الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 205-244
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ النِّكَاحِ

صفحات 205-244
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: «أو ببينة على إقراره» أنكر لكن عندنا عليه بينة تشهد بأنه أقر من قبل بأنه عنين، فتثبت العنة، فما الحكم فيه؟ الجواب قوله: «أجل سنة منذ تحاكمه» يؤجل سنة منذ التحاكم، والمراد بالسنة هنا الهلالية لا الفصلية؛ لأنها هي التي نص عليها القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ﴾ ﴿لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، فبيَّن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن السنين هي السنين الهلالية، وقال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة: 189]، وهل هناك فرق بين الهلالية والفصلية؟ نعم، الفصلية أطول؛ لأن الفصلية متعلقة بالبروج، والبروج اثنا عشر برجاً، وأيامها أطول من أيام الهلالية، فالمهم أنها سنة هلالية، فتوقَّت بها الآجال لمن فيه عُنة.
وقوله: «منذ تحاكمه» لا منذ الزواج، ولا منذ الدعوى، فلو ادعت عليه ـ مثلاً ـ في محرم، ولم يتحاكما إلا في ربيع، فالمدة من ربيع.
وقوله: «أجل سنة» المؤجل له الحاكم الشرعي.
قوله: «فإن وطئ فيها وإلا فلها الفسخ» إن وطئ الزوج في هذه المدة فلا فسخ لها؛ لأنه تبين أنه ليس بعنين وإلا فلها الفسخ.

وهذه السنة التي ضربت للعنين، أحياناً تكون المرأة حائضاً، فلو قال: إنه نشط في أيام حيضها فلا يقبل، ويقال: وإن لم تتمكن من الجماع في أيام الحيض، لكن تتمكن من المباشرة، ويعلم بذلك زوال عنتك.
وهل تحتسب عليه أيام الحيض؟ نعم، تحتسب عليه، والدليل أنه روي عن عمر وعثمان وابن مسعود والمغيرة بن شعبة ـ رضي الله عنهم ـ 1. وهل هذا حكم تشريعي أو حكم قضائي؟ يحتمل أنه حكم قضائي، وحينئذ يكون راجعاً إلى اجتهاد القاضي، وقد يختلف من زمان إلى آخر، ويحتمل أنه حكم تشريعي، وهذا ينبني على قول الصحابي هل هو حجة أو ليس بحجة؟ والصحيح أن قول عمر وأبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ: حجة لقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «اقتدوا بالذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر» 2، وقوله: «إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا» 3. ولكن يحتمل أن يكون قضاءً، وفرق بين القضاء والتشريع،

فالقضاء اجتهاد في وقته ومحله، يختلف من قاضٍ إلى آخر، ومن زمن إلى زمن، ومن حال إلى حال، والتشريع لا يتغير.
ولهذا أمثلة، منها: أن الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ قضى للقاتل بسلب المقتول، فقال: «من قتل قتيلاً فله سلبه» 1، فاختلف العلماء في مثل هذا، هل هو تشريع أو قضاء؟ فمن قال: إنه قضاء قال: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل من قتل قتيلاً فله سلبه في تلك الغزوة، ومن جعله تشريعاً قال: إنه عام في جميع الغزوات.
فلو أن الطب بالفحص الدقيق قال: إن الرجل عنين قبل أن تمضي السنة، أو قال: إنه ليس بعنين، أو قال: إنه يحتمل أن يعود عليه نشاطه في فصل من فصول السنة، فهل لنا أن نخالف هذا الحكم؟ إن قلنا: إنه من باب التشريع فلا نخالفه، حتى لو قال لنا الأطباء: إننا نعلم علم اليقين أن هذا الرجل لن تعود إليه قوة الجماع فإننا لا نأخذ به، بل نؤجله، وإذا قلنا: إنه من باب القضاء الخاضع للاجتهاد، فإنه إذا قرر الأطباء من ذوي الكفاءة والأمانة أنه لن تعود إليه قوة الجماع فلا فائدة من التأجيل، فلا نستفيد من التأجيل إلا ضرر الزوجة، فهو في الحقيقة يشبه مقطوع الذكر في عدم رجوع الجماع إليه، فلا حاجة في التأجيل حينئذٍ.
ومما يعلم بالطب، واشتهر عند الناس أن من كُوِيَ من صُلبه فإنه تبطل شهوته، إما لأنه لا ينزل، أو لا ينتشر، ولهذا

يحترزون جداً من كي الإنسان في صُلبه، فمثل هذا إذا علمنا أنها لن تعود شهوته فلا فائدة من التأجيل؛ لأن ذلك يشبه المجبوب الذي لا يرجى، بل يقطع بعدم قدرته على الوطء.
أما تعليل التأجيل بسنة فقالوا: لأجل أن تمر عليه الفصول الأربعة، وهي: فصل الربيع، والصيف، والخريف، والشتاء.
فصل الربيع يبتدئ من برج الحَمل، إذا تساوى الليل والنهار بعد طول الليل، ففصل الربيع له الحَمل والثور والجوزاء، وفصل الصيف يكون إذا بلغ النهار نهايته في الطول، وله السرطان والأسد والسنبلة، ثم بعد ذلك يبتدئ فصل الخريف، وذلك إذا تساوى الليل والنهار بعد طول النهار، وله الميزان والعقرب والقوس، ثم يدخل فصل الشتاء إذا انتهى طول الليل وبدأ النهار يزيد حتى يتساوى الليل والنهار، فيدخل فصل الربيع.
فالعلماء يقولون: إذا أُجل هذه السنة وتعاقبت عليه الفصول، فإنه يتبين إن كان عنيناً طبيعة فلا ينتفع باختلاف الفصول؛ لأن في الإنسان طبائع أربعة، وهي الحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة فقد يكون هناك غلبة إحدى الطبائع الأربع فلا يناسبها هذا الوقت من فصل السنة، ويناسبها الفصل الثاني؛ فلهذا أجل سنة ليتبين أمره.
مسألة: هل ضعف الرجل في الجماع عُنَّة؟ ليس عُنة، فما دام يستطيع الجماع فإنه ليس بعنة، حتى لو كان لا يجامع في الشهر إلا مرة ـ مثلاً ـ؛ لأنه ثبت أنه يجامع.
مسألة: هل يمكن أن يكون الإنسان عنيناً متبعضاً، بمعنى

أنه في وقت يقدر على الجماع، وفي وقت لا يقدر؟ الجواب: يمكن، لكنه ليس بعنين؛ لأنه ليس بدائم.
وهل يمكن أن يكون عنيناً بالنسبة لزوجة، وليس عنيناً بالنسبة لزوجة أخرى؟ الجواب: الواقع يمكن، لا سيما إذا كان ـ والعياذ بالله ـ مسحوراً؛ لأن هناك سحر عطف وصرف، فقد يكون هو بالنسبة لفلانة لا يستطيع الجماع أبداً، وبالنسبة للأخرى يستطيع أن يجامع، ففي الأولى: المذهب أنه ليس لها الفسخ؛ لأنه ليس بعنين، فهو قادر على الجماع، والصواب وهو الراجح عندي أن لها الفسخ، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، ولو قيل: إن هذه أحق بالفسخ من غيرها؛ لأنها تراه مع ضرتها، يغتسل في اليوم ثلاث مرات، وهي لا يأتيها، فهذا أشد عليها مما لو كان منفرداً بها، فينبغي أن نمكنها من الفسخ رأفة بها ورحمة، ولعل الله أن ييسر لها زوجاً يحصل به الكفاية.

وَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ، وَلَوْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ: رَضِيتُ بِهِ عِنِّيناً سَقَطَ خِيَارُهَا أَبَداً.

قوله: «وإن اعترفت أنه وَطِئها فليس بعنين» يعني ولو مرة واحدة، فلو قالت: إنه جامعها في أول ليلة فإنه ليس بعنين، فلا يكون لها الخيار، وتبقى معه طول حياتها لا تتمتع بلذة، ولا تتمتع بأولاد، ونقول: اصبري لعل الله يرزقه القوة أو يموت أو يطلقك، فالأمر بيد الله ـ عزّ وجل ـ. إذاً على كلام الفقهاء ـ رحمهم الله ـ العنة لا تحدث، فمتى جامع الرجل مرة واحدة فليس بعنين، وهذا القول ضعيف يخالفه الواقع، فإن العُنَّة تحدث بلا ريب؛ لأن الإنسان معرض لفقد قواه

كلها أو بعضها، أليس السميع يمكن أن يلحقه الصمم؟! بلى، والبصير يلحقه العمى، والقوي الجسم يلحقه الضعف، أيضاً قوي الشهوة يلحقه الضعف، فكثير من الناس يبتلى بمرض يفقده الشهوة نهائياً، فلا يشتهي إطلاقاً ولا ينتشر ذكره، وهذه هي العُنة، فكيف نعلم علم اليقين أن زوجها لم يجامعها، ثم نقول: إنه لا خيار لها؟! فالصواب أن العنة تحدث، وأنها إذا حدثت فللزوجة الخيار.
فإذا قال قائل: كيف تجعلون لها الخيار في أمر قدره الله على الزوج، وليس باختياره؟ قلنا: هذا من المصائب التي يبتلى بها المرء، فالزوج ابتلي بهذه المصيبة، فلا نجعل مصيبته مصيبة على غيره، وإذا كان الرجل إذا أعسر بالنفقة فللزوجة الفسخ، فكيف إذا أعسر بما هو أهم عندها من النفقة؟! فكثير من النساء ما يهمهن النفقة، بل يهمهن الاستمتاع والولد، والنفقة عندهن شيء ثانوي، بل ربما تنفق على زوجها، فالصواب بلا شك أنه متى ثبتت العُنة ولو طارئة وعلم أنها لن تعود شهوة النكاح، فإن لها الفسخ، أما إذا كانت العنة أمراً طارئاً يزول فإننا لا نمكنها من الفسخ؛ لعدم اليأس من قدرته على الجماع.
وقوله: «وإن اعترفت أنه وطئها» قال في الروض 1: في القبل في النكاح الذي ترافعا فيه ولو مرة «فليس بعنين»، فعلم منه أنه لو اعترفت أنه وطئها في نكاح سابق، ثم طلقها ثم تزوجها ثانياً ولم يطأها أنه عنين، وهذا ما يؤيد القول الذي رجحناه، وهو

أن العنة تحدث إذ لا فرق في حدوث العنة بين النكاح السابق والنكاح اللاحق.
قوله: «ولو قالت في وقت: رضيت به عنيناً، سقط خيارها أبداً» كامرأة رضيت بزوجها عنيناً، ثم أصابها ما يصيب النساء من شهوة النكاح، فأرادت أن تفسخ، نقول: لا خيار لكِ، فإن قالت: ذاك الوقت أنا معجبة به وراضية، لكن طالت المدة، وأنا الآن لا أريده، فنقول: لا خيار لك؛ لأن التفريط منك.
وهذا مما يجعل الإنسان يأخذ درساً في أن لا يكون مبالغاً في الأمور، فلا يظن أن الأحوال تدوم، بل يكون عنده احتياط وتحفظ، ولهذا ورد في بعض الآثار: «أبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما» 1، وهذا صحيح، لا تغالِ في الأمور، ونزِّل الأمور منازلها، واحسب للمستقبل حسابه حتى تكون حكيماً فيما تفعل وفيما تقول.

فَصْلٌ

وَالرَّتَقُ، وَالقَرَنُ، وَالعَفَلُ، وَالفَتْقُ،

.............. قوله: «والرَّتَقُ» مأخوذ من الجمع، كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ [الأنبياء: 30] أي: شيئاً واحداً، فالرتق معناه أنه يكون فرج المرأة مسدوداً، ما يسلكه الذكر، فهذا يثبت للزوج الخيار؛ لأنه يفوت مقصود النكاح من الولد والاستمتاع.
قوله: «والقَرَن» وهو لحم ينبت في الفرج فيسده، وحكمه كالأول، وهو طارئ، والأول أصلي.
قوله: «والعَفَلُ» وهو ورم في اللحمة التي بين مسلكي المرأة، فيضيق منها فرجها، فلا ينفذ فيه الذكر.
قوله: «والفَتْقُ» وهو انخراق ما بين سبيليها، أي: ما بين مخرج بول ومَنِيٍّ، وهذا يمنع التلذذ، وربما يؤدي إلى تسرب البول إلى مخرج المني، وأيضاً قد يمنع الحمل، بحيث يكون هذا الانفتاق سبباً لضياع المني، فلا يصل إلى الرحم، وحينئذٍ يكون هذا عيباً.
وهذه العيوب كلها تتعلق بالفرج، فهي خاصة بالمرأة؛ والسبب في كونها عيوباً أنها تمنع مقصود النكاح.
وظاهر كلام المؤلف أن الفتق عيب ولو أمكن إزالته، ونحن نقول: إذا لم تمكن إزالته إلا بعد عملية طويلة فهو عيب، وقد تنجح وقد لا تنجح، لكن إذا كان الطب قد ترقى، وقالوا: هذا سهل، يزول خلال أسبوع، فظاهر كلامهم في كتاب البيوع أنه إذا زال العيب سريعاً في السلعة فلا خيار، أن يقال: هذا كذلك،

وقد يقال: هناك فرق؛ لأن تصور الزوج أن امرأته أجرت عملية في هذا المكان سوف يمنعه من كمال اللذة، وعليه فنقول: هو عيب ولو أمكن إزالته.

وَاسْتِطْلاَقُ بَوْلٍ، وَنَجْوٍ، وَقُرُوحٌ سَيَّالَةٌ فِي فَرْجٍ،

......... قوله: «واستطلاق بول ونجو» البول معروف، والنجو الغائط، ومعنى استطلاقهما أنه لا يمكن أن يحبسهما، يعني هو السلس، فسلس البول أو الغائط عيب، من أشد ما يكون من العيوب، وهل مثلهما الريح؟ الجواب: نعم؛ لأن الريح تبعث رائحة كريهة.
وهذا العيب مشترك بين الرجل والمرأة، والمؤلف ـ رحمه الله ـ خلط بين الخاص والمشترك، وكان من حسن التصنيف أن يجعل الخاص وحده والمشترك وحده.
قوله: «وقروح سيالة في فرج» هذا خاص بالمرأة، فإذا كان فيها قروح سيالة تسيل ماءً في الفرج، فهو عيب؛ لأنه يوجب النفرة، ويمنع من كمال الاستمتاع.
وعلم من قوله: «سيالة» أنه لو كانت القروح يابسة لا تسيل فليست بعيب، وفيه نظر؛ وذلك لأن القروح في الفرج لا شك أنها توجب النفرة منه والقلق، وحتى لو فرض أنه لقوة محبته للمرأة وشهوته للجماع لا يبالي، لكن ربما تعافها نفسه، لا من جهة الميل النفسي، لكن من جهة خوف العدوى.
قال في الروض 1: «واستحاضة» وهي استمرار الدم الخارج من المرأة، وهو دم طبيعي لكنه مرض، بخلاف الدم

الناشئ عن عملية في الرحم مثلاً، فالدم الناشئ عنها ليس استحاضة إلا أنه ملحق بها في الحكم، فالاستحاضة عيب؛ وذلك لأننا لو قلنا: إنها تمنع الوطء لخوف العنت فهذا عيب واضح، وإذا قلنا بالقول الصحيح أنه يجوز وطء المستحاضة فإنه وإن جاز وطؤها، فلا شك أنه يحدث للرجل نفوراً من هذه المرأة المستحاضة، فكلما جامع وجد نفسه متلوثاً بالدم، هذا لا شك أنه ينفر منها، ويمنع من كمال الاستمتاع.
وهل نقول: إن كثرة المذي من الرجل عيب؟ ليس عيباً؛ لأنه ليس كاستطلاق البول إذ إنه لا يكون إلا من شهوة.

وَبَاسُورٌ، وَنَاصُورٌ، وَخِصَاءٌ، وَسَلٌّ وَوِجَاءٌ، وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا خُنْثَى وَاضِحَاً، وَجُنُونٌ وَلَوْ سَاعَةً،

قوله: «وباسور، وناصور» وهما داءان بالمقعدة، مثل الجروح، يصيبان الرجال والنساء، فإذا كان في أحدهما باسور أو ناصور فهو عيب، والفرق بينهما أن الباسور يكون داخل المقعدة، والناصور يكون بارزاً، ودائماً يكون ملوثاً، ومع أنهما لا يحدثان أي شيء بالنسبة للجماع، ولا يشوهان المنظر أيضاً، ومع ذلك يقولون: إن هذا من العيوب؛ لأنه إذا ذكر أن بامرأته باسوراً أو ناسوراً لا يرتاح لها، وكذلك بالنسبة للمرأة مع الرجل.
قوله: «وخِصاء، وسَل» الخصاء قطع الخصيتين بجلدتهما، والسَّل ليس هو السِّل المعروف عند الناس، الذي هو المرض في البدن كله، السَّل ـ أي: سل الخصيتين ـ بحيث تقطع الخصيتان ويبقى الجلد، وهذا في الأحوال العادية لا يمكن، لكن قد يسلط الله على إنسان عدوًّا يأسره ـ ككافر ـ ويمثل به هذا التمثيل.

قوله: «ووِجاء» وهو أن يقطع الخصيتين ووعاءهما قطعاً، فإن ذلك يضعف الشهوة بلا شك، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» 1، والخصاء والسل والوجاء، إما أن تضعف الوطء، أو يزول بالكلية، ثم إنها ـ أيضاً ـ تمنع من النسل؛ لأنه إنما يكون بالمني، والمني لا ينشئه إلا الخصيتان، وإذا فقدت الخصيتان فلا نسل، بل ولا جماع كامل، فيكون هذا عيباً.
قوله: «وكون أحدهما» أي: أحد الزوجين.
قوله: «خنثى واضحاً» فإن كان مشكلاً لا يصح نكاحه من الأصل على ما تقدم في المذهب، أما هذا فهو واضح أنه رجل فيتزوج امرأة، أو أنه أنثى فيتزوجه رجل، فهذا يثبت به الفسخ؛ لأن رجلاً يتزوج امرأة على أنها امرأة خالصة، ثم يجد معها آلة ذكر، أو يجد لها لحية، فلا شك أنه ينفر منها، وكذلك العكس، امرأة تزوجت رجلاً، فإذا له فرج، أو له ثدي، فهذا من العيوب.
قوله: «وجنون ولو ساعة» الجنون ـ والعياذ بالله ـ فقد العقل، فإذا فقد العقل ولو ساعة من زمان، أي: إذا ثبت أنه جُن ولو ساعة، فإن ذلك يعتبر عيباً، سواء المرأة أو الرجل، ومنه الصرع.
وظاهر كلامه ولو برئ منه، لأنه لا يؤمن أن يعود.

أما إذا كان الجنون بواسطة الأعصاب، وعولج علاجاً تاماً، وقطع الأطباء أنه لن يعود لكونهم ـ مثلاً ـ وجدوا عرقاً يكون سبباً للتشنج العصبي، وقطعوه أو غير ذلك، المهم أنهم قطعوا بأنه لن يعود، فهذا ليس بعيب؛ لأنه ما من إنسان إلا ويمرض ثم يبرأ، لكن إذا كان بسبب الجن، أو بسبب الأعصاب لكن لم يشف فهو عيب.

وَبَرَصٌ، وَجُذَامٌ يُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الفَسْخَ،

........ قوله: «وبَرَص» وهو بياض الجلد، وهو من الأمراض التي قد تكون وراثية، وقد تكون لسبب من الأسباب، ومن أكثر أسبابها التخم، وهو أن الإنسان يملأ بطنه، ويخلط فيه من الأكل، ولهذا قال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إذا خاف الإنسان بأكله التخمة فالأكل عليه حرام، ولو أنه خبز ولحم.
ومن أسبابه ـ أيضاً ـ الروعة والوحشة فإنها تحدث ذلك، وقد كان الناس فيما سبق يسافرون في الليالي المظلمة المخيفة، فأحياناً يصيب بعضهم هذا البلاء، وقد يكون بأمر الله لا يعلم له سبب، فهذا البرص ولو بقدر رأس الإبرة يعتبر عيباً، سواء كان بالزوج أو بالزوجة، ولهذا جاء في الحديث في قصة الثلاثة الذين كان أحدهم أبرص قال: «ويذهب عني الذي قذرني الناس به» 1 وكلام الفقهاء ولو قليلاً؛ لأنه لا يؤمن أن يزداد وينتشر، وعلى هذا فلو كان في إبط الزوجة كرأس الإبرة برص، وجب على

أهلها عند العقد أن يبينوا له؛ لأن هذا عيب وكذلك الرجل.
لكن حسب ما نرى أن البرص نوعان: برص يعتبر مرضاً حقيقة، فينشأ أول ما ينشأ في الإنسان جزء صغير جداً، ثم ينتشر في الجلد كالجرب نسأل الله السلامة، وقسم آخر ليس عيباً فتجد مثلاً الجلد أصابه شيء، إما لذعة نار أو جرح أو ما أشبه ذلك، أو أنك لا تدري ما السبب لكنه ليس بمرض، فلا يزيد ولا يتغير ولا يكاد يخلو منه أحد، لكن مرادهم البرص الذي يكون عيباً، وينتشر في الجلد، ويخشى من انتشاره، والغريب ـ سبحان الله ـ أن هذا المرض لا يعدي، ولهذا لو كان يعدي لتمكن الأطباء من معالجته؛ لأن المرض الذي يعدي، يعدي بجراثيمه، وإذا علمت الجراثيم أمكن القضاء عليها، ولهذا تجد بعض الأحيان يكون هذا الرجل خادماً لأناس، يطبخ غداءهم وعشاءهم، ويلامس أوانيهم، وهم سالمون من هذا المرض.
وإبراء الأبرص من الآيات التي أعطيها عيسى صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى: ﴿وَتُبْرِىءُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ﴾ [المائدة: 110] فهو من الآيات المعجزات؛ لأن إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وإخراجهم من القبور لا يقدر عليها البشر، لا بعلاج ولا غيره، فعلى كل حال البرص داء منفر، وهو عيب في الزوج أو الزوجة.
قوله: «وجذام» وهو عبارة عن قروح تصيب البدن، ولا يسلم منها، فلا تزال تسري حتى يموت الإنسان، ويسمى عند العامة الآكلة؛ لأنها تأكل الجلد، وهو لا شك عيب، وهو ـ أيضاً ـ معدٍ، وقد جاء في السنة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر بالفرار من

المجذوم 1، حتى إن العلماء قالوا: يجب على السلطان أن يعزل الجذمى في مكان واحد؛ لئلا يختلطوا بالناس فينتشر هذا الداء.
قوله: «يثبت لكل واحد منهما الفسخ» وثبوت الفسخ للمرأة ظاهر المصلحة؛ لأن المرأة ليس بيدها الطلاق، فإذا ثبت لها الفسخ حصل لها الفراق، لكن ثبوت الفسخ للرجل، ماذا يستفيد منه؟ نقول: إنه يستفيد منه ثلاث فوائد: الأولى: أنه لا ينقص به عدد الطلاق، فلا يحسب عليه من الطلاق.
الثانية: أنه يرجع بالمهر على من غره ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ. الثالثة: أن الناس لا ينظرون إليه على أنه رجل مطلاق، أي: كثير الطلاق، وهذه فائدة اجتماعية؛ لأن الرجل المطلاق لا يكاد يقدم على تزويجه أحد؛ لأنهم يخشون أن يطلق.
وهذه العيوب إذا تأملناها، وجدنا منها ما يمكن معالجته، ومنها ما لا يمكن معالجته، فهل هي سواء، أو نقول: إنه إذا أمكن إزالة العيب فلا خيار؟ فالرتق يمكن معالجته بعملية، ولكن هل العملية تجعل الفرج كالطبيعي؟ الظاهر ليس كذلك، وكذلك ـ أيضاً ـ القَرَن، ولا ندري هل يكون كالطبيعي أم لا؟ والعَفَل يمكن علاجه؛ لأنه ما دام ورماً فإنه يمكن علاجه بدون عملية، فإن كانت تبرأ بعد عشر سنين فلا يلزمه الانتظار، لكن إذا كان

في وقت لا تفوت به مصلحة الزوج فإنه لا خيار له، لا سيما مع عدم الغش، أما مع الغش فلا ينبغي أن يعامل الغاش بالأخف والأيسر؛ لأنه ليس محلاً للرحمة.
وأما استطلاق البول والنجو فما أمكن علاجه بسرعة، بحيث لا تفوت مصلحة الزوج فإنه لا يثبت به الفسخ، والقروح السيالة في الفرج واضح أنه يمكن معالجتها، والباصور يمكن معالجته، والناسور يمكن لكنه يعود، والخصاء والسل والوجاء لا يمكن معالجتهما، وكون أحدهما خنثى واضحاً لا يمكن، وإذا كان ليس له إلا ذكر فقط، وجميع مميزات المرأة موجودة فيه ما عدا الآلة، وقالوا: يمكن أن تجرى له عملية بكل سهولة، فهذا يمكن إزالة العيب بدون أي ضرر، ما دام أن الفرج سليم.
وأما الجنون فنوعان: نوع له سبب محسوس فهذا لا شك أنه إذا عولج فبرئ منه فإنه لا خيار، وهو ما يسمى عند الناس الوِشرة، وهو أن الرأس ينفتق في ملاحمه، فتق من الدماغ، ثم يبدأ الرجل يهذي حتى يصل إلى الجنون، لكن له علاج وهو الكي، ولهم طرق يستدلون بها على موضع الفتق، فيضعون على موضع الفتق عجيناً ليناً، فإذا أصبح ووجدوا أن محل الفتق يابس، مع البخار عرفوا موضعه، فإذا كوي بإذن الله برئ بسرعة، كأنما نشط من عقال، فمثل هذا ليس بعيب؛ لأن هذا مرض يزال.
النوع الثاني: ما ليس له علاج فهذا يثبت الفسخ؛ لأنه لا يؤمن أن يعود، ولأن الزوج أو الزوجة يُعيَّر بذلك، فيقال: تزوج

فلانة التي كانت مجنونة بالأسواق، أو فلاناً كذلك، ففيه نوع عار عليه.
والبرص ما أظنه يبرأ، فهو عيب يثبت الفسخ بكل حال، والجذام لا يبرأ كذلك، نسأل الله العافية.
وغير هذه العيوب لا تثبت الفسخ، فالعمى ليس بعيب، والصمم ليس بعيب، والخرس ليس بعيب، والعرج ليس بعيب، وقطع الرِّجْل أو اليد ليس بعيب، وعلى هذا فقس، فلو تزوج امرأة عمياء، بكماء، صماء، مقطوعة اليد، عرجاء الرجل، عجوزاً فإنه لا يعتبر ذلك عيباً، فإن قال: أنا أديت مالاً كثيراً، قالوا: لماذا لم تشترط خُلُوَّهَا من هذه العيوب؟ لماذا لم تقل عند العقد: بشرط أن تكون بصيرة، سميعة، ناطقة، غير عرجاء، ولا مقطوعة اليد ... إلخ؟! كل هذه العيوب لا يثبت بها الفسخ، فلا بد أن تشترط انتفاءها عند العقد؛ فإن لم تشترط فأنت مخاطر، إن وجدتها سليمة، وإلا فلا خيار لك، هذا ما ذهب إليه الفقهاء ـ رحمهم الله ـ. ولكن هذا القول فيه نظر، والصواب أن العيب كل ما يفوت به مقصود النكاح، ولا شك أن من أهم مقاصد النكاح المتعة والخدمة والإنجاب، فإذا وجد ما يمنعها فهو عيب، وعلى هذا فلو وجدت الزوج عقيماً، أو وجدها هي عقيمة فهو عيب، ولو وجدها عمياء فهو عيب؛ لأنه يمنع مقصودين من مقاصد النكاح وهما المتعة والخدمة، ولو وجدها صماء فإنه عيب، وكذلك لو وجدها خرساء فإن ذلك عيب، ولو وجدها لا أسنان لها وهي شابة ليست عجوزاً فإن هذا لا يعد عيباً؛ لأنه يمكن إزالته،

والزوج مصلحته من الأسنان كمال الجمال، فيمكن أن تركب أسناناً، وتكون من أحسن ما يكون.
إذاً لو قال قائل: إذا وجدها غير جميلة لكن ليس فيها عيب، فهل يعتبر ذلك موجباً للفسخ؟ لا، إلا إن كان قد اشترط، أما إن وجد فيها خدشاً في الوجه، أو بياضاً في العين، أو شرماً في الشفة وما أشبه ذلك، فلا شك أن هذا عيب، فالصواب أن العيوب غير معدودة، ولكنها محدودة، فكل ما يفوت به مقصود النكاح، لا كماله فإنه يعتبر عيباً يثبت به الخيار، سواء للزوج أو للزوجة.
أما الكِبَر، بمعنى أنه ظن أنها بنت سبع عشر فإذا هي بنت ثلاثين سنة، أو ظنت أن له خمساً وعشرين سنة فإذا له خمس وثلاثون سنة، فالظاهر أن هذا ليس بعيب، لكن لو بانت عجوزاً أو بان شيخاً كبيراً فهذا عيب؛ لأنه يفوت المقصود.
فإذا قال قائل: هذا الرجل يشاهَد فلماذا لم تنظروا إليه؟ فنقول: وجدناه ذا لحية قد طلاها بالسواد، أو حلقها ولا ندري، فيمكن أن يغتر الناس به لأحد هذين السببين.
وهذا الذي اخترناه هو الذي اختاره ابن القيم ـ رحمه الله ـ وكذلك أشار إليه شيخ الإسلام ابن تيمية، وبعض الأصحاب ـ رحمهم الله ـ، وحجة المذهب أن هذا هو الوارد عن السلف من الصحابة والتابعين، فيقال: إن الوارد عن السلف من الصحابة والتابعين قضايا أعيان، يقاس عليها ما يشبهها، أو ما كان أولى منها، ولا ريب أن كل أحد يعلم أن بعض هذه العيوب لا تساوي

شيئاً بالنسبة لعيوب كثيرة، ذكروا أنها ليست عيوباً، والشريعة لا يمكن أن تفرق بين متماثلين، ولا أن تجمع بين مختلفين أبداً، فإذا تشابه الشيئان صار حكمهما واحداً، وإذا اختلفا اختلف حكمهما، هذه قاعدة عامة في كل الشريعة، وقد يبدو للإنسان في بعض الأحيان أن الشيئين مختلفان وهما لم يختلفا، وقد يبدو أنهما مفترقان وهما لم يفترقا، وحينئذ يكون الخطأ من سوء فهمه، وليس من الحكم الشرعي.

وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ العَقْدِ،

.......... قوله: «ولو حدث بعد العقد» أي: لو حدث العيب بعد العقد فلمن له الحق أن يفسخ؛ لأن العيوب قد تحدث بعد العقد، وقد تكون من قبل كما هو واضح، فمثلاً الرتق والفتق وما أشبه ذلك بالنسبة للمرأة يكون قبل العقد، والعُنة على القول الراجح تحدث وتكون بعد العقد.
وقوله: «ولو حدث بعد العقد» هذا إشارة خلاف، حيث إن بعض أهل العلم يقول: إن العيب إذا حدث بعد العقد، وهو لا يتعدى ضرره فإنه لا خيار، كما لو حدث عيب السلعة بعد البيع فلا خيار للمشتري؛ لأنها تعيبت على ملكه، فكذلك إذا حدث بعد العقد فإنه لا خيار، وهذا القول يكون متوجهاً في بعض العيوب، أما بعضها فإنه لا ينبغي أن يكون فيه خلاف، فالجنون المطبق ـ والعياذ بالله ـ إذا حدث بعد العقد لو قلنا: ليس للمرأة الخيار لكان مشكلاً، وهو أن نلزمها بالبقاء مع رجل مجنون تخاف على نفسها منه وعلى أولادها، وهذا لا يمكن أن تأتي به

الشريعة الرحيمة، فبعض العيوب قد نقول: إنه لا يضر حدوثه، فالشيء الذي لا يؤثر من هذه العيوب لا ينبغي أن يكون فيه خيار إذا حدث بعد العقد، والمؤثر كما قال المؤلف.
أَوْ كَانَ بِالآخَرِ عَيْبٌ مِثْلُهُ، ........

قوله: «

أو كان بالآخر عيب مثله

» فإنه يثبت الفسخ، لما اطلع الرجل على برص في زوجته قال: بك عيب، فقالت: وأنت بك عيب البرص، فلكل منهما الخيار، فإذا قال: لا خيار لك؛ لأن فيك مثل هذا العيب الذي فيّ، فما الجواب؟ الجواب: أن يقال كما علله الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: إن الإنسان ينفر من عيب غيره ولا ينفر من عيب نفسه، ولهذا تجد الإنسان يتقزز إذا رأى في إنسان جرحاً، لكن جرحه الذي فيه لا يتقزز منه.
إلا أن بعض الأصحاب استثنوا من ذلك ما لو كان مجبوباً وهي رتقاء، فإنه لا خيار لأحدهما؛ لأنه في هذه الحال إذا وجدها رتقاء إنما يثبت له الفسخ لفوات الاستمتاع بالجماع، وإذا وجدته مجبوباً فإنما يثبت لها الفسخ لفوات الاستمتاع بالجماع، وهنا لا فائدة، حتى لو كان هو غير معيب فإنها لن تستفيد منه، ولو كانت هي غير معيبة فإنه لن يستفيد منها، وعلى هذا فلا خيار لهما، وهذا وجيه.
وقوله: «مثله» أي: يقاس عليه ما إذا كان العيب مغايراً له، فلو كان في الآخر عيب من غير جنسه، مثل أن يكون في المرأة استطلاق النجو، وفي الرجل برص مثلاً، فلها أن تفسخ من باب أولى؛ لأنه إذا كان العيب المماثل لصاحبه أن يفسخ، فهذا من باب أولى.

وَمَنْ رَضِيَ بِالعَيْبِ، أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ دَلاَلَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ،

....... قوله: «ومن رضي بالعيب أو وجدت منه دلالته مع علمه فلا خيار له»، «من» شرطية «رضي» فعل الشرط، وجوابه «فلا خيار له».
وقوله: «رضي بالعيب» بأن صرح به، فقالت المرأة: رضيت به معيباً، أو قال هو: رضيت بها معيبة، فإنه لا خيار لهما؛ لأن الحق لهما وقد أسقطاه.
وقوله: «أو وجدت منه دلالته» أي دلالة الرضا.
وقوله: «مع علمه» أي بالعيب، فإذا قال إنسان: هذا فيه إشكال من الناحية العربية؛ لأن الضمير في «دلالته» يعود على الرضا، ومرجع الضمير لا يكون إلا اسماً، ولا يمكن أن يكون فعلاً، فالجواب أنه يعود على اسم وهو الرضا المفهوم من «رضي» ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي: العدل المفهوم من ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾.
والدلالة: العلامة الدالة على رضاه، مثل أن تمكنه من الجماع، فإذا مكنته من ذلك مع علمها بعيبه دل هذا على أنها راضية به، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال بعض أهل العلم: إن هذا لا يسقط الفسخ؛ لأنها قد تمكنه وهي غير راضية، لكن تفكر في أمرها هل توافق أو ترفض؟ وبعضهم استثنى مسألة العنين قال: لأنها قد تمكنه رجاء أن تزول عنَّته ويقدر على الوطء، فليس التمكين من الوطء بدليل على الرضا، وعلى هذا يقال: يجب أن نتحقق بأنها فعلت ما يدل على

الرضا، فإذا شككنا وصار هذا التمكين غير صريح في الدلالة على الرضا، فالأصل عدم الرضا وبقاء حقها، فإذا علمنا أن هذه المرأة تمكن زوجها من أن يستمتع بها، وكأنه ليس به مرض، وهي عالمة بهذا العيب، فهذا دليل على الرضا، أما إذا كنا نعلم أنها امرأة تريد أن تتروى في الأمر، أو ترجو زوال هذا العيب فإنه لا يكون دليلاً على رضاها.
وقوله: «فلا خيار له» سواء كان الرجل أو المرأة.
وظاهر قوله «من رضي بالعيب» أن خياره يسقط ولو كان جاهلاً بالحكم، وفي هذه المسألة يكون التفريق بين الجهل بالحكم والجهل بالحال، فالجهل بالحال لا يسقط الخيار، ولهذا قال المؤلف: «مع علمه به» فعلم منه أنه لو كان جاهلاً بالعيب فالخيار لا يسقط، وأما الجهل بالحكم فظاهر كلام المؤلف: أنه يسقط الخيار، مثل ألا تدري أنه إذا وجد به برص أو كان عنيناً أن لها الفسخ، وهذا القول ليس بصحيح، والصواب أن الجهل بالحكم كالجهل بالحال، فالتي مكنته من نفسها وهي لا تدري بعيبه، كالتي مكنته من نفسها وهي لا تدري أن لها الفسخ، لا سيما وأن كثيراً من النساء قد يجهلن هذا الأمر، ثم إننا نقول: إنه لا بد من الرضا بالعيب، وهل الذي لا يدري بالحكم يكون راضياً بالعيب؟ لا؛ ربما أنها لو علمت لفسخت العقد من أول ما علمت.
فإذا ظن العيب يسيراً فبان كبيراً، مثال ذلك: رأى في أصبع امرأته برصاً، أو هي رأت في طرف أصبعه فظنت أنه يسير، لكن

تبين أنه غالب جلده المستور بالثياب، فهنا يسقط الخيار؛ لأنها رضيت بجنس العيب، وكذلك هو بالعكس، لما رضي بجنس العيب، قلنا: أنت الذي فرطت، لماذا لم تنقب عن هذا العيب، هل هو كثير أو قليل؟ وكذلك لو رضيت بجنونه أو رضي هو بجنونها لمدة ساعة، فتبين أنها تجن لساعات، أو لأيام فإنه يسقط الخيار؛ وذلك لأنه رضي بجنس العيب، أما مقداره فهو المفرط في عدم التثبت والتنقيب عن مدى هذا العيب.
وَلاَ يَتِمُّ فَسْخُ أَحَدِهِمَا إِلاَّ بِحَاكِمٍ، ..........

قوله: «

ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكم

» يعني إذا ثبت العيب وطلبت أن يفسخ العقد، أو طلب هو أن يفسخ العقد فلا يتم الفسخ إلا بحاكم، والحاكم هو القاضي؛ لقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26]، وذلك لقطع النزاع، ولأن في بعض العيوب ما هو مختلف فيه، وحكم الحاكم يرفع الخلاف، ولأنه عقد نكاح فيحتاط له أكثر.
فما هي الصيغة التي يفسخ بها الحاكم النكاح؟ نقول: له صيغتان: إما أن يقول: فسخت نكاح زيد من فاطمة للعيب الذي فيه، أو للعيب الذي فيها، أو يقول لأحدهما: إني قد جعلت لك الفسخ، فيقول الزوج: قد فسخت زوجتي لعيبها، أو تقول هي: فسخت زوجي لعيبه، فهو إما أن يباشر الفسخ بنفسه، أو يوكل أحد الزوجين بذلك.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: عند التنازع يفسخه الحاكم، وعند الاتفاق لا حاجة إلى الحاكم، وما قاله

الشيخ ـ رحمه الله ـ هو الحق، أننا لا نحتاج أن نذهب إلى القاضي إلا عند النزاع، فحينئذ نحتاج إلى الحاكم ليرفع الخلاف، أما إذا اتفقا على ذلك فلا حاجة للحاكم، فتقول: مثلاً: فسخت نكاحي من زوجي لعيبه، أو يقول هو: فسخت نكاحي من زوجتي فلانة لعيبها، ولا حاجة أن نذهب إلى المحاكم، وهذا القول في وقتنا يزداد قوة؛ والسبب صعوبة الوصول إلى المحاكم.
فإذا تم الفسخ فإن كان بعد الخلوة، أو الدخول فإن عليها العدة، وإن كان قبل ذلك فلا عدة عليها؛ لأن كل فراق يكون بين الزوجين قبل الخلوة فإنه لا عدة فيه.
فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ فَلاَ مَهْرَ، ...........

قوله: «

فإن كان قبل الدخول فلا مهر

»، أي: إن كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر للزوجة، سواء كان العيب فيه أو فيها، أما إذا كان العيب فيها فعدم وجوب المهر لها واضح، مثاله: إنسان عقد على امرأة وقبل أن يدخل عليها تبين أن فيها عيباً، فَفَسَخَ العقدَ، فليس لها مهر لغشها وغرورها، فهي التي غرت الزوج، وإذا كان العيب في الزوج وهي فسخت من أجل عيب الزوج، فيقول المؤلف: لا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، فهي التي طلبت الفسخ.
والصحيح في ذلك أنه إذا كان العيب في الزوج، وفسخ قبل الدخول فلها نصف المهر؛ لأن الزوج هو السبب، فكيف نعامل هذا الرجل الخادع الغاش بما يوافق مصلحته؟! وقولهم: إن الفرقة من قبلها؛ لأنها هي التي طلبت الفسخ، نقول: هي ما طلبت الفسخ من أجل هواها أو مصلحتها، بل من

أجل عيبه، ففي الحقيقة هو الذي غرها، وهي تقول: أنا أريد هذا الزوج، لكن ما دام معيباً فأنا لا قدرة لي على أن أبقى معه، فالفرقة الآن من قبله هو في الواقع، وعند أهل العلم أن كل فرقة تكون من قبل الزوج، فإن المرأة تستحق بها نصف المهر، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237].

وَبَعْدَهُ لَهَا المُسَمَّى، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَارِّ إِنْ وُجِدَ،

........ قوله: «وبعده» أي: بعد الدخول.
قوله: «لها المسمى» أي المهر المسمى في العقد، مثلاً المهر خمسة آلاف ريال، ثم بان بها عيب أو به عيب بعد الدخول، وفُسخ العقد فإنه يثبت لها المسمى، نأخذ ذلك من مفهوم قوله: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: 237]، فمفهوم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أنه من بعد المسيس يثبت المهر، وهو كذلك، ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لها المهر بما استحل من فرجها» 1، فالمهر إذاً يثبت بعد الدخول، فإذا قال الزوج: كيف يذهب مالي لامرأة معيبة؟ يقول المؤلف: «ويرجع به على الغار إن وجد».
فقوله: «ويرجع» أي: الزوج.
وقوله: «به» أي: بالمهر المسمى.
وقوله: «على الغار» أي: على الذي غره.

وقوله: «إن وجد» أي: إن وجد غارٌّ.
فالتغرير إما إن يكون من الزوجة، بأن يكون بها عيب قد أخفته عن وليها، والولي عقد ودخل الزوج ووجد العيب، فالغار الزوجة، ووليها ليس عليه شيء؛ لأنه لم يعلم.
وإذا كان الولي عالماً وهي عالمة أيضاً، فعلى من يكون الضمان؟ إما عليهما بالتساوي، وإما على الولي؛ لأن الغرور المباشر إنما حصل من الولي؛ لأنه ليس من العادة أن المرأة تخرج إلى الزوج، وتقول: إن فيها العيب الفلاني.
فالمسألة فيها احتمالان: الأول: أن يكون بين الولي والمرأة؛ لأن كل واحد منهما حصل منه تغرير.
الثاني: أن يكون على الولي؛ لأنه هو المباشر للعقد، وكان عليه إذا علم أن في موليته عيباً أن يبينه، فالولي قال: زوجتك، والزوج قال: قبلت، وهذا هو الأرجح أن يكون الضمان فيما إذا حصل التغرير من المرأة ووليها على الولي.
فإذا كان الولي هو الغار، بأن يكون الولي اطلع على عيب بعد عرض المرأة على الأطباء ـ مثلاً ـ، ولم تعلم به، فالضمان هنا يكون على الولي؛ لأننا إذا صححنا أنه إذا وقع الغرور منها ومن وليها فهو على الولي فهذا من باب أولى.
فإذا لم يوجد غرور لا من المرأة، ولا من وليها، مثل أن يكون العيب برصاً في ظهرها، فالغالب أنه يخفى عليها وعلى

وليها، خصوصاً إذا كان يسيراً، فهل على أحد ضمان؟ ليس على أحد ضمان، ويقال للزوج: هذا نقص كتبه الله عليك، ولهذا المؤلف قيده بقوله: «إن وجد» أي إن وجد الغار، فعلم منه أنه قد لا يكون هناك أحد غار، لا المرأة ولا وليها.
لكن قياس كلامهم على العيب في البيوع أن الزوج لا يهدر حقه، وأنه لا بد أن يرجع، إما على الولي إن كان عالماً، أو على الزوجة مطلقاً؛ وذلك لأن البائع لو باع سلعة وفيها عيب لم يعلمه فللمشتري الرجوع، والمسألة تحتاج إلى تحرير.
فالأقسام أربعة: إما أن يكون الغرور من المرأة وحدها، أو من الولي وحده، أو منهما، أو ليس من واحد منهما.
فإذا لم يكن من أحدهما فلا يرد له المهر؛ لأنه لم يخدع، وقد استحل الفرج بعقد صحيح.
وإذا كان منها وحدها دون وليها فالضمان عليها وحدها.
وإذا كان من وليها لا منها فالضمان على الولي.
وإذا كان منها ومن وليها، فالراجح أن الضمان على الولي.
مسألة: لو قال الزوج: أنا لا أفسخ فأنا أريد المرأة، ولكن أريد أن تثمنوا النقص، فمهرها إذا كانت سليمة عشرة آلاف ريال، ومهرها معيبة بهذا العيب ثمانية آلاف ريال، فالنقص خُمْس، ونقول في مسائل التقويم سواء هنا أو في العيوب في البيوع أو في الإجارة: إن النقص يقدر بالنسبة، فالمذهب في هذا الباب ليس له الخيار، إما أن يرد ويأخذ المهر كاملاً، وإما أن

يسكت وعليه المهر كاملاً، والعجيب أن شيخ الإسلام في هذا الباب قال: له أن يأخذ الأرش، مع أنه في البيوع يقول: لا أرش له، والفقهاء يقولون: له الأرش، ولم يترجح عندي شيء.

وَالصَّغِيرَةُ، وَالمَجْنُونَةُ، وَالأَمَةُ لاَ تُزَوَّجُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِمَعِيبٍ،

... قوله: «والصغيرة والمجنونة والأمة لا تزوج واحدة منهن بمعيب» الصغيرة هي التي دون البلوغ، فلا يجوز أن تزوج بمعيب حتى لو أذنت؛ لأنه لا عبرة بإذنها، فلو قالت: أنا أريد أن أتزوج هذا الرجل وفيه عيب فلا نمكنها.
كذلك المجنونة لا يجوز أن تزوج بمعيب ولو رضيت، فليس لها رضا ولا غرض، وظاهر كلام المؤلف ولو كان ذلك لمصلحتها، وفي هذا نظر، بل يقال: إن المجنونة إذا كان من مصلحتها أن تزوج هذا المعيب فلنزوجها؛ لأن المجنونة لا يرغبها كل الناس، لكن قد يأتيها إنسان فيه عيب ويقول: أنا أستمتع بها، وأصبر على جنونها، فمن المصلحة أن تزوج، وعلى هذا فيكون في إطلاق المؤلف فيما يتعلق بالمجنونة نظر، ويقال: إن المجنونة تزوج بمعيب إذا اقتضت المصلحة ذلك، بشرط ألا يكون في ذلك عليها ضرر، وألا يتعدى عيبه لنسلها، فلا تزوج بمجذوم؛ لأن هذا يتعدى إليها؛ إذ إن الجذام مرض معدٍ، ولا تزوج بأبرص؛ لأن هذا يتعدى إلى النسل؛ فالغالب أن البرص يكون وراثة.
والأمة كذلك لا تزوج بمعيب، وظاهر كلام المؤلف في الأمة، ولو رضيت ورضي سيدها؛ وذلك لأن أولياءها قد لا

يرضَوْن، أبوها وأخوها وعمها وما أشبه ذلك، ومسألة الأمة فيها نظر، فالأمة إذا كانت كبيرة بالغة عاقلة ورضي سيدها بذلك فلا مانع؛ لأنها كالحرة.

فَإِنْ رَضِيَتْ الكَبِيرَةُ مَجْبُوباً، أَوْ عِنِّيناً لَمْ تُمْنَعْ، بَلْ مِنْ مَجْنُونٍ، وَمَجْذُومٍ، وَأَبْرَصَ،

قوله: «فإن رضيت الكبيرة مجبوباً أو عنيناً لم تمنع» أي: إذا رضيت الكبيرة العاقلة الحرة مجبوباً ليس له ذكر، قالت: أنا أريد هذا الرجل ولو كان ليس له ذكر، يقول المؤلف: إن وليها ليس له حق في المنع؛ لأن الحق لها في الجماع وفي الإيلاد، وكذلك لو رضيت بالعنين وهو الذي لا يستطيع الجماع فإنها لا تمنع؛ وذلك لأن الحق لها.
قوله: «بل من مجنون» المجنون تمنع منه، ولو قالت وهي كبيرة عاقلة: أنا أريد أن أتزوج هذا المجنون؛ لأنه ضائع مسكين، وأنا أحب أن أرأف به وأخدمه، يقول المؤلف: تمنع؛ لأن الجنون يتعدى إليها وإلى أولادها؛ لأن المجنون ما يؤمن عليها، ومن هذا النوع ـ والعياذ بالله ـ من يدمن على السكر، واختارته المرأة، فإنها تمنع منه ولا تزوج؛ لأن هذا أخبث من المجنون، فالمجنون بغير اختياره فهو معذور، والسكران باختياره ومعصيته لله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم ومخالفته لسبيل المؤمنين، فمن عرف بالسكر فإنه لا يزوج، ولا يقال: إذا قلتم كذلك معناه أنكم اشترطتم أن يكون الزوج عدلاً، نقول: ليس شرطاً، لكن مسألة السكر غير مسألة شرب الدخان، أو حلق اللحية، أو ما أشبه ذلك، فهذه معاصٍ لكنها لا تمنع الزوجة من التزوج بهذا الرجل،

أما مسألة السكر فتختلف؛ لأن السكران قد يدخل عليها ويقتلها، وقد يقتل أولادها، وفعلاً وقعت مثل هذه الأمور، فبعض السكارى ـ والعياذ بالله ـ يدخل على زوجته ويقول: أريد بنتي أجامعها، فإذا ردته قتلها، فمثل هؤلاء لا يزوجون من أجل مضرتهم.
قوله: «ومجذوم» أي: مصاب بالجذام، فتمنع المرأة ولو كانت كبيرة عاقلة؛ لأنه لا يؤمن الضرر عليها وعلى أولادها أيضاً، فالجذام مرض معدٍ، وهي إذا رضيت بهذا المجذوم فهي سفيهة، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5] فإذا كان السفهاء لا يعطون أموالهم، فكذلك لا يعطون نفوسهم.
فلو قدر أنها هي مجذومة ـ أيضاً ـ وقالت: إنها راضية بهذا، فهل نقول: إن العيب سواء فلا تمنع؛ لأن المخوف منه وهو الجذام قد وجد فيها؟ الظاهر أنها لا تمنع في هذه الحال، اللهم إلا إذا قال الأطباء: إن الجذام أنواع، وأن النوع الذي في هذه المرأة ليس هو النوع في هذا الخاطب، فحينئذٍ يتوقف.
قوله: «وأبرص» فتمنع من الأبرص؛ لأنه يخشى على الأولاد، لكن هذا مشكل، لأن معناه أن كل البرصان لا يزوجون، وهذا لا أحد يقول به؛ لأن معنى ذلك أن يبقى هؤلاء عالة على المجتمع، وربما يَفسدون ويُفسدون، وظاهر كلام المؤلف أنها تمنع وجوباً، والصحيح في هذه المسألة أنها لا تمنع؛ لأنه ثبت أن البرص لا

يعدي؛ لأننا نشاهد أناساً أصابهم هذا المرض، ويخالطهم زوجاتهم وأبناؤهم وأهلوهم، وهم يصنعون الطعام ـ أيضاً ـ بأيديهم ولا يضر الآخرين.
أما مسألة الوراثة فهذا ـ أيضاً ـ غير صحيح؛ لأنه يوجد أبناء لأناس أصابهم هذا المرض، ومع ذلك أصحاء ليس فيهم شيء.
بقي أشياء من عيوب الزوج كالخصاء، وما يتعلق به، واستطلاق البول، والنجو، وقرع الرأس الذي له ريح منكرة، والبخر وهو نتن رائحة الفم، وعدة أشياء، فظاهر كلام المؤلف أنها لا تمنع منه؛ لأنه ذكر خمسة، اثنان قال: لا تمنع، وثلاثة قال: تمنع، وسكت عن الباقي، فلو قالت: أنا اختار هذا الرجل الذي فيه سلس البول لا تمنع، ولو قالت: إنها تختار هذا الرجل الذي عنده استطلاق النجو لا تمنع، أو رجل فيه بخر، أو عنده قرع له ريح منكرة، وقالت: أريد هذا الرجل لخلقه ودينه، فظاهر كلام المؤلف أنها لا تمنع.

وَمَتَى عَلِمَتْ العَيْبَ، أَوْ حَدَثَ بِهِ لَمْ يُجْبِرْهَا وَلِيُّهَا عَلَى الْفَسْخِ.

قوله: «ومتى علمت العيب أو حدث به لم يجبرها وليها على الفسخ» الولي يمنع من عقد النكاح، ولا يمنع من استدامته؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، يعني له أن يمنعها من أن تتزوج بالمجنون، والمجذوم، والأبرص ابتداءً، لكن لو لم يعلم إلا بعد العقد فليس له أن يرفعه، فلا يجبرها على الفسخ، وهذا فرد من أفراد قاعدة مرت علينا أن الدفع أهون من الرفع، وكذلك لو لم

تعلم بالعيب إلا بعد العقد، ووجدت أن الزوج أبرص بعدما تم العقد فإن وليها لا يجبرها على الفسخ، لكن لها الفسخ، وكذلك إذا حدث العيب بعد العقد ـ مثلاً ـ حصل له جَبٌّ، أو جنون، أو جذام، فإن وليها لا يجبرها على الفسخ؛ لأن الحق محض لها، ولأن العقد قد تم ولا يرفع إلا بسبب شرعي، وهذا عندهم، ليس من الأسباب الشرعية.

بَابُ نِكَاحِ الكُفَّارِ

حُكْمُهُ كَنِكَاحِ المُسْلِمِينَ، وَيُقَرُّونَ عَلَى فَاسِدِهِ إِذَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ فِي شَرْعِهِمْ، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا، فَإِنْ أَتَوْنَا قَبْلَ عَقْدِهِ عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا،

.... قوله: «نكاح الكفار» الكفار هنا عام يشمل أهل الكتاب، والمشركين، ومن لا يتدين بدين.
قوله: «حكمه كنكاح المسلمين» أي: حكم نكاح الكفار كنكاح المسلمين في جميع آثاره، وما يترتب عليه، فمنه صحيح ومنه فاسد، ويقع به الطلاق والظهار، وتجب به النفقة، ويثبت به الإرث، ويدل لذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أقر من أسلم من الكفار على نكاحه، ولم يتعرض له.
والتعليل أنه لا يمكن العمل إلا بهذا؛ لأننا لو عملنا بغير ذلك لحصل بهذا نفور عن الإسلام، وفوضى عظيمة في الأنساب وغير الأنساب، ولكن هل يقرون عليه أو لا؟ هذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنهم لا يقرون على فاسده مطلقاً، بل يجب أن يفسخ إذا كان نكاحاً فاسداً، وكانوا تحت ذمة المسلمين، ومنهم من قال: يقرون على الفاسد بشرطين كما سيأتي، وهذا هو الصحيح، ويدل لذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر 1، ولم يتعرض لأنكحتهم، مع العلم بأن

المجوس كانوا يجوزون نكاح ذوات المحارم، يعني ينكح الإنسان أخته، عمته، خالته، ابنته، والعياذ بالله.
قوله: «ويقرون على فاسده إذا اعتقدوا صحته في شرعهم ولم يرتفعوا إلينا» ذكر المؤلف شرطين: الأول: أن يعتقدوا صحته في شرعهم، ولو عبر المؤلف بعبارة أسدّ فقال: إذا كان صحيحاً في شرعهم؛ لأنهم قد يعتقدون الصحة، وهو ليس بصحيح بمقتضى شرعهم، كأن يكونوا جهالاً، فالمهم إذا كان هذا صحيحاً في شرعهم فإننا لا نتعرض له.
الثاني: ألا يرتفعوا إلينا، فلم يقولوا: انظروا في نكاحنا، واحكموا بيننا فيه بما يقتضيه الشرع، فإن كان غير صحيح في شرعهم، مثل أن يتزوج اليهودي أخته، فهل نقره؟ لا؛ لأن ذلك ليس صحيحاً في شرعهم، فنمنعه ونفرق بينهما، وكذلك إذا ارتفعوا إلينا فإننا لا نحكم فيهم بمقتضى شرعهم؛ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أمرنا أن نحكم بينهم بكتاب الله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] فالواجب أن نحكم بكتاب الله إذا ارتفعوا إلينا، ولهذا قال: «فإن أتونا قبل عقده عقدناه على حكمنا» أي: إذا أتونا قبل عقده يجب أن نعقده على شرعنا بإيجاب وقبول، وتعيين الزوجة والزوج، والرضا، والولي، والشهود، والمهر على القول باشتراطه.

وَإِنْ أَتَوْنَا بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ وَالمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ أُقِرَّا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،

.......... قوله: «وإن أتونا بعده» أي: بعد ما تم العقد عندهم وصارت زوجته، جاؤوا إلينا يحتكمون في هذا النكاح، فإننا ننظر إن كانت الزوجة الآن تحل أبقينا النكاح على ما هو عليه، وإن كانت لا تحل فسخنا النكاح، فلو كانت هذه الزوجة مطلقته ثلاثاً، وهم يعتقدون حل المطلقة ثلاثاً للزوج، لكن شرعنا يحرمه، فأتونا فإننا نفسخ العقد؛ لأن المرأة لا تحل فنفرق بينهما، ولو كان هو مجوسياً تزوج أخته ثم ترافعوا إلينا بعد العقد، فلا نبقي العقد؛ لأن المرأة لا تحل، فإذا حكمنا بينهم بكتاب الله قلنا: هذه المرأة حرام عليك فيجب التفريق، فنفرق بينهما على كل حال.
وإذا قدر أنها أسلمت، وهو على كفره، فنفرق بينهما، وإذا ترافعوا إلينا بعد العقد، وكانوا قد عقدوا بغير ولي، إلا أنهم يرون ذلك صحيحاً في شرعهم لا نفرق بينهما؛ لأن النكاح صحيح، وهي الآن تحل لو أراد أن يعقد عليها من جديد.
إذن نقر العقد؛ لأن القاعدة أننا لا نتعرض لعقودهم السابقة، بل ننظر إلى ما هم عليه الآن، فإن كانوا في حال يباح للزوج أن يعقد على المرأة أبقيناه، وإلا فسخنا، ولو تزوجها في عدة، والزواج في العدة في حكم الإسلام باطل، ولكن عندهم ليس بباطل، وترافعوا إلينا بعد أن انتهت العدة، فإننا نقره؛ لأن القاعدة: «إن كانت الزوجة يصح أن يعقد عليها الآن أقر النكاح، وإلا فلا»، مثل ذلك ـ أيضاً ـ إذا أسلم الزوجان فإننا ننظر إن كانت المرأة الآن تحل لو عقد عليها أقررناهما على النكاح، وإن

كان النكاح في أصله ليس بصحيح على مقتضى قواعد الشرع فرقنا بينهما، فهذا رجل وزوجته أسلما، وكان عقد النكاح بدون ولي ولا شهود فإنهما يقران عليه، وإذا كان عقد النكاح بينهما صداقة، وجرت العادة عندهم أنه إذا تصادق الرجل والمرأة وأحبا أن يكونا زوجين، فجامعها على أن هذا هو العقد عندهم، يقران ما دامت المرأة الآن تحل لو أراد أن يتزوجها، ولو أن مجوسياً تزوج عمته من الرضاع وأسلما جميعاً فإنهما لا يقران؛ لأنها الآن لا تحل له، ولو أسلم وكان قد تزوج هذه المرأة ومعه أختها، لكن أختها ماتت يقر؛ لأنها الآن تحل له لو أراد أن يتزوجها، ولهذا قال المؤلف: «أو أسلم الزوجان، والمرأة تباح إذن أقرا، وإن كانت ممن لا يجوز ابتداء نكاحِها فُرِّق بينهما».
فصار الضابط: أولاً: نكاح الكفار حكمه كنكاح المسلمين في كل ما يترتب عليه من آثار، كالظهار، واللعان، والطلاق، والإحصان، ولحوق النسب، وغير ذلك.
ثانياً: إذا كان النكاح صحيحاً على مقتضى الشريعة الإسلامية فهو صحيح، وإن كان فاسداً على مقتضى الشريعة الإسلامية فإنهم يقرون عليه بشرطين: الأول: أن يروا أنه صحيح في شريعتهم، الثاني: ألا يرتفعوا إلينا، فإن لم يعتقدوه صحيحاً فرق بينهما، وإن ارتفعوا إلينا نظرنا، فإن كان قبل العقد وجب أن

نعقده على شرعنا، وإن كان بعده نظرنا إن كانت المرأة تباح حينئذٍ أقررناهم عليه، وإن كانت لا تباح فرقنا بينهما، ودليل هذه الأشياء إسلام الكفار في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم فأبقى من كان معه زوجته على نكاحه في الجاهلية، ولم يتعرض له، فدل هذا على أنه يبقى على أصله.

وَإِنْ وَطِئَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيَّةً فَأَسْلَمَا، وَقَدْ اعْتَقَدَاهُ نِكَاحاً أُقِرَّا، وَإِلاَّ فُسِخَ، وَمَتَى كَانَ المَهْرُ صَحِيحاً أَخَذَتْهُ، وَإِنْ كَانَ فَاسِداً وَقَبَضَتْهُ اسْتَقَرَّ، وَإِنْ لَمْ تَقْبِضْهُ، وَلَمْ يُسَمَّ فُرِضَ لَهَا مَهْرُ المِثْلِ.

قوله: «وإن وطئ حربي حربية فأسلما وقد اعتقداه نكاحاً أقرا وإلا فُسخ».
قوله: «حربي حربية» هذا القيد ليس بشرط، والمراد حربي أو ذمي وقد اعتقدا أن هذا الوطء هو عقد النكاح فإنهما يقران عليه، إذا كانت المرأة حين الإسلام تحل له، والبادية فيما سبق كانوا يعقدون أنكحة شبيهة بهذا، فهؤلاء لا يُقرون على هذا؛ لأنهم مسلمون، وإذا كانوا مسلمين يجب أن يطبق العقد على شريعة الإسلام، والمسألة بسيطة نقول: الآن نعقد بينكما.
قوله: «ومتى كان المهر صحيحاً أخذته» أي: لو كان المهر دراهم، وأسلموا على النكاح السابق الفاسد بمقتضى الشريعة الإسلامية، ولكنهم يقرون عليه، فإن الزوجة تأخذ المهر.
مثال ذلك: رجل تزوج امرأة على عشرة آلاف ريال، بدون ولي، وشهود، وأسلما فإننا نقرهم، والمهر تأخذه؛ لأننا قلنا: إن نكاح الكفار كنكاح المسلمين يوجب المهر، فإن كان صحيحاً أخذته.

قوله: «وإن كان فاسداً وقبضته استقر»، مثال ذلك: أصدقها خمراً، والخمر عندهم مباح، فنقول: إن كانت قد قبضته فقد استقر؛ لأنهم يعتقدون أن الخمر مال، وقد قبضته فلا نتعرض له.
قوله: «وإن لم تقبضه ولم يُسم فُرِضَ لها مهر المثل» أي: إن لم تقبض المهر ولم يسم فلها مهر المثل؛ لأن هذه هي القاعدة في الشريعة الإسلامية، أن المهر إذا لم يسم ثبت لها مهر المثل.
وقوله: «ولم يسم» فإن سمي فلها المسمى إن كان صحيحاً، وإن كان فاسداً ولم تقبضه يُقوَّم، كم يساوي هذا الخمر لمن يستحله؟ فإن قالوا مثلاً: مائة ريال، نقول: لها مائة ريال، ولا يمكن أن نعطيها الخمر؛ لأن الخمر حرام فتعطى القيمة 1.

فَصْلٌ

وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ فَعَلَى نِكَاحِهِمَا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ الكِتَابِيَّيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَ،

......... هذا ال

فصل

مهم في هذا العصر؛ وذلك لأنه يكثر الدخول في الإسلام ـ والحمد لله ـ من أشخاص متزوجين، فهل إذا أسلم أحدهم ينفسخ نكاحه أو لا، يقول المؤلف: «وإن أسلم الزوجان معاً أو زوجُ كتابيةٍ فعلى نكاحهما» إن أسلم الزوجان معاً، بأن تلفظا بكلمة الإسلام جميعاً، في لحظة واحدة، فهما على نكاحهما؛ لأنه لم يسبق أحدهما الآخر، ولم يختلفا ديناً، وهل هذا ممكن؟ الجواب: ممكن لكن فيه عسر، بأن يقول لهما قائل: قولا: لا إله إلا الله، فيقولان جميعاً: لا إله إلا الله، فحينئذٍ يكون إسلامهما معاً.
وذهب بعض العلماء، ومنهم الموفق صاحب المغني إلى أن الإسلام في المجلس كالإسلام معاً؛ وعللوا ذلك بأن الإسلام معاً من الأمور النادرة، ولا ينبغي أن تحمل الأحكام الشرعية على الأمور النادرة، بل إذا قالت المرأة مثلاً: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ثم قال الرجل: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فهما على نكاحهما، أو بالعكس.
وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن القول الأول فيه نوع من الحرج، فلو قدرنا أن الرجل كافر وامرأته كذلك وحضرا مجلساً دعيا فيه إلى الإسلام، فقالت الزوجة: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، انفسخ النكاح، حتى لو قال الزوج بعدها مباشرة: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؛

والسبب أنها لما قالت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله صارت مسلمة، والمسلمة لا تحل للكافر فينفسخ النكاح.
لكن القول بأن المجلس معتبر، وأنه كإسلامهما معاً قول فيه سعة، وله قوة.
وقوله: «أو زوج كتابيةٍ» وهي اليهودية أو النصرانية، فلو أن زوج كتابية أسلم، وبقيت هي على دينها، فإنهما يبقيان على نكاحهما لعدم وجود المانع؛ لأن المسلم يجوز أن يتزوج كتابية ابتداءً، وهنا استدامة فهي أقوى، فإذا كان يهودي تزوج يهودية، ثم أسلم هذا اليهودي، فإن النكاح بحاله، ولو بقيت هي على دينها، وكذلك لو كان نصرانياً تزوج نصرانية، ثم أسلم وبقيت هي على دينها فالنكاح بحاله، والأمر في هذا ظاهر؛ لأنه يحل له أن يتزوج النصرانية ابتداءً، فالدوام أقوى.
قوله: «فإن أسلمت هي أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول بطل» أي: إذا كان الإسلام من المرأة، بأن تقدمت المرأة زوجها بالإسلام ولو بلحظة، وكان ذلك قبل الدخول فإن النكاح يبطل؛ وذلك لأنه لا عدة حتى نقول: إنه ينتظر انتهاء العدة، ويبطل لقوله تعالى في الكفار: ﴿لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 10].
وإن تقدم إسلام الرجل فإن كانت المرأة كتابية فالنكاح بحاله، وإن كانت غير كتابية فإن النكاح يبطل، وهذا الكلام قبل

الدخول، إذن، إذا كان قبل الدخول فله أربع حالات: الأولى: أن يسلما معاً فالنكاح بحاله.
الثانية: أن يسلم الرجل، والزوجة كتابية، فالنكاح بحاله.
الثالثة: أن يسلم والزوجة غير كتابية فيبطل النكاح.
الرابعة: أن تسلم هي فيبطل النكاح.

فَإِنْ سَبَقَتْهُ فَلاَ مَهْرَ، وَإِنْ سَبَقَهَا فَلَهَا نِصْفُهُ، وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الدُّخُولِ وُقِفَ الأَمْرُ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ، فَإِنْ أَسْلَمَ الآخَرُ فِيهَا دَامَ النِّكَاحُ، وَإِلاَّ بَانَ فَسْخُهُ مُنْذُ أَسْلَمَ الأَوَّلُ،

........ قوله: «فإن سبقته فلا مهر» أي: أسلمت قبله قبل الدخول فلا مهر لها؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها، فنقول لها: لو بقيت على الكفر ما صار منك فرقة، لكن لما أسلمتِ صارت الفرقة من قبلك، فليس لك شيء من المهر، وهذا على قاعدة المذهب واضح؛ لأن الفرقة جاءت من قبلها فلو شاءت لم تسلم، وهذا يدعوها إلى البقاء على دينها على الكفر! قوله: «وإن سبقها فلها نصفه» يعني أسلم قبلها فلها نصفه، فإذا بقيت كافرة وزوجها أسلم تعطى نصف المهر؛ والسبب أن الفرقة من قبله، إذ لو شاء لم يسلم.
وفي المذهب قول أن الفرقة تكون من المتأخر إسلامه، فعلى هذا إذا أسلمت هي ولم يسلم فالفرقة منه، فيجب عليه نصف المهر؛ لأننا نقول: أنت الذي فرطت لِمَ لم تسلم؟ وإن كانت هي التي تأخرت وهو أسلم، فالفرقة من قبلها فلا يكون لها شيء، يعني عكس ما قاله المؤلف، وهذا يشجع على الإسلام، وهذا من الناحية الدينية وكونه فيه حث على الإسلام أقوى من المذهب، ومن ناحية التقعيد فالمذهب أقعد؛ لأن حقيقة الأمر أن

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
وَإِنِ اعْتَرَفَتْ أَنَّهُ وَطِئَهَا فَلَيْسَ بِعِنِّينٍ، وَلَوْ قَالَتْ فِي وَقْتٍ: رَضِيتُ بِهِ عِنِّيناً سَقَطَ خِيَارُهَا أَبَداً.فَصْلٌوَالرَّتَقُ، وَالقَرَنُ، وَالعَفَلُ، وَالفَتْقُ،وَاسْتِطْلاَقُ بَوْلٍ، وَنَجْوٍ، وَقُرُوحٌ سَيَّالَةٌ فِي فَرْجٍ،وَبَاسُورٌ، وَنَاصُورٌ، وَخِصَاءٌ، وَسَلٌّ وَوِجَاءٌ، وَكَوْنُ أَحَدِهِمَا خُنْثَى وَاضِحَاً، وَجُنُونٌ وَلَوْ سَاعَةً،وَبَرَصٌ، وَجُذَامٌ يُثْبِتُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الفَسْخَ،وَلَوْ حَدَثَ بَعْدَ العَقْدِ،أو كان بالآخر عيب مثلهوَمَنْ رَضِيَ بِالعَيْبِ، أَوْ وُجِدَتْ مِنْهُ دَلاَلَتُهُ مَعَ عِلْمِهِ فَلاَ خِيَارَ لَهُ،ولا يتم فسخ أحدهما إلا بحاكمفإن كان قبل الدخول فلا مهروَبَعْدَهُ لَهَا المُسَمَّى، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الغَارِّ إِنْ وُجِدَ،وَالصَّغِيرَةُ، وَالمَجْنُونَةُ، وَالأَمَةُ لاَ تُزَوَّجُ وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِمَعِيبٍ،فَإِنْ رَضِيَتْ الكَبِيرَةُ مَجْبُوباً، أَوْ عِنِّيناً لَمْ تُمْنَعْ، بَلْ مِنْ مَجْنُونٍ، وَمَجْذُومٍ، وَأَبْرَصَ،وَمَتَى عَلِمَتْ العَيْبَ، أَوْ حَدَثَ بِهِ لَمْ يُجْبِرْهَا وَلِيُّهَا عَلَى الْفَسْخِ.بَابُ نِكَاحِ الكُفَّارِحُكْمُهُ كَنِكَاحِ المُسْلِمِينَ، وَيُقَرُّونَ عَلَى فَاسِدِهِ إِذَا اعْتَقَدُوا صِحَّتَهُ فِي شَرْعِهِمْ، وَلَمْ يَرْتَفِعُوا إِلَيْنَا، فَإِنْ أَتَوْنَا قَبْلَ عَقْدِهِ عَقَدْنَاهُ عَلَى حُكْمِنَا،وَإِنْ أَتَوْنَا بَعْدَهُ أَوْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ وَالمَرْأَةُ تُبَاحُ إِذَنْ أُقِرَّا، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لاَ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ نِكَاحِهَا فُرِّقَ بَيْنَهُمَا،وَإِنْ أَسْلَمَ الزَّوْجَانِ مَعًا، أَوْ زَوْجُ كِتَابِيَّةٍ فَعَلَى نِكَاحِهِمَا، فَإِنْ أَسْلَمَتْ هِيَ أَوْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ غَيْرَ الكِتَابِيَّيْنِ قَبْلَ الدُّخُولِ بَطَلَ،فصل
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل