الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 85-124

كتابُ الصَّلاة

صفحات 85-124
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ولا قوة إلا بالله» فهي مشروعة عند التحمُّل، وهي كلمة استعانة، وليست كلمة استرجاع.
فالجواب: أن المؤذِّنَ لما قال: «حيَّ على الصلاة»، فإنما دعاك إلى حضورها؛ فاستعنت بالله، وذلك حيثُ تبرَّأت من حولك وقوَّتك إلى ذي الحَول والقوَّة عزّ وجل فاستعنت به، وقلت: لا حَول ولا قوَّة إلا بالله، وهذا من باب التوسُّل بذكر حال الدَّاعي وكمال المدعو.
فإن قيل: ما هو الحَول؛ وما هي القوَّة؟ فقد قال العلماء: الحَول بمعنى التحوُّل، أي: لا تحوّل من حال إلى حال إلا بالله عزّ وجل.
والقوَّة أخصُّ من القدرة، فكأنَّك قلت: لا أستطيع ولا أقوى على التَّحوُّل إلا بمعونة الله، ولهذا نقول: إن «الباء» في قوله: «إلا بالله» للاستعانة، فكلُّ إنسان لا يستطيع أن يتحوَّل من حال إلى حال، سواء من معصية إلى طاعة، أو من طاعة إلى أفضل منها إلا بالله عزّ وجل.
وقوله: «حيَّ على الفلاح» بعد قوله: «حيَّ على الصّلاة» تعميمٌ بعد تخصيص، أو دعاء إلى النتيجة والثَّواب بعد الدُّعاء إلى الصَّلاة، كأنه قال: أقبل إلى الصَّلاة، فإذا صليت نِلْتَ الفلاح.
وفي متابعة المؤذِّنِ دليلٌ على رحمة الله عزّ وجل، وسِعة فضله؛ لأن المؤذِّنين لما نالوا ما نالوه من أجر الأذان شُرع لغير المؤذِّن أن يتابعه؛ لينال أجراً كما نال المؤذِّن أجراً، ولهذا نظائر، فمن ذلك أنَّ الحُجَّاج يذبحون الهدايا يوم النَّحر، وغيرهم ممن لم يحجَّ شُرِع لهم ذبح الأضاحي، وكذلك الحجَّاج إذا

أحرموا تركوا الترفُّه فلا يحلقون شعر الرَّأس، وغيرهم من أهل الأضاحي لا يأخذون من شعورهم.

وَقَوْلُه بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوةِ التَّامَّةِ،

.................... قوله: «وقوله بعد فراغه: اللهم رَبَّ هذه الدَّعوةِ التَّامَّة... إلخ»، الحقيقة أن المؤلِّف اقتصر في الدُّعاء الذي بعد الأذان على ما ذكره، وإلا فينبغي بعد الأذان أن تُصلِّي على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم 1 ثم تقول: «اللهم ربَّ هذه الدعوة التامة... إلخ»، وفي أثناء الأذان إذا قال المؤذِّن: «أشهد أنْ لا إله إلا الله، أشهد أنَّ محمداً رسولُ الله» وأجبته تقول بعد ذلك: «رضيت بالله رَبًّا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولاً» كما هو ظاهر رواية مسلم حيث قال: «من قال حين سمع النداء: أشهد أنْ لا إله إلا الله، وأشهد أنَّ محمداً رسول الله، رضيت بالله رَبًّا وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غُفِرَ له ذَنْبه».
في رواية ابن رُمْح ـ أحد رجال الإسناد ـ: «من قال: وأنا أشهد» 2. وفي قوله: «وأنا أشهد» دليلٌ على أنه يقولها عقب قول المؤذِّن: «أشهد أنْ لا إله إلا الله»، لأنَّ الواو حرف عطف، فيعطف قولَه على قولِ المؤذِّن.
فإذاً؛ يوجد ذِكْرٌ مشروع أثناء الأذان.

وقوله: «اللهم رَبَّ هذه الدعوة التَّامة»، الدعوة التامة: هي الأذان؛ لأنه دعوة، ووَصَفَها بالتَّامة؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة، والدعوة إلى الخير.
وقوله: «اللهُم رَبَّ»، اللَّهُ بالضم، وربَّ بالفتح، لأنَّ اللَّهَ عَلَمٌ مفردٌ فيُبنى على الضمِّ، و «ربَّ» مضاف، فيكون منصوباً؛ لأن المُنادى أو ما وقع بدلاً منه إذا كان مضافاً فإنه يكون منصوباً.
وقوله: «اللهم» منادى حُذِفَت منه ياءُ النداء، وعُوِّضَ عنها الميم، وجُعِلَت الميم بعد لفظ الجلالة تيمُّناً وتبرُّكاً بالابتداء بلفظ الجلالة، واخْتِيرَ لفظ الميم دون غيره من الحروف للدلالة على الجمع؛ كأن الدَّاعي يجمع قلبه على ربِّه عزّ وجل، وعلى ما يريد أن يدعوه به.
وقوله: «رَبَّ»، «ربّ» هنا بمعنى صاحبَ الدَّعوة الذي شرعها، ولو كانت «ربّ» بمعنى خالق أشكل علينا؛ لأنَّ هذه الدَّعوة فيها أسماء الله وهي غير مخلوقة؛ لأنها من الكلام الذي أخبر به عن نفسه، وكلامه غير مخلوق، لكن لو فَسَّرنا «ربّ» بمعنى خالق على إرادة اللفظ الذي هو فعل المؤذِّن، فهذا لا إشكال فيه.

والصَّلاَةِ القَائِمَةِ

.............. قوله: «والصَّلاة القائمة»، أي: وربَّ هذه الصَّلاة القائمة؛ والمشار إليه ما تصوَّره الإنسانُ في ذِهنه؛ لأنك عندما تسمع الأذان تتصوَّر أنَّ هناك صلاة.
و «القائمة»: قال العلماء: التي ستقام فهي قائمة باعتبار ما سيكون 1.

آتِ محمداً الوَسِيْلَةَ والفَضِيْلَةَ، وابْعَثْهُ مَقَاماً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتُه.

قوله: «آتِ محمداً الوسيلةَ والفضيلةَ»، آتِ: بمعنى أعطِ، وهي تنصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر، والمفعول الأوَّل «محمداً» و «الوسيلة» المفعول الثَّاني.
والوسيلة: بيَّنها الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أنها: «درجة في الجنة، لا ينبغي أن تكون إلا لعبد من عباد الله»، قال: «وأرجو أن أكون أنا هو» 1. ولهذا نحن ندعو الله ليتحقَّق لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما رجَاه عليه الصَّلاة والسلام.
وأما الفضيلة: فهي المَنْقبَة العالية التي لا يشاركه فيها أحد.
قوله: «وابْعَثْهُ مَقَامَاً مَحْمُوداً الذي وَعَدْتهُ»، ابعثه يوم القيامة «مقاماً» أي: في مقام محمود الذي وعدته، وهذا المقام المحمود يشمل كلّ مواقف القيامة، وأَخَصُّ ذلك الشفاعة العُظمى، حينما يلحق الناس من الكرب والغَمِّ في ذلك اليوم العظيم ما لا يُطيقون، فيطلبون الشفاعة من آدم، ثم نوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم الصَّلاة والسَّلام، فيأتون في النهاية إلى نبيِّنا محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام فيسألونه أن يشفع إلى الله فيشفع لهم 2. وهذا مقام محمود؛ لأن الأنبياء والرُّسل كلهم يعتذرون عن

الشَّفاعة، إما بما يراه عُذراً كآدم ونوح وإبراهيم وموسى، وإمَّا لأنه يرى أن في المقام مَنْ هو أولى منه كعيسى.
وانظر كيف أَلْهَمَ اللَّهُ الناسَ أن يأتوا إلى هؤلاء؛ لأن هؤلاء الأربعة هم أولو العزم، وآدم أبو البشر خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته، ثم انظر كيف يُلْهِمُ الله هؤلاء أن يعتذر كُلُّ واحد بما يرى أنَّه حائل بينه وبين الشفاعة، لأن الشافع لا يتقدَّم في الشَّفَاعة، وهو يرى أنه فعل ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة، وهؤلاء الأربعة: آدم ونوح وإبراهيم وموسى؛ استحيوا أن يتقدَّموا في الشَّفاعة؛ لكونهم فعلوا ما يُخِلُّ بمقام الشَّفاعة في ظَنِّهم، مع أنهم قد تابوا إلى الله تعالى.
أما بالنسبة لإبراهيم عليه السلام فالذي فعله كان تأويلاً، لكن لكمال تواضعه اعتذر به.
والخامس لم يذكر شيئاً يُخِلُّ بمقام الشفاعة، ولكن ذَكَرَ مَنْ هو أَولى منه في ذلك، وهو محمَّد عليه الصَّلاة والسَّلام لتتمَّ الكمالات لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وهذا من المقام المحمود الذي قال الله له فيه: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا ﴾ [الإسراء] هذه الدعوات.
وقد ثَبَت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أن من صَلَّى عليه، ثم سأل الله له الوسيلة، فإنها تحلُّ له الشفاعة يوم القيامة» 1. فيكون مستحقًّا لها، وهذا لا شَكَّ أنه من نعمة الله سبحانه علينا وعلى الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم.
أما علينا فلِمَا ننالُه من الأجر من هذا الدُّعاء، وأما على الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم.
فلأن هذا مما يرفع ذكرَه أن تكون أمته إلى يوم القيامة تدعو الله له.

لكن لو قال قائل: إذا كانت الوسيلة حاصلة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فما الفائدة من أن ندعو الله له بها؟ فالجواب: لعلَّ من أسباب كونها له دُعاءُ النَّاس له بذلك، وإن كان صلّى الله عليه وسلّم أحقَّ الناس بها.
ولأن في ذلك تكثيراً لثوابنا؛ وتذكيراً لحقِّه علينا.
وفي هذا الدُّعاء عِدَّة مسائل: المسألة الأولى: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بشرٌ لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضَرًّا، ووجهه: أننا أمرنا بالدُّعاء له.
المسألة الثانية: أن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام أفضل البشر؛ لأنَّ الوسيلة لا تحصُل إلا له خاصَّة، ومعلومٌ أن الجزاء على قَدْرِ قيمة المجزيِّ، قال تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
المسألة الثالثة: الإشكال في قوله: «آتِ محمَّداً»، ولم يقل: «آتِ رسول الله»، فكيف نجمع بين هذا وبين قوله تعالى: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] على أحد التفسيرين في أنَّ المعنى لا تنادوه باسمه كما يُنادي بعضكم بعضاً؟ والجواب: أن النهي في الآية عن مناداته باسمه، وأما في باب الإخبار فلا نهيَ في ذلك.
وفي الآية قولٌ آخر؛ وهو أن قوله: ﴿لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: 63] من باب إضافة المصدر إلى فاعله لا إلى مفعوله، يعني: لا تجعلوا دُعاءَ الرَّسول إيَّاكم

كدُعاء بعضكم بعضاً، إن شئتم أجبتم، وإن شئتم لم تجيبوا، بل تجب إجابته.
تنبيه: لم يذكر المؤلِّف قوله: «إنك لا تخلف الميعاد»؛ لأن المحدثين اختلفوا فيها، هل هي ثابتة أو ليست بثابتة؟ فمنهم من قال: إنها غير ثابتة لشُذُوذِها؛ لأن أكثر الذين رَوَوا الحديث لم يرووا هذه الكلمة، قالوا: والمقام يقتضي ألا تُحذف؛ لأنه مقام دُعاء وثناء، وما كان على هذا السبيل فإنه لا يجوز حذفه إلا لكونه غير ثابت؛ لأنه مُتَعَبَّدٌ به.
ومن العلماء من قال: إنَّ سندها صحيح، وإنها تُقال؛ لأنها لا تُنَافي غيرَها، وممن ذهب إلى تصحيحها الشيخ عبد العزيز بن باز، وقال: إن سندَها صحيح، وقد أخرجها البيهقي 1 بسند صحيح.
وقالوا: إنَّ هذا مما يُختم به الدُّعاء كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران] فمن رأى أنَّها صحيحة فهي مشروعة في حقِّه، ومن رأى أنَّها شاذة فليست مشروعة في حقِّه، والمؤلِّف وأصحابُنَا يرون أنها شاذَّة ولا يُعمل بها.
تَنْبِيهات: الأوَّل: ظاهر كلام المؤلِّف أنه لا تُسَنُّ متابعةُ المقيم، وهو أظهر.
وقيل: بل تُسَنُّ 2، وفيها حديث أخرجه أبو داود لكنه

ضعيف 1؛ لا تقوم به الحُجَّة.
الثاني: ظاهر كلامه: أنَّه إذا قال المؤذِّن في صلاة الصُّبْح: «الصَّلاة خير من النوم»، فإن السَّامع يقول مثل ما يقول: «الصَّلاةُ خير من النوم» وهو الصَّحيح؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول» 2، وهذا عامٌّ في كلِّ ما يقول، لكن الحيعلتين يُقال في متابعتهما: «لا حول ولا قوَّة إلا بالله» كما جاء في الحديث، ولأن السَّامع مدعو لا داع، والمذهب أنه يقول في المتابعة في «الصلاة خير من النوم»: «صدقت وبررت» 3 وهذا ضعيف، لا دليل له؛ ولا تعليل صحيح.
التنبيه الثالث: ظاهر كلام المؤلِّف أيضاً: أن المؤذِّن لا يتابعُ نفسَه، وهو الصَّحيح؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «إذا سمعتم المؤذِّن فقولوا مثل ما يقول»، والمذهب أنه يُتابع نفسه (170)، وهو ضعيفٌ مخالف لظاهر الحديث، وللتعليل الصَّحيح وهو: أن المقصود مشاركة السَّامع للمؤذِّن في أصل الثواب.

بابُ شُرُوط الصَّلاة

الشَّرط لُغةً: العلامة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: 18]، أي: علاماتها.
والشَّرطُ عند الأصوليين: ما يلزم من عَدَمِهِ العدمُ، ولا يلزم من وجوده الوجودُ.
مثل: الوُضُوء للصَّلاة؛ يلزمَ من عدمه عدم صحَّة الصَّلاة؛ لأنه شرط لصحَّة الصَّلاة، ولا يلزم من وجوده وجود الصَّلاة، فلو توضَّأ إنسان فلا يلزمه أن يُصلِّي، لكن لو لم يتوضَّأ وصلَّى لم تصحَّ.
قوله: «شروط الصَّلاة»، الإضافة هنا على تقدير اللام، أي: شروط للصَّلاة، وذلك لأن الإضافة تارة تكون على تقدير «في»، وتارة تكون على تقدير «من»، وتارة تكون على تقدير اللام.
فتكون على تقدير «من» إذا كان الثاني جنساً للأول مثل: خَاتم حديد، أي: من حديد، وباب خشب، أي: من خشب.
وتكون على تقدير «في» إذا كان الثاني ظرفاً للأول كقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [سبأ: 33]، أي: في الليل والنهار.
وما عدا ذلك على تقدير اللام، وهو الأكثر.
تنبيه: اعترض بعضُ النَّاس على الفقهاء في كونهم يقولون: شروط، وأركان، وواجبات، وفروض، ومفسدات، وموانع،

وما أشبه ذلك، وقالوا: أين الدَّليل من الكتاب والسُّنَّة على هذه التَّسمية، هل قال الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم: إن شروط الصَّلاة كذا، وأركانها كذا، وواجباتها كذا... فإن قلتم: نعم، فأرونا إيَّاه، وإن قلتم: لا، فلماذا تُحْدِثُون ما لم يفعله الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم؟!.
والجواب: أنَّ مثل هذا الإيراد دليلٌ على قِلَّة فَهْمِ مُوْرِدِه، وأنَّه لا يُفَرِّق بين الغاية والوسيلة، فالعلماء لمَّا ذكروا الشُّروط والأركان والوجبات؛ لم يأتوا بشيء زائد على الشَّرع، غاية ما هنالك أنهم صَنَّفوا ما دَلَّ عليه الشَّرع؛ ليكون ذلك أقرب إلى حصر العلوم وجمعها؛ وبالتَّالي إلى فهمها.
فهم يصنعون ذلك لا زيادة على شريعة الله، وإنما تقريباً للشَّريعة، والوسائل لها أحكام المقاصد، كما أنَّ المسلمين لا زالوا ـ وإلى الآن ـ يبنون المدارس، ويؤلِّفون الكتب وينسخونها، وفي الأزمنة الأخيرة صاروا يطبعونها في المطابع، فقد يقول قائل أيضاً: لماذا تطبعون الكتب؛ وفي عهد الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام كان النَّاس يكتبون بأيديهم، فلماذا تفعلون شيئاً محدثاً؟ فنقول: هذه وسائل يَسَّرَها اللَّهُ عزّ وجل للعباد؛ لتُقَرِّبَ إليهم الأمورَ، ولم يَزدِ العلماء في شريعة الله شيئاً، بل بوَّبوها ورتَّبوها، فمثلاً قول الرَّسول عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل اللَّهُ صلاةً بغير طُهُور» 1، فمِنْ هذا الحديث يُفهم أنه إذا صَلَّى الإنسانُ بغير طُهُور فصلاتُه باطلة، إذاً؛ الطُهُور شرط لصحَّة الصَّلاة، فما الفرق بين ذلك وبين أن أقول: يُشترط لصحَّة الصَّلاة

الطُهُور، فمَنْ لم يتطهَّر فلا صلاة له.
وحينئذ نقول: لا اعتراض على صنيع الفقهاء رحمهم الله، بل هو من الصَّنيع الذي يُشكرون عليه؛ لما فيه من تقريب شريعة الله لعباد الله.

شُرُوطُهَا قَبْلَها منها الْوَقْتُ

................. قوله: «شُرُوطُهَا قَبْلَها»، جملة خبرية مركَّبة من مبتدأ وخبر، ومعناها أن الشرُوط تقع قبلها؛ لكن لا بُدَّ من استمرارها فيها، والأركان توافق الشُّروط في أنَّ الصَّلاة لا تصحُّ إلا بها، لكن تُخالفها فيما يلي: أولاً: أنَّ الشُّروط قبلها، والأركانَ فيها.
وثانياً: أنَّ الشُّروطَ مستمرَّة من قبل الدّخول في الصَّلاة إلى آخر الصَّلاة، والأركان ينتقل من ركن إلى ركن: القيام، فالرُّكوع، فالرَّفع من الرُّكوع، فالسُّجود، فالقيام من السُّجود، ونحو ذلك.
ثالثاً: الأركان تتركَّبُ منها ماهيَّةُ الصَّلاة بخلاف الشُّروط، فَسَتْرُ العورة لا تتركَّبُ منه ماهيَّة الصَّلاة؛ لكنه لا بُدَّ منه في الصَّلاة.
قوله: «منها الوقت»، «من» هنا للتبعيض، وهو يدلُّ على أنَّ هناك شروطاً أخرى، وهو كذلك؛ منها: الإسلام، والعقل، والتَّمييز، فهذه ثلاثة شروط لم يذكرها المؤلِّف؛ لأنَّ هذه الشُّروط معروفة، فكلُّ عبادة لا تصحُّ إلا بإسلامٍ وعقلٍ وتمييزٍ إلا الزَّكاة، فإنها تلزم المجنون والصَّغير على القول الرَّاجح، وأما صحَّة الحجِّ من الصَّبي فلورود النصِّ بذلك.
والدَّليل على اشتراط الوقت: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]، أي: مؤقَّتاً بوقته،

وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ﴾ [الإسراء].
والأدلَّة من السُّنَّة كثيرة، منها قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «وقت الظُّهر إذا زالت الشمس، وكان ظلُّ الرَّجُلِ كطوله ما لم يحضرِ العصر، ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشَّمسُ» 1، الحديث.
والصَّلاة لا تصحُّ قبل الوقت بإجماع المسلمين 2، فإن صلَّى قبل الوقت، فإن كان متعمِّداً فصلاته باطلة، ولا يسلم من الإثم، وإن كان غير متعمِّد لظنِّه أنَّ الوقت قد دخل، فليس بآثم، وصلاته نَفْل، ولكن عليه الإعادة؛ لأنَّ من شروط الصَّلاة دخول الوقت.
وقول المؤلِّف: «منها الوقت»، هذا التَّعبير فيه تساهل؛ لأن الوقت ليس بشرط، بل الشَّرط دخول الوقت، لأننا لو قلنا: إنَّ الشَّرط هو الوقت، لزم ألا تصحَّ قبله ولا بعده، ومعلوم أنها تصحُّ بعد الوقت لعُذر؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ نامَ عن صلاةٍ أو نسيها فليصلِّها إذا ذكرها» 3، وثبت عنه أنَّه صَلَّى الفجر بعد طلوع الشَّمس (172)، فتحريرُ العِبارة أن يقول: «منها دخول الوقت».
وسبقَ أن الصَّلاة قبل الوقت لا تصحُّ بالإجماع.
وهل تصحُّ بعد الوقت؟ نقول: إن كان الإنسان معذوراً فإنها تصحُّ بالنصِّ والإجماع.

أما النصُّ: فالقرآن والسُّنَّة.
أما القرآن: فإن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما ذكر قوله: «من نام عن صلاة... » إلخ، تلا قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وتلاوته للآية استشهادٌ بها.
ومن السُّنَّة: الحديث السابق.
وأما الإجماع: فمعلومٌ.
وهل تصحُّ بعد خروج الوقت بدون عُذر؟ جمهور أهل العلم على أنها تصحُّ بعده مع الإثم 1. والصَّحيح: أنها لا تصحُّ بعد الوقت إذا لم يكن له عُذر، وأنَّ من تعمَّد الصَّلاة بعد خروج الوقت فإن صلاته لا تصحُّ، ولو صَلَّى ألف مَرَّة؛ لأن الدَّليل حدَّد الوقت، فإذا تعمَّد أن تكون صلاتُه خارج الوقت لم يأتِ بأمر الله، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «من عَمِلَ عملاً ليس عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» 2، إذاً فتكون الصَّلاةُ مردودة.
وقد يُشكل على بعض الناس فيقول: إذا كان المعذور يلزمه أن يُصلِّي بعد الوقت، وإذا تعمَّد يُقال: لا يصلِّي!! أليس إلزام المتعمِّد بالقضاء أَولى من إلزام المعذور.
فيقال: إن قولنا للمتعمّد: لا يقضي بعد الوقت؛ ليس تخفيفاً عليه، ولكن ردًّا لعَمَلِه؛ لأنه على غير أمر الله وهو آثم، فيكون هذا أبلغ في رَدْعِهِ وأقربُ لاستقامته، والذي صَلَّى وهو

معذور بعد الوقت غير آثم.
إذاً؛ المتعمّد عليه أن يتوبَ إلى الله تعالى مما فعله، ولا يُصلِّي.

والطَّهَارةُ مِن الحَدَثِ، والنَّجَسِ

............. قوله: «والطَّهارة من الحدث»، أي: ومن شروط الصَّلاة: الطهارة من الحدث، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6].
ووجه الدلالة: أن الله تعالى أمر ـ إذا قمنا إلى الصَّلاة ـ بالوُضُوء من الحدث الأصغر، والغُسُل من الجنابة، والتيمُّم عند العدم، وبَيَّن أن الحكمةَ في ذلك التطهير.
إذاً؛ الإنسان قبل ذلك غيرُ طاهر، ومن كان غيرَ طاهر فإنه غيرُ لائق أن يكون قائماً بين يدي الله عزّ وجل.
وأما الدَّليل من السُّنَّة: فمنه قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا يقبلُ الله صلاةَ أحدِكُم إذا أحدثَ حتى يتوضَّأ» 1، وهذا نصٌّ صريحٌ وقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاة بغير طُهُور» 2. قوله: «والنَّجَس»، أي: ومن شروط الصَّلاة الطهارة من النَّجس.
وقد تقدم ـ في باب إزالة النَّجاسة ـ بيانُ الأعيان النجسة 3.

والطَّهارةُ من النَّجس يعني: في الثوب، والبقعة، والبدن، فهذه ثلاثة أشياء.
فالدليل على اشتراط الطهارة من النَّجاسة في الثَّوب: أولاً: ما جاء في أحاديث الحيض أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم سُئل عن دم الحيض يصيب الثَّوب فأمر أن «تَحُتَّه ثم تَقْرُصَه بالماء، ثم تَنْضِحَهُ، ثم تصلِّي فيه» 1، وهذا دليل على أنه لا بُدَّ من إزالة النَّجاسة.
ثانياً: أن الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم أُتيَ بصبيٍ لم يأكل الطَّعام؛ فبالَ في حِجْرِه، فدعا بماءٍ فأتبعه إيَّاه 2. وهذا فعل، والفعل لا يقوى على القول بالوجوب، لكن يؤيِّده ما جاء في الحديث السابق.
ثالثاً: أنَّ الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم صلَّى ذات يوم بنعليه، ثم خلع نعليه، فخلع الصحابةُ نِعالهم، فسألهم حين انصرف من الصَّلاة: لماذا خلعوا نعالهم؟ فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا، فقال: «إنَّ جبريل أتاني فأخبرني أنَّ فيهما أذًى أو قذراً» 3، وهذا يدلُّ على وجوب التَّخلي من النَّجَاسة حال الصَّلاة في الثوب.

والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في البدن: أولاً: كُلُّ أحاديث الاستنجاء والاستجمار (1) تدلُّ على وجوب الطَّهارة من النَّجاسة؛ لأن الاستنجاء والاستجمار تطهير للمحلِّ الذي أصابته النَّجَاسة.
ثانياً: أمْرُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بغسل المذي (2) يدلُّ على أنَّه يُشترط التَّخلِّي من النَّجاسة في البدن.
ثالثاً: إخباره عن الرَّجُلين اللذين يُعذَّبان في قبريهما؛ لأن أحدهما كان لا يَسْتَنْزِهُ من البول (3). والدَّليل على اشتراط الطَّهارة من النَّجاسة في المكان: أولاً: قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]. ثانياً: أنه لما بال الأعرابيُّ في المسجد؛ أمرَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذَنُوبٍ من ماء فأُهريق عليه (4). إذاً؛ فلا بُدَّ من اجتناب النَّجاسة في هذه المواطن الثلاثة، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ الكلام على اجتناب النَّجاسة مفصَّلاً في كلام المؤلِّف (5).

فَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ الزَّوَالِ إِلى مُسَاوَاةِ الشَّيءِ فَيْئَه بَعْدَ فَيءِ الزوال.

ثم شرع المؤلِّف رحمه الله في بيان أوقات الصَّلاة تفصيلاً 6 فقال: «فوقت الظُّهر من الزَّوال»، بدأ بها المؤلِّف؛ لأن جبريل بدأ12345

بها حين أَمَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم 1، ولأن الله تعالى بدأ بها حين ذكر أوقات الصَّلاة فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية [الإسراء: 78]، وبعض العلماء يبدأ بالفجر 2؛ لأنها أوَّل صلاة النَّهار، ولأنَّها هي التي يتحقَّق بالبَدَاءة بها أن تكون صلاة العصر الوسطى من حيثُ العدد.
والخَطْبُ في هذا سَهْلٌ، يعني سواء بدأنا بالظُّهر، أو بدأنا بالفجر، المهم أن نعرف الأوقات.
قوله: «إلى مُسَاواةِ الشَّيءِ فيئَه»، أي: ظِلَّه، «بعد فيءِ الزَّوال»، يقول بعضُ أهل اللغة: الفيءُ هو الظِلُّ بعد الزَّوال، وأما قبله فيُسمَّى ظلاً، ولا يُسمَّى فيئاً، وما قالوه له وجه، لأنَّ الفيءَ مأخوذ من فاء يفيء، إذا رجعَ، كأن الظِلَّ رجع بعد أن كان ضياء، أما الذي لم يزل موجوداً فلا يُسمَّى فيئاً؛ لأنَّه لم يزل مظلماً.
فقوله: «مساواةِ الشَّيءِ فيئَه بعد فيءِ الزَّوال»، وذلك أن الشَّمس إذا طلعت صار للشَّاخص ظِلٌّ نحو المغرب ـ والشَّاخص

الشيء المرتفع ـ ثم لا يزال هذا الظِلُّ ينقص بقدر ارتفاع الشمس في الأُفق حتى يتوقف عن النقص، فإذا توقَّف عن النقص، ثم زاد بعد توقُّف النقص ولو شعرة واحدة فهذا هو الزَّوال، وبه يدخل وقت الظُّهر.
وقوله: «بعد فيءِ الزَّوال»، أي: أنَّ الظِلَّ الذي زالت عليه الشمس لا يُحسب، ففي وقتنا الآن حين كانت الشِّمس تميل إلى الجنوب لا بُدَّ أن يكون هناك ظِلٌّ دائمٌ لكلِّ شاخص من النَّاحية الشِّمالية له، وهذا الظِلُّ لا يُعتبر، فإذا بدأ يزيد فَضَعْ علامةً على ابتداء زيادته، ثم إذا امتدَّ الظِلُّ من هذه العلامة بقدر طول الشَّاخص، فقد خرج وقت الظُّهر، ودخل وقت العصر، ولا فرق بين كون الشَّاخص قصيراً أو طويلاً، لكن تَبَيُّن الزِّيادة والنقص في الظِلِّ فيما إذا كان طويلاً أظهر.
أما علامة الزَّوال بالسَّاعة فاقسمْ ما بين طُلوع الشَّمس إلى غروبها نصفين، وهذا هو الزَّوال، فإذا قدَّرنا أن الشمس تطلع في الساعة السادسة، وتغيب في الساعة السادسة، فالزوال في الثانية عشرة.

وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ إِلاَّ في شِدَّةِ حَرٍّ

............ قوله: «وتعجيلها أفضل»، أي: تعجيل صلاة الظُّهرِ أفضل لما يلي: أولاً: لقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، أي: سارعوا، ولا شكَّ أن الصَّلاة من الخيرات، فالاستباق إليها معناه المبادرة إليها.
ثانياً: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حَثَّ على البَدَاءة بالصَّلاة من حين

الوقت؛ فسأله ابن مسعود: أيُّ العمل أحبُّ إلى الله؟ قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «الصَّلاةُ على وقتها» 1، أي: من حين دخول وقتها.
وقد قال بعض العلماء: إن معنى قوله: «على وقتها»، أي: وقتها المطلوب فعلها فيه شرعاً، سواء كان ذلك في أول الوقت أم آخره 2. وهذا حقٌ، لكن الأفضل التقديم؛ حتى يقوم دليلٌ على رُجحان التَّأخير.
ثالثاً: أن هذا أسرع في إبراء الذِّمة؛ لأن الإنسان لا يدري ما يعرض له، فقد يكون في أوَّل الوقت نشيطاً قادراً تَسْهُلُ عليه العِبادة، ثم يمرض، وتصعب عليه الصَّلاة، وربما يموت، فالتَّقديم أسرع في إبراء الذِّمة، وما كان أسرع في إبراء الذِّمة فهو أولى.
فيكون فضل تعجيلها دَلَّ عليه الدَّليل الأثري والنَّظري.
قوله: «إلا في شِدَّة حَرٍّ»، ففي شدَّة الحَرِّ الأفضل تأخيرها حتى ينكسر الحرُّ؛ لثبوت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة، فإنَّ شدَّة الحرِّ من فَيْحِ جهنَّم» 3، ولأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان في سفر فأراد المؤذِّنُ أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»،

ثم أراد أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»، ثم أراد أن يؤذِّنَ فقال: «أبرد»، ثم أذَّن لمَّا ساوى الظِلُّ التُّلُولَ 1. يعني: قُرب وقت صلاة العصر؛ لأنه إذا ساوى الشيءُ ظِلَّه؛ لم يبقَ ما يسقط من هذا الظلِّ إلا فيء الزَّوال، وفيءُ الزَّوال في أيَّام الصيف وشدَّة الحَرِّ قصير جداً.
فقوله في الحديث: «حتى سَاوى الظِلُّ التُّلُولَ»، يعني: مع فيءِ الزَّوال، وهذا متعيِّن؛ لأنه لو اعتبرت المساواة بعد فيء الزَّوال؛ لكان وقت الظُّهر قد خرجَ؛ فينبغي في شِدَّة الحرِّ الإبرادُ إلى هذا الوقت، يعني: قُرب صلاة العصر.
وقال بعض العلماء: بل حتى يكون للشَّواخص ظِلٌّ يُستظلُّ به 2. لكن هذا ليس بمنضبط؛ لأنه إذا كان البناء عالياً وُجِدَ الظِلُّ الذي يُستظلُّ به قريباً، وإذا كان نازلاً فهو بالعكس.
فمتى يكون للنَّاس ظِلٌّ يمشون فيه؟!.
لكن أصحُّ شيء أن يكون ظِلُّ كلِّ شيء مثله مضافاً إليه فيء الزَّوال، يعني: أنه قُرب صلاة العصر، وهذا هو الذي يحصُل به الإبراد، أمَّا ما كان النَّاس يفعلونه من قبلُ، حيث يصلُّون بعد زوال الشَّمس بنحو نصف ساعة أو ساعة، ثم يقولون: هذا إبراد.
فليس هذا إبراداً! هذا إحرار؛ لأنه معروف أن الحرَّ يكون أشدَّ ما يكون بعد الزَّوال بنحو ساعة.
فإذا قَدَّرنا مثلاً أن الشَّمس في أيام الصَّيف تزول على

الساعة الثانية عشرة، وأن العصر على الساعة الرابعة والنصف تقريباً، فيكون الإبراد إلى الساعة الرابعة تقريباً.

وَلَو صَلَّى وَحْدَه أَوْ مَعَ غَيْمٍ لمَنْ يصلِّي جَمَاعَةً،

............. قوله: «ولو صَلَّى وَحْدَه»، «لو»: إشارة خلاف؛ لأنَّ بعض العلماء يقول: إنَّما الإبراد لمن يصلِّي جماعة 1، وزاد بعضهم: إذا كان منزله بعيداً بحيث يتضرَّرُ بالذَّهاب إلى الصَّلاة (196). وهذا قيدٌ لما أطلقه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: «إذا اشتدَّ الحرُّ فأبردوا بالصَّلاة» والخطاب للجميع، وليس من حقِّنا أن نقيِّد ما أطلقه الشَّارع، ولم يُعلِّلِ الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام ذلك بأنه لمشقَّة الذَّهاب إلى الصلاة، بل قال: «إنَّ شدَّةَ الحَرِّ من فَيْحِ جهنَّم» 2. وهذا يحصُل لمن يُصلِّي جماعة، ولمن يصلِّي وحده، ويدخل في ذلك النِّساء، فإنه يُسنُّ لهنَّ الإبراد في صلاة الظُّهر في شدَّة الحرِّ.
قوله: «أو مع غَيْمٍ لمَنْ يصلِّي جماعةً»، أي: يُسنُّ تأخير صلاة الظُّهر مع الغيم لمن يُصلِّي جماعةً، والمُراد: الجماعة في المسجد.
وعلَّلوا ذلك: بأنه أرفق بالنَّاس، حتى يخرجوا إلى صلاة الظُّهر والعصر خروجاً واحداً، لأن الغَالب مع الغيم أن يحصُلَ مطرٌ، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن نشقَّ على النَّاس؛ بل ننتظر ونؤخِّر الظُّهرَ، فإذا قارب العصرَ بحيث يخرج النَّاس من بيوتهم إلى المساجد خروجاً واحداً لصلاة الظُّهر والعصر، صلينا الظُّهر.
هذا ما ذهب إليه المؤلِّف، والعِلَّة فيه كما سبق.

لكن هذه العِلَّة عليلة من وجهين: الوجه الأول: أنها مخالفة لعموم الأدلَّة الدَّالَّة على فضيلة أول الوقت.
الوجه الثاني: أنه قد تحصُل غيوم عظيمة، ويتلبَّد الجوُّ بالغمام، ومع ذلك لا تُمطر.
إذاً؛ فالصَّواب: عدم استثناء هذه الصُّورة، وأن صلاة الظُّهر يُسنُّ تقديمها إلا في شدَّة الحرِّ فقط، وما عدا ذلك فالأفضل أن تكون في أوَّل الوقت.

وَيَلِيه وَقْتُ العَصْرِ إِلَى مَصيرِ الفَيءِ مِثْلَيْه بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ، والضَّرُوْرَةُ إِلى غُرُوبِهَا.............. قوله: «وَيَليه وَقْتُ العَصْرِ»، أي: يلي وقتَ الظُّهر وقتُ العصرِ، واستفدنا من قول المؤلِّف: «ويليه» أنه لا فاصل بين الوقتين، إذ لو كان هناك فاصل فلا موالاة، وأنَّه لا اشتراك بين الوقتين؛ إذ لو كان هناك اشتراكٌ لَدَخَلَ وقتُ العصر قبل خروج وقت الظُّهر، وبكلٍّ من القولين قال بعض العلماء.
فقال بعضهم: إن هناك فاصلاً بين وقت الظُّهر ووقت العصر لكنه يسير 1. وقال آخرون: هناك وقت مشترك بقَدْرِ أربع ركعات بين الظُّهر والعصر (198). والصَّحيح: أنه لا اشتراك، ولا انفصال، فإذا خرج وقتُ الظُّهر دخل وقتُ العصر.

قوله: «إِلَى مَصيرِ الفَيءِ مِثْلَيْه بَعْدَ فَيءِ الزَّوَالِ»، يعني: أنَّ فيءَ الزَّوال لا يُحسب، فنبدأُ منه، فإذا صار الظِلُّ طول الشَّاخص فهذا نهاية وقت الظُّهر ودخول وقت العصر؛ وإذا كان طول الشَّاخص مرَّتين؛ فهو نهاية وقت العصر، فوقت الظُّهر من فيء الزَّوال إلى أن يكون ظِلُّ الشَّيءِ مثله، والعصر إلى أن يصير مثليه، وبهذا يكون وقت الظُّهر أطول من وقت العصر بكثير؛ لأن الظِلَّ في آخر النهار أسرع، وكلما دنت الشَّمس إلى الغروب كان الظِلُّ أسرع، فيكاد يكون الفرق الثُّلث.
فوقت الظُّهر طويل بالنسبة لوقت العصر الاختياري، لكن وقت الضَّرورة في العصر إلى غروب الشَّمسِ، فيكون بهذا الاعتبار طويلاً.
فلننظر هذا الأمر بالتوقيت الغروبي: فالتوقيت الغروبي في أطول يوم من السَّنَة، يُؤذَّنُ للظُّهر الساعة (5.7) ويُؤذَّن للعصر تمام الساعة (8.35). فالفارق بينهما ثلاث ساعات ونصف تقريباً، ومن الساعة (8.35) إلى الغروب ثلاث ساعات وخمس وعشرون دقيقة، إذاً؛ وقت الظُّهر أطول حتى ولو كان وقت العصر مضافاً إليه وقت الضَّرورة.
قوله: «والضَّرُورَة إلى غُرُوبها»، أي: وقت الضَّرورة إلى غروبها، أي: أنه يمتدُّ وقت الضَّرورة إلى غروب الشَّمس، والدَّليل على جعل الوقت الاختياري إلى مصير ظِلِّ كلِّ شيء

مثله: حديث جابر في قصة جبريل 1. ولكن الرَّاجح في هذه المسألة: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن الرَّسول عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «وقت العصر ما لم تصفرَّ الشمسُ» 2، أي: ما لم تكن صفراء، وهذا في الغالب يزيد على مصير ظِلِّ كلِّ شيء مثليه، وهذه الزيادة تكون مقبولة؛ لأن الحديث في «صحيح مسلم»، ومن قول الرَّسول صلّى الله عليه وسلّم.
ويمكن أن يُجاب عن حديث جبريل: بأنه ابتدأ الصَّلاة بالنبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حين صار ظِلُّ كلِّ شيء مثليه، وأنها إذا صُلِّيت وانتُهيَ منها تكون الشمس قد اصفرَّت؛ ولا سيَّما في أيام الشتاء وقِصَر وقت العصر.
وسواءٌ صَحَّ هذا الجمع أم لم يصحَّ فإن الأخذ بالزَّائد متعيِّن؛ لأنَّ الأخذ بالزَّائد أخذٌ بالزَّائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد.
وعليه فنقول: وقت العصر إلى اصفرار الشمس.
والدَّليلُ على أنَّ وقتها يمتدُّ إلى غروب الشمس: قولُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أدرك ركعةً من العصر، قبل أن تَغْرُبَ الشَّمسُ فقد أدرك العصرَ» 3 وهذا نصٌ صريحٌ في أن الوقت يمتدُّ إلى

الغروب؛ لكنه يُحمل على وقت الضَّرورة جمعاً بينه وبين النصوص الدَّالَّة على أن وقتها إلى اصفرار الشمس.
فإذا قال قائل: لماذا لم نأخذ بهذا الحديث؛ لأنه زائد على حديث عبد الله بن عمرو ونحوه؛ لأنّ الزيادة يُؤخذ بها؛ لأنها تنتظم النقص ولا عكس؟ فيُجاب عن ذلك بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم حدَّد وقت العصر في حديث عبد الله بن عمرو وقال: «ما لم تصفرَّ الشَّمسُ»، فيُجمع بين الحديثين بأن يُقال: «ما لم تصفرَّ الشَّمسُ» هذا وقت الاختيار، و «إلى الغروب» وقت الضَّرورة.
فإن قيل: ما معنى وقت الضَّرورة؟ فالجواب: أن يضطر الإنسان إلى تأخيرها عن وقت الاختيار.
مثاله: أن يشتغل إنسان عن العصر بشغل لا بُدَّ منه، ولنفرض أنه أُصيب بجرح؛ فاشتغل به يُلبِّده ويِضَمّدُه، وهو يستطيع أن يصلِّيَ قبل الاصفرار، لكن فيه مشقَّة، فإذا أخَّر وصَلَّى قُبيل الغروب فقد صَلَّى في الوقت ولا يأثم، لأنَّ هذا وقت ضرورة، فإذا اضطر الإنسان إلى تأخيرها لوقت الضَّرورة فلا حرج، وتكون في حقِّه أداء.

وَيُسَنُّ تَعْجِيْلُها.

قوله: «ويُسَنُّ تَعجِيلُها»، أي: يُسَنُّ في صلاة العصر تعجيلُها في أوَّل الوقت وذلك لما يلي: 1 - لعموم الأدلة الدَّالة على المبادرة إلى فعل الخير كما في قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]. 2 - ما ثبت أن الصَّلاة في أوَّل وقتها أفضل.

3 - ما ثبت عن النبيِّ عليه الصَّلاة والسَّلام من حديث أبي بَرْزَةَ الأَسْلَمي أنه كان صلّى الله عليه وسلّم يُصلِّي العصرَ والشَّمسُ مرتفعة؛ حتى إنهم يذهبون إلى رِحَالِهم في أقصى المدينة والشَّمسُ حَيَّةٌ 1.

وَيَلِيه وَقْتُ المغْرِبِ إِلى مَغِيْبِ الحُمْرَةِ، وَيُسَنُّ تَعْجيلُها إِلا لَيْلَةَ جَمْعٍ لِمَنْ قَصَدَها مُحْرِماً............. قوله: «ويليه وَقْتُ المَغْرب إلى مَغيب الحُمْرَة»، أي: يلي وقتَ العصر، بدون فاصل وبدون اشتراك بينهما في الوقت، فوقت المغرب من مغيب الشَّمس إلى مغيب الحُمْرة.
وقوله: «إلى مغيب الحُمْرة»، أي: الحُمْرة في السَّماء، فإذا غابت الحُمْرة لا البياض، فإنه يخرجُ وقتُ المغرب، ويدخلُ وقتُ العِشَاءِ، ومقداره في السَّاعة يختلف باختلاف الفُصول، فتارة يطول وتارة يقصر؛ لكنه يُعرف بالمشاهدة، فمتى رأيت الحُمْرة في الأُفُقِ قد زالت فهذا دليل على أن وقت المَغْربِ قد انقضى، وهو يتراوح ما بين ساعة وربع، إلى ساعة ونصف وثلاث دقائق تقريباً بعد الغروب.
قوله: «ويُسَنُّ تعجيلُها»، أي: يُسَنُّ تعجيل صلاة المَغْرب؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يصلِّيها إذا وجبت 2، أي: إذا وجبت الشَّمس وغربت؛ فيُبادر بها، لكن المبادرة ليس معناها أنه حين ما يؤذِّن يقيم، لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلُّوا قبل المغرب، قالها ثلاثاً، ثم قال في الثالثة: لمن شاء» 3، وكان الصَّحابة رضي الله عنهم إذا أذَّن

المغربُ يقومون فيُصلّون، وكان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يراهم ولا ينهاهم 1، وهذا يدلُّ على أن معنى التَّعجيل أن يبادر الإنسان من حين الأذان، ولكن يتأخَّر بمقدار الوُضُوء والركعتين وما أشبه ذلك.
قوله: «إلا ليلة جَمْعٍ»، جَمْع اسم «مُزْدَلِفة»، وسُميت جَمْعاً؛ لاجتماع الناس فيها ليلة العيد، من قريش وغيرهم، و «عَرَفة» لا يجتمع فيها الناس؛ لأن قريشاً في الجاهلية كانوا لا يقفون في «عرفة»، ويقفون في «مزدلفة».
قوله: «لَمن قَصَدها مُحْرماً»، أي: قصد «جَمْعاً» محرماً، فالضَّمير هنا يعود على «جَمْع»، وليس على الصَّلاة، ولو قال المؤلِّف رحمه الله: إلا ليلة مُزْدَلفة للحاجِّ لكان أوضح وأخصر، وهو مؤدَّى العبارة، لكن كثيراً من الفقهاء، ولا سيّما أصحاب المذاهب المقلِّدة، يتناقلون العبارة من أوَّل مَنْ عَبَّر بها إلى آخر من تكلَّم بها، ولا سيَّما وأن هذا الكتاب مختصر من «المقنع» للموفق، فتجده تَبِع في العبارة من سبقه.
وعلى كُلٍّ؛ فالمؤلِّف رحمه الله استثنى في صلاة المغرب مسألة واحدة وهي: الحاجُّ إذا دفع من «عَرَفة» فإنه لا يُصلِّي في «عَرَفة» ولا في الطريق، بل يُصلِّي في «مُزْدَلفة».
ودليل ذلك: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما نزل وبَالَ في «الشِّعْبِ» قال له أسامة بن زيد ـ وكان رديفاً له ـ: الصَّلاةَ يا رسول الله، فقال: «الصَّلاةُ أمامك» 2 فلم يصلِّ.
إذاً؛ يؤخِّرها إلى مُزْدَلِفة.
واستثنى

فقهاؤنا رحمهم الله في الكتب المطوَّلة: إن لم يُوافها وقت الغروب 1، أي: إن لم يَصلْ إليها وقت الغروب، فإن وافاها في ذلك الوقت صلاَّها في وقتها وبادر بها.
فإن قال قائل: لو تأخَّرتُ في الطريق، وخفتُ أن يخرج وقتُ العشاء، فماذا أصنع؟ فالجواب: إذا خاف خروج الوقت وجب عليه أن ينزل فيصلِّي، فإن لم يمكنه النُّزول صَلَّى، ولو على ظهر راحلته.
مُحْرِماً وَيَلِيه وَقْتُ العِشَاءِ إِلى الفَجْرِ الثَّانِي وَهُوَ: البَيَاضُ المُعْتَرِضُ........... قوله: «وَيَلِيه وَقْتُ العِشَاءِ إلى الفَجْرِ الثَّانِي وَهُوَ: البَيَاضُ المُعْتَرِضُ».
أي: يلي وقتَ المَغْرب وقتُ العشاء، وعلى كلام المؤلِّف يمتدُّ إلى طلوع الفجر الثاني، وهو البياض المعترض، وعلى هذا تكون صلاة العشاء أطول الصَّلوات وقتاً؛ لأنها من خروج وقت المَغْرب إلى طلوع الفجر الثَّاني.
والفجر الثاني بيَّنه المؤلِّف بقوله: «وهو البياض المعترض» في الأُفق، يعني: من الشَّمال إلى الجنوب.
وأفادنا المؤلِّف رحمه الله بقوله: «إلى طُلوع الفجر الثاني» أنَّ هناك فجراً أوّل وهو كذلك.
والفجر الأوَّل يخرج قبل الثَّاني بنحو ساعة، أو ساعة إلا ربعاً، أو قريباً من ذلك.
وذكر العلماء أن بينه وبين الثاني ثلاثة فُروق 2:

الفرق الأول: أن الفجر الأوَّل ممتدٌّ لا معترض، أي: ممتدٌّ طولاً من الشَّرق إلى المغرب، والثاني معترض من الشّمال إلى الجنوب.
الفرق الثاني: أن الفجر الأوَّل يُظلم، أي: يكون هذا النُّور لمدَّة قصيرة ثم يُظلم، والفجر الثاني: لا يُظلم بل يزداد نوراً وإضاءة.
الفرق الثالث: أن الفجر الثَّاني متَّصل بالأُفق، ليس بينه وبين الأُفق ظُلمة، والفجر الأوَّل منقطع عن الأُفق، بينه وبين الأُفق ظُلمة.
والفجر الأوَّل لا يترتَّب عليه شيء من الأمور الشرعيَّة أبداً، لا إمساك في صوم، ولا حِلُّ صلاة فجر، فالأحكام مرتَّبة على الفجر الثَّاني.
والدَّليل على دخول وقتها: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص 1 وحديث جبريل 2، فإنهما يدلاَّن على أنَّ وقت العشاء يدخل بمغيب الشَّفق.
والدَّليل على أنّ آخر وقتها إلى طلوع الفجر قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس في النَّوم تفريط، إنَّما التفريط على من أخَّرَ الصَّلاة حتى يدخل وقتُ الصَّلاة الأُخرى» 3. قالوا: فهذا دليل على أن أوقات

الصَّلاة مُتَّصِلة، وإذا كان كذلك فآخِرُ وقتِ العشاء الآخرة وقتُ طلوع الفجر 1. ولكن هذا ليس فيه دليل؛ لأن قوله: «إنما التفريط على من أخَّرَ الصَّلاة حتى يدخل وقتُ الصَّلاة الأُخرى»، يعني: فيما وقتاهما متَّصل، ولهذا لا يدخل فيه صلاة الفجر مع صلاة الظُّهر بالإجماع 2، فإن صلاة الفجر لا يمتدُّ وقتُها إلى صلاة الظُّهر بالإجماع.
وإذا لم يكن في هذا الحديث دليل؛ فالواجب الرُّجوع إلى الأدلَّة الأخرى، والأدلَّة الأخرى ليس فيها دليل يدلُّ على أن وقت العشاء يمتدُّ إلى طلوع الفجر، بل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص 3، وحديث جبريل 4، يدلاَّن على أن وقت العشاء ينتهي عند منتصف الليل.
وهذا الذي دلّت عليه السُّنَّة، هو الذي دلَّ عليه ظاهر القرآن؛ لأن الله عزّ وجل قال في القرآن: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء: 78]، أي: من دُلُوك الشَّمس، لكن أتى باللام للدَّلالة على أن دخول الوقت عِلَّة في الوجوب، أي: سبب، ولهذا قال الفقهاء: الوقت سبب لوجوب الصَّلاة، وشرط لصحَّتها 5. والدليل على أن اللام بمعنى «من»: الغاية «إلى»، والغاية يكون لها ابتداء كأنَّه قال: «مِنْ دُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْل»، لكن أتى باللام إشارة إلى أنَّ

دخول الوقت عِلَّة الوجوب، ويكون غَسَقُ الليل عند منتصفه؛ لأن أشدَّ ما يكون الليلُ ظُلمة في النصف، حينما تكون الشَّمس منتصفة في الأُفق من الجانب الآخر من الأرض.
إذاً: من نصف النَّهار الذي هو زوالها إلى نصف الليل جعله الله وقتاً واحداً؛ لأن أوقات الفرائض فيه متواصلة، الظُّهر، يليه العصر، يليه المَغْرب، يليه العِشَاء، إذاً ما بعد الغاية خارج، ولهذا فَصَلَ فقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ فَفَصَل وجعل الفجر مستقلاً، فدلَّ هذا على أن الصَّلوات الخمس أربعٌ منها متتالية، وواحدة منفصلة.
فالصَّواب إذاً: أنَّ وقت العِشَاء إلى نصف الليل.
ولكن ما المراد بنصف الليل؟ هل الليل من غروب الشَّمس إلى طُلوعها؟ أو من غروب الشَّمس إلى طُلوع الفجر؟ أما في اللغة العربية: فكلاهما يُسمَّى ليلاً، قال في «القاموس»: «الليل: من مغرب الشَّمس إلى طُلوع الفجر الصَّادق أو الشمس» (1). أما في الشَّرع: فالظَّاهر أن الليل ينتهي بطلوع الفجر، وعلى هذا نقول: الليل الذي يُنَصَّفُ من أجل معرفة صلاة العشاء: من مغيب الشَّمس إلى طُلوع الفجر، فنِصْفُ ما بينهما هو آخر الوقت، وما بعد منتصف الليل ليس وقتاً للصَّلاة المفروضة، إنما هو وقت نافلة وتهجُّد.

وتَأْخِيْرُهَا إِلى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَفْضَلُ إِنْ سَهُلَ.

قوله: «وتأخيرها إلى ثُلُثِ الليل أفضل إن سَهُلَ»، فإن شَقَّ1

فَتُعَجَّل في أوَّل الوقت، ثم إذا سَهُلَ فالأفضل تأخيرها إلى ثُلُث الليل.
دليل ذلك: حديث أبي بَرْزَة رضي الله عنه قال: «كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يستحبُ أن يؤخِّرَ العشاء» 1، وفي حديث جابر رضي الله عنه: «إذا رآهم اجتمعوا عَجَّلَ، وإذا رآهم أبطؤوا أخَّرَ» 2، وثبت عنه صلّى الله عليه وسلّم أنه تأخَّر ذات ليلة حتى ذهب عامةُ الليل، فقامَ إليه عمرُ فقال: يا رسول الله، نامَ النساءُ والصبيانُ، [فخرج ورأسُه يقطرُ ماءً] وقال: «إنه لوقتها لولا أن أشقَّ على أمتي» 3. فهذه أدلَّة واضحة على أن تأخيرها إلى ثُلث الليل أفضل، ولكن إن سَهُلَ، وإن صَلَّى بالنَّاس فالأفضل مراعاة النَّاس، إذا اجتمعوا صَلَّى، وإن تأخَّروا أخَّر.
كما في حديث جابر.
وإذا كانوا جماعة محصورين لا يهمهم أن يعجِّل، أو يؤخِّر فالأفضل التأخير.
والنساء في بيوتهن الأفضل لهنَّ التَّأخير إن سَهُل.
فإن قال قائل: هل الأَولى مراعاة تأخير الصَّلاة إلى آخر الوقت، أو الصلاة مع الجماعة؟ فالجواب: الصَّلاة مع الجماعة؛

لأن صلاة الجماعة واجبة، والتأخير مستحبٌّ، ولا مقارنة بين مستحبٍّ وواجب.
وظاهر كلامه أن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل جائز؛ لأنه لم يُفصح أنه وقت ضرورة، وقد صرَّح غيره بأنه وقت ضرورة (1) لا يجوز تأخير الصَّلاة إليه إلا لضرورة، وقد سبق أن الصحيح أن وقتها ينتهي بنصف الليل (2).

وَيَليهِ وَقْتُ الفَجْرِ إِلى طُلُوعِ الشَّمسِ.

قوله: «ويليه وقتُ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمسِ»، لم يُبيِّن المؤلِّفُ ابتداء وقت الفجر؛ لأنه يرى أن وقت العشاء يمتدُّ إلى طلوع الفجر، ولهذا قال: «ويليه وقتُ الفَجْرِ» فيكون من طلوع الفجر الثَّاني إلى طلوع الشَّمس.
ومقداره بالسَّاعة يختلف، قد يكون ساعة ونصفاً، وقد يكون ساعة وربعاً كالمغرب.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله: «من ظَنَّ أن حِصَّة الفجر كحِصَّة المغرب فقد أخطأ وغلط» 3، أي: أن بعض النَّاس يجعل ساعة ونصفاً بين طُلوع الفجر وطُلوع الشَّمس، وساعة ونصفاً بين مغيب الشمس ومغيب الشفق شتاءً وصيفاً، يقول شيخ الإسلام: هذا خطأ، وليس بصحيح؛ لأن مقدار ما بين طُلوع الفجر وطُلوع الشَّمس في أيام الشتاء يطول لتصاعد الأبخرة إلى فوق؛ فينعكس عليه ضوءُ الشَّمس مبكِّراً؛ فتطول حِصَّةُ الفجر، وعكس ذلك في الصيف، وإذا طالت حِصَّة الفجر قَصُرَت حِصَّةُ المغرب، والعكس بالعكس.
وعلى كُلٍّ؛ هذه ظواهر أُفقيَّة12

يمكن أن يُطَّلَع على أكثر مما قال شيخ الإسلام رحمه الله.
أما بالنسبة للمُشَاهد، فإذا كنت في بَرٍّ وليس حولك أنوار تمنع الرؤية ولا قَتَرٌ، فإذا رأيت البياض ممتدًّا من الشِّمال إلى الجنوب فقد طلع الفجرُ ودخل وقتُ الصَّلاة، أما قبل أن يتبيَّن فلا تصلِّ الفجر.
وقوله: «إلى طُلوع الشَّمس» ودليل ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه مسلم (1) وغيره.
وبعد طُلوع الشَّمس إلى زوال الشَّمس ليس وقتاً لصلاة مفروضة، كما أن من نصف الليل إلى طُلوع الفجر ليس وقتاً لصلاة مفروضة على القول الرَّاجح (2).

وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ

........... قوله: «وَتَعْجِيْلُها أَفْضَلُ»، أي: تعجيل صلاة الفجر في أوَّل وقتها أفضل.
دليل ذلك ما يلي: أولاً: من القرآن: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]، ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الحديد: 21]، وهذا يحصُل بالمبادرة بفعل الطَّاعة.
ثانياً: من السُّنَّة: أن الرَّسولَ عليه الصَّلاة والسَّلام كان يصلِّيها بغَلَسٍ 3، وينصرف منها حين يعرفُ الرَّجُلُ جليسَه، وكان يقرأ بالسِّتين إلى المائة 4، وقراءة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مرتَّلة، يقف عند كلِّ12

آية مع الرُّكوع والسُّجود وبقيَّة أفعال الصَّلاة، فدلَّ ذلك على أنَّه كان يُبادر بها جداً.
ثالثاً: من حيثُ المعنى: أنَّ المبادرة أفضل، وذلك لأنَّ الإنسان لا يدري ماذا يعرض له، قد يدخل الوقت وهو صحيح معافى، واجدٌ لجميع شروط الصَّلاة، ثم يطرأ عليه ما يمنعه من فعل الصَّلاة، أو من كمالها بمرض أو موت أو حَبْسٍ أو غير ذلك، فكان مقتضى النَّظَرِ أن يتقدَّم بفعلها.
وأما من رأى أن تأخير الفجر أفضل واستدلَّ بحديث: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم لأجوركم» 1، فهذا الحديث ـ إن صَحَّ ـ فالمراد به: ألا تتعجَّلوا بها حتى يتبيَّن لكم «السَّفْرُ»، أي: الإسفار وتتحقَّقُوا منه، وبهذا نجمع بين هدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم الرَّاتب الذي كان لا يَدَعُهُ وهو التَّغليس بها، وبين هذا الحديث.
فإن قيل: ما الحكمة في جعلها في هذه الأوقات؟

فالجواب: أمَّا الفجر: فإن ظُهور الفجر بعد الظَّلام الدَّامس من آيات الله عزّ وجل التي يستحقُّ عليها التَّعظيم والشُّكر، فإن هذا النُّور السَّاطع بعد الظَّلام الدَّامس لا أحد يستطيع أن يأتيَ به إلا الله؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيَكُمْ بِضِيَاءٍ﴾ [القصص: 71].
وأما الظُّهر: فلأنَّ انتقال الشَّمس من الناحية الشرقية إلى الغربية أيضاً من آيات الله عزّ وجل، فإنه لا يستطيع أحدٌ أن ينقلها من هذه الجهة إلى هذه الجهة إلا اللَّهُ عزّ وجل.
وأما العصر: فلا يظهر لنا فيها حكمة، ولكنَّه لا شَكَّ أن لها حكمةً بالغةً.
وأما المغرب: فالحكمة فيها كالحكمة في صلاة الفجر، وهو أن الليل من آيات الله عزّ وجل العظيمة التي يستحقُّ عليها الشُّكر والتَّعظيم.
وكذلك نقول في العِشَاء: لأنَّ مغيب الشَّفق وزوال آثار الشَّمس، هو أيضاً من الآيات العظيمة الدَّالة على كمال قدرة الله عزّ وجل وحكمته.

وَتُدْرَكُ الصَّلاَةُ بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرامِ في وَقْتِها

............ قوله: «وَتُدْرَكُ الصَّلاَةُ بِتَكْبِيْرَةِ الإِحْرامِ في وَقْتِها»، قوله: «الصَّلاة» عامَّة لصلاة الفريضة وصلاة النَّافلة المؤقَّتة مثل صلاة الضُحى والوتر، فإنهما مؤقَّتان، وكذلك الرَّواتب فإنها مؤقَّتة، فالرَّواتب القَبليَّة وقتها من دخول وقت الصَّلاة إلى إقامة الصَّلاة، والرَّواتب البعديَّة من انتهاء الصَّلاة إلى خروج الوقت، فكلُّ صلاة مؤقَّتة تُدرك بتكبيرة الإحرام.

وتعليل ذلك: أن من أدرك تكبيرة الإحرام أدرك جُزءاً من الوقت، وإدراك الجُزء كإدراك الكُلِّ، فالصَّلاة لا تتبعَّضُ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، سواء كان هذا الإدراك من أوَّل الوقت أم من آخر الوقت.
فمثال ما كان من أوَّل الوقت: لو أنَّ امرأة أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من صلاة المغرب، ثم أتاها الحيضُ فنقول: أدركت الصَّلاة، فيجب عليها إذا طَهُرت أن تُصلِّيَ المغربَ، لأنها أدركت مقدار تكبيرة الإحرام من الوقت.
ومثال ما كان من آخره: لو كانت امرأة حائضاً، ثم طَهُرت قبل غروب الشَّمس بقَدْرِ تكبيرة الإحرام، فإنَّ صلاة العصر تلزمها؛ لأنها أدركت من الوقت مقدار تكبيرة الإحرام، هذا من جهة الحكم.
ومن جهة الثَّواب، يُثاب من أدرك تكبيرة الإحرام في الوقت ثواب من أدرك جميع الصَّلاة، وتكون الصَّلاةُ في حقِّه أداء، لكنه لا يجوز أن يؤخِّر الصَّلاة، أو بعضَها عن وقتها، ويأثم بذلك، لكن مع ذلك نقول إنك قد أدركتها أداء.
هذا تقرير المذهب.
والقول الثاني: أنها لا تُدرك الصَّلاة إلا بإدراك ركعة 1؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدركَ الصَّلاةَ» 2، وهذا القول هو الصَّحيح، وهو اختيار شيخ الإسلام

ابن تيمية (1)؛ لأن الحديث ظاهر فيه، فهو جملة شرطيَّة «مَنْ أدرك ركعةً فقد أدرك... »، مفهومه: من أدرك دون ركعة فإنه لم يُدركْ، فعلى هذا؛ لو حاضت المرأة بعد دخول الوقت بأقلَّ من مقدار ركعة لم يلزمها القضاء؛ لأنها لم تدرك ركعة، وإن حاضت بعد دخوله بركعة لزمها القضاء.
وقيل: لا يلزمها القضاء إلا أن تحيض قبل خروج الصَّلاة بمقدار الصَّلاة والتطهُّر لها (2)، لأنها قبل ذلك لا يلزمها فعل الصَّلاة؛ لكون الوقت مُوسَّعاً، ولو طَهُرت قبل خروج الوقت بأقلَّ من رَكعة فإنّه لا يلزمها قضاء الصَّلاة؛ لأنها لم تدرك ركعة.
ويَنْبَني على هذا أيضاً إدراكات أخرى مثل إدراك الجماعة: هل تُدرك الجماعة بركعة، أو تُدرك بتكبيرة الإحرام (3)؟ والصَّحيح: أنها لا تُدرك إلا بركعة، كما أن الجُمعة لا تُدرك إلا بركعة بالاتفاق، فكذلك الجماعة لا تدرك إلا بركعة.
وقوله: «بتكبيرة الإحرام في وقتها» يشمل وقت الضَّرورة ووقت الاختيار، وليس عندنا صلاةٌ لها وقتان إلا صلاةٌ واحدة وهي العصر على القول الرَّاجح.
فلو أدرك تكبيرة الإحرام قبل غروب الشَّمس فقد أدرك صلاة العصر، لكن سبقَ أنَّ الإدراك معلَّق بركعة.

ولاَ يُصَلِّي قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا

............. قوله: «ولاَ يُصَلِّي قَبْلَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ بِدُخُولِ وَقْتِهَا»، أي: لا123

يصلِّي الإنسان، وإن شئت فقل: ولا يصلِّي مصلٍّ؛ لأنه إذا لم يكن عَوْدُ الضَّمير على شيء معلوم؛ فليكنْ عَوْدُ الضَّمير على وصف مشتقٍّ من المصدر الذي اشتُق منه الفعل.
وقوله: «قبل غلبة ظَنِّه بدخول وقتها»، أفادنا المؤلِّف بقوله: قبل غلبة ظَنِّه» أنه يجوز أن يُصلِّي إذا غلب على ظنِّه دخول الوقت، فإذا كان الجوُّ صحواً وشاهدنا الشَّمس قد غربت نصلِّي المغرب، فهنا تيقَّنَّا دخول الوقت، وإذا كانت السماء مُغَيِّمَة ولم نشاهد الشَّمس، ولكن غلب على ظنِّنَا أنها قد غابت، نُصلِّي، وهذه صلاة بغلبة الظنِّ.
أما الأوّل فدليله ظاهر.
وأما الثَّاني ـ وهو الصَّلاة بناءً على غلبة الظنِّ ـ فلأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أفطر هو وأصحابه بغلبة الظَّنِّ.
كما في حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت: «أفطرنا على عهد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في يوم غيم؛ ثم طلعت الشَّمسُ» أخرجه البخاري 1، وهنا أفطروا بغلبة الظنِّ قطعاً لا باليقين، فإذا جاز العمل بغلبة الظَّنِّ في خروج الوقت، وهو هنا وقت الصَّوم جاز العمل بغلبة الظنِّ في دخول الوقت، بل إن لازم ذلك أنهم لو صَلُّوْا المغرب حين أفطروا صحَّت الصلاة إذا لم يتبيَّن الأمر خلاف ذلك.
مسألة: هل يُصلِّي مع الشَّكِّ في دخول الوقت؟

الجواب: لا يصلِّي مع الشَّكِّ، وذلك لأنَّ الأصل العدم، فلا يُعدل عن الأصل إلا بمسوِّغ شرعي.
وهل يُصلِّي مع غلبة الظنِّ بعدم دخول الوقت؟ الجواب: لا يُصلِّي من باب أَولى.
وهل يُصلِّي مع اليقين بعدم دخول الوقت؟ الجواب: لا يجوز.
إذاً؛ لا يُصلي في ثلاث صُور، ويصلِّي في صورتين، فالصُّور خمس: تيقُّنُ دخول الوقت، وغلبة الظنِّ بدخوله، فله الصَّلاة في هاتين الصُّورتين، لكن لو تيقَّن في الصّورة الثانية أنه صلَّى قبل الوقت لزمته الإعادة، وتكون الأُولى نَفْلاً.
الصورة الثالثة والرابعة والخامسة: الشكُّ في دخوله، وغلبة الظنِّ بعدم دخوله، واليقين بعدم دخوله فلا يُصلِّي.
واستفدنا من كلام المؤلِّف: أنَّ غلبةَ الظنِّ لها مدخل في العبادات، وإن كان بعض العبادات لا يمكن أن تُفعل إلا باليقين، لكن كثيراً من العبادات مبنيَّة على غلبة الظنِّ، بل هذه قاعدة في العبادات وهي: «البناء على غلبة الظَنِّ»، ولهذا لو شَكَّ الإنسان كم صَلَّى، فالصَّحيح أنه يعمل بما ترجَّحَ عنده، والمذهب: لا يعمل إلا باليقين 1، وإذا شَكَّ في عدد أشواط الطَّواف، أو أشواط السَّعي، فإنه يبني على غالب ظنِّه إذا كان عنده ترجيح، أمَّا إذا لم يكن عنده ترجيح فيبني على اليقين.

جارٍ التحميل