كِتَابُ الدِّيَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
أو وثنية، أو ملحدة، واعتبروا هذا مفهوم وصف.
وعلى كل حال، فالقول الثالث هو أرجح الأقوال عندي، وهو أن دية الكافر على النصف من دية المسلم؛ ووجه ذلك أن نقول: إن أهل الكتاب كفار، وهم في نار جهنم خالدون فيها، فأي فرقٍ بين أن ينتسب إلى اليهودية، أو النصرانية، وهي أديان نسخت بدين الإسلام، وبين أن ينتسب لغير دين؟! لا فرق عند الله، فأهل الكتاب لا يخفف عنهم العذاب يوم القيامة، بل هم بحسب ما كان منهم من العدوان والظلم كغيرهم.
وأما الجواب عمَّن استدل بالآية فنقول: إنَّ الأحاديث صحت، وهي أحاديث جياد حسنة جداً، على أن عقل الكافر نصف عقل المسلم.
قوله: «ونساؤهم على النصف» فتكون دية المجوسية أربعمائة درهم، يعني مائة واثني عشر ريالاً، فلو قتل إنسان امرأةً شيوعية عمداً فديتها مائة واثنا عشر ريالاً، ولكنه يأثم إن كان عهد، أو ذمة، أو أمان، فإن قتل امرأة لا تصلي عمداً فليس لها دية؛ لأن قتل المرتد ليس فيه دية؛ فهو غير معصوم، ولكن يعاقب القاتل تعزيراً وتأديباً؛ لافتياته على ولي الأمر.
قوله: «كالمسلمين» أي: كما أنَّ نساء المسلمين على النصف فهؤلاء مثلهم، فدية المرأة المسلمة على النصف من دية المسلم، وهي خمسون بعيراً، ومائة بقرة، وألف شاة، وخمسمائة دينار، وستة آلاف درهم، إلاَّ فيما دون الثلث فإنها مثل الرجل، أي: أنَّ الجناية التي توجب ثلث الدية تكون هي والرجل سواء،
وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، والمسألة خلافية.
وعلى هذا فإذا قطع الإنسان أصبع امرأة ففيه عَشْرٌ من الإبل، وإن قطع أصبعين ففيه عشرون من الإبل، وإن قطع ثلاثة ففيها ثلاثون من الإبل، وإن قطع أربعة ففيها عشرون من الإبل، سبحان الله! لما عظمت المصيبة قلَّت الدية.
فلو أن رجلاً قطع ثلاثة أصابع من امرأة، فقالوا له: عليك ثلاثون بعيراً، ولو قطعت أربعاً لم يكن عليك إلاَّ عشرون فذهب وقطع الإصبع الرابع، فهنا نقول له: سنقطع أصبعك المماثل؛ قصاصاً؛ لأنك قطعت إصبعها عمداً، وتؤخذ منك ثلاثون بعيراً، فهنا حيلته ضَرَّتَهُ، مع ما وقع فيه من الإثم.
إذاً المرأة على النصف من دية الرجل، إلاَّ فيما دون الثلث فإنهما يتساويان، وقيل: هما سواء مطلقاً، وقيل: هي على النصف مطلقاً، وهذه المسألة لم أحرِّرها تماماً.
وَدِيَةُ قِنٍّ قِيمَتُهُ، وَفِي جِرَاحِهِ مَا نَقَصَهُ بَعْدَ البُرْءِ، وَيَجِبُ فِي الْجَنِينِ ذَكَراً كَانَ أَوْ أُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ غُرَّةٌ،
.........
قوله: «ودية قِن قيمته» القن هو العبد المملوك الذي يباع ويشترى، ويُسمَّى رقيقاً، فدية القن قيمته بالغةً ما بلغت، وعلى هذا فتختلف الدية في الأرقاء.
فلو أن أحداً قتل رقيقاً شاباً قوياً عالماً صناعياً ماهراً في كل الميادين، فهذا قيمته غالية جداً، بل يكون كدية الحر أو أكثر، ولو قتل قناً كبيراً أعمى العينين أشَل، فهذا ديته قليلة جداً.
إذاً فالمعتبر القيمة؛ لأن العبد بمنزلة ما يباع ويشترى ويُقوَّم، والدليل على ذلك ما تضافرت به السنة من بيع الرقيق، فهذه بريرة ـ رضي الله عنها ـ كاتبت أهلها على تسع أواقٍ من
الفضة، وأقرَّها الرسول صلّى الله عليه وسلّم 1، وهذا الرجل الذي أعتق غلاماً له عن دُبُر ـ أي: أعتقه بعد حياته ـ وكان عليه دين، فباعه النبي صلّى الله عليه وسلّم في دَيْنِهِ 2، والأدلة في هذا كثيرة على أن الرقيق حكمه حكم ما يباع ويشترى، لأنه متموَّل، فهو مال.
قوله: «وفي جراحه ما نقصه بعد البرء» أي: في جراح الرقيق ما نقصه بعد البرء، وجراح الحرِّ غالبها مقدَّر، وأما الرقيق فإنه ما نقصه بعد البرء، بمعنى أننا نُقوِّم هذا الرقيق سليماً من الجرح، ثم نقوِّمه بعد البرء معيباً بالجرح، فالفرق بين القيمتين هو الدية.
مثال ذلك: رجل جنى على رقيق، فقطع إبهام يده اليسرى وبرئ، فكيف نعرف دية هذه الأصبع؟
نقول: يُقوَّم الرقيق سليماً، ويقوَّم بعد البرء، فإذا كانت قيمته سليماً عشرة آلاف درهم، وقيمته مقطوع الإبهام تسعة آلاف درهم، فتكون دية الإبهام ألف درهم.
وما ذكره المؤلف من أنَّ في جراحِه ما نقصه بعد البرء هو الصحيح، والمذهب أن ديته في الجراح، إنْ كان مقدراً من حر فبنسبته من القيمة، وإن كان غير مقدر من حر فبما نقصه بعد البرء، مثاله: عبد قطعت يده اليمنى خطأ، وكان يساوي قبل قطع
اليد عشرة آلاف ريال، وبعد قطع يده صار يساوي ألفي ريال فقط، فتكون دية يده اليمنى ثمانية آلاف، لكن لو قطعت يده اليسرى لكان يساوي بعد قطعها ستة آلاف، فهنا تكون دية يده اليسرى أربعة آلاف، فتختلف دية يده اليمنى عن دية يده اليسرى.
فإن لم ينقصه شيئاً أو زادته حسناً فلا دية.
وعدم نقصان قيمته مثل أن يجرحه بموضحة فبرئت ولم يكن لها أثر، ولم تُنقِص قيمته فلا دية عليه، وأما إن زادته حسناً فكأن يكون للعبد إصبع زائدة، فهذه إذا زالت تزيده حسناً وجمالاً.
فالمذهب في هذه المسألة يوافق قول المؤلف بشرط ألاَّ يكون فيه مقدَّر من حُرٍّ، فإن كان فيه مقدَّر من حر ففيه نسبته من الدية، ودية القن قيمته.
مثاله: اليد فيها مقدر من الحر وهو نصف الدية، فهذا رجل قطع يد قن خطأ، وقيمته عشرة آلاف، ونقص بقطع يده بعد البرء ستة آلاف، فديته على ما مشى عليه المؤلف ستة آلاف، ولكن على المذهب ديته خمسة آلاف؛ لأن اليد فيها في الحر نصف الدية فتكون في العبد نصف القيمة.
ولو قطع يده اليسرى ونقص أربعة آلاف فقط، ففيها على ما مشى عليه المؤلف أربعة آلاف، وعلى المذهب خمسة آلاف؛ لأنها نصف الدية، وعلى هذا فقس.
مثال آخر: هذا العبد يساوي عشرة آلاف درهم، فقطع أصبعه الإبهام، فنقص ألفي درهم، فدية هذا العبد على ما مشى عليه المؤلف ألفا درهم.
أما على المذهب فديته ألف درهم فقط؛ لأن الأصبع فيه عُشْر الدية من الحر، فيكون فيه عشر الدية من العبد، وعشر دية العبد عشر قيمته؛ لأن دية العبد قيمته.
ولا شك أن ما ذهب إليه المؤلف هو الصواب؛ لأننا ما دُمنا اعتبرنا القيمة في العبد، وجعلناه كسلعة من السِّلع، فإن الجناية على السلع تضمن بنقصها، بقطع النظر عن كونها مقدرة من حر أو غير مقدَّرة.
مثال الجرح غير المقدر: أن يجرحه في بطنه ولم يصل إلى الجوف، فهذا فيه حكومة، أو مثلاً جرحه حتى تعطّلت يده بعض الشيء، ولكنَّه لم يفقد الحركة مطلقاً، فهذا أيضاً غير مقدر، فعلى المذهب، وعلى ما مشى عليه المؤلف تكون دية هذه الجناية ما نقص العبد بعد برئه.
قوله: «ويجب في الجنين ذكراً كان أو أنثى عُشْر دية أمه غرة» الجنين الحمل ما دام في البطن، فإن سقط ميتاً فهو سِقط، مأخوذ من الاجتنان وهو الاستتار، ومادة الجيم والنون كلها تدل على الاستتار، فالجنَّة هي البستان كثير الأشجار، والجِنَّة من الجن؛ لأنهم مستترون، والجُنَّة بالضم ما يستتر به الإنسان كالترس ونحوه، والجنين فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه مستور.
فالجنين إذا جَنى الإنسان عليه، أو على أمه وسقط ميتاً فإن ديته غُرة، عشر دية أمه.
فإن كانت أمه حرة مسلِمة فديتها خمسون من الإبل، وعُشْرُها خمس من الإبل.
وإن كانت كتابية فديتها خمس وعشرون من الإبل، وعشرها بعيران ونصف، والنصف يقدَّر بالقيمة.
وإن كانت كافرة من غير الكتابين فديتها أربعمائة وعُشْرُها أربعون درهماً.
والدليل على ذلك: «قصة المرأتين اللتين اقتتلتا من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فقضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بأن دية جنينها غُرَّة» 1، والغُرَّة هي العبد، أو الأمة التي قيمتها خمس من الإبل.
واعتبر العلماء القيمة؛ لأن الغرَّة قد تزيد وقد تنقص، لا سيَّما وأن بعض المحدثين قال: إن قوله: «عبد أو وليدة» شك من الراوي، وأن الغرَّة ليست خاصة بالعبيد، بل كل ما يرغب فيه من المال فهو غرَّة؛ لأن غرَّة الشيء مقدَّمه، كغرَّة الشهر مثلاً، وغرَّة الإنسان لوجهه.
وعلى كل حال فالذي جرى عليه الحنابلة رحمهم الله أن دية الجنين عشر دية أمه، يعني خمساً من الإبل، وهذا ما لم يسقط حياً ثم يموت، فإن سقط حياً ثم مات ففيه دية كاملة، ولكن لو مات في بطنها ثم سقط ففيه عشر دية أمه، غرَّة.
وَعُشْرُ قِيمَتِهَا إِنْ كَانَ مَمْلُوكاً وَتُقَدَّرُ الحُرَّةُ أَمَةً، وَإِنْ جَنَى رَقِيقٌ خَطَأً أَوْ عَمْداً لاَ قَوَدَ فِيهِ، أَوْ فِيهِ قَوَدٌ وَاخْتِيرَ فِيهِ الْمَالُ، أَوْ أَتْلَفَ مَالاً بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ تَعَلَّقَ ذلِكَ بِرَقَبَتِهِ، فَيُخَيَّرُ سَيِّدُهُ بَيْنَ أَنْ يَفْدِيَهُ بِأَرْشِ جِنَايَتِهِ، أَوْ يُسَلِّمَهُ إِلَى وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فَيَمْلِكَهُ، أَوْ يَبِيعَهُ وَيَدْفَعَ ثَمَنَهُ.
قوله: «وعشر قيمتها إن كان مملوكاً» هذا بناء على أن دية القن قيمته، فتكون الدية عُشْر قيمتها إن كان مملوكاً، ويُملك الجنين إذا كانت أمه رقيقة وهو لغير سيدها، فإن كانت أمه رقيقة وهو لسيدها فهو حر.
وكذلك لو كانت أمه رقيقة ووطئها حر بشبهة فإنه يكون حراً.
وكذلك لو كانت أمه رقيقة، واشتُرط على مالكها أن أولادها أحرار فإنه يكون حراً.
وعلى هذا فولد الأمة يكون حراً في ثلاث مسائل:
الأولى: إن كان من سيدها.
الثانية: إذا كان من وطء شبهة من حر.
الثالثة: إذا اشترط أنه حر.
وإذا كان الجنين رقيقاً ففيه عشر دية أمه، أي: عشر قيمتها، مثاله: هذه المرأة التي قُتل جنينها تساوي عشرة آلاف ريال، فدية جنينها ألف ريال.
وذهب بعض العلماء إلى أن دية جنين الأمة ما نقصها، بمعنى أن تقدَّر حاملاً وحائلاً، وما بين القيمتين فهو دية الجنين.
وهذا القول أقرب إلى القياس، كما لو أن أحداً جنى على بهيمة حامل، وأسقطت البهيمة، فإن الشاة مثلاً تقدر حاملاً وحائلاً فما بين القيمتين فهو قيمة الجنين.
وهذا القول أقرب إلى كلام المؤلف حيث قال في دية جراح العبد: «ما نقصه بعد البرء».
قوله: «وتقدَّر الحرة أمةً» يعني لو فرضنا أن حرة كانت
حاملاً برقيق، فإنها تقدَّر أمة، ويكون ذلك بأن تحمل الأمة من سيدها، ثم يعتقها ويستثني حملها، فإذا جُني عليها بعد تحريرها، ثم مات الجنين فإنها تقدَّر أمة عند التقويم، ولا حرج في ذلك، ولا يقال: إننا كذبنا مثلاً، ولكن هذا من أجل أن نعرف دية هذا الجنين.
قوله: «وإن جنى رقيق خطأ أو عمداً لا قود فيه، أو فيه قود واختير فيه المال، أو أتلف مالاً بغير إذن سيده تعلق ذلك برقبته».
هذه أربع مسائل:
الأولى: قوله: «وإن جنى رقيق خطأ» إذا جنى الرقيق خطأ، فليس هناك قود وإنما الدية.
مثاله: رجل له عبد مملوك، وهذا العبد أراد أن يرمي صيداً فأصاب إنساناً، فالجناية خطأ، فتجب الدية ويتعلق ذلك برقبته، أي: أن موجَب الجناية يتعلق برقبة العبد.
الثانية: قوله: «أو عمداً لا قود فيه» مثل أن يقتل هذا الرقيق المسلم كافراً عمداً، فلا قود؛ لأنه أفضل منه في الدين، ومن شروط القصاص أن لا يفضل القاتل المقتول في الدين.
الثالثة: قوله: «أو فيه قود واختير فيه المال» يعني أن شروط القصاص تامة، ولكنَّ أولياء المقتول اختاروا المال.
الرابعة: قوله: «أو أتلف مالاً بغير إذن سيده» يعني أن هذا
الرقيق وجد سيارة لشخص وأحرقها، أو وجد كتاباً فأحرقه أو وجد خبزاً فأكله.
وقوله: «بغير إذن سيده» فإن أذن سيدهُ، وقال له: أتلف السيارة، أو خذ الخبز من الغير، فهذا له حكم آخر سنذكره إن شاء الله.
وقوله: «تعلق ذلك برقبته» أي: يتعلق برقبة العبد، وهل هناك تعلق آخر؟ نعم، وهو أنه يتعلق بذمة سيده، وذلك فيما إذا أتلف مالاً بإذن سيده، فإن الضمان يتعلق بذمة السيد.
والفرق بينهما أنه إذا تعلق بذمة السيد طولب به السيد مطلقاً، ولا ينظر للعبد، فلو كان الذي أتلف يساوي مليون درهم والعبد لو بِعْناه لا يساوي إلاَّ ألف درهم فإننا نُطالب السيد؛ لأنه يتعلق بذمته، وحينئذٍ لا ننظر لقيمة العبد إطلاقاً، وإنما نأخذ الضمان من السيد.
وأما إذا تعلق برقبته ففيه أحكام ذكرها المؤلف بقوله:
«فيخير سيده بين أن يفديه بأرش جنايته، أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملِكَه، أو يبيعه ويدفع ثمنه» فيُخير السيد بين هذه الأمور الثلاثة:
الأول: قوله: «بين أن يفديه» سماه فداءً؛ لأن الجناية تعلقت برقبته، فكأن السيد إذا دفع موجب الجناية فداه.
الثاني: قوله: «أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه» أي:
أن السيد يسلم هذا الرقيق إلى ولي الجناية فيملكه.
الثالث: قوله: «أو يبيعه ويدفع ثمنه» أي: أن السيد يبيع هذا الرقيق ويسلم ثمنه لولي الجناية، فإذا قُدِّر أن ثمنه لا يبلغ قيمة الجناية، فإننا نقول لولي الجناية: ليس لك إلا هذا، حتى لو كان السيد غنياً؛ لأن هذه الجناية حصلت بغير إذن من السيد؛ فليس مسؤولاً عنها، نعم لو فرض أنَّ هذا السيد يعلم أنَّ هذا العبد شرير، متلف للأموال والأنفس، فهنا قد نقول: إنَّ الضمان يتعلق بذمة السيد، كما قالوا فيمن عنده كلب عقور: إنه يضمن ما تلف به.
فأي هذه الأمور الثلاثة يختار السيد؟
الجواب: على حسب الأحوال، إن كان عنده مال والعبد غير رخيص عنده فسيختار الفدية، وإن كان ليس عنده شيء، أو يُحب أن يتخلص من هذا العبد، وولي الجناية ما منه خطر على العبد بإيذاء أو غيره فسوف يسلمه، ويَسْلم منه ومن العناء ببيعه وتسليم الثمن، وإن كان يخشى على العبد من ولي الجناية بإيذاء، أو هتك عرض، أو غير ذلك فإنه سيختار أن يبيعه، ويسلم ثمنه إلى ولي الجناية.
فإن مات العبد قبل هذه الأشياء الثلاثة، فما الحكم؟
الجواب: لا شيء لولي الجناية؛ لأنه تعلق برقبته، والسيد بريء منه.
بَابُ دِيَاتِ الأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا
مَنْ أَتْلَفَ مَا فِي الإِنْسَانِ مِنْهُ شَيءٌ وَاحِدٌ، كَالأَْنْفِ، وَاللِّسَانِ، وَالذَّكَرِ، فَفِيهِ دِيَةُ النَّفْسِ
....
الأعضاء جمع عضو، وهو الجزء المستقل من الإنسان، مثل: اليد، والرجل، والأصبع، والعين، والأنف، وما أشبه ذلك.
واعلم أن هاهنا قاعدتين:
الأولى: كل عضو أشل فليس فيه دية، بل فيه حكومة، إلا عضوين وهما الأذن والأنف.
الثانية: كل من جنى على عضو فأشلَّه فعليه دية ذلك العضو، إلاّ الأنف والأذن؛ لأن الأنف والأذن جمالهما باقٍ ولو شُلاَّ.
قوله: «من أتلف ما في الإنسان منه شيء واحد كالأنف، واللسان، والذكر، ففيه دية النفس» «من» شرطية، وجواب الشرط جملة «ففيه دية النفس» ووجب اقترانها بالفاء؛ لأنها جملة اسمية.
وقوله: «ففيه دية النفس» أي: فإنَّ عليه دية النفس، إن كانت أنثى فخمسون بعيراً، وإن كان ذكراً فمائة بعير.
مسألة: لو أن هذا الرجل الذي أُذهب أنفه أجرى عملية وركَّب أنفاً، ونجحت العملية، فهل تجب الدية؟
ظاهر كلام العلماء أنّ الدية تجب، وقد ذكروا أنَّ من أتلف
شعراً ثم نبت فإنه تسقط ديته، فهل نقول: إن هذا مثل الشعر لما أعاده بعملية فلا شيء له؟
الجواب: إن أعاد نفس الأنف وبقي فهذا ديته تسقط بلا شك، وأما إذا أعاد أنفاً غيره فهذا محل نظر وتأمل.
وقوله: «كالأنف» لو كان الأنف من إنسان أخشم، أي: لا يشم، أو أشل ففيه دية.
وقوله: «واللسان» أيضاً فيه دية النفس، إن كان من امرأة ففيه دية امرأة، وإن كان من رجل ففيه دية رجل، مع أنه إذا قطع لسانه سوف يفوِّت عليه منفعتين: منفعة الكلام، ومنفعة الذوق، ولكن لا عبرة بالمنافع إذا كان المتلف عضواً، كما أن الإنسان لو أتلف رَجُلاً سيتلف منافع متعددة.
وقوله: «والذكر» أي: فيه دية النفس؛ لأنه ليس في الإنسان منه إلاّ شيء واحد.
والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث: «وفي الذَّكَر الدية، وفي الأنف إذا أُوْعب جَدْعُه الدية، وفي اللسان الدية» 1.
وَمَا فِيهِ مِنْهُ شَيْئَانِ، كَالْعَيْنَيْنِ، وَالأُْذُنَيْنِ، وَالشَّفَتَيْنِ، وَاللَّحْيَيْنِ، وَثَدْيَيِ الْمَرْأَةِ، وَثَنْدُؤَتَيِ الرَّجُلِ، وَاليَدَيْنِ، وَالرِّجْلَيْنِ، وَالأَلْيَتَيْنِ، وَالأُْنْثَيَيْنِ، وَإِسْكَتَيِ المَرْأَةِ فَفِيهِمَا الدِّيَةُ، وَفِي أَحَدِهِمَا نِصْفُهَا،
... قوله: «وما فيه منه شيئان، كالعينين، والأذنين، والشفتين، واللحيين» ففيهما الدية، وفي أحدهما نصفها، فما فيه منه شيئان وأتلفا جميعاً ففيهما الدية، وفي أحدهما نصف الدية.
وقوله: «كالعينين» ففيهما الدية ولو مع ضعف النظر، ولو مع عَمَشٍ، ولو مع حَوَلٍ؛ لأن هذا مثل ما لو أتلف الإنسان المريض، ففيه دية كاملة، فكذلك إذا أتلف هذه العين، ففيها دية كاملة، ولو كانت قاصرة النظر، أو فيها حول، أو ما أشبه ذلك.
وأما إذا كانت العينان لا تريان فليس فيهما دية كاملة؛ لأنه ليس فيهما منفعة.
وقوله: «والأذنين» أي: فيهما دية النفس، ولو كان لا يسمع بهما.
وقوله: «والشفتين» أي: إذا أذهب الشفتين جميعاً ففيهما الدية.
وقوله: «واللحيين» وهما العظمان النابت عليهما الأسنان، فإذا أتلفهما ففيهما دية النفس، وفي أحدهما نصف الدية.
قوله: «وثديي المرأة» وهذا واضح.
قوله: «وثندؤتي الرجل» وهما للرجل بمنزلة الثديين من المرأة.
قوله: «واليدين والرجلين» أي: فيهما الدية؛ لأن في الإنسان منهما شيئين، وفي كل واحد منهما النصف.
ولا فرق بين أن يقطع اليد من مفصل الكف، أو من مفصل المرفق، أو من مفصل الكتف، فكل هذه تسمى يداً، مع العلم أنه إذا قطع مع مفصل الكف فهو أهون؛ لأنه سينتفع بما بقي من الذراع والعضد، ولكن يقولون: إن الأصل الكف، فإذا قطع
الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المنكب ففيه نصف الدية.
وقال بعض العلماء: إنه إذا قطع من الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطع من المرفق أو المنكب ففيه مع نصف الدية حكومة، وهذا إذا كان القطع واحداً، بمعنى أنه أمسك رجلاً وقطع يده من الكتف ففيه الدية، وأما إذا قطع أولاً من الكف، ثم من المرفق، ثم من الكتف، فكل واحد جناية مستقلة.
والحاصل أن هذه المسألة فيها قولان لأهل العلم:
الأول: لا فرق بين أن يقطعها من مفصل الكف، أو المرفق، أو الكتف.
الثاني: إذا قطعها مما فوق مفصل الكف ففي الزائد حكومة.
ولكن القول الأول أصح؛ لأن هذا يكون تابعاً، كما لو قلع اللحيين، مع أن اللحيين يكون عليهما أسنان، ويكون فيهما لِحية، ومع ذلك ما عليه إلاَّ دية اللحيين فقط، فهذا تابع.
قوله: «والأليتين» مثنى «ألية» وهي المقعدة التي يقعد عليها الإنسان، فإذا جنى عليهما شخص ففيهما الدية، وفي الواحدة نصف الدية.
قوله: «والأنثيين» هما خصيتا الرجل، فإن قطعتا جميعاً ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
قوله: «وإسكتي المرأة ففيهما الدية وفي أحدهما نصفها»
«إسكتي المرأة» بفتح الهمزة وكسرها، وهما حافتا فرج المرأة، فلو جنى عليهما إنسان وقطعهما ففيهما الدية، وفي إحداهما نصف الدية.
وكذلك الكليتان من أخذ إحداهما ففيها نصف الدية، وفي كلتيهما الدية كاملة، جرياً على القاعدة؛ والفقهاء ما تكلموا على هذا العضو؛ لأنه في الباطن، وأرى أنه يجب أن نتكلم عليه؛ لأن الناس أصبحوا يجعلون هذا العضو الباطن كالعضو الظاهر.
وَفِي الْمِنْخَرَيْنِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، وَفِي الْحَاجِزِ بَيْنَهُمَا ثُلُثُهَا، وَفِي الأَْجْفَانِ الأَْرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَفِي كُلِّ جَفْنٍ رُبْعُهَا، وَفِي أَصَابِعِ اليَدَيْنِ الدِّيَةُ كَأَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، وَفِي كُلِّ أُصْبَعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَفِي كُلِّ أَنْمُلَةٍ ثُلُثُ عُشْرِ الدِّيَةِ، وَالإِْبْهَامُ مَفْصِلاَنِ، وَفِي كُلِّ م
َفْصِلٍ
نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ كَدِيَةِ السِّنِّ.
قوله: «وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز بينهما ثلثها» المنخران سمِّيا بذلك؛ لأنه يخرج منهما النَّخَر، والحاجز بينهما معلوم، والجميع يُسمَّى مارناً، ومارن الأنف ما لان منه.
فالمارن يشتمل على ثلاثة أشياء: المنخرين، والحاجز بينهما.
فإذا قطع منخراً فعليه ثلث الدية، ثلاثة وثلاثون بعيراً وثلث بعير، وإن قطع المنخر الثاني فعليه ستة وستون بعيراً وثلثا بعير، وإن قطع الحاجز بينهما فعليه مائة بعير، وإن قطع الحاجز وحده فعليه ثلث الدية.
وهذا بناءً على القاعدة السابقة أن ما في الإنسان منه واحد ففيه الدية كاملة، كما جاء في حديث عمرو بن حزم: «وفي اللسان الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية» 1، وهذا كله مجمع عليه.
والعلماء ـ رحمهم الله ـ استنتجوا من ذلك أن ما في الإنسان منه واحد ففيه دية، وما فيه شيئان ففيه نصف دية، وما فيه ثلاثة ففي الواحد ثلث الدية، وفي الجميع دية كاملة.
قوله: «وفي الأجفان الأربعة الدية، وفي كل جفن ربعها» الأجفان هما غطاء العينين، وفي كل عين غطاءان، أحدهما فوق والآخر تحت، ففي كل جفن ربع الدية، وفي الجميع الدية كاملة، وفي الثلاثة ثلاثة أرباع الدية، ولا فرق في الدية بين الأعلى والأسفل.
وهذا مما في الإنسان منه أربعة، ولم يذكر المؤلف ما في الإنسان منه خمسة؛ لأن هذه لا تأتي في الأعضاء، وإنما تأتي في المنافع، قالوا: إن المذاقات خمسة: حلاوة، ومرارة، وعذوبة، وملوحة، وحموضة، فإذا جنى على إنسان وأذهب مذاقاته الخمس، فعليه الدية كاملة، وإن أذهب واحدة منها فعليه خمس الدية.
قوله: «وفي أصابع اليدين الدية كأصابع الرجلين» يعني كما أن أصابع الرجلين فيهما الدية، فكذلك أصابع اليدين، وإن لم يقطع الكف، وإن لم يقطع القدم؛ لأن هذه أعضاء يوجد في الإنسان منها كذا وكذا، فيكون لكل عضو حصته من الدية.
قوله: «وفي كل أصبع عشر الدية» فلو فرض أن أصابع
يديه، أو رجليه اثنا عشر أصبعاً، فإن الدية لا توزَّع عليها جميعاً؛ لأن الزائد عيب.
قوله: «وفي كل أنملة ثلث عشر الدية» يعني أن كل أنملة فيها ثلاث من الإبل وثلث.
وكل أصبع من الأصابع فيه ثلاثة أنامل ما عدا الإبهام، ففيه أنملتان.
قوله: «والإبهام مفصلان، وفي كل مفصل نصف عشر الدية» إذا كان مفصلان فإن الدية تقسم على الاثنين، فيكون في كل مفصل نصف عشر الدية، يعني خمساً من الإبل.
ولا فرق في ذلك بين الأنملة العليا والسفلى، فإذا قطع العليا ففيها خمس من الإبل، وإذا قطع السفلى فالدية عشر من الإبل؛ لأنه إذا قطع السفلى انقطعت العليا.
قوله: «كدية السن» يعني كما أن في السن خمساً من الإبل، كما جاء في الحديث: «وفي السن خمس من الإبل» 1.
ولا فرق بين السن والضرس، وعلى هذا فدية الأسنان جميعاً مائة وستون بعيراً، فالعلماء يعتبرون دية الأسنان أفراداً.
أما إذا كان بجنايات متعددة فكل سن له حكمه، فلو جنى عليه مرة واحدة، وأتلف جميع أسنانه فإن الفقهاء ـ رحمهم الله ـ يقولون فيه بعدد الأسنان.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كانت بجناية واحدة فهي منفعة واحدة فعليه دية واحدة.
ولكن ظاهر الحديث العموم فيؤخذ به، وعلى هذا فإذا جنى عليه حتى ذهبت كل أسنانه، فعليه مائة وستون بعيراً.
وهذا الحكم في الإنسان الذي نبتت أسنانه مرةً ثانية، وأما الذي كان في النبات الأول فَيُنْظَر؛ لأن هذه الأسنان ـ وهي ما يسمى بأسنان اللبن ـ إذا سقطت نبتت مرة أخرى، فإذا نبتت سقط موجبها، ولم يجب فيها شيء، لكن إذا كان الإنسان قد أسقط الأسنان الأولى، ثم نبتت الثانية، فإنها إذا أتلفت فعلى الجاني ديتها.
فَصْلٌ
وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَهِيَ السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ وَكَذَا فِي الكَلاَمِ وَالْعَقْلِ، وَمَنْفَعَةُ الْمَشْيِ، وَالأَْكْلِ، وَالنِّكَاحِ، وَعَدَمِ استِمْسَاكِ الْبَوْلِ، أَوِ الْغَائِطِ،
......... هذا ال
فصل
يتكلم فيه المؤلف عن المنافع؛ والمنافع هي الحواس.
قوله: «وفي كل حاسة دية كاملة، وهي السمع والبصر، والشم، والذوق» المؤلف لم يعد من الحواس إلا أربعاً، والمعروف أن الحواس خمس، فأسقط اللمس.
وقوله: «السمع» بمعنى أن يجني عليه حتى يصير لا يسمع، وإن بقيت الأذن، فتجب الدية كاملة، وورد حديث لكنه ضعيف: «في السمع الدية» 1، فإن نقص السمع فحكومة؛ لأنه لا يمكن تقدير السمع.
ولكن لو ادعى المجني عليه زواله، وأنكر الجاني، فإنه يُتَحايل عليه، فيأتيه أحدٌ بغتة، ويطلق عنده أشياء لها صوت مزعج، فإن تحرك، أو التفت فهو يسمع، وإلا فلا.
وقوله: «والبصر» إذا جنى على البصر حتى أذهبه ففيه الدية، وسواء كان ذلك عن طريق العين، أو عن طريق الدماغ، فإن أذهب البصر في عين فعليه دية العين، وإن كان في العينين فعليه دية كاملة، فإن أضعف البصر فحكومة.
وهذا يقال فيه ما قيل في السمع: فإذا ادعى المجني عليه أنه لا يبصر وأنكر الجاني، فيُتحايل عليه، قال بعضهم: نفتح عينه
بالشمس فإن أدمعت عينه، أو أغضى فهو يبصر، وإلا فلا.
وقال بعضهم: نستغفله، ثم نحذف شيئاً أمام عينه، فإن أحس فهو دليل على أنه يبصر وإلا فلا، والآن الطب الحديث يمكنه تحديد ذلك فنرجع إليه، ولا حاجة لهذه الأشياء.
وقوله: «والشم» وأصله في الدماغ، وطريقه الأنف، فإذا جنى عليه حتى أذهب شمه، فعليه دية كاملة، وإذا ادعى المجني عليه أنه قد ذهب شمه وأنكر الجاني، فقال العلماء: يُؤتى له بأخبث رائحة وتوضع عنده، فإن اقشعرَّ منها علمنا أنه يشم، وإلا فلا.
وقوله: «والذوق» إذا جنى عليه فأذهب ذوقه ففيه الدية كاملة؛ لأن الذوق نعمة من الله ـ عزّ وجل ـ فالإنسان يتلذذ بالطعام، أو الشراب قبل أن ينتفع به من الناحية الجسمية.
وإذا ادعى المجني عليه أن ذوقه قد ذهب وأنكر الجاني فإنه يُختبر بالأشياء التي لا يمكن أن يصبر عنها لو كان ذوقه باقياً.
فإذا جنى عليه فأذهب حاسة اللمس من يده فصارت لا تحس بالخشن واللين فعليه دية اليد، حتى لو كانت تتحرك، فهناك فرق بين زوال اللمس والشلل، فزوال اللمس في الجلد، والشلل في الأعصاب.
وقال بعض العلماء: إن جنى على عضو فأذهب إحساسه فعليه حكومة؛ لأنه فرق بين الشلل واللمس، اللمس يستطيع أن يحرك يده، ويأخذ ويعطي بها، لكنه ما يحس، والشلل لا يحركها فَقَدْ فَقَدَ منفعتها بالكلية.
وأما إذا جنى عليه فأذهب لمسه من جميع بدنه، وصار جميع بدنه ليس له لمس فعليه الدية كاملة؛ لأنه أفقد البدن نفعاً مستقلاً، بخلاف ما إذا أذهب لمس شيء معين من البدن، فإن فيه حكومة، وهذا ـ والله أعلم ـ هو السر في أن المؤلف لم يذكره، وهو أن فيه هذا الخلاف، وهذا التفصيل.
والأقرب عندي أن يقال: إن أذهب لَمْسَه بالكلية من جميع البدن فعليه الدية كاملة، وإلاّ فعليه حكومة، ولا يصح أن يقاس إذهاب اللمس على الشلل، لأن بينهما فرقاً عظيماً.
قوله: «وكذا في الكلام» الكلام إذا أذهبه بالكلية حتى صار أخرسَ فعليه دية كاملة، وأمّا إن أذهب بعض الحروف ففيه قسطه من الدية، فتقسم على ثمانية وعشرين حرفاً، فإذا أذهب الراء مثلاً فيجب عليه قسطه من الدية، وإن أذهب حرفين فبقسطهما وهكذا، فإن أذهب أربعة عشر حرفاً فنصف الدية.
وأما إذا لم يُذهب الحروف، ولكنه صار يتأتِئُ أو يفأفِئُ، فالواجب حكومة؛ لأن تقدير هذا بالنسبة للدية صعب، ولا يمكن الإحاطة به فعليه حكومة.
قوله: «والعقل» أي: إذا جنى عليه حتى أذهب عقله فعليه دية كاملة، وهذا أشد شيء، فإذا ادعى المجني عليه زوال عقله، وأنكر الجاني فإن المجني عليه يُراقَب.
وأما إذا فقد الذاكرة فالظاهر أن عليه دية كاملة.
فإذا نقص عقله، بأن كان من قبل مِن أذكى الناس، ثم خفَّ ذكاؤه ففيه حكومة.
قوله: «ومنفعة المشي» أي: لو جني عليه حتى أذهب منفعة مشيه، كأن شُلَّت رجلاه فأصبح لا يمشي، وهذا يقع كثيراً كما لو ضرب صلبه مثلاً، وفصل المخ حتى صار لا يتصل بالأسفل فعليه دية كاملة؛ لأنه أذهب منفعة لا نظير لها في الجسم.
قوله: «والأكل» إذا أذهب منفعة الأكل فعليه دية كاملة، وهي ذات شُعَب، فقد يذهب اشتهاؤه الأكل، أو صار يأكل ولكنه لا ينتفع بالأكل، أو صار يأكل ولكنه لا يهضم، فيبقى الطعام في معدته لا ينزل أبداً، ففي هذه الأحوال دية كاملة؛ لأن الأكل ينتفع به في مذاقه، وفي اشتهائه، وفي هضمه، وفي منفعة الجسم به، فإن أفقده أكل بعض المأكولات كمرض السكري مثلاً، فهذا فيه حكومة.
قوله: «والنكاح» أي: جني عليه حتى صار لا يشتهي النساء، أو يشتهي ولكنه لا يستطيع الجماع، كأن يصير عنيناً، أو يجامع ولكن لا ينزل، أو ينزل ولكنه لا يلقح، فإذا أفسد واحدة من هذه الأربع ففيه الدية كاملة.
قوله: «وعدم استمساك البول» فإذا جنى عليه حتى صار لا يستطيع إمساك البول فعليه دية كاملة؛ لأنه أتلف منه منفعة ليس في جسمه منها إلا شيء واحد.
قوله: «أو الغائط» أي: لا يستمسك الغائط، كأن يضربه على صلبه ويرتخي، فلا يستطيع إمساك الغائط، فعليه دية كاملة، وكذلك إذا جنى عليه حتى صار لا يمسك الريح فعليه دية كاملة.
وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الشُّعُورِ الأَرْبَعَةِ الدِّيَةُ، وَهِيَ شَعْرُ الرَّأْسِ، وَاللِّحْيَةِ، وَالْحَاجِبَيْنِ، وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ فَإِنْ عَادَ فَنَبَتَ سَقَطَ مُوجَبُهُ، وَفِي عَيْنِ الأَْعْوَرِ الدِّيَةُ كَامِلَةً،
........
قوله: «وفي كل واحد من الشعور الأربعة الدية، وهي شعر الرأس، واللحية، والحاجبين، وأهداب العينين» فقوله: «شعر الرأس» أي: إذا جنى على شخص جناية حتى أذهب شعر رأسه وصار لا ينبت فإن فيه الدية كاملة؛ لأن شعر الرأس لا شك أنه جمال ووقاية، وفي فقده عيب وقذر عند الناس، ففيه ثلاثة أمور: الجمال، والوقاية، وأن فقده عيب وقذر عند الناس، ولهذا في قصة الثلاثة الذين ابتلوا، كان أحدهم أقرع يقذره الناس 1.
وقوله: «واللحية» فإذا جنى عليه جناية حتى صارت لحيته لا تنبت فعليه دية كاملة، حتى لو كان هذا المجني عليه ممن اعتاد حلق لحيته، فظاهر كلام المؤلف أنَّ له الدية؛ وذلك لأنه أذهب شيئاً ليس في الإنسان منه إلا واحد، وأيضاً فيها جمال، فإن جمال الرجل باللحية أمر ظاهر.
وقوله: «والحاجبين» وهما العظمان الناتئان فوق العينين، وفي شعرهما الدية كاملة، وفي الواحد نصف الدية، والحاجبان من نعم الله على الإنسان؛ لأنهما يحميان العين من نزول ما يضرها من ناحية الجبهة من عرق أو غيره، وأيضاً يظللانها من أشعة الشمس، ولهما فوائد أكثر من هذا.
وقوله: «وأهداب العينين» ففيها الدية كاملة، وفي الواحد ربع الدية، ولو جنى عليه حتى أذهب شعر شاربه فما الذي عليه؟ عليه حكومة، والعنفقة فيها حكومة؛ لأنها ليست من اللحية، وأما شعر الإبطين فإنه يُنظر، فإذا قال الأطباء: إن وجود هذا الشعر خير وأن إزالته بالنتف فيه مصلحة للبدن، فإن هذا المجني عليه يعطى حكومة، وإن قالوا: هذا إحسان إليه فلا شيء في إزالته، وشعر العانة كالإبط، فيقال فيه ما قيل في شعر الإبط.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن هذه الشعور الأربعة لا تجب فيها الدية، وقالوا: إنه لا منفعة منها إلا الجمال، فهي كاليد الشلاء، والعين القائمة، وعلى هذا ففيها حكومة، كما لو جنى عليه فخدش وجهه حتى ذهب جماله ففيه حكومة، وهذا رواية عن الإمام أحمد، ومذهب الشافعي، ومالك رحمهم الله.
ولكن المشهور من المذهب أنه يجب فيها الدية، بخلاف الشعور الأخرى فإنه يجب فيها حكومة، والظاهر أن المذهب أصح، لا سيما شعر الرأس واللحية.
قوله: «فإن عاد فنبت سقط موجَبه» «موجَبه» بفتح الجيم وهذا متعين؛ لأن موجِب الشيء ما كان سبباً لوجوبه، وموجَب الشيء ما وجب بسببه، فبينهما فرق، ونظير ذلك المقتضي والمقتضى، فمقتضي الشيء ما كان سبباً لوجوده، ومقتضاه ما وجد بسببه.
وقوله: «فإن عاد فنبت سقط موجبه» فإن كان هذا الرجل قد
سلَّم الدية، مثل أن يجني عليه حتى ذهب شعر رأسه، وأعطاه الدية، مائة بعير، ثم بعد ذلك نبت، فإن المجني عليه يردّ الدية على الجاني.
فإن مات قبل أن يرجع ثبتت الدية، فإن طالب المجني عليه بالدية، وقال الجاني: انتظر ربما يرجع الشعر، يُرجع إلى أهل الخبرة، فيمهل مدةً يُعلم أن الشعر إن لم يُنبت فيها فليس بنابت.
والحاصل أنَّ عندنا حالات:
أولاً: إذا نبت الشعر ولو بعد مدة يسقط موجَبه، فإن كان المجني عليه قد قبض الدية فإنه يردها.
ثانياً: إذا مات قبل أن ينبت، استقر وجوب الدية.
ثالثاً: إذا طالب الجاني بالإمهال، فإنه يرجع إلى أهل الخبرة، فإن قالوا: إن هذه الجناية لا يمكن أن يرجع معها الشعر أبداً ثبت الموجَب، وإن قالوا: يمكن في خلال ستة أشهر، أُنْظِرَ ستة أشهر، حسب ما يقرِّره أهل الخبرة.
فإن قلع سنه، وقال الجاني: ننتظر ربما يعود، نقول: إن كان سن اللبن، فإنه يعود، وينتظر، وإن كان غيره فإنه لا ينتظر؛ لأن الأصل عدم نباته.
وَإِنْ قَلَعَ الأَْعْوَرُ عَيْنَ الصَّحِيحِ المُمَاثِلَةَ لِعَيْنِهِ الصَّحِيحَةِ عَمْداً فَعَلَيْهِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَلاَ قِصَاصَ. وَفِي قَطْعِ يَدِ الأَْقْطَعِ نِصْفُ الدِّيَةِ كَغَيْرِهِ.
قوله: «وفي عين الأعور الدية كاملة» لماذا جعل دية كاملة وهي عين واحدة؛ قالوا: من أجل إذهاب المنفعة؛ لأن الأعور ينظر بالواحدة نَظَره بالثنتين، وإن كان نظره قاصراً؛ لأن الذي ينظر بالثنتين ينظر من كل الجوانب، والذي ينظر بعين واحدة ينظر من جانب واحد.
فلو أن إنساناً فقع عين أعور حتى فقد بصره فعليه دية كاملة؛ لأنه أفقده منفعة البصر، صحيح أن العين الواحدة ليست فيها إلاَّ نصف الدية، ولكن هذا ليس من أجل أنها عين واحدة، ولكن من أجل أنه أفقده منفعة البصر فوجبت الدية كاملة، وهذا القول هو الصحيح، وإن كان بعض العلماء أخذ بالعموم، وأن في العين الواحدة نصف الدية، وكونه أفقده البصر كله هذا تابع للعين.
مسألة: لو أن رجلاً لا يسمع إلا من جانب واحد فجني عليه حتى ذهب السمع كله، فما الواجب؟
المذهب يقولون: عليه نصف الدية، ولكن عند التأمل تجد أنه لا فرق بين هذه المسألة وبين عين الأعور.
فإن قالوا: الفرق أن الذي يسمع من أذن واحدة إذا كنت تتكلم بجانبه لا يسمعك، ولهذا إذا أراد أن يسمع منك يلوي عنقه، أو يقول: تعال من الجانب الآخر، وهذا بخلاف الأعور.
والجواب: أن نقول: وكذلك الأعور لو يأتي أحد عن يساره، وعينه اليسرى لا تبصر فإنه لا يشعر به، إذاً لا فرق بين المسألتين.
واستدل بعض أهل العلم لذلك بأن من نظر من خَصاص البيت فإنها تفقأ عينه بدون إنذار، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيحين أن رجلاً اطلع في حجر في باب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومع رسول الله مِدرىً يحك به رأسه، فلما رآه صلّى الله عليه وسلّم قال: «لو أعلم أنك تنتظرني لطعنت به في عينك» 1.
وكذلك قال العلماء: إذا تسمَّعَ فلك أن تطعن أُذُنه، وهذه المسألة خلافية؛ لأن النص إنما ورد في العين، ولكن ما دمنا ألحقنا السمع بالبصر في مسألة الذي ينظر من خصاص البيت، فإننا نقول: إذن نلحق السمع في مسألة الدية بالبصر.
فالقول بأنه إذا أذهب سمعه من جانب واحد يلزمه دية كاملة لا شك أنه هو القياس والعدل، ولا فرق بينه وبين البصر.
قوله: «وإن قلع الأعور عين الصحيح المماثلة لعينه الصحيحة عمداً فعليه دية كاملة ولا قصاص» رجل عنده العين اليمنى سليمة، والعين اليسرى عوراء، فقلع من رجلٍ صحيح العينين عينه اليمنى، فلو قلعنا عين الأعور صار أعمى، مع أن هذا الأعور لما قلع عين الصحيح صار أعور لا أعمى، فلا قصاص على هذا الرجل الأعور، مع أن ظاهر القرآن ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] القصاص، وإذا تلف بصر هذا الأعور فهو الذي جنى على نفسه وتعمد، فلماذا لم يَتَعمد أن يفقأ عينه اليسرى لأجل أن تبقى عينه؟!
قالوا: نعم، الله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾، والباء تدل على العوض، وعين هذا قيمتها ليست كقيمة عين
الأعور، فعين الأعور أغلى فهو أفضل منه، وزيادة على كونها عيناً فهي محتفظة بالبصر كله، ولهذا لا يمكن أن تتحقق المماثلة حتى يثبت القصاص.
وقال بعضهم: إنه لا قصاص، وعليه نصف الدية، وهؤلاء اعتبروا عين المجني عليه، وقالوا: المجني عليه لم يذهب منه إلاّ نصف البصر فله نصف الدية، فالأقوال إذاً ثلاثة:
الأول: القصاص.
الثاني: لا قصاص، وعليه الدية كاملة.
الثالث: لا قصاص، وعليه نصف الدية اعتباراً بحال المجني عليه، فإنه لم يفت في حقه إلا نصف البصر، فكيف نوجب عليه دية كاملة؟!
وحُجّة المذهب أنه مروي عن عمر، وعثمان رضي الله عنهما 1، ولا يعرف لهما مخالف، ولأننا أسقطنا عنه القصاص لمصلحته وأبقينا له حاسة كاملة، فلزمه ديةٌ كاملة.
مسألة: إذا قلع الصحيح عين الأعور الصحيحة فعليه الدية كاملة، وإن كان عمداً فعليه القصاص، وهل يُلزَم الجاني مع القصاص بأن يدفع نصف الدية؟ المذهب أنه يلزم بذلك؛ لأنه أفقده حاسة كاملة، وهي البصر.
والقول الثاني: أنه لا يلزم بنصف الدية؛ لأنها عين بعين كما قال تعالى، وكون الصحيح تبقى له عين ثانية فهذا ليس من
جهة المجني عليه، وهذه المسألة تحتاج إلى تأمل ونظر؛ لأن كلا القولين قوي.
ولو قلع الأعور عين الصحيح التي لا تماثل عينه، فلا يقتص منه؛ لعدم المماثلة.
قوله: «وفي قطع يد الأقطع نصف الدية كغيره» الأقطع الذي ليس له إلاّ يد واحدة، فجاء إنسان وقطع اليد الأخرى فعليه نصف الدية فقط، والفرق بينه وبين العين أنه في العين أذهب البصر كلّه، أما اليد التي بقيت فإنه لا ينتفع بها إلا نصف انتفاع، ولهذا من أمثلة العامة «اليد الواحدة لا تصفق»، فلما كانت نصف المنفعة مفقودة في الأول صار الواجب نصف الدية.
وقوله: «كغيره» أي: كغير الأقطع، فإن غير الأقطع ليس في يده إلاّ نصف الدية.
مسألة: أقطع الرِّجْل، ما الحكم فيمن قطع رِجْله الثانية؟
كلام المؤلف يدل على أنه ليس له إلاّ نصف الدية؛ لأنه لمَّا قطعت رجله الأولى زال عنه نصف المشي، ففُقد من المنفعة نصفها، فليس من له إلاّ رِجْل واحدة كمن له رجلان.
فإن قيل: الأقطع كان يمشي على عصا، أما بعد الجناية فلا يستطيع المشي مطلقاً؟ الجواب: هذا صحيح، لكن الجاني لم يُذهب إلاّ نصف المنفعة فقط، فعليه نصف الدية فقط.
بَابُ الشِّجَاجِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ
الشَّجَّةُ: الْجُرْحُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ خَاصَّةً، وَهِيَ عَشْرٌ: الْحَارِصَةُ الَّتِي تَحْرِصُ الْجِلْدَ، أَيْ: تَشُقُّهُ قَليلاً وَلاَ تُدْمِيهِ، ثُمَّ الْبَازِلَةُ الدَّامِيَةُ الدَّامِعَةُ وَهِيَ الَّتِي يَسِيلُ مِنْهَا الدَّمُ، ثُمَّ الْبَاضِعَةُ وَهِيَ الَّتِي تَبْضَعُ اللَّحْمَ، ثُمَّ الْمُتَلاَحِمَةُ وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي اللَّحْمِ، ثُمَّ السِّمْحَاقُ وَهِيَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَظْمِ قِ
شْرَةٌ رَقِيقَةٌ، فَهذِهِ الْخَمْسُ لاَ مُقَدَّرَ فِيهَا، بَلْ حُكُومَةٌ، .....
قوله: «الشجاج»: جمع شجة، و «كسر العظام» معروف.
قوله: «الشجة الجرح في الرأس والوجه خاصة» هذا هو تعريف الشجة، وإنما يتلقى معناها ومدلولها من العرب، والعرب لا يسمون شجة ما كان جرحاً في ساق، أو فخذ، أو صدر وغيره.
والشجة عند العرب مراتب، بدأ المؤلف فيها بالأسهل فالأسهل، فقال: «وهي عشر: الحارصة التي تحرص الجلد، أي: تشقه قليلاً ولا تدميه»، فهي سهلة جداً كحكة الظفر.
قوله: «ثم البازلة الدامية الدامعة وهي التي يسيل منها الدم» «البازلة» من البزل وهو الشق، ومنه البزول التي يفعلونها في النخيل، فيشققون في النخيل شقاً لأجل أن يتسرب عنه الماء المالح، فالبازلة سميت دامية؛ لأنه ظهر منها الدم.
وسميت دامعة؛ لأنه يسيل منها الدم تشبيهاً بدمع العين، حتى لو كان الدم قليلاً كنطفة فهي بازلة ما دام أن الدم قد سال.
قوله: «ثم الباضعة وهي التي تبضع اللحم» أي: تجاوزت الجلد إلى اللحم وبضعته، أي: شقته.
قوله: «ثم المتلاحمة وهي الغائصة في اللحم» سميت بذلك لغوصها في اللحم، فكأنها صارت جزءاً منه.
قوله: «ثم السمحاق وهي ما بينها وبين العظم قشرة رقيقة» السمحاق أصلها القشرة التي بين اللحم والعظم، وهي القشرة البيضاء، فسميت الشجة باسم هذه القشرة؛ لأنها وصلت إليها.
وهذه الشجاج يرجع فيها إلى أهل الخبرة، وأهل الخبرة عندهم مسبار، وهي آلة يسبرون بها مقدار الجرح ويعرفونه تماماً.
قوله: «فهذه الخمس لا مقدّر فيها بل حكومة» أي: ليس فيها شيء مقدر من الدية، بل فيها حكومة، فإذا طالب المجني عليه بدية، فليس له إلا حكومة.
والحكومة: أن نقدر هذا الذي جُني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم نقدره كأنه عبد بريء منها، فما بين القيمتين له مثل نسبته من الدية.
فإذ قدّرنا أن قيمته عشرة الآف ريال لو كان عبداً بدون جناية، وهو بالجناية وقد برئت يساوي تسعة الآف وخمسمائة، فديته نصف العشر ـ أي: خمس من الإبل ـ فيكون في الجناية خمس من الإبل.
ولكنهم يقولون: إنه إذا كانت في موضع له مقدَّر فإنه لا يبلغ بها المقدر، وهنا في موضع له مقدر؛ لأن غالب الشجاج فيها شيء مقدر، وعلى هذا فإذا قالوا: إنَّ الحكومة تبلغ خمساً من الإبل نقول: لا نعطيه خمساً من الإبل، لأن في الموضحة وهي أعظم من هذه خمساً من الإبل، ولكن نعطيه خمساً من الإبل إلا قليلاً.
وَفِي الْمُوضِحَةِ وَهِيَ مَا تُوضِحُ اللَّحْمَ وَتُبْرِزُهُ خَمْسَةُ أَبْعِرَةٍ، ثُمَّ الْهَاشِمَةُ وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتُهْشِمُهُ وَفِيهَا عَشَرَةُ أَبْعِرَةٍ، ثُمَّ الْمُنْقِلَةُ وَهِيَ مَا تُوضِحُ الْعَظْمَ وَتَهْشِمُهُ وَتَنْقُلُ عِظَامَهَا، وَفِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الإِْبِلِ، وَفِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْمَأْمُومَةِ وَالدَّامِغَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ،
قوله: «وفي الموضحة وهي ما توضح اللحم وتبرزه» هكذا قال المؤلف ـ رحمه الله ـ، لكن قال في الروض 1: «الصواب العظم»، لكن يقولون: إن النقل أمانة، فانقل الكتاب على ما هو عليه، لا سيما إذا كان بخط المؤلف، ثم تعقبه إذا كان فيه شيء من الخطأ.
فهنا نقول: هي بخط المؤلف «ما توضح اللحم» وهو خطأ بلا شك، فلعلّه سبق قلمٍ من المؤلف، والصواب أنها توضح العظم.
وسميت بهذا الاسم؛ لأنها أوضحته وبيَّنته، فالموضحة وصف لموصوف محذوف، والتقدير شجة موضحة للعظم.
قوله: «خمسة أبعرة» جناية الموضحة إذا كانت خطأ فله خمسة أبعرة، واحدة لها سنة، والثانية سنتان، والثالثة ثلاث سنوات، والرابعة أربع سنوات، والخامسة ذكر من بني مخاض له سنة.
وإذا كانت الجناية شبه عمد أو عمداً ولم يختر القصاص فتكون أرباعاً، ونجعل الخامسة من الوسط.
قوله: «ثم الهاشمة وهي التي توضح العظم وتهشمه وفيها عشرة أبعرة» اشترط المؤلف شرطين، وهما إيضاح العظم وهشمه، فإن هشمته بدون إيضاح فحكومة، ولا تكون هاشمة؛ لأن الهاشمة لا بد أن توضح العظم وتهشمه، وفيها عشرة أبعرة.
قوله: «ثم المنقلة وهي ما توضح العظم، وتهشمه، وتنقل عظامها، وفيها خمس عشرة من الإبل» هذه أشد من التي قبلها، وفيها خمسة عشر من الإبل، وكل هذه ورد فيها النص عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 1.
قوله: «وفي كل واحدة من المأمومة والدامغة ثلث الدية» المأمومة: هي التي توضح وتهشم وتكسر العظام، وتنقلها وتصل إلى أم الدماغ، وأم الدماغ هي الوعاء الذي فيه المخ، فيها ثلث الدية كما صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث قال: «في المأمومة ثلث الدية» 2.
وقوله: «والدامغة» وهي التي تخرق جلدة الدماغ، وهي أشد من المأمومة وفيها ثلث الدية.
وقال بعض العلماء: في الدامغة ثلث الدية وأرش؛ لأنها أعظم من المأمومة، فإذا كانت أعظم فيجب أن تكون أكثر.
والمذهب يقولون: إن هذه مثل ما لو قطع الكف، أو الكف والمرفق، فإذا قطع الكف ففيه نصف الدية، وإذا قطعه مع المرفق فكذلك نصف الدية، فإذا وصل إلى أم الدماغ وهي أعظم الشجاج استوى ما خرق الدماغ وما لم يخرقه، والذين يقولون بالأرش قالوا بالتفريق، وأما القياس على اليد ففيه نظر؛ لأن اليد عضو واحد، فهي يد سواء قطعتها من الكتف، أو من المرفق، أو من العضد، وأما الدامغة فهي أكثر خطراً من المأمومة التي تصل إلى أم الدماغ ولا تخرقه، فلا يمكن أن نسوي بين مختلفين، وهذا القول قوي جداً، وهو أنه إذا خرقت الدماغ فيعطى المأمومة والأرش.
وأيضاً يقولون: نحن لدينا نص يفرق بين هذه الشجاج، فالهاشمة ليست كالمنقلة، مع أن الموضع واحد، والهاشمة ليست كالموضحة فبينها فرق، وإذا كان الشرع فرَّق بينهما والمحلّ واحد عُلِمَ أنه لا بدّ من التفريق، ولذلك فالقول الراجح في المسألة أن الدامغة تجب فيها ثلث الدية مع الأرش.
ولكن يبقى عندنا الحق العام وهو التعدي، فهو لولي الأمر يعزره إن شاء لتعديه.
وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلى بَاطِنِ الْجَوْفِ، وَفِي الضِّلَعِ وَكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ التَّرْقُوَتَيْنِ بَعِيرٌ، وَفِي كَسْرِ الذِّرَاعِ وَهُوَ السَّاعِدُ الْجَامِعُ لِعَظْمَيِ الزِّنْدِ، وَالْعَضُدِ، وَالْفَخِذِ وَالسَّاقِ إِذَا جَبَرَ ذلِكَ مُسْتَقِيماً بَعِيرَانِ،
.......... قوله: «وفي الجائفة ثلث الدية، وهي التي تصل إلى باطن الجوف» كل ما لا يرى من المجوف فهو جوف، كالبطن،
والصدر، وما بين الأنثيين، والحلق، وما أشبهها، وفيها ثلث الدية، وكل هذه المقادير التي نذكرها ما لم تصل إلى الموت، فإن مات المجني عليه ففيها دية كاملة؛ لأن سراية الجناية مضمونة.
قوله: «وفي الضّلع وكل واحدةٍ من الترقوتين بعير» الضِّلع فيه بعير من جنس أسنان الدية السابقة.
وقوله: «الترقوتين» وهما العظمان المحيطان بالعُنُق، وفي كل ترقوة بعير، وفي الثنتين بعيران.
قوله: «وفي كسر الذراع وهو الساعد الجامع لعظمي الزند» الذراع فيه بعيران.
وقوله: «وهو الساعد الجامع لعظمي الزند» كل يد فيها زندان، أحدهما متصل بالكوع، والثاني بالكرسوع، قال الناظم:
وعظم يلي الإبهام كُوع وما يلي
لخنصره الكرسوع والرُّسغ ما وسط
وعظم يلي إبهام رِجْلٍ ملقب
ببُوع فخُذ بالعلم واحذر من الغلط
ومراد المؤلف بقوله: «وفي كسر الذراع» إذا كسر ولم ينفصل، أما إذا انفصل ففيه دية اليد كاملة، أي: نصف الدية.
قوله: «والعضُد» معطوفة على الذراع، وليس معطوفاً على الزند، وهو العظم الذي بين الكتف والمِرفق، وفيه بعيران.
قوله: «والفخذ» وهو ما بين الركبة والورك، فإذا كسره ففيه بعيران.
قوله: «والساق» أي: أن في الساق بعيرين، وهذا له شرط وهو ما ذكره المؤلف بقوله:
«إذا جبر ذلك مستقيماً بعيران» فإن جبر غير مستقيم ففيه حكومة.
فمثلاً: لو جبر الساق معوجّاً، أو العضد، أو الذراع، أو الزند أو ما أشبه ذلك ففيه حكومة، ولا بد أن ترجع حركة العضو على ما كانت عليه، فإن نقصت ففيه حكومة.
فمثلاً بعد أن كسر انشلَّت يده بعض الشيء، فإن فيه حكومة، وإن جبر مستقيماً؛ لأنه فوَّته بعض المنفعة.
وأما الأدلة على ما سبق، فالضلع والترقوة والزند فيها آثار عن الصحابة رضي الله عنهم 1، وأما البقية فإنها بالقياس، فالترقوة والضلع جنس واحد تقريباً؛ لأنهما في الصدر، وأما الذراع فإنه قد ورد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أثر أن في الزند الواحد بعيرين 2، وفي كل يد زندان، ففي الزندين أربعة أبعرة، فإذا كان الزند إذا كسر فيه بعيران، فالذراع من باب أولى؛ لأن الذراع جامع لهما، وإذا كان الذراع فيه بعيران، فالساق من باب أولى، وإذا كان الساق فيه بعيران، فالفخذ من باب أولى، ولهذا فقهاؤنا ـ رحمهم الله ـ قاسوا هذه المسألة بعضها على بعض،
وقالوا: الآثار وردت في ثلاثة، وقيس الباقي عليه؛ لأنه مثله، أو أولى منه.
وقال بعض فقهائنا: إنه لا تقدير إلا فيما ورد به الأثر؛ أي: الضلع، والترقوة، والزند، والباقي حكومة.
وذهب أكثر أهل العلم: إلى أن الجميع فيه حكومة، وحملوا ما ورد عن عمر في ذلك على أنه من باب التقويم، وإذا كان من باب التقويم صار حكومة، وقالوا: إن الحكومة أقرب إلى العدل، ما دامت المسألة ليس فيها نص من الشارع يجب العمل به، فإنه ليس كسر الزند الواحد ككسر الذراع، والزند الواحد فيه بعيران، والزندان فيهما أربعة، فإذا كان الفرعان فيهما أربعة أبعرة، فكيف لا يكون الأصل وهو الذراع فيه أربعة أبعرة؟! أو العضد أيضاً؟! ولهذا فالقول بالحكومة في هذه الأعضاء أقرب إلى العدل، وحمل ما ورد عن أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ على أنه من باب التقويم له وجه، فربما رأى عمر أن الحكومة تساوي بعيرين في ذلك الوقت، فقال: فيه بعيران.
ثم على فرض أنه ليس تقويماً، وأنه توقيف فإن هذا الفعل من عمر ـ رضي الله عنه ـ يدل على أن له أصلاً في السنة، فيقتصر على ما ورد به النص، ويبقى الباقي على أنه حكومة، وأما أن نقول: إن كسر الفخذ ككسر واحد من الزندين، ليس فيه إلا بعيران، فالمسألة فيها نظر ظاهر.
والراجح عندي في هذه المسألة أن نقول: إن فيها حكومة في الجميع، ويحمل ما ورد عن عمر على أنه من باب التقويم،
وما دام الأمر فيه احتمال أن يكون هذا من عمر ـ رضي الله عنه ـ على سبيل التوقيف، أو على سبيل التقويم، فالأصل عدم الإلزام بهذا التقدير حتى يثبت أنه تشريع، وليس تقويماً، ثم إذا تنازلنا، نقول: نجري ما جاء به النص عن أمير المؤمنين ـ رضي الله عنه ـ، والباقي يكون حكومة، وقد فسرها المؤلف بقوله:
وَمَا عَدَا ذلِكَ مِنَ الْجِرَاحِ وَكَسْرِ الْعِظَامِ فَفِيهِ حُكُومَةٌ، وَالْحُكُومَةُ: أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ كَأَنَّهُ عَبْدٌ لاَ جِنَايَةَ بِهِ، ثُمَّ يُقَوَّمَ وَهِيَ بِهِ قَدْ بَرِئَتْ، فَمَا نَقَصَ مِنَ الْقِيمَةِ فَلَهُ مِثْلُ نِسْبَتِهِ مِنَ الدِّيَةِ.
«والحكومة: أن يُقوَّم المجني عليه كأنه عبد لا جناية به، ثم يقوم وهي به قد برئت، فما نقص من القيمة فله مثل نسبته من الدية» فقوله: «أن يقوَّم» أي: تقدَّر قيمته، ومصدر قَوَّمَ تقويم، وبهذا نعرف الخطأ الشائع عند الناس، يقولون: تقييم، مأخوذ من القيمة، فيقال لهم: أصل القيمة القيومة، ولكن حوِّلت «الواو» إلى «ياء» لعلة تصريفية، وعلى هذا نقول: مصدر قوَّم تقويم.
وقوله: «لا جناية به» أي: أنه سليم، و «الباء» هنا بمعنى «في».
وقوله: «ثم يقوم وهي به» الواو هنا للحال، والحال أن الجناية به، ولكن بشرط، وهو قوله: «قد برئت» وبهذا نعرف أن التقويم لا يكون إلا بعد البرء.
وهل يلزم من هذا التقويم أن ننادي عليه في السوق،
ونقول: من يسوم هذا العبد؟ لا، بل يسأل أهل الخبرة، فإن لم يوجد أهل خبرة نأتِ باثنين، أو ثلاثة ممن يوثق بهم، ونقول لهم: قدِّروه لنا.
كَأَنَّ قِيمَتَهُ عَبْداً سَلِيماً سِتُّونَ، وَقِيمَتَهُ بِالْجِنَايَةِ خَمْسُونَ، فَفِيهِ سُدُسُ دِيَتِهِ، إِلاَّ أَنْ تَكُونَ الْحُكُومَةُ فِي مَحَلٍّ لَهُ مُقَدَّرٌ فَلاَ يُبْلَغُ بِهَا الْمُقَدَّرُ.
قوله: «كأن قيمته عبداً سليماً ستون وقيمته بالجناية خمسون، ففيه سدس ديته».
قوله: «كأن» في نسخة أخرى «فإن كان».
وقوله: «عبداً» حال مؤولة أي: مملوكاً، وهي مثل قولهم: بعه مداً.
مثاله: رجل جُني عليه جناية غير مقدَّرة شرعاً، ففيها حكومة، فنقول: قوِّموا هذا الرجل عبداً سليماً، وقوموه عبداً قد جُني عليه وبرئت جنايته، وما بين القيمتين هو ديته، فيعطى مثل نسبته من الدية، فلو قدّرنا هذا الرجل عبداً سليماً قيمته ستون ألفاً، ثم قدرناه عبداً قد جُني عليه بجناية برئت بخمسين ألفاً، فالفرق بينهما عشرة من ستين، أي: السدس، فيُعطى سدس الدية، ولو قدِّر أن قيمته عبداً سليماً مائة، وقيمته بالجناية خمسون، فنصف الدية، وهكذا.
قوله: «إلا أن تكون الحكومة في محل له مقدَّر فلا يبلغ بها المقدَّر» مثال ذلك: السمحاق ليس فيها مقدَّر، والواجب فيها حكومة، فإذا قدرناها بالحكومة فكانت تستوعب عشرة من الإبل،
فلا نُعطيه عشرة من الإبل؛ لأن الموضحة وهي أعظم منها قدَّرها الشرع بخمسة، فلا نزيد على الشرع بل نعطيه خمسة إلا قليلاً؛ لأننا لسنا أحكم من الشرع، وإذا كنا كذلك فإن ما حدده الشرع لا يبلغ به ما كان من جنسه.
ونظير ذلك لو أن رجلاً خلا بامرأة ونام معها، واستمتع معها ما بين الفخذين، كل الليل، ثم أردنا أن نعاقبه فلا نجلده مائة جلدة؛ لأننا إذا جلدناه مائة جلدة بلغنا الحد، وهذا الفعل أقل مما يوجب الحد، فلا نعزِّره بتعزير يبلغ الحد؛ لأنه يلزم من ذلك أن يكون عملنا أحكم من عمل الشرع.
وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يجوز أن نبلغ المقدر، أو أكثر في هذه المسألة، قال: لأن ما ورد به الشرع لا يمكننا مجاوزته لورود الشرع به، وما لم يقدره الشرع فقد جعل تقديره إلينا، وإذا جعل تقديره إلينا، فالواجب أن نتبع ما حصل فيه من نقص، فالشرع لمَّا سكت عنه فمعناه أنه يريد أن يكون الأمر إلينا، ونحن نقدر الأمر وننظر فيه.
ولكن المشهور من المذهب أنه إذا كانت في موضع له مقدر فلا يبلغ بها المقدر.