الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 75-114
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 75-114
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

يحصل فيما إذا أسلم في المكيل وزناً أو في الموزون كيلاً، فالصواب أنه يجوز، وهو أحد القولين في المذهب.
أما المعدود فإن كان لا يختلف يسلم فيه عداً، وإن كان يختلف يسلم فيه وزناً.

الرَّابِعُ: ذِكْرُ أَجَلٍ مَعْلُومٍ لَهُ وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ فَلاَ يَصِحُّ حَالًّا، وَلاَ إِلَى الحَصَادِ وَالجَذَاذِ، وَلاَ إِلَى يَوْمٍ إلاَّ فِي شَيْءٍ يأْخُذُه مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ كَخُبْزٍ وَلَحْمٍ وَنَحْوِهِمَا.

قوله: «الرابع: ذكر أجل معلوم له وقع في الثمن» هذه ثلاثة قيود: ذكر أجل، معلوم، له وقع في الثمن، ومعنى: «له وقع في الثمن»، أي: له تأثير في الثمن بالزيادة أو النقص، وعلى هذا فإذا أسلم في شيء حالٍّ فإنه لا يصح السلم؛ لأنه لا بد من ذكر أجل، ولا بد ـ أيضاً ـ أن يكون الأجل معلوماً، بأن يقال: أسلمت إليك مائة ريال بمائة صاع بر تحل في أول يوم من رمضان.
وقوله: «له وقع في الثمن» يعني له تأثير، فإن لم يكن له تأثير فإنه لا يصح الأجل؛ لأنه لا فائدة منه، وقد صرح المؤلف ـ رحمه الله ـ بمفهوم ذلك فقال: «فلا يصح حالًّا» هذا مفهوم قوله: «إلى أجل».
قوله: «ولا إلى الحصاد والجذاذ» هذا مفهوم من قوله: «معلوم».
أي: لا يصح؛ لأن الحصاد والجذاذ غير معلومين، والناس منهم من يحصد مبكراً ومنهم من يتأخر، ومنهم من يجذ النخلة مبكراً ومنهم من يتأخر، وحينئذ يبقى الأجل مجهولاً.
ولكن الصحيح أنه يصح إلى الحصاد والجذاذ، وهو اختيار

شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ، والمراد إلى زمن الحصاد والجذاذ وليس إلى الجذاذ نفسه أو الحصاد بل إلى زمنه، فإذا قال المسلم إليه: الآن بدأ الناس يحصدون أو يجذون فحينئذ يكون قد حل الأجل، وكأنك ترى أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين إنما يوفون من النخل في الجذاذ، أو البر في الحصاد.
ولكن يمكن أن نتخلص من ذلك على المذهب بشيء بسيط، فننظر متى يكون وقت الجذاذ؟ فإذا قالوا: وقت الجذاذ في ربيع الأول، فنقول إلى ربيع الأول، وينتهي الإشكال، فنكون بذلك قد أتينا بالشرط الذي اشترطه هؤلاء بدون إخلال بالمقصود، وما دام الأمر يمكن أن يؤتى به على سبيل الاحتياط فهو أولى، إنما التحديد بالحصاد والجذاذ من حيث هو فالصحيح جوازه.
قوله: «ولا إلى يوم» لأنه ليس له وقع في الثمن، ولماذا اشترطنا أن يكون له وقع في الثمن؟ قالوا: لأن هذا هو الفائدة من السلم، أن المسلَم إليه ينتفع بالثمن المقدم، والمسلِم ينتفع بزيادة المبيع، فإذا لم يكن للأجل وقع في الثمن فاتت فائدة السلم، والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «إلى أجل»، فقيد السلف بالأجل، «ومعلوم» قيد الأجل بكونه معلوماً، وهذا الذي ذكره المؤلف هو ظاهر الحديث، وقد سبق أن الصحيح أن الحديث نص في اشتراط الأجل المعلوم، بمعنى أنه إذا كان مؤجلاً فلا بد أن يكون الأجل معلوماً، ويؤيد ذلك أن

الحديث فيه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» 1، فكأنه أراد أن يقول هذا الأجل الذي تجعلونه لا بد أن يكون معلوماً، فليس نصاً في اشتراط الأجل، وبناء على هذا القول قالوا يجوز السلم حالاً، وهذا قول لبعض أهل العلم.
وأما اشتراط أن يكون له وقع في الثمن، فليس في الحديث ما يدل عليه، ففي الحديث: «إلى أجل معلوم»، وليس فيه قيد أن يكون له وقع في الثمن؛ ولذلك لم يشترطه كثير من الفقهاء، وقد تبين أن اشتراط أن يكون له وقع في الثمن مبني على تعليل، والتعليل ينظر فيه هل يكون صحيحاً فيقبل أو غير صحيح فلا يقبل؟ فمن نظر إلى ظاهر الحديث قال: هذا لا دليل عليه، ومن نظر إلى العلة التي من أجلها شرع السلم، قال: هذا الاشتراط لا بد منه؛ لأنه إذا كان من الصباح إلى المساء والأسعار لا تختلف في هذه المدة القصيرة فلا فائدة من السلم، فهو في الحقيقة كالذي ليس له أجل، وعلى كل حال فمثل هذه المسائل إذا لم يتبين فيها الدليل من الجانبين، فهل نراعي الأحوط أو نأخذ بالرخصة؟ قد يقال إن مراعاة الأحوط أحسن لا سيما إذا كان هذا الأحوط هو الذي يكون فيه الحكم إذا رفعت القضية إلى المحكمة؛ لأنك إذا صححت هذا الشيء، والحكم المشهور بين الناس خلاف ما صححت يؤدي إلى مفاسد في المستقبل، هذه

المفاسد قد تعود عليك أنت وقد تعود على غيرك، فإذا كنت لست ذا ثقة بين الناس فإنه يعود عليك أنت، يقال: هذا رجل لا يعرِف ولهذا أبطلت المحكمة ما أفتى به، وإذا كنت ذا قيمة صارت المضرة على المحكمة، واتهم القاضي بالقصور في العلم، أو بالميل إلى أحد المتخاصمين.
فلا بد من أن يكون أجل، والثاني: معلوم، والثالث: له وقع في الثمن.
مثال ذلك: أسلم إليه مائة ريال بمائة صاع بر تحل في أول يوم من رمضان، فهذا أجل معلوم له وقع في الثمن، فيصح، فإذا كان حالًّا فإنه لا يصح السلم في الحالِّ؛ وذلك لأننا نستغني ببيعه عن السلم فيه، ولكن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ اختار جواز السلم الحال وهو مذهب الشافعي ـ رحمه الله ـ؛ لأنه إذا لم يصح أن يكون سلماً صار بيعاً، ومتى أمكن تصحيح العقود فإنه يجب.
قوله: «إلا في شيء يأخذه منه كل يوم كخبز ولحم ونحوهما» أي: إلا ما يؤخذ شيئاً فشيئاً، كما لو أسلم إليه في خبز، أو لحم يعطيه إياه تبدأ من الغد، فهذا لا بأس به؛ لأن غايته ستكون متأخرة إلى وقت يكون له وقع في الثمن.

الخَامِسُ: أنْ يُوجَدَ غَالباً فِي مَحِلِّه وَمَكَانِ الوَفَاءِ لاَ وَقْتَ العَقْدِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ أَوْ بَعْضُهُ فَلَهُ الصَّبْرُ أَوْ فَسْخُ الكُلِّ أَوْ البَعْضِ، وَيَأْخُذُ الثَّمَنَ المَوْجُودَ أَوْ عِوَضَهُ.

قوله: «الخامس: أن يوجد غالباً» لأنه لا يمكن أن نقول يقيناً؛ لأن هذا الأمر مستقبل، والمستقبل لا يمكن لأحد أن يحكم عليه حكماً يقينياً.
قوله: «في محله ومكان الوفاء» ـ أيضاً ـ لا بد أن يكون

المسلم فيه مما يوجد غالباً في محله، أي: في وقت حلوله.
وقوله: «ومكان الوفاء» هذا مكان الحلول، فاشترط المؤلف أن يوجد المسلم فيه في الزمن والمكان عند الحلول؛ فإن جعله إلى وقت لا يوجد فيه المسلم فيه فإنه لا يصح، مثل أن يسلم إليه في عنب يحل في الشتاء فهذا لا يصح؛ لأن العنب في الشتاء لا يوجد، لكن في وقتنا الحاضر يمكن أن يوجد بواسطة الثلاجات، فيكون كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ مقيداً بهذا، فمتى وجد في محله ومكان الوفاء فإنه يصح.
وقوله: «ومكان الوفاء» ليس مكان العقد؛ لأنه ربما نتعاقد في عنيزة والوفاء يكون في الرياض، فلا بد أن يكون في الرياض، فالعبرة بمكان الوفاء لا مكان العقد.
والدليل على هذا الشرط ما يفيده حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «كانوا يسلفون في الثمار السنة والسنتين»، ومعلوم أن الإسلاف في الثمار إنما يكون في مكان وجودها، إذ كيف يسلف الإنسان في الثمار في مكان هي غير موجودة فيه؟! هذا من جهة، ومن جهة أخرى التعليل؛ لأنه إذا لم يوجد في مكان الوفاء، وزمن الوفاء، أدى ذلك إلى التنازع والخصومة بين المسلم والمسلم إليه.
قوله: «لا وقت العقد» يعني لا يشترط أن يكون المسلم فيه موجوداً وقت العقد؛ وذلك لأن المسلم فيه متعلق بالذمة لا بشيء معين، فإذا حدده بأجل يوجد فيه، فإنه لا يشترط أن يكون موجوداً وقت العقد وإنما نص على ذلك «لا وقت العقد»؛ لنفي الخلاف في هذه المسألة، فإن من أهل العلم من قال يشترط أن

يكون المسلم فيه موجوداً في وقت العقد وفي وقت الوفاء، وهذا مذهب أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ ولكن لا دليل عليه.
فإن كان لا يوجد في وقت الوفاء لكن يوجد في مكان آخر، فظاهر كلام المؤلف أنه لا يصح؛ وذلك لما يترتب عليه من المشقة في تحصيله من مكان آخر.
قوله: «فإن تعذر أو بعضه فله الصبر، أو فسخ الكل أو البعض، ويأخذ الثمن الموجود أو عوضه» يعني لو أنه جعل السلم ينتهي إلى وقت يوجد فيه المسلم فيه لكن تعذر، إما أن تكون الثمار قد أصابتها جوائح ولم يتمكن من الوفاء، أو عدا عليها جند وأخذوها، ففي هذه الحال نقول للمسلم: أنت بالخيار، إن شئت فسخت العقد ورجعت بالثمن، وإن شئت أبقيت العقد حتى يقدر المسلَم إليه على تسليمه إليك، ولهذا يقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «أو فسخ الكل أو البعض ويأخذ الثمن الموجود» والثمن الموجود مثل أن يكون دراهم أسلم فيها إلى المسلم إليه.
وهل يملك الفسخ في البعض؟ يقول المؤلف: نعم؛ لأن من ملك الفسخ في الكل ملك في الجزء؛ إذ أن الجزء بعض الكل، ونضرب مثلاً لذلك: أسلم إليه مائة درهم بخمسين صاعاً من البر تحل في جمادى الثانية، وجاء جمادى الثانية وإذا الثمار قد أصيبت بآفات أتلفتها، نقول للمسلم: أنت بالخيار إن شئت فسخت العقد في الكل وإن شئت فسخت في البعض، وأعطيناك ما يقابله من الثمن، فإذا قال: أنا أسلمت في خمسين وأنا

فسخت العقد في نصفها فنرد إليه خمسين درهماً، فإن قال: فسخت في الكل فإنه يرد المائة كاملة، فإن كان المسلم إليه قد أنفق الثمن ولم يبق عنده منه شيء، قال المؤلف: يأخذ عوضه، والعوض مثله إن كان مثلياً وقيمته إن كان متقوماً.

السَّادسُ: أَنْ يَقْبِضَ الثَّمَنَ تَامّاً مَعْلُوماً قَدْرُهُ وَوَصْفُهُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ، وَإِنْ قَبِضَ البَعْضَ ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِيمَا عَدَاهُ.
وَإنْ أَسْلَمَ فِي جِنْسٍ إِلَى أَجَلَيْنِ، أَوْ عَكْسُه صَحَّ إِنْ بَيَّنَ كُلَّ جِنْسٍ وَثَمَنَهُ وَقِسْطَ كُلِّ أَجَلٍ.

قوله: «السادس: أن يقبض الثمن تامّاً» الفاعل المسلَم إليه، وهذا مأخوذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أسلف في شيء فليسلف» 1، فإن هذا يقتضي أنه لا بد من أن يقبض الثمن تامّاً، ومن المعنى أنه إذا لم يقدم الثمن فقد يتأخر، وحينئذ يكون الضرر على المسلم إليه؛ لأنه سيعطي المسلم أرخص مما يعطي الناس في مقابل تقديم الثمن، فإذا تأخر الثمن خسر مرتين، المرة الأولى حين غلب فاشتري منه ما يساوي عشرة بثمانية، والمرة الثانية حينما تأخر عليه قبض الثمن فلم ينتفع به، ثم إنه يسمى سلماً وسلفاً وهو مشتق من التقديم، فإذا أخر صار منافياً لما اشتق منه، فيدل على هذا الشرط المعنى واللفظ والأثر.
قوله: «معلوماً قدره» هذا في الكمية.
قوله: «ووصفه» هذا في الكيفية، يعني لا بد أن يقبض الثمن تامّاً معلوماً قدره ومعلوماً وصفه، ولا يكفي أن يقول: أسلمت إليك هذا الشيء المعين بكذا وكذا، بينما لو قلت: بعت عليك هذا الشيء المعين، ولو لم يعلم وصفه، يجوز لكن هذا لا بد أن يكون معلوماً وصفه، أي مما يمكن ضبطه بالوصف؛ وذلك من أجل الرجوع إذا تعذر الوفاء إلى هذا الثمن المعلوم قدره ووصفه؛ لأنه إذا كان غير مضبوط بالوصف يبقى الأمر مجهولاً.

قوله: «قبل التفرق» لا بد ـ أيضاً ـ أن يكون القبض قبل التفرق من مجلس العقد، ولو قمنا عن المكان ومشينا جميعاً، مثل أسلمت إليه بمائة درهم مائة صاع من البر، ولكن ليس معي مائة الدرهم، فمشينا جميعاً إلى أحد أصدقائي وتسلفت منه مائة الدرهم وأعطيتها الرجل يجوز؛ لأننا لم نتفرق.
وعندنا قاعدة وهي: أنه يشترط في الثمن والمثمن ألا يكون بينهما ربا نسيئة، فإن كان بينهما ربا نسيئة لم يصح إسلام أحدهما في الآخر؛ لأن ما يجري فيهما ربا النسيئة يشترط فيهما التقابض، والسلم يشترط فيه التأخير، وهذا من التضاد، فلو أسلمت براً بتمر لم يجز، ولو أسلمت ذهباً في فضة لم يجز.
قوله: «وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما عداه» البعض، أي بعض الثمن، فإذا قدر ـ مثلاً ـ أنه أسلم ألف درهم بمائة صاع بر، وسلمه خمسمائة درهم فقط، فالذي يصح خمسمائة فيقابلها خمسون، والباقي لا يصح؛ لأنه لا بد من قبض الجميع، فما لم يقبض لا يصح، وهذا مبني على ما سبق من القول الصحيح من تفريق الصفقة، وأما إذا قلنا بعدم تفريقها، لم يصح في الجميع.
قوله: «وإن أسلم في جنس إلى أجلين» مثاله: أسلم بألف ريال إلى شخص في بر، ولكنه جعل بعضه يحل في رجب، والبعض الثاني يحل في شوال، فقد أسلم في جنس إلى أجلين.
قوله: «أو عكسه» أسلم في جنسين إلى أجل واحد، بأن أسلم في بر وشعير إلى أجل واحد.

قوله: «صح إن بيَّن كل جنس وثمنه» كأن يقول: مائة صاع بر وشعير بألف درهم؛ فلا بد أن يبين مقدار كل جنس، فيقول مثلاً: خمسون صاعاً من البر وخمسون صاعاً من الشعير، ولا بد ـ أيضاً ـ أن يبين ثمنه، ـ مثلاً ـ خمسون صاعاً من البر يقابلها ستمائة من الألف، وخمسون صاعاً من الشعير يقابلها أربعمائة من الألف، لا بد من هذا حتى إذا تعذر البعض يعرف قسطه من الثمن، وإذا كان الأمر مجهولاً أدى إلى النزاع.
قوله: «وقِسْطَ كل أجل» هذا فيما إذا أسلم في جنس إلى أجلين، بأن يقول: أسلمت إليك مائة درهم بمائة صاع بر إلى أجلين، لا بد أن يبين قسط كل أجل، فمثلاً يقول: الأجل الأول خمسون، والثاني خمسون؛ وذلك أنه إذا حصل اختلاف، أو تعذر وفاء نرجع إلى ما عُين.
وعلى كلام المؤلف لا يحتاج أن يبين قسطه من الثمن؛ لأنه سيقسط عليه بالقسط؛ لأنه معروف.

السَّابِعُ: أَنْ يُسْلِمَ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ يَصِحُّ فِي عَيْنٍ.
وَيَجبُ الوَفَاءُ مَوْضعَ العَقْدِ، وَيَصِحُّ شَرطُهُ فِي غَيْرِهِ.
وَإِنْ عُقِدَ بِبَرٍّ أَوْ بَحْرٍ شَرَطَاهُ.
وَلاَ يَصِحُّ بَيْعُ المُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلاَ هِبَتُهُ وَلاَ الحَوَالَةُ بِهِ وَلاَ عَلَيْهِ وَلاَ أَخْذُ عِوَضِهِ، وَلاَ يَصِحُّ الرَّهْنُ وَالكَفِيْلُ بِهِ.

قوله: «السابع: أن يُسلم في الذمة» أي: ذمة المسلم إليه.
قوله: «فلا يصح في عين» بأن يقول: أعطيتك مائة درهم بمائة كيلو بر، فإن أسلم في عين بأن قال: أسلمت إليك مائة درهم بهذه العين فإنه لا يصح؛ لأنه ما دام المسلم فيه معيناً فلا حاجة فيه إلى السلم، يعطيه الدراهم ويأخذ هذا الشيء، ولا يبقى وديعة عند البائع، لا يستفيد منه البائع ولا يستفيد منه المشتري، ولأنه قد يتلف قبل حلول الأجل.

وقال بعض أهل العلم: إنه لا يصح سلماً في عين ولكنه يصح بيعاً، وهذا يرجع إلى قاعدة وهي: هل إذا وقع العقد على صورة تخالف ذلك العقد ولكنها تصح على وجه آخر، هل نقول بالصحة أو نقول بالبطلان؟ معلوم أني لو بعت عليك هذا الشيء المعين جاز، ولكن لو أسلمت إليك فيه فإنه لا يجوز، فهل نقول: لما تعذر تحقيق السلم في هذا المعين يتحول العقد إلى بيع؛ أو نقول لا يصح؛ لأن السلم له أحكام خاصة به، والبيع له أحكام خاصة به؟ المذهب هذا، وذكر ابن رجب في القواعد أن المسألة فيها قولان في المذهب، قول بالصحة وأنه ينزل على العقد الذي يصح عليه، وقول ثان أنه لا يصح وهو المذهب.
ولكن هذا الشرط فيه نظر، بل إنه يصح أن يسلم في عين، وتبقى هذه العين عند المسلم إليه حتى يحل أجلها؛ لأن عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: 282]، يشمل هذا، والأصل الصحة حتى يقوم دليل على الفساد.
مسألة: إذا قال: أسلمت إليك في هذا البستان فلا يصح ـ أيضاً ـ على المذهب؛ لأنه ليس في الذمة، وهذا البستان قد يثمر وقد لا يثمر، وإذا كان الشارع نهى عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، فهذا من باب أولى، ولكن يصح أن يسلم في بساتين القرية عامة، مثل أن يقول: أسلمت إليك في ثمر هذا البلد؛ لأن بعض البلدان يكون ثمره جيداً؛ وذلك لأن تخلف الثمر في البلد

أمر نادر بعيد، والنادر لا حكم له، بخلاف ما إذا كان في بستان معين فقد يتخلف كثيراً، ولذلك لا يصحِّحونه.
وقيل: يصح أن يسلم في بستان معين بشرط أن يكون أقل مما يثمر عادة، فإذا قدر أن هذا البستان يأتي بألف كيلو، فيكون السلم بثمانمائة ونحوه احتياطاً، ولكن لو قلت: بألفي كيلو، فهذا لا يجوز؛ لأن ما زاد على ما يثمر عادة كالمعدوم بل كالموهوم في الواقع.
فصار عندنا الآن ثلاث مراتب: في شجرة معينة، في بستان معين، في البلد، أما في البلد فيصح، وأما الشجرة المعينة فلا يصح، وأما البستان المعين ففيه خلاف.
قوله: «ويجب الوفاء موضع العقد» يعني لو أسلم إلى شخص في عنيزة مائة درهم بمائة صاع بر، ولم يذكر محل الوفاء، فإن الوفاء يكون في مكان العقد، فلو قال المُسلِمُ: أنا أريد أن تعطيني إياه في بريدة، لم يلزمه؛ لأن الواجب أن يكون في موضع العقد.
قوله: «ويصح شرطه في غيره» أي: في غير موضع العقد، لو عقد السلم في عنيزة، وقال: أريد أن يكون الوفاء في بريدة ـ مثلاً ـ، فإنه يجب الوفاء بالشرط ما لم يتسامحا، فإن تسامحا فالحق لهما.
إلا إذا شرطناه في مكان لا يمكن الوصول إليه، كما لو قلت: بشرط أن توفيني إياه على سطح القمر فإنه لا يمكن، فإن لم يشترط في غير مكان العقد، فإنه في مكان العقد، حتى وإن لم يكن مكان العقد بلداً لهما، فلو تعاقدا عقد سلم في مكة وهما حجاج وحل الأجل، فالواجب أن أوفيه بمكة وإن لم تكن مكة بلداً لهما، ولكن ذهب بعض أهل العلم إلى أن المرجع في ذلك

إلى العرف، فيجب الوفاء في المكان الذي دل العرف على وجوب الوفاء به، ومعلوم أنه إذا عقدا السلم في مكة وهما حجاج، فإن العادة أنه يوفي في مكان المسلِم، ولكن على المذهب نتخلص من ذلك بأن نشترطه في بلد المسلِم.
قوله: «وإن عقد بِبَرٍّ أو بحر شرطاه» أي وجب أن يشترطا مكان الوفاء؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يوفي في البحر أو في البر وليس البلد الفلاني أولى من البلد الفلاني، فيجب أن يعينا مكان الوفاء، فمثلاً: لو أن شخصاً أسلم إلى آخَرَ مائة درهم بمائة صاع بر في البَرِّ وهو قادم من مكة ـ مثلاً ـ، نقول: في هذه الحال لا بد أن يذكر مكان الوفاء، وكذلك لو كانا في سفينة في البحر، وتم العقد بينهما في السفينة فإنه لا بد أن يُذكر محل الوفاء؛ وذلك لتعذر الوفاء في البر والبحر.
والقول الثاني في المسألة: أن يرجع في ذلك إلى العرف، والعرف أن يسلم في بلد المسلِم، وعلى هذا فلا حاجة إلى التعيين اعتماداً على ما جرى به العرف.
مسألة: لو عقداه في بلد ثم توافقا في بلد آخر، وأوفى المسلَمُ إليه المسلِمَ، فهل يجب القبول أم لا؟ مثلاً أسلم إليه في المدينة توافقا في مكة وأوفاه المسلَم فيه في مكة، فلا يجب عليه القبول، فإن قبل باختياره فلا بأس وإلا فلا.
ولو طلب المسلِم من المسلَم إليه أن يوفيه إياه في مكة وأبى فهل يُلزمه بذلك؟ لا يلزمه؛ لأن الواجب أن يوفي في مكان العقد، فلو قال أنا أوفيك إياه في مكة لكن أضيف إليه الأجرة، فالمذهب لا يجوز أن يوافق؛ لأن المسلم فيه لا يزاد ولا ينقص، فنقول بدون أجرة وإلا فلا.

قوله: «ولا يصح بيع المسلَم فيه قبل قبضه» سواء بيع على المسلم إليه أو على رجل أجنبي؛ لأنه بيع دين في ذمة الغير، والمشتري قد يتمكن من القبض وقد لا يتمكن، ولحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 1، لكن هذا الحديث ضعيف لا يحتج به.
فإن قال قائل: إذاً هل يجوز بيع المسلم فيه قبل قبضه؟ فالجواب: نعم يجوز بيعه على المسلم إليه، وعند شيخ الإسلام يجوز بيعه حتى على أجنبي، لكن فيه نظر؛ لأنه حقيقة إذا بعته على غير من هو عليه قد يتعذر عليه أخذه، ثم إذا بعته على غير من هو عليه بما يباع نسيئة معناه ما قبضه، فالتوسع غير ظاهر لي جداً، وشيخ الإسلام يجوز بيع الدين على غير من هو عليه، ولكنه يشترط القدرة على أخذه، لكن إن باعه على المسلم إليه فإنه يشترط ثلاثة شروط: الأول: ألا يربح، بأن يبيعه بسعر يومه؛ لأنه لو باعه بأكثر من سعر يومه لربح فيما لم يضمن، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ربح ما لم يضمن 2، فمثلاً أسلم في مائة صاع بُر حلَّت وقيمتها عند الوفاء مائتا درهم فقط، فقال: أبيعها عليك بمائتين وخمسين درهماً، لا

يجوز؛ لأنه ربح في هذا البر قبل أن يدخل في ضمانه؛ لأنه لم يملكه ولم يقبضه، فيكون قد ربح فيما لم يضمن، ولحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ وفيه: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها» 1، حتى لا يربح فيما لم يضمن، فإن كانت مائة الصاع تساوي مائتي درهم وباعها عليه بمائة وخمسين يجوز؛ لأنه إذا جاز بسعر يومها فبما دونه من باب أولى، ولأننا عللنا منع الزيادة بألا يربح فيما لم يضمن، وهذا لم يربح بل خسر، والمراد بقوله «بسعر يومها» ألا تزيد، فإن نقصت فقد فَعَلْتَ خيراً.
الشرط الثاني: أن يحصل التقابض قبل التفرق فيما إذا باعه بشيء يجري فيه ربا النسيئة، مثاله: أن يبيع البر بشعير، مائة صاع بر بمائتي صاع شعير، فهذا جائز بشرط التقابض قبل التفرق؛ لأن بيع البر بالشعير يشترط فيه التقابض قبل التفرق، ولحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء» لأنه يبيع دراهم بدنانير أو دنانير بدراهم، وبيع الدراهم بالدنانير يشترط فيه التقابض قبل التفرق.
الشرط الثالث: ألا يجعله ثمناً لسلم آخر؛ لأنه إذا جعله ثمناً لسلم آخر فإن الغالب أن يربح فيه، وحينئذ يكون ربح فيما لم يضمن، مثاله: حل السلم مائة صاع من البر، فقالا: سنجعلها

سلماً في خمس من الغنم ـ لأن السلم في الحيوان يجوز كما سبق ـ خمس من الغنم صفتها كذا وكذا تحل بعد سنة، فهذا لا يجوز؛ لأن الغالب أنه لا يفعل هذا إلا بربح، وأن هذه الغنم الخمس تساوي مائة وعشرين صاعاً؛ ولأنه يؤدي إلى قلب الدين بحيث يكون كلما حل دينه جعله سلماً آخر، وهذا حيلة على قلب الدين وازدياده في ذمة المدين بهذه الطريقة، وكلما حل الدين قال: اجعله سلماً آخر، وهكذا حتى تتراكم عليه الديون، فالراجح أن بيعه جائز لكن بالشروط الثلاثة المذكورة، أما المذهب فإن بيعه لا يجوز مطلقاً ودليلهم حديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 1 كما سبق، لكن هذا الحديث ضعيف كما حققه ابن القيم في تهذيب السنن، وعلى تقدير صحته فإنه يتعين أن يكون معناه من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره، أي: إلى سلم غيرِهِ، أي: لا يجعله رأس مالٍ لسلم جديد، وأما إذا قلنا: إن الحديث ليس بصحيح فإن بيعَهُ الأَصلُ فيه الحِلُّ؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: 275] ولأن حديث ابن عمر ـ رضي الله عنها ـ يدل على جواز مثل هذه المعاملة؛ إذ لا فرق بين دين السلم وغيره، ومن ادعى فرقاً بين دين السلم وغيره فليأت به.
قوله: «ولا هبته» أي هبة المسلم فيه فلا يجوز أن تهبه، وهذه العبارة تحتها نوعان: الأول: أن يهبه لمن هو عليه.
الثاني: أن يهبه لرجل آخر، وعموم كلام المؤلف يشمل هذا

وهذا، فلا يجوز أن تهب المسلَم فيه لمن هو عليه، ولا لرجل آخر، أما هبته لمن هو عليه فقالوا: إن هذا داخل في قوله: «فلا يصرفه إلى غيره» 1، وأيضاً الهبة تقتضي عيناً مملوكة تعطيها لشخص.
والجواب: أما الحديث فقد قال: «فلا يصرفه إلى غيره» وهذا لم يصرفه إلى غيره، وأما التعليل فنقول: إنه إذا وهب المسلم فيه لمن هو عليه، وقال: وهبتك ما في ذمتك من البر، فهذه الهبة بمعنى الإبراء، وهم قد ذكروا في باب الهبة أن من أبرأ غريمه بلفظ الإبراء أو الهبة أو الإسقاط أو ما أشبه ذلك برئ، فكيف تجيزون الإبراء بلفظ الهبة في الديون ولا تجيزونه في دين السلم؟! أليس دين السلم من جملة الديون؟! فلا شك أنه إذا وهب المسلم فيه إلى المسلم إليه جاز؛ لأن أكثر ما فيه أنه أبرأه منه، والإبراء خير وإحسان فكيف نمنعه؟! أما إذا وهبه لغيره، مثل أن يأتي رجل فقير إلى المسلِم، فيقول: أنا محتاج إلى قوت فقال له: عند فلان لي سلم، مائة صاع بر، وهبتك إياها، فعلى رأي المؤلف لا يصح؛ لأنه لم يقبض السلم ولم يصر ملكاً له حتى يهبه، ولكن الصحيح أنه يصح؛ لأن هذه المعاملة ليس فيها ضرر إطلاقاً، فكأنه أحاله على هذا الرجل يقبض الحق منه ثم يتملكه لنفسه، وأي مانع شرعي يكون في هذا؟! وليس هناك غرر فلو كان بيعاً نعم، إذا باع المسلَم فيه لغير المسلم إليه ربما يتعذر قبضه ويصير فيه جهالة، لكن في الهبة، فالموهوبُ له إما غانم أو سالم، وعلى هذا فالقول الصحيح أنه يجوز هبة المسلم فيه، سواء وهبته للمسلم إليه أو لآخر.

قوله: «ولا الحوالة به» مثل أن يقول المسلم إليه للمسلم: أحلتك بدينك على فلان؛ لأني أطلبه، فهذه حوالة به، أي: لما حل الأجل جاء المسلِم إلى المسلَم إليه وقال: أعطني السلم، قال: إن فلاناً عنده لي مائة صاع بر على قدر ما أنت تطلبني وإني أحيلك به عليه، فيقول المؤلف: إنه لا يصح؛ لأنه ربما يؤدي إلى أخذ شيء من غير جنسه ومن أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره.
قوله: «ولا عليه» أي: الحوالة عليه، وذلك بأن يكون المسلم في ذمته دين لشخص، فلما جاء يطلبه قال: أحيلك على فلان؛ لأن في ذمته لي مائة صاع بر سلماً، فيقول المؤلف: لا يصح؛ لأن هذا يقتضي صرف المسلم فيه إلى غيره وقد ورد النهي عنه؛ ويعللون بأنه يشترط في الدين المحال عليه أن يكون مستقراً ودين السلم ليس مستقراً؛ لأنه سبق أنه إذا تعذر الوفاء فله الصبر أو الفسخ، فنقول: في الواقع إنه مستقر؛ لأن هذا المحال إذا حل الأجل ولم يجد شيئاً فله الصبر أو الفسخ ويرجع بالثمن.
وأما الحديث فلا دلالة فيه؛ لأنه إما ضعيف أو متأول كما سبق.
والصواب أنه يصح، فيصح أن يحال به وأن يحال عليه؛ لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيل بدينه على مليء فليتبع» 1. قوله: «ولا أخذ عوضه» أليس هذا هو البيع، وقد سبق أنه لا يجوز بيعه؟ فنقول: المراد بالبيع فيما سبق إذا باعه بالنقود،

أما أخذ العوض هنا إذا اعتاض عنه بغير النقود فلا يجوز؛ وذلك نظراً لأنهم جاؤوا بعبارتين فلا بد أن ننزل كل واحدة على معنى يخالف الأخرى حتى لا يكون في ذلك تكرار، فنقول: ولا أخذ عوضه فيما إذا اعتاض عنه ما ليس بنقد، فلا يجوز، أي: لو أنه لما حل الأجل قال المسلِم للمسلَم إليه: في ذمتك لي مائة صاع بر، وأريد أن تعطيني شعيراً أو أرزاً فإن هذا لا يصح؛ لأنه حوله وصرفه إلى غيره، ولحديث: «من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره» 1، لكن كما سبق أن هذا الحديث غير صحيح، وعليه فإذا أخذ عوضه فلا بأس لكن بالشروط الثلاثة السابقة.
قوله: «ولا يصح الرهن والكفيل به» أي: لو أن المسلم قال للمسلم إليه: أنا أريد أن ترهنني شيئاً أتوثق به، فقال: أرهنك نخلي، أو أرهنك سيارتي، أو ما أشبه ذلك، فإنه لا يصح؛ لأنه عند تعذر الوفاء يرجع المسلم إلى هذا الرهن، فيكون قد صرف السلم إلى غيره.
وكذلك لا يصح أخذ الكفيل به؛ لأنه إذا تعذر الوفاء من المكفول أخذ من الكفيل، وحينئذ يكون المسلم فيه قد صُرف إلى غيره، وهذا ضعيف أيضاً؛ لأنه إذا تعذر الاستيفاء من المكفول وأخذته من الكفيل لم أصرفه إلى غيره، صحيح أنه انتقل من ذمة إلى ذمة، وأما المسلم فيه فهو نفسه لم أصرفه إلى غيره.
فالصواب إذاً جواز أخذ الرهن والكفيل والضمين به، كلها جائزة؛ لأنه ليس فيها محظور ولا ربا ولا ظلم ولا غرر ولا جهالة، وهذه عقود توثقة والأصل في العقود الحل.

بَابُ القَرْضِ

قوله: «

باب القرض

» القرض من عقود التبرعات؛ لأن العقود تنقسم إلى أقسام: منها عقود معاوضات، ومنها عقود تبرعات، ومنها عقود توثيقات، فالرهن والضمان ـ مثلاً ـ عقود توثيقات، والهبة والوصية والصدقة وما أشبهها عقود تبرعات ومنها القرض، وعقود المعاوضات كالبيع والإجارة وشبهها.
والقرض في اللغة: القطع، ومنه المقراض، أي: المقص؛ لأنه يقطع الثوب.
وأما في الشرع: فهو إعطاء مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
فقولنا: «يرد بدله» خرج بذلك العارية؛ لأن العارية لا يرد بدلها، وإنما يرد عينها.
وهذا التعريف فيه نظر، والصحيح أن يقال: «تمليك مال .. »؛ لأنك إذا قلت: «إعطاء مال لمن ينتفع به .. »، معناه أن المقترض لا يملك إلا الانتفاع، والحقيقة أنه يملك العين ملكاً تاماً، فهو تمليك مال لمن ينتفع به ويرد بدله.
وهو عقد إرفاق يقصد به تمليك المُقرَض للمقترض، أي: تمليك الرجل الذي أقرضتَه لِمَا تُقْرِضُه من أعيان أو منافع ـ على القول بجواز الإقراض فيها ـ فهو إذاً عقد إرفاق ولا يقصد به المعاوضة والمرابحة، وإنما هو إحسان محض، ولهذا جاز القرض مع أن صورته صورة ربا، فإنه إذا باع درهماً بدرهم ولم

يحصل بينهما تقابض كان ربا، وإذا أقرضه درهماً وبعد شهر أعطاه إياه لم يكن ربا، مع أن الصورة صورة ربا ولا يختلف إلا بالقصد، ولما كان المقصود بالقرض الإرفاق والإحسان صار جائزاً.
وأما حكمه فيقول المؤلف:

وَهُوَ مَنْدُوبٌ، وَمَا يَصِحُّ بَيْعُهُ صَحَّ قَرْضُهُ إلاَّ بَنِي آدَمَ وَيُمْلَكُ بِقَبْضِهِ فَلاَ يَلْزَمُ رَدُّ عَيْنِهِ بَلْ يَثبتُ بِدَلُهُ فِي ذِمَّتِهِ حَالًّا وَلَوْ أجَّلَهُ فَإِنْ رَدَّهُ المُقْتَرِضُ لَزِمَ قَبُولُهُ،

«وهو مندوب» فهذا بالنسبة للمقرض، أما بالنسبة للمستقرض فهو مباح، ولا يقال: إن هذا من المسألة المذمومة، فهنا طرفان: مقرض ومستقرض، المقرض: القرض في حقه مندوب، أي: مستحب؛ وذلك لأنه من الإحسان فيدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، ومن حيث المعنى فإن فيه دفع حاجة أخيك المسلم، وربما يكون القرض أحياناً أكثر ثواباً من الصدقة؛ لأنه لا يستقرض إلا محتاج في الغالب، والصدقة أفضل من جهة أنها لا تشغل الذمة، فإذا أعطيته لم يكن في ذمته شيء.
ويجب القرض أحياناً فيما إذا كان المقترض مضطراً لا تندفع ضرورته إلا بالقرض، ولكن لا يجب إلا على من كان قادراً عليه من غير ضرر عليه في مؤونته ولا مؤونة عياله.
كما أنه يكون أحياناً حراماً إذا كان المقترض اقترض لعمل محرم لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] ولكنه من حيث الأصل هو بالنسبة للمقرض مندوب؛ لأنه من الإحسان.
وأما بالنسبة للمستقرض فإنه مباح، ولا يقال: إنه من المسألة المذمومة، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه استقرض 1.

وظاهر كلام الفقهاء أنه مباح مطلقاً، وينبغي أن يقال: إنه مباح لمن له وفاء، وأما من ليس له وفاء فإن أقل أحواله الكراهة، ولهذا لم يرشد النبي صلّى الله عليه وسلّم الرجل الذي أراد أن يتزوج وقال: «ليس عندي شيء» إلى أن يقترض، بل زوجه بما معه من القرآن 1، فدل هذا على أنه ينبغي للإنسان ما دام عنده مندوحة عن الاقتراض أن لا يقترض، وهذا من حسن التربية؛ لأن الإنسان إذا عوَّد نفسه الاقتراض سهل الاقتراض عليه، ثم صارت أموال الناس التي في أيديهم كأنها مال عنده لا يهمه أن يقترضها، فلهذا ينبغي للإنسان أن لا يقترض إلا لأمر لا بد منه، هذا إذا كان له وفاء، أما إذا لم يكن له وفاء فإن أقل أحواله الكراهة وربما نقول بالتحريم، وفي هذه الحال يجب عليه أن يبين للمقرض حاله؛ لأجل أن يكون المقرض على بصيرة.
ولكن إذا قال قائل: الولي على مال اليتيم هل يندب له أن يقرض؟ فالجواب: لا؛ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أْحْسَنُ﴾ [الأنعام: 158]، لكن لو كان إقراضه من مصلحته

فهنا يكون الإقراض مستحبّاً من وجهين: من جهة الإحسان للمستقرض، ومن جهة الإحسان في حفظ مال اليتيم.
ثم ذكر المؤلف ـ رحمه الله ـ ضابط ما يصح قرضه فقال: «وما يصح بيعه صح قرضه» (ما) هنا يجوز أن تكون اسماً موصولاً، أي: والذي يصحُّ بيعه صح قرضه، وأجيب بما يشبه جواب الشرط؛ لأن اسم الموصول يشبه الشرط في العموم، ومنه المثال المشهور الذي يأتيني فله درهم، فهذه بمنزلة قولك من يأتني فله درهم، ويحتمل أن تكون اسم شرط ويكون فعل الشرط «يصحَّ» على أنها مجزومة حركت بالفتح لالتقاء الساكنين وجوابه «صح».
هذا هو الضابط، فكل ما صح بيعه صح قرضه، وكل ما لا يصح بيعه لا يصح قرضه.
وعلى هذا، فالكلب لا يصح قرضه؛ لأنه لا يصح بيعه، والميتة لا يصح قرضها حتى لمن حلت له فإنه لا يصح قرضها؛ لأنه لا يصح بيعها، والمرهون لا يصح قرضه؛ لأنه لا يصح بيعه، والموقوف لا يصح قرضه؛ لأنه لا يصح بيعه وهلم جرّاً.
وظاهر كلام المؤلف في قوله: «وما يصح بيعه» أنه يصح قرض المنافع؛ لأن المنافع يجوز بيعها مثل الممر في الدار، فأملك المنفعة في هذا الممر لكن لا أملك الممر، فبيع المنافع جائز أما إقراضها، فالمذهب لا يجوز، واختار شيخ الإسلام جواز ذلك بأن أقول: أقرضني نفسك اليوم لتساعدني على الحصاد وغداً أوفيك، أي: أحصد معك، وهذا هو الصحيح، لوجهين:

أولاً: أن الأصل في المعاملات الإباحة.
ثانياً: أن المنافع تجوز المعاوضة عنها، فإذا كانت تجوز المعاوضة عنها فإنه يجوز إقراضها، مثل ما أقول للعامل: اشتغل عندي بأجرة قدرها كذا وكذا، فهو عمل يصح العقد عليه ويقابل بالعوض، فتشتغل عندي يوماً وأشتغل عندك يوماً آخر، والاختلاف اليسير لا يضر، لأنه قد تختلف منافع هذا عن منافع هذا، والاختلاف الكثير لا يرضى به.
قوله: «إلا بني آدم» فإن بني آدم يصح بيعهم ولا يصح قرضهم، ويعني بذلك المماليك، فإذا كان عند الإنسان مملوك فإنه يصح بيعه لا شك لكن لا يصح قرضه؛ لأنه لم تجر العادة بذلك، ولما في هذا من الإذلال للمسلم؛ ولأنه يخشى من الفتنة والفساد، فيخشى أن يقترض الإنسان أمة ثم يجامعها لمدة أيام ثم يردها؛ لأن الإنسان إذا رد القرض، وجب قبول عينه، فيفضي إلى أن يستقرض الإنسان أمة، ثم يجامعها مدة أيام، ثم يردها إلى مالكها.
وقال بعض العلماء: يصح قرض الذكر للذكر، يعني أن يقرض الإنسان رجلاً مملوكاً لشخص؛ وذلك لأنه مأمون أن يفعل به شيئاً، ولو أقرضت أنثى لأنثى فلا بأس، ويصح أن يقرض امرأة لمحارمها، ولكن هذا فيه إشكال؛ لأنه سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب العتق أن من ملك ذا رحم محرم عليه فإنه يعتق عليه.
على كل حال استثناء المؤلف بني آدم له وجه، فيقال: بنو آدم يصح بيعهم ولا يصح قرضهم.

أما الحيوان غير بني آدم كالخيل والبقر والحمر والغنم وغيرها يجوز قرضه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم استسلف بَكراً ورد خيراً منه وقال: «خيركم أحسنكم قضاء» 1، وعلى هذا يجوز للإنسان إذا نزل به ضيف فجاء إلى جاره وقال: أقرضني شاة أذبحها للضيف، فإنه يجوز.
قوله: «ويُملك بقبضه» الضمير يعود على المُقْرَض، فإذا قبضه المستقرض ملكه، وصار ملكه عليه تامّاً يجوز أن يبيعه وأن يؤجره وأن يوقفه وأن يرهنه، وأن يتصرف فيه تصرف الملاك في أملاكهم.
قوله: «فلا يلزم رد عينه» هذا مما يتفرع على قولنا: إنه يملكه فلا يلزم المقترض رد عينه، أي: عين القرض، فلو طالب المقرض المستقرض بأن يرده فله أن يقول: لا، أنا ملكته بقبضه ولك عليّ بدله، ولا يلزمني أن أرده بعينه، ولهذا قال: «لا يلزم رد عينه»، ولكن لو رد عينه وهي لم تتغير فإنه إن كان مثليّاً لزم قبوله، وإن لم يكن مثليّاً لم يلزم قبوله، كما سيذكر المؤلف إن شاء الله.
قوله: «بل يثبت بدله» أي: بدل المُقْرَض، وهذه عبارة جامعة لم يقل: يثبت مثله، بل قال: يثبت بدله؛ لأن البدل قد يكون المثل، وقد يكون القيمة، ولذلك عبر المؤلف بكلمة صالحة للوجهين، فإن القرض إما أن يكون مثلياً أو قيمياً، ويعبر عنه الفقهاء بالمتقوم، فإن كان مثلياً فالواجب رد مثله، وإن كان قيمياً يلزم رد قيمته.

قوله: «في ذمته» أي: في ذمة المستقرض.
قوله: «حالًّا» لا مؤجلاً، حتى وإن أجله لا يتأجل؛ لأن القرض موضوعه الحلول، فإذا أجلناه فقد خرجنا به عن موضوعه فخالفنا مقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فهو باطل؛ لأنه يخرج بالعقد عن موضوعه الشرعي، فيكون مخالفاً لكتاب الله ـ عزّ وجل ـ وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل؛ ولأنه ليس معاوضة فكيف نلزم هذا المحسن ألا يطالب إلا بعد الأجل؟! فإذا قال إنسان: أقرضني صاعاً من بر، فأقرضته إياه ملكه وثبت في ذمته بدله، فبدل صاع البر صاع بر مثله؛ لأنه مثلي، فيلزمه صاع بر في ذمته، حالًّا يعني: للمقرض أن يطالب المستقرض بالوفاء حالاًّ ولو بعد نصف ساعة.
قوله: «ولو أجَّله» هذه إشارة خلاف، أي: قال المستقرض للمقرض: سأوفيك بعد سنة فإنه لا يصح هذا الشرط ويلغى ويكون القرض حالًّا؛ لأن الإمام أحمد نصّ على أن القرض حال، فقال: «كل قرض فهو حال»، أي: لا يقبل التأجيل، وهذا من حيث الحكم الوضعي، فإذا شرط التأجيل كان شرطاً منافياً لمقتضى العقد، وكل شرط يخالف مقتضى العقد فهو شرط فاسد وكل شرط فاسد فهو حرام، وهذا من حيث الحكم التكليفي، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
والصحيح: أنه إذا أجله ورضي المُقْرِض فإنه يثبت الأجل، ويكون لازماً، ولا يحل للمقرض أن يطالب المستقرض حتى يحل الأجل.

وهو اختيار شيخ الإسلام؛ لأن هذا لا ينافي مقتضى العقد بل هو من تمام مقتضى العقد؛ لأن المقصود بالقرض الإرفاق والإحسان وإذا أجلته صار ذلك من تمام الإحسان، فالأرفق للمقترض التأجيل، ومن وجه آخر أن الله تعالى قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، وهذا عقد شرط فيه التأجيل فيجب أن يُوفى به؛ لأن أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود يشمل الوفاء بأصلها والوفاء بوصفها، وهو الشروط التي تشترط فيها؛ وقال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ [الإسراء: 34]، والمقرض الذي أجله قد تعهد ألا يطالب إلا بعد انتهاء الأجل فيكون هذا العهد مسؤولاً عنه عند الله؛ ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» 1، فعلم من ذلك أن الشرط الذي لا ينافي كتاب الله فليس بباطل، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرّم حلالاً» 2؛ ولأن المطالبة به وهو مؤجل إخلاف للوعد، وإخلاف الوعد من سمات المنافقين، فكل هذه الأدلة تدل على أنه إذا كان مؤجلاً وجب أن يبقى مؤجلاً؛ ولأنه ربما يكون في ذلك ضرر عظيم على المستقرض.
مثلاً: هذا الرجل أقرضني خمسين ألفاً لشراء سيارة أنتفع بها، فاشتريت السيارة على أن القرض مؤجل إلى سنة، فعلى

كلام المؤلف لصاحب القرض أن يطالبني الآن ويقول: أوفني، ويلزمني بأن أبيع السيارة، وأوفيه، وفي ذلك ضرر عظيم، وكذلك لو أني استقرضت من شخص دراهم لأشتري بيتاً للسكنى، فاشتريت وسكنت، وكان هذا القرض مؤجلاً إلى سنة أو أكثر، ثم جاء يطالبني ويقول: أعطني قرضي، فهذا فيه ضرر لا شك، ويستقبحه العقل والعرف والمروءة فضلاً عن الشرع.
إذاً دلالة الكتاب والسنة والمعنى كلها متفقة على أن التأجيل في القرض جائز وأنه ملزم ولا بد منه.
ويقال: إن قول الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ: «كل قرض فهو حالٌّ»، يعني هذا هو الأصل، لكن كم من أشياء خرجت عن أصولها بالشروط التي تُدْخَل فيها.
إذن القول الراجح: أنه يتأجل بالتأجيل، ويثبت الأجل، وليس للمقرض الحق في أن يطالب؛ لأنه هو الذي رضي بتأجيله، وللأدلة التي ذكرناها من قبل.
قوله: «فإن رده المقترض لزم قَبوله» الهاء في قوله: «رده» تعود على المُقْرَضِ إن «رده المقترض» على المقرض «لزمه»، أي: لزم المُقْرِض قبوله؛ لأنه عين ماله لكن بشرط ألا يتغير، وألا يكون متقوماً؛ لأنه لما أقرضه ثبتت القيمة في ذمته، فيقول: أنا لم يثبت لي المثل، لكن وجبت لي القيمة فأعطني القيمة.
وظاهر كلام المؤلف حتى وإن كان المستقرض انتفع به في هذه المدة، فإنه يلزم المقرض قبوله، لا سيما إن كان قد اقترضه وهو جديد، ثم استعمله ولو لمدة يسيرة، فسوف تنقص قيمته بلا شك.

القول الثاني: أنه لا يلزم المقرض قبوله سواء تغير أم لم يتغير، فإذا قال المقترض للمقرض: هذا مالك أنا رددته عليك، فقال له: أنت اقترضته وقبضته، فصار ملكاً لك، فلا يلزمني أن أقبله وأدخله ملكي.
وهذا القول هو الصحيح: أنه إذا رده المقترض فإنه لا يلزم المقرض قبوله، لكن لو قبله فلا بأس؛ لأن الحق له، ولا فرق بين أن يكون مثليّاً أو متقوماً، فإنه لا يلزم القبول على القول الراجح.

وَإِنْ كَانَتْ مُكَسَّرَةً أوْ فُلُوساً فَمَنَعَ السُّلْطَانُ المُعَامَلَةَ بِهَا فَلَهُ القِيمةُ وَقْتَ القَرْضِ، وَيَرُدُّ المِثْلَ فِي المِثْلِيَّاتِ وَالقِيمَةَ فِي غَيْرِهَا.

قوله: «وإن كانت» يعني العين المُقرَضَة.
قوله: «مكسرة» والمكسرة هي المجزأة؛ لأنهم كانوا فيما سبق يجزؤون الدراهم، فالدرهم له ربع ونصف من الفضة وأدركنا ذلك، ريال الفضة كان له نصف وله ربع، وهذا منذ زمن.
قوله: «أو فلوساً» الفلوس هي كل نقد من غير الذهب والفضة، مثل النقد المعدني الآن، ومنذ زمن ـ أيضاً ـ يسمى فلوساً جمع فَلْس.
قوله: «فمنع السلطان المعاملة بها» أي: ألغاها، وهذه الجملة عطف على قوله: «وإن كانت مكسرة أو فلوساً».
ربما يفهم من ظاهر كلامه أن السلطان لا يحرم إلا المكسرة والفلوس، أما أصل الدراهم والدنانير فإن السلاطين لا يحرمونها، بل يبقونها نقداً يتعامل به الناس، ومع هذا قال العلماء: يحرم على السلطان أن يحرم السكة الجارية بين الناس؛ لما في ذلك من الضرر العظيم؛ لأنه إذا حرمها صارَت سلعة من

السلع، ولم تكن نقداً، وهذا قد يضر بالمسلمين، ولهذا يحرم على الإمام أن يفعل ذلك، لكن ربما تدعو الحاجة إلى هذا بحيث يدخلها الغش والتلفيق وما أشبه ذلك، فيرى السلطان أن من المصلحة أن يُحرم التعامل بها.
قوله: «فله القيمة وقت القرض» مثال ذلك: رجل أقرضني أربعين ربعاً، أي: عشرة دراهم، لكنها بعد التحريم لا تساوي إلاّ خمسة، إذاً له القيمة وقت القرض، وهي عشرة دراهم.
وكذلك الفلوس وهي ـ معدن غير الذهب والفضة ـ فإذا أقرضني ألف قرش قيمتها مائة درهم، ثم إن السلطان حرم هذه الفلوس، فالواجب على المقرض مائة درهم، أي: القيمة وقت القرض؛ ووجه ذلك أن هذا المستقرض ملكها من حين القرض، فخرجت بالقرض عن ملك الأول، ودخلت في ملك الثاني، فحينئذٍ يضمنها بقيمتها وقت القرض.
إذاً لو استقرض مكسرة أو فلوساً ثم حرمت المعاملة بها، فهل له القيمة وقت القرض، أو وقت الوفاء، أو وقت التحريم؟ فمثلاً كان وقت القرض سنة ثلاث عشرة، ووقت التحريم سنة خمس عشرة، ووقت الوفاء سنة ست عشرة، فنأخذ بقيمة سنة ثلاث عشرة، أي: قيمة أول سنة للقرض، وهذا هو المذهب.
القول الثاني: أن المعتبر قيمتها وقت المنع، ووجه هذا القول أن الواجب للمقرض نفس هذه الفلوس إلى أن منعت.
القول الثالث: أن له قيمتها وقت الوفاء؛ لأنها واجبة في ذمة المقترض بأعيانها إلى أن يوفي، فيكون عليه القيمة وقت الوفاء.

وأقرب شيء أن المعتبر القيمة وقت المنع؛ وذلك لأنه ثابت في ذمته عشرة فلوس إلى أن منعت، يعني قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبه لأعطى عشرة فلوس، ولكان الواجب على المقرض قبولها، فإذا كان كذلك فإننا نقدرها وقت المنع.
قوله: «ويرد المثلَ في المثليات، والقيمة في غيرها» يعني إذا أراد المستقرض الوفاء، فالواجب أن يرد المثل في المثليات، والقيمة في غير المثليات، وتسمى المتقومات.
والمثلي على كلام الأصحاب ـ رحمهم الله ـ (كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه، وليس فيه صناعة مباحة).
فقولنا: (كل مكيل أو موزون) خرج به ما سواهما كالمعدود، والمذروع، والحيوان، والثياب، وهلمّ جرّاً.
وقولنا: (يصح السلم فيه) فإن كان لا يصح السلم فيه كالغالية والمعاجين وما أشبه ذلك، فإنه ليس مثليّاً بل هو متقوّم.
وقولنا: (ليس فيه صناعة مباحة) فالحديد موزون، فإذا صنع أواني خرج عن كونه موزوناً؛ لأن فيه صناعة مباحة، والذهب موزون فإذا صُنع أواني، فالصناعة هنا غير مباحة، فيبقى موزوناً، فإذا استقرضت من شخص أواني ذهب مقدارها تسعون جراماً، وهي تساوي إذا لم تكن آنية ثمانية آلاف ريال، وإذا كانت آنية تساوي عشرة آلاف ريال، فالأكثر الأواني، لكن هذه الزيادة في مقابلة صنعة محرمة فلا تعتبر، ولذلك نقول: هذه تعتبر مثلية؛ لأن الصناعة غير مباحة، وإذا كانت غير مباحة فلا قيمة لها، ونقول: عليك أن تضمن مقدار هذا الذهب وزناً؛ لأن الصناعة غير مباحة.

مثال آخر: الأقلام متقومة، وكذلك الساعات متقومة؛ لأن فيها صناعة مباحة، فعلى المذهب يجب أن يرد قيمتها، ولكن كيف تعرف القيمة؟ الجواب: أن نقول: ماذا يساوي هذا الشيء حين القرض؟ ويثبت في ذمة المستقرض قيمته، هذا هو القول الراجح.
مثاله: أقرضني شخص بعيراً والبعير متقوم، فنقول: كم قيمته وقت القرض؟ قال: قيمته خمسة آلاف، إذاً يثبت في ذمة المستقرض خمسة آلاف؛ لأن غير المثلي تثبت قيمته، ولهذا قال: «والقيمة في غيرها».
لو قال قائل: لماذا لا تجعلون القيمة وقت الوفاء؟ نقول: لأنها دخلت ملك المستقرض من حين قبضها، فاعتبرت القيمة في ذلك الوقت.
وقيل: إن المعتبر وقت القرض إلا في الجواهر ونحوها مما يتغير بسرعة، ولكن الصحيح أن المعتبر القيمة وقت القرض؛ لأنه هو الوقت الذي ملكت فيه ما أقرضني.
إذاً الذي يثبت في ذمة المستقرض المثلي في المثليات، والقيمة في المتقومات.
ولكن هل نسلم أن المثلي هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة؟ الصحيح لا، فالمثلي ما كان له مثيل مقارب، وليس بلازم أن يكون مطابقاً، ولهذا نعلم لو أن إنساناً أقرض بعيراً، ثم أراد

المستقرض أن يرد بعيراً مثله في السن واللون والسمن والكبر، فهو أقرب إلى المماثلة من القيمة؛ لأن القيمة مخالفة له في النوع ومقاربة له في التقدير، لكن المماثل من الحيوان أقرب بلا شك، ولهذا كان القول الصحيح أن المثلي ما كان له مثل أو مقارب، وعلى هذا فالحيوان مثلي، ولهذا استسلف النبي صلّى الله عليه وسلّم بَكْراً ورد خياراً رباعيّاً (1)، فجعله مثليًّا، ولما جاء غلام إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو عند إحدى نسائه بطعام، ضربت المرأة ـ التي كان النبي صلّى الله عليه وسلّم في بيتها ـ يد الغلام حتى سقط الطعام وانكسرت الصحفة، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إناء بإناء وطعام بطعام» (2)، وأخذ طعام التي كان عندها وصحفتها وردهما مع الغلام، فهنا ضمن الإناء بالمثل مع أن فيه صناعة، فجعله النبي صلّى الله عليه وسلّم مثليّاً، ولا شك أن هذا القول هو الأقرب، وعلى هذا فإذا استقرض بعيراً ثبت في ذمته بعير مثله، وإذا استقرض إناء ثبت في ذمته إناء مثله، وهذا أقرب من القيمة.
إذاً خالفنا المؤلف في هذه المسألة في معنى المثل، لكننا نتفق معه في أنه يرد المثل في المثليات والقيمة في غيرها.

فَإِنْ أعْوَزَ المِثْلُ فَالقِيْمَةُ إذاً.

قوله: «فإن أعوز المثل فالقيمةُ إذاً» ويصح «فالقيمةَ» بالنصب، والتقدير فيرد القيمةَ، فقوله: «فإن أعوز المثل»، أي:12

أعسر أو تعذر، بمعنى أنه عند الوفاء لم يجد المقترض مِثْلاً فنرجع إلى القيمة، والعلة أنه إذا تعذر الأصل رجعنا إلى البدل وهو القيمة، حتى في العبادات ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: 196]، لكن بماذا يكون الإعواز؟ الجواب: يكون بأمور: أولاً: العدم، بأن ينقطع من السوق فلا يوجد، فهذا إعواز لا شك.
ثانياً: الغلاء الفاحش، فمثلاً هذا الشيء يساوي عشرة فارتفع في السوق حتى صار يساوي مائة، فهذا غلاء فاحش مضر بالمقترض.
ثالثاً: البعد الشاق بأن يكون موجوداً، لكن نحن الآن في عنيزة، وهو موجود في بِكِّين، وهي عاصمة الصين.
فالحاصل: أن الإعواز يكون بواحد من الأمور الثلاثة: وهي العدم، والغلاء الفاحش، والبعد الشاق، ولهذا قال المؤلف: «فإن أعوز» ليشمل التعذر والتعسر.
وقوله: «فالقيمة إذاً» أي: وقت الإعواز، فإذا أعوز فإنه يرد القيمة وقت الإعواز، أي: قبل أن يُعدم، فإذا قال المقرض: أنا أريد المثل، فقال له المقترض: والله ليس موجوداً، إلا في بلاد بعيدة، قال: اذهب واشتره، فلا يلزمه؛ لأنه إذا اشتراه سيأتي بأضعاف أضعافه، فيصل إلى بلد المقرض

بأضعاف أضعاف القيمة، وهذا إضرار، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا ضرر ولا ضرار» 1.

وَيَحْرُمُ كُلُّ شَرْطٍ جَرَّ نَفْعاً، وَإِنْ بَدَأ بِهِ بِلاَ شَرْطٍ، أَوْ أَعْطَاهُ أجْوَدَ، أَوْ هَدِيَّةً بَعْدَ الوَفَاءِ جَازَ، وَإِنْ تَبَرَّعَ لِمُقْرِضِهِ قَبْلَ وَفَائِهِ بِشَيءٍ لَم تَجْرِ عَادَتُهُ بِهِ لَمْ يَجُزْ، إِلاَّ أنْ يَنْوِيَ مُكَافَأتَهُ أَوِ احْتِسَابَهُ مِنْ دَيْنِهِ.

قوله: «ويحرم كل شرط جر نفعاً» «يحرم» يعني في القرض كل شرط يشترطه المقرِض يجر إليه نفعاً، أما إذا كان يجر نفعاً إلى المستقرض فهو الأصل، إذاً كل شرط جر نفعاً للمقرض فهو محرم.
وقوله: «كل شرط» الشرط يقع في هذه الحال من المقرض، وهو حرام على المقترض لموافقته على المحرم، فيكون من باب التعاون على الإثم والعدوان، لكن الأصل أن الشارط هو المقرض.
وقوله: «يحرم كل شرط جر نفعاً» مثال ذلك: جاء رجل إلى شخص، وقال: أريد أن تقرضني مائة ألف، قال: ليس هناك مانع، لكن أسْكُنُ بيتك لمدة شهر، فهنا القرض جر نفعاً للمقرض، فهذا حرام ولا يجوز.
ولماذا لا يجوز؟! أليس المسلمون على شروطهم؟! بلى، لكن إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً، وهذا أحل حراماً؛ وذلك أن الأصل في القرض هو الإرفاق والإحسان إلى المقترض، فإذا دخله الشرط صار من باب المعاوضة، وإذا كان من باب المعاوضة، صار مشتملاً على ربا الفضل وربا النسيئة، فاجتمع فيه الربا بنوعيه.
مثال ذلك: لما استقرض مني مائة ألف، واشترطت عليه أن أسكن داره شهراً، صار كأني بعت عليه مائة ألف بمائة ألف، بزيادة

سكنى البيت شهراً، وهذا ربا نسيئة وربا فضل، ربا فضل؛ لأن فيه زيادة، وربا نسيئة؛ لأن فيه تأخيراً في تسليم العوض، ولهذا قال العلماء: كل قرض جر منفعة بشرط فهو ربا، وقد ورد «كل قرض جر منفعة فهو ربا» 1، لكنه حديث ضعيف أما معناهُ فصحيح.
وعُلِم من قول المؤلف: «كل شرط جر نفعاً» أنه لو لم يكن شرط فإنه لا يحرم، أي: لو جر منفعة للمقرض بدون شرط فإنه ليس حراماً.
مثال ذلك: رجل عنده أرض قد زارع فيها، فجاء المزارع إلى صاحب الأرض، وقال: أنا الآن ليس عندي مواشٍ أحرث عليها، فقال له: أنا أقرضك تشتري مواشي تحرث عليها، فهنا فيه منفعة للمقرض؛ لأن أرضه الآن ستعمر بالزرع، وسيأتيه سهمه الذي اشترط على العامل، لكن المسألة بدون شرط، ثم المصلحة هنا ليست متمحضة للمقرض بل هي لهما جميعاً، فالمقرض ينتفع بعمارة أرضه، والمستقرض ينتفع بما يحصل له من الزرع، فيكون هذا جائزاً: أولاً: لأن النفع لم يتمحض للمقرض.
ثانياً: أن فيه مصلحة لهما جميعاً.
ثالثاً: أنه لم يكن بشرط.

ولو جاء شخص إلى آخر، واستقرض منه دراهم في عنيزة، وقال المقرض: أنا أريد أن أسافر إلى الرياض لأشتري بضاعة، وأشترط عليك أن توفيني في الرياض، فسيأتي ـ إن شاء الله ـ الخلاف في هذا، والصحيح أنه جائز؛ وذلك أن المقرض لم يأته زيادة على ما أقرض، فإنه استقرض منه ـ مثلاً ـ مائة ألف وأوفاه مائة ألف، لكن اختلف المكان فقط، ولهذا بعض العلماء يقول في هذه المسألة: يشترط ألا يكون لحمله مؤونة، والصحيح أن هذا ليس بشرط كما سيأتي ـ إن شاء الله ـ تفصيله في كلام المؤلف.
قوله: «وإن بدأ به» أي بما يجر النفع.
قوله: «بلا شرط» بأن أعطاه المقترض ما ينتفع به بلا شرط.
قوله: «أو أعطاه أجود» بلا شرط.
قوله: «أو هدية بعد الوفاء جاز» يعني بلا شرط، هذه صور ثلاث.
مثال ذلك: رجل أقرض شخصاً مائة ألف ثم أوفاه، ثم أعطى المقترض سيارته للمقرض ليتمتع بها لمدة عشرة أيام، مكافأة له على إحسانه، فهذا لا بأس به؛ لأن هذا من باب المكافأة، والمسألة ليست مشروطة حتى نقول إن هذا شرط جر نفعاً.
وكذلك إذا أعطاه أجود فإنه لا بأس به، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم رد خياراً رباعيّاً بدلاً عن بكر وقال: «خيركم أحسنكم قضاء» 1. وكذلك إذا أعطاه هدية بعد الوفاء، بأن أهدى إليه هدية قليلة أو كثيرة، لكن بعد الوفاء فإن ذلك جائز؛ لأنه في هذه الحال لم يكن معاوضة، أي: القرض، بل كان باقياً على الإرفاق ولكن المقترض أراد أن يكافئ هذا المقرض بما أعطاه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من صنع إليكم معروفاً فكافئوه» 2. وعُلم من قول المؤلف: «أو أعطاه أجود» أنه لو أعطاه أكثر بلا شرط فإنه على المذهب لا يجوز، والفرق أن الأجود في الصفة، والأكثر في الكمية، فلا يجوز.
والصحيح أنه جائز بشرط ألا يكون مشروطاً، بأن يقترض منه عشرة ثم عند الوفاء يعطيه أحد عشر فإنه لا بأس؛ لأنه إذا جازت الزيادة في الصفة جازت في العدد؛ إذ لا فرق، بل قد تكون الصفة أحياناً أكثر من العدد، كما لو كان جيداً جدّاً فإنه قد يكون أكثرَ من العدد فائدةً للمقرض.
لكن قد يقول قائل: إذا جوزنا هذا لزم أن نجوِّز الفوائد البنكية، لأنك تعطي البنك مائة ألف ويعطيك بعد سنة مائة وعشرة.
فالجواب على هذا أن البنك زيادته تعتبر مشروطة شرطاً عرفياً، والشرط العرفي كالشرط اللفظي؛ لأن هذا معلوم من

تعاملهم، لكن من أخذ من حروف أقوال أهل العلم قال: إنه يجوز أخذ الفوائد البنكية؛ لأن الإنسان حينما أعطاهم الدراهم لم يشترط عليهم أن يوفوه أكثر، مع أن المذهب يرون أنه لا يجوز قبول الأكثر، بل يجوز الأجود دون الأكثر، لكن على القول بالجواز لا ترد علينا مسألة البنوك؛ لأنها مشروطة شرطاً عرفياً، فموظف البنك إذا قال: ماذا تريد؟ قال: أريد حساباً بنكياً، وهذا معناه أنه يريد الفوائد.
وفُهم من قوله: «بعد الوفاء» أنه لو كان قبل الوفاء فإنه لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى أن يهاديه المقترض كلما مضى شهران أو ثلاثة أشهر، وبهذا يزيد في تأخير الطلب، ثم يكون كالربا الزائد لكل شهر أو لكل سنة.
مسألة: لو قال أعطيك قرضاً مائة ألف على أن تزوجني ابنتك، وقال: أنا لم أشترط مالاً؟ الجواب: هذا لا يجوز؛ لأن فيه منفعة وأصبح معاوضة ولم يرد به وجه الله، إنما أراد به امرأة يتزوجها.
مسألة: لو قال: أقرضك مائة ألف على أن تؤجرني بيتك لمدة سنة وأعطيك الإيجار كاملاً، وبيتك الآن متعطل وأنا محتاج إليه، فهذا على المذهب لا يجوز؛ لأنه إذا لم تكن منفعة فهي شرط عقد في آخر، ولأنه لولا أنه يريد أن يؤجره ما جعل التأجير شرطاً في القرض، فهو سيضغط على نفسه بتأجير هذا الرجل، وإن كان يكره أن يؤجره من أجل القرض.
قوله: «وإن تبرع» أي المقترض.

قوله: «لمقرضه قبل وفائه بشيء لم تجر عادته به لم يجز» سواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً.
وعُلم من قوله: «لم تجر عادته به» أنه لو كان من عادته أن يتبرع له في مثل هذه المناسبة، فإنه لا بأس أن يقبل وإن لم يحتسبه من دينه.
مثاله: أن يكون الذي أقرضه صاحباً له، وجرت العادة أنه إذا سافر يعطيه هدية بعد رجوعه من السفر، كما هو معروف فيما سبق، فهذا المقترض سافر ورجع من سفره، وكان من عادته أن يعطي الذي أقرضه هدية السفر، فأعطاه هدية السفر بعد أن اقترض منه، فهذا لا بأس به؛ لأن الحامل له ليس هو الاقتراض، بل الحامل له هو المودة والمصاحبة بينه وبين صاحبه.
قوله: «إلا أن ينوي» أي: المقترض.
قوله: «مكافأته» أي: مكافأة المقرض.
مثال هذا: إنسان استقرض من شخص ألف ريال، ثم إن المقترض أهدى إلى هذا المقرض ساعة تساوي مائتي ريال، فله أن يقبلها بشرط أن ينوي المكافأة بمثل قيمتها أو أكثر.
فإن قال قائل: لماذا لا يردها أصلاً ما دامت المسألة حراماً؟ قلنا: إنه قد يمنعه الحياء والخجل وكسر قلب صاحبه من الرد؛ لأنه من الصعب أن يقول: لا أريدها، فأنا قد أقرضتك،

فنقول: خذها وانوِ المكافأة، كأن تعطيه ساعة تساوي مائتي ريال، أو ثلاثمائة ريال، أما أقل من ذلك، مثل أن تكون الساعة بمائة فلا يجوز؛ لأنها ليست مكافأة، فالمائة لا تكافئ المائتين.
قوله: «أو احتسابه من دينه» فيقبل الهدية ولا يكافئه.
مثال هذا: أقرضه ألف ريال ثم إن المقترض أهدى إليه هدية تساوي مائتي ريال فقبلها، لكن قيدها له، فقال: وصل من فلان مائتا ريال، فهذا جائز ولا بأس به؛ لأنه الآن نوى احتسابها من دينه فسقطت عن ذمة المقترض.
مسألة: هل تحسب الضيافة من الدَّين؟ الجواب: يقول الفقهاء: تحسب الضيافة من الدين، يقال: كم أكلت من تمرة، ومن خبزة، ومن برتقالة؟ ويحسب من الدين، وهذا هو المذهب.
لكن ذكر صاحب الفروع أنه يتوجه ألا يحسب ذلك من الدين؛ لأن الضيافة ما جرت العادة أنها تعتبر هدية، إلا إذا كان الرجل المقرض تعمد ذلك، بأن كان البلد يوجد فيه فنادق ومطاعم، وقال المقرض: بدلاً من أن أخسر في الفندق، أنزل على من أحسنت عليه بالقرض، فإذا تعمد ذلك فربما نقول: هذا لا يجوز؛ لأنه جر إلى نفسه نفعاً.
مسألة: إذا حصل عند المقترض مناسبة من المناسبات، وليمة عرس، أو وليمة قدوم غائب، أو وليمة ختان، أو ما أشبه ذلك فدعا المقرض، فإن له إجابته حتى على المذهب، والعلة أنه

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل