الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 245-284

كتابُ الصَّلاة

صفحات 245-284
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

لكن لا يمنع أن الإنسان يتطلَّبُ الحكمةَ المناسبة، لأنه يعلم أن أوامر الشَّرع ونواهيه كلها لحكمة، فما هي الحكمة؟ وسؤال الإنسان عن الحكمة في الأحكام الشرعية أو الجزائية أمرٌ جائز، بل قد يكون مطلوباً إذا قُصِدَ به العلم، ولهذا لمَّا قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم في النساء: «إنَّكُنَّ أكثرُ أهلِ النَّارِ»، قُلْن: بِمَ يا رسولَ الله؟ فسألن عن الحِكمة؟ قال: «لأنَّكُنَّ تُكثِرْنَ اللَّعنَ وتَكْفُرْنَ العَشير» 1. وأما إذا قصد أنَّه إن بانت العِلَّة امتثل وإلا فلا، فالسؤال حينئذ حرام؛ لأنه لازمُه قَبُول الحقِّ إنْ وافق هواه، وإلا فلا وقد اختلف العلماء رحمهم الله في التَّعليل للنَّهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل من حيثُ النظرُ 2، فقال بعضهم: إننا لا نعلم الحكمة، والحكم الشرعي الذي لا تُعلم حكمته يُسمَّى عند أهل العلم تعبُّديًّا.
إذاً؛ الحكمةُ تحقيق العبادة بالتسليم لله، سواء علمنا الحكمة في ذلك أم لم نعلم، وهذه والله حكمة عظيمة.
فرميُ الحصى في محلِّ الجمرات في الحَجِّ، لو قال قائل ما حكمته؟ قلنا: حكمته التعبُّد لله: «إنَّما جُعلَ الطَّوافُ بالبيت، وبالصَّفا والمروة، ورميُ الجِمَار؛ لإقامة ذِكْرِ الله» 3. فالتعبُّد لا

شَكَّ أنَّه من أعظمِ الحِكَمِ، ولهذا قال بعض العلماء: إنَّ النهيَ عن الصَّلاة في أعطان الإبلِ تعبُّديٌّ، أي: أنَّنا لا نعلم عِلَّته، ولكن نتعبَّدُ لله به.
فأيُّهما أعظمُ استسلاماً وانقياداً؟ أن يستسلمَ الإنسانُ للأمر إذا لم يعلم حكمته، أو يستسلم له إذا علم حكمته؟ الأوَّلُ أعظمُ.
وقال بعضُ العلماء: بل لأنَّ أرواثها وأبوالها نجسة 1، وهذا مبنيٌّ على أنَّ الأبوال والأرواث نجسة؛ ولو من الحيوان الطَّاهر، والصَّحيح خلافه كما تقدَّم في باب إزالة النَّجاسة 2، ولكن هذه العِلَّة باطلة، إذ لو كانت هذه هي العِلَّة ما جازت الصَّلاة في مرابض الغنم، لأنَّ القائلين بنجاسة أبوال الإبل وأرواثها يقولون بنجاسة أرواث الغنم وأبوالها.
وقيل: لأنَّ الإبل شديدة النُّفور، ورُبَّما تنفر وهو يُصلِّي، فإذا نفرت ربما تصيبه بأذى، حتى وإن لن تصبه فإنه ينشغل قلبه إذا كانت هذه الإبل تهيج؛ فيكون النهي عن الصَّلاة في أعطانها

لئلاَّ ينشغل قلبُه 1، لكن هذه العِلَّة أيضاً فيها نظر؛ لأن مقتضاها ألا يكون النَّهيُ إلا والإبل موجودة، ثم قد تنتقض بمرابض الغنم.
فالغنم تهيج وتُشغل، فهل نقول: إنها مثلها؟ لا.
وقال بعضُ أهل العلم: إنما نُهي عن الصلاة في مبارك الإبل أو أعطانها؛ لأنها خُلقت من الشياطين، كما جاء ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح 2، فإذا كانت مخلوقة من الشياطين، فلا يبعد أن تصحبها الشياطين، وتكون هذه الأماكن مأوى للإبل ومعها الشياطين، وتكون الحكمة في النهي عن الصلاة فيها كالحكمة في النهي عن الصلاة في الحمَّام، وهذا الذي اختاره شيخُ الإسلام ابن تيمية 3 رحمه الله، وهو أقرب ما يُقال في الحكمة، ومع ذلك فالحكمة الأصيلة هي التعبُّد لله بذلك.
ويُشبهُ في السؤال عن الحكمة ما يفعله بعض الناس إذا وَرَدَ عليه الأمر قال: هل هو للوجوب؟ وإذا وَرَدَ عليه النَّهيُ قال: هل هو للتَّحريم؟ ومثلُ هذا السؤال لا ينبغي؛ لأنه ينبئ عن التَّردُّد في الامتثال؛ ولأنَّ الصحابة رضي الله عنهم وهم أشدُّ الناس حرصاً على التزام حدود الله؛ لم يكونوا يسألون رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم عن الأمر إذا ورد عليهم؛ هل هو للاستحباب أو للوجوب؟ ولا عن النَّهي؛ هل هو للتنزيه أو التحريم؟ بل يمتثلون الأمر؛ ويجتنبون النَّهيَ دون سؤال، ولا ريب أن هذا أكمل في التعبُّد والامتثال.

نعم، إذا تورَّط العبد في المخالفة؛ حَسُنَ أن يسأل ليتوبَ من الوقوع في الإثم ويستدرك الواجب؛ إن كان خالف في واجب؛ أو فِعْلِ محرَّم، ويكون في حِلٍّ إذا لم يكن وقع في إثم بأن كان الأمر للاستحباب والنهيُ للتنزيه.

وَمَغْصُوبٍ،............

قوله: «

ومغصوب

ٍ»، أي: ولا تصحُّ الصلاة في مغصوب، والمغصوب: كلُّ ما أُخِذَ من مالكه قهراً بغير حقٍّ، سواءٌ أُخِذَ بصورة عقد أو بدون صورة عقد.
فمثلاً: لو جاء إنسان لآخر وغصب منه أرضاً وصَلَّى فيها؛ فصلاته لا تصحُّ؛ لأنها مغصوبة.
ولو جاء إنسانٌ إلى آخر وقال: بِعْنِي أرضك، قال: لا أبيعها، قال: بِعْهَا وإلا قتلتك، فباعها إكراهاً، وصَلَّى فيها المُكْرِه فلا تصحُّ؛ وإن كانت مأخوذة بصورة عقد.
ولا أعلم دليلاً أثريّاً يدلُّ على عدم صحَّة الصَّلاة في الأرض المغصوبة، لكن القائلين بذلك علَّلوا بأن الإنسان منهيٌّ عن المقام في هذا المكان؛ لأنه مُلْك غيره، فإذا صَلَّى فصلاتُه منهيٌّ عنها؛ والصَّلاة المنهيُّ عنها لا تصحُّ؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» 1، ولأنها مضادَّة للتعبُّد، فكيف يُتعبَّد لله بمعصيته؟ والقول الثَّاني في المسألة: أنها تصحُّ في المكان المغصوب مع الإثم 2؛ لأن الصلاة لم يُنْهَ عنها في المكان المغصوب، بل

نُهيَ عن الغصب، والغصب أمر خارج، فأنت إذا صَلَّيت فقد صَلَّيت كما أُمرت، وإقامتك في المغصوب هي المحرَّمة.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ»، فلا دليل فيه على عدم صحَّة الصلاة في المكان المغصوب إلا لو قال: لا تصلُّوا في الأرض المغصوبة، فلو قال ذلك لقلنا: إن صلَّيت في مكان مغصوب، فصلاتُك باطلة، لكنه قال في النَّهي عن الغصب: ﴿لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]، وهذا يدلُّ على تحريم الغصب لا على بُطلان الصَّلاة في المغصوب.
والقول الثاني في هذه المسألة هو الرَّاجح.

وَأَسْطِحَتِهَا...........

قوله: «

وأسطحتها

»، يعني: لا تصحُّ الصلاة في أسطحة هذه الأماكن، فيكون هذا الموضع السادس، والأسطحة هي ما يلي: أولاً: سطح المقبرة، لا تصحُّ الصلاة فيه، فلو وجدنا حجرة مبنيَّة في المقبرة، فهل يجوز أن نُصلِّيَ على سطحها؟ لا؛ لأنَّ الهواء تابع للقرار، والهواء وما فوق هذا القرار إلى سماء الدُّنيا تابع للقرار.
ولكن هنا عِلَّة أقوى من هذه بالنسبة للمقبرة وهي: أن عِلَّة النَّهي بالنسبة للصلاة في المقبرة خوفُ أن تكون ذريعة لعبادة القبور، والصَّلاة على سطح الحجرة التي في المقبرة قد تكون ذريعة، ولا سيَّما أنَّ البناء على المقابر أصله حرام فيكون صَلَّى على بناء محرَّم للعِلَّة التي نُهيَ عن الصلاة في المقبرة من أجلها.
ثانياً: سطح ِ الحُشِّ، لا تصحُّ الصلاة فيه؛ لأن الهواء تابع

للقرار، ولكن هذا التَّعليل عليل، فالهواء تابع للقرار في المُلْكِ، أما في الحُكم فلا؛ فقد نُهيَ عن الصلاة في الحُشِّ من أجل النَّجاسة، فإذا لم يكن نجاسة في سطحه فلا مانع، وهذا هو القول الصَّحيح الذي اختاره صاحب «المغني» 1. والدَّليل على أنها صحيحة: عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» 2، وبناءً على ذلك فإن الصلاة على «البيَّارة» و «البلاَّعة» لا بأس بها؛ لأنها أقلُّ من سطح الحُشِّ، فإن سطح الحُشِّ قد يقول قائل: إنه داخل في اسم الحُشِّ؛ فلا تصحُّ الصَّلاة فيه، أما سطح «البيَّارة» فليس تابعاً لها، بل هو مستقلٌّ، وهذا هو الذي عليه عمل الناس، فإن «البيَّارات» أو أنابيب المجاري الوسخة تمرُّ من الأحواش ويُصلِّي الناس عليها.
ثالثاً: سطح الحَمَّام، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا ذلك بأن الهواء تابع للقرار، وبأن سطح الحَمَّام داخل في مُسمَّاه.
والقول الثَّاني في المسألة: أنَّ الصلاة على سطح الحَمَّام صحيحة 3؛ لأن الحَمَّام إنْ كانت العِلَّة فيه أنه مأوى الشياطين؛ فإن الشياطين لا تأوي إلا إلى المكان الذي تُكشف فيه العورات، وإن كانت العِلَّة فيه خوف النجاسة؛ فالسطح بعيد من هذه العِلَّة، وعلى هذا فتصحُّ الصلاة على سطح الحمَّام.
رابعاً: سطح أعطان الإبل، لا تصحُّ الصلاة عليه، وعلَّلوا

ذلك: بأن الهواء تابع للقرار، فلو كان هناك حوشٌ للإبل تقيم فيه وتأوي إليه، وجانب منه مُسقَّف كما يُفعل كثيراً في أحواش الإبل، فالسَّقف الذي فوق هذا الحوش ـ على المذهب ـ لا تصحُّ الصلاة فيه.
والصَّحيح: صحَّة الصلاة؛ في سطح أعطان الإبل؛ لأنَّ هذا لا يدخل في قوله عليه الصَّلاة والسَّلام: «لا تصلُّوا في أعطان الإبل» 1 فإن الإبل لا تبرك فوق السطح، إنما تبرك في أسفله.
خامساً: سطح المغصوب، فالصَّلاة على سطح المغصوب كالصَّلاة في المغصوب إن كان السطح مغصوباً، فإن لم يكن مغصوباً فإنه لا شَكَّ في صحة الصَّلاة فيه.
فإن قُلت: كيف صورة كون الأسفل مغصوباً والسَّطح غير مغصوب؟ قلنا: يأتي رَجُلٌ فيغصب أسفل البيت ويدع أعلاه لصاحبه، فالسطح غير مغصوب، لكن نقول: إذا غصب الإنسانُ البيتَ كلَّه، فإنه يكون كلُّه مغصوباً، وإذا كان مغصوباً فإنه لا تصحُّ الصلاة فيه على قاعدة المذهب 2. والحاصل: أن سطح المغصوب في تصويره نظر؛ لأننا نقول: إذا كان سطح المغصوب داخلاً في الغصب فهو مغصوب، وإن كان خارجاً عن الغصب فهو ملك لصاحبه، ولا نظنُّ أنَّ أحداً من أهل العلم قال: إن الصلاة لا تصحُّ فيه.

وعلى هذا؛ فالقول الرَّاجح: أن جميع هذه الأسطحة تصحُّ الصلاة فيها إلا سطح المقبرة وسطح الحَمَّام.
أمَّا المقبرة، فلأنَّ البناء على المقبرة كالمقبرة في كونه ذريعة إلى عبادة القبور، ولهذا نُهيَ عن البناء على القبر، وأما سطح الحَمَّام فلأنه داخل في مسمَّاه؛ لكن سبق البحث في ذلك (1)، فهو محل تردُّدٍ عندي.

وَتَصِحُّ إِلَيْهَا

........... قوله: «وتصحُّ إليها»، أي: تصحُّ الصلاة إلى هذه الأماكن، ومعنى تصحُّ إليها يعني تصحُّ الصلاة إذا كانت في قبلتك، فلو كان في قِبْلة الإنسان حَمَّامٌ؛ أو أعطان إبل؛ أو مغصوب، أو قبر؛ فصلاتُه صحيحة؛ هذا مقتضى كلام المؤلِّف.
إلا أنهم قالوا: إنها تُكره إذا لم يكن حائل، ولو كمُؤْخِرَة الرَّحْل 2، ومُؤْخِرَة الرَّحْل يكون نصف متر في نصف متر.
أما دليل الصحة: فعموم قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم:1

«جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» 1 وهذه من الأرض، وهي طَهُور وليس فيها ما يمنع الصَّلاة.
وأما دليل الكراهة فقالوا: لأنها أماكن نُهيَ عن الصلاة فيها فكُرِه استقبالها 2. وربما يُعلِّلُ مُعَلِّلٌ: بأن هذا موضع اختلف العلماء في صِحَّة الصلاة فيه؛ فكُرهت الصلاةُ إليها خروجاً من الخلاف.
وكلا التَّعليلين عليل.
أما الأوَّل فيُقال: إن عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «جُعلت لي الأرضُ مسجداً وطَهُوراً» 3 يشمل هذه المواضع؛ فيحتاج إخراج شيء منها إلى دليل؛ لكن ربما نقول: إن الحُشَّ والحَمَّام تُكره الصَّلاة إليهما؛ لأنَّ فيهما رائحة كريهة قد تؤثِّر على المُصلِّي بأذيَّة أو تشويش، والشيء الذي يؤثِّر على المُصلِّي ويُشَوِّشُ عليه مكروه.
وأما أعطان الإبل؛ فربما نقول: إذا كانت الإبل موجودة باركة فرُبَّما تُكره الصلاة إليها؛ لأنه ربما تتحرَّك أو ترغو، أو ما أشبه ذلك فيؤثِّر عليه في صلاته، فيكون في ذلك تشويش عليه، وإذا كانت غير موجودة فلا وجه للكراهة؛ إلا إن كانت هناك رائحة.
وأمَّا المغصوب: فلا وجه للكراهة في الصلاة إليه.
وأما المقبرة: فالصَّحيح تحريم الصلاة إليها، ولو قيل بعدم الصِّحَّة لكان له وجه 4؛ وذلك لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم صَحَّ عنه في حديث أبي مَرْثَد الغَنَويِّ أنه قال: «لا تجلِسُوا على القُبُور، ولا تُصَلُّوا إليها» 5، فهذا يدلُّ على تحريم الصلاة إلى المقبرة؛ أو إلى القبور؛ أو إلى القبر الواحد.
ولأن العِلَّة من منع الصلاة في المقبرة موجودة في الصلاة إلى القبر، فما دام الإنسان يتَّجه إلى القبر أو إلى المقبرة اتِّجاهاً يُقال: أنه يُصلِّي إليها؛ فإنه يدخل في النَّهي، وإذا كان داخلاً في

النَّهي فلا تصحُّ؛ لقوله: «لا تُصلُّوا»، فالنَّهي هنا عن الصلاة، فإذا صَلَّى إلى القبر، فقد اجتمع في فعله هذا طاعة ومعصية، وهذا لا يمكن أن يُتقرَّب إلى الله تعالى به.
فإذا قال قائل: ما هو الحَدُّ الفاصل في الصلاة إليها؟ قلنا: الجدار فاصل، إلا أن يكون جدارَ المقبرة ففي النفس منه شيء، لكن إذا كان جداراً يحول بينك وبين المقابر، فهذا لا شَكَّ أنه لا نهي، كذلك لو كان بينك وبينها شارع فهنا لا نهي، أو كان بينك وبين المقبرة مسافة لا تُعَدُّ مصلِّياً إليها، حدَّها بعضُهم بمسافة السُّترة للمصلِّي 1، وعلى هذا فتكون المسافة قريبة، لكن لا شَكَّ أن هذا يُوهم، فإن أحداً من النَّاس لو رآك تُصلِّي وبينك وبين المقبرة ثلاثة أذرع بدون جدار لأَوهم ذلك أنك تُصلِّي إلى القبور.
فإذاً؛ لا بُدَّ من مسافة يُعلم بها أنك لا تُصلِّي إلى القبر.
وظاهر كلام المؤلِّف: أن ما عداها تصحُّ الصلاة فيه فرضاً أو نَفْلاً، فتصحُّ في المجزرة إلا إذا صَلَّى على المكان النَّجس منها.
وتصحُّ في المزبلة: إذا كان الزِّبل طاهراً، أما إذا كان نجساً فقد دخل في كلام المؤلِّف في المنع.
وتصحُّ في قارعة الطريق، يعني: لو صلَّى في قارعة الطريق فصلاتُه صحيحة، لكن إذا كان الطريق مسلوكاً فالصلاة فيه حال

سلوك الناس فيه مكروهة؛ من أجل الانشغال والتشويش، فإن كان مسلوكاً بالسيارات فقد نقول بالتَّحريم؛ لأنَّه لا يمكن أن يقيم الصَّلاة والسيارات تمشي، أو يُعطِّل الناس فيعتدي عليهم؛ لأن وقوف الناس بأماكن الطُّرق يمنع الناس من التَّطرُّق؛ ففيه عُدوان عليهم، والحقُّ لهم.

وَلاَ تَصِحّ الفَرِيْضَةُ فِي الكَعْبَةِ، ولا فَوْقَهَا

........... قوله: «ولا تصحُّ الفريضة في الكعبة»، الفريضة إذا أُطلقت فالمراد ما وجب بأصل الشَّرع، والفرائض ست: الفجر، والظُّهر، والعصر والمغرب، والعشاء، والجمعة.
وإن شئنا قلنا خمس؛ لأن الجُمعة فرض وقت الظُّهر.
والدَّليل على عدم صحَّة الفريضة في الكعبة قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149]، والمُصلِّي في الكعبة لا يكون مستقبلاً للبيت كلِّه؛ لأن بعض البيت يكون خلفه وعن يمينه وعن شماله فلا تصحُّ.
قوله: «ولا فَوْقَهَا»، أي: ولا تصحُّ الفريضة فوق الكعبة، أي: على السطح، فلا تصحُّ داخلها ولا فوقها على سطحها؛ للعِلَّة التي ذكرنا أنَّه لم يستقبل جميع البيت؛ وإنما يستقبل جانباً؛ إلا إذا وقف على مُنتهى الجدار بحيث تكون الكعبة كلُّها أمامه فتصحُّ؛ مثل لو وقف على آخر العَتَبَةِ من الباب، أو وقف على آخر الجدار من السَّطح فإن الصلاة تصحُّ؛ لأنَّ الكعبة كلَّها حينئذ بين يديه، هكذا عَلَّلوا 1. وعُلم من كلام المؤلِّف: صحَّة صلاة النَّفْل في الكعبة وفوقها.

والدَّليل: ما ثبت في «الصحيحين» وغيرهما من أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صلَّى في جوف الكعبة ركعتين نافلة 1. وهل تصحُّ المنذورة في الكعبة؟ أي: إذا نَذَرَ أحدٌ أن يُصلِّي ركعتين، فهل يصحُّ أن يصلِّيهما في الكعبة؟.
نقول: كلام المؤلِّف اشتمل على منطوق ومفهوم، فالفريضة عرفنا حكمها بالمنطوق وأنها لا تصحُّ، والنَّافلة عرفنا حكمها بالمفهوم أنها تصحُّ، بقي المنذورة.
فالمنذورة يمكن أن نقول: إن كلام المؤلِّف يقتضي أن يكون مسكوتاً عنها؛ لأنها لا تدخل في الفريضة؛ ولا تدخل في النَّافلة، وقد يقول قائل: نلحقها بالأقرب إليها، فإن نظرنا إلى أنها لم تجب بأصل الشَّرع؛ وإنما أوجبها المكلَّف على نفسه قلنا: إلحاقها بالنافلة أقربُ؛ لأنَّ الشَّرع لم يلزمه بها.
وإن نظرنا إلى أنَّ الشَّرع ألزمه بها إذا وُجِدَ سَبَبُها وهو النَّذر؛ لقول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطيعَ اللَّهَ فليُطعْهُ» 2. قلنا: إنها أقرب إلى الفريضة، ولذلك اختلف العلماء فيها 3. فمنهم من قال: إنَّ المنذورة تلحق بالفريضة؛ فلا تصحُّ في الكعبة.

ومنهم من قال: تلحق بالنَّافلة؛ لأنها غير واجبة بأصل الشَّرع، وتصحُّ في الكعبة.
هذا الحكم في النَّذر المطلق الذي قال فيه الناذر: لله عَليَّ نذرٌ أن أُصلِّي رَكعتين.
أما النَّذر المقيَّد في الكعبة فيصحُّ فيها؛ مثل أن يقول: لله عَلَيَّ نذرٌ أن أصلِّيَ ركعتين في الكعبة، فتصحُّ صلاتُه في الكعبة قولاً واحداً 1؛ لأنَّه نذرها نذراً مقيَّداً في الكعبة.
والقول الثاني في أصل المسألة: أنَّ الفريضة تصحُّ في الكعبة كما تصحُ النَّافلة (490)، وحديث ابن عمر أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم نهى أن يُصلِّي في سبعة مواطن ذكر منها: «فوقَ ظهر بيت الله» 2، ضعيفٌ لا تقوم به حُجَّة.
وأيضاً: الأصل تساوي الفرض والنَّفْل في جميع الأحكام إلا بدليل، فكلُّ ما ثبت في النَّفْل ثبت في الفرض، وكلُّ ما انتفى في النَّفْل انتفى في الفرض إلا بدليل، ويُستدلُّ لهذا الأصل بأن الصَّحابة لمَّا ذكروا أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي على راحلته حيثما توجَّهت به، قالوا: غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة 3.

استثنوا: «غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة»، وهذا يَدلُّ على أنَّهم لو لم يستثنوا لكانت المكتوبة كالنَّافلة تُصلَّى على الرَّاحلة.
ولأن الله عزّ وجل يقول: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 149] وشطره بمعنى جهته، وهذا يشمل استقبال جميع الكعبة أو جزء منها، كما فَسَّرت ذلك السُّنَّة بصلاة الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم في الكعبة (1). إذاً؛ فالصَّحيح في هذه المسألة: أنَّ الصلاة في الكعبة صحيحة فرضاً ونَفْلاً.
فإن قال قائل: أنَّى لنا أن نُصلِّيَ في الكعبة؟ فالجواب: أن ذلك غير ممتنع عقلاً ولا حِسًّا؛ بإمكان الإنسان أن يُفتحَ له باب الكعبة ويُصلِّيَ في جوفها، ثم إذا لم يمكن أن يُفتح له الباب فالحِجْر «بكسر الحاء» مفتوح، والحِجْر منه ستة أذرع وشيء، من الكعبة (2)، فمن الممكن أن يُصلِّيَ الإنسان الفريضة في الحِجْر.

وَتَصِحُّ النَّافِلَةُ باسْتِقْبَالِ شَاخِصٍ مِنْهَا

........ قوله: «وتصحُّ النَّافلة باستقبال شاخص منها»، يعني: تصحُّ النَّافلة في الكعبة باستقبال شاخص منها، أي: لا بُدَّ أن يكون بين يديه شيءٌ شاخصٌ حتى في النَّافلة، والشَّاخص: الشيء القائم12

المتَّصل بالكعبة، المبنيُّ فيها، وعلى هذا فلو صَلَّى نافلة إلى جهة الباب وهو مفتوح، وهو داخل الكعبة لم تصحَّ؛ لأنه ليس بين يديه شاخص منها، فإن وضع لَبِنةً أو لَبِنتين بين يديه لم تصحَّ أيضاً؛ لأنا ليست منها، وليست متَّصلة.
وقال بعض أهل العلم: تصحُّ النَّافلة في الكعبة؛ وإن لم يكن بين يديه شيء منها شاخص 1، واستدلُّوا لذلك: بأن الواجب استقبال الهواء، والهواء تابع للقرار، قالوا: ولذلك لو صَلَّى على جبل أعلى من الكعبة كجبل «أبي قُبيس»، الذي في أسفله الصَّفا، فلا شَكَّ أن الكعبة تحته، وليس بين يديه شاخص منها، ومع ذلك تصحُّ بالاتفاق 2. فكذلك إذا صلَّى نافلة في جوف الكعبة؛ لا يُشترط أن يكون بين يديه شاخص منها.
ولكن هذا القياس فيه نظر؛ لأن المُصلِّي إلى الكعبة في مكان أعلى يشاهد شيئاً شاخصاً بين يديه، وإن كان غير محاذٍ له، فلا يصحُّ القياس، بخلاف الإنسان الذي ليس بين يديه شيء أبداً؛ وهو في نفس الكعبة.
فبينهما فرق.
ولا شَكَّ أن الاحتياط أن يكون بين يديه شاخص منها، ولكن لو أن الإنسان صَلَّى، وجاء يستفتينا فلا نستطيع أن نقول: إن صلاتك ليست صحيحة، وإنما نأمره قبل أن يُصلِّيَ ألا يُصلِّيَ في جوف الكعبة إلا إلى شيء شاخص منها.
ولهذا لمَّا هُدِمت الكعبة في عهد عبد الله بن الزُّبير بَنَى أخشاباً وأرخى عليها السُّتُورَ 3 من أجل أن يُصلِّيَ الناس إليها، قال شيخ الإسلام: وهذا دليل على أنه لا بُدَّ أن يكون هناك شاخص يُصلَّى إليه 4.

وخلاصة ما ذكره المؤلِّف؛ من المواضع التي لا تصحُّ الصلاة فيها ما يلي: 1 - المكان النَّجس إذا باشر النجاسة.
2 ـ المقبرة.
3 - الحِش.
4 - الحَمَّام.
5 - أعطان الإبل.
6 - المكان المغصوب.
7 - أسطحتها.
8 - الكعبة وسطحُها في الفريضة خاصَّة.

وَمِنْهَا اسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ

......... قوله: «ومنها استقبال القِبلة»، أي: من شروط الصَّلاة استقبال القبلة، والمراد بالقِبلة الكعبة، وسُمِّيَت قِبْلة؛ لأن النَّاس يستقبلونها بوجوههم ويؤمُّونها ويقصدونها، وهو من شروط الصَّلاة بدلالة الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]. وأما السُّنَّة: فكثيرة؛ منها: قوله صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «إذا قمت إلى الصَّلاة فأسبغ الوُضُوء، ثم استقبل القِبْلة فكبِّر» 1.

وأما الإجماع: فقد أجمع المسلمون على وجوب استقبال القِبْلَة في الصَّلاة 1. والحكمة من ذلك هي: أن يتَّجه الإنسان ببدنه إلى مُعَظَّمٍ بأمر الله وهو البيت، كما يتَّجه بقلبه إلى ربِّه في السَّماء، فهنا اتجاهان: اتجاهٌ قلبي واتجاهٌ بدني، الاتجاه القلبي إلى الله عزّ وجل، والاتجاه البدني إلى بيته الذي أُمِرَ بالاتِّجاه إليه وتعظيمه، ولا ريب أنَّ في إيجاب استقبال القِبْلة من مظهر اجتماع الأمَّة الإسلامية ما لا يخفى على الناس، لولا هذا لكان النَّاس يُصلُّون في مسجد واحد، أحدهم يُصلِّي إلى الجنوب، والثاني إلى الشمال، والثالث إلى الشرق، والرابع إلى الغرب، وقد تتعذَّر الصفوف في الجماعة، لكن إذا كانوا إلى اتجاه واحد صار ذلك من أكبر أسباب الائتلاف.
وكان الرّسول عليه الصَّلاة والسَّلام يُصلِّي إلى بيت المقدس، ولكن الكعبة بينه وبين بيت المقدس 2، فيكون مقامه

في صلاته، بين الرُّكن اليماني والحَجَر الأسود؛ لتكون الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ولما هاجر إلى المدينة بقيَ بأمر الله عزّ وجل يُصلِّي إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً وبعض السَّابع عشر، ثم بعد ذلك أُمِرَ بالتَّوجه إلى الكعبة (1).

فَلاَ تَصِحُّ بِدُونِه إِلاَّ لِعَاجِزٍ وَمُتَنَفِّلٍ رَاكبٍ سَائِرٍ في سَفَرٍ

......... قوله: «فَلاَ تَصِحُّ بِدُونِه»، أي: لا تصحُّ الصلاة بدون استقبال القِبلة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِل عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» 2، ولأن استقبال القبلة شرط، والقاعدة: أنه إذا تخلَّف الشرط تخلَّف المشروط، فلا تصحُّ الصَّلاة بدونه لهذه العِلَّة.
قوله: «إلا لعاجز»، أي: لعاجز عن استقبال القبلة فيسقط عنه وجوب الاستقبال، وقد استثنى المؤلِّف مسألتين: الأولى: العاجز؛ تصحُّ صلاته بدون استقبال القِبلة، وله أمثلة منها: أن يكون مريضاً لا يستطيع الحركة، وليس عنده أحد يوجِّهه إلى القبلة، فهنا يتَّجه حيث كان وجهه؛ لأنَّه عاجز.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة:1

286]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [الأعراف: 42].
وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 1. ومن القواعد المقرَّرة عند أهل العلم المأخوذة من نصوص الكتاب والسُّنة: أنه لا واجبَ مع عَجزٍ، ولا محرَّمَ مع ضَرورة 2. ومن الأمثلة: حال اشتداد الحرب، فيسقط استقبال القِبْلة، مثل لو كانت الحرب فيها كَرٌّ وفَرٌّ؛ فإنه يسقط عنه استقبال القِبْلة في هذه الحال.
ومنها: لو هرب الإنسان من عدوٍ، أو من سيل، أو من حريق، أو من زلازل، أو ما أشبه ذلك، فإنه يسقط عنه استقبال القِبْلة.
قوله: «ومتنفِّلٍ راكبٍ سَائرٍ في سَفَرٍ»، هذه هي المسألة الثَّانية، «المتنفِّل» أي: المصلِّي نافلة إذا كان راكباً، واشترط المؤلِّف شرطين: أحدهما: أن يكون سائراً.
الثاني: أن يكون في سفرٍ.
فأمَّا الماشي فسيأتي حكمُه.
وعُلِمَ من كلامه أن النَّازل في السَّفر يلزمه استقبال القِبْلة، وأنَّ السَّائر في الحضر يلزمه استقبال القِبْلة.

فإذا قال قائل: هذا استثناء من عموم نصوص الكتاب والسُّنَّة، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]. وهذا عموم من أقوى العمومات، فإنَّ ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ جملة شرطيَّة من أقوى العمومات؛ فما الذي أخرج هذه الحال من هذا العموم؟ فالجواب: أخرجتها السُّنَّة؛ بفعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام، فقد ثبت في «الصَّحيحين» وغيرهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي النَّافلة على راحلته حيثما توجَّهتْ به، غير أنَّه لا يُصلِّي عليها المكتوبة 1، فهذه السُّنَّة خصَّصت عموم الآيات والحديث.
فإن قال قائل: أفلا يُمكن أن يكون هذا قبل وجوب استقبال القِبْلة؟ قلنا: لا يمكن؛ لأنَّ الصحابة استثنوا الفرائض، فدلَّ هذا على أنَّه بعد وجوب استقبال القِبْلة.
فإذا قال قائل: ما نوع هذا التَّخصيص؟ قلنا: هذا في الحقيقة من غرائب التَّخصيصات؛ لأنه قرآنٌ خُصَّ بسُنَّةٍ، وقولٌ خُصَّ بفعلٍ، يعني: لم يقل الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: من تنفَّلَ في السَّفر فلا يستقبل.
ومعلومٌ أن تخصيص قول بفعلٍ، أضعف من تخصيص قول بقول؛ لاحتمال الخصوصية، ولاحتمال العُذر، بخلاف القول.

وأيضاً: تخصيص القرآن بالسُّنَّة أضعف من تخصيص القرآن بالقرآن.
ولكن نقول: إن السُّنَّة تكون من الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم بأمر الله الصَّريح؛ أو بأمره الحُكمي الذي يُقِرُّ الله سبحانه وتعالى فيه نبيَّه على ما قالَ أو على ما فعلَ، ولهذا إذا فعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام شيئاً لا يُقِرُّهُ الله عليه بَيَّنَه، كما قال الله تعالى له: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]، وقال عزّ وجل: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: 37].
فإذاً؛ نقول: إن فعل الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام في تَرْكِ استقبال القِبْلة في التنفُّل في السَّفر كان بأمر الله الحُكمي؛ لأنه أقرَّه، فيكون ما جاءت به السُّنَّة كالذي جاء به القرآن تماماً في أنه حُجَّة.
فإن قيل: هل تجوز الفريضة للرَّاكب السَّائر في السَّفر بدون استقبال القِبْلة؟ فالجواب: لا؛ إلا في الحال التي يتعذَّر فيها استقبال القِبْلة.
فإن قيل: إذا كان المسافرُ نازلاً في مكان، فهل يجوز أن يتنفَّل إلى غير القبلة؟ فالجواب: لا؛ لأنَّ تخصيص العام يُقتصر فيه على الصُّورة التي وقع فيها التَّخصيص فقط.

فإن قيل: إذا كان الإنسانُ في بلده، لكن البلد متباعد الأحياء؛ فهل له أن يتنفَّل في هذه الحال إلى جهة سيره؟ فالجواب: ليس له ذلك؛ لأنه غير مسافر.
ولو قال قائل: رجل في مَكَّة يتنقَّل في سيارته، هل يجوز له أن يتنفَّل عليها غير مستقبل القبلة أو لا؟ فالجواب: إن كان من أهل مَكَّة فلا يجوز، وإن كان من غيرهم فيجوز، إذاً؛ لو ذهبت إلى مَكَّة في العُمرة، وصرت تتنقَّل من المسجد الحرام إلى بيتك على السيَّارة جاز؛ ولو كانت الكعبة خلف ظهرك؛ لأنَّك مسافر، هذا هو الظَّاهر من عمومات الأدلَّة، وفيه شيء من البحث والنَّظر.
وظاهر كلام المؤلِّف: أنه يجوز أن يتنفَّلَ على راحلته، ولو كان السَّفر قصيراً؛ فإذا خَرجتَ من البلد؛ ولو إلى بلد قريب منك لا يُعَدُّ الخروج إليه سفراً تُقصر فيه الصلاة؛ جاز لك التنفُّل على الرَّاحلة غير مستقبل القِبْلة للعموم، ولكن بعض الأصحاب رحمهم الله قالوا: لا يجوز التنفُّل على الرَّاحلة إلا في سفر يقصر فيه، فإن كان لا يقصر فيه فإنه لا يجوز (1).

ويَلْزَمُهُ افتِتاحُ الصَّلاةِ إليها

......... قوله: «ويلزمه افتتاحُ الصَّلاةِ إليها»، «يلزمه»، أي: الرَّاكب «افتتاح الصَّلاة إليها»، أي: إلى الكعبة، ثم بعد ذلك يكون حيث كان وجهه.
ودليل هذا: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي1

أخرجه أبو داود وغيره أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا سافر؛ فأراد أن يتطوَّع؛ استقبل بناقته القِبْلة؛ فكبَّر، ثم صَلَّى حيث وجَّهه رِكابُه 1. قالوا: فهذا دليل على أنه يجب افتتاح الصَّلاة إلى القِبْلة، لأن تكلُّفَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ومعاناته لإيقاف البعير واتجاهه إلى القِبْلة وقطع المسير يدلُّ على أنه أمر واجب 2. وقال بعض أهل العلم: إنه ليس بواجبٍ (509). وأجابوا عن هذا الحديث بأمرين: أولاً: أنَّه ليس إلى ذاك في الصِّحَّة، وغاية ما قيل فيه: إنه حسن.
والثاني: أنه فعل، ومجرد الفعل لا يدلُّ على الوجوب.
وحديث ابن عمر وغيره من الأحاديث عامة: «أنَّه كان يُصلِّي حيث كان وجهه» 3. وظاهرها أنه من ابتداء الصلاة إلى انتهائها.

وعليه فنقول: إن الصَّحيح في هذه المسألة أن الأفضل أن يبتدئ الصَّلاة متَّجهاً إلى القِبْلة، ثم يتَّجه حيث كان وجهه، أمَّا أن يكون واجباً بمقتضى هذا الدَّليل المُعَارِضِ للأدلَّة التي هي أصحُّ منه ففي النَّفس منه شيء.

وماشٍ وَيَلْزَمُهُ الافْتِتَاحُ والرُّكُوعُ والسّجُود إلَيْهَا

.......... قوله: «وماشٍ»، هذا معطوف على قوله: «راكب»، يعني: ولمتنفِّلٍ ماشٍ، يعني: يمشي على قدميه.
فيجوز للإنسان المسافر إذا كان يمشي على قدميه؛ أن يكون اتِّجاهُه حيث كان وجهه في صلاة النَّفل، ويسقط عنه استقبال القبلة.
قوله: «وَيَلْزَمُهُ الافْتِتَاحُ والرُّكُوعُ والسّجُودُ إلَيْهَا»، «يلزمه» أي: الماشي.
«الافتتاح» أي: إلى القِبْلة؛ لأنه إذا لزم الرَّاكب مع معاناةِ صَرْفِ المركوب؛ فلزُومُه في حقِّ الماشي من باب أَولى؛ لأنَّ انصراف الماشي إلى القِبْلة أسهل من انصراف مركوبِهِ لو كان راكباً.
وكذلك يلزمه الرُّكوع والسُّجود إليها أيضاً، أما الرَّاكب فلا يلزمه رُكوع ولا سجود، وإنما يومئ إيماء فيختلف الماشي عن الرَّاكب في أمرين: الأول: أنه يلزمه الرُّكوع والسُّجود، والرَّاكب يكفيه الإيماء.
الثَّاني: أنه يجب أن يكون الرُّكوع والسُّجود إلى القبلة بخلاف الرَّاكب، والعِلَّة في ذلك قالوا: لأن هذا سهل على الماشي، أما الراكب فلا يتحقَّقُ له الرُّكوع والسُّجود إلى القِبْلة إلا إذا نزل، ونزوله من مركوبه فيه صعوبة ومشقَّة 1.

ولكن الصَّحيح: أننا إن جوَّزنا للماشي التَّنفُّل فإنه لا يلزمه الرُّكوع والسُّجود إلى القِبْلة؛ لأنَّ في ذلك مشقَّة عليه؛ لأنه يستلزم الوقوف للرُّكوع والسجود والجلوس بين السَّجدتين، وهذا يعيقُه بلا شَكٍّ، لكن لو قلنا يومئُ إيماء؛ أمكنه أن يومئ وهو ماشٍ في ركوعه وسجوده، فحكمه حكم الرَّاكب في أنه يلزمه الافتتاح فقط؛ لأن الافتتاح مدَّتُه وجيزة والانحراف إلى القِبْلة فيه سهل فلا يضرُّه.
وقولنا: إن جوَّزنا للماشي التَّنفُّل، فيه إشارة إلى أنَّ في المسألة خلافاً 1، فإن من العلماء من يقول: إن المسافر الماشي لا يجوز أن يتنفَّل حال مشيه، لأنَّ الماشي سوف يعمل أعمالاً كثيرة بالمشي، والرَّاكب ساكن لا يعمل، فلا يُلحق هذا بهذا.
ولأن تنفُّل المسافر الرَّاكب على خلاف الأصل، وما جاء على خلاف الأصل فهو خارجٌ عن الأصل، ولا يُقاس عليه.
ولكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أن القول الرَّاجح: ما قاله المؤلِّف في إلحاق الماشي بالرَّاكب، لأن العِلَّة في جواز التنفُّل على الرَّاحلة بدون عُذْر هو حمل الإنسان وتشجيعه على كثرة النَّوافل، وهذا حاصل للمسافر الماشي، كما هو حاصل للمسافر الرَّاكب.
وقولهم: إن هذا خلافُ الأصل، وما كان خلافَ الأصل

فلا يُقاس عليه، نقول في جوابه: ما خرج عن الأصل لعِلَّة معقولة فلا مانع من أن يُقاس عليه؛ لأنَّ القاعدة العامَّة في هذه الشَّريعة: «أنها لا تُفرِّقُ بين متماثلين، ولا تجمع بين متفرِّقين».
فإذا علمنا أنَّ الشَّارع إنما رَخَّص في الصَّلاة حيث كان وجهه على بعيره من أجل أن يحمل النَّاسَ على كَثْرَة النَّوافل ولا يحرمهم، نقول: هذا أيضاً في الماشي.
وكثيرٌ من النَّاس المسافرين لا يجدون مركوباً فتجدهم يمشون مع الرُّكبان على أقدامهم من بلادهم، إلى أن يرجعوا إلى بلادهم، وهذا شيء معلوم يعرفه النَّاس من قَبْلُ لمَّا كانوا يسافرون على الإبل.
لكن ماذا يستقبل؟ بيَّنت السُّنَّة أنَّ قِبْلَتَهُ جهةُ سيره، فلا بُدَّ أن يكون متَّجهاً إمَّا إلى القِبْلة، وإما إلى جهة سيره، فلو حَرَفَ البعيرَ عن جهة سيره إلى جهة القِبْلة صَحَّ؛ لأنَّها الأصل، ولو حَرَفَها عن جهة سيره لغير القِبلة فقد قال العلماء: لا يجوز 1، لأنَّه خرج عن استقبال القِبْلة؛ وخرج عن استقبال جهة سيره التي أباح الشَّارع أن تكون قِبْلته من أجل تسهيل سيره، فإذا عدل بها عن جهة سيره فإنها تبطل.
أما إذا عَدَلت به الدَّابة؛ فقال بعض أهل العلم: إن طال الفصل بطلت صلاته، وإن لم يطلْ لم تبطل صلاته 2. والصَّحيح: أنه إذا عَجَزَ عن ردِّها لم تبطل مطلقاً، لأنه يدخل في العاجز عن استقبال القِبْلة، ولو طال الفصلُ.

وَفَرْضُ مَنْ قَرُبَ مِنْ القِبْلَةِ إِصَابَةُ عَيْنِهَا، وَمنْ بَعُدَ جِهَتُها

قوله: «وفَرْضُ من قَرُبَ من القِبْلَة إصابَةُ عينها، ومَنْ بَعُدَ جهتُها».
بيَّنَ المؤلِّف رحمه الله كيف يكون استقبال القِبْلة، وذَكَرَ أنه على وجهين: الوجه الأول: أنه يلزمُه استقبالُ عينِ الكعبة.
والوجه الثاني: أنه يلزمُه استقبالُ جهةِ الكعبة.
فالأول إذا كان قريباً من الكعبة؛ وهو الذي يمكنه مشاهدتها.
والثاني إذا كان بعيداً عنها أو قريباً لا يمكنه المشاهدة.
وظاهر كلامهم: أنَّ المراد الإمكان الحسيّ، وأنه إذا أمكنه المشاهدة حِسًّا وجب عليه إصابةُ العين، وإن كان لا يمكن شرعاً، وعلى هذا؛ فمن كان في صحن المسجد، فاستقبالُ عين الكعبة عليه فرض، وهذا سهل.
ومَنْ كان في السَّطح الأعلى أو الأوسط فهذا قد تكون إصابة عين الكعبة سهلة عليه، وقد تكون صعبة، فإذا كانت الصُّفوف متراصَّة أو أمامه أعمدة تمنعه من مشاهدة الكعبة، فهنا قد لا يستطيع الرُّؤية، ولا يستطيع أن يتحوَّل عن مكانه، لأنَّ الصُّفوف متراصَّة والتَّعذُّر هنا شرعي.
وظاهر كلامهم: أنها لا تصحُّ صلاته حتى يكون مصيباً للعين 1، وإذا أخذنا بهذا الرَّأي فإن كثيراً من الذين يصلُّون في

المسجد الحرام لا تصحُّ صلاتهم؛ لأنَّ كثيراً منهم نشاهدهم بأعيننا لا يصيبون عينَ الكعبة، يتَّجهون إلى جهتها ولا يُصيبون عينها، فتجد الصَّفَّ مستطيلاً، وبعضهم يتَّجه عن يمين الكعبة، وبعضهم عن يسار الكعبة، وبعضهم يتَّجه إلى الكعبة تماماً، وهذه المسألة مشكلة باعتبار أن الإنسان إذا كان بآخر الصفوف لا يتمكَّن من مشاهدة الكعبة قطعاً، ولا يقول: إنه أصاب عينها، وأحياناً يرى الظُّلْمَة والسَّواد ويقول: هذا عينُ الكَّعبة، ثم يُصلِّي، وإذا سَلَّم يجد الكعبة عن يمينه أو عن يساره، وهذا كثير.
ولكنِّي ما رأيت أحداً من أهل العلم قال: إنَّ مَنْ كان بداخل المسجد فإن فرضه استقبال الجهة إلا قولاً في «سُبُل السَّلام شرح بلوغ المرام» لم يعزُه لأحد 1، ولكنَّه قاله تَفَقُّهاً من عنده، وإذا لم يكن أحد قال به قَبْله فهو غير مُسَلَّم؛ لأن المعروف من كلام أهل العلم قاطبة أنه من كان يمكنه مشاهدتها ففرضُه إصابةُ العين 2. ويجب أن يصيبَ عينَ الكعبة بكلِّ بدنه، فلو فُرِضَ أن جانبَ الوجه الأيمن مساوٍ للكعبة؛ والجانبَ الأيسر خارج عن الكعبة؛ لم تصحَّ صلاته، فلا بُدَّ أن يكون اتجاهُه كلُّه إلى عين الكعبة، وذلك لأنَّه أمكن الاتجاه عن يقين، فوجب عليه، ولأنَّ الأصل وجوب الاستقبال إلى البيت الذي هو البناء وليس إلى المسجد كلِّه، وإلا لصحَّ أن نقول: إن الذي يصلِّي إلى الجانب

الجنوبي منه مثلاً له أن يستقبل الجانب الشمالي منه، ولو كانت الكعبة عن يمينه أو عن يساره، ولا أحد يقول بهذا، فالمقصود الأول هو عينُ الكعبة، فإذا أمكن وجب.
وقوله: «ومَنْ بَعُدَ جهتُها»، أي: من بَعُدَ عن الكعبة بحيث لا يمكنه المشاهدة؛ فيجب عليه إصابةُ الجهة، والجهة حدَّدها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا تستقبلوا القِبْلة بغائطٍ ولا بولٍ، ولا تستدبرُوها، ولكن شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» 1. لمَّا قال: «شَرِّقُوا أو غَرِّبُوا» يريد بذلك عكس القِبْلة، وعلى هذا فيكون ما بين المشرق والمغرب بالنسبة لأهل المدينة كلُّه قِبْلة، فالجنوب كلُّه قِبْلة لهم، ليس قِبْلتهم ما سامت الكعبةَ فقط، وبهذا نعرف أنَّ الأمر واسع، فلو رأينا شخصاً يُصلِّي منحرفاً يسيراً عن مُسامَتَةِ القِبْلة، فإن ذلك لا يضرُّ، لأنَّه متَّجه إلى الجهة وهذا فرضه.
وجهة القِبْلة لمن كانوا شمالاً عن الكعبة ما بين الشَّرق والغرب، ولمن كانوا شرقاً عن الكعبة ما بين الشَّمال والجنوب.
ولمن كانوا غرباً ما بين الشَّمال والجنوب، ولمن كانوا جنوباً عن الكعبة ما بين الشرق والغرب، فالجهات إذاً أربع، وهذا مقتضى حديث أبي أيوب.
واعلمْ أنه كلَّما قَرُبتَ من الكعبة صَغُرت الجهة، فإذا صِرتَ تحت جدار الكعبة تكون الجهة بقَدْر بدنك فقط، أي: لو انحرفت أقلَّ انحراف عن الكعبة، إما عن يسارك أو عن يمينك بطلت.

أَخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ،

.......... قوله: «فَإنْ أَخْبَرَه ثِقَةٌ بِيَقِينٍ»، شرع المؤلِّف في بيان ما يُستدلُّ به على القِبْلة.
فذكر أشياء: الأول: خبرُ ثقة؛ لكن عن يقين، فلو أخبره ثقة بيقين ـ رَجُل أو امرأة ـ أن هذه هي القِبْلة، لَزِم الأخذ بقوله.
والثقة: تستلزم العدالة والخبرة، فإن لم يكن عدلاً فليس بثقة؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] فأوجب الله سبحانه وتعالى أن نَتَبَيَّن، وأن نتثبَّت في خبر الفاسق، ولم يوجب ردَّه مطلقاً؛ ولا قَبُوله مطلقاً، فإذا قال لنا إنسانٌ فاسقٌ: القِبْلة هنا، وإنْ كان ذا خبرة، فإننا لا نعمل بقوله؛ لأنه ليس بعدل، وكذلك إذا قال لنا إنسانٌ عدل ظاهراً وباطناً صاحب عبادة وزهد وورع: هذه هي القِبْلة، ولكنه ليس ذا خبرة، فإنَّنا لا نأخذ بقوله؛ لعدم الثِّقة بقوله؛ لكونه ليس ذا خبرة.
وأفاد المؤلِّف بقوله: «فإن أخبره ثقة» أنه لا يُشترط التَّعدد، يعني: لا يُشترط أنه يخبره ثقتان، وهذا بخلاف الشَّهادة؛ لأن هذا خبر ديني فاكتُفيَ فيه بقول الواحد، كما نعمل بقول المؤذِّن بدخول الوقت.
وأفادنا أيضاً بقوله: «ثقة» أنه لو كان المخبر امرأة يُوثق بقولها؛ لكونها عدلاً وذات خِبرة، فإننا نأخذ بقولها.
والعِلَّة: أن هذا خبر ديني فيُقبل فيه خبر المرأة كالرِّوَاية، فإنَّا نقبل فيها قول المرأة إذا كانت عدلاً حافظة.
وقول المؤلِّف: «بيقين»، أي: بأن أخبره عن مشاهدة،

وأفادنا أنَّه لو أخبره الثقة عن اجتهاد، فإنه لا يعمل بقوله، مثل: جماعة في سفر، كلُّهم لا يعرفون القِبْلة، ولا يستطيعون الاجتهاد إلى جهتها، لكن واحداً منهم يعرف ذلك عن اجتهاد، فظاهر كلام المؤلف أننا لا نأخذ بقوله، ولكن هذا فيه نظر.
والصَّواب: أنه لو أخبره ثقة سواءٌ أخبره عن يقين أم عن اجتهاد، فإنه يعمل بقوله كما نعمل بقول الثِّقة بالاجتهاد في مسائل الدِّين؛ الحلال والحرام والواجب، فكيف لا نعمل به في إخباره بالقِبْلة؟

أَوْ وَجَدَ مَحَارِيْبَ إِسْلامِيّةً

.......... قوله: «أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّة»، هذا هو الثاني مما يُستدلُّ به على القِبْلة: المحاريب الإسلامية، فإذا وجد محاريبَ إسلاميَّة فإنه يعمل بها؛ لأن الغالب بل اليقين أن لا تُبنى إلا إلى جهة القِبْلة.
والمحاريب: جمعُ مِحْرَاب، وهو طَاقُ القِبْلة الذي يقف نحوه الإمام في الجماعة.
وقوله: «محاريب إسلامية»، يُفهم منه أن المسلمين لا زالوا يستعملون المحاريب، وأن لهم محاريبَ خاصَّة تتميَّز عن محاريب النَّصارى وغيرهم، وهو كذلك.
وقد اختلف العلماء رحمهم الله في اتِّخاذ المِحراب؛ هل هو سُنَّة؛ أم مستحبٌّ؛ أم مباح 1؟ والصَّحيح أنَّه مستحبٌّ، أي: لم تَرِدْ به السُّنَّة، لكن النُّصوص الشَّرعيَّة تدلُّ على استحبابه؛ لما فيه من المصالح الكثيرة، ومنها بيان القِبْلة للجاهل.
وأما ما رُويَ عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام من النَّهي عن

مذابح كمذابح النَّصارى (1) أي: المحاريب، فهذا النَّهيُ فيما إذا اتُّخِذَت محاريب كمحاريب النَّصارى، أما إذا اتُّخِذت محاريب متميّزة للمسلمين، فإن هذا لا نهي عنه.
وعُلِمَ من كلامه: أنه لو وجد محاريبَ غير إسلاميَّة لم يَعملْ بها؛ لأنه لا يُوثق ببنائهم، كما أنه لا يُوثق بكلامهم في مسائل الدِّين، وإلا فيُمكن أن يُقال: إنَّ المعروف عند غير المسلمين من أهل الكتاب أنهم يتَّجهون إلى بيت المقدس، فإذا وجدنا محاريبَ لهم متَّجهة إلى بيت المقدس، ونحن مثلاً في جهة بين بيت المقدس وبين الكعبة فإننا نعرف أن القِبْلة في استدبار محاريبهم، ولكننا لا نثق بمحاريبهم؛ لأننا نخشى أن يكونوا قد بدَّلُوا أو غيَّروا، فلهذا قيَّدَ المؤلِّف هذا بقوله: «أو وَجَدَ محاريبَ إسلاميَّة».
قال في «الرَّوض» (2): «لأنَّ اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع عليها، فلا تجوز مخالفتُها حيثُ عَلِمَهَا للمسلمين».

وَيُسْتَدلُّ عَلَيْهَا في السَّفَرِ بالقُطْبِ

.......... قوله: «ويُستدلُّ عليها في السَّفرِ بالقُطْبِ»، هذا هو الثَّالث مما يُستدلُّ به على القِبْلة: القُطْب؛ وهذا دليل آفاقي، أي: دليل12

على الأُفق.
والقُطْبُ: هو الشيء الذي تدور عليه الأشياء، وهو أصل الشيء، وهو نجم خفيٌّ جداً من جهة الشَّمال الشَّرقي بالنسبة لنا في «القصيم»، قال العلماء: لا يراه إلا حديد البَصَر في غير ليالي القمر، إذا كانت السماء صافية 1، لكن له جار بيِّنٌ واضح يُستدلُّ به عليه وهو «الجَدي»، فإن «الجَدي» قريب منه، ولهذا يظنُّ بعض النَّاس أن «الجدي»، ثابت لا يتغيَّر، وليس كذلك، بل «الجَدي» يتحرَّك يسيراً، لكن لقربه من القُطْبِ لا تتبيَّنُ حركته، أما القُطْب نفسه فلا يتغيَّر ولا يتحرَّك، كقُطْبِ الرَّحا، والرَّحا إذا دارت فيما كان حول قطبها فإن دورانها يَسيرٌ خفيٌّ جداً، وكلما قَرُبَ كان أخفى، والبعيد تكون دورته واسعة بَيِّنة، وهكذا النجوم على القُطْب، ما كان قريباً من القُطْب فدورته يسيرةٌ جداً؛ حتى إن بعض الناس يظنُّ أنَّه لا يدور، وما كان بعيداً فإنه يدور دوراناً كبيراً بيِّناً.
وأضربُ لكَ مثلاً ببنات نعش الكُبرى والصُّغرى، وهي سبعة نجوم كبيرة، وسبعة نجوم صغيرة.
فبنات نعش الصُّغرى في أحد طرفيها «الجَدي»، وفي الآخر «الفَرقدان» اللذان قال فيهما الشاعر: «وفرقدا السَّماء لن يفترقا».
وهي لا تغيب أبداً، نُشاهدُها وهي تدور، فأحياناً يكون «الفرقدان» في الجنوب و «الجَدي» في الشِّمال، وأحياناً يكون «الفرقدان» في الشمال و «الجَدي» في الجنوب لا يغيب، أما «بنات نعش الكُبرى» فإنها تغيب؛ لكن لا تكاد تمضي ساعة أو ساعة ونصف إلا وقد طلع

أوَّلها من الشرق بعد أن يغيب آخرها من الغرب؛ لأن المسافة غير بعيدة.
والدَّليل على اعتبار النُّجوم دليلاً قوله تعالى: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: 16]، فإن الله سبحانه وتعالى أطلق الاهتداء بالنَّجم، فالنَّجم يُهتدى به على الجهات لكلِّ غرض.

والشَّمْسِ والقَمَرِ.......... قوله: «والشمس والقمر»، هذا هو الرَّابع مما يستدلُّ به على القِبْلة؛ لأنَّ الشمس والقمر كلاهما يخرج من المشرق ويغرب من المغرب، فإذا كنت عن الكعبة غرباً فالقِبْلة شرقاً، وإذا كنت عن الكعبة شرقاً، فالقِبْلة غرباً، وإذا كنت عن الكعبة شمالاً فالقِبْلة جنوباً، وإذا كنت عن الكعبة جنوباً فالقِبْلة شمالاً، «وما بين المشرق والمغرب قِبْلة» كما قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام 1، وذلك لأهل المدينة ومن ضاهاهم.

وَمَنَازِلِهِمَا......... قوله: «ومنازلهما»، أي: منازل الشمس والقمر، يعني: منازل النجوم الصيفيَّة والشتوية، وهي ثمان وعشرون منزلة ينزلها القمر كلَّ ليلة له منزلة منها، وليلتان أو ليلة واحدة يكون مستتراً لا يُرى، ولهذا تُسمَّى ليلة التاسع والعشرين والثلاثين، أو الثامن والعشرين والتاسع والعشرين «ليالي الاستسرار»، أي: أنَّ القمر يستتر فيها ولا يُرى.
والثمان والعشرون منزلة هذه تنزلها الشمس على مدى سَنَة كاملة، أما القمر فيطوف بها خلال شهر، وفي السَّنَة اثنتي عشرة مَرَّة.
أما الشمس فتطوف بها في السَّنَة مرَّة واحدة.
وكيف نستدلَّ بمنازلهما؟ الجواب: ننظر مثلاً إلى النجوم الشَّمالية التي تقسم المشرق

نصفين والمغرب نصفين.
والنُّجوم الجنوبية التي تقسم المشرق نصفين والمغرب نصفين.
فالجنوبية من جهة الجنوب، والشمالية من جهة الشمال، لكن هذه لا يعرفها إلا من تَمَرَّسَ وكان في البَرِّ، وليس حوله أنوار كهرباء بحيث يعرف هذه النُّجوم، والذين يعرفونها يستطيعون أن يحكموا على الليل والنهار بالسَّاعات، بل بأقلَّ من السَّاعات، فيقولون: الآن ذهب من الليل نصفُه، ذهب رُبعُه، ذهب ثُمنُه، ذهب عُشرهُ، ويستدلُّون على ذلك بهذه المنازل.
وقال بعضُ العلماء: يُستدلُّ أيضاً بالجبال الكِبَار 1. وقال بعضهم: يُستدلُّ بالأنهار ومصابِّها (524). وقال بعضهم: يُستدلُّ بالرِّياح (524). لكن هذه الثلاثة دلالتها خفيَّة، ولهذا أغفلها المؤلِّف رحمه الله ولم يذكرها، فإن من النَّاس من يكون عنده قوَّة إحساس؛ بحيث يقول لك: الهواءُ جنوبي، الهواءُ شرقي، الهواءُ غربي ـ ولو كان أعمى ـ، ويَستدلُّ بالرِّياح على الجهات.
وفي زمننا هذا أنْعَمَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بالآلات الدَّقيقة التي يُستدلُّ بها على جهة القِبْلة، بل إنني سمعت أنه يوجد آلات يُستدلُّ بها على عين القِبْلة؛ لأنهم يقولون: إن الكعبة هي مركز الكُرَة الأرضيَّة، وأنهم الآن توصَّلُوا إلى آلات دقيقة يكون اتجاهُها دائماً إلى مركز الأرض وهو وسطها.

وَإِنْ اجْتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فَاخْتَلَفَا جِهَةً

.......... قوله: «وَإنْ اجتَهَدَ مُجْتَهِدَانِ فَاخْتَلَفَا جِهَةً»، أي: بذلا الجُهد في معرفة القِبْلة.
والمجتهد في جهة القِبْلة هو: الذي يعرف أدلَّتها، كما أنَّ المجتهد في باب العِلْم هو الذي يعرف أدلَّة العلم، فالنَّاس بالنسبة للقِبْلة إمَّا مجتهدٌ يعرف كيف يستدلُّ بأدلَّتها، وإما مقلِّدٌ لا يعرف ولا يدري.
والمقلِّدُ فرضُه التَّقليد، ولكن سبق أنَّه لا بُدَّ أن يكون المُقَلِّد يخبر عن يقين على المذهب 1. والصَّحيح: أنه يُقَلَّد؛ سواء أَخْبَرَ عن يقين أم عن اجتهاد.
وقوله: «فاختلفا جِهَةً»، أي: قال أحدُهما: إنَّ القِبْلة هنا؛ ويُشير إلى الشِّمال؛ والثَّاني يقول: القِبْلة هنا؛ ويشير إلى الجنوب، فلا يجوز أن يَتْبَعَ أحدُهما الآخر.
لأنَّ كُلَّ واحد منهما يعتقد خطأ الآخر، وهذا فيما إذا كان الاختلاف في جهتين.
أما إذا اختلفَا في جهةٍ واحدة؛ بأن اختلفا في الانحراف في جهة واحدة، فهنا لا بأس أن يَتْبَعَ أحدُهما الآخر، مثل: أن يتَّجِهَا إلى الجنوب لكن أحدهما يميل إلى الغرب، والآخر يميل إلى الشَّرق فلا يأس للذي يميل إلى الغرب أن يَتْبَع الذي يميل إلى الشَّرق، ويميل معه إلى الشَّرق أو العكس؛ لأن الانحراف في الجهة لا يضرُّ؛ ولا يُخِلُّ بالصَّلاة.

لَمْ يَتْبَعْ أَحَدُهُمَا الآخَرَ

......... قوله: «لم يَتْبَع أحدُهُما الآخر»، المراد بالاتِّباع هنا في القِبْلة، فلا يجوز أن يَتْبَع أحدُهما الآخر؛ حتى ولو كان أعلمَ منه وأعرف، ما دام أنَّه خالفه، فإن كان المجتهدُ حين اجتهد؛ واجتهد الآخر الذي هو أعلمُ منه صار عنده تردُّد في اجتهاده، وغلبة ظنِّه في اجتهاد صاحبه.
فعلى المذهب لا يتبعه؛ لأنهم يقولون: لا بُدَّ أن يكون خبر الثّقة عن يقين 1. والصَّحيح: أنه يَتْبَعه؛ لأنَّه لمَّا تردَّدَ في اجتهاده بطل اجتهاده، ولمَّا غلب على ظَنِّه صحَّة اجتهاد صاحبه وجب عليه أن يَتْبَع ما هو أَحْرَى، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث عبد الله بن مسعود في الشَّكِّ في عدد الرَّكعات: «فَلْيَتَحَرَّ الصَّواب، ثم لِيَبْنِ عليه» 2، وهذا دليل على أنَّ من كان عنده غلبة ظنٍّ في أمر من أمور العبادة فإنه يَتْبَع غلبة الظَّنِّ.
وهذا أيضاً له أصلٌ في الكتاب، قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وهذه استطاعته.
وقوله: «لم يَتْبَع أحدُهما الآخر» يشمل متابعة الائتمام، فلا يأتمُّ به؛ لأنَّ كُلَّ واحد منهما يعتقد أنَّ هذا أخطأ القِبْلة، فالإمام يرى أن القِبْلة جنوب، والمأموم يرى أن القِبْلة شمال؛ فيتَّجِه الإمامُ إلى الجنوب والمأموم إلى الشَّمال، فصار المأموم قد استدبر الإمام، فإذا ركع الإمامُ إلى الجنوب ركع المأموم إلى الشَّمال، وهذا تضادٌّ.

والمقصود من الجماعة هو الائتلاف.
وقال بعض أهل العلم: بل يجوز أن يتبعه في الائتمام 1، وإذا كانت الصَّلاة صلاةَ جماعة واجبة وجب أن يَتْبَعه ويأتمَّ به، لأن كلَّ واحد منهما يعتقد خطأ الآخر بالنسبة لاجتهاده، ويعتقد صوابه بالنسبة لاجتهاده نفسه، فأنا أعتقد أن الإمام مخطئ لما اتَّجَه إلى الجنوب باعتقادي أنا، لكن باجتهاده هو أعتقد أنه مُصيب وأنَّه لو تابعني لبطلت صلاتُه.
قالوا: ونظير ذلك لو أنَّ رَجُلَين أكلا من لحم إبل، أحدهما يعتقد أنَّ لحم الإبل ناقض، والثاني يعتقد أن لحم الإبل غير ناقض، فَأْتمَّ أحدُهما بالآخر، فهنا أحدهما يعتقد بطلان صلاة الآخر، ومع ذلك يجوز أن يَأْتمَّ أحدُهما بالآخر، قالوا: فهذا مثل هذا، واعتقاد الخطأ في الحكم كاعتقاد الخطأ في الحال 2، فالذي خالفني في القِبْلة قد اتفقت معه على الحكم؛ وهو أن استقبال القِبْلة شرط، لكن اختلفنا في الحال، أنا أعتقد أن هذه القِبْلة، وهو يعتقد أن القِبْلة مخالفة لذلك، فلا فرق بين أن أعتقد أن هذا اللحم ناقض للوُضُوء، وهو يعتقد أنه ليس بناقض.
وهذا القول أقرب للصَّواب، وهو جواز اتِّباع أحدهما الآخر في الائتمام مع اختلافهما في جهة القِبْلة.
والتضاد هنا لا يمنع من الائتمام كما لو ائتمَّ أحدُهما بالآخر في جوف الكعبة، وأحدهما مستقبل الجدار الشِّمالي؛ والثاني مستقبل الجدار الجنوبي.

بقي علينا إذا كان هناك ثالث ليس بمجتهد، أي: لدينا رجلان اجتهدا، وعندهما ثالث ليس بمجتهد، وقد بيَّنه المصنف بقوله:

وَيَتْبَعُ المُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ.

وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلاَ تَقْلِيدٍ قَضَى إِنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُه.

قوله: «وَيَتْبَعُ المُقَلِّدُ أَوْثَقَهُمَا عِنْدَهُ»، يعني: إذا اجتهد مجتهدان إلى القِبْلة؛ فقال: أحدهما: القِبْلة هنا وأشار إلى ناحية، وقال الثاني: القِبْلة هنا وأشار إلى ناحية مخالفة، وعندهما رجل ثالث فَيَتْبع أوثقهما، فإن تَبِعَ غير الأوثق مع وجود الأوثق، فصلاته باطلة؛ لأنه يعتقد بطلانها، ويكون كالمتلاعب في صلاته.
قوله: «وَمَنْ صَلَّى بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ وَلاَ تَقْلِيْدٍ قَضَى إنْ وَجَدَ مَنْ يُقَلِّدُه»، يعني: «من صَلَّى بغير اجتهادٍ» إن كان يحسنه، «ولا تقليد» إن كان لا يُحسنه فإنه يقضي؛ لأنَّه لم يأتِ بما يجب عليه، فكان بذلك مفرِّطاً فوجب عليه القضاء.
مثال ذلك: رَجُلٌ يُحسنُ الاجتهاد، ويعرف دلائل القِبْلَة بالقُطْبِ، أو الشمس، أو القمر، وصَلَّى بغير اجتهاد فإنه يجبُ عليه القَضاء.
وظاهر كلام المؤلِّف أنه يقضي ولو أصاب، وذلك لأنَّه لم يَقُمْ بالواجب عليه من الاجتهاد، وإصابته وقعت على سبيل الاتفاق، لا على سبيل الرُّكُون إلى هذه الجهة؛ لأنه لم يج

جارٍ التحميل