الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 254-293
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب البيع

صفحات 254-293
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فلأنها حقه، ولا يمكن أن تؤخذ الحقوق من أصحابها كرهاً.

وَالشُّفْعَةُ لاثْنَيْنِ بِقَدْرِ حَقَّيْهِمَا، فَإِنْ عَفَا أَحَدُهُمَا أَخَذَ الآخَرُ الكُلَّ أَوْ تَرَكَ.
وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا

....... قوله: «والشفعة لاثنين بقدر حقَّيهما فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك» الشفعة لاثنين تستلزم أن يكون الشركاء ثلاثة، فتكون بقدر حقيقها لا بقدر الرؤوس، مثال ذلك: قطعة من الأرض بين ثلاثة شركاء، أحدهم له النصف، والثاني له الثلث، والثالث له السدس، فتكون مسألتهم من ستة، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان، ولصاحب السدس واحد، فإذا باع أحدهم صارت الشفعة لشريكيه.
فلنبدأ أولاً بالأكبر وهو صاحب النصف فإذا باع صاحب النصف نصيبه وهو ثلاثة رجعت إلى ثلاثة، فيكون الملك الآن أثلاثاً بين صاحب الثلث وصاحب السدس، وإذا باع صاحب الثلث، والثلث اثنان فيبقى أربعة، فيعود الملك أرباعاً بين صاحب النصف وصاحب السدس، وإذا باع صاحب السدس فيبقى خمسة، فيعود الملك الآن بين صاحب النصف والثلث أخماساً، لصاحب النصف ثلاثة، ولصاحب الثلث اثنان.
فإذا عفا أحدهما فنقول للثاني: إما أن تأخذ الجميع وإما أن تترك الجميع، ولنفرض أن الذي باع صاحب النصف فيبقى النصف، فإذا قال صاحب السدس: أنا لا أريد الشفعة ويكفيني نصيبي من هذه الأرض، فنقول لصاحب الثلث: إما أن تأخذ كل الثلاثة التي هي النصف ويكون لصاحب الثلث خمسة، ولصاحب السدس واحد، فإذا قال: ما أتحمل، قلنا: إذاً سقطت الشفعة.

وإذا قال صاحب الثلث: أنا لا أريدها، فماذا نقول لصاحب السدس؟ نقول: خذ نصيب صاحب النصف، فيكون لك أربعة من ستة، فإذا قال: ما أتحمل، قلنا: إذاً لا شفعة، ولهذا قال: «فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك».
وهذا الاشتراك يسمِّيه العلماء اشتراك تزاحم، بمعنى أنه إذا طلب كل واحد منهم حقه زاحم الآخرين، وإن أسقط حقه لزم الآخرين؛ لأن هذا الاشتراك اشتراك تزاحم، وإذا كان اشتراك تزاحم فإنه إذا طلب كل واحد حقه ازدحموا فيه، وإن عفا عاد إلى الآخرين.
قوله: «وإن اشترى اثنان حق واحد أو عكسه أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما» مثال الصورة الأولى: أرض بين رجلين باع أحدهما نصيبه من الأرض على رجلين، فنقول: للشفيع أن يأخذ نصيب أحد الرجلين دون الآخر؛ لأنه في هذه الحال لا ضرر على واحد منهما، إذ إن أحدهما أُخِذ حقه بالشفعة وهو حق للشريك، والثاني بقي حقه كاملاً، فيكون الملك الآن بين اثنين؛ لأن الثالث أخرجناه بأخذ نصيبه بالشفعة.
فإذا قال الذي لم يؤخذ نصيبه: في هذا ضرر عليَّ، نقول: ليس فيه ضرر عليك، أنت لك الربع من الأصل، والآن الربع باقٍ ولم يتجدد لك شريك، فالشريك الأول الذي لم يبع ما زال موجوداً.

وهذا ربما يحتاج إليه الإنسان إما لكونه ليس عنده مال يدفعه للاثنين، وإما لكون أحد الشريكين سيئ العشرة والآخر طيب العشرة، وإما للعدوان على الشريك الثاني، فيريد أن يحرمه من الأرض، أو لأي سبب فله ذلك.
وقوله: «أو عكسه» مثال ذلك: اشترى واحد حق اثنين، إذاً الأرض بين ثلاثة أطراف، فباع اثنان حقهما على واحد، فللشفيع أن يشفع في نصيب واحد من شركائه دون الثاني، والتعدد الآن في البائع، فله أن يأخذ بنصيب أحدهما.
وقوله: «أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما» مثال ذلك: أرضان شركة لشخصين، فباع أحد الشريكين نصيبيه من الأرضين على واحد، فللشفيع أن يأخذ أحد الشقصين؛ لأنه الآن تعدد المعقود عليه، والصورتان السابقتان تعدد فيهما المشتري أو البائع، وهذا بخلاف ما إذا اشترك اثنان في شفعة فإننا نقول: إما أن تأخذا جميعاً بالشفعة وإلا فيسقط حق أحدكما، وهو اشتراك تزاحم.
والخلاصة: أن هذه المسألة لها أربع صور: الأولى: اتحاد البائع والمشتري والمبيع، فإذا طلب الشفيع أخذ البعض لم يُمَكَّن وتسقط شفعته على المذهب.
الثانية: تعدد البائع، بأن يبيع رجلان نصيبيهما من أرض واحدة على رجل واحد، فهنا للشفيع أن يأخذ بأحدهما.
الثالثة: تعدد المشتري، بأن يبيع الإنسان نصيبه من أرض واحدة على شخصين، فللشفيع أن يأخذ من أحد الشخصين.

الرابعة: تعدد الشقصين، أن يكون للشريك شركة في أرضين فيبيع شركته في الأرضين على شخص واحد صفقة واحدة فللشفيع الأخذ بالشفعة في إحدى الأرضين، فالصورة التي يمتنع فيها تبعض الشفعة هي الصورة الأولى.

وَإِنْ بَاعَ شِقْصاً وَسَيْفاً، أَوْ تَلِفَ بَعْضُ المَبيعِ فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَلاَ شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ وَقْفٍ، وَلاَ غَيْرِ مُلْكٍ سَابِقٍ، وَلاَ لِكَافِرٍ عَلَى مُسْلِمٍ.

قوله: «وإن باع شقصاً وسيفاً أو تلف بعض المبيع» الفقهاء ـ رحمهم الله ـ دائماً يتلقون العبارات بعضهم عن بعض، فأول من مثَّل بهذا المثال قال: باع شقصاً وسيفاً، ونحن نقول: إن باع شقصاً وكتاباً، وهذا اللائق بطلبة العلم، وبالمجاهدين: شقصاً وسيفاً، وبالنجارين: شقصاً وباباً، وبأصحاب المعارض: شقصاً وسيارةً، إذاً نمثل لكل إنسان بما يناسبه، وضابط المسألة: إذا باع ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه، فالمراد بالشقص هنا الشقص الذي فيه الشفعة، والسيف ما لا شفعة فيه، فإذا باع في صفقة واحدة ما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه يقول: «فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن» وأما الآخر الذي ليس فيه شفعة فلا يأخذه بالشفعة، مثاله: رجل صاحب معرض بيع عليه شقص وسيارة، فللشفيع ـ وهو الشريك في الأرض ـ أن يأخذ بالشفعة في الأرض دون السيارة، وكيف ذلك؟ نقول: كم تساوي الأرض؟ قالوا: تساوي مائتي ألف، وكم تساوي السيارة؟ قالوا: خمسين ألفاً، فالثمن الآن يكون مائتين وخمسين، فنقول: خذ الأرض بمائتين والسيارة للمشتري، ولهذا قال: «فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن»

ولم يقل: بحصته من القيمة؛ لأن الشفعة يرجع فيها إلى الثمن لا إلى القيمة.
وقوله: «أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن» بمعنى أنه باع أرضاً وسيفاً أو سيارة أو ما أشبه ذلك، وتلف البعض فللشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، أو أرضاً باعها وتلف بعضها، كما لو أخذها مَنْ لا تمكن مطالبتُهُ فللشفيع أخذ الباقي بحصته من الثمن، ومثل ذلك لو كانت الأرض عليها غراس ثم تلف الغراس قبل الأخذ بالشفعة فللشفيع الأخذ بالشفعة في الباقي بقسطه من الثمن، مثال ذلك: أرض بين زيد وعمرو وفيها غراس، باع عمرو نصيبه من هذه الأرض، ثم تلف الغراس، ومن المعلوم أن القيمة سوف تنقص، فإذا قدرت الأرض بالغراس بعشرة آلاف ريال، وبدون غراس سبعة آلاف ريال، فيأخذ الشفيع النصيب بسبعة آلاف ريال؛ لأن بعض المبيع قد تلف فينقص من الثمن قدر قيمة التالف.
قوله: «ولا شفعة بشركة وقف» يعني لو كان الشريك نصيبه موقوفاً، وباع شريكه فإن الموقوف عليه لا يأخذ بالشفعة.
مثال ذلك: أرض بين اثنين وهي على أحدهما وقف وعلى الثاني طِلق وليست وقفاً، فباع صاحب النصيب الطلق، فهل لشريكه الموقوف عليه أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا؛ لأن الملك في الوقف قاصر وغير تام؛ لأن الموقوف عليه لا يستطيع أن يبيع الوقف أو يرهنه، فملكه إذاً غير تام، وإذا كان غير تام فكيف

نسلطه على أخذ مال المشتري؟! ولكن القول الراجح في هذه المسألة أن له الشفعة، أي: للشريك الذي نصيبه الوقف أن يأخذ بالشفعة؛ لأن العلة الثابتة فيما إذا كان الملك طلقاً هي العلة الثابتة فيما إذا كان وقفاً، بل العلة فيما إذا كان وقفاً أوضح؛ لأن هذا الوقف لا يمكن أن يتخلص منه الموقوف عليه، ولو كان طلقاً لكان إذا وجد الشريك الجديد سيئ المعاملة يبيع نصيبه وينتهي، فالشفعة في شركة الوقف أحق منها في شركة الطلق؛ لأن تضرر الشريك في الوقف أشد من تضرر صاحب الملك الطلق.
وأما قولهم: إنه غير تام، فيقال: هو تام باعتبار أن الموقوف عليه يملك الوقف، حتى عند الأصحاب ـ رحمهم الله ـ قالوا: إن الوقف يملكه الموقوف عليه لكنه ملك قاصر.
وإذا كان له الشفعة وأخذ بها فهل يكون هذا النصيب تبعاً للوقف أو يكون ملكاً للموقوف عليه؟ الثاني، فهو ملك طلق للموقوف عليه، إلا إذا نوى أنه تبع للوقف فيكون تبعاً للوقف، وحينئذ نسأل هل الأولى أن ينويه للوقف أو يبقيه على ملكه؟ ينظر للمصلحة، فإذا كان في الوقف ريع كثير يتحمل ثمن هذا الشقص فالأولى أن يجعله للوقف؛ لأجل أن ينمو الوقف ويزداد، ولأجل أن لا يكون نزاع فيما إذا مات الموقوف عليه؛ لأن الموقوف عليه إذا مات لا ينتقل الوقف انتقال ميراث بل ينتقل حسب شرط الواقف.
فإذا قال قائل: إذا صار لنفسه فإن الشركة لم تنتفع، لأن الملك الآن ليس مصرفه واحداً؟

قلنا: هذا حق، لكن لا شك أن كون الإنسان مشاركاً بنفسه لنفسه خير من كونه يتلقى شريكاً جديداً.
مثال آخر: زيد وعمرو شريكان في أرض قد أوقفاها، فباع عمرو نصيبه من هذه الأرض لسبب اقتضى بيعها، فإنه ليس لزيد أن يشفع؛ لأن شريكه لو وقف الأرض لم يكن له أن يشفع، فكذلك إذا باعها ـ وهي وقف ـ فليس له أن يشفع.
والصواب ـ أيضاً ـ أن له أن يشفع؛ لأن الوقف إذا بيع فقد انتقل بعوض مالي، والضرر الحاصل بالشركة الجديدة في الوقف أشد من الضرر الحاصل في الشركة الجديدة في الطِّلق؛ لأن شريك الطلق يستطيع التخلص ببيعه، وشريك الوقف لا يستطيع التخلص، فكان الأخذ بالشفعة بشركة الوقف أولى من أخذها بالشركة في الطلق.
والحاصل أن الشفعة ثابتة في الصورتين، وما استدل به المانعون لا يستقيم، بل الصواب العموم بدلالة الحديث: «قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشفعة في كل مالم يقسم» 1، وهذا عام في الشركة في ملك مطلق أو شركة وقف.
قوله: «ولا غير ملك سابق» يعني لا بد أن يسبق ملكُ الشريكِ الشفيعِ ملكَ المشتري، فلو اشترى اثنان حق واحد أو اشتريا أرضاً صفقة واحدة، فهل لأحدهما أن يشفع على الآخر؟ لا؛ لأن ملكهما ليس بسابق، فهما ملكا الأرض صفقة واحدة،

فإذا قال زيد لعمرو وهما المشتريان: أنا أشفع عليك، يقول عمرو: أنا أشفع عليك، فحينئذٍ نقول: لا شفعة لواحد على الآخر، وأنتما اشتريتما الأرض أو الشقص صفقة واحدة فتساويتما، فلا حق لأحدكما على الآخر، إذاً لا بد أن يسبق ملك الشفيع ملك شريكه.
ولو أن أرضاً بين اثنين كانت لأحدهما دون الآخر في الأول ثم اشترى نصفها منه، ثم إن المالك الأول باع نصيبه على آخر فإن الشفعة تثبت؛ لأن ملك البائع سابق على ملك المشتري وملك المشتري سابق على الملك الذي فيه الشفعة.
وقوله: «ولا غير ملك» فلا شفعة في شركة إجارة، كما لو استأجر رجلان بيتاً، فأجر أحدهما نصيبه، فإنه ليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه غير مالك للرقبة وإنما هو مالك للمنفعة، والملك للمؤجر الأول، والشفعة تثبت بانتقال الملك.
قوله: «ولا لكافر على مسلم» يعني لو كانت أرض بين مسلم ونصراني، فباع المسلم نصيبه على رجل مسلم، فهل للنصراني أن يشفع؟ يقول المؤلف: لا؛ لأننا لو مكنَّاه من الشفعة لسلطنا كافراً على مسلم، والإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
ولو كان الشريكان كافرين وباع أحدهما على مسلم، فهل يأخذ شريكه الكافر بالشفعة؟ لا؛ لأن العلة واحدة، وهي إهانة المسلم.
وقال بعض أهل العلم: بل للكافر شفعة على المسلم؛ لأن الشفعة من حق التملك وليست من حق المالك، وإذا كان الكافر

له الخيار ـ أي: خيار المجلس ـ ويمكن أن يفسخ العقد كرهاً على المسلم؛ لأن هذا حق ملك، فكذلك الشفعة.
وصورة المسألة الأخيرة: مسلم باع على كافر شيئاً فهل للكافر ما دام في مجلس الخيار أن يفسخ البيع؟ نعم له ذلك؛ لأن هذا من باب حق التملك فله أن يفسخ، حتى وإن كره المسلم؛ لأن هذا حقه وهذا مقتضى العقد، والشفعة حق، ومقتضى بيع الشريك على أجنبي أن يكون للشريك الأول حق الشفعة.
فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، ولو قلنا برجوع هذا إلى نظر الحاكم أي القاضي لكان هذا جيداً، ويظهر هذا بالقرائن، فإذا عرفنا أن الكافر سوف يفتخر بأخذ الشفعة من المسلم ويرى أنه علا عليه فحينئذ لا نمكنه، أما إذا علمنا أن الكافر مهادن وأنه لم يأخذ بالشفعة إلا لأنه مضطر إليها لمصلحة ملكه، فإننا نمكنه منها.

فَصْلٌ

وَإِنْ تَصَرَّفَ مُشْتَرِيهِ بِوَقْفِهِ، أَوْ هِبَتِهِ أَوْ رَهْنِهِ لاَ بِوَصِيَّةٍ سَقَطَتْ الشُّفْعَةُ.

قوله: «وإن تصرف مشتريه» أي: مشتري الشقص.
قوله: «بوقفه» أي: تسبيله، يعني أنه حين اشترى الشقص وقفه، سواء على خاص أو على عام، فعلى الخاص، مثل أن يقول حين اشترى الشقص: هذا وقف على فلان أو على ذريتي، فإن الشفعة تسقط، والعام مثل أن يقول حين اشتراه: هذا وقف على الفقراء، فتسقط الشفعة؛ لأن الشقص انتقل بعقد لا تثبت به الشفعة؛ لأن الشفعة إنما تثبت فيما إذا انتقل بعوض مالي وهنا انتقل الملك إلى الوقف، والوقف ليس فيه شفعة، يعني لو أن أحد الشريكين وقف نصيبه من أرض مشتركة فليس لشريكه أن يشفع؛ لأنه انتقل ملكه بغير عوض مالي.
ومثل ذلك أن يصير الشقص وقفاً بمجرد الشراء، وذلك بأن يكون المال الذي اشتراه به المشتري بدلاً عن وقف بيع، مثال ذلك: أرض بين زيد وعمرو فاشترى بكر نصيب عمرو بدراهم هي عوض عن وقف باعه، فبمجرد شراء بكر لنصيب عمرو يكون وقفاً؛ لأنها عوض عن وقف، والعوض يثبت له حكم المعوض في الحال.
قوله: «أو هبته» يعني أن الذي اشترى الشقص وهبه لشخص آخر فتسقط الشفعة؛ لأنه لو انتقل الشقص بالهبة لم تثبت الشفعة، فإذا انتقل من المشتري إلى جهة أخرى لا تثبت الشفعة بانتقاله إليها فإن الشفعة تسقط.
قوله: «أو رهنه» يعني أن مشتري الشقص رهنه، مثاله: أرض بين شريكين باع أحدهما نصيبه على ثالث، فالثالث استدان

من شخص وأرهنه نصيبه الذي اشتراه، يقول المؤلف: إن الشفعة تسقط؛ لأن الرهن ليس انتقالاً ولكنه إشغال، فالإنسان إذا رهن ملكه عند شخص فهل معناه أنه باعه عليه، أو وهبه له؟ لا، ولكن شغل الملك للتوثقة، أي: لتوثقة صاحب الدين، فليس انتقال ملك؛ هذا ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ. والصحيح أنها لا تسقط بالرهن؛ لأن الملك لم ينتقل للمرتهن وهو المذهب، لكن يقال: إن أوفى الراهن دينه أخذ الشريك بالشفعة وإن لم يوفِ وبيع الرهن فحينئذ نرجع إلى انتقاله ببيع، وسيأتي ذكره إن شاء الله؛ وذلك لأن الرهن لم ينتقل به الملك فهو على ملك المشتري إنما تعلق به حق الغير، فإذا تعلق به حق الغير فإننا نبقي حق الغير وحق الشفيع، ونقول: ما دام مرهوناً لا يمكن أن تأخذه بالشفعة؛ لأنه مشغول، لكن إن أوفى المدين دينه صار الرهن طِلقاً ليس مرهوناً فخذه بالشفعة، وإن لم يوفِ وبيع فخذه أنت بأحد البيعين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقيل: بل يأخذه ولا ينتظر، وحينئذ ينفسخ الرهن ولا يكون للمرتهن حق في هذا المرهون؛ لأنه إنما رهن عينه وقد استحقت للغير فيبطل الرهن.
فإذا قال قائل: إذا بطل الرهن فهل للمرتهن أن يطالب الراهن بعوض عن ذلك الرهن؟ فالجواب: لا؛ لأن الرهن متعلق بعين المرهون وقد صارت مستحقة للغير، فهو كما لو رهن مغصوباً ثم أخذه مالكه فإن المرتهن لا يطالب بعوضه فينفسخ الرهن، ويبقى الدين في ذمة الراهن.

ومثل ذلك لو آجر النصيب الذي اشتراه، فهل تسقط الشفعة أو لا؟ المذهب: أنها تنفسخ الإجارة ويأخذه بالشفعة، والصحيح أنها لا تنفسخ الإجارة وأنها باقية، ولكن للشفيع الأجرة من حين أخذه بالشفعة.
مثال ذلك: باع أحد الشريكين نصيبه على شخص ثالث، والشخص الثالث آجره فوراً، بأن قال لشخص: أجرتك نصيبي لمدة خمس سنوات، فالإجارة على المذهب تنفسخ؛ لأن حق الشفيع سابق على حق المستأجر.
القول الثاني: لا تنفسخ، وللشفيع الأجرة من حين أخذ بالشفعة، فإذا قدرنا أنه أخذ بها بعد شهر صارت بقية خمس السنوات أجرتها للشفيع؛ وذلك لأن المشتري آجر الشقص وهو على ملكه، فالإجارة صحيحة وهي عقد لازم، وإذا كان هذا الرجل تصرف تصرفاً مأذوناً فيه بعقد لازم، فإننا لا يمكن أن نضيع حق المستأجر، بل نقول للمستأجر: تبقى ولكن الأجرة من حين أخذ الشفيع تكون للشفيع، وهذا لا شك أنه أقرب إلى العدل.
قوله: «لا بوصية سقطت الشفعة» يعني لا إن تصرف مشتريه بوصية فإنها لا تسقط، فيكون المؤلف ـ رحمه الله ـ ذكر ثلاثة أشياء تسقط بها الشفعة، وذكر شيئاً واحداً لا تسقط به الشفعة.
مثاله: رجلان شريكان في أرض باع أحدهما نصيبه على شخص، ومن حين اشتراه الشخص أوصى به، بأن قال: أوصيت بنصيبي الذي اشتريت أن يكون وقفاً على طلبة العلم، فالشفعة لا

تسقط؛ لأن الوصية لا ينتقل بها الملك إلا بعد موت الموصي، وقبول الموصى له إن كان معيناً أو جماعة يمكن حصرهم، وقبل الموت يكون الموصى به ملكاً للموصي، فإذا شفع الشريك انتقل الملك من نصيب الموصي إلى نصيب الشريك فتبطل الوصية؛ لأن محلها تعذر أن تنفذ فيه الوصية.
الخلاصة: أنه إذا تصرف المشتري فيما اشتراه تصرفاً ينقل الملك على وجه لا تثبت فيه الشفعة ابتداء فإن الشفعة تسقط، وإن تصرف فيه تصرفاً لا ينقل الملك فالشفعة باقية، مثل: الإجارة والوصية والعارية وما أشبه ذلك، حتى الرهن على القول الراجح ـ وهو المذهب ـ خلافاً لما قال المؤلف ـ رحمه الله ـ. والقول الثاني في المسألة: أن هذا التصرف لا يبطل حق الشفيع حتى لو أوقفه المشتري أو وهبه أو جعله صداقاً، أو جعلته المرأة عوضاً عن خلع فإن ذلك لا يسقط حق الشفيع؛ لأن هذا الشقص انتقل من شريكه على وجه تثبت به الشفعة، فكان ثبوت الشفعة سابقاً على تصرف المشتري، وإذا تزاحمت الحقوق أخذ بالأسبق، فنقول: حق الشفيع سابق على حق المشتري فكان أحق بالتنفيذ من تصرف المشتري، وعلى هذا فإذا تصرف المشتري بوقفه ـ ولو على أناس معنيين ـ ثم أخذ الشريك بالشفعة فإن الوقف يبطل؛ لأن العين انتقلت إلى غير الواقف بحق سابق على الواقف.
كذلك في الهبة، إذا وهب المشتري الشقص، فإننا نقول: للشريك أن يأخذه بالشفعة؛ لأن حقه سابق على تصرف

المشتري، فإذا أخذ بالشفعة بطلت الهبة، فهل للموهوب له أن يطالب الواهب بقيمة هذه الهبة؟ الجواب: لا يطالبه؛ لأنه لما أخذ بالشفعة انسحب الحكم على ما قبل الهبة، فصادفت الهبة شيئاً مملوكاً لغير الواهب.
ولهذا نقول: إن القول الراجح في هذه المسألة أنه إذا تصرف المشتري بهبته أو وقفه أو جعله صداقاً أو ما أشبه ذلك، فإن للشفيع أن يشفع.
وفي مسألة الهبة والوقف لا حق للموهوب له أو للموقوف عليه في الرجوع على الواهب أو الواقف، ولكن إذا جعله الزوج صداقاً، وقلنا بالقول الراجح وهو أن للشريك أن يشفع، فشفع، بطل كونه صداقاً، ولكن يُقوَّم الشقص وتعطى ما قُوِّم به.
فإذا قال قائل: أفلا ترجع إلى ثمن الشقص الذي أصدقها زوجها؟ فالجواب: لا؛ لأن الثمن قد يكون فيه محاباة من البائع فينقص عن القيمة، وقد يكون فيه محاباة من المشتري فيزيد على القيمة.
وإن تصرف فيه بنقل الملك على وجه تثبت به الشفعة ابتداءً فهو ما ذكره المؤلف ـ رحمه الله ـ بقوله:

وَبِبَيْعٍ فَلَهُ أَخْذُهُ بِأَحَدِ البَيْعَيْنِ وَلِلمُشْتَرِي الغَلَّةُ، وَالنَّمَاءُ المُنْفَصِلُ، وَالزَّرْعُ، وَالثَّمَرَةُ الظَّاهِرَةُ.
فَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ فَلِلشَّفِيعِ تَمَلُّكُهُ بِقِيمَتِهِ، وَقَلْعُهُ، وَيَغْرَمُ نَقْصَهُ، وَلِرَبِّهِ أَخْذُهُ بِلاَ ضَرَرٍ.

«وببيع فله أخذه بأحد البيعين» يعني إن تصرف فيه ببيع، والفاعل المشتري، يعني أن المشتري باعه على آخر «فله» أي: للشفيع وهو الشريك الأول «أخذه» أي: أخذ الشقص «بأحد البَيْعَيْن».

مثاله: باع الشريك وهو زيد على عمرو نصيبه من الملك، ثم باع عمرو نصيبه على بكر، فعندنا الآن بيعان، بيع زيد على عمرو، وبيع عمرو على بكر، فبم يأخذ الشريك؟ أيأخذ بالبيع على عمرو، أم بالبيع على بكر؟ يقول المؤلف: «له أخذه بأحد البيعين»، والغالب أنه سوف يأخذ بالأقل ثمناً، وقد يأخذ بالأكثر إذا كان هناك مماطلة.
فلو باع الشريك الذي هو زيد نصيبه على عمرو بمائة ألف، ثم إن عمراً باعه على بكر بمائتي ألف، فشريك زيد هنا يأخذ بالبيع الأول، فإذا أخذه بالبيع الأول سوف ينتزع ملكه من بكر وسيعطيه مائة ألف، فأين تذهب مائة الألف التي سلَّمها بكر؟ نقول: يرجع بها على من باع عليه وهو عمرو.
فإذا كان العكس بأن باعه زيد على عمرو بمائتي ألف، وعمرو باعه على بكر بمائة ألف، فالشريك الآن لا شك أنه سيأخذ بالثاني، فإذا أخذ بالثاني سوف يعطي بكراً مائة ألف، وبكر لن يرجع على أحد؛ لأنه لم يُضَمَّن شيئاً، سلَّم مائة ألف وأُخِذَ منه الشقص وأعطي مائة ألف.
المهم أنه إذا بيع فللشفيع أخذه بأحد البَيْعَيْن، وإن بيع ثلاث مرات أو أربع مرات فيأخذ بما يرى أنه أنسب له سواء كانت أول بيعة أو آخر بيعة أو ما بينهما، والرجوع كلٌ يرجع على من أخذه منه بما زاد على ما أعطي.
فتصرفات المشتري في الشقص تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: تصرف بلا عوض لا تثبت به الشفعة، وهو الوقف والهبة، والراجح ثبوت الشفعة.

الثاني: تصرف بعوض ينقل الملك وهو البيع فله أخذه بالشفعة بأحد البيعين.
الثالث: تصرف بعوض لا ينقل الملك وهو الرهن والإجارة، والمؤلف يرى سقوط الشفعة بالرهن والإجارة، والصحيح أن ذلك لا يسقط الشفعة وأن للشريك أن يأخذ الشقص.
قوله: «وللمشتري الغلة» أي: لمشتري الشقص الغلة.
مثال ذلك: رجلان شريكان في عمارة وأجَّراها السنة بمائة ألف، ثم إن أحد الشريكين باع نصيبه على شخص، وخفي على الشريك أنه باع حتى مضى أربعة أشهر، فالغلة في هذه أربعة الأشهر للمشتري، وتعليل ذلك أنه نماء ملكه، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضمان» 1 فهو ملكه مضمون عليه فتكون له غلته.
قوله: «والنماء المنفصل» فله ـ أيضاً ـ النماء المنفصل، مثاله: رجل باع نصيبه من النخل قبل أن يثمر ولم يطالب الشريك إلا بعد أن خرجت الثمرة وجذها، فانفصلت الزيادة فتكون للمشتري؛ لأنها نماء ملكه.
قوله: «والزرع» فلو أن الشريك باع نصيبه على شخص،

وزُرِعت الأرض فالزرع للمشتري ما دام قد ظهر، أما إذا كان حباً مدفوناً في الأرض فإنه يتبعها، لكن إذا ظهر فإنه يكون للمشتري؛ لأنه برز وبان وتعلقت به نفسه، فيبقى في الأرض حتى الحصاد.
قوله: «والثمرة الظاهرة» تكون ـ أيضاً ـ للمشتري حتى وإن لم تؤبر، ففي هذا الموضع لم يفرقوا بين المؤبر وغير المؤبر، وجعلوا الثمرة الظاهرة نماءً منفصلاً.
ولكن الصحيح أنها إذا لم تؤبر فإنها تتبع قياساً على البيع، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للذي باعها» 1. وعلم من قول المؤلف: «النماء المنفصل» أن النماء المتصل يتبع وليس للمشتري منه شيء، مثاله: اشترى نصيب زيد من النخل، والنخل ما زال غراساً صغيراً وبقي الشريك لم يعلم أن شريكه قد باع، ونما النخل وكبر، فهل هذا النماء للمشتري، أو ليس له؟ مفهوم كلام المؤلف يدل على أنه ليس له؛ لأنه نماء متصل مع أن المشتري تعب عليه، وخسر في إصلاح الأرض وحرثها وجلب الماء له، المهم أنه خسر عليه، ومع ذلك يقولون: ليس له شيء، لأن هذا نماء متصل فيتبع.
لكن القول الراجح ـ بلا شك ـ أن النماء المتصل كالمنفصل يكون لمن انتقل إليه الملك ولا فرق، وهذا هو

العدل؛ لأن الرجل تعب عليه، ونما بسبب عمله، ومثل ذلك الشاة في غير الشفعة إلا على القول الراجح إذا سمنت، فإن النماء المتصل يكون للمشتري.
إذاً الصواب خلاف مفهوم كلام المؤلف، وكلام المؤلف يدل على أن النماء المتصل يتبع العين وليس للمشتري شيء، والقول الراجح أنه لا يتبع، ولكن إن لم يمكن فصله فحينئذ تقدر قيمته للمشتري، بأن يقوَّم النخل وهو فسيل صغير ويقوَّم وهو كبير قد نما، فتقوَّم الأرض وفيها النخل على صفته حين البيع، ثم تقوَّم وفيها النخل على صفته حين الأخذ بالشفعة، والفرق بين القيمتين يكون للمشتري؛ لأنه قيمة النماء المتصل، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ولا شك أن هذا هو العدل، فالعدل أن يعطى كل إنسان ما تعب عليه وعمل فيه، ويدل لهذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1 فإن مفهومه أن العرق غير الظالم له حق، والمشتري عرق غير ظالم فله الحق.
قوله: «فإن بنى أو غرس فللشفيع تملكه بقيمته وقلعه ويَغرم نقصه».
قول المؤلف: «فإن بنى أو غرس» يتنافى مع قوله فيما سبق إن الشفعة تكون على الفور، فكيف يكون بناء وغراس والشفعة على الفور؟! نعم قد يحصل ذلك بأن يكون هناك حيلة بأن يخفى على الشريك البيع، فيأتي المشتري وكأنه وكيل لشريكه ثم يعمل،

والشريك يظن أن هذا وكيل ولا يدري أنه انتقل الملك، وبعد ذلك يعلم أنه انتقل الملك، فحينئذ يتصور أن المشتري يبني ويغرس، فإذا بنى أو غرس يخيَّر الشفيع بين أمرين: بين تملكه بقيمته أو قلعه ويغرم النقص، فإن اختار التملك فله ذلك، ولكن كيف نعرف قيمة الغراس والبناء؟ نقدِّر الأرض خالية منهما ثم نقدِّرها وهما فيها، والفرق بين القيمتين هو قيمة الغراس والبناء.
فإن قال قائل: لماذا لا نعطيه قيمة الغراس والبناء من أصله؟ نقول: هذا لا يستقيم؛ لأن الأمور قد ترخص وقد تزيد وقد تكون قيمة المواد قبل أن تُبْنى ويؤلف بينها شيئاً وقيمتها بعد البناء شيئاً آخر، والعدل هو أن تقوَّم الأرض خالية من الغراس والبناء، ثم تقوم وفيها الغراس والبناء، فما بين القيمتين يكون هو قيمة الغراس والبناء.
فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن يبقى الغراس والبناء وأنا أعطيكم القيمة فإننا نقبل، وإن قال: أنا لا أريد أن يبقى الغراس والبناء؛ لأني أريد أن أبني الأرض على شكل آخر غير الشكل الموجود، فهل له الحق أن يقلعه؟ نعم له الحق، فإذا قال المشتري: هذه أدواتي وآلاتي، هذا حديدي، وهذا لَبِني، وهذه أبوابي فلا تتصرف فيها، نقول له: تصرف فيها واقلعها لكن تغرم النقص، فإذا قدرنا أن الأبواب واللبن نقصت بعد قلعها فإنه يضمن نقصها.
والغراس كذلك يضمن النقص فيه، فإذا نقصت الشجرة بعد قلعها يضمن نقصها، فإن كانت الشجرة بعد قلعها لا يمكن أن تنمو فإنه يضمنها كلها.

فإذا قال قائل: لماذا تضمِّنونه النقص وفي الغصب لا تجعلون للغاصب حقاً؟ نقول: لأن المشتري غرسها وبنى بحق، أما الغاصب غرس وبنى بلا حق فلا شيء له، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس لعرق ظالم حق» 1 فمفهومه أن العرق غير الظالم له حق.
فإذا قال الشفيع: أنا أريد أن أهدم البناء وأقلع الغرس ولكن لا أضمن النقص.
قلنا: إذن تسقط شفعتك ولا حق لك، وتبقى الأرض والبناء والغراس للمشتري.
قوله: «ولربه أخذه بلا ضرر» إذا تعارض رأي المالك ـ أي: مالك الغراس والبناء ـ ورأي الشفيع، فالشفيع يقول: أنا أريد أن آخذها وثَمِّنُوها علي، وقال ربها: أريد أن آخذها، أنا لي مكان آخر وسوف آخذ هذا الغراس وأغرسه في مكانه، فالقول قول ربها؛ لأنه ملكه.
لكن المؤلف ـ رحمه الله ـ قيد هذا وقال: «بلا ضرر» ولا مضارة، ولا بد من هذا فإن كان هناك ضرر فإنه لا يمكن أن يزال الضرر بمصلحة؛ لأن أخذ ربها له مصلحة له، لكن يتضرر رب الأرض، ومن المعلوم أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، لا سيما إذا علمنا أن صاحبها أي: المشتري يريد أن يأخذ الغراس والبناء مضارة لا لمصلحة، وهذا قد يقع، وإن كان قد لا ينتفع به، فيقول: أنا أريد أن أهدم البناء وأنا أعرف الآن أنني لا أنتفع

بالحديد ولا اللبن، نقول: هذا سفه ولا يمكن أن نمكنك من السفه فإن الله يقول: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *﴾ [النساء: 5] فنمنعه.
إذاً نمنعه في حالين: الأولى: إذا كان على الأرض ضرر.
الثانية: إذا كان المشتري لا ينتفع بها، فنكون زدنا على كلام المؤلف: «بلا ضرر» إن كان يمكنه الانتفاع بها؛ لأنه إذا كان ضرر فإنه لا يمكن أن يقع الإنسان في ضرر لأجل مصلحة؛ لأن دفع الضرر مقدم على المصلحة.
وإن لم يكن ضرر، لكن يفسد هذا الغراس والبناء، فإننا لا نمكّن المشتري من ذلك؛ لأن هذا من باب إضاعة المال والسفه، وقد نهى النبي صلّى الله عليه وسلّم عن إضاعة المال (1)، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *﴾ [النساء: 5].
والغريب أن الأصحاب ـ رحمهم الله ـ يخالفون كلام المؤلف يقولون: له أخذه ولو تضررت الأرض ولو مع ضرر، لكن هذا القول ـ أي: المذهب ـ ضعيف، وهذا يدلنا على أن صاحب الكتاب لم يلتزم بالمذهب في جميع المسائل، وهذا كثير لمن تدبره، يعني لو أن أحداً تدبر هذا الكتاب منطوقاً ومفهوماً وإشارة لوجد فيه أشياء كثيرة تخالف المشهور من المذهب.

وَإِنْ مَاتَ الشَّفِيعُ قَبْلَ الطَّلَبِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ لِوَارِثِهِ، وَيَأْخُذُ بِكُلِّ الثَّمَنِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ.

قوله: «وإن مات الشفيع قبل الطلب بطلت وبعده لوارثه» فإذا مات الشفيع ـ وهو الشريك الأول ـ قبل أن يطالب بالشفعة فإن الشفعة تبطل وليس لوارثه المطالبة بذلك، أما إذا كان بعد المطالبة فإن1

الوارث يأخذ بها، والمطالبة أن يقول: أنا أريد أن أشفع، ولي الحق في هذا، والأخذ أن يقول: أخذته بالشفعة، فيصرح بأنه تملكه.
وهذا يشبه من بعض الوجوه الخِطبة والعقد، فالخطبة إبداء الخاطب الرغبة في هذه المرأة، والعقد تملكه إياها بعقد النكاح.
فالشفيع إذا مات قبل أن يطالب فإنه لا شفعة له؛ لأنه لم يطالب، ولا لوارثه؛ لأن الشفعة حق للشفيع حيث إن الخيار له، فلما مات ولم يختر لم يكن لوارثه أن يختار، كخيار الشرط.
قالوا: لأنه يشبه مَنْ أَوْجَبَ البيعَ ثم مات قبل قبول المشتري، فإن الإيجاب يبطل، قالوا: وكذلك الشفعة تبطل إذا مات قبل أن يطالب.
ولكن هذا القياس ليس بصحيح؛ لأنه إذا مات الموجب قبل القبول لم يتم البيع، فإن العقد لا يتم إلا بإيجاب وقبول، أما هذه المسألة فإن الشفعة ثبتت بمجرد بيع الشريك، فصارت حقاً للشفيع، وهي متعلقة بالمال لا ببدنه فإنها تبقى لمن ورث المال بعده، ونظير ذلك لو اشترى الإنسان شيئاً وتبين فيه عيب، ولكنه مات قبل أن يطالب به، فللورثة المطالبة به، مع أن صاحب السلعة ـ المشتري ـ لم يطالب، ولكننا نقول: لمّا لم يسقط حقه فإن الرد بالعيب متعلّق بماله الذي ورث من بعده.
فالقول الراجح في هذه المسالة أنه ينتقل حق المطالبة بالشفعة إلى الوارث؛ لأن هذا تابع للملك، فإذا مات الشفيع ولم يطالب فللوارث أن يطالب؛ لأن هذا من حقوق الملك، وإذا كان من حقوق الملك فإن الملك ينتقل بحقوقه، ولهذا نجد

في وثائق البيع قولهم: فصار المبيع ملكاً للمشتري بجميع حقوقه وحدوده، ومنها الأخذ بالشفعة، وهذا هو الصواب؛ لأنه حق ثابت فيورث عن الميت كما يورث المال، وكما تورث بقية الحقوق.
قوله: «ويأخذ بكل الثمن» (يأخذ) الضمير يعود على الشفيع وليس على الوارث، يعني من أراد أن يأخذ الشقص بالشفعة فإنه يأخذه بكل الثمن بدون مماكسة، وبدون أن يحاول تنزيل شيء من الثمن، فإذا كان المشتري ـ مثلاً ـ اشتراه بألف فيقال للشفيع: خذه بألف، فإذا قال: أنا آخذه بتسعمائة قلنا: سقطت شفعتك ولا تأخذه بأقل من ألف، نعم لو تم الأخذ ثم قال الشفيع للمشتري: أريد أن تسقط عني مائة من الألف فهذا جائز، لكنه ـ أيضاً ـ لا ينبغي للشفيع أن يسأل المشتري إسقاط شيء؛ لأن هذا من المسألة المذمومة، ولأنه قد يُحرِج المشتري فيضع من الثمن وهو لا يريد ذلك.
وأفادنا المؤلف بقوله: «بكل الثمن» أنه يأخذه بالثمن لا بالقيمة.
قوله: «فإن عجز عن بعضه سقطت شفعته» قوله: (إن عجز) الفاعل الشفيع، فإذا قال: أنا ليس عندي إلا تسعة آلاف، والثمن عشرة آلاف، سقطت الشفعة؛ لأننا لو قلنا بثبوت الشفعة مع إعساره ببعض الثمن صار في ذلك ضرر على المشتري، والمشتري سيُؤخذ منه الملك قهراً، فنضرُّه من جهتين، من جهة أننا أخذناه منه قهراً، ومن جهة أننا عاملناه بالأشد من جهة الثمن.

وظاهر قول المؤلف: أنه لا فرق بين أن يأتي برهن محرز أو كفيل مليء أو لا يأتي بشيء، ووجه ذلك أن المؤلف لم يستثن شيئاً.

وَالمُؤَجَّلُ يَأْخُذُهُ المَلِيءُ بِهِ، وَضِدُّهُ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ.

قوله: «والمؤجل» صفة لموصوف محذوف، والتقدير الثمن المؤجل.
قوله: «يأخذه» الفاعل يعود على الشفيع وهو الشريك.
قوله: «المليء به» المليء هو القادر على الوفاء بماله وقوله وبدنه.
القادر بماله: بمعنى أن يكون عنده مقدار الثمن، والقادر بقوله: أن لا يكون مماطلاً، والقادر ببدنه: أن يمكن إحضاره لمجلس الحكم، إذا دعت الحاجة إلى المحاكمة.
فمثلاً: إذا قُدِّر أن الشفيع فقير والثمن مؤجل، بأن يكون الشريك باع هذا الشقص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشريك أن يأخذ الشقص المبيع، نقول: إذا كان مليئاً يأخذه بثمنه المؤجل، فإذا كان يحل بعد سنة أخذه المليء لمدة سنة، فإذا كان الشفيع فقيراً وقال: الثمن لم يحل، وسوف يرزقني الله ـ عز وجل ـ في هذه المدة وأوفي، نقول: نعم إن الله على كل شيء قدير لكن هات كفيلاً يضمن، ولهذا قال: «وضده بكفيل مليء» فإذا حل الأجل ولم يسلم الشفيع أخذنا من الكفيل، فإذا كان الكفيل معسراً سقطت الشفعة، وإذا كان الشفيع غنياً وعنده مال لكنه معروف بالمماطلة؛ فالمماطل كالمعسر تماماً، وإن كان المماطل يمكن لصاحب الحق أن يطالبه

ويحبسه، لكن المشتري يقول: هذا رجل معروف بالمماطلة فلا أقبل منه، إلا إذا أقام كفيلاً مليئاً.
ويشترط ـ أيضاً ـ أن يكون المشتري الذي سيؤخذ منه الشقص قادراً على مطالبته ـ أي: مطالبة الشفيع ـ، فلو فرض أن الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم والثمن مؤجل، بأن يكون الشريك باع نصيبه على شخص بألف ريال إلى سنة، فأراد الشفيع أن يأخذ الشقص بثمنه المؤجل، وكان هذا الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم، فماذا يكون الحكم؟ نقول: أقم كفيلاً مليئاً تمكن مطالبته وإلا فلا شفعة لك، ومن المعلوم أن مثل هذا المليء المماطل لكونه ذا سلطان لا يمكن لأحد أن يجرأ عليه فيقول: أقم كفيلاً، فهذا شيء متعذر حسب العادة، فللمشتري أن يمنع من أخذه بالشفعة؛ وذلك لأنه لا يمكنه مطالبته عند حلول الأجل، ولا يمكنه أن يطالبه بكفيل مليء.
كذلك إذا كان المشتري لا يمكن أن يطالب الشفيع لكونه أباه؛ لأن الابن لا يمكن أن يطالب أباه إلا بنفقته الواجبة، فإذا كان له على أبيه دَيْن فإنه لا يمكنه مطالبته، حتى لو طالبه عند القاضي، فالقاضي لا يسمع دعواه، إلا في شيء واحد وهو النفقة الواجبة.
فإذا كان الشفيع أباً للمشتري وقال المشتري: لا يمكن أن يأخذه أبي؛ لأن أبي لا يمكنني مطالبته، فهل نقول: إن له أن يمتنع، أو نقول: إذا كان الأب يتملك من مال ولده ما شاء فليس لولده أن يمتنع؟ الثاني؛ لأنه لو فرض

أن الأب قال: أنا لا أريد أن آخذه بالشفعة، أنا أريد أن آخذه بالتملك، أيملك هذا أو لا؟ يملكه، فإذا أخذه بالشفعة زاد الابن خيراً؛ لأنه إذا أخذه بالشفعة فسوف يدفع الثمن، ولا يأخذه بالقوة.
إذاً يشترط بالإضافة إلى قولنا: إن المليء هو الذي يقدر على الوفاء بماله وحاله، أن لا يلحق المشتري ضرر؛ لكونه لا يستطيع مطالبته، والمثال الذي لا يتوجه عليه اعتراض هو أن يكون الشفيع من ذوي السلطان الذين لا تمكن مطالبتهم.
وقوله: «وضده بكفيل مليء» أي: ضد المليء، يعني إذا كان الشفيع غير مليء والثمن مؤجلاً، فللشفيع أن يأخذه ولو كان فقيراً بشرط أن يقيم كفيلاً مليئاً، وهنا نقول: هل المراد الكفيل بالبدن أو الكفيل بالمال؟ الثاني: لأنه أنفع، فهو يلتزم بإحضار الدين، وعلى هذا فالكفالة هنا بمعنى الضمان.
ومرّ فيما سبق أن الضمان والكفالة بينهما فرق، لكن هنا المراد بالكفالة الضمان، الذي يسميه العامة عندنا (كفيلاً غراماً) يعني أنه ضامن.

وَيُقْبَلُ فِي الخُلْفِ مَعَ عَدَمِ البَيِّنَةِ قَوْلُ المُشْتَرِي، فَإِنْ قَالَ: اشْتَرَيْتُهُ بِأَلْفٍ أَخَذَ الشَّفيعُ بِهِ وَلَوْ أَثْبَتَ البَائِعُ أَكْثَرَ.

قوله: «ويقبل في الخُلْف مع عدم البينة قول المشتري» يعني إذا اختلف الشفيع والمشتري فقال الشفيع: قيمة الشقص ألف، وقال المشتري: بل قيمته ألف ومائة، فالقول قول المشتري؛ لأن المشتري غارم إذ أنه سيؤخذ منه الشقص ـ لو قبل قول الشفيع ـ بأقل مما غرم، فيكون القول قول المشتري، ولأن أخذه منه عن طريق التملك القهري، وإذا كان مأخوذاً منه قهراً فإن المرجع في

تقدير ثمنه إليه، ولهذا يجوز له أن يمنع الأخذ بالشفعة إلا إذا سلم الشريك الثمن.
لكن لو كان هناك بينة على أن البيع بألف، فالقول ما شهدت به البينة، وهنا يجب أن ننتبه إلى شيئين: الأول: كل من قلنا القول قوله فلا بد من يمينه، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1، ولاحتمال صدق خصمه.
الثاني: أن لا تكون دعواه مخالفة للعرف، فإن كانت مخالفة للعرف سقطت، فلو ادعى المشتري في المثال الذي ذكرنا أن قيمة الشقص عشرة آلاف وهو لا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع، وهذا ـ أيضاً ـ إذا أمكن؛ لأن كل دعوى لا تمكن غير مقبولة، فإذا كان هذا الشقص لا يساوي عشرة آلاف، ولا يساوي إلا ألفاً فالقول قول الشفيع ويحلف، وإذا كان يساوي خمسة آلاف فهنا لا نقبل قول الشفيع ولا قول المشتري؛ لأن المشتري زاد خمسة آلاف على المعتاد، وهذا نقص أربعة آلاف عن المعتاد فلا يقبل.
قوله: «فإن قال» أي: المشتري.
قوله: «اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر» بأن قال البائع للمشتري: قد بعته عليك بألفين وأقام

بينة، فهنا يثبت على المشتري ألفان، بمقتضى دعوى البائع الثابتة بالشهود.
بقي علينا هل يثبت على الشفيع ما ثبت على المشتري ونقول: يجب على الشفيع أن يدفع ألفين، أو نقول: لا يلزم الشفيع إلا ما أقر به المشتري وهو ألف؟ يقول المؤلف: «فإن قال: اشتريته بألف أخذ الشفيع به ولو أثبت البائع أكثر» لماذا؟ لأن البائع لما أثبت أنه بألفين بالشهود أي بالبينة، لزم المشتري ما شهدت به البينة، أما بالنسبة للشفيع، فالشفيع يقول: أنا لا يلزمني إلا ما أقر به المشتري، والمشتري أقر بأنه بألف فلا يلزمني أكثر مما أقر به، وكيف يعطيه ألفين وهو يقول: إني اشتريته بألف؟! فصار لدينا حقان: الأول: حق البائع على المشتري وثبت أنه ألفان.
الثاني: حق المشتري على الشفيع وثبت بأنه بألف بإقرار المشتري، وهنا تتبعض الأحكام؛ لاختلاف أسبابها، ولكن لو قال المشتري: أنا نسيت أو غلطت، أو أنا رجل لا أدري عن تجارتي، تجارتي بيد عمالي فظننت أنه بألف فقلت: بألف، فهل يقبل قوله في هذه الحال أو لا يقبل؟ لا يقبل؛ ويقال: إن غلطك على نفسك وإن جهلك على نفسك وإن نسيانك على نفسك ولا نقبل قولك، لا عذر لمن أقر، وهذا هو المشهور من المذهب أنه يرجع إلى إقراره ولو ثبت بالبينة أن البيع كان بأكثر مما أقرّ به، والقول الثاني: أنه إذا ثبت بالبينة أنه بأكثر وجب الأخذ به، وهذا القول تطمئن إليه النفس؛ لأن النسيان والغلط واردان.

فإن ادعى نسياناً أو غلطاً ولم تكن بينة تدل على أنه ناسٍ أو غالط فهل يقبل قوله؟ المذهب لا يقبل، والقول الثاني: أنه إذا كان معروفاً بالصدق وكان ما ادعاه أقرب إلى موافقة القيمة مما أقرّ به فإن القول قوله بيمينه.
فإن ادعى غلطاً أو نسياناً وليس معروفاً بالصدق، أو ادعى غلطاً أو نسياناً لكن ادعى قدراً بعيداً عن القيمة فإنه لا يقبل قوله، فإن صدقه الشفيع قبل قوله ولا إشكال؛ لأن الحق له.
وقوله: «ولو أثبت البائع أكثر» فإن أثبت البائع أقل ـ عكس المسألة ـ فقال: اشتريته بألف، وأثبت البائع أنه بثمانمائة، فماذا نقول؟ نقول: إنه هنا يأخذه الشفيع بما أثبته البائع؛ لأنه ظهر كذب المشتري أو غلطه أو جهله.

وَإِنْ أَقَرَّ البَائِعُ بِالبَيْعِ وَأَنْكَرَ المُشْتَرِي وَجَبَتْ. وَعُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى المُشْتَرِي، وَعُهْدَةُ المُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ.

قوله: «وإن أقر البائع بالبيع وأنكر المشتري وجبت» أي: الشفعة فإذا قال البائع لشريكه: إني بعت نصيبي على فلان، وقال فلان: لم أشتره منك، يقول المؤلف: «وجبت» أي: الشفعة؛ لأن البائع أقر بأن الملك انتقل إلى المشتري، وبإقراره تثبت الشفعة، ولا نلزم المشتري بذلك؛ لأنه ليس عند البائع إلا الدعوى أما لو أقام بينة بأنه باعه فالأمر واضح.
فصار في كلام البائع إقرار ودعوى، إقرار بالنسبة للشفيع، ودعوى بالنسبة للمشتري، فالمشتري، يقول: أبداً أنا ما اشتريت، فالمشتري بريء وليس عليه شيء حتى يقيم البائع البينة، والصواب أن نقول في التعبير: المدعى عليه الشراء؛ لأنه لم يثبت أنه مشترٍ فلا شيء عليه، ولكن تثبت الشفعة، فيقال للبائع: بكم بعت؟ فإن

قال: بعت بألف، فإن الشفيع يأخذه بألف.
قوله: «وعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع» أصل العهدة ما يتعهد به الإنسان لغيره، والمراد بها ما يترتب على العقد؛ وذلك لأن المتعاقدين قد تعهد كل منهما للآخر بما يقتضيه ذلك العقد، وهي ما نعرفه بالمسؤولية التي يطالب بها الإنسان، فمسؤولية الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، يعني لو ظهر أن الشقص مغصوب، أو أنه ملك لغير البائع، أو ما أشبه ذلك، أو أن البائع باعه على شخص ثم باعه مرة أخرى ـ وهذا ربما يقع ـ فالعهدة على من؟ عندنا ثلاثة: بائع ومشترٍ وشفيع، عهدة الشفيع على المشتري، فالشفيع لا يبحث إلا عن المشتري، فلو ذهب إلى البائع وقال: وجدت أن الأرض فيها عيب أو أن الأرض مملوكة، أو أن الأرض مرهونة، فهل يملك الشفيع أن يطالب البائع؟ لا، سيقول البائع له: عهدتك على المشتري، أنا ما بعت عليك، إذاً عهدة الشفيع على المشتري، وعهدة المشتري على البائع.
ولو أن الشفيع طالب البائع بالعهدة فإنه ليس له حق، إلا في مسألة مرَّت علينا، وهي إذا أقرّ البائع بالبيع وأنكر المشتري، فهنا عهدة الشفيع على البائع؛ لأن المشتري لم يثبت أنه اشترى، فعليه يحتاج أن يستثنى من هذا، فعهدة الشفيع على المشتري وعهدة المشتري على البائع، إلا فيما إذا ادعى البائع البيع وأنكر المشتري فإن الشفيع ليس له عهدة على المشتري.

ومن هنا نعرف أن ما يفعله الآن بائعو السيارات غلط محض تجده يشتري السيارة ثم يبيعها والثاني يبيعها والثالث يبيعها، وتكتب السيارة باسم الرابع على أنه اشتراها من الأول وهذا غلط وحرام؛ لأنه كذب وتترتب عليه عُهَدٌ؛ فلو ظهر أن السيارة مسروقة فالمشتري الرابع يطالب الأولَ حسب الوثيقة، وقد تكون مطالبة الأول صعبة، لكنه يجب في هذه الحال أن يقال: فلان باع السيارة على زيد، وزيد باعها على عمرو، وعمرو باعها على خالد، وخالد باعها على بكر، يجب التسلسل؛ من أجل أن يعود كل إنسان إلى من باع عليه حتى لا يقع الغلط.

بَابُ الوَدِيعَة

قوله: «الوديعة» وزنها الصرفي (فعيلة) وثبتت الياء في الميزان؛ لأنها زائدة وهذه قاعدة صرفية أن الحرف الزائد في الميزان يؤتى به بلفظه، فمثلاً قائم على وزن فاعل؛ لأن الألف زائدة، ويُقَام على وزن (يُفعَل) وجعلنا الألف في «يقام» عيناً لأنها أصلية وليست زائدة، فالوديعة فعيلة، وحروفها الأصلية هي الواو، والدال، والعين، ولهذا نقول في وزنها: فعيلة، فنأتي بالياء وبالتاء؛ لأنهما حرفان زائدان، وهي بمعنى مفعولة، أي: مُودَعة.
ومعنى الإيداع: إعطاء المال لمن يحفظه لصاحبه، وهي بالنسبة للمودِع مباحة، يعني يباح أن يودِع الإنسان ماله، وهي بالنسبة للمودَع سُنَّة بشرط أن يكون قادراً على حفظها وصيانتها والعناية بها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195] فهي من الإحسان؛ لأن الرجل إذا أعطاك شيئاً تحفظه له فلولا أنه محتاج إلى ذلك ما أعطاك، وإذا كان محتاجاً إلى هذا وقضيت حاجته كان ذلك من الإحسان المأمور به المحبوب إلى الله، وقد ثبت في الحديث الصحيح أن الله ـ تعالى ـ في حاجة العبد ما كان العبد في حاجة أخيه 1. مثال ذلك: رجل أعطى شخصاً بقرته وديعة، فصاحب

البقرة يجوز أن يعطيها وديعة لهذا الشخص، والمودَع الذي سيأخذ البقرة يجوز أن يقبل البقرة وديعة، بشرط أن يكون قادراً على مؤونتها وحفظها وإلا فلا يجوز، ولو فرض أن صاحب البقرة أراد أن يودعها عند من يضيعها، فلا يجوز له أن يودعها؛ لأنها حيوان يحتاج إلى رعاية وعناية، بخلاف المال فالمال لا حياة فيه.
فعندنا مودِع، ومودَع، ومودَع إليه، فالمودِع: صاحب المال، والمودَع: المال، والمودَع إليه: المؤتمن.
المؤلف لم يتكلم على هذا، وكأنه ـ رحمه الله ـ علم أن المسألة واضحة فلم يتكلم عليه، وتكلم على الآثار المترتبة على الوديعة.
وبهذا التعريف للوديعة يتبين لنا أن قول العامة ـ الآن ـ إذا جعلوا أموالهم عند البنوك أو ما يُلحَق بها هي وديعة، يتبين أن هذا القول غير صحيح؛ لأنهم لم يجعلوا الدراهم عند البنك أو ما يقوم مقامه، لم يجعلوها للحفظ، إذ إن الدراهم ستجعل في صندوق البنك وسيتصرف فيها، فهو في الحقيقة قرض وليس بوديعة، ولهذا نص الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على أن المودِع إذا أذن للمودَع أن يتصرف في الوديعة صارت قرضاً، فكلمة إيداع خطأ؛ لأن الإيداع أن يبقى المال لصاحبه على ما هو عليه، فهي في الحقيقة إقراض وليست إيداعاً، ولذلك لو كانت إيداعاً لقلنا: يجب على البنك أن يجعلها في غلافها وألا يتصرف فيها.
يترتب على هذه المسألة لو أن البنك احترق بأمواله بدون

تعدٍّ ولا تفريط، فإذا قلنا: إن وضع المال فيه وديعة، فلا ضمان عليه، وإذا قلنا: إنه يتصرف فيه بإذن صاحب المال للبنك صار ضامناً، كما لو احترق مال المستقرض فإن القرض ثابت في ذمته.

إِذَا تَلِفَتْ مِنْ بَيْنِ مَالِهِ وَلَمْ يَتَعَدَّ وَلَمْ يُفَرِّطْ لَمْ يَضْمَنْ.
وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا، فَإِنْ عَيَّنَهُ صَاحِبُهَا فَأَحْرَزَهَا بِدُونِهِ ضَمِنَ، وَبِمِثْلِهِ أَوْ أَحْرَزَ فَلاَ.

..................... قوله: «إذا تلفت من بين ماله ولم يتعد ولم يفرط لم يضمن» وإن تلفت مع ماله فمن باب أولى، فقوله: «إذا تلفت» يعني الوديعة «من بين ماله» بأن احترقت أو أفسدها المطر أو سرقها السراق دون أن يتأثر ماله بذلك، فلا ضمان على المودَع؛ لأنه أمين قبض المال بإذن من مالكه، فكل من قبض مال غيره بإذن منه أو من الشارع فإن يده يد أمانة، والقاعدة في الأمين أنه لا يضمن ما تلف تحت يده إلا بتعدٍّ أو تفريط بدليل قول الله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: 91] والمودَع محسن، فإذا كان محسناً فلا ضمان عليه، لكن إن تعدى أو فرط ضمن.
فإن تعدى بأن أخذ الوديعة، أو فك قيدها، أو فرط بأن وضعها في غير حرز ضمن، والفرق بين التعدي والتفريط من حيث العموم، أن التعدي فعل ما لا يجوز، والتفريط ترك ما يجب، فإذا كان المودَع طعاماً فأكله المودَع عنده، فهذا تعدٍّ، وإذا كان طعاماً وأبقاه في ليالي الشتاء في الخارج فتلف، فهذا تفريط؛ لأنه ترك ما يجب.
فإذا قال قائل: لماذا قال المؤلف: «من بين ماله» ولم يقل: إذا تلفت ولم يتعدَّ ولم يفرط لم يضمن؟

قلنا: إنه قال هذا إشارة إلى قول بعض العلماء إنها إذا تلفت من بين ماله فهي مضمونة مطلقاً؛ لأن تلفها من بين ماله يدل على نوع تفريط، وإلا فما الذي جعلها تتلف دون ماله؟! ولكن الصحيح ما قاله المؤلف: أنه لا ضمان على المودَع عنده إلا بتعدٍّ أو تفريط.
ثم قال مبيناً ما يجب على المودَع عنده: «ويلزمه» أي: المودَع عنده.
قوله: «حفظها في حرز مثلها» الحرز ما يصون الشيء ويحميه، وهو يختلف بعدة اعتبارات، فيختلف باختلاف الأموال وباختلاف البلدان وباختلاف السلطان قوة وضعفاً وعدلاً وجَوراً، وباختلاف الأموال، فليس حرز الذهب والفضة كحرز الأواني، فالأواني تودع في ظاهر البيت في الحجر والغرف بدون أغلاق وثيقة، والذهب والفضة في الصناديق في أغلاق وثيقة، والمواشي كالإبل حرزها الحوش المحصن القوي، والضأن في حوش دون ذلك.
وكذلك تختلف باختلاف البلدان، فالبلد الذي فيه جنود الأمن منتشرة ليس كالبلد مفتوح الأبواب ليس فيه أحد من قوى الأمن، فهذا أولى بالتحرز، وكذلك في السلطان، فالسلطان إذا كان قوياً هان الاحتراس، وإذا كان ضعيفاً يجب أن يشتد الاحتراس، وكذلك في العدل والجور.
فإذا أودعه شاة أيضعها في الصندوق الوثيق؟! لا، فلو فرض أنه وضعها لصار ضامناً؛ لأنه تعدى إذ ليس هذا مكاناً لها.
قوله: «فإن عينه صاحبها» أي: عيَّن الحرز.

قوله: «فأحرزها» أي: حفظها.
قوله: «بدونه ضمن» أي: عيَّن صاحبها الحرز فأحرزها بدونه، ولو كان الحرز الذي أحرزها به حرز مثلها عادة، فإنه يضمن، فلو أعطاه كتاباً وقال: احفظ هذا الكتاب في الصندوق الحديدي ـ أي: خزانة الذهب والفضة، وهي خزانة قوية ثقيلة ـ فحفظه في حقيبة عادية، فجاء السارق فسرقه هو والحقيبة، مع أن الحقيبة عادة حرز للكتاب فهنا عليه الضمان؛ لأنه حفظها بأدنى مما عينه صاحبها، فإذا قال المودَع عنده: أنا حفظتها في حرز مثلها، وكل الناس يجعلون الكتب في الحقائب وربما جعلوها في الرفوف بارزة، نقول: لكن صاحب الكتاب عَيَّنَ، فلماذا لم تقل له: لا، حينما قال: ضعه في الصندوق الحديدي؟ أما أن تأخذها على أنك ستضعها فيما عين، ثم تحرزها بما دونه فعليك الضمان.
قوله: «وبمثله» فلا ضمان.
قوله: «أو أحرز فلا» أي: فلا ضمان، مثل أن يقول له: خذ هذا الكتاب اجعله في هذا الصندوق، ويعين، فأخذه وجعله في صندوق مثله فهنا لا ضمان، إلا أن يتميز الصندوق الذي عينه بزيادة حرز، لكونه داخل البيت ـ مثلاً ـ أو نحو ذلك فهنا يضمن، أما إذا عين فأحرزها بأقوى فلا ضمان، مثل أن يقول: احفظها في هذا الصندوق، والصندوق صغير يمكن للسراق أن يحملوه، فأحرزها في صندوق أكبر فإنه لا يضمن؛ لأنه أحرز.
ولو أن رجلاً عنده ستة صناديق حديدية من الباب إلى نهاية

الحجرة وقال له: احفظها في آخر ما يكون، فأحرزها في الأول فهل يضمن أم لا؟ هنا يمكن أن نقول: إن آخر صندوق قد يكون أحرز؛ لأنه أبعد من أن يأخذه السارق أو يكسره، وقد لا يكون أحرز؛ لأن السارق سيقع في نفسه أن الصندوق الأبعد هو الذي فيه المال، فالظاهر أنه في مثل هذه الحال يقال: إنه أحرزه بمثله؛ لأن كل واحد منها أحرز من الآخر من وجه، فإن لم يكن كذلك فيرفع الأمر إلى القاضي ويحكم بما يراه صواباً.

وَإِنْ قَطَعَ العَلَفَ عَنِ الدَّابَةِ بِغَيْرِ قَوْلِ صَاحِبِهَا ضَمِنَ.
وَإِنْ عَيَّنَ جَيْبَهُ فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ أَوْ يَدِهِ ضَمِنَ وَعَكْسُهُ بِعَكْسِهِ، وَإِنْ دَفَعَهَا إِلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالَهُ أَوْ مَالَ رَبِّهَا لَمْ يَضْمَنْ

................ قوله: «وإن قطع العلف» الضمير يعود على المودَع.
قوله: «عن الدابة» يعني المودَعة.
قوله: «بغير قول صاحبها ضمن» لأنه مفرط بلا شك.
ولكن إذا قال المودَع: أنا قطعت العلف عنها؛ لأني لا أريد أن أنفق عليها من مالي؛ لأن العلف غالٍ، ولا أدري متى يأتي صاحبها؟ قلنا له: أنت مفرط بلا شك؛ لأنك إذا أنفقت عليها، فسوف ترجع على صاحبها، فليس عليك ضرر.
وهذه المسألة لا تخلو من ثلاث حالات: الحال الأولى: أن يودعه الدابة ويقول: يا فلان أنفق عليها.
الحال الثانية: أن يودعه ويقول: لا تنفق عليها.
الحال الثالثة: أن يودعه ويسكت.
فعليه الضمان في حالين، ولا ضمان عليه في حال،

الحالان هما: إذا قال: أنفق عليها، أو سكت ولم ينفق، ففي هذين الحالين إذا تلفت الدابة فإنه يضمن؛ لأنه مفرط كما لو وضعها في برد قارس وهي لا تستطيع مقاومته، أو في حر شديد وهي لا تستطيع مقاومته فإنه يكون ضامناً.
وعُلِمَ من قول المؤلف أنه لو قال صاحبها: لا تنفق عليها فتلفت فإنه لا يضمن، وذلك بناء على أن ضمان البهيمة إذا تلفت جوعاً أو عطشاً من ضمان الأموال الصامتة التي لا روح فيها، والأموال الصامتة التي لا روح فيها إذا أتلفها الإنسان بإذن صاحبها فإنه لا يضمن، فهو كما لو أذن له في ذبحها فذبحها فإنه لا ضمان عليه.
هذا ما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ لكن فيه نظر، والقول الثاني أنه يضمن؛ لأن هذه نفس محترمة ليست كالمال، فالمال لا يتألم لكن هذه نفس تتألم، فَتَرْكُها تموت عطشاً وجوعاً إِثْمٌ يعذب عليه الإنسان في النار، فقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أنه رأى في النار امرأة عذبت في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي تركتها» 1 ويكون صاحبها قد أذن له في شيء محرم، ولا يجوز الموافقة على شيء محرم، فيكون عليه الضمان؛ لأنه لو شاء لقال لصاحبها ـ لما قال لا تنفق عليها ـ: إذاً لا أقبلها؛ لأنه يلحقني الإثم.

فالصواب أنه يضمن ولكنه في هذه الحال يُجعل ما ضمنه في بيت المال، ويُحْرَمُ إياه صاحبها ولا يعطى شيئاً؛ لأنها تلفت بقولٍ من صاحبها وقد رضي بتلفها عليه، لكننا نُضَمِّنُ هذا الذي وافقه على المعصية ونجعل ما ضمنه في بيت المال، هذا هو القول المتعين، وعليه يحمل قول من قال من الأصحاب: إنه يضمن، ويجعل في بيت المال جزاءً لصاحبها وعقوبة له.
قوله: «وإن عين جيبه فتركها في كمه أو يده» وتلفت.
قوله: «ضمن» أي: المودَع، بأن قال المودِع: اجعلها في جيبك يعني في المخباة التي في الجيب، ولكنه جعلها في كمه.
فإن قيل: كيف يجعلها في كمه والكم على قدر الذراع؟ فيقال: هذا كان معروفاً عند الناس فيما سبق، أن الرجل له أكمام ضافية واسعة من أجل أن يضعوا حوائجهم فيها.
فإذا عيَّن الجيب فربطها في كمه فسرقت، فعليه الضمان؛ لأن الجيب أحفظ؛ لأن الجيب لا يكاد أحد يقدم عليه؛ لأنه أمام الإنسان وعلى صدره، بخلاف الكم فإنه يمكن أن يتغافله إنسان ويحله ويأخذ ما فيه، على أن بعض السراق عندهم مهارة فائقة؛ ولهذا ينبغي للإنسان أن يتفطن لهم وأن يحترز، ولا يمكن أن يدرأ شر هؤلاء السراق إلا حُكْم أحكم الحاكمين ألا وهو قطع اليد، فلو قطعت أيدي السراق ما أقدم أحد على السرقة؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يُرخِص يده في شيء من المال.
وقوله: «أو يده» فتلفت فعليه الضمان.
فإذا قال قائل: أليس كونها في يده أحرز من كونها في جيبه؟

قلنا: لا؛ لأن الإنسان يعمل ويأخذ بيده، ويقبض ويسلم ويصافح، فربما ينسى ويضعها من يده في أي مكان وتضيع، فإذا عين جيبه وتركها في يده فضاعت ضمن.
قوله: «وعكسه بعكسه» يعني لو عين الكم فجعله في الجيب بأن قال: خذ هذه اجعلها في كمك فجعلها في جيبه فلا ضمان؛ للقاعدة السابقة: أنه إذا عين الحرز صاحِبُهَا، فأحرزها فيما هو أشد فلا ضمان، وكذا لو عين يده فجعلها في جيبه فإنه لا يضمن؛ لأن الجيب أحفظ من اليد.
فإذا قال قائل: إذا كانت الوديعة خاتماً وقال: اجعله في أصبعك، فجعله في جيبه، فيده لا شك أنها أحرز؛ لأنها إذا كانت في الجيب ربما مع السجود ـ مثلاً ـ أو خفض الظهر يسقط منه الخاتم، لكن في الأصبع لا يمكن أن يسقط إلا إذا حاول خلعه أو قُطعت الأصبع مع الخاتم.
إذاً إذا عين الجيب فجعلها في اليد فهو ضامن، إلا فيما إذا كان وجوده في اليد أحرز كما لو عين الجيب، والوديعة خاتم، وجعلها في أصبعه، فهذا لا شك أنه أحرز.
قوله: «وإن دفعها» الفاعل المودَع.
قوله: «إلى من يحفظ ماله» يعني لو أن المودَع عنده غلمان، أو خدم، أو أولاد يحفظون ماله فدفعها إليهم فإنه لا ضمان عليه؛ لأن هذا ما جرت به العادة، والإنسان الكبير السيد الشريف لا يمكن أن يتولى حفظ الودائع بنفسه، بل لا بد أن يكون له من يحفظ ذلك من خدم أو أولاد أو عبيد أو زوجات.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل