الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 85-124
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّلاَقِ

صفحات 85-124
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

قوله: «ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ» هذا يعود على قوله: «ملكت» أما قوله: «ويتراخى» فلا نقول: ما لم يطأ، نقول: يتراخى ما لم يحد حدّاً، فإن حد حدّاً، بأن قال: أمرك بيدك هذه الساعة، فلا تملكها بعد هذه الساعة، ولو قال: أمرك بيدك هذا اليوم، لا تملكه بعد هذا اليوم؛ لأنه حدد لها، أما أصل المسألة يعني كلمة «أمرك بيدك» فإن هذا التوكيل ينفسخ بهذه الأمور الثلاثة.
الأول: أن يطأها، أي: يجامعها قبل أن تختار شيئاً، فإنها تنفسخ الوكالة؛ لأن الوطء تصرُّفٌ يدل على أنه عدل عن كلامه الأول، ووجه دلالته: أنه لما قال: أمرك بيدك كان من الممكن أن تطلق نفسها حينئذٍ، وإذا طلقت نفسها ثلاثاً، فهل يملك جماعها أو لا؟ لا يملك، فلما جامعها بدون أن يسأل: هل طلَّقت أم لم تطلّق؟ علم أنه رجع عن التوكيل، مثل لو قلتُ لشخص: خذ هذه السلعة بعها، ثم بعتُها أنا، فإن هذا يعتبر فسخاً لوكالته، أو قلت: وكلتك أن تبيع بعيري وراح الرجل، وجاءني ضيوف فذبحت البعير فإن الوكالة تنفسخ، إذاً إذا جامع زوجته التي قال لها: أمرك بيدك انفسخت الوكالة.
الثاني: أن يطلق، إذا قال: أمرك بيدك، وقال: أخاف أن تطلق نفسها ثلاثاً، فقال: أنت طالق مرة فتطلق مرة، وهل تملك حينئذ أن تطلق نفسها؟ لا تملك، لا مرة ولا مرتين ولا أكثر؛ لأنه لما طلقها علم أنه عدل عن توكيله الأول، فيكون هذا من باب فسخ الوكالة بالفعل.

الثالث: أن يفسخ بالقول، فيقول: رجعت عن قولي أمرك بيدك، فمعلوم أن للموكل أن يرجع في وكالته، كما أن للوكيل ـ أيضاً ـ أن يفسخ الوكالة.

وَيَخْتَصُّ اخْتَارِي نَفْسَكِ بِوَاحِدَةٍ وَبِالمَجْلِسِ المُتَّصِلِ مَا لَمْ يَزدْهَا فِيهِمَا، فَإِنْ رَدَّتْ أَوْ وَطِئَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ فَسَخَ بَطَلَ خِيَارُهَا.

قوله: «ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل» لاحظ الفرق بين العبارتين «اختاري نفسك» و «أمرك بيدك» فالأولى تختص بواحدة، بمعنى أنها لا تملك أن تطلق نفسها ثلاثاً، وكذلك تختص «بالمجلس المتصل» يعني لا يتراخى؛ لأنه يشبه الإيجاب والقبول، فكما أن الإيجاب والقبول في صيغ العقود لابد أن يكون على الفور فكذلك هنا، فإذا قال: اختاري نفسك، وتفرَّقَا ثم قالت بعد ذلك: طلقت نفسي أو اخترت نفسي، لا تطلق ولا يكون شيئاً؛ لأنه لا بد أن يكون الخيار في نفس المكان، وكذلك لو قالت: اخترت نفسي اختياراً بائناً تريد ثلاثاً ما يقع، إلا واحدة فقط، مع أن ظاهر اللفظ يشمل الواحدة والثلاث، بل ربما نقول: إنه إلى الثلاث أقرب؛ لأن كونها تختار نفسها معناه أن تبين منه بينونة لا سبيل له عليها.
ولهذا في المسألة قول آخر: أنه إذا قال لها: اختاري نفسك، واختارت الفراق البائن فلها ذلك.
قوله: «ما لم يزدها فيهما» أي: في المجلس، والواحدة؛ فإن زاد بأن قال: اختاري نفسك متى شئت فلا يختص بالمجلس؛ لأنه قال: متى شئت اليوم، أو بعد اليوم، وكذلك لو قال:

اختاري نفسك بأي عدد شئت، تملك ثلاثاً، والمؤلف يذكر مقتضى هذه الصيغة فقط.
أما هل الإنسان مأمور بأن يقول ذلك لزوجته، أو يقال: لا ينبغي أن يقول لزوجته هذا الكلام؟ نقول: ما ينبغي؛ لأن المرأة كما هو معلوم ناقصة عقل ودين، وكما وصفها النبي صلّى الله عليه وسلّم في قوله: «إنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير» 1، وكما قال أيضاً: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر» 2، فإذا كان كذلك فإن المرأة لو أحسنت إليها الدهر كله، ورأت منك إساءة واحدة، قالت: ما رأيت خيراً قط، فلو قلت لها هذا الكلام لا سيما في حال الغضب والمشادة لبتت الأمر على الفور، فتندم هي ويندم الزوج، وما أكثر ما يقع الندم بين الزوجين في مثل هذه الحال.
قوله: «فإن ردت أو وطئ أو طلق أو فسخ بطل خيارها» إن قال: أمرك بيدك، أو اختاري نفسك، فقالت: لا أريد ذلك، فما تملك الطلاق، كما لو قلت لشخص: خذ هذا الشيء بعه، فقال: لا، ما أنا ببائعه، ثم بعد ذلك أخذه وباعه فلا يجوز، فما دام رد انقطعت الوكالة.
وكذلك لو وطئها أو طلق أو فسخ كما سبق فإنه يبطل اختيارها.

بقي مسائل مهمة ذكرها في الروض وهي قوله: «ومن طلق في قلبه لم يقع» 1، كإنسان أضمر في نفسه أن يطلق زوجته يقول صاحب الروض: «فإنه لا يقع الطلاق؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم» 2، وهذا الرجل حدث نفسه بالطلاق فلا يقع، ولأن الطلاق فسخ، والفسخ لا بد أن يكون باللفظ كالعقد.
كذلك يقول: «وإن تلفظ به أو حرك لسانه وقع» إن تلفظ به وقع ولا إشكال، أو حرك لسانه لكن ما لفظ يقول المؤلف: إنه يقع الطلاق، والصواب أنه لا يقع لأنه ما وجد منه اللفظ، والطلاق لفظ.
ولو كان مصاباً بالوسواس وجرى على لسانه بدون قصد: زوجتي طالق فما يقع الطلاق، ولو أنه قصد الطلاق لكن قال: أريد أن أتخلص من هذا الوسواس، فلا يقع الطلاق؛ لأنه مغلق عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا طلاق في إغلاق» 3. فإن قيل: لو أن رجلاً موسوساً في الطهارة، وشك هل خرج منه شيء أو لا؟ فقال: سأبول حتى أتيقن الحدث وبال، فإنه يكون مُحدثاً، وهذا مثله؛ لأن كليهما فعل ذلك دفعاً للوسواس، فنقول: الوضوء ينتقض بهذا، سواء كان باختيار أو بغير اختيار بخلاف الطلاق، هذا هو الفرق.

بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاَقِ

يَمْلِكُ مَنْ كُلُّهُ حُرٌّ، أَوْ بَعْضُهُ ثَلاَثاً، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِ

............ الزوجان لا يخلوان من ثلاث حالات: إما أن يكونا حرَّين، أو رقيقين، أو أحدهما حرّاً، والآخر رقيقاً، وهذه الأخيرة تنقسم قسمين: الزوج حر، والزوجة رقيقة، أو الزوجة حرة، والزوج رقيق، فالصور إذاً أربع، فهل يختلف عدد الطلاق باختلاف هذه الصور أو لا يختلف؟.
المشهور عند أهل العلم: أنه يختلف بالحرية والرق؛ فالرقيق طلاقه اثنتان والحر طلاقه ثلاث، ولكن مَنْ المعتبر؟ هل هي الزوجة، بمعنى إذا كان الزوج حراً والزوجة رقيقة اختلف الحكم أو المعتبر الزوج؟ يقول المؤلف: «يملك مَنْ كُلُّهُ حُرٌّ أو بعضُهُ ثلاثاً» يعني ثلاث تطليقات إذا كان حرّاً أو بعضه حرّاً، أما إذا كان حرّاً فالأمر واضح لقول الله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ ـ إلى قوله ـ: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾ يعني الثالثة ﴿فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230]، وإذا كان بعضه حرّاً وبعضه رقيقاً، فهل نقول: إنا نعطيه بقدره، أو نكمل له العدد؟ يقول المؤلف: إنه يكمل له العدد؛ لأن الطلاق لا يتبعض فإما اثنتان وإما ثلاث.
قوله: «والعبد اثنتين» يعني يملك العبد تطليقتين؛ وذلك

لأن الرقيق على النصف من الحر، فعدة الأمة نصف عدة الحرة، وجلد الزاني في الإماء والعبيد نصف جلد الأحرار، وهلم جراً، ولماذا لم يُجعل للعبد واحدة ونصف؟ لأن الطلاق لا يمكن أن يتبعض، ولماذا لم يجعل واحدة احتياطاً؟ لأن في هذا هضماً لحق العبد؛ ولهذا كان القول الآخر في هذه المسألة أن العبد له ثلاث لعدم الأدلة.

حُرَّة كَانَتْ زَوجَتَاهُمَا أَوْ أَمَةً، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلاَقُ، أَوْ طَالِقٌ، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ يَلْزَمُنِي، وَقَعَ ثَلاَثاً بِنِيَّتِهَا، وَإِلاَّ فوَاحِدَةٌ،

................ قوله: «حرة كانت زوجتاهما أو أمة» «زوجتاهما» أي الحر والعبد، ولننظر: كون زوجة الحر حرة واضح، ولكن هل يمكن أن تكون زوجة الحر أمة؟ يمكن لكن بشروط، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25]، فيجوز للحر أن يتزوج أمة إذا خاف المشقة بترك النكاح ولم يجد مهراً للحرة.
وهل يمكن للعبد أن يتزوج حرة؟ نعم، وبدون شروط كالحر تماماً، فاعتبار العدد بحسب الأزواج، وهذه المسألة فيها خلاف: فالمشهور من المذهب: أنه يعتبر بالرجال، فإذا كان الرجل حراً ولو كانت زوجته أمة ملك ثلاثاً، وإن كان رقيقاً ولو كانت زوجته حرة ملك اثنتين فقط، فإذا طلق اثنتين لم تحل له الزوجة حتى تنكح زوجاً غيره.
القول الثاني: إن المعتبر الزوجة، فإذا كانت حرة ملك الزوج ثلاثاً، وإن كانت أمة ملك اثنتين، سواء كان الزوج حراً أو رقيقاً.

القول الثالث: إنه يعتبر بهما، فإن كانا حرين فثلاثاً وإن كانا رقيقين فاثنتين، وإن كان أحدهما حرّاً والآخر رقيقاً فإنه يملك ثلاثاً.
القول الرابع: يملك الزوج ثلاثاً، سواء كان حرّاً أم رقيقاً، وسواء كانت الزوجة حرة أم رقيقة، وهذا مذهب أهل الظاهر، وكأن ابن القيم رحمه الله يميل إليه في «زاد المعاد»؛ لأن النصوص عامة، ولم يستثنِ الله ـ تعالى ـ شيئاً، ولأن وقوع الطلاق من الحر والعبد على حد سواء، كل منهم يطلق راغباً أو راهباً، وكل منهم له تعلق بالمرأة، والآثار المرفوعة في ذلك ضعيفة لا تقوم بها حجة، والآثار الموقوفة عن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ متضاربة مختلفة، فتطرح ونبقى على العموم، والحمد لله أن هذه المسألة في أوقاتنا فرضية، إلا أن يفتح الله تعالى على المسلمين جهاداً في سبيله، ويحصل الاسترقاق.
قوله: «فإذا قال: أنت الطلاق، أو طالق، أو عليَّ، أو يلزمني وقع ثلاثاً بنيتها وإلا فواحدة» إذا قال: أنت الطلاق، فـ «أل» هنا يحتمل أن تكون للاستغراق، ويحتمل أن تكون للجنس، فإن قال: نويت بقولي: أنت الطلاق ثلاثاً، قلنا: يقع الثلاث؛ لأن اللفظ صالح لهذه النية، ونجعل «أل» للاستغراق، وإذا لم ينو ثلاثاً، بل نوى واحدة، أو قال: ما عندي نية يقع واحدة؛ لأن «أل» للجنس، وأقل ما يقع عليه الجنس واحدة.
وقوله: «أنت الطلاق» الطلاق هنا مصدر، وهو من باب

المبالغة، كأنها هي الطلاق، كما يقولون: رجل عدل، ورجل رضاً، فيجعلون الرجل نفس المصدر، وهنا جعل الزوجة نفس الطلاق، أو نقول: إن الطلاق مصدر مؤول، والمصدر يصح تأويله باسم الفاعل، أو اسم المفعول، فاسم الفاعل مثل قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: 177] على تقدير: ولكن البارَّ من آمن بالله واليوم الآخر، واسم المفعول كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1، أي: مردود.
وقوله: «أو طالق» وفي نسخة: «أنت طلاق» إذا قال: أنت طالق، فطالق اسم فاعل إن نوى به الثلاث وقعت، وإن لم ينوِ الثلاث فواحدة، وإن لم ينو شيئاً فواحدة.
وقوله: «أو عليَّ» إذا قال: عليَّ الطلاق، فهو إلزام لنفسه به، فيشبه النذر، فإذا قال ذلك طلقت امرأته ثلاثاً إن نواها، وإن لم ينوِ ثلاثاً فواحدة، هذا ما ذهب إليه المؤلف.
وقال شيخ الإسلام رحمه الله: إن هذا يمين باتفاق أهل اللغة والعرف، وليس بطلاق.
وقال بعضهم ـ وهو الأصح ـ: إن هذا ليس بشيء إذا لم يذكر متعلقاً؛ لأن قوله: «علي الطلاق» التزام به، وهو إن كان خبراً بالالتزام فإنه لا يقع، وإن كان التزاماً به فإنه ـ أيضاً ـ لا يقع إلا بوجود سببه، مثل ما لو قال: علي أن أبيع هذا البيت،

فما ينعقد البيع، فإذا قال: علي الطلاق، نقول: ما دام أنك أوجبته على نفسك فطلق، وإذا لم تطلق فإنه لا يقع الطلاق، وهذا القول هو الصحيح أنه ليس بطلاق، وليس يميناً إلا إن ذكر المحلوف عليه، بأن قال: عليَّ الطلاق لأفعلن كذا.
لكن لو صار في العرف عند الناس أن الإنسان إذا قال: عليَّ الطلاق، فهو مثل قوله: أنت طالق فحينئذٍ نرجع إلى القاعدة العامة، أن كلام الناس يحمل على ما يعرفونه من كلامهم ولغتهم العرفية، وعلى هذا فيكون طلاقاً، أما بالنظر للمعنى اللغوي فإنه ليس بطلاق، كما لو أن إنساناً قال: عليَّ بيع هذا البيت، أو عليَّ توقيف هذا البيت، أو عليَّ تأجير هذا البيت، وما أشبه ذلك، فلا ينعقد، ولو قال: عليَّ أن أفسخ بيع هذا البيت، فما ينفسخ.
إذاً مثل هذه الصيغة لا تعد عقداً ولا فسخاً، وإنما هي إن كانت خبراً فليست بشيء، وإن كانت التزاماً فنقول: أوجد السبب حتى يوجد المُسبَّب.
وقوله: «أو يلزمني» أي: يلزمني الطلاق، فهي كالأولى، فالمذهب أنها طلاق، والقول الصحيح أن هذا التزام وليس بإيقاع، إن كان خبراً عن أمر مضى نقول: بأي شيء لزمك؟! وإن كان التزاماً بشيء مستقبل، نقول له: أوجد السبب، أو طلق حتى تطلق.
فهذه أربع مسائل هي: أنت الطلاق، أنت طالق، أو أنت طلاق على اختلاف النسخ، عليّ الطلاق، يلزمني الطلاق.
فالمذهب أن الحكم في هذه المسائل الأربع واحد، وهو

أن الطلاق يقع ثلاثاً بنيته، وإن نوى واحدة فواحدة، أو لم ينو شيئاً فواحدة، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً، وقال: أردت واحدة لا يقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، ولو قال: أنت طالق واحدة، وقال: أردت ثلاثاً لا يقبل؛ لأنه أتى بصريح العدد، فالنية لا تغير الصريح، وإنما تعتبر فيما كان محتملاً، أما ما كان صريحاً فلا.
وقوله: «وقع ثلاثاً بنيتها وإلا فواحدة» والقول الراجح في هذه المسائل كلها: أنه ليس هناك طلاق ثلاث أبداً، إلا إذا تخلله رجعة، أو عقد، وإلا فلا يقع الثلاث، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصحيح.

وَيَقَعُ بِلَفْظِ كُلِّ الطَّلاَقِ، أَوْ أَكْثَرِهِ، أَوْ عَدَدِ الحَصَى، أَو الرِّيحِ، أَوْ نَحْوِ ذلِكَ ثَلاَثٌ، وَلَوْ نَوَى وَاحِدَةً، وَإِنْ طَلَّقَ عُضْواً، أَوْ جُزْءاً مُشَاعاً، أَوْ مُعَيَّناً، أَو مُبْهَماً، أَوْ قَالَ: نِصْفَ طَلْقَةٍ، أَوْ جُزْءَاً مِنْ طَلْقَةٍ طَلَقَتْ، وَعَكْسُهُ الرُّوحُ، والسِّنُّ، والشَّعْرُ، والظُّفُرُ، وَنَحْوُهُ،

............................. قوله: «ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ثلاث ولو نوى واحدة» لأنه أتى بالصريح فنيته لا يحتملها اللفظ.
فـ «كل» تدل على الاستغراق، فتشمل الطلاق الثلاث، أو قال: أنت طالق أكثر الطلاق، فهذه مثلها.
وإذا قال: أنت طالق عدد الحصى يقع الثلاث؛ لأن الحصى لا يحصيه إلا الله عزّ وجل.
وقوله: «أو الريح» أي: عدد الريح، فإن أراد الأجناس فهي أربع بالاختصار، وثمان بالبسط، بالاختصار: شرق وغرب وشمال وجنوب، وبالبسط ما بين هذه الجهات، وإن أراد هبوب الرياح فهذه ما تحصى.
وقوله: «أو نحو ذلك» مثل لو قال: عدد النجوم، عدد أيام

السنة، عدد أيام الشهر، عدد ساعات اليوم، فيقع ثلاثاً.
وقوله: «وقع ثلاثاً ولو نوى واحدة» لوجود الصريح، والنية لا تؤثر في الصريح، والقول الراجح أنه يقع واحدة ولو نوى ثلاثاً، عكس كلام المؤلف تماماً؛ لأنه لو صرح بالثلاث صارت واحدة.
وخلاصة ما تقدم أن الإنسان إذا أتى بلفظ صريح في العدد لا يقبل منه إرادة خلافه، فإذا قيده بواحدة لم تقبل إرادة الثلاث، وإن قيده بثلاث لم تقبل إرادة الواحدة، وإن قيده بثنتين لم تقبل إرادة الواحدة ولا الثلاث، وإن أتى بلفظ يحتمل ويصلح فهو على نيته، إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن لم ينوِ شيئاً فالأصل واحدة، وما زاد فمشكوك فيه فلا يكون شيئاً.
ثم انتقل المؤلف ـ رحمه الله ـ إلى طلاق جزء من امرأته هل تطلق أو لا؟ فقال المؤلف: «وإن طلق عضواً» أي: من زوجته وقع الطلاق؛ لأنه لا يتبعض، لا في ذاته، ولا في محله، فإذا قال لها: أصبعك السبابة طالق تطلق المرأة، فيسري الطلاق إلى جميعها، مثل ما لو قال لعبده: أعتقت أصبعك يعتق كله.
قوله: «أو جزءاً مشاعاً» مثل لو قال: طالق منك واحد في المائة، فهذا جزء مشاع تطلق كلها، أو واحد في العشرة، أو ربعك، أو نصفك تطلق كلها؛ والعلة في ذلك أن الطلاق لا يتبعض، فإذا وجد في جزء من البدن سرى إلى كله.

قوله: «أو معيناً» أي: جزءاً معيناً، قال في الروض: «كنصفها الفوقاني» 1، قال: نصفك الفوقاني طالق، والتحتاني غير طالق، تطلق كلها.
قوله: «أو مبهماً» بأن قال: بعضك طالق، أو جزؤك طالق، أو ما أشبه ذلك تطلق.
والحاصل: أنه إذا أوقع الطلاق على جزءٍ منها معيناً كان أو غير معين، مبهماً أو مبيناً فإنه يقع الطلاق على جميعها؛ والعلة في ذلك واحدة: أن الطلاق لا يتبعض في محله، فإذا وقع على جزء سرى إلى الجميع.
ثم انتقل المؤلف إلى تجزئة الطلقة لما ذكر تجزئة المُطلَّق فقال: «أو قال: نصف طلقة» أي: أنت طالق نصف طلقة تطلق واحدة؛ لأنها لا تتبعض، ولو قلنا: إنها تتبعض لصارت الثلاث ستاً، وهذا لا يمكن، فإذا قال: أنت طالق نصف طلقة تطلق طلقة كاملة؛ لأنها ما تتبعض.
قوله: «أو جزءاً من طلقة» تطلق، أو بعض طلقة تطلق، ولهذا قال: «طلقت».
قوله: «وعكسه» يعني عكس ذلك.
قوله: «الروح والسن والشعر والظفر ونحوه» لو قال:

روحك طالق فإنها لا تطلق؛ لأن الروح تنفصل عن البدن، لكن لا تنفصل إلا بالموت، فما دامت حية فروحها باقية، وأيهما أعظم الروح، أو أنملة من أصبع؟! الروح أعظم فلا يمكن أن تبقى بدون روح، لكن يمكن أن تبقى بدون إصبع، ولهذا فإن القول الصحيح في هذه المسألة أنه إذا أضاف الطلاق إلى روحها طلقت؛ إذ لا يمكن أن تنفصل الروح إلا بالموت.
قوله: «والشعر» لو قال: شعرك طالق ما تطلق؛ لأن الشعر في حكم المنفصل.
قوله: «والظفر» كذلك لو قال: ظفرك طالق ما تطلق؛ لأن الظفر في حكم المنفصل ما تحله الحياة.
قوله: «والسن» فلو قال: أسنانك كلها طالق لا تطلق؛ لأن هذه كلها في حكم المنفصل، ولهذا لو مَسَّها الإنسان وهو متوضئ ـ على القول بأن مس المرأة بشهوة ينقض ـ فإن وضوءه لا ينتقض، ولو مس بشرتها بظفره لشهوة لم ينتقض وضوؤه؛ لأن هذه ليست بأجزاء، هذه فواصل تنفصل، وتزول، ولا تحلها الروح.
قوله: «ونحوه» مثل سمعك وبصرك وريقك طالق فإنها لا تطلق، فالسمع لأنه صفة معنوية، والبصر صفة معنوية، والريق جسم لكن منفصل، والعرق جسم لكن منفصل، لكن لو قال: أذنك طالق تطلق؛ لأنه جزء وعضو.
إذاً طلاق البعض كطلاق الكل، إلا إذا كان هذا البعض في حكم المنفصل، مثل الظفر والشعر والسن والريق والعرق وما

أشبهها فإنها لا تطلق، أما الروح، فالصواب أنها تطلق إذ لا يمكن أن تنفصل إلا بالموت.

وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ وَقَعَ العَدَدُ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ تَأْكِيداً يَصِحُّ أَوْ إِفْهَاماً،

........................ قوله: «وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً» إذا قال الإنسان لمدخول بها، وهي التي تلزمها العدة سواء جامعها أو خلا بها، فإذا قال لها: أنت طالق وكرره وقع العدد، فإن كرره مرتين وقع طلقتين، وإن كرره ثلاثاً فثلاث طلقات، واعلم أن هذه المسألة تارة يكرر الجملة كلها، وتارة يكرر الخبر وحده، فإن كرر الجملة: أنت طالق، أنت طالق، يقع العدد، وإن كرر الخبر فقط فقال: أنت طالق، طالق، طالق، فإنه واحدة، ما لم ينوِ أكثر حتى على المذهب، وكثيرٌ من طلبة العلم يغلطون في هذه المسألة، يظنون أن تكرار الخبر كتكرار الجملة، وليس كذلك، فإذا قال: أنت طالق طالق طالق فإنه يقع على المذهب واحدة، ما لم ينوِ أكثر؛ فإن نوى أكثر فالأعمال بالنيات، إذاً فالتكرار له وجهان: الأول: أن يكون تكرار جملة، فيقع الطلاق بعدد التكرار.
الثاني: أن يكون تكرار خبر فقط، فيقع واحدة ما لم ينو أكثر، فإن نوى أكثر وقع حسب التكرار.
فإذا قال: أنت طالق طالق ونوى أكثر يقع اثنتين، وإذا قال: أنت طالق طالق طالق يقع ثلاثاً، وهذا إذا لم يكن هناك عطف، فإن كان عطف وقع بحسب التكرار، فلو قال: أنت طالق وأنت طالق وأنت طالق، أو أنت طالق وطالق وطالق يقع بعدده.

وقوله: «وقع العدد إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً».
«توكيداً» أفصح من «تأكيداً» لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: 91] ويجوز في اللغة العربية تأكيد.
فإذا نوى توكيداً يصح أو إفهاماً فإنه لا يقع بعدده، وانتبه لقوله: «توكيداً يصح» متى يصح التوكيد؟ يصح التوكيد بشرطين: الأول: أن يكون بلفظ المؤكد ولو بالمعنى.
الثاني: وأن يكون متصلاً.
فإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، يقع ثلاثاً، لكن لو قال: أردت التوكيد نقبل منه، ويقع واحدة؛ لأن التوكيد هنا يصح، فاللفظ واحد ومتصل.
فإن قال: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثالثة يقع ثلاثاً؛ لأنه هنا فصل بين الجملة الأولى والثالثة بالثانية فلم يصح.
ولو قال: أنت طالق، ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنت طالق ثم كلمها بكلام آخر، ثم قال: أنت طالق، وقال: أردت التوكيد فلا يقبل؛ لوجود الفصل.
ولو قال: أنت طالق، أنت مفارقة، أنت مسرَّحة، وما أشبه ذلك، فيصح التوكيد؛ لأن المعنى واحد.
ولو قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وقال: أردت توكيد الأولى بالثانية فيقع ثنتين؛ لأن التوكيد هنا صحيح، فلما أكد الأولى بالثانية صارت واحدة، ثم جاءت الثالثة فصارت ثانية.

وقوله: «أو إفهاماً» يعني قال: ما كررتها إلا لأني خشيت أنها ما فهمت، فيقع واحدة؛ لأنه أراد أن يفهمها، كذلك لو فرض أنه قال: أنت طالق، وهي تسمع وسمعها جيد، ولكنها لاهية تشتغل فقال: أنت طالق، أنت طالق، فيقع واحدة ما دام أنه قصد الإفهام.
وظاهر كلام المؤلف وغيره: أنه لا فرق بين أن توجد قرينة تدل على أنها محتاجة إلى الإفهام، أو لا توجد، وقيل: إذا لم يكن قرينة فإنه لا يقبل منه قصد الإفهام إلا تديناً، يعني يُديَّن، أما في الحكم فلا.
ولكن على القول الراجح في هذه المسائل أنه لا يقع إلا طلقة واحدة، حتى لو قال: أردت الطلاق بالثانية وبالثالثة، قلنا: هذه إرادة فاسدة ولا تؤثر شيئاً.

وَإِنْ كَرَّرَهُ بِبَلْ، أَوْ بِثُمَّ، أَوْ بِالْفَاءِ، أَوْ قَالَ بَعْدَهَا، أَوْ قَبْلَهَا، أَوْ مَعَها طَلْقَةٌ وَقَعَ اثنْتَانِ، وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا بَانَتْ بِالأُْولَى، وَلَمْ يَلْزَمْهُ مَا بَعْدَهَا، وَالمُعَلَّقُ كَالمُنَجَّزِ فِي هذَا.

قوله: «وإن كرره ببل أو بثم أو بالفاء» إن كرره ببل، فقال: أنت طالق، بل طالق، بل طالق، يقع ثلاثاً؛ لأنه أتى بالعطف، فإن قال: أردت توكيد الأولى بالثانية، قلنا: ما يصح؛ والسبب أن اللفظ ليس بواحد، ولو قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يقبل ويصح؛ لأن اللفظ واحد ومتصل، ولو قال: أردت توكيد الأولى بالثالثة ما يصح لوجود ال

فصل

، واختلاف اللفظ؛ لأن حرف العطف يقتضي أن يكون الثاني غير الأول، كيف تقول: إني أريد التوكيد، وأنت أتيت بحرف العطف؟! لأن معنى التوكيد أن الثاني هو الأول، وحرف العطف يقتضي المغايرة.
وقوله: «أو بثُم» وما أكثرها عند البادية، أنت طالق، ثم طالق، ثم

طالق، يقع الطلاق بعدده، فلو قال: أردت توكيد الأولى بالثانية قلنا: لا يصح، ولو قال: أردت توكيد الثانية بالثالثة يصح.
وقوله: «أو بالفاء» بأن قال: أنت طالق فطالق وقع اثنتان.
قوله: «أو قال بعدها أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان» أي قال: أنت طالق بعدها طلقة، أو أنت طالق قبلها طلقة، أو أنت طالق معها طلقة يقع اثنتان.
والخلاصة: إذا كرر اللفظ فإما أن يكون التكرار بعطف، أو بغير عطف، فإن كان بعطف وقع بعدده، وإن كان بغير عطف، فإن كرر الجملة كلها وقع بعدده، وإن كرر الخبر فقط وقع واحدة ما لم ينوِ أكثر.
قوله: «وإن لم يدخل بها» أو لم يخل بها.
قوله: «بانت بالأولى ولم يلزمه ما بعدها» هذا الطلاق البائن ليس بينونة كبرى لا تحل له إلا بعد زوج، لكنها بينونة صغرى لا تحل له إلا بعقد.
مثال ذلك: إنسان عقد على امرأة، وصار بينه وبين وليها سوء تفاهم، فقال: أنت طالق ثم طالق في نفس المجلس، فتطلق واحدة وليس له عليها رجعة؛ والسبب أنه لما قال الجملة الأولى: أنت طالق طلقت فصادفتها الجملة الثانية بائناً؛ لأنه إذا طلقها قبل الدخول والخلوة، فبمجرد ما يقول: أنت طالق تطلق،

وتحل للأزواج، فلا يقع عليها الطلاق الثاني، فتلزمه الطلقة الأولى ولا يلزمه ما بعدها.
والدليل على أنه إذا طلق المرأة قبل الدخول بانت منه، وما له عليها عدة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].
وإذا قال: أنت طالق طلقة معها طلقة، فإن ظاهر كلام المؤلف: أنها لا يلحقها إلا طلقة واحدة؛ لأنه قال: «وإن لم يدخل بها بانت بالأولى» ولكن المذهب خلاف ذلك، وأنه تقع اثنتان؛ لأن «مع» تفيد المقارنة، مثل ما لو قال للمدخول بها: أنت طالق طلقتين فيقع اثنتان، والمذهب أصح مما ذهب إليه المؤلف، لكن وجه ما قاله المؤلف أن المُصاحِب غير المُصاحَب، فهناك طلقتان، فتطلق بواحدة وتبقى الثانية لا محل لها، ولكن يقال: إن الطلقتين وقعتا معاً في آن واحد على محل قابل للطلاق، فتطلق طلقتين.

وإذا قال: أنت طالق وطالق لغير المدخول بها، فمثل أنت طالق طلقة معها طلقة؛ لأن الواو تفيد الاشتراك ولا تفيد الترتيب؛ فيقع بها اثنتان كما يقع في المدخول بها أيضاً.
إذاً يستثنى من تلك الصور التي ذكر المؤلف صورتان: إذا قال: أنت طالق طلقة معها طلقة أو قال: أنت طالق وطالق؛ فإن كلام المؤلف يقتضي أن تبين بإحدى الطلقتين ولا تحسب الطلقة الثانية، والمذهب أنها تطلق طلقتين.
قوله: «والمعلق كالمنجز في هذا» المعلق هو الذي علق وقوعه على شيء بـ «إنْ» أو إحدى أخواتها، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فتطلق ثلاثاً، كذلك لو قال: إذا طلعت الشمس فأنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق فثلاث، وعلى هذا فقس؛ لأن المعلق كالمنجز.
وسيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب تعليق الطلاق بالشروط أن التعليق على القول الراجح ينقسم إلى ثلاثة أقسام، تعليق محض، ويمين، ودائر بينهما.

فَصْلٌ

وَيَصِحُّ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّ

............................. هذا ال

فصل

في الاستثناء في الطلاق.
الاستثناء: لغة من الثنيا، وهي الرجوع، يقال: ثنا بمعنى رجع، ومنه اثنان؛ لأن اثنين رجوع واحد مع آخر معه.
وأما في الاصطلاح: فهو إخراج بعض أفراد العام بإلا أو إحدى أخواتها، أو نقول: إخراج ما لولاه لدخل في الكلام بإلا أو إحدى أخواتها، فإذا قلت: قام القوم إلا زيداً، فلولا هذا الاستثناء لكان زيد قائماً، وقام القوم غير زيد، وقام القوم سوى زيد، وقام القوم حاشا زيداً، وقام القوم لا يكون زيداً، وقام القوم ليس زيداً، فكل أدوات الاستثناء مثل إلا.
والاستثناء له شروط، وليس كل استثناء يصح، قال المؤلف في الشرط الأول: «ويصح منه» أي: من الزوج، فيشترط أن يكون الاستثناء من المتكلم نفسه، فلو استثنى غيرُه من عموم كلامه لم يصح، فلو قال شخص: كل النساء طوالق، فقال واحد بجنبه: إلا فاطمة، فإنها تطلق؛ لأن المستثنِي غير المتكلم.
قوله:: «استثناء النصف فأقل» هذا هو الشرط الثاني: أن يكون المُستثنَى النصف فأقل، فإذا قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، تطلق ثلاثاً؛ لأنه استثنى أكثر من النصف فيلغى، ولو قال: نسائي الأربع طوالق إلا ثلاثاً يطلقن كلهن؛ لأن الاستثناء أكثر من النصف فيلغى.
فإن قال قائل: هذا ينتقض عليكم بالقرآن الكريم، قال الله تعالى مخاطباً الشيطان:

﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ *﴾ [الحجر]، ومن اتبعه من الغاوين أكثر من النصف، تسعمائة وتسعة وتسعون بالألف 1، فبماذا تجيبون؟ قلنا: إذا كانت الأكثرية مستفادة بالصفة فإنها لا تضر، ويجوز الاستثناء ولو كان أكثر، حتى لو افترضنا أن الاستثناء يقضي على كل المستثنى صح، فلو قلت: أكرم من في هذا المجلس إلا من عليه قميصٌ يصح الاستثناء، وعلى هذا ما نكرم ولا واحداً منهم؛ لأن كل واحد عليه قميص، وهنا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ﴾، هذه الكثرة مستفادة بالوصف ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ لأن اسم الموصول بمنزلة الوصف؛ إذ إن ﴿مَنِ اتَّبَعَكَ﴾ بمعنى المتَّبِع لك، وعلى هذا فلا يضر، أما إذا كان من عدد، كأنتِ طالق ثلاثاً إلا ثنتين، أو أكرم ثلاثة رجال إلا رجلين، أو عندي لك عشرة دراهم إلا سبعة، فلا يصح الاستثناء، ويلزمني عشرة، أو عندي لك مائة ريال إلا واحداً وخمسين ريالاً فيلزمني مائة؛ لأني استثنيت أكثر من النصف.
فإذا قال قائل: ما الدليل على أنه ما يصح؟ قالوا: لأن اللغة العربية لا تأتي على هذا الأسلوب، فإذا كان عليك ـ مثلاً ـ ثلاثة دراهم فما تقول: عليَّ عشرة إلا سبعة، لكن تقول: عليَّ ثلاثة، هذا هو الأسلوب المعروف في اللغة العربية، وما خرج عن الأسلوب العربي فلا عبرة به.

وقال بعض أهل العلم: إن استثناء أكثر من النصف لا بأس به، وليس لكم أن تحجروا على الناس أقوالهم، ولو فرضنا أن هذا ليس من فصيح لسان العرب، لكنه معنى معقول، وإذا جعلتموه معقولاً في الوصف حتى ربما يرتفع المستثنى منه كله، فلماذا لا تجيزونه في العدد؟! وهذا هو القول الراجح أنه يصح استثناء أكثر من النصف؛ لأن المدار على المعنى، وعلى ما أراده المتكلم، أما كونه فصيحاً أو غير فصيح في اللغة العربية فهذا شيء ثانٍ، صحيح أننا نقول لمن قال: عندي لك عشرة إلا سبعة: هذا كلام لا ينبغي، لكن أن نلزمه بعشرة فليس بصحيح.

مِنْ عَدَدِ الطَّلاَقِ وَالْمُطَلَّقَاتِ، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَتَيْنِ إِلاَّ وَاحِدَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ قَالَ: ثَلاَثاً إِلاَّ وَاحِدَةً فَطَلْقَتَانِ، وَإِنِ اسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ مِنْ عَدَدِ الْمُطَلَّقَاتِ صَحَّ دُونَ عَدَدِ الطَّلَقَاتِ، وَإِنْ قَالَ: أَرْبَعُكُنَّ إِلاَّ فُلاَنَةَ طَوَالِقُ صَحَّ الاسْتِثْنَاءُ،

............................................ قوله: «من عدد الطلاق والمطلقات، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة، وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان» ومثال المطلقات أن يقول: نسائي الأربع طوالق إلا ثلاثاً فتطلق الأربع.
قوله: «وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات» هنا مسألتان: المسألة الأولى: إذا استثنى من عدد المطلقات، ولها صورتان: الأولى: أن يذكر ذلك بلفظ عام بدون عدد، ويستثني بقلبه

شيئاً منه، مثل: أن يقول: نسائي طوالق، وينوي إلا هنداً فيصح؛ لأن «نسائي» لفظ عام، والعام قد يستعمل في الخاص، فيمكن للمتكلم أن يريد باللفظ العام شيئاً مخصوصاً من هذا العام، قال الله عزّ وجل: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173]، هل القائل الناس كلهم؟ لا، يقال: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي، قال للرسول صلّى الله عليه وسلّم: إن أبا سفيان قد جمع لكم 1، وعلى هذا يكون القائل واحداً، والجامع واحداً، مع أن «الناس» لفظ عموم.
الثانية: أن يذكر ذلك بصريح العدد، ويستثني بقلبه شيئاً من المعدود، مثل أن يقول: نسائي الأربع طوالق، فهذا صريح، وينوي إلا هنداً، فظاهر كلام المؤلف: أن ذلك صحيح، ولكن كلامه ليس بصحيح، والصواب: أن الاستثناء لا يصح؛ لأن النية لا تؤثر في الصريح.
المسألة الثانية: أن يستثني من عدد الطلقات، فإذا قال: أنت طالق ثلاثاً، قلنا: بانت منك زوجتك، فإذا قال: أنا قصدت ثلاثاً إلا واحدة، قلنا: لا يصح؛ لأن الصريح لا تؤثر فيه النية.
قوله: «وإن قال: أربعكن إلا فلانة طوالق صح الاستثناء» لماذا أتى المؤلف بها مع أنه معلوم مما سبق؟ أتى به ليبين أنه لا فرق بين أن يتقدم الاستثناء، أو يتأخر، فلو قال: أربعكن طوالق إلا فلانة صار الاستثناء متأخراً، كذلك لو قدم الاستثناء لا يضر، أربعكن إلا فلانة طوالق يجوز، ففائدة هذا المثال الذي ذكره

جواز الاستثناء مقدماً قبل أن تتم الجملة، كما أنه يصح ـ أيضاً ـ مؤخراً بعد تمام الجملة.

وَلاَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَتَّصِلْ عَادَةً، فَلَوِ انْفَصَلَ وَأمْكَنَ الْكَلاَمُ دُونَهُ بَطَلَ، وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ قَبْلَ كَمَالِ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ.

قوله: «ولا يصح استثناء لم يتصل عادة» هذا هو الشرط الثالث من شروط الاستثناء، أن يكون الاستثناء متصلاً بحسب العادة والعرف بالمستثنى منه، بحيث لا يفصل بينه وبينه كلام، فإن فصل بينهما بكلام أو سكوت يمكنه الكلام فيه، فإن الاستثناء لا يصح، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً ـ وهو ناوٍ أن يستثني، ثم قال: ـ انتبهي، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه فصل بين الاستثناء والمستثنى منه، ولو قال: أنت طالق ثلاثاً ثم سكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه، ثم قال: إلا واحدة فلا يصح؛ لأنه لا بد من الاتصال، ولو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم أخذه عطاس وبقي في العطاس خمس دقائق، ثم قال: إلا فلانة يصح؛ لأنه لا يمكن أن يتكلم.
وهذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، فمنهم من قال باشتراطه، ومنهم من لم يقل باشتراطه، والصحيح: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه لا يشترط.
والدليل على ذلك أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لما فتح مكة قام في ذلك اليوم، وخطب الناس، وبَيَّن حرمة مكة، وقال: «إنه لا يختلى خَلاها، ولا يعضد شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد»، ثم ذكر كلاماً فقال العباس: إلا الإذخر يا رسول الله؟ فقال: «إلا الإذخر» 1، مع أن الكلام غير متصل، وكذلك سليمان بن داود ـ

عليهما الصلاة والسلام ـ قال: والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحد منهن غلاماً، يقاتل في سبيل الله، فقال له المَلَك: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو قال: إن شاء الله لم يحنث ولكان دركاً لحاجته» 1، وفي لفظ: «لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعين» 2، مع أنه منفصل.
فالصواب: أنه ما دام الكلام واحداً فإنه يصح الاستثناء، وهذا دائماً يحدث، يقول الإنسان: كلكن طوالق، ثم يندم، ويقول: إلا فلانة بعد أن سكت.
وكذلك لو قال: أنت طالق ثلاثاً، ثم سكت، ثم ندم وقال: إلا واحدة، فالصواب: أنه يصح؛ لأن الأدلة واضحة، وأما مقدار الفصل في السكوت فهو ما جرى به العرف.
قوله: «فلو انفصل وأمكن الكلام دونه بطل» أي: انفصل الاستثناء، وأمكن الكلام بينه وبين المستثنى منه، فإنه يبطل الاستثناء لوجود الفصل، وكذلك لو تكلم بينهما بكلام أجنبي؛ لأنه إذا كان السكوت الذي يتمكن فيه من الكلام مبطلاً للاستثناء، فالكلام نفسه من باب أولى، فإذا تكلم بكلام خارج عن موضوع الكلام لا يتصل بالمستثنى، فإنه يبطل الاستثناء ولا

يصح، ولكن الصحيح ما ذكرته من قبل، وهو أنه ما دام الكلام واحداً وهو في مجلسه، وما زال يتحدث فإنه يعتبر كلاماً متصلاً، ويصح الاستثناء فيه.
قوله: «وشرطه النية قبل كمال ما استثني منه» هذا هو الشرط الرابع من شروط الاستثناء، أن ينوي الاستثناء قبل تمام المستثنى منه لا بعده، وهنا ثلاث حالات: أن ينويه قبل، أو بعد، أو في الأثناء.
فاشتراط أن ينويه قبل أن يتكلم قال به بعض أهل العلم، لكنه ليس المذهب، وهو ضعيف.
ونية الاستثناء في أثناء الكلام تصح وهو المذهب.
ونية الاستثناء بعد تمام الكلام على المذهب لا تصح، بل يشترط أن ينوي الاستثناء قبل أن يتم المستثنى منه، فلو قال: نسائي الأربع طوالق، ثم في الحال قال: إلا فلانة، لكن ما نوى الاستثناء إلا بعد أن تمت الجملة الأولى فهو على المذهب لا يصح.
والصحيح أنه يصح أن ينويه بعد أن يتم الكلام، وقصة سليمان صلّى الله عليه وسلّم 1 دليل على ذلك، وقصة العباس دليل على ذلك ـ أيضاً ـ؛ لأن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ استثنى فقال: «إلا الإذخر» 2 ولم ينوِه قبل ذلك، إذ لو نواه لقاله، لكنه لم ينوه إلا بعد أن ذكّره العباس رضي الله عنه، فاستثناه.

إذاً الصواب أن النية قبل تمام المستثنى منه ليست بشرط، وأنه يجوز أن ينوي ولو بعد أن تم الكلام، سواء تذكر هو بنفسه أو ذكَّره أحد.
إذن شروط الاستثناء أربعة: الأول: أن يكون المستثنى والمستثنى منه من متكلم واحد.
الثاني: أن يكون المستثنى من النصف فأقل إذا كان من عدد.
الثالث: أن يكون متصلاً بالمستثنى منه.
الرابع: أن ينويه قبل تمام المستثنى منه.
وهذه الشروط التي في الاستثناء ليست خاصة بالطلاق، بل هي شرط في كل الاستثناءات.
ولا يظهر دليل واضح على هذه الشروط، إلا على الشرط الأول فقط، وهو أن يكون من متكلم واحد؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم ما اكتفى باستثناء العباس رضي الله عنه، ولو كان الاستثناء يصح من متكلم آخر لسكت الرسول صلّى الله عليه وسلّم وصح، فما يتبين لي من السنة دليل على أن هذه الشروط صحيحة إلا الشرط الأول فقط، فشرط النية وشرط الاتصال قام الدليل على خلافهما، وشرط أن يكون من النصف فأقل تعليله ضعيف.
فالذي يتبين لي أن الشرط الأول فقط هو المعتمد.

بَابُ الطَّلاقِ فِي المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِ

إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ، وَلَمْ يَنْوِ وُقُوعَهُ فِي الْحَالِ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ أَرَادَ بِطَلاَقٍ سَبَقَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْدٍ، وَأَمْكَنَ قُبِلَ،

............ قوله: «الطلاق في الماضي والمستقبل» ولم يذكر الحاضر؛ لأنه هو الأصل، فالإنسان ما يطلق إلا طلاقاً حاضراً، لكن قد يطلق في الماضي، وقد يطلق في المستقبل.
واعلم أن العلماء ـ رحمهم الله ـ بناء على أن مؤلفاتهم للتعليم والتمرين يذكرون مسائل قد لا تقع، وإن وقعت فهي نادرة، حتى إنهم ذكروا لو مات عن عشرين جدة، ولو أوصى بأشياء خيالية، يذكرون هذا تمريناً للطالب.
قوله: «إذا قال: أنت طالق أمس» لا تطلق؛ لأن الطلاق إنشاء، والإنشاء لا يتعلق بالماضي، فلا بد أن يكون مقارناً للفظ، أو متأخراً عنه، والطلاق في الماضي خبر، وإذا كان خبراً، فهل طلقها أمس؟ لم يطلقها فلا يقع، إلا إذا قال: أنت طالق بالأمس، ونوى الإخبار عن طلاق وقع منه بالأمس، فالطلاق يقع بطلاق الأمس.
قوله: «أو قبل أن أنكحك» كذلك ما يقع؛ لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح.
قوله: «ولم ينو وقوعه في الحال، لم يقع» فإن نوى وقوعه في الحال، وقال: أنا أقصد بقولي: أنت طالق أمسِ المبالغةَ في

تحقق ذلك وأنه واقع اليوم، فإنه يقع؛ لأنه إقرار على نفسه بما هو أغلظ.
والصحيح: أنه لا يقع؛ لأن اللفظ لا يحتمله، إذ كيف يقول: أنت طالق أمسِ، ونقول: هذه بمعنى أنت طالق الآن؟! ما يصح، ولهذا اشترطوا في التأويل في الحلف أن يكون اللفظ ممكناً لقبوله، وعليه فنقول: في هذه الحال لا يقع للتناقض بين ما أراد وبين اللفظ.
قوله: «وإن أراد بطلاق سبق منه، أو من زيد، وأمكن قبل» يعني إن قال: أنا أقصد أنت طالق أمسِ، وأراد أنها طالق بطلاق سبق منه بالأمس يقبل، أو سبق من زيد، لكن بشرط أن يكون ممكناً، والإمكان بأن يكون قد سبق له نكاحها، أو سبق لزيد نكاحها، ولا يقع الطلاق الآن؛ لأنه خبر.
والفائدة من هذا أنها لو حاكمته، وقالت: إنه قاصد الطلاق من هذا النكاح، لكن أراد المبالغة، وقال: ما أردت المبالغة إنما أردت الطلاق السابق من زيد، أو الطلاق السابق مني، يقول المؤلف ـ رحمه الله ـ: «قبل» لأن هذا خبر، ولا نلزمه بيمين ولا بشيء آخر بشرط أن يكون هذا وقع، فإن لم يكن وقع فما نقبل منه، ويكون كاذباً.
ولو فرض أن هذا الرجل تكذبه القرينة، كأن يقول: أنا أردت طلاقاً سابقاً من زيد أو مني، ولكن القرينة تكذبه؛ لأنها هي سألته الطلاق فلا نقبل منه؛ لأن ادعاءه هذا خلاف الظاهر.

فَإِنْ مَاتَ، أَوْ جُنَّ، أَوْ خَرِسَ قَبْلَ بَيَانِ مُرَادِهِ لَمْ تَطْلُقْ، وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ ثَلاَثاً قَبْلَ قُدُومِ زَيْدٍ بِشَهْرٍ فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّهِ لَمْ تَطْلُقْ، وَبَعْدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ تَطْلُقُ فِيهِ يَقَعُ، فَإِنْ خَالَعَهَا بَعْد الْيَمِينِ بِيَوْمٍ، وَقَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَيَوْمَيْنِ صَحَّ الْخُلْعُ، وَبَطَلَ الطَّلاَقُ،

.................. قوله: «فإن مات» يعني الذي قال: أنت طالق أمس أو قبل أن أنكحك.
قوله: «أو جُن أو خرس قبل بيان مراده لم تطلق» قال: أنت طالق قبل أن أتزوجك ومات قبل البيان فلا تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق بهذه الصيغة.
وقوله: «أو جن» يعني ذهب عقله.
وقوله: «أو خرس» يعني صار لا يتكلم، لكن المسألة الأخيرة يمكن الحصول على مراده بالإشارة أو بالكتابة مثلاً، إذا كان يستطيع الكتابة، ولكن كلام المؤلف على ما إذا لم يتضح مراده فالأصل عدم الوقوع، واعتباراً بظاهر اللفظ؛ لأنه طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي لا يقع، ولهذا قال المؤلف: «لم تطلق».
قوله: «وإن قال: طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر» فإنه يجب أن يفارقها ويعتزلها؛ لأن الطلاق بائن، ولا ندري متى يقدم زيد؟ فقد يقدم الآن، وقد يقدم بعد، فلهذا يقول المؤلف: «فقدم قبل مضيه لم تطلق» وعلى هذا فيجب عليه أن يتجنبها، مثلاً قال: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر، في اليوم السادس والعشرين من شوال، فقدم زيد في العشرين من ذي القعدة، فما تطلق؛ لأنه تبين أن الطلاق كان في عشرين من شوال

فهو طلاق في الماضي، والطلاق في الماضي ما يقع كما سبق.
قوله: «وبعد شهر وجزء تطلق فيه يقع» فلو قال لها: أنت طالق قبل قدوم زيد بشهر في الساعة الثامنة والنصف من يوم ست وعشرين من شوال، فقدم الساعة الثامنة والنصف ودقيقة من يوم ست وعشرين من ذي القعدة تطلق؛ لأنه في الدقيقة يتمكن من أن يقول: أنت طالق.
فإن قدم الساعة الثامنة وتسعاً وعشرين دقيقة من يوم ست وعشرين من ذي القعدة فما تطلق؛ لأنه بقي دقيقة على الشهر، فصارت مطلقة في الماضي، الذي هو دقيقة واحدة، لكن هل يجوز أن يستمتع بها في هذه المدة؟ لا يجوز أن يستمتع؛ لأن فيه احتمالاً أن زيداً يتقدم أو يتأخر، فنقول: تجنبها؛ لأنه ربما يأتي في تمام شهر وثوان ويكون استمتاعك بها استمتاعاً بامرأة أجنبية.
قوله: «فإن خالعها بعد اليمين بيوم، وقدم بعد شهر ويومين صح الخلع وبطل الطلاق» قال: أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وفي اليوم الثاني خالعها فقدم زيد بعد شهر ويومين يصح الخلع؛ لأنه لم يتبين أنها طلقت إلى الآن، ولا يصح الطلاق؛ لأنه تبين أن الطلاق وقع بعد المخالعة، فيصادف وقوع الطلاق عليها وهي بائن بالخلع، وإذا كانت بائناً لا يقع عليها الطلاق، ولهذا يقول رحمه الله: «صح الخلع وبطل الطلاق».

وَعَكْسُهَا بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي طَلَقَتْ في الحَالِ، وَعَكْسُهُ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ.

قوله: «وعكسها بعد شهر وساعة» مثلاً قال: يوم السبت أنت طالق ثلاثاً قبل قدوم زيد بشهر، وفي يوم الأحد خالعها، ثم قدم زيد بعد قوله: «أنت طالق» بشهر وساعة يصح الطلاق، ولا يصح الخلع؛ لأنه تبين أن الخلع وقع على امرأة بائن، وهذا هو السر في أنه قال: «إذا قال: أنت طالق ثلاثاً» لأجل أن يقع الخلع على امرأة بائن فلا يصح.
قوله: «وإن قال: طالق قبل موتي طلقت في الحال» إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي طلقت؛ لأن كل زمن يقع بعد هذه الكلمة فهو قبل موته، فيقع طلاقه في الحال.
قوله: «وعكسه معه أو بعده» يعني فلا تطلق إذا قال: أنت طالق بعد موتي؛ لأنها بانت منه بموته، وكذلك لو قال: معه فإنه لا يقع الطلاق؛ وذلك لأن البينونة بالموت أقوى من البينونة بالطلاق، فكان الحكم للأقوى وهو الموت، فعلى هذا لا يقع الطلاق، وإذا قال: أنت طالق قبيل موتي تطلق قبل موته بقليل، وإن قال: يوم موتي طلقت في أول اليوم الذي يموت فيه.

فَصْلٌ

وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ طِرْتِ، أَوْ صَعَدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهَباً،

................ قوله: «وإن قال: أنت طالق إن طرت» يعني إن طرت بنفسك فلا تطلق؛ لأن هذا معلق على مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، ولهذا قالوا في قول الشاعر: إذا شاب الغرابُ أتيتُ أهلي وصار القار كاللبن الحليب قالوا: هذا الرجل لن يأتي أهله؛ لأن الغراب لا يشيب، والقار الأسود لا يمكن أن يبيض؛ فالتعليق على المستحيل مستحيل، لكن لو نوى إن طرت؛ يعني إن ركبت الطائرة يقع، لكن هذا غير موجود في عهد المؤلف ومن سبقه، فلذلك قالوا: إنه إذا قال: أنت طالق إن طرت فهذا تعليق على مستحيل، والمستحيل قد علم عدمه، وإذا كان قد علم عدمه فإن المعلق به معدوم.
قوله: «أو صعدت السماء» أي قال: أنت طالق إن صعدت السماء، ويريد بالسماء السماء المعروفة ما تطلق؛ لأن هذا شيء مستحيل، والمعلق على المستحيل مستحيل، وهذه المسألة غير الأولى، فالأولى إن طرت ولو قريباً من الأرض ولو بمقدار متر، أما إن صعدت السماء يعني إلى أعلى.
قوله: «أو قلبت الحجر ذهباً» قلباً حقيقياً لا وهمياً ما تطلق؛ لأنه لا يمكن أن تقلب الحجر ذهباً.

وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ لَمْ تَطْلُقْ، وَتَطْلُقُ فِي عَكْسِهِ فَوْراً، وَهُوَ النَّفْيُ فِي المُسْتَحِيلِ، مِثْلَ: لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ، أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَنَحْوِهِمَا،

............ قوله: «ونحوه من المستحيل لم تطلق» قال في الروض 1: مثل أن يقول: إن رددت أمس أو جمعت بين الضدين، أو شاء الميت أو شاءت البهيمة، فقوله: «إن جمعت بين الضدين» مثل الجمع بين السواد والبياض، فلا يمكن أن تجمع بين السواد والبياض؛ لأن السواد والبياض ضدان لا يجتمعان، أو قال: أنت طالق إن جمعت بين الحركة والسكون، وهذان نقيضان فلا يمكن أن تطلق، فالمهم أنه إذا علقه على شيء مستحيل لم يقع الطلاق، والتعليل: أن المعلق على المستحيل مستحيل.
قوله: «وتطلق في عكسه فوراً وهو النفي في المستحيل» كقوله: أنت طالق إن لم تطيري تطلق حالاً؛ لأن هذا مستحيل، وإذا دخل حرف النفي على المستحيل طلقت فوراً؛ لأن انتفاء المستحيل أمر واجب؛ إذ المستحيل مستحيل الوقوع فيكون انتفاؤه واجب الوقوع، أو قال: أنت طالق إن لم تقلبي الحجر ذهباً تطلق في الحال، أو أنت طالق إن لم تصعدي السماء تطلق حالاً؛ لأنها لن تصعد السماء.
وقوله: «وهو النفي في المستحيل» الماتن مثَّل بمثال قد يكون فيه نظر فقال: «مثل لأقتلن الميت» في الحقيقة أن هذا قَسَمٌ، ولهذا أجيب باللام ونون التوكيد الدالة على أن الجملة جواب قسم، أي: أنت

طالق لأقتلن الميت، كقوله: والله لأقتلن الميت، وإذا قال: والله لأقتلن الميت يحنث في الحال؛ لأن قتل الميت مستحيل، ثم هذه الجملة هل هي نفي أو إثبات؟ إثبات مؤكد باللام ونون التوكيد وليس بنفي؛ لأنه أقسم أن يقتل، لا أن لا يقتل، لكن لما كان هذا الإثبات مستحيلاً صار يحنث في الحال؛ لأنه مستحيل أن يقع عليه القتل.
والأمثلة الصحيحة: أن تقلب الإيجاب في الأمثلة الأولى إلى نفي، فتقول: أنت طالق إن لم تطيري، أو إن لم تصعدي السماء أو إن لم تقلبي الحجر ذهباً، وحينئذٍ تطلق في الحال.
وخلاصة هذه المسألة: أن الإنسان إذا علق طلاق امرأته على شيء مستحيل لم تطلق؛ لأن المعلق على المستحيل مستحيل، أما إذا كان بالعكس بأن علق الطلاق على نفي المستحيل فإنها تطلق في الحال؛ لأن انتفاء المستحيل أمر واجب، وما علق على الواجب فهو واجب.
قوله: «أو لأصعدن السماء» أي: أنت طالق لأصعدن السماء، قلنا: الصواب أن هذا قسم، لكن المؤلف جعله من باب التعليق، فإذا قال: أنت طالق لأصعدن السماء تطلق في الحال؛ لأن معنى «لأصعدن السماء» إن لم أصعد السماء، ولو قال: والله لأصعدن السماء حنث في الحال؛ لأن صعود السماء غير ممكن، وتيقَّنا أنه لن يفعل هذا، وحينئذٍ تلزمه الكفارة إن كانت يميناً، ويقع الطلاق إن كان طلاقاً.
لكن الصواب في مسألة لأقتلن الميت أو لأصعدن السماء

نحوهما أن هذا قسم، وأنه لا تطلق الزوجة، ولكن عليه كفارة يمين.
قوله: «ونحوهما» 1.

وَأَنْتِ طَالِقٌ اليَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ لَغْوٌ، وَإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي هذَا الشَّهْرِ، أَوِ اليَوْمِ طَلَقَتْ فِي الَحَالِ، وَإِنْ قَالَ: فِي غَدٍ، أَوِ السَّبْتِ، أَوْ رَمَضَانَ طَلَقَتْ فِي أَوَّلِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ آخِرَ الكُلِّ دُيِّنَ وَقُبِلَ،

................ قوله: «وأنت طالق اليوم إذا جاء غد لغو» لأن غداً لا يمكن أن يأتي اليوم، فيكون علق الطلاق على شيء مستحيل فلا يقع الطلاق، لكنه في الحقيقة كما قال المؤلف: لغو؛ لأن مثل هذا الكلام ما يصدر من إنسان عاقل.
قال في الروض 2: «لعدم تحقق شرطه؛ لأن الغد لا يأتي في اليوم بل بعد ذهابه».
قوله: «وإذا قال: أنت طالق في هذا الشهر أو اليوم طلقت في الحال» إذا قال: أنت طالق في هذا الشهر، نقول: تطلق حالاً؛ لأنه من الشهر، وكذلك لو قال: أنت طالق في هذا اليوم تطلق في الحال؛ لأنه من اليوم.
قوله: «وإن قال: في غد، أو السبت، أو رمضان طلقت في أوله» إذا قال: أنت طالق في غد، أو في يوم السبت، أو في رمضان فإنها تطلق في أوله؛ لأن غداً يتحقق بدخول أوله،

وكذلك ـ أيضاً ـ يوم السبت يتحقق بأوله، ورمضان يتحقق بأول جزء منه، ولكن إذا قال: أنت طالق في غد، فمتى تطلق، هل بعد غروب شمس غد، أو بعد طلوع الفجر منه؟ الظاهر الأخير؛ لأن هذا هو المعروف أن الغد يعني النهار.
كذلك لو قال: في يوم السبت، يعني به النهار، فتطلق في أول النهار، في أول طلوع الفجر، وفي رمضان تطلق في أول دخوله بعد غروب آخر يوم من شعبان.
قوله: «وإن قال: أردت آخر الكل دُيِّن وقُبل» «آخر الكل» يعني اليوم، والغد، والسبت، والشهر.
وقوله: «دُيِّن» أي: فوض ذلك إلى دينه، ولكن في الحكم لا يقبل؛ وإذا قال الفقهاء: «دُيِّن» فالمعنى فيما بينه وبين الله، وأما عند المحاكمة فيؤخذ بما يدل عليه ظاهر اللفظ.
ففي المسألة الأولى إذا قال: أنت طالق في هذا اليوم، وقال: أردت آخر اليوم، فإن طالبته المرأة حكم بالطلاق من تكلُّمِهِ به، وإن لم تطالبه دُيِّن، وكذلك إن قال: أنت طالق في غد، وقال: أردت آخر النهار، نقول: إن طالبته حكمنا بالطلاق من أول النهار، وإن لم تطالبه دُيِّن، وكذلك السبت، وكذلك رمضان.
ولكن هل الأفضل أن تطالبه أو أن تدينه؟ قلنا فيما سبق: إن كان الرجل ذا دين وأمانة ومستقيماً فإن الواجب عدم المطالبة، وإن كان الأمر بالعكس فإن الواجب المطالبة.
كذلك ينبغي أن يلاحظ ظاهر اللفظ، إن كان ظاهر اللفظ

أقرب إلى كلامه فإن الواجب أن يدين، وإن كان الأمر بالعكس يكون التفصيل السابق؛ لأنه قد يقول: أنا قصدت بقولي: أنت طالق في غد آخر النهار، وعندي قرينة هي أني داعٍ الناس على الغداء، ولا أريد أن تطلقي قبل أن تغديهم، فالحاصل على كل حال إذا وجدت قرينة تؤيد ما قال فلا يطالب.

وَأَنْتِ طالِقٌ إِلَى شَهْرٍ طَلَقَتْ عِنْدَ انْقِضَائِهِ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ فِي الْحَالِ فَيَقَعُ، وَطَالِقٌ إِلَى سَنَةٍ تَطْلُقُ بِاثْنَيْ عَشَرَ شَهْرَاً، فَإِنْ عَرَّفَهَا بِاللاَّمِ طَلَقَتْ بِانْسِلاَخِ ذِي الحِجَّةِ.

قوله: «وأنت طالق إلى شهر» ظاهر اللفظ أن الشهر وقت للطلاق، ومن المعلوم أنه لا يريد أن يجعل للطلاق غاية؛ لأن الطلاق لا غاية له، فلا يوجد طلاق لشهر، وطلاق لأسبوع، وطلاق ليوم! لكن مراده بالغاية ابتداء الطلاق؛ فإذا قال: أنت طالق إلى شهر، فالغاية لابتدائه، أي: يبدأ بعد شهر، وليست لانتهائه، بخلاف ما لو قلت: أجرتك هذا البيت إلى شهر فالغاية للانتهاء، والفرق بين الصورتين: أن الطلاق لا ينتهي، فليس بمؤجل، بخلاف الإجارة، ولهذا قال المؤلف: «طلقت عند انقضائه» فيحسب الشهر من كلامه إلى أن يتم شهرين.
وإن قال: أنت طالق إلى الشهر بـ «أل» تطلق عند انتهاء الشهر الذي تكلم فيه، ولو لم يبقَ فيه إلا عشرة أيام؛ وذلك أنه لما لم يصح أن يكون للطلاق غاية لآخره صارت الغاية لأوله.
قوله: «إلا أن ينوي في الحال فيقع» إذا قال: أنت طالق إلى شهر، وقصده أن يقع الآن، وأن يستمر إلى شهر، ثم إلى شهر، ثم إلى الأبد فإنه يقع.

قوله: «وطالق إلى سنة تطلق باثني عشر شهراً، فإن عرَّفها باللام طلقت بانسلاخ ذي الحجة» كما سبق إذا قال: أنت طالق إلى سنة يحسب اثنا عشر شهراً من كلامه ثم تطلق، وإن قال: أنت طالق إلى السنة، فإذا تمت السنة التي هو فيها وانسلخ ذو الحجة طلقت المرأة، والفرق ظاهر؛ لأن «سنة» منكر و «السنة» معرف، و «أل» فيه للعهد الحضوري فيحمل على ذلك.
وكل هذه الصيغ العلماء يذكرونها لتمرين الطالب، ولأنه ربما تقع عند الغضب؛ فإذا قال: أنت طالق لعشر سنين، وعلمنا أن هناك قرينة تدل على أن المعنى أنت طالق من الآن، أو نوى من الآن يقع، وإلا فإنه ما يقع إلا بعد عشر سنوات.

بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ بِالشُّرُوطِ

قوله: «تعليق الطلاق بالشرط» يعني ترتيبه على شيء حاصل، أو غير حاصل، أي: يحصل في المستقبل بإنْ أو إحدى أخواتها، فإذا قال: إن كنت كلمت زيداً فأنت طالق، هذا على شيء حاصل، وإذا قال: إن كلمت زيداً فأنت طالق، فهذا على شيء غير حاصل، يعني علق طلاقه إما على شيء كان، وإما على شيء يكون.
وتعليق الطلاق بالشروط هل هو معتبر أو لاغٍ؟ يقول بعض العلماء: إنه لاغٍ، وأن الطلاق المعلق بالشرط واقع في الحال، واستدلوا بقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1، ولم يأت الطلاق معلقاً، لا في القرآن، ولا في السنة، وعلى هذا فإذا علقه وقع في الحال، وألغي الشرط.
ولو قال قائل بعكس ذلك؛ أي: أنه لا يقع أبداً بناء على حديث: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» لكان له وجه، والفرق بين هذا القول والقول الأول أن القول الأول يلغي الشرط فقط، وهذا يلغي الجملة كلها.
لكن أكثر العلماء يرون أن تعليق الطلاق بالشروط صحيح؛ لعموم الحديث: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرَّم حلالاً» 2، وهذا وإن كان فيه شيء من الضعف، لكنه

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
وَيَخْتَصُّ اخْتَارِي نَفْسَكِ بِوَاحِدَةٍ وَبِالمَجْلِسِ المُتَّصِلِ مَا لَمْ يَزدْهَا فِيهِمَا، فَإِنْ رَدَّتْ أَوْ وَطِئَ أَوْ طَلَّقَ أَوْ فَسَخَ بَطَلَ خِيَارُهَا.بَابُ مَا يَخْتَلِفُ بِهِ عَدَدُ الطَّلاَقِيَمْلِكُ مَنْ كُلُّهُ حُرٌّ، أَوْ بَعْضُهُ ثَلاَثاً، وَالعَبْدُ اثْنَتَيْنِحُرَّة كَانَتْ زَوجَتَاهُمَا أَوْ أَمَةً، فَإِذَا قَالَ: أَنْتِ الطَّلاَقُ، أَوْ طَالِقٌ، أَوْ عَلَيَّ، أَوْ يَلْزَمُنِي، وَقَعَ ثَلاَثاً بِنِيَّتِهَا، وَإِلاَّ فوَاحِدَةٌ،وَإِذَا قَالَ لِمَدْخُولٍ بِهَا: أَنْتِ طَالِقٌ، وَكَرَّرَهُ وَقَعَ العَدَدُ، إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ تَأْكِيداً يَصِحُّ أَوْ إِفْهَاماً،فصلوَيَصِحُّ مِنْهُ اسْتِثْنَاءُ النِّصْفِ فَأَقَلَّفصلوَلاَ يَصِحُّ اسْتِثْنَاءٌ لَمْ يَتَّصِلْ عَادَةً، فَلَوِ انْفَصَلَ وَأمْكَنَ الْكَلاَمُ دُونَهُ بَطَلَ، وَشَرْطُهُ النِّيَّةُ قَبْلَ كَمَالِ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ.بَابُ الطَّلاقِ فِي المَاضِي وَالمُسْتَقْبَلِإِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ، أَوْ قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ، وَلَمْ يَنْوِ وُقُوعَهُ فِي الْحَالِ لَمْ يَقَعْ، وَإِنْ أَرَادَ بِطَلاَقٍ سَبَقَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ زَيْدٍ، وَأَمْكَنَ قُبِلَ،وَعَكْسُهَا بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَإِنْ قَالَ: طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي طَلَقَتْ في الحَالِ، وَعَكْسُهُ مَعَهُ، أَوْ بَعْدَهُ.فَصْلٌوَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إِنْ طِرْتِ، أَوْ صَعَدْتِ السَّمَاءَ، أَوْ قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهَباً،وَنَحْوَهُ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ لَمْ تَطْلُقْ، وَتَطْلُقُ فِي عَكْسِهِ فَوْراً، وَهُوَ النَّفْيُ فِي المُسْتَحِيلِ، مِثْلَ: لَأَقْتُلَنَّ الْمَيِّتَ، أَوْ لَأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ وَنَحْوِهِمَا،بَابُ تَعْلِيقِ الطَّلاَقِ بِالشُّرُوطِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل