الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الطَّلاَقِ

صفحات 165-204
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

ظهر الناس على كذبه صار ذلك قدحاً فيه، بخلاف المظلوم، والأمثلة تبين لنا ـ إن شاء الله ـ حكم هذه المسألة.
قوله: «فإن حلَّفه ظالم: ما لزيد عندك شيء، وله عنده وديعة بمكان فنوى غيره» مثاله: إنسان ظالم سمع أن عندك لفلان وديعة، وجاء ليأخذها منك، وقد وضعت هذه الوديعة في الحجرة رقم واحد، فجاء وقال: أعطني الوديعة التي عندك لفلان، قال: ما عندي شيء، قال: عندك، فقلت: ليس عندي شيء، قال: احلف أنك ما عندك له شيء، فنويت بقولك: ما عندي شيء له أو ما عندي له وديعة، نويت الحجرة رقم اثنين، فهذا يجوز وأنت صَادق؛ لأنه لا يوجد في رقم اثنين شيء، فالمخاطَب يظن بيمينه والله ما عندي شيء، أنه ما عنده شيء مطلقاً، لا في الحجرة رقم واحد، ولا في الحجرة رقم اثنين، ولا في سائر البيت.
قوله: «أو بـ «ما» الذي» كذلك إذا حلف وأراد بـ «ما» الذي؛ لأن «ما» تصح أن تكون اسماً موصولاً، ويصح أن تكون نافية، فإذا قال: والله ما عندي له شيء فالتقدير، والله الذي عندي له شيء، و «ما» على تأويله نعربها مبتدأ، وعلى مفهوم الظالم نعربها نافية.
فلو كان هذا الظالم ذكياً وقال: قل: والله ما أعطاني شيئاً، ونوى الحالف بـ «ما» الذي فلا يصلح؛ لأن «شيئاً» بالنصب، ولو جعل «ما» بمعنى الذي لقال: شيء، يعني والله الذي أعطاني شيء، لكن إذا تعذر أن يجعل «ما» اسماً موصولاً، فينوي غير

هذا اللفظ، فمثلاً لو كان قد أعطاه دراهم، يقول: والله ما أعطاني شيئاً، وينوي غير الجنس الذي أعطاه يصح، كأن ينوي ما أعطاني شيئاً من الغنم.
واعلم أنك إذا قلت: يجوز ليس المعنى أنه متساوي الطرفين، بل قد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً؛ لأن القاعدة عندنا كما تقدم، أن كل مباح يمكن أن تجري فيه الأحكام الخمسة، فإذا قلنا: إن التأويل للمظلوم جائز، فالمعنى أنه قد يكون واجباً، فلو كان هذا الظالم سيأخذ الوديعة إذا تبين أنها عندك صار التأويل واجباً؛ لأن حفظ الوديعة واجب.
ويقال: إن الإمام أحمد كان جالساً مع أصحابه ومعه المَرُّوذي أو غيره، وجاء أحد يسأل عن المَرُّوذي، فقال الإمام أحمد: ليس المروذي ها هنا وأشار إلى كَفِّه، وماذا يصنع المروذي ها هنا؟! والمروذي ليس في راحة الإمام أحمد فتأوَّل، لكن هذا التأويل لمصلحة، وهي أن الإمام أحمد لا يحب أن يحرمه حديثه، وربما أن الإمام أحمد عرف أن هذا الرجل لا يريده لأمر هام.
وإذا كان الإنسان ظالماً فلا يجوز أن يتأول، مثال ذلك: رجل بينه وبين شخص خصومة فذهبوا إلى المحكمة، فوجهت اليمين على المُدَّعَى عليه، فقال له القاضي: قل: والله ما عندي له شيء، فقال المُدَّعَى عليه: والله ما عندي له شيء، يريد بـ «ما» الذي، فالقاضي سيحكم بالظاهر، وهو براءة المُدَّعَى عليه من الدعوى، ولكن لا ينفعه ذلك عند الله؛ لأنه ظالم، والظالم لا

ينفعه تأويله بالاتفاق، كما قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك» 1. وإذا كان الإنسان لا ظالماً ولا مظلوماً وتأول، قال شيخ الإسلام: لا يجوز؛ لأنه ربما يعثر على كذبه فيما بعد، ويكون ذلك قادحاً في صدقه، وما دام أنه غير محتاج فلا يعرض نفسه للقدح والذم، أما إن احتاج كشخص يسألك عن شيء محرج لا ينبغي أن يسأل عنه؛ لأنه ما يعنيه، وأنت لا تود أن تعلمه به، فهنا لا بأس أن تتأول، ويقال لهذا الرجل: لماذا سألت عن شيء لا يعنيك؟! لكن إذا أصرَّ وقال: احلف أنك ما تأولت، يقول: والله ما تأولت، ويعني ما تأولت في آيات الصفات، أنا أجريها على ظاهرها، أو ما تأولت في الكتاب الفلاني، أو ما أشبه ذلك.
فإذا كان في الحرب، وتأول خداعاً للعدو جاز، وهذا هو الكذب الذي جاء في الحديث أنه يجوز في الحرب 2. وكذا لو كان للإصلاح بين اثنين، كرجل يسألك: ما تقول في فلان، هذا الذي يسبني عند الناس ويغتابني؟ فتحب أن تصلح بينهما، فتقول: والله ما قال فيك شيء، يعني الذي قال فيك شيء، أو تعني الساعة الثانية عشرة ليلاً، فهذا يجوز؛ لأنه

للإصلاح بين الناس، فلو طلب منك أن تحلف، قال: قل: والله ما قال فيَّ شَرٌّ، قال: والله ما قال فيك شر، وينوي أي: الذي قال فيك شر، فهو صادق، فهذا طيب ويحمد عليه الإنسان.
كذلك إنسان يتحدث مع زوجته، والذي ينبغي بين الزوجين أن يفعل كل منهما ما يجلب مودة الآخر، لتبقى العشرة طيبة، فأتى هذا الرجل بحليٍّ لزوجته، اشتراه بعشرة ريالات، فأعجبها، فقالت: بكم اشتريت هذا؟ فقال: اشتريته بأربعين، وهو ينوي أربعين ربعاً، وهي تعتقد أنه بأربعين ريالاً، فهي على كل حال ستسعد وتقول: هذا الرجل الغالي الذي يشتري لي بأغلى الأثمان، فهذا مطلوب، ولهذا جاء فيه إباحة الكذب في تحديث الرجل امرأته وتحديثها إياه (1). لكن لاحظ أن هذا يجوز بشرط أن نأمن اطلاع المخاطَب على الواقع؛ فإذا لم نأمن ذلك لكان داعياً إلى الشك في كل ما تحدث به، فكلما تحدث يقول الناس: هذا الرجل تأول.

أَوْ حَلَفَ مَا زَيْدٌ هَا هُنَا؛ وَنَوى غَيْرَ مَكَانِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لاَ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئاً فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَلَمْ يَنْوِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ.

قوله: «أو حلف ما زيد ها هنا ونوى غير مكانه» إذا حلف وقال: والله ما زيد ها هنا، وهو عنده لكن نوى غير مكانه، فلا حرج والتأويل صحيح.1

قوله: «أو حلف على امرأته لا سرقت مني شيئاً فخانته في وديعة، ولم ينوها لم يحنث في الكل» حلف على امرأته قال: احلفي أنك لا تسرقين مني شيئاً؛ فقالت: والله ما أسرق منك شيئاً، فخانته في وديعة سبقت أو لحقت، بأن استودعها يوماً من الأيام وديعة فأنكرت، فإنها لا تعد سرقة وإن كانت ظالمة في هذه الخيانة.
والدليل على جواز التأويل قصة أيوب عليه الصلاة والسلام: فإن فيها شيئاً من التأويل، قال تعالى: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ﴾ [ص: 44]، وقد حلف أنه يضرب امرأته مائة سوط، والضغث الذي فيه مائة شمراخ ما يُعَدُّ مائة، لكن اللفظ محتمل، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، وكذلك حديث ركانة رضي الله عنه ـ لو صح ـ حيث قال: «والله ما أردت إلا واحدة» 2، وكذلك قصة إبراهيم 3 ـ عليه الصلاة والسلام ـ مع الظالم فإن فيها تأويلاً، والأدلة كثيرة.

بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلاَقِ

مَنْ شَكَّ فِي طَلاَقٍ، أَوْ شَرْطِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ،

قوله: «الشك في الطلاق» يعني هل أوقعه؟ وهل وجد شرطه؟ وهل وجد العدد؟ فالشك يتضمن ثلاثة أمور: هل أوقعه، أو لا؟ وهل وجد شرطه أم لم يوجد؟ وهل وجد العدد أم لا؟ والشك في الطلاق لا عبرة به؛ لأن الأصل بقاء النكاح، ودليل ذلك حديث عبد الله بن زيد ـ رضي الله عنه ـ في الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً» 1، فالأصل بقاء طهارته إلا بدليل؛ لأنه كان في الأول متيقناً للطهارة ثم شك في الحدث، والشك لا يزيل اليقين، وهذا الدليل هو الأصل في هذا الباب.
أما التعليل: فإن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وعدم التغير، وأن الأمور باقية على ما هي عليه، ولهذا قال الله عزّ وجل: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 6]، لأنك لو لم تشهد لزمك المال؛ لأن الأصل بقاؤه عندك وعدم دفعه، فعندنا أصل من السنة، وقاعدتان فقهيَّتان، وهما: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»، فما دام النكاح موجوداً فالأصل بقاؤه، والثانية: «أن اليقين لا يزول إلا بيقين» بناء على هذا يقول المؤلف:

«من شك في طلاق أو شرطه لم يلزمه» شك في طلاق، يعني قال: ما أدري، هل طلقت زوجتي أو لا؟ فلا يلزمه الطلاق، والدليل ما سبق.
وهذا ـ نسأل الله السلامة ـ يُبتلى به بعض الناس فيحصل عنده وسواس في طلاق زوجته، حتى إن بعض الناس ـ نسأل الله أن يعافينا ـ يقول: إني قلت: إن فتحت الكتاب فزوجتي طالق، ثم إذا فتحه قال: لا، أخاف إني قلت: إن لم أفتحه فزوجتي طالق!! فكلما حصل أدنى شيء قال: إني قد علقت طلاق زوجتي على هذا الشيء، فيحصل عنده من التردد والخوف ما يفسد عليه حياته الزوجية، وهذا لا شك أنه بلوى، لكن دواؤها الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وكثرة قراءة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ *﴾ [الفلق] و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ *﴾ [الناس]، فمن كثرت شكوكه في ذلك فلا عبرة بشكه؛ لأنه وسواس، والوسواس لا يقع به الطلاق.
ومن كان شكه معتدلاً وحقيقياً، قال بعض العلماء: إن الورع التزام الطلاق مع الشك، وقال آخرون: الورع عدم التزام الطلاق مع الشك، وهو الصواب؛ لأن الأصل بقاء النكاح، فالورع التزام النكاح، ولأننا إذا قلنا: إن الورع التزام الطلاق، ارتكبنا محظورين: الأول: التفريق بين الزوجين، والثاني ـ وهو أشد ـ إحلال هذه المرأة لغير الزوج، وقد تكون في عصمته، أيضاً إذا قلت: الورع التزام الطلاق فمعنى ذلك أنك سوف تحرم زوجتك من النفقة، ومن الميراث إذا مت، ومن أشياء كثيرة من حقوقها.

وقوله: «أو شرطه» أي: شك في شرط الطلاق، هل وقع أم لم يقع؟ فإن الأصل عدم الطلاق، مثل ما لو علق طلاق زوجته على شيء، ثم شك هل وجد هذا الشيء أم لم يوجد؟ فالنكاح بحاله ولا يقع الطلاق.
مثاله: قال: إن جاء فلان فزوجتي طالق، ثم شك هل جاء أم لم يأتِ؟ لم تطلق؛ لأن الأصل عدم الطلاق بناء على الحديث والأصل السابق.

وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ فَطَلْقَةٌ، وَتُبَاحُ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ طَلَقَتْ المَنْوِيَّةُ وَإِلاَّ مَنْ قَرَعَتْ،

..................................................... قوله: «وإن شك في عدده فطلقة» كذلك شك في عدده، بأن قال: أنا متيقن أني طلقت، لكن ما أدري هل طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً؟ يكون واحدة لأن البناء على الأقل.
قوله: «وتباح له» أي: الزوجة، يعني من شك هل طلق مرة، أو مرتين، أو ثلاثاً فهو مرة، وتباح للزوج؛ لأنه لو كان ثلاثاً ما أبيحت له.
قوله: «فإذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق» أي قال لزوجتيه: إحداكما طالق.
قوله: «طلقت المنوية» إن كان نوى زينب فهي زينب، وإن نوى فاطمة فهي فاطمة، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، واللفظ الذي أصدره صالح لهذه النية فتطلّق المنوية.

قوله: «وإلا» أي: فإن قال: ليس لي نية، أو لا أدري من نويت، يقول المؤلف: «من قَرَعَت» والأحسن «من قُرعت»؛ لأنها ليست بغالبة بل مغلوبة.
فقوله: «من قُرعت» أي: وقعت القرعة عليها لا لها، وليس لنا طريق إلا القرعة؛ لأننا لو قلنا: تطلق المرأتان كان ذلك إلزاماً له بما لم يلتزمه؛ لأنه قال: إحداكما، فإذا قلنا: تطلق المرأتان فهو ظلم له، بل ظلم للزوجة أيضاً، ثم ليس ظلماً للزوجة وحدها، بل ظلم لمن سيتزوجها بعده، وإذا قلنا: تطلق إحداهما فمن؟ فلا يوجد إلا القرعة.
فلو قال: أنا لم أنوِ شيئاً عند الطلاق، لكني الآن اختار أن تكون فلانة فهل تتعين؟ نقول: ظاهر كلام المؤلف أنه لا بد من القرعة، والذي يظهر أنه لا بأس أن يعينها، ما دام أبهم وهو المسؤول، ثم عيَّن فإننا نرجع إلى تعيينه، ونقول: تطلق التي عيَّنها.
وكيفية الإقراع مثلاً أن يجعل ورقتان إحداهما يُكتب عليها طالق والأخرى لا يُكتب عليها شيء، فمن أخذت الورقة التي فيها طالق طلقت.
والقرعة ثابتة في تمييز كل حقين متساويين لا تمييز بينهما، وهي حكم شرعي ثبت في القرآن وفي السنة، في القرآن ورد في موضعين: الأول: قوله تعالى في يونس عليه السلام: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *﴾ [الصافات].

الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44].
أما في السنة فقد وردت في ستة مواضع منها: أن رجلاً أعتق ستة أعبد، فجزَّأهم النبي صلّى الله عليه وسلّم ثلاثة أجزاء، وأقرع بينهم ليخرج الثلث فقط 1. ومنها: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أراد سفراً أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها 2. أما دلالة النظر على أن القرعة حكم شرعي فلأنه لا طريق لنا إلى التمييز بين متساويين إلا بهذا.
وأنكر بعض أهل العلم القرعة، وقال: إن القرعة من الميسر وأنها مثل الاستقسام بالأزلام، ولكن هذا القول مردود لمخالفته النص، ولبطلانه بذاته، أما مخالفته للنص فقد ذكرنا ما جاء في الكتاب والسنة من إثبات للقرعة، وأما بطلانه بذاته فإن هذا ليس من الميسر؛ لأننا لا نقرع إلا بين شيئين متساويين، والميسر ليس بين متساويين، نعم لو قلنا: أنتما رجلان بينكما هذا الحق مشتركاً مناصفة، ولكن سنجعله ثلثين وثلثاً ونقرع بينكما فلا يجوز؛ لأنه ميسر، إن وقعت على صاحب الثلث غُلب، وإن وقعت على

صاحب الثلثين غَلب، أما شيئان متساويان فأين الميسر فيهما؟! وأما الاستقسام بالأزلام فليس كذلك، فليس هناك حقان متساويان يراد التمييز بينهما، بل هما إرادتان من هذا المستقسم، ويعمل بهذه الأقداح لينظر ماذا يُقسم له من هذه الإرادة، فبينهما فرق، وعلى هذا فالصواب أن القرعة ثابتة في كل حقين متساويين لا يمكن التمييز بينهما إلا بهذا.

كَمَنْ طَلَّقَ إِحْدَاهُمَا بَائِناً ونَسِيَهَا، وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّ المُطَلَّقَةَ غَيْرُ الَّتِي قَرَعَتْ رُدَّتْ إِلَيْهِ مَا لَمْ تَتَزَوَّجْ أَوْ تَكُنِ الْقُرْعَةُ بِحَاكِمٍ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ كَانَ هذَا الطَّائِرُ غُرَاباً فَفُلاَنَةٌ طَالِقٌ، وَإِنْ كَانَ حَمَاماً فَفُلاَنَةٌ، وَجُهِلَ لَمْ تَطْلُقَا،

............................ قوله: «كمن طلق إحداهما بائناً ونَسِيَها» يعني، وكذلك من طلق إحداهما بائناً، أي: طلاقاً بائناً، ونسيها، فإنه يقرع بينهما، فمن قُرعت وقع عليها الطلاق.
وقوله: «طلاقاً بائناً» يعني إحداهما بقي له من طلاقها طلقة واحدة، فطلق إحداهما وعيَّن، قال: فلانة طالق، لكن نسي هل طلق التي ما طلقها من قبل، أو طلق التي لم يبقَ لها إلا طلقة؟ فإن كان الطلاق واقعاً على التي لم يطلقها من قبل فالأمر سهل، ولو أرادها راجعها وانتهت القضية، وإن كان الطلاق واقعاً على من كانت هذه آخر طلاقها فإنها تبين ولا تحل له، فهو الآن متردد يقول: أنا مطلق واحدة منهما، ولكني نسيت، فنقول في هذه الحال: أقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي المطلقة وتحل لك الباقية، هذا هو المذهب.
ولكن جمهور أهل العلم يرون أنه لا تدخل القرعة في هذا؛ لأنه اشتبه عليه امرأتان، إحداهما حلال، والأخرى حرام، وإذا كان كذلك فالواجب اجتناب الجميع حتى يتبين الأمر، فإن لم يتبين فماذا نعمل؟ يطلق واحدة، ثم تطلق المرأتان جميعاً، واحدة

بائن، والأخرى رجعية، وهذا الأخير هو الذي اختاره الموفق في المغني ونصره، وقال: إنه قول جمهور أهل العلم، وأنه لا يعلم قائلاً بذلك من الصحابة، وأن الذي ورد عن الصحابة القرعة فيه في باب الميراث، وليس في باب الحِلِّ، بمعنى أن الإنسان لو طلق إحدى زوجاته طلاقاً بائناً، ثم مات فإنه يقرع بينهما من أجل الإرث، لا من أجل الحِلِّ، قال: والقرعة تدخل في المال، ولا تدخل في الفروج.
ولكن لا شك أن ما قاله المؤلف أقرب إلى الصواب، من حيث إنه أيسر على المكلف؛ لأن كوننا نقول: اجتنب المرأتين مشكل، والطلاق إنما هو وقع على واحدة، ثم إذا اجتنب المرأتين، وقلنا: لا تحل لك المرأتان، واحدة؛ لأنها بائن، والثانية؛ لأنها مطلقة، سيترتب على ذلك شيء آخر، وهو أنها تبين وتحل للأزواج، وهو ما طلق، وإن ألزمناه بأن يطلق الثانية قد نضرُّه، فالصواب ما قاله المؤلف أنه يقرع بينهما، فمن خرجت عليها القرعة فهي الطالق وتبقى المرأة الثانية زوجة له.
قوله: «وإن تبين أن المطلقة غير التي قرعت ردت إليه، ما لم تتزوج أو تكن القرعة بحاكم» يعني أقرعنا بين فاطمة وزينب، ووقعت القرعة على زينب، وقلنا لها: أنت طالق، ثم تبين أن المطلقة فاطمة، فإن زينب ترد إليه؛ لأنه تبين أنها ليست هي المطلقة، والقرعة إنما هي لحل مشكل ما لنا منه مخرج، فإذا تبين لنا منه مخرج رجعنا إلى ما تبين، إلا في حالين:

الأولى: إذا تزوجت التي قُرعت؛ لأنها إذا تزوجت فإن إقراره بأنها غير المطلقة يكون فيه إبطال لحق الزوج الجديد، وإبطال لحق الزوج الجديد ما يمكن أن نقبله.
وعلم من التعليل أن الزوج الثاني لو صدَّقه، وقال: أنا أثق بهذا الرجل، وأن التي وقع عليها الطلاق هي التي عنده، وأن هذه لم يقع عليها الطلاق، فهل ينفسخ النكاح؟ الجواب: نعم؛ لأن تصديقه للزوج الأول يستلزم إقراره ببطلان النكاح.
الثانية: إذا كانت القرعة بحكم حاكم، فإنه لو رجع الزوج وقال: أنا تذكرت أن الزوجة المقروعة ليست المطلقة، قلنا له: لا نقبل قولك؛ لأن حكم الحاكم يرفع الخلاف، وعلى هذا فلا يقبل قوله؛ لأن الحُكم نُفِّذ، ولهذا لو رجع الشهود بعد حكم الحاكم لم ينقضِ الحكم، فلو شهد رجلان لشخص بأن هذا المال المدعى به له، فحكم به القاضي ثم بعد الحكم رجعا وقالا: كذبنا في شهادتنا، غلطنا، أو توهمنا؛ فإن الحاكم لا ينقض الحكم، ولكن يلزمهما الضمان لمن شهد عليه.
وإذا ثبت ببينة أن الحكم بخلاف ذلك، ينظر حتى في الزواج، فلو جاءنا ناس وقالوا: نحن نشهد أن الرجل طلق فلانة التي لم تقع عليها القرعة، فحينئذٍ يلغى كل شيء؛ لأن القرعة ليست بحكم، بل القرعة تمييز.
قوله: «وإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً ففلانة طالق، وإن كان حماماً ففلانة، وجُهل لم تطلقا» هذا رجل مرَّ به طائر، فقال:

إن كان هذا الطائر حمامة فهند طالق، وإن كان غراباً فدَعْد طالق، والطائر ذهب، ولا ندري ما هو؟ فلا طلاق؛ لأنه يحتمل أنه ليس غراباً ولا حماماً، وحينئذٍ نكون قد شككنا في وقوع الطلاق على واحدة منهما.
فإن قال: إن كان هذا الطائر غراباً فهند طالق، وإن كان غير غراب فدعد طالق، فلا بد أن إحداهما طلقت؛ لأن هذا الطائر إما غراباً، أو غير غراب، فكيف نعرف؟ نعرفها بالقرعة.

وَإِنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ اسْمُهُمَا هِنْدٌ: إِحْدَاكُما أَوْ هِنْدٌ طَالِقٌ، طَلَقَتِ اِمْرَأَتُهُ، وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الأَجْنَبِيَّةَ لَمْ يُقْبَلْ حُكْمَاً، إِلاَّ بِقَرِينَةٍ، وَإِنْ قَالَ لِمَنْ ظَنَّهَا زَوْجَتَهُ: أَنْت طَالِقٌ طَلَقَتِ الزَّوْجَةُ، وَكَذَا عَكْسُهَا.

قوله: «وإن قال لزوجته وأجنبية اسمهما هند: إحداكما أو هند طالق طلقت امرأته» كرجل وجد امرأته ومعها امرأة أخرى، فقال: إحداكما طالق فتطلق الزوجة؛ لأنه من المعلوم أنه لا يمكن أن يقع الطلاق على المرأة التي ليست زوجته.
فهاتان امرأتان اسمهما هند، الزوجة اسمها هند، والأخرى اسمها هند، فقال: هند طالق، يقع الطلاق على زوجته؛ لأنه لا يملك طلاق هند التي ليست زوجة له.
فإن كان قد وُكِّل في طلاق امرأة اسمها هند، وله زوجة اسمها هند وقال: هند طالق، تطلق إحداهما بقرعة، لكن في هذا المثال يغلب على الظن أنه أراد الزوجة التي وُكِّل في طلاقها؛ لأنه ليس بينه وبين زوجته مشكل، فيحمل على التي وكِّل في طلاقها، إلا أن يكون له نية فعلى ما نوى.
قوله: «وإن قال: أردت الأجنبية لم يقبل حكماً إلا بقرينة» إن

قال: أردت الأجنبية، يعني من ليست زوجة لي في قوله: «إحداكما طالق»، أو قوله: «هند طالق وكلتاهما اسمها هند» فإنه لا يقبل حكماً، أي: فيما لو ترافعا هو وامرأته إلى القاضي، فالقاضي لا يقبل قوله؛ لأنه خلاف الظاهر، إذ إن الإنسان لا يطلق إلا من يملك طلاقها، وهكذا كلما مَرَّ عليك من قول العلماء: «لم يقبل حكماً»، أي: ويقبل فيما بينه وبين الله.
فإن قال قائل: هل يفهم من كلام المؤلف أن الزوجة لو سكتت فهي باقية في عصمته؟ نعم، يفهم ذلك.
قوله: «وإن قال لمن ظنها زوجته: أنت طالق طلقت الزوجة» أي: وجد امرأة تشبه زوجته في اللباس، وفي الجسم، وفي المشي فظنها زوجته، فقال: أنت طالق، وتبين أنها غير زوجته، يقول المؤلف: تطلق الزوجة؛ لأنه أوقع الطلاق بصيغته التي يقع بها، مع أنه تبين أنها أجنبية ليست زوجة له، فنقول: العبرة بالمقاصد، وهذا الرجل قصد طلاق زوجته في شخص يظنها زوجته.
قوله: «وكذا عكسها» طلق زوجته يظنها غير زوجته تطلق الزوجة، والصحيح أنها لا تطلق؛ لأنه ما أراد طلاق زوجته، كإنسان رأى شبحاً ولم يظن أنها زوجته، ولا أراد أن يطلق زوجته فقال: أنت طالق، ثم تبين أنها الزوجة، فالمؤلف يرى أنها تطلق؛ لأنه واجهها بصريح الطلاق، لكن هل هو يعتقد أنها

زوجته؟ لا يعتقد ذلك، إذاً كلامه لغو، فالصواب أنها لا تطلق في المسألة الثانية، لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1.

بابُ الرَّجْعَةِ

مَنْ طَلَّقَ بِلاَ عِوَضٍ زَوْجَةً مَدْخُولاً بِهَا أَوْ مَخْلُوّاً بِهَا دُونَ مَا لَهُ مِنَ الْعَدَدِ فَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّتِهَا

.......................... قوله: «الرجعة» هي رد المطلقة على وجه شرعي بغير عقد، أو إعادة المطلقة إلى عصمة الزوجية.
مثاله: رجل قال لزوجته: أنت طالق، فتطلق، فله أن يقول في العدة: قد راجعتك، فقوله: قد راجعتك، هي المراجعة، لكن لها شروط.
قوله: «من طلق» هذا شرط.
قوله: «بلا عوض زوجة مدخولاً بها، أو مخلوّاً بها دون ما لَهُ من العَدد فله رجعتها في عدتها» هذه خمسة شروط لا تتم الرجعة إلا بها: أن يكون الفراق بطلاق، وأن يكون على غير عوض، وأن تكون الزوجة مدخولاً بها أو مخلوّاً بها، وأن يكون دون ماله من العدد، وأن تكون الرجعة في العدة، أي: قبل انقضائها.
أولاً: أن يكون الفراق بطلاق، احترازاً مما لو كان بفسخ، مثل أن تفسخ لعيب في الزوج، أو تفسخ لفوات شرط اشترطته على الزوج، فهنا لا رجعة؛ لأن هذا ليس بطلاق ولكنه فسخ.

مثال ذلك: اشترطت على زوجها أن يكون المهر ألفاً، ولكن أعطاها خمسمائة وماطلها، فلها أن تفسخ النكاح، فهذا يسمى فسخاً لا طلاقاً، فليس له الرجعة إلا بعقد جديد.
مثال آخر: بعد أن عقد عليها، ودخل بها تبين أنها أخته من الرضاع، ينفسخ النكاح وليس له الرجعة.
ثانياً: أن يكون الطلاق بلا عوض، فإن كان بعوض ـ ولو شيئاً يسيراً ـ فلا رجعة إلا بعقد جديد، مثال ذلك: امرأة تعبت من زوجها، فقالت له: طلقني وأعطيك ألف ريال، فقال: نعم، فطلقها على هذا العوض، فليس له أن يراجع إلا بعقد جديد؛ ولأن هذا العوض فداء، افتدت به نفسها، ولو قلنا: للزوج أن يراجع، لم يكن لهذا الفداء فائدة، وأيضاً يجتمع للزوج العوض والمعوض، وهي تريد الفكاك منه، ويسمى هذا الفراق إذا كان على عوض خلعاً.
ثالثاً: كون المرأة مدخولاً بها، وإذا قيل: مدخولاً بها؛ أي قد جامعها زوجها، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]، وإذا لم يكن لها عدة، فلا رجعة؛ لأن غير المدخول بها من حين ما يقول: أنت طالق تطلق، وتبين منه، ولا عدة له عليها.
أو تكون مخلوّاً بها، والخالي هو الزوج، يعني لا بد أن يكون داخلاً بها أو خالياً بها؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم قضوا

بأن الخلوة كالدخول (1). فلو طلقها قبل الدخول والخلوة فليس له رجعة؛ لأنه لا يوجد عدة، فسوف تنفصل عنه بانتهاء كلمة الطلاق.
رابعاً: أن يكون الطلاق دون ماله من العدد، وهو ثلاثة، فإذا كان آخر ما له من العدد فلا رجعة لقول الله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 229، 230] فإذا طلق زوجته وراجع ثم طلق وراجع، ثم طلق الثالثة فلا رجعة.
خامساً: أن تكون الرجعة في العدة، فإن راجع بعد انتهاء العدة فلا رجعة، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أي: في ذلك الوقت المحدد، أي: ثلاثة القروء، فعلم من الآية أنه لا حق للأزواج بعد انتهاء العدة، وهو كذلك.

وَلَوْ كَرِهَتْ، بِلَفْظِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي وَنَحْوِهِ لاَ نَكَحْتُهَا ونَحْوِهِ،

......... قوله: «ولو كرهت» أي: لو كرهت الزوجةُ الرجعةَ فإنها تثبت لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228]، ولم يشترط الله ـ تعالى ـ رضا الزوجة.
فإن قال قائل: ألستم تشترطون في عقد النكاح رضا الزوجة؟ فالجواب: بلى، ولكن ذلك ابتداء عقد، وهذا إعادة1

مطلقة، فهو استدامة نكاح، وليس ابتداء عقد، والاستدامة أقوى من الابتداء، ولهذا لا يشترط فيها وليٌّ ولا شهود، وهذه قاعدة فقهية ينبغي لطالب العلم أن يفهمها؛ ولهذا إذا تطيب الإنسان قبل إحرامه ثم بقي الطِّيب عليه بعد الإحرام جاز، ولو تطيب بعد الإحرام لا يجوز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء، وكذلك لو أراد الإنسان أن يعقد وهو مُحْرم على امرأة حَرُم، ولو راجع امرأته المطلقة وهو محرم جاز؛ لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
أما صيغة المراجعة فقال: «بلفظ: راجعت امرأتي» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الرجعة لا تحصل بالنية، فلو نوى أنه مراجع زوجته بدون لفظ فإنه لا يكون رجوعاً، بل لا بد من أن يلفظ فيقول: راجعت امرأتي.
قوله: «ونحوه» يعني ونحو هذا اللفظ، مثل أن يقول: رددتها، أمسكتها، ابتغيتها، وما أشبه ذلك، مما يدل على المراجعة، فالمراجعة تصح بكل لفظ دل عليها.
قوله: «لا نكحتها ونحوه» يعني لا بلفظ نكحتها ونحوه؛ لأنه إذا كان خبراً فهو عن شيء ماضٍ، وهو قد نكحها فيما مضى، وإن كان إنشاء فهو عقد نكاح جديد؛ لأن النكاح صريح في العقد، فإذا قال: نكحتها، نقول: ما انفرطت منك حتى تنكحها، فهي الآن في عصمتك؛ لأن الله سمّاك بعلاً لها ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾، فإذا قلت للمرأة الرجعية: أشهدكم أني

نكحت زوجتي، فلا يكون رجعة، وكذلك لو قلت: أشهدكم أني تزوجت زوجتي فلانة التي طلقت ما يصح؛ لأن هذا ابتداء عقد جديد، وهي إلى الآن في عصمتك، والعقد الجديد لا يكون إلا للمرأة الأجنبية.
وقال بعض أهل العلم: يصح بلفظ نكحتها ونحوه، إذا علم أن مراده المراجعة، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وإنما لكل امرئ ما نوى» (1)، وهذا القول قوي جداً؛ لأن العبرة في الألفاظ بمعانيها.

وَيُسَنُّ الإِشْهَادُ، وَهِيَ زَوْجَةٌ، لَهَا وَعَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ لاَ قَسْمَ لَهَا،

................................ قوله: «ويسن الإشهاد» أي: على الرجعة؛ يعني إذا أراد الإنسان أن يراجع زوجته المطلقة فإنه يسن أن يشهد على ذلك، وظاهر كلام المؤلف ليس مطلقاً، سواء واجهها بالمراجعة، أم لم يواجهها، فإنه يُشهد لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2].
وقيل: إن الإشهاد واجب لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا﴾، فالأمر للوجوب؛ ولأن الرجعة كابتداء النكاح، فكما أن ابتداء النكاح لا بد فيه من الإشهاد، فالرجعة لا بد فيها من الإشهاد.
ويحتمل أن يقال: في هذا تفصيل، إن راجعها بحضرتها فلا حاجة للإشهاد، وإن راجعها في غيبتها وجب الإشهاد؛ لأنه إذا راجعها في غيبتها ولم يشهد، ربما تنكر وتقول: أبداً ما راجعتني إذا أعلمها وأخبرها بالمراجعة بعد انتهاء العدة، وحينئذٍ يقع1

الإشكال؛ لأنه ليست المشكلة أنها تحرمه من المراجعة، بل المشكلة أنها تحل لغيره، وهي ما زالت في عصمته، فالصواب هذا التفصيل.
قوله: «وهي زوجة» أي: أن الرجعية زوجة يعني في حكم الزوجات، والدليل قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ أي: أزواجهن، فسمَّاه الله تعالى بعلاً مع أنه مطلِّق، إذاً فهي زوجة، كما قال الله تعالى عن امرأة إبراهيم: ﴿أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ [هود: 72].
وقد يقول قائل: سمَّاه الله تعالى بعلاً باعتبار ما كان، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 2]، واليتيم لا يعطى ماله إلا إذا بلغ، وإذا بلغ زال اليتم، فسمَّاه الله تعالى يتيماً باعتبار ما كان.
نقول: هذا خلاف الظاهر والأصل، وما كان خلاف الظاهر فإنه لا يصار إليه إلا بدليل، ويدل لذلك أيضاً ـ أي: أنه بعل وزوج حقيقة ـ قوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ﴾ [الطلاق: 1]، فأمر بإبقاء المطلقة عند الزوج، ونسب بيت زوجها إليها، ولو كانت تبين منه وتنفصل وينفصل منها، ما كان بيت زوجها بيتاً لها، إذاً هي زوجة؛ ولهذا قال المؤلف: «لها وعليها حكم الزوجات» إذاً تجب لها النفقة، ويلزمها طاعته، ويجوز أن تكشف له، وأن ينفرد بها، وأن تتطيب له، وأن تمازحه وتضحك إليه، وأن يسافر بها، فكل ما يجوز للزوجة مع الزوج يجوز لها مع زوجها؛ إلا في مسائل قليلة منها:

قوله: «لكن لا قسم لها» يعني لو كان له زوجات أُخر، فليس للمطلقة الرجعية حق القسم، فلا تطالبه بليلة ويوم كزوجاته الأخر؛ لأنها انفصلت منه.
وهل عليها ـ أيضاً ـ ما على الزوجات، من طاعة زوجها فيما يقتضيه العرف؟ نعم، فلو قال لها: اكنسي البيت يلزمها طاعته مثل زوجاته الأخر، ولو قال: اغسلي ثوبي يلزمها، كالزوجات الأخر، ولهذا قال المؤلف: «لها وعليها حكم الزوجات» فكل الأحكام التي على الزوجة أو للزوجات فهو ثابت لهذه المطلقة الرجعية، إلا أنها ليس لها قسم؛ لأنه طلقها.
وأيضاً تفارق غيرها في مسائل أخرى، منها: أنه يلزمها لزوم المسكن، فيجب عليها لزوم المسكن كالمتوفى عنها، فلا تخرج إلا للضرورة في الليل، أو الحاجة في النهار، أما الزوجات الأخر فلا يجب عليهن لزوم المسكن، فتخرج المرأة لزيارة قريبها، لزيارة صديقتها، وما أشبه ذلك، إذن هي في لزوم المسكن أشد من الزوجات المعتادات، والعرف من حين تطلق تذهب إلى أهلها، فهذا حرام ولا يجوز، والدليل قوله تعالى: ﴿لاَ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلاَ يُخْرَجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]، فلا تخرج حتى تنتهي العدة، ولو بإذنه لحاجة في النهار، أو ضرورة في الليل، هذا هو المذهب.
والقول الثاني: أنها لا يلزمها لزوم المسكن، بل هي كالزوجات الأخر؛ لأن الله تعالى سمَّاه بعلاً ـ أي: زوجاً ـ فهي إذاً زوجة، وما دامت زوجة فهي كغيرها من الزوجات، تخرج من البيت ليلاً ونهاراً، ولا يلزمها السكنى، وأما ما استدلوا به من

قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُخْرَجْنَ﴾، فالمراد خروج مفارقة ليس المراد خروجاً لأي سبب، وهذا القول هو الصحيح.
ومما تفارق به الزوجات أن المرأة إذا تزوجت سقطت حضانتها لأولادها، فلو أن إنساناً طلق زوجته، وله منها أولاد، فأحق الناس بحضانتهم الأم حتى يبلغوا سبع سنين، لكن إذا تزوجت سقطت حضانتها ورجعوا إلى أبيهم، إلا أنها إذا طلقت ولو طلاقاً رجعياً فإن الأولاد يعودون إليها، وبهذا فارقت الزوجات، فهي الآن زوجة باعتبار زوجها الأخير الذي طلقها، لكنها تأخذ أولادها من زوجها الأول مع أنها تعتبر في حكم الزوجة بالنسبة للزوج الثاني.
ومما تفارق به الزوجات أنه لو أن أحداً من الناس وقف وقفاً، وقال: وقف على أولادي، وأما من تَزَوَّجَتْ من البنات فلا حق لها من الوقف، فلو طُلِّقت ـ ولو رجعياً ـ فإنه يعود حقها في الوقف.
هذه الفروق كلها على المذهب، مع أن كلام المؤلف هنا يقتضي أنها لا تفارق الزوجات إلا في القسم، وإنما قلت: إنه يقتضيه؛ لأن المعروف عند أهل العلم أن الاستثناء معيار العموم، يعني أنك إذا استثنيت شيئاً دل ذلك على أن الحكم عام فيما عدا المستثنى، فلما قال: «لكن لا قسم لها» نقول: بقية الأحكام توافق الزوجات، مع أنها تخالف الزوجات في الأحكام الثلاثة السابقة، وهذه قد لا تجدها في مكان واحد من كلام الفقهاء لكننا أخذناها بالتتبع من كلامهم.

وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ أَيْضاً بِوَطْئِهَا، وَلاَ تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ،

.......... قوله: «وتحصل الرجعة أيضاً بوطئها» كل ما سبق في حصول الرجعة باللفظ، وهذا حصول بالفعل؛ لأن وطأها دليل على إرجاعه لها، فإذا جامعها حصلت الرجعة، وظاهر كلام المؤلف: أن الرجعة تحصل بجماعها، سواء نوى بذلك الرجعة أم لم ينوِ؛ لأنه لم يشترط، فلم يقل: تحصل الرجعة بوطئها إذا نوى، وهذا هو المشهور من المذهب؛ لأن هذا الفعل فعل لا يباح إلا مع زوجة، فكأنه لمَّا استباحه راجعها فيكون أقوى من اللفظ.
القول الثاني: أنها لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية المراجعة؛ لأن مجرد الوطء قد يستبيحه الإنسان في امرأة أجنبية مثل الزنا، فهذا الرجل قد تكون قد ثارت شهوته عليها أو أنه رآها متجملة وعجز أن يملك نفسه فجامعها، وما نوى الرجعة، ولا أرادها، ولا عنده نية أن يرجع لها، فعلى هذا القول لا تحصل الرجعة بالوطء إلا بنية الرجعة، وهذا هو الصحيح وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن الوطء قد يكون عن رغبة في إرجاعها فيكون نية إرجاع، وقد يكون لمجرد الوطء والشهوة فلا يدل على الإرجاع.
القول الثالث: أنه لا تحصل الرجعة بالوطء ولو بنية الرجوع، بل لا بد من اللفظ، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2] عام، فكل ما يدل على الإمساك فإنه يحصل به.

فالصواب أن الرجعة لا تحصل بمجرد الوطء، إلا إن كان من نيته أنه ردَّها، وأنه استباحها على أنها زوجة، فإذا كان كذلك فهذه مراجعة، لكن على هذا القول لو أنه جامعها بغير نية الرجوع، وأتت بولد من هذا الجماع، فهل يكون ولداً له؟ الجواب: نعم، يكون ولداً له؛ لأن هذا الوطء وطء شبهة؛ لأنها زوجته ولم تخرج من عدتها، ولا يُحَدُّ عليه حد الزنا، وإنما يعزَّر عليه تعزيراً، هذا إذا قلنا بأن الرجعة لا تحصل بالوطء المجرد.
فإن قال قائل: إن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2] والإشهاد لا يمكن على الجماع.
فيقال: بل يمكن أن يقول لاثنين: إنه جامعها بنية المراجعة، فيكون ذلك إشهاداً على الإمساك.
قوله: «ولا تصح معلقة بشرط» «لا تصح» الضمير يعود على الرجعة، فلا تصح الرجعة معلقة بشرط، مثل أن يقول: إذا جاء الشهر الفلاني فقد راجعتك، أو يقول: إذا حضت الحيضة الثانية فقد راجعتك، فهذا لا يصح، وعلَّلوا ذلك بأن المراجعة كالعقد، وعقد النكاح لا يصح معلقاً، فلا تصح الرجعة معلقة، ولأن هذا لا يدل على الرغبة الأكيدة في رجوعه، ولأنه رجوع يشترط تنجيزه فلا يصح معلقاً.
ولكن هذا التعليل الأخير عليل، فكوننا نقول في التعليل: إنه إرجاع يشترط تنجيزه، فهذا تعليل للحكم بالحكم فلا يقبل، مثل لو قلت: يحرم كذا وكذا؛ لأنه يحرم، فهل يكون هذا علة؟! ومثل لو قلت: يجب على الإنسان أن يصلي مع الجماعة؛ لأنه

يجب أن يصلي مع الجماعة، فهل هذا دليل؟! فإذا قلنا: إن الرجعة إرجاع يشترط فيه التنجيز فلا يصح معلقاً بشرط، قلنا: هذا تعليل بالحكم فلا يقبل.
وأما قولهم: إنه لا يدل على الرغبة، فهذا ـ أيضاً ـ فيه نظر، فقد يعلقها الإنسان على شرط؛ لأنه يريد أن يتمهل، مثل أن يتزوج امرأة بكراً شابة، فغضبت أمُّ أولاده، وتركت البيت، فطلق هذه المرأة، وقال لها: إن لم ترجع أم أولادي في خلال الحيضتين الأوليين، أو قبل أن تحيضي الحيضة الثالثة فأنت مُراجَعة، فهذا غرض صحيح مقصود، فإذا كان هناك غرض صحيح مقصود فإن الأصل في غير العبادات الحل، حتى يقوم دليل على المنع، ولهذا قال بعض أهل العلم: إنها تصح الرجعة معلقة بشرط، وهذا القول أصح.
أولاً: لأن الأصل في العادات الحل، ولهذا قال الناظم: والأصلُ في الأشياء حِلٌّ وامْنَعِ ... عبادةً إلا بإذن الشارعِ 1 فلهذا نقول: الأصل الحل إلا إذا دلّ الدليل على المنع.
ثانياً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» 2، وكنت أتهيب القول بهذا؛ لأن الذين أمامنا دائماً يقولون: هذا قول الجمهور، وبعضهم يقول: إجماع، لكني وجدت خلافاً في هذه المسألة، وما دامت المسألة ليست إجماعاً، فالواجب النظر في الأدلة، وإن قلَّ القائل.

وهذه القاعدة هامة، فإذا كان في المسألة إجماع، فلا قول لأحد مع وجود الإجماع، ولهذا تجد شيخ الإسلام رحمه الله إذا قال قولاً قال: هذا القول هو الحق، إن لم يمنع منه إجماع، أو يقول: إن كان أحد قال بهذا القول فهو الحق، لكن إذا لم يكن إجماع فالمَرَدُّ إلى الكتاب والسنة، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطاً أحل حراماً أو حرم حلالاً» وهذا لا يحرم حلالاً ولا يحل حراماً.
مسألة: لو قال: كلما راجعتك فقد طلقتك، فراجعها فهل يقع الطلاق أو لا؟ على المذهب يصح؛ لأن هذا تعليق للطلاق، وتعليق الطلاق يجوز كما سبق، لكن إذا قال: إذا طلقتك فقد راجعتك، فهذا ما يصح؛ لأن الرجعة لا يصح تعليقها.

فَإِذَا طَهَرَتْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا،

.......... قوله: «فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فله رجعتها» هذه المسألة يجب أن ننتبه لها، مثاله: امرأة طلقت فعدتها ثلاث حيضات، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة ولم تغتسل فلزوجها رجعتها، إذاً ليس الحد أن تطهر من الحيضة الثالثة، بل يستمر إلى أن تغتسل، وانظر حب الشارع للإصلاح والوفاق والوئام أدى إلى هذا، فلعله إذا طهرت من الحيضة وصارت صالحة للجماع يرغب فيها زوجها فيراجعها.
وهذه المسألة فيها قولان لأهل العلم، وهي من المسائل الكبيرة التي تكاد الأدلة فيها أن تكون متكافئة، فيرى بعض أهل العلم: أنه لا رجعة لها إذا طهرت من الحيضة الثالثة، لقول الله عزّ وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾

[البقرة: 228] ومتى يكون الحق بالرجعة؟ قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة: 228] أي: في القروء الثلاثة، فهذا وجه الدلالة من النص.
ووجه الدلالة من القياس قالوا: لأن جميع الأحكام تنقطع بالطهر من الحيضة الثالثة، فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فإنها تحتجب عنه، ولا تجب لها النفقة، ولا ترثه لو مات، ولا يرثها لو ماتت، فكل الأحكام المترتبة على انقطاع العدة تثبت بالطهر من الحيضة الثالثة، اغتسلت أو لم تغتسل، فيقال: ما الذي أخرج هذه المسألة عن بقية الأحكام؟ فإذا طهرت من الحيضة الثالثة فلا رجعة له عليها.
وقال بعض أهل العلم وهو المذهب: إن له رجعتها، ما لم تغتسل، قال في الروض 1: «روي عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم» 2، إذاً هناك آثار عن الصحابة أن له أن يراجعها ما دامت لم تغتسل، وهذه الآثار مبنية على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: 2]، فَخَيَّر الله الزوج بين الإمساك والمفارقة بعد بلوغ الأجل، وبلوغ الأجل يكون إذا طهرت من الحيضة الثالثة، كما قال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: 235]

فلما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فمعنى ذلك أن له أن يراجعها بعد بلوغ الأجل، لكن يبقى النظر ما الذي حدده بالغسل؛ لأننا لو أخذنا بظاهر الآية لقلنا: إذا بلغت الأجل فلك الخيار بين الإمساك والمفارقة إلى ما لا نهاية؛ لأن الآية ما حددت بالغسل ولا بشيء آخر؟ نقول: يحدد بالغسل؛ لأنها قبل أن تغتسل ما زال عليها آثار الحيض، والدليل على أنه ما زال عليها آثار الحيض أنها لا يمكن أن تصلي حتى تغتسل، ولا يطؤها زوجها حتى تغتسل، لقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222]، وعلى هذا فيكون تحديده بالاغتسال ظاهراً.
ويبقى النظر ما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؟ نقول: هذه الآية تدل على أن له الحق في المراجعة، ما دامت لم تكمل ثلاث حيض، والآية الثانية التي في سورة الطلاق ـ وسورة الطلاق بعد سورة البقرة وتسمى سورة النساء الصغرى ـ تدل على أن له أن يراجع بعد انقطاع الحيض، فيكون فيها زيادة، والزيادة يجب الأخذ بها.
فالآثار المروية عن عمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم يعضدها ظاهر آية الطلاق، فهذا دليل أثري.
والدليل النظري: أن هذا من توسعة الله ـ سبحانه وتعالى ـ على العباد ومحبته للوئام والوفاق.
ولكن إذا قيل: ما حد الاغتسال؟ فقد تود هذه المرأة أن

ترجع لزوجها فلا تغتسل، وتقول: ربما يراجع، وإذا قيل لها: حرام عليك ترك الاغتسال، قالت: سأتوب إلى الله! فالظاهر أنه إذا أخَّرت فرضاً من فروض الصلاة ولم تغتسل فإنها تنقضي العدة وليس له رجعة؛ لأن المروي عن الصحابة رضي الله عنهم مبني على الأغلب، والأغلب أن المرأة تغتسل إذا جاء وقت الصلاة، والله أعلم.

وَإِنْ فَرَغَتْ عِدَّتُهَا قَبْلَ رَجْعَتِهَا بَانَتْ وحَرُمَتْ قَبْلَ عَقْدٍ جَدِيدٍ، وَمَنْ طَلَّقَ دُونَ مَا يَمْلِكُ ثُمَّ رَاجَعَ، أَوْ تَزَوَّجَ، لَمْ يَمْلِكْ أَكْثَرَ مِمَّا بَقِيَ، وَطِئَهَا زَوْجٌ غَيْرُهُ، أَوْ لاَ.

قوله: «وإن فرغت عدتها قبل رجعتها بانت» يعني إذا فرغت العدة واغتسلت قبل رجعتها فإنها تبين، لكنها بينونة صغرى.
قوله: «وحرمت» لأنها صارت أجنبية.
قوله: «قبل عقد جديد» هذا إن لم تكن الطلقة الأخيرة؛ فإن كانت الأخيرة فلا تحل له إلا بعد زوج.
قوله: «ومن طلَّق دون ما يملك ثم راجع أو تزوج لم يملك أكثر مما بقي، وطئها زوج غيره أو لا» يملك الحر ثلاثاً والعبد اثنتين، فإذا طلق واحدة ثم راجعها، أو تمَّت عدتها ثم تزوجها، أو تمَّت عدتها وتزوجها شخص آخر ثم طلقها، ثم عادت للأول فإنه لا يملك أكثر مما بقي، ففي المثال الذي ذكرنا يملك اثنتين.
فإن طلقها مرتين ثم راجعها، أو انقضت عدتها ثم تزوجها، أو انقضت عدتها وتزوجها زوج آخر ثم فارقها، ثم تزوجها الأول

يبقى له واحدة، ولهذا قال: «لم يملك أكثر مما بقي» سواء وطئها زوج غيره أم لا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]، فقوله: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا﴾، يشمل ما إذا تزوجت بعده أو لم تتزوج، يعني إن طلقها بعد المرتين لم تحل له إلا بعد زوج؛ وظاهر الآية الكريمة سواء تزوجت بين هاتين الطلقتين وبين الثالثة أم لم تتزوج، ولأن زواج الثاني لم يؤثر شيئاً فلم يَنقُض الطلاق السابق، فهي حلال له، سواء تزوجت أم لم تتزوج، ولهذا ما يملك إلا ما بقي، فلهذه المسألة ثلاث صور: الأولى: طلقها ثم راجعها فلا يملك إلا ما بقي.
الثانية: طلقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجها بعقد جديد فلا يملك إلا ما بقي.
الثالثة: طلقها ثم انقضت عدتها، ثم تزوجت بآخر ثم فارقها الثاني، ثم تزوجها الأول فلا يملك إلا ما بقي.
ومفهوم قوله: «دون ما يملك» أنه لو طلق ما يملكه وهي الثلاث في الحر والثنتان في العبد، فإنها لا تحل له إلا بعد زوج، فإذا تزوجها بعد الزوج فإنه يستأنف الطلاق من جديد ويكون له ثلاث طلقات، كأنه ما تزوجها إلا الآن؛ وذلك لأن نكاح الزوج الثاني في هذه المسألة صار له تأثير، وهو أنه أحلها للأول، ولولا هذا النكاح ما حلت للأول، فلما كان له التأثير وقد استكمل الزوج الأول ما يملك، فإنها تعود إليه على طلاق جديد، ولا يقال: إنه إذا عادت إليه فله أن يطلقها مرة واحدة

فقط ثم تبين؛ لأننا نقول: إن الزوج الثاني هدم ما كان للأول؛ ولذلك أباحها له، مع أنها كانت لا تحل له.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أنها في المسألة الأولى إذا تزوجت فإن الزوج الثاني يهدم الطلاق، حتى فيما إذا كان أقل من ثلاث، ولكن الصواب ما ذهب إليه المؤلف؛ لأن نكاح الزوج الثاني إذا كان الزوج الأول لم يطلق ثلاثاً لا أثر له؛ لأنها تحل لزوجها الأول سواء تزوجت أم لم تتزوج.

فَصْلٌ

وَإِنِ ادَّعَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا فِي زَمَنٍ يُمْكِنُ انْقِضَاؤُهَا فِيهِ، أَوْ بِوَضْعِ الحَمْلِ المُمْكِنِ، وَأَنْكَرَهُ فَقَوْلُهَا، وَإِنِ ادَّعَتْهُ الحُرَّةُ بِالْحَيْضِ فِي أَقلَّ مِنْ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْماً وَلَحْظَةٍ لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهَا، وَإِنْ بَدَأَتْهُ فَقَالَتْ: انْقَضَتْ عِدَّتِي، فَقَالَ: كُنْتُ رَاجَعْتُكِ، أَوْ بَدَأَهَا بِهِ فَأَنْكَرَتْهُ فَقَوْلُهَا.

قوله: «وإن ادعت انقضاء عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه» أي: إن ادعت المطلقة أنها انقضت عدتها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، وهو على المذهب تسعة وعشرون يوماً ولحظةٌ، وهذا أقل زمن يمكن انقضاؤها فيه؛ لأن أقل الحيض يوم وليلة، وأقل الطهر بين حيضتين ثلاثة عشر يوماً فإذا جمعنا ثلاثة عشر يوماً مع ثلاثة عشر يوماً يكون الجميع ستة وعشرين يوماً، ويبقى ثلاثة أيام، يوم وليلة للحيضة الأولى، ويوم وليلة للحيضة الثانية، ويوم وليلة للحيضة الثالثة، لكن إن قالت: إنها انقضت عدتها في ثمانية وعشرين يوماً فإن دعواها لا تسمع؛ لأن هذا لا يمكن، هذا هو المذهب.
أما على القول الراجح فقد سبق أنه لا حَدَّ لأقل الحيض ولا لأقل الطهر، ولكن لا شك أن كون امرأة تحيض ثلاثة أيام ثلاث مرات في شهر، هذا بعيد جداً، ولهذا حتى لو ادعت أنها انقضت في شهر فلا بد من بينة.
قوله: «أو بوضع الحمل الممكن» الحمل الممكن الذي تنقضي به العدة هو الذي تبين فيه خلق الإنسان، ولا يمكن أن يتبين خلق الإنسان في أقل من واحد وثمانين يوماً لحديث ابن مسعود رضي الله عنه: «يجمع أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك» 1،

وابتداء المضغة يكون في اليوم الواحد والثمانين أما قبل ذلك فلا، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] يعني قد يبتدئ التخليق من أول ما يكون مضغة، وقد يتأخر بعض الشيء، ولهذا فأقل زمن يمكن أن يخلق فيه واحد وثمانون يوماً، ولا يمكن أن يخلَّق قبل ذلك، ولكن الغالب أنه إذا تم له ثلاثة أشهر ـ يعني تسعين يوماً ـ فإنه يُخلَّق، فإذا وضعت من لم يُخَلَّق فإن العدة لا تنقضي بذلك؛ لأن من لم يخلَّق لم يتيقن كونه ولداً، فقد يفسد وينزل، لكن إذا خُلِّق عُلم أنه ولد، ولأن النفاس لا يثبت إلا بأن تضع ما فيه خلق إنسان، فإذا ادعت انقضاء عدتها في ذلك فإنها تقبل، ولهذا يقول المؤلف: «وأنكره فقولها» أي: أنكره الزوج، وقال: ما انقضت العدة، وهي تقول: انقضت، يقول المؤلف: إن القول قولها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، فهذه الآية تشير إلى أن القول قولها؛ لأن الله قال: ﴿يَكْتُمْنَ﴾ فلو قالت: لا يوجد حمل والعدة انقضت فالقول قولها؛ لأنه لولا أن القول قولها لم يكن لكتمانها أثر.
فإذا قال قائل: أليست هي المدعية؛ والأصل بقاء العدة؟ قلنا: بلى، ولكن يقال: إن الزوج هو الذي كان السبب في الفراق، فعاد وبال فعله عليه، وقلنا: إن القول قولها.
قوله: «وإن ادعته الحرة بالحيض» «ادعته» الضمير يعود على انقضاء العدة.

وقوله: «الحرة» لأن الحرة عدتها ثلاثة قروء، والأمة قَرْءَان، يعني إن ادعت أنه انقضى بالحيض.
قوله: «في أقلَّ من تسعة وعشرين يوماً ولحظة لم تسمع دعواها» لأنه ما يمكن أن يكون في أقل من تسعة وعشرين يوماً ولحظة.
وقوله: «لم تسمع» يعني أن القاضي يرفضها رفضاً ولا ينتظر، أو يقول: هاتي بينة أو ما أشبه ذلك، لكن هل تقبل دعواها؟ نقول: كل دعوى لا تسمع فإنها لا تقبل، وليس كل دعوى لا تقبل لا تسمع، فقد تسمع الدعوى ولا تقبل، فإذا ادعت انقضاء العدة في ثلاثين يوماً تسمع لكن لا تقبل؛ لأنها لا تحيض في هذه المدة القصيرة ثلاث مرات إلا نادراً، فإذا ادعت ذلك فدعواها خلاف الظاهر فلا تقبل إلا ببينة، ولهذا ذكر أنه رفع لشريح ـ القاضي المشهور ـ امرأة ادعت أنها انقضت عدتها في ثلاثين يوماً، فقال: إن جاءت ببينة من بطانة أهلها ممن يرجى دينه وخلقه أو أمانته فإنها تقبل وإلا فلا، فقال علي رضي الله عنه: قالون 1؛ يعني جيد بالرومية، فأخذ الفقهاء بذلك، وقالوا: إن ادعته في زمن يندر انقضاؤها فيه فإنه لا بد أن تأتي ببينة، وإلا فلا تقبل، فصار لها ثلاث حالات:

الأولى: أن تدعي انقضاء العدة في زمن لا يمكن انقضاؤها فيه، فهذه لا تسمع دعواها أصلاً، ولا يلتفت إليها القاضي.
الثانية: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن، لكنه بعيد ونادر، فهذه تسمع ولكن لا تقبل إلا ببينة.
الثالثة: أن تدعي انقضاءها في زمن يمكن انقضاؤها فيه، ولا يندر أن تنقضي فيه، يعني أمثالها كثير، مثل لو ادعت انقضاءها في مدة شهرين فإن هذا أمر يقع كثيراً، فهذه تقبل بلا بينة؛ وذلك لأن هذا أمر يمكن وكثير، فليس هناك ما يمنع قولها.
فإن كان الأمر بالعكس، كأن ادعى هو انقضاء العدة، وقالت: إنها لم تنقضِ، فالقول قولها هي؛ لأن الأصل بقاؤها، ولأن الله ـ تعالى ـ جعل الأمر راجعاً إليها في قوله: ﴿وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: 228]، وهذا هو الأصل.
قوله: «وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها» هاتان مسألتان: الأولى: إذا بدأت وقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، فالقول قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة، فإن أتى ببينة تشهد بأنه راجع قبل انقضاء عدتها فالزوجة زوجته، وإن لم يأتِ فلا؛ لأن القول قولها، وهذا هو الأصل.
الثانية: إن بدأها به يعني قال: راجعتك، فقالت: قد انقضت عدتي، فقال: قد راجعتك قبل انقضاء العدة، فالقول

قولها؛ لأن الأصل عدم المراجعة، فالصورتان معناهما واحد، ولكن المسألة الثانية خلاف المذهب، فالمذهب: أن القول قوله؛ لأنه لما قال: كنت راجعتك، فقالت: انقضت عدتي فهي المدعية، فهي التي ادعت أن رجعته غير صحيحة، فعليها البينة، فإن لم تأتِ ببينة فإنه يكون زوجاً لها، والقول قوله.
وهذا الذي ذكروه ـ رحمهم الله ـ لا شك أنه من حيث الصورة ظاهر الفرق بينه وبين الصورة الأولى، لكن من حيث المعنى لا يظهر الفرق بينهما، ولهذا فالصواب ما مشى عليه الماتن من أن القول قول المرأة في كلتا الصورتين؛ فأيُّ فرق بين أن تأتي إليه وتقول: انقضت عدتي، ويقول: راجعتك، وبين أن يأتي إليها ويقول: راجعتك، فتقول: قد انقضت عدتي قبل أن تراجعني، فالحقيقة أنه لا فرق بينهما؛ لأن الأصل عدم المراجعة.

فَصْلٌ

إِذَا اسْتَوْفَى مَا يَمْلِكُ مِنَ الطَّلاَقِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ في قُبُلٍ وَلَو مُراهِقاً،

.................................................. قوله: «إذا استوفى ما يملك من الطلاق» أي: إذا استوفى المطلق ما يملك من الطلاق، الحر يملك ثلاثاً والعبد يملك اثنتين.
قوله: «حرمت عليه» والدليل قوله تعالى: ﴿اَلطَّلاَقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: 229]، ثم قال: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230]. قوله: «حتى يطأها زوج» نستفيد من قوله: «زوج» أنه لا بد أن يكون النكاح صحيحاً، أي: لا تثبت الزوجية إلا بنكاح صحيح، والنكاح الصحيح هو الذي اجتمعت شروطه وانتفت موانعه، وعلى هذا فلو تزوجها الزوج الثاني بنية التحليل للأول، أو بشرط التحليل للأول فالنكاح غير صحيح، ولا يعتبر في حلِّها للأول.
وقوله: «حتى يطأها» إذا قال قائل: القرآن ليس فيه «حتى يطأها» بل فيه ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فعلق الله الحكم بالنكاح، والنكاح يحصل بالعقد.
قلنا: ذهب إلى هذا بعض أهل العلم، وقال: إنها تحل للزوج الأول بمجرد العقد لظاهر الآية الكريمة: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ والنكاح يكون بالعقد لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: 49] فأثبت نكاحاً بدون مس، فعلى هذا تحل بمجرد العقد، ولكن هذا

القول مردود بالسنة الصحيحة الصريحة، فإن امرأة رفاعة القرظي ـ رضي الله عنهما ـ طلقها زوجها ثلاث تطليقات، فتزوجت بعده رجلاً يقال له: عبد الرحمن بن الزَّبِير، ولكنه ـ رضي الله عنه ـ كان قليل الشهوة، فجاءت تشتكي إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وقالت: إنها تزوجت عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة الثوب، يعني ما عنده قوة، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أتريدين أن ترجعي لرفاعة؟! لا، حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته» 1، وهذا نص صريح في أنه لا بد من الجماع، وعلى هذا تكون السنة قد أضافت إلى الآية شرطاً آخر، وهذا كما أضافت السنة إلى قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11] أنه لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر 2، والسنة تفسر القرآن وتبينه، وتقيد مطلقه، وتخصص عامه، وتنسخه ـ أيضاً ـ على القول الراجح، وإن كان لا يوجد له مثال، لكنه ممكن.
فإذاً نقول: الآية الكريمة يراد بها العقد على القول الراجح، لكن السنة أضافت إلى هذا شرطاً آخر وهو الوطء، وعلى هذا فلابد من الوطء، ولهذا قال المؤلف: «حتى يطأها زوج»

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
أَوْ حَلَفَ مَا زَيْدٌ هَا هُنَا؛ وَنَوى غَيْرَ مَكَانِهِ، أَوْ حَلَفَ عَلَى امْرَأَتِهِ لاَ سَرَقْتِ مِنِّي شَيْئاً فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَةٍ، وَلَمْ يَنْوِهَا لَمْ يَحْنَثْ فِي الْكُلِّ.بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلاَقِمَنْ شَكَّ فِي طَلاَقٍ، أَوْ شَرْطِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ،وَإِنْ شَكَّ فِي عَدَدِهِ فَطَلْقَةٌ، وَتُبَاحُ لَهُ، فَإِذَا قَالَ لامْرَأَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ طَلَقَتْ المَنْوِيَّةُ وَإِلاَّ مَنْ قَرَعَتْ،بابُ الرَّجْعَةِمَنْ طَلَّقَ بِلاَ عِوَضٍ زَوْجَةً مَدْخُولاً بِهَا أَوْ مَخْلُوّاً بِهَا دُونَ مَا لَهُ مِنَ الْعَدَدِ فَلَهُ رَجْعَتُهَا فِي عِدَّتِهَاوَلَوْ كَرِهَتْ، بِلَفْظِ: رَاجَعْتُ امْرَأَتِي وَنَحْوِهِ لاَ نَكَحْتُهَا ونَحْوِهِ،وَيُسَنُّ الإِشْهَادُ، وَهِيَ زَوْجَةٌ، لَهَا وَعَلَيْهَا حُكْمُ الزَّوْجَاتِ، لَكِنْ لاَ قَسْمَ لَهَا،وَتَحْصُلُ الرَّجْعَةُ أَيْضاً بِوَطْئِهَا، وَلاَ تَصِحُّ مُعَلَّقَةً بِشَرْطٍ،فَإِذَا طَهَرَتْ مِنَ الحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ، وَلَمْ تَغْتَسِلْ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا،فَصْلٌفَصْلٌإِذَا اسْتَوْفَى مَا يَمْلِكُ مِنَ الطَّلاَقِ حَرُمَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَهَا زَوْجٌ في قُبُلٍ وَلَو مُراهِقاً،
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل