كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ـ: «دراهم بدراهم وبينهما حريرة» 1 وهذه تسمى «مسألة العِينة»؛ لأن الرجل أعطى عيناً وأخذ عيناً، والعين النقد الذهب والفضة، وهي محرمة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلًّا لا ينزعه من قلوبكم حتى ترجعوا إلى دينكم» 2. إذاً هو محرم، بل من كبائر الذنوب، أو قد نقول: ليس من الكبائر؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعله كبيرة إذا اجتمعت هذه الأمور الأربعة، وهذا واحد من أربعة، فعلى كل حال هذا الحديث يدل على التحذير من التبايع بالعينة.
ومن مسائل العينة أو من التحيل على الربا ما يفعله بعض الناس اليوم، يحتاج إلى سيارة، فيذهب إلى تاجر، ويقول: أنا أحتاج السيارة الفلانية في المعرض الفلاني، فيذهب التاجر ويشتريها من المعرض بثمن، ثم يبيعها بأكثر من الثمن على هذا الذي احتاج السيارة إلى أجل، فهذا حيلة ظاهرة على الربا؛ لأن حقيقة الأمر أنه أقرضه ثمن السيارة الحاضرة بزيادة؛ لأنه لولا طلب هذا الرجل ما اشتراها وهذه حيلة واضحة، وإن كان مع الأسف أن كثيراً من الناس انغمس فيها، ولكن لا عبرة بعمل الناس، العبرة بتطبيق الأحكام على النصوص الشرعية.
وكذلك ـ أيضاً ـ انتشرت حيلة سابقة، يأتي الفقير إلى
شخص فيقول: أنا أحتاج ألف ريال، فيذهب التاجر إلى صاحب دكان، عنده أكياس أرز أو أي شيء، فيشتري التاجر الأكياس من صاحب الدكان مثلاً بألف ريال، ثم يبيعها على المحتاج بألف ومائتين، ونحن نعلم أنه لا يجوز أن يباع قبل قبضه، فكيفية القبض عندهم أن يمسح على الأكياس بيده، مع أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى أن تباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم» 1، فهل هذا قبض؟! هذا يسمى عداً لا يسمى قبضاً، لكن كانوا يفعلون هذا، بعد ذلك يأتي الفقير إلى صاحب الدكان الذي عنده هذه الأكياس، ويبيعها عليه بأقل مما اشتراها منه التاجر؛ لأن الفقير يريد دراهم ولا يريد أكياس طعام، فمثلاً يبيعها على صاحب الدكان بألف إلا مائة ريال، فيُؤكل المسكين الفقير من الجانبين، من جانب التاجر الأول ومن صاحب الدكان، فصاحب الدكان أخذ منه مائة ريال، والتاجر أخذ مائتين زائداً على الألف، وهذه سماها شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ المسألة الثلاثية، لأنها مكوّنة من ثلاثة أشخاص، ومسائل الربا لا تحل بالحيل.
واعلم أنه كلما احتال الإنسان على محرم لم يزدد إلا خبثاً، فالمحرم خبيث، فإذا احتلت عليه صار أخبث؛ لأنك جمعت بين حقيقة المحرم وبين خداع الرب ـ عزّ وجل ـ والله ـ سبحانه وتعالى ـ لا تخفى عليه خافية، «وإنما الأعمال بالنيات» 1، ولولا الزيادة الربوية ما عرفت هذا الرجل، والعجيب أن الشيطان يغر ابن آدم فيقول: نحن نفعل هذا رحمة بالفقير من أجل أن تتيسر أحواله، ولولا هذا ما تيسرت، لكن أقول كلما كان أفقر صارت الزيادة عليه أكثر، فهذه نقمة وليست رحمة، فمثلاً: يأتي إنسان متوسط الحال يستدين من هذا الرجل، فيبيع عليه ما يساوي ألفاً بألف ومائتين، ويأتي إنسان آخر يستدين من أجل أن يأكل هو وأهله، فيبيع عليه ما يساوي ألفاً بألف وخمسائة، فيقول: لأن هذا لا يفي، ومتى يفي؟ فأين الرحمة؟ ولو كان غرضه الرحمة بالفقير لكان هذا الثاني، أولى بالرحمة من الأول المتوسط الحال، لكن الشيطان يلعب على ابن آدم.
وقوله: «أو اشترى شيئاً نقداً» علم منه أن الشراء هو المحرم، وأما البيع الأول فكلام المؤلف يدل على أنه حلال، لكن إذا علمنا أنهم اتخذوا ذلك حيلة فإن البيع الأول يكون باطلاً أيضاً، لأنه صار وسيلة إلى محرم، ووسائل الحرام حرام، وانظر كيف أن الشريعة الإسلامية تسد الباب سداً منيعاً بالنسبة للربا؛ لأن النفوس مجبولة على حب المال فهي تتحيل عليه بكل وسيلة، وحماية الشرع لجناب الربا وإبعاد الناس عنه أمر ظاهر في الشريعة، مثل ما حمت الشريعة جانب التوحيد وأبطلت كل ما
يمكن أن يكون وسيلة للشرك، كذلك الربا حيث أن النفوس تطلبه وتحبه سدت الشريعة كل باب يمكن أن يوصل إلى الربا، والربا ليس بالأمر الهين ـ كما سيأتي إن شاء الله تعالى في باب الربا ـ وهو من أعظم الذنوب، فلا يوجد معصية علقت عليها عقوبة، وهي دون الكفر مثل الربا.
قوله: «لا بالعكس لم يجز» كلام الماتن يحتمل المعنى أنها عكس مسألة العينة، بأن يبيع شيئاً نقداً بثمن، ثم يشتريه مؤجلاً بأكثر، ويحتمل أن المعنى: «لا بالعكس»، أي مثل ما باع به نسيئة؛ لأن المؤلف صور المسألة بقوله: «بدون ما باع به نسيئة»، فعلى المعنى الثاني في قوله: «لا بالعكس» يعني لا مثل الثمن ولا أكثر من الثمن.
وذلك أنه إما أن يشتريها بأقل وهي مسألة المؤلف، أو بمثلٍ، أو بأكثر.
مثال ذلك: بعت على هذا الرجل سيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ثم عدت واشتريتها منه بعشرين ألفاً نقداً، فهذا يجوز؛ لأنه لا يوجد فيه ربا.
وكذلك لو بعتها بعشرين واشتريتها بخمسة وعشرين، فهذا جائز؛ لأنه ليس في هذا ربا، لأني إذا أعطيته أكثر مما بعت به فهذا من مصلحته، والربا الأصل فيه الظلم، وهذا ليس فيه ظلم، بل فيه فضل.
مسألة: عكس مسألة العينة، أن أبيع عليه شيئاً نقداً بثمن ثم اشتريه منه مؤجلاً بأكثر.
مثاله: أن أبيع عليه السيارة بعشرين ألفاً نقداً، ثم أشتريها منه بخمسة وعشرين إلى سنة، فهل هذا جائز؟
ظاهر كلام المؤلف: «لا بالعكس» أنه يجوز، لأن محذور الربا فيها بعيد، لكن فيها عن أحمد روايتان:
ـ رواية أنها كمسألة العينة فلا تجوز.
ـ ورواية أنه جائز بلا حيلة.
والصحيح الجواز إلا إذا علمنا أنها حيلة.
قوله: «وإن اشتراه بغير جنسه» أي اشترى الذي باعه مؤجلاً بنقد غير جنس النقد الذي باعه به، مثل أن يكون باعه بذهب فيشتريه بفضة، يقول المؤلف: إن ذلك جائز؛ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز، وإذا كان جائزاً فلا حرج؛ لأننا منعنا فيما إذا اشتراه بأقل مما باعه نسيئة واشتراه نقداً، عللنا ذلك بأنه باع دراهم بدراهم مع التفاضل وجعل هذه السلعة واسطة.
وظاهر كلام المؤلف ولو كان جنسه مما يجري ربا النسيئة فيه بينه وبين الثمن، فإنه يجوز، مثاله: بعت هذا البيت بمائة دينار ـ تساوي ألف درهم ـ مؤجلاً ثم رجعت إليه واشتريته بثمانمائة درهم نقداً، فعلى كلام المؤلف يجوز؛ لأنني اشتريته بغير ما بعته به؛ لأن التفاضل بين الذهب والفضة جائز ولا يجري بينهما ربا الفضل، ولكن الصحيح أنه لا يجوز إذا اشتراه بثمن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن الذي باعه به؛ لأننا نقول: وإن انتفى ربا الفضل فعندنا ربا النسيئة، وهو ممنوع شرعاً وقد يتحيل الإنسان عليه بمثل هذه الصورة.
نعم لو أنني بعت البيت بمائة درهم إلى سنة ثم اشتريته بمائتي كيلو تمر نقداً، فهذا جائز ولا إشكال؛ لأن التفاضل والنسيئة بين الدراهم والتمر جائزان، وإذا جاز التفاضل والنسيئة بينهما على وجه صريح، فهذه المسألة تجوز من باب أولى.
والخلاصة أن هذه المسألة لها ثلاث صور:
الأولى: بعت عليك هذا البيت بألف درهم لمدة سنة، واشتريته بثمانمائة درهم نقداً، فهذه الصورة لا تجوز، وهذه هي مسألة العينة.
الثانية: بعت عليك هذا البيت بعشرة دنانير إلى سنة ـ تساوي مائة درهم ـ ثم اشتريته نقداً بثمانين درهماً، فعلى كلام المؤلف تجوز، لأن الثمن الذي اشتريته به ليس من جنس الثمن الذي بعت به.
الثالثة: بعته عليك بمائة درهم إلى سنة، ثم اشتريته بمائة كيلو تمر نقداً، فهنا تجوز حتى على كلام المؤلف لأنه قال: «بغير جنسه».
فعندنا الآن: إذا اشتراه بجنس الثمن فهو حرام قولاً واحداً.
إذا اشتراه بغير جنسه مما لا نسيئة بينه وبين الثمن، فهو جائز قولاً واحداً.
إذا اشتراه بغير جنسه ولكن يجري ربا النسيئة بينه وبين الثمن، فعلى كلام المؤلف يجوز، وعلى القول الراجح لا يجوز؛ لأننا نقول: وإن كان ربا الفضل بين الثمن الأول والثاني جائزاً لكن ربا النسيئة ممنوع.
وهذا قد يتخذ حيلة على بيع الذهب بالفضة مع التأجيل وهو غير جائز.
قوله: «أو بعد قبض ثمنه» أي: لو اشتراه بعد قبض ثمنه بأقل، فلا بأس، وكذلك لو اشتراه بأكثر أو بمساوٍ.
مثاله: باع السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، ولما تمت السنة قبض عشرين ألفاً، ثم اشتراها من المشتري بخمسة عشر ألفاً، فهذا جائز؛ لأن الحيلة منتفية هنا، فإذا اشتراها بأقل مما باعها به بعد قبض الثمن فلا بأس.
قوله: «أو بعد تغير صفته» مثاله: أن أبيع عليه بقرة سمينة بمائة درهم إلى ستة أشهر، وبعد مضي ثلاثة أشهر هزلت البقرة، فأصبحت لا تساوي إلا نصف القيمة، فاشتراها البائع بنصف قيمتها، أي: بأقل مما باع نقداً، يقول المؤلف: لا بأس بذلك؛ لأن النقص هنا ليس في مقابل الأجل، ولكن في مقابل تغير الصفة.
لكن ينبغي أن يقيد هذا بما كان الفرق بين الثمنين، هو ما نقصت به العين بسبب التغير، لا من أجل التأجيل والنقد، فلا بد أن يكون نقص الثمن بمقدار نقص الصفة.
فمثلاً إذا قدرنا هذه البقرة هزلت وصارت بعد أن كانت تساوي مائتين إلى أجل، لو بعناها الآن لكانت تساوي مائة وثمانين، فاشتراها بهذا السعر، فهذا جائز؛ لأن النقص مقابل نقص الصفة، لكن لو كانت لم تنقص إلا عشرين باعتبار الصفة، وهو اشتراها بمائة وستين، وفرق العشرين هذه من أجل الفرق بين التأجيل وبين النقد فهذا حرام؛ لأن الفرق الذي حصل الآن بين
الثمنين، من أجل تغير الصفة ومن أجل التأجيل، فلذلك كان حراماً؛ لأن هذه هي مسألة العينة فصار لا بد من هذا القيد.
مثال آخر: باع السيارة بعشرين ألفاً إلى سنة، وبعد مضي ثلاثة أشهر اشتراها بثمانية عشر ألفاً، والسيارة الآن تغيرت فصار فيها صدمات ومشت مسافة أكثر، فنقول: إذا كان نقص الألفين بمقدار نقص الصفة، فهذا جائز، ولكن إن كان أقل ونقص من أجل النقد، فهذا لا يجوز.
قوله: «أو من غير مشتريه» أي: إذا اشتراها بأقل من غير مشتريها، مثاله: إذا باع السلعة بثمن مؤجل، ثم إن الذي اشتراها باعها على آخر، ثم اشتراها البائع الأول من الآخر بثمن منقود أقل، فهذا جائز؛ لأن محذور الربا هنا بعيد، إذ إن التعامل صار مع طرف ثالث.
مثال آخر: بعت هذه السيارة بمائة ألف إلى سنة، ثم إن صاحبها باعها إلى شخص آخر بما شاء من قليل أو كثير، أو وهبها له، ثم اشتريتها أنا من الثاني بثمانين ألفاً نقداً، فهذا جائز؛ لأن المعاملة هذه مع طرف ثالث، ليست مع الطرف الذي بعت السيارة عليه، فإذاً يكون محذور الربا بعيداً فيصح.
مثال ثالث: بعت هذه السيارة بمائة ألف إلى سنة، ثم مات المشتري وانتقلت السيارة إلى وارثه، فاشتريتها من وارثه بثمانين ألفاً نقداً، فهذا جائز؛ لأني اشتريتها من غير مشتريها، فمحذور الربا بعيد.
قوله: «أو اشتراه أبوه» أي: أبو البائع، مثاله: باع زيد
سيارته بمائة ألف على شخص إلى سنة، ثم إن أبا زيد اشترى هذه السيارة ممن اشتراها من ابنه بثمانين ألفاً نقداً، فهذا لا بأس به؛ لأن المعاملة الآن مع طرف ثالث، إلا إذا كان للأب شركة في هذه السيارة فإنه لا يجوز؛ لأنها ستعود إلى الطرف البائع أولاً.
قوله: «أو ابنه جاز»: إذا اشتراها ابنه، بأن باع زيد هذه السيارة على شخص بمائة ألف إلى سنة، ثم إن ابنه اشتراها من الذي باع عليه أبوه بثمانين نقداً، فإن هذا لا بأس به؛ لأن المعاملة صارت مع طرف ثالث، ولهذا قال: «جاز»، ولكن بشرط أن لا يكون شريكاً فيها.
قوله في الروض 1: «ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مائة بأكثر ليتوسع بثمنه فلا بأس وتسمى مسألة التورق».
يقول: «ومن احتاج إلى نقد» مثاله: إنسان يريد أن يتزوج وليس عنده أموال فاشترى ما يساوي مائة بأكثر، أي: اشترى سيارة تساوي مائة بأكثر مؤجلة ليتوسع بثمنه، بأن يبيعها نقداً لغير من باعها عليه بأقل مما اشتراها به مؤجلاً فلا بأس وتسمى مسألة التورق، وهذه المسألة فيها قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد.
فمن العلماء من قال: هي جائزة؛ لأن هذه السلعة قد يشتريها الإنسان لغرض مقصود بعين السلعة، كرجل اشترى سيارة
من أجل أن يستعملها، أو يكون الغرض قيمة السيارة، فاشتراها لأجل أن يبيعها ويتوسع بالثمن، فهذا الغرض كالغرض الأول، لكن الغرض الأول أراد الانتفاع بعينها، وهذا أراد الانتفاع بقيمتها فلا فرق.
القول الثاني: إنها حرام، وهو رواية عن الإمام أحمد، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المروي عن عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ.
ووجه ذلك: أن مقصود الذي اشترى السيارة هو الدراهم، فكأنه أخذ دراهم قدرها ثمانون بدراهم قدرها مائة إلى أجل، فيكون حيلة، وقد نص الإمام أحمد أن مسألة التورق من مسائل العينة.
ولكن على القول بأنها حلال لا بد أن يكون الباعث لها الحاجة لقوله: «ومن احتاج»، فلو كان الباعث لها الزيادة والتكاثر فإن ذلك حرام لا يجوز؛ لأن قولهم: «ومن احتاج»، ليست لبيان الواقع ولكنها شرط؛ لأنه إذا لم يكن حاجة فلا وجه لجوازها، إذ إنها حيلة قريبة على الربا.
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابه (إعلام الموقعين): إن شيخنا ـ رحمه الله ـ كان يُراجع فيها كثيراً لعله يحللها، ولكنه ـ رحمه الله ـ يأبى ويقول: هي حرام، والحيل لا تزد المحرمات إلا خبثاً.
لكن أنا أرى أنها حلال بشروط هي:
الشرط الأول: أن يتعذر القرض أو السلم، أي: أن يتعذر
الحصول على المال بطريق مباح، والقرض في وقتنا الحاضر، الغالب أنه متعذر، ولا سيما عند التجار إلا من شاء الله، والسلم ـ أيضاً ـ قليل، ولا يعرفه الناس كثيراً، والسلم هو تعجيل الثمن وتأخير المبيع، أي: آتي للشخص وأقول: أنا محتاج عشرين ألف ريال، اعطني عشرين ألف ريال أعطيك بدلها بعد سنة سيارة صفتها كذا وكذا، أو أعطيك بدلها برّاً أو أرزاً، ويصفه فهذا يسمى السلم، ويسمى السلف، وهو جائز فقد كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يفعلون ذلك السنة والسنتين في الثمار، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 1.
الشرط الثاني: أن يكون محتاجاً لذلك حاجة بيِّنة.
الشرط الثالث: أن تكون السلعة عند البائع، فإن لم تكن عند البائع فقد باع ما لم يدخل في ضمانه، وإذا كان النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع السلع في مكان شرائها حتى ينقلها التاجر إلى رحله 2، فهذا من باب أولى؛ لأنها ليست عنده، فإذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة، فأرجو ألا يكون بها بأس، لأن الإنسان قد يضطر أحياناً إلى هذه المعاملات.
باب الشروط في البيع
الشروط: جمع شرط، وهو في اللغة: العلامة، ومنه قول الله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18].
أما في الاصطلاح: فهو بحسب ما يكون شرطاً فيه، فقد يراد به ما تتوقف عليه الصحة، أي: ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود، ويختلف عن السبب بأن السبب يلزم من وجوده الوجود، ويشتركان في أنهما يلزم من عدمهما العدم.
فالوضوء شرط لصحة الصلاة يلزم من عدمه عدم صحة الصلاة، وهل يلزم من وجوده الوجود؟ لا؛ لأن الإنسان قد يتوضأ ولا يصلي.
ومنه شروط البيع السابقة فإنه يلزم من عدمها العدم ولا يلزم من وجودها الوجود، لأنه قد تتم الشروط كلها ويوجد مانع كأن يقع البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة.
الشروط في البيع غير شروط البيع:
الشروط في البيع: هي إلزام أحد المتعاقدين الآخر ما لا يلزمه بمقتضى العقد، وكذلك في غيره.
وأما ما يلزمه بمقتضى العقد، فإنه إن شرط فهو من باب التوكيد.
والفرق بين الشروط في البيع وشروط البيع، من وجوه أربعة:
الأول: أن شروط البيع من وضع الشارع، والشروط في البيع من وضع المتعاقدين.
الثاني: شروط البيع يتوقف عليها صحة البيع، والشروط في البيع يتوقف عليها لزوم البيع، فهو صحيح، لكن ليس بلازم؛ لأن من له الشرط إذا لم يوف له به فله الخيار.
الثالث: أن شروط البيع لا يمكن إسقاطها، والشروط في البيع يمكن إسقاطها ممن له الشرط.
الرابع: أن شروط البيع كلها صحيحة معتبرة؛ لأنها من وضع الشرع، والشروط في البيع منها ما هو صحيح معتبر، ومنها ما ليس بصحيح ولا معتبر؛ لأنه من وضع البشر، والبشر قد يخطئ وقد يصيب، فهذه أربعة فروق بين الشروط في البيع وشروط البيع.
وهل تكون هذه الفروق بين شروط النكاح والشروط في النكاح؟
نعم تكون كذلك، فهذه الشروط تكون في البيع أو في غيره من العقود.
مسألة: هل المعتبر من الشروط في البيع ما كان في صلب العقد، أو ما بعد العقد، أو ما قبل العقد؟
المذهب: أن المعتبر ما كان في صلب العقد، أو في زمن الخيارين: خيار المجلس، وخيار الشرط.
مثال: بعتك هذه السيارة واشترطت أن أسافر عليها إلى مكة، فهذا محله في نفس العقد وهو صحيح.
مثال آخر: بعتك هذه السيارة، وبعد أن تم العقد بالإيجاب والقبول، قلت: أنا أشترط عليك أن أسافر بها إلى مكة يصح؛ لأنه في زمن الخيار؛ لأنك لو قلت: لا، قلتُ: فسخت الآن؛ لأن بيدي الخيار ما دمنا لم نتفرق فلنا أن نزيد الشرط.
مثال آخر: بعتك هذه السيارة ولي الخيار ثلاثة أيام، وفي اليوم الثاني جئت إليك، وقلت: أشترط أن أسافر بها إلى مكة يصح؛ لأنه في زمن الخيارين.
وأما ما كان قبل ذلك مما اتفق عليه قبل العقد، فالمذهب أنه غير معتبر.
مثاله: اتفقت أنا وأنت على أن أبيع عليك السيارة، واشترط: أن أسافر عليها إلى مكة، وعند العقد لم نذكر هذا الشرط إما نسياناً وإما اعتماداً على ما تقدم، فهل يعتبر هذا أو لا؟ الجواب: لا يعتبر على المذهب.
والصحيح: أنه يعتبر لما يلي: ـ
أولاً: لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم» 1، وأنا
لم أدخل معك في العقد إلا على هذا الأساس.
ثانياً: أنهم جوزوا في النكاح تقدم الشرط على العقد، فيقال: أي فرق بين هذا وهذا؟! وإذا كان النكاح يجوز فيه تقدم الشرط على العقد، فالبيع مثله، ولا فرق.
إذاً الشروط في البيع معتبرة سواء قارنت العقد، أو كان بعده في زمن الخيارين، أو كانت متفقاً عليها من قبل.
مِنْها صَحِيحٌ، كَالرَّهنِ وَتَأجِيْلِ الثّمَنِ وَكَوْنِ العَبدِ كَاتِباً، أو خَصِيًّا، أو مُسْلِماً، وَالأمَةِ بِكْراً ..
قوله: «منها صحيح» «من» هنا للتبعيض، وقد ذهب بعض النحويين إلى أن «من» التبعيضية اسم؛ لأنها بمعنى بعض، وعلى هذا تقول: «مِنْ» مبتدأ وخبره صحيح، وعلى المشهور تقول: منها جار ومجرور، خبر مقدم وصحيح مبتدأ مؤخر، والصحيح ضد السقيم، وضابط الصحيح ما لا ينافي مقتضى العقد، فإن نافى مقتضى العقد فليس بصحيح، ولا نقول: ما لا ينافي مطلق العقد؛ لأن كل شرط في البيع ينافي مطلق العقد.
فمثلاً: إذا بعت عليك شيئاً فمقتضى العقد أنني أتصرف فيه بالبيع والرهن والتأجير والتوقيف، وكل التصرفات التي أملكها
شرعاً، فإذا شرط عليَّ البائع ألا أبيعه على أحد، فهذا ينافي مقتضى العقد، فمقتضى العقد أنني أتصرف فيه، فكيف يحبسني؟!
أما ما ينافي مطلق العقد، فمثلاً إذا بعتك هذا الشيء واشترطت عليَّ أن يكون الثمن مؤجلاً، فهذا ينافي مطلق العقد، لكن لا ينافي مقتضى العقد؛ لأن العقد تم الآن، لكن يخالف مطلق العقد؛ لأن مطلق العقد أن تسلم الثمن نقداً، وأسلم المبيع كذلك حاضراً، ففرق بين قولنا ما ينافي مقتضى العقد، وما ينافي مطلق العقد؛ لأننا نقول كل شروط في عقد فإنها تنافي مطلقه، لأن مطلقه ألاَّ يكون هناك شروط.
قوله: «كالرهن» الرهن من الشروط الصحيحة، والذي يشترطه غالباً البائع.
فإذا اشترط البائع على المشتري رهناً بالثمن فالشرط صحيح، لأن فيه مصلحة للبائع وللمشتري أيضاً؛ لأن البائع إذا لم يلتزم المشتري بهذا الشرط فإنه لا يبيع عليه وحينئذٍ يحرم مما يريد من هذه السلعة.
مثاله: أن يقول المشتري: اشتريت منك هذا الشيء بمائة؟ فيقول: بعت عليك، لكن أريد أن تعطيني رهناً، فأعطاه رهناً، فهذا الشرط صحيح؛ لأنه لا ينافي مقتضى العقد، بل يزيد العقد قوة وتوثقة؛ لأن البائع الآن يطمئن إذا علم أن الثمن الذي باعه به فيه رهن، إذ أن فائدة الرهن أنه إذا لم يوف فإنه يُباع، ويستوفى الثمن منه.
قوله: «وتأجيل الثمن» يشترطه المشتري، عكس الأول،
فالرهن يشترطه البائع، وتأجيل الثمن يشترطه المشتري.
مثاله: باع عليه متاعاً بمائة، فقال: أنا ليس بيدي شيء الآن، ولكن أريد أن يكون الثمن مؤجلاً إلى شهر، فتم البيع على ذلك، فهذا البيع صحيح، والشرط صحيح؛ لأن هذا لا ينافي مقتضى العقد؛ بل يزيده قوة وإحكاماً، ولأنه لا يوجد ضرر لأنه من مصلحة المشتري لأجل أن يتوسع، ومن مصلحة البائع كأن يخشى من أحد ينم عليه أن عنده أموالاً ثم تجعل عليه ضرائب من الحكومة أو يعتدي السراق عليه، فصار من مصلحة البائع والمشتري وقد لا يكون من مصلحة المشتري، فالمشتري يود أن يسلم الثمن ويستريح.
وقوله: «وتأجيل الثمن» لم يبين أنه يشترط في الأجل أن يكون معلوماً، ولكنه شرط، فيشترط أن يكون الأجل معلوماً، بأن يقول: إلى رمضان، أو إلى ذي الحجة وما أشبه ذلك.
فإن قال: بثمن مؤجل إلى أن يقدم زيد؛ فهل يجوز؟
الجواب: لا؛ لأنه مجهول لا يُدرى متى يقدم، ولا يُدرى ـ أيضاً ـ هل يقدم أم لا؟ فهو أجل مجهول فلا يصح هذا الشرط.
وإذا اشترط المشتري أن يكون الثمن مؤجلاً إلى أن يوسر الله عليه؟
فالمذهب: لا يجوز؛ لأن الأجل مجهول، إذ لا يُدرى متى يوسر الله عليه، فقد يوسر الله عليه بعد ساعة، فيموت قريب له غني ويرثه، وقد يبقى سنين في عسرة، فالمذهب أن هذا الشرط
لا يصح، ويكون الثمن حالاً غير مؤجل، والعلة في ذلك الجهالة.
ولكن الصحيح أنه يصح لدليل أثري ونظري: ـ
أولاً: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنها قالت للنبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن فلاناً قدم له بزٌّ من الشام، فلو بعثت إليه أن يبيعك ثوبين إلى ميسرة، فأرسل إليه فامتنع» 1، ولعله امتنع؛ لأنه أراد أن يصفي البضاعة، ويأتي بأخرى، ولا بأس من امتناعه من البيع إذا كان لا يناسبه، كما امتنع جابر ـ رضي الله عنه ـ 2.
أما النظر فما دام البائع يعلم أن المشتري معسر فإنه لا يحق له مطالبته شرعاً إلا بعد الإيسار، ولزم أن ينظره، سواء شرطه أو لم يشرطه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]، فما زاد هذا الشرط إلا تأكيد الإنظار فقط، والإنظار واجب؛ ولهذا كان القول الصحيح في هذه المسألة أنه جائز.
قوله: «وكون العبد كاتباً» أي: العبد الذي عرض للبيع، اشتراه إنسان وقال: بشرط أن يكون كاتباً، فيصح الشرط؛ لأنها صفة مقصودة في المبيع.
ولكن كلمة «كاتباً» فيها شيء من الجهالة؛ لأن الكتابة
تختلف، فمن الناس من يكتب، لكن لا يقرأ كتابه إلا هو.
فالحاصل أن كلمة «كاتباً» فيها شيء من الجهالة، فلا بد أن يقال: كاتب تكون كتابته متوسطة، أي: يقرؤها الإنسان بدون تهجٍ وبدون ترتيب.
قوله: «أو خصيًّا» أي: اشترط المشتري أن يكون العبد خصياً، أي: قد قطعت خصيتاه، وهذا مقصود للمشتري؛ لأنه إذا قطعت خصيتاه فإنه يسلم الناس من شره، إذ إن شهوته تبطل أو تضعف جداً، حتى لا يكون له نظر في النساء، وهذا مقصود لمشتريه، ولكن يبقى النظر كيف يكون خصياً؟ لأنه إن قطع مالكه خصيتيه عتق عليه؛ لأنه إذا مثل بعبده، ولو بقطع أنملة من أصابعه فإنه يعتق.
فيقال: ربما يكون هذا خصياً قبل أن يُسترق، أو أنه خصاه غير مالكه فلا يعتق.
المهم أن شرط الخصاء شرط صحيح إذا اشترطه المشتري.
قوله: «أو مسلماً»، إذا اشترط المشتري أن يكون العبد مسلماً، فهو شرط صحيح، أما إذا اشترط أن يكون كافراً فلا؛ لأن هذا شرط صفة مكروهة لله ـ عزّ وجل ـ حتى لو قال المشتري: أنا أريد أن يكون كافراً حتى لا يتعبني، فإنه إذا أذن المؤذن قال: أريد أن أصلي، وإذا جاء رمضان قال: أصوم، وإذا جاءت العمرة قال: أعتمر، وإذا جاء الحج قال: أحج، وأنا أريد عبداً كافراً، نقول: هذا مراد باطل فهو تشجيع للكافرين على البقاء على كفرهم ليكونوا عمالاً أو عبيداً عند المسلمين.
وظاهر كلام المؤلف أن الكفر ليس بعيب في الرقيق، وأن الإنسان لو اشترى عبداً فتبين أنه كافر فإن ذلك ليس بعيب، فلا يرده؛ وجه ذلك أنه ذكر أن الإسلام لا يثبت إلا إذا اشترط، فدل هذا على أن المشتري لو وجد العبد كافراً فلا خيار له، وعللوا ذلك بأن الأصل في الرقيق الكفر؛ لأن الأرقاء أصلهم مسبيون من الكفار، فالأصل فيهم الكفر حتى يتبين أنهم أسلموا.
قوله: «والأمة بكراً» إذا اشترط في الأمة أن تكون بكراً، فهو شرط صحيح؛ لأن البكارة صفة مقصودة، فيكون الشرط صحيحاً، فإن لم يشترط ووجدها ثيباً فلا خيار له؛ لأن المؤلف جعل كون الأمة بكراً من باب الشروط، ولو قال قائل: إن الأصل البكارة، قلنا: هذا الأصل معارض بظاهر، وهو أنها موطوءة؛ لأن الغالب أنها إذا كانت عند سيدها فالغالب أنه يطؤها، وهذا مما تعارض فيه الأصل والظاهر وقدم فيه الظاهر؛ لأنه ليس دائماً نقدم الأصل، فقد يكون الظاهر أقوى من الأصل فيؤخذ بها.
مسألة: ما حكم هذه الشروط إذا كانت صحيحة وفقدت؟
حكمها أن لصاحب الشرط أن يفسخ العقد إذا لم يتحقق شرطه؛ لأنه فاته شيء مقصود، ولكن لو قال: أنا لا أريد الفسخ، ولكني أريد أرش فقد الصفة، أي: الفرق بين قيمته متصفاً بهذه الصفة وخالياً منها، ولا أريد أن أرد المبيع، فأنا راغب فيه، كأن يشترط في العبد أن يكون كاتباً، فتبين أنه لا يكتب، ولكنه عبد جيد في العمل، وحسن الخلق، وقال: أنا لا
يهمني أن يكتب أو لا يكتب، لكن أنا أريد أرش فقد الصفة، فهل له ذلك؟
الجواب: في هذا خلاف، فمنهم من قال: إن له أرش فقد الصفة؛ لأن البائع غرَّه، فيقوَّم هذا العبد كاتباً، ويقوَّم غير كاتب، وما بين القيمتين يخصم من الثمن ويُدفع للمشتري.
وقال آخرون: ليس له أرش فقد الصفة، فإما أن يقبله مفقود الصفة التي اشترطها، وإما أن يرده.
والصحيح في هذه المسألة أن يقال: إن تبين أن البائع مدلس، وأنه غرَّ المشتري، فللمشتري أرش فقد الصفة، وإن لم يكن مدلساً فللمشتري الخيار بين الإمساك بلا أرش والرد؛ لأن البائع ـ أيضاً ـ قد يكون مغترّاً، ويقول: لم أرض ببيعه إلا بهذا الثمن، ولا أرضى أن ينزل من الثمن شيء.
وَنَحْوِ أنْ يَشْتَرِطَ البَائِعُ سُكْنَى الدّارِ شَهْراً وَحُمْلاَنَ البَعِيْرِ إلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، أو شَرَطَ المُشْتَرِي عَلَى البَائِع حَمْلَ الحَطَبِ، أو تَكْسِيْرَه، أو خِيَاطَةَ الثّوْبِ، أَوْ تَفْصِيْلَهُ، ..
قوله: «ونحو أن يشترط البائع سكنى الدار شهراً» أي: إذا اشترط البائع سكنى الدار شهراً، فإن هذا شرط صحيح.
وقوله: «الدار» أل فيها للعهد الذهني، أي: الدار المبيعة شهراً.
مثاله: أن يقول: بعتك داري هذه بمائة ألف درهم، على أن أسكنها لمدة شهر، فيصح البيع، ويصح الشرط، والدليل على ذلك عام وخاص.
أما العام فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» 1.
وقوله: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» 1.
أما الخاص: فدليله «أن النبي صلّى الله عليه وسلّم اشترى من جابر بن عبد الله ـ رضي الله عنهما ـ جملاً اشترط جابر حملانه إلى المدينة فوافقه النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك» 2، وهذا نفع معلوم في المبيع فهو كسكنى الدار شهراً.
وقوله: «سكنى الدار شهراً» فهم منه، أنه لو اشترط سكنى دار غير المبيعة، فإنه لا يصح، فلو قال: بعتك هذا البيت بمائة ألف درهم على أن تسكنني دارك لمدة شهر، كما قال المؤلف فلا يصح البيع، ولا الشرط بناءً على ما سيأتي من أن شرطَ عقدٍ في عقد مبطل للعقد، إذاً لا بد أن يكون في نفس المبيع الذي تم عليه العقد، فإن كان في غيره فهو جمع بين بيع وإجارة، وهو لا يصح.
قوله: «وحملان البعير إلى موضع معين» هذا تعيين بالمكان، والأولى «سكنى الدار شهراً» تعيين بالزمان.
مثاله: بعتك هذا البعير على أن أسافر عليه إلى مكة وأرجع، فالبيع صحيح، والشرط صحيح.
مثال آخر: بعتك هذه السيارة بخمسين ألفاً، بشرط أن أحج عليها وأرجع فهنا البيع صحيح، والشرط صحيح؛ لأنه نفع معلوم في المبيع.
فإن قال: بعتك هذه السيارة بخمسين ألفاً على أن أطلب عليها ضالتي، فلا يصح الشرط؛ لأنه مجهول وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم «عن بيع الغرر» 1، وإذا جُهل الشرط جهل الثمن؛ لأن مقابل الشرط المجهول من الثمن غير معلوم، وجهالة الثمن تؤدي إلى بطلان البيع؛ لأن من شروط البيع العلم بالثمن.
مسألة: لو قال البائع: بعتك هذا البيت على أن أسكنه لمدة سنة ما لم أشتر بيتاً، فالمدة هنا معلومة من طرف واحد فقط، وهذه المسألة قد اختلف فيها العلماء، قال بعضهم: إن ذلك لا يصح؛ لأنك لم تحدد في الحقيقة من أول السنة إلى طرفها فقد تجد بيتاً خلال شهر أو ثلاثة أشهر أو أكثر فتبقى المدة مجهولة، ولكن الصحيح جواز هذه المسألة؛ لأن المشتري قد تواطأ على أن البائع يسكنه لمدة سنة، فإن نقص شيء عن السنة فهو لمصلحة المشتري لا ضرر عليه في هذا، فإن قلت: ما الجواب عن حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن فلاناً قدم له بَزٌّ من الشام، فقالت عائشة للنبي صلّى الله عليه وسلّم: لو بعثت إليه فاشتريت ثوبين نسيئة إلى ميسرة، فبعث إليه فامتنع 2، فقولها: إلى ميسرة مجهول، ومع ذلك أقر النبي صلّى الله عليه وسلّم فما الجواب؟
الجواب: أن هذا الشرط موافق لمقتضى العقد؛ لأن البائع إذا حُكِمَ بإعسار المشتري فإنه لا يستحق مطالبته حتى يوسر، فسواء شرطت أو لم تشرط لا أوفيك إلا عند الميسرة فيكون من باب التأكيد، والله أعلم.
قوله: «أو شرط المشتري على البائع حمل الحطب» أل في «الحطب» للعهد الذهني، أي: الحطب الذي تم عليه البيع.
مثاله: اشترى منه حطباً، وقال: بشرط أن تحمله إلى بيتي، وبيته معلوم في المكان الفلاني فيصح.
فإن قال قائل: ما الدليل؟
قلنا: لدينا دليل عام وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم» (1)، وقياساً: على ما إذا شرط البائع على المشتري نفعاً معلوماً في المبيع، فإن اشترط عليه حمل حطب آخر غير المبيع فإنه لا يجوز.
قوله: «أو تكسيره» اشترط عليه أن يكسره، والحمل على المشتري وهنا «يكسر» فقط.
قوله: «أو خياطة الثوب» اشترط على الذي اشترى منه القماش أن يخيط الثوب، فالشرط هنا صحيح؛ لأنه نفع معلوم في المبيع.
قوله: «أو تفصيله» أي: تفصيل الثوب، والتفصيل غير الخياطة، فلو شرط الخياطة والتفصيل فسيأتي في كلام المؤلف.
وَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ شَرْطَيْنِ بَطَلَ البيْعُ؛
..... قوله: «وإن جمع بين شرطين بطل البيع» أي: إن جمع بين الشرطين من قوله: «إذا اشترط البائع سكنى الدار» فإنه يفسد1
العقد، فلو شرط البائع سكنى الدار شهراً، وشرط شرطاً آخر كسكنى الدكان ـ أيضاً ـ سنة، فالشرط غير صحيح ويبطل البيع، وكذلك لو شرط المشتري على البائع حمل الحطب وتكسيره جميعاً، فإنه لا يصح ويبطل البيع؛ لأن الشرط باطل، فإذا بطل الشرط فإن ما يقابله من الثمن مجهول، فيؤدي ذلك إلى جهالة الثمن، والعلم بالثمن شرط لصحة البيع فلا يصح.
ودليل ذلك: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك» 1، الشاهد قوله: «ولا شرطان في بيع»، وإذا شرط المشتري حمل الحطب وتكسيره فهما شرطان في بيع، أو شرط البائع سكنى الدار والدكان لمدة شهر فإنه لا يصح، ولكن هذا الاستدلال بهذا الدليل غير صحيح.
والصحيح جواز الجمع بين شرطين، بل بين ثلاثة شروط وأربعة شروط حسب ما يتفقان عليه، والحديث لا يدل على هذا بوجه من الوجوه، وإنما المراد بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا شرطان في بيع»، الشرطان اللذان يلزم منهما محذور شرعي، وهذا الجمع بين شرطين فيما ذكر، لا يلزم منه محذور شرعي، كالجهل، والظلم، والربا، وما أشبه ذلك.
ويقال: ألستم تجيزون أن يشترط المشتري على البائع كون العبد مسلماً وكاتباً؟ فسيقولون: بلى.
فنقول: هذان شرطان في البيع، وأنتم تقولون: إن هذا
جائز، فأي فرق؟! وعلى هذا فلو شرط حمل الحطب، وتكسيره، وإدخاله في المكان المعد له في البيت لكان هذا الشرط صحيحاً، ولو كانت ثلاثة شروط؛ لأنها شروط معلومة، ولا تستلزم محذوراً شرعيّاً، والأصل في المعاملات الحل والإباحة، فتبين لنا الآن أن الشروط الصحيحة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: قسم ثابت، سواء شرط أم لم يشترط؛ لأنه من مقتضى العقد، مثل تسليم البائع المبيع والمشتري الثمن، وكون الثمن حالًّا، وما أشبه ذلك مما لا يحتاج إلى شرط، فهذا إذا شرط فهو توكيد، ولو جمع ألف شرط من هذا النوع فإنه يصح.
الثاني: ما يتعلق بمصلحة العقد وليس نفعاً مستقلاً، أي: ليس نفعاً ينتفع به البائع أو المشتري، ولكنه من مصلحة العقد، مثل: الرهن، وكون العبد كاتباً، والأمة بكراً، والدابة هملاجة وما أشبه ذلك.
الثالث: شرط نفع إما للبائع وإما للمشتري، والذي للبائع، مثل أن يشترط إذا باع داره سكناها شهراً، والذي للمشتري، مثل أن يشترط على البائع أن يحمل الحطب وما أشبه ذلك، فهذان النوعان إذا جمع فيهما بين شرطين، كان البيع على ما ذهب إليه المؤلف ـ وهو المذهب ـ فاسداً، والصواب أنه صحيح ولا بأس به.
وَمِنْهَا فَاسِد يُبْطِلُ العَقْدَ كاشْتِرَاطِ أحَدِهِمَا عَلَى الآخَرِ عَقْداً آخَرَ كَسَلَفٍ، وَقَرْضٍ، وَبَيْعٍ، وَإِجَارَةٍ، وَصَرْفٍ
........... قوله: «ومنها فاسد يبطل العقد» هذا هو القسم الثاني من أقسام الشروط، وهي الشروط الفاسدة.
وقوله: «ومنها فاسد يبطل العقد» أي: وفاسد لا يبطل العقد، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كلام المؤلف.
قوله: «كاشتراط أحدهما على الآخر عقداً آخر كسلف» هذا فاسد يفسد العقد، فإذا شرط أحدهما على الآخر عقداً آخر بطل العقد «كسلف» أي: السلم، والسلم تقديم الثمن وتأخير المثمن، فيقول المشتري للبائع: هذه مائة درهم بمائة صاع من البر تعطيني إياها بعد سنة، فإذا باع أحدهما على الآخر شيئاً كدارٍ مثلاً، وقال: بشرط أن تسلمني مائة درهم بمائة صاع من البر، فالشرط هنا فاسد مفسد للعقد.
فإن قال قائل: لماذا فصل هذا عما سبق؟
قلنا: لأن ما سبق يكون صحيحاً ويكون فاسداً، فإذا شرط شرطاً واحداً كان الشرط صحيحاً، وإن جمع بين شرطين صار فاسداً، أما هنا فهو فاسد من أصله فليس فيه تقسيم، ولذلك فصله عما سبق.
قوله: «وقرض» كذلك لو اشترط قرضاً، مثاله: قال له: بع عليَّ بيتك هذا، فقال: أبيعه عليك بشرط أن تقرضني مائة ألف، فهذا الشرط فاسد ومفسد للعقد، فلا يصح القرض، ولا يصح البيع.
قوله: «وبيع» أي: لو اشترط عليه بيعاً فطلب منه أن يبيعه سيارته، قال: أبيعك إياها بخمسين ألفاً بشرط أن تبيع علي سيارتك بخمسين ألفاً أو بأقل أو بأكثر، فهنا لا يصح البيع لا الأصل ولا المشروط.
قوله: «وإجارة» مثاله، بعتك هذا البيت بمائة ألف، بشرط أن تؤجرني بيتك لمدة سنة فالعقد لا يصح؛ لأنه جمع بين عقدين.
قوله: «وصرف» مثل أن يقول: بعني بيتك بمائة ألف فيقول: نعم بشرط أن تصرف لي هذه الدنانير بدراهم، فهنا يبطل البيع والصرف.
والدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن بيعتين في بيعة» 1، وقال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» 2، وهذا الاستدلال بهذا الدليل غير صحيح؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم إنما نهى عن بيعتين في بيعة، وقال: «له أوكسهما أو الربا»، وهذا لا ينطبق على ما ذكر، إنما ينطبق على مسألة العينة التي سبقت وهي أن يبيع شيئاً بثمن مؤجل، ثم يشتريه نقداً بأقل، فهنا نقول: هذه بيعتان في بيعة؛ لأن المبيع واحد والعقد اثنان، ولهذا قال: «له أوكسهما أو الربا»، فهنا إذا باعه بمائة مؤجلاً، واشتراه بثمانين نقداً، فنقول: إما ألا تأخذ من المشتري شيئاً وهو الزائد، وخذ بالأقل، وهو الثمانون، فإن أخذت الزائد فقد وقعت في الربا؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «له أوكسهما أو الربا».
مثاله: بعت هذه السيارة بمائة ألف إلى سنة، فهذه بيعة، اشتريتها من المشتري بثمانين نقداً، فهذه بيعة أخرى، أيهما أوكس؟ الثمانون، البائع إما أن يقتصر على الثمانين، ولا يطالبه بالزائد وهو عشرون، فإن طالبه بالزائد فهذا هو الربا، ولهذا قال: «له أوكسهما أو الربا»، بمعنى أن نقول للبائع: ليس لك إلا الثمانون ولا تطالب المشتري بشيء، أو له «الربا» لأن هذا لا شك حيلة على الربا.
وأما من قال: بأن معنى الحديث: «نهى عن بيعتين في بيعة»، هو أن يقول الإنسان: بعتك هذا بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة فغير صحيح، بل هذا لا بأس به، لأنه لا يخلو إما أن نتفرق بدون قطع ثمن، وإما أن نقطع الثمن من قبل التفرق، إن قطعنا الثمن قبل التفرق وقلت: أخذته بعشرة نقداً فالبيعة واحدة، وإن تفرقنا فإنه يبقى الثمن مجهولاً، ومعلوم أن من شروط البيع أن يكون الثمن معلوماً، فهنا ينهى عنه لا لأنه بيعتان في بيعة، ولكن لأن الثمن مجهول، ولهذا لو حدد بأن قال: بعتك هذا بعشرة نقداً أو بعشرين نسيئة ولك الخيار لمدة يومين فهذا جائز؛ لأنه لا محذور فيه.
إذاً البيعتان في بيعة لا تصدق إلا على مسألة العينة، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا» وهذا الذي ذكر المؤلف لا يصدق عليه أوكسهما أو الربا، وعلى هذا فالقول الصحيح أنه إذا شرط عقداً في البيع فإن الشرط صحيح، والبيع صحيح إلا في مسألتين كما سيأتي.
ويدل لذلك أن الأصل في المعاملات الحل، وأنه لو جمع بين عقدين بلا شرط فهو جائز كما سبق، وسبق أنه إن جمع بين عقدين فلا بأس إذا لم يكن شرطاً، فنقول: إذا كان هذا يباح بلا شرط، فما الذي يجعله ممنوعاً مع الشرط، وقد قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «الشرط جائز بين المسلمين إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» 1، وهذا الشرط لا يحل حراماً ولا يحرم حلالاً، وعلى هذا فالصواب جواز ذلك إلا في مسألتين:
الأولى: إذا شرط قرضاً ينتفع به، فهنا لا يحل لأنه قرض جر نفعاً فيكون ربا.
مثال القرض: إذا جاء الرجل ليستقرض من شخص، فقال: أنا أقرضك، لكن بشرط أن تبيع بيتك عليّ بمائة ألف، وهو يساوي مائة وعشرين، فهنا شرط القرض مع البيع على وجه ينتفع به، فالبائع انتفع من قرضه حيث نزل له من قيمة البيت عشرون ألفاً، وهذا ربا فلا يصح.
الثانية: أن يكون حيلة على الربا، بأن يشترط بيعاً آخر يكون حيلة على الربا، فإنه لا يصح.
مثاله: أن يكون عند شخص مائة صاع بر جيد، وعند الثاني مائتا صاع بر رديء، فيأتي صاحب البر الرديء ويقول لصاحب البر الجيد: بعني المائة صاع البر الجيد بمائتي درهم، قال: لا بأس بشرط أن تبيع عليّ مائتي الصاع الرديئة بمائتي درهم، فهذا
لا يجوز لأنه حيلة على أن يبيع مائة صاع بر جيد بمائتي صاعٍ رديئة من البر، وهذا حرام، لأنه ربا، لأن البر بالبر لا بد أن يكون سواء.
وما رجحناه هو الذي ينطبق على القواعد الشرعية، وهو مذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ، ومذهب الإمام مالك في المعاملات هو أقرب المذاهب إلى السنة، ولا تكاد تجد قولاً للإمام مالك في المعاملات إلا وعن الإمام أحمد نفسه رواية توافق مذهب مالك، لكن من المعلوم أن أصحاب المذاهب كلما ازدادوا عدداً، جعل المذهب ما كان الأكثر عدداً، هذا الغالب، لذلك لا يمكن أن نقول: إن مذهب الإمام أحمد مثلاً هو تحريم هذا البيع، وأنه عنه رواية واحدة، بل لا بد أن تكون له رواية توافق ما يدل عليه الدليل الصحيح، ومذهب الإمام مالك في هذه المسألة هو أحسن المذاهب وأقواها، ولدينا قاعدة مطردة: «الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على التحريم».
وَإِنْ شَرَطَ أَنْ لاَ خَسَارَةَ عَليْهِ أَوْ مَتَى نَفِقَ المَبِيْعُ وَإِلاّ ردَّهُ، أوْ لاَ يَبِيْع وَلاَ يَهَبَهُ وَلاَ يُعْتِقهُ أوْ إِن أعْتَقَ فَالولاَءُ لَهُ،
........
قوله: «وإن شرط أن لا خسارة عليه» هذا هو القسم الثاني وهو الشرط الفاسد غير المفسد، فيفسد الشرط، ويصح العقد.
وضابطه: أن يكون الفساد مختصاً بالشرط لمنافاته مقتضى العقد.
مثاله: شرط أن لا خسارة عليه، الشارط المشتري، قال المشتري: اشتريته منك بمائة ألف بشرط ألا يكون عليّ خسارة، أي لو نزلت السوق وبعته بأقل فلا خسارة علي، الخسارة على البائع، فهذا الشرط لا يصح؛ لأنه مخالف لمقتضى العقد؛ لأن
مقتضى العقد أن المشتري يملك المبيع فله غنمه وعليه غرمه، فهو مالك، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الخراج بالضمان» 1، أي من له ربح شيء فعليه خسارته، ومعلوم أنه لو ربح هذا المبيع فالربح للمشتري بلا شك، فإذا كان الربح للمشتري فلا يصح أن يشترط الخسارة على البائع.
والدليل على أن الشرط إذا كان مخالفاً لمقتضى العقد يكون باطلاً أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أبطل شرط البائع لنفسه الولاء في قصة بريرة، حيث كاتبت أهلها على تسع أواقٍ من الورق وجاءت تستأذن عائشة ـ رضي الله عنها ـ فقالت عائشة: إذا أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي، فذهبت لأهلها فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فأخذتها بهذا الشرط، فلما تم العقد خطب النبي صلّى الله عليه وسلّم وبيّن أن هذا شرط باطل، فقال: «ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة
شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» 1، فأبطل الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذا الشرط، لأنه يخالف مقتضى العقد، إذ أن مقتضى العتق أن يكون الولاء للمعتق لا لغيره، ولهذا قال العلماء: كل شرط خالف مقتضى العقد فهو باطل.
فإذا قال قائل: هل العقد صحيح؟
قلنا: نعم؛ لأن العقد قد تمت فيه الشروط، وانتفت الموانع، والخلل هنا إنما هو بالشرط.
قوله: «أو متى نفق المبيع وإلا رده» نفق بمعنى زاد، وصار له سوق يُشترى، وإلا رده على البائع، هذا ـ أيضاً ـ شرط فاسد؛ لأنه يخالف مقتضى العقد، إذ إن مقتضى العقد أن المبيع للمشتري سواء نفق أو لا.
قوله: «أو لا يبيع» الشارط البائع، شرط البائع على المشتري ألا يبيعه، فيقول المؤلف: إن الشرط فاسد.
وهذا تحته صورتان:
الصورة الأولى: أن يشترط عليه أن لا يبيعه مطلقاً.
الصورة الثانية: أن يشترط عليه أن لا يبيعه على فلان خاصة.
وكلاهما على المذهب شرط فاسد، لأنهما يخالفان مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد أن المالك يبيع ملكه على من شاء وإن شاء لم يبعه، فإذا قيد وقيل له: بشرط أن لا تبيعه، فإن هذا الشرط يرونه فاسداً لمخالفته مقتضى العقد.
ولكن الصحيح أن في ذلك تفصيلاً، وهو إن كان شرط عدم البيع لمصلحة تتعلق بالعاقد أو بالمعقود عليه فإن الصحيح صحة ذلك، مثال التي تتعلق بالعاقد: أنا أعرف أن هذا الرجل محتاج إلى بيت وأريد أن أبيعه بيتي، ولكن أعرف أن الرجل لا يحسن التصرف يمكن أبيعه عليه في الصباح ويبيعه هو في آخر النهار، وأنا إنما أريد أن أبيعه عليه من أجل أن ينتفع به ويسكنه، فأقول له: لا أبيعك هذا البيت إلا بشرط أن لا تبيعه، فيلتزم بهذا، فهذا من مصلحة العاقد (المشتري).
مثال مصلحة المعقود عليه: عندي عبد له منزلة عالية فجاءني شخص أثق به وآمنه على هذا العبد فقال: بعني عبدك، فقلت: أبيعك بشرط أن لا تبيعه؛ لأنني أخشى إذا باع عبدي على إنسان غشيم يظلمه ويذله، فقلت: نعم أبيعك عبدي بشرط أن لا تبيعه، فالمصلحة هنا تعود على العبد المعقود عليه.
والصحيح ـ أيضاً ـ في الصورة الثانية أنها جائزة؛ لأنه قد يكون شخص معروفاً بالشر والفساد وعندي عبد، فجاء شخص ثقة أمين، فقلت: لا بأس أبيع عليك العبد لكن بشرط أن لا تبيعه على فلان خاصة، فهذا من مصلحة المعقود عليه.
كذلك عندي ـ مثلاً ـ بعير، فأقول: أبيعك هذه البعير بشرط أن لا تبيعها لفلان؛ لأنه معروف أنه لا يرحم البهائم، يحملها ما لا تطيق ويضربها على غير خطأ، ويجيعُها ويجعلها في العراء في البرد، فأقول: بشرط أن لا تبيعها على فلان، خوفاً من أن يسيء لهذه البهيمة، فالصحيح أنه يجوز، لأن فيه مصلحة المعقود عليه.
قوله: «ولا يهبه» والهبة هي التبرع بالمال بدون عوض في حال الحياة، فإنه لا يصح الشرط.
مثاله: أن يقول: أبيعك هذا المتاع بشرط ألا تهبه لأحد، أو ألا تتصدق به على أحد، فلا يصح؛ لأن هذا ليس فيه مصلحة للبائع، وإنما هو مجرد تحجير على المشتري، فلا يصح؛ لأنه يخالف مقتضى العقد.
فإن قيل: ما الفرق بين الهبة وبين البيع، إذا شرط ألا يبيع فهو صحيح، وإذا شرط ألا يهبه فهو غير صحيح؟
قلنا: لا فرق، ولهذا نقول: القول الصحيح أنه إذا شرط عليه ألا يهبه ففيه تفصيل:
إذا كان له غرض مقصود فلا بأس، وإن لم يكن له غرض مقصود فإنه لا يصح هذا الشرط؛ لأنه تحجير على المشتري.
فإذا قال قائل: هو تحجير على المشتري بكل حال؛ لأنه إذا لم يهبه والتزم بالشرط أمكنه أن يخرجه عن ملكه بالبيع مثلاً.
قلنا: وكذلك نقول في البيع، ما دمنا نعرف أن البائع قصد باشتراط ألا يهبه ألا يخرجه من ملكه، فسواء جاء بلفظ الهبة أو جاء بلفظ البيع أو بغير ذلك؛ لأن الأمور بمقاصدها.
قوله: «ولا يعتقه» فالشرط فاسد والعقد صحيح؛ لأنه ينافي مقتضى العقد، إذ مقتضى العقد أن يتصرف المشتري تصرفاً تاماً.
فإن قال قائل: هل يمكن أن يكون للبائع غرض في اشتراط عدم العتق؟
نقول: ربما يكون له غرض، مثل أن يكون هذا العبد لا
يتمكن من الكسب، فيشترط ألا يعتقه لئلا يهمله، وربما يشترط ألا يعتقه؛ لأنه لو عتق صار حرّاً وتصرف كيف شاء، وربما يؤدي تصرفه هذا إلى الفسوق والفجور، أو الذهاب إلى الكفار ـ أيضاً ـ إذا كان أسيراً من قبل وما أشبه ذلك.
فالمهم أن الذي يترجح أنه إذا كان له غرض صحيح فإن الشرط صحيح، وغاية ما فيه أنه يمنع المشتري من بعض التصرف الذي جعله الشارع له، وهو ـ أي: المشتري ـ يسقطه باختياره، فكان الأمر إليه.
قوله: «أو إن أعتق فالولاء له» أي للبائع، فإن الشرط لا يصح، أي: أن البائع باع العبد على إنسان، وشرط عليه إن أعتقه أن يكون الولاء له، أي: للبائع، فهنا العقد صحيح، والشرط غير صحيح.
والدليل على ذلك: حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ في قصة بَريرة، أن بريرة كاتبها أهلها فجاءت تستعين عائشة، فقالت: إن أحبوا أن أنقدها لهم، ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، وقالوا: لا، الولاء لنا، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «خذيها واشترطي لهم الولاء» ففعلت، ثم قام خطيباً في الناس فقال: «ما بال أقوام يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن شرط مائة مرة، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» 1. فأجاز البيع، ولم يجز الشرط.
فما هو الولاء؟.
الولاء معناه أن الإنسان إذا أعتق عبداً صار كأنه من أقاربه، كما يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «الولاء لُحْمَة كلُحْمَة النسب» 1، أي: التحام بين السيد والعتيق كالتحام النسب، فيرثه المعتِق إذا لم يكن له وارث من النسب، حتى إنه إذا هلك هالك عن بنت أخ شقيق، وعن معتِق، فالمال للمعتِق مع أن الميت عمها، لكنها هي ليست بذي فرض ولا عصبة، فيكون المال للسيد المعتق، فالولاء في الواقع لحمة كلحمة النسب يثبت به ما يثبت بالنسب من جهة الميراث، والولاية، وما أشبه ذلك عند عدم عاصب النسب، لكنه ليس كالنسب في ثبوت المحرمية، ولذلك أعتق النبي صلّى الله عليه وسلّم صفية وجعل عتقها صداقها وتزوجها 2.
أوْ أن يَفْعَلَ ذَلِكَ بَطَلَ الشَّرْطُ وَحْدَهُ إِلاَّ إِذَا شَرَطَ العِتْقَ وَبِعْتُكَ عَلَى أَنْ تَنْقُدَنِي الثَّمَنَ إِلَى ثَلاَثٍ وَإِلاَّ فَلاَ بَيْعَ بَيْنَنَا صح، وَبِعْتُكَ إِنْ جِئْتَنِي بِكَذَا، أو رَضِي زَيْدٌ أَوْ يَقُولَ لِلْمرتَهِنِ: إِنْ جِئْتُكَ بِحَقِّكَ وَإلاَّ فَالرَّهْنُ لَكَ، لاَ يَصِحُّ البَيْعُ
....... قوله: «أو أن يفعل ذلك بطل الشرط وحده» «ذلك» المشار إليه أن يبيع أو يهب أو يعتق، بأن يقول: بعتك هذا العبد بكذا وكذا بشرط أن تبيعه على فلان، فهنا لا يصح الشرط؛ لأن مقتضى العقد أن المشتري حر، يتصرف إن شاء باع، وإن شاء لم يبع، فهل يمكن أن نقول كما قلنا في الأول: إذا كان هناك غرض صحيح للبائع فلا بأس؟
الجواب: إذا أمكن أن يوجد غرض صحيح فلا بأس؛ لأن الحق في التصرف للمشتري فإذا أسقطه فهو حقه، لكن يبقى النظر هل هناك غرض صحيح يقابل إسقاط المشتري للتصرف؟
ربما يكون ذلك، مثل أن يكون عندي عبد وأعرف أن فلاناً لا يشتريه مني أبداً، إما رأفة بي أو لغير ذلك، فبعته على آخر، وقلت: بشرط أن تبيعه على فلان فهذا غرض صحيح؛ لأني أحب أن أبر فلاناً به، لكني أعلم أنه لو جاء من طريقي فإنه لا يقبل، فإذا جاء من طريق آخر فربما يقبل.
فإذا كان هناك غرض صحيح، فالصواب أنه لا بأس أن يشترط البائع على المشتري أن يبيعه، لكن الغرض الصحيح هنا لا بد أن يكون لشخص معين لا في البيع مطلقاً، وكذلك إذا شرط أن يهبه، نقول: هذا الشرط فاسد.
لو قلت: بعتك هذا الشيء بشرط أن توقفه على الغزاة في سبيل الله، فلا يصح على المذهب، ولكن ذكروا أثراً عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ أنه اشترى من صهيب ـ رضي الله عنه ـ أرضاً واشترط عليه صهيب وقفها 1، ومقتضى هذا جواز شرط وقف المبيع؛ لأن في ذلك مصلحة، مصلحة لي أنا ومصلحة لك، أما لي فلأن ذلك من التعاون على البر والتقوى، وأما لك فلأن الأجر سيكون لك، وهذا قد يكون خيراً لك من الدنيا، فالصحيح في هذه المسألة أنه إذا شرط أن يوجهه إلى شيء فيه خير فإنه لا بأس به ولا حرج.
قوله: «إلا إذا شرط العتق» فيستثنى، فإذا باع العبد على شخص وقال: بشرط أن تعتقه فوافق، فإن البيع والشرط صحيح؛ لأن الشارع له تشوف إلى العتق، ورغب فيه، ولأن الشراء يراد للعتق، فمن عليه كفارة يشتري عبداً ليعتقه، فلا يكون ذلك مخالفاً لمقصود العقد.
فإن قال قائل: لماذا يشترط على المشتري العتق ولم يعتقه هو بنفسه؟
قلنا: إن البائع محتاج للدراهم مثلاً، ومعلوم أنه إذا باعه بشرط العتق، فسوف ينقص الثمن إذا التزم بهذا الشرط، فيكون في هذا مصلحة للبائع، وهو قضاء حاجته بالدراهم، ومصلحة للمشتري وهو نقص الثمن؛ لأنه سوف ينقص بلا شك، وفيه أيضاً مصلحة وهو أن له الولاء؛ لأن المشتري هو الذي يُباشر العتق فيكون الولاء له.
وقوله: «إلا إذا شرط العتق» أي: إذا اشتراه المشتري وقد شُرط عليه العتق، ولكنه صار يماطل وفي النهاية أبى، فيقول الشارح: إنه يجبر المشتري على أن يعتق؛ لأنه مشروط عليه 1.
قوله: «وبعتك على أن تنقدني الثمن إلى ثلاث وإلا فلا بيع بيننا صح» أي: على أن تعطيني الثمن قبل ثلاثة أيام، وإلا فلا بيع بيننا، فالشرط صحيح؛ لأن التعليق هنا تعليق للفسخ، وليس
تعليقاً للعقد فجاز التعليق؛ لأن الفسخ أوسع من العقد، فلهذا جاز تعليقه بخلاف العقد، ولأن فيه مصلحة للبائع إذا خشي المماطلة، ولا يخالف شرعاً.
قوله: «وبعتك إن جئتني بكذا أو رضي زيد» قال: بع علي هذا البيت، فقلت: بعتك إن أحضرت لي كذا وكذا غير الثمن، فهنا لا يصح؛ لأنه بيع معلق، ومن شرط البيع التنجيز، فالبيع المعلق لا يصح، وكذلك إذا قال: إن رضي زيد، فإنه لا يصح.
مثاله: قال: بعتك هذه السيارة إن رضي أبي، فقال: اشتريت، فالبيع هنا ليس بصحيح؛ لأنه بيع معلق، والبيع من شرطه أن يكون منجزاً، إذاً ماذا نصنع لو وقع العقد على هذه الصفة؟
نقول: لو وقع على هذه الصفة، فإنه يعاد بعد رضا زيد، فإذا رضي زيد فنقول: أعد العقد، لكن هل يترتب على هذا شيء؟
الجواب: نعم، فلو قلنا: بصحة العقد الأول، لكان النماء والكسب فيما بين العقد والرضا للمشتري، وإذا قلنا: لا بد من عقد جديد فالنماء فيما بين العقد والرضا للبائع، إذاً فبينهما فرق.
والصحيح: أن البيع المعلق جائز، وأنه لا بأس أن يقول: بعتك إن جئتني بكذا، لكن يجب أن يحدد أجلاً أعلى، فيقول: إن جئتني بكذا في خلال ثلاثة أيام مثلاً أو يومين أو عشرة أيام؛ لئلا يبقى البيع معلقاً دائماً، إذ قد لا يتيسر أن يأتي