الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 361-400
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْعِدَدِ

صفحات 361-400
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الحيض، لكن ما أتمت التسع، فلا عدة عليها على المذهب؛ لأنه لا تجب عدة من مفارقة حياة إلا إذا كان الزوج يطأ مثله، والزوجة يوطأ مثلها، وقلنا: إن الزوج الذي يطأ مثله ابن عشر سنوات، والمرأة التي يوطأ مثلها بنت تسع، فهذا الرجل الذي فارقها وهي بنت ثمان سنوات وتحيض فإنها لا عدة عليها بالحيض على المذهب، لكن على القول الراجح هذه المسألة منوطة بالوجود، فنقول: إذا وجد الحيض المطرد ولها ثمان سنوات، وطُلقت فإنها تعتد بثلاثة قروء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228]. وقوله: «أو إياس» مصدر أَيِسَ ييأس إياساً، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فبماذا يكون اليأس أبالزمن، أم بالحال؟ المذهب أنه بالزمن، فلا حيض بعد خمسين سنة، فإذا بلغت المرأة خمسين سنة فقد أيست، ولو كان الحيض يأتيها مطرداً؛ لأنه لا حيض بعد الخمسين، مثال ذلك: امرأة طلقها زوجها ولها خمسون سنة، وهي تحيض حيضاً مطرداً، كل شهرين مرة منذ بلغت إلى اليوم، فعدتها على المذهب ثلاثة أشهر؛ لأن اليأس عندهم مقيد بزمن، وهو تمام خمسين سنة، فإذا طلقت المرأة ولها خمسون سنة فإنها آيسة، تعتد بثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4].

القول الثاني: أن اليأس منوط بالحال لا بالزمن، وأن ذلك يختلف باختلاف النساء، فمن النساء من تبقى إلى ستين سنة، وإلى سبعين سنة، وهي تحيض حيضاً مطرداً، فهذه ليست آيسة، وهذا هو الصواب؛ لأن اليأس في اللغة العربية ضد الرجاء، فمتى صارت المرأة في حال لا ترجو وجود الحيض، إما لكبر في السن، أو ضعف في البنية، أو لأي سبب من الأسباب، فإنها تكون آيسة ولا نقيدها بالسن؛ لأن الله ـ تعالى ـ ما قيدها بالسن، فلو أن امرأة لها خمسون سنة وتحيض في الشهرين مرة، فعلى المذهب إذا تم لها ثلاثة شهور ولو لم تحض إلا مرة يعقد عليها، وعلى القول الصحيح الراجح لا يعقد لها حتى يتم لها ثلاث حيض.
قوله: «فتعتد حُرَّة ثلاثةَ أشهر وأمة شهرين» يعني وتعتد أمة شهرين، يقولون: لأن الله جعل للحرة ثلاثة أشهر، أو ثلاثة قروء، وجعل لمن لا تحيض ثلاثة أشهر، ومعنى هذا أن لكل حيضة شهراً، وهذا هو الغالب، وللأمة حيضتان، فيكون لها عند اليأس أو الصِّغَر شهران؛ لأن البدل له حكم المبدل منه.
قوله: «ومبعضة بالحساب» مع أنه في التي تعتد بالحيض المبعضة كالحرة تعتد بثلاثة قروء، وهذا فيه شيء من التناقض؛ لأنك إذا قلت: الأمة شهران؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، فقل: المبعضة ثلاثة أشهر؛ لأن الأشهر مبنية على الحيض، وقد حكمنا بأن المبعضة تعتد بثلاث حيض، ولهذا قال بعض أهل العلم: إن عدة المبعضة ثلاثة أشهر، وتعليله بأن الأشهر بدل عن القروء.

وقوله: «ومبعضة بالحساب» عرفنا أن الأمة عدتها شهران فنزيد من الشهر الثالث بقدر ما فيها من الحرية، فإذا قدّرنا أن نصفها حر صارت عدتها شهرين ونصفاً؛ لأن المؤلف يقول: «ومبعضة بالحساب».
وهذه المسألة تؤيد قول من يقول: إن عدة الأمة بالأشهر شهر ونصف، إذا كانت لا تحيض لصغر أو إياس؛ ووجه ذلك أن الحيض لا يتبعض، وأما الأيام فتتبعض؛ ولذلك قالوا في المبعضة: إن عدتها من الشهر الثالث بالحساب، بقدر ما فيها من الحرية، وهذا القول وجيه جداً، لكن الأحوط بلا شك ما مشى عليه المؤلف أن عدة الأمة شهران.
قوله: «ويجبر الكسر» فإذا قدرنا أن ربعها حر، فتكون عدتها سبعة أيام ونصفاً لكن يقول: يجبر الكسر فتكون ثمانية أيام.

الْخَامِسَةُ: مَن ارْتَفَعَ حَيْضُهَا وَلَمْ تَدْرِ سَبَبَهُ، فَعِدَّتُهَا سَنَةٌ، تِسْعَةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَثَلاَثَةٌ لِلْعِدَّةِ، وَتَنْقُصُ الأَمَةُ شَهْراً، وَعِدَّةُ مَنْ بَلَغَتْ وَلَمْ تَحِضْ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ الْمُبْتَدَأَةِ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ، وَالأَمَةُ شَهْرَانِ، وإنْ عَلِمَتْ مَا رَفَعَهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا، فَلاَ تَزَالُ فِي عِدَّةٍ حَت

ى يَعُودَ الْحَيضُ، فَتَعْتَدَّ بِهِ، أَوْ تَبْلُغَ سِنَّ الإِيَاسِ فَتَعْتَدَّ عِدَّتَهُ، ...................... قوله: «الخامسة: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه» أي: هي من ذوات الحيض، ولكنه ارتفع حيضها، وهذه تنقسم إلى قسمين: الأول: من ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه.
والثاني: من ارتفع حيضها وعلمت سببه.
أما من ارتفع حيضها ولم تدرِ ما سببه فيقول المؤلف: «فعدتها سنة، تسعة أشهر للحمل، وثلاثة للعدة» يعني امرأة من ذوات الحيض، عمرها ثلاثون سنة، ما بلغت سن اليأس، ارتفع حيضها، فطلقها زوجها، وهي في هذه الحال، فتعتد سنة؛ لأن ذلك هو الذي روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه،

وقضى به بين الصحابة رضي الله عنه ولم ينكر عليه 1، هذا من حيث الاستدلال بالأثر، أما النظر فلاحتمال أنها حامل تعتد تسعة أشهر؛ لأن ذلك غالب الحمل، ولاحتمال أنها آية تعتد ثلاثة أشهر؛ لأن عدة الآيسة والتي لم تحض ثلاثة أشهر، فتعتد اثني عشر شهراً من فراق زوجها لها، وهذا من باب الاحتياط.
فإن قال قائل: إذا تبين بعد تسعة خلو الرحم، فلماذا لا نقول تسعة أشهر يكفي، ويدخل فيها ثلاثة أشهر؟ نقول: لأننا لم نحكم بخلو الرحم إلا بعد تسعة أشهر، وحينئذٍ تستأنف العدة ثلاثة أشهر.
فإذا قال قائل: بعد تقدم الطب، ألا يمكن أن يكشف عليها؟ الجواب: بلى، فإذا كشف عليها، وعلمنا أن رحمها خالٍ، فحينئذٍ تعتد بالأشهر، لكن الأولى اتباع السلف في هذه المسألة، وهو أحوط أن تعتد بسنة كاملة، وهذا الحكم لمن فورقت في الحياة، أما المفارقة في الوفاة فقد علمنا فيما سبق أنها ما لها إلا حالان فقط، أن تكون حاملاً فعدتها بوضع الحمل، أو غير حامل فعدتها أربعة أشهر وعشر، لكن كلامنا فيمن فورقت في الحياة وارتفع حيضها، ولم تدرِ ما رفعه، فتعتد سنة كاملة.
قوله: «وتنقص الأمة شهراً» لأن عدتها بالأشهر شهران، فيكون لها تسعة أشهر للحمل وشهران للعدة، ولماذا لا نقول: إنها في الحمل نصف الحرة؟ الجواب: أن الحمل أمر طبيعي، لا يختلف فيه النساء، فالحرائر والإماء كلهن غالب الحمل عندهن تسعة

أشهر، والمبعضة تزيد على أحد عشر شهراً بقدر ما فيها من الحرية، ويجبر الكسر على حسب ما مضى، ولنفرض أن المرأة فعلت ذلك واعتدت بسنة، ثم بعد تمام السنة جاءها الحيض، هل تعود إلى الحيض؟ الجواب: لا؛ لأنها انتهت العدة، أما لو عاد الحيض قبل تمام السنة، فإنها تنتقل إليه ابتداء من جديد، فتعتد بثلاث حيض.
فصارت هذه المرأة التي ارتفع حيضها تعتد بسنة، ثم إن عاد الحيض قبل تمام السنة اعتدت به، وإن تمت السنة لم تلتفت إليه، ولو عاد إليها؛ لأن العدة انتهت وبانت من زوجها.
قوله: «وعدة من بلغت ولم تحض» عدة من بلغت ولم تحض ثلاثة أشهر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَاللاََّّئِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق: 4]، فهو عام حتى لو فرض أن هذه المرأة لها ثلاثون سنة، ولم يأتها الحيض فإنها تعتد بثلاثة أشهر، وإن قدر أن لها ثماني سنوات وفارقها زوجها فلا عدة عليها؛ لأنها ليست ممن يوطأ مثلها.
قوله: «والمستحاضة الناسية» أي: فعدتها ثلاثة أشهر، والمستحاضة هي التي أطبق عليها الدم، أو كان لا ينقطع عنها إلا يسيراً، ولهذا لم يقُل: حاضت، بل قيل: استحاضت؛ لأن السين والتاء للمبالغة والزيادة، فهذا الحيض الذي هو سيلان الدم زاد عليها، ولهذا سميناها استحاضة؛ لكثرة الدم وطول مدته، والاستحاضة مرض من الأمراض لكنه يعتاد النساء كثيراً، وهو كما قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: «عرق» 1 «وركضة شيطان» 2، قال

العلماء: إنه عرق ينبثق من أدنى الرحم، والحيض من قاع الرحم، وركضة من الشيطان؛ لأجل أن يفسد على المرأة عبادتها، ويوقعها في شك وحيرة، وهذا أمر ما نعلمه إلا بطريق الوحي، وهذه الاستحاضة التي تأتي المرأة لا تخلو من ثلاث حالات: الأولى: أن تكون معتادة، فتجلس عادتها ثم تغتسل وتصلي، وتفعل كما تفعل الطاهرات.
الثانية: أن لا يكون لها عادة أو تنسى عادتها ولكن لها تمييز، فترجع إليه، فينظر إلى علامات دم الحيض، وهي ثلاث ذكرها العلماء، وذكر بعض الأطباء علامة رابعة، فالعلامات الثلاث: هي السواد، والثخونة، والإنتان ـ أي: الرائحة الكريهة ـ فدم الحيض أسود، منتن، ثخين، ودم الاستحاضة أحمر رقيق لا رائحة له، فهذا تمييز بيِّن، والفرق الرابع ذكره بعض الأطباء المعاصرين، قال: إن دم الحيض لا يتجمد ودم الاستحاضة يتجمد، وعلل ذلك بأن دم الحيض كان في الرحم متجمداً ثم انطلق، فلا يعود إليه التجمد مرة أخرى، بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم يخرج من العرق فهو كسائر الدماء، والدم الذي يخرج من العروق يتجمد.
فإذا كانت عادتها غير مطردة، أو نسيتها مثلاً، أو جاءتها الاستحاضة من ابتداء الأمر، فإنها تعمل بالتمييز.

وقال بعض العلماء: نقدم التمييز على العادة ولو كانت تعلمها، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الشافعي؛ لأنه ليس من المستبعد أنه لما جاءتها الاستحاضة تغيرت العادة، والتمييز إن طابق العادة فأمره ظاهر، لكن إن خالف العادة، بأن كانت عادتها من أول الشهر، لكن ما رأت التمييز إلا في نصف الشهر، فحينئذٍ يتعارضان، فهل نقدم التمييز أو نقدم العادة؟ فيه خلاف.
فمن العلماء من قال: نقدم العادة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وهو ظاهر الحديث، فالرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ أمر أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها أن تجلس قدر ما كانت حيضتها تحبسها 1؛ ولأنه أضبط وأسلم للمرأة من الاضطراب؛ لأن التمييز يمكن أن يأتي في هذا الشهر في أوله، وفي الشهر الثاني في وسطه، وفي الشهر الثالث في آخره، وربما يتغير عليها، فإذا قلنا: ارتبطي بالعادة صار ذلك أيسر لها وأسهل، وهذا ترجيحه واضح، وترجيح من يقول: إنه يرجع إلى التمييز ـ أيضاً ـ وجهه قوي؛ لأنه يقول: ما دام عندنا تمييز، فهذا دم ثخين أسود منتن، وهذا دم أحمر رقيق لا رائحة له، فكيف نقول: هذا استحاضة، والأول يُعرف؟! الثالثة: إذا لم يكن لها عادة ولا تمييز، يعني ابتدأ بها الدم من الأول، واستمر معها على وتيرة احدة، فهذه لا عادة لها ولا

تمييز، أو يكون لها عادة لكن نسيتها، وما عندها تمييز، فهذه ترجع إلى عادة النساء، ستة أيام، أو سبعة، من أول وقت أتاها الحيض فيه، فإذا قدر أنه أول ما رأت هذا الدم في الخامس عشر من الشهر، نقول: كلما جاء الخامس عشر من الشهر تجلس ستة أيام، أو سبعة، فإن قالت: نسيت متى أتاني الدم أول مرة، نقول: ترجع إلى أول شهر هلالي، كلما دخل الشهر جلست ستة أيام، أو سبعة، والباقي تصلي.
وذكرنا هذا استطراداً، وإلا فالمقام ليس مقام بحث في الاستحاضة والحيض.
وقوله: «والمستحاضة الناسية» ظاهر كلام المؤلف ولو كان لها تمييز؛ لأنه أطلق، ولكن هذا الظاهر غير مراد، فإن المستحاضة الناسية إذا كان لها تمييز تجلس ثلاثة قروء؛ لأن لها حيضاً صحيحاً، فما دام عندها تمييز فإنها تجلس ثلاثة قروء بحسب تمييزها، ولنفرض أن هذه المستحاضة كان يأتيها الدم المتميز كل شهرين مرة، فتكون عدتها ستة شهور، فقول المؤلف رحمه الله: «والمستحاضة الناسية» ينبغي أن نقول: ما لم يكن تمييز، فإن كان لها تمييز فعدتها ثلاثة قروء كغيرها؛ لأن التمييز يعتبر حيضاً صحيحاً.
وقوله: «والمستحاضة المبتدأة» وهي التي من أول ما جاءها الدم استمر بها؛ لأنها ما لها عادة سابقة فتعتد بثلاثة أشهر.
وقوله: «ثلاثة أشهر» وهي مستحاضة؛ لأن غالب النساء يحضن في كل شهر مرة، وهذه مستحاضة وليس لها حيض

صحيح، فترجع إلى غالب النساء، وغالب النساء أن يحضن كل شهر مرة.
قوله: «والأمة شهران» بناء على ما سبق من أن عدتها حيضتان، ولكل حيضة شهر، فتكون عدتها عند عدم الحيض شهرين.
انتهى الكلام على المرأة التي ارتفع حيضها ولم تدرِ سبب الرفع، ثم شرع المؤلف في بيان من ارتفع حيضها وعلمت ما رفعه، فقال: «وإن علمت ما رفعه من مرض أو رضاع أو غيرهما فلا تزال في عدة حتى يعودَ الحيض فتعتدَّ به، أو تبلغَ سن الإياس فتعتد عدته» امرأة من ذوات الحيض، ارتفع حيضها بسبب الرضاع، والغالب أن المرضع لا تحيض، ثم طلقها زوجها فعدتها ثلاثة قروء، فنقول: انتظري حتى يزول السبب الذي من أجله ارتفع الحيض، وهو الرضاع، فإذا بقيت حتى فطمت الصبي، وما رجع الحيض، فماذا نعمل؟ نقول: تنتظر حتى يعود الحيض، أو تبلغ سن الإياس، وهو على المذهب خمسون سنة، وإذا بلغت خمسين سنة اعتدت عدة آيسة ثلاثة أشهر، فإذا طلقت ـ مثلاً ـ وهي ذات اثنتي عشرة سنة وهي ترضع، وفطمت الصبي ولها أربع عشرة سنة، ما جاءها الدم انتظرت إلى الخامسة عشرة، إلى السادسة عشرة، إلى السابعة عشرة ما جاءها الدم فإلى متى تنتظر؟ إلى

خمسين سنة، فإذا كبرت وصارت ما ترغب في النكاح، قلنا: الآن اعتدي لأجل أن تتزوجي! فتبقى إلى تمام خمسين سنة، فإذا تم لها خمسون سنة قلنا: اعتدي بثلاثة أشهر، وكل هذه المدة وزوجها ينفق عليها؛ لأنها رجعية، ولا يتزوج إذا كانت هي الرابعة، ويبقى محبوساً وهي محبوسة إلى أن يتم لها خمسون سنة، ثم تعتد ثلاثة أشهر، هذا هو المشهور من المذهب، وقاله علماء أجلاء، قالوا: لأننا علمنا ما رفع الدم فتنتظر!! ولكن الحقيقة أن هذا القول لا تأتي بمثله الشريعة؛ لما فيه من الضرر العظيم جداً، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تعتد سنة بعد زوال السبب المانع؛ لأنها لما زال المانع صارت مثل التي ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه، والتي ارتفع حيضها ولم تدرِ سببه تعتد سنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة، وهذا القول أقرب للصواب؛ لأن علته معقولة، ولأنه أبعد عن الحرج والمشقة التي لا تأتي بمثلها الشريعة.
ولكن بقي أن يقال: إن التي علمت ما رفعه ينبغي أن نقسمها إلى قسمين: الأول: أن تعلم أنه لن يعود الحيض.
الثاني: أن تكون راجية لعود الحيض.
فإن كانت تعلم أنه لن يعود، فهذه ما تعتد سنة، وإنما تعتد ثلاثة أشهر؛ لأنها آيسة، مثل لو علمت أنَّ ارتفاع الحيض لعملية استئصال الرحم فهذه لا أحد يقول: تنتظر إلى خمسين سنة! وحتى لو قيل به فهو قول باطل، فهذه المرأة التي علمت أن

الحيض لن يعود نقول: تعتد بثلاثة أشهر؛ لدخولها في قوله تعالى: ﴿وَاللاََّّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاَثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: 4]، وهذه قد أيست إياساً قطعياً فتعتد بثلاثة أشهر.
وإن كانت ترجو أن يعود فهذه تنتظر حتى يزول المانع ثم تعتد بسنة، تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة.
وقيل: تعتد إذا زال المانع بثلاثة أشهر؛ لأن الصحابة إنما حكموا بالسنة لمن لا تعلم سببه، وهنا علمت السبب، فإذا زال السبب ولم يعد فإنها تعتد بثلاثة أشهر، لكن الأحوط أن تعتد بسنة؛ لأنه إذا زال السبب ولم يرجع الحيض فإننا نحكم بعدم رجوعه من زوال السبب، فإذا حكمنا بعدم الرجوع من زوال السبب، كان حكمنا بعدم رجوعه حينئذٍ لغير سبب معلوم، وإذا كان ارتفاعه لغير سبب معلوم كانت المدة سنة كما سبق.

السَّادِسَةُ: امْرَأَةُ الْمَفْقُودِ تَتَربَّصُ مَا تَقَدَّمَ فِي مِيرَاثِهِ ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوفَاةِ، وَأَمَةٌ كَحُرَّةٍ في التَّرَبُّصِ، وَفِي الْعِدَّةِ نِصْفُ عِدَّة الْحُرَّةِ، وَلاَ تَفْتَقِرُ إِلَى حُكْمِ حاكِمٍ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ، وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَقَدِمَ الأَوَّلُ قَبْلَ وَطءِ الثَّانِي فهِيَ للأَوَّلِ، وَبَعْدَهُ لَهُ أَخْذُهَا زَوْجَةً بِالعَقْدِ الأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يُطَلِّقِ

الثَّانِي، وَلاَ يَطَأُ قَبْلَ فَرَاغِ عِدَّةِ الثَّانِي، وَلَهُ تَرْكُهَا مَعَهُ مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ عَقْدٍ، وَيأْخُذُ قَدْرَ الصَّدَاقِ الَّذِي أَعْطَاهَا مِنَ الثَّانِي، وَيرْجِعُ الثَّاني عَلَيْهَا بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ.
قوله: «السادسة: امرأة المفقود» يعني زوجة المفقود، والمفقود هو الذي انقطع خبره فلم يعلم له حياة ولا موت، مثل رجل سافر ثم انقطعت أخباره وما يعلم، هل وصل البلد الذي قصد، أو رجع إلى بلده، أو ذهب إلى بلد آخر، أو مات، أو أسر؟ قوله: «تتربص» يعني تنتظر، وظاهر كلامه أن ذلك على سبيل الوجوب، وأنه متى فُقِدَ تربصت، لكنهم ذكروا أنه يجوز أن تصبر إذا شاءت، إلى أن يأتي الله به أو تتيقن موته، وعلى هذا فيكون كلام المؤلف هنا مقيداً بما إذا أرادت أن تتزوج، وأن تتخلص من هذا الزوج المفقود، وأما إذا قالت: سأنتظر حتى أتيقن موته، فما نلزمها بأن تتربص وتعتد.

قوله: «ما تقدم في ميراثه» والذي تقدم في ميراثه ـ على المذهب ـ إن كان ظاهر غيبته الهلاك انتظر به أربع سنين منذ فُقد، وإن كان ظاهر غيبته السلامة انتظر به تمام تسعين سنة منذ ولد، فإذا فُقد وله تسع وثمانون سنة وظاهر غيبته السلامة ينتظر سنة واحدة، وإن كان ظاهر غيبته الهلاك ينتظر أربع سنين، وكان مقتضى الأمر العكس، لكن هكذا ذكروا، واستندوا إلى آثار وردت عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك 1، والآثار الواردة عن الصحابة رضي الله عنهم في ذلك قضايا أعيان، اقتضت الحال أن يقدروا هذا التقدير، وقضايا الأعيان لا تقتضي العموم؛ إذ قد يكون في القضية ما أوجب الحكم ونحن لا نعلم به، بخلاف دلالة الألفاظ فهي على عمومها، وهذه من قواعد أصول الفقه.
فمثلاً لو جاء شخص وسألنا، قال: إن ابني فقد، فقلنا: انتظر خمس سنين، عشر سنين، أربع سنين، فهل هذه القضية تكون عامة لكل عين؟ لا، في هذه العين نفسها فقط؛ لأنه من الجائز أن يكون المفتي نظر لهذا الشخص بعينه، فرأى أنه إذا مضت خمس سنين أو عشر أو أكثر تبين أمره، وربما يكون آخر يتبين أمره بأقل من ذلك، وربما يكون آخر يتبين أمره بما فوق ذلك، حسب حال الرجل، فلو أن وزيراً فُقِد، وعاملاً من العمال

الذي يندرس في عامة الناس فُقِد، ولا يعلم عنهما، فبينهما فرق كبير، فالأول يُعرف إذا وصل البلد، أما الثاني فما يُعرف، يمكن أن تمضي سنة أو سنتان وما يُدرى أهو في البلد أم في غيره؟ ولهذا فالصحيح أننا لا نقدِّر ذلك بما ذكر الفقهاء، وأن الأمر في ذلك راجع إلى اجتهاد القاضي في كل قضية بعينها، فربما تكون أربع سنين كثيرة يغلب على الظن أنه مات في أقل من ذلك، وربما تكون قليلة بحسب الحال، فلو أن رجلاً اجترفه الوادي وحمله، فظاهر فقده الهلاك فعلى ما ذكره الفقهاء ننتظر أربع سنين، لكن في وقتنا هذا ما ننتظر أربع سنين؛ لأنه يمكن لطائرة هليوكوبتر أن تمشي على ممر الوادي، وتكشف الأمر، فمثل هذه الأشياء الصواب أنه يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، وهو يختلف باختلاف الأحوال، والأزمان، والأمكنة، والأسباب التي بها فقد، فلا نقيدها بأربع سنوات ولا بتسعين سنة.
قوله: «ثم تعتد للوفاة» أربعة أشهر وعشرة أيام.
قوله: «وأمة كحرة في التربص، وفي العدة نصف عدة الحرة» لماذا كانت كالحرة في التربص؟ لأن التربص معنى يعود إلى الزوج لا إليها؛ لأننا سنبحث عنه، لكن العدة تعود إليها، وعلى هذا نقول: الأمة في التربص كالحرة، وفي العدة نصف عدة الحرة، فتكون عدتها شهرين وخمسة أيام.
وقوله: «ولا تفتقر إلى حكم حاكم بضرب المدة وعدة الوفاة» يعني لا تحتاج أن تراجع الحاكم، بل هي بنفسها إذا فقدت

زوجها تتربص المدة التي أشار إليها المؤلف، ثم بعد ذلك تعتد للوفاة، ثم تتزوج.
وقوله: «ولا تفتقر إلى حكم حاكم» الحاكم عند الفقهاء يعني القاضي وليس الأمير، وهذا الذي ذكره المؤلف من مفردات مذهب الإمام أحمد.
والقول الثاني في المسألة: أنه لا بد من حكم الحاكم؛ لئلا يقع الناس في الفوضى؛ لأننا إذا قلنا: كل امرأة تفقد زوجها تتربص المدة التي يغلب على ظنها أنه مات، ثم تتزوج، صار في هذا فوضى، فيمكن لامرأة إذا أبطأ عنها زوجها، واشتهت زوجاً آخر، قالت: زوجي مفقود، وعملت هذا العمل.
ولهذا فالقول الثاني في المذهب ـ وهو مذهب الأئمة الثلاثة ـ أنه لا بد من مراجعة القاضي، وهو الذي يتولى هذا الأمر، وهذا متعين، لا سيما على القول الراجح، وهو أنه يرجع في الحكم بموته إلى اجتهاد القاضي، إلا أنه ربما نقول: إن عدة الوفاة لا تحتاج إلى حكم الحاكم، فإذا ضرب الحاكم مدة التربص، فلازم ذلك أنها إذا تمت تبتدئ عدة الوفاة، ولا حاجة أن يحكم القاضي.
قوله: «وإن تزوجت» أي: امرأة المفقود، وأفادنا المؤلف بقوله: «إن تزوجت» أن لها أن تتزوج؛ لأنها لما انتهت المدة والعدة حصل الفراق، وحلت للأزواج، لكن هل هي زوجة الثاني ظاهراً، أو ظاهراً وباطناً؟ الصواب أنها زوجته ظاهراً وباطناً؛ لأن الأحكام الشرعية إذا ثبتت ثبتت ظاهراً وباطناً، فعلى هذا لها أن

تتزوج زوجاً آخر، وإذا تزوجت وقدم الزوج الأول فحينئذٍ تقع المشكلة، أيهما الزوج، أهو الثاني أم الأول؟ قال المؤلف: «فقدم الأول قبل وطء الثاني» الحكم هنا معلق بالوطء، وليس بالدخول والخلوة.
قوله: «فهي للأول» لأنه لما قدم تبيَّنا أن عقد الثاني باطل؛ حيث كان على امرأة في عصمة زوج، هذه هي العلة، وهي غير مطردة، والعلة إذا لم تكن مطردة فهي باطلة.
وعلى ما عللوا به نقول: إذا قدم الزوج الأول لا يخلو من حالين: الأولى: أن يقدم قبل وطء الثاني، فإذا قدم قبل وطء الثاني، فهي للأول غصباً عليه حتى لو قال: أنا ما أريدها ما دام أنها تزوجت، نقول: لا، هي زوجتك.
الثانية: قوله: «وبعده» يعني بعد وطء الثاني.
قوله: «له أخذها زوجة بالعقد الأول» لأنه لم يرد عليه ما يبطله، فبقي بحاله، فهو بالخيار إن شاء تركها، وإن شاء أخذها زوجة بالعقد الأول.
قوله: «ولو لم يطلق الثاني» أفادنا المؤلف أن النكاح الثاني صحيح؛ لأن قوله: «ولو لم يطلق» يفيد أنه لو طلق لوقع الطلاق، ولا طلاق إلا بعد نكاح، وبهذا يتبين لنا بطلان العلة السابقة، وهي أنه لما قدم الأول تبينا بطلان العقد الثاني، فما دام أن العلة في بطلان النكاح الثاني كون الزوج الأول موجوداً، فهنا

لا فرق بين أن يطأ أو لا يطأ، مع أنهم يقولون: حتى لو خلا بها إذا لم يطأ فهي للأول، مع أنه إذا خلا بها ـ لو كان النكاح صحيحاً ـ لوجبت العدة كما سبق، فإذاً التعليل عليل، ولذلك فالصحيح أن الزوج الأول يخير على كل حال، كما هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم 1، وعلى المذهب إذا قدم الزوج الأول بعد وطء الثاني فهو بالخيار، بين أن يأخذها أو يتركها له، فإن أخذها فلا يحتاج إلى عقد جديد؛ لأن أخذه إياها استبقاءٌ لنكاحه الأول، والاستبقاء لا يحتاج إلى ابتداء.
وقوله: «ولو لم يطلق الثاني» لأن الخيار للأول.
قوله: «ولا يطأ قبل فراغ عدة الثاني» لأنه وطئها على أنها زوجته، فتحتاج إلى عدة، لكن يقال: إن العدة فرع عن صحة النكاح، ومعلوم أننا إذا قلنا ببطلان النكاح إذا قدم قبل الوطء ـ لأنه تبين أن زوجها الأول موجود ـ فإن هذه العدة ليست عدة طلاق، ولكن عدة استبراء الرحم، فالصواب أنها تعتد بحيضة واحدة، ثم يطؤها الزوج الأول.
قوله: «وله تركها معه من غير تجديد عقد» هذا الخيار الثاني للزوج الأول، فله ترك الزوجة مع الزوج الثاني من غير تجديد عقد للثاني، ولماذا لا نجدد عقداً؟ لأن تركها معه إمضاء لعقدها من الزوج الثاني، فيكون هذا من باب إجازة العقد بعد تنفيذه،

وهذا يعبر عنه بتصرف الفضولي، وقد سبق لنا أن المذهب لا يجوز تصرف الفضولي، إلا في مسائل معدودة، منها هذه المسألة، فإن الصحابة رضي الله عنهم قضوا بأن الزوج الأول له الخيار بين أن يأخذها أو يدعها للزوج الثاني بعقده الأول 1. وإذا اختار أَخْذَها، فهل يضمن للثاني مهره أو لا؟ لا يضمن للثاني؛ لأن الثاني دخل على بصيرة أنها زوجة مفقود، والمفقود من الجائز أن يرجع، فنقول: أنت الذي فرطت وحينئذٍ ليس لك شيء، والدليل على هذا آثار عن الصحابة رضي الله عنهم قالوا في امرأة المفقود: تتزوج، وإذا قدم زوجها فهو بالخيار، والوارد عن الصحابة رضي الله عنهم لا فرق بين ما قبل الدخول وبعده، وهذا هو مقتضى القياس؛ لأننا إن قلنا: إن العقد صار باطلاً بتبين أن زوجها موجود، فلا فرق بين أن يطأها الثاني أو لا يطأها، وإن قلنا: إن العلة أنه لما عقد عليها فإن زوجها قد تطيب بها نفسه للزوج الثاني، إما حياءً منه وإما كراهةً لهذه الزوجة التي تزوجت ولم تنتظر، أو لسبب من الأسباب، فهنا لا فرق ـ أيضاً ـ بين ما قبل الدخول وبين ما بعده، ولهذا كان القياس الصحيح والنظر الصحيح ما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم من التخيير مطلقاً؛ لأن الزوج الأول أملك بها؛ لأنها زوجته.
فإذا قيل: لماذا تخيرونه، ولا تبطلون النكاح مطلقاً، كما قال به بعض العلماء، فتكون للأول بكل حال ـ إذا قدم ـ بدون تفصيل؟ نقول: نخيره؛ لأن الحق له، والإنسان إذا جاء وزوجته

متزوجة فقد تستنكف نفسه عنها ويأنف منها، يقول: هذه التي أرخصتني، ما أريدها، أو يقول: أنا لي فيها رغبة، لكن هذا الرجل ـ أي: الثاني ـ لما تزوجها تعلقت نفسه بها، وهي ـ أيضاً ـ متعلقة نفسها به في الغالب، فسأتركها، فالصواب أنه يخير مطلقاً، أما مهرها من الزوج الأول فالمؤلف يقول: «ويأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني» أي: يأخذ الزوج الأول قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني، مثال ذلك: هذا الرجل المفقود كان قد تزوجها بمائة ريال، وفُقِد، وتزوجت آخر، ثم رجع الأول وقال: أنا لا أريدها، نقول: تبقى للثاني، وللزوج الأول أن يطالب الثاني بمهره الذي أعطاها، وهو مائة ريال؛ لأن مهرها قيمتها، وهو قد فوتها عليه فيضمن القيمة، فيعطيه مائة الريال.
إذاً صار الزوج الأول يخير بين المرأة وبين مهرها، لكن لو قال الزوج الأول: إذا كنتم لن تعطوني إلا مائة ريال، فأنا أريد زوجتي؛ لأن مائة الريال لا تساوي شيئاً الآن، نقول له: لك الخيار، لكن إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني فليس له إلا مهره، وعلى هذا فلا بد أن يكون الزوج الأول فقيهاً؛ لأنه إذا اختار أن تبقى مع الزوج الثاني، ثم قلنا له: ليس لك إلا مهرك، قال: أريدها، فإنه لا يحصل له؛ لأنه لما اختار أن تبقى مع الزوج الثاني صارت زوجةً له بعقد مُجَازٍ ولو كان في المجلس؛ لأن النكاح ليس فيه خيار المجلس، إذاً يأخذ قدر الصداق الذي أعطاها من الثاني، وهل للزوج الثاني أن يرجع على المرأة؟ يقول المؤلف:

«ويرجع الثاني عليها بما أخذه منه» أي: يرجع الثاني على الزوجة بما أخذه الزوج الأول منه، إذاً صار الزوج الثاني ما عليه غرم؛ لأن الغرم الذي غرمه للأول يرجع به على الزوجة؛ ووجه ذلك أن الصداق الذي أعطاها الزوج الأول دخل عليها، وإذا كان دخل عليها فلترده.
والصحيح أنه لا يرجع عليها بشيء إلا أن تكون قد غَرَّته، وكيف تغرُّه؟ يعني لم تُعلِمْه أنها زوجة مفقود، فحينئذٍ إذا أخذ الزوج الأول صداقه من الزوج الثاني رجع الثاني عليها، وأما بدون غرور فإنه لا يرجع عليها بشيء؛ لأنه هو الذي فوَّتها على زوجها الأول، وإن كان النكاح لا بد فيه من رضاها، لكن حقيقة الأمر أنه هو الذي صار منه نوع من التعدي على حق الأول.
الخلاصة: أن امرأة المفقود تتربص مدة انتظاره، ثم تعتد للوفاة، ثم إن شاءت تزوجت، فإن بقي زوجها على فقده فالنكاح بحاله، وإن رجع ففيه تفصيل ـ على المذهب ـ إن كان قبل وطء الثاني فهي للأول، وإن كان بعده خُيِّر الأول بين أخذها وتركها، فإن أخذها لم يحتج إلى تجديد عقد، ولكنه لا يطأ حتى تنتهي عدة الثاني، وإن تركها للثاني فالثاني لا يحتاج إلى تجديد عقد، بل يتركها بالعقد الأول، وللأول أن يأخذ من الثاني قدر الصداق الذي أعطاها، ويرجع الثاني عليها بما أخذ.
والصواب في هذه المسألة أن الزوج الأول بالخيار مطلقاً، سواء قبل وطء الثاني أو بعده، فإن أبقاها للثاني فهي له ويأخذ منه صداقه، ولا يرجع الثاني عليها بشيء وإن أخذها فهي له.

فَصْلٌ

وَمَنْ مَاتَ زَوْجُهَا الْغَائِبُ، أَوْ طَلَّقَهَا اعْتَدَّتْ مُنْذُ الْفُرْقَةِ، وإِن لَمْ تُحِدَّ، وَعِدَّةُ مَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِنَا، أَوْ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَمُطَلَّقَةٍ،

.................. قوله: «ومن مات زوجها الغائب أو طلقها» يعني زوجها الغائب.
قوله: «اعتدَّت منذ الفُرقة وإن لم تُحِد» يقال: الفُرقة والفِرقة، وبينهما فرق، الفِرقة يعني الطائفة، والفُرقة بالضم الافتراق، فتعتد منذ الفرقة وإن لم تعلم إلا بعد موته بزمان، أو بعد طلاقه بزمان، هذا هو القول الراجح، ودليله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: 228] وهي يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، وإذا كان يصدق عليها أنها مطلقة من حين فارقها، فعدتها منذ الفراق ثلاثة قروء، ولقوله تعالى في المتوفى عنها زوجها: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: 234] ومتى يذرونهن؟ من بعد الوفاة مباشرة، وعلى هذا فتعتد المطلقة منذ طلقها زوجها، فلو فرض أنه طلقها ولم تعلم وحاضت حيضتين ثم علمت بقي عليها حيضة واحدة، وإن علمت بعد أن حاضت ثلاث مرات فقد انتهت عدتها، وكذلك نقول في المتوفى عنها زوجها، لو لم تعلم بوفاة زوجها إلا بعد مضي شهرين بقي عليها شهران وعشرة أيام، فإن لم تعلم إلا بعد انتهاء المدة فقد انتهت، ولهذا قال: «وإن لم تحد» يعني وإن لم تأت بالإحداد، وهو ترك الزينة وما يدعو إلى جماعها، وهذا فيمن توفي عنها زوجها، فهي التي يلزمها الإحداد، فهنا يسقط الإحداد؛ لأنه تابع للعدة، والعدة قد تبين أنها انتهت بمضي أربعة أشهر وعشر من موته.

قوله: «وعدة موطوءة بشبهة أو زناً أو بعقد فاسد كمطلقة» على حسب التفصيل السابق، بوضع الحمل أو ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر أو سنة، أو حتى يعود الحيض، المهم أن الموطوءة بشبهة عدتها عدة مطلقة؛ لأن الرجل وطئها على أنها زوجة، فهي كمطلقة بناء على اعتقاد الواطئ، والشبهة نوعان: شبهة عقد، وشبهة اعتقاد.
فشبهة العقد تعود إلى العقد الذي استبيح به الوطء، وشبهة الاعتقاد تعود إلى ظن المكلف.
مثال شبهة العقد: أن يتزوجها ولا يدري أنها أخته من الرضاع مثلاً، فيتبين أنها أخته، ومثل أن يتزوجها بغير ولي ظانّاً أن النكاح يصح بدون ولي.
أما شبهة الاعتقاد، فمثل أن يجامع امرأة ما عقد عليها، لكن يظن أنها زوجته؛ لأنه ما حصل عقد حتى نقول: العقد فيه اشتباه، لكنه أخطأ في ظنه، فظنها زوجته فجامعها، فعدتها كمطلقة، يعني تعتد بما سبق، وهذا هو المشهور من المذهب.
والصحيح أنها لا تعتد كمطلقة، وإنما تستبرأ بحيضة؛ لأن هذه ليست زوجة، ولا مطلقة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكون العدة ثلاثة قروء للزوجة التي طلقها زوجها، ليس لأجل العلم ببراءة الرحم فقط، لكن من أجل ذلك، ومن أجل حقوق الزوج؛ ليمتد له الأجل حتى يراجع إن شاء، والموطوءة بشبهة، هل يكون في حقها ذلك؟ لا؛ لأنه ليس زوجها، حتى يحتاج أن نمد له الأجل لعله يراجع، وإنما المقصود أن نعلم براءة رحمها، وهذا يحصل بحيضة، هذا من جهة التعليل، أما من جهة الدليل فلأن الله إنما أوجب العدة على

المطلقة، وهذه ليست مطلقة، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] وهذا لا يمكن أن ينطبق على الموطوءة بشبهة.
وقوله: «أو زناً» كذلك ـ أيضاً ـ عدة الموطوءة بزنا كمطلقة، قياساً على المطلقة، وهذا ليس بصحيح، هذا من أبعد الأقيسة، وكيف نقيس وطئاً محرماً سفاحاً على وطء جائز بنكاح صحيح؟! هذا بعيد جداً، ولهذا فالقول الثاني في المسألة أن عليها استبراء، وليس عليها عدة، بل إن القول المروي عن أبي بكر وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أن المزني بها لا عدة عليها إطلاقاً ولا تستبرأ، لا سيما إذا كانت ذات زوج؛ لقول الرسول عليه الصلاة السلام: «الولد للفراش» 1، بل ينبغي للإنسان إذا علم أن زوجته زنت ـ والعياذ بالله ـ وتابت أن يجامعها في الحال، حتى لا يبقى في قلبه شك في المستقبل هل حملت من جماع الزنا أو لم تحمل؟ فإذا جامعها في الحال حمل الولد على أنه للزوج وليس للزاني، أما إذا كانت المرأة الزانية ليس لها زوج فلا بد أن تستبرئ بحيضة على القول الراجح.
وقوله: «أو بعقد فاسد» كذلك الموطوءة بعقد فاسد تكون عدتها كمطلقة وهذا صحيح؛ لأن الذي عقده يعتقد أنه صحيح، وأما العقد الباطل فإنها على القول الصحيح لا تعتد كمطلقة؛ لأن العقد الباطل وجوده كعدمه، ولا يؤثر شيئاً، والفرق بين العقد الباطل والفاسد، أن الباطل ما اتفق العلماء على فساده، والفاسد ما اختلفوا فيه.

واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هذا كله أنه لا عدة، وإنما هو استبراء، وهو القول الراجح؛ لأن الله تعالى إنما أوجب ثلاث حيض على المطلقات من أزواجهن، وعليه فلا عدة بالقروء الثلاثة إلا للمطلَّقة فقط.
بقيت المطلقة طلاقاً ثلاثاً فهل تعتد أو تستبرأ؟ جمهور العلماء على أنها تعتد بثلاث حيض؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله قال: إن كان أحد قال بالاستبراء فهو أصح، وقال: إن سياق الآية ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ يدل على أن المراد المطلقات طلاقاً رجعياً؛ لقوله في آخرها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ وهذا ليس له حق الرجعة، فليس بعلاً، وقد ذكروا عن ابن اللبان ـ وهو من السلف القدماء ـ أنه يرى أنه لا تعتد وإنما تستبرأ، ولكن لا شك أن الأحوط أن تعتد للعموم، وقد مر علينا قاعدة: أنه إذا جاء لفظ عام، ثم أعيد حكم ينطبق على بعض أفراده فإنه لا يقتضي التخصيص، وهذه المسألة من هذا الباب.

وَإِنْ وُطِئَتْ مُعْتَدَّةٌ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا، وَأَتَمَّتْ عِدَّةَ الأَوَّلِ، وَلاَ يُحْتَسَبُ مِنْهَا مُقَامُهَا عِنْدَ الثَّانِي، ثُمَّ اعتَدَّتْ لِلثَّانِي، وَتَحِلُّ لَهُ بِعَقْدٍ بَعْدَ انْقِضَاءِ العِدَّتَيْنِ،

.... قوله: «وإن وطئت معتدة بشبهة، أو نكاح فاسد، فُرِّقَ بينهما» يريد بالشبهة هنا شبهة الاعتقاد؛ لأن شبهة العقد داخلة في قوله: «أو نكاح فاسد».
وقوله: «وإن وطئت معتدة بشبهة» صورتها أنه طلق زوجته وشرعت في العدة، فجاء شخص آخر فوطئها بشبهة، وهذا الوطء يحتاج إلى عدة كما هو المذهب، والمؤلف يفرّع على المذهب.
وقوله: «أو نكاح فاسد» النكاح الفاسد يريد به هنا النكاح

الباطل في الحقيقة؛ لأن المعتدة نكاحها باطل إذا كان المتزوج غير زوجها؛ لأن العلماء أجمعوا على أن المرأة المعتدة لو عقد عليها فالنكاح باطل، أما إذا عقد عليها زوجها لكن بدون ولي ـ مثلاً ـ صار النكاح فاسداً لا باطلاً، وعلى هذا فقول المؤلف: «أو نكاح فاسد» نقول: إن كان من الزوج فهو فاسد، وإن كان من غيره فهو باطل، كما لو طلقها على عوض، فهنا العدة تثبت والطلاق بائن، لكن له أن يتزوجها بعقد، فلو تزوجها بدون ولي فالنكاح فاسد، وسياق كلامه يدل على أنه من غير الزوج.
وقوله: «فُرِّق بينهما» بين الواطئ والزوجة المعتدة، وكلام المؤلف يدل على أن الواطئ هنا غير زوجها، ولهذا قال: «وأتمت عدة الأول ولا يُحتسب منها مقامها عند الثاني ثم اعتدت للثاني» كامرأةٍ مطلقة حاضت حيضتين، ثم جاء رجل فتزوجها أو وطئها بشبهة، فبقي عليها للأول حيضة، لكن هي بقيت عند الثاني حتى حاضت هذه الحيضة، فصار لها ثلاث حيض، لكن الحيضة التي كانت وهي عند الثاني لا تحسب؛ لأن المؤلف يقول: «ولا يحتسب منها مقامها عند الثاني» فتكمل للأول بعد أن يُفرَّق بينها وبين الثاني، ولنفرض أنه عُقد لها بعد الحيضة الثانية، وبقيت عند الزوج الثاني حتى حاضت، وبعد طهرها تبينا الأمر، ففسخنا النكاح، وفسخه واجب؛ لأنه غير صحيح؛ ولهذا يقول المؤلف: «فُرِّقَ بينهما» ولم يقل: فسخ النكاح؛ لأن العقد باطل هنا بالإجماع، لقول الله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ

حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]، وفرَّقنا بينهما، لكن بقي عليها للزوج الأول حيضة واحدة فتحيض حيضة واحدة، وتنتهي من عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني ثلاث حيض.
ولو قلنا بأنها تعتد للثاني، ثم تكمل عدة الأول، فتحيض ثلاث حيض للثاني، ثم بعدها تعود وتعتد بحيضة للأول، فربما يعتريها بعد ثلاث حيض ـ مثلاً ـ ارتفاع الحيض على وجه لا تدري سببه، أو على وجه تدري سببه، فتطول العدة على الأول.
وإذا قلنا بالتداخل نقول: إذا فارقت الثاني تعتد بثلاث حيض فقط، وتدخل بقية عدة الأول في عدة الثاني، وعلى ما مشى عليه المؤلف نقول: تكمل عدة الأول بعد التفريق، ثم تستأنف العدة للثاني.
قوله: «وتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» لأن لم يوجد فيها ما يوجب التحريم عليه، مثاله: رجل تزوج امرأة معتدة، ودخل عليها، وجامعها، فالواجب أن نفرق بينهما، فإذا فرقنا بينهما وأتمت عدة الأول، ثم اعتدّت للثاني وأتمت العدة، فهل تحل للثاني أو لا؟ يقول المؤلف: «تحل له بعقد بعد انقضاء العدتين» أي: عدة الأول والثاني.
وظاهر كلام المؤلف: أنها لا تحل له بعد انقضاء عدة الأول وإن كانت العدة الثانية له، وظاهره ـ أيضاً ـ بل صريحه أنها تحل للثاني ولا تحرم عليه، فعندنا ثلاثة احتمالات: هل تحل للثاني الذي وطئها في العدة في حال النكاح بعد انقضاء العدتين أو ما تحل؟ الجواب: تحل، والدليل عموم قوله

تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: 24] وهذا الرجل ليس بينه وبين هذه المرأة محرمية، فإذا تمت الشروط صح النكاح.
وقال بعض العلماء: لا تحل له أبداً، وهذا مروي عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه 1 عقوبةً له على فعله، حيث نكحها وهي في العدة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾، والقاعدة الفقهية عند أهل الفقه: «من تعجَّل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه»، فهذا الرجل تعجَّل الزواج من هذه المرأة المعتدة فيعاقب بأن يحرم إياها.
وقال بعض العلماء: تحل له إذا شرعت في عدته، فإذا انقضت عدة الأول حلت للثاني؛ لأن العدة له والماء ماؤه فتحل له، وقد سبق في المحرمات في النكاح أن المعتدة من شخص والمستبرأة منه، إذا كان اعتدادها من وطء يلحق فيه النسب بالواطئ فإنها تحل له.
وعندي أن هذه المسألة ينبغي أن يرجع فيها إلى اجتهاد القاضي، ما دام رويت عن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وهو معروف بسياسته، فإذا رأى القاضي أن يمنعه منعاً مؤبداً عقوبةً له وردعاً لغيره فلا حرج عليه كأن يكون تعمد فعل المحرم بأن تزوجها في العدة، ويكون هذا من باب التعزير، والتعزير يجوز بأن يُتلف على المرء ما يحبه المرء كالتعزير بالمال، وكما عزَّر عمر رضي الله عنه المطلقين ثلاثاً بإمضاء الثلاثة عليهم 2.

فصارت الأقوال في هذه المسألة ثلاثة: الأول: أنها تحل لواطئها بعد انقضاء عدة الأول.
الثاني: تحل للواطئ بعد انقضاء العدتين.
الثالث: لا تحل له أبداً.
والمذهب وسط في هذه الأقوال، فتحل له بعقد بعد انقضاء العدتين، ولكن من حيث القواعد الراجح القول الأول أنها تحل له بعقد بعد انقضاء عدة الأول، لا سيما إذا تاب إلى الله عزّ وجل وأناب؛ لأن العدة له، لكن إذا رأى الإمام أو الحاكم الشرعي أن يمنعه منها مطلقاً على حد ما روي عن عمر رضي الله عنه فإن له ذلك.

وَإِنْ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا لَمْ تَنْقَطِعْ حَتَّى يَدْخُلَ بِهَا، فَإِذَا فَارَقَهَا بَنَتْ عَلَى عِدَّتِهَا مِنَ الأَوَّلِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ مِنَ الثَّانِي، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ أَحَدِهِمَا انْقَضَتْ مِنْهُ عِدَّتُهَا بِهِ، ثُمَّ اعْتَدَّتْ لِلآخَرِ، وَمَنْ وَطِئَ مُعْتَدَّتَهُ البَائِنَ بِشُبْهَةٍ اسْتَأْنَفَتِ الْعِدَّةَ بِوَطْئِهِ، وَدَخَلَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ الأُولَى،

................. قوله: «وإن تزوجت في عدتها لم تنقطع» إن تزوجت المعتدة في عدتها لم تنقطع العدة؛ لكن قد يقول قائل: إنها لما تزوجت به صارت ذات زوجين، فيجب أن نقطع عدة الأول.
والجواب: أن هذا العقد غير صحيح ولا أثر له إطلاقاً، فهي إذاً ليست ذات زوجين، فإذا كانت امرأة في عدةٍ، وجاء رجل فتزوجها، إما جاهلاً أو متعمداً، فلا تنقطع العدة؛ لأن هذا العقد باطل فلا أثر له.
لكن متى تنقطع؟ يقول المؤلف: «حتى يدخل بها» والمراد حتى يطأها الزوج الثاني؛ لأن الوطء هو الذي يقطع العدة، فإذا وطئها نفرق بينهما، فلو فرض أن امرأة معتدة تزوجها رجل آخر في العدة، وقد حاضت حيضتين، ولكنه لم يدخل عليها، ثم بين العقد والدخول حاضت الحيضة الثالثة، فتنتهي عدتها من الأول؛ لأنه لم يطأها، ولا

تنقطع العدة بمجرد العقد؛ لأن هذا العقد غير صحيح، بل هو باطل بإجماع العلماء، وإذا كان باطلاً فلا يؤثر، فإذا جامعها الثاني فحينئذٍ يحصل التأثير؛ لاحتمال أن تعلق منه بولد، فلما كان كذلك انقطعت عدة الأول.
قوله: «فإذا فارقها بنت على عدتها من الأول، ثم استأنفت العدة من الثاني» هذا كالتكرار للأول، لكن كرره ليبني عليه ما بعده، وهو قوله: «وإن أتت بولد من أحدهما انقضت منه عدتها به، ثم اعتدت للآخر» أصل المسألة امرأة تزوجت في عدتها، وجامعها الزوج الثاني، قلنا: يفرق بينهما وتتم عدة الأول، ثم تستأنف العدة للثاني، لكن لو أتت بولد من أحدهما يقيناً فإن العدة له، ثم تكمل للثاني، فلو أنها بعد أن تزوجت الزوج الثاني وجامعها أتت بولد لدون ستة أشهر، وعاش الولد فيكون للأول يقيناً؛ لأنه لا يمكن أن يعيش لأقل من ستة أشهر، وعلى هذا فيكون للأول يقيناً، وتستأنف العدة للثاني.
وإن أتت بولد لأكثر من أربع سنين من فراق الأول فهو للثاني، بناء على أن مدة الحمل لا تزيد على أربع سنين، ثم تكمل عدة الأول.
وقوله: «ثم اعتدّت للآخر» لا تظن أن المعنى استأنفت العدة، بل إن حكمنا بأن الولد للأول فإنها تستأنف العدة للثاني،

وإن حكمنا بأن الولد للثاني فإنها تكمل عدة الأول؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، فإذا قدر أنها قد حاضت مرتين بعد إبانة الأول، ثم تزوجها الثاني ونشأت منه بحمل، ووضعت لأكثر من أربع سنين منذ أبانها الأول، فالولد للثاني، وانتهت عدتها منه بوضع الحمل، فهل تستأنف العدة للأول أو تكمل عدته؟ تكمل عدته؛ لأنه لم يوجد ما يبطل ما سبق من عدته، وقد سبق من عدته حيضتان فتكمل.
قوله: «ومن وطئ معتدته البائن بشبهة» المرأة تبين بكل فسخ، فجميع الفسوخ بينونة، وبكل طلاق على عوض، وبكل طلاق تم به عدد الطلاق.
إذاً المعتدة البائن هي كل من اعتدت بفسخ، أو بطلاق على عوض، أو بطلاق متمم للعدد، فهذا رجل قد طلق زوجته آخر ثلاث تطليقات، فجاء يوماً، ووجدها على فراشه فظنها زوجته الأخرى وجامعها، هذا الوطء نسميه وطئاً بشبهة، فماذا تصنع؟ يقول المؤلف: «استأنفت العدة بوطئه ودخلت فيها بقية الأولى» فإذا كان قد مضى حيضتان، وجامعها قبل الحيضة الثالثة، نقول: تستأنف العدة، وتدخل الحيضة الباقية في الثلاث، وعلى هذا تعتد بثلاث حيض وتنتهي، ولا نقول: تكمل الثالثة للأول ثم تعتد بثلاث، والفرق بينها وبين ما إذا جامعها رجل آخر أن العدتين هنا لواحد، فدخلت إحداهما في الأخرى، بخلاف ما إذا كانت العدتان لاثنين، فلا تدخل إحداهما في الأخرى.

وَإِنْ نَكَحَ مَنْ أَبَانَهَا فِي عِدَّتِهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا بَنَتْ.

قوله: «

وإن نكح من أبانها في عدتها ثم طلقها قبل الدخول بها بنت

» البينونات ثلاث: بينونة فسخ، وطلاق على عوض، وطلاق تم به العدد، والبينونة التي تمكن هنا التي على عوض أو الفسخ، وأما الطلاق الذي تم به العدد فما يمكن؛ لأنها لا تحل له إلا بعد زوج.
فهذا رجل طلق زوجته على عوض فتبِينُ منه، لكنه أحب أن يرجع إليها، نقول: ما تحل لك إلا بعقد جديد، فعقد عليها، لكن الرجل بعد أن عقد عليها ـ في العدة ـ طلقها قبل أن يدخل بها، يقول المؤلف: تبني على العدة الأولى، فإذا كانت قد حاضت حيضتين وتزوجها، ولكن طلقها قبل أن يطأها نقول: بقي حيضة واحدة، فتكملها وتنتهي، والعقد الجديد لا يحتاج إلى عدة؛ لأنه ما وجد سبب العدة؛ لأن من شرط العدة أن يحصل وطء أو خلوة، وهنا ما حصل وطء ولا خلوة.
مثال ثانٍ: امرأة وجد زوجها بها عيباً ففسخها لعيبها، ثم بعد أن فسخها تراجع وتزوجها وهي في العدة، ثم طلقها قبل أن يطأها فتبني على العدة الأولى؛ لأنه ما وجد سبب لعدة جديدة.
أما لو كان الطلاق رجعياً بأن طلق رجل زوجته طلاقاً رجعياً فراجعها، ثم طلقها قبل أن يدخل عليها، فهل تبني على عدتها أو تستأنف؟ الجواب: تستأنف العدة، فتعتد بثلاث حيض غير الأُولى؛ لأنه لما راجعها أعادها على النكاح الأول، والرجعة ليست عقداً

جديداً، بل هي إعادة إلى النكاح الأول، والنكاح الأول فيه دخول، ولهذا هي معتدة من النكاح الأول، ولما أعادها على النكاح الأول أعادها على نكاح مدخول فيه، فإذا طلقها طلق امرأة مدخولاً بها فتستأنف العدة.
وهذه مسألة يغلط فيها بعض الطلبة ما يفهم الفرق بين هذه وهذه، ولكن الفرق بينهما واضح، ففي المسألة الأولى كانت بائناً منه، فعقد عليها عقداً جديداً، ثم طلقها قبل الدخول والخلوة، فكان طلاقاً لا عدة فيه؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، وهذا نكحها وما مسَّها ولا خلا بها.
أما المسألة الثانية فإنها إعادة امرأة إلى نكاح سابق حصل فيه دخول، فلما أعادها إلى النكاح الأول صارت هذه الإعادة مبنية على ما سبق، فإذا فارقها بعد هذه الإعادة تستأنف؛ لأنها مطلقة من نكاح مدخول فيه.
مسألة: هل العدة لمجرد العلم ببراءة الرحم؟ لا، هذه من جملة الحكم، لكن أعظم شيء أن فيها حقاً للزوج، وإمهالاً له لعله يراجع؛ ولهذا لما كان النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ له على أمته من الحقوق ما هو من أعظم الحقوق لبشر حرم على الأمة أن تتزوج نساءه من بعده، فكانت عدة زوجات الرسول صلّى الله عليه وسلّم إلى الأبد ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ [الأحزاب: 53] فإذن ليست العلة هي العلم ببراءة الرحم فقط.

فإن قلت: إذا جعلت العلة حق الزوج، فلماذا لا يكون على المطلقة قبل الدخول عدة؟ الجواب على هذا من وجهين: أحدهما: أننا نقول: ليست العلة مجرد حق الزوج، ولا مجرد العلم ببراءة الرحم، ولهذا لا يمكن أن تعيَّن علة وجوب العدة بحق الزوج فقط، أو بالعلم ببراءة الرحم فقط، بل هناك حكم متعددة.
الثاني: أن نقول: إن الرجل إذا لم يدخل بها فإن نفسه لا تتعلق بها كثيراً، ولهذا طلقها قبل الدخول، بخلاف ما إذا دخل بها.

فَصْلٌ

يَلْزَمُ الإِحدَادُ ..............................

قوله: «

يلزم الإحداد

» الإحداد مصدر أَحَدَّ يُحِدُّ، وأما مصدر حَدَّ يَحُدُّ فهو حَدٌّ، والحد في اللغة: المنع، ومنه حدود البيت، وحدود الدار، وما أشبه ذلك، أما الإحداد في الشرع: فهو أن تمتنع المرأة عن كل ما يدعو إلى جماعها، ويرغب في النظر إليها، كثياب الزينة والحلي والتجمل بالكحل، وتحسين الوجه بالمكياج أو غيره.
والإحداد منه واجب، ومنه جائز، ومنه ممنوع، فالواجب على المتوفى عنها، والجائز على من مات له صديق أو قريب لمدة ثلاثة أيام، والممنوع ما زاد على ذلك؛ كأربعة أيام أو خمسة أو أكثر.
وقوله: «يلزم» معناه أنه واجب، والدليل استنبطه بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]، فإن قوله: ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ دليل على أن الإحداد ينافي هذه الرخصة، وأنه لا بد أن يكون هذا التربص تربصاً عن أشياء جائزة، ولولا ذلك لما كان فائدة في قوله: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾.
وكذلك من قول الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حينما شكوا إليه امرأة توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، قالوا: أفنكحلها؟ قال: «لا»، فأعادوا عليه، قال: «لا»، ثم قال: «قد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول، وإنما هي أربعة

أشهر وعشر» 1، فهذا دليل ـ أيضاً ـ على الوجوب، وأيضاً الرسول صلّى الله عليه وسلّم نهى المتوفى عنها زوجها أن تلبس ثوباً فيه زينة وأن تتطيب، إلا ما استثني من قُسط أو أظفار، إذا طهرت من الحيض، تتبخر به 2، تتبع به أثر الدم، وإلا فلا يجوز لها أن تفعل، كما سيأتي إن شاء الله.
وهل يمكن أن نستدل لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً» 3؟ بعض العلماء قال: يمكن أن يستدل به؛ لأن قوله: «لا يحل» معناه أنه حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب.
وبعض العلماء قال: لا يدل على الوجوب؛ لأن نفي الحل لا يدل على الوجوب، بل يدل على انتفاء التحريم، فصار هذا الدليل فيه خلاف في صحة الاستدلال به، ووجه الخلاف أن نفي الحل في قوله: «لا يحل» لا يقتضي الوجوب، وهذا صحيح، لكن أولئك استدلوا بوجه آخر، قالوا: نفي الحل لا يدل على الوجوب، لكن معناه التحريم، والتحريم لا يستباح إلا بواجب،

كما استدلوا على أن الختان واجب بمثل هذا الاستدلال، قالوا: لأن قطع شيء من الإنسان حرام، والحرام لا يستباح إلا بواجب، وكما استدل بعضهم على وجوب تحية المسجد بأمر النبي عليه الصلاة والسلام بها في حال الخطبة (1)، قالوا: فإن استماع الخطبة واجب، ولا يشتغل عن الواجب إلا بواجب.
على كل حال إن انشرح صدر الإنسان للاستدلال بهذا الحديث، مع تأييده بالأدلة الأخرى فلا بأس، وإلا فما دام عندنا دليل واضح فلا حاجة إلى المناقشة في دليل خفي؛ لأن من آداب المناظرة أنه إذا كان هناك دليل واضح فإننا لا نلجأ إلى المشتبه الذي يحتمل الجدال، ولهذا فإن إبراهيم ـ عليه الصلاة والسلام ـ لما قال للذي أنكر الرب: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾، هذا فيه تلبيس ليس بصحيح، فقال له إبراهيم: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: 258] وهذا ليس فيه جدال.

مُدَّةَ الْعِدَّةِ كُلَّ مُتَوَفًّى عَنْهَا زَوْجُهَا فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَلَوْ ذِمِّيَّةً،

......... قوله: «مدة العدة» «مدة» ظرف، يعني زمن العدة سواء طالت أم قصرت، فإذا كانت حائلاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإحدادها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإذا كانت حاملاً فعدتها إلى وضع الحمل، فإحدادها إلى وضع الحمل، وإذا لم تعلم بموت زوجها إلا بعد تمام العدة فلا إحداد؛ لأنه تابع للعدة.
قوله: «كل متوفًّى عنها زوجها» «متوفًّى» اسم مفعول؛ لأنه1

مقبوض، وليس «متوفٍّ»؛ لأنها بمعنى قابض، وقد سبق أن بعضهم أجاز «متوفٍّ».
قوله: «في نكاح صحيح» وقد سبق أنه لا يشترط لوجوب العدة صحة النكاح، وإنما الذي يشترط لوجوب العدة عدم بطلان النكاح؛ فالنكاح بلا ولي ليس بباطل ولكنه فاسد، فلو مات زوج امرأة تزوجها بلا ولي وجب عليها العدة، ولا يجب عليها الإحداد؛ لأنه قال: «في نكاح صحيح» بهذه النقطة فقط افترقت العدة والإحداد، فتجب العدة ولا يجب الإحداد إذا كان النكاح فاسداً.
ولكن ما ذهب إليه المؤلف ليس بصحيح، والصواب أنه تجب العدة ويجب الإحداد لمن يعتقد صحته، أما من لا يعتقد صحته فلا عدة، لكن إن حصل وطء وجب إما الاستبراء أو العدة، بحسب ما تقدم من الخلاف، فالمهم أنه على المذهب يفرقون في باب الإحداد وباب العدة بين النكاح الصحيح والفاسد، ففي الفاسد يقولون: تجب العدة ولا يجب الإحداد، قالوا: والدليل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: 234] ومن نكاحها فاسد ليست بزوجة، فكما أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12] فكذلك لا تدخل في قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾.
ولأن العقد الذي ليس بصحيح شرعاً لا يطلق عليه اسم ذلك العقد، فكل عقد فاسد لا يتناوله الاسم الشرعي؛ لأن الاسم الشرعي إنما يتعلق بالشيء الصحيح، ولهذا لو قال: والله

لا أبيع، فباع دخاناً، لا يحنث؛ لأن البيع غير صحيح، فالأشياء التي لها مدلول شرعي إنما تحمل على مدلولها الشرعي، فنقول: هذا الدليل صحيح، والاستدلال صحيح، ولكن من اعتقد النكاح صحيحاً فله حكمه، كما لو كان ممن يرون أنه لا يجب الولي في النكاح، ومن اعتقده فاسداً فحكمه حكم الباطل.
قوله: «ولو ذمية» «لو» هذه إشارة خلاف، والذمية هي من عقدت لها الذمة من الكفار، فقوله: «ولو ذمية» فيه تساهل، والصواب أن يقال: «ولو كتابية» لأنه لا يشترط في جواز نكاح الكتابية أن تكون ذمية، ولأن الذمة تعقد لغير أهل الكتاب، كالمجوس، ومع ذلك لا يحل نكاح المجوسية، فهذا التعبير فيه نظر طرداً وعكساً، فالمراد اليهودية أو النصرانية، وهل يمكن أن يتوفى شخص مسلم عن زوجة يهودية أو نصرانية؟ نعم؛ لأن اليهودية والنصرانية حلال للمسلمين، فلو مات عن امرأة غير مسلمة ـ يعني يهودية أو نصرانية ـ وجبت عليها العدة؛ لأنها زوجة، ووجب عليها الإحداد؛ لأن الإحداد تابع للعدة.
فإن قلت: ما الدليل؟ قلنا: الدليل عموم قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ وهذه زوجة، وعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إلا على زوج» 1. فلو قال قائل: الذمية لا يجب عليها إحداد؛ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج ... إلخ»، والذمية لا تؤمن بالله ولا

اليوم الآخر الإيمانَ الذي يقتضي الإذعان والقبول، فليس الإيمان مجرد أن يقول: أنا أؤمن بالله وأؤمن بأني سأبعث، بل لا بد أن يقبل ويذعن، ولهذا فهم غير مؤمنين، وإن قالوا: نؤمن بالله لقلنا: كذبتم، لو آمنتم بالله لآمنتم برسوله محمد عليه الصلاة والسلام.
فنقول: ذهب بعض أهل العلم إلى أنها إذا كانت كتابية فإنه لا إحداد عليها، واستدلوا بالحديث، وبأن الكفار لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، وإن كانوا يخاطبون بها مخاطبة عقوبة؛ فلا تقل للكافر: لا تُرَابِ؛ لأن الربا حرام، بل قل له: أسلم أولاً، ولا تقل له: لا تلبس خاتم ذهب؛ لأنه حرام، وإنما قل له: أسلم، وكذلك ما نقول له: صلِّ، بل نقول: أسلم، فهم لا يخاطبون بفروع الإسلام مخاطبة فعل، إنما مخاطبة عقوبة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلاَّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *﴾ ﴿فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *﴾ [المدثر]، فذكروا هذه الأشياء، ولولا أن لها أثراً في عقوبتهم ما ذكروها.
فما الجواب عن هذا الاستدلال؟ الجواب كالتالي: أما الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت إلا على زوج» فالمراد بذلك الحث والإغراء، أي: إغراء المرأة على الفعل، وليس قيداً يخرج ما عداه، كما تقول: لا يمكن للكريم أن يهين ضيفه، قصدك بهذا أن تحثه على إكرام الضيف، وكذلك أيضاً

قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» (1)، فالمقصود بهذا الإغراء والحث، وليس قيداً يخرج به ما سوى الموصوف، حتى نقول: إنه يخرج به من لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
وهذه قاعدة ينبغي أن يتنبه لها الإنسان، فكل وصف محمود ذكر في مقام التحذير فالمقصود به الإغراء، كأنه يقول: إن كنت كريماً حقاً فهذا لا يمكن أن يقع منك، إن كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر فهذا لا يمكن أن يقع منك.
وأما الجواب عن قولهم: إن غير المسلم لا يخاطب بفروع الإسلام خطاب فعل؛ نقول: هذا صحيح، لكن هذا في غير حق الآدمي، والإحداد من حقوق الزوج كالعدة، فهو تابع لها فلذلك وجب، ولهذا لو أن الزوج أجبر زوجته الذمية على غسل الجنابة، فقد سبق لنا أن القول الراجح أن له إجبارها، كما أنه يجبرها على قص الأظافر، وعلى نتف الإبط وما أشبه ذلك؛ لأن هذه من حقوقه.

أَوْ أَمَةً، أَوْ غَيْرَ مُكَلَّفَةٍ، وَيُبَاحُ لِبَائِنٍ مِنْ حَيٍّ، وَلاَ يَجِبُ عَلَى رَجْعِيَّةٍ وَمَوْطُوءَةٍ بِشُبْهَةٍ، أَوْ زِناً، أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ، أَوْ بَاطِلٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ،

........ قوله: «أو أمة» يعني يلزم الإحداد على المتوفى عنها زوجها ولو كانت أمة، وتكون أمة إذا كان زوجها رقيقاً، أو كان حراً ممن يجوز له نكاح الإماء، فتلزمها العدة والإحداد.
فإن قال قائل: في إلزامها بالإحداد ضرر على سيدها.
فالجواب: أن هذا الضرر قد التزم به سيدها؛ لأن تزويجه1

إياها التزام بما يجب لذلك العقد، فيكون هو الذي أوجب على نفسه ذلك.
وأما قول من يقول: إنها ليس عليها شيء؛ لأنها ليست وارثة، فيقال: المسألة ليست مبنية على الإرث، بل مبنية على حق الزوج، وهي فرع وتبع للعدة.
وأيضاً يقولون: إنه لما مات الزوج تعلق بها حق السيد، فنقول: ما دامت في العدة فلا حق للسيد فيها، ولهذا لو أراد أن يستمتع بها سيدها في العدة مُنع من ذلك.
قوله: «أو غير مكلفة» وهي الصغيرةُ والمجنونةُ، فلو مات شخص عن زوجة مجنونة فإنه تجب عليها العدة؛ لأنها زوجة، ويجب عليها الإحداد فيَلْزمُ وليَّها أن يجنبها ما تتجنبه المحادة والصغيرة ولو كانت في المهد، كبنت صغيرة في المهد مات عنها زوجها فيجب أن تُحِدَّ، فلا تلبس لباس الزينة، ولا حلي الذهب، ولا يُخرج بها من البيت، كما سيأتي في الفصل الذي بعد هذا إن شاء الله.
فإذا قال قائل: كيف تلزمونها بالإحداد وهي غير مكلفة؟! نقول: لأن هذا من حقوق الزوج، وليس من باب العبادات، فالعبادات مرفوعة عنها بلا شك، لكن هذا من حقوق الزوجية، فكما نلزمها بالعدة نلزمها كذلك بالإحداد؛ لأنه تابع لها.
قوله: «ويباح لبائن من حي» أي: ويباح الإحداد لبائن من حي ولا يجب، والبائن هي التي كان فراقها بواحد من ثلاثة أمور

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل