كتابُ الصَّلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
ثانياً: أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل: إنه مَرَّ بين يدي الرسول صلّى الله عليه وسلّم، بل بين يدي بعض الصَّفِّ، ونحن نقول بموجب ذلك، أي: أن المأموم لا يقطع صلاتَه شيء؛ لا الكلب ولا غيره؛ لأن سُترة الإِمام سُترة له.
وأما المرأة؛ فقالوا: عندنا دليلان على أن المرأة لا تقطع الصَّلاةَ.
الدليل الأول: حديث عائشة رضي الله عنها لما قيل لها: إن المرأة تقطعُ الصَّلاةَ ـ فغضبت وقالت: «قد شَبَّهْتُمُونا بالحمير والكلاب! لقد كنت أنام بين يدي النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معترضة وهو يُصلِّي بالليل» 1.
فلو كانت تقطع صلاته ما استمرَّ في صلاته.
والجواب: أنَّ هذا الحديث ليس فيه دليل؛ لأن هذا ليس بمرور، والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام يقول: «فلا يدع أحداً يمر» 2، وفَرْقٌ بين المرور والاضطجاع، ونحن نوافقكم على أن المرأة لو اضطجعت بين يدي المصلِّي لم تقطع صلاته.
الدليل الثاني: أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم كان يُصلِّي في بيت أُمِّ سَلَمة، فجاء عبدُ الله بن أبي سلمة أو عُمرُ بن أبي سلمة؛ يريد أن يتجاوز بين يدي الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام فَمَنَعَهُ، فجاءت زينبُ بنت أبي سَلَمة وهي طفلة صغيرة، فَمَنَعَها فلم تمتنع وعَبَرَت،
فلما سَلَّمَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «هُنَّ أغلب» 1 ولم يستأنف الصلاة.
ويُجاب عن هذا بجوابين:
أحدهما: أن هذا الحديث ضعيف، والضعيف لا تقوم به حُجَّة.
والثاني: أن البنت صغيرة، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «المرأة» 2. والمرأة هي الكبيرة البالغة، ونحن نوافقكم على أن الصغيرة لا تقطع الصَّلاةَ.
وعلى هذا فيكون القول الرَّاجحُ في هذه المسألة: أن الصَّلاة تبطل بمرور المرأة والحِمار والكلب الأسود، لثبوت ذلك عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولا مقاوم لهذا الحديث يعارضه حتى نقول: إنه منسوخٌ أو مخصَّصٌ، بل تبطل الصَّلاة، ويجب أن يستأنفها، ولا يجوز أن يستمرَّ؛ حتى لو كانت الصلاة نَفْلاً؛ لأنه لو استمرَّ لاستمرَّ في عبادة فاسدة، والاستمرار في العبادات الفاسدة محرَّم، ونوع مِن الاستهزاء بالله عزّ وجل.
إذ كيف يتقرَّب إلى الله بما لا يرضاه.
ومِن قواعد أهل العلم: «كلُّ عقد فاسد، وكلُّ شرط فاسد، وكلُّ عبادة فاسدة، فإنه يحرم المضيُّ فيها».
ولهذا لما شَرَطَ أهلُ بريرة الولاء لهم قام النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فخطب الناس وقال منكراً عليهم:
«ما بالُ أقوامٍ يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله» (1).
وَلَهُ التَّعَوُّذُ عِنْدَ آيَةِ وَعِيدٍ، وَالسُّؤَالُ عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ.
قوله: «وله التعوُّذ» أي: للمصلِّي أن يتعوَّذ بالله.
والتعوُّذ هو الاعتصام بالله تعالى من كلِّ مكروه.
قوله: «عند آية وعيد» أي: إذا مَرَّ بآية وَعيد، فله أن يقول: أعوذ بالله من ذلك، وظاهر كلام المؤلِّف أنه لا فَرْقَ بين الإِمام والمأموم والمنفرد.
أما المنفرد والإِمام فمُسَلَّم أن لهما أن يتعوَّذا عند آية الوعيد، ويسألا عند آية الرحمة.
وأما المأموم فغير مُسلَّم على الإِطلاق، بل في ذلك تفصيل وهو: إن أدَّى ذلك إلى عدم الإنصات للإِمام فإنه يُنهى عنه، وإن لم يؤدِّ إلى عدم الإِنصات فإن له ذلك.
مثال الأول: لو كانت آيةُ الوعيد في أثناء قراءة الإِمام، فإن المأموم إذا تعوَّذ في هذه الحال والإِمام لم يسكت انشغل بتعوُّذه عن الإِنصات للإِمام، وقد نهى النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المأمومَ أن يقرأ والإِمامُ يقرأ؛ إلاَّ بأمِّ القرآن 2. ولهذا لو دخلتَ في صلاة جهرية والإِمامُ يقرأ فلا تستفتح، بل كبِّرْ، واستعذْ بالله من الشيطان الرجيم، واقرأ الفاتحة، فصار ظاهر كلام المؤلِّف فيه تفصيل بالنسبة للمأموم.
وقوله: «عند آية وعيد» أي: كلُّ ما يدلُّ على الوعيد، سواء1
كان بذِكْرِ النَّارِ، أم بذِكْرِ شيء مِن أنواع العذاب فيها، أم بذِكْرِ أحوال المجرمين، وما أشبه ذلك.
قوله: «والسؤال عند آية رحمة» أي: وللمصلِّي أن يسأل الرحمة إذا مَرَّ بآية رحمة.
مثاله: مرَّ ذكر الجنة يقول: اللَّهُمَّ إنِّي أسألك الجنة، وله أن يسأله من فَضْله، ولو مرَّ ثناء على الأنبياء أو الأولياء أو ما أشبه ذلك فله أن يقول: أسأل الله من فضله، أو أسأل الله أن يلحقني بهم، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «ولو في فرض» هذا إشارة خلاف: هل له ذلك في الفرض، أو ليس له ذلك 1؟
والصحيح: ما قاله المؤلِّف أنَّ له ذلك: لأن هذا لا يعدو أن يكون دعاء، والصَّلاةُ لا بأس بالدُّعاء فيها فله أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة، ولو كان في الفرض.
والدليل: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه صَلَّى مع النبي صلّى الله عليه وسلّم ذات ليلة فقرأ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بالبقرة، والنساء، وآل عمران، لا يمرُّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية وعيد إلا تعوَّذ 2. وهذا فِعْلُ الرَّسول عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ، والأصل أنه أسوة لنا، وأن ما فَعَلَه فلنا أن نتأسَّى به، إلا ما دَلَّ عليه الدليل، فإذا قال قائل: هذا في النَّفْلِ فما دليلكم على جوازه في الفرض؟.
فالجواب: أن ما ثَبَتَ في النَّفْل ثَبَتَ في الفرض إلا بدليل، وهنا لا دليل على الفَرْقِ بين الفرض وبين النفل.
والراجح في حكم هذه المسألة أن نقول: أما في النفل ـ ولا سيما في صلاة الليل ـ فإنه يُسَنُّ له أن يتعوَّذ عند آية الوعيد، ويسأل عند آية الرحمة؛ اقتداءً برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولأن ذلك أحضرُ للقلب وأبلغُ في التدبر، وصلاة الليل يُسَنُّ فيها التطويل، وكثرة القراءة والركوع والسُّجود، وما أشبه ذلك.
وأما في صلاة الفرض فليس بسُنَّة وإنْ كان جائزاً.
فإن قال قائل: ما دليلك على هذا التفريق، وأنت تقول: إنَّ ما ثبت في النَّفْلِ ثَبَتَ في الفرض، فليكن سُنَّة في الفرض كما هو في النفل.
فالجواب: الدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يصلي في كلِّ يوم وليلة ثلاث صلوات، كلَّها جهر فيها بالقراءة، ويقرأ آيات فيها وعيد وآيات فيها رحمة، ولم ينقل الصَّحابةُ الذين نقلوا صفة صلاة الرسول صلّى الله عليه وسلّم أنه كان يفعل ذلك في الفَرْض، ولو كان سُنَّة لفَعَلَهُ ولو فَعَلَهُ لنُقل، فلمَّا لم ينقل علمنا أنه لم يفعله، ولما لم يفعله علمنا أنه ليس بسُنَّة، والصَّحابةُ رضي الله عنهم حريصون على تتبُّع حركات النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وسكناته حتى إنهم كانوا يستدلُّون على قراءته في السرِّية باضطراب لحيته 1، ولمَّا سكت بين التكبير والقراءة سأله أبو هريرة ماذا يقول 2؟ ولو كان يسكت عند آية الوعيد مِن أجل أن يتعوَّذ، أو آية الرحمة من أجل أن يسأل لنقلوا ذلك بلا شَكٍّ.
فإذا قال قائل: إذا كان الأمر كذلك؛ فلماذا لا تمنعونه في صلاة الفرض كما مَنَعَهُ بعضُ أهل العلم؛ لأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» 1؟ فالجواب على هذه أن نقول: تَرْكُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له لا يدلُّ على تحريمه؛ لأنه أعطانا عليه الصَّلاة والسَّلام قاعدة: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء مِن كلام الناس، إنَّما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» 2. والدعاء ليس من كلام الناس، فلا يبطل الصَّلاة، فيكون الأصل فيه الجواز، لكننا لا نندب الإِنسان أن يفعل ذلك في صلاة الفريضة لما تقدم تقريره.
مسألة: لو قرأ القارئ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *﴾ [القيامة]؟ فهذه ليست آية وعيد ولا آية رحمة فله أن يقول: بلى، أو «سبحانك فبلى»، لأنه وَرَدَ في حديث عن النبيِّ عليه الصلاة والسلام 3، ونصَّ الإِمام أحمد عليه، قال الإِمام أحمد: إذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى *﴾ [القيامة] في الصلاة وغير الصلاة، قال: سبحانك فبلى، في فَرْضٍ ونَفْلٍ.
وإذا قرأ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ *﴾ [التين] فيقول: «سبحانك فبلى» 4.
ولو قرأ: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ *﴾ [الملك].
فهنا لا يقول: يأتي به الله؛ لأنَّ هذا إنَّما جاء في سياق التهديد والوعيد، فاللهُ أَمَرَ الرسولَ صلّى الله عليه وسلّم أن يقول لهؤلاء المكذِّبين: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾ [الملك: 30] والعامَّة نسمعُهم يقولون: يأتي به اللهُ، وهذا لا يصلح.
وفيه آيات كثيرة؛ كقوله في سورة النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النحل: 60]؟ فهل يصحُّ أن يقول: لا؟
الجواب: نعم، يصحُّ أن يقول: لا إله مع الله.
فصل
في أركان الصَّلاة
أركانها
: ................. قوله: «أركانها» لمَّا انتهى المؤلِّف ـ رحمه الله ـ من صفة الصَّلاةِ على وَجْهٍ كامل، حتى بيَّن ما يُكرهُ فيها، ويُباح، ويَحرم، وما يُسَنُّ لها خارجاً عنها: كالسُّترة، وما أشبهها، ذَكَرَ أركانَها.
والأَولى لطالب العِلْم أن يتصوَّر هيئةَ الصَّلاةِ كاملة، حتى يتبيَّن له ما هو الرُّكن، وما هو الواجب، وما هي السُّنَّة.
والأركانُ جَمْعُ رُكن، والرُّكنُ في اللُّغة: جانبُ الشيء الأقوى، ولهذا نُسمِّي الزَّاوية رُكناً؛ لأنَّها أقوى جانب في الجدار؛ لكونها معضودة بالجدار الذي إلى جانبها.
وأمَّا في الاصطلاح؛ فأركان العبادة: ما تترَّكب منه العبادة،
أي: ماهيَّة العبادة التي تتركَّب منها، ولا تصحُّ بدونها، لأن العبادات كلَّها تتركَّب مِن أشياء قولية وفِعْلية، ومِن هذه الأشياء المركَّبة ما لا تصحُّ بدونه في كلِّ حال، وهي الأركان، ومنها ما لا تصحُّ بدونه في بعض الأحوال، وهي الواجبات، ومنها ما تصحُّ بدونه في كلِّ حال، وهي المسنونات.
فإن قال قائل: ما الدليلُ على هذا التفصيل في الصَّلاةِ مِن كونها مركَّبة مِن أركان وواجبات، وسُنَنٍ.
فنحن نقرأ القرآنَ والسُّنَّةَ فلا نَجِدُ هذا؟
فالجواب: أنَّ العلماء ـ رحمهم الله ـ تتبَّعوا النصوصَ واستخلصوا منها هذه الأحكام، ورأوا أنَّ النصوصَ تدلُّ عليها، فصنَّفوها مِن أجلِ تقريب العِلْمِ لطالب العِلْمِ، ولا شَكَّ أن في هذا تقريباً للعِلْمِ، ولو كانت هذه الأحكام منثورة ما فرَّق الطالبُ المبتدئ بين الذي تَصِحُّ به العبادة والذي لا تصحُّ.
الْقِيَامُ ............
قوله: «
القيام
» هذا الرُّكن الأول، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] ومِن السُّنَّة قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لعمران بن حصين: «صَلِّ قائماً، فإنْ لم تستطعْ فقاعداً، فإنْ لم تستطعْ فعلى جَنْبٍ» 1. وبدأ المؤلِّفُ بالقيام؛ لأنه سابق على جميع الأركان، قال النبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام: «إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فأسبغِ
الوضوءَ، ثم استقبلِ القِبْلَةَ فكبّر» 1.
والقائمُ إلى الصَّلاةِ سيقوم في الصَّلاةِ، ولأنَّ الترتيبَ الطبيعيَّ في الصَّلاةِ هو هذا؛ أن تبدأ فتقوم، ثم تكبِّر، ولو كبَّرت للإِحرام وأنت غير قائم ما صحَّت صلاتك إنْ كانت فريضةً.
فإن قال قائل: كيف تجعلون القيامَ رُكناً، وقد قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «صلاةُ القاعدِ على النصفِ مِن صلاةِ القائم» 2 وهذا يدلُّ على أنَّ في صلاة القاعد أجراً، ولو كان القيامُ رُكناً لما كان في تَرْكِهِ أجْرٌ؟
فالجواب: أنَّ الصَّلاةَ منها ما هو فَرْض ومنها ما هو نَفْل، فيُحمل حديث تفضيل صلاة القائم على صلاة القاعد على النَّفل، كما دلَّ عليه حديث عِمران، ويُقال: إنَّ القيام ليس رُكناً في النَّافلة، وإنما هو سُنّة، ويؤيِّدُ هذا: فِعْلُ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد كان يُصلِّي النَّافلةَ على راحلتِه في السَّفَر 3، ولو كان القيامُ رُكناً فيها لم يُصلِّ على الراحلة، بل نَزَلَ وصَلَّى على الأرض، ولهذا لا يُصلِّي عليها الفريضة؛ لأنه لو صَلَّى الفريضةَ لفاتَ رُكن القيام.
مسألة: ويجب القيامُ ولو معتمداً، فلو قال قائل: أنا لو
قمتُ معتمداً على عصا أو على عمود، أو على جدار أمكن ذلك، وإنْ لم أعتمد لم أستطع، فلا تَقُلُّني رِجْلاي؟ فنقول: يجب عليك القيامُ ولو معتمداً؛ لعموم الأدلة.
فإذا قال: ما حَدُّه؟ أي: هل يلزم أنْ أنتصبَ، أو يجوز وأنا حاني الظَّهر بعض الشيء؟
فالجواب: إنْ حَنَيْتَ ظهركَ إلى حَدِّ الرُّكوع؛ فلستَ بقائمٍ؛ فلا يصحُّ، إلا مع العجز، وإن حَنَيْتَهُ قليلاً أجزأ.
فإن قال قائل: إذا كان قادراً على القيام، ولكنه يخافُ على نفسِه إذا قام، فهل يسقطُ عنه القيامُ: فالجواب: نعم؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ [البقرة: 238 ـ 239] ففي هذه الحال يسقط عنه الرُّكوعُ والسجودُ، وهما رُكنان أوكد مِن القيام، فسقوط القيام مِن باب أَولى.
مسألة: إذا قُدِّرَ أنه مُنحني الظَّهْرِ فإنه يقف ولو كراكع، ولا يسقط عنه القيامُ؛ لأن هذا هو قيامه، لأن القيام في الحقيقة يعتمد على انتصاب الظَّهرِ وانتصابِ الرجلين، فإذا فاتَ أحدُ الانتصابين وَجَبَ الآخر.
مسألة: إذا قال قائل: أنتم قلتم يجب القيامُ ولو معتمداً، فهل يجوزُ أن يَعتمدَ؟
الجواب: إذا كان لا يتمكَّن من القيام إلا بالاعتماد جاز له أن يَعتمدَ، وإن كان يتمكَّن بدون اعتماد لم يَجُزْ أن يعتمدَ؛ إلا إذا كان اعتماداً خفيفاً فلا بأس به.
والضابط: أنه إنْ كان بحيث لو أُزيل ما استند إليه سَقَطَ؛
فهذا غير خفيف، وإن كان لو أُزيلَ لم يَسقط؛ فهو خفيف.
فإنْ قال إنسان: هذا غير منضبط؛ لأن الواحد إذا انتبه لم يسقط بإزالة ما استندَ إليه، وإنْ لم ينتبه سَقَطَ ولو كان اعتمادُه خفيفاً، فما الجواب؟
فالجواب: أن الضابط كون ما اعتمدَ عليه حاملاً له، فإن كان حاملاً له لم يصحَّ قيامه، وإلا صحَّ.
على أن بعض العلماء (1)، قال: إنَّ عمومَ قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «صَلِّ قائماً» (2) يشمَلُ حتى المعتمدَ على شيء يسقط لو أُزيلَ، بمعنى أنه يجوز أن تعتمدَ، لكن فقهاءنا ـ رحمهم الله ـ قالوا: لا يجوز الاعتماد على شيء اعتماداً قويًّا بحيث يَسقط لو أُزيل.
وعلَّلوا ذلك: بأنه يُزيل مشقَّة القيام؛ لأن هذا كمستلقٍ على الجدار الذي اعتمدَ عليه.
وَالتَّحْرِيمَةُ ..........
قوله: «
والتحريمة
» أي: تكبيرة الإِحرام، وهذا هو الرُّكن الثاني وسبق في أول صفة الصلاة بيان شروطها 3. والتحريمة رُكنٌ مِن أركان الصَّلاةِ، وليس شيء من التكبيرات رُكناً سوى تكبيرة الإِحرام؛ لقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «استقبلْ القِبلةَ وكبِّر» 4 ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «تحريمُها التكبير ... » 5 فلا تنعقد الصَّلاةُ بدون التكبير.12
وَالْفَاتِحَةُ ..........
قوله: «
والفاتحة
» أي: قراءة الفاتحة، وهذا هو الرُّكن الثالثُ، وهو رُكنٌ في الفَرْضِ والنَّفْل.
والفاتحة: هي السُّورة التي افتُتِحَ بها القرآنُ الكريم، وقد تكلَّمنا عليها في أول صِفة الصَّلاة.
وقراءتُها رُكنٌ في حَقِّ كُلِّ مصلٍّ؛ لا يُستثنى أحدٌ إلا المسبوق إذا وَجَدَ الإِمامَ راكعاً، أو أدرك مِن قيام الإِمام ما لم يتمكَّن معه من قراءة الفاتحة.
والدليل على ذلك: قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 1.
فقوله: «لا صلاة» نفيٌ، والأصل في النَّفي أن يكون نفياً للوجود، فإنْ لم يمكن فهو نفيٌ للصحَّة، ونفيُ الصحَّة نفيٌ للوجود الشرعي، فإنْ لم يمكن فلنفي الكمال، فهذه مراتب النفي، فمثلاً:
إذا قلت: لا واجبَ الوجود إلا الله، فهذا نفيٌ للوجود، إذ لا يوجد شيء واجب الوجود إلا ربّ العالمين، وكذلك لا خالق إلا الله.
وإذا قلت: لا صلاةَ بغير وُضُوء، فهذا نفيٌ للصحَّة؛ لأن الصَّلاةَ قد تُفعل بلا وُضُوء.
وإذا قلت: لا صلاةَ بحضرَة طعام، فهو نفيٌ للكمال؛ لأن الصلاة تصحُّ مع حَضْرة الطعام.
فقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا صلاةَ لِمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» إذا نزَّلناه على هذه المراتب الثلاث وجدنا أنه قد يوجد مَن يُصلِّي ولا يقرأ الفاتحة، وعلى هذا فلا يكون نفياً للوجود.
فإذا وُجِدَ مَن يُصلِّي ولم يقرأ الفاتحةَ فإن الصَّلاةَ لا تَصِحُّ؛ لأن المرتبة الثانية هي نفيُ الصحَّة، وعلى هذا فلا تصحُّ الصَّلاة، والحديث عامٌّ لم يُستثنَ منه شيء، والأصل في النصوص العامة أن تبقى على عمومها، فلا تخصَّصُ إلا بدليل شرعيٍّ، إما نصٌّ، أو إجماعٌ، أو قياس صحيح، ولم يوجد واحد من هذه الثلاثة بالنسبة لعموم قوله: «لا صلاةَ لِمَنْ لم يقرأ بفاتحة الكتاب».
فإن قال قائل: يوجد دليل يخصِّصُ هذا العموم وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ *﴾ [الأعراف] قال الإِمام أحمد: «أجمعوا على أنَّ هذا في الصَّلاة».
فالجواب: أن هذه الآية عامَّة تشمَلُ الإنصاتَ في كلِّ مَنْ يُقرأُ عنده القرآنُ، وتخصَّص بالفاتحة، فإنه لا يسكت إذا قرأ إمامه، ويدلُّ لهذا ما رواه أهل السُّنن من حديث عُبادة بن الصَّامت رضي الله عنه قال: صَلَّى بنا رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم بعضَ الصَّلوات التي يُجهر فيها بالقراءة، فالتبستْ عليه القراءةُ، فلما انصرفَ؛ أقبل علينا بوجهه وقال: «هل تقرؤون إذا جهرتُ بالقراءة؟» فقال بعضُنا: إنا نصنعُ ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: ما لي يُنازِعُنِي القرآنُ، فلا تقرؤوا بشيءٍ مِن القرآن إذا جهرتُ؛ إلا بأمِّ القرآن» 1. وهذا نصٌّ في محلِّ النزاع؛ فيكون فاصلاً بين المتنازعين؛ لأنه جاء في صلاة جهرية فيؤخذ به.
وأما قول الإمام أحمد رحمه الله: «أجمعوا على أنَّها في الصَّلاةِ» فالظاهر لي ـ والله أعلم ـ، أن مراده رحمه الله لو قرأ قارئ ليس إماماً لي فإنه لا يجب عليَّ الاستماع له، بل لي أن أقومَ وأنصرف، أو أشتغل بما أنا مشتغل به.
مثال ذلك: رَجُلٌ يُصلِّي إلى جَنْبِكَ في الصَّفِّ، وهو يقرأ القرآن، لا يلزمك أن تُنصتَ له، فلك أن تتشاغل بغير الاستماع لقراءته، أو أن تقوم وتنصرف، بخلاف الذي في الصَّلاة؛ فإنه مأمور بالإِنصات تبعاً لإِمامه.
هذا الذي ذَكَرْناه ـ وهو أن قراءة الفاتحة رُكنٌ في حَقِّ كلِّ مصلٍّ: الإِمام، والمأموم، والمنفرد.
ولا يستثنى منها إلاَّ مسألة واحدة، وهي المسبوق إذا أدرك إمامه راكعاً، أو قائماً ولم يتمكَّن من قراءة الفاتحة ـ هذا هو الذي دَلَّت عليه الأدلةُ الشرعية.
فإذا قال قائل: ما الدليل على استثناء هذه الصُّورة؟
فالجواب: الدليل على ذلك حديث أبي بَكْرة الثَّابت في «صحيح البخاري» حيث أدركَ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وهو راكعٌ، فأسرعَ وركعَ قبل أن يَصِلَ إلى الصَّفِّ، ثم دخلَ في الصَّفِّ، فلما انصرفَ
النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن الصَّلاةِ سأل مَنِ الفاعل؟ فقال أبو بَكْرة: أنا، فقال: «زادكَ اللهُ حرصاً ولا تَعُدْ» 1، ولم يأمره بقضاء الرَّكعة التي أدركَ ركوعها، دون قراءتها، ولو كان لم يدركها لكانت قد فاتته، ولأمره النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بقضائها، كما أمَرَ المسيءَ في صلاتِهِ أن يعيدَها، فلما لم يأمره بقضائها عُلِمَ أنه قد أدرك الركعة، وسقطت عنه قراءة الفاتحة، فهذا دليل من النصِّ.
والمعنى يقتضي ذلك: لأن هذا المأموم لم يدرك القيام الذي هو محلُّ القراءة، فإذا سقط القيامُ سَقَطَ الذِّكْرُ الواجبُ فيه وهو القراءة.
كما يسقطُ غَسْلُ اليد إذا قُطعت مِن فوق المرفق.
إنَّ فَقْدَ المحلِّ يستلزمُ سقوط الحال.
وقال بعض العلماء 2: إنَّ قراءة الفاتحة ليست رُكناً مطلقاً.
واستدلَّ بعموم قوله تعالى: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20].
وعموم قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في حديث أبي هريرة في قصةِ المسيءِ في صلاتِه: «ثم اقرأ ما تيسَّرَ معك مِن القرآن» 3: ووجه الاستدلال مِن هذا الحديث: أنه في بيان الواجب، والحاجة داعية إلى بيان السُّورة المعيَّنة، ولو كانت الفاتحة واجبة لعيَّنها؛ لأن هذا الرَّجُل لم يعرف شيئاً، فهو بحاجة إلى بيانها، فلما لم يعينها في مقام الحاجة عُلِمَ أنَّها ليست بواجبة، وهذه حجَّة قويَّة.
ولكن يُجاب عنه: بأن هذا مجملٌ، أي: قوله: «ما تيسَّر»، وقد بيّنت النصوص أنه لا بُدَّ مِن قراءة الفاتحة، فيحمل هذا المجمل
المطلق على المبين المقيَّد، وهو قراءة الفاتحة، ثم إنَّ الغالبَ أن أيسر ما يكون من القرآن قراءة الفاتحة، لأنها تُقرأ كثيراً في الصلوات الجهرية فيسمعها كلُّ أحد، وهي تُكرَّرُ في كلِّ صلاة جهرية مرَّتين، بخلاف غيرها من القرآن، على أنَّه جاء في رواية أبي داود: «ثم اقرأ بأمِّ القرآن، وبما شاء الله» 1.
وقال بعض أهل العلم 2: قراءة الفاتحة رُكنٌ في حقِّ غير المأموم، أما في حَقِّ المأموم فإنها ليست برُكن، لا في الصلاة السرِّيَّة، ولا في الصَّلاة الجهريَّة، وعلى هذا؛ فلو كَبَّرَ المأموم ووقف صامتاً حتى رَكَعَ الإِمام ورَكَعَ معه فصلاتُه صحيحة.
واحتجَّ هؤلاء: بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «مَنْ كان له إمامٌ فقراءةُ الإِمامِ له قراءة» 3، ولكن هذا الحديث لا يصحُّ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنه مرسل، والمرسل من أقسام الضعيف، فلا تقوم به الحُجَّةُ.
وقال بعض أهل العلم 4: إنَّ قراءة الفاتحة رُكن في حَقِّ كُلِّ مصلٍّ؛ إلاّ في حَقِّ المأموم في الصلاة الجهرية.
واحتجَّ هؤلاء بما يلي:
1 ـ حديث أبي هريرة أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «لما نهاهم عن القراءة
مع الإِمام قال: فانتهى الناس عن القراءة فيما يجهرُ فيه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم» 1، فهذا دليل على أن الأمر بقراءة الفاتحة منسوخٌ، فعلى هذا؛ تكون قراءة الفاتحة ليست واجبة على المأموم إذا كان الإِمامُ يَجهر في صلاتِه.
2 ـ أن القراءة إذا كان الإِنسان يستمع لها قراءة له حُكماً، بدليل: أنه يُسَنُّ للمستمع المنصت إذا سَجَدَ القارئ أن يسجدَ معه، وهذا دليل على أنه كالتالي حكماً.
فالمنصت المتابع للقارئ له حُكمه؛ لقوله تعالى لموسى عليه الصلاة والسلام: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: 89] والدَّاعي موسى وحده لقوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأََهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ *﴾ [يونس].
فالدَّاعي موسى، وهارون كان يؤمِّنُ، وجعلهما الله عزّ وجل داعيين.
إذاً؛ فالمنصت للقراءة قارئ حكماً.
3 ـ أنَّه لا فائدة مِن جهر الإمام بالقراءة إذا لم تَسقطْ عن المأموم، وكيف يقرأ وإمامُه قد قرأ؟ ثم كيف يقرأ وإمامُه يَجهرُ بالقراءة؟ فهذا عَبَثٌ من الحكم؛ لأنه إذا قلنا لإِمام: اقرأ بعد
الفاتحة، ثم قرأ المأمومُ الفاتحةَ صار جَهْرُ الإِمام فيما يقرأ فيه لغواً لا فائدة منه، وهذه أدلَّة لا شَكَّ أنها قوية؛ لولا النصُّ الذي أشرنا إليه أولاً، وهو أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم انفتل مِن صلاة الفجر فقال: «لا تقرؤوا خلف إمامكم إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمَن لم يقرأ بها» 1، ولكن كيف نجيب عن هذه الأدلَّة؟
نجيب عنها: بأنها عامَّة، والأمر بقراءة الفاتحة أخصُّ منها، وإذا كان أخصَّ وجب تقديم الأخصِّ.
وأما القول بأن قراءة الإِمام إذا كان المأموم يستمع لها قراءة للمأموم؛ فنعم نحن نقول بذلك، لكن فيما عدا الفاتحة؛ ولهذا يعتبر المأموم الذي يستمع إلى قراءة ما بعد الفاتحة قارئاً لها، لكن وَرَدَ في قراءة الفاتحة نصٌّ.
وأما قولهم: إنَّه لا فائدة مِن جَهْرِ الإِمام إذا ألزمنا المأموم بالقراءة، فنقول: هذا قياس في مقابلة النصِّ، والقياس في مقابلة النصِّ مُطَّرَح.
مسألة: ثم إذا قلنا بوجوب قراءة الفاتحة، فهل تجب في كُلِّ رَكعة، أو يكفي أن يقرأها في ركعة واحدة؟
في هذا خِلاف بين العلماء 2، فمنهم مَن قال: إذا قرأها في رَكعة واحدة أجزأ؛ لعموم قوله: «لا صلاةَ لمَن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» 3، ولم يقل في كُلِّ رَكعة، والإِنسان إذا قرأها في ركعة فقد قرأها، فتجزئ.
ولكن الصحيح أنها في كُلِّ رَكعة.
ودليل ذلك ما يلي:
1 ـ أنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال للمسيء في صلاته: «ثم افعلْ ذلك في صلاتِك كلِّها» (1).
2 ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على قراءتها في كُلِّ ركعة، وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» (2).
وعلى هذا؛ فيكون القول الرَّاجح في هذه المسألة: أنَّ قراءة الفاتحة رُكنٌ في كُلِّ ركعة، وعلى كُلِّ مُصَلٍّ، ولا يُستثنى منها إلا ما ذكرنا فيما دَلَّ عليه حديث أبي بَكْرة رضي الله عنه (3).
وَالرُّكُوعُ، والاعْتِدَالُ عَنْهُ،
.............. قوله: «والركوع» هذا هو الرُّكن الرابع، والرُّكوع أن يَحْنِي ظهرَه وسبق تفصيله في صفة الصَّلاة، ودليل كونه رُكناً:
1 ـ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] فأمر الله بالرُّكوع.
ومِن المعلوم أنه لا يُشرع لنا أن نركع ركوعاً مجرَّداً، وإذا لم يُشرع لنا الرُّكوع المجرَّد وجب حَمْلُ الآية على الرُّكوع الذي في الصلاة.
2 ـ قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «ثم اركعْ حتى تطمئنَّ راكعاً» 4.
3 ـ مواظبة النبي صلّى الله عليه وسلّم عليه في كُلِّ صلاة، وقوله: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» 5.123
4 ـ إجماع العلماء على أنَّ الرُّكوع رُكنٌ لا بُدَّ منه 1.
قوله: «والاعتدال عنه» هذا هو الرُّكن الخامس.
لو قال المؤلِّفُ: «الرفع منه» لكان أنسب؛ لأنه أسبق مِن الاعتدال، ولموافقة الحديث: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» 2، لكنه ـ رحمه الله ـ عَدَلَ عن ذلك خوفاً مِن أن يُظَنَّ بأن المراد بذلك مجرَّد الرَّفْعِ، ولأن الاعتدال يلزم من الرفع، ولأن لفظ «الصحيحين»: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» (597).
ودليل ذلك: حديث أبي هريرة في قِصَّة المسيء في صلاته أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ثم ارفعْ حتى تعتدلَ قائماً» 3 فأمر بالرَّفْعِ إلى الاعتدال، وهو القيام التام.
ويُستثنى من هذا: الرُّكوع الثاني وما بعده في صلاة الكسوف، فإنه سُنَّة، ولهذا لو صَلَّى صلاةَ الكسوف كالصَّلاة المعتادة فصلاتُه صحيحة.
وصلاةُ الكسوف في كلِّ رَكعة ركوعان، الرُّكوع الأول رُكن، والرُّكوع الثاني سُنَّة، لو تَرَكَه الإِنسانُ فصلاتُه صحيحة.
ويُستثنى أيضاً: العاجز، فلو كان في الإِنسان مَرَضٌ في صُلبه لا يستطيع النُّهوض لم يلزمه النهوض، ولو كان الإِنسان أحدب مقوَّس الظَّهر لا يستطيع الاعتدال لم يلزمه ذلك، ولكن ينوي أنه رَفْعٌ ويقول: سَمِعَ الله لمن حمده.
وَالسُّجُودُ عَلَى الأَْعْضَاءِ السَّبْعَةِ، وَالاعْتِدَالُ عَنْهُ،
.......... قوله: «والسجود على الأعضاء السبعة» هذا هو الركن السادس من أركان الصَّلاة ودليله.
1 ـ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77].
2 ـ قول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاته: «ثم اسجدْ حتى تطمئنَّ ساجداً» 1.
3 ـ مواظبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عليه.
ولكن لا يكفي مجرَّد السُّجود، بل لا بُدَّ أن يكون على الأعضاء السَّبعة، وهي: الجبهة مع الأنف، والكَفَّان، والرُّكبتان، وأطراف القدمين.
ودليل هذا حديث عبد الله بن عبَّاس رضي الله عنهما أن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «أُمرنا أنْ نسجدَ على سبعة أعضاء، الجَبْهة وأشار بيده إلى أنفه، والكفَّين، والرُّكبتين، وأطراف القدمين» 2.
قوله: «والاعتدال عنه».
هذا هو الرُّكنُ السَّابعُ مِن أركان الصَّلاةِ.
قال في «الرَّوض» 3: إنَّ قول الماتن «الاعتدال عنه» يُغني عنه قوله: «والجلوس بين السَّجدتين»، يعني: لأنه لا يتصور جلوس بين السَّجدتين إلا باعتدال مِن السُّجود، لكن قد يقول قائل: إنَّ الاعتدالَ رُكنٌ بنفسِه، والجلوس رُكنٌ بنفسه، لأنه قد يعتدلُ لسماعِ صوت مزعج، أي: يقوم بغير نِيَّةٍ ثم يجلس، فهنا حصل اعتدالٌ بدون نِيَّةٍ ثم بعدَه جلوس، وعلى هذا؛ يلزمه أن يرجعَ للسُّجود ثم يقوم بنيَّةٍ، ومثله: ما لو سَقَطَ الإِنسانُ على
الأرض مِن القيام بدون نِيَّةٍ فلا نجعله سُجوداً؛ لأن هذه الحركة بين القيام والسُّجود لم تكن بنيَّةٍ، وعليه: يلزمه أن يقومَ ثم يسجدَ.
فالظاهر: أنَّ الأَولى إبقاء كلام الماتن على ما هو عليه، فيكون الاعتدال والجلوس كلاهما رُكنٌ، حتى ينوي الإِنسان بالاعتدال بأنه قام مِن السُّجود مِن أجل الجلوس.
وَالْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِي الكُلِّ،
............
قوله: «والجلوس بين السجدتين» هذا هو الرُّكنُ الثامنُ مِن أركان الصَّلاة، ودليله قولُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للمسيء في صلاتِه: «ثم ارفعْ ـ يعني: من السجود ـ حتى تطمئنَّ جالساً» 1 فهذا دليلٌ على أنه لا بُدَّ منه.
وقوله: «الجلوس» لم يُبيِّن كيفيَّته، فيجزئ على أيِّ كيفيّة كان، ما لم يخرج عن مُسمَّى الجلوس، وقد سَبَقَ لنا كيفيَّته المشروعة والمكروهة في باب صفة الصلاة؛ فأغنى عن إعادته.
قوله: «والطمأنينة في الكُلِّ» هذا هو الرُّكن التَّاسع مِن أركان الصَّلاة وهو الطمأنينة في كلِّ ما سَبَقَ مِن الأركان الفعلية.
ودليله: أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمَّا عَلَّمَ المسيءَ صلاته كان يقول له في كُلِّ رُكن: «حتى تطمئنَّ» 2 فلا بُدَّ من استقرارٍ وطمأنينة، ولكن ما حَدُّ الاطمئنان الذي هو رُكن؟
قال بعض أهل العلم 3: السكون وإن قَلَّ، حتى وإن لم يتمكَّن من الذِّكْرِ الواجب.
وقال بعض أهل العلم (604): السُّكون بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب.
فعلى هذا القول يطمئنُّ في الرُّكوع بِقَدْرِ ما يقول: «سبحان ربِّي العظيم» مرَّة واحدة، وفي الاعتدال منه بقَدْرِ ما يقول: «ربَّنا ولك الحمدُ»، وفي السُّجود بقَدْرِ ما يقول: «سبحان رَبِّي الأعلى»، وفي الجلوس بقَدْرِ ما يقول: «رَبِّي اغفِر لي» وهكذا.
فإذا قال إنسان: هل يظهر فَرْقٌ بين القولين، بين قولنا: السُّكون وإنْ قَلَّ، وبين قولنا: السُّكون بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب؟
فالجواب: نعم؛ لأنه لو سَكَنَ سكوناً قليلاً دون قَدْرِ الذِّكْرِ الواجب، ونسيَ أن يقول الذِّكْر الواجب ثم استمرَّ في صلاته، فعلى القول بأن الطمأنينة هي السُّكون وإنْ قَلَّ، تكون صلاتُه صحيحة، لكن يجب عليه سجود السَّهو لترك الواجب، وعلى القول بأنه لا بُدَّ أن يكون بقدر الذِّكْرِ الواجب تكون غير صحيحة؛ لأنه لم يأتِ بالرُّكنِ حيث لم يستقرَّ بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب.
ولهذا فَصَّلَ بعضُ الفقهاء فقال: بقَدْرِ الذِّكْرِ الواجب لذاكره، والسكون وإنْ قَلَّ لمن نسيه.
وعَلَّلوا: أنه إذا كان ناسياً القول الواجب سَقَطَ عنه، ووجب عليه سجود السَّهو، وإنْ كان ذاكراً لهذا القول بطلت صلاتُه بتعمُّد تَرْكِهِ، فيكون بطلان الصَّلاة مِن أجل تَرْكِ الواجب، ولكونه لم يطمئنَّ الطمأنينة الواجبة.
فإذا جاءنا رَجُلان يسألان، أحدهما يقول: أنا اطمأننت بقَدْرِ قولي: «سبحان رَبِّي العظيم» في الركوع، فصلاتُه صحيحة على القولين.
والثاني يقول: اطمأننت في الرُّكوع بقَدْرِ أن أقول: «سبحان رَبِّي» فقط ثم رفعتُ، على القول بأنها السُّكون وإنْ قَلَّ يكون قد أدَّى الركن، فصلاتُه صحيحة، وعلى القول الثاني لم يُؤدِّ الرُّكن، فصلاتُه غير صحيحة.
والأصحُّ: أنَّ الطُّمأنينة بقَدْرِ القول الواجب في الرُّكن، وهي مأخوذة من اطمأنَّ إذا تمهَّل واستقرَّ، فكيف يُقال لشخص لمَّا رَفَعَ من الرُّكوعِ قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَه، ثم كَبَّرَ للسُّجود، كيف يقال: هذا مطمئنٌ؟ كيف يُقال لشخص لمَّا رَفَعَ مِن السُّجود قال: الله أكبر، ثم سَجَدَ السَّجدة الثانية، يعني: سَكَنَ لحظة، هذا مطمئنٌ؟
والحكمة مِن الطمأنينة: أنَّ الصلاةَ عبادة، يناجي الإِنسانُ فيها رَبَّه، فإذا لم يطمئنَّ فيها صارت كأنها لَعِبٌ.
فهل نحن متعبَّدون بأن نأتي بحركات مجرَّدة؟ لا والله، ولو كانت الصلاة مجرَّد حركات وأقوال لخرجنا منها بمجرد إبراء الذِّمَّة فقط، أما أن تعطي القلبَ حياةً ونوراً؛ فهذا لا يمكن أن يحصُلَ بصلاة ليس فيها طُمأنينة، والنبيُّ عليه الصَّلاة والسَّلام قال: «الصَّلاةُ نورٌ» 1 نورٌ في القلب، والوجه، والقبر، فهي على اسمها، هي كلُّها نور، فهل نحن إذا انصرفنا مِن صلاتنا على هذا الوجه نَجِدُ نوراً في قلوبنا؟
إذا لم نَجِدْ؛ فالصَّلاةُ فيها نقصٌ بلا شَكٍّ.
ولهذا يُذكَرُ عن بعض السَّلفِ قال: «مَنْ لم تَنْهَه صلاتُه عن الفحشاء والمنكر لم تزده مِن الله إلا بُعداً»، لأنه لو صَلَّى الصَّلاةَ الكاملة للزم أن تنهاه عن الفحشاء والمنكر، لأن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45] فهذا خَبَرٌ مِن الله مؤكَّد بـ «إِنَّ».
فإذا صَلَّيت صلاةً لا تَجِدُ قلبَك منتهياً عن الفحشاء والمنكر، فاعْلَمْ أنك لم تُصلِّ إلا صلاة تبرأ بها الذِّمَّة فقط، وكم تشاهدون الإِنسان يدخل في صلاته ويخرج منها كما هو لا يَجِدُ أثراً؟ وإذا مَنَّ اللهُ عليه يوماً من الأيام، وصار قلبُه حاضراً واطمأنَّ وتمهَّل وتدبَّر ما يقول ويفعل؛ خَرَجَ على خلاف ما دَخَلَ، ووَجَدَ أثراً وطعماً يتطعَّمه، ولو بعد حين، يتذكَّر تلك الصَّلاة التي كان فيها حاضر القلب مطمئناً.
الحاصل: أنَّ الطُّمأنينة لا بُدَّ منها، فهي والخشوع روح الصَّلاةِ في الحقيقة.
وَالتَّشَهُّدُ الأخِيرُ، ............
قوله: «
والتشهد الأخير
» هذا هو الرُّكنُ العاشر من أركان الصلاة.
ودليل ذلك: حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «كُنَّا نقول قبل أن يُفْرَضَ علينا التشهُّدُ: السَّلامُ على الله مِن عباده، السَّلامُ على جبرائيل وميكائيل، السَّلامُ على فلان وفلان» 1. والشاهدُ مِن هذا الحديث قوله: «قبل أن يُفْرَضَ علينا التشهُّدُ».
فإن قال قائل: يَرِدُ علينا التشهُّد الأول: فإنه مِن التشهُّد، ومع ذلك تَرَكَه النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وجَبَرَه بسجود السهو، وهذا حكم الواجبات، أفلا يكون التشهُّدُ الأخير مثله؟
فالجواب: لا، لأنَّ الأصلَ أن التشهُّدين كلاهما فَرْضٌ، وخَرَجَ التشهُّدُ الأول بالسُّنَّة، حيث إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جَبَرَه لمَّا تَرَكَه بسجود السَّهو، فيبقى التشهُّد الأَخير على فرضيته رُكناً.
وَجِلْسَتُهُ، وَالصَّلاَةُ عَلَى النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم فِيْهِ، وَالتَّرْتِيبُ، وَالتَّسْلِيمُ.
قوله: «وجِلسته» هذا هو الرُّكن الحادي عشر مِن أركان الصَّلاةِ أي: أن جلسة التشهُّدِ الأخير رُكن، فلو فُرِضَ أنه قام من السُّجود قائماً وقرأ التشهُّد فإنَّه لا يجزئه، لأنه تَرَكَ رُكناً وهو الجِلسة، فلا بُدَّ أن يجلس، وأن يكون التشهُّد أيضاً في الجِلسة لقوله: «وجِلسته» فأضاف الجِلسة إلى التشهُّدِ؛ ليفهم منه أنَّ التشهُّدَ: لا بُدَّ أن يكون في نفس الجِلسة.
قوله: «والصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه» أي: في التشهُّدِ الأخير، وهذا هو الرُّكن الثاني عشر مِن أركان الصلاة.
ودليل ذلك: أنَّ الصَّحابة رضي الله عنهم سألوا النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم: «يا رسولَ الله؛ عُلِّمْنَا كيف نُسلِّم عليك، فكيف نُصلِّي عليك؟ قال: قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وعلى آل محمَّدٍ» 1، والأمر يقتضي الوجوب، والأصلُ في الوجوب أنَّه فَرْضٌ إذا تُرِكَ بطلت العبادة، هكذا قرَّرَ الفقهاءُ رحمهم الله دليل هذه المسألة 2.
ولكن إذا تأملت هذا الحديث لم يتبيَّن لك منه أنَّ الصَّلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم رُكنٌ، لأنَّ الصحابة إنَّما طلبوا معرفة الكيفية؛ كيف نُصلِّي؟ فأرشدهم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إليها، ولهذا نقول: إن الأمر في قوله: «قولوا» ليس للوجوب، ولكن للإِرشاد والتعليم، فإنْ وُجِدَ دليل غير هذا يأمر بالصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في الصَّلاة فعليه الاعتماد، وإنْ لم يوجد إلا هذا فإنه لا يدلُّ على الوجوب، فضلاً عن أن يَدلَّ على أنها رُكن؛ ولهذا اختلفَ العلماء في هذه المسألة على أقوال 1:
القول الأول: أنها رُكنٌ، وهو المشهور مِن المذهب، فلا تصحُّ الصلاة بدونها.
القول الثاني: أنها واجب، وليست برُكن، فتُجبر بسجود السَّهو عند النسيان.
قالوا: لأن قوله: «قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّدِ» محتمل للإِيجاب وللإِرشاد، ولا يمكن أن نجعله رُكناً لا تصحُّ الصلاة إلا به مع هذا الاحتمال.
القول الثالث: أنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم سُنَّة، وليست بواجب ولا رُكن، وهو رواية عن الإمام أحمد، وأن الإِنسان لو تعمَّد تَرْكها فصلاتُه صحيحة، لأن الأدلَّة التي استدلَّ بها الموجبون، أو الذين جعلوها رُكناً ليست ظاهرة على ما ذهبوا إليه، والأصل براءة الذِّمة.
وهذا القول أرجح الأقوال إذا لم يكن سوى هذا الدليل الذي استدلَّ به الفقهاء رحمهم الله، فإنه لا يمكن أن نبطلَ العبادة ونفسدها بدليل يحتمل أن يكون المراد به الإِيجاب، أو الإِرشاد.
قوله: «والصلاة على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فيه»، أي: أنَّ الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هي الرُّكن دون الصَّلاةِ على آله.
وهذا مِن الغرائب! لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «قولوا: اللَّهُمَّ صَلِّ على محمَّد وعلى آل محمد ... » 1 فكيف نُشَطِّرُ الحديث، ونجعل كلمة منه رُكناً، والبقية غير رُكن! فمقتضى الاستدلال أن نجعل الجميع إما رُكناً، أو واجباً، أو سُنَّة.
فإنْ قالوا: جعلنا الصَّلاةَ على النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم رُكناً دون الآل، لأن العطف فيها يدلُّ على التبعيَّة.
قلنا: وإذا دَلَّ على التبعيَّة فالتابع حكمه حكم المتبوع.
فإنْ قالوا: إنَّ الصَّحابة سألوا عن الصَّلاة عليه دون آله؛ فكان الحُكمُ للصَّلاةِ عليه دون آله.
قلنا: لكن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أجابهم بكيفيَّة ما سألوا عنه على هذا الوجه، فاقتضى أن يكون حُكم الجميع سواء.
قوله: «والترتيب» هذا هو الرُّكن الثالث عشر مِن أركان الصَّلاة، يعني: الترتيب بين أركان الصَّلاة: قيام، ثم رُكوع، ثم رَفْع منه، ثم سُجود، ثم قعود، ثم سُجود.
ودليل ذلك:
1 ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم عَلَّمَ المسيءَ في صلاته الصَّلاةَ بقوله: «ثم ... ثم ... ثم ... » 1.
«ثم» تدلُّ على الترتيب.
2 ـ أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على هذا الترتيب إلى أن تُوفِّيَ صلّى الله عليه وسلّم ولم يُخِلَّ به يوماً مِن الأيام وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» 2.
3 ـ أنَّ هذا هو ظاهر قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: 77] فبدأ بالرُّكوع، وقال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم حين أقبل على الصَّفا: «أبدأُ بما بدأ الله به» 3، فتكون الآية دالَّة على أنَّ الرُّكوعَ مقدَّمٌ على السُّجودِ، وإنما عَبَّرَنا بـ «ظاهر»؛ لأن «الواو» لا تستلزم الترتيب، أي: ليس كل ما جاء معطوفاً بالواو فهو للترتيب، إذ قد يكون لغير الترتيب.
قوله: «والتسليم» هذا هو الرُّكنُ الرابع عشر مِن أركان الصَّلاة، أي: أن يقول: «السَّلامُ عليكم ورحمةُ الله»، والمؤلِّف أطلقَ التَّسليمَ، فهل نقول إنَّ «ال» للجنس فيصدق بالتسليمة الواحدة، وبالاقتصار على «السلام» أو نقولُ: إن «ال» للعهد، والمراد بالتسليم ما سَبَقَ في صفة الصَّلاة، أي: أن يقول عن يمينه: «السَّلام عليكم ورحمة الله»، وعن يساره: «السلام عليكم ورحمة الله»؟ كلامُه محتمل.
ولهذا اختلفَ الفقهاء ـ رحمهم الله ـ في التسليم.
والمشهور من المذهب: أنَّ كلتا التسليمتين رُكنٌ في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ 1.
وقيل: إنَّ الثانية سُنَّة في النَّفْل دون الفَرْض.
وقيل: سُنَّة في الفَرْضِ وفي النَّفْلِ.
وقيل: إنَّ التَّسليمَ ليس مقصوداً بذاته، وأنه إذا فَعَلَ ما ينافي الصَّلاة فقد انتهت الصَّلاة 2. وهذه العبارة التي عَبَّرَ بها المؤلِّف هي التي عَبَّرتْ بها عائشةُ رضي الله عنها بقولها: «وكان يختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسليم» 3 فنقول في الحديث كما قلنا في كلام المؤلِّف: هل المراد بالتَّسليمِ التَّسليمُ المعهودُ، فيتضمن التسليمتين، أو مطلق التَّسليم، يعني: الجنس، فيجزي بواحدة؟
والأقرب: أنَّ التَّسليمتين كلتاهما رُكنٌ؛ لأنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم واظبَ عليهما وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي» 4 ولأنَّ مِن عادة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم العدل، فإذا سَلَّمَ على اليمين سَلَّمَ على اليسار، وإذا سَلَّمَ على اليمين فقط مع إمكان التَّسليم على اليسار: لم يتحقَّق ذلك.
ولذلك كان يُسلِّمُ عن يمينه ويساره، حتى يكون لليمين حظٌّ من التَّسليم، ولليسار حَظٌّ من التَّسليم.
لكن الفقهاء استثنوا صلاةَ الجِنازة، فقالوا: ليس فيها إلا تسليمة واحدة فقط، ولم يقولوا: إن الثانية سُنَّة.
واستدلُّوا على ذلك: بأن الذين وصفوا صلاةَ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على الجنائز لم يذكروا التَّسليمتين (1)، وبأنَّ صلاةَ الجنازة ليس فيها رُكوع، ولا سُجود، ولا قُعود، ولا انتقال، بل هي مبنيَّة على التَّخفيف، ولهذا ليس فيها دُعاء استفتاح فَخُفِّفَت بتسليمة واحدة.
وقوله: «التسليم» هل يكتفي بقوله: «السَّلامُ عليكم» أو لا بُدَّ من التَّسليم الكامل.
الجواب: المشهور مِن (2) المذهب، أنه لا يكتفي بقوله: «السَّلامُ عليكم» يعني: لو اقتصرَ عليها لم يجزئ، وقيل: يجزئ؛ لأن ما زَادَ على ذلك ليس إلا فَضْلَة؛ إذ إن التَّسليم يصدق بقول المسلِّم: «السَّلامُ عليكم» (3).
وَوَاجِبَاتُهَا:
.......... قوله: «واجباتها»، أي: واجبات الصلاة، وهل يعني أن الأركان غير واجبة؟ الجواب: لا يعني أن الأركان غير واجبة، بل الأركان واجبة وأوكد من الواجبات، لكن تختلف عنها في أن الأركان لا تسقط بالسَّهْوِ، والواجبات تسقط بالسَّهْوِ، ويجبرها سُجودُ السَّهْوِ، بخلاف الأركان؛ ولهذا من نسيَ رُكناً لم تصحَّ صلاته إلا به، ومن نسيَ واجباً أجزأَ عنه سُجودُ السَّهْوِ، فإنْ تَرَكَه جهلاً فلا شيء123
عليه فلو قام عن التشهُّدِ الأول لا يدري أنه واجب فصلاتُه صحيحة، وليس عليه سُجود السَّهْوِ؛ وذلك لأنه لم يكن تَرْكه إيَّاه عن نسيان.
وقيل: عليه سُجود السَّهْوِ بترك الواجب جهلاً؛ قياساً على النسيان؛ لعدم المؤاخذة في كُلٍّ منهما.
التَّكْبِيرُ غَيْرِ التَّحْرِيمَةِ، وَالتَّسْمِيعُ، وَالتَّحْمِيدُ،
.......... قوله: «التكبير غير التحريمة» أي: قول «اللهُ أكبر» إلا التحريمة، هذا هو الواجب الأول؛ لأن التحريمة سَبَقَ أنَّها رُكنٌ فيدخل بذلك التكبير للركوع وللسجود وللرَّفْعِ منهما، وللقيام مِن التشهُّدِ الأول، فكلُّ التكبيرات واجبة وتسقط بالسَّهْوِ، ويُستثنى ما يلي:
1 ـ التكبيرات الزوائد في صلاة العيد، والاستسقاء فإنها سُنَّة.
2 ـ تكبيرات الجِنازة فإنَّها أركان.
3 ـ تكبيرة الركوع لمن أدرك الإِمام راكعاً فإنَّها سُنَّة.
والدليل على أن التكبيرات مِن الواجبات:
أولاً: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا كَبَّرَ الإِمامُ فكبِّروا، وإذا قال: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه فقولوا: ربَّنا ولك الحمدُ» 1، وهذا يدلُّ على أنه لا بُدَّ مِن وجود هذا الذِّكْرِ، إذ الأمر للوجوب.
ثانياً: مواظبة النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم عليه إلى أن مات، ما تَرَكَ التكبيرَ يوماً من الدَّهر وقال: «صَلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» 2.
ثالثاً: أنه شِعار الانتقال من رُكن إلى آخر، لأن الانتقال لا شَكَّ أنه انتقال مِن هيئة إلى هيئة، فلا بُدَّ مِن شعار يدلُّ عليه.
قوله: «والتسميع، والتحميد»، أي: قول الإِمام والمنفرد: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه»، والتحميد: للإِمام، والمأموم، والمنفرد، وهذان هما الواجب: الثاني والثالث.
والدليل على ذلك:
أولاً: أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم واظبَ على ذلك، فلم يدعْ قول: «سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه» بأيِّ حالٍ من الأحوال.
ثانياً: أنه شعار الانتقال من الرُّكوع إلى القيام.
ثالثاً: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قال سَمِعَ اللهُ لمن حَمِدَه فقولوا: ربَّنَا ولك الحمد» فعلى هذا يكون للتحميد ثلاثة أدلَّة، وللتسميع دليلان فقط.
ولم يُبيِّن المؤلِّف محلَّ التكبير والتسميع والتحميد، لكن الفقهاء نصُّوا على أن محلَّ ذلك: ما بين الرُّكنين في الانتقال 1، فما كان للرُّكوع فما بين القيام والركوع، وما كان للسُّجود فما بين القيام والسجود وهكذا بقية الانتقالات.
وقالوا رحمهم الله: لو بدأ به قَبْلَه أو كمَّله بعدَه لم يجزئ 2؛ لأنه أتى بذكر في غير موضعه، لأن الموضع ما بين الرُّكنين، فإن بدأ به قبلُ؛ فقد أتى بأوله في غير موضعه، وإن كمَّله بعدُ؛ فقد أتى بآخره في غير موضعه، ولكن هل يُشترط استيعابُ ما بين الرُّكنين؟
الجواب: لا يشترط، والمشترط أن يكون هذا الذِّكْر بين
الرُّكنين، وبينهما فَرْقٌ؛ لأننا لو قلنا: يُشترطُ الاستيعاب؛ لقلنا مِن حين ما تَشرع في الهوي إلى السُّجود ابدأْ بالتكبير، ولا ينتهي إلا إذا وضعت جبهتك على الأرض، فلو أنهيته قبل ذلك لم يصحَّ، لكننا لا نقول: بأنه يشترط، بل نقول: إنه لا بُدَّ أن يكون بين الرُّكنين، فلو بدأَ به قبلُ أو كَمَّله بعدُ لم يجزئ.
القول الثاني 1 في هذه المسألة: أنه يُعفى عن السَّبْق أو التأخّر بشرط أن يكون لموضع الانتقال حظٌّ من هذا الذِّكْر، أي: لو بدأ بالتكبير قبل الهوي وكمَّله في حال الهوي أجزأ، ولو بدأ به في أثناء الهوي وأكمله بعد الوصول إلى السُّجود أجزأ، وهذا القول أصحُّ، وهو الذي لا يَسَعُ الناس العمل إلا به، لأن القول الأول فيه مشقَّة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 77] وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ولو أننا أخذنا بالقول الأول لوجدنا أن كثيراً من الناس اليوم لا تصحُّ صلاتُهم.
وبعضُ الأئمة يَجتهدُ اجتهاداً خاطئاً، ولا يبدأ بالتكبير إلا إذا وَصَلَ للرُّكن الذي يليه، ويقول: لو شرعت بالتكبير قبل أن أَصِلَ للرُّكوع مثلاً لسابقني الناسُ؛ فأسدُّ الباب عليهم حتى لا يسبقوني، لكن هذا اجتهادٌ خاطئ، لأنه مخالفٌ للسُّنَّة، فلم يكن الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم يفعل هذا، وهو أدرى منك بمصالح الخَلْقِ صلّى الله عليه وسلّم، وأحرصُ منك عليها، فعليك أيُّها الإِمام أن تفعل ما تُؤمرُ به، وعلى المأمومين أن يفعلوا ما يؤمرون به.
وَتَسْبِيحَتَا الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، .........
قوله: «
وتسبيحتا الركوع والسجود
» هذان هما الواجبان الرابع والخامس.
«تسبيحتا الركوع»: كيف ننطِقُ بها؟
الجواب: ننطِقُ بها بحذف الألف فتبقى التاء مفتوحة، فلو قال لك السامعُ: عطفتَ منصوباً على مرفوع.
فقل: أنا لم أعطف منصوباً على مرفوع، وإنَّما عَطفتُ مرفوعاً على مرفوع، لأنَّ المُثنَّى يُرفع بالألف «تسبيحتا» اثنتان.
فإذا قال: أين الألف؟ فقل: الألف سقطت، لأنَّها حرفُ لين ساكن، جاء بعدَه حرفٌ ساكن، وهو همزة الوصل مِن كلمة «الركوع»، فالتقى ساكنان، فحُذِفَ حرفُ اللين، قال ابنُ مالك في الكافية: إنْ ساكنان التقيا اكسرْ ما سَبَق
وإنْ يكن ليناً فحذفُه استحق
والألف لين فيُحذف نُطْقاً، فيقال: تسبيحة الركوع، ولا يحذف خطًّا، بل تكتب «تسبيحتا» وإنما أتيت بهذا لأنتقل إلى مسألة يخطئ فيها بعض القراء، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [النحل: 15] فينطق بالألف مع الوصل، وهذا خطأ فنقول: «وقالَ الحمد لله».
فإذا قال قائل: إذا قلتم: «وقالَ الحمد لله»، أوهم السَّامع أن يكون القائل واحداً وهو سليمان؛ لأنه أقرب مذكور؟
فنقول: إذا توهَّم هذا إنسان فالخطأ ليس مِن القارئ، بل الخطأ مِن وهم السامع، والقارئ ليس مسؤولاً عنه، بل عليه أن يقرأ حسب ما تقتضيه اللغة العربية؛ لأن القرآن نَزَلَ بها.
وقوله: «وتسبيحتا الركوع والسجود».
لم يبيِّن المؤلِّف ـ رحمه الله ـ هاتين التَّسبيحتين، لكنه بيّنهما فيما سَبَقَ 1، حيث ذَكَرَ أنه يقول في الرُّكوع: «سبحان رَبِّي العظيم»، وفي السُّجود: «سبحان رَبِّي الأعلى».
إذاً؛ فقول المصلِّي في ركوعه: «سبحان رَبِّي العظيم» واجب، وفي سجوده: «سبحان رَبِّي الأعلى» واجب.
والدليل على هذا: أنه: لما نَزَلَ قول الله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ [الواقعة] قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في ركوعكم» 2 وهذا بيانٌ مِن النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لموضع هذا التسبيح، ومِن المعلوم أن بيان الرسول صلّى الله عليه وسلّم للقرآن يجب علينا أن نَرْجِعَ إليه؛ لأن أعلم الخَلْقِ بكلام الله هو رسول الله، ولهذا كان تفسير القرآن بالسُّنَّة هو المرتبة الثانية، فالقرآن نُفسِّرُه أولاً بالقرآن مثل: ﴿الْقَارِعَةُ *مَا الْقَارِعَةُ *وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ *يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ *﴾ ويُفسَّر بعد ذلك بسُنَّة رسول الله؛ لأنها تبيِّنه مثل هذه الآية: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *﴾ [الواقعة] حيث قال النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في ركوعكم».
وهذا بيان لموضع هذا التَّسبيح وقد يُبيِّنُ النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم المعنى، مثل قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]
فالحُسنى هي الجنة، والزيادة النظر إلى وَجْهِ الله عزّ وجل، هكذا فسَّرها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم (1).
وأما تسبيحة السُّجود فهي أيضاً مفسَّرة بقول النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «اجعلوها في سجودكم» (2) حين نَزَلَ قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى *﴾ [الأعلى].
وَسُؤَالُ المَغْفِرَةِ مَرَّةً مَرَّةً،
......... قوله: «وسؤال المغفرة مرَّة مرَّة» هذا هو الواجب السادس من واجبات الصلاة، أي: سؤال المُصلِّي المغفرة مرَّة مرَّة، ولم يُبيِّنُ المؤلِّف ـ رحمه الله ـ متى يكون هذا السُّؤال، ولكن سَبَقَ في صفة الصلاة بأن قول: «ربِّ اغفِرْ لي» يكون بين السَّجدتين 3. والمغفرة: هي سَتْرُ الذَّنْبِ والتجاوز عنه، مأخوذة من المِغْفَر الذي يُوضع على الرأس عند القتال لتوقِّي السِّهام، وفي هذا المِغفر سَتْر ووقاية، فالمغفرة ليست مجرَّد سَتْر الذُّنوب، ولا هي العفو عنها فقط، بل هي: السَّتر مع العفو، ولهذا يقول الله سبحانه وتعالى إذا خلا بعبده يوم القيامة وقرَّره بذنوبه: «قد سترتُها عليك في الدُّنيا، وأنا أغفِرُها لك اليوم» 4.
ولم يبيِّن بأيِّ صيغة يكون سؤال المغفرة، هل يقول: اللَّهُمَّ12
اغفِرْ لي، أو يقول: أستغفر الله، أو يقول: ربِّ اغفِرْ لي.
لكن بيَّن المؤلِّف ـ رحمه الله ـ في صفة الصلاة أنه يقول: «ربِّ اغفِرْ لي» (1). وعليه؛ فيُحمل كلامُه هنا على كلامه هناك، ويكون سؤال المغفرة بلفظ: «ربِّ اغفِرْ لي» فلو قال: اللَّهُمَّ اغفِرْ لي، فإنه لا يجزئه، وهذا بناءً على أننا أحلنا هذا الكلام على ما سَبَقَ، لكن يمكن أن يُقال: إنه لا يلزم أن نُحيل هذا الكلام على ما سَبَقَ، فيكون المراد بذلك سؤال المغفرة بأي صفة، فلو قال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» لأجزأ، وهذا هو الصحيح.
والمذهب (2): أنه لا بُدَّ أن يقول: «ربِّ اغفِرْ لي» فلو قال: «اللَّهُمَّ اغفِرْ لي» ما أجزأ.
وقوله: «مرَّة مرَّة» أي: مرَّة في كُلِّ جِلسة، مرَّة في الجِلسة الأولى، ومرَّة في الجِلسة الثانية، وهكذا.
وَيُسَنُّ ثَلاَثاً، وَالتَّشَهُدُ الأَوَّلُ، وَجَلْسَتُهُ
.......... قوله: «ويُسَنُّ ثلاثاً» أي: يُسَنُّ أن يُكَرِّرَ سؤال المغفرة ثلاث مرات.
والدليل على أنه يُسَنُّ ثلاثاً: حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: حين ذَكَرَ أنه صَلَّى مع النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فلما جَلَسَ بين السَّجدتين جَعَلَ يقول: «ربِّ اغفِرْ لي، ربِّ اغفِرْ لي» 3 وكان دُعاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم غالباً التكرار ثلاثاً.
قوله: «والتشهد الأول، وجلسته» هذان هما الواجب السابع والثامن من واجبات الصلاة.
فالتشهُّد الأول هو: «التحياتُ لله، والصَّلواتُ، والطيباتُ،12
السَّلامُ عليك أيُّها النبيُّ ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله؛ وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه».
والدليل على وجوبه: حديث عبد الله بن مسعود: «كنا نقول قبل أن يُفرَضَ علينا التشهُّدُ» 1.
فإن قال قائل: لقد استدللتم بهذا الحديث على رُكنيَّة التشهُّدِ الأخير، فما بالكم هنا تستدلُّون به على أنَّ التشهُّد الأول واجب لا رُكن؟
فالجواب عنه: أن نقول: إنَّ الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما نسيَ التشهُّدَ الأول لم يَعُدْ إليه وجَبَرَه بسجود السَّهو 2، ولو كان رُكناً لم ينجبر بسجودِ السَّهوِ.
والدليل على أن الأركان لا تنجبر بسجود السَّهو: أنَّ النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لما سَلَّم مِن ركعتين مِن صلاة الظُّهر أو العصر أتمَّها وأتى بما تَرَكَ وسَجَدَ للسَّهو 3، فدلَّ هذا على أنَّ الأركان لا تسقط بالسَّهو، ولا بُدَّ مِن الإِتيان بها، وعلى هذا فنقول: لمَّا سَقَطَ التشهُّدُ الأول بالسَّهو دَلَّ ذلك على أنَّه واجبٌ تصحُّ الصَّلاةُ بدونه مع السَّهو، ولا تصحُّ بدونه مع العمد.
وقوله: «وجلسته» بفتح الجيم، ولا يصحُّ أن نقول
«وجِلسته» بكسر الجيم ـ لأنَّك لو قلت: «وجِلسته» بكسر الجيم، لزم أن تكون هيئة الجلوس واجبة وهي الافتراش، والافتراش ليس واجباً، بل هو سُنَّة، والواجب هو الجلوس على أيِّ صفة.
قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:
وفَعْلَة لمرَّة كجَلسة
وفِعْلة لهيئة كجِلسة
إذا أُريد الصفة والكيفية قيل: فِعْلَة بكسر الفاء، وإذا أُريد المرَّة قيل: فَعْلَة، بفتحها.
والمراد هنا: الجلوس وليس الهيئة، فلو جَلَسَ للتشهُّدِ الأول متربِّعاً أجزأ.
وقوله: «جَلسته» هل يمكن التشهُّد بدون جلوس؟
الجواب: يمكن أن يتشهَّد وهو قائم، أو يتشهَّد وهو ساجد، فلا بُدَّ أن يكون التشهُّدُ كُلُّه في حال الجلوس.
وَمَا عَدَا الشَّرَائِط، وَالأَْرْكَانِ، وَالْوَاجِبَاتِ المَذْكُورَة سُنَّةٌ
....... قوله: «وما عدا الشرائط، والأركان، والواجبات المذكورة سُنَّة» فالواجبات ثمانية سبقت أدلتُها، ولكن في بعضها خلاف، فالتشهُّدُ الأول قيل: إنه سُنَّة 1.
واستُدِلَّ لذلك بسقوطه بالسَّهو.
والتكبيرات غير تكبيرة الإِحرام، والتسميع، والتحميد: قيل أيضاً: إنها سُنَّة 2.
واستُدِلَّ لذلك: بأن النبيَّ صلّى الله عليه وسلّم لم يذكرها للمسيء في صلاته 3.