كتاب الصيام
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وعجز عن الصوم صار حكمه كحكم الكبير الذي لا يستطيع الصوم، فيلزمه فدية عن كل يوم.
وهنا نحتاج إلى أمرين:
الأول: أن وجه سقوط الصوم عنه عدم القدرة الدائم، وليس كالمريض الذي قال الله فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] لأن هذا يرجى برؤه، والآخر لا يرجى برؤه فسقط وجوب الصوم عنه للعجز عنه.
الثاني: إن قيل: ما الدليل على وجوب الفدية، مع أنه اتقى الله ما استطاع في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]؟ فالجواب: ما ثبت عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أنه قال في الشيخ والشيخة إذا لم يطيقا الصوم: «يطعمان لكل يوم مسكيناً» وقد استدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ 1 [البقرة: 184]، والقول هنا صادر من صحابي، ومعروف خلاف العلماء في قول الصحابي، هل هو حجة أو ليس بحجة؟ لكنه هنا قول صحابي في تفسير آية، وإذا كان في تفسير آية، فقد ذهب بعض العلماء إلى أن تفسير الصحابي له حكم الرفع، وإن كان هذا القول ضعيفاً، ولكن لا شك أنه إذا قال الصحابي قولاً واستدل بآية، فإن استدلاله أصح من استدلال غيره.
فما وجه الاستدلال بالآية؟
فالجواب: أن استدلال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ بهذه الآية استدلال عميق جداً، ووجهه أن الله قال: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 184] فجعل الفدية معادلة للصوم، وهذا في أول الأمر لما كان الناس مخيرين بين الصوم والفدية، فلما تعذر أحد البديلين ثبت الآخر، أي: لما تعذر الصوم ثبتت الفدية، وإلا فمن أخذ بظاهر الآية قال: إن الآية لا تدل على هذا، فالآية تدل على أن الذي يطيق الصيام، إما أن يفدي أو يصوم، والصوم خير ثم نسخ هذا الحكم.
والجواب: أن الله تعالى لما جعل الفدية عديلاً للصوم في مقام التخيير دل ذلك على أنها تكون بدلاً عنه في حال تعذر الصوم، وهذا واضح، وعلى هذا فمن أفطر لكبر، أو مرض لا يرجى برؤه، فإنه يطعم عن كل يوم مسكيناً.
ولكن ما الذي يُطْعَم، وما مقداره؟
الجواب: كل ما يسمى طعاماً من تمر أو بر أو رز أو غيره.
وأَمَّا مقداره فلم يقدر هنا ما يعطى فيرجع فيه إلى العرف، وما يحصل به الإطعام، وكان أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ عندما كبر يجمع ثلاثين فقيراً ويطعمهم خبزاً وأدماً 1 وعلى هذا فإذا غدّى المساكين أو عشاهم كفاه ذلك عن الفدية.
وقال بعض العلماء: لا يصح الإطعام؛ بل لا بد من التمليك 1، وعليه فاختلفوا فقال بعضهم: إن الواجب مُدٌ من البر أو نصف صاع من غيره.
وقيل: بل الواجب نصف صاع من أي طعام كان.
فالذين قالوا بالأول قالوا: إن مُد البر يساوي نصف صاع من الشعير؛ لأنه أطيب وأغلى في نفوس الناس.
والذين قالوا إنه نصف صاع على كل حال، قالوا: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لكعب بن عجرة في فدية الأذى: «أو أطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع» 2، قالوا: وهذا نص في تقدير النبي صلّى الله عليه وسلّم فيقاس عليه في كل فدية، ويكون نصف صاع.
فإن قيل: ما المراد بنصف الصاع، هل يرجع فيه إلى العرف، أو يرجع فيه إلى الصاع النبوي؟
فالجواب: لم أعلم أن أحداً من العلماء قال: إنه يرجع في الصاع إلى العرف، حتى شيخ الإسلام لم يرجع في الأصواع إلى العرف، وإنما رجع فيها إلى صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وعلى هذا فنقول: المراد نصف صاع من صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم.
وقد حرر علماؤنا الصاع القصيمي، فوجدوه يزيد على الصاع النبوي ربعاً، أي الصاع النبوي أربعة أخماس الصاع القصيمي، فصاعنا الموجود خمسة أمداد نبوية، وصاع النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة أمداد.
أما عدد المساكين فعلى عدد الأيام، فلا يجزئ أن يعطي المسكين الواحد من الطعام أكثر من فدية يوم واحد، ويدل لهذا القراءة المشهورة السبعية الثانية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بالجمع فإنها تدل على أنه لا بد أن يكون عن كل يوم مسكين.
والخلاصة أن من عجز عن الصوم عجزاً لا يرجى زواله وجب عليه الإطعام، عن كل يوم مسكيناً، سواء أطعمهم أو ملكهم على القول الراجح.
مسألة: إذا أعسر المريض الذي لا يرجى برؤه أو الكبير، فإنها تسقط عنهما الكفارة؛ لأنه لا واجب مع العجز، والإطعام هنا ليس له بدل.
ويُسَنُّ لِمَرِيضٍ يَضُرُّهُ، ........
قوله: «
ويسن لمريض يضره
» الضمير في قوله «يسن» يعود على الفطر، فإذا كان الإنسان مريضاً يضره الصوم فالإفطار في حقه سنة، وذلك على ما قاله المؤلف ـ رحمه الله ـ وإن لم يفطر فقد عدل عن رخصة الله ـ سبحانه وتعالى ـ والعدول عن رخصة الله خطأ، فالذي ينبغي للإنسان أن يقبل رخصة الله.
والصحيح أنه إذا كان الصوم يضره فإن الصوم حرام، والفطر واجب؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] والنهي هنا يشمل إزهاق الروح، ويشمل ما فيه الضرر.
والدليل على أنه يشمل ما فيه الضرر، حديث عمرو بن العاص ـ رضي الله عنه ـ «عندما صلى بأصحابه وعليه جنابة، ولكنه خاف البرد فتيمم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «صليت بأصحابك وأنت جنب؟ قال: يا رسول الله ذكرت قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وإني خفت البرد، فأقره النبي صلّى الله عليه وسلّم على ذلك» 1.
والمريض له أحوال:
الأول: ألا يتأثر بالصوم، مثل الزكام اليسير، أو الصداع اليسير، أو وجع الضرس، وما أشبه ذلك، فهذا لا يحل له أن يفطر، وإن كان بعض العلماء يقول: يحل له لعموم الآية ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ [البقرة: 185] ولكننا نقول: إن هذا الحكم معلل بعلة، وهي أن يكون الفطر أرفق به فحينئذ نقول له الفطر، أما إذا كان لا يتأثر فإنه لا يجوز له الفطر ويجب عليه الصوم.
الحال الثانية: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم، ويسن له أن يفطر.
الحال الثالثة: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره، كرجل مصاب بمرض الكلى أو مرض السكر، وما أشبه ذلك، فالصوم عليه حرام.
ولكن لو صام في هذه الحال هل يجزئه الصوم؟
قال أبو محمد ابن حزم رحمه الله: لا يجزئه الصوم؛ لأن الله ـ تعالى ـ جعل للمريض عدة من أيام أخر، فلو صام في مرضه فهو كالقادر الذي صام في شعبان عن رمضان، فلا يجزئه ويجب عليه القضاء.
وقول أبي محمد هذا مبني على القاعدة المشهورة، أن ما نهي عنه لذاته فإنه لا يقع مجزئاً، فإذا قلنا بالتحريم فإنَّ مقتضى القواعد أنه إذا صام لا يجزئه؛ لأنه صام ما نهي عنه كالصوم في أيام التشريق، وأيام العيدين لا يحل، ولا يصح، وبهذا نعرف خطأ بعض المجتهدين من المرضى الذين يشق عليهم الصوم وربما يضرهم، ولكنهم يأبون أن يفطروا فنقول: إن هؤلاء قد أخطأوا حيث لم يقبلوا كرم الله ـ عزّ وجل ـ، ولم يقبلوا رخصته، وأضروا بأنفسهم، والله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29].
ولمُسافرٍ يَقْصُر .........
قوله: «
ولمسافر يقصر
» أي: يسن الفطر لمسافر يحل له القصر، وهو الذي يكون سفره بالغاً لمسافة القصر، فأما المسافر سفراً قصيراً فإنه لا يفطر، وسفر القصر على المذهب ورأي جمهور العلماء يقدر بمسافة مسيرة يومين قاصدين للإبل، وهي مسافة ستة عشر فرسخاً، ومقدارها بالكيلو، واحد وثمانون كيلو وثلاثمائة وسبعة عشر متراً بالتقريب لا بالتحديد، فعلى هذا نقول: إذا نوى الإنسان سفر هذه المسافة فإنه يحل له القصر، وحينئذ يسن له أن يفطر.
فإذا قال قائل: لو صام المسافر فما الحكم؟
فالجواب: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ هل الفطر أفضل، أو أن الصوم مكروه، أو أن الصوم حرام، فعلى رأي أبي محمد الصوم حرام 1 ولو صام لم يجزئه، ولكن هذا قول بعيد من الصواب؛ لأن هذا من باب الرخصة.
والدليل على هذا: أن أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم «يصومون ويفطرون مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في السفر، ولم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم» 1، والنبي صلّى الله عليه وسلّم نفسه كان يصوم.
فالصواب أن المسافر له ثلاث حالات:
الأولى: ألا يكون لصومه مزية على فطره، ولا لفطره مزية على صومه، ففي هذه الحال يكون الصوم أفضل له للأدلة الآتية:
أولاً: أن هذا فعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال أبو الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: «كنا مع النبي صلّى الله عليه وسلّم في رمضان في يوم شديد الحر حتى إن أحدنا ليضع يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وعبد الله بن رواحة» 2 والصوم لا يشق على الرسول صلّى الله عليه وسلّم هنا؛ لأنه لا يفعل إلا الأرفق والأفضل.
ثانياً: أنه أسرع في إبراء الذمة؛ لأن القضاء يتأخر.
ثالثاً: أنه أسهل على المكلف غالباً؛ لأن الصوم والفطر مع الناس أسهل من أن يستأنف الصوم بعد، كما هو مجرب ومعروف.
رابعاً: أنه يدرك الزمن الفاضل، وهو رمضان، فإنَّ رمضان أفضل من غيره؛ لأنه محل الوجوب، فلهذه الأدلة يترجح ما ذهب إليه الشافعي ـ رحمه الله ـ أن الصوم أفضل في حق من يكون الصوم والفطر عنده سواء.
الحال الثانية: أن يكون الفطر أرفق به، فهنا نقول: إن
الفطر أفضل، وإذا شق عليه بعض الشيء صار الصوم في حقه مكروهاً؛ لأن ارتكاب المشقة مع وجود الرخصة يشعر بالعدول عن رخصة الله عزّ وجل.
الحال الثالثة: أن يشق عليه مشقة شديدة غير محتملة فهنا يكون الصوم في حقه حراماً.
والدليل على ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لما شكى إليه الناس أنه قد شق عليهم الصيام، وأنهم ينتظرون ما سيفعل الرسول صلّى الله عليه وسلّم دعا بإناء فيه ماء بعد العصر، وهو على بعيره فأخذه وشربه، والناس ينظرون إليه، ثم قيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: «أولئك العصاة، أولئك العصاة» 1 فوصفهم بالعصيان.
فهذا ما يظهر لنا من الأدلة في صوم المسافر.
ويتفرع على هذا مسألة، وهي لو سافر من لا يستطيع الصوم لكبر أو مرض لا يرجى زواله فماذا يصنع؟
الجواب: قال بعض العلماء: إنه لا صوم ولا فدية عليه؛ لأنه مسافر، والفدية بدل عن الصوم، والصوم يسقط في السفر، ولا صوم عليه؛ لأنه عاجز 2.
لكن هذا التعليل عليل؛ لأن هذا الذي على هذه الحال، لم يكن الصوم واجباً في حقه أصلاً، وإنما الواجب عليه الفدية،
والفدية لا فرق فيها بين السفر والحضر، وعلى هذا فإذا سافر من لا يرجى زوال عجزه فإنه كالمقيم يلزمه الفدية، فيطعم عن كل يوم مسكيناً، وهذا هو القول الصحيح، والقول بأنه يسقط عنه الصوم والإطعام قول ضعيف جداً لما تقدم.
وَإِنْ نَوَى حَاضِرٌ صِيَامَ يَوْمٍ، ثُمَّ سَافَرَ فِي أَثْنَائِهِ فَلَهُ الفِطْرُ ..........
قوله: «
وإن نوى حاضر صيام يوم، ثم سافر في أثنائه فله الفطر
» الحاضر يجب عليه أن يصوم، فإذا سافر في أثناء اليوم، فهل له أن يفطر أو لا يفطر؟ في هذه المسألة قولان لأهل العلم:
القول الأول: أن له أن يفطر، ولكن بشرط كما سنذكره.
القول الثاني: أنه ليس له أن يفطر.
والقول الأول: هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله 1.
واستدلوا على ذلك: بعموم قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184] يعني فأفطر فعدة من أيام أخر، وهذا الآن سافر، وصار على سفر فيصدق عليه أنه ممن رخص له بالفطر فيفطر.
واستدلوا أيضاً بما ثبت في السنة من إفطار النبي صلّى الله عليه وسلّم في أثناء النهار 2.
وأهل القول الثاني: عللوا بأن الإنسان شرع في الصوم الواجب فلزمه إتمامه، كما لو شرع في القضاء فإنه يلزمه أن يتمه، وإن كان لولا شروعه لم يلزمه أن يصوم، يعني لو أن إنساناً عليه
يوم من رمضان، فقال: أصومه غداً أو بعد غد، نقول أنت بالخيار غداً أو بعد غد.
لكن إذا صامه غداً فليس له أن يفطر في أثنائه ليصوم بعد غد؛ لأن من شرع في واجب حرم على قطعه إلا لعذر شرعي.
والصحيح القول الأول أن له أن يفطر إذا سافر في أثناء اليوم لما سبق، وأما قياسه على من شرع في صوم يوم القضاء فقياس فاسد لوجهين، الأول أنه في مقابلة النص، والثاني أن من شرع في صوم القضاء شرع في واجب فلزمه، وأما صوم المسافر فغير واجب فلا يلزمه إتمامه.
ولكن هل يشترط أن يفارق قريته، إذا عزم على السفر وارتحل فهل له أن يفطر؟
الجواب: في هذا أيضاً قولان عن السلف.
ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الفطر إذا تأهب للسفر ولم يبق عليه إلا أن يركب، وذكروا ذلك عن أنس ـ رضي الله عنه ـ أنه كان يفعله 1، وإذا تأملت الآية وجدت أنه لا يصح هذا؛ لأنه إلى الآن لم يكن على سفر فهو الآن مقيم وحاضر، وعليه فلا يجوز له أن يفطر إلا إذا غادر بيوت القرية.
أما المزارع المنفصلة عن القرية فليست منها، فإذا كانت هذه البيوت والمساكن الآن، وانفصلت عنها المزارع فإنه يجوز الفطر، فالمهم أن يخرج عن البلد أما قبل الخروج فلا؛ لأنه لم يتحقق السفر.
فالصحيح أنه لا يفطر حتى يفارق القرية، ولذلك لا يجوز أن يقصر الصلاة حتى يخرج من البلد، فكذلك لا يجوز أن يفطر حتى يخرج من البلد.
وإذا جاز أن يفطر خلال اليوم، فهل له أن يفطر بالأكل والشرب أو بأي مفطر شاء؟
الجواب: له أن يفطر بالأكل والشرب وجماع أهله، وغير ذلك من المفطرات.
وَإِنْ أَفْطَرَتْ حَامِلٌ، أَوْ مُرْضَعٌ خَوْفاً عَلَى أَنْفُسِهِمَا قَضَتَاه فَقَطْ، وَعَلَى وَلَدَيْهِمَا قَضَتَاه وَأَطْعَمَتَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِيناً.
قوله: «وإن أفطرت حامل، أو مرضع خوفاً على أنفسهما قضتاه فقط، وعلى ولديهما قضتاه، وأطعمتا لكل يوم مسكيناً» أفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه يجوز للحامل والمرضع أن تفطرا، وإن لم تكونا مريضتين وهذا يشمل أول الحمل وآخر الحمل، وأول الإرضاع وآخر الإرضاع؛ وذلك لأن الحامل يشق عليها الصوم من أجل الحمل، لا سيما في الأشهر الأخيرة، ولأن صيامها ربما يؤثر على نمو الحمل إذا لم يكن في جسمها غذاء، فربما يضمر الحمل ويضعف.
وكذلك في المرضع إذا صامت يقل لبنها فيتضرر بذلك الطفل، ولهذا كان من رحمة الله ـ عزّ وجل ـ أن رخص لهما في الفطر.
وإفطارهما قد يكون مراعاة لحالهما، وقد يكون مراعاة لحال الولد الحمل أو الطفل، وقد يكون مراعاة لحالهما مع الولد.
وعلى كل حال فيجب عليهما القضاء؛ لأن الله تعالى فرض الصيام على كل مسلم، وقال في المريض والمسافر: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185] مع أنهما مفطران بعذر، فإذا لم يسقط القضاء عمن أفطر لعذر من مرض أو سفر، فعدم سقوطه عمن أفطرت لمجرد الراحة من باب أولى.
وأما الإطعام فله ثلاث حالات:
الحال الأولى: أن تفطرا خوفاً على أنفسهما فتقضيان فقط، يعني أنه لا زيادة على ذلك.
الحال الثانية: أن تفطرا خوفاً على ولديهما فقط، فتقضيان، وتطعمان لكل يوم مسكيناً.
أما القضاء فواضح؛ لأنهما أفطرتا، وأما الإطعام فلأنهما أفطرتا لمصلحة غيرهما، فلزمهما الإطعام، وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: 184] قال: «كانت رخصة للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة وهما يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا»، رواه أبو داود 1.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما 2.
الحال الثالثة: إذا أفطرتا لمصلحتهما، ومصلحة الجنين، أو الطفل فالمؤلف سكت عن هذه الحال، والمذهب أنه يُغلب جانب مصلحة الأم.
وعلى هذا فتقضيان فقط، فيكون الإطعام في حال واحدة وهي: إذا كان الإفطار لمصلحة الغير، الجنين أو الطفل، وهذا أحد الأقوال في المسألة 1.
والقول الثاني: أنه لا يلزمهما القضاء، وإنما يلزمهما الإطعام فقط سواء أفطرتا لمصلحتهما أو مصلحة الولد أو للمصلحتين جميعاً واستدلوا بما يأتي:
1 ـ حديث: «إن الله وضع الصيام عن الحبلى والمرضع» 2.
2 ـ أثر ابن عباس رضي الله عنهما: « ... والمرضع والحبلى إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمتا» 3 ولم يذكر القضاء.
القول الثالث: التخيير بين القضاء والإطعام.
القول الرابع: يلزمها القضاء فقط دون الإطعام 4، وهذا
القول أرجح الأقوال عندي؛ لأن غاية ما يكون أنهما كالمريض، والمسافر، فيلزمهما القضاء فقط، وأما سكوت ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ عن القضاء فلأنه معلوم.
وأما حديث: «إن الله تعالى وضع الصيام عن الحبلى والمرضع» فالمراد بذلك وجوب أدائه، وعليهما القضاء.
وسبب الخلاف أنه ليس هناك نص قاطع صحيح وصريح في وجوب أحد هذه الأمور.
مسألة: إذا قال قائل: أرأيتم لو أفطر شخص لمصلحة الغير في غير مسألة الحبلى والمرضع، مثل أن يفطر لإنقاذ غريق أو لإطفاء حريق، فهل يلزمه القضاء والإطعام؟
الجواب: أما على القول الذي رجحناه من أنه ليس على الحامل والمرضع إلا القضاء، فليس على المنقذ إلا القضاء، وأما على القول بوجوب القضاء والإطعام عليهما في محله ففيه قولان:
القول الأول: يلزمه القضاء والإطعام، قياساً على الحامل والمرضع إذا أفطرتا لمصلحة الولد.
والقول الثاني: لا يلزمه إلا القضاء فقط، واستدل لذلك بأن النص إنما ورد في الحبلى والمرضع دون غيرهما.
وأجيب عن هذا بأنه، وإن ورد النص بذلك، فالقياس في هذه المسألة تام، وهو أنه أفطر لمصلحة الغير.
والإفطار لمصلحة الغير له صور منها:
1 ـ إنقاذ غريق، مثل أن يسقط رجل معصوم في الماء، ولا
يستطيع أن يخرجه إلا بعد أن يشرب، فنقول: اشرب وأنقذه.
2 ـ إطفاء الحريق، كأن يقول: لا أستطيع أن أطفئ الحريق حتى أشرب، فنقول: اشرب وأطفئ الحريق.
وفي هذه الحال إذا أخرج الغريق وأطفأ الحريق، هل له أن يأكل ويشرب بقية اليوم؟
الجواب: نعم له أن يأكل ويشرب بقية اليوم، لأنه أذن له في فطر هذا اليوم، وإذا أذن له في فطر هذا اليوم، صار هذا اليوم في حقه من الأيام التي لا يجب إمساكها، فيبقى مفطراً إلى آخر النهار.
3 ـ وكذلك لو أن شخصاً احتيج إلى دمه، بحيث أصيب رجل آخر بحادث ونزف دمه، وقالوا: إن دم هذا الصائم يصلح له، وإن لم يتدارك هذا المريض قبل الغروب فإنه يموت، فله أن يأذن في استخراج دمه من أجل إنقاذ المريض، وفي هذه الحال يفطر بناءً على القول الراجح، في أن ما ساوى الحجامة فهو مثلها، وسيأتي الخلاف في هذه المسألة، وأن المذهب لا يفطر بإخراج الدم إلا بالحجامة فقط دون الفصد والشرط، والصحيح أن ما كان بمعناها يأخذ حكمها.
تنبيه: قول المؤلف ـ رحمه الله ـ «أطعمتا لكل يوم مسكيناً».
ظاهره أن الإطعام واجب على الحامل والمرضع، وهو ظاهر أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ.
والمذهب أن الإطعام واجب على من تلزمه النفقة، فمثلاً
إذا كان الأب موجوداً فالذي يطعم الأب؛ لأنه هو الذي يلزمه الإنفاق على ولده دون الأم، وعلى هذا فلا نخاطب الأم إلا بالصيام فقط، وأما الإطعام فنخاطب به الأب، ولو أن الأب لم يطعم، فليس على الأم في ذلك إثم، ولهذا يعتبر كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ مخالفاً للمذهب في هذه المسألة.
وَمَنْ نَوَى الصَّوْمَ، ثُمَّ جُنَّ أوْ أغْمِيَ عَلَيْهِ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَلَم يُفِقْ جُزْءاً مِنهُ لَمْ يَصحَّ صَوْمُهُ، لاَ إن نَامَ جَمِيعَ النَّهَارِ، وَيَلْزَمُ المُغْمَى عَلَيهِ القَضَاءُ فَقط
............
قوله: «ومن نوى الصوم، ثم جن أو أغمي عليه جميع النهار، ولم يفق جزءاً منه لم يصح صومه، لا إن نام جميع النهار، ويلزم المغمى عليه القضاء فقط» قوله: «فقط» في عبارته هذه فيه شيء من الخلل؛ لأن قوله: «فقط»، يوهم أن المراد بلا إطعام وليس هذا هو المراد، بل المراد أن المغمى عليه من بين هؤلاء الثلاثة هو الذي يلزمه القضاء، ولهذا لو قال: ويلزم المغمى عليه فقط القضاء لكان أبين.
هذه ثلاثة أشياء متشابهة: الجنون، والإغماء، والنوم، وأحكامها تختلف.
أولاً: الجنون، فإذا جن الإنسان جميع النهار في رمضان من قبل الفجر حتى غربت الشمس فلا يصح صومه؛ لأنه ليس أهلاً للعبادة، ومن شرط الوجوب والصحة العقل، وعلى هذا فصومه غير صحيح، ولا يلزمه القضاء، لأنه ليس أهلاً للوجوب.
ثانياً: المغمى عليه، فإذا أغمي عليه بحادث، أو مرض ـ بعد
أن تسحر ـ جميع النهار، فلا يصح صومه؛ لأنه ليس بعاقل، ولكن يلزمه القضاء؛ لأنه مكلف، وهذا قول جمهور العلماء (1).
وقال صاحب الفائق أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية ويسمى ابن قاضي الجبل، وله اختيارات جيدة جداً، قال: إن المغمى عليه لا يلزمه القضاء كالإنسان الذي أغمي عليه أوقات الصلاة، فإن جمهور العلماء لا يلزمونه بالقضاء، وقال: إنه لا فرق بين الصلاة والصوم.
ولو فرض أن الرجل أغمي عليه قبل أذان الفجر، وأفاق بعد طلوع الشمس لصح صومه، وأما صلاة الفجر فلا تلزمه على القول الراجح؛ لأنه مر عليه الوقت وهو ليس أهلاً للوجوب (2).
الثالث: النائم، فإذا تسحر ونام من قبل أذان الفجر، ولم يستيقظ إلا بعد غروب الشمس، فصومه صحيح، لأنه من أهل التكليف ولم يوجد ما يبطل صومه، ولا قضاء عليه.
والفرق بينه وبين المغمى عليه أن النائم إذا أوقظ يستيقظ بخلاف المغمى عليه.
وَيَجِبُ تَعْيِينُ النِّيَّةِ مِنْ اللَّيْلِ لِصَوْمِ كُلِّ يَوْمٍ وَاجِبٍ، لاَ نِيَّةَ الفَرْضِيَّةِ.
........ قوله: «ويجب تعيين النية» النية، والإرادة، والقصد معناها واحد، فقصد الشيء يعني نيته، وإرادة الشيء يعني نيته، والنية لا يمكن أن تتخلف عن عمل اختياري، يعني أن كل عمل يعمله الإنسان مختاراً فإنه لا بد فيه من النية، ولهذا قال النبي عليه12
الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات» 1 يعني أنه لا عمل بلا نية، حتى قال بعض العلماء: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، يعني لو قال الله لنا توضؤوا بلا نية، أو صلوا بلا نية، أو صوموا بلا نية، أو حجوا بلا نية، لكان هذا من تكليف ما لا يطاق، فمن يطيق أن يفعل فعلاً مختاراً، ولا ينوي؟
وبذلك نعرف أن ما يحصل لبعض الناس من الوسواس؛ حيث يقول: أنا ما نويت! أنه وهم لا حقيقة له، وكيف يصح أنه لم ينو وقد فعل.
وذكروا عن ابن عقيل ـ رحمه الله ـ وهو من المتكلمين والفقهاء، أنه جاءه رجل فقال له: يا شيخ إنني أغتسل في نهر دجلة، ثم أخرج وأرى أنني لم أطهر؟ فقال له ابن عقيل: لا تصل، فقال: كيف؟ قال: نعم، لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «رفع القلم عن ثلاثة ... عن المجنون حتى يفيق» 2 وأنت تذهب إلى دجلة، وتنغمس فيه، وتغتسل من الجنابة، ثم تخرج وترى أنك ما تطهرت هذا الجنون، فارتدع الرجل عن هذا.
فإن قيل: ما هي النية؟
فالجواب النية تختلف، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» وبهذا التقرير يتبين أن الجملتين في الحديث ليس معناهما واحداً.
وقوله: «ويجب تعيين النية» أفادنا بهذه العبارة أن النية
واجبة، وأنه يجب تعيينها أيضاً، فينوي الصيام عن رمضان، أو عن كفارة، أو عن نذر، أو ما أشبه ذلك.
قوله: «من الليل لصوم كل يوم واجب» أي: قبل طلوع الفجر، فيشمل ما كان قبل الفجر بدقيقة واحدة، وإنما وجب ذلك؛ لأن صوم اليوم كاملاً لا يتحقق إلا بهذا، فمن نوى بعد طلوع الفجر لا يقال إنه صام يوماً، فلذلك يجب لصوم كل يوم واجب، أن ينويه قبل طلوع الفجر، وهذا معنى قول المؤلف: «من الليل»، وليس بلازم أن تبيت النية قبل أن تنام، بل الواجب ألا يطلع الفجر إلا وقد نويت، لأجل أن تشمل النية جميع أجزاء النهار، إذ أنه قد فرض عليك أن تصوم يوماً، فإذا كان كذلك، فلا بد أن تنويه قبل الفجر إلى الغروب.
ودليل ذلك حديث عائشة مرفوعاً: «من لم يبيِّت الصيام قبل طلوع الفجر فلا صيام له» 1 والمراد صيام الفرض أما النفل فسيأتي.
وقوله: «لصوم كل يوم واجب» أي: يجب أن ينوي كل يوم بيومه، فمثلاً في رمضان يحتاج إلى ثلاثين نية.
وبناءً على ذلك لو أن رجلاً نام بعد العصر في رمضان، ولم يستيقظ من الغد إلا بعد طلوع الفجر لم يصح صومه ذلك اليوم؛ لأنه لم ينو صومه من ليلته.
وهذا الذي ذكره المؤلف هو المشهور من المذهب.
وعللوا ذلك بأن كل يوم عبادة مستقلة، ولذلك لا يفسد صيام يوم الأحد بفساد صيام الاثنين مثلاً.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن ما يشترط فيه التتابع تكفي النية في أوله، ما لم يقطعه لعذر فيستأنف النية، وعلى هذا فإذا نوى الإنسان أول يوم من رمضان أنه صائم هذا الشهر كله، فإنه يجزئه عن الشهر كله، ما لم يحصل عذر ينقطع به التتابع، كما لو سافر في أثناء رمضان، فإنه إذا عاد للصوم يجب عليه أن يجدد النية.
وهذا هو الأصح؛ لأن المسلمين جميعاً لو سألتهم لقال كل واحد منهم: أنا ناو الصوم من أول الشهر إلى آخره، وعلى هذا فإذا لم تقع النية في كل ليلة حقيقة فهي واقعة حكماً؛ لأن الأصل عدم قطع النية، ولهذا قلنا: إذا انقطع التتابع لسبب يبيحه، ثم عاد إلى الصوم فلا بد من تجديد النية، وهذا القول هو الذي تطمئن إليه النفس ولا يسع الناس العمل إلا عليه.
مسألة: رجل عليه صيام شهرين متتابعين، يلزمه أن ينوي لكل يوم نية جديدة، على ما مشى عليه المؤلف، وعلى القول الذي اخترناه لا يلزمه؛ لأن هذا يلزم فيه التتابع، فإذا أمسك في أوله فهو في النية حكماً إلى أن ينتهي، وعليه فإذا نوى حينما شرع في صوم الشهرين المتتابعين فإنه يكفيه عن جميع الأيام، ما لم يقطع ذلك لعذر، ثم يعود إلى الصوم فيلزمه أن يجدد النية.
وبناءً على هذا القول لو نام رجل في رمضان بعد العصر،
ولم يفق إلا من الغد بعد الفجر صح صومه؛ لأن النية الأولى كافية، والأصل بقاؤها ولم يوجد ما يزيل استمرارها.
قوله: «لا نية الفرضية» أي: لا تجب نية الفريضة، يعني لا يجب أن ينوي أنه يصوم فرضاً، لأن التعيين يغني عن ذلك، فإذا نوى صيام رمضان، فمعلوم أن صيام رمضان فرض، وإذا نوى الصيام كفارة قتل أو يمين، فمعلوم أنه فرض، كما قلنا في الصلاة إذا نوى أن يصلي الظهر لا يحتاج أن ينوي أنها فريضة؛ لأنه معروف أن الظهر فريضة، وعلى هذا فنية الفريضة ليست بشرط.
ولكن هل الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة أو لا؟
الجواب: الأفضل أن ينوي القيام بالفريضة، أي: أن ينوي صوم رمضان على أنه قائم بفريضة؛ لأن الفرض أحب إلى الله من النفل.
قال في الروض: «من قال أنا صائم غداً إن شاء الله متردداً فسدت نيته، لا متبركاً» أي: إذا قال أنا صائم غداً إن شاء الله ننظر هل مراده الاستعانة بالتعليق بالمشيئة لتحقيق مراده، إن قال: نعم، فصيامه صحيح؛ لأن هذا ليس تعليقاً، ولكنه استعانة بالتعليق بالمشيئة لتحقيق مراده؛ لأن التعليق بالمشيئة سبب لتحقيق المراد، ويدل لهذا حديث نبي الله سليمان بن داود ـ عليهما الصلاة والسلام ـ حين قال: «والله لأطوفن الليلة على تسعين امرأة تلد كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقيل له: قل: إن شاء الله، فلم يقل، فطاف على تسعين امرأة يجامعهن، ولم
تلد منهن إلا واحدة شق إنسان» فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لو قال إن شاء الله لكان دركاً لحاجته» (1)، وإن قال ذلك متردداً يعني لا يدري هل يصوم أو لا يصوم، فإنه لا يصح؛ لأن النية لا بد فيها من الجزم، فلو بات على هذه النية بأن قال: أنا صائم غداً إن شاء الله متردداً، فإنّ صومه لا يصح إن كان فرضاً، إلا أن يستيقظ قبل الفجر وينويه.
وقال في الروض: «ويكفي في النية الأكل والشرب، بنية الصوم» (2) أي: لو قام في آخر الليل وأكل على أنه سحور لكفى؛ حتى قال شيخ الإسلام: إن عشاء الصائم الذي يصوم غداً يختلف عن عشاء من لا يصوم غداً، فالذي لا يصوم عشاؤه أكثر، لأن الصائم سوف يجعل فراغاً للسحور.
ويصح النَّفْلُ بِنِيَّةٍ مِنْ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ، ........
قوله: «
ويصح النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده
» أي: يصح صوم النفل بنية من النهار قبل الزوال أو بعده، وهذا مقابل قوله: «يجب تعيين النية من الليل لصوم كل يوم واجب» فصيام النفل يصح بنية أثناء النهار، ولكن بشرط ألا يأتي مفطِّراً من بعد طلوع الفجر، فإن أتى بمفطر فإنه لا يصح.
مثال ذلك: رجل أصبح وفي أثناء النهار صام، وهو لم يأكل، ولم يشرب، ولم يجامع، ولم يفعل ما يفطّر بعد الفجر، فصومه صحيح مع أنه لم ينو من قبل الفجر.12
ودليل ذلك أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دخل ذات يوم على أهله فقال: «هل عندكم من شيء؟ قالوا: لا، قال فإني إذاً صائم» 1.
وقوله «إذاً» في الحديث ظرف للزمان الحاضر فأنشأ النية من النهار، فدل ذلك على جواز إنشاء النية في النفل في أثناء النهار، فإذا قال قائل: قد ننازع في دلالة هذا الحديث ونقول معنى «إني إذاً صائم» أي: ممسك عن الطعام، من الذي يقول: إن المراد بالصوم هنا الصوم الشرعي؟ قلنا: عندنا قاعدة شرعية أصولية وهي أن الكلام المطلق يحمل على الحقيقة في عرف المتكلم به، والحقيقة الشرعية في الصوم هي التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فلا يمكن أن نحمل لفظاً جاء في لسان الشارع على معناه اللغوي وله حقيقة شرعية.
نعم لو فرض أنه ليس هناك حقيقة شرعية حملناه على الحقيقة اللغوية، أما مع وجود الحقيقة الشرعية فيجب أن يحمل عليها، ولهذا لو قال قائل: والله لا أبيع اليوم شيئاً، فذهب فباع خمراً، هل عليه كفارة يمين؟ نقول ليس عليه كفارة يمين، لأن هذا البيع ليس بيعاً شرعياً فهو حرام وكل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وكل عقد ليس في كتاب الله فهو باطل، نعم إذا قال أنا قصدي بالبيع مطلق البيع شرعياً أو غير شرعي، حينئذ نقول هذا يصدق عليه أنه بيع، فيحنث؛ لأن النية مقدمة على دلالة اللفظ في باب الأيمان.
ولكن هل يثاب ثواب يوم كامل، أو يثاب من النية؟
في هذا قولان للعلماء:
القول الأول: أنه يثاب من أول النهار؛ لأن الصوم الشرعي لا بد أن يكون من أول النهار.
القول الثاني: أنه لا يثاب إلا من وقت النية فقط 1، فإذا نوى عند الزوال، فأجره أجر نصف يوم.
وهذا القول هو الراجح لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 2 وهذا الرجل لم ينو إلا أثناء النهار فيحسب له الأجر من حين نيته.
وبناءً على القول الراجح لو علق فضل الصوم باليوم مثل صيام الاثنين، وصيام الخميس، وصيام البيض، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونوى من أثناء النهار فإنه لا يحصل له ثواب ذلك اليوم.
فمثلاً صام يوم الاثنين ونوى من أثناء النهار، فلا يثاب ثواب من صام يوم الاثنين من أول النهار؛ لأنه لا يصدق عليه أنه صام يوم الاثنين.
وكذلك لو أصبح مفطراً فقيل له: إن اليوم هو اليوم الثالث عشر من الشهر، وهو أول أيام البيض، فقال: إذاً أنا صائم فلا يثاب ثواب أيام البيض؛ لأنه لم يصم يوماً كاملاً، وهذه مسألة
يظن بعض الناس أن كلام المؤلف يدل على حصول الثواب حتى في اليوم المعين من النفل.
ويشترط في صحة النية من أثناء النهار في النفل ألا يفعل قبلها مفطراً، فلو أن الرجل أصبح مفطراً بأكل، وفي أثناء الضحى قال: نويت الصيام فلا يصح؛ لأنه فعل ما ينافي الصوم.
فلو قال قائل: ألستم تقولون إنه لا يثاب على أجر الصوم إلا من النية؟
قلنا: بلى، لكن لا يمكن أن يكون صومٌ، وقد أكل أو شرب في يومه.
وقوله: «قبل الزوال وبعده» إذا قال قائل: لا حاجة لقوله قبل الزوال وبعده لأنه قال: «يصح النفل بنية من النهار» فلا حاجة إلى قوله: «قبل الزوال وبعده» قلنا: نعم هذا صحيح، لكن احتاج المؤلف إلى هذا؛ لأن في المسألة قولاً آخر، وهو أنه لا يصح نية النفل بعد الزوال؛ وتعليلهم أنه مضى أكثر اليوم مفطراً بدون نية، والحكم في الأشياء للأغلب والأكثر، فما دام أكثر النهار مر عليه بدون نية فإذا نوى بعد الزوال لم يكن صوماً؛ ولهذا احتاج المؤلف أن يقول: «قبل الزوال وبعده».
وَلَوْ نَوَى إِن كَانَ غَدَاً مِنْ رَمَضَانَ فَهُوَ فَرْضِي لَمْ يجْزِهِ
............ قوله: «ولو نوى إن كان غداً من رمضان فهو فرضي لم يجزه» هذه مسألة مهمة ترد كثيراً، فلا يجزئ الإنسان إذا نوى أنه إذا كان غداً من رمضان فهو فرضي، سواء قال: وإلا فنفلٌ، أو قال: وإلا فأنا مفطر.
مثال ذلك: رجل نام في الليل مبكراً ليلة الثلاثين من شعبان، وفيه احتمال أن تكون هذه الليلة هي أول رمضان، فقال: إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، أو قال: إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، أو قال: إن كان غداً من رمضان فهو فرض، وإلا فهو عن كفارة واجبة، أو ما أشبه ذلك من أنواع التعليق.
فالمذهب أن الصوم لا يصح؛ لأن قوله: إن كان كذا فهو فرضي، وقع على وجه التردد، والنية لا بد فيها من الجزم، فلو لم يستيقظ إلا بعد طلوع الفجر، ثم تبين أنه من رمضان، فعليه قضاء هذا اليوم، على المذهب.
والرواية الثانية عن الإمام أحمد: أن الصوم صحيح إذا تبين أنه من رمضان، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ ولعل هذا يدخل في عموم قوله صلّى الله عليه وسلّم لضباعة بنت الزبير ـ رضي الله عنها ـ: «فإن لك على ربك ما استثنيت» 1 فهذا الرجل علقه لأنه لا يعلم أن غداً من رمضان، فتردده مبني على التردد في ثبوت الشهر، لا على التردد في النية، وهل يصوم أو لا يصوم؟ ولهذا لو قال من يباح له الفطر ليلة الواحد من رمضان، أنا غداً يمكن أن أصوم، ويمكن ألا أصوم، ثم عزم على الصوم بعد طلوع الفجر، لم يصح صومه لتردده في النية.
لكن إذا علق الصوم على ثبوت الشهر، فهذا هو الواقع فلو لم يثبت الشهر لم يصم، وعلى هذا فينبغي لنا إذا نمنا قبل أن يأتي الخبر ليلة الثلاثين من شعبان، أن ننوي في أنفسنا أنه إن
كان غداً من رمضان فنحن صائمون، وإن كانت نية كل مسلم على سبيل العموم أنه سيصوم لو كان من رمضان، لكن تعيينها أحسن، فيقول في نفسه إن كان غداً من رمضان فهو فرضي، فإذا تبين أنه من رمضان بعد طلوع الفجر صح صومه.
ولو قال ليلة الثلاثين من رمضان إن كان غداً من رمضان فأنا صائم، وإلا فأنا مفطر قالوا: إن هذا جائز، مع أن فيه تردداً في النية ولكنه مبني على ثبوت الشهر، فإذا كان كذلك فينبغي أن يكون في أول الشهر كما كان في آخره، لكن فرقوا بأنه في أول الشهر الأصل عدم الصوم؛ لأنه لم يثبت دخول الشهر، وفي آخره بالعكس الأصل الصوم لأن الغد من رمضان ما لم يثبت خروجه، ولكن هذا التفريق غير مؤثر بالنسبة للتردد؛ فكلاهما متردد، والاحتمال في كليهما وارد، فيوم الثلاثين من شعبان فيه التردد هل يكون من رمضان أم لا؟ ويوم الثلاثين من رمضان فيه التردد هل يكون من رمضان أم لا؟
وَمَنْ نَوَى الإِْفْطَارَ أَفْطَرَ.
قوله: «
ومن نوى الإفطار أفطر
» والدليل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات» 1 فما دام ناوياً الصوم فهو صائم، وإذا نوى الإفطار أفطر، ولأن الصوم نية وليس شيئاً يفعل، كما لو نوى قطع الصلاة فإنها تنقطع الصلاة.
ومعنى قول المؤلف «أفطر» أي: انقطعت نية الصوم وليس كمن أكل أو شرب.
وبناء على ذلك لو نواه بعد ذلك نفلاً في أثناء النهار جاز، إلا أن يكون في رمضان، فإن كان في رمضان فإنه لا يجوز؛ لأنه لا يصح في رمضان صوم غيره.
مسائل:
الأولى: إنسان صائم نفلاً، ثم نوى الإفطار، ثم قيل له: كيف تفطر لم يبق من الوقت إلا أقل من نصف اليوم؟ قال: إذاً أنا صائم، هل يكتب له صيام يوم أو من النية الثانية؟
الجواب: من النية الثانية؛ لأنه قطع النية الأولى وصار مفطراً.
الثانية: إنسان صائم وعزم على أنه إن وجد ماء شربه فهل يفسد صومه؟
الجواب: لا يفسد صومه؛ لأن المحظور في العبادة لا تفسد العبادة به، إلا بفعله ولا تفسد بنية فعله.
وهذه قاعدة مفيدة وهي أن من نوى الخروج من العبادة فسدت إلا في الحج والعمرة، ومن نوى فعل محظور في العبادة لم تفسد إلا بفعله.
ولهذا أمثلة منها ما ذكرناه هنا في مسألة الصوم.
ومنها ما لو كان متحرياً لكلام من الهاتف فدخل في الصلاة ومن نيته أنه إن كلمه من يتحراه، أجابه، فلم يكلمه فصلاته لا تفسد.
الثالثة: سبق أن من نوى الإفطار أنه يفطر، فهل يباح له الاستمرار في الفطر بالأكل، والشرب، مثلاً؛ وهو في رمضان؟
الجواب: إن كان ممن يباح له الفطر؛ كالمريض والمسافر فلا بأس، وإن كان لا يباح له الفطر، فيلزمه الإمساك والقضاء، مع الإثم.
وقولنا يلزمه القضاء؛ لأنه لما شرع فيه ألزم نفسه به فصار في حقه كالنذر؛ بخلاف مَنْ لم يصم من الأصل متعمداً، فهذا لا يقضي، ولو قضاه لم يقبل منه؛ لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» 1. وأما حديث: «من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يقضه صوم الدهر» 2 فهذا حديث ضعيف وعلى تقدير صحته، يكون المعنى أنه لا يكون كالذي فعل في وقته.
بَابُ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيُوجِبُ الكَفَّارَةَ
مَنْ أَكَلَ، .......
قوله: «باب ما يفسد الصوم» أي: يبطله، والصوم يشمل الفرض والنفل.
والعلماء ـ رحمهم الله ـ لهم أساليب في تسمية الأبواب معناها واحد، ولكن تختلف لفظاً، ففي الوضوء يسمون المفسدات نواقض وفي الغسل يسمونها موجبات الغسل، وفي باب الصلاة يسمونها مبطلات الصلاة، وفي الصوم يسمونها مفسدات الصوم، وفي باب الإحرام يسمونها محظورات الإحرام، وكل هذه، المعنى فيها واحد.
والمفسد للصوم يسمى عند العلماء المفطرات، وأصولها ثلاثة ذكرها الله ـ عزّ وجل ـ في قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187]. وقد أجمع العلماء على أن هذه الثلاثة تفسد الصوم، وما سوى ذلك سيأتي إن شاء الله الكلام عليه.
قوله: «ويوجب الكفارة» الكفارة «الـ» هنا للعهد الذهني، فهي الكفارة المعروفة: عتق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً.
قوله: «
من أكل
» «من» هذه شرطية وجوابه قوله «فسد صومه»، والأكل هو إدخال الشيء إلى المعدة عن طريق الفم.
وقولنا إدخال الشيء يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا يضر ولا ينفع، فما ينفع كاللحم والخبز وما أشبه ذلك، وما يضر كأكل الحشيشة ونحوها، ما لا نفع فيه ولا ضرر مثل أن يبتلع خرزة سبحة أو نحوها؛ ووجه العموم إطلاق الآية ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ وهذا يسمى أكلاً.
وقال بعض أهل العلم: إن ما لا يغذي لا فطر بأكله، وبناءً على هذا فإنّ بلع الخرزة أو الحصاة أو ما أشبههما لا يفطر.
والصحيح أنه عام، وأن كل ما ابتلعه الإنسان من نافع أو ضار، أو ما لا نفع فيه ولا ضرر فإنه مفطر لإطلاق الآية.
أَوْ شَرِبَ أوْ اسْتَعَطَ،
........
قوله: «أو شرب» الشرب يشمل ما ينفع وما يضر، وما لا نفع فيه ولا ضرر، فكل ما يشرب من ماء، أو مرق، أو لبن، أو دم، أو دخان، أو غير ذلك، فإنه داخل في قول المؤلف «أو شرب».
ويلحق بالأكل والشرب ما كان بمعناهما، كالإبر المغذية التي تغني عن الأكل والشرب.
قوله: «أو استعط» أي: تناول السعوط، والسعوط ما يصل إلى الجوف عن طريق الأنف، فإنه مفطر؛ لأن الأنف منفذ يصل إلى المعدة، ودليل ذلك قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للقيط بن صبرة: «وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً» 1 وهذا يدل على أن الصائم لا يبالغ في الاستنشاق، ولا نعلم لهذا علة إلا أن المبالغة تكون
سبباً لوصول الماء إلى المعدة، وهذا مخل بالصوم، وعلى هذا فنقول: كل ما وصل إلى المعدة عن طريق الأنف أو الفم فإنه مفطر.
أوْ احْتَقَنَ، ...........
قوله: «
أو احتقن
» الاحتقان هو إدخال الأدوية عن طريق الدبر، وهو معروف، ولا يزال يعمل، فإذا احتقن فإنه يفطر بذلك، لأن العلة وصول الشيء إلى الجوف، والحقنة تصل إلى الجوف، أي: تصل إلى شيء مجوف في الإنسان، فتصل إلى الأمعاء فتكون مفطرة، فإذا وصل إلى الجوف شيء عن طريق الفم، أو الأنف، أو أي منفذ كان، فإنه يكون مفطراً، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد 1، وعليه أكثر أهل العلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: لا فطر بالحقنة؛ لأنه لا يطلق عليها اسم الأكل والشرب لا لغة ولا عرفاً، وليس هناك دليل في الكتاب والسنة، أن مناط الحكم وصول الشيء إلى الجوف، ولو كان لقلنا: كل ما وصل إلى الجوف من أي منفذ كان فإنه مفطر، لكن الكتاب والسنة دلا على شيء معين وهو الأكل والشرب.
وقال بعض العلماء المعاصرين: إن الحقنة إذا وصلت إلى الأمعاء فإن البدن يمتصها عن طريق الأمعاء الدقيقة، وإذا امتصها انتفع منها، فكان ما يصل إلى هذه الأمعاء الدقيقة كالذي يصل إلى المعدة من حيث التغذي به، وهذا من حيث المعنى قد يكون قوياً.
لكن قد يقول قائل: إن العلة في تفطير الصائم بالأكل والشرب ليست مجرد التغذية، وإنما هي التغذية مع التلذذ بالأكل والشرب، فتكون العلة مركبة من جزأين:
أحدهما: الأكل والشرب.
الثاني: التلذذ بالأكل والشرب؛ لأن التلذذ بالأكل والشرب مما تطلبه النفوس، والدليل على هذا أن المريض إذا غذي بالإبر لمدة يومين أو ثلاثة، تجده في أشد ما يكون شوقاً إلى الطعام والشراب مع أنه متغذٍ.
فإن قيل: ينتقض قولكم إن العلة مركبة من جزأين إلى آخره أن السعوط مفطر مع أنه لا يحصل به تلذذ بالأكل والشرب.
فالجواب أن الأنف منفذ معتاد لتغذية الجسم، فألحق بما كان عن طريق الفم.
وبناء على هذا نقول: إن الحقنة لا تفطر مطلقاً، ولو كان الجسم يتغذى بها عن طريق الأمعاء الدقيقة.
فيكون القول الراجح في هذه المسألة قول شيخ الإسلام ابن تيمية مطلقاً، ولا التفات إلى ما قاله بعض المعاصرين.
ومن الحقن المعروفة الآن ما يوضع في الدبر عند شدة الحمى، ومنها أيضاً ما يدخل في الدبر من أجل العلم بحرارة المريض وما أشبه ذلك، فكل هذا لا يفطر.
ثم لدينا قاعدة مهمة لطالب العلم، وهي أننا إذا شككنا في الشي أمفطر هو أم لا؟ فالأصل عدم الفطر، فلا نجرؤ على أن
نفسد عبادة متعبد لله إلا بدليل واضح يكون لنا حجة عند الله عزّ وجل.
أوْ اكْتَحَلَ بِمَا يَصِلُ إِلَى حَلْقِهِ، أوْ أدْخَلَ إِلَى جَوْفِهِ شَيْئاً مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ
.......
قوله: «أو اكتحل بما يصل إلى حلقه» الكحل معروف، فإذا اكتحل بما يصل إلى الحلق فإنه يفطر؛ لأنه وصل إلى شيء مجوف في الإنسان وهو الحلق، هذا هو تعليل من قال إن الكحل يفطر ولكن في هذا التعليل نظر، ولذلك ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ إلى أن الكحل لا يفطر ولو وصل طعم الكحل إلى الحلق 1، وقال: إن هذا لا يسمى أكلاً وشرباً، ولا بمعنى الأكل والشرب، ولا يحصل به ما يحصل بالأكل والشرب، وليس عن النبي صلّى الله عليه وسلّم حديث صحيح صريح يدل على أن الكحل مفطر، والأصل عدم التفطير، وسلامة العبادة حتى يثبت لدينا ما يفسدها، وما ذهب إليه ـ رحمه الله ـ هو الصحيح.
وبناءً على هذا لو أنه قطر في عينه وهو صائم فوجد الطعم في حلقه، فإنه لا يفطر بذلك أما إذا وصل طعمها إلى الفم وابتلعها فقد صار أكلاً وشرباً.
قوله: «أو أدخل إلى جوفه شيئاً من أي موضع كان» قوله: «إلى جوفه» أي: إلى مجوف في بدنه كحلقه وبطنه وصدره، والمراد أنه يفطر بذلك، فلو أن الإنسان أدخل منظاراً إلى المعدة حتى وصل إليها، فإنه يكون بذلك مفطراً.
والصحيح أنه لا يفطر إلا أن يكون في هذا المنظار، دهن أو نحوه يصل إلى المعدة بواسطة هذا المنظار فإنه يكون بذلك مفطراً، ولا يجوز استعماله في الصوم الواجب إلا للضرورة.
ولو أن الإنسان كان له فتحة في بطنه، وأدخل إلى بطنه شيئاً عن طريق هذه الفتحة، فعلى المذهب يفطر بذلك كما لو داوى الجائفة، والصحيح أنه لا يفطر بذلك إلا أن تجعل هذه الفتحة بدلاً عن الفم بحيث يدخل الطعام والشراب منها لانسداد المرئ أو تقرحه، ونحو ذلك فيكون ما أدخل منها مفطراً كما لو أدخل من الفم، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
غَيْرَ إحْلِيلِهِ، أوِ اسْتَقَاءَ أوْ اسْتَمْنَى، أَوْ بَاشَرَ فَأَمْنَى، أَوْ أَمْذَى، أو كَرَّرَ النَّظَرَ فَأَنْزَلَ،
.........
وقوله: «غير إحليله» أي: قناة الذكر، فلو أدخل عن طريق الذكر خيطاً فيه طعم دواء فإنه لا يفطر؛ لأن الذكر لا يصل إلى الجوف ما دخل عن طريقه، فإن البول إنما يخرج رشحاً، هكذا علل الفقهاء ـ رحمهم الله ـ ومرادهم بذلك أن البول يجتمع في المثانة عن طريق الرشح؛ لأنه ليس لها إلا منفذ واحد.
والحمد لله نحن في غنى عن هذه التعليلات من الأصل إذا أخذنا بالقول الراجح، وهو أن المفطر هو الأكل والشرب، وما أدخل من طريق الإحليل فإنه لا يسمى أكلاً ولا شرباً، وإذا كانت الحقنة وهي التي تدخل عن طريق الدبر لا تفطر على القول الراجح، فما دخل عن طريق الإحليل من باب أولى.
قوله: «أو استقاء» أي: استدعى القيء، ولكن لا بد من قيء، فلو استدعى القيء ولكنه لم يقئ فإن صومه لا يفسد، بل لا
يفسد إلا إذا استقاء فقاء، ولا فرق بين أن يكون القيء قليلاً أو كثيراً.
أما ما خرج بالتعتعة من الحلق فإنه لا يفطر، فلا يفطر إلا ما خرج من المعدة، سواء كان قليلاً أو كثيراً، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «من استقاء عمداً فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه» 1، «ذرعه» أي: غلبه.
واستدعاء القيء له طرق: النظر، الشم، والعصر، والجذب، وربما نقول السمع أيضاً.
أما النظر: فكأن ينظر الإنسان إلى شيءٍ كريهٍ فتتقزز نفسه ثم يقيء.
وأما الشم: فكأن يشم رائحة كريهة فيقيء.
وأما العصر: فكأن يعصر بطنه عصراً شديداً إلى فوق ثم يقيء.
وأما الجذب: بأن يدخل أصبعه في فمه حتى يصل إلى أقصى حلقه ثم يقيء.
أما السمع: فربما يسمع شيئاً كريهاً.
وقال بعض العلماء: إنه لا فطر في القيء ولو تعمده بناءً
على قاعدة قعدوها، وهي: «الفطر مما دخل لا مما خرج، والوضوء مما خرج لا مما دخل»، وضعفوا حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ وقالوا: إنه مخالف للقياس مع ضعف سنده، والجواب: أن يقال أين الدليل على هذه القاعدة، فهذا لحم الإبل ينقض وهو داخل، فسيقولون لا ينقض الوضوء إلا على مذهب الإمام أحمد فقاعدتنا سليمة، قلنا لهم: إنزال المني من الصائم خارج، ويفسد الصوم.
والصواب أن القيء عمداً مفطر؛ لأن الحديث دل عليه والقاعدة التي أسسوها غير صحيحة، والحكمة تقتضي أن يكون مفطراً؛ لأن الإنسان إذا استقاء ضعف واحتاج إلى أكل وشرب فنقول له لا يحل لك في الصوم الواجب سواء رمضان أو غيره أن تتقيء إلا للضرورة، فإن اضطررت إلى القيء فتقيأ ثم أعد على بدنك ما يحصل به القوة من الأكل الشرب، فهذا القول كما هو مقتضى الحديث فهو مقتضى النظر الصحيح، أما رأيهم فهو يعارض النص، والرأي المقابل للنص المعارض له فاسد لا عبرة به، ونقول لصاحبه: أأنت أعلم أم الله؟ فما دام هذا حكم الله فإنه خير من الرأي.
قوله: «أو استمنى».
أي: طلب خروج المني بأي وسيلة، سواء بيده، أو بالتدلك على الأرض، أو ما أشبه ذلك حتى أنزل، فإنّ صومه يفسد بذلك، وهذا ما عليه الأئمة الأربعة ـ رحمهم الله ـ مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد.
وأبى الظاهرية ذلك وقالوا: لا فطر بالاستمناء ولو أمنى 1، لعدم الدليل من القرآن والسنة على أنه يفطر بذلك، فإن أصول المفطرات ثلاثة، وليس هذا منها فيحتاج إلى دليل، ولا يمكن أن نفسد عبادة عباد الله إلا بدليل من الله ورسوله (ص).
ولكن عندي والله أعلم أنه يمكن أن يستدل على أنه مفطر من وجهين:
الوجه الأول النص: فإن في الحديث الصحيح أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قال في الصائم: «يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي» 2 والاستمناء شهوة، وخروج المني شهوة، والدليل على أن المني يطلق عليه اسم شهوة قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «وفي بضع أحدكم صدقة قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر، كذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر» 3 والذي يوضع هو المني.
الوجه الثاني: القياس، فنقول: جاءت السنة بفطر الصائم بالاستقاء إذا قاء، وبفطر المحتجم إذا احتجم وخرج منه الدم، وكلا هذين يضعفان البدن.
أما خروج الطعام فواضحٌ أنه يضعف البدن؛ لأن المعدة تبقى خالية فيجوع الإنسان ويعطش سريعاً.
وأما خروج الدم فظاهر أيضاً أنه يضعف البدن، ولهذا ينصح من احتجم أو تبرع لأحد بدم من جسمه، أن يبادر بالأكل السريع الهضم والسريع التفرق في البدن، حتى يعوض ما نقص من الدم، وخروج المني يحصل به ذلك فيفتر البدن بلا شك، ولهذا أمر بالاغتسال ليعود النشاط إلى البدن، فيكون هذا قياساً على الحجامة والقيء، وعلى هذا نقول: إن المني إذا خرج بشهوة فهو مفطر للدليل والقياس.
قوله: «أو باشر فأمنى» أي: باشر زوجته سواء باشرها باليد، أو بالوجه بتقبيل، أو بالفرج، فإنه إذا أنزل أفطر، وإذا لم يُنزل فلا فطر بذلك.
ونقول في الإنزال بالمباشرة ما قلنا في الإنزال بالاستمناء: إنه مفطر.
وعلم من كلام المؤلف، أنه لو استمنى بدون إنزال فإنه لا فطر، وأنه لو باشر بدون إنزال فإنه لا فطر في ذلك أيضاً، وسيأتي بيان حكم المباشرة.
قوله: «أو أمذى» أي: فإنه يفطر، والمذي هو ماء رقيق يحصل عقيب الشهوة بدون أن يحس به الإنسان عند خروجه، وهو بين البول والمني من حيث النجاسة، فالمني طاهر موجب لغسل جميع البدن، والبول نجس موجب لغسل ما أصاب من البدن والملابس، والمذي يوجب غسل الذكر والأنثيين، ولا يوجب الغسل إذا أصاب الملابس، بل يكفي فيه النضح كما ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ذلك 1.
فالمذهب أن خروج المذي مفسد للصوم كالمني، أي: إذا استمنى فأمذى، أو باشر فأمذى فإنه يفسد صومه، والذين يقولون لا يفسد بالمني يقولون لا يفسد بالمذي من باب أولى، والذين يقولون إن الصوم يفسد بالمني اختلفوا في المذي على قولين:
فالمذهب أنه يفطر، ولا دليل له صحيح، والصحيح القول الثاني أنه لا يفطر؛ لأن المذي دون المني لا بالنسبة للشهوة ولا بالنسبة لانحلال البدن، ولا بالنسبة للأحكام الشرعية حيث يخالفه في كثير منها بل في أكثرها أو كلها، فلا يمكن أن يلحق به.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ والحجة فيه عدم الحجة، أي عدم الحجة على إفساد الصوم به؛ لأن هذا الصوم عبادة شرع فيها الإنسان على وجه شرعي فلا يمكن أن نفسد هذه العبادة إلا بدليل.
قوله: «أو كرر النظر فأنزل» يعني فإنه يفسد صومه، وتكرار النظر يحصل بمرتين، فإن نظر نظرة واحدة فأنزل لم يفسد صومه لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «لك الأولى وليست لك الثانية» 1، ولأن الإنسان لا يملك أن يجتنب هذا الشيء، فإن بعض الناس يكون