كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
المؤلف: «يجب العشر على مستأجر الأرض» فيما إذا كان ذلك في الزرع، أما في الثمار فلا يتصور؛ لأنه على المذهب لا يصح أن تستأجر هذا النخيل بثماره، والراجح ما ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله.
والناس هنا في القصيم لما ظهرت هذه الفتوى استراحوا وصاروا يؤجرون البساتين، فمثلاً يقول: استأجرت منك البساتين بـ (100.000) فيعطيه المائة ألف، والآخر يستقل بالثمر.
وابن عقيل ـ رحمه الله ـ فصّل، وقال: إذا كان أكثر الأرض بياضاً، لا نخيلاً، يجوز اعتباراً بالأكثر؛ لأن تأجير الأرض جائز فيلحق الأقل بالأكثر.
أما الطريق على المذهب فهو أن تساقي على النخل، وتؤجر الأرض، أي: تقول ساقيتك على هذا النخل بثلث ثمره، وأجرتك هذه الأرض بعشرة آلاف، فيأخذ الأرض ويزرعها، والزرع له والنخل يقوم عليه بثلث ثمرته.
مسألة: لو كانت الأرض خراجية، فالزكاة فيها على المستأجر، والخراج على المالك؛ ووجه ذلك أن الخراج على عين الأرض فيكون على مالكها، والزكاة على الثمار فتكون على مالك الثمار وهو المستأجر، ولو كان المالك هو الذي يزرع الأرض، فعليه الخراج باعتباره مالكاً للأرض، والزكاة باعتباره مالكاً للزرع، أو الثمر.
مسألة: على من تجب الزكاة في المزارعة والمساقاة والمغارسة؟
تجب الزكاة في هذه الأحوال على العامل وعلى مالك الأصل بقدر حصتيهما، إن بلغت حصة كل واحد منهما نصاباً، فإن لم تبلغ انبنى على تأثير الخلطة في غير بهيمة الأنعام، وقد تقدم بيان الخلاف في ذلك.
وَإِذَا أخَذَ مِن ملكِهِ أوْ مَوَاتٍ مِن العَسَلِ مِائَةً وَسِتِّينَ رِطْلاً عِراقِيّاً فَفِيهِ عُشْرُهُ
.......
قوله: «وإذا أخذ من ملكه أو موات من العسل، مائة وستين رطلاً عراقياً ففيه عشره» «مائة» مفعول أخذ.
أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ وجوب الزكاة في العسل، والعسل ليس ما يخرج من الأرض، وإنما من بطون النحل كما قال الله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: 69] ولكنه يشبه الخارج من بطون الأرض، بكونه يجنى في وقت معين، كما تجتنى الثمار، وقد ضرب عمر ـ رضي الله عنه ـ عليه ما يشبه الزكاة، وهو العشر 1.
فاختلف أهل العلم ـ رحمهم الله ـ هل في العسل الزكاة، أو أَنَّ ما ضربه عمر ـ رضي الله عنه ـ في العسل ليس زكاة، ولكنه اجتهاد لحال مخصوصة؛ لأنه لا يصدق عليه قول الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]؟
فذهب الأئمة الثلاثة إلى عدم وجوب الزكاة في العسل، واختار هذا صاحب الفروع ابن مفلح ـ رحمه الله ـ من
الحنابلة 1، وهو أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو من أعلم الناس بفقه شيخ الإسلام ابن تيمية حتى إن ابن القيم كان يرجع إليه يسأله عما يقوله الشيخ في المسائل الفقهية.
ووجه هذا القول أنه ليس في القرآن ولا في السنة 2 ما يدل على وجوب ذلك، والأصل براءة الذمة حتى يقوم دليل على الوجوب، وعلى هذا القول لا حاجة إلى معرفة نصاب العسل.
والمشهور من المذهب الوجوب، ويرون أن نصابه مائة وستون رطلاً عراقياً، وهو يقارب اثنين وستين كيلو في معايير الوزن المعاصر، فإذا أخذ هذا المقدار وجب عليه عشره لما ورد عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، ولأنه يشبه الثمر الذي سقي بلا مؤونة ليس فيه من الكلفة إلا أخذه وجنيه، كما أن الثمر الذي يسقى بلا مؤونة ليس فيه من المؤونة إلا أخذه، فعلى هذا يجب فيه العشر ويصرف مصرف الزكاة.
وقيل: إن النصاب ستمائة رطل عراقي.
وقال في المغني: ويحتمل أن يكون نصابه ألف رطل عراقي؛ وذلك لأنه ليس فيه سنة واردة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فاختلف العلماء في تقدير النصاب الذي تجب فيه الزكاة.
ولا يخلو إخراجها من كونه خيراً؛ لأنه إن كان واجباً فقد
أدى ما وجب، وأبرأ ذمته، وإن لم يكن واجباً فهو صدقة، ومن لم يخرج فإننا لا نستطيع أن نؤثمه، ونقول: إنك تركت ركناً من أركان الإسلام في هذا النوع من المال؛ لأن هذا يحتاج إلى دليل تطمئن إليه النفس.
قوله: «من ملكه» أي: في أرضه، بأَنْ بنى النحل على شجره الذي بأرضه مَعْسَلَةً، فأخذ العسل منه.
«أو موات» أي: في أرض ليست مملوكة لأحد، مثل أن يأخذه من رؤوس الجبال وبطون الشعاب، وما أشبه ذلك.
مسألة: هل في البترول زكاة؟
الجواب: ليس فيه زكاة؛ لأن المالك له الدولة، وهو للمصالح العامة، وما كان كذلك فلا زكاة فيه.
والركاز: مَا وُجِدَ مِن دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ، فَفِيهِ الخُمسُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ
........
قوله: «والركاز: ما وجد من دفن الجاهلية» وقوله: «من دِفن الجاهلية» بكسر الدال بمعنى مفعول، أي: مدفون الجاهلية، ولا يصح فتح الدال لأنها تكون مصدراً.
الركاز: فعال بمعنى مفعول، أي: مركوز، وهو المدفون وقوله: «الركاز» مبتدأ خبره الاسم الموصول ما، ولكن ليس كل مدفون يكون ركازاً، بل ما كان من دفن الجاهلية، ومعنى الجاهلية ما قبل الإسلام، وذلك بأن نجد في الأرض كنزاً مدفوناً، فإذا استخرجناه ووجدنا علامات الجاهلية فيه، مثل أن يكون نقوداً قد علم أنها قبل الإسلام، أو يكون عليها تاريخ قبل الإسلام، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «ففيه الخمس في قليله وكثيره» فلا يشترط فيه النصاب؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وفي الركاز الخمس» 1.
ثم اختلف العلماء في الخمس، هل هو زكاة أو فيء؟ بناء على اختلافهم في «أل» في قوله صلّى الله عليه وسلّم في الحديث: «الخمس» هل هي لبيان الحقيقة أو هي للعهد؟
فقال بعض العلماء: إنه زكاة فتكون «أل» لبيان الحقيقة.
ويترتب على هذا القول ما يأتي:
1 ـ أن تكون زكاة الركاز أعلى ما يجب في الأموال الزكوية؛ لأن نصف العشر، والعشر، وربع العشر، وشاة من أربعين، أقل من الخمس.
2 ـ أنه لا يشترط فيه النصاب فتجب في قليله وكثيره.
3 ـ أنه لا يشترط أن يكون من مال معين، فيجب فيه الخمس سواء كان من الذهب أو الفضة أو المعادن الأخرى، بخلاف زكاة غيره.
والمذهب عند أصحابنا ـ يرحمهم الله ـ: أنه فيء فتكون «أل» في الخمس، للعهد الذهني، وليست لبيان الحقيقة، أي: الخمس المعهود في الإسلام، وهو خمس خمس الغنيمة الذي يكون فيئاً يصرف في مصالح المسلمين العامة، وهذا هو الراجح؛ لأن جعله زكاة يخالف المعهود في باب الزكاة، كما سبق بيانه في الأوجه الثلاثة المتقدمة.
مسائل:
الأولى: إذا وجد الإنسان ركازاً ليس عليه علامة الكفر، ولا أنه من الجاهلية، فحكمه إن علم صاحبه وجب رده إليه، أو إعلامه به، أي: إما أن تحمله إلى صاحبه، أو تعلمه، والأسهل هنا الإعلام؛ لأنه قد يكون ثقيلاً يحتاج إلى حمل، فإذا أعلمته أبرأت ذمتك.
وإن كان صاحبه غير معلوم بحيث لم نجد عليه اسماً، ولم نتوقع أنه لفلان، فإن حكمه حكم اللقطة يعرّف لمدة سنة كاملة، فإن جاء صاحبه، وإلا فهو لواجده.
الثانية: لو استأجرت رجلاً ليحفر بئراً في بيتك أو غيره فحصل على هذا الركاز، ففيه تفصيل:
إذا كان صاحب الأرض استأجر هذا العامل، لإخراج هذا الركاز فهو لصاحب البيت، وإن كان استأجره للحفر فقط، فوجده العامل فهو للعامل لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.
الثالثة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع» 2، هل المراد منه إسقاط الزكاة في هذا
القدر من الثمر، أو المراد أن يجعل الثلث من الزكاة للمالك يتصرف فيه؟ الصحيح أن هذا ليس من باب الإسقاط، بل جعل التصرف فيه للمالك؛ لأنه قد يكون للمالك أقارب وأصحاب، وما أشبه ذلك يعطيهم من الزكاة، ويدل على أن هذا هو القول الراجح، عموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر» 1.
بَابُ زَكَاةِ النَّقدَينِ
قوله: «النقدين»: تثنية نقد، بمعنى منقود؛ لأن النقد هو الإعطاء، والذهب والفضة ليسا إعطاء بل هما معطيان، فهما ينقدان في البيع والشراء.
والمراد بالنقدين الذهب والفضة، وعلى هذا فالفلوس ليست نقداً في اصطلاح الفقهاء؛ لأنها ليست ذهباً ولا فضة، ومن ثم اختلف العلماء هل فيها رباً أو ليس فيها رباً؟ وهل فيها الزكاة مطلقاً؟ أو هي عروض، إن نوى بها التجارة ففيها الزكاة وإلا فلا؟
فهاهنا مسألتان، كلتاهما مسألتان عظيمتان تحتاجان لتحليل عميق.
ومن المعلوم أن الأوراق النقدية تعتبر من الفلوس؛ لأنها عوض عن النقدين يصرف بها النقدان: الذهب والفضة.
فقال بعض العلماء: إن الفلوس عروض، وعليه فلا تجب فيها الزكاة ما لم تعد للتجارة، وعلى هذا فلو كان الإنسان عنده مليون قرش فليس عليه زكاة، ولو أنه أبدل عشرة بعشرين من هذه الفلوس فهو جائز، سواء قبضها في مجلس العقد أو تأخر قبضها، كما لو أبدل ثوباً بثوبين، فإنه جائز ولو تأخر القبض.
لكن هذا القول لو قلنا به لكان أكثر التجار اليوم الذين عندهم سيولة دراهم لا زكاة عليهم، ولكانت البنوك ليست ربوية؛
لأنها غالباً تتعامل بهذه الأوراق، ولقد قرأت رسالة عنوانها «إقناع النفوس، بإلحاق عملة الأنواط بعملة الفلوس».
الأنواط: الورق.
لكن هذا القول لا أظن أن قدم عالم تستقر عليه، لما يلزم عليه من هذا اللازم الباطل، ألاَّ ربا بين الناس اليوم؛ لأن غالب تعاملهم بالأوراق النقدية، وألا زكاة على من يملك الملايين من هذه الأوراق ما لم يعدها للتجارة.
القول الثاني: أنها بمنزلة النقد في وجوب الزكاة، لدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: 103] والأموال المعتمدة الآن هي هذه الأموال.
وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم» 1، فهي مال، والناس يجعلونها في منزلة النقد، فالزكاة فيها واجبة ولا إشكال في ذلك، والمعتبر فيها نصاب الفضة؛ لأنها بدل عن ريالات الفضة السعودية، وهذا بالنسبة للريالات السعودية، ولكل قطر حكمه.
المسألة الثانية: هل يجري فيها الربا؟
من قال: إنها عروض فإنه لا يجري فيها الربا، لا ربا الفضل، ولا ربا النسيئة، كما أن العروض كتبديل الثوب بالثوبين، أو بالثلاثة، وتبديل البعير بالبعيرين لا بأس به، سواء تعجل القبض أو تأجل، كذلك هذه الدراهم، تبديل بعضها
ببعضها ليس فيه ربا، فيجوز أن آخذ منك مائة دولار بأربعمائة ريال إلى سنة، أو ألف ريال بألف ومائتين إلى سنة؛ لأنه لا يجري فيها الربا، وهذا القول فيه نظر؛ لأن الناس يرون أن هذه العملات بمنزلة النقد، لا يفرقون بينها إلا تفريقاً يسيراً.
وقال بعض العلماء: إنه يجري فيها ربا النسيئة دون ربا الفضل، فإذا أبدلت بعضها ببعض مع تأخر القبض فهذا حرام، سواء أبدلتها بالتماثل أو بالتفاضل، وإذا أبدلت بعضها ببعض مع القبض في مجلس العقد، فهذا جائز مع التفاضل.
وهذا هو أقرب الأقوال في هذه المسألة، لا سيما مع اختلاف الجنس.
مسألة: صرف الريالات من المعدن بريالات من الورق هل يجوز فيه التفاضل؟
اختلف العلماء المعاصرون في ذلك، فقال بعضهم: بالتحريم؛ لأن ريال المعدن هو ريال الورق، ولا فرق بين هذا وهذا، فالمقصود واحد، والدولة جعلت قيمتهما اعتبارية متساوية.
وقال آخرون: بالجواز؛ لأن بينهما فرقاً؛ فالجنس مختلف حقيقة، وقيمة، وتساويهما في القيمة الشرائية فباعتبار تقدير الدولة، ويدل لهذا أنك لو جئت بمائة كيلو من هذا المعدن، ومائة كيلو من الورق فهل تختلف قيمتهما أو لا؟
الجواب: تختلف، فالحديد يشترى لذاته، والورق لولا تقدير الدولة له لم يكن له قيمة إطلاقاً.
وقالوا: لما اختلف الجنس حقيقة وقيمة، جاز التفاضل
بينها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد» 1.
وكان الشيخ ابن باز ـ وفقه الله ـ مع اللجنة الدائمة أصدروا فتوى بالتحريم؛ ثم إن الشيخ حدثنا أخيراً، قال: كنت أقول بالتحريم، ولكني توقفت فيه هل يحرم أو لا؟
أما أنا فنفسي طيبة بجوازه، وليس عندي فيه شك، وكان شيخنا عبد الرحمن بن سعدي ـ رحمه الله ـ يجوِّز ذلك، بل يجوز أكثر من هذا، فيرى أنه يجوز التفاضل مع تأخر القبض بشرط ألا يشترطا أجلاً معيناً، فلو أعطيتك مائة، وأعطيتني بعد مدة مائة عوضاً عنها أو أكثر، فإن ذلك لا بأس به بشرط ألا يُشترط الأجل، فيقول: أعطيتك مائة بمائة وعشرة إلى سنة، فإن هذا ممنوع عند شيخنا عبد الرحمن.
لكن الذي يظهر لي: أن تأخير القبض ممنوع، سواء بتأجيل أو بغير تأجيل، وأما التفاضل فلا بأس به.
فالقول الراجح في هذه العملات: أن الزكاة فيها واجبة مطلقاً، سواء قصد بها التجارة أو لا، وعلى هذا لو كان الإنسان عنده مال ليتزوج به، فحال عليه الحول فعليه الزكاة فيه، ولو كان عنده مال من النقود ليشتري به بيتاً، أو ليقضي به ديناً فحال عليه الحول فتجب عليه الزكاة، إلا على قول من يقول: إن الدين يمنع وجوب الزكاة بقدره.
ولو كان يجمع دراهم من أجل أن يحج بها، فعليه الزكاة إذا حال عليها الحول.
مسألة: هل يجب عليه أن يجمع مالاً لكي يزكي، وهل يجب عليه إذا تم الحول على نصاب من المال، أن يقوم بما يلزم لإخراج الزكاة؟
الجواب: لا يجب عليه جمع المال ليزكيه، ويجب عليه إذا حال الحول على نصاب من المال أن يقوم بما يلزم لإخراج زكاته.
والفرق بينهما أن ما لا يتم الوجوب إلا به فليس بواجب، وأما ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب؛ فتحصيل المال ليزكي تحصيل لوجوب الزكاة وليس بواجب.
ومثله الحج هل نقول: يجب على الإنسان أن يجمع المال ليحج؟ أو نقول: إذا كان عنده مال فليحج؟
الجواب: إذا كان عنده مال فليحج، وأما الأول فلا يجب.
يَجِبُ فِي الذَّهَبِ إِذَا بَلَغَ عِشْرِينَ مِثْقالاً، وَفِي الفضَّة إِذَا بَلَغَتْ مِائَتَي دِرْهَمٍ رُبْعُ العُشْرِ مِنْهُمَا
.........
قوله: «يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً، وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما».
فاعل: «يجب» هو قوله: «ربع» أي: يجب ربع العشر، وهو واحد من أربعين، وفائدة معرفتنا بربع العشر، وأنه واحد من أربعين أن يسهل استخراج الزكاة من النقدين، فإذا أردت أن تستخرجها من النقدين فاقسم ما عندك على أربعين، فما خرج فهو الزكاة.
فمثلاً أربعون مليوناً زكاتها مليون، وذلك بقسمتها على أربعين، وهذا أحسن من تعبير العامة الواجب اثنان ونصف في المائة؛ لأنه يوهم أن هناك وقصاً فيظن أن كل مائة فيها اثنان ونصف، وما بين المائتين وقص لا شيء فيه، وهذا أمر خطير.
قوله: «إذا بلغ عشرين مثقالاً» هذا بيان مقدار نصاب الذهب لحديث علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «إذا كان لك عشرون ديناراً وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار» 1 وقد وردت أحاديث أخرى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم بهذا المعنى، وكذلك آثار موقوفة عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وهي بمجموعها تصل إلى درجة الحسن أو الصحيح لغيره، وأما قول ابن عبد البر ـ رحمه الله ـ: إنه لم يثبت فيه عن النبي صلّى الله عليه وسلّم شيء، فيجاب عنه بأن ذلك قد ثبت بما يكفي كونه حجة.
والدينار الإسلامي زنته: مثقال، والمثقال: أربعة غرامات وربع، وكل عشرة دراهم إسلامية سبعة مثاقيل، وعلى هذا تكون مائتا درهم تساوي مائة وأربعين مثقالاً.
وقد حررت نصاب الذهب فبلغ خمسة وثمانين جراما من الذهب الخالص 2 فإن كان فيه خلط يسير فهو تبع لا يضر؛ لأن
الذهب لا بد أن يجعل معه شيء من المعادن لأجل أن يقويه ويصلبه، وإلا لكان ليناً.
وهذه الإضافة يقول العلماء: إنها يسيرة تابعة، فهي كالملح في الطعام لا تضر.
وقوله: «يجب في الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً وفي الفضة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر منهما».
المؤلف ـ رحمه الله ـ اعتبر الذهب بالوزن، واعتبر الفضة بالعدد، والمذهب أن المعتبر فيهما الوزن، وأن الإنسان إذا ملك مائة وأربعين مثقالاً من الفضة ـ وتبلغ خمسمائة وخمسة وتسعين جراماً ـ فإن فيها الزكاة، سواء بلغت مائتي درهم أم لم تبلغ، واستدلوا بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 1 فاعتبر الفضة بالوزن.
وقال شيخ الإسلام: العبرة بالعدد؛ لحديث أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كتب فيما كتب في الصدقات: «وفي الرقة إذا بلغت مائتي درهم ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعون ومائة، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها» 2.
ووجه الاستدلال بالحديث عنده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدرها بالعدد، وفي عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليست الدراهم متفقة في الوزن، بل بعض
الدراهم أزيد من البعض الآخر، فدل ذلك على أن العدد هو المعتبر؛ لأن الدراهم لم تُوحَّد إلا في زمن عبد الملك بن مروان، فوحدها على هذا المقدار، وجعل كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل.
وبناءً على قول الشيخ ـ رحمه الله ـ لو كانت مائتا الدرهم مائة مثقال فقط ففيها الزكاة، وعلى قول من اعتبر الوزن ليس فيها زكاة، وإذا كانت مائةً وثلاثين مثقالاً، ولكنها مئتان من الدراهم عدداً، ففيها زكاة عند الشيخ، وليس فيها زكاة عند الجمهور.
وعلى هذا، هل الأحوط أن نعتبر العدد، أو الأحوط أن نعتبر الوزن؟
الجواب: إن كانت الدراهم ثقيلة فاعتبار الوزن أحوط، فخمسون درهماً قد تبلغ خمس أواق إذا كانت ثقيلة، فيكون اعتبار الوزن أحوط، وإن كانت الدراهم خفيفة فاعتبار العدد أحوط، فإذا كان الدرهم لا يبلغ إلا نصف مثقال، فلا شك أن العدد أحوط.
والأحاديث متعارضة، فحديث: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» ظاهرُهُ سواء بلغت في العدد مائتي درهم أم لم تبلغ، وحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كتبه في الصدقات: «في الرقة إذا بلغت مائتي درهم» منطوق، والمنطوق مقدم
على المفهوم كما هو معروف في أصول الفقه.
ولو ذهب ذاهب إلى أن المعتبر الأحوط، فإن كان اعتبار العدد أحوط وجبت الزكاة، وإن كان الوزن أحوط وجبت الزكاة.
لم يكن بعيداً من الصواب.
والعدد لا حَظَّ فيه للفقراء منذ زمن بعيد؛ لأن زنة النصاب ستة وخمسون ريالاً سعودياً من الفضة، ولو اعتبرنا العدد في الفضة لم تجب الزكاة في ستة وخمسين؛ لأنها لا تساوي مائتي درهم من حيث العدد، ولو اعتبرنا العدد في الذهب لقلنا: لا زكاة إلا في عشرين جنيهاً، ولو اعتبرنا الوزن لقلنا: تجب الزكاة في عشرة جنيهات، وخمسة أثمان الجنيه؛ لأنها تبلغ خمسةً وثمانين جراماً.
مسألة: هل نقول: إذا ملك ستة وخمسين ريالاً من الورق ملك نصاباً من الفضة، أو نقول: إن المعتبر قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة؟
الجواب: كان الريال السعودي من الورق في أول ظهوره يساوي ريالاً من الفضة، ثم تغيرت الحال فزادت قيمة الريال من الفضة.
فالواجب الأخذ بالأحوط، وهو اعتبار قيمة ستة وخمسين ريالاً من الفضة، وأما إيجاب الزكاة في ستة وخمسين ريالاً من الورق، وهي قد لا تساوي إلا شيئاً قليلاً من ريالات الفضة، فهذا فيه إجحاف بصاحب المال كما أنه لا يعتبر غنياً.
وَيُضَمُّ الذَّهَبُ إِلَى الفِضَّةِ فِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ .........
قوله: «
ويضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب
».
فيه مسألتان:
الأولى: هل يضم الذهب إلى الفضة في تكميل النصاب؟
في هذا قولان لأهل العلم:
القول الأول: الضم.
القول الثاني: عدم الضم.
وعلة القول الأول: أن مقصود النقدين واحد، فالدنانير يقصد بها الشراء، والفضة يقصد بها الشراء، فهي قيم الأشياء فمقصودهما واحد، فيضم بعضها إلى بعض، فإذا كان عندك عشرة مثاقيل ومائة درهم، فتضم أحدهما إلى الآخر فيكمل النصاب وتجب عليك الزكاة فيهما، وهذا التعليل منقوض بما سيأتي.
واستدل أهل القول الثاني بما يلي:
1 ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» 1، وهذا يشمل ما إذا كان عنده من الذهب ما يكمل به خمس أواق، أو لا.
2 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم في الدنانير: «إذا كان لك عشرون ديناراً» 2 وهذا يشمل ما إذا كان عنده دون عشرين، وما إذا كان عنده عشرون، فإذا كان عنده دون العشرين فلا زكاة عليه، سواء كان عنده من الفضة ما يكمل به النصاب، أو لا.
3 ـ ومن القياس أن الشعير لا يضم إلى البر في تكميل
النصاب، فلو كان عند الإنسان من الشعير نصف نصاب، ومن البر نصف نصاب لم يضم أحدهما إلى الآخر، مع أن المقصود منهما واحد ولا سيما في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهو أنهما قوت، ومع ذلك لا يضم أحدهما إلى الآخر حتى على رأي من قال بضم الذهب إلى الفضة، وكذلك لو كان عند الإنسان نصف نصاب من الضأن ونصف نصاب من البقر، فلا يكمل أحدهما بالآخر مع أن المقصود واحد وهو التنمية، وبهذا ينتقض تعليل القول الأول، فالجنس لا يضم إلى جنس آخر، والنوع يضم إلى نوع آخر كأنواع النخيل.
وعليه فإذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم، فلا زكاة عليه؛ لأن الذهب جنس والفضة جنس آخر.
وهذا هو القول الراجح، لدلالة السنة، والقياس الصحيح عليه.
المسألة الثانية: على القول بالضم فهل يضم بالأجزاء أو بالقيمة؟
المذهب: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة.
وقيل: يضم بالقيمة.
ويظهر الخلاف في المثال: فإذا كان عند الإنسان ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، وقيمة ثلث النصاب من الذهب تساوي نصف النصاب من الفضة، فعلى قول من يقول: إنه يضم بالأجزاء، لا يضم؛ لأن عنده ثلث نصاب من الذهب، ونصف نصاب من الفضة، فالمجموع نصاب إلا سدساً
فلم يبلغ النصاب، وعلى هذا فلا زكاة عليه على المذهب.
وأما من قال: المعتبر القيمة، فإنه يضم الذهب إلى الفضة ويكمل النصاب؛ لأن قيمة ثلث نصاب الذهب تساوي مائة درهم فيكون عنده الآن مائتا درهم فيزكيها.
مثال آخر: إذا كان عنده عشرة دنانير ومائة درهم فإنه يضم على المذهب، وإذا كان عنده ثمانية دنانير تساوي مائة درهم وعنده مائة درهم فعلى المذهب لا يضم.
والصواب من هذين القولين: أنه يضم بالأجزاء لا بالقيمة.
يستثنى من هذه المسألة أموال الصيارف فإنه يضم فيها الذهب إلى الفضة، لا ضم جنس إلى جنس؛ لأن المراد بهما التجارة، فهما عروض تجارة.
وَتُضَمُّ قِيمَةُ العُرُوضِ إِلَى كُلٍّ مِنْهُمَا ..........
قوله: «
وتضم قيمة العروض إلى كل منهما
».
عروض التجارة كل ما أعد للتجارة ولا تُخَصُّ بمال معين كالثياب والعقارات إذا أرادها للتجارة، فهذه تضم في تكميل النصاب إلى الذهب، أو الفضة، فإذا كان عنده مائة درهم من الفضة وعروض تساوي مائة درهم، وجبت عليه الزكاة في الفضة والعروض.
فإن قيل: ليس عنده من الفضة نصاب وكذلك العروض؟
قلنا: إنَّ المراد بالعروض القيمة، وإنما الأعمال بالنيات، فصاحب العروض لا يريدها لذاتها؛ لأنه يشتريها اليوم ويبيعها غداً.
ولكن بأي قيمة نعتبر العروض؟ هل بالذهب أو الفضة؟
مثاله: إذا كان لشخص ثلث نصاب من الفضة، وثلث نصاب من الذهب، وعروض، إن اعتبره بالفضة بلغ ثلث نصاب، وإن اعتبره بالذهب لم يبلغ ثلث نصاب، فهل يعتبر قيمته بالذهب، أو يعتبر قيمته بالفضة؟
الجواب: قال أهل العلم: إن عروض التجارة تعتبر بالأَحَظِّ للفقراء، فإذا بلغ النصاب من الفضة دون الذهب قومت بالفضة، وإذا كانت تبلغ نصاباً من الذهب دون الفضة قومت بالذهب.
وما ذهبوا إليه من ضم قيمة العروض إلى الذهب والفضة صحيح، ويكون بالأحظ للفقراء.
مسألة: إذا قلنا: بضم نصاب الذهب إلى الفضة، بضم قيمة العروض إلى الفضة أو الذهب، فهل نخرج من كل جنس زكاته، أو من أحدها؟
الجواب: المذهب، لا بد أن نخرج زكاة كل جنس منه، فنخرج من الذهب ذهباً، ومن الفضة فضة، لأن الحديث «وفي الرقة ربع العشر» 1، أي: من الفضة.
وفي حديث الذهب «نصف دينار» 2 أي: من الذهب.
فتكون الزكاة في كل جنس منه، كما قالوا في الحبوب والثمار: تخرج من كل نوع.
والصحيح: أنه لا بأس أن تخرج من أحد النوعين، أي: بالقيمة.
وَيُبَاحُ لِلذَّكَرِ مِن الفِضَّةِ الخَاتَمُ، ...........
قوله: «
ويباح للذكر من الفضة الخاتم
». ذكر المؤلف ما يباح للرجال والنساء من الذهب والفضة، وهذا له تعلق بالزكاة من جهة الحلي المعد للاستعمال، وإلا فمناسبته لكتاب اللباس أظهر.
والمباح: ما كان فعله وتركه سواء، أي: لا يترتب على فعله أو تركه ثواب أو عقاب، فالمباح الأصل بقاؤه على الإباحة إن شئت افعل وإن شئت لا تفعل، لكن إذا كان وسيلة لشيء أعطي حكمه.
فالبيع حلال، قال الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] هذا هو الأصل، لكن لو بِعْتَ بعد أذان الجمعة الثاني، وأنت ممن تجب عليه الجمعة صار البيع حراماً؛ لأنه وسيلة إلى ترك الصلاة، ولو بعت سلاحاً في زمن فتنة صار حراماً؛ لأن فيه إعانة على الإثم، ولو بعت عنباً لمن يجعله خمراً كان حراماً، ولو احتجت ماء للوضوء صار الشراء واجباً.
فإن كان المباح وسيلة لمأمور به أُمِرَ به، وإذا كان وسيلة لمنهي عنه نُهِيَ عنه.
وقول بعض الأصوليين: لا وجود للمباح، معللين ذلك بما يلي:
أولاً: أنه ليس فيه تكليف.
ثانياً: أنه لا بد أن يكون له أثر، وأقلَّ ما فيه أنه تضييع للوقت، وتضييع الوقت مكروه.
والصحيح أنه قسم من أقسام الأحكام الشرعية لقوله تعالى:
﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] وقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24].
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم».
مراد المؤلف بهذا بيان ما الذي يباح من الفضة، وأما حكم لبسه فسنبين.
وقوله: «للذكر» يشمل الصغير والكبير، و (ال) في قوله: «الخاتم» هل هي للجنس فيشمل الخاتم والخاتمين، والثلاثة والأربعة والخمسة، أو هي لِلْوَحْدةِ؟
الظاهر: الثاني؛ وأن الإنسان يباح له اتخاذ خاتم واحد، وهذا هو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله.
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم».
الخاتم: نائب فاعل.
أي: إن الله أباح ذلك، وليعلم أنه إذا حذف الفاعل في باب التشريع، أو باب الخلق فإنما يحذف للعلم به؛ لأن الخالق والمشرع هو الله.
وقوله: «ويباح للذكر من الفضة الخاتم»؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم «اتخذ خاتماً من ورق» 1 أي من فضة، ومعلوم أن لنا في رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أسوة حسنة، ولا يقول قائل: إن هذا خاص به؛ لأن الأصل عدم الخصوصية، فمن ادعى الخصوصية في شيء فعله الرسول صلّى الله عليه وسلّم فعليه الدليل.
وظاهر كلام المؤلف: أنه جائز، سواء اتخذ الخاتم لحاجة، أو لتقليد وعادة، أو لزينة، لإطلاقه.
فمثال الذي يتخذه لحاجة: فكمن له شأن في الأمة، كالحاكم، والأمير، والوزير، والمدير، وما أشبه ذلك أي: يحتاج الناس إلى ختمه فهذا اتخذه لحاجة؛ لأن بقاءه في أصبعه أحفظ من جعله في جيبه؛ لأنه إذا جعله في جيبه ربما يسقط، أو يسرق.
ومثال الذي اتخذه تقليداً: فكما يفعل كثير من الناس الآن؛ يتخذ صاحبه خاتماً فيوافقه في ذلك تقليداً، ولا يريد الزينة، ولكن جرت عادة أهل بلده في اتخاذ الخاتم فاتخذه.
ومثال الذي يتخذه زينة: فكمن يلبسه يريد أن يتزين به، ولهذا يختار أحسن الفضة لوناً ولمعاناً وشكلاً.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان للزينة فلا يحل؛ لأن الله جعل التحلي بالزينة للنساء فقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ *﴾ [الزخرف]، وما كان من خصائص النساء، فإنه لا يجوز للرجال.
والراجح العموم، وأنه جائز للحاجة، والعادة، والزينة.
بل إنه لا يوجد نص صحيح في تحريم لباس الفضة على الرجال، لا خاتماً ولا غيره، بل جاء في السنن: «وأما الفضة فالعبوا بها لَعِبَاً» 1 يعني اصنعوا ما شئتم بها.
ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من العلماء: الأصل في لباس الفضة هو الحل حتى يقوم دليل على التحريم.
وهذا القول أصح؛ لقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، فإذا جاء الإنسان، واتخذ غير الخاتم مما يتزين به من فضة فلا نقول: إن هذا حرام على القول الراجح؛ لأن الأصل الحل.
أما السوار، والقلادة في العنق، وما أشبه ذلك، فهذا حرام من وجه آخر، وهو التشبه بالنساء والتخنث، وربما يساء الظن بهذا الرجل، فهذا يحرم لغيره لا لذاته.
وقوله: «يباح للذكر» أفادنا أن اتخاذ الخاتم من فضة من القسم المباح أي: ليس حراماً، فهل هو مشروع؟ أي: هل يسن أن يتخذ الإنسان خاتماً؟
الجواب: الصحيح أَنَّ لبس الخاتم ليس بسنة إلا لمن يحتاجه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يتخذه، حتى قيل له: «إن الملوك لا يقبلون كتاباً إلا مختوماً فاتخذ الخاتم» 1.
مسائل:
الأولى: إذا جرت عادة أهل البلد بلبس الخاتم فيجوز لبسه، ولا حرج، وإذا لم تجر العادة فلا يجوز؛ لأنه يكون لباس شهرة يتحدث الناس به.
وهنا مسألة لا بد أن نتفطن لها وهي:
أن موافقة العادات في غير المحرم هي السنة؛ لأن مخالفة العادات تجعل ذلك شهرة، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن لباس الشهرة 1، فيكون ما خالف العادة منهياً عنه.
وبناءً على ذلك نقول: هل من السنة أن يتعمم الإنسان؟ ويلبس إزاراً ورداءً؟
الجواب: إن كنا في بلد يفعلون ذلك فهو من السنة، وإذا كنا في بلد لا يعرفون ذلك، ولا يألفونه فليس من السنة.
الثانية: أين يوضع الخاتم هل هو في الخنصر، أو البنصر، أو السبابة، أو الإبهام، أو الوسطى؟
الجواب: في الخنصر أفضل ويليه البنصر.
الأصابع بالنسبة لوضع الخاتم عند الفقهاء ثلاثة أقسام: قسم مستحب: وهو الخنصر، وقسم مكروه: وهو السبابة والوسطى.
وقسم مباح: وهو الإبهام والبنصر، وبعضهم ألحق الإبهام بالسبابة والوسطى.
الثالثة: هل يسن الخاتم في اليسار أو اليمين؟
الجواب: قال الإمام أحمد: اليسار أفضل، لثبوته، وضعف الأحاديث الواردة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يتختم باليمين 2،
فيكون التختم في اليمين جائزاً، والصحيح أنه سنة في اليمين واليسار 1.
وقال بعض العلماء: إذا كان قد ختم عليه اسم الله، فلا يكون في اليسرى تكريماً لاسم الله؛ ولأنه يحتاج إلى اليسرى في الاستنجاء، والاستجمار وحينئذٍ إما أن يتكلف بإخراج الخاتم، وإما أن يستنجي والخاتم عليه، وهذا فيه نوع من الإهانة.
ويؤخذ من هذه المسألة: أن وضع الساعة في اليد اليمنى ليس أفضل من وضعها في اليد اليسرى؛ لأن الساعة أشبه ما تكون بالخاتم فلا فرق بين أن تضع الساعة في اليمين أو اليسار.
لكن لا شك أن وضعها في اليسار أيسر للإنسان، من ناحية التعبئة، ومن ناحية النظر إليها أيضاً، ثم هي أسلم في الغالب، لأن اليمنى أكثر حركة فهي أخطر.
والأمر في هذا واسع، فلا يقال: إن السنة أن تلبسها باليمين؛ لأن السنة جاءت في اليمين واليسار في الخاتم، والساعة أشبه شيء به.
الرابعة: أين يضع فص خاتمه، على ظاهر كفه أو على باطنه؟
الجواب: يجعله مما يلي باطن كفه، لأنه الوارد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم 1، ولأنه أحفظ له، ولكن عند العمل يقلبه، ويجوز أن يجعله مما يلي ظاهر كفه، فقد روي ذلك عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ من فعله 2، والأمر في هذا واسع.
الخامسة: هل يكون الفص من جنس الخاتم أو غيره؟
الجواب: يجوز أن يكن الفص من جنس الخاتم، أو من غيره لكن الأولى أن يكون متناسباً مع الخاتم وينهى عن تكبيره؛ لأنه قد يدخل في باب الخيلاء ثم إنه قد يكون فيه تشبه بالنساء؛ لأنهن يكبرن الفص في العادة.
السادسة: ما حكم أن ينقش اسم الله على الخاتم؟
الجواب: لا ينبغي ذلك وأقل أحوال الكراهة، لا سيما وأنهم يكتبون اسم الله تعالى مفرداً، ومثله ما يوجد في قلائد النساء، وهذا كله من الأشياء المبتدعة التي توجب أن يكون اسم الله تعالى مبتذلاً، كما أنه إذا جعله في يده اليسرى فإنه يباشر الأذى عند الاستنجاء، وهذا أمر خطير جداً.
فإن قال قائل: يرد عليه خاتم الرسول صلّى الله عليه وسلّم فإن نقشه «محمد رسول الله» فما الجواب على هذا الإيراد؟
فالجواب: أن هذا النقش لحاجة النبي صلّى الله عليه وسلّم حيث إن هذا هو اسمه وصفته، التي من أجلها اتخذ الخاتم ليكتب للملوك ويخبرهم أنه رسول الله.
وإذا اتخذ الإنسان خاتماً لحاجة ونقش عليه اسمه وفي اسمه اسم من أسماء الله ـ تعالى ـ فإنه إذا دخل الخلاء فلا بأس أن يبقى الخاتم في يده، ولكن قال العلماء: ينبغي أن يضم يده عليه ويجعل فصه داخل كفه، أما حديث: «أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه» 1 فهو معلول.
السابعة: ما حكم استعمال الدبلة بعد الخطوبة أو عقد القران للرجل والمرأة؟
هذه العادة توجد الآن في بعض البلدان الإسلامية فيأتي الزوج والزوجة بخاتمين يكتب اسم الزوج في خاتم الزوجة، واسم الزوجة في خاتم الزوج، فهذا العمل يحتوي على جملة من المحاذير الشرعية:
أولاً: أنه يقترن بها عقيدة أن هذا من أسباب التأليف بينهما وقد ذكر أهل العلم أن هذا من الشرك؛ لأنه إثبات سبب لم يثبت شرعاً ولا واقعاً، ثم إن هذا أيضاً من التولة.
ثانياً: ذكر الشيخ الألباني أن أصل هذا العمل من النصارى فإنهم يأتون إلى كبيرهم ويضع يده على يد الزوج أو الزوجة ويقول: «باسم الأب باسم الابن باسم الروح» ثم يمر بيده على
يديهما ويضع الدبلة في الأصبع المخصص لذلك، ففيها إذاً محذور عظيم وهو التشبه بالنصارى وهو محرم حتى وإن خلت من الاعتقاد الذي ذكرناه أولاً، فتحرم من هذا الباب.
ثالثاً: أنه غالباً ما تكون من الذهب، والذهب محرم على الرجال، وقد رأى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجلاً عليه خاتم من ذهب فنزعه من يده وطرحه وقال: «يعمد أحدكم إلى جمرة من نار فيضعها في يده» فلما انصرف النبي صلّى الله عليه وسلّم قيل له: «خذ خاتمك وانتفع به» فقال: والله لا أخذه آبداً وقد طرحه النبي صلّى الله عليه وسلّم (1)، وفي الحديث المشهور: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» (2).
فهذه العادة محرمة ينبغي محاربتها والإنكار على من يفعلها حيث اشتملت على هذه المحرمات العظيمة، كما يجب الإنكار على أولئك الرجال الذين يلبسون خواتم أو سلاسل من ذهب كما يقع هذا من بعض المائعين، وأقبح من أولئك الذين يلبسون خروصاً من الذهب في آذانهم.
وَقَبِيعَةُ السَّيْفِ .........
وقوله: «
وقبيعة السيف
».
القبيعة ما يكون على رأس مقبض السيف، وهي مثل القبع.
فيجوز أن تحلى هذه القبيعة بالفضة؛ لآثار وردت في ذلك بعضها مرفوع وبعضها موقوف 3؛ ولأن السيف من آلة الحرب، وفي12
تحليته إغاظة للعدو، ولهذا جازت الخيلاء في الحرب، وجاز لباس الحرير في الحرب، وكل شيء يغيظ الكفار فإن الإنسان له فيه أجر، ومفسدة الكبر ولبس الحرير يقابلها مصلحة إغاظة الأعداء، قال الله تعالى: ﴿وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: 120]، وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] فدل ذلك على أن إغاظة الكفار مرادة لله ـ عزّ وجل ـ وأن فيها أجراً.
إذاً، أغيظ الكفار لأمرين:
أولاً: لموافقة مراد الله.
ثانياً: العمل الصالح الذي فيه الأجر.
ولكن هذا لا يعني ألا ندعوهم إلى الإسلام، بل نفعل ما يغيظهم، وندعوهم إلى الإسلام فنجمع بين الأمرين ونحصل على المصلحتين،
ولأن في تحلية قبيعة السيف بالفضة، تقوية في الجهاد في سبيل الله، فإن الكفار إذا رأوا سيوف المسلمين بهذه المثابة عظموهم، وقالوا: إن لديهم قوة مالية.
وَحِليَةُ المِنْطَقَةِ، وَنَحْوِهِ،
..........
قوله: «وحلية المنطقة».
والمنطقة ما يشد به الوسط، فالعمال في الحرث، والاحتطاب يتخذون مناطق لتشدهم وتقويهم من وجه، وترفع ثيابهم من وجه آخر، فهذه المنطقة يجوز أن تحلّى بالفضة؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ فعلوا ذلك، وهذا مما يؤيد ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ من أن التحلي بالفضة، الأصل فيه الجواز، ما لم يصل إلى حد الإسراف.
وقوله: «ونحوه».
أي: نحو ما ذكر.
قال في الروض: «كحلية الجوشن، والخوذة، والخف، والران، وحمائل السيف» 1؛ لأن هذا يشبه المنطقة، وإذا جاز ذلك في المنطقة فهذه مثلها، كما أن في ذلك إغاظة للكافرين ومن هنا نأخذ أن قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ليست على إطلاقها، بل يكون ذلك عند التساوي أو رجحان المفاسد، أما إذا رجحت المصالح فإنه تغتفر المفاسد بجانب تلك المصالح، ولهذا أجاز الشرع بعض المسائل الربوية من أجل المصلحة، مثل بيع العرايا.
مسألة: هل يجوز الشرب والأكل في آنية الفضة؟
الجواب: ورد النص بتحريم الأكل والشرب في آنية الفضة، فلا يجوز للإنسان أن يتخذ ملعقة من فضة يأكل بها، وهذا مما يشترك فيه النساء والرجال بالنسبة لتحريم الذهب والفضة.
مسألة: هل يجوز أن يتخذ قلماً فيه فضة؟
الجواب: لا بأس، بشرط ألا يستعمله لباساً، إن قلنا بتحريم اللباس ما عدا المستثنى.
أما إذا قلنا: الأصل الحل فلا بأس أن يتخذ قلماً غطاؤه من الفضة أو جرابه كله من الفضة؛ لأن الأصل فيه الحل.
وَمِنَ الذَّهَبِ قَبِيعَةُ السَّيفِ، وَمَا دَعَتْ إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ كَأَنْفٍ وَنَحْوِهِ
........
قوله: «ومن الذهب قبيعة السيف».
أي: يباح للذكر من الذهب قبيعة السيف، وقبيعة السيف هي: رأس مقبض السيف، روي ذلك عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه: «اتخذ ذهباً على مقبض السيف» 1؛ ولأنه من آلات الحرب ففي اتخاذ ذلك إغاظة للكفار، لكن يجب الاقتصار في اتخاذ الذهب في آلات الحرب على ما جاء عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ من الشيء اليسير كمسمار الذهب ونحوه.
وقوله: «وما دعت إليه ضرورة، كأنف».
أي: يباح له ما دعت إليه الضرورة كالأنف لو قطع، واحتاج الإنسان أن يزيل التشوه فلا بأس أن يتخذ أنفاً من ذهب.
فإذا قال قائل: لماذا لا يتخذ الفضة؟
فالجواب: أن الفضة تنتن، فإن عرفجة بن أسعد ـ رضي الله عنه ـ قطع أنفه، فاتخذ أنفاً من فضة فأنتن، ثم اتخذ أنفاً من ذهب بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم 1.
وهل يشترط أن يضطر إلى كونه من الذهب، بمعنى أنه لو أمكن أن يركب غير الذهب حرم عليه الذهب؟
الجواب: قول المؤلف: «ما دعت إليه الضرورة» يقتضي أنه لا بد أن يضطر إلى عين الذهب، لا إلى وضع الأنف، وبناء على ذلك فإنه في وقتنا الحاضر يمكن أن يقوم مقامه شيء آخر فينقلون من بعض أجزاء الجسم شيئاً يضعونه على الأنف، فيكون كالأنف الطبيعي من اللحم، وهذا أحسن من كونه من ذهب، فإن أمكن أن يجعل من مادة أخرى غير الذهب فإنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، وإذا رَكَّبَ الإنسان أنفاً من ذهب مع وجود البديل عنه، وكان يتضرر بخلعه، فلا يلزمه ذلك.
قوله: «ونحوه» أي: مثل السن والأذن.
مثاله: رجل انكسر سنه، واحتاج إلى رباط من الذهب، أو سن من الذهب، فإنه لا بأس به.
ولكن إذا كان يمكن أن يجعل له سناً من غير الذهب، كالأسنان المعروفة الآن، فالظاهر أنه لا يجوز من الذهب؛ لأنه ليس بضرورة، ثم إن غير الذهب وهي المادة المصنوعة أقرب إلى السن الطبيعي من سن الذهب، وكذلك إذا اسودّ السن ولم ينكسر
فإنه لا يجوز تلبيسه بالذهب؛ لأنه لا يعتبر ضرورة ما لم يخش تكسره أو تآكله فإنه يجوز.
مسائل:
الأولى: هل يجوز أن يلبس الرجل ساعة محلاة بالفضة، أو بالذهب؟
الجواب: على القول الراجح يجوز أن يلبس ساعة محلاة بالفضة؛ لأن الأصل في الفضة الحل.
أَمَّا لبس ساعة محلاة بالذهب فإنه لا يجوز؛ لأن الذهب حرام على الرجال.
لكن إذا كانت الساعة مطلية بالذهب، والذهب فيها مجرد لون فقط فهي جائزة، ولكن لا ينبغي للإنسان أن يلبسها لوجهين:
الوجه الأول: أنه يُساء به الظن أنه لبس ساعة من ذهب؛ لأن الناس لا يدرون.
الوجه الثاني: أنه ربما يُقتدى به، فالناس يقتدي بعضهم ببعض.
فنقول للإنسان إذا أتته ساعة مطلية بذهب هدية أو نحو ذلك: الأفضل ألا تلبسها، وإن لبستها فلا حرج.
لكن العلماء اشترطوا في المطلية بالذهب ألا يكون للذهب جرم أي: قشرة، بحيث يخرج منه شيء لو حك أو عرض على النار، فأما مجرد اللون فلا بأس.
فإن قال قائل: إذا كانت الساعة ليست ذهباً ولا مطلية به، لكن في آلاتها شيء من الذهب هل تجوز؟
الجواب: نعم لا بأس به؛ لأنه إذا كان في الآلات الداخلية، فإنه لا يرى ولا يعلم به، وإن كان في الآلات الخارجية كالعقرب مثلاً؛ فإنه يصير تابعاً فلا يضر.
ولكن يبقى النظر، هل يجوز للإنسان أن يشتري ساعة فيها قطع من الذهب؟
الجواب: فيه تفصيل: إذا كان لباس مثله لها يعتبر إسرافاً دخلت في حد الإسراف، وقد قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وقلنا: هذا ليس لباس مثلك، وإذا كان لا يعد إسرافاً فالأصل الجواز.
الثانية: لو وضع الرجل ساعة الذهب في جيبه ولم يلبسها فلا بأس بذلك؛ لأنه لا يعد هذا لبساً.
الثالثة: ساعة الألماس جائزة في ذاتها، لكن قد تحرم من باب الإسراف.
الرابعة: القصب الموجود في المشالح، يقولون: إنه محلى بالذهب، وبعض المشالح فيه خيوط بعضها إصبعان وبعضها ثلاثة، وبعضها أربعة من الذهب.
فالمذهب: إن كان ذهباً فحرام، ولا يجوز لبسه.
ولكن هذه المسألة يعتريها أمران:
الأول: أننا لا نسلم أن هذا ذهب، وقد حدثنا شيخنا عبد العزيز بن باز ـ حفظه الله ـ عن شيخه محمد بن إبراهيم
ـ رحمه الله ـ أنهم اختبروا هذا فوجدوا أنه ليس بذهب، وعلى هذا فالمسألة غير واردة من الأصل.
الثاني: لو فرضنا أنها كانت ذهباً، فإن حبر زمانه، وإمام أهل وقته، شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، يقول: يجوز من الذهب التابع ما يجوز من الحرير التابع؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم، جعل حكمهما واحداً فقال: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها» 1.
وعلى هذا فالذي يوجد في المشالح لا يصل إلى درجة التحريم؛ لأن المحرم من الحرير هي الثياب الخالصة وما أكثره حرير، وما كان زائداً على أربعة أصابع، أما إذا كان علماً أربعة أصابع فما دون، فلا بأس به من الحرير، وعلى قول الشيخ لا بأس به ولو من الذهب.
ولكن إذا قلنا بجواز شيء فهو جائز لذاته، وقد يصير حراماً من وجه آخر فيكون حراماً لغيره.
مثال ذلك: لو قدرنا أن رجلاً لبس الذهب الخالص بجعله مرصعاً في بشته لقال الناس: هذا مسرف أو مجنون، فحينئذٍ نقول: يحرم من أجل الإسراف، وهذه قاعدة في كل المباحات «كل مباح إذا اشتمل على محرم صار حراماً».
الخامسة: فراش الحرير هل يجوز للنساء؟ الذي يظهر لي عدم جوازه؛ لأنه لا يتعلق بلباسها الذي أبيح لها فيه الحرير، من أجل التجمل.
وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ مَا جَرَتْ عَادَتُهُنَّ بِلُبْسِهِ،
.............
وقوله: «ويباح للنساء من الذهب والفضة» أي؛ يحل، والإباحة بمعنى الحل، والمبيح هو الشارع، والحكمة من إباحة ذلك للنساء دون الرجال أنها محتاجة للتجمل به، والتزين، فأبيح لها ما يكمِّل نقصها، بخلاف الرجال فليسوا بحاجة لذلك، وبهذا يظهر أن إباحة ذلك للمرأة رحمة بها وبزوجها.
قوله: «ما جرت عادتهن بلبسه».
«ما» اسم موصول في محل رفع نائب فاعل، أي: الذي جرت عادتهن بلبسه على أي وجه كان، سواء كان على الرأس أو في اليد أو في الصدر أو في العنق أو في الأذن أو في الرجل، وسواء كثر أو قل لكن بشرط ألا يخرج عن العادة، وإنما قيدنا ذلك؛ لأن ما خرج عن العادة إسراف، والإسراف حرام لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وقوله: «ما جرت عادتهن» العادة تختلف باختلاف البلدان، والأزمان، والأحوال.
فاختلاف البلدان: قد يكون في هذا البلد جرت العادة أن يلبس النساء هذا النوع من الذهب، بخلاف البلد الآخر.
واختلاف الأزمان: كأن يكون الناس في زمان الرخاء تكثر الأموال عندهم، فيلبس النساء من الذهب شيئاً كثيراً، أو بالعكس، فيكون الجائز في الزمن الأول غير جائز في الزمن الثاني.
وأما اختلاف الأحوال فهذه امرأة فقيرة، وهذه امرأة غنية،
وهذه امرأة ملك، وهذه امرأة وزير، وهذه امرأة رئيس، فالأحوال تختلف، فامرأة الفقير التي لا تملك إلا دراهم قليلة ليست كامرأة الملك.
وَلَوْ كَثُرَ .........
قوله: «
ولو كثر
»، «لو» إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء قال: يشترط ألا يزيد على ألف مثقال، أو ما أشبه ذلك، وجهه أن ما زاد على ذلك إسراف، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأننا إذا ربطنا الحكم بالإسراف فقد يحرم ما يزيد على خمسمائة مثقال، وقد يباح ما يزيد على ألف مثقال، وذلك باختلاف الأحوال.
وقال آخرون: إنه لا تحديد، بل ما جرت به العادة فهو مباح قلَّ أو كثر، ودليله عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أحل الذهب والحرير لإناث أمتي وحرم على ذكورها» 1، وهو الصواب.
مسائل:
الأولى: حكم لبس الذهب المحلَّق.
ذهب بعض أهل العلم إلى تحريمه، واستدلوا لذلك بأحاديث، وهو قول ضعيف، والصواب أنه جائز، ويكاد أن يكون إجماعاً من أهل العلم، وقد سلكوا في الجواب عن أحاديث القائلين بالتحريم أحد ثلاثة مسالك:
1 ـ أنها ضعيفة السند.
2 ـ أنها شاذة لمخالفتها الأدلة الصحيحة الكثيرة الدالة على جواز لبس الخواتيم، وهي محلقة.
3 ـ أنها منسوخة فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم حرم لبس المحلق من الذهب أول الأمر ثم أباحه بعد ذلك، وقد كتب الشيخ عبد العزيز بن باز ردّاً على القول بتحريم الذهب المحلق، وكذلك الشيخ إسماعيل الأنصاري له رسالة في ذلك.
الثانية: قال في «الروض»: «ويباح لهما» أي: للذكر والأنثى «تَحَلٍّ بجوهر ونحوه»، مثل: الألماس «وكره تختمهما بحديد وصفر ونحاس ورصاص»، قوله: «ويباح لهما ... ». دليل الإباحة عموم قول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29] واللام في قوله: «لكم» للتعليل وهو أولى من القول بأنها للإباحة، وإذا كان مخلوقاً من أجلنا فلا بد أن يكون مباحاً لنا؛ لأن التعليل يستفاد منه الإباحة، ويستفاد منه رحمة الله بالخلق وأنه خلق من أجلنا ما في الأرض من المنافع.
لكن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: 279] هذه اللام للإباحة بلا شك يعني يباح لكم رؤوس أموالكم.
وقوله في الروض: «يباح لهما .. تحل بجوهر» هذا مشروط في الذكر بألا يتحلى بما يشبه تحلي المرأة، لتحريم تشبه الرجال بالنساء.
وقوله في «الروض»: «وكره تختمهما بحديد» هذا موضع خلاف بين أهل العلم:
قال بعض العلماء: مباح؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «التمس ولو خاتماً من حديد» والحديث في الصحيحين 1.
وقيل: إنه مكروه؛ لأن رجلاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليه خاتم من شَبَه فقال: «مالي أجد فيك ريح الأصنام، فطرحه، ثم جاءه وعليه خاتم من حديد، فقال: مالي أرى عليك حلية أهل النار فطرحه» 1 قال الخطابي: أي: زي الكفار، وهم أهل النار.
وأجاب القائلون بالإباحة عن هذا الحديث بأنه ضعيف، وشاذ؛ لأنه مخالف لما هو أوثق منه، والأوثق منه ما في الصحيحين «التمس ولو خاتماً من حديد».
وهذا في سنده نظر، وفي متنه نظر، ومعلوم أن الحديث لا يكون حجة إلا إذا سلم من الشذوذ والعلة القادحة، ثم ينبغي إن صححنا الحديث وجعلناه حجة أن نقول: يحرم لباس الحديد، لأنَّ التحلي بحلية أهل النار لا يجوز.
لكن لهم أن يجيبوا بأننا لا نجزم بالتحريم، لعدم جزمنا بثبوت الحديث، لكن نقول بالكراهة من باب الاحتياط.
وقد ذهب بعض الفقهاء والمحدثين إلى أن الحديث إذا لم يكن مردوداً فإنه يولد شبهة، وإذا ولد شبهة كان في منزلة بين منزلتين، فإن كان أمراً فهو بين الإيجاب وبراءة الذمة فيكون الأمر