كِتابُ المَنَاسِكِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
بالبيت، والنبي صلّى الله عليه وسلّم إنما طاف بالبيت للوداع بعد انتهاء النسك كله.
وقوله: «فإن أقام» ظاهره أنه إذا أقام بعد طواف الوداع وجبت عليه إعادته سواء كانت الإقامة طويلة أو قصيرة، إلا أنهم استثنوا من ذلك إذا أقام لانتظار الرفقة فإنه لا يلزمه إعادة الطواف ولو طال الوقت؛ لأن إيجاب الإعادة عليهم يلزم منه التسلسل، أو أنه لما انتهى من الطواف أُذِّن للصلاة فلا بأس أن يصلي، لأنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه لما طاف للوداع صلى الفجر ثم سافر متجهاً إلى المدينة 1.
وكذلك لو فرض أنه تبين له عطل في سيارته بعد الطواف فجلس في مكة من أجل إصلاحه، فإنه لا يلزمه إعادة هذا الطواف لأنه إنما أقام لسبب متى زال واصل سفره.
قوله: «أو اتجر بعده أعاده»، أي: اشترى شيئاً للتجارة، أو باع شيئاً للتجارة، فإنه يعيده، وعلم من ذلك أنه لو اشترى حاجة، أو باع حاجة في طريقه، أو هدايا لأهله، لا تجارة فإنه لا بأس به، على أننا نرغب أن يكون شراؤه قبل طوافه.
مسألة: ما الذي يوجب إعادة طواف الوداع إذا تأخر الإنسان بعده؟
الجواب: الذي يوجب إعادة طواف الوداع فيما لو تأخر بنية الإقامة ولو ساعة لغير ما استثنى.
وعلم من كلام المؤلف: أنه إذا طاف للوداع، فإنه لا يرجع القهقرى إذا أراد أن يخرج من المسجد، والقهقرى أي: الرجوع على الخلف، ولا يقف عند الباب فيكبر ثلاثاً ويقول: السلام عليك يا بيت الله، فإن هذا كله من البدع، فإذا طفت للوداع فامض في سبيلك، واستدبر الكعبة ولا شيء عليك؛ لأن تعظيم الكعبة إنما يكون باتباع ما ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يكن يرجع القهقرى إذا أراد الخروج، ولم يكن إذا انتهى إلى باب المسجد وقف، ونظر إلى الكعبة وودعها.
قوله: «وإن تركه غير حائض رجع إليه»، أي: لزمه أن يرجع فيطوف، فإن تركته الحائض فإنه لا يلزمها الرجوع، إلا إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يلزمها الرجوع، أما إذا طهرت بعد مفارقة البنيان ولو بيسير، ولو داخل الحرم، فإنه لا يلزمها أن ترجع.
والدليل على هذا: قول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «إلا أنه خفف عن الحائض» 1، والنفساء مثلها.
قوله: «فإن شق أو لم يرجع فعليه دم»، أي: إن شق الرجوع ولم يرجع فعليه دم، وكذلك إذا لم يرجع بلا مشقة فعليه دم، لكن الفرق أنه إذا تركه للمشقة لزمه الدم ولا إثم، وإذا تركه لغير مشقة لزمه الدم مع الإثم؛ لأنه تعمد ترك واجب.
وقوله: «وإن تركه غير حائض رجع إليه»، ظاهره وجوب الرجوع قرب أم بَعُدَ ما لم يشق، وأنه إذا رجع ولو من بعيد سقط عنه الدم، لكن المذهب أنه إذا جاوز مسافة القصر استقر عليه الدم، سواء رجع أو لم يرجع، وكذلك لو وصل إلى بلده، فإن الدم يستقر عليه، سواء رجع أم لم يرجع، وعلى هذا فأهل جدة لو خرجوا إلى جدة قبل طواف الوداع، ثم رجعوا بعد أن خف الزحام وطافوا فإن الدم لا يسقط عنهم؛ لأنه استقر بمسافة القصر، أو بوصوله إلى بلده، حتى ولو فرض أن أناساً من بلد دون جدة كأهل بحرة، وصلوا إلى بلدهم استقر عليهم الدم.
وقوله: «فعليه دم».
الدليل على وجوب الدم الأثر المشهور عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال: «من ترك شيئاً من نسكه، أو نسيه فليهرق دماً» 1، وهذا نسك واجب أمر به النبي صلّى الله عليه وسلّم، فيكون في تركه دم، وهذا الأثر مشهور عند العلماء واستدلوا به، وبنوا عليه وجوب الفدية بترك الواجب، وقالوا في تقرير هذا الدليل: إن هذا قول صحابي ليس للرأي فيه مجال فوجب العمل به؛ لأن قول الصحابي الذي ليس للرأي فيه مجال يكون له حكم الرفع.
وقال بعض العلماء: يمكن أن يكون صادراً عن اجتهاد، ويكون للرأي فيه مجال، وجهه أن يقيس ترك الواجب على فعل المحرم، أي فعل محظورات الإحرام التي فيها دم؛ لأن في الأمرين معاً انتهاكاً لحرمة النسك، فترك الواجب انتهاك
لحرمة النسك، وفعل المحظور انتهاك لحرمة النسك، فيكون ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بنى هذا الحكم على اجتهاد، وإذا بناه على اجتهاد، فإنه يكون قول صحابي وليس مرفوعاً.
ويبقى النظر، هل قول الصحابي حجة؟
الجواب: فيه خلاف بين العلماء مشهور في أصول الفقه، وهو عند الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ حجة ما لم يخالف نصاً أو قول صحابي، فإن خالف نصاً فلا عبرة به، العبرة بالنص، وإن خالف قول صحابي طلب الترجيح بين القولين.
إذاً المسألة على هذا التقرير تكون من باب الاجتهاد، ونحن نفتي الناس بالدم، وإن كان في النفس شيء من ذلك، لكن من أجل انضباط الناس، وحملهم على فعل المناسك الواجبة بإلزامهم بهذا الشيء؛ لأن العامي إذا قلت له: ليس عليك إلا أن تستغفر الله وتتوب إليه، سهل الأمر عليه، مع أن التوبة النصوح أمرها صعب.
وفهم من قوله: «فإن شق أو لم يرجع فعليه دم»، أن الإنسان ليس مخيراً بين أن يقوم بالواجب أو يذبح عنه فدية كما يظنه بعض الجهال، فبعض الجهال يقول: وقفت بعرفة ونزلت إلى مكة، وطفت طواف الإفاضة وسعيت وبقي المبيت بمزدلفة وبمنى ورمي الجمار وطواف الوداع، أو أذبح عشرة ذبائح وليس أربعة، فهذا ليس بجائز؛ لأن المسألة ليست مسألة تخيير لكن المسألة أنه إذا فات الواجب ولم يمكن تداركه فإنه يفدي بدم، وبعض الجهال يظن أنه مخير، ولهذا تجده يقول: أنا لا يهمني أتجاوز
الميقات بلا إحرام، متى شئت أحرمت، والمسألة سهلة أذبح فدية، فهذا ليس بصحيح، ولكن إذا فات الواجب ولم يمكن تداركه فحينئذٍ نلزمه بالفدية، وهكذا بقية كفارات المعاصي ليس معناها أن الإنسان مخير بين فعل المعصية والكفارة، أو تركها، فهذا ليس بجائز، ولذلك يجب أن ننبه العوام وبعض طلبة العلم الذين علمهم قاصر، أن هذه الكفارات والفداءات ليس معناها أن الإنسان مخير بين أن يفعل المعصية أو يترك الواجب ويفعل هذه الفدية، بل إذا فات الأمر ولم يمكن تداركه فالفدية.
وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَة فَطَافَهُ عِنْدَ الخُرُوجِ أَجْزَأ عَن الوَدَاعِ
...
قوله: «وإن أخر طواف الزيارة، فطافه عند الخروج أجزأ عن الوداع».
طواف الزيارة هو طواف الإفاضة، أي: طواف الحج.
فإن قيل: كيف يجزئه عن طواف الوداع الذي هو واجب، وطواف الإفاضة ركن؟
فالجواب: أن المقصود من طواف الوداع أن يكون آخر عهده بالبيت وقد حصل بطواف الإفاضة، فيكون مجزئاً عن طواف الوداع، وهذا واضح فيما إذا كان من قارن، أو مفرد سعى بعد طواف القدوم؛ لأنه في هذه الحال ليس عليه إلا الطواف وينصرف، لكنه مشكل فيما إذا كان من متمتع؛ لأن المتمتع لا بد أن يطوف ويسعى؟
فقيل: إنه يقدم السعي على الطواف؛ لأن تقديم السعي على الطواف في الحج جائز؛ لقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «لا حرج» 1.
وقال بعض العلماء: بل لا حاجة إلى ذلك، بل يقدم الطواف ويأتي بالسعي بعده، والسعي تابع للطواف فلا يضر أن يفصل بين الطواف وبين الخروج، واستدل البخاري ـ رحمه الله ـ على ذلك بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم أذن لعائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تأتي بعمرة بعد تمام النسك، فأتت بعمرة فطافت وسعت وسافرت 1، فحال السعي بين الطواف والخروج، وبأن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف للوداع ثم صلى صلاة الفجر وقرأ بالطور 2 ثم خرج، فهذا يدل على أن مثل هذا الفصل لا يضر، وهذا عندي أقرب من القول بتقديم السعي؛ لأن هذا يحصل فيه الترتيب المشروع، وهو أن يقدم الطواف على السعي.
مسألة: جمع طواف الإفاضة وطواف الوداع لا يخلو من ثلاث حالات:
الأولى: أن ينوي طواف الإفاضة فقط.
الثانية: أن ينويهما جميعاً.
الثالثة: أن ينوي طواف الوداع فقط.
والصورة التي ذكرها المؤلف هي الصورة الأولى فقط.
فعلى هذا نقول: الصورة الأولى إذا نوى طواف الإفاضة ولم يكن عنده نية طواف الوداع، فيجزئ كما تجزئ الفريضة عن تحية المسجد.
وهذه أحسن الصور، لأن بعض العلماء قال: «إذا نواهما جميعاً لم يصح».
والصورة الثانية: إذا نواهما جميعاً فيجزئ أيضاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.
والصورة الثالثة: إذا نوى طواف الوداع فقط ولم ينو طواف الإفاضة، فإنه لا يجزئه عن طواف الإفاضة ولا عن طواف الوداع.
وهذه مسألة يجب أن ينبه الناس عليها؛ لأن أكثرهم إذا أخر طواف الإفاضة فطافه عند الخروج نوى الوداع فقط، ولا طرأ على باله طواف الإفاضة، فنقول في هذه الحال: إنه لا يجزئه؛ لأن طواف الإفاضة ركن وطواف الوداع واجب فهو أعلى منه، ولا يجزئ الأدنى من الأعلى ولأنه لم ينو طواف الإفاضة، ولا يجزئه عن طواف الوداع، لأن من شرط طواف الوداع أن يكون بعد استكمال النسك، والنسك لم يتم.
لكن لو قال قائل: ألستم تقولون إن الرجل إذا حج عن نفسه قبل الفريضة ونواها نافلة فإنها تقع عن الفريضة؟
فالجواب: بلى نقول ذلك، وكذلك لو حج عن غيره ولم يحج عن نفسه مع وجوب الحج عليه فإن الحج يقع عن نفسه، والفرق أن مسألتنا جزء من حج بخلاف الحج كاملاً، فالحج كاملاً تكون الذمة فيه مشغولة بالفريضة، فإذا أدى ما دون الفريضة صار للفريضة، وأما هذا فهو جزء من عبادة، فإن طواف الوداع إن قلنا إنه من الحج فهو جزء منه، وإن قلنا: إنه مستقل فإنه لا يمكن أن يجزئ واجب عن ركن.
وَيَقفُ غَيْرُ الحَائِضِ بَيْنَ الرُّكْنِ والبَابِ دَاعِياً بِمَا وَرَدَ وَتَقِفُ الحائِضُ ببَابِه وَتَدْعُو بِالدُّعَاء
...
قوله: «ويقف غير الحائض بين الركن والباب داعياً بما ورد»، أي: الحاج إذا ودع يقف بين الركن، أي: الحجر الأسود والباب، أي: باب الكعبة، ومسافته قليلة.
قال في الروض: «يلصق به وجهه وصدره وذراعيه وكفيه مبسوطتين»، وهذا يسمى «الالتزام» عند أهل العلم، والمكان هذا يسمى «الملتزم»، وهذه مسألة اختلف فيها العلماء مع أنها لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم 1، وإنما جاءت عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ 2.
فهل الالتزام سنة، ومتى وقته، وهل هو عند القدوم، أو عند المغادرة، أو في كل وقت؟
وسبب الخلاف بين العلماء في هذا أنه لم ترد فيه سنة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، لكن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كانوا يفعلون ذلك عند القدوم.
والفقهاء قالوا: يفعله عند المغادرة فيلتزم في الملتزم، وهو
ما بين الركن الذي فيه الحجر والباب، على الصفة التي ذكرها في الروض ويقول ما ورد، ثم ذكر صاحب الروض ـ رحمه الله ـ دعاءً طويلاً ومنه: «اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على أداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري، وهذا أوان انصرافي إن أنت أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك، اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شيء قدير»، ويدعو بما أحب، ويصلي على النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وعلى هذا فالالتزام لا بأس به ما لم يكن فيه أذية وضيق.
قوله: «وتقف الحائض ببابه»، أي: باب المسجد.
قوله: «وتدعو بالدعاء» هكذا قال، ولا دليل لما قال إن الحائض تأتي وتقف بباب المسجد تدعو بهذا، والنبي صلّى الله عليه وسلّم، لما قيل له: إن صفية قد أفاضت قال: «فلتنفر» 1، ولم يقل فلتأت إلى المسجد وتقف ببابه، مع دعاء الحاجة إلى بيانه لو كان مشروعاً، وعلى هذا فيكون هذا القول ضعيفاً لا يعمل به.
وبهذا انتهى الكلام على صفة الحج والعمرة، واعلم أن كل ما ذكرناه فإنه مبني على ما نعلمه من الأدلة، ومع هذا لو أن إنساناً اطلع على دليل يخالف ما قررناه فالواجب اتباع الدليل، لكن هذا جهد المقل ـ نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا ـ.
وَتُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وَقَبْرَيْ صَاحِبيه
قوله: «وتستحب زيارة قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبري صاحبيه».
والدليل أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بزيارة القبور، وهو عام يشمل قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبر غيره، وأما ما استدل به بعضهم من حديث: «من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي»، رواه الدارقطني 1، فالحديث ضعيف بل موضوع 2 مكذوب على النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لأن كلام النبي صلّى الله عليه وسلّم كله حق وهذا الحديث باطل.
فهل الذي يزور قبره بعد وفاته كالذي يزوره في حياته؟!
أبداً ولا يشبهه بأي حال من الأحوال.
وظاهر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ: أن الحاج إذا انتهى من الحج يشد الرحل إلى المدينة ليزور قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبري صاحبيه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء:
فمنهم من قال: إن شد الرحل إلى القبور لا بأس به؛ لأنه شد لعمل صالح، فالرسول صلّى الله عليه وسلّم أمر بزيارة القبور، ولم ينه عن شد
الرحل إليها بل قال: «زوروا القبور فإنها تذكر الآخرة» (1)، وخير قبور يشد إليها الرحل قبر النبي صلّى الله عليه وسلّم وقبرا صاحبيه.
ومنهم من قال: إن شد الرحال لزيارة القبور مكروه.
ومنهم من قال: إنه محرم، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ وقرره بأدلة إذا طالعها الإنسان تبين له أن ما ذهب إليه هو الحق.
وَصِفَةُ العُمْرَةِ: أنْ يُحْرِمَ بِهَا مِن المِيقَاتِ، أوْ مِن أدنْىَ الحِلّ مِن مَكِّي وَنَحْوِهِ.
قوله: «وصفة العمرة أن يحرم بها من الميقات أو من أدنى الحل من مكي ونحوه» فهي إحرام وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير أربعة أشياء.
وقوله: «أن يحرم بها من الميقات» يعني إن مر به أو من محاذاته إن لم يمر به، أو مما دونه إن كان دون الميقات فيحرم بها على حسب ما مر في المواقيت.
وقوله: «أو من أدنى الحل، من مكي ونحوه»، وأدنى الحل بالنسبة إلى الكعبة التنعيم، أما بالنسبة لمن أراد العمرة، فقد يكون التنعيم، وقد يكون غير التنعيم، فالذي في مزدلفة مثلاً أدنى الحل إليه عرفة، والذي في الجهة الغربية من مكة أدنى الحل إليه الحديبية، ولا يلزمه أن يقصد التنعيم، الذي عينه الرسول صلّى الله عليه وسلّم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ، أو الجعرانة التي أحرم منها النبي صلّى الله عليه وسلّم1
حين رجع من غزوة حنين؛ لأن أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة أن تحرم من التنعيم (1) لكونه أقرب الحل إليها، وإحرامه من الجعرانة (2) لكونه نازلاً بها.
وقوله: «من مكي ونحوه» المكي هو ساكن مكة، ونحوه: هو الآفاقي المقيم بمكة، فكلاهما يحرم من أدنى الحل، وقد سبق تقرير ذلك، وبيان شبهة من قال من أهل العلم: إن المكي يحرم من مكة لعموم الحديث، وهو قوله: «حتى أهل مكة من مكة» (3).
لاَ مِن الحَرَمِ، فَإِذا طَافَ وسَعَى وَقَصَّرَ حَلَّ، وَتُبَاحُ كَلَّ وَقْتٍ، وَتُجْزئ عَن الفَرْضِ.
قوله: «لا من الحرم»، أي: لا يحرم للعمرة من الحرم، فإن فعل انعقد إحرامه، ولكن يلزمه دم؛ لتركه الواجب، وهو الإحرام من الحل.
قوله: «فإذا طاف وسعى وقصر حل»، لأن العمرة مكونة من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق أو تقصير، وأسقط المؤلف ذكر الحلق بناء على أن مراده عمرة المتمتع.
قوله: «وتباح كل وقت» العمرة تباح في كل وقت حتى في يوم عيد النحر، وفي يوم عرفة، وفي أيام التشريق، فمثلاً لو أن أحداً قدم إلى مكة في يوم عرفة للعمرة صحت منه؛ لكن إن كان يريد الحج قلنا له: اذهب إلى عرفة ولا تتمتع؛ لأن وقت التمتع قد فات، ولكن أدخل الحج على العمرة لتكون قارناً.12
وقوله: «تباح كل وقت»، وأما الحج فله وقت مخصوص قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، وأما العمرة فتباح كل وقت، ولكن على المشهور من المذهب بشرط ألا يحرم بها على الحج، ولذلك قالوا ـ رحمهم الله ـ: القران أن يدخل الحج على العمرة لا أن يدخل العمرة على الحج، وخالف في ذلك أصحاب الشافعي فقالوا: يجوز أن يدخل العمرة على الحج ويصير قارناً.
لم يذكر ـ رحمه الله ـ هل يسن أن يعتمر كل وقت، أو في السنة مرة، أو في الشهر مرة؟
لكن ذكر شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ في الفتاوى اتفاق السلف على أنه يكره تكرار العمرة.
وقال الإمام أحمد: «لا يعتمر إلا إذا حمَّمَ رأسُه» حمم أي: اسود من الشعر، وبناء على هذا يكون ما يفعله العامة الآن من تكرار العمرة، ولا سيما في رمضان كل يوم، إن لم يكن بعضهم يعتمر في النهار عمرة وفي الليل عمرة، خلاف ما عليه السلف.
قال في الروض: «ويكره الإكثار والموالاة بينها باتفاق السلف قاله في المبتدع» لابن مفلح.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم: «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما» 1، فهو مطلق مقيد بعمل السلف رضوان الله عليهم.
قال في الروض: «ويستحب تكرارها في رمضان؛ لأنها تعدل حجة» هذا ليس بصحيح؛ لأن كراهة السلف لتكرارها عام في رمضان وفي غيره.
ولكن هل لها أوقات فاضلة؟ نعم، وفي رمضان تعدل حجة كما صح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم 1، والصحيح أنها عامة خلافاً لمن قال: إن هذا الحديث ورد في المرأة التي تخلفت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الحج فقال لها: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي» 2، فإن بعض العلماء قال: إن هذا خاص بهذه المرأة يريد أن يطيب قلبها، ولكن الصواب أنها عامة، وتسن أيضاً في أشهر الحج وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم خصها بالعمرة، وقد تردد ابن القيم ـ رحمه الله ـ أيهما أفضل: العمرة في أشهر الحج أو العمرة في رمضان؟ ولكن الظاهر أن العمرة في رمضان أفضل لقوله: «تعدل حجة» وأن النبي صلّى الله عليه وسلّم كرر العمرة في أشهر الحج؛ لتزول عقيدة أهل الجاهلية الذين يعتقدون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور ويقولون: إذا عفا الأثر وبرأ الدبر ودخل صفر حلت العمرة لمن اعتمر، حتى يأتي الناس في غير أشهر الحج إلى مكة فيحصل ارتفاع اقتصادي.
مسألة: هل تباح يوم العيد؟
أما غير الحاج فيجوز في عيد الأضحى أن يأتي بعمرة، أما الحاج فلا إلا إذا تحلل التحلل الأول، فإنه يجوز أن يأتي بعمرة لأن إحرامه بالحج حينئذٍ ناقص، فقد تحلل من أكثر المحظورات، ولذلك عبر صاحب الفروع لما ذكر نص الإمام أحمد فيمن جامع بعد التحلل الأول، أنه يأتي بعمرة أو كلاماً نحو هذا، قال: فدل على أنه لو أحرم بعد تحلله الأول صح.
ولكن هل يشرع هذا؟
الجواب: لا يشرع بل يمنع.
قوله: «وتجزئ عن الفرض»، أي: العمرة تجزئ عن الفرض في أي وقت أدّاها، فعمرة المتمتع تجزئ عن الفرض، وعمرة القارن تجزئ عن الفرض؛ لأن القارن أتى بعمرة وحج؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لعائشة: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» 1، فأثبت النبي صلّى الله عليه وسلّم لها حجاً وعمرةً.
مسألة: لو جعل القارن عمرته لشخص، وحجه لآخر؛ فقال الفقهاء ـ رحمهم الله ـ: يجوز؛ لأن القران وإن كان فعلاً واحداً لكنه نسكان، وإذا كان نسكين أجزأ أن يجعل نسكاً عن شخص، ونسكاً عن شخص آخر.
وأميل إلى أنه لا ينبغي، لكن لو فعل فلا أقول بالتحريم؛ لأن النبي جعلهما نسكين.
وأما المتمتع فواضح أنه يجوز؛ لأن كل نسك منفصل عن الآخر.
وَأَرْكَانُ الحَجِّ: الإِحْرام، والوُقُوفُ، وَطَوافُ الزِّيَارةِ والسَّعْيُ وَوَاجِبَاتُهُ: الإِحْرَامُ مِن المِيقَاتِ المُعْتَبَرِ لَهُ، والوقُوفُ بِعَرفَةَ إِلَى الغُرُوبِ وَالمَبِيتُ لِغَيرِ أهْلِ السِّقَايَةِ والرّعَايَة بِمِنَى ومُزدَلِفَةَ إِلَى بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ والرَّميُ، وَالحِلاَقُ، والوَدَاعُ،
...
قوله: «وأركان الحج»، سبق في أول المناسك شروط الحج: شروط وجوبه، وشروط صحته، وشروط إجزائه، وقد اعترض بعض الناس على هذا التقسيم: على الشروط، وعلى الأركان، وعلى الواجبات، والسنن، وقال أين هذا في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ وإذا لم نجد ذلك في كتاب الله أو في سنة رسوله فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1، فيرد على صاحبه، فيقال:
الأمور قسمان:
أمور غائية، وأمور وسيلة.
فأما الأمور الغائية فهي التي هي غاية ومقصودة لذاتها، فإنها لا تفعل إلا بإذن من الشرع، ولا يمكن لأحد أن يشرعها أو يتعبد لله بها.
وأما الأمور التي هي وسيلة فيقصد بها الوصول إلى الغاية، فهذه ليس لها حد شرعي، بل لها قاعدة شرعية وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، والوسائل تختلف باختلاف الأزمان، واختلاف الأحوال، واختلاف الأماكن، واختلاف الأمم، وإذا كان كذلك فالوسائل بابها مفتوح، فالعلماء ـ رحمهم الله ـ رأوا أن من وسائل تقريب العلم إلى الأذهان، وإلى الحصر أن يقولوا: هذه شروط، وهذه أركان، وهذه واجبات، وهذه سنن، وقالوا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قد فعل هذا المبدأ فنجده أحياناً يقول: «ثلاثة
لا يكلمهم الله» 1، «سبعة يظلهم الله في ظله» 2، مع أنهم لا ينحصرون في سبعة، ولا ينحصرون في ثلاثة، ولكن هذا من باب تقريب العلم للأفهام.
يبقى النظر فيما إذا قال: هذا شرط، أو هذا واجب، فهنا يطالب بالدليل فيقال له: من أين لك أن هذا شرط، وأن هذا واجب، وأن هذا ركن، وأن هذه سنة؟ هذا هو الذي يطالب فيه الإنسان بالدليل، أما تقسيم الأشياء إلى أقسام تقريباً للأفهام فإنه من باب الوسائل، ولو أردنا أن نسلك هذا المسلك لقلنا أيضاً تقسيم العلم إلى توحيد، وطهارة، وصلاة وزكاة وصيام وحج وبيوع ورهان وما أشبه ذلك، أيضاً هذا بدعة، أين في السنة أنها قسمت هكذا؟ فينبغي للإنسان أن يكون فهمه واسعاً، وأن يعرف مقاصد الشريعة، وأن لا يجعل الوسائل مقاصد، فإنه بذلك يضل، ويبدع أناساً كثيرين من أهل العلم المحققين.
حينئذٍ نقول: تقسيم العلم إلى أبواب ليس به بأس، وتقسيم الأبواب إلى شروط، وأركان، وواجبات، ومستحبات ليس به بأس؛ لأننا نريد أن نقرب العلم كما كان الرسول صلّى الله عليه وسلّم يستعمل تقريب العلم، لكن بأساليب مختلفة.
وقوله: «وأركان»: جمع ركن، والركن هو جانب البيت
الأقوى، وهي التي تسمى عندنا بالزاوية، وهي أقوى ما في الجدار، وسمي ركناً؛ لأن بعضه يسند بعضاً حيث يتلاقى به طرفا الجدار لأن جانب الشيء الأقوى يسمى ركناً.
قوله: «الإحرام» هذا هو الركن الأول، سبق لنا أن الإحرام هو نية النسك، وليس لبس ثوب الإحرام؛ لأن الإنسان قد ينوي النسك فيكون محرماً ولو كان عليه قميصه وإزاره، ولا يكون محرماً ولو لبس الإزار والرداء إذا لم ينو.
والنية محلها القلب فيكون داخلاً في النسك إذا نوى أنه داخل فيه، لكن يجب أن تعرف الفرق بين من نوى أن يحج، ومن نوى الدخول في الحج، فالثاني هو الركن، أما من نوى أن يحج فلم يحرم، فلا صلة له بالركن ولهذا ينوي الإنسان الحج من رمضان ومن رجب ومن قبل ذلك، ولا نقول إن الرجل تلبس بالنسك أو دخل في النسك أو أحرم.
وهل يشترط مع النية لفظ؟ الصحيح أنه لا يشترط.
ومن العلماء من قال: إنه لا بد من التلبية مع النية، وجعل التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة.
والدليل على أن الإحرام ركن، قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.
قوله: «والوقوف» هذا هو الركن الثاني، أي: بعرفة؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» 2، ولقوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ
عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ} [البقرة: 198]، فقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ﴾ يدل على أن الوقوف بعرفة لا بد منه، وأنه أمر مسلم وأن الوقوف بالمزدلفة بعد الوقوف بعرفة.
قوله: «وطواف الزيارة»، هذا هو الركن الثالث.
ويقال له: طواف الإفاضة، وهو الطواف الذي يقع في يوم العيد أو ما بعده ومراده الطواف بالبيت.
ويشترط أن يقع بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، فلا يصح أن يطوف قبل عرفة ولا مزدلفة، لا بد أن يطوف بعدهما لقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]، فمزدلفة تلي عرفة، وقال لما ذكر ذكر النحر والذبح: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج]، فجعل الطواف بعد الوصول إلى منى هو كذلك، وعليه فيشترط لصحة طواف الإفاضة أن يكون بعد الوقوف بعرفة ومزدلفة، وعليه فلو أن الإنسان انطلق من عرفة ليطوف طواف الإفاضة، ثم عاد إلى مزدلفة وبات بها، فطوافه لا يصح ويكون نفلاً.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ *﴾ [الحج] الشاهد قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾؛ لأن الجملة هذه فعل مضارع مقرون بلام الأمر فيكون أمراً.
قوله: «والسعي» هذا هو الركن الرابع، وهو المذهب، وقيل: إنه واجب يجبر بدم، وقيل: إنه سنة، وهذا أضعف
الأقوال، وأصح الأقوال أنه ركن لا يتم الحج إلا به، والدليل على ذلك ما يلي:
أولاً: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158].
ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» 1.
ثالثاً: قول عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «والله ما أتم الله حج رجل ولا عمرته لم يطف بهما» 2، أي: بالصفا والمروة.
فإن قال قائل: كيف تقولون: إن السعي بين الصفا والمروة ركن، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ونفي الجناح لا يدل على الوجوب، بل يدل على رفع الإثم فقط، فكيف تجعلونه ركناً لا يصح الحج إلا به؟! هذا إيراد وارد.
قلنا: إن قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يكفي دليلاً في مشروعية السعي حيث جعلهما من شعائر الله، وقد قال الله تعالى: ﴿ومَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ والطواف بهما تعظيم لهما، فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ دليلاً على أن من طاف بهما فقد عظم شعائر الله وأنه لا جناح عليه.
وأما قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، فهذا رفع توهم وقع من بعض الناس حين نزول الآية، وذلك أنه كان على
الصفا والمروة صنمان يعبدان من دون الله، فتحرج المسلمون من أن يطوفوا بالصفا والمروة، وعليهما صنمان قبل الإسلام، فنفى الله ـ سبحانه وتعالى ـ ذلك الجناح؛ ليرتفع الحرج عن صدورهم، فكان الغرض من نفي الجناح رفع الحرج عن صدورهم، حتى لا يبقى فيها قلق.
هذه أربعة أركان.
مسألة: زاد بعض العلماء المبيت بالمزدلفة، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: 198، 199]، ويقول النبي صلّى الله عليه وسلّم في حديث عروة بن المضرس ـ رضي الله عنه ـ: «من شهد صلاتنا هذه ـ يعني الفجر ـ ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه» 1، ففهم منه أن من لم يقف بالمزدلفة لم يتم حجه، وإلى هذا ذهب بعض السلف والخلف، وهو بلا شك قول قوي وقد مال إليه ابن القيم.
لكن الذين قالوا: إنه ليس بركن، قالوا: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «الحج عرفة، من جاء قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك» 2.
وأجابوا عن حديث عروة ـ رضي الله عنه ـ بأن الإتمام يكون على وجوه: تارة يكون إتماماً لا يصح الشيء إلا به، وتارة
يكون إتماماً يصح الشيء بدونه مع التحريم، وتارة يكون إتماماً يصح الشيء بدونه مع نفي التحريم، والمراد بالإتمام في حديث عروة بالنسبة للمزدلفة إتمام الواجب الذي تصح العبادة بدونه، وهذا هو رأي الجمهور.
ومن العلماء من قال: إن الوقوف بالمزدلفة سنة وليس بركن ولا واجب؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة».
لكن أعدل الأقوال وأصوبها أنه واجب، وليس بركن والإنسان يتحرج أن يقول لشخص وقف بعرفة وطاف وسعى ولكنه يقف بالمزدلفة: إنه لا حج لك، ولكن يقول له: حجك صحيح وعليك دم، كما سيأتي في الواجبات.
قوله: «وواجباته»، أي: واجبات الحج.
والفرق بين الواجب والركن أن الواجب يصح الحج بدونه، والركن لا يصح إلا به.
قوله: «الإحرام من الميقات المعتبر له»، هذا هو الأول من واجبات الحج، الإحرام من الميقات المعتبر له، أما أصل الإحرام فهو ركن.
ولو قال المؤلف: أن يكون الإحرام من الميقات لكان أوضح؛ لأنه إذا قال: الإحرام من الميقات، فقد يظن الظان أن الإحرام من الميقات ـ أيضاً ـ من الواجبات، وقد سبق أن المواقيت خمسة، وأن من مر بها يريد النسك وجب عليه الإحرام، ومن كان دونها فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة يحرمون من مكة إلا في العمرة، فيحرمون من أدنى الحل، وقد سبق بيان ما هو الميقات المعتبر، فالميقات المعتبر هي المواقيت الخمسة.
والدليل على الوجوب قوله صلّى الله عليه وسلّم: «يهل أهل المدينة .... » 1، وهذا خبر بمعنى الأمر، والدليل على أنه بمعنى الأمر قوله صلّى الله عليه وسلّم فيما رواه ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لأهل المدينة ذا الحليفة» 2.
قوله: «والوقوف بعرفة إلى الغروب»، هذا هو الثاني من واجبات الحج، الوقوف بعرفة إلى الغروب، أي: أن يستمر في عرفة إذا وقف نهاراً إلى أن تغرب الشمس، وعلى هذا فلا يحل أن يخرج الإنسان من عرفة قبل غروب الشمس؛ لأن البقاء فيها حتى تغيب الشمس أمر واجب.
وزعم بعض العلماء أنه لا يجب الوقوف إلى الغروب، لحديث عروة بن المضرس ـ رضي الله عنه ـ حين قال صلّى الله عليه وسلّم: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه» 3، فمن وقف نهاراً، ودفع قبل الغروب صدق عليه هذا الحكم الذي نطق به النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه قد تم حجه وقضى تفثه، ولكن الصحيح أن الوقوف بعرفة إلى الغروب واجب للأدلة الآتية:
أولاً: مكث النبي صلّى الله عليه وسلّم فيها إلى الغروب 4 مع أنه لو دفع بالنهار لكان أرفق بالناس؛ لأنه لو دفع بالنهار كان ضوء النهار معيناً للناس على السير، وإذا دفع بعد الغروب حل الظلام، ولا
سيما في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم، والناس يمشون على الإبل والأقدام فينتشر الظلام قبل الوصول إلى مزدلفة.
فإن قال قائل: في تلك الليلة يكون القمر مضيئاً فلا يحصل بالسير بعد الغروب مشقة؟
فالجواب أن نقول: أفلا يمكن في تلك الليلة أن يوجد سحاب؟
الجواب: بلى يمكن أن يكون هناك سحاب، إما في السنة التي حج فيها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وإما في غيرها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم يعلم أن مفاتيح السماء بيد الله ـ عزّ وجل ـ هو الذي ينشئ السحاب، وإذا لم يكن سحاب في تلك السنة، فيمكن أن يكون في السنوات الأخرى، إذاً فتأخير الرسول صلّى الله عليه وسلّم الدفع من عرفة إلى ما بعد الغروب، وتركه للأيسر يدل على أن الأيسر ممتنع، ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما خيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً» 1.
ثانياً: أن الدفع قبل الغروب فيه مشابهة لأهل الجاهلية حيث يدفعون قبل غروب الشمس، إذا كانت الشمس على رؤوس الجبال، كعمائم الرجال على رؤوس الرجال، فلو دفع إنسان في مثل هذا الوقت لشابههم، ومشابهة الكفار في عباداتهم محرمة.
ثالثاً: أن تأخير الرسول صلّى الله عليه وسلّم الدفع إلى ما بعد غروب الشمس، ثم مبادرته به قبل أن يصلي المغرب ـ مع أن وقت
المغرب قد دخل ـ يدل على أنه لا بد من البقاء إلى هذا الوقت، وأنه صلّى الله عليه وسلّم ممنوع من الدفع حتى تغرب الشمس، ولذلك بادر، فلو كان الدفع قبل غروب الشمس جائزاً لدفع قبل غروب الشمس، ووصل إلى مزدلفة في وقت المغرب، وصلى فيها المغرب مطمئناً.
وعلى هذا فإن قيل: ما الجواب عن حديث عروة؟
قلنا: الجواب عن حديث عروة ـ رضي الله عنه ـ: ما أسلفنا أن تمام الشيء قد يكون تمام واجب، أو ركن، أو سنة.
وأيضاً حديث عروة مطلق: «وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً»، فقيد بفعل النبي صلّى الله عليه وسلّم وهو أنه وقف إلى الغروب، والمقيد يحكم على المطلق.
قوله: «والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى ومزدلفة إلى بعد نصف الليل»، هذا هو الركن الثالث والرابع من واجبات الإحرام.
فقوله: «والمبيت لغير أهل السقاية والرعاية بمنى ... »، المراد المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق دون المبيت في ليلة التاسع، فإن المبيت في منى ليلة التاسع ليس بواجب، بل هو سنة، أما المبيت ليالي أيام التشريق بمنى فواجب، والدليل ما يلي:
أولاً: ما ثبت في الصحيحين أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «رخص لعمه العباس أن يبيت في مكة ليالي التشريق من أجل السقاية» 1،
والرخصة تقابلها عزيمة؛ لأن السقاية كانت بيد العباس، فكان ـ رضي الله عنه ـ يسقي الحجاج ماء زمزم مجاناً تعبداً لله ـ عزّ وجل ـ، وإظهاراً لكرم الضيافة، وفي الجاهلية استجلاباً للناس أن يحجوا لأن أهل مكة ينتفعون اقتصادياً من الحجاج، فيسهلون لهم الأمور، ويخدمونهم من أجل تشجيعهم على الحج.
ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لتأخذوا عني مناسككم» 1، وقد بات في منى.
وقيل: إنه سنة وليس بواجب، والإمام أحمد لما قيل له إن فلاناً يقول في تركه دم ضحك ـ رحمه الله ـ وقال: هذا شديد، وهذا يدل على أنه يرى أن المبيت بمنى سنة.
أما المبيت بمزدلفة فقوله ـ رحمه الله ـ أنه واجب من واجبات الحج قول وسط بين قولين:
أحدهما: أن المبيت بها ركن من أركان الحج والآخر أنه سنّة، وقد سبق بيان ذلك 2.
وقوله: «لغير أهل السقاية والرعاية»، أهل السقاية أي: سقاية الحجاج من زمزم، والرعاية رعاية إبل الحجاج، وذلك أن الناس فيما سبق يحجون على الإبل، فإذا نزلوا في منى احتاجوا إلى من يرعى إبلهم؛ لأن بقاءها في منى فيه تضييق، وربما لا يتوفر لها العلف الكافي؛ لهذا يذهب بها الرعاة إلى محلات أخرى من أجل الرعي، وقد رخص النبي ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ للرعاة أن يدعوا
المبيت بمنى ليالي منى لاشتغالهم برعاية الإبل 1.
مسألة: هل يلحق بهؤلاء من يماثلهم ممن يشتغلون بمصالح الحجيج العامة كرجال المرور، وصيانة أنابيب المياه، والمستشفيات وغيرها أو لا؟
الجواب: نعم يلحقون بهؤلاء لتمام أركان القياس، فإن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، وهذا موجود تماماً فيمن يشتغلون بمصالح الحجيج، وعليه فيقاس على الرعاة والسقاة من يشتغلون بمصالح الناس في هذه الأيام، فيرخص لهم أن يبيتوا خارج منى.
ومن له عذر خاص كمريض ينقل للمستشفى خارج منى، هل يقاس على هؤلاء أو لا يقاس؟
قال بعض أهل العلم: إنه يقاس بجامع العذر في كل منهم.
وقال بعض العلماء: إنه لا يقاس على هؤلاء؛ لأن هذا عذره خاص، والسقاة والرعاة عذرهم عام للمصلحة العامة، فهو لا يشبه الرعاية والولاية، والذي عذره خاص فهذا ينظر في أمره هل يرخص له في ترك المبيت ويقال: إن عليك فدية لترك المبيت، أو يقال لا فدية عليك؟ ولكن قياسه على الرعاة والسقاة قياس مع الفارق.
ولكن ليعلم أن المبيت في منى ليس بذاك المؤكد كالرمي مثلاً، والدليل على هذا أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يسقط الرمي عن
الرعاة، وأسقط المبيت عنهم 1، فدل هذا على أن المبيت في منى ـ وإن عددناه من الواجبات ـ أهون من الرمي؛ ولهذا يخطئ بعض الناس ـ فيما نرى ـ أنه إذا قيل له: رجل لم يبت في منى ليلة واحدة قال: عليه دم، وهو لو قال: عليه دم إذا ترك ليلتين لكان له شيء من الوجه؛ لأنه ترك جنساً من الواجبات، أما إذا ترك ليلة من الليالي فنقول: عليه دم، مع أن الوجوب فيه نظر، ثم الوجوب إنما يكون إذا ترك هذا الجنس من الواجب، أما إذا ترك جزءاً منه فإيجاب الدم عليه فيه نظر واضح، ولهذا كان الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ أحياناً يقول: عليه قبضة من طعام، أي: ملئ اليد.
وبعض العلماء يقول: درهم وما أشبه ذلك.
وقوله: «لغير أهل السقاية والرعاية».
يفهم منه أن أهل السقاية والرعاية يجوز لهم ترك المبيت بالمزدلفة، ولا أعلم لهذا دليلاً من السنة أن الناس يسقون ليلة المزدلفة، ولا أن الرعاة يذهبون بالإبل ليلة المزدلفة لما يلي:
أولاً: الرعاة لا حاجة لهم إلى الرعي في ليلة المزدلفة، بل الرواحل عند الناس؛ لأنهم سيرتحلون، فكيف تذهب ترعى في الليل وهم جاؤوا بها من عرفة وأناخوها في مزدلفة وستبقى تنتظر ارتحالهم في صباح تلك الليلة، هل في هذا حاجة للرعاة؟ لا والسقاة أيضاً، فإن الناس لن يذهبوا إلى مكة يشربون ماء زمزم قبل أن يستوطنوا في منى، فاستثناء السقاة والرعاة من وجوب المبيت بالمزدلفة فيه نظر ظاهر.
ثانياً: لعدم ورود السنة به.
ولكن قد يقول قائل: ما رأيكم في جنود المرور، وجنود الإطفاء، والأطباء، والممرضين، هل ترخصون لهم؟
الجواب نقول: لا نرخص لهم؛ لأن المبيت في المزدلفة أوكد من المبيت في منى بكثير، فإن منى لم يقل أحد من العلماء إن المبيت بها ركن من أركان الحج، والمزدلفة قال به بعض العلماء، وهو قول قوي كما سبق، إلا أن الأقوى منه أنه واجب وليس بركن، وعلى هذا فلا بد من المبيت في المزدلفة، ثم يفرق أيضاً بينه وبين ليالي منى أنه ليلة واحدة، أو بعض ليلة للإنسان الذي يريد أن يدفع مبكراً في آخر الليل، أي: لا يقضي ليله كله، فلا يصح قياسه على ليالي منى.
مسألة: يشكل على بعض الإخوة أنه يقول: لا بد أن أبيت وأضطجع، وهذا ليس بلازم، وأن المراد بالمبيت المكث في المزدلفة ليلة العيد، سواء أنام أم لم ينم، لكن المبيت بمعنى النوم أفضل من إحيائها بقراءة أو بحث في علم أو تهجد اقتداء برسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وقد تعرضنا في أثناء الحديث على صفة الحج إلى بحث مسألة الوتر في تلك الليلة، وقلنا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يكن يدع الوتر حضراً أو سفراً، وهذا عام يشمل حتى ليلة العيد في المزدلفة، وأوردنا على أنفسنا حديث جابر: «ثم اضطجع حتى طلع الفجر» 1، وقلنا: إن هذا مبلغ علم جابر، وإلا فإن
الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «بعث أهله من المزدلفة بليل» 1، هذا يقتضي أن يكون في آخر الليل مستيقظاً، فعلى هذا نقول إن الوتر في تلك الليلة كغيرها من الليالي، لكن التهجد وإحياء الليلة غير مشروع.
مسألة: في هذه العصور الأخيرة نشأ إشكال بالنسبة للمبيت بمنى؛ وهو أن الناس لا يجدون مكاناً، فماذا يصنعون؟
الجواب: نقول: ينزلون عند آخر خيمة من خيام أهل منى، استدلالاً بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]، وقوله: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
فإن قال قائل: لماذا لا تجعلون هذا من جنس الحصر، والحصر عن الواجب فيه دم كما قاله الفقهاء؟
قلنا: لأن المكان هنا ممتلئ فلا مكان أصلاً، أما الحصر فالمكان باقٍ لكن يُمْنَعُ منه، أما هنا فلا مكان فهو مثل قطع اليد يسقط غسلها في الوضوء، فيسقط المبيت في هذه الحال، وأن الإنسان يجب أن يكون عند آخر خيمة، أما فعل بعض الناس إذا لم يجد مكاناً في منى ذهب إلى مكة إو إلى الطائف أو ما أشبه ذلك، وقال: ما دام لم نجد مكاناً في منى فلنبت حيث شئنا، فإن هذا ليس بصحيح؛ لأننا نقول: إن المسجد إذا امتلأ وجب اتصال الصفوف ولا تصح الصلاة من بعيد، وهذا كذلك نقول: يجب عليك أن تكون عند آخر خيمة في منى، وإذا سألنا سائل هل يجب أن أكون عند آخر خيمة في الجهة البعدى من مكة أو في أي جهة؟
فالجواب: في أي جهة، وعلى هذا فيصح أن تكون في الجهة التي تلي مكة من وراء جمرة العقبة، ولا حرج ما دامت الخيام متصلة.
وقوله: «إلى بعد نصف الليل»، هذا منتهى وجوب المبيت على المشهور من المذهب، فإذا انتصف الليل في المزدلفة انتهى الوجوب فلك أن تدفع، ولا فرق بين العاجز والقادر، ونصف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، أو إلى طلوع الشمس أيهما أحوط؟ الأحوط إلى طلوع الشمس؛ لأنه أطول فيزيد ساعة ونصفاً تقريباً فنقول: انتظر زيادة ساعة إلا ربعاً على انتصاف الليل من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وبعد ذلك لك الدفع.
ولكن القول الصحيح أن الدفع إنما يكون في آخر الليل كما سبق، وكانت أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنهما ـ تنتظر غروب القمر فإذا غاب دفعت، ثم ذهبت إلى منى ورمت، ثم عادت إلى مكانها في منى وصلت الفجر 1.
ولعدم ورود نص في ليالي منى خاصة فإن المعتبر البقاء فيها معظم الليل، من أوله أو وسطه أو آخره، فإذا قدرنا أن الليل اثنتا عشرة ساعة فمعظمه سبع ساعات، من أوله أو وسطه أو آخره.
قوله: «والرمي»، هذا هو الواجب الخامس، أي رمي الجمار في يوم العيد جمرة واحدة، وفي الأيام الثلاثة التي بعد
العيد ثلاث جمرات، ولا بد أن تكون مرتبة، وسبق ذلك في صفة الحج، لكن الرمي من الواجبات.
والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال في الرمي: «إنما جعل الطواف بالبيت وبالصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله» 1، وقوله: «لتأخذوا عني مناسككم» 2، وقال: «بأمثال هؤلاء فارموا» 3، وكونه يحافظ عليه ويأمر أن نرمي بمثل هذه الحصيات يدل على أنه واجب، ولأنه عمل يترتب عليه الحل فكان واجباً، ليكون فاصلاً بين الحل والإحرام.
ولا بد أن يكون الرمي مرتباً، وأن يكون بحجر، وأن يكون بسبع حصيات، وسبق الكلام على هذا مفصلاً في صفة الحج فلا حاجة لإعادته.
قوله: «والحلاق»، هذا هو الواجب السادس، الحلاق أي: الحلق وينوب عنه التقصير، ولهذا قال المؤلف في الشرح: «أو التقصير»، ودليل الحلق فعل النبي صلّى الله عليه وسلّم 4، وأن الله تعالى جعله وصفاً في الحج والعمرة فقال: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ﴾ [الفتح: 27]، قال العلماء: وإذا عبر بجزء من العبادة عن العبادة كان دليلاً على وجوبه فيها.
قوله: «والوداع»، وهذا هو الواجب السابع، أي: طواف الوداع، وهو الطواف بالبيت فقط بدون سعي ولا إحرام، وهو من واجبات الحج، هكذا عده المؤلف، وكثير من العلماء؛ لأن
حكمه حكم الواجبات في وجوب فعله، ومن لم يفعله فعليه دم.
والصحيح أنه ليس من واجبات الحج؛ لأنه لو كان من واجبات الحج لوجب على المقيم والمسافر، وهو لا يجب على المقيم في مكة، وإنما يجب على من سافر، وعلى هذا فلا يتوجه عده في واجبات الحج، إذ إن واجبات الحج لا بد أن تكون واجبة على كل من حج، لكنه واجب على من أراد الخروج من مكة، ودليل هذا حديث عبد الله بن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: «أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن الحائض» (1)، وهذا الأمر للوجوب، ودليل كونه للوجوب قوله: «إلا أنه خفف عن الحائض»، لأنه لو كان للاستحباب لكان مخففاً على كل أحد؛ لأن المستحب يجوز تركه، ولقوله ـ أيضاً ـ في اللفظ الآخر: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» (2).
والبَاقِي سُنَن، وَأَرْكَانُ العُمْرَةِ: إِحْرَامٌ، وَطَوَافٌ، وَسَعْيٌ، وَوَاجِبَاتُها: الحِلاَقُ وَالإِحْرَامُ مِن مِيقَاتها.
قوله: «والباقي سنن»، أي: الباقي من أقوال الحج وأفعاله سنن، وسيأتي حكم كل من الركن والواجب والسنة.
قوله: «وأركان العمرة: إحرام، وطواف، وسعي»، الإحرام نية الدخول في العمرة، والطواف، والسعي معروفان.
قوله: «وواجباتها الحلاق، والإحرام من ميقاتها»، فصارت أركان العمرة ثلاثة، وواجباتها اثنين، أما الطواف والسعي فلأن12
النبي صلّى الله عليه وسلّم أمر عائشة ـ رضي الله عنها ـ أن تطوف وتسعى وقال: «طوافك بالبيت وبالصفا والمروة يسعك لحجك وعمرتك» 1.
وأما الإحرام من الميقات فلأن النبي صلّى الله عليه وسلّم وقّت المواقيت وقال: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة» 2، وأما الحلق فلما تقدم.
ولم يذكر طواف الوداع، فظاهر كلامه أنه لا يجب لها طواف وداع؛ لأن عدم الذكر في سياق البيان يدل على أنه لا عبرة به، وعلى هذا فيكون طواف الوداع في العمرة ليس بواجب على المشهور من مذهب الإمام أحمد بن حنبل ـ رحمه الله ـ، وهذه المسألة فيها قولان:
الأول: أنه واجب.
الثاني: أنه سنة.
والراجح عندي أنه واجب على المعتمر أن يطوف للوداع كما هو واجب على الحاج لما يلي:
أولاً: عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت» 3.
فإن قال قائل: هذا القول قاله النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع في الحج ولم يقله في العمرة؟
قلنا: نعم نسلم ذلك، ولكن لأنه لم يوجبه الله إلا في ذلك
الوقت وما قبل ذلك لم يجب أصلاً، والشرع كما نعلم يتجدد، فقد يجب في هذا الوقت ما لم يكن واجباً من قبل.
ثانياً: قوله صلّى الله عليه وسلّم ليعلى بن أمية ـ رضي الله عنه ـ: «اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك» 1.
وهذا العموم يفيد أن كل ما يفعل في الحج يفعل في العمرة إلا ما قام النص أو الإجماع على أنه مستثنى، كالوقوف بعرفة، والمبيت بالمزدلفة، أو بمنى، ورمي الجمار، فهذا مستثنى بالإجماع، وإلا فالأصل مشاركة العمرة الحج في أفعاله.
ثالثاً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سماها في حديث عمرو بن حزم الذي تلقته الأمة بالقبول الحج الأصغر فقال: «العمرة الحج الأصغر» 2 فسماها حجاً، وإذا سميت باسمه كان الأصل موافقتها له في الأحكام إلا ما استثني.
رابعاً: أنه لا فرق بين الحج والعمرة من حيث المعنى، بل لو قيل: إيجاب طواف الوداع في العمرة أولى من إيجابه في الحج؛ لأن أفعالها أقل وأخف.
خامساً: أن هذا الرجل دخل إلى البيت بطواف فليخرج منه بطواف.
فإن قيل: ما الجواب على من قال: إنه لم يثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، أنه طاف للوداع في عُمَره؟
فالجواب: أما عمرة الجعرانة فهو قد طاف وسعى وخرج
في ليلته ولهذا كثير من الصحابة لم يعلم بها، وهذا لا إشكال فيه، وأما عمرة القضاء فيقال: إن أصل إيجاب طواف الوداع كان متأخراً؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يذكره إلا في حجة الوداع، نعم لو فرض أنه قاله قبل عمرة القضاء ثم اعتمر ولم يطف للوداع قلنا: العمرة لا طواف لها، لكن أصل الإيجاب لم يجب إلا متأخراً.
ولكن لو أن أحداً قدم مكة وطاف وسعى وقصر وانصرف وخرج، فإن هذا يجزئه عن طواف الوداع، كما ذكر ذلك البخاري في صحيحه 1 بأن المعتمر إذا طاف وسعى فإنه يكفيه عن طواف الوداع، واستدل بحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ لما اعتمرت من التنعيم، فلا يقال: إن هذا لم يجعل آخر عهده بالبيت، نقول في الجواب: لأن السعي تابع للطواف؛ ولهذا ذكر الفقهاء أنه لو أخر طواف الإفاضة فطافه عند الوداع وسعى فإنه يجزئه ولم يعتبروا السعي فاصلاً؛ لأنه يثبت في التابع ما لا يثبت في المستقل، ولأن النبي صلّى الله عليه وسلّم طاف للوداع في حجة الوداع، وبعد أن طاف صلى الفجر ثم انصرف 2، ولأن الفصل يسير، وإن كانت فإن هذه الصلاة فيما يظهر ليست تابعة للطواف بمعنى أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم ينو كونها نائبة عن صلاة ركعتين بعد الطواف، وعلى كل حال إذا طاف الإنسان فإنه مثاب على القولين جميعاً، لكن إذا تركه فهل يأثم أو لا؟ ينبني على القول بالوجوب أو عدمه؟ إن قلنا بالوجوب فهو آثم وإلا فليس بآثم.
فَمَنْ تَرَكَ الإِحْرَامَ لَمْ يَنْعَقِدْ نُسُكُهُ وَمَنْ تَرَكَ رُكْناً غَيْرَهُ، أَوْ نِيَّتَه لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلاَّ بِهِ وَمَنْ تَرَكَ وَاجِباً فَعَلَيْهِ دَمٌ، أَوْ سُنَّةً فَلاَ شَيْء عَلَيْهِ.
قوله: «فمن ترك الإحرام لم ينعقد نسكه»، «فمن ترك الإحرام» يعني النية، أي: الدخول في النسك، فإنه لا ينعقد نسكه حتى لو طاف وسعى، فإن هذا العمل ملغى، كما لو ترك تكبيرة الإحرام في الصلاة، وأتم الصلاة بالقراءة والركوع والسجود والقيام والقعود، فصلاته ملغاة لم تنعقد أصلاً؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، وهذا الرجل لم ينو الدخول في النسك فلا يكون داخلاً فيه، ولكن تصوير هذه المسألة قد يكون صعباً، كيف نقول لرجل اغتسل في الميقات، ولبس ثياب الإحرام، ولبى: إنه لم ينو، هذا من أبعد ما يكون، لكن إذا قدر أن شخصاً فعل جميع ما يتعلق بالنسك إلا أنه لم ينو فإنه لا ينعقد نسكه، وكل أفعاله ذهبت هدراً، وإلا فمن المعلوم أن الإنسان إذا فعل أفعال العبادة لا بد أن يكون قد نواها، وذكر عن ابن عقيل من أتباع الإمام أحمد «أن رجلاً جاءه وقال له: يا سيدي تصيبني الجنابة فأذهب إلى دجلة فأغتسل أنغمس فيها، ثم أخرج وأرى أنه لم يرتفع حدثي، فقال له ابن عقيل: لا تصل؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق» 2، وأنت مجنون تذهب وتخلع ثيابك وتنغمس في الماء، ثم تقول: لم أنو، هذا ليس بمعقول»، فالظاهر أن الرجل انتقد
نفسه وعرف أنه أخطأ خطأً كبيراً، ولهذا قال الموفق ـ رحمه الله ـ في كتابه «ذم الموسوسين»: إن بعض العلماء قال: «لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق»، وهذا صحيح، فلو قيل لك: توضأ لكن لا تنو الوضوء، وصل، ولكن لا تنو الصلاة، فهذا لا يمكن، صحيح أن الإنسان قد يغيب عنه التعيين فهو ينوي الفعل لكن يغيب عنه التعيين، فيأتي إلى المسجد لصلاة الظهر، ثم يكبر ويصلي، لكن يغيب عن ذهنه أنه نوى الظهر مثلاً، لكن في نيته أنه نوى فرض الوقت، فهل يجزئ أو لا؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه لا تجزئ الصلاة؛ لأنه لا بد من التعيين، وقال بعض أصحاب الإمام أحمد وهو ابن شاقلا ـ رحمه الله ـ: إنه يكفيه أن ينوي فرض الوقت، وهذا ـ والحمد لله ـ فيه سعة للناس؛ لأنه كثيراً ما يأتي الإنسان ويحرم بالصلاة لا سيما إذا كان الإمام راكعاً، فإنه يأتي بسرعة وقد لا ينوي التعيين، ولكن لو سألته ماذا نويت قال: نويت أداء الفرض.
قوله: «ومن ترك ركناً غيره»، أي: غير الإحرام لم يتم نسكه إلا به، فلو ترك الطواف، نسياناً فلم يطف طواف الإفاضة نقول: لم يتم حجه فلا بد أن يطوف، فإن كان الركن مما يفوت، فالحج ملغى، كما لو ترك الوقوف بعرفة حتى خرج فجر يوم العيد، فإن الحج انتهى ولا يمكنه الوقوف، فلو قال: أقف يوم العيد، أقضي، وأنا أسعد بالدليل منكم؛ لأنني ناسٍ، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» 1،
وأيهما أوكد الصلاة أو الحج؟ نقول له: الصلاة، قال: إذاً أنا نسيت أن اليوم هو التاسع فأقف اليوم العاشر، قلنا: لا يجوز، قال: هذا قياس صحيح أنتم الآن أقررتم بأن الصلاة أوكد، فإذا كان يصح قضاء الصلاة فليصح قضاء الوقوف بعرفة.
فيقال: هذا قياس فاسد الاعتبار؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من أتى ليلة جمع قبل الصبح فقد أدرك» 1، مفهومه أن من أتى بعد الصبح فإنه لم يدرك، وهذا نص ولا يقاس مع وجود النص.
إذاً من ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، لكن إن كان الركن يفوت ـ ولا يصح التمثيل إلا بالوقوف فقط ـ فإنه في هذه الحال يفوته الحج.
قوله: «أو نيته لم يتم نسكه إلا به»، لو أن المؤلف قال: أو شرطه لكان أعم، مثل لو أنه طاف بالبيت من غير طهارة بناء على القول باشتراط الطهارة للطواف لم يصح طوافه.
وقوله: «لم يتم نسكه إلا به»، أي: لا بد أن يأتي به، وظاهر كلام المؤلف حتى ولو كان ذلك للضرورة، فإن عجز عن ذلك فسوف يأتي في باب الفوات والإحصار حكمه.
وقوله: «أو نيته».
الركن الذي يشترط له النية هو الطواف والسعي، أما الوقوف عند الفقهاء فإنه لا يشترط له النية.
والصحيح أن الطواف والسعي لا تشترط لهما النية؛ لأن الطواف والسعي جزء من عبادة مكونة من أجزاء فتكفي النية في
أولها كالصلاة، بدليل أن المصلي لا يشترط أن ينوي الركوع ولا السجود، ولا القيام ولا القعود، فليس الطواف شيئاً مستقلاً، ويقال: أيضاً إذا كنتم لا تشترطون النية في الوقوف، وهو أعظم أركان الحج حتى قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الحج عرفة» 1، فما مثله أو دونه من باب أولى، وهذا القول هو الذي رجحه الشنقيطي في تفسيره، وهو الصواب وفيه مصلحة للناس؛ لأن كثيراً من الناس عند الطواف لو سألته ماذا نويت في الطواف؟ قال: نويت الطواف، وليس على باله أنه للحج أو للعمرة، لكنه متلبس بالحج، وعلى رأي من يشترط النية طوافه غير صحيح، على القول الثاني طوافه صحيح، إذاً نحذف كلمة «أو نيته» لأنه ليس هناك ركن تشترط فيه النية، والإحرام هو نية النسك، وسبق أنه لا ينعقد النسك بفواته، والوقوف لا يشترط له نية.
وعليه فلا تشترط نية التعيين أي: أنه طواف للحج، أما نية الطواف فلا بد منها؛ لأنه لا بد أن ينوي الطواف لكن كونه للحج ليس شرطاً، فلو طاف من غير نية أنه للحج أو للعمرة فطوافه صحيح، أما لو أنه حُمِلَ كرهاً وطيف به، وهو لا ينوي فلا يصح طوافه؛ لأنه ما نوى.
والدليل على أن تارك الركن لا يصح حجه، أن الركن هو الماهية التي تنبني عليها العبادة، ولقوله صلّى الله عليه وسلّم في الوقوف: «من أتى ليلة جمع قبل الصبح فقد أدرك» 2، يدل على أنه إذا فاته الوقوف بعرفة فاته الحج.