كتاب البيع
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قوله: «أو سفينة» أي: وجد سفينة تحمل الناس فدخل فيها بدون أن يتفق مع الملاح، أي: مع قائد السفينة، فهذا يجوز وعليه أجرة العادة، وسيارة الأجرة كذلك إذا ركب ثم وصل إلى المحطة وقال له صاحب السيارة: عليك ـ مثلاً ـ عشرة ريالات، إن قال: العشرة كثيرة وما أعطيك إلا خمسة، فهل يُلزم بالعشرة؟ نعم، يلزم ما دامت العادة عشرة فإنه يلزم بالعشرة.
قوله: «أو أعطى ثوبه قصَّاراً» القصَّار: هو الغسَّال، أعطاه الثوب ليغسله، فغسله الغسَّال وعند تسليمه طلب مبلغاً من المال مع أن صاحب الثوب لم يعلم به، فيقال: يلزمه أجرة العادة وإن لم يتعاقدا عليها؛ لأن هذا معلوم بين الناس.
قوله: «أو خياطاً بلا عقدٍ صح بأجرة العادة» كذلك لو أعطى ثوبه خياطاً يخيطه، ولما انتهى قال له الخياط: الأجرة كذا وكذا فهذا يصح ولو بلا عقد.
وفُهم من قول المؤلف ـ رحمه الله ـ «قصاراً أو خياطاً» أنه لا بد أن يكون معداً نفسه للعمل، فإن لم يكن معداً نفسه للعمل فلا شيء له إلا بشرط، مثل أن يعطي شخص ثوبه لإنسان، فقال: خذه اغسله لي، فلما غسله قال له: الأجرة كذا وكذا، فلا يلزم صاحب الثوب أجرة؛ لأن الآخذ الذي غسله ليس معداً نفسه لذلك، والمؤلف يقول: «قصاراً» فلا يلزمه شيء.
فإذا تخاصم الرجلان فإننا نقول للقصار: لماذا لم تشترط لنفسك؟ هو يظن أنك محسن، والعقد لا بد له من قرينة إما لفظية
بالإيجاب والقبول، وإما فعلية بالمعاطاة فيما اشتهر بذلك، وكذلك يقال في الخياط والحلاق، كل هؤلاء الذين أعدوا أنفسهم للعمل، فإنه يجوز الدخول معهم فيما أعدوا أنفسهم له بدون عقد، وعلى الداخل أجرة العادة.
الثَّالِثُ: الإِبَاحَةُ فِي العَيْنِ، فَلاَ تَصِحُّ عَلَى نَفْعٍ مُحَرَّمٍ، كَالزِّنَا، وَالزَّمْرِ، وَالغِنَاءِ، وَجَعْلِ دَارِهِ كَنِيسَةً، أَوْ لِبَيْعِ الخَمْرِ.
قوله: «الثالث الإباحة في العين» أي الشرط الثالث الإباحة في العين أي: في نفعها، وإنما قلنا ذلك؛ لأن الباب باب الإجارة، والمعقود عليه في الإجارة هو نفع العين، هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن المقصود الإباحة في النفع لا في العين، ولهذا يجوز استئجار الحمار للعمل عليه مع أن عينه حرام، فيشترط أن يكون النفع المعقود عليه مباحاً، فإن كان محرماً فإن الإجارة لا تصح، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله إذا حرَّم شيئاً حرَّم ثمنه» 1 والإجارة نوع من البيع، وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» 2 وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 3.
والنفع الذي يكون في الأعيان إما محرم وإما مكروه وإما مباح، وظاهر كلام المؤلف أنه لا بد أن يكون مباحاً.
قوله: «فلا تصح على نفع محرَّم» ظاهره أن المكروه لا بأس
بالاستئجار عليه، فلدينا ثلاثة أشياء: إباحة، وتحريم، وكراهة، فإذا نظرنا إلى كلام المؤلف: «الإباحة في العين» قلنا: إنها لا تصح الإجارة على مكروه، وإذا نظرنا إلى قوله: «فلا تصح على نفع محرم» قلنا: تصح على المكروه، لكن لا شك أنها خلاف الأولى؛ لأن الإعانة على المكروه مكروهة لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، المهم عندنا ثلاثة أشياء: النفع المباح لا بأس بعقد الإجارة عليه، المحرم: يحرم عقد الإجارة عليه، والمكروه: يجوز مع الكراهة.
مثال النفع المباح: ما سبق من استئجار البيت للسكنى وما أشبه ذلك.
ومثال المكروه: أن يستأجر شخصاً ليحلق له حلق (قزع) فالقزع مكروه، فإذا استأجره لهذا العمل كان استئجاراً على عمل مكروه.
والمحرَّم قال:
«كالزنا» لو استأجر امرأة ليزني بها فالإجارة باطلة وغير صحيحة وحرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مهر البغي خبيث» 1 فلا تبيح الإجارة الزنا، وليست شبهة ـ أيضاً ـ في إسقاط الحد كما زعمه بعض العلماء، فبعض العلماء قال: إذا أراد أن يزني بامرأة وخاف أن يقام عليه الحد فليستأجرها، لكن لا شك أن هذا القول من أبطل الأقوال، ولا تحل المرأة بذلك، وهنا قاعدة
يجب أن تعلم وهي «كل عقد محرم فإنه لا يترتب عليه آثاره» فمثلاً البيع الفاسد لا يملك المشتري السلعةَ ولا البائعُ الثمنَ، وكذلك لو استأجر امرأة يزني بها فإنه لا يستبيح بذلك فرجها؛ لأن الإجارة فاسدة، ولأن الزنا محرم بالنص والإجماع.
قوله: «والزّمر» يعني استعمال المزمار يعني آلة اللهو، ويقاس على ذلك كل المعازف، فلو استأجر شخصاً على عزف أو على زمر فالإجارة محرمة وغير صحيحة، والفاعل لا يستحق الأجرة فنقول له: ليس لك شيء ونقول للذي استأجره: ليس عليك أجرة؛ لأن الإجارة غير صحيحة، فإذا طالب الزامر بأجرة المثل وقال: ألغوا الإجارة ولكن أعطوني أجرة المثل لأنني عملت، فإننا نقول له: ليس لك أجرة، ويبقى النظر في المستأجِر، فإذا قلنا: ليس عليك أجرة؛ لأن هذا عمل محرم، فصار هذا الرجل قد كسب العمل وكسب الأجرة، ولا ينبغي أن نجمع له بين عوضين، وعلى هذا فنقول: تؤخذ الأجرة من المستأجر ولا تعطى الزامر ولكن تُصْرَفُ في بيت المال، أما أن نقول للمستأجر: ليس عليك شيء، وللزامر ليس لك شيء، فهذا فيه نوع من الظلم، فيقال: أنت أيها الزامر لا شيء لك، وعليك أن تتوب إلى الله وتستغفر، وأنت أيها المستأجر نأخذ منك الأجرة؛ لأنك عقدت على أنك ملتزم بها فنلزمك بها، لكن لا نعطيها الزامر؛ لأنها عوض عن محرم، وإنما نجعلها في بيت المال.
قوله: «والغناء» بالمد، وليس بالقصر؛ لأن «الغنى» بالقصر
ضد الفقر، و «الغناء» بالمد هو تلحين القصائد، والشعر، وما أشبه ذلك.
ثم الغناء أقسام: منه ما هو مباح، ومنه ما هو مكروه، ومنه ما هو محرم، فالمراد هنا الغناء المحرم، وهو يدور على شيئين:
إما أن يكون موضوع الأغنية موضوعاً فاسداً، وإما أن تكون مصحوبة بآلة لهو محرمة، هذا هو الغناء المحرم، إما أن يكون الموضوع موضوعاً فاسداً كوصف النساء والمردان والخمر وما أشبه ذلك، هذا محرم لذات القصيدة؛ لأن الموضوع موضوع فاسد محرم.
أو يكون الموضوع غير محرم في حد ذاته، فهذا إن صحبه آلة لهو صار حراماً لما صحبه، وإن لم يصحبه آلة لهو فليس بحرام، وإذا كانت الأغنية في مدح آلهة المشركين فهذا حرام ولا يحل؛ لأن هذا أشد من وصف الزنا واللواط وما أشبه ذلك.
أما الغناء المباح فمثل حُداء الإبل، أو الغناء على الأعمال المباحة يستعان به على التعب، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو يبني المسجد مع الصحابة ـ رضي الله عنه ـ ينشدون على العمل ويقرهم على ذلك 1.
فإذاً نقول: العمل الذي يستعان به على مصلحة شرعية أو غرض صحيح لا بأس به، أما العمال الذين لا يبنون المسجد ولا
يحفرون خنادق الحروب، لكنهم يبنون أبنية مباحة، فهل يحل لهم الغناء من أجل التقوي على العمل؟ نعم يجوز ذلك.
فالمهم أن مراد المؤلف بقوله: «الغناء» يعني الغناء المحرم، إما لذاته وإما لما يصحبه من فعل محرَّم، وقولنا: «مِنْ فِعْل محرم»؛ لأنه أعم لأجل أن يشمل العزف ويشمل الطرب ويشمل الرقص وما أشبه هذا.
قوله: «وجعل داره كنيسة أو لبيع الخمر» يعني لو استأجر من شخص داره ليقيم فيها شعائر النصارى فجعلها كنيسة فالإجارة حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، ومثل ذلك لو استأجرها لبيع الخمر أو الدخان أو القنوات الفضائية، أو لبيع التلفزيونات، فالإجارة حرام إذا كان الغالب على مشتري التلفزيونات أن يستعملها في المحرم؛ لأن التلفزيون فيه شيء محرم وفيه شيء غير محرم؛ لأنه آلة يُصَرّفها الإنسان كما يريد.
لكن لو استأجر البيت على أن يسكنه وكان نصرانياً، فجعل في البيت معبداً فإن الإجارة صحيحة؛ لأنه حين العقد إنما عقد على عمل مباح وهو السكنى، فالمعصية هنا معصية في البيت لكنه لم يستأجر البيت من أجلها.
ولو أنه أجر شخصاً بيتاً ثم وضع فيه القنوات الفضائية، وصار يأتي بكل قناة فاسدة، فحكمه أنه إذا كان قد استأجر البيت لهذا الغرض فالإجارة محرمة وفاسدة، وإن استأجره للسكنى ثم وضع هذا فيه فلا بأس، ولكن إذا تم العقد أي: إذا تمَّت مدة الإجارة يقول
لهذا المستأجر: إما أن تخرج هذه الآلة ـ القنوات الفضائية ـ وإما ألاَّ أجدد لك العقد، وأما ما تم عليه العقد من قبل فإنه يجب إتمامه لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ حَائِطٍ لِوَضْعِ أَطْرَافِ خُشُبِهِ عَلَيْهِ. وَلاَ تُؤَجِّرُ المَرْأَةُ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ زَوْجِهَا.
قوله: «وتصح إجارة حائط لوضع أطراف خشبه عليه» الحائط: يعني الجدار، فلو أراد الإنسان أن يستأجر حائط جاره ليضع أطراف خشبه عليه فإنه لا بأس بذلك، ولكن قد يشكل على هذا أنه يجب على الجار أن يمكن جاره من وضع أطراف خشبه على جداره، كما جاء في الحديث الصحيح: «لا يمنعن جار جاره أن يغرز خشبه، أو قال: خشبة على جداره».
قال أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ وكان أميراً على المدينة ـ: «ما لي أراكم عنها معرضين، والله لأرميَنَّ بها بين أكتافكم» 1 وهذا الحديث يدل على أنه يجب تمكين الجار من وضع الخشب، فيقال: نعم، لكن أحياناً لا يجب، وذلك فيما إذا أمكن التسقيف بدون وضع الخشب على الجدار فإنه لا يجب، يعني لو كانت الحجرة ضيقة ويمكن أن تضع الخشب عرضاً، وجدار الجار يكون طولاً، فهنا يمكن أن تسقف بدون أن تحتاج إلى جدار الجار، وكذلك ـ أيضاً ـ ربما يكون الجار لا يحب النزاع والمخاصمة، وَرَفَعَ الأمرَ إلى القاضي حتى يجبر الجار على أن يضع الخشب على جداره، فهنا نقول: في الحال التي يجب على الجار أن يمكِّن جاره من وضع الخشب على الجدار، إذا كان المحتاج لوضع الخشب لا يريد
المقاضاة والمحاكمة، وأراد أن يدفع له عوضاً من أجل تمكينه من وضع الخشب فإن ذلك جائز للمستأجر، وليس جائزاً لصاحب الجدار؛ لأن الواجب على صاحب الجدار إذا لم يكن على الجدار ضرر وكان جاره محتاجاً أن يمكِّنه منه.
فإذا قال قائل: هل يشترط في هذه الحال تقدير المدة؟ أو يتسامح عنه للحاجة؟ الجواب الثاني؛ لأننا لا ندري متى ينهدم الجدار، وعلى هذا فنقول: يُضرب عليه أجرة كل سنة بكذا، ولا يحتاج إلى تقدير مدة السنين، للحاجة إلى ذلك، ولا يمكن أن نحيط علماً متى يقع هذا الجدار، وعلى هذا فيكون اشتراط تعيين المدة هنا غير واجب؛ وذلك لدعاء الحاجة إلى عدم اشتراطه.
قوله: «ولا تؤجر المرأة نفسها بغير إذن زوجها» المرأة إذا تزوجت إنساناً ملَكَها، وقد وصف النبي صلّى الله عليه وسلّم النساء بأنهن عوانٍ عند الأزواج 1، والعواني جمع عانية والعانية هي الأسيرة، وقد سمى الله ـ تعالى ـ في القرآن الزوج سيداً فقال: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ [يوسف: 25] أي: زوجها، فهي إذاً مملوكة ونفعها مملوك للزوج،
وقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه» 1 فالوقت مملوك للزوج فلا تؤجر نفسها بغير إذن زوجها حتى يأذن، وإذا أذن فالحق له، وإذا طلبت المرأة من زوجها أن يأذن لها أن تخدم فأذن جاز لها ذلك، ولو استأذنت من زوجها أن تشتغل بالتدريس وأذن لها جاز، فإن لم يأذن فإنه لا يحل لها أن تؤجر نفسها إلا بإذن الزوج.
فإن شُرِطَ على الزوج عند العقد أن تؤجر نفسها، فلا بأس، فالمسلمون على شروطهم، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» 2، وهذا يقع كثيراً في الآونة الأخيرة؛ لأن من النساء من تكون مُعَلّمة أو دارسة، فإذا تزوجت ولم يذكر في الشرط أن الزوج يُمَكّنُها من التدريس أو الدراسة فله منعها من ذلك، وأما إذا اشتُرِطَ عليه فالمسلمون على شروطهم.
وقوله: «ولا تؤجر المرأة نفسها» يخرج بذلك ما لو استؤجرت على عمل مشترك، بمعنى أجرناها ـ مثلاً ـ أن تخيط ثوباً، أو تخصف نعلاً، أو ترقع ثوباً، أو ما أشبه ذلك فهنا لم تؤجر نفسها؛ لأن المستأجر لها لا يملكها، إنما استأجرها على عمل، وهذا فيه تفصيل:
إن كان يشغلها عن حقوق زوجها فإنه لا يحل لها إلا بإذن الزوج، وإن كان لا يشغلها فلا بأس، فإذا قدرنا أن هذه المرأة
لها زوج موظف في أول النهار ليس موجوداً عندها، واستؤجرت لخياطة ثوب تخيطه في وقت غيابه عن البيت دون أن تقصر في أعمال البيت فإن هذا جائز؛ لأنه ليس على الزوج ضرر في هذا، وكذلك لو كان الزوج غائباً، واستؤجرت لتخيط ثوباً أو تغسله أو ما أشبه ذلك فلا بأس؛ لأنه في هذه الحال لا يضيع شيء من حق الزوج.
فإن أجَّرت نفسها في حال غياب الزوج، فظاهر كلام المؤلف أن ذلك لا يجوز لقوله: «لا تؤجر المرأة نفسها»؛ لأنه قد لا يرضى الزوج أن تخرج من بيته وإن كان غائباً، فلا تؤجر نفسها مطلقاً إلا بإذن الزوج.
فَصْلٌ
وَيُشْتَرَطُ فِي العَيْنِ المُؤَجَّرَةِ: مَعْرِفَتُهَا بِرُؤْيَةٍ أَوْ صِفَةٍ فِي غَيْرِ الدَّارِ وَنَحْوِهَا
قوله: «ويشترط في العين المؤجرة معرفتها برؤية أو صفة» هذا هو الشرط الأول من الشروط في العين المؤجرة أن تكون معروفة برؤية؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن بيع الغرر 1، ولأن عدم معرفتها يفضي إلى النزاع، وما أفضى إلى النزاع فإن الشارع ينهى عنه، مثال ذلك: لو استأجرت من شخص سيارة فلا بد أن تراها، أو يصفها لك بصفة تتميز بها عن غيرها، وتنضبط بها.
قوله: «في غير الدار ونحوها» فالدار ونحوها لا يكفي فيها الصفة فلا بد من الرؤية، فالسيارة ـ مثلاً ـ تكفي فيها الصفة، وكذا البعير، والحيوان لو استأجره فإنه يكفي فيه الصفة، لكن الدار ونحوها كالأرض للزرع وما أشبه ذلك لا تجوز إلا برؤيتها بالعين؛ لأنه لا يمكن إحاطة الوصف بها، فلو أتاك إنسان من أشد الناس دقة في الوصف فإنه لا يمكن أن يحيط بالدار، فلو قال لك ـ مثلاً ـ: البيت فيه عشر حُجَر، وساحة وحمامات، فما تستطيع أن تتصورها، بل إن بعض الناس ربما يكون من أدق الواصفين لكن تدخل البيت فتجدك مغموماً، فبعض البيوت ـ سبحان الله ـ إذا دخلها الإنسان سُرَّ بها، وبعضها إذا دخلها غُمَّ بها، إذاً فلا بد في استئجار البيت من الرؤية.
وكذلك الأرض، لو استأجر أرضاً للزرع فلا بد أن يراها
بنفسه؛ لأن الأرض تختلف من حيث كونها سبخة، أو رملية، أو ترابية، أو حجرية، وكذلك ـ أيضاً ـ تختلف ارتفاعاً وانخفاضاً، فلا يمكن أن يحيط بها الوصف، إذاً لابد أن يراها المستأجر بعينه.
فقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «في غير الدار ونحوها» عائد على قوله: «أو صفة» يعني إلا في الدار ونحوها فإنه لا يجوز تأجيرها بالصفة، بل لا بد فيها من الرؤية.
لكن هناك قول ثان وهو أنه تجوز الإجارة وله الخيار إذا رآها، يعني يجوز أن تؤجر الدار بالصفة، بأن يصفها له تماماً ولو على الخارطة، وله الخيار إذا رآها.
فإذا قال قائل: إذا كان كذلك فلماذا لا يصبر حتى يراها؟
نقول: الفائدة من قولنا: إنها تصح وله الخيار إذا رآها، أنه لو جاء شخص آخر فاستأجر من صاحب الدار، وقلنا: إن الإجارة صحيحة، فلا يملك الثاني أن يستأجر؛ لأنها الآن مؤجرة، والمنفعة تكون للمستأجر بمجرد العقد، وعلى القول بأنها لا تصح، له أن يؤجرها، فلو قال قائل: ننتظر حتى يراها، قلنا: ربما يكون الناس عندهم إقبال شديد على البيوت والشقق، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى ـ من الناحية الحكمية ـ كل عقد غير صحيح فهو حرام؛ لأنه ليس في كتاب الله، وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وهذه قاعدة جميع العقود والشروط الفاسدة عقدها حرام واشتراطها حرام؛ لأنه من المضادة لله ـ عزّ وجل ـ،
فإذا قلنا بأنه يصح العقد وله الخيار إذا رآها صار العقد حلالاً، وإذا قلنا: لا يصح العقد، صار العقد حراماً، وكل من المستأجر والمؤجر آثمين؛ لأنهما فعلا حراماً.
فالمذهب أنه لا يصح مطلقاً، وعلى هذا فيحرم تعاطي هذا العقد ويجب عليه إذا رآها واقتنع بها أن يعيد العقد.
مسألة: ما يستأجر لصوته فإنه يُعلَم بالسماع، مثل ما لو استأجرت ساعة منبهة، من أجل أن تنبهك لعمل ما، فلا بد أن تسمع، ولا تكفي الرؤية، اللهم إلا إذا كانت ـ مثلاً ـ من صناعة معينة معروفة، وأن صوتها في التنبيه معروف فهنا ربما يكتفى بذلك، على أنه ربما يكون هذا النوع غُيّرت نغمة صوته، أو حصل فيها خلل، فلا بد من السماع.
ولو استأجر ديكاً من أجل أذانه فلا بد أن يسمع صوته؛ لأن بعض الديكة صوته جميل، وبعضه ليس بجميل (أَبَحٌّ) فهي تختلف اختلافاً عظيماً، لكن لو استأجر ديكاً يوقظه للصلاة فإنه لا يصلح؛ لأنه لا يمكن استيفاء المنفعة؛ لأن الديك ربما ينام في بعض الأيام.
إذاً الديك يُستأجر لصوته، أما لكونه يوقظك للصلاة فهذا شيء لا يمكن؛ لأن استيفاء المنفعة منه غير ممكن.
وخلاصة القول: أنه يشترط معرفة العين المؤجرة، فما استؤجر للرؤية فبالرؤية، وما استؤجر للصوت فبالصوت، وما لا يمكن إدراكه إلا بالرؤية فلا بد من الرؤية، وما يمكن إدراكه بالصفة فيكفي فيه الصفة.
وَأَنْ يَعْقِدَ عَلَى نَفْعِهَا دُونَ أَجْزَائِهَا، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الطَّعَامِ لِلأَكْلِ، وَلاَ الشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ، وَلاَ حَيَوَانٍ لِيَأْخُذَ لَبَنَهُ إِلاَّ فِي الظِّئْرِ، وَنَقْعُ البِئْرِ، وَمَاءُ الأرْضِ يَدْخُلاَنِ تَبَعاً ..
قوله: «وأن يعقد على نفعها دون أجزائها» هذا هو الشرط الثاني من الشروط في العين المؤجرة.
وقوله: «أن يعقد» أي المستأجر والمؤجر ولهذا لو قال: «أن يعقدا» أو قال: «أن يكون العقد» لكان أوضح في الشمول.
وقوله: «على نفعها دون أجزائها» يعني أن يكون المعقود عليه النفع دون الجزء، فالبعير نفعها بركوبها وحملها، والدار نفعها بالسكنى، والدكان بعرض البضاعة فيه، وهكذا، فلا بد أن يكون العقد على النفع دون العين، فإن عقد على العين، بأن قال: بعت عليك داري لمدة سنة بكذا وكذا، فإنه على المذهب لا يصح العقد؛ لأنه أضيف العقد إلى العين، ومورد العقد في الإجارة النفع، فإن قال: بعتك سكناها لمدة سنة صح؛ لأن العقد ورد على المنفعة.
قوله: «فلا تصح إجارة الطعام للأكل» مثال ذلك إنسان وجد إناء من التمر، فقال: أجرني هذا التمر من أجل أن آكله، فهنا لا تصح الإجارة؛ لأنه لا يمكن أن ينتفع به إلا بأكله وذهاب أجزائه، إذاً كيف العمل إذا كان إنسان يريد أن يأكل ملء بطنه والباقي يكون لصاحبه؟ فإذا قلنا: اشترِ منه بمقدار ملء البطن، فهذا لا يجوز؛ لأنه مجهول، ولا ندري قد يكون هذا الرجل قنوعاً وقد يكون أكولاً، إذاً الطريق أن يبيعه جميعاً، فلو قال ـ مثلاً ـ: أبيعه عليك بقدر ما تأكل منه، بمعنى أننا نزن هذا التمر أو نكيله، فإذا بلغ خمسة من الكيلوات بعت عليه مقدار ما يأكل
والباقي ينزل من الثمن بقسطه، فهو أكل كيلوين وقد بعت عليه خمسة كيلوات بخمسين ريالاً فهنا يبقى ثلاثة من الكيلوات فينزل من الثمن ثلاثون ريالاً، هل يجوز هذا أو لا يجوز؟ المذهب لا يجوز، فلا بد أن نعرف مقدار ما يؤكل عند العقد وهذا متعذر، والقول الثاني: الجواز، وأنه لا بأس ما دام أنه عُلِم أن قيمة الخمسة كيلوات خمسون ريالاً أي: أن كل كيلو بعشرة ريالات، فما أكلت منه فبقسطه من الثمن وما أبقيت فينزل من الثمن بقسطه، فهذا ليس فيه جهالة؛ لأنه حتى لو قدر أنه حين العقد فيه جهالة فسيؤول إلى العلم.
وننتقل من هذا إلى مسألة بدأ الناس يتعاملون بها الآن وهي البيع على التصريف، مثال ذلك قال: هذه خمسة كراتين حليب أو خمس سلات خبز يبيعها على البقال على التصريف، يعني يأتي إليه في آخر النهار ويقول: كم صرفت؟ يقول كذا وكذا، فيقول له: هو عليك بكذا والباقي رُدَّهُ ويسقط من الثمن، فهذا على المذهب لا يجوز، لكن على القول الذي قلنا: إنه لا بأس به في مسألة التمر المأكول، نقول: يجوز بشرط أن يُقَدِّر لكل شيء ثمناً، أما أن يقول: على ما تصرف ولم يقل له: كل كرتون بكذا، أو كل سلة من سلات الخبز بكذا، فهذا يؤدي إلى الجهالة.
فمسألة التصريف لها طريقان: إما أن يوكله يعني الذي أتى بالخبز أو اللبن يوكل البقال، فيقول: خذ هذا بعه ولك على كل كرتون كذا وكذا فهذا جائز قولاً واحداً؛ لأنه توكيل بعوض فليس فيه إشكال.
أو يقول على القول الراجح: هذه ـ مثلاً ـ عشرة صناديق هي عليك بمائة، كل صندوق بعشرة وما لم تصرفه يرد بقسطه من الثمن، فهذا نرى أنه جائز؛ لأنه ليس على أحد الطرفين ضرر وليس فيه ظلم، وصاحب السلعة مستعد لقبول ما تبقى.
إذاً المهم أن نحدد مقدار ثمن كل واحد وحينئذٍ يكون صحيحاً، إذاً الطعام للأكل لا تصح إجارته لكن يصح بيعه.
قوله: «ولا الشمع ليشعله» أيضاً لا تصح إجارة الشمع ليشعله، والشمع عبارة عن شيء جامد يذوب مع النار، لكنه يغذي النار مثل الفتيلة تماماً، فلو قال المستأجر: أنا أريد أن أستأجر هذه الشمعة؛ من أجل أن عندي الليلة ضيوفاً، وأستأجرها منك بكذا لمدة ساعة أو ساعتين، المذهب لا يجوز؛ لأننا لا ندري ماذا يستهلك من الشمعة، واختار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن ذلك جائز، ولكن كلام الشيخ ـ رحمه الله ـ لا بد فيه من تحرير، والتحرير أن نقول: إما أن يقدر بمساحة الشمعة فيقول: مثلاً مساحتها شبر بعشرة ريالات وما نقص من الشبر فبقدره، هذه تكون معلومة.
أو يقدرها بالساعة ونحن نعرف استهلاك النار من الشمعة بالساعة والدقيقة، فهذا ـ أيضاً ـ يكون معلوماً.
قوله: «ولا حيوان ليأخذ لبنه إلا في الظئر» الحيوان لا يجوز أن يستأجره لأخذ لبنه، مثال ذلك: رجل عنده أطفال صغار من الضأن، أمها ماتت، فاستأجر شاة من إنسان لمدة يوم أو يومين حتى يشتري شاة ترضع أطفال الضأن، فهذا لا يجوز؛ لأن المعقود عليه الآن هو اللبن، واللبن أجزاء، والإجارة لا تكون
إلا على منافع، لا تكون على أجزاء، ومثل ذلك ما كانوا يستعملونه قديماً، يكون عند الإنسان ضيوف فيستأجر من جاره بقرته لمدة يوم أو يومين من أجل أخذ اللبن، فعلى المذهب لا يجوز؛ لأن اللبن مجهول، ثم حلبها ـ أيضاً ـ مجهول، فبعض البهائم تمنع الحليب لا ترضى أن تحلب، لكن «الظئر» مستثنى، والظئر هي المرضعة لولد غيرها، فيجوز للإنسان أن يستأجر امرأة ترضع ولده بأجرة معلومة، مع أن المعقود عليه هو اللبن، والفقهاء ـ رحمهم الله ـ أورد عليهم إيراد واضح، قيل لهم: إن الظئر إجارتها جائزة بنص القرآن، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَولُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233] وقال: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق: 6] فأي فرق بين لبن الآدمية ولبن غير الآدمية؟! أجاب بعضهم بجواب ليس بسديد، فقال: لأن الآدمية إنما تستأجر لأجل أخذ الطفل ووضعه في حجرها وإلقامه الثدي وما أشبه ذلك، والحيوان لا يفعل هذا، لكنه يقف لما يرضعه ويتأنى ويفتح رجليه فلا شك أنه يخدمه، فهل من المعقول أن الإنسان يستأجر مرضعة ترضع ولده من أجل أن تأخذه وتضعه في حجرها وتلقمه الثدي، إذا لم يكن في الثدي شيء؟! ما يمكن أبداً، إذاً المقصود هو اللبن لا شك، لكن هذه وسائل إلى الحصول على اللبن، فالمقصود أولاً هو اللبن، وما دمنا قياسيين يجب أن نقول: إن استئجار الحيوان لأخذ لبنه جائز بالقياس على الظئر، وهذا
اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وهو الصواب، وسواء استأجره وأتى به إلى محله أو استأجره وهو عند صاحبه؛ لأن استئجار الحيوان لأخذ اللبن على وجهين:
إما أن يستأجره ويأتي به إلى بيته وينفق عليه.
وإما أن يستأجره وهو عند صاحبه ويكون الإنفاق على صاحبه، كل ذلك جائز على القول الصحيح، لكن على المذهب ماذا يصنع إذا كان عنده ضيوف ويريد أن يأخذ لهم لبناً؟ يشتري ولا يجوز بيع اللبن في الضرع بل نقول له احلبها وإذا حلبتها اشتر اللبن إذا كنت محتاجاً، فالمهم حتى لو سددنا الباب في مسألة استئجار الحيوان لأخذ لبنه، فهناك أبواب مفتوحة والحمد لله.
قوله: «ونقع البئر وماء الأرض يدخلان تبعاً» فلو استأجر شخص من آخر بئراً يسقي منه إبله، أو زرعه، فهذا جائز، مع أن المعقود عليه الآن هو الماء وهو عين وأجزاء.
فكيف يجيبون عن قولهم: (إن الإجارة لا بد أن تقع على المنفعة)؟ يقولون: هذا يدخل تبعاً؛ لأن المعقود عليه هو البئر، أما الماء فليس معقوداً عليه.
قد يثبت الشيء لغيره تبع
وإن يكن لو استقل لامتنع 1
وهذا غير صحيح! لأن المقصود هو الماء، فقولهم: (إن ماء البئر يدخل تبعاً) الحقيقة أنه بالعكس، فالأصل هو الماء، والبئر لو لم يكن فيها ماء ما استأجرها أحد.
وقوله: «وماء الأرض» أيضاً يدخل تبعاً، إنسان ـ مثلاً ـ استأجر أرضاً للزرع، فلا بأس، والأرض فيها ماء، إما من نهر، أو من وادٍ يأتي إليها، أو ما أشبه ذلك، فإنهم يقولون: الماء يدخل تبعاً، وهذا عكس ما يريده كل إنسان؛ لأن كل إنسان يستأجر أرضاً للزرع فإنما يستأجرها من أجل مائها؛ لأنها لو لم يكن فيها ماء ما استؤجرت وكذلك البئر.
والصواب الذي يظهر هو ما اختاره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ حيث قال: إن الأجزاء التي تتولد وتتتابع شيئاً فشيئاً بمنزلة المنافع تماماً؛ ولهذا اختار ـ رحمه الله ـ أنه يجوز استئجار الحيوان لأخذ لبنه، واستئجار البئر لأخذ مائها، واستئجار الأرض لأخذ مائها، وقوله ـ رحمه الله ـ: إن الأعيان التي تأتي شيئاً فشيئاً بمنزلة المنافع، هو الصواب.
فإذا قلنا: استأجر حيواناً لأخذ لبنه، وقلنا بهذا القول الراجح، فأبى الحيوان أن يحلب؛ لأنه لا يحلب حتى يؤتى له بولده ويحلب عليه، وإما أنه لا يحلب حتى يؤتى له بطعام، المهم أن الحيوانات تختلف، فإذا أبى هذا الحيوان أن يحلب إطلاقاً، فماذا يكون الحكم على القول بأن الإجارة صحيحة؟ نقول: للمستأجر الفسخ، وذلك لتعذر استيفاء المنفعة بغير سبب منه، إذ إن المعقود عليه تعذر بغير سبب منه، وليس هو المفرط، وبذلك يتبين أن القول الراجح هو ما اختاره شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في هذه المسألة.
وَالقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ الآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَاشْتِمَالُ العَيْنِ عَلَى المَنْفَعَةِ، فَلاَ تَصِحُّ إجَارَةُ بَهِيمَةٍ زَمِنَةٍ لِحَمْلٍ،
.... قوله: «والقدرة على التسليم» هذا هو الشرط الثالث من
شروط العين المؤجرة، أن يكون قادراً على تسليمها للمستأجر؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا تبع ما ليس عندك» 1 والإجارة نوع من البيع، وغير المقدور عليه ليس عند الإنسان ولا في حوزته ولا في استطاعته أن يقدر عليه، ولنهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر 2، وغير المقدور عليه إجارته غرر؛ لأن مؤجره سوف يخفض من الأجرة، وإلا لما استؤجر منه، فإن قدر عليه المستأجر صار غانماً وإن عجز صار غارماً وهذا نوع من الغرر، ولأن الإجارة نوع من البيع فإذا كنا نشترط في البيع القدرة على تسليم المبيع، فكذلك نشترط في الإجارة القدرة على تسليم المستأجَر.
قوله: «فلا تصح إجارة الآبق» يعني: العبد الآبق، وهو الذي هرب من سيده، ولا يدري عنه سيده شيئاً، فهذا لا تصح إجارته؛ لأنه غير مقدور على تسليمه، وحينئذٍ إما أن يستطيع المستأجر استلامه وإما أن لا يستطيع، فإن استطاع أن يتسلمه صار غانماً وإن لم يستطع صار غارماً؛ لأن العبد الآبق لا يمكن أن تكون أجرته كأجرة العبد الحاضر؛ فسوف تنزل أجرته ويعتبر المستأجر نفسه مخاطراً، فإذا قدرنا أن هذا العبد يؤجر في اليوم
بخمسين ريالاً لو كان حاضراً، فإذا كان آبقاً سيؤجر في اليوم بخمسة ريالات أو عشرة ريالات، وحينئذٍ إن وجده فهو غانم ـ أي: المستأجر ـ وإن لم يجده فهو غارم، والقاعدة الشرعية: (أن كل عقد يكون متردداً بين الغنم والغرم فهو باطل)؛ لأنه ميسر، ويدخل ـ أيضاً ـ في ضمن نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الغرر 1.
قوله: «والشارد» يعني الجمل الشارد، مثل إنسان له جمل شارد هارب، فجاء شخص يستأجره منه، فقال: أنا أريد أن أستأجر منك الجمل شهراً بكذا وكذا ابتداؤه من اليوم، إما أن أجده اليوم وإما أن لا أجده إلا بعد عشرة أيام وإما أن لا أجده أبداً، نقول: هذه إجارة فاسدة باطلة؛ وذلك لعدم القدرة على التسليم، والعجز عن التسليم يقتضي أن يكون المستأجر غانماً أو غارماً.
قوله: «واشتمال العين على المنفعة» هذا هو الشرط الرابع في العين المؤجرة، وهذا شرط مهم؛ لأن المعقود عليه بالإجارة هو المنفعة، فلا بد أن تكون العين مشتملة على هذه المنفعة، فإن لم تكن مشتملة على هذه المنفعة صار من باب إضاعة المال الذي لا فائدة فيه، ولهذا قال:
«فلا تصح إجارة بهيمة زَمِنة لحمل» الزمنة هي التي لا تستطيع السير، فلو أتى إنسان يستأجرها ليحمل عليها، قلنا: هذه
الإجارة غير صحيحة؛ لأنها غير واردة على منفعة؛ لأنها لا تستطيع أن تمشي فكيف يحمل عليها؟! فتكون الإجارة غير صحيحة وباطلة، فإذا قال المستأجر: أنا أريد أن أنفع صاحبها وأجبر قلبه؛ لأن بهيمته شُلَّت وانكسر قلبه وكان يأخذ عليها كل يوم عشرة ريالات في تأجيرها، وأنا سوف أستأجرها منه عشرة أيام كل يوم بعشرة ريالات فما المانع؟ نقول: أنت إذا كنت تريد أن تجبر قلبه فاجبر قلبه بالهبة، أعطه مالاً ودع ناقته عنده، أما أن تعقد عقداً فاسداً من باب أكل المال بالباطل فهذا لا يجوز، وباب التبرع والإحسان مفتوح ولسنا نقول لك: لا تنفعه، إذاً لا تصح إجارة بهيمة زمنة لحمل.
فلو أجَّر سيارة محركها معطل للسفر عليها، فإن الإجارة لا تصح، وإذا قال المستأجر لصاحبها: متى أصلحتها فقد استأجرتها منك الشهر بكذا وكذا، فهنا لا تصح الإجارة أيضاً؛ لما يلي:
أولاً: أن العقود والمعاوضات لا يصح تعليقها كما هو المذهب.
ثانياً: أن هذا مجهول، أي ابتداء المدة من التصليح، والتصليح غير معلوم وعلى هذا فلا تصح، فإذا كان فيها خراب قليل ونعلم أنها تصلح خلال يوم أو يومين فإنه يجوز تأجيرها.
وَلاَ أَرْضٍ لاَ تُنْبِتُ لِلزَّرْعِ، وَأَنْ تَكُونَ المَنْفَعَةُ لِلْمُؤْجِّرِ أَوْ مَأْذُوناً لَهُ فِيهَا. وَتَجُوزُ إِجَارَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، لاَ بِأَكْثَرَ مِنْهُ ضَرَراً.
......... قوله: «ولا أرض لا تنبت للزرع» يعني لا يصح استئجار أرض لا تنبت للزرع، مثلاً: إنسان عنده أرض واسعة لكنها سبخة لا تنبت أبداً، فاستأجرها للزرع، فإننا نقول: لا يجوز
أن يستأجرها لعدم وجود المنفعة المعقود عليها، لكن لو استأجرها على أن تكون مستودعاً له فإنه يجوز؛ لأنه يمكن الانتفاع بها.
قوله: «وأن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها» هذا هو الشرط الخامس في العين المؤجرة، وهذا يعني أنه يشترط أن يكون مالكاً أو قائماً مقام المالك، وهذا شرط في جميع العقود، فكل العقود لا بد أن يكون العاقد مالكاً للمعقود عليه، إما بملك أو بنيابة عن المالك، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] فلا بد أن تكون المنفعة المعقود عليها ملكاً للمؤجر أو مأذوناً له فيها.
ولم يقل المؤلف: أن تكون العين للمؤجر؛ لأن الإنسان قد يملك المنفعة ولا يملك العين، والشرط أن تكون المنفعة للمؤجر أو مأذوناً له فيها، مثل شخص وهبت له منفعة هذه العين، وهي ليست ملكه بل ملكاً لصاحبها، فأجرها فإن الإجارة صحيحة؛ لأنه يملك المنفعة، وإن لم يملك العين، وكرجل أوصي له بمنفعة عبد ليخدمه.
وقوله: «أو مأذوناً له فيها» وهو إما وكيل وهو من أذن له في التصرف في حال الحياة، وإما ولي وهو من يتصرف بإذن من الشارع كولي اليتيم، وكولاية الحاكم على الأموال التي لا يعلم لها مالك، وإما وصي وهو من أذن له في التصرف بعد موت الآذن، وإما ناظر وقف هو من أذن له في التصرف في الوقف،
فلا بد من أن يكون مالكاً أو قائماً مقام المالك، وهم أربعة: الولي، والوصي، والوكيل، والناظر.
فإن أجر ملك غيره فإنه لا تصح الأجرة، فإن وافق صاحب العين على ذلك، فعلى المذهب لا يصح؛ بناءً على أنه لا يصح تصرف الفضولي.
والقول الثاني: أنه يصح، وهذا القول هو الراجح، فلو أن شخصاً عنده علم بأن صاحبه يريد أن يؤجر بيته، وجاء أناس يريدون أن يستأجروه، ورب البيت غير موجود، ولكن صاحب ربِّ البيت موجود فأجَّر لهؤلاء، ثم وافق المالك على ذلك، فالصحيح أن الأجرة صحيحة؛ لأن أصل منع نفوذ العقد في مملوك الغير لحق الغير، فإذا وافق فقد أسقط حقه.
قوله: «وتجوز إجارة العين لمن يقوم مقامه» يعني يجوز للمستأجر أن يؤجر غيره، كرجل استأجر بيتاً لمدة سنة، ثم جاءه شخص وقال: أجرني مدة إجارتك، فأجره، فلا بأس، وهذا المؤجر الذي أجر غيره مالك للمنفعة، وعقد الإجارة يكون على المنفعة وليس على العين، فإذا استأجرت شيئاً وأجرته غيرك فالإجارة صحيحة، لكن اشترط المؤلف فقال:
«لا بأكثر منه ضرراً» يعني يقوم مقام المستأجر الذي أجر، لكن ليس أكثر منه ضرراً؛ فإن كان أكثر منه ضرراً فإنه لا يملك ذلك، مثاله: رجل استأجر دكاناً لبيع الحلي، ثم جاءه إنسان آخر بائع حلي فاستأجره مدة استئجاره، فهذا جائز؛ لأن الثاني يقوم مقام الأول.
رجل آخر استأجر دكاناً لبيع الحلي، فجاءه رجل صاحب مخبزٍ وقال: أريد أن أستأجره منك، فهذا لا يجوز أن يستأجره منه؛ لأن صاحب الفرن يضر الدكان أكثر من صاحب الذهب، إذاً يجوز أن يؤجره لمن يقوم مقامه، أي: أن يكون مثله في استيفاء المنفعة، أو أقل منه ضرراً.
مثال آخر: رجل آجر هذا الدكان لخباز، ثم جاءه بائع حلي، وقال: أجرني إياه مدة إجارتك، ففيه تفصيل:
إذا كان للمؤجر غرض صحيح في تأجيره صاحب المخبز، وهو أن يخدم هذه المنطقة؛ لأنها منطقة ليس فيها خباز، ومنع المالك المستأجر أن يؤجره غيره ولو كان أقل منه ضرراً، فهنا نقول: إن شرط عليه ذلك بأن قال: لا بد أن تقيم هنا مخبزاً، فليس له أن يؤجره من لا يخبز فيه، وإن لم يكن اشترط، فالظاهر لي في هذه الحال أنه ما دام له غرض صحيح فله أن يمنعه؛ لأن بعض الناس قد يكون له غرض، أما إذا لم يكن غرض صحيح فإنه إذا أجره لمن هو دونه فلا بأس.
وظاهر كلام المؤلف: أنه يجوز أن يؤجره بمثل الأجرة أو أكثر، فهل نأخذ بهذا الظاهر؟ الجواب: نعم، فيجوز للمستأجر أن يؤجر بقية مدته لغيره بأكثر من أجرته.
مثال ذلك: استأجر إنسان دكاناً في بلد فيه مواسم كمكة والمدينة، فيستغله في غير وقت المواسم، ثم جاءه شخص يريد أن يستأجره منه في وقت الموسم بأضعاف الأجرة التي استأجره بها، فهذا يجوز، وهذا ظاهر كلام المؤلف؛ لأن المؤلف لم
يقل: بشرط أن لا يأخذ أكثر من أجرته؛ لأنه مالك للمنفعة ملكاً تاماً والمالك له أن يتصرف، يبيع بقليل أو بكثير فليس فيه مانع.
وقال بعض العلماء: إنه لا يجوز أن يؤجر بأكثر، واستدلوا لذلك بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ربح ما لم يضمن 1، والمنافع غير مضمونة، ولهذا لو انهدم الدكان مثلاً انفسخت الإجارة، ولم يطالب صاحب الدكان بأن يؤمن له دكاناً آخر، والذين قالوا بالجواز أجابوا عن الحديث بأنه خاص في البيع، أما الإجارة فلا يشملها الحديث، والعمل الآن على القول الأول، أي: أن المستأجر له أن يؤجر مدة إجارته ولو بأكثر من الأجرة، وهو فيما يبدو أقرب إلى الصواب من المنع؛ لأن الحديث ليس صريحاً في مسألة الإجارة.
مسألة: لو أن الإنسان استؤجر على عمل في الذمة، بأن قيل له: نريد أن تنظف هذا البيت كل يوم ولك في الشهر مائة ريال، فاستأجر من ينظف البيت كل يوم على حسب ما حصل عليه العقد لكن بخمسين ريالاً، يجوز؛ لأن هذا من جنس ما إذا قلنا: إنه يجوز أن يؤجر بقية مدته بأكثر من الأجرة، وعلى هذا عمل الناس اليوم، تجد الدولة ـ مثلاً ـ تتفق مع شركة على تنظيف المساجد، كل مسجد الشهر بكذا وكذا، ثم إن هذه الشركة تأتي
بعمال يقومون بما تم عليه العقد بأقل من ربع ما اتفقت الشركة مع الحكومة عليه، إلا إذا كان الغرض يختلف بالنسبة للمستَأجَر، فإذا كان يختلف فهذا لا يجوز، مثل: إنسان استأجرته لينسخ لك زاد المستقنع، وتعرف أن الرجل خطه جيد وأن خطأه قليل، فاستأجر إنساناً خطه جميل يخطه بأقل مما أجرته به؟ يقول العلماء: إنه لا يجوز؛ لأن العبرة بالنسخ وليس بجمال الخط فحسب، ولكن بجمال الخط ووضع الفواصل والعلامات والإملاء، كم من إنسان خطه من أجمل الخطوط لكن في الإملاء يكتب ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7] بالظاء المُشَالَة في الموضعين فهذا خطأ في الإملاء، وكثير من الطلاب خطوطهم جميلة لكن في الإملاء ليس عندهم قاعدة، وكثير من الناس خطه رديء ولا يعرف قراءته إلا من تمرَّن عليه ولكنه في الإملاء جيد، المهم على كل حال ما يختلف فيه الغرض لا يجوز لأحد أن يقيم مقامه غيره.
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ الوَقْفِ، فَإِنْ مَاتَ المُؤَجِّرُ وَانْتَقَلَ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ لَمْ تَنْفَسِخْ،
......
قوله: «وتصح إجارة الوقف» الوقف هو العين التي سُبِّلت منفعتها وحُبِّس أصلها، ويسمى عند الناس السبيل.
مثاله: إنسان أوقف بيته قال: هذا وقف على الفقراء، فإن البيت يبقى ولا يباع وأجرته أو سكناه للفقراء، وشخص آخر قال: هذا البيت وقف على أولادي، وأولاده الآن لا يمكن أن يبيعوه؛ لأنه وقف محبوس لكن يمكن أن ينتفعوا به بالسكنى أو بالتأجير أو ما أشبه ذلك، فالوقف تجوز إجارته، والمؤلف ـ رحمه الله ـ قال: «وتصح إجارة الوقف» لا لمجرد أن يبين لنا أن إجارة
الوقف صحيحة؛ لأن هذا أمر لا يحتاج إلى تنبيه لكن لما يتفرع عليه، إذاً الوقف تجوز إجارته ولا يجوز بيعه؛ لأن الإجارة واردة على المنفعة، والمنفعة ملك للموقوف عليه، وليست واردة على العين التي لا يجوز بيعها.
وظاهر كلام المؤلف: أنه لا فرق بين الوقف على معين كعلى أولاده، أو على غير معين كعلى الفقراء، أو على جهة تملك كما مثلنا، أو على جهة لا تملك كما لو وقف هذا البيت لمصالح المساجد، والمساجد لا تَمْلِك، فعلى كل تقدير تصح إجارة الوقف.
قوله: «فإن مات المؤجر وانتقل إلى من بعده لم تنفسخ» أَجَّر الوقفَ باعتبار أنه مستحِق ومات، فإن الوقف ينتقل إلى من بعده.
مثاله: قال: هذا وقف على أولادي ثم أولادهم، والأولاد أجَّروا ثم ماتوا، فإن الوقف انتقل إلى أولادهم، الآباء أجَّروا الوقف لمدة عشر سنين، لكن الله ـ تعالى ـ قضى عليهم بالموت في خلال ثمان سنوات وبقي من المدة سنتان، فهل تنفسخ الإجارة؟ المؤلف يقول: لا تنفسخ؛ لأن الآباء أجَّروا في وقت هم يملكون المنفعة، فنفذ العقد، فإذا انتقل إلى من بعدهم انتقل على أنه مؤجر، بقي علينا الأجرة هل تكون جميعها للأولين أو تكون جميعها للأولاد الذين انتقل إليهم الوقف أو كل له بقسطه؟
وَلِلثاني حِصَّتُهُ مِنَ الأُجْرَةِ، وَإِنْ أَجَّرَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا مُدَّةً وَلَوْ طَويلَةً يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَقَاءُ العَيْنِ فِيهَا صَحَّ.
........
الجواب قوله: «وللثاني حصته من الأجرة» أي نصيبه، فعلى المثال الذي ذكرناه، مضى من المدة ثمانية من عشرة وهي أربعة أخماس فيبقى خمس، تكون خمس الأجرة للأولاد، فإذا قدَّرنا أنهم أجَّروها بألف ريال، فللذين أجَّروا وقد ماتوا في السنة الثامنة: ثمانمائة، وللآخرين: مائتان، فهذا هو كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ.
ولكن يجب علينا أن نعرف الفرق في قيمة المنفعة، فقد تكون في بعض السنوات أكثر من بعض، ولكن يقال: إن كل منفعة قد قبضها أصحابها ولا سيما إذا كانوا يقولون: عشر سنوات كل سنة بمائة، إذا حددوا فواضح أن للآخرين مائتين من ألف، وإن لم يحددوا فربما ينظر في الموضوع ويعتبر فرق السعر بين الأول والثاني.
وقوله: «وللثاني حصته من الأجرة» هذا ما قرره المؤلف ـ رحمه الله ـ أنها لا تنفسخ، والعلة أن أولئك أجروا في وقت هم مالكون للمنفعة فكان عقدهم صحيحاً، وانتقل إلى البطن الثاني وهم الأولاد ومنفعته مملوكة للمستأجر، فتبقى الإجارة على ما هي عليه، كما لو أن رجلاً أجر بيته لشخص ثم مات فإن الورثة لا يفسخون الإجارة، ووجه المماثلة بين هذا وهذا، أن هذا الرجل أجر بيته في حال يملك تأجيره فلم تنفسخ الإجارة بموته، وهذا الموقوف عليه أجر الموقوف في زمن يملك منفعته فلم تنفسخ الإجارة بموته.
وقال بعض العلماء وهو المذهب: إنه إذا مات المؤجر
فإن الإجارة تنفسخ؛ لأن البطن الثاني يتلقى المنفعة من الواقف رأساً لا من البطن الأول، فهؤلاء انتهى استحقاقهم للوقف بمجرد موتهم ولم يبق لهم فيه شيء، وأما مسألة الميت إذا أجر ملكه ثم مات، فإن الورثة يتلقون الملك من المورث رأساً، والمورث حر في ملكه، واختار هذا شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
إلا أنهم قالوا: إذا كان المؤجِّر مشروطاً له النظر فإن الإجارة لا تنفسخ، سواء كان الشرط من الواقف، أو من الشارع، كأن يقول الواقف: هذا وقف على ذريتي والناظر فلان، وسمَّاه، سواء كان من الذرية أو من غير الذرية، ثم إن هذا الناظر أجَّر الوقف لمدة ثم مات، فإن الإجارة لا تنفسخ قولاً واحداً؛ لأنه أجر الوقف بنظر خاص من الواقف.
فإن كان الناظر على هذا الوقف هو القاضي، كأن يكون هذا الوقف موقوفاً على الفقراء ثم أجره القاضي ومات، فإن الإجارة لا تنفسخ؛ لأن القاضي مشروط له النظر بمقتضى الولاية العامة.
مثال: رجل وقف هذا البيت على ولده ثم أولاده، فهذا الولد أجر البيت عشر سنوات، ومات حين تم للأجرة خمس سنوات، فإن الوقف انتقل إلى الولد، فالمؤلف مشى على أن الإجارة باقية وللولد حصته من الأجرة، يعني من حين وفاة أبيه يأخذ الأجرة، لكن القول الثاني: أنها تنفسخ الإجارة، وللولد أن يطالب المستأجر بالخروج من البيت أو زيادة الأجرة أو يبقيه
بالأجرة أو يبقيه بأقل، وكذلك ـ أيضاً ـ المستأجر قد يقول: انفسخت الأجرة وأنا سوف أخرج، وهذا قد يكون من مصلحته، إذا نزلت الأجور.
فصار المؤجر للوقف ثلاثة أقسام:
الأول: مؤجر للوقف بمقتضى الوقفية، أي أن له النظر والتصرف؛ لأنه موقوف عليه.
الثاني: مؤجر بمقتضى شرط الواقف.
الثالث: مؤجر بمقتضى الولاية العامة مثل القاضي.
فالإجارة لا تنفسخ إذا كان المؤجرُ مشروطاً له النظر، أو الحاكمَ.
أما إذا كان التأجير من الموقوف عليه لا لأنه مشروط له النظر ولكن لأنه هو المستحق فهنا خلاف، فالمذهب واختيار شيخ الإسلام أنها تنفسخ، والمؤلف على أنها لا تنفسخ.
وعمل الناس الآن عندنا أنها لا تنفسخ، ولكن يبقى النظر إذا قلنا بأنها لا تنفسخ كما هو عمل القضاة وعمل الناس اليوم، فهل يجوز للبطن المستحقين أن يؤجروا مدة يغلب على الظن أنهم لا يعيشون إليها أو لا يجوز؟
نقول: لا يجوز، ما دمنا قلنا إن الإجارة لا تنفسخ، فهذا يعني أنهم سوف يعتدون على حقوق الآخرين وهذا لا يحل، فمثلاً لو قدرنا أن صاحب الوقف الآن بلغ إلى تسعين سنة، وأجره شخصاً آخر لمدة خمسين سنة فيكون عمره مائة وأربعين، والغالب أنه لا يعيش إلى هذه المدة، نقول: لا يحل لك أن
تؤجره، فكم يؤجرها؟ سنة مثلاً، لكن خمسين سنة هذا بعيد، فيقال له: أنت الآن مستحق ولا ننكر استحقاقك، لكن لا تؤجر مدة أكثر مما يغلب على الظن بقاؤك فيها وهذا حق؛ لأنه لو أجر وكان المعمول به أنها لا تنفسخ الإجارة، فهو اعتداء على حقوق الآخرين وهذا لا يجوز.
وهل للقاضي أن يؤجر مدة طويلة، أو لا؟ هذه تنبني على المصلحة، إن رأى المصلحة في تأجيرها مدة طويلة أجر، وإلا أجر في نحو سنتين أو ثلاث، حتى لا يحرم أصحاب البطون الأخرى.
وهل يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة؛ بمعنى أن يأخذ الأجرة مقدماً، فمثلاً إنسان هذا المحل وقف عليه، جاءته شركة وقالت: أنا أريد أن أستأجر منك هذا المحل عشر سنوات، وسأعطيك الآن الأجرة نقداً، كل سنة بعشرة الآف، عشرة في عشرة بمائة ألف.
فهذا لا يجوز، يعني لا يجوز للبطن الأول أن يستسلف الأجرة لأنه لا يدري، قد يموت وإذا مات معناها أنها دخلت في تركته، وربما ينفقها، وتضيع على البطن الثاني، فليس له أن يستسلف الأجرة.
ولو قال: أنا آخذ الأجرة مقدماً؛ لأنني سوف أعمر في الوقف، والوقف محتاج إلى التعمير فإن هذا يجوز؛ لأن هذا في مصلحة الوقف، وما دام لمصلحة الوقف فلا حرج.
قوله: «وإن أجر الدار ونحوها» كالدكان مثلاً.
قوله: «مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها صح» سواء ظن بقاء العاقد أم لم يظن، مثل أن يؤجر هذا البيت لمدة ستين سنة، فالإجارة صحيحة؛ لأن ستين سنة يغلب على الظن أن يبقى البيت إليها، ولا سيما إذا كان من الإسمنت، وكان جديداً، فإن الغالب أنه يبقى، فإذا أجرها هذه المدة صح، لكن لو انهدمت قبل تمام المدة انفسخت الإجارة لتلف العين المعقود عليها، وللمستأجر حصته من الأجرة فيما لم يستوف منفعته.
وقوله: «مدة ولو طويلة يغلب على الظن بقاء العين فيها» لو أجرها مدة طويلة يغلب على الظن أنها لا تبقى فيها، فظاهر كلام المؤلف أن الإجارة لا تصح.
ولكن يجب أن نعرف الفرق بين الأجرة التي يكون فيها العقد على نفس الدار، وبين الحِكر أو الحُكُورة التي يكون العقد فيها على منفعة الأرض، وهذا أظنه موجوداً في كثير من البلدان مثل الحجاز ونجد ومصر، تكون الأجرة على الأرض وليست على نفس البيت، ولهذا يملك المستأجر أن يهدم هذا البيت وأن يغيره وأن يتصرف فيه كما شاء، لكن في الإجارة المحضة لا يملك أن يتصرف في البيت.
ففرق بين أن آتي إلى رجل وأنا أريد أن أبقى في هذا البلد سنتين أو ثلاثاً وأقول: أجرني بيتك فيؤجرني إياه فالبيت لصاحبه، فالمستأجر لا يملك إلا الانتفاع، حتى إنه لا يملك أن يعدِّل باباً من الأبواب ولا أن يفتح فرجة في جدار؛ لأنه إنما استأجر المنفعة فقط أما العين فلا يتصرف فيها.
وفي مسألة (الحُكورة) وتسمى عندنا (الصُّبْرَة) من الصبر وهو الحبس، المعقود عليه ليس العين، بل المعقود عليه منفعة الأرض، ولهذا يجوز لمن عقد عقد (حكورة) أن يهدم البيت وينشئه من جديد، وصاحب الأرض لا يقول له شيئاً؛ لأنه يعرف أنه إنما أجره مدة بدراهم معينة، وليس له رغبة في نفس البيت أو في نفس الدكان، وهذا هو الذي عليه العمل الآن، ولهذا في بلدنا هذه يؤجرون الحكرة إلى مدة خمسمائة سنة وستمائة سنة وألف سنة.
على كل حال أقول: إن هناك فرقاً بين الأجرة المحضة وبين الحِكر؛ لأن الحكر إنما يقع العقد على الأرض ولا يلتفت الآخذ بهذا العقد إلى مسألة العين، لكن إذا كانت العين، يقول المؤلف: لا بد أن يكون إلى مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها.
لو أجره البعير لمدة خمسين سنة فإنه لا يصح؛ لأن البعير لا يبقى إلى خمسين سنة، أو أجره سيارة لمدة مائة سنة فلا يصح؛ لأن الغالب أنها لا تبقى إلا أن توقف ولا تستعمل فهذا شيء آخر، لكن إذا استعملت فلا تبقى إلى هذه المدة.
فاشترط المؤلف في تأجير العين مدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، فإن لم يغلب على الظن بقاء العين فيها فإنه لا يصح؛ لأنه لا يتم استيفاء المنفعة، ومن شرط الإجارة أن يمكن استيفاء المنفعة، فإذا استأجرها لمدة يغلب على الظن بقاء العين فيها، ولكنها لم تبقَ؛ فإن الإجارة تنفسخ ويسقط عن المستأجر بقسطه من الأجرة.
وَإنِ اسْتَأْجَرَهَا لِعَمَلٍ، كَدَابَّةٍ لِرُكُوبٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ؛ أَوْ بَقَرٍ لِحَرْثٍ، أَوْ دِيَاسِ زَرْعٍ، أَوْ مَنْ يَدُلُّهُ عَلَى طَرِيقٍ، اشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ ذَلِكَ وَضَبْطُهُ بِمَا لاَ يَخْتَلِفُ.
قوله: «وإن استأجرها» أي: «العين».
قوله: «لعمل كدابة لركوب إلى موضع معين، أو بقر لحرث أو دياس زرع، أو من يدله على طريق اشتُرط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف» أفادنا المؤلف بهذا أنه يجوز أن تستأجر العين لعمل، يعني يستأجر عيناً ليعمل بها، كسيارة ليسافر بها إلى مكة، وكـ «مولد» لتوليد كهرباء لمدة معينة، وكـ «محرك» لاستخراج الماء لمدة معينة، وما أشبه ذلك، كل هذا جائز؛ لأنه ليس فيه احتكار على الناس، لكن يقول المؤلف: لا بد على من استأجر الدابة لركوب أن يكون إلى موضع معين معلوم، فإن قال: استأجرت منك هذه الدابة لأطلب عليها ضالتي التي ضاعت مني فالإجارة لا تصح؛ لأنها مجهولة؛ لأننا لا ندري أيجدها قريباً أم بعيداً، فلا بد أن يكون إلى موضع معين، إذا قال: استأجرت منك هذا البعير إلى بلد ما، فلا يصح للجهالة، أو استأجرت منك هذا البعير إلى بلد معين لكن صاحب البعير لا يدري أين هذا البلد فلا يصح أيضاً؛ لأنه لا بد من علم المؤجر والمستأجر.
وهل يشترط أن يعلم الطريق أسهل هو أم وعر، آمن أم خائف؟ نعم؛ لأنه يختلف به القصد، فمثلاً إذا استأجر بعيراً إلى بلد والطريق آمن مُيَسَّر، فليس كما لو استأجرها إلى بلد طريقه خائف وغير ميسر، فبينهما فرق عظيم، فالمهم أنه لا بد أن يعرف كل ما تختلف به الأجرة.
إذا استأجرها لحمل ليس لركوب فلا بد أن يعين المحمول؛ لأنه يختلف، مثلاً: هناك فرق بين أن يكون الحمل من القطن أو من الإسفنج وبين أن يكون من الرصاص فأيهما أشد؟ كل منهما أشد من الآخر فالإسفنج يكون كبيراً فيتعب البعير؛ لأنه سوف يستقبل الهواء، والهواء يعوق البعير ويتعبه، لكنه بالنسبة إلى ظهر البعير أيسر، والرصاص بالنسبة للهواء لا يضره، لكن بالنسبة لثقله على الظهر، ربما يجرحه ويكون فيه الدَّبَر، لذلك لا بد أن يعين نوع المحمول؛ لأن ذلك يختلف.
فصار لا بد أن يعين نوع المحمول والبلد وأن يعرف الطريق، ولو قال: استأجرت منك البعير لركوب رجل عليها إلى المدينة؛ فإنه يحتاج أن يعين الرجل؛ لأن من الركاب من هو خفيف على الدابة، لو تحرك عليها اشتدت به وصارت هملاجة، ومن الناس من لا تهتم به البعير، ثم يوجعها ضرباً وهي لا تمشي، ولهذا فالركاب الذين يعرفون الركوب سواء على الإبل أو على الخيل، يختلفون اختلافاً عظيماً، وسوف يأتي ـ إن شاء الله ـ في المسابقة أنه لا بد من تعيين الراكب؛ لأن الناس يختلفون.
ثم هناك فرق بين أن يكون الراكب كبير الجسم أو صغير الجسم، إذاً لا بد من تعيين الراكب، والقاعدة: (أنه لا بد من ذكر كل ما يختلف به القصد واستيفاء المنفعة)، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: نهى عن بيع الغرر 1، والإجارة بيع منافع، وعلى هذا فلا بد أن لا يكون في هذه المنفعة شيء من الغرر.
وقوله: «أو بقر لحرث» فيما سبق الحرث يكون على البقر؛ تجتمع عدة بقرات وتسير سيراً واحداً، ثم ترجع باتجاه آخر حتى تلين الأرض.
فإذا استأجر البقر للحرث، فلا بد أن تعرف الأرض؛ لاختلافها في الشدة والليونة، وفي الرطوبة واليبوسة، ولا بد أن تعرف المساحة طولاً وعرضاً، حتى يمكن استيفاء المنفعة على وجه معلوم لا نزاع فيه.
ولو استأجر بقراً للركوب، فإن الفقهاء يقولون: يجوز أن يستعمل الحيوان في غير ما جرت العادة به، فيجوز أن يركب البقرة والجاموسة، على كل حال إذا استأجرها لهذا وكان مما جرت به العادة فلا بأس.
وقوله: «أو دياس زرع» الزرع الآن يداس بالآليات، آلات تخلص الحب من جرابه ومن ساقه، لكن فيما سبق يجمع الحب بجرابه وساقه ثم تأتي البقر وتدوسه حتى ينقى الحب، فإذا استأجرها لدياس فلا بد من معرفة القدر أو معرفة الزمن؛ فإن معرفة الزمن تكفي عن معرفة القدر؛ لأن الزمن محدد بالساعات والدياس لا يختلف، غاية ما هنالك أن البقر تدور حتى تدق السنبلة.
لو استأجر بقراً لسقي، يعني لتغرف الماء من البئر وتسقي به الزرع، فإنه يجوز، لكن لا بد من معرفة الغرب الذي يسقى به؛ لأن الغرب الكبير يشق عليها أكثر، فلا بد من معرفته حتى لا يحصل خلاف.
وقوله: «أو من يدله على طريق» يعني لو استأجر من يدله على طريق فلا بد من معرفة هذا الطريق، ولهذا قال: «اشترط معرفة ذلك وضبطه بما لا يختلف».
فالطرق فيما سبق غير معبدة ويضل الناس فيها كثيراً ويهلكون كثيراً فيحتاجون إلى أدلاء، فإذا استأجر من يدله على الطريق كان ذلك جائزاً، وقد وقع هذا للنبي صلّى الله عليه وسلّم في هجرته من مكة إلى المدينة، حيث استأجر رجلاً يقال له: عبد الله بن أريقط وكان جيداً في الدلالة ماهراً خرّيتاً، وكان مشركاً فدلّهم على الطريق 1، فيجوز أن أستأجرَ شخصاً يدلني على الطريق لكن لا بد من ضبطه بما لا يختلف، فإذا كان البلد له طريقان فلا بد أن أقول: تدلني مع الطريق الفلاني، أعيّنه؛ لأنه قد يكون الإنسان له غرض في الطريق البعيد ليزور ما فيه من القرى أو ما أشبه ذلك.
وبمناسبة ذكرنا عبد الله بن أريقط الذي دل النبي صلّى الله عليه وسلّم على الطريق في الهجرة، يؤخذ من ذلك أنه لا بأس في استئجار الكافر فيما يؤتمن عليه، سواء في دلالة الطريق أو في العلاج أو في الصنعة أو في البناء أو غير ذلك، لكن بشرط أن يكون أميناً، ويتفرع على ذلك أنه يجوز للمسلم أن يعمل بقول الطبيب الكافر في أن لا يصلي قائماً مثلاً، أو أن لا يركع، إذا كان العلاج مما يحتاج إلى عدم الركوع والسجود، وذلك ـ مثلاً ـ في مداواة الأعين، فإن كثيراً من الأطباء يقولون للمريض: لا تركع ولا
تسجد، فهذا يؤخذ بقوله، ولو كان كافراً ما دام أميناً، وكذلك في الإفطار.
وأما اشتراط بعضهم أنه لا بد أن يكون الطبيب مسلماً ففيه نظر، والصواب أنه لا بد أن يكون الطبيب أميناً سواء كان مسلماً أم غير مسلم، وكثير من الكفار يكون عنده أمانة، وإن كان لا يريد التقرب إلى الله ـ عزّ وجل ـ، لكنه يريد أن يعرف الناس صنعته وحذقه ونصحه فيتجهون إليه.
فإذا قال قائل: ما دليلكم على هذا؟ قلنا: دليلنا حديث الهجرة.
وهل يجوز أن نستأجر الكافر في بناء المساجد؟ الجواب: إذا أمنَّا ذلك، وكان القائم عليه مهندساً مسلماً فلا بأس، أما إذا لم يكن كذلك فإنه لا يجوز.
وَلاَ تَصِحُّ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُهُ مِنْ أَهْلِ القُرْبَةِ ........
قوله: «
ولا تصح على عمل يختص أن يكون فاعله من أهل القربة
» هذه العبارة تداولها العلماء ـ رحمهم الله ـ وتلقوها ناشئاً عن سابق، ومعنى هذه العبارة أن كل عمل لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يؤخذ عليه أجرة؛ ووجه ذلك أن ما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يجوز للإنسان أن يعتاض عن ثواب الآخرة شيئاً من ثواب الدنيا، قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ *﴾ [هود] فحذَّر الله ـ عزّ وجل ـ أن يريد الإنسان بعبادته شيئاً من الدنيا، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ
يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ *} [الشورى] فما كان لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن تؤخذ الأجرة عليه.
مثال ذلك: الصلاة، لو قال رجل لابنه: صلِ يا بني، فقال الابن: لا أصلي إلا كل فرض بعشرة ريالات، ليستحق كل يوم خمسين ريالاً، فاستأجره، على أن يعطيه كل فرض عشرة ريالات فالأجرة هذه لا تصح؛ لأن الصلاة لا تقع إلا قربة.
وكذلك الأذان: لو أن إنساناً قيل له: أذن، فقال: ليس عندي مانع ولكن كل أذان بخمسة ريالات، فإنه لا يصح، ولو قيل لشخص: اقرأ القرآن ليكون ثوابه للميت، فقال: لا بأس، لكن لا أقرأ إلا الجزء بعشرة ريالات، فهذا لا يصح.
فكل شيء لا يقع إلا قربة فإنه لا يصح أن يقع عليه عقد الإجارة؛ والتعليل لأن هذا عمل يقصد به ثواب الآخرة ولا ينبغي أن يكون عمل الآخرة يراد به عمل الدنيا، ولهذا قال شيخ الإسلام فيمن حج ليأخذ: (ليس له في الآخرة من خلاق) أي ليس له نصيب، وأما من أخذ ليحج فقال: لا بأس به؛ لأنه استعان بالمال على طاعة الله، والاستعانة بالمال على طاعة الله أمر جائز ولا بأس به.
سئل الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ عن رجل قيل له: أقم بنا في رمضان، يعني صل بنا القيام، فقال: لا أصلي بكم إلا بكذا وكذا، فقال الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: نعوذ بالله ومن يصلي خلف هذا؟! وهذا من الإمام أحمد يدل على أنه أبطل عبادته وبناءً على بطلان عبادته لا تصح الصلاة خلفه، وقد استعاذ الإمام