الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 285-324
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ النِّكَاحِ

صفحات 285-324
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فحينئذٍ يكون الأب تصرف لمصلحة الابن، فيجب المهر المسمى على الابن، ولو زاد على مهر المثل؛ لأن هذا التصرف من الأب لمصلحة الابن، فيكون في ذمة الزوج لازماً له.
ثانياً: قولهم: إنه إذا كان معسراً لم يضمنه الأب، فالصواب أنه إذا كان الأب قد أبلغ الزوجة، أو أولياءها، بأن ابنه معسر، وأنه ليس ضامناً، فهنا قد دخلوا على بصيرة، فليس لهم شيء، أما إذا لم يخبرهم فلا شك أنه ضامن؛ لأننا نعلم علم اليقين أن الزوجة وأولياءها لو علموا بإعسار الابن ما زوَّجوه.
فعلى هذا نقول في قول المؤلف: «لم يضمنه الأب» على إطلاقه: فيه نظر، والصواب في ذلك التفصيل، إن كان أعلمهم فلا ضمان عليه، وإن لم يعلمهم فعليه الضمان، لأنه غارٌ، والذي يطالَب بالمهر الزوج، فإن لم يمكن مطالبته، فالمطالب به الأب، واستقرار الطلب على الأب على كل حال، وإنما ابتداء الطلب على من استوفى المنفعة.

فَصْلٌ

وَتَمْلِكُ الَمْرأَةُ صَدَاقَهَا بِالعَقْدِ، وَلَهَا نَمَاءُ المُعَيَّنِ قَبْلَ القَبْضِ، وَضِدُّهُ بِضِدِّهِ،

قوله: «وتملك المرأة صداقها بالعقد»، من المعلوم أن المرأة إذا أصدقت شيئاً، فإما أن يكون معيناً، أو يكون غير معين، فالمعين مثل أن يقول: زوجتك ابنتي على هذه السيارة، أو هذه الدراهم، أو هذا البيت، أو الثوب، وغير المعين أن يقول: زوجتك ابنتي على عشرة آلاف ريال، يقول المؤلف: تملك صداقها بالعقد، سواء كان معيناً أو غير معين، فإذا كان معيناً فالأمر ظاهر، وإذا كان غير معين فما الفائدة؟ الفائدة أنه يكون لها في ذمة الزوج ديناً.
وقوله: «بالعقد» فإذا قال: زوجني ابنتك بهذا البيت، وتأخر العقد عشرة أيام، فالبيت قبل العقد ليس لها، وإنما يكون للزوج.
قوله: «ولها نماء المعين قبل القبض»، فالشيء المعين لها نماؤه بمجرد العقد، وإن لم تقبضه، فهذا البيت مثلاً عيَّنه، وعقد له عليها به، وتأخر الدخول لمدة سنة، فحصل في هذه السنة من أجرة البيت عشرة آلاف ريال، فهذه الأجرة تكون للزوجة.
كذلك لو كان المهر حيواناً كشاة مثلاً، وولدت قبل الدخول، فالأولاد للزوجة.
فإذا قال قائل: أليس من الممكن أن يطلقها الزوج؟ فالجواب: بلى، وإذا طلقها لم يكن لها إلا نصفه، ويرجع عليها بنصف المهر.

لكن هل يرجع عليها بنصف الأجرة التي أخذتها قبل الطلاق؟ الجواب: لا يرجع؛ لأنها ملكت الصداق، والأجرة نماء منفصل ملكتها بقبضها.
ولو أصدقها بقرة وعيَّنها، ثم إن المرأة جعلت تحلبها وتبيع الحليب، ثم طلقها قبل الدخول، فالذي يرجع عليه نصف البقرة، ولها اللبن الذي كانت تبيعه؛ لأنه نماء منفصل من عين تملكها كلها.
وقوله: «قبل القبض» فبعد القبض من باب أولى، فالمفهوم هنا مفهوم أولوي، ومعلوم أن المفهوم ثلاثة أقسام: مفهوم موافقة مساوٍ، ومفهوم موافقة أولوي، ومفهوم مخالفة.
فمثلاً: أكل مال اليتيم محرم، وإحراقه أولى؛ لأن الأكل فيه نوع انتفاع، أما هذا ففيه إتلاف وإضاعة مال، فلا انتفع به اليتيم، ولا الذي أحرقه.
وقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، لو قال شخص: ما أثقلكما عليّ وما أشدكما علي، وأنا متضجر منكما غاية التضجر وضربهما، فهذا حرام، وهو مفهوم موافقة أولوي.
وقد زعموا أن الظاهرية لا يرون تحريم ضرب الوالدين، قالوا: لأن الله يقول: ﴿فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ وهذا الذي ضربهما وما تكلم؛ فلا شيء عليه؛ لأنه ما قال: أفٍ!! ولكن هذا غير صحيح؛ لأنهم وإن كانوا لا يحرمونه من

جهة الخطاب، إلا أنهم يحرمونه من جهة أخرى وهي العقوق، وهذا من أعظم العقوق، وأما أن يشوَّه هؤلاء بأنهم يبيحون للإنسان أن يضرب والديه، فهذا القول غير صحيح ولا يجوز؛ لأنه تهمة لهم، وبعض الناس يأتي بمثل هذا على سبيل التندر والتنفير عن قولهم، وهذا لا يجوز؛ لأنهم علماء وبعضهم يريد الحق، ولكن ما كل من أراد الحق وفق له.
ومثال مفهوم المخالفة قول ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ: «في كل سائمة إبل» (1)، فمفهوم قوله: «سائمة» أن غير السائمة ليس فيها شيء.
قوله: «وضده بضده» يعني أن غير المعين ليس لها نماؤه، وغير المعين يشمل أمرين: ما كان دَيناً في الذمة، وما كان مبهماً في أشياء، فالمبهم في أشياء، مثل شاة من قطيع، أو بعير من إبل، أو قفيز من صبرة طعام، والدين في الذمة مثل عشرة آلاف ريال وله مائة ألف، فلو كسب قبل أن يقبضها العشرة، فليس لها شيء من الكسب والربح، وليس عليها زكاته.

وَإِنْ تَلِفَ فَمِنْ ضَمَانِهَا، إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَهَا زَوْجُهَا قَبْضَهُ فَيَضْمَنُهُ، وَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ،

....... قوله: «وإن تلف» أي: قبل القبض.
قوله: «فمن ضمانها»، أي: إن تلف المعين قبل قبضها، مثل أن يعين لها بعيراً، فيقول: مهرك هذا البعير، ثم إن البعير مات قبل القبض، فالذي يضمنه هي، ولا شيء على الزوج؛ لأن المهر معين وتلف على ملكها.1

قوله: «إلا أن يمنعها زوجها قبضه فيضمنه» يعني إذا منعها زوجها قبضه، مثل أن يصدقها بعيراً، فقالت: أعطني إياه، فقال: لا، انتظري، وأبى، ثم تلف فإنه يكون من ضمانه؛ لأنه هو الذي حال بينها وبين قبضه، فصار كالغاصب، وإذا كان غاصباً فعليه ضمانه، ثم عليه ـ أيضاً ـ ضمان كسبه في هذه المدة، فلو فرض أن البعير يؤجر، فعليه مع ضمانه إذا تلف ضمان كسبه؛ لأن لها نماء المعين كما سبق.
وإذا أمهرها ثمر بستانه، فإن كان ظاهراً، فيجوز أن يكون مهراً وإن لم يبد صلاحه، وليس كالبيع؛ لأن البيع عقد معاوضة صرفة، فلا يجوز؛ لنهي النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ عنه 1، أما هذا فيصح، مثل ما قالوا بجواز رهنه، ووقفه، والوصية به، فإن تلف فلها قيمته.
وقوله: «فيضمنُهُ» المتعين فيها الرفع، ولا يجوز النصب؛ لأننا لو قلنا: إنه معطوف على ما سبق صار التقدير إلا أن يمنعها زوجها قبضه، إلا أن يضمنه، وهذا لا يستقيم، وهذه ترد كثيراً في كلام العرب، والحديث، وفي كلام الناس، فإذا كان ما بعد الفاء جواباً لما سبق، أو بياناً لحكمه فإنه لا يكون تبعاً له في الإعراب، بل يكون مرفوعاً على الاستئناف.
قوله: «ولها التصرف فيه» الضمير في قوله: «لها» يعود على

المهر المعين، فلها أن تتصرف فيه؛ لأنها ملكته، وتتصرف فيه بكل أنواع التصرفات، ببيع، أو تأجير، أو رهن، أو وقف، أو هبة.
قوله: «وعليها زكاته» أي: إذا كان مالاً زكوياً، مثل أن يكون ذهباً أو فضة فإن عليها زكاته من حين العقد؛ لأنه معين، وهنا إشكال؛ لأنه من المعروف أن من شرط وجوب الزكاة استقرار الملك، وملك الزوجة على جميع الصداق ليس مستقراً؛ لأنه عرضة للسقوط، أو سقوط نصفه؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والخلوة فليس لها إلا نصف المهر، فكيف تلزم بزكاة المهر كاملاً؟! المذهب يقولون: الطلاق عارض، والأصل بقاء العقد، والطلاق الذي يسقط النصف أمر نادر، فلا عبرة به، ومن ثم ذهب الأصحاب ـ رحمهم الله ـ إلى أن الزوجة لا تملك إلا نصفه فقط، والباقي يكون مراعى، فإن ثبت ما يقرر المهر تبين أنها ملكته جميعه، وإلا فالنصف هو المتيقن، وهذا القول له وجهة نظر قوية؛ لأنه وإن كان الطلاق قبل الدخول نادراً لكنه واقع، فما دام عرضة للسقوط ففي إيجاب الزكاة فيه نظر، وعلى هذا فالمسألة فيها قولان: الأول: أنها تملك جميعه، ولها أن تتصرف فيه، وعليها زكاته.
الثاني: أنها لا تملك إلا نصفه، فتثبت هذه الأحكام في النصف، وتنتفي في النصف الثاني حتى يتبين استقرار المهر، فإذا تبين استقراره فعلى ما استقر.

مثال ذلك: رجل أصدق امرأة عشرة آلاف ريال معينة، ثم مضى عليها حول كامل ولم يدخل عليها، فالمذهب تزكي عشرة آلاف الريال كلها، يعني مائتين وخمسين ريالاً.
والقول الثاني: إن دخل عليها استقر المهر، فعليها الزكاة كاملة، وإلا فلو طلق فعليها نصف الزكاة، والنصف الثاني على الزوج؛ لأنه تبين أنها لا تملك إلا النصف.
وعلى المذهب إذا طلق قبل الدخول وقد أخرجت الزكاة، وبقي عندها تسعة آلاف وسبعمائة وخمسون ريالاً، تعطي الزوج خمسة آلاف كاملة، ويكون نقص الزكاة عليها.

وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ الخَلْوَةِ فَلَهُ نِصْفُهُ حُكْماً دُونَ نَمَائِهِ المُنْفَصِلِ، وَفِي المُتَّصِلِ لَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ بِدُونِ نَمَائِهِ،

.......... قوله: «وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكماً»، هذه المسألة فيما ينصف الصداق، والمراد بالدخول هنا الجماع، فإذا طلقها قبل الدخول فلها النصف.
وقوله: «أو الخلوة»، أي: أو قبل الخلوة فلها النصف كذلك، والمراد بالخلوة انفراده بها عن مميز، بمعنى أن يخلو بها في مكان ليس عندهما من يميز ويعرف؛ لأنه في هذه الحال يستطيع أن يقبلها، وأن يجامعها، وإذا كان عندها صبي في المهد فوجوده كعدمه؛ لأنه لو فعلا ما فعلا لا يدري، لكن لو كان عندهما صبي مميز وذكي ونبيه، فهذه ليست خلوة؛ لأن الزوج لا يستطيع أن يفعل شيئاً؛ إذ إن هنا عيناً عليه، أي: جاسوساً.
وقال بعض أهل العلم: إذا اتفق الزوجان على عدم حصول الجماع فإن الخلوة لا توجب المهر؛ لأن الأصل في أن الخلوة أوجبت المهر أنها مظنة الوطء، ولهذا اشترطنا أن لا يكون عندهما

مميز، وهذا القول هو ظاهر القرآن، قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، فظاهر قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أنه لو خلا بها بدون مس فلا شيء لها.
وقوله: «حكماً» أي أنه يدخل في ملكه شاء أم أبى، فهو ضد الاختيار، يعني له نصفه اختار أم لم يختر، مثل الميراث إذا مات الإنسان عن أخته الشقيقة مثلاً، فلها نصف المال رضيت أم أبت، فهذا كذلك إذا طلق فله نصفه حكماً ـ أي: قهراً ـ والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، فقوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ لكم أو عليكم لهن، إلا ﴿أَنْ يَعْفُونَ﴾ أي النساء، والنون ضمير النسوة، ولهذا يلغز بهذه المسألة على المبتدئين في النحو، ولو كان من الأفعال الخمسة لقال: إلا أن يعفوا.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ قيل: الولي، وقيل: الزوج، والصحيح أنه الزوج، فهو الذي بيده عقدة النكاح، إذا شاء حلها، ويكون المعنى إلا أن يعفو الزوجات أو يعفو الأزواج، فإن عفا الزوج صار الكل للزوجة، وإن عفت الزوجة صار الكل للزوج.
إذاً قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ يصلح لكم وعليكم، وهذا من بلاغة القرآن، لأن المهر قد يكون مقبوضاً، وقد يكون غير مقبوض، فإن كانت قبضته فَقَدِّرْ: «فنصف ما فرضتم لكم»

حتى يأخذه، وإن كانت لم تقبضه فقدر: «فنصف ما فرضتم عليكم» لأجل أن تأخذه.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: تجامعوهن، فعلق الله ـ سبحانه وتعالى ـ الحكم بالجماع، ونحن نقول: قبل الدخول والخلوة، ومعنى ذلك أنه إذا خلا بها ولم يجامع فلها النصف.
فإذا قال قائل: كيف يكون لها النصف، والآية علقت الحكم بالجماع؟ ولا شك أن هناك فرقاً ظاهراً بين الجماع والخلوة، فالجماع تلذذ بها، واستمتع بها، واستحل فرجها، فاستحقت المهر، لكن مجرد الخلوة لم يحصل له بها العوض كاملاً، فكيف تكون موجبة؟! نقول: إن أكثر أهل العلم على هذا الرأي، وحكي إجماع الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ على ذلك، أنه إذا خلا بها فلها المهر كاملاً، فجعلوا الخلوة كالجماع، وقد ذكر عن الإمام أحمد رواية ينبغي أن تكون قاعدة، قال: لأنه استحل منها ما لا يحل لغيره، ولهذا قالوا: لو مسَّها بشهوة، أو نظر إلى شيء لا ينظر إليه إلا الزوج كالفرج، فإنها تستحق المهر كاملاً؛ لأنه استحل منها ما لا يحل لغيره، وهذه الرواية هي المذهب، وهي أنه إذا استحل الزوج من امرأته ما لا يحل لغيره من جماع، أو خلوة، أو لمس، أو تقبيل، أو نظر إلى ما لا ينظر إليه سواه، كالفرج، فإن المهر يتقرر كاملاً.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن المهر يتقرر كاملاً بالجماع

فقط، وقال: إن هذا ظاهر القرآن فلنأخذ به، ولكن في النفس من هذا شيء؛ لأن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أعلم منا بمقاصد القرآن، لا سيما في الأحكام الشرعية؛ لأن القرآن نزل في وقتهم وبلغتهم، وفهموه على ما يذهبون إليه، وهذا قول جمهور أهل العلم أن الخلوة تلحق بالجماع.
وقوله: «حكماً» أي: قهراً، وقال بعض العلماء: إنه يدخل في ملكه اختياراً، إن شاء أخذ، وإن شاء لم يأخذ، واستدل بالآية: ﴿إِلاَّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ﴾.
والذين قالوا: إنه يدخل في ملكه قهراً استدلوا بالآية، وقالوا: لا عفو إلا عن واجب، فإذا وجب فنعفو، أما إذا لم يدخل مُلْكَنَا فكيف نعفو؟! وهذا أقرب، فإذا وجب لي على المرأة النصف عفوت، وإذا وجب لها النصف عليَّ عفت.
يبقى النظر إذا عفا الإنسان عن حقه الواجب، فهل يسقط عن المعفو عنه، رضي أو لم يرضَ، أو لا بد من القبول؟ مثال ذلك: رجل يطلب شخصاً مائة ريال، فقال له: قد عفوت عنك وأبرأتك، فقال المعفو عنه: لا أقبل، فهل يلزمه أو لا؟ المذهب يلزم، فإذا أبرأ غريمه من ذمته لزمه، قَبِل أم لم يقبل؛ لأن هذا هبة أوصاف، كما لو كنت أطلبك مائة صاع بر وسط، وأتيتني بمائة صاع بُرٍّ طيب، فهل يلزمني أن أقبل؟ المذهب يلزمني أن أقبل، والقول الثاني: أنه لا يلزم خشية المنة.
المهم أن هذه المسألة وهي هبة الأوصاف، المذهب لا يشترط فيها القبول، وهي مسألتنا هذه، والقول الثاني: أنه لا بد

من القبول؛ لأنه لا يمكن أن يدخل شيء ملك أحد ما لم يقبل، أو يسقط عن أحد ما لا يقبل إسقاطه.
والحقيقة أن هذه يمكن أن تكون مفتاحاً للمنة على الموهوب له، وللمنة على المُبرَأ، فالقول بأنه لا يدخل ملكه إلا برضاه أقرب للصواب.
والخلاصة: أن المهر ينتصف بكل فرقة من قبل الزوج قبل الدخول والخلوة، أو المس لشهوة، أو النظر لما لا ينظر إليه إلا الزوج.
قوله: «دون نمائه المنفصل» أي: أن النماء المنفصل يكون للزوجة، مثال ذلك: امرأة أمهرها زوجها بعيراً فولدت البعير ولداً، فإنه يكون للزوجة خاصة؛ لأنه نماء منفصل، وكذلك لو كان بيتاً أجر، وحصل منه أجرة بين العقد والدخول، فالأجرة تكون للزوجة.
وقوله: «دون نمائه المنفصل» من متى؟ من العقد إلى الطلاق، وأما ما كان بعد الطلاق فهو بينهما جميعاً.
مثال ذلك: رجل أصدق زوجته شاة، وولدت الشاة قبل أن يطلق، فالولد واللبن للزوجة، فإذا طلق فإن اللبن الناتج بعد الطلاق يكون بينهما أنصافاً؛ لأنه نماء لملكهما جميعاً، ومثله البيت إذا أصدقه امرأة، وأُجِّر، فالأجرة بعد العقد للزوجة، ثم إذا طلق تكون الأجرة بينهما نصفين.
قوله: «وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه» مثال ذلك:

أصدقها عبداً مملوكاً لا يقرأ ولا يكتب، ثم إنه تعلم وصار يقرأ ويكتب، ثم طلق، وتعلم هذه الأمور من النماء المتصل، فيكون للزوج بعد الطلاق نصف قيمة العبد بدون نمائه، فينظر إلى نصف قيمته يوم العقد قبل أن يتعلم، فمثلاً يوم دفعه للمرأة كان يساوي عشرة آلاف ريال، ثم صار يساوي مائة ألف ريال، فيكون للزوج خمسة آلاف ريال، ومثل لو أصدقها شاة هزيلة، ثم سمنت، ثم طلق، فينظر إلى قيمتها وقت العقد ويعطى الزوج نصفها، ومثله الحمل ما دام لم يخرج.
فالقاعدة: أن النماء المتصل والمن

فصل

كله للزوجة، لكن المنفصل تأخذه، ويبقى الأصل بينها وبين الزوج، والمتصل يُقَوَّم المهر غير زائد وذلك بقيمته وقت العقد، ويعطى الزوج نصف هذه القيمة.

وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، أَوْ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ فَقَوْلُهُ، وفِي قَبْضِهِ فَقَوْلُهَا.

قوله: «وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق»، هذه مسائل الخلاف، ويجب أن نعلم أن مسائل الخلاف يقبل فيها قول مَنْ الأصل معه، إلا أن يكون الظاهر أقوى من الأصل فيغلَّب الظاهر، وهذا هو الضابط.
فالأصل في جميع الاختلافات، سواء في البيع، أو الإجارة، أو الصداق، أو الرهن، أو غيرها، أن يقبل قول مَنْ الأصل معه، إلا أن يكون هناك ظاهر يغلب على الأصل فيغلب الظاهر.
ثم إذا قلنا: القول قوله فلا بد من اليمين، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اليمين على من أنكر» 1، فاعرف هذا الضابط، ونزِّل عليه جميع

مسائل الاختلاف، ثم إن شذَّ شيء عن هذا الضابط فلا بد أن يكون له سبب، فإن لم يكن له سبب يخرجه عن هذا الضابط فلا تخرجه، ودليل هذا الضابط قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» 1، لأن الذي أنكر معه الأصل، وهو براءة ذمته، فإن اختلف الزوجان أو ورثتهما بعد موتهما، مثل أن يقول الزوج: أصدقتك مائة، فتقول الزوجة: بل مائتين، فالقول قول الزوج أو ورثته؛ لأنهما اتفقا على المائة واختلفا في الزائد، فمن ادعاه فعليه البينة، ومن أنكره فعليه اليمين.
والدليل من العقل أن الزوج غارم، فالقول قوله في نفي ما يستلزم الغرم إلا ببينة، فنقول للمرأة: هات بينة على أن الصداق مائتان، وإلا فالزوج يحلف ويعطيك مائة.
مثال آخر: قال الزوج: أصدقتك مائتين، وقالت الزوجة: بل مائة، فإذا قلنا: القول قول الزوج، ألزمنا الزوجة بقبول المائة، والصواب أننا لا نلزم الزوجة بالزيادة إلا إذا أتى بدليل، وهذا مثل ما لو قال شخص لآخر: عليَّ لك مائة، فقال الدائن: بل خمسون، فلا نلزمه بقبول المائة.
وهذه الدعوى في الحقيقة نادرة، أن يدعي الزوج أكثر مما تقر به الزوجة، فإن وقعت فالقول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم صحة ما يدعيه إلا ببينة.
قوله: «أو عينه» أي: اختلف الزوجان أو ورثتهما في عين الصداق، يعني قالت: أصدقتني هذه البعير، فقال: بل هذه

البعير، قالت: أصدقتني هذا البيت، قال: بل هذا البيت (لبيت آخر) فالقول قول الزوج، وعلى هذا فنلزمها بما قال؛ لأن الأصل عدم صحة ما تدعيه، هكذا قال الفقهاء، وهذه المسألة غير الأولى، الأولى اختلفا في القدر، فيكونان قد اتفقا على الأقل، وأما هنا فلم يتفقا على شيء، كل واحد منهما يقول قولاً غير قول الآخر، ومع ذلك يقولون: القول قول الزوج فيحلف، وليس لها سوى ما قال، ولكن ينبغي أن يقال: إنه يقبل قوله ما لم يدع شيئاً دون مهر المثل، فإنه لا ينبغي أن يقبل، يعني لو عينت شيئاً يمكن أن يكون مهر مثلها، وعيَّن هو شيئاً دون مهر مثلها فلا شك أن القول قولها.
فهذه المرأة مثلاً مهر مثلها خمسون ألفاً، وقالت: إنك أصدقتني هذا البيت وقيمته خمسون ألفاً أو قريباً منها، وقال: بل أصدقتك هذا البيت وهو لا يساوي إلا عشرين ألفاً، فالأقرب للصواب قولها هي، فينبغي أن يقال: إن كلام المؤلف على إطلاقه فيه نظر، فينظر إلى ما هو أقرب إلى مهر المثل؛ لأن القرينة ـ إذا لم تكن بينة ـ حجة شرعية، فسليمان ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما تحكامت إليه المرأتان في الولد، قال: أشقه بينكما نصفين، فالكبرى قالت: نعم، والصغرى قالت: لا، فقضى به للصغرى بدون بينة 1.

قوله: «أو فيما يستقر به فقوله» تقدم لنا أن المهر يستقر بالوطء، والخلوة، والتقبيل، واللمس لشهوة، والنظر، يعني استباحة ما لا يحل إلا للزوج، والموت كما سيأتي.
فإذا قالت الزوجة: إنك خلوت بي، وقال الزوج: لم أخلُ، فالصداق ثابت، فالزوجة تقول: إنه خلا حتى تأخذ المهر كاملاً، وهو يقول: لم أخلُ حتى تأخذ النصف، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الدخول والخلوة، فإن وجدت قرينة على الدخول كإقامة حفل الزواج، ثم ادعى أنه ما دخل، فالقول قول الزوجة بالقرينة، وهذا ذكره ابن رجب في القواعد، قال: إذا تعارض الأصل والظاهر فأيهما يقدم؟ قال: إن كان الظاهر حجة شرعية قدم الظاهر، وإن لم يكن حجة شرعية فينظر أيهما أقوى.
قوله: «وفي قبضِهِ فقولُها» أي اختلفا في قبض المهر بأن قال الزوج: قد أقبضتك المهر، وقالت الزوجة: لا، لم تقبضني شيئاً، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم القبض، ويقال للزوج: إيت بشهود على أنك أقبضتها.
وهذا ـ أيضاً ـ ينظر فيه إلى القرائن، فعندنا ـ مثلاً ـ هنا في نَجْدٍ المهر مقدم، فلو أنها طالبته بعد الدخول، وقالت: أعطني المهر، فقال: قد سلَّمته لك قبل الدخول، فالقول قول الزوج؛ لأن هذا هو الظاهر، فالأصل ليس مقدماً دائماً، فلو أن امرأة عند زوجها في بيته، ويوم طلقها قالت: أريد منك النفقة، أنا لي معك عشر سنوات، وأنت لا تنفق علي، أنا كنت أنفق من مالي، أو

أهلي ينفقون علي، فالأصل عدم النفقة، ولكن عندنا ظاهر أقوى من هذا الأصل، ولهذا شُدِّد الإنكار على من قال من أهل العلم: إنها إذا ادعت أنه لا ينفق أنه يلزم بالنفقة لما مضى، وقالوا: إن هذا القول لا يقبله العرف، ولا يقره الشرع، فهل من العادة أن المرأة تبقى مدة طويلة عند زوجها، ثم تأتي وتقول: إنك لم تنفق علي؟! فهذا بعيد.
ولهذا يجب أن يعرف طالب العلم أن الأصل ليس مقدماً دائماً، فقد يكون هناك ظاهر أقوى من الأصل فيقدم عليه، سواء فيما ذكره المؤلف هنا، أو ما سيذكره في باب الدعاوى.

فَصْلٌ

يَصِحُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ المُجْبَرَةَ، أَوْ تَأْذَنَ امْرَأَةٌ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلاَ مَهْرٍ،

......... قوله: «يصح تفويض البضع»، هذا ال

فصل

يسمونه فصل المُفوِّضة، والتفويض نوعان: أولاً: تفويض البضع ـ أي: الفرج ـ وذلك بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة، أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، أي: بدون تسمية مهر، كأن الولي فوض إلى الزوج بضع هذه المرأة دون أن يذكر عوضه.
قوله: «بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة»، قوله: «المجبرة» ينبغي أن يُلاحظ أنه على القول الصحيح لا إجبار، لكن على المذهب تقدم أن الأب يجوز له أن يجبر البكر.
قوله: «أو تأذن امرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر» فيصح العقد، ولكن لا بد أن تكون رشيدة، مثال ذلك: رجل قال لآخر: زوجني ابنتك وشاوَرَ البنت ورضيت، فقال: زوجتك ابنتي، فقال: قبلت، ولم يتكلموا عن المهر، فهذا يسمى تفويض البضع، وهذا يمكن أن يقع، والفائدة منه أن بعض الناس يمكن أن يستحي أن يقول للخاطب: كم تعطني من المهر؟ فإجلالاً له واحتراماً يزوجه، ولا يتكلم في المهر إطلاقاً، فيجب لها مهر المثل، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236]. فأباح الله لنا أن لا نفرض لهن فريضة، وهذا هو تفويض البضع، فإذا حصل الدخول قبل أن يَفرض المهر فالواجب مهر

المثل، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة، لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: 236] وسيأتينا أن القاضي هو الذي يتولى تقدير المتعة على حسب حال الزوج من غنى وفقر.
ثانياً: تفويض المهر، بأن يذكر المهر دون تعيين، فقال المؤلف: وَتَفْوِيضُ المَهْرِ بِأَنْ يُزَوِّجَهَا عَلَى مَا يَشَاءُ أَحَدُهُمَا أَوْ أَجْنَبِيٌّ، .........

«

وتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي

» مثاله: إنسان خطب من شخص ابنته، ورضي، فقال الخاطب كم تريد مهراً؟ قال: الذي تريد، أو قال الولي للخاطب: كم ستعطني من المهر؟ فقال: الذي تريده ابنتك، ففي الأول المهر مفوض للخاطب، وفي الثاني المهر مفوض للولي.
أو قال الولي: كم ستعطينا مهراً فإن جدها رجل شحيح، فقال الخاطب: الذي يريده جدها، فهنا المفوض إليه أجنبي؛ لأن المراد بالأجنبي هنا غير الولي، والجد لا ولاية له مع وجود الأب.
وما الذي يحمل الإنسان على أن يجعل المهر مفوضاً؟ الجواب: إما إكراماً للزوج، أو أن الزوج مشفق أن يتزوج من هذه القبيلة، ويقول: الذي تريدونه افرضوه.
والفرق بين تفويض البضع وتفويض المهر، أن تفويض البضع لا يذكر فيه المهر إطلاقاً، وتفويض المهر يذكر ولكن لا يعين، لا قدره ولا جنسه ولا نوعه.

في تفويض المهر إذا حصل الدخول يقول المؤلف: «فلها مهر المثل بالعقد» فيكون ذاك التفويض لا فائدة له، فهذا الرجل دخل على الزوجة بتفويض المهر، فلما كان الصبح أتى بمهر المثل، فقال أولياء المرأة: أنت تقول المهر ما تريده الزوجة، والزوجة تريد بيتاً، وسيارة، وخادماً، فيقول: ما لها إلا مهر المثل، ولو كانت تريد هذه الأشياء لِمَ لمْ تشترطوها عند العقد؟! ووجه كوننا نرجع لمهر المثل أن هذه التسمية غير صحيحة لرسوخها في الجهالة؛ لأننا إذا قلنا: ما تريده، فما الذي تريده قدراً، وجنساً، ونوعاً؟! فهو مبهم إبهاماً عظيماً، والمبهم إلى هذا الحد ليس بشيء، فنرجع إلى مهر المثل.

فَلَهَا مَهْرُ المِثْلِ بِالعَقْدِ، وَيَفْرِضُهُ الْحَاكِمُ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا قَبْلَهُ جَازَ،

وقوله: «فلها مهر المثل بالعقد» في كلا التفويضين، في مفوضة البضع لها مهر المثل بالدخول، ولها المتعةُ إذا طلقت قبل الدخول بنص القرآن، وفي مفوضة المهر لها مهر المثل إذا طلقت بعد الدخول؛ لأن القاعدة أنه إذا بطل المسمى فلها مهر المثل، وهنا مهر المثل باطل لعدم العلم به.
فإذا طلقها قبل الدخول فالمذهب قالوا: إن لها المتعة؛ لأن التسمية الفاسدة كعدمها؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» 1 وإذا بطل لم يكن له أثر، وعلى هذا تكون التسمية كلا تسمية، فيلزمه المتعة لقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: 236].

والقول الثاني في المسألة: أن لها نصف مهر المثل؛ لأن المهر أشير إليه وفرضت الفريضة، ولكن ما عينت، والذي في القرآن: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: 236] وهنا فرضت، فقيل: بمهر، ولكن ما عُين.
وعند التأمل في التعليلين يظهر أن المذهب أقوى؛ لأنه مدعوم بالدليل، وهو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل»، وهذا باطل لفساد تسميته، والباطل شرعاً كالمعدوم حساً، وحينئذٍ نرجع إلى أنه لا تسمية، فيكون لها المتعة.
وقوله: «بالعقد» أي: بمجرد العقد، لا بالتفويض.
قوله: «ويفرضه الحاكم» أي: مهر المثل، والحاكم المراد به القاضي، واعلم أن بعض أهل العلم كره أن يقال للقاضي: الحاكم، لقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: 57] وهذا القول ليس بصحيح، بل الصحيح أنه يجوز، وقد دل عليه القرآن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: 42]، ومعلوم أنه إذا قيل: حكم فلان، فاسم الفاعل من حكم حاكم، ولا شك في جوازه، ولذلك الفقهاء يكادون يجمعون على التعبير بلفظ الحاكم.
وإنما جعلنا الفرض للحاكم؛ لئلا يقع النزاع بينهما، فيقول الزوج: مهر المثل ألف ريال، وهي تقول: مهر المثل ألفان.
قوله: «بقدره» أي: بقدر هذا المهر؛ لأنه إن زاد أجحف بالزوج، وإن نقص أجحف بالمرأة، ويراعى في ذلك حال الزوجة، والزوج لا عبرة به، فلو كانت هي غنية، حسيبة،

متعلمة، ديِّنة، بكراً، والزوج فقير، فيفرض المهر على حسب حال الزوجة؛ لأنه عوض عن بضعها.
قوله: «وإن تراضيا قبله جاز» أي: إن اتفقا عليه بدون الرجوع إلى الحاكم فالحق لهما، أي: لا بأس، فلو قالا: لن نذهب إلى القاضي، ونتفق فيما بيننا، فقال الزوج: المهر ألف، وقالت هي: بل ألفان، وتوسط أناس وقالوا: ألف وخمسمائة، وما أشبه ذلك، فلا حرج؛ لأن الحق لا يعدوهما.

وَيَصِحُّ إِبْرَاؤُهَا مِنْ مَهْرِ المِثلِ قَبْلَ فَرْضِهِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ وَالفَرْضِ وَرِثَهُ الآخَرُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا،

.......... قوله: «ويصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه» 1. قوله: «ومن مات منهما» أي: من الزوجين.
قوله: «قبل الإصابة» أي: الجماع، والخلوة ملحقة به.
قوله: «والفرض» أي: فرض مهر المثل.
قوله: «ورثه الآخر، ولها مهر نسائها»، فلو فرضنا أن رجلاً عقد على امرأة مفوضة، سواء تفويض بضع، أو مهر، ثم مات، فهنا نسأل عن ثلاثة أشياء: الأول: هل يجب لها مهر؟ الثاني: هل لها ميراث؟ الثالث: هل تجب عليها عدة؟

أما الميراث فإنها ترث من هذا الزوج بإجماع أهل العلم؛ لأنها زوجة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ﴾ [النساء: 12].
وأما العدة فكذلك تجب عليها لعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234]. وأما المهر فجمهور أهل العلم على وجوبه للزوجة، فتأخذه أولاً من التركة ثم تدلي بميراثها؛ لأنه مات عنها وثبتت لها أحكام الزوجات من العدة والميراث، فيجب أن يثبت لها المهر، فيجب له مهر نسائها؛ وقد ثبت في قصة بروع (1) بنت واشق ـ رضي الله عنها ـ أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قضى فيها بأن عليها العدة ولها مهر مثلها والميراث (2)، وقال الإمام الشافعي: لو ثبت الحديث لقلت به، والحديث قد ثبت، وإذا كان ثابتاً فيكون هو مذهب الشافعي أيضاً؛ لأنه علق القول به على ثبوته، فإذا وجد الشرط ثبت المشروط، والقياس يقتضي ذلك؛ لأن المرأة ستعتد له فتكون محبوسة له، وترث بالإجماع.

وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا المُتْعَةُ بِقَدْرِ يُسْرِ زَوْجِهَا وَعُسْرِهِ، وَيَسْتَقِرُّ مَهْرُ المِثْلِ بِالدُّخُولِ،

......... قوله: «وإن طلقها» الضمير يعود على المفوّضة، ويلحق بها مَنْ مهرها فاسد؛ لأنه سبق أنه إن بطل المسمى وجب لها مهر المثل.
قوله: «قبل الدخول» هذا فيه شيء من القصور في الواقع؛12

لأنه تقدم لنا أن الخلوة، والنظر إلى فرجها، ومسها، وتقبيلها بشهوة يثبت المهر، ولو قال المؤلف: وإن طلقها قبل استقرار المهر، أو قبل وجود ما يستقر به المهر لكان أحسن وأشمل.
قوله: «فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره»، لقوله تعالى: ﴿لاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ﴾ [البقرة: 236]، فيجب أن يمتِّعها وجوباً، والله ـ تعالى ـ قدر المتعة بحسب حال الزوج، الموسع الغني، والمقتر الفقير المعسر.
قال الفقهاء: أعلاها خادم، يعني يشتري لها مملوكة تخدمها، وأدناها كسوة تستر عورتها في الصلاة، وهذا الذي ذكروه قد يكون موافقاً لواقعهم، لكن الله ـ سبحانه ـ في القرآن ما قدرها بهذا، ومعلوم أن هناك فرقاً عظيماً بين الخادم والكسوة التي تستر عورتها، فالخادم ربما يساوي أكثر من مهر المثل ثلاث مرات، أو أربعة، والكسوة في الصلاة ليست بشيء، وعلى كل حال فقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ تنبني في كل زمان ومكان على حسب ما يليق، يقال للغني: يفرض عليك شيء بقدرك، ويقال للفقير: يفرض عليك شيء بقدرك.
قوله: «ويستقر مهر المثل بالدخول» هذا ذِكرٌ لما يستقر به المهر، وتقدم أنه يستقر بالموت، وهنا ذكر الدخول وهو الجماع، وكذلك بالخلوة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]

ويستقر ـ أيضاً ـ بلمسها، وتقبيلها ولو بحضرة الناس، وبالنظر إلى فرجها، وقد تقدم عن الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ، عبارة جامعة: إذا استحل منها ما لا يحل إلا لزوجها فقد استقر المهر.

وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَهُ فَلاَ مُتْعَةَ، وَإِذَا افْتَرَقَا فِي الفَاسِدِ قَبْلَ الدُّخُولِ وَالخَلْوَةِ فَلاَ مَهْرَ، وَبَعْدَ أَحَدِهِمَا يَجِبُ الْمُسَمَّى، وَيَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ لِمَنْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ

........ قوله: «وإن طلقها» أي: إن طلقها الزوج، سواء كانت مفوضة أو غير مفوضة.
قوله: «بعده» الضمير يرجع إلى الدخول، ولو قال المؤلف: بعدما يقرر المهر، من دخول، أو خلوة، أو لمس، أو نظر لفرجها لكان أشمل.
قوله: «فلا متعة» لها؛ اكتفاء بالمهر، ولا حاجة للمتعة، ومع ذلك تستحب المتعة للمطلقة ولو بعد الدخول؛ لأنه ثبت المهر بالدخول، واستحبت المتعة بالطلاق، إذ إن الطلاق ـ ولا سيما إذا كانت المرأة راغبة في زوجها ـ فيه كسر لقلبها، وضيق لصدرها، فكان من الحكمة أن تجبر بمتعة، فالمذهب أن المتعة لا تجب إلا لمن طلقت قبل الدخول، ولم يفرض لها مهر، وأما المطلقة بعد الدخول فلا متعة لها؛ لأن لها مهراً، إما المسمى إن سُمِّي، وإما مهر المثل.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: تجب المتعة لكل مطلقة، حتى بعد الدخول، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ *﴾ [البقرة] والمطلقات عام، وأكد الاستحقاق بقوله: ﴿حَقًّا﴾ أي: أحقه حقاً، وأكَدَّه بمؤكد ثانٍ وهو قوله: ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾، فدل هذا على أن القيام به من تقوى الله، وتقوى الله واجبة، وما قاله الشيخ ـ رحمه الله ـ قوي

جداً فيما إذا طالت المدة، أما إذا طلقها في الحال فهنا نقول: أولاً: أن تعلق المرأة بالرجل في المدة اليسيرة قليل جداً.
ثانياً: أن المهر حتى الآن لم يفارق يدها، فقد أُعطيته قريباً.
أما إذا طالت المدة سنة، أو سنتين، أو أشهراً، فهنا يتجه ما قاله شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ فيكون هذا القول وسطاً بين قولين، الاستحباب مطلقاً، والوجوب مطلقاً، وهذا هو الراجح.
والخلاصة: أن المهر يستقر بما يلي: أولاً: الموت.
ثانياً: الدخول بها، أي: جماعها.
ثالثاً: أن يستحل منها ما لا يستحله إلا الزوج من التقبيل، واللمس، والنظر للفرج، وما أشبه ذلك.
رابعاً: الخلوة عن مميز ممن يطأ مثله بمثله، أي بامرأة يوطأ مثلها.
ويجب مهر المثل إذا كان المسمى فاسداً، أو لم يسمَّ لها مهر.
وتجب المتعة إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر، ولم يسمَّ لها مهر، أو سمى لها مهراً فاسداً.
ويجب نصف المهر إذا طلقها قبل ما يتقرر به المهر، وسمى لها صداقاً.
ويسقط إذا كانت الفرقة من قبلها قبل أن يتقرر المهر.

قوله: «وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر» اعلم أن النكاح الفاسد غير الباطل، وهذا مما يختص به النكاح عند الحنابلة، فإنهم لا يفرقون بين الفاسد والباطل إلا في موضعين: أحدهما: هنا في باب النكاح، والثاني: في باب الحج، ففي باب الحج قالوا: إن الفاسد في الحج هو الذي جامع فيه قبل التحلل الأول، ويمضي فيه، والباطل هو الذي ارتد فيه، كحاج استهزأ بآيات الله فصار مرتداً، وبطل حجه.
والفاسد في النكاح ما اختلف العلماء في فساده، والباطل ما أجمعوا على فساده، كنكاح الأخت، كرجل تزوج امرأة، ثم تبين أنها أخته من الرضاع فالنكاح باطل؛ لأن العلماء مجمعون على فساده، ومثال الفاسد النكاح بلا ولي، أو بلا شهود، أو نكاح امرأة رضعت من أمه مرة أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً.
وقوله: «وإذا افترقا في الفاسد» أي في النكاح الفاسد «قبل الدخول والخلوة» أي قبل تقرر المهر «فلا مهر».
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة بدون ولي، ثم قيل له: إن هذا النكاح ليس بصحيح، فطلقها قبل الدخول والخلوة، فلا شيء لها؛ لأن العقد الفاسد وجوده كعدمه لا أثر له.
وهل يلزم بالطلاق؟ نعم يلزم مراعاةً للخلاف؛ لأن بعض العلماء يرى أن النكاح بلا ولي صحيح، فقد يأتي رجل ليتزوجها وهو يرى صحة النكاح بلا ولي، فيقول: هذه إلى الآن في ذمة الزوج الأول، ولذلك يجبر الزوج على الطلاق، فإن أبى فإن القاضي يطلق عليه أو يفسخ.

قوله: «وبعد أحدهما» أي: الدخول أو الخلوة.
قوله: «يجب المسمى» أي المعين، أما بعد الدخول فقد يقال: إن كلام المؤلف صحيح فيجب المسمى، وبعض العلماء يقول: إنه لا يجب المسمى وإنما يجب مهر المثل؛ لأن العقد فاسد، وما ترتب عليه فاسد، فهذه امرأة وطئت بشبهة فلها مهر المثل، والمذهب أنه يجب لها المسمى؛ لأنهما اتفقا على استحلال هذا الفرج بهذا العوض المسمى فيجب، ولكن بعد الخلوة لماذا يجب لها المسمى؟ قالوا في التعليل: إلحاقاً للعقد الفاسد بالصحيح، ولكن هذا القياس غير صحيح؛ لأن من شرط القياس تساوي الأصل والفرع، فكيف نلحق الفاسد بالصحيح؟! ولذلك اختار الموفق وجماعة من الأصحاب أنه لا يجب لها شيء بالخلوة؛ لأن هذا عقد فاسد، لا أثر له، وهو كما لو خلا بامرأة لم يعقد عليها، وهذا القول هو الصحيح أن الخلوة في العقد الفاسد لا توجب شيئاً؛ لأنه لا يمكن إلحاق الفاسد بالصحيح.
قوله: «ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة» فإذا وطئت امرأة بشبهة، سواء شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، فلها مهر المثل؛ لأن الزوج جامعها معتقداً أن هذا الجماع حلال، فوجب مقتضاه وهو مهر المثل، وهذا في شبهة الاعتقاد واضح؛ لأنه ليس هناك عقد سمي فيه مهر، لكن في شبهة العقد إذا كان قد سمى لها مهراً،

وجامعها على هذا الأساس، فظاهر كلام المؤلف أن لها مهر المثل؛ وتعليل ذلك أنه لما بطل أصل العقد، بطلت توابع العقد، وهو المهر، فتبطل التسمية، ويجب مهر المثل.
مثال هذا: رجل تزوج امرأة بعقد، ومهر مسمى، ثم تبين أنها أخته من الرضاع، فالشبهة هنا شبهة عقد؛ لأنه تزوجها وجامعها على أنها زوجته، يقول المؤلف: إن لها مهر المثل، ولكن في هذا نظراً؛ لأننا نقول: إنهما قد رضيا بهذا المسمى، وجامعها على أن هذا مهرها، وليس هناك ما يبطله.
فالصواب: أنه إذا كانت الشبهة شبهة عقد، وسمى لها صداقاً فلها صداقها المسمى، سواء كان مثل مهر المثل، أو أكثر، أو أقل.
أما الموطوءة بشبهة اعتقاد فيجب لها مهر المثل؛ لأنه ليس لها مهر مسمى؛ للإجماع، ولولا الإجماع لكان القياس يقتضي أن لا شيء لها؛ لأن هذا وطء بغير عقد، وهو معذور فيه، فكيف يجب عليه مهر المثل؟! فإن كان أحد يقول: إنه لا شيء لها فهو أحق بالاتباع.

أَوْ زِناً كُرْهاً، وَلاَ يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ بَكَارَةٍ،

............ قوله: «أو زنا كرها» أي أن الزاني ـ والعياذ بالله ـ أكره المرأة، فزنا بها فيجب عليه مهر المثل لهذه المزني بها؛ لأنه جامعها مجامعة الرجل لامرأته، هذا إذا كانت مكرهة، وأما إن كانت مطاوعة فليس لها شيء؛ لأنها رضيت بهذا الوطء، وقد

قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مهر البغي خبيث» 1، ولأنه وطء يعتقد كل من الفاعل والمفعول به أنه محرم، فلا يوجب شيئاً.
هذا ما قرره المؤلف منطوقاً ومفهوماً، فالمنطوق وجوب المهر لمن زُنِي بها كرهاً، والمفهوم عدم وجوب المهر لمن زني بها مطاوِعة.
والصحيح أنه لا مهر، لا في هذا، ولا في هذا؛ لأن الله ـ تعالى ـ أوجب في الزنا حداً معلوماً، فلا نزيد على ما أوجب الله، ولا يمكن أن نقيس هذا الجماع ـ الذي يعتقد المجامع أنه حرام ـ على الحلال؛ ولكن نقيم عليه الحد، فإن كان الرجل بكراً، أي: لم يتزوج من قبل، فحده مائة جلدة وتغريب عام، وإن كان قد تزوج من قبل وجامع زوجته، وتمت شروط الإحصان فإنه يرجم.
قوله: «ولا يجب معه أرش بكارة» أي: أنه إذا زنى بامرأة كرهاً، وهي بكر، وزالت البكارة، فعلى المذهب نوجب عليه مهر المثل، ومهر المثل يدخل فيه أرش البكارة؛ لأننا سنقدر المهر مهر بكرٍ، وحينئذٍ نكون قد أخذنا أرش البكارة فلا يمكن أن نكرر عليه الغرم.
وعلى القول الذي رجحنا ـ وهو أن المزني بها كرهاً أو طوعاً لا مهر لها ـ نقول: يجب عليه أرش البكارة، إذا كانت بكراً وزنى بها كرهاً؛ لأنه أتلف البكارة بسبب يتلفها عادة.

وأرش البكارة هو فرق ما بين مهرها ثيباً ومهرها بكراً، فإذا قلنا: إن مهرها ثيباً ألف ريال، ومهرها بكراً ألفان، فيكون الأرش ألف ريال.
في الوقت الحاضر ترقى الطب، وصار يمكن أن يجعل لها بكارة صناعية، بواسطة عملية جراحية، فإذا قال: أنا لا أعطيكم دراهم، بل نجري لها عملية ونعيد البكارة، فهل يُمَكَّن؟ الجواب: لا، فإذا قال: الأصل أن المثلي يضمن بمثله، فهو أذهب بكارة فيعيد لها بكارة أخرى؟ فنقول: هذا لا يكفي ولا يُطاع؛ لأنه مهما كان من ترقيع فلا يمكن أن يكون كالأصل، مع أننا نرى منع هذه العملية مطلقاً، لأنها تفتح باب الشر، فتكون كل امرأة تشتهي أن تزني زنت، وإذا زالت بكارتها أجرت العملية.

وَلِلمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الحَالَّ، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً، أَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، أَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعاً فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُها،

......... قوله: «وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال» الصداق على قسمين: إما حال، وإما مؤجل، فالمؤجل ليس للمرأة طلبه ولا المطالبة به حتى يحل أجله، وليس لها أن تمنع نفسها من الزوج؛ لأن حقها لم يحل بعد، لكن إذا كان المهر حالًّا غير مؤجل، فإن لها أن تمنع نفسها حتى تقبضه.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على صداق قدره عشرة آلاف ريال غير مؤجلة، فقالت له: أعطني المهر، فقال: انتظري، فلها أن تمنع نفسها، وتقول: لا أسلم نفسي إليك حتى تسلم المهر؛ وذلك أن المهر عوض عن المنفعة ويخشى أن سلمت نفسها واستوفى المنفعة أن يماطل بها ويلعب بها، فيُحرم منها حتى يسلم الصداق.

ومثال الصداق المؤجل: أن يتزوج رجل امرأة بمهر يحل بعد سنة، فليس لها أن تمنع نفسها قبل ذلك؛ لأن موجب العقد التسليم، والعقد قد اشتمل على تأجيل الصداق، وسكوت المرأة عن تسليم نفسها، فيكون تسليمها نفسها واجباً بالعقد، ويكون تسليم المهر واجباً بحلول أجله؛ لأنها رضيت بتأجيله، أما لو قالت: نعم أرضى بالتأجيل، ولكن لا تسليم إلا بعد القبض، فلها أن تمنع نفسها بناء على الشرط، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج» 1، أما بدون شرط فليس لها المنع.
وهذه المسألة تدلنا على صحة مسألة مرت في البيع، وهي حبس المبيع على ثمنه، مثل أن يقول البائع للمشتري: ما أسلمك السلعة حتى تسلمني الثمن، فالمذهب أنه ليس له حبسه على ثمنه مطلقاً، والقول الثاني: أن له حبسه على ثمنه، وهو أصح كما سبق.
قوله: «فإن كان مؤجلاً، أو حل قبل التسليم، أو سلمت نفسها تبرعاً فليس لها منعُها» هذه ثلاث مسائل: الأولى: أن يكون الصداق مؤجلاً فليس لها منع نفسها؛ وقد سبق.
الثانية: إذا حل الصداق قبل التسليم، فليس لها منع نفسها

ولو ماطل بذلك، مثل امرأة تزوجت من إنسان بعشرة آلاف مؤجلة إلى شهر شعبان من السنة القادمة، فجاء شهر شعبان ولم يدخل بها والصداق حل، فطلب منها أن تسلم نفسها فقالت: أعطني الصداق، فقال: الصداق مؤجل، فقالت: قد حل الأجل أعطنيه، يقولون هنا: لا تمنع نفسها؛ لأن الصداق وجب مؤجلاً، والتسليم غير مؤجل، فكان عليها أن تسلم نفسها من الأصل قبل حلول الأجل، فانسحب التسليم الواجب قبل حلول الأجل إلى ما بعد حلول الأجل.
والقول الثاني في المسألة: أن الحالَّ قبل التسليم كغير المؤجل، يعني إذا حل الأجل ولم تسلم نفسها وطلب التسليم فلها أن تمنع نفسها؛ لأنه صدق عليه الآن أنه حال، والضرر الذي يحصل لها فيما إذا سلمت نفسها في الحال يحصل لها الآن.
وقولهم: إنه كان مؤجلاً، وإنه كان يلزمها أن تسلم نفسها قبل حلول الأجل، فانسحب الوجوب إلى ما بعده، يجاب عنه بأن هذا صحيح، لكن الزوج لم يطالب بالتسليم إلا بعد أن صار المهر حالًّا، فلا فرق بين الصورتين، وهذا قول في المذهب أيضاً.
الثالثة: إذا سلمت نفسها تبرعاً في الحال؛ ثقة بالزوج على أنه سيسلم المهر، ثم ماطل به، فالمذهب ليس لها أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بالتسليم بدون شرط، فلا يمكن أن ترجع، ولكن تطالبه، وتحبسه على ذلك.

والصحيح أن لها أن تمنع نفسها؛ لأن الرجل إذا ماطل لا نمكنه من استيفاء الحق كاملاً؛ لأنه لا يمكن أن نجعل جزاء الإحسان إساءة، ولا يمكن أن نخالف بين الزوجين فنعامل هذا بالعدل، وهذا بالظلم، فنقول: كما امتنع مما يجب عليه، فلها أن تمتنع.

فَإنْ أَعْسَرَ بِالمَهْرِ الحَالِّ فَلَهَا الفَسْخُ، وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلاَ يَفْسَخُهُ إِلاَّ حَاكِمٌ

....... قوله: «فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ، ولو بعد الدخول» أي: إذا أعسر بالمهر الحال، سواء كان حالاً من الأصل، أو حل بعد التأجيل فلها الفسخ؛ لأنه لم يسلم لها العوض.
مثال ذلك: رجل تزوج بامرأة على عشرة آلاف حالة، ودخل عليها، فلما طالبته تبين أنه معسر لا شيء عنده، نقول: لها أن تفسخ عقد النكاح، وإذا فسخت بقي المهر في ذمته؛ لأنه استقر بالدخول، وكذلك على القول الراجح إن كان لم يستقر، فلها أن تطالبه بما يجب لها قبل الدخول؛ لأن الفراق هنا بسببه، وقد تقدم أن الفراق إذا كان لعيبه فالفرقة من قبله هو على الصحيح، والمذهب أنها من قبلها.
فإن قال قائل: لماذا لا تقولون: تمنع نفسها حتى يسلمها المهر؟ فالجواب: لأننا لا ندري متى يحصل الإيسار.
ولو أنه أعسر بالمهر، ولكنه لما رأى المرأة تريد أن تفسخ النكاح استقرض وأوفاها، فهل لها أن تفسخ؟ الجواب: لا؛ لأن حقها أتاها، فإذا قالت: أنا لا أريد

زوجاً مديناً، قلنا: لا كرامة لك، فكل الأزواج عليهم ديون، فليس لها الفسخ.
وقوله: «فإن أعسر بالمهر» لو رضيت بذلك، وقالت: ما دام أنك معسر، فمتى أيسرت أعطني، ثم رجعت وطلبت أن يعطيها أو تفسخ، فإنه ليس لها ذلك؛ لأنها أسقطت حقها برضاها، ولو تزوجته عالمة بإعساره، والمهر لم يقبض فليس لها الفسخ؛ لأنها راضية بذلك.
قوله: «ولا يفسخه» أي: النكاح.
قوله: «إلا حاكم» لأنه فسخ مختلف فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ويقطع النزاع.
ولكن سبق لنا أن شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قال: لو قيل إن الفسخ يثبت بتراضيهما، وبفسخ الحاكم لكان له وجه، يعني إذا رضي الزوج والزوجة بالفسخ فلا حاجة للحاكم، فيكتب الزوج: إني فسخت نكاحي من هذه المرأة لإعساري بالمهر، ومطالبتها به، ويعطيها الورقة؛ حتى إذا أرادت أن تتزوج، يكون عندها وثيقة على الفسخ.
أما إن حصل النزاع بأن طالبت بالفسخ فأبى، فحينئذٍ نرجع للحاكم، وما قاله شيخ الإسلام هو الصحيح؛ لأنه إذا كان الطلاق أو الفسخ للعيب إذا تراضيا عليه لا يحتاج إلى الحاكم، فهذا كذلك، وإذا لم يتراضيا فلا بد من حكم القاضي.

بَابُ وَلِيمَةِ العُرْسِ

قوله: «وليمة العرس» هذا من باب إضافة الشيء إلى سببه، والعرس هو النكاح، ووليمة مأخوذة من الإتمام والاجتماع، وهي في الحقيقة جامعة للأمرين، ففيها اجتماع وفيها إتمام، ولكنها نقلت من هذا المعنى إلى معنى آخر، وهو الطعام الذي يصنع وليس الاجتماع عليه، ولا تمام العقد، وإن كان أصلها الاجتماع والتمام، ومنه قول الناس الآن: هذا الشيء والم، أي: تام، ومنه التأم القوم يعني اجتمعوا، ولكنها نقلت بالعرف والاصطلاح إلى نفس الطعام الذي يصنع في أيام العرس.
هناك ولائم يجتمع عليها الناس غير وليمة العرس، منها ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو محرم، فمن الولائم المحرمة أن يجتمع الناس إلى أهل الميت للعزاء، ويصنع أهل الميت الطعام للمجتمعين، فهذه محرمة لقول جرير بن عبد الله البجلي ـ رضي الله عنه ـ كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت وصنع الطعام من النياحة 1، والنياحة كبيرة من الكبائر؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لعن النائحة 2، ومنها الوليمة على العزف، والغناء، والرقص،

فهذه ـ أيضاً ـ حرام، ومنها الوليمة المكروهة، وهي الوليمة الثانية للعرس؛ لأن فيها نوعاً من الإسراف، ووليمة مباحة، وهي سائر الولائم التي تفعل عند حدوث ما يَسُرُّ، فهي من قسم المباح وليس من قسم البدعة، كما ظنه بعض الناس، كالوليمة للختان، فهذه مباحة؛ لأن الأصل في جميع الأعمال غير العبادة الإباحة، حتى يقوم دليل على المنع.

تُسَنُّ بِشَاةٍ فَأَقَلَّ، وَتَجِبُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ إِجَابَةُ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ إِلَيْهَا إِنْ عَيَّنَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ،

.......... قوله: «تسن» هذا حكمها، أي: أنها مندوبة، وهذا هو القسم الرابع من أقسام الوليمة، وهي وليمة العرس لأول مرة، والدليل على ذلك سنة الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ القولية والفعلية.
فأما القولية فقوله لعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: «أولم» 1، وهذا فعل أمر، وأقل أحوال الأمر الاستحباب.
وأما الفعلية فقد ثبت عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ أنه أولم على نسائه.
وقيل: واجبة؛ للأمر بها في حديث عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ السابق، والجمهور يرون أنها سنة، وقالوا: الذي صرف الأمر عن الوجوب أنه طعام بمناسبة سرور حادث، وهذا لا يقتضي الوجوب؛ لأنه ليس دفع ضرورة كالنفقة فتجب، وليس دفعاً لزكاة، أو نذراً فيجب، وإنما هو سرور فلا يكون واجباً.

والحكمة منها إعلان النكاح، وإظهاره حتى يتميز عن السفاح، وإطعام للفقراء، وصلة للأقارب والأرحام، وما يحدث فيها من السرور، يكون جبراً لخاطر الزوجة، وأوليائها وغير ذلك.
وهي مشروعة في حق الزوج؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: «أولم» ولم يقل لأصهاره: أولموا، ولأن النعمة في حق الزوج أكبر من النعمة في حق الزوجة؛ لأنه هو الطالب الذي يطلب المرأة، ويندر جداً أن المرأة تطلب الرجل.
قوله: «بشاة بأقل»، فتسن لكن بقدر لا يزيد على شاة، بخبز، بحيس، بتمر، وما أشبه ذلك.
وقال بعض أهل العلم: إن الوليمة من النفقة الراجعة للعرف، فتسن بما يقتضيه العرف، على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، لكن بشرط أن لا تصل إلى حد المباهاة والإسراف، فإذا وصلت إلى حد الإسراف والمباهاة صارت محرمة أو مكروهة.
وقوله: «بشاة فأقل»، الدليل أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «أولم ولو بشاة»، والحديث لا يدل على ما قالوا، بل يدل على أن أقل شيء شاة، ولم يأت هذا التعبير في اللغة العربية مراداً به بيان الأكثر، وإنما يأتي في اللغة العربية مراداً به الأقل، فالصواب أنها للغني ولو بشاة؛ فإن كان غناه كبيراً يجعل شاتين، أو ثلاثاً، حسب حاله والعرف، ولكن بشرط أن لا يخرج إلى حد الإسراف والمباهاة، فالإسراف محرم، والمباهاة مكروهة.

قوله: «وتجب في أول مرة إجابة مسلم يحرم هجره إليها إن عينه ولم يكن ثم منكر»، انتقل المؤلف من بيان حكم الوليمة إلى بيان حكم الإجابة إليها إذا دُعي.
فقوله: «تجب» فعل مضارع فاعله قوله: «إجابة»، وفي هذا إشارة إلى أنه لا بد أن يكون هناك دعوة، وإلا فلا تجب الإجابة.
وقوله: «أول مرة» أي صنعت أول مرة، احترازاً من الثانية، والثالثة، والرابعة ... إلخ.
وقوله: «مسلم» احترازاً من الكافر، فالكافر لا تجب إجابته، فلو كان عندك جار من الكفار، وحصل عنده زواج، ودعاك إلى وليمته، فإن إجابته لا تجب، ولكنها تجوز؛ لأن إجابة دعوة الكافر جائزة، إلا فيما يقصد به الشعائر الدينية، فإنه تحرم الإجابة إليه، مثل أعيادهم؛ لأن إجابته لها معناه الرضا بها، وهي تفعل على سبيل التدين، فكأنه رضي بدينهم وأقره، ولهذا ـ باتفاق أهل العلم ـ لا يجوز تهنئتهم بها، لأن الرضى بشعائر الكفر أمره عظيم، والعياذ بالله.
وأما مناسباتهم غير الدينية كالولد والزواج، فمن أهل العلم من يقول: إن تهنئتهم بها جائزة، بشرط أن يكون في ذلك مصلحة، أو دفع مضرة، أو أنهم يفعلون ذلك بنا فنكافئهم عليه، وأما تشييع جنائزهم فلا يجوز.
وقوله: «يحرم هجره»، أفادنا أن من المسلمين من لا يحرم هجره؛ وذلك أن الهجر ينقسم إلى أقسام:

القسم الأول: من يجب هجره، وذلك كصاحب البدعة الداعي إلى بدعته، إذا لم ينتهِ إلا بالهجر، فإنه يجب علينا أن نهجره وجوباً؛ لأن في الهجر فائدة، وهو ترك الدعوة إلى البدعة، فإذا وجدنا شخصاً يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، أو إلى أن الله ـ تعالى ـ في كل مكان وجب علينا أن نهجره، فلا نسلم عليه، ولا نرد عليه السلام، ولا نجيب دعوته، ولا نتحدث إليه حديث الصديق؛ لأن هجره هنا فيه مصلحة، وقد ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه أمر بهجر من فعل محرماً، كما في قصة كعب وصاحبيه ـ رضي الله عنهم ـ 1، وفاعل المحرم أهون ممن يدعو إلى البدعة؛ لأن البدعة تستمر بالدعوة إليها، وفاعل المحرم فَعَلَه وانتهى.
القسم الثاني: من هجره سُنة، وهو هجر فاعل المعصية التي دون البدعة، إذا كان في هجره مصلحة، كهجر إنسان يحلق لحيته، فإذا رأينا شخصاً قد أصر على ذلك، وكان في هجره مصلحة، وهو الرجوع إلى حظيرة السنة، فالهجر هنا سنة حتى يرجع، وكذلك يقال في شارب الدخان، والموظف في جهات ربوية، ولا نقول: إنه واجب؛ لأننا لا نتحقق به ترك المحرم، فلو تحققنا به ترك المحرم لكان الهجر واجباً.
إذاً هنا الهجر سنة بشرط المصلحة، فإن لم يكن في هجره مصلحة فإنه لا يهجر؛ لأن الأصل أن هجر المؤمن حرام

لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة» 1، فإن لم يكن مصلحة صار الهجر حراماً، إذ لا يحصل منه إلا عكس ما نريد، وأما ما يفعله بعض الإخوة المستقيمين الغيورين على دينهم من هجر أهل المعاصي مطلقاً فغلط، ومخالف للسنة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة»، وفاعل المعصية أخ لك مهما فعل من الكبائر، إلا إذا كفر، وعلى هذا فلا يجوز هجر أهل المعاصي إلا لوجود المصلحة.
القسم الثالث: هجر مباح وهو ما يحصل بين الإنسان وأخيه بسبب سوء تفاهم، وهو مقيد بثلاثة أيام فأقل.
والقول الراجح أن الهجر لا يجب، ولا يسن، ولا يباح إلا حيث تحققت المصلحة، فإذا كان هناك مصلحة هجرنا وإلا فلا؛ لأن الهجر إما دواء وإما تعزير، فإن كان من أجل معصية مستمرة فهو دواء، وإن كان من أجل معصية مضت وانتهت فهو تعزير، فيحرم أن يهجر أخاه المؤمن ما لم يصل إلى الكفر، والدليل على ذلك عمومات الأدلة الدالة على حقوق المسلم على المسلم، والمؤمن لا يخرج من الإيمان بمجرد الفسوق والعصيان عند أهل السنة والجماعة، ولذلك الأصل تحريم هجر المؤمنين، ولو فعلوا المعصية وتجاهروا بها؛ لأنهم مؤمنون، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وحق المسلم على المسلم ست، ومنها: إذا لقيته فسلم عليه» 2،

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
فَصْلٌوَتَمْلِكُ الَمْرأَةُ صَدَاقَهَا بِالعَقْدِ، وَلَهَا نَمَاءُ المُعَيَّنِ قَبْلَ القَبْضِ، وَضِدُّهُ بِضِدِّهِ،وَإِنْ تَلِفَ فَمِنْ ضَمَانِهَا، إِلاَّ أَنْ يَمْنَعَهَا زَوْجُهَا قَبْضَهُ فَيَضْمَنُهُ، وَلَهَا التَّصَرُّفُ فِيهِ، وَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ،وَإِنْ طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوِ الخَلْوَةِ فَلَهُ نِصْفُهُ حُكْماً دُونَ نَمَائِهِ المُنْفَصِلِ، وَفِي المُتَّصِلِ لَهُ نِصْفُ قِيمَتِهِ بِدُونِ نَمَائِهِ،فصلوَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، أَوْ وَرَثَتُهُمَا فِي قَدْرِ الصَّدَاقِ، أَوْ عَيْنِهِ، أَوْ فِيمَا يَسْتَقِرُّ بِهِ فَقَوْلُهُ، وفِي قَبْضِهِ فَقَوْلُهَا.يَصِحُّ تَفْوِيضُ البُضْعِ بِأَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ المُجْبَرَةَ، أَوْ تَأْذَنَ امْرَأَةٌ لِوَلِيِّهَا أَنْ يُزَوِّجَهَا بِلاَ مَهْرٍ،فصلوتفويض المهر بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبيفَلَهَا مَهْرُ المِثْلِ بِالعَقْدِ، وَيَفْرِضُهُ الْحَاكِمُ بِقَدْرِهِ، وَإِنْ تَرَاضَيَا قَبْلَهُ جَازَ،وَيَصِحُّ إِبْرَاؤُهَا مِنْ مَهْرِ المِثلِ قَبْلَ فَرْضِهِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا قَبْلَ الإِصَابَةِ وَالفَرْضِ وَرِثَهُ الآخَرُ، وَلَهَا مَهْرُ نِسَائِهَا،وَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ فَلَهَا المُتْعَةُ بِقَدْرِ يُسْرِ زَوْجِهَا وَعُسْرِهِ، وَيَسْتَقِرُّ مَهْرُ المِثْلِ بِالدُّخُولِ،أَوْ زِناً كُرْهاً، وَلاَ يَجِبُ مَعَهُ أَرْشُ بَكَارَةٍ،وَلِلمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى تَقْبِضَ صَدَاقَهَا الحَالَّ، فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً، أَوْ حَلَّ قَبْلَ التَّسْلِيمِ، أَوْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا تَبَرُّعاً فَلَيْسَ لَهَا مَنْعُها،فَإنْ أَعْسَرَ بِالمَهْرِ الحَالِّ فَلَهَا الفَسْخُ، وَلَوْ بَعْدَ الدُّخُولِ، وَلاَ يَفْسَخُهُ إِلاَّ حَاكِمٌبَابُ وَلِيمَةِ العُرْسِتُسَنُّ بِشَاةٍ فَأَقَلَّ، وَتَجِبُ فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ إِجَابَةُ مُسْلِمٍ يَحْرُمُ هَجْرُهُ إِلَيْهَا إِنْ عَيَّنَهُ، وَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ مُنْكَرٌ،
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل