزع من المشتري هذا النصيب قهراً عليه، ويضمه إلى ملكه، فتكون الأرض كلها للشريك الأول الذي لم يبع.
وقوله: «استحقاق انتزاع» الحقيقة أن في هذا التعريف نظراً؛ لأن الشفعة حقيقة انتزاع الحصة، وليس استحقاقاً؛ لأن هذا المستحق لو لم ينتزع لم تثبت الشفعة، لكن لا يستحق الانتزاع إلا بشروط، فالصواب أن يقال في التعريف: (الشفعة انتزاع حصة الشريك ممن انتقلت إليه ... إلخ) دون أن يقال: «استحقاق»؛ لأن هناك فرقاً بين الاستحقاق وبين الانتزاع، ولهذا لو باع أحد الشريكين نصيبه فالشريك الأول مستحق، فإذا أجاز البيع ولم يأخذه فهل هناك شفعة؟ لا، إذاً التعريف ليس بجيد، والصواب أن يقال: «انتزاع حصة شريكه».

وقوله: «انتزاع» يفيد أن الأمر ليس اختيارياً وأنه ينزع منه قهراً، وهو كذلك.
وقوله: «حصة شريكه ممن انتقلت إليه» أفادنا المؤلف أنه لا ينتزع ملك جاره وأنه لا شفعة للجار، وسيأتي الكلام على ذلك ـ إن شاء الله ـ، لكن كلمة (شريك) تُخرج الجار؛ لأن الجار ليس بشريك.
وقوله: «ممن انتقلت إليه» يفيد أنه لا بد من نقل المُلك، فلو آجرها فإنه لا شفعة، مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض أجَّر أحدهما نصيبه منها لشخص ثالث، فهنا لا شفعة للشريك؛ لأن ملكه لم ينتقل وإنما انتقل النفع فقط، حتى ولو طالت المدة كالصُّبرة المعروفة بالحكورة، وهي أن يؤجره الأرض دائماً وأبداً أو لمدة ألف سنة أو ما أشبه ذلك، فظاهر كلام المؤلف: أنه لا شفعة في هذا؛ لأن الملك لم ينتقل وإنما انتقل النفع.
قوله: «بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد» «بعوض» متعلق بقوله: «انتقلت»، وخرج به ما لو انتقلت بغير عوض، ولا فرق بين أن يكون انتقالها بغير عوض بملك قهري أو اختياري، فمثلاً: لو أن الشريك مات وله ابن يرثه، فهنا انتقل الملك إلى الابن بغير عوض، إذاً ليس لشريكه أن يُشَفِّع، وهذا الانتقال انتقال قهري، يعني أن الملك انتقل إلى الوارث قهراً، فيدخل في ملك الوارث قهراً عليه حتى لو أراد الوارث أن يتخلى وقال: أنا لا أريد نصيبي من التركة، فإنه لا يمكنه ذلك؛ لأن الله

ملَّكه إياه، قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] فلا يمكن أن يتخلى عن شيء ملَّكه الله إياه، فانتقال الملك بالإرث انتقال قهري لا يمكن للوارث أن يرفضه، فلو مات ميت عن ابنين فقال أحدهما: أنا غني ولا أريد الإرث، فهل يمكنه هذا؟ لا يمكن، ونقول: هو دخل عليك قهراً بتمليك الله له إياك.
فإذا انتقل بغير عوض على وجه اختياري كالهبة فظاهر كلام المؤلف ـ حسب المفهوم ـ أنه لا شفعة، مثال ذلك: شريكان في أرض وهب أحدهما نصيبه لشخص ثالث، فهل لشريكه أن يأخذ بالشفعة؟ على كلام المؤلف لا؛ لأنه انتقل بغير عوض لكن هذا الانتقال اختياري، فهو الذي قام بهبته، والصحيح أن فيها الشفعة؛ لأن الحكمة من إثبات الشفعة موجودة فيما خرج ملكه عن الشريك بالهبة، والحكمة إذا ثبتت فإنه لا عبرة باختلاف الصور، يعني إذا وُجدت الحكمة فسواء كان ببيع أو بهبة.
إذاً قوله: «بعوض» يخرج به ما انتقل بغير عوض وهو نوعان: أحدهما: أن يكون الانتقال قهرياً مثل الميراث، فلا شفعة وهذا واضح؛ لأن الشريك لم ينقله باختياره.
الثاني: أن يكون انتقال الملك فيه بالاختيار كالهبة، فالمذهب أنه لا شفعة، والصحيح أن الشفعة ثابتة؛ لأن الحكمة من الشفعة موجودة في الهبة، إذ إن الحكمة من الشفعة إزالة ضرر

الشريك الجديد عن الشريك الأول؛ لأنه قد يكون الشريك الجديد شكساً سيئ الخلق، فشرع الشارع الشفعة لإزالة هذا الضرر، ثم إن هذا الشريك الجديد قد لا يتلاءم مع الأول فتحصل المنازعات والخصومات والبغضاء، وهذا ما يريد الشرع البعد عنه.
وقوله: «بعوض مالي» يشترط أن يكون العوض مالياً فإن لم يكن مالياً فإنه لا شفعة، فالأعواض مالية وغير مالية، فالمالية كالنقود والثياب والسيارات وما أشبه ذلك، والعوض المالي يشمل الأعيان والمنافع، مثال الأعيان: إنسان باع ملكه على شخص بسيارات، فالعوض هنا مالي، وهو أعيان وليس بمنافع.
ومثال المنافع: إنسان استأجر بيتاً وأعطى صاحب البيت نصيبه من هذه الأرض مثلاً، فهنا العوض منفعة؛ لأنه أعطى نصيبه من هذه الأرض لشخص استأجر بيته واستوفى العوض منفعة؛ والمنفعة لا شك أنها من الأعواض المالية.
ولو أنه أعطاها مصالحة عن دم عمد كالقتل العمد فإن فيه القصاص، فهذا الشريك قتل شخصاً عمداً، فنقول: عليك القصاص، فتصالح هو وأولياء المقتول بأسقاط القصاص بعوض على قدر الدية أو أقل أو أكثر، فهل للشريك الأول أن يأخذ النصيب بالشفعة؟! لا؛ لأن العوض هنا ليس مالياً، العوض قصاص لقتل نفس فلا تُؤْخذ بالشفعة.
وقيل: بل تؤخذ بالشفعة ويأخذها الشريك بقيمتها التي تساوي عند الناس، وهذا القول أرجح؛ لأنها خرجت عن هذا

باختياره، والذي نرى أنه كلما خرج الشقص بالاختيار فإن للشريك أن يأخذ بالشفعة، سواء كان العوض مالياً أو غير مالي، فإن كان العوض مالياً فواضح أنه يأخذه بعوضه، وإن كان غير مالي قُدِّر بقيمته في السوق.
وقوله: «بثمنه» الباء حرف جر، وكل مجرور فلا بد له من متعلق؛ لأن المجرور معمول لعامل، والمعمول لا بد له من عامل، كما أن المفعول به لا بد له من فعل ينصبه، فالمجرور ـ أيضاً ـ لا بد له من فعل يتعلق به، ولهذا قال ناظم القواعد: لا بد للجار من التعلق بفعل أو معناه نحو مرتقي 1 على كل حال (الباء) في قوله: «بثمنه» متعلقها قوله: «انتزاع» فهي استحقاق انتزاع بالثمن، يعني أن الشريك يأخذ الشقص المبيع بالثمن لا بالقيمة.
واعلم أن هناك فرقاً بين القيمة والثمن عند أهل العلم، فالثمن هو ما وقع عليه العقد، والقيمة ما يساوي بين الناس، فمثلاً اشترى رجل بيتاً بعشرة آلاف، فالثمن عشرة آلاف، لكن هذا البيت يساوي بين الناس خمسة آلاف، فالقيمة إذاً خمسة آلاف، أو يساوي عشرين فالقيمة عشرون، فالثمن قد يساوي القيمة، وقد يكون أقل وقد يكون أكثر.
وقوله: «الذي استقر عليه العقد» فُهِم من كلام المؤلف أن العبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد، فمثلاً: لو أن

رجلاً اشترى حصة لشريك بعشرة آلاف ريال، وفي مجلس الخيار قال المشتري بعدما تم العقد: إنه غالٍ وأنا لا أريد أن آخذه إلا بتسعة آلاف فيأخذه الشفيع بتسعة آلاف، والعكس بالعكس، فلو باعه بتسعة آلاف وفي مجلس العقد قال البائع: إن الثمن قليل، وأريد أن يكون بعشرة وإلا فسخت العقد فوافق المشتري واشتراه بعشرة فيأخذه الشفيع بعشرة، فالعبرة بما استقر عليه العقد لا بما جرى به العقد؛ لأنه قد يزاد وقد ينقص في خيار المجلس أو خيار الشرط.
والدليل على ثبوت الشفعة حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم 1، وهذا القضاء قضاء حكم وتشريع، وذلك أن قضاء الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد يكون قضاء حكم وتشريع عام للأمة، وقد يكون قضاء مصلحة يتقيد بزمنه، مثال الأول: هذا الحديث الذي معنا، ومثال الثاني: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قضى بالسَّلَب للقاتل في الجهاد 2، والسلب ما على الكافر المقتول من ثياب ونحوها، فهل قضاؤه بذلك قضاء حكم وتشريع أو هو قضاء عين ومصلحة؟ إن قلنا بالأول صار السلب للقاتل في كل حال سواء جعله له القائد أم لم يجعله، وإن قلنا بالثاني صار القضاء بالسلب للقاتل إلى الإمام أو قائد الجيش، لكن الشفعة قضاء حكم وتشريع عام.

فإذا قال قائل: كيف يؤخذ منه قهراً؟! وهل هذا إلا من أكل أموال الناس بالباطل؟! فيقال: معاذ الله أن يكون من أكل المال بالباطل؛ لأن أخذ المال بالباطل أن يأخذه الإنسان بغير حق، وهذا أخذه بحق جعله الشارع له.
فإذا قال قائل: إذاً ما وجه تسليط الشارع الشريك على هذا المشتري حتى ينتزع منه ملكه قهراً؟ فيقال: لما في ذلك من المصلحة، وعدم المضرة على المشتري؛ فالمشتري ليس عليه ضرر؛ لأن ثمنه الذي دفع سوف يدفع إليه، وليقدر أنه لم يشترِ، وأما انتفاء الضرر الذي يحصل بالشفعة فلأن هذا الشريك قد يكون شريكاً سيئ الشركة متعباً لشريكه يحوجه إلى النزاع والخصومة دائماً، فجعل الشارع للشريك أن يدفع ما يخشى من ضرره بالشفعة.
فإذا قال قائل: إذا كانت هذه هي العلة وقُدِّر أن الشريك باع على رجل أحسن منه شركة، فهل تسقطون الشفعة؟ فالجواب: لا نسقطها؛ لأن ما ثبت بعلة خفية، فإنه يثبت ولو لم تتحقق العلة، ومثل ذلك القصر في السفر فإن علة القصر هي المشقة غالباً، فإذا زالت المشقة فلا يزول الحكم، بل للإنسان أن يقصر في السفر وأن يفطر ولو لم تكن مشقة، وهنا كذلك.

فَإِنِ انْتَقَلَ بَغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَدَاقاً، أَوْ خُلْعاً، أَوْ صُلْحاً عَنْ دَمِ عَمْدٍ فَلاَ شُفْعَةَ وَيَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لإسْقَاطِهَا.

....... قوله: «فإن انتقل بغير عوض» فلو انتقل النصيب بميراث ـ مثلاً ـ فلا شفعة، مثاله: رجلان شريكان في أرض، مات أحدهما فانتقل نصيبه في هذه الأرض إلى ورثته، فهل للشريك أن

يشفع؟ الجواب: لا؛ لأنه انتقل بغير عوض على وجه قهري.
مثال آخر: وهب الشريك نصيبه لشخص، فهل للشفيع أن يأخذه؟ على كلام المؤلف ليس له أن يأخذه؛ لأنه انتقل بغير عوض.
ولو تصدق الشريك بحصته على الفقراء فليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه انتقل بغير عوض، وكذا لو أوقفه على الفقراء فليس له أن يأخذه بالشفعة؛ لأنه انتقل بغير عوض، أما لو جعله أجرة، بأن كان الشريك عليه أجور كثيرة فقال لمن له الأجرة: أنا أعطيك نصيبي من هذه الأرض، فقبل، فهل للشفيع أن يشفع؟ نعم له أن يشفع؛ لأن الأجرة دراهم، فانتقلت بعوض.
ولكن القول الراجح أنه إذا انتقلت بغير عوض، فإن كان قهرياً فلا شفعة، وإن كان اختيارياً ففيه الشفعة، وبناء على هذا القول الراجح إذا انتقل بإرث، فهل للشريك أن يشفع على الورثة؟ لا؛ لأنه انتقل على وجه قهري.
ولو وهب الشريك نصيبه لشخص فهل لشريكه أن يشفع؟ على القول الراجح نعم له أن يشفع، ولكن كيف يكون الثمن؟ إذا قال الموهوب له: لا يمكن أن تأخذ مني ما ملكته بالهبة بدون عوض فنقول: تُقَدَّر قيمته من لدن أهل الخبرة فإذا قالوا: قيمته كذا، قلنا للشريك: إن أخذته بهذه القيمة فلك الحق وإلا فلا حق لك.
وقوله: «فإن انتقل» مقتضى السياق أن يقول: فإن انتقلت، لأنه قال: «انتزاع حصة» فأعاد الضمير على «حصة» باعتبار معناها لا لفظها.

قوله: «أو كان عوضه صداقاً» يعني أن الشريك أصدق نصيبه زوجه، فهنا العوض غير مالي، لم يعتض عنه شيئاً مالياً، والعبارة فيها شيء من الركاكة، والتقدير: (وإن كان عوضه غير مالي بأن جُعِل صداقاً) يعني أن الشريك أصدق امرأته نصيبه من المشترك، فليس لشريكه أن يشفع؛ لأن هذا الشريك اعتاض عن حصته فرجاً كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لها المهر بما استحلَّ من فرجها» 1 فهنا يقول المؤلف: إنه لا شفعة.
ولكن القول الراجح أن له أن يشفع، وحينئذٍ بماذا يأخذه الشريك المشفِّع؛ لأن القيمة غير مالية؟ فهل نقول: يأخذه بالمالية، يعني بما يساوي في السوق فيُقَوَّم ويأخذه بذلك، أو يأخذه بمثل مهر المرأة؛ لأن هذا جُعِل مهراً؟ فيه قولان، والصحيح أنه يأخذه بقيمته، بمعنى أنه يقوَّم ويؤخذ بقيمته سواء زاد على مثل مهر المرأة أو نقص أو ساوى.
قوله: «أو خُلعاً» أي: جُعِلَ عوضاً في خلع، فالذي يبذل الصداق هو الزوج، والذي يبذل الخلع المرأة أو غيرها من الناس، فإذا جعل خلعاً بأن تكون امرأة شريكة لإنسان في أرض، وطلبت من زوجها المخالعة فخالعها على نصيبها من هذه الأرض، فعوض النصيب الآن غير مالي وهو فداؤها نفسها من

هذا الزوج وفراقها إياه، فليس للشريك أن يشفع؛ لأن هذا النصيب أو هذه الحصة انتقلت بغير عوض مالي، والقاعدة عندنا أنه لا بد أن يكون انتقل بعوض مالي، وهذا ـ أيضاً ـ فيه خلاف.
والصحيح أنه يشفع؛ لأن القاعدة التي تظهر لي من السنة أنه متى انتقل الملك على وجه اختياري، ففيه الشفعة بأي حال من الأحوال.
وإذا قلنا: بأنه يشفع فكيف تكون القيمة؟ تكون بالتقويم، بمعنى أن نسأل أهل الخبرة كما يساوي هذا الشقص؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا أخذه الشفيع بذلك.
قوله: «أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة» دم العمد هو ما يثبت به القصاص، يعني أخذ عوضاً عن قصاص، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ شروط القصاص.
فالقتل ثلاثة أقسام: عمد، وشبه عمد، وخطأ.
فتعريف العمد: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به.
وشبه العمد هو نفس العمد إلا أننا نبدل قولنا: (بما يغلب على الظن موته به) بكلمة أخرى فنقول: (بما لا يغلب على الظن موته به، أو بما يغلب على الظن أنه لن يموت به) فمثلاً: رجل ضرب شخصاً على رأسه بالساطور فمات فهذا عمد، وآخر ضربه بعصا صغيرة فمات فهذا شبه عمد، فقصد الجناية حاصل في العمد وشبهه، لكن الآلة في العمد تقتل وفي غير العمد لا تقتل.
والقتل الخطأ ليس فيه قصد، بمعنى أن الإنسان يفعل ما له

فعله فيصيب آدمياً لم يقصده، مثل أن يرمي صيداً فيقع السهم على إنسان، فنسمي هذا خطأً.
فالقتل العمد يوجب القصاص، وشبه العمد والخطأ يوجب الدية، فإذا صُولح أولياء المقتول، وقيل لهم: نصالحكم عن قتل صاحبنا بكذا وكذا، أو صالح القاتل نفسُه أولياء المقتول بنصيبه من هذه الأرض، وأخذوا نصيبه من الأرض ثم عفوا عن القصاص، فهل لشريك المالك أن يشفع؟ على ما ذهب إليه المؤلف لا؛ لأن العوض غير مالي، فالقتل ليس بمال، وهو جعل هذا الشقص عوضاً عن القصاص فلا شفعة.
والقول الراجح ـ الذي رجحناه ـ أن فيه الشفعة، وتقدر قيمة هذا الشقص عند أهل الخبرة.
وعلم من قول المؤلف: «عن دم عمد» أنه إذا كان صلحاً عن دم شبه عمد أو خطأ فإنه يؤخذ بالشفعة، مثال ذلك: رجل قتل إنساناً خطأً أو شبه عمد، فالواجب عليه الدية، والدية مال، فصالح أولياء المقتول عن الدية بنصيبه من هذه الأرض فهنا للشريك أن يشفع؛ لأن نصيب القاتل انتقل إلى أولياء المقتول وعوضه مالي.
لكن هنا هل نأخذه بقيمة الدية التي صالح عنها، أو بقيمة الشقص؟ الثاني هو الصحيح، وقيل بالأول، فمثلاً نقول: إن دية المسلم مائة ألف وهذا الشقص أُخذ عوضاً عن مائة الألف، فإذا أراد الشفيع أن يأخذه قلنا: هو عليك بمائة ألف، وعلى القول الراجح أنه يؤخذ بقيمته فيسأل أهل الخبرة كم يساوي؟ فإذا قالوا: يساوي كذا وكذا قلنا: خذه.

قوله: «ويحرم التحيل لإسقاطها» يعني يحرم على المشتري أن يتحيل لإسقاط الشفعة، والتحيل له صور كثيرة، فمن الحيلة أن يظهر أن ثمنها كثير، وما دام ثمنها كثيراً فإن الشريك لن يأخذ بالشفعة، فمثلاً يشتري الحصة بعشرة آلاف ويظهر أنه اشتراها بعشرين ألفاً، والشريك لا يريدها بعشرين ألفاً؛ لأن الثمن غالٍ، فهذا حرام، ومتى تبين أن الثمن عشرة آلاف فإن له أن يأخذها بالشفعة ولو طالت المدة؛ لأن حق المسلم لا يسقط بالتحيل.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن يظهر البائع أنه وهبها للمشتري، وسبق أن المذهب أن ما انتقل بغير عوض ليس فيه شفعة، فهذه حيلة لإسقاطها.
ومن ذلك ـ أيضاً ـ أن يظهر المشتري أنه أوقفها، يعني من حين ما يشتريها يقول: هي وقف للمساجد، أو لطلبة العلم، أو لأولاده، فإذا أوقفها سقطت الشفعة؛ لأن انتقال الملك عن المالك إلى جهة لا يثبت فيها الشفعة ابتداءً يسقطها.
المهم أن التحيل لإسقاطها حرام والدليل: أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» 1. ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قاتل الله اليهود لما حرمت عليهم الشحوم أذابوها ثم باعوها وأكلوا ثمنها» 2. فتحيلوا على المحرم.

ثالثاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» 1 قال شيخ الإسلام: إسناده جيد.
أما التعليل؛ فلأنه يتضمن إسقاط حق المسلم، وكل ما تضمن إسقاط الحقوق الواجبة فهو حرام لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» 2. فإن قال قائل: ما هي الحيلة؟ قلنا: الحيلة هي أن يتوصل إلى شيء محرم بصورة ظاهرها الحل، والحيل في أي شيء محرمة، فكل حيلة على إسقاط واجب أو انتهاك محرم فهي حرام، وهي أبلغ من المخالفة الصريحة؛ لأنها تتضمن الوقوع في المخالفة الصريحة معنىً مع الخداع لله ـ عزّ وجل ـ والتلاعب بأحكامه، ولهذا قال أيوب السختياني ـ رحمه الله ـ: (إن هؤلاء ـ يعني المتحيِّلين ـ يخادعون الله كما يخادعون الصبيان، ولو أنهم أتوا الأمر على وجهه لكان أهون).
إذاً الحيلة محرَّمة، والدليل الأحاديث التي سقناها، والتعليل أن المخادعة لله أعظم من المخالفة الصريحة؛ لأن المخادعة فيها

نوع من التلاعب بأحكام الله ـ عزّ وجل ـ فهي ـ أي: الحيلة ـ أشد، والمتحيل فيه خصلة من خصال اليهود، كما أن المخلف للوعد فيه خصلة من خصال النفاق، ولهذا أيُّ إنسان مسلم يقال له: إن فيك خلقاً من أخلاق اليهود سوف يغضب ويثور، ولكنه قد يكون فيه هذا الخلق من حيث لا يعلم.
وإذا تحيل فهل تسقط؟ الجواب: لا تسقط، بل متى ظهر أن في الأمر حيلة فإن للشريك أن يشفع.

وَتَثْبُتُ لِشَرِيكٍ فِي أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا، وَيَتْبَعُها الغِرَاسُ، وَالبِنَاءُ، لاَ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ فلاَ شُفْعَةَ لِجَارٍ،

...... قوله: «وتثبت» أي: الشفعة.
قوله: «لشريك في أرض تجب قسمتها» «لشريك» مفهومه أن الجار لا شفعة له، وصرح به في قوله: «فلا شفعة لجار».
وقوله: «في أرض» خرج بذلك الشريك في غير أرض كالشريك في سيارة، والشريك في دكان وما أشبه ذلك، فإنه لا شفعة فيما لو باع نصيبه على آخر.
وقوله: «تجب قسمتها» احترازاً من الأرض التي لا تجب قسمتها، ومعنى قوله: «تجب قسمتها» أنه إذا طلب أحد الشركاء القسمة قسمت إجباراً، وإلا فإن الأرض لا تجب قسمتها، فالشركاء متى شاؤوا قسموا ومتى شاؤوا بقوا على الشركة.
وفُهم من قوله: «تجب قسمتها» أن الأرض منها ما تجب قسمته ويجبر الشريك على القسمة، ومنها ما ليس كذلك، فما هو الضابط؟

الضابط أنه إذا كانت الأرض تنقسم بدون ضرر، ولا رد عوض فالقسمة إجبارية، وإذا كانت لا تنقسم إلا بضرر، أو رد عوض فالقسمة اختيارية، مثال ذلك: رجلان بينهما أرض مقدارها عشرة أمتار في عشرة أمتار، فطلب أحدهما القسمة وأبى الآخر، فهل يجبر؟ لا يجبر على القسمة؛ لأنه إذا قسمت فسدت ولم تصلح لبناء شيء، فهذه ليس فيها شفعة.
المثال الثاني: رجلان بينهما أرض واسعة إذا قسمت لا يتضرر أحدهما بالقسمة، ويمكن أن يستفيد بنصيبه على الوجه الأكمل، فقسمة هذه إجبارية، فإذا طلب أحدهما أن تقسم وأبى الآخر أجبر على ذلك، فهذه فيها الشفعة، والأُولى ليس فيها شفعة.
على كلام المؤلف: أن الشريك في الأرض الأولى ـ وهي الأرض الصغيرة ـ إذا باع نصيبه على شخص، فهل لشريكه في هذه الأرض أن يشفع؟ المؤلف يرى أنه لا يشفع، والشريك في الأرض الواسعة إذا باع نصيبه فلشريكه أن يشفع، فأيهما أولى بالشفعة الثانية أو الأولى؟ الأولى أولى بالشفعة؛ لأن الأولى لا يمكن قسمتها، ولا يمكن التخلص من الشريك الجديد، والثانية يمكن أن يتخلص من الشريك الجديد بطلب القسمة وتقسم وينتهي الإشكال، ولهذا كان الأولى أن يقال: الأرض التي لا تجب قسمتها ولا تقسم إلا بالاختيار أولى بثبوت الشفعة من الأرض التي تقسم إجباراً، وهذا هو المعقول.
فإذا قال قائل: ما الدليل على ما اشترطه المؤلف؛ لأن

قوله: «لشريك في أرض» يخرج الجار، وقد صرَّح به فقال: «فلا شفعة لجار» فما الدليل؟ قالوا: إن الدليل قول جابر ـ رضي الله عنه ـ: (قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم) 1 فمفهومه أن ما قسم ليس فيه شفعة، وإذا قسم صار الشريك جاراً، كأرض بين رجلين اقتسماها كانت في الأول مشتركة والآن صار الشريك جاراً، والحديث: (قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم) هذا المنطوق، ومفهومه لا شفعة فيما قسم، والنتيجة لا شفعة للجار؛ لأنه إذا كان الجار الذي كان شريكاً بالأول لا شفعة له، فالجار الذي ليس بينه وبين جاره شركة من باب أولى.
ولكن نقول: الاستدلال بهذا الحديث فيه نظر؛ لأنه يجب إذا استدللنا بالحديث أن نستدل به كاملاً، وإذا استدللنا بالحديث كاملاً لزم أن يكون الجار له شفعة في بعض الأحوال، وليس له شفعة في بعض الأحوال، يقول جابر ـ رضي الله عنه ـ: (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) فالحديث بيَّن أنه إذا حصلت القسمة ورسمت الأرض بحدودها وصرِّفت الطرق، بأن كان هذا الجانب له طريق والجانب الآخر له طريق فلا شفعة، فيؤخذ من هذا أنهما لو اقتسما وبقي الطريق واحداً لم يُصرَّف فالشفعة باقية، وهذا هو القول الراجح، أن الجار له الشفعة في حال وليس له الشفعة في حال، فإذا كانت الطريق واحدة، أو الماء الذي يسقى به الزرع واحداً، أو أي شيء اشتركا فيه من

حق الملك فإن الشفعة ثابتة، وإذا لم يكن بينهما حق مشترك فلا شفعة، هذا هو القول الراجح في ثبوت الشفعة للجار، وعليه يحمل حديث: «الجار أحق بسقبه» 1، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ. وقال بعض العلماء: للجار الشفعة مطلقاً لحديث: «الجار أحق بسقبه» أي: بما جاوره.
وقوله: «لشريك في أرض» خرج بذلك الشريك في غير الأرض، كالشريك في السيارة، والشريك في السفينة، والشريك في السلع فإنه لا شفعة له، مثال ذلك: رجلان يملكان سيارة شركة، فباع أحدهما نصيبه على آخر فعلى المذهب لا شفعة؛ لأن الشركة في غير أرض، ولا بد أن تكون الشركة في أرض.
وهذه المسألة فيها خلاف، فمن العلماء من قال كما قال المؤلف: لا شفعة في غير الأرض، ومنهم من قال: الشفعة في كل شيء إلا ما أمكن قسمته من المنقولات فإنه لا شفعة فيه؛ لإمكان قسمته من دون ضرر ككيس من البر ونحو ذلك، وهذا القول أرجح؛ لأن العلة التي ثبتت بها الشفعة للشريك في الأرض موجودة في الشريك في غير الأرض، فإذا كان شريكك في السيارة رجلاً طيباً سهلاً لا يعارضك في شيء، إذا احتاجت السيارة إلى إصلاح أصلحها، وإذا احتاجت إلى زيادة زادها، وإذا حصل عليها حادث تساهل في الأمر، ثم جاء هذا الشريك

الجديد وكان من أشكس عباد الله، فإذا خربت السيارة ـ مثلاً ـ فإنه يؤذيه في إصلاحها ولا يتساهل معه، فأيهما أولى، الشريك الأول الذي باع أو الشريك الجديد؟ الأول ولا شك، فيتضرر الشريك بهذا الشريك الجديد، والشفعة إنما شرعت لدفع ضرر الشريك الجديد، وعليه فالقول الراجح أن الشفعة تثبت في كل مشترك، سواء كان أرضاً، أم أوانِيَ، أم فرشاً، أم أي شيء.
وقوله: «تجب قسمتها» خرج به ما لا تجب قسمته كالدور الصغيرة، والأراضي الصغيرة وما أشبه ذلك فإنها ليس فيها شفعة، وتقدم قريباً، ومعلوم أن هذا يحتاج إلى دليل، قالوا: الدليل حديث جابر ـ رضي الله عنه ـ: «إذا وقعت الحدود وصُرِّفت الطرق فلا شفعة» 1، ووقوع الحدود لا يمكن إلا في أشياء واسعة يمكن قسمتها، والجواب على هذا سهل؛ لأن قوله: «إذا وقعت الحدود» يشمل كل ما يمكن قسمته سواء كان إجبارياً أم اختيارياً، حتى الذي قسمته اختيارية يمكن أن تقع فيه الحدود وتصرَّف فيه الطرق، وعلى هذا فلا دليل في الحديث.
فالصواب إذاً أن الشفعة واجبة حتى في الأرض التي لا تقسم إلا اختياراً خلافاً لكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ. قوله: «ويتبعها الغراس والبناء، لا الثمرة والزرع» يعني إذا شفَّع الشريك في أرض فيها غراس وبناء فإن الغراس والبناء يتبعها إذا كانت حين البيع موجوداً فيها الغراس والبناء، وأما الثمر والزرع فلا يتبع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر

فثمرتها للذي باعها» 1 فكما أن الثمر والزرع لا يتبع في البيع فكذلك لا يتبع في الأخذ بالشفعة، بل يكون لمن اشتراها، ولأن مدة الزرع والثمر لا تطول بخلاف الغراس والبناء فإن مدتهما تطول.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين أن تكون حين البيع مثمرة أو مزروعة، أو كان الثمر والزرع بعد ذلك، ولكن الصحيح أنه إذا كانت الثمرة موجودة حين البيع، وشفع الشريك والثمرة موجودة فإنها تتبع، وكذلك يقال في الزرع لما يلي: أولاً: أن الثمرة فرع الغراس، والشجر والزرع فرع الأرض، ويثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.
ثانياً: أنه قد يحدث ضرر ولو يسيراً، والدليل على هذا أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه وعن بيع الحب حتى يشتد 2؛ لئلا يحصل النزاع والخصومة بين البائع والمشتري.
ثالثاً: أننا إذا منعنا الشفعة في الثمرة والزرع صار في ذلك تشقيص على الشريك، وهذا قد يتضرر به وحتى المشتري قد يتضرر به؛ لأنه قد يقول: إن لم يحصل لي النصيب كاملاً فأنا لا

أريد الثمرة ولا الزرع، وإذا قال الشريك الأول: أنا لا أريدها ـ أيضاً ـ صار في ذلك ضرر على المشتري، فإذا قلنا: إنها تتبع الأصل استرحنا من هذا الضرر.
أما لو كانت النخيل حين البيع ليس فيها ثمر ثم أثمرت بعد عند المشتري فإنها تكون للمشتري، لأنها نماء ملكه فإنه قبل أن يؤخذ بالشفعة للمشتري.
بقي سؤال يرد على المذهب، وهو أن الشريك إذا أخذ النصيب بثمنه الذي استقر عليه العقد، مع أنه سينزع منه الثمرة والزرع فسيكون فيه ضرر على الشريك؛ لأن الثمن الذي استقر عليه العقد هو قيمة للأرض والثمرة والغراس والزرع، فإذا قلنا: إن الشريك يلزمه الثمن كاملاً صار في ذلك ظلم عليه فماذا نفعل؟ نقول: نقدر ثمن الزرع والثمرة ويخصم من الثمن.
قوله: «فلا شفعة لجار» هذا مفهوم قوله: «وتثبت لشريك»، وهذا هو المشهور من المذهب أن الشفعة لا تثبت للجار مطلقاً، وقد سبق.

وَهِيَ عَلَى الفَوْرِ وَقْتَ عِلْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا إِذاً بِلاَ عُذْرٍ بَطَلَتْ.

..... قوله: «وهي على الفور وقت علمه» أي: الشفعة، وسبق أن الشفعة هي انتزاع الحصة، يعني أنه لا بد أن يبادر الشفيع في الأخذ بالشفعة، فيقول: شفَّعت، أو أخذتها بالشفعة أو ما أشبه ذلك، إلا أنهم استثنوا ما إذا كان مشغولاً بما لا يمكن معه المطالبة، كما لو علم ـ مثلاً ـ وهو على قضاء الحاجة، فلا يستطيع أن يشفع، أو جاءه الخبر وهو يتغدى أو يتعشى، فهذا لا يمكن أن يشفع.

أما إذا جاءه وهو غائب فإنه إن لم يشهد على الأخذ بالشفعة سقطت شفعته، وعلى هذا إذا جاءه الخبر بأن شريكه قد باع وهو في مكان بعيد فإنه يشهد رجلين، أو رجلاً وامرأتين على أنه آخذ بالشفعة.
وقوله: «على الفور» قد يقول قائل: إن إلزامنا إياه أن تكون المطالبة على الفور فيه مشقة؛ لأن الشفيع ربما يقول: أعطوني مهلة أفكر في الأمر، أعطوني مهلة أنظر هل أحصِّل الثمن أو لا أحصِّله؟ فنقول: لا، لا مهلة لك، مع أن الشفعة حق من حقوقه لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على رضاه، لكنهم يقولون: إنها على الفور، وإن لم يطالب على الفور سقطت، والدليل حديث: «الشفعة لمن واثبها» 1 و «الشفعة كحل العقال» 2 أي: عقال البعير، يعني لا بد أن تكون بسرعة، لكن الحديثين ضعيفان لا يُحتج بهما ولا يمكن أن يتوصل بهما إلى إسقاط حق المسلم فلا اعتماد عليهما، وإذا لم يكن عليهما اعتماد رجعنا إلى الأصل، والأصل أن كل من ثبت له حق فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه؛ لأن هذا حق شرعي: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل ما لم يقسم» فهذا قضاء نبوي لا يمكن أن يسقط إلا بما يدل على الرضا.

وعليه فالقول الراجح الذي يتعين الأخذ به أن يقال: هي على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا.
فإذا قال المشتري: إلى متى أنتظر، ما أدري متى يرضى أو لا يرضى؟ ففي هذه الحال نضرب له أجلاً مناسباً، فيقال للشريك الذي له الشفعة: لك ثلاثة أيام، أو لك يومان، أو لك أربعة أيام، حسب الحال؛ لأننا لو قلنا: لك إلى شهرين أو ثلاثة حتى ترضى، صار في ذلك ضرر على المشتري.
إذاً القول الراجح أنها ليست على الفور بل هي على التراخي ولا تسقط إلا بما يدل على الرضا، ووجه هذا القول أنه حق جعله الشارع للشريك فلا يسقط إلا برضاه.
ثم إنه ـ أي: الشريك ـ قد يحتاج إلى تأمل؛ لأن المشكل أنه لا بد أن يأخذها بالثمن، وإذا كان حالاًّ يأخذها بالثمن الحال، وقد لا يكون عنده دراهم في ذلك الوقت، فيحتاج إلى أن يطلبها من يمين أو يسار أو يستدينها أو ما أشبه ذلك: قال المؤلف ـ رحمه الله ـ بناءً على أنها على الفور: «فإن لم يطلبها» الضمير «ها» يعود على الشفعة، والفاعل الشريك الذي هو الشفيع.
قوله: «إذاً» أي حال علمه «بلا عذر بطلت».
وعلم من قوله: «بلا عذر» أنه لو كان معذوراً في الفورية، فإذا زال عذره فلا بد أن يطلب بها على الفور، فلو جاءه الخبر وهو على فراشه يريد أن ينام فهل نقول: لا بد أن تذهب إلى المشتري وتقول: أنا مطالب بالشفعة؟ لا، هذا عذر، لكن من

حين أن يستيقظ ويقوم ويصلي الفجر يذهب إلى المشتري ويقول: أنا آخذ بالشفعة، فعلى هذا نقول: لا بد إذا زال العذر من أن يطالب بها على الفور.

وَإِنْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي، أَوْ صَالِحْنِي، أَوْ كَذَّبَ العَدْلَ، أَوْ طَلَبَ أَخْذَ البَعْضِ سَقَطَتْ.

قوله: «وإن قال للمشتري: بعني» القائل الشفيع وهو الشريك، أي قال للمشتري: بعني أي: بع علي الذي اشتريت، سقطت شفعته؛ لأنه لم يطالب على الفور، وقوله: «بعني» إقرار للملك، أي: لملك المشتري، وإذا كان إقراراً لملك المشتري فلازم ذلك أنه لا يريد المطالبة بها.
قوله: «أو صالحني» فكذلك تبطل؛ لأن طلب المصالحة يؤخر المطالبة على الفور، ويدل على أن الشريك قد أقر بأنها ملك المشتري.
قوله: «أو كذب العدل» «كذب» الفاعل الشريك «العدل» أي: المخبر العدل، يعني أن الشريك أخبره رجل عدل وقال له: إن شريكك باع على فلان، فقال: كذبت، شريكي لا يمكن أن يبيع؛ لأن له رغبة في بقاء ملكه، فإن الشفعة تسقط؛ لأن الرجل عدل والأصل في خبر العدل أنه مقبول، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فعلم منه أنه إذا جاءنا عدل فإننا نقبل خبره.
وعلم من قوله: «أو كذب العدل» أنه لو كَذَّب الفاسق فلا تسقط الشفعة؛ لأن الفاسق لا يجب قبول خبره بل يتبين فيه، ولو كَذَّب الكذوب فمن باب أولى؛ لأن علة الكذوب هنا في إخباره، فيكون إخباره غير مقبول.

قوله: «أو طلب أخذ البعض سقطت» أي: طلب الشريك أخذ البعض.
مثاله: شريكان في أرض لكل واحد منهما نصفها، فباع أحد الشريكين نصيبه على شخص، فقال الشريك: أنا لا أتحمل قيمة الأرض كلها، وأريد أن آخذ بعضها ولك البعض، فإن الشفعة تسقط؛ لفوات الفورية؛ لأنه لم يبادر، فلو أنه بادر وأخذ بالشفعة ثم طلب المصالحة أو المقاسمة فلا بأس، لكنه لما طلب المصلحة أو المقاسمة قبل الأخذ بالشفعة سقطت.
إذاً هذه المسقطات مبنية على أنه لا بد أن يطالب بها فور علمه، لكن ينبغي أن يقال: إن اللوازم التي ذكروها من أن طلب المصالحة، أو طلب البعض، أو ما أشبه ذلك، تدل على أنه أقر البيع، ينبغي أن يقال: إذا وقع هذا من عالم فنعم، وإن وقع من جاهل لا يدري، وقال: أنا أريد المصالحة دفعاً للمطالبة وكسر قلبه، وما أشبه ذلك، فإنه لا ينبغي أن تسقط الشفعة، فيفرق بين من يفهم ويعلم، وبين من لا يفهم ولا يعلم، فإذا قال: صالحني، أو نجعلها أنصافاً لك النصف ولي النصف، عن سلامة قلب وعدم معرفة، فينبغي أن لا تسقط الشفعة؛ لأنه في هذه الحال معذور، وكما عذروا من لم يطلبها على الفور بما عذروه به، فهذه مثلها.
والخلاصة: أن الشفعة حق للشفيع لا تسقط إلا بما يدل على رضاه، أما كونها حقاً للشفيع فهو قضاء نبوي: «قضى بالشفعة في كل ما يقسم»، وأما كونها لا تسقط إلا برضاه؛

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
وَبَاقِي جِنَايَتِهَا هَدَرٌ كَقَتْلِ الصَّائِلِ عَلَيْهِ وَكَسْرِ مِزْمَارٍ وَصَلِيبٍ وَآنِيَةِ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ، وَآنِيَةِ خَمْرٍ غَيْرِ مُحْتَرَمَةٍ.بَابُ الشُّفْعَةِوَهِيَ اسْتِحْقَاقُ انْتِزَاعِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ مِمَّنِ انْتَقَلَتْ إِلَيْهِ بِعِوَضٍ مَالِيٍّ بِثَمَنِهِ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ العَقْدُفَإِنِ انْتَقَلَ بَغَيْرِ عِوَضٍ، أَوْ كَانَ عِوَضُهُ صَدَاقاً، أَوْ خُلْعاً، أَوْ صُلْحاً عَنْ دَمِ عَمْدٍ فَلاَ شُفْعَةَ وَيَحْرُمُ التَّحَيُّلُ لإسْقَاطِهَا.وَتَثْبُتُ لِشَرِيكٍ فِي أَرْضٍ تَجِبُ قِسْمَتُهَا، وَيَتْبَعُها الغِرَاسُ، وَالبِنَاءُ، لاَ الثَّمَرَةُ وَالزَّرْعُ فلاَ شُفْعَةَ لِجَارٍ،وَهِيَ عَلَى الفَوْرِ وَقْتَ عِلْمِهِ فَإِنْ لَمْ يَطْلُبْهَا إِذاً بِلاَ عُذْرٍ بَطَلَتْ.وَإِنْ قَالَ لِلْمُشْتَرِي: بِعْنِي، أَوْ صَالِحْنِي، أَوْ كَذَّبَ العَدْلَ، أَوْ طَلَبَ أَخْذَ البَعْضِ سَقَطَتْ.
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل