كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
شيء من التمر، بخلاف المجموع، فلو أن صاحب الثمر جمعه، وجعله في البيدر ـ وهو المكان الذي ييبس فيه التمر ـ فليس له هذا الحكم.
قوله: «ولا حائط عليه» الحائط معروف، وهو الجدار المحيط بالبستان الذي يمنع من الدخول، إلا من الباب.
وقوله: «ولا ناظر فله الأكل منه مجَّاناً» وهو الحارس، فإذا كان عليه حارس وإن لم يكن عليه حائط فلا أكل، فاشترط المؤلف شروطاً:
الأول: أن يكون فيه الثمر، أو متساقطاً، لا مجنياً.
الثاني: ليس عليه حائط.
الثالث: ليس عليه ناظر.
فإن كان عليه حائط فإنه لا يأكل منه؛ لأن تحويط صاحبه عليه دليل على أنه لا يرضى أن يأكله أحد، فهو إذاً قرينة على عدم رضا صاحبه بالأكل منه، والإنسان لا يحل ماله إلا بطيب نفس منه.
كذلك إذا كان عليه ناظر فهو دليل على أن صاحبه لا يرضى أن يأكل منه أحد؛ لأنه لو رضي أن يأكل منه أحد لم يجعل عليه ناظراً يحرسه، فهو قرينة على أن صاحبه لا يرضى أن يأكل منه أحد.
فإذا جعل عليه شبكاً فهل له نفس الحكم، أو أن هذا الشبك عن البهائم؟
الجواب: الظاهر أن الشبك الذي فيه موانع شائكة عن
البهائم فقط، والشبك الرفيع الطويل المربع، الظاهر أنه عن الجميع.
والدليل على هذا أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أذن لمن مر بالحائط أن يأكل منه غير متخذٍ خُبنة 1، والخبنة هي التي يجعلها الإنسان في طرف ثوبه، أي لا يحمل منه شيئاً، ولهذا قال المؤلف:
«من غير حمل».
فشروط الأكل ثلاثة، وإن قلنا: شروط الأخذ فهي أربعة.
فإذا كنا نتكلم عن الأكل فهذه شروطه، وإذا كنا نتكلم عن الأخذ فنزيد شرطاً رابعاً وهو ألا يحمل، فإن حمل فهو حرام؛ لأن الأصل تحريم أكل المال.
ولكن في الحديث شرطاً لم يشر إليه المؤلف، وهو أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر من دخل حائطاً أن ينادي صاحبه ثلاثاً، فإذا أجابه استأذنه، وإن لم يجبه أكل 2، وهذا شرط لا بد منه؛ لأنه دل عليه الحديث، وما دل عليه الحديث
وجب اعتباره، وعلى هذا فنزيد شرطاً رابعاً للأكل، وهو أن ينادي ثلاثاً، فإن أجيب استأذن، وإن لم يُجَب أكل.
أيضاً اشتراط انتفاء الحائط فيه نظر؛ لأن لفظ الحديث: «من دخل حائطاً» والحائط هو المحوطُ بشيء، وعلى هذا فلا فرق بين الشجر الذي ليس عليه حائط، وبين الشجر الذي عليه حائط.
فالذي تبين من السنة أن الشرط هو أن يأكل بدون حمل، وألا يرمي الشجر، بل يأخذ بيده منه، أو ما تساقط في الأرض، وأيضاً يشترط أن ينادي صاحبه ثلاثاً، إن أجابه استأذن، وإن لم يجبه أكل.
هذا الذي دل عليه الحديث هو ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله.
وذهب الجمهور إلى أن ذلك ليس بجائز، وحملوا الأحاديث على أول الإسلام، أو أول الهجرة، حين كان الناس فقراء محتاجين، وأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، ولكن الصحيح أنه عامٌّ.
فإذا قلت: هل لهذا القول حظ من النظر بعد أن كان له حظ من الأثر؟
فالجواب: نعم، وهو أن هذا مما جرت العادة في التسامح فيه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين كون الإنسان ابن سبيل، أو كان مقيماً، حتى في الحوائط التي في البلاد لا بأس
إذا مررت أن تأخذ، ولكن جرت العادة عندنا هنا في القصيم أنهم قد يبيعون ثمرة النخل على رجلٍ آخر، فهل يبقى الحكم ثابتاً حتى ولو كان قد اشتراها رجل آخر؟ أو نقول: لما اشتراها مَلَكها، والسُّنة إنما جاءت بالنسبة لصاحب الحائط؟
هذا الثاني هو الأقرب، وأن اشتراء الرجل لها يكون بمنزلة حيازة صاحب الحائط لها، فإذا علمنا أن هذا النخل قد بيع ثمره فإننا لا نأكل منه.
ثم شرع المؤلف ـ رحمه الله ـ هنا في بيان أحكام الضيافة، وإنما ذكرها المؤلف هنا من باب الاستطراد، لما ذكر ما حُرِّم لحق الله من الحيوانات وغيرها، ثم ذكر ما يتعلق باحترام مال المسلم، ذكر أيضاً الضيافة، فهذا وجه المناسبة من ذكرها هنا.
وَتَجِبُ ضِيَافَةُ المُسْلِمِ الْمُجْتَازِ بِهِ فِي الْقُرَى يَوْماً وَلَيْلَةً.
قوله: «وتجب ضيافة المسلم» «تجب» هذا بيان حكم الضيافة، والضيافة أن يتلقَّى الإنسان مَن قدم إليه، فيكرمه وينزله بيته، ويقدم له الأكل، وهي من محاسن الدين الإسلامي، وقد سبقنا إليها إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [الذاريات:24]، أي: الذين أكرمهم إبراهيم، ولا يمتنع أن يقال: والذين أكرمهم الله ـ عزّ وجل ـ بكونهم ملائكة.
فحكم الضيافة واجب، وإكرام الضيف ـ أيضاً ـ واجب، وهو أمر زائد على مطلق الضيافة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» 1، أي: من كان يؤمن إيماناً كاملاً فليكرم ضيفه.
وإكرام الضيف بما جرت به العادة يختلف باختلاف الضيف والمضيف، فأما المضيف فلقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7]، فإذا نزل شخص ضيفاً على رجلٍ غني، فإنه يكرمه بما وسَّع الله عليه، وإذا نزل بإنسان فقير فيكرمه بما قدر عليه، فقد ينزل هذا الرجل على شخص غني، ويكون إكرامه بأن يذبح له ذبيحة، ويدعو مَنْ حوله، وقد ينزل على آخر ويكون إكرامه له أن يقدم له صحناً من التمر؛ لأن الأول عنده مال، وهذا فقير.
كذلك باعتبار الضيف، فالضيوف ليسوا على حد سواء، ينزل بك ضيف، صاحب لك، ليس بينك وبينه شيء من التكلف فتكرمه بما يليق به، وينزل عليك ضيف كبير عند الناس في ماله، وفي علمه، أو في سلطانه، فتكرمه بما يليق به، وينزل عليك شخص من سِطَة الناس تكرمه ـ أيضاً ـ بما يليق به.
ومن الإكرام ـ أيضاً ـ أن لا تقدِّر عليه قِراه كما فعل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، فإبراهيم عليه السلام لما نزل به الملائكة راغ إلى أهله، قال العلماء: انطلق مسرعاً بخفية، حتى لا يقولوا شيئاً؛ لأنه جرت العادة أن الضيف إذا أراد المضيف أن يكرمه قام يحلف: والله لا تفعل كذا، ولا تفعل كذا، فإبراهيم ذهب مسرعاً بخفية، وجاء بعجل حنيذ سمين، وبعض الناس يكرم، ثم إذا قدم الغداء يقول: تفضل، والله ما وجدنا هذا اللحم اليوم إلا الكيلو بعشرة، أو اللحم غالٍ اليوم، لكن أنتم أهل لذلك! وهذا فيه مِنّةٌ.
أو يقول: والله ما وجدت هذه الشاة إلا بمائتي ريال، وأخذ الذباح لها خمسين ريالاً، وما أشبه ذلك؛ فهذا لا يجوز، ولهذا قال العلماء: يكره تقويم الطعام أمام الضيف؛ لأنه مهما كان الأمر فسوف ينكسر خاطره، ولا يمكن أن يخرج وهو مسرور بهذا العمل.
وقوله: «المسلم» خرج به الكافر، وهو عامٌّ للكافر الذمي، والحربي، والمستأمِن، والمُعَاهَد، وهذا هو المشهور من المذهب، حيث اشترطوا أن يكون الضيف مسلماً، ولكن الصحيح أنه يعم المسلم وغير المسلم؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» 1، وهذا عامٌّ، ولم يقل: أخاه، فإذا نزل بك الذمي، وجب عليك أن تكرمه بضيافته.
قوله: «المجتاز به» يعني الذي مر بك وهو مسافر، وأما المقيم فإنه ليس له حق ضيافة، ولو كان المقيم له حق الضيافة لكان ما أكثر المقيمين الذين يقرعون الأبواب! فلا بد أن يكون مجتازاً، أي: مسافراً ومارّاً، حتى لو كان مسافراً مقيماً يومين، أو ثلاثة، أو أكثر، فلا حق له في ذلك، بل لا بد أن يكون مجتازاً.
قوله: «في القرى» دون الأمصار، والقرى البلاد الصغيرة، والأمصار البلاد الكبيرة، قالوا: لأن القرى هي مظنة الحاجة، والأمصار بلاد كبيرة فيها مطاعم وفنادق وأشياء يستغني بها
الإنسان عن الضيافة، وهذا ـ أيضاً ـ خلاف القول الصحيح؛ لأن الحديث عامّ، وكم من إنسان يأتي إلى الأمصار، وفيها الفنادق، وفيها المطاعم، وفيها كل شيء، لكن يكرهها ويربأ بنفسه أن يذهب إليها، فينزل ضيفاً على صديق، أو على إنسان معروف، فلو نزل بك ضيف ولو في الأمصار فالصحيح الوجوب.
قال في الروض: «ولا يجب إنزاله ببيته مع عدم مسجد ونحوه» 1، والصحيح أنه يجب أن ينزله في بيته ولو وجد مأوى ومساجد مفتوحة لأن هذا من إكرامه؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أعطانا كلمة جامعة مانعة واضحة، وهي: «فليكرم ضيفه» 2، وليس من إكرامه أنه إذا تعشى، أو تغدَّى تقول له: انصرف! إذاً نقول: يجب إكرامه بما جرت به العادة في طعامه، وشرابه، ومنامه، والحديث عامٌّ.
ومناسبة ذكر الضيافة في كتاب الأطعمة: أن هذا من باب الاستطراد.
لما ذكر ما حرم لحقَّ الله من الحيوانات ثم ذكر ما يتعلق باحترام مال المسلم ذكر أيضاً الضيافة فهذا وجه المناسبة.
قوله: «يوماً وليلةً» لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته»؟ قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة»، أو «يومه وليلته»، وبعد
اليوم والليلة إلى ثلاث صدقة 1، وما عدا ذلك فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ولا يحل له أن يثوي فيحرجه» 2 «لا يحل له» أي: للضيف، «أن يثوي» أي: يبقى، إذاً الضيف إذا بقي ثلاثة أيام يغادر ولا يبقى، وقد علَّل الرسول صلّى الله عليه وسلّم ذلك فقال: «فيحرجه» فعُلم من هذا التعليل أنه إذا كان لا يحرجه فلا بأس؛ لأنه يوجد بعض الناس لو يبقى عندك أشهراً فأنت مسرور منه، ولا سيما إذا كان ضيفاً على العزاب، فالعزاب يحبون أن ينزل عليهم الضيف؛ لأنه يؤنسهم، وليس هناك نساء يخجلون، ويتعبون من الضيف.
فالمهم أن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «فيحرجه» يفيد أنه إذا لم يكن فيه إحراج فلا بأس أن يبقى الضيف، ولو فوق ثلاثة أيام.
والحاصل: أن الضيافة واجبة بأربعة شروط:
الأول: أن يكون الضيف مسلماً.
الثاني: أن يكون مسافراً.
الثالث: أن يكون في القرى.
الرابع: المدة وهي يوم وليلة.
بَابُ الذَّكَاةِ
لاَ يُبَاحُ شَيْءٌ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ، إِلاَّ الْجَرَادُ، وَالسَّمَكُ، وَكُلُّ مَا لاَ يَعِيشُ إِلاَّ فِي الْمَاءِ،
..................
قوله: «الذكاة» يعني الذبح، وأصلها من الذكاء، وهو الحدة والنفوذ، ووجه الارتباط أن الذبح يكون بآلة حادة ونافذة، ومنه الذكاء؛ لأن الذكي يكون حاد الذهن، ونافذ البصيرة.
أما في الشرع: فهو إنهار الدم من بهيمة تحل، إما في العنق إن كان مقدوراً عليها، أو في أي محل من بدنه إن كان غير مقدور عليها.
والذكاة شرط لحل الحيوان المباح، فكل حيوان مباح فإنه لا يحل إلا بذكاة.
وهل يشمل ذلك ما أبيح للضرورة، فلو أن إنساناً اضطُر إلى حمار فهل لا بد لحله من الذكاة؟
الجواب: نعم، فلا نقول: إن هذا في الأصل حرام فيحل سواء ذكيته، أم خنقته، أم أصبته في أي موضع من بدنه، بل نقول: إنه لما أبيح للضرورة صار حكمه حكم ما أحل لغير ضرورة.
قوله: «لا يباح شيء من الحيوان» أي: لا يحل.
قوله: «المقدور عليه بغير ذكاة» هذا فيه نظر؛ لأننا ذكرنا تعريف الذكاة الشامل للمقدور عليه، والمعجوز عنه، وأن الذكاة إنهار الدم من حيوان مأكول، إما في الرقبة، وإما في
أي موضع كان من بدنه عند العجز، وحينئذٍ لا نحتاج إلى تقييد ذلك بقولنا: «المقدور عليه»؛ لأن الذكاة تكون حتى في غير المقدور عليه، كما سيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ في كلام المؤلف.
فإن قلت: ما الدليل على أنه لا يحل؟ فالدليل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، فاشترط الله الذكاة، فإذا اشترط الله الذكاة لحل هذه التي أصابها سبب الموت، فكذلك غيرها من باب أولى؛ لأنا نقول: إذا كانت هذه التي أصيبت بسبب الموت لا تحل إلا بذكاة، فالتي لم تصب من باب أولى؛ لأنه إذا لم يُعفَ عن الذكاة في هذه التي أصيبت بسبب الموت، فألاَّ يعفى عنها فيما سواها من باب أولى، وحينئذٍ لا يحل إلا بذكاة.
أما التعليل فهو ما أجمع عليه الأطباء من أن احتقان الدم في الحيوان مضرٌّ جدّاً بالصحة، ويسبب أمراضاً عسيرة البرء، وحينئذٍ نعرف حكمة الشارع في إيجاب الذكاة، ولهذا فالمنخنقة، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، هذه الخمس أصيبت بما يُميتها، يعني ما ماتت حتف أنفها، ومع ذلك لم تحل؛ لاحتقان الدم فيها.
قوله: «إلا الجراد» فيحل بدون ذكاة، مع أن الجراد لا يعيش إلا في البر، لكنه يحل بغير ذكاة، لماذا؟
الجواب: أولاً: من حيث الدليل قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت» 1، وهذا يروى من حديث ابن عمر موقوفاً عليه، ومرفوعاً بسندٍ ضعيف، لكن حتى لو كان موقوفاً عليه فله حكم الرفع؛ لأن هذه الصيغة من الصحابي يحكم لها بالرفع.
ثانياً: من حيث التعليل والحكمة فالجراد ليس فيه دم حتى يحتاج إلى إنهاره؛ ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكُلْ» 2.
وقال بعض العلماء: لا بد أن يموت بسبب من الإنسان، ولو مات بدون سببٍ من الإنسان فإنه لا يحل، لكنه قول ضعيف.
قوله: «والسمك» السمك يعيش في الماء، وعلى هذا فقوله:
«وكل ما لا يعيش إلا في الماء» من باب عطف العامّ على الخاص، فكل شيء لا يعيش إلا في الماء فإنه يحل بدون ذكاة، والدليل من القرآن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96].
ومن السنة ما في حديث أبي عبيدة الطويل الذين بعثهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في سرية، وأعطاهم تمراً، ونفد التمر، وجاعوا، حتى
قيَّض الله لهم حوتاً كبيراً يسمى العنبر، وجدوه على الساحل، وكان عظيم الجسم، حتى إنه ليجلس النفر في قحف عينه فيسعهم من كبره، وحتى إنهم أخذوا ضلعاً من أضلاعه، ونصبوه، ورحلوا أكبر جمل عندهم فمر من تحت الضلع، فأكلوا، وشبعوا، وأتوا بشيء منه للنبي صلّى الله عليه وسلّم 1.
وكذلك ـ أيضاً ـ حديث ابن عمر رضي الله عنهما: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت» 2، فصار في حل السمك والحوت بغير ذكاة دليل من الكتاب، ومن السنة.
وهو حلال ولو كان فيه دم، ومعلوم أن السمك الكبير فيه دم.
فإن قلت: كيف يحل وفيه دم محتقن، وقد علَّلتَ تحريم الميتة، وشبهها بأن فيها دماً محتقناً ضاراً؟
قلنا: إن الضرر، وانتفاء الضرر، بيد من بيده النفع والضر، وهو الله عزّ وجل، وإذا أباح الله لعباده ميتة فإننا نجزم بأن دمها المحتقن لا يضر، وهذا من حكمة الله عزّ وجل؛ وذلك لأن الحصول على السمك حتى تذكيه أمر متعسِّر، أو متعذِّر، فلذلك كان من حكمة الله ـ عزّ وجل ـ ورحمته أنه أباح لعباده هذا السمك بدون ذكاة.
إذاً كل حيوان مباح يشترط لحلِّه الذكاة، إلا حيوان البحر، والجراد، ولو وجدنا غير الجراد مما أباح الله وليس فيه دم، فحكمه حكم الجراد.
ويوجد الآن أشياء تطير في المزارع شبيهة بالجراد، فهذه ـ أيضاً ـ إذا أخذ منها شيء وجمع، وأُكل بعد أن يشوى بالنار، أو يُغلى بالماء صار حلالاً.
وَيُشْتَرَطُ لِلذَّكَاةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَهْلِيَّةُ الْمُذَكِّي، بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلاً، مُسْلِماً أَوْ كِتَابِيّاً، وَلَوْ مُرَاهِقاً، أَوِ امْرَأَةً، أَوْ أَقْلَفَ، أَوْ أَعْمَى،
................
قوله: «ويشترط للذكاة أربعة شروط» ظاهر كلام المؤلف الحصر، وأن الشروط أربعة، ولكن سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ بعد الكلام عليها أن هناك شروطاً أكثر من أربعة تبلغ إلى عشرة.
قوله: «أهلية المذكي» وذلك بأن يجتمع فيه وصفان: العقل، والدين، أما العقل فقال المؤلف:
«بأن يكون عاقلاً» والعقل معروف، وهو ما يعقل به الإنسان الأشياء، وضد العاقل مَن لا عقل له، سواء كان مجنوناً، أو مُبَرْسَماً، أو سَكراناً، أو دون التمييز، المهم أنه لا عقل له، ولا تمييز، فهذا لا تصح ذكاته.
فلو أن طفلاً دون التمييز أمسك عصفوراً وذبحه فإن هذا العصفور لا يحل؛ لأنه غير عاقل، ولو أن مجنوناً سطا على شاةٍ، وذبحها في رقبتها فإنها لا تحل؛ لأنه ليس له عقل.
ولماذا يشترط العقل؟
الجواب: قالوا: لأنه لا بد من قصد التذكية؛ لأن الله
يقول: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، والفعل لا بد فيه من قصد، وغير العاقل ليس له قصد.
ومن هنا نأخذ شرطاً وهو قصد التذكية، يعني زيادة على العقل نشترط أن يقصد التذكية، فإن لم يقصدها، مثل لو أن إنساناً أمسك بسكينٍ ليقطع حبلاً، وكان الحبل مرتفعاً على رقبة شاةٍ، وهو بقوة اتكائه على الحبل انقطع الحبل بسرعة، ونزلت السكين على رقبة الشاة وقطعتها، فلا تحل؛ لأنه لم يقصد التذكية.
مسألة: هل يشترط مع ذلك قصد التذكية للأكل، أو إذا قصد التذكية لغرض غير الأكل حلت الذبيحة؟
الجواب: في هذا قولان لأهل العلم، منهم من قال: يشترط ذلك، وأنه لا بُد أن يقصد الأكل، فإن لم يقصد الأكل لم تحل الذبيحة؛ لأن الذبح إيلام وإتلاف، إيلام للحيوان، وإتلافٌ للمال، وإذا لم يقصد الإنسان الأكل فلا يحل له أن يؤذي الحيوان، ويتلف المال.
وفي أي صورة يمكن ألا يقصد الأكل؟
الجواب: مثل إنسان عنده شاة كثيرة الثغاء، وهو يريد أن ينام، وعجز أن ينام منها، فقال: هذه التي آذتني، لأذهبنَّ وأذبحها، فذهب وذبحها لا لقصد الأكل، أو رجل حصل نزاع بينه وبين آخر في شاةٍ فقال: هذه التي أدَّتْ بي إلى هذا النزاع والله لأذبحنَّها، فذبحها لقصد حَلِّ يمينه، وما قصد أكلها، فمن العلماء من قال: إنها لا تحل، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن
تيمية رحمه الله، ومنهم من قال: إنها تحل؛ لأنه قَصَد التذكية، وقَصْد التذكية قصد صحيح، سواء قصد الانتفاع بها بالأكل، أو قصد حل يمينه، أو قصد اندفاع ضررها.
فتولد من هذا الشرط شرطان:
الأول: قصد التذكية.
الثاني: هل يشترط قصد الأكل أو لا يشترط؟
على الخلاف الذي سبق ذكره.
والظاهر لي من النصوص أنه إذا قصد التذكية فإنها تحل وإن لم يقصد الأكل، على أن لقائل أن يقول: إن عموم قوله: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ مستثنى من قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾، ومعلوم أن التحريم هنا تحريم الأكل، فيكون المعنى إلا ما ذكيتم للأكل، فالمهم أن اختيار شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ له قوة من النظر بلا شك، لكن الذي يظهر أن الأخذ بالعموم أرفق بالناس.
مسألة: لو أن رجلاً صال عليه جمل، وكان معه سيف، فأراد أن يدافع عن نفسه فقال: بسم الله، وضربه دفاعاً عن النفس؛ حتى أصاب منحره، أو مذبحه، فهل يحل أو لا؟
الجواب: هذا لا يحل؛ لأنه ما قصد التذكية، بل قصد الدفاع عن نفسه، ولهذا لا يهمهم أن يضربه في رقبته، أو في رأسه، أو في ظهره، أما لو قصد التذكية، وقال: ما دام صال عليّ فسأذبحه ذبحاً، وقصد التذكية مع قصد دفع الصول، فهنا ينبني على الخلاف في اشتراط قصد الأكل أو لا.
قلنا: إن أهلية المذكي تدور على أمرين: العقل والدين، فما هو الدين؟ قال المؤلف:
«مسلماً» المسلم هنا من دان بشريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن هذه الشريعة نسخت جميع الأديان، فكلُّ الأديان باطلة ما عدا شريعة محمد صلّى الله عليه وسلّم، ومَن زعم أن ديناً غير الإسلام قائمٌ اليوم مقبول عند الله فهو كافر مرتد؛ لأنه كذَّب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ [آل عمران: 19]، وهذه الجملة تُفيد الحصر؛ لتعريف طرفيها، وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] فلا فرق بين اليهودي، والنصراني، والشيوعي، والمرتد، وغيرهم في أن دينهم لن يقبل، ولن ينفعهم عند الله.
مسألة: هل يمكن أن يُطلق الإسلام على غير المسلمين في حال قيام شرائعهم؟
الجواب: نعم، وهذا في القرآن كثير، قال تعالى عن بلقيس: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44]، والآيات في هذا المعنى كثيرة.
قوله: «أو كتابيّاً» أي: يهوديّاً، أو نصرانيّاً، فإن اليهودي والنصراني تحل ذبيحتهما؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: 5]، قال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في تفسير الآية: طعامهم ذبائحهم 1،
وهذا أمر معلوم؛ لأننا لو فسَّرنا الطعام هنا بالخبز، والتمر، وما أشبهه لم يكن فرق بين الكتابيين وغير الكتابيين، فإن غير الكتابيين ـ أيضاً ـ يحل لنا أن نأكل خبزهم، وتمرهم، وما أشبه ذلك، فالمراد بطعامهم ذبائحهم، وإنما أضافه إليهم؛ لأنهم ذبحوه ليَطْعَموه.
ومن السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان يأكل ذبائح اليهود، فقد أهدت إليه امرأة شاةً في خيبر فقبلها 1، ودعاه يهودي إلى خبز شعير، وإهالةٍ سنخة وهي الشحم المتغير المنتن، فقبل 2، وأكل عليه الصلاة والسلام، وثبت ـ أيضاً ـ في الصحيح أن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أخذ جراباً من شحم رُمي به في خيبر، فالتفت فإذا النبي صلّى الله عليه وسلّم وراءه يضحك 3، وهذه سنة إقرارية.
فإن قلت: أفلا يمكن أن يكون الذابح مسلماً؟
الجواب: نقول: هذا احتمال بعيد، وخلاف الظاهر، ولو كان لا يحل ما قدموه للرسول عليه الصلاة والسلام إلا بتذكية مسلم، ولكان الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يسأل عنه حينئذٍ؛
لأن الأصل فيما بأيديهم أنهم هم الذين ذبحوه.
مسألة: هل نقول: طعام الذين أوتوا الكتاب كل ما اعتقدوه طعاماً، وإن لم يكن على الطريقة الإسلامية؟
الجواب: لا، وهو المشهور عند أهل العلم عامتهم، وذهب بعض العلماء ـ من الأقدمين والمتأخرين ـ إلى أن ما اعتقدوه طعاماً فهو حلال لنا؛ لأن الاختصاص في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 5] لولا أنَّ له فائدة لم يكن لذكره فائدة، وهي أن طعامهم يتميَّز عن طعامنا باعتقادهم إياه طعاماً، فإن كانوا مثلاً يعتقدون أن المصعوق بالكهرباء ونحوه يعتبر طعاماً فهو حلٌّ لنا، كما لو أن أحداً من الفقهاء خالفنا في شرط من شروط الذكاة، وذكى الذبيحة على اعتقاده فإنها تكون حلالاً لنا، ولنفرض أن شافعياً ذبح ذبيحة ولم يسم الله؛ فهي حلال لنا وله؛ لأنه اعتقدها حلالاً، أما لو ذبحها من يعتقد التحريم فهي حرام.
فالمهم أن بعض العلماء قال: ما اعتقده أهل الكتاب طعاماً فإنه حلال، ولا نحتاج إلى قطع الحلقوم والمريء، ولا إلى التسمية، لكن الصواب الذي عليه جمهور العلماء خلاف ذلك، وأنه لا بد أن يذكى وينهَر الدم فيه، ولا بد أن يسمى الله عليه؛ كما سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في الشروط المستقبلة.
وقوله «كتابياً» هل يشترط أن يكون الكتابي أبواه كتابيان؟
الجواب: الصحيح أنه لا يشترط أن يكون أبواه كتابيين، وأن لكل إنسان حكم نفسه، فلو قُدِّر أن الأب شيوعي، أو وثني،
وأن ابنه اعتنق دين اليهود مثلاً، أو دين النصارى، فإن ذبيحته ـ على القول الراجح ـ حلال؛ لأنه داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5].
وقد شكك بعض الناس في عصرنا في حل ذبيحة اليهودي والنصراني، وقال: إنهم الآن لا يدينون بدين اليهود، ولا النصارى، وهذا ليس بصواب، نعم إن قالوا: نحن لا ندين بهذه الأديان، ولا نعتبرها ديناً، فإن ردتهم واضحة، أما إذا قالوا: إنهم يدينون بها، ولكن عندهم شركاً، فإن ذلك لا يمنع، بدليل أن الله ـ تعالى ـ أنزل سورة المائدة، وحكى فيها عن النصارى ما حكى من القول بالتثليث، وكفَّرهم بذلك، فقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، وفي نفس هذه السورة قال سبحانه: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: 5]، فالقرآن نزل بعد أن غيَّروا وبدَّلوا، بل بعد أن كفروا، ومع ذلك أحل ذبائحهم ونساءهم، وعلى هذا، فما دام هؤلاء يقولون: إنهم يدينون بدين النصارى، أو بدين اليهود فإن لهم حكم اليهود والنصارى، ولو كان عندهم تبديل وتغيير، ما لم يقولوا: إنهم مرتدون.
قوله: «ولو مراهقاً» المراهق من قارب البلوغ، فظاهر كلام الماتن أن المميز ـ الذي دون المراهقة ـ لا تحل ذبيحته، ولكن المذهب خلاف ذلك، وأن المميز تحلّ ذبيحته؛ لأنه عاقل يصح منه القَصْد، فتحل ذبيحته.
والمميز قيل: مَن بلغ سبع سنين، وقيل: من فهم الخطاب
وردَّ الجواب، وهذا القول هو الراجح، ولكن الغالب أن ذلك يحصل في تمام سبع سنواتٍ، ومَنْ ميَّز قبل ذلك فإنه يعتبر خارجاً عن الغالب، ومن تأخر تميزه عن ذلك فهو ـ أيضاً ـ خارج عن الغالب، فالغالب أن السبع وما قاربها نزولاً أو علوّاً يكون بها التمييز.
قوله: «أو امرأة» أي: فتحل ذبيحتها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]، والخطاب يشمل الرجال والنساء.
ولأن جارية كانت ترعى غنماً للأنصار بسلع، فأصاب الموت واحدة من الغنم، فأخذت حجراً فذبحتها به، فأجاز النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك 1.
وقوله: «أو امرأة» هذا إن كان فيه خلاف فهو خلاف ضعيف، وإلاَّ فإنه رفع للتوهم.
وقوله: «أو امرأة» يشمل الطاهرة والحائض، فحتى لو كانت حائضاً فإن ذبيحتها تحل؛ لأن لها أن تذكر الله وتسمي، بل إن منعها من قراءة القرآن في النفس منه شيء؛ لأنه كما قال شيخ الإسلام: ليس في منع الحائض من قراءة القرآن سنة صحيحة صريحة.
قوله: «أَوْ أَقْلَفَ» الأقلف هو الذي لم يختن، أي: لم تؤخذ قُلفته، فتحل ذبيحته، وأشار المؤلف إلى ذلك؛ لأن بعض العلماء قال: إن الأقلف لا تصح ذبيحته، ولا تؤكل، لكن هذا ليس
بصواب، والصواب أن ذبيحته حلال، وأنها لا تكره، ولا علاقة بين القُلفة وبين الذبح.
قوله: «أَوْ أَعْمَى» فتصح ذبيحته إذا عرف موضع الذبح، وأصابه.
وَلاَ تُبَاحُ ذَكَاةُ سَكْرَانَ، وَمَجْنُونٍ، وَوَثَنِيٍّ، وَمَجُوسِيٍّ، وَمُرْتَدٍّ.
قوله: «وَلاَ تُبَاحُ ذكاة سَكْرَانَ» لأنه غير عاقل، وليس له قصد.
قوله: «وَمَجْنُونٍ» فلا تباح ذكاته؛ لفقد العقل.
قوله: «وَوَثَنِيٍّ» وهو من يعبد الأوثان، فلا تصح ذكاته؛ لأنه ليس بمسلم ولا كتابي، فالذي يعبد وثناً، أو ملكاً، أو نبياً لا تصح ذكاته، والذي يعبد الله لكن يدعو النبي صلّى الله عليه وسلّم أيضاً لا تصح ذكاته، وكذلك الذي يعبد الله ويدعو ولياً فإنه لا تحل ذبيحته، وهذه المسألة مشكلة؛ لأنه يوجد في بعض البلاد الإسلامية قوم يدعون القبور والأموات، ويستغيثون بهم، حتى وإن كانوا بعيدين عنهم، تجده يدعو الولي، أو النبي، أو يدعو علياً، أو الحسن، أو الحسين، وما أشبه ذلك، وهذا شرك، فمن كان كذلك فإن ذبيحته لا تحل لأنه مشرك ولو كان يعبد الله بالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48]، فالشرك لا يغفره الله لا حكماً ولا جزاءً، وبناء على ذلك فإن المشرك لا تصح منه عبادة، ولا يصح منه أي عمل يشترط له الإسلام.
قوله: «وَمَجُوسِيٍّ» وهو الذي يعبد النار، وعطفه على الوثني
من باب عطف الخاص على العام؛ لأنه في الواقع يعبد الوثن لكن وثنه نار، فالمجوس الذين يعبدون النار لا تصح ذبيحتهم، وإنما نص عليه ـ رحمه الله ـ؛ لأن المجوس تؤخذ منهم الجزية كأهل الكتاب، لكن لا تحل ذبائحهم بإجماع العلماء، إلاَّ أنه يُروى عن أبي ثور أنه أباح ذبائح المجوس قياساً على أخذ الجزية منهم، والصواب أن أخذ الجزية منهم لا لأنهم مجوس، ولكن لأن جميع الكفار إذا بذلوا الجزية وجب الكف عن قتالهم، سواء كانوا من أهل كتاب، أو من المجوس، أو من الوثنيين، أو غيرهم لكن نص على المجوس لئلا يقول قائل إنهم أهل ذمة فتجوز ذبائحهم ولا تجوز مناكحتهم.
قوله: «وَمُرْتَدٍّ» أي: عن الإسلام، بأي نوع من أنواع الردَّة، فمن كذَّب خبراً من أخبار الله مع علمه أنه من خبر الله فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومن جحد وجوب الفرائض الظاهرة المجمع عليها فهو مرتد، لا تحل ذبيحته، ومن سخر بشيء من الدين فهو مرتد، بل من كره ما جاء به النبي صلّى الله عليه وسلّم أو شيء منه فهو مرتد، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ *﴾ [محمد]، ولا يحبط العمل إلاَّ بالردة، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 217]، وتارك الصلاة مرتد فلا تحل ذبيحته، وعلى قول من يقول: إنه لا يكفر تحل ذبيحته، فلو ذبح تارك الصلاة ذبيحة، ودعا إليها رجلين، أحدهما يقول: إن تارك الصلاة لا تحل ذبيحته؛ لأنه مرتد،
والثاني يقول: تحل ذبيحته؛ لأنه غير مرتد، فهنا يأكلها من لا يكفِّره، ومن كفَّره لا يأكلها، نعم لو أن من يقول بعدم ردته يترك أكلها تعزيراً له وهجراً لما عمل لعله يرتدع، فلو فعل ذلك لكان خيراً.
الثَّانِي: الآلَةُ: فَتُبَاحُ الذَّكَاةُ بِكُلِّ مُحَدَّدٍ وَلَوْ مَغْصُوباً مِنْ حَدِيدٍ وَحَجَرٍ وَقَصَبٍ وَغَيْرِهِ، إِلاَّ السِّنَّ والظُّفُرَ.
قوله: «الثاني: الآلة» أي: الثاني من شروط حل الذكاة الآلة، فلا بد أن يكون الذبح بآلة، فلا يصح الخنق، ولا التردية ـ أي: أن يرديها من الجبل حتى تموت ـ ولا الحذف بأن يحذفها بشيء حتى تموت، ولا الضرب، فكل هذا لا تحل به الذبيحة، بل لا بد من آلة، ولا بد في هذه الآلة من أن تكون محدَّدة؛ ولهذا قال المؤلف:
«فتباح الذكاة بكل محدد» أي: له حد يقطع، أما إذا لم يكن له حد فلا تحل الذكاة به، فلو صعقها بالكهرباء فلا تحل؛ لأنها غير محددة، ولا تنهر الدم، ولا بد من آلة محدَّدة تنهر الدم، أي: تجعله يسيل.
قوله: «ولو مغصوباً» «لو» هذه إشارة خلاف؛ لأن بعض العلماء يقول: إن الآلة المغصوبة، أو المحرَّمة لحق الله كالذهب والفضة، لا تحل الذكاة بها؛ لأن ما ترتب على غير المأذون فهو فاسد؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1، فإذا غصب إنسان سكيناً من شخص، أو سرقها ثم ذبح بها فعلى كلام المؤلف تحل الذبيحة، وعلى القول الثاني لا تحل، وحجة
المؤلف أن التحريم هنا ليس خاصاً بالذبح، فتحريم استعمال المغصوب عام، وعلى هذا فتصح الذكاة بالمغصوب؛ لأن الشرع لم يقل: لا تذكِّ بالمغصوب، حتى نقول: إنه إذا ذكَّى فقد عمل عملاً ليس عليه أمر الشرع، بل الشرع قال: لا تغصب أموال الناس، ولا تستعملها في أي شيء، فالنهي عام، ولمَّا لم يكن النهي خاصاً لم يفسد الذبح.
ونظير ذلك، الغِيبة محرمة على الصائم وغير الصائم، فلو أن رجلاً اغتاب الناس وهو صائم لا يفسد صومه؛ لأن النهي عن الغيبة عام في الصيام، وغير الصيام، وإن كان في الصيام قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «من لم يدع قول الزور، والعمل به، والجهل، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» 1، ولا شك أن الغيبة من قول الزور.
ولو صلى الإنسان بثوب مغصوب، فالمذهب يقولون: إنها لا تصح، فيحصل تناقض في كلامهم، والقول الثاني: أنها تصح؛ لأن النهي ليس عن الصلاة في الثوب المغصوب، بل عن غصب الثوب واستعماله، فالنهي عام.
قوله: «من حديد وحجر» (من) بيان لكل محدد، أي: سواء كان المحدد من حديد، أم حجر.
فإذا كان الحجر محدداً ومررت به على الرقبة حتى ينهر الدم أصبحت الذكاة به.
قوله: «وقصب» كل قصب يكون محدداً تحل به الذكاة، ولو
جاء بآلة حدُّها يسير، لكنّه مَغَطَ رقبة الطائر حتى انقطعت بالمغط والذبح، فهنا لا تحل؛ لأنه اجتمع مبيح وحاظر، والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الصيد: «إن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أو سهمك» 1، وهنا لا ندري هل انقطعت رقبة العصفور بالمغط، أو بالسكِّين؟
قوله: «وغيره» لأن القاعدة هي أن يكون محدداً ينهر الدم، فالخشب المحدد، وكل شيء محدد فإنه تباح التذكية به، وتحل الذبيحة.
مسألة: هل تحل الذكاة بالذهب؟ الصحيح أنها تصح مع الإثم؛ لأنه حرام.
قوله: «إلاَّ السن والظفر» المراد كل سِنٍّ وظفر، ولو كان محدداً، وعلى هذا فما يفعله الصبيان من قطع رقبة العصفور بأظفارهم، ثم يأكلونه حرام، حتى لو كان الظفر حادّاً، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلْ، إلاَّ السن والظفر، أما السن فعظم، وأمَّا الظفر فمُدى الحبشة» 2 ومُدى: جمع مدية، وهي السكين، والحبشة معروفون.
وتعليل النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه إشكال بالنسبة لقول المؤلف؛ لأنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «أما السن فعظم»، ولم يقل: «أما السِّنُّ فسنٌّ»، ولو قال:
أما السن فسن، لقلنا: السن هو الذي لا تجوز الذبيحة به، لكنه قال: «أما السن فعظم»، فالعلة أعم من المعلول؛ لأن كل سن عظم، وليس كل عظم سناً.
والعلماء مختلفون في هذا، فمنهم من قال: أما السن فعظم مع كونه سِنّاً، فإذا كان عظم وليس بسنٍّ فقد تخلَّف أحد جُزئي العلة وهي السن، فتحل الذبيحة به.
وقال بعض العلماء ـ ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ: إن الذكاة لا تصح بجميع العظام؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أما السنُّ فعظم» والتعليل بكونه عظماً معقول المعنى؛ لأن العظم إن كان من ميتة فهو نجس، والنجس لا يصح أن يكون آلة للتطهير والتذكية، وإن كان العظم من مذكاة فإن الذبح به تنجيس له، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الاستنجاء بالعظام؛ لأنه ينجِّسه، والعظام زاد إخواننا من الجن؛ لأن الجن لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، يجدونه أوفر ما يكون لحماً 1، وعليه يكون تعليل عدم جواز التذكية بالعظم معقول المعنى.
وأولئك قالوا: إن العلة مركَّبة من جزئين: السن، والعظم، ولو كان النبي صلّى الله عليه وسلّم يريد العظام جميعاً لقال: «إلاَّ العظم والظفر»، فلمّا لم يقل ذلك علمنا أنه أراد المعنيين.
لكن الراجح ما اختاره شيخ الإسلام؛ لأن التعليل واضح، والقاعدة الشرعية أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «وأما الظفر فمدى الحبشة» فيه إشكال؛ لأننا لو فرضنا أن للحبشة مدى وسكاكين خاصة بهم، لا يستعملها إلاَّ هم، فهل تصح التذكية بها؟ لأن غير الظفر وإن كان حديداً يصنعونه على صفة معيّنة لا يصنعها إلاّ هم، لا يقتضي أن يكون خاصاً بهم؛ لأن الناس يذبحون بالمحدد في كل مكان، لكن الذين جعلوا أظفارهم مدى هم الحبشة؛ ولهذا لا يقصون أظفارهم بل يتركونها تكبر حتى تطول، ويذبحون بها كل ما يمكن ذبحه بها، وبناءً على ذلك نقول: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن الظفر؛ لأنها مدى الحبشة، لأن فيه مفسدتين:
الأولى: أننا لو جعلنا الأظفار آلة للذبح لفاتنا مشروعية القص للأظفار، وفي ذلك مخالفةٌ للفطرة.
الثانية: أنه بذلك يشبه سباع الطير، ونحن نهينا أن نتشبَّه بالحيوانات.
ويمكن أن نقول أيضاً: إنه يتضمن مشابهة الكفار؛ لأن الحبشة في ذلك الوقت كانوا كفاراً، والتشبه بالكفار محرم وأهل الحبشة لا يظهر أنهم كلهم أهل كتاب وعلى فرض أنهم كلهم أهل كتاب فإن التشبه بأهل الكتاب فيما يختص بهم محرم منهي عنه.
وقوله: «الظفر» يشمل ظفر الآدمي، وغيره، والمتصل، والمنفصل، وتقدم الخلاف في العظام.
مسألة: ما حكم الذبح بالأسنان التركيبية؟ إن كانت من عظم فعلى الخلاف، وإن كانت من غير العظام فيجوز الذبح بها،
هذا إذا كانت غير مركبة على الفم، فإن كانت مركبة على الفم فلا يجوز؛ لأنه يتلطخ بالدم النجس، ويكون متشبهاً بالسباع.
الثَّالِثُ: قَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ، فَإِنْ أَبَانَ الرَّأْسَ بِالذَّبْحِ لَمْ يَحْرَمِ الْمَذْبُوحُ، وَذَكَاةُ مَا عُجِزَ عَنْهُ مِنَ الصَّيْدِ، وَالنَّعَمِ الْمُتَوَحِّشَةِ، وَالْوَاقِعَةِ فِي بِئْرٍ وَنَحْوِهَا، بِجَرْحِهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ مِنْ بَدَنِهِ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ فِي الْمَاءِ وَنَحْوِهِ فَلاَ يُبَاحُ.
قوله: «الثالث: قطع الحلقوم والمريء» في الرقبة أربعة أشياء: ودجان، وحلقوم، ومريء.
«الودجان»: عرقان غليظان يحاذيان الحلقوم والمريء، ويسميان الشرايين.
«الحلقوم»: مجرى النفس.
«المريء» مجرى الطعام والشراب.
والحلقوم قصب مضلَّع، وهذا من حكمة الله ـ تعالى ـ أن جعله قصبة؛ لأن الحلقوم لو كان كالمريء لم يخرج النفس، ولو خرج لكان بمشقة شديدة، لهذا جعله الله قصبة، وجعله سبحانه ذا أضلاع، لأجل سهولة المضغ، وسهولة تنزيل الرأس ورفعه، والله ـ سبحانه وتعالى ـ حكيم ورحيم.
والحلقوم أعلى من المريء من جهة الجلد، أما من جهة الرقبة فالمريء أعلى.
فلا بد من قطع الحلقوم والمريء؛ لأن بقطعهما فقد الحياة، وأما الودجان فظاهر كلام المؤلف أنه لا يشترط قطعهما.
والدليل على اشتراط قطع الحلقوم والمريء أن هذا هو الذبح، وهو معروف عند العرب، أن الذابح يأتي على الرقبة فيقطع الحلقوم والمريء، وتعليل آخر أن بذهابهما ذهاب الحياة، فإذا انفتح الحلقوم مات الحيوان، إلا أن يبادر ويعالج فربما يعيش، وكذلك المريء مجرى الطعام والشراب، فإن الطعام مادة
الحياة كما أن النفس مادة الحياة، فبقطعهما تزول الحياة، فكان قطعهما واجباً.
مسألة: هل يشترط إبانتهما؟ لا يشترط، فلو قطع نصف الحلقوم ثم أدخل السكين من تحته، وقطع نصف المريء حلت الذبيحة؛ لأن قطعهما وإبانتهما ليست بشرط، وهو محل خلاف.
أما حكم قطع الودجين ـ على ما ذهب إليه فقهاؤنا ـ فهو سنة، وليس بشرط لحل الذبيحة، ولمَّا لم يرد في هذا نص صريح اختلف العلماء في هذه المسألة؛ لأن النص الصريح الصحيح الوارد في هذا المقام هو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل» 1، وكذلك ما ورد عنه صلّى الله عليه وسلّم ـ وإن كان في سنده مقال ـ: «النحر في الحلق واللبَّة» 2، فالمشهور من المذهب أن الشرط قطع الحلقوم والمريء.
وقيل: إن الشرط قطع الودجين، وإن لم يقطع الحلقوم والمريء، واستدلَّ هؤلاء بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم» 3، ولم يقل: ما قطع النفس، أو قطع الطعام، ولا ريب عند كل عارف أنه لا يكون إنهار الدم إلا بقطع الودجين فقط أما الحلقوم والمرئ فمن كمال الذبح، واستدلوا ـ أيضاً ـ بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «نهى عن شريطة الشيطان» 4، وهي التي تذبح ولا تُفرى أوداجها، وهذا رواه أبو
داود وفيه ضعف، لكن يشهد له قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل».
ومنهم من قال: لا بد من قطع الأربعة جميعاً: الحلقوم، والمريء، والودجان.
ومنهم من قال: لا بد من قطع ثلاثة من أربعة: ودج واحد والحلقوم، والمريء، أو الودجين، والمريء، أو الحلقوم.
والخلاف في هذا طويل متشعب؛ لأنه ليس هناك نص واضح يدل على الاشتراط، لكن أقرب الأقوال عندي: أن الشرط هو إنهار الدم فقط، وما عدا ذلك فهو مكمل، ولا شك أن الإنسان إذا قطع الأربعة فقد حلت بالإجماع.
فإن لم يقطع الودجين، ولا المريء، ولا الحلقوم تكون الذبيحة حراماً بإجماع العلماء؛ لأنه ما حصل المقصود من إنهار الدم.
وقد اختلف في حكم الذكاة بالأظفار على قولين فمنهم من قال: جميع الأظفار لا يجوز الذكاة بها، حتى لو كان عند الإنسان ظفر حيوان من جنس المدية؛ أي: السكين وذكى به فلا يصح، لعموم النهي الموارد.
ومنهم من قال: المراد بذلك ظفر الإنسان؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «مدى الحبشة» وكانوا يذكون بأظفارهم والعموم أولى وحتى
لو كان الظفر منفصلاً فإنه يحرم الذبح به وبعضهم قال.
إذا كان ظفر الآدمي منفصلاً فإنه يحل ولكن الواجب العمل بعموم الحديث.
مسألة: ومن العلماء من قال إن الخرزة التي في الرقبة لا بد أن تكون تابعة للرأس عند الذبح وهي في طرف الحلقوم.
ومنهم من قال لا يشترط وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهو الصحيح فإذا قطع من وراء الخرزة فإنه يجزئ.
قوله: «فإن أبان الرأس بالذبح لم يحرم المذبوح» وهذا واضح؛ لأنه قطع ما يجب قطعه.
قوله: «وذكاة ما عُجِز عنه من الصيد، والنعم المتوحشة، والواقعة في بئر، ونحوها بجرحه في أي موضع كان من بدنه» «ذكاة» مبتدأ، وقوله: «بجرحه»: خبر المبتدأ، يعني ذكاة هذا النوع تكون بجرحه في أي موضع من بدنه.
وقوله: «ما عجز عنه من الصيد» أي: فذكاته «بجرحه في أي موضع كان من بدنه» مثل أن يلحق الإنسانُ ظبياً، ويعجز عنه، فيرسل عليه السكين، فتضربه في بطنه حتى يموت، فإنه يحل، مع أن الذبح ليس في الرقبة، لكن الله يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16] وأنا لم أستطع أكثر من ذلك.
وقوله: «والنعم» وهي: الإبل، والبقر، والغنم.
وقوله: «المتوحشة» أحياناً تشرد الإبل حتى لا يستطيع الإنسان أن يمسكها، فماذا يصنع بهذه؟ نقول: حكمها حكم الصيد، تحل بجرحها في أي موضع من بدنها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ولأنه ندَّ بعيرٌ من إبل القوم، والنبي صلّى الله عليه وسلّم معهم، فرماه رجل بسهمٍ فحبسه، فقال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إن لهذه النعم أوابد كأوابد الوحش، فما ندَّ عليكم فاصنعوا به هكذا» 1، فقوله: «ما ندَّ عليكم» يعني شرد حتى لم تتمكنوا منه «فاصنعوا به هكذا» أي: ارموه بالسهام، ولأن الصيد بإجماع المسلمين يحل في أي موضع أصيب، وهذا مثله، كما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام.
فهذه ثلاثة أدلة تدل على حكم هذه المسألة من القرآن، والسنة، والقياس الصحيح على ما أجمع عليه العلماء.
وقوله: «والواقعة في بئر ونحوها» كأن تقع في مكان سحيق لا يمكن الوصول إليها، كما لو تردَّت من جبل شاهق، فالغالب أننا لا يمكن أن نصل إليها قبل أن تموت، فإننا في هذه الحال نرميها بالسهم في أي موضع من بدنها، وتحل؛ وعلة ذلك العجز عن ذبحها على الوجه المعتاد.
فتكون أدلة هذه المسألة هي الأدلة السابقة، إلاَّ أن الأدلة
السابقة فيما عُجِزَ عنه عَدْواً، وهذه فيما عجز عنه بالنسبة إلينا، إلا أن المؤلف استثنى فقال:
«إلا أن يكون رأسه في الماء ونحوه فلا يباح» إن كان رأسه في الماء فإنه لا يحل؛ لأننا لا ندري أمات بالماء أم بالسهم؟ كما قال النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في الصيد: «إن وجدته غريقاً في الماء فلا تأكل، فإنك لا تدري الماء قتله أم سهمك؟» (1)، وهذه العلة تدل على أننا لو تيقنا أن الذي قتله السهم لحلَّ، وكيف أدري؟
الجواب: بأن يكون الماء قليلاً لا يغرقه، أو أراه قد رفع أنفه يتنفس، ويكون السهم قد أصابه في قلبه مثلاً، فهنا نعلم أن الذي قتله السهم دون الماء.
وهل يلزم أن ينزل إليه في البئر ويذبحه كالمعتاد؟
والجواب: أنه قد لا يمكنه ذلك فلربما أنه بنزوله يموت الحيوان وحينئذٍ يفوت عليه.
وقوله: «ونحوه» مثلاً لو سقط في نار، ورميناه بسهم، فما ندري هل النار التي قتلته أم السهم؟ فإنه لا يحل؛ لأنه اجتمع عندنا مبيح وحاظر، فيُغلَّب جانب الحظر ـ أي: المنع ـ؛ لأننا لا ندري أيهما الذي حصل به الموت.
الرَّابِعُ: أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: بِاسْمِ اللهِ، لاَ يُجْزِيهِ غَيْرُهَا، فَإِنْ تَرَكَهَا سَهْواً أُبِيحَتْ لاَ عَمْداً.
قوله: «الرابع: أن يقول» الضمير يعود على الذابح.1
قوله: «عند الذبح» أو النحر، فعند الذبح، فيما يُذبح، أو النحر فيما يُنحر لا بد أن يقول:
«باسم الله» والجملة هذه سبق إعرابها، وأنها متعلقة بمحذوف يُقدَّر فعلاً متأخراً مناسباً، فيقال: «باسم الله أذبح» في الذبح، وفي النحر: «باسم الله أنحر».
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام:118]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلاَّ تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: 119]، وقوله عزّ وجل: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: 121].
ومن السنة قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما أنهر الدم وذُكر اسم الله عليه فكُلْ» 1. فقال: «ما أنهر الدم .. » و «ما» شرطية.
ويمكن أن يستدل ـ أيضاً ـ بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ الذي رواه البخاري أن قوماً قالوا: يا رسول الله، إن قوماً يأتوننا باللحم، لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سَمُّوا أنتم وكلُوا» 2، فإن هذا يدل على أنه كان من المستقر عندهم أن ما لم يذكر اسم الله عليه لا يؤكل، ولهذا قالوا: لا ندري أذكروا اسم الله عليه أم لا؟ يعني فهل نأكله أو لا؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «سموا أنتم وكُلوا».
وقوله: «باسم الله» هل المراد هذا اللفظ، أو المراد باسمِ مُسمَّى هذا الاسمِ؟
الجواب: المذهب: الأول، يعني لا بد أن يقول: «باسم الله» بهذا اللفظ، فإن قال: «باسم الرحمن» أو «باسم رب العالمين» أو «باسم الخلاق العليم»، وما أشبه ذلك فإنه لا يجزئ، ولكن الصحيح أن المراد باسمِ مُسمَّى هذا الاسمِ، وعلى هذا إذا قال: «باسم الرحمن» أو «باسم رب العالمين» أو ما أشبه ذلك، كان هذا جائزاً، وكانت الذبيحة حلالاً؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... }، ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... } المراد الاسم المختص بهذا المسمَّى وهو الله ـ عزّ وجل ـ.
مسألة: هل يُشرع أن يذكر اسم الرسول صلّى الله عليه وسلّم هنا؟
الجواب: لا يشرع؛ وعليه فلا تقل: «باسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله»؛ لأن هذا مقام إخلاص لله عزّ وجل، فلا ينبغي أن يُذكر مع اسمه اسمُ غيرِهِ.
قوله: «لا يجزيه غيرها» أي: غير هذا اللفظ «باسم الله»، فلو قال: «باسم الرحمن» أو: «باسم رب العالمين» أو: «باسم الخلاق»، أو ما أشبه ذلك مما يختص بالله فإنه لا يجزئ، والصحيح: أنه يجزئ.
قوله: «فإن تركها» أي: التسمية.
قوله: «سهواً أبيحت لا عمداً» والسهو معناه ذهول القلب عن شيء معلومٍ، أي: عن أمرٍ كان يعلمه، فإذا ترك التسمية سهواً فإن الذبيحة تحل.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا تركها ذاكراً فإنها لا تحلّ، ولو
كان جاهلاً، أي: لا يدري أن التسمية واجبة، وهو كذلك على المذهب، فيفرقون هنا بين الجهل والنسيان، فيقولون: إن ترك التسمية ناسياً فإنها تحل، وإن تركها جاهلاً فإنها لا تحل، وإن تركها عالماً ذاكراً فلا تحل من باب أولى، فالأحوال ثلاثة:
الأولى: أن يتركها عالماً بالحكم ذاكراً لها، فلا تحل.
الثانية: أن يتركها عالماً بالحكم ناسياً، فتحل.
الثالثة: أن يتركها جاهلاً بالحكم عامداً ذاكراً، فإنها لا تحل على المذهب فيفرقون بين الجهل والنسيان.
والدليل على أنها تسقط بالسهو قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا نسيان، وقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ذبيحة المسلم حلال، وإن لم يُسمِّ إذا لم يتعمده» 1، قالوا: وهذا دليل واضح، صرَّح فيه الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بأن ذبيحة المسلم حلال إذا لم يتعمد ترك التسمية، فعُلِم منه أنه إذا تعمد فليست بحلال ولو كان جاهلاً لعموم الحديث.
وهذه المسألة ـ أعني التسمية على الذبيحة ـ اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال:
الأول: أن التسمية ليست بشرط، وإنما هي مستحبة، إن سمَّى فهو أفضل وإن لم يسمِّ فالذبيحة حلال، سواء تعمد ذلك أم لم يتعمده، وسواء كان ذاكراً أو ناسياً، وهذا مذهب الشافعي
ـ رحمه الله ـ، واستدل بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله عليه أو لم يذكر» 1. الثاني: أنها شرط ولا تسقط بأي حال من الأحوال، لا سهواً ولا جهلاً ولا عمداً مع الذكر، وهذا مذهب أهل الظاهر، وهو رواية عن الإمام أحمد، وعن الإمام مالك رحمهما الله، واختاره جماعة من السلف، من الصحابة والتابعين وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، واستدل هؤلاء بعموم قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... } [الأنعام: 121]، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكُلْ» 2 فَشَرط لحل الأكل التسمية، ومعلوم أنه إذا فُقد الشرط فُقد المشروط، فإذا فُقِدت التسمية فإنه يُفقد الحل، كسائر الشروط، فكل الشروط الثبوتية الوجودية لا تسقط بالسهو ولا بالجهل؛ ولهذا لو أن الإنسان صلَّى وهو ناسٍ أن يتوضأ وجبت عليه إعادة الصلاة، وكذلك لو صلى وهو جاهل أنه أحدث بحيث ظن أن الريح لا تنقض الوضوء، أو أن لحم الإبل لا ينقض الوضوء مثلاً، فعليه الإعادة؛ لأن الشرط لا يصحُّ المشروطُ بدونه، وكما لو ذبحها ولم ينهر الدم ناسياً أو جاهلاً فإنها لا تحل، فكذلك إذا ترك التسمية؛ لأن الحديث واحد: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه
فكل» وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو الصحيح.
الثالث: وهو المذهب، أنه إذا تركها ناسياً حلت الذبيحة، وإن تركها عامداً ولو جهلاً لم تحل الذبيحة، ففرقوا بين الجهل والنسيان، ودليل هذا حديث: «ذبيحة المسلم حلال وإن لم يذكر اسم الله عليه إذا لم يتعمَّد» 1 كما في الروض 2.
فإذا قلت: أنت ذكرت الأدلة على أن التسمية لا تسقط لا بالجهل ولا بالنسيان، فبماذا تجيب عن أدلة القائلين بالسقوط؟
الجواب: أن يقال: أدلة القائلين بالسقوط ضعيفة، لا تقوم بها حجة، وما دامت ضعيفة، فإنها لا يمكن أن تعارض القرآن والسنة، والقرآن والسنة قد دلاَّ على أن ذلك شرط، وأنها لا تؤكل الذبيحة إذا لم يذكر اسم الله عليها.
فإن قلت: إن القول الذي رجحته يرد عليه أمور:
الأمر الأول: قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: 286]، وهذا الرجل ناسٍ أو مخطئ يعني جاهلاً، فهو غير مؤاخذ.
فالجواب: أننا نقول بذلك، ونقول: إن هذا الذي نسي أن يسمي لا يؤاخذ، وكذلك الجاهل الذي لم يعلم أن التسمية شرط ولم يسمِّ لا يؤاخذ أيضاً، لكنه لا يلزم من انتفاء المؤاخذة صحة العمل، بدليل أنك لو صليت ناسياً، وأنت مُحْدِث فلا إثم عليك، ولكن صلاتك لا تصح، ولو تعمَّدت الصلاة وأنت محدث
لأثمت، حتى إن أبا حنيفة ـ رحمه الله ـ يقول: من صلَّى محدثاً فهو كافر؛ لأنه قد استهزأ بآيات الله.
فنحن نقول: نعم، نحن لا نؤثِّم هذا الذي نسي أو جهل، لكننا لا نأكل ما لم يُذكر اسم الله عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... }. ولهذا نقول: لو أكل مما لم يذكر اسم الله عليه ناسياً أو جاهلاً فليس عليه إثم؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
وبيان ذلك أن ههنا فعلين، فعل الذابح، وفعل الآكل، فهذا الذابح الذي ذبح ولم يسم ناسياً، ليس عليه إثم، فإذا جاء الآكل ليأكل قلنا: هذه الذبيحة لم يذكر اسم الله عليها، فلا تأكل؛ لأن الله يقول: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ ... } وأطلق، ولم يقل: إلا أن يكون الذابح ناسياً، لكن لو أن رجلاً أكل من هذه الذبيحة التي لم يذكر اسم الله عليها وهو لا يدري أو ناسياً فلا إثم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيْنَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾.
الأمر الثاني: قول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ حين سئل عن اللحم الذي يأتي به من لم يُدرَ أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: «سمُّوا أنتم وكلوا» 1، ولو كانت التسمية شرطاً لكان لا بد من العلم به؛ إذ لا يمكن أن يحل شيء حتى نعلم وجود شرط حِلِّه.
فالجواب عن هذا الحديث: أن الذبح صدر من أهله،
والأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة حتى يقوم دليل الفساد، وهذه قاعدة معتبرة في الشرع، ولو أن الناس كُلِّفُوا أن يعلموا شرط الحل فيمن انتقل منه، لكان في ذلك من العسر والمشقة ما لا يعلمه إلا الله، ولكان الرجل إذا أراد أن يبيع الشيء عليَّ قلتُ له: من أين ملكت هذا الشيء؟! وبأي سببٍ ملكته؟! لأن من شرط حل البيع أن يكون البائع مالكاً للشيء، فلا بد إذاً أن أعلم.
ولو جاء رجل يريد أن يزوِّج ابنته فقال: زوجتك بنتي، فيقول له مثلاً: ومن يقول: إنها ابنتك؟! لا بد أن تأتيني بشهادةٍ تشهد أنها وُلدت على فراشك! وهذا فيه من العسر والمشقة ما لا يمكن، فالأصل في الفعل الصادر من أهله الصِّحَّة.
ولو أننا قلنا إن الأصل عدم الصحة وأنه لا بد أنه يعلم شروط الصحة لشق ذلك على الناس مشقة لا تحتمل.
ولهذا لو جاءنا لحم من القصَّابين ـ الجزارين ـ المسلمين فهل يشترط أن نعلم أنهم سموا؟ لا، واحتمال أنهم لم يسموا واردٌ، ومع ذلك لا يشترط، بل نشتري ونأكل ولا نقول شيئاً، فهذه قاعدة مطَّردة: أن الأصل في الفعل الصادر من أهله الصحة، ما لم يقم دليل الفساد، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قال: «سموا أنتم وكلوا» كأنه يشير إلى نقدٍ لاذع لهم، كأنه يقول: لستم مكلفين بفعل غيركم، والذبح ليس فعلكم بل فعل الغير، وأنتم غير مسؤولين عنه، ولكنكم مسؤولون عما تفعلون أنتم، فأنتم سموا وكلوا، وهذا واضح لمن تأمله.
وحينئذٍ فلا يكون في هذا الحديث دليل على سقوط التسمية