كتاب الفرائض
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وأبي أم وبنت عم ننزلهم، فنقول: الخال والخالة وأبو الأم بمنزلة الأم، وبنت العم بمنزلة العم، فكأنه هلك عن أم وعم، نصيب الأم وهو الثلث لمن أدلوا بها، وهم أبوها وأخوها وأختها، فلو ماتت عن هؤلاء لورثها أبوها، إذاً لأبي الأم الثلث، ولبنت العم الباقي؛ لأنها أدلت بالعم.
قوله: «والعمات والعم لأم كأب» العمات أخوات الأب، والعم لأم أخو الأب لأمه، ينزلون منزلة الأب.
قوله: «وكل جدة أدلت بأب بين أُمَّيْن هي إحداهما كأم أبي أم» مثاله: أم أبي أم هذه من ذوي الأرحام؛ لأن الذي أدلت به وهو الجد أبو الأم من ذوي الأرحام، وهو غير وارث؛ لأنه مسبوق بأنثى، والمدلي بذوي الأرحام، من ذوي الأرحام.
قوله: «أو بأب أعلى من الجد كأم أبي الجد» إذا أدلت الجدة بأبٍ أعلى من الجد فهي من ذوي الأرحام، فأم الأب وإن علت أمومة وارثة، وأم الجد وإن علت أمومة وارثة، وأم أبي الجد غير وارثة؛ لأن المؤلف يقول: «بأب أعلى من الجد» فتكون من ذوي الأرحام، وقد مر علينا أن الصحيح أنها وارثة، وأن كل جدة أدلت بوارث فهي وارثة، وكل جدة أدلت بغير وارث فهي غير وارثة، إذاً أم أبي الجد وارثة؛ لأننا نقول: أي فرق بين أم أم أبي الجد وبين أم الجد؟ لا فرق!! كلتاهما مدلية بوارث، ويجب أن نقول: كل من أدلت بوارث فهي وارثة.
وَأَبُو أُمِّ أَبٍ، وَأَبُو أُمِّ أُمٍّ، وَأَخَوَاهُمَا، وَأُخْتَاهُمَا بِمَنْزِلَتِهِم، فَيُجْعَلُ حَقُّ كُلِّ وَارِثٍ لِمَنْ أَدْلَى بِهِ، فَإِنْ أَدَلَى جَمَاعَةٌ بِوَارِثٍ وَاسْتَوتَ مَنْزِلَتُهُمْ مِنْهُ بِلا سَبْقٍ، كَأَوْلادِهِ، فَنَصِيبُهُ لَهُمْ،
....
قوله: «وأبو أم أب، وأبو أم أم، وأخواهما، وأختاهما بمنزلتهم»، أم الأب وارثة؛ لأنها جدة ليس بينها وبين الميت إلا واحد، أبوها غير وارث لكنه بمنزلتها، وأبو الأم فهو غير وارث؛ لأنه من ذوي الأرحام فيكون بمنزلة أم الأم؛ لأن كل من أدلى بوارث فهو بمنزلته.
وقوله: «وأخواهما وأختاهما» إما أعمام أو أخوال، يكونون بمنزلتهم، سواء من قبل الأب أو من قبل الأم.
قوله: «فيجعل حق كل وارث لمن أدلى به»، فمن أدلى بأم الأب فله نصيبها السدس، ومن أدلى بالأخت فله نصيبها، وهلم جرًّا، المهم أول ما يصل إلى الوارث فله نصيب ذلك الوارث الذي وصل إليه.
قوله: «فإن أدلى جماعة بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق، كأولاده، فنصيبه لهم»، ذوو الأرحام إما أن يدلي واحد بواحد، أو جماعة بواحد، أو جماعة بجماعة، فإن أدلى جماعة بوارث واستوت منزلتهم منه بلا سبق، كأولاده فنصيبه لهم، مثاله: أخ من أم له ثلاثة أبناء، هؤلاء جماعة من ذوي الأرحام أدلوا بالأخ من الأم، فلهم نصيبه.
وقوله: «بلا سبق» مفهومه إن كان أحدهم أسبق إليه فلا شيء للآخر؛ لأنه أنزل، فأبناء أخ من أم، وأبناء أبناء أخ من أم، الأخيرون لا يرثون؛ لأن المؤلف ـ رحمه الله ـ اشترط أن تستوي منزلتهم منه بلا سبق.
فَابْنٌ وَبِنْتٌ لأُخْتٍ مَعَ بِنْتٍ لأُخْتٍ أُخْرَى، لِهَذِهِ حَقُّ أُمِّهَا وَلِلأُولَيَيْنِ حَقُّ أُمِّهِمَا، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَازِلُهُمْ مِنْهُ جَعَلْتَهُمْ مَعَهُ كَمَيَّتٍ اقْتَسَمُوا إِرْثَهُ، فَإِنْ خَلَّفَ ثَلاثَ خَالاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ، وثَلاثَ عَمَّاتٍ مُتَفَرِّقَاتٍ،
..........
قوله: «فابن وبنت لأخت مع بنت لأخت أخرى، لهذه حق أمها وللأُولَيَيْنِ حق أمهما»، فابن وبنت أخت اسمها زينب، مع بنت لأخت أخرى اسمها فاطمة، هؤلاء الثلاثة أدلوا بأختين شقيقتين يكون لهم الثلثان، لكن هل نقسمه أثلاثاً، أو نقول: الابن والبنت لهما حق أمهما زينب، والبنت الأخرى للأخت الأخرى لها حق أمها؟ الثاني؛ لأن هؤلاء أدلوا بجماعة، فيعطى كل من أدلى بوارث ميراث من أدلى به، فللأختين الثلثان، فيكون ثلث الأخت التي لها ابن وبنت لابنها وبنتها، ويكون ثلث الأخت التي لها بنت واحدة لبنتها، وهل للذكر له مثل حظ الأنثيين؟ المذهب لا، والصحيح نعم.
قوله: «وإن اختلفت منازلهم منه»، هذا ضد قوله: «واستوت منزلتهم».
قوله: «جعلتهم معه كميت اقتسموا إرثه»، مثال ذلك:
قوله: «فإن خلف ثلاث خالات متفرقات وثلاث عمات متفرقات»، ثلاث خالات متفرقات يعني خالة شقيقة، والثانية خالة من أم، والثالثة خالة من أب، وثلاث عمَّات متفرقات، واحدة شقيقة، واحدة لأم، واحدة لأب، الخالات مدليات بالأم، والعمَّات مدليات بالأب، قَدِّر كأن الميت مات عن أم وأب،
للأم الثلث وللأب الباقي، اقسم نصيب الأم على ورثتها وهن أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم، المسألة من ستة للشقيقة النصف ثلاثة، وللتي للأب السدس تكملة الثلثين واحد، للأخت الأم السدس واحد، وترد إلى خمسة.
نصيب الأب الثلثان نقسمه بين ورثته أخت شقيقة وأخت لأب وأخت لأم، المسألة من ست للشقيقة النصف ثلاثة، وللتي للأب السدس تكملة الثلثين واحد، وللأخت لأم السدس واحد، فترد إلى خمسة، ولهذا قال المؤلف:
فَالثُّلُثُ لِلخَالاتِ أَخْمَاساً، وَالثُّلُثَانِ لِلعَمَّاتِ أَخْمَاساً، وَتَصِحُّ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَفِي ثَلاثَةِ أَخْوَالٍ مُتَفَرِّقِينَ لِذِي الأُمِّ السُّدُسُ، وَالبَاقِي لِذِي الأَبَوَيْنِ،
........
«فالثلث للخالات أخماساً والثلثان للعمات أخماساً وتصح من خمسة عشر»، فالقاعدة إذا أدلى جماعة بجماعة، اقسم المال بين المدلى بهم كأن الميت مات عنهم، ثم اقسم المال بين المدلين كأن المدلى بهم ماتوا عنهم، وتصح المسألة؛ وذلك لأن إرث ذوي الأرحام بالتنزيل وليس بالقرابة.
قوله: «وفي ثلاثة أخوال متفرقين»، أحدهم أخ للأم من الأم والثاني أخ للأم من الأب، والثالث أخ للأم شقيق.
قوله: «لذي الأم السدس»، الخال من أم له السدس.
قوله: «والباقي لذي الأبوين»، لأنه لو ماتت الأم عنهم لكانت المسألة كما يلي، أخ شقيق وأخ لأب وأخ لأم، فللأخ لأم السدس، وللأخ الشقيق الباقي، والأخ لأب ليس له شيء،
ولو صاح الأخ لأب: كيف تعطون الأخ لأم وأنا لا تعطونني؟! نقول: لأنه ذو فرض وأنت عاصب وحجبك الشقيق.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمْ أَبُو أُمٍّ أَسْقَطَهُمْ، وَفِي ثَلاثِ بَنَاتِ عُمُومَةٍ مُتَفَرِّقِينَ المَالُ لِلَّتِي لِلأَبَوَيْنِ، وَإِنْ أَدْلَى جَمَاعَةٌ بِجَمَاعَةٍ قَسَمْتَ المَالَ بَيْنَ المُدلَى بِهِمْ، فَمَا صَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ أَخَذَهُ المُدْلِي بِهِ، وَإِنْ سَقَطَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ عَمِلْتَ بِهِ، وَالجِهَاتُ أُبُوَّةٌ، وَأُمُومَةٌ، وَبُنُوَّةٌ.
قوله: «فإن كان معهم أبو أم أسقطهم»، لأن الأب يسقط الإخوة، فلو هلك هالك عن خال شقيق وخال لأم وخال لأب وأبي أم، قَدِّر كأن الأم ماتت عن أخيها الشقيق وأخيها من أب وأخيها من أم وأبيها، من يرثها؟ أبوها، ولو كان معهم جد أم فعلى القول الراجح يسقط الإخوان، وعلى القول الثاني يرث معهم على التفصيل السابق.
قوله: «وفي ثلاث بنات عمومة متفرقين»، «متفرقين» وصف للعمومة، أي: ثلاثة أعمام متفرقين.
قوله: «المال للتي للأبوين»، هلك هالك عن بنت عم شقيق وبنت عم لأب وبنت عم لأم، قَدِّر كأن الميت مات عن ثلاثة أعمام، عم شقيق وعم لأب وعم لأم، من يرث؟ العم الشقيق، العم لأم ليس بوارث؛ لأنه من ذوي الأرحام، والعم لأب محجوب بالعم الشقيق.
قوله: «وإن أدلى جماعة بجماعة قسمت المال بين المدلى بهم، فما صار لكل واحد أخذه المدلي به، وإن سقط بعضهم ببعض عملت به»، إذا أدلى جماعة بجماعة فاقسم المال أولاً بين المدلى بهم، ثم ما كان لكل واحد أخذه المدلي به على حسب الميراث، وإن
سقط بعضهم، أي: بعض المدلى بهم ببعض عملت به، مثال ذلك:
هلك هالك عن بنت بنت، وبنت أخ شقيق، وبنت أخ لأم، أدلى الآن جماعة بجماعة، ثلاثة أدلوا بثلاثة، اقسم المال بين المدلى بهم أولاً، وقَدِّر كأن الميت مات عن بنت وأخ شقيق وأخ لأم، للبنت النصف والباقي للأخ الشقيق، والأخ لأم تسقطه البنت، إذن نقول: لبنت البنت النصف، ولبنت الأخ الشقيق الباقي، ولا شيء لبنت الأخ لأم.
إذاً إذا أدلى واحد بواحد فله نصيبه، وإذا أدلى جماعة بواحد فلهم نصيبه، يرثونه كما يرثونه لو كان هو الميت، وإذا أدلى جماعة بجماعة فإننا نقسم المال أولاً بين المدلى بهم، ثم نورث المدلين كأن المدلى بهم ماتوا عنهم، وبهذا تم ميراث ذوي الأرحام.
قوله: «والجهات أبوة، وأمومة، وبنوة»، هذه جهات ذوي الأرحام، وفي التعصيب الجهات خمسة، لكن في ذوي الأرحام جعلوها ثلاثة على اختلاف بين العلماء في هذا؛ لأن ذوي الأرحام لا يوجد فيه نصوص تفصيلية.
فالأبوة يدخل فيها كل من يأتي من قبل الأب، العم لأم من جهة الأبوة؛ لأنه أخو أبيك، أو ابن جدتك من قبل أبيك فهو من قبل الأبوة، والخال من قبل الأمومة؛ لأن الصلة بينك وبينه من قبل الأم، الإخوة من الأم أبناؤهم من جهة الأمومة، والمذهب خلاف هذا، فالمذهب أن أبناء الإخوة من الأم من جهة الأبوة،
لكن ليس قولهم وحياً منزلاً، فنحن نقول: أين الأبوة؟! إخوتك من الأم ليس لأبيك بهم صلة إطلاقاً، ولهذا نرى أن أولاد الإخوة من الأم من جهة الأمومة بلا شك.
البنوة يدخل فيها من يدلي من الفروع بأنثى، أبناء البنات، أبناء بنات الابن، وهكذا، فما فائدة معرفة هذه الجهات؟ يقول الفقهاء: إن كانوا في جهة واحدة فالأسبق إلى الوارث يحجب من دونه، وإن كانوا في جهتين نرقِّي كل واحد حتى يصل إلى الوارث، فإذا كان أبو أم فهو من جهة الأمومة، وبنت بنت بنت بنت بنت، هل نقول: إن أبا الأم الأقرب إلى الميت فيحجب البنت النازلة؟ لا؛ لأنهما في جهتين، وإذا كانوا في جهتين وجب أن نرقِّيَ المدلي حتى يصل إلى الوارث ولو بَعُد، أما إذا كانوا في جهة واحدة فالأقرب يحجب.
مثال ذلك: بنت بنت بنت بنت، وبنت بنت، وبنت عم، هذه لا تضر؛ لأنها في جهة أخرى، هل بنت البنت التي في المرتبة الثانية تحجب بنت البنت التي في الرابعة؟ نعم، تحجبها؛ لأنها أقرب إلى الميت، وبنت العم ترث الباقي، فنقول: بنت البنت لها النصف، والباقي لبنت العم.
إذاً الفائدة من معرفة الجهات هو أن ذوي الأرحام إذا كانوا في جهة واحدة، فالأقرب يحجب الأبعد، وإذا كانوا في جهتين يرقى كل واحد حتى يصل إلى الوارث.
فابن ابن ابن ابن ابن ابن خال جهته الأمومة، هل يرث مع بنت البنت القريبة؟ نعم يرث؛ لأن الجهة مختلفة.
أم أبي الأم، وأم أبي أم الأب، هل هؤلاء الجدات مختلفات في الجهة؟ نعم؛ لأن الأولى من جهة الأمومة والثانية من جهة الأبوة، فنرقي كل واحدة حتى تصل إلى الوارث وترث، لكن كيف ترث؟ نقول كما سبق: للجدات إِنْ تساوين السدس بينهن، وإن لم يتساوين فللقريبة، لكن المذهب يرون أن الجدات سواء من قِبل الأم أو من قبل الأب في جهة واحدة، والإنسان يتعجب كيف تكون أم أبي الأم في جهة الأب؟! قالوا: لأن كل واحدة منهما تسمى جدة، والمسألة مسألة اجتهاد؛ لأنه لم يرد في القرآن والسنة تفصيل في ميراث ذوي الأرحام، ولهذا اختلف فيه العلماء اختلافاً كثيراً.
بَابُ مِيرَاثِ الحَمِْلِ وَالخُنْثَى المُشْكِلِ
مَنْ خَلَّفَ وَرَثَةً فِيهِم حَمْلٌ فَطَلَبُوا القِسْمَةَ وُقِفَ لِلحَمْلِ الأَكْثَرُ مِنْ إِرْثِ ذَكَرَيْنِ أَوْ أُنْثَيَيْنِ،
............
أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ بهذه الترجمة أن الحمل له ميراث، ولكن لا بد له من شرط، وهو أن يعلم وجوده حال موت مورثه فإن لم يعلم فإنه لا يرث، وذلك فيما إذا ولد لستة أشهر فأكثر من موت مورثه وأمُّه توطأ، فإنه في هذه الحال لا يدرى أنشأت به أمه بعد موت المورث أو قبله، ولهذا لا بد أن نقول: الحمل لا بد أن يعلم وجوده حال موت مورثه، وذلك بأن تأتي به لأقل من ستة أشهر من موت مورثه ويعيش؛ وهذه الحال الأولى؛ لأنه لا يمكن أن يولد حمل قبل ستة أشهر ويعيش.
الحال الثانية: أن تأتي به بعد أربع سنوات، فلا يرث بناء على أن أكثر مدة الحمل أربع سنوات على كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ.
الحال الثالثة: ما بين ذلك أن تلده لستة أشهر فأكثر من موت مورثه، فإن كانت لا توطأ علمنا أنه موجود يقيناً، وإن كانت توطأ فلا نعلم؛ لأنه يحتمل أنها نشأت به بعد موت المورث، وإلا فلا يرث.
والحمل كما هو معلوم، إما أن يكون ذكراً أو أنثى، أو ذكراً وأنثى، أو ذكرين، أو أنثيين، وإما أن يخرج حياً أو يخرج ميتاً، كل هذه احتمالات؛ ولذلك نستعمل اليقين في ميراثه.
قوله: «من خلف ورثة فيهم حملٌ فطلبوا القسمة» أفادنا
بقوله: «فطلبوا القسمة»، أنهم إما ألا يطلبوا القسمة ويقولوا: ننتظر حتى يوضع الحمل ونعرف، وإما أن يطلبوا القسمة، وإذا طلبوا القسمة، فهل يجابون إلى طلب القسمة، أو يقال: انتظروا حتى يخرج الحمل؟ الجواب: يجابون؛ لأن المال مالهم، فإنه لما مات الميت صار ماله للورثة، فإذا طلبوا القسمة أجيبوا، وإن طلب بعضٌ وامتنع بعضٌ يجاب الطالب؛ لأنه شريك ويقول: أنا أريد أن أفسخ الشركة وأستقل بميراثي فيجاب.
إذاً قوله: «فطلبوا القسمة»، يعني أو أحدهم طلب القسمة فإنه يجاب، ولكن ماذا نصنع بالحمل؟ يقول:
«وُقِفَ للحمل الأكثر من إرث ذكرين أو أنثيين»، فتارة يكون الأكثر إرث ذكرين، وتارة يكون الأكثر إرث أنثيين، فإذا استغرقت الفروض أكثر من الثلث فالأكثر إرث أنثيين؛ لأنه سيبقى لهما الثلثان، وإن كان أقل من الثلث فالأكثر إرث ذكرين؛ لأنه لو كان أنثيين كان لهما الثلثان والباقي للعاصب، لكن إذا كان ذكرين صار الباقي لهما، وهذا ضابط ويظهر بالأمثلة.
هلك هالك عن زوجة حامل وعن ابنين، الزوجة على كل حال لها الثمن، سواء خرج الحمل حياً أو ميتاً؛ لأنه لا يمكن أن يزيد إرثها عن الثمن لوجود اثنين من الأبناء، بقي الحمل، هل نوقف له إرث أنثيين، أو إرث ذكرين، أو إرث ذكر، أو إرث أنثى؟ الجواب: إرث ذكرين؛ لأنا لو وقفنا إرث ذكرين صار للموجودَيْن نصف الباقي؛ لأنه يكون مات عن أربعة أبناء، للابنين
الموجودَيْن نصف الباقي، وإن قدرناه واحداً صار للاثنين الثلثان، وإن قدرناه أنثى صار للموجودَيْن أربعة أخماس، إذاً الأكثر أن نقدره ذكرين، فإن قال قائل: لماذا لم نقدره ثلاثة؟ نقول: هذا نادر، والنادر لا حكم له، لكن لو فرضنا أننا قدرناه اثنين ثم زادا رجع في نصيبهم.
فإذا قال قائل: لماذا لا نقدره واحداً لأنه متيقن؟ قلنا؛ لأن وجود الاثنين كثير، ولو ذهبنا إلى اليقين لقلنا: لا نجعل له شيئاً؛ لأنه يحتمل أن يسقط ميتاً، لذلك اختار أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أن يوقف له نصيب اثنين، فإن كان الأكثر نصيب الأنثيين وقف نصيب الأنثيين، وإن كان الأكثر نصيب الذكرين وقف نصيب الذكرين.
فَإِذَا وُلِدَ أَخَذَ حَقَّهُ، وَمَا بَقِيَ فَهُوَ لِمُسْتَحِقِّهِ، وَمَنْ لاَ يَحْجِبُهُ يَأْخُذُ إِرْثَهُ كَالجَدَّةِ، وَمَنْ يُنْقِصُهُ شَيْئاً اليَقِينَ، وَمَنْ سَقَطَ بِهِ لَمْ يُعْطَ شَيْئَاً، وَيرِثُ وَيُورَثُ إِنِ اسْتَهَلَّ صَارِخاً
...
قوله: «فإذا ولد» يعني الحمل.
قوله: «أخذ حقه وما بقي فهو لمستحقه» وإن زاد رجع على الموجودين، فلو هلك هالك عن ابنين وزوجة حامل، الزوجة لها الثمن، ونقدر أن الحمل ذكران فنعطي الابنين الموجودين نصف الباقي، لكن إن صار الحمل ثلاثة، فنرجع عليهم ونقول: بدلاً من أن نقسمه أرباعاً نقسمه أخماساً، للابنين الموجودين الخمسان وللحمل ثلاثة أخماس.
فصار إذا وقفنا إرث ذكرين أو أنثيين يأخذ حقه، فإن بقي شيء رد على مستحقه، وإن نقص له شيء أخذ ممن أخذه؛ لأن المسألة كلها تحت الواقع المستقبل.
قوله: «ومن لا يحجبه يأخذ إرثه كالجدة، ومن ينقصه شيئاً اليقينَ، ومن سقط به لم يعط شيئاً»، الورثة الذين مع الحمل ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: لا ينقصه الحمل شيئاً فنعطيه نصيبه كاملاً.
القسم الثاني: ينقصه الحمل فنعطيه اليقين.
القسم الثالث: يحجبه الحمل فلا نعطيه شيئاً.
مثال ذلك: مات رجل عن امرأة حامل وجدة وأخ شقيق، هذا المثال ينطبق على كل الأقسام الثلاثة، الجدة نعطيها كاملاً؛ لأنه لا يحجبها ولا ينقصها، فلها السدس على كل حال، سواء ولد ميتاً أو حياً، الزوجة إن ولد حياً فلها الثمن وإن ولد ميتاً فلها الربع، إذاً الحمل ينقصها فنعطيها اليقين وهو الثمن، الأخ الشقيق إن ولد الحمل ذكراً سقط الأخ، وإن ولد ميتاً ورث الباقي، وإن ولد أنثى أخذ الباقي بعد فرضها فنمنعه من الميراث، ونقول: انتظر؛ لأنه يوجد احتمال أن يكون الحمل ذكراً فيسقط، فلا نعطيه، هذا بالنسبة لإرث من معه.
قوله: «ويرث ويورث إن استهل صارخاً»، شرط ميراثه أن يستهل صارخاً، وقوله: «صارخاً» حال لكنها حال مؤكِّدة، تؤكد معنى الاستهلال وهو رفع الصوت، ومعناه أنه إذا ولد سمع له صياح؛ لأن المولود إذا ولد لا بد أن يستهل صارخاً، فإن الشيطان
قد رصد له فينخسه في خاصرته ليقتله 1.
أَوْ عَطَسَ أَوْ بَكَى أَوْ رَضَعَ أَوْ تَنَفَّسَ وَطَالَ زَمَنُ التَّنَفُّسِ، أَوْ وُجِدَ دَلِيلُ حَيَاتِهِ غَيْرَ حَرَكَةٍ وَاخْتِلاَجٍ، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُهُ فَاسْتَهَلَّ ثُمَّ مَاتَ وَخَرَجَ لَمْ يَرِثْ،
قوله: «أو عطس» إذا عطس دَلَّ ذلك على حياته؛ لأنه لا يمكن لهذا الحمل أن يعطس بدون حياة.
قوله: «أو بكى» الفرق بين استهل وبكى أن البكاء لطيف لين ليس صراخاً.
قوله: «أو رضع أو تنفس» أي: سمعناه تنفس، أو تنهَّد.
قوله: «وطال زمن التنفس» فنفس خفيف جداً، ثم يموت، لا يدل على الحياة الكاملة.
قوله: «أو وجد دليل حياته» أيُّ دليل، وما ذكره المؤلف من الأمثلة داخل في قوله: «دليل حياته» فيكون هذا من باب عطف العام على الخاص.
قوله: «غير حركة واختلاج» الحركة اليسيرة ما تدل على الحياة، والاختلاج أي: الاضطراب؛ لأن هذا لا يدل على استقرار الحياة.
قوله: «وإن ظهر بعضه فاستهل ثم مات وخرج لم يرث» ظهر بعضه وصرخ ولكن تعسرت الولادة فمات وخرج فإنه لا
يرث؛ لأنه لم تتم الولادة، إذاً لا بد أن يستهل صارخاً بعد الولادة، بعد أن ينفصل من أمه ويخرج وإلا فلا يرث، فشرط إرث الحمل، شرط سابق وشرط لاحق، الشرط السابق أن يعلم وجوده حين موت مورثه، فإن لم يعلم، كما لو أتت به لستة أشهر فأكثر وهي توطأ فإنه لا يرث؛ لأننا لا ندري هل نشأت به أمه قبل موت المورث، أو بعده؛ ولهذا أحياناً نمنع الرجل من إتيان زوجته إذا كان حملها يرث الميت، كإنسان تزوج امرأة لها أولاد ممن سبق فمات أحد أولادها، نقول: لا تجامعها؛ لأنه إذا جامعها فسيكون هذا الولد الذي في بطنها أخاً من الأم فيرث، فنقول: لا تجامع حتى تحيض المرأة، إذا حاضت علم أن ليس في بطنها حمل.
الشرط اللاحق وهو أن يستهل صارخاً، فإن لم يتم الشرطان فلا ميراث له.
وَإِنْ جُهِلَ المُسْتَهِلُّ مِن التَّوْأَمَيْنِ وَاخْتَلَفَ إِرْثُهُمَا يُعَيَّنُ بِقُرْعَةٍ والخُنْثَى المُشْكِلُ يَرِثُ نِصْفَ مِيرَاثِ ذَكَرٍ وَنِصْفَ مِيراثِ أُنْثَى.
قوله: «وإن جهل المستهل من التوأمين واختلف إرثهما يعين بقرعة» أي: إذا جهل المستهل من التوأمين، فإن كان إرثهما واحداً فلا حاجة للقرعة؛ لأنه سواء وجد هذا أو هذا، وإن اختلفا كما لو كان أحدهما ذكراً والثاني أنثى، فلا بد أن نعين أحدهما بالقرعة؛ لأن القرعة سبيل للتعيين إذا لم نجد غيرها.
وقد جاءت القرعة في القرآن الكريم في موضعين، وجاءت في السُّنة في ستة مواضع، وهي طريق شرعي لتعيين المبهم، في القرآن الكريم جاءت في آل عمران: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [44]،
والموضع الثاني في سورة الصافات: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ *إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ *فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *﴾، والسنة معروفة منها أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه، فأيهما خرج سهمها خرج بها 1.
قوله: «والخنثى المشكل» وهو الذي لا يُعلم أهو ذكر أم أنثى، وهو أنواع:
الأول: أن يكون له آلة ذكر وآلة أنثى، يعني فرجاً وذكراً ويبول منهما جميعاً، فهذا لا ندري هل هو ذكر أو أنثى؟
الثاني: أن يكون له مخرجٌ واحد يخرج منه البول والغائط، ولا له آلة ذكر ولا آلة أنثى.
الثالث: أن يكون له دبر مستقل، ويخرج البول من غير ذكر ولا فرج، يخرج رشحاً كالعرق الكثيف.
الرابع: ألا يكون له فرج إطلاقاً من أسفله، لا دبر ولا قبل ولا فرج، وإنما يتقيأ ما يأكله ويشربه، يبقى في معدته ما شاء الله حتى يمتص الجسم ما يحتاجه من غذاء هذا الطعام والشراب، ثم يتقيأ، كل هذا ذكره الفقهاء، فهؤلاء كلهم نسمِّيهم خنثى مشكلاً، وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن في الخنثى من ليس مشكلاً وهو كذلك، كما لو كان له آلة ذكر وفرج أنثى، ولكنه يبول من فرج الأنثى ويحيض، فهذا غير مشكل، فنجعله أنثى، وكما لو كان له
فرج أنثى وآلة ذكر، ويبول من آلة الذكر ولا يبول من آلة الأنثى ولا يحيض، فهذا يسمونه خنثى واضحاً.
ماذا نعمل في الخنثى المشكل؟ نقول: إن وافق الورثة على أن ينتظروا حتى يكبر ويبلغ وينظر، أو حتى تجرى له عملية كما في وقتنا الحاضر، فهذا المطلوب، وإن لم يوافقوا فالمؤلف يقول:
«يرث نصف ميراث ذكرٍ ونصف ميراث أنثى» وهذا هو العدل؛ لأنه ما دام مشكلاً فيجب أن نحتاط، ونقول: لك نصف ميراث ذكر ونصف ميراث أنثى، فلو هلك هالك عن ابنين أحدهما خنثى، فمسألة الذكورية من اثنين ومسألة الأنوثية من ثلاثة، الذكورية من اثنين له واحد ولأخيه واحد، الأنوثية من ثلاثة له واحد ولأخيه اثنان، وبين المسألتين تباين نضرب إحداهما في الأخرى تبلغ ستة، ونقول من له شيء من إحدى المسألتين أخذه مضروباً في الأخرى.
بَابُ مِيرَاثِ المَفْقُودِ
مَنْ خَفِيَ خَبَرُهُ بِأَسْرٍ أَوْ سَفَرٍ غَالِبُهُ السَّلاَمَةُ كَتِجَارَةٍ، انْتُظِرَ بِهِ تَمَامُ تِسْعِينَ سَنَةً مُنْذُ وُلِدَ،
المفقود مَنْ فُقِدَ ولم تعلم له حياة ولا موت، إما أنه دخل في حرب ولا يُدرى أسَلِمَ أم قُتِلَ، أو أنها جاءت فيضانات واجترفت الناس ولا يُدرى، أو ركب سفينة ولا يدرى أين ذهب، فماذا نصنع فيه؟ يقول المؤلف:
«من خفي خبره بأسْرٍ أو سفر غالبه السلامة، كتجارة، انتُظر به تمام تسعين سنة منذ ولد»، مثل إنسان سافر إلى المدينة ـ مثلاً ـ في وقت آمن، ثم فقد، فهذا السفر غالبه السلامة، نقول: ينتظر تمام تسعين سنة منذ ولد، فإذا كان فقد وله عشرون سنة ننتظر سبعين سنة، وإذا فقد وله تسع وثمانون سنة وإحدى عشر شهراً ننتظر شهراً واحداً مع أن ظاهر سفره السلامة، لكن هذا عليه سؤالان:
الأول: لماذا خص تسعون سنة؟ قالوا: لأن هذا أكثر ما يعيش فيه الإنسان غالباً، وأعمار هذه الأمة ما بين الستين إلى السبعين، لكن يوجد من يصل إلى مائة.
الثاني: كيف ننتظر شهراً واحداً؟! هذا لا يكفي؛ لأننا إذا قلنا: ننتظر إلى تمام التسعين، معناه إذا تمت التسعون حكمنا بأنه ميت، ووُرِثَ مالُه واعتدَّت زوجتُهُ وحلت للأزواج، ومثل هذا لا
يكفي في الغالب، وقولهم: إن الأكثر والأغلب أن لا يعيش أكثر من هذا، نقول: لكن وجد من يعيش مائة سنة أو أكثر.
وَإِنْ كَانَ غَالِبُهُ الهَلاكَ، كَمَنْ غَرِقَ فِي مَرْكَبٍ، فَسَلِمَ قَوْمٌ دُونَ قَوْمٍ، أَوْ فُقِدَ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ أَوْ فِي مَفَازَةٍ مَهْلَكَةٍ، انْتُظِرَ بِهِ تَمَامُ أَرْبَعِ سِنِينَ مُنْذُ فُقِدَ ..
قوله: «وإن كان غالبه الهلاك»، أي: غالب سفره الهلاك.
قوله: «كمن غرق في مركب فسلم قومٌ دوم قومٍ»، المركب غرق في البحر وسلم قوم إلى الساحل، وقوم فقدوا ولا يعلم عنهم، منهم هذا الرجل المفقود، فهذا غالب فقده الهلاك، أو احترق المركب أو ما أشبه ذلك، فالغالب الهلاك.
قوله: «أو فقد من بين أهله»، خرج يقضي حاجة في السوق ولم يرجع، هذا ظاهر غيبته الهلاك، أو نائم هو وأهله في البر فلما أصبحوا لم يجدوه، هذا ـ أيضاً ـ ظاهر فقده الهلاك.
قوله: «أو في مفازة مَهْلَكة»، يعني في أرض فلاة ليس حولها ماء ولا شجر ولا سكان، هذه يسميها العرب مفازة من الفوز، وهذا من باب التسمية بما يتفاءل به؛ لأنها مهلكة فقالوا: مفازة تفاؤلاً، كما قالوا فيما يوضع على الكسر: جبيرة، تفاؤلاً بجبره، فالذي يفقد في مفازة لا ماء ولا ساكن ولا شيء، فظاهر غيبته الهلاك.
قوله: «انتظر به تمام أربع سنين منذ فقد»، في بعض النسخ «منذ تلف»، والصواب «منذ فقد»، لأنه إذا تلف ما ننتظر ولا ساعة، لكنها سبقة قلم من المؤلف ـ رحمه الله ـ فينتظر به تمام أربع
سنين منذ فقد، فإذا فقد رجلان لكل واحد منهما ثمان وثمانون سنة، أحدهما ظاهر غيبته الهلاك، والثاني ظاهر غيبته السلامة، ننتظر بمن ظاهر غيبته السلامة سنتين، والآخر الذي ظاهر غيبته الهلاك أربع سنين، هذا غير معقول!! كيف نقول: الذي ظاهر غيبته الهلاك وله ثمان وثمانون سنة ننتظره أربع سنين، والذي ظاهر غيبته السلامة وله ثمان وثمانون سنة ننتظره سنتين؟! كان يقتضي الأمر العكس، وإنما قدروا هذا التقدير للتوقيف يعني هذا لا مجال للعقل فيه؛ لأن هذا هو الذي ورد عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ 1، ولكن لنا أن نقول: ما ورد عن الصحابة قضايا أعيان، وقضايا الأعيان ليست توقيفية؛ لأن قضايا الأعيان يعني أننا ننظر إلى كل مسألة بعينها، وإذا كان قضايا أعيان فهو اجتهاد، فالقول الراجح في هذه المسألة أنه يرجع فيه إلى اجتهاد الإمام، أو من ينيبه الإمام في القضاء، والناس يختلفون، من الناس مَنْ إذا مضى سنة واحدة عرفنا أنه ميت؛ لأنه رجل شهير في أي مكان ينزل يُعرف، فإذا فُقِدَ يكفي أن نطلبه في سنة، ومن الناس من هو من العامة يدخل مع الناس، ولا
يعلم عنه إن اختفى لم يفقد، وإن بان لم يؤبه به، هل نقول: إننا ننتظر في هذا الرجل كما انتظرنا في الأول؟ لا؛ لأن هذا يحتاج إلى أن نتحرى فيه أكثر؛ لأنه إنسان مغمور ليس له قيمة في المجتمع، فننتظر أكثر، ثم إذا غلب على الظن أنه ميت حكمنا بموته، وهنا يجب على القاضي أن يبحث عن هذا الشخص.
أيضاً تختلف المسألة باختلاف ضبط الدولة، بعض الدول تكون حدودها قوية لا يمكن أن يدخل عليها أحد، وإذا دخل عليها أحد لا يمكن أن يخرج، فهذه لا نطوِّل مدة الانتظار؛ لأنها محكمة محصورة، وما دامت الأمور تختلف باختلاف أحوال الشخص، وباختلاف السلطان وقوة النظام، فإننا يجب أن نرجع في ذلك في كل مكان وزمان بحسبه، وهذا هو الراجح، وحينئذٍ لنا نظران: النظر الأول: في قسم ماله، يعني بحكمنا بموته يقسم ماله، والنظر الثاني: في إرث من معه، يقول المؤلف:
ثُمَّ يُقْسَمُ مَالُهُ فِيهِمَا، فَإِنْ مَاتَ مُوَرِّثُهُ فِي مُدَّةِ التَّرَبُّصِ أَخَذَ كُلُّ وَارِثٍ إِذَاً اليَقِينَ وَوُقِفَ مَا بَقِيَ، فَإِنْ قَدِمَ أَخَذَ نَصِيبَهُ، وَإِنْ لَمْ يَأْتِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَالِهِ، وَلِبَاقِي الوَرَثَةِ أَنْ يَصْطَلِحُوا عَلَى مَا زَادَ عَنْ حَقِّ المَفْقُودِ فَيَقْتَسِمُونَهُ.
«ثم يقسم ماله فيهما» «فيهما» الضمير يعود على الغَيْبة التي ظاهرها السلامة والتي ظاهرها الهلاك.
قوله: «فإن مات مورِّثه في مدة التربص أخذ كل وارث إذاً اليقين ووقِف ما بقي» إذا مات مورثه، يعني مات شخص يرثه المفقود في مدة الانتظار نبقي حق المفقود، ونقسم ما زاد على حقه بين الورثة، فإذا كان المفقود ابناً مع ابنين موجودين نوقف له الثلث، ونعطي الابنين الموجودين كل واحد ثلثاً حتى يتبين الأمر.
قوله: «فإن قدم أخذ نصيبه وإن لم يأتِ فحكمه حكم ماله» أي متى حكمنا بموته ورث وارثوه مالَه الأصلي، ومالَه الذي ورثه من مُورِّثه، فإذا أوقفنا له عشرة آلاف من مورِّثه ثم مضت المدة ولم يأتِ، وقلنا: الرجل ميت، وكان عنده من قبل عشرة آلاف فالتركة عشرون ألفاً فتورث.
وخلاصة الأمر:
أولاً: المفقود هو الذي اختفى فلم يعلم أحي هو أم ميت؟
ثانياً: الفقهاء يقولون: إن كان ظاهر غيبته السلامة ننتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك ننتظر به أربع سنين منذ فقد.
ثالثاً: إذا مضت المدة ولم يأت يقسم ماله بين ورثته؛ لأننا نحكم بموته، وإذا أتى قبل تمام المدة يأخذ الموقوف له ولا إشكال، وإذا مات له مورث في مدة الانتظار يوقف نصيبه كأنه حي موجود، ويرث من معه اليقينَ، ثم إن قدم فالأمر واضح، وإن لم يأت فحكمه حكم ماله، وإذا علمنا أنه مات قبل موت مورثه، يرد المال على الورثة، فإذا مات عن ابنين أحدهما موجود والثاني مفقود، ثم تبين أن المفقود مات قبل موت الأب فالمال للابن الموجود، ولا إشكال في ذلك.
قوله: «ولباقي الورثة أن يصطلحوا على ما زاد عن حق المفقود فيقتسمونه» يعني حق المفقود إذا وقفناه وزاد، فللورثة أن يصطلحوا على هذا الزائد ويقتسموه بينهم؛ لأنه ليس له وارث.
بَابُ مِيرَاثِ الغَرْقَى
إِذَا مَاتَ مُتَوَارِثَانِ كَأَخَوَيْنِ لأَبٍ بِهَدْمٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ غُرْبَةٍ أَوْ نَارٍ، وَجُهِلَ السَّابِقُ بِالمَوْتِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِيهِ، وَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِن الآخَرِ مَنْ تِلادِ مَالِهِ دُونَ مَا وَرِثَهُ مِنْهُ؛ دَفْعَاً للدَّوْرِ.
الغرقى يعني الذين غرقوا جميعاً ولم نعلم السابق منهم، فهل لهم نظير؟ نعم، لو سقطت طائرة ولم نعلم الميت الأول، لو انقلبت سيارة ولم نعلم الميت الأول، لو شب حريق ولم نعلم الميت الأول، فالمراد بالغرقى هنا جماعة هلكوا جميعاً ولم نعلم عن حالهم، هل ماتوا لحظة واحدة أو تقدم أحدهم؟
قوله: «إذا مات متوارثان كأخوين لأب بهدم أو غرق أو غربة أو نار» الهدم واضح، والغرق واضح، والنار واضحة، والغربة كرجلين سافرا جميعاً وأتانا خبر أنهما ماتا، ولم ندرِ أيهما الأول، فحكمهما حكم من ماتوا بغرق أو نار ولم يعلم الأول منهم.
قوله: «وجُهل السابق بالموت ولم يختلفوا فيه» يعني ورثة كل واحد لم يختلفوا.
قوله: «ورث كلُّ واحدٍ من الآخَر من تِلادِ ماله دون ما ورثه منه دفعاً للدور» أولاً نصور المسألة: هؤلاء جماعة ركبوا سفينة، غرقت السفينة وماتوا كلهم، ولا ندري أيهم الأول، فهل يجري التوارث بينهم أو لا؟ المذهب أنه يجري التوارث بينهم إذا لم يختلف الورثة.
القول الثاني: أنه لا توارث بينهم، كل واحد منهم لا يرث الآخر، وإنما يرثه الورثة الآخرون؛ لأن من شرط الإرث أن يوجد الوارث بعد موت المورث لقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ﴿وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ﴾ [النساء: 11]، فلا بد أن نعلم أن الوارث وجد بعد موت المورث، وهنا الشرط غير موجود، إذاً لا توارث، وهذا القول مع كونه أصح وأوفق للأدلة الشرعية هو ـ أيضاً ـ أهون وأقطع للنزاع، على القول الأول سيكون نزاعٌ إذا كان أحد الذين غرقوا يملك الملايين، والثاني يملك ثوبه الذي عليه فقط، فنورث هذا من هذا وهذا من هذا، فالغني هل يرث من الفقير؟ لا؛ لأنه لا شيء له، والفقير يرث من الغني، فيعود مال هذا الغني لورثة الفقير بأي حق؟! فالقول الراجح بلا شك أنه لا توارث بينهم.
وعلى المذهب إن تنازع الورثة في المثال الذي ذكرنا، أخوان أحدهما يملك الملايين والثاني ما عنده شيء، كل واحد منهم له زوجة وأم، ثم تنازعوا فورثة الغني يقولون: إن مورثكم مات قبل مورثنا، وأولئك يقولون بالعكس، فهنا يتساقطون، وهذا فيه شيء من الصحة، ويكون ميراث كل ميت لورثته، وأما إذا لم يختلفوا قالوا: ما نعلم، فنحن لا ندعي أن مورثنا هو الأول أو الثاني، فحينئذٍ يرث كل واحد منهما من الآخر من تلاد ماله ـ أي: من قديمه ـ لا مما ورثه منه؛ لأننا لو قلنا: مما ورثه منه، صار دوراً، فيرث هذا مما ورثه منه، ثم ذاك يرث مما ورث منه، وهكذا.
مثال هذا: أحدهما خلف مليون ريال والثاني خلف مائة ألف ريال، إذا ورث صاحب مائة الألف من صاحب المليون سيرث خمسمائة ألف، وذاك إذا ورث من الآخر يرث خمسين ألفاً، هل نضم الخمسين ألفاً للمليون ونقول: يرث هذا خمسمائة ألف وخمسين ألفاً؟ لا يمكن، لو قلنا هذا لزم أن ندور، فنقول: يرث صاحب مائة الألف خمسمائة ألف من صاحبه، وصاحب المليون يرث خمسين ألفاً من صاحبه وتنتهي المسألة، ومع هذا نحن نقول ونرجح: أنه لا توارث بينهما، وأنه لا حق لأحدهما في مال الآخر؛ لأن الشرط وهو وجود الوارث بعد موت المورث لم يتحقق، وهذا الذي اخترناه هو مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الصواب بلا شك.
بَابُ مِيرَاثِ أَهْلِ المِلَلِ
لاَ يَرِثُ المُسْلِمُ الكَافِرَ إِلاَّ بِالوَلاَءِ، وَلاَ الكَافِرُ المُسْلِمَ إِلاَّ بِالوَلاَءِ،
...... أهل الملل يعني الأديان، ولا يمكن أن نبحث في ميراث أهل الملل حتى يوجد سبب الميراث، وأسباب الميراث ثلاثة: نكاح ونسب وولاء، فإذا وجد اثنان بينهما توارث وهما على دين واحد جرى التوارث، وإن اختلف دينهما فلا؛ لأن من شرط الإرث اتفاق الدين، لقول الله ـ تبارك وتعالى ـ لنوح حين قال: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ قال الله له: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 45، 46] ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث أسامة بن زيد ـ رضي الله عنه ـ: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» 1. قوله: «لا يرث المسلمُ الكافرَ إلا بالولاء ولا الكافرُ المسلمَ إلا بالولاء» والدليل ما أشرنا إليه من الآية، وما قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»، ولأن الإرث مبني على الموالاة والنصرة، ولا موالاة ولا نصرة بين المسلم والكافر، أما قول المؤلف: «إلا بالولاء»، فهذا الاستثناء لا دليل عليه ولا يصح أثراً ولا نظراً، أما كونه لا يصح أثراً فلعدم الدليل الصحيح، وقد ورد فيه حديث ضعيف 2، وأما كونه لا يصح
نظراً؛ فلأن الإرث بالولاء أضعف من الإرث بالنسب والزوجية، فإذا كان اختلاف الدين يمنع الميراث مع السبب الأقوى، فكيف لا يمنعه مع السبب الأضعف؟! هذا خلاف القياس وخلاف النظر، ولنضرب لهذا مثلاً: هلك هالك عن أب كافر هل يرثه أبوه؟ لا.
هلك هالك عن معتِق كافر والعبد المعتق مسلم، هل يرثه سيده؟ على المذهب يرثه، وعلى القول الراجح لا يرثه، ونحن نقول بالقول الراجح لعموم الحديث: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
لو هلك هالك عن ابن لا يصلي وعن عم مسلم يصلي، فميراثه للعم، والابن الذي لا يصلي لا يرث، وكذلك لو كان هناك رجل لا يصلي ومات عن أقارب مسلمين فإنهم لا يرثونه؛ لأنه لا يرث المسلم الكافر، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيانه.
وَيَتَوَارَثُ الحَرْبِيُّ وَالذِّمِّيُّ وَالمُسْتَأْمِنُ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ يَرِثُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً مَعَ اتِّفَاقِ أَدْيَانِهِمْ لاَ مَعَ اخْتِلاَفِهَا، وَهُمْ مِلَلٌ شَتَّى، وَالمُرْتَدُّ لاَ يَرِثُ أَحَداً وَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَمَالُهُ فَيْءٌ.
قوله: «ويتوارث الحربي والذمي والمستأمن»، هؤلاء ثلاثة أصناف من الكفار، فالحربي هو الذي ليس بيننا وبينه عهد ولا ذمة ولا أمان.
وقوله: «والمستأمِن» بكسر الميم، وأكثر الناس يقولون: المستأمَن بفتح الميم وهذا غلط؛ لأنه ليس مستأمَناً بل هو مُؤَمَّن، وهو الذي أُعْطِيَ الأمان ألا يعتدى عليه، سواء من الإمام أو ممن
يجيز إجارته الإمام، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «قد أجرنا من أجرتِ يا أم هانئ» 1.
وقوله: «والذمي» وهو الذي بيننا وبينه عهد وذمة أن يبقى في دارنا آمناً، تحفظ له حقوقُه، ولا يعتدى عليه لكن عليه الجزية.
والمعاهد هو الذي جرى بينه وبين المسلمين عهد، لكنه في بلده مستقل، ليس للمسلمين به تعلق، إلا العهد الذي بيننا وبينه، فيتوارث هؤلاء إذا اتفقت أديانهم، فكلهم يهود، كلهم نصارى، كلهم مجوس، كلهم شيوعيون، يتوارثون إذا اتفقت أديانهم، وإن اختلفت فلا توارث، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» 2، فإن هذا يدل على أن اختلاف الدين مانع من الإرث، ولهذا قال المؤلف:
«وأهل الذمة يرث بعضهم بعضاً مع اتفاق أديانهم لا مع اختلافها» أهل الذمة هل يمكن أن تختلف أديانهم؟ نعم، يهود، نصارى، مجوس، هؤلاء أهل الذمة، ثلاثة أصناف، والصحيح أنهم أكثر من ثلاثة أصناف، وأن جميع الكفار يمكن أن يكونوا أهل ذمة، تعقد لهم الجزية، كما صح ذلك فيما رواه مسلم عن بريدة ـ رضي الله عنه ـ 3.
قوله: «وهم» الضمير يعود على أهل الأديان.
قوله: «ملل شتى» أي: متفرقة، اليهود ملة، والنصارى ملة، والمجوس ملة، والشيوعيون ملة، والبوذيون ملة وهكذا، وهذا هو القول الراجح.
وقال بعض العلماء: إن الكفر ملة واحدة، لكن هذا قول ضعيف؛ لأن اليهود يقولون: ليست النصارى على شيء، والنصارى يقولون: ليست اليهود على شيء، فكيف يكونون أمة واحدة؟! نعم هم بالنسبة للإسلام صنف، لكن بالنسبة لما بينهم مختلفون، كما نقول مثلاً: أهل السنة يدخل فيهم المعتزلة، يدخل فيهم الأشعرية، يدخل فيهم كل من لم يَكْفُر من أهل البدع، إذا قلنا هذا في مقابلة الرافضة، لكن إذا أردنا أن نبين أهل السنة، قلنا: إن أهل السنة حقيقة هم السلف الصالح الذين اجتمعوا على السنة وأخذوا بها، وحينئذٍ يكون الأشاعرة والمعتزلة والجهمية ونحوهم ليسوا من أهل السنة بهذا المعنى.
قوله: «والمرتد لا يرث أحداً» لأنه ـ والعياذ بالله ـ ليس له دين ولا يقر على دينه، يعني لو كان عندنا كافر ملحد غاية الإلحاد نقره على دينه، لكن لو ارتد أحد إلى اليهودية أو النصرانية لا نقره؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم صلّى الله عليه وآله وسلّم: «من بدل دينه فاقتلوه» 1 يعني من بدل دين الإسلام، فإننا نقتله، إذاً المرتد لا يرث أحداً، ولا أباه ولا أمه ولا ابنه؛ لأنه مرتد مخالف للدين وليس على دين؛ لأنه لا يقر على هذا الدين.
قوله: «وإن مات على ردته فماله فيء» يعني يُدخَل في بيت المال، وبهذا نعلم أن العلماء ـ رحمهم الله ـ يحكمون على الشخص بعينه بالردة أو غيرها مما يقتضيه فعله، خلافاً لما عليه الشباب الآن فإنهم يتهيبون أن يكفروا أحداً بعينه، وهذا غلط، إذا وجد الكفر وتمَّت الشروط وانتفت الموانع، فإننا نكفره بعينه ونعامله معاملة الكافر في كل شيء؛ لأنه ليس لنا إلا الظاهر، أما لو فرضنا أنه كان مؤمناً بقلبه، ولكن يظهر الكفر، فهذا حسابه على الله ـ عزّ وجل ـ لكن نكفره بعينه؛ لأننا لو قلنا: إننا لا نكفر أحداً بعينه، وإنما نكفر الجنس، ما بقي أحد يكفر، ولا أحد يُدعى إلى الإسلام.
وقوله: «وإن مات على ردته فماله فيء» دليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم» 1، وهذا واضح؛ ولأن الإرث مبني على النصرة والولاء، ولا نصرة ولا ولاء بين المسلم والكافر، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ وهم أسعد بالدليل مما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، فإنه ـ رحمه الله ـ يرى أن المرتد يورث، ويستدل بأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ في أيام الردة يورِّثون أهل المرتدين من أموال المرتد، ولكن الإنسان يقول: ما جوابي يوم القيامة حين يناديهم فيقول: «ماذا أجبتم المرسلين»؟ ماذا نقول في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم»؟ وأما فعل الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ، فهل أجمعوا عليه؟ لو أجمعوا عليه
لقلنا: إجماعهم حجة، لكن من يقول: إنهم أجمعوا على هذا؟ والمسألة ليست عندي بذاك المسألة البينة، إذاً نبقى على الأصل وهو: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
وقوله: «فماله فيء» الفيء يكون في بيت المال، يصرف في المصالح العامة، كبناء المساجد، وبناء المدارس، وإعطاء الفقراء، المهم ما يصرف فيه بيت المال، يصرف فيه مال المرتد.
وَيَرِثُ المَجُوسُ بِقَرَابَتَيْنِ إِنْ أَسْلَمُوا، أَوْ تَحَاكَمُوا إِلَيْنَا قَبْلَ إِسْلاَمِهِمْ، وَكَذَا حُكْمُ المُسْلِمِ يَطَأُ ذَاتَ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ مِنْهُ بِشُبْهَةٍ وَلا إِرْثَ بِنِكَاحِ ذَاتِ رَحِمٍ مُحَرَّمٍ، وَلاَ بِعَقْدٍ لاَ يُقَرُّ عَلَيْهِ لَوْ أَسْلَمَ.
قوله: «ويرث المجوس بقرابتين إن أسلموا» المجوس من مذهبهم الخبيث أنه يجوز للإنسان أن ينكح محارمه ـ والعياذ بالله ـ ينكح أخته، بنته، عمته، أمه، وهذا من أخبث المذاهب وأقبحها، فإذا كان أحدهم يدلي بقرابتين فإنه يرث بهما؛ لأنهم يعتقدون حل فعلهم، فإذا أسلموا فإنهم يورثون بالقرابتين، كما ذكرنا في الجدات أن الجدة التي تدلي بجهتين ترث ثلثي السدس.
قوله: «أو تحاكموا إلينا قبل إسلامهم» يعني إذا تحاكموا إلينا قبل إسلامهم فإننا نورثهم على حسب القرابتين، فإن لم يسلموا أو لم يتحاكموا فأمرهم إلى أنفسهم.
قوله: «وكذا حكم المسلم يطأ ذات رحم محرم منه بشبهة» يعني لو أن المسلم وطئ ذات رحم محرم منه بشبهة، والشبهة إما شبهة عقد وإما شبهة اعتقاد، فمن وطئ امرأة يظنها زوجته فبانت أخته أو بنته فهذا شبهة اعتقاد، ومن عقد على امرأة على أنها أجنبية منه وبعد العقد والدخول تبين أنها مَحرم له، تبين أنها أخته
من الرضاعة ـ مثلاً ـ هذه شبهة عقد؛ لأنه عقد عقداً يظنه صحيحاً وذاك جامَع جماعاً يظنه صحيحاً، فإذا أتت بولد صار هذا الولد يرث بجهتين، فيوَرَّث بالجهتين؛ لوجود السببين، والشيء إذا وجد سببه وجب العمل به.
وقيل: يرث بأقوى الجهتين ميراثاً واحداً؛ لأنه لا يمكن أن يجتمع في شخص واحد جهتان متقابلتان، وإذا كان لا يمكن فإنه يؤخذ بالأقوى ويرث بجهة واحدة.
قوله: «ولا إرث بنكاح ذات رحم محرَّم» مثاله: إنسان تزوج امرأة ثم مات عنها، وبعد الموت تبين أنها أخته من الرضاعة، فهل ترث؟ الجواب: لا ترث؛ لأنه تبين أن النكاح باطل، فلا ترث حتى لو بقيت معه عدة سنين.
قوله: «ولا بعقد لا يُقَرُّ عليه لو أسلم» يعني ولا إرث بعقد لا يقر عليه لو أسلم، مثاله: أن يتزوج المجوسي أخته ثم يموت عنها، فهذا العقد إذا أسلم لا يقر عليه، بخلاف ما لو كان عقد عقداً محرماً لكن زال سبب التحريم، فإنه يقر عليه، كما لو تزوج أخت زوجته والأخت معه فالنكاح لا يصح؛ لأنه لا يجمع بين أختين، لكن لو أنه حين أسلم فارق الأولى فالنكاح يصح؛ لأنه زال المانع، وكذلك لو نكح امرأة في عدتها فالنكاح باطل، ولكن لو أسلم بعد أن انقضت العدة فإنه يقر عليه.
بَابُ مِيرَاثِ المُطَلَّقَةِ
مَنْ أَبَانَ زَوْجَتَهُ فِي صِحَّتِهِ أَوْ مَرَضِهِ غَيْرِ المَخُوفِ وَمَاتَ بِهِ، أَوْ المَخُوفِ وَلَمْ يَمُتْ بِهِ لَمْ يَتَوَارَثَا بَلْ فِي طَلاَقٍ رَجْعِيٍّ لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهُ،
.........
سبق أن من أسباب الإرث: النكاح، فإذا كان له زوجة وطلقها، فهذا لا يخلو من أحوال يذكرها المؤلف.
قوله: «من أبان زوجته في صحته أو مرضه غير المخوف ومات به، أو المخوف ولم يمت به لم يتوراثا» إذا أبان زوجته، أي: طلقها طلاقاً بائناً كالطلاق الثلاث، والفسخ بعيب وما أشبه ذلك، في صحته فإنه لا توارث ولو كان في العدة؛ لأنها بانت منه، فلو مات لم ترثه وإن ماتت لم يرثها.
وقوله: «أو مرضه غير المخوف» المرض نوعان: مرض مخوف، وهو الذي إذا مات منه الإنسان لم يقل الناس شيئاً؛ لأنه صار عادة أن يموت به الناس، وغير المخوف هنا الذي يرجى برؤه، فما كان سبباً للموت عادة فهو مخوف وما لا فلا، مثال المرض غير المخوف: إنسان يؤلمه سِنُّهُ، أو عينه، أو جرح فيه، أو زكام، هذه أمراض غير مخوفة، فإذا طلقها في هذا المرض طلاقاً بائناً، ثم اشتد به المرض ومات، فإنها لا ترث؛ لأنها بانت منه في حال لا يتهم فيها بمنع الإرث.
وقوله: «أو المخوف» أي: مرضه المخوف الذي مات به ولم يستنكره الناس، مثل الحمى الشديدة، أو ذات الجنب، وفي
عصرنا هذا انتشر داء السرطان، وفي الأول كان السِّل، المهم الأمراض التي لو مات بها قال الناس: هذا سبب، ولهذا قال العلماء ـ رحمهم الله ـ: المرأة التي يأخذها الطلق مرضها مخوف مع أنه لا يكثر فيه الموت، لكن لو ماتت بالطلق قال الناس: ليس هذا بغريب.
وقوله: «أو المخوف ولم يمت به لم يتوارثا» لو أن إنساناً مريضاً مرضاً مخوفاً بذات الجنب ـ مثلاً ـ فخاف أن يموت به، فطلق زوجته لئلا ترث، ثم عافاه الله وانتهت عدتها ثم مات بعد ذلك فإنها لا ترث؛ لأنه برئ من المرض، وهذه المسألة تحتاج إلى تحرير؛ لأن كونه طلقها في مرض موته المخوف واضح أنه أراد الحرمان، فإذا شُفِيَ ثم عاد المرض ومات ففي حرمانها نظر؛ لأن التهمة قائمة.
قوله: «بل في طلاق رجعي لم تنقض عدتُه» الطلاق الرجعي هو الذي يملك الزوج فيه مراجعة الزوجة بدون عقد، فهذا إنسان طلق زوجته في حال صحته طلاقاً رجعياً، ثم مات وهي في العدة فإنها ترث منه، ولو ماتت هي يرث منها؛ لأن الرجعية في حكم الزوجات، بل سمى الله ـ تعالى ـ الزوج المُطَلِّق بعلاً فقال ـ جلَّ وعلا ـ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، فلو قال قائل: هذا باعتبار ما كان، نقول: الأصل حمل اللفظ على ظاهره، ولا يمكن أن نقول: باعتبار ما كان أو باعتبار ما يكون إلا بدليل، قال الله
تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 3] ولا يمكن أن نؤتيه ماله إلا إذا بلغ، وسماهم الله أيتاماً باعتبار ما كان، نقول: لكن هذا فيه دليل، وفي سورة يوسف ـ عليه السلام ـ قال أحد صاحبي السجن: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [36]، وهو يعصر عنباً، لكنه خمر باعتبار ما يكون، فنقول: إذا قال قائل: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ باعتبار ما مضى، نقول: لا، فالأصل حمل الكلام على ظاهره،، فإذا مات المطلق طلاقاً رجعياً في العدة ورثته الزوجة، وإن ماتت ورثها الزوج؛ لأنهما لا زالا على الزوجية، ولهذا قال المؤلف: بل «في طلاق رجعي لم تنقضِ عدته»، فإن انقضت العدة، تَبِينُ منه ولا توارث.
لو قال قائل: لو طلقها طلاقاً رجعياً في مرض موته المخوف ومات به ترث؛ لأنها لم تنقضِ عدتها، فإن انقضت العدة لا ترث، ولو أبانها في المرض وانقضت العدة ومات فإنها ترث، نقول: هذه المسألة قد يُظن أن الأمر خلاف ذلك، فرجل طلق زوجته في مرض موته طلاقاً رجعياً، وانقضت العدة ثم مات لا ترث، ورجل طلق زوجته طلاقاً بائناً في مرض موته المخوف ومات بعد انقضاء عدتها فإنها ترث، وقد يبدو للإنسان في بادئ الأمر العكس، فيقال: لا؛ لأن البائن إذا بانت ترث منه من حين الطلاق؛ لأنه متهم، والرجعية ينقطع ميراثها بانقطاع العدة، وفي هذه المدة ربما تموت هي ويرثها، والبائن لو ماتت لا يرثها، هذا هو الفرق.
إذاً حد إرث المطلقة الرجعية انقضاء العدة، سواء كان
طلاقها في المرض أو في الصحة، وهنا نقول: يجري التوارث بينهما، الزوج يرث منها وهي ترث منه، ولهذا قال: «بل في طلاق رجعي لم تنقضِ عدته».
وَإِنْ أَبَانَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ المَخُوفِ مُتَّهَمَاً بِقَصْدِ حِرْمَانِهَا، أَوْ عَلَّقَ إِبَانَتَهَا فِي صِحَّتِهِ عَلَى مَرَضِهِ، أَوْ عَلَى فِعْلٍ لَهُ فَفَعَلَهُ فِي مَرَضِهِ وَنَحْوِهِ لَمْ يَرِثْهَا، وَتَرِثُهُ فِي العِدَّةِ وَبَعْدَهَا مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَرْتَدَّ.
قوله: «وإن أبانها في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها» فإنه لا يرثها، وترثه هي معاملة له بنقيض قصده؛ لأن الحيل لا تبطل الحقوق.
وقوله: «متهماً بقصد حرمانها»، إذا لم يتهم فإنها لا ترث منه من حين البينونة، مثال الذي لم يتهم: امرأة لما رأت زوجها اشتد به المرض ـ مثلاً ـ طلبت الطلاق فطلقها فهذا غير متهم؛ لأنها هي التي طلبت، وإذا كانت هي التي طلبت فلا تهمة.
قوله: «أو علق إبانتها في صحته على مرضه» قال الرجل وهو صحيح لزوجته: إذا مرضت مرض الموت فأنت طالق، فإنها ترث؛ لأنه متهم.
قوله: «أو على فعل له ففعله في مرضه ونحوه لم يرثها» قال: إن كلمتُ زيداً فأنت طالق، فلما مَرِض الرجل مرض الموت كلم زيداً، فإنها تطلق على المذهب، فإن المذهب لا فرق بين الحلف والطلاق، وهو متهم؛ لأنه فعل ما تطلق به في مرض موته فلا يرثها.
ولو علقه على فعل لها فَفَعلَتْهُ في مرضه، ففيه تفصيل، إن
كان هذا الفعل لا بد لها منه شرعاً أو حساً فإنها تطلق وترث؛ لأنها لا بد أن تفعل، فلو قال: إن صَلَّيْتِ الظهرَ فأنت طالق وجاء وقت الظهر وجب أن تصلي فصلت، تطلق وترث، ونقول: هذا الفعل لا بد لها منه شرعاً وهو بغير اختيارها في الواقع، أو قال لها: إن أَكَلْتِ غداء أو عشاء أو فطوراً فأنت طالق، فلو أكلت تطلق وترث؛ لأنه لا بد لها من ذلك، لكن لو قال: إن أكلت الأرز فأنت طالق، فلما مرض أكلت الأرز، هذه تطلق ولا ترث؛ لأن لها بداً منه، إذ يمكن أن تأكل بدل الأرز خبز بر أو تمراً أو ما أشبه ذلك.
قوله: «وترثه في العدة وبعدها» أي: المطلقة في مرض موته المخوف متهماً بقصد حرمانها، فترثه البائن في العدة وبعد العدة؛ لأنه متهم، وكل من حاول إبطال حق مسلم فإنه يعامل بنقيض قصده، وهو لا يرثها، وبعد العدة ـ أيضاً ـ لأنه لا أثر للعدة هنا؛ إذ إن العدة عدة بائن لا تؤثر.
قوله: «ما لم تتزوج» لأنها إذا تزوجت لا يمكن أن ترث زوجين، إذ لو قلنا: بأنها ترث بعد الزواج، لكان معناه أنها ترث من الزوج الأول ومن الزوج الثاني، وهذا لا نظير له في الشرع، ثم إنها إذا تزوجت فإنها بتزوجها قطعت العلاقة بينها وبين الزوج الأول نهائياً.
قوله: «أو ترتد» كذلك إن ارتدت ـ والعياذ بالله ـ فإنها لا ترث؛ لأنها أتت بمانع من موانع الإرث باختيارها.
بَابُ الإِقْرَارِ بِمُشَارِكٍ فِي المِيرَاثِ
إِذَا أَقَرَّ كُلُّ الوَرَثَةِ وَلَوْ أَنَّهُ وَاحِدٌ بِوَارِثٍ لِلمَيِّتِ وَصَدَّقَ، أَوْ كَانَ صَغِيرَاً أَوْ مَجْنُونَاً وَالمُقَرُّ بِهِ مَجْهُولُ النَّسَبِ، ثَبَتَ نَسَبُهُ وَإِرْثُهُ، وإِنْ أَقَرَّ أَحَدُ ابْنَيْهِ بِأَخٍ مِثْلِهِ فَلَهُ ثُلُثُ مَا بِيَدِهِ، وَإِنْ أَقَرَّ بِأُخْتٍ فَلَهَا خُمُسُهُ.
إذا ثبت نسب الإنسان من شخص فإنه يرث ويورث، لكن إذا لم يثبت وكان مجهول النسب، وأقر الورثة بأن هذا أخوهم، فإذا أقر الورثة كلهم ولو كان واحداً فإنه يثبت النسب ويثبت الإرث، أما الإرث فلأن الوارث أقر على نفسه ومن أقر على نفسه فإنه يؤاخذ بما أقر به.
مثال ذلك: رجل قال بعد أن مات أبوه: هذا أخي، فهذا أقر أن نصف ميراث أبيه لهذا الشخص، يؤخذ بإقراره دون إشكال، ولا عذر لمن أقر، لكن كيف يثبت النسب؛ لأنه إذا قلنا بثبوت النسب صار هذا المُقَرُّ به أخاً له، وعمًّا لأولاده، وهلم جرّاً؟
الجواب: أن هذا المُقَرُّ به مجهول النسب والشارع له تشوُّف عظيم للحوق النسب، لا يريد من أبنائه أن يضيعوا، لا يُدرى لمن هم، فلما كان تطلع الشارع وتشوفه للحوق النسب عظيماً، قلنا: لمَّا أقر به ثبت نسبه.
إذاً فالعلة في كونه يلحق به في الميراث، أن هذا الوارث أقر على نفسه بحق لغيره فيقبل، والعلة في كونه يلحق به في النسب هو حرص الشارع وتشوفه للحوق النسب؛ لأن هذا ليس له نسب.
ولو أقر بمعلوم النسب فإقراره غير صحيح، ولهذا لا بد من شروط.
قوله: «إذا أقر كل الورثة ولو أنه واحد» هذا إشارة من
المؤلف إلى أن المسألة ليست مبنية على الشهادة، فلو كانت مبنية على الشهادة لكان لا بد من شاهدين.
قوله: «بوارث للميت وصَدَّقَ» الفاعل هو المُقَرُّ به، قال: نعم، أنا أخوه، فإن أنكر لم يثبت نسبه ولا إرثه، أما عدم ثبوت إرثه فواضح؛ لأنه يقول: أنا ما لي حق في هذه التركة، فقد أقر على نفسه، وأما عدم ثبوت نسبه فلأنه لا يمكن أن يثبت النسب بدعوى شخص مع إنكار المُدَّعَى عليه، إذاً لا بد من تصديق المُقَرِّ به.
قوله: «أو كان صغيراً أو مجنوناً» يعني الصغير والمجنون لا عبرة بتصديقهما أو تكذيبهما؛ لأنه لا حكم لأقوالهما، وهذا هو الشرط الأول.
الشرط الثاني قال:
«والمُقَرُّ به مجهول النسب» يشترط أن يكون المقر به مجهول النسب، لا يعلم أنه فلان ابن فلان، فإن كان معلوم النسب فلا يقبل إقراره به؛ لأن إقراره به يستلزم إبطال نسبٍ معروف، ولو فتح الباب لكان كل واحد يرى شخصاً أديباً لبيباً عالماً فيقول: هذا ولدي، ولا يمكن هذا، فإذا كان معلوم النسب فلا دعوى لأحد في نسبه.
الشرط الثالث: إمكان صدق الدعوى، وذلك بأن يمكن أن يكون ممن يلحق به، فلو أن شخصاً ادعى أن هذا ولده، والولد هذا مجهول النسب، لكن الأب له عشرون سنة وهذا الولد له خمس عشرة سنة، فهذا لا يقبل؛ لأنه لا يمكن أن يكون الفرق
بين هذا وأبيه خمس سنوات، فلا بد من إمكان صدق المُقرِّ فإن لم يمكن فقوله ملغى.
قوله: «ثبت نسبه وإرثه»، فإذا تمت هذه الشروط ثبت نسبه وإرثه.
قوله: «وإن أقر أحد ابنيه بأخٍ مثله فله ثلث ما بيده»، أي: بيد المُقِر، وهذا إذا أنكر الآخر، يعني لدينا أخوان زيد وعَمْرو، أقر زيد بخالد أنه أخوه، ولكن عَمْراً أنكر، فكيف يكون الميراث؟ نقول: يجب عليك أن تعطي هذا الذي أقررت به ثلث ما بيدك؛ لأنك الآن تقر بأن الورثة ثلاثة، أنت أحدهم.
قوله: «وإن أقر بأخت فلها خمسُهُ»، أي: أقر بأخت فهي بنت أبيه فلها خمسه؛ لأنه أقر أنه هو وعَمْراً أختهما فاطمة، اقسم التركة عليهم من خمسة، لزيد خمسان ولعمرو خمسان، وللأخت خمس، نقول: خمس ما بيدك أعطها إياه؛ لأنك أقررت.
لكن لو ثبت نسب هذا المقر به بشاهدين، فإن الميراث يثبت من الأصل.
ونظير هذا مسألة تقع كثيراً، يقول أحد الورثة: قد قال الميت: إنه أوصى بثلثه في عمارة المساجد، والورثة لم يصدقوا هذا القائل، قالوا: أبداً أبونا لو كان عنده وصية لكتبها ولا نقبل كلامك، فهل يلزمه أن يخرج ثلث ما بيده؟ نعم يلزمه؛ لأنه أقر الآن أن ثلث مال أبيه قد أوصى به أبوه، فيلزمه أن يصرف ثلث ما بيده على حسب ما كان يقوله عن أبيه.
بَابُ مِيرَاثِ القَاتِلِ، وَالمُبَعَّضِ، وَالوَلاءِ
مَنِ انْفَرَدَ بِقَتْلِ مُوَرِّثِهِ، أَوْ شَارَكَ فِيهِ مُبَاشَرَةً، أَوْ سَبَباً بِلاَ حَقٍّ، لَمْ يَرِثْهُ إِنْ لَزِمَهُ قَوَدٌ أَوْ دِيَةٌ أَوْ كَفَّارَةٌ، وَالمُكَلَّفُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ،
........
قوله: «باب ميراث القاتل والمبعض والولاء» «القاتل» معروف هو الذي أزهق روح إنسان بسبب أو مباشرة، و «المبعض» هو الذي بعضه حر وبعضه رقيق، و «الولاء» يعني ما هو الولاء وما كيفية الإرث به؟
قوله: «من انفرد بقتل مورثه» بأن أخذ السيف وجَزَّ رأسه، هذا منفرد، أو دهسه بالسيارة بلا عمد لكن خطأ فهذا منفرد.
قوله: «أو شارك فيه» بأن صار الخطأ في الحادث بينه وبين آخر، أو اشترك اثنان في قتله، كل واحد قتله بسهمه.
قوله: «مباشرة» بأن يفعل سبب القتل هو بنفسه مباشرة.
قوله: «أو سبباً» بأن يحفر أمامه حفرة فيسقط فيها، فهنا ما باشر، لكن كان سبباً.
قوله: «بلا حق» فإن كان بحق ـ وسيذكره المؤلف ـ فإنه يرث.
قوله: «لم يرثه إن لزمه قود أو دية أو كفارة» يلزمه القود إذا كان عمداً، وتلزمه الدية إذا كان خطأ أو شبه عمد، وتلزمه الكفارة ـ على المشهور من المذهب ـ إذا قتل بين صف الكفار لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92]، ولم يذكر الدية، وهذا في المؤمن