كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قال في الروض: «ومتزيٍّ بزيٍّ يسخر منه» هذا موجود وهو كثير، كرجل يضع قروناً على رأسه، أو جناحين على يمينه ويساره، ويوجد هذا أظن فيما يسمى بأفلام الكرتون.
قال: «ولا لمن يأكل بالسوق» إلا في المواضع المعدة للأكل مثل المطاعم، قال: «إلا شيئاً يسيراً كلقمة وتفاحة»، هذا لا بأس به، مع أنه في الحقيقة بالنسبة لنا تسقط مروءته، فلو جئت تمشي إلى المسجد ومعك تفاحة تأكلها أمام الناس، يمكن يقال: هذا الرجل أصابه جنون، لكن لو في مطعم ما يعد هذا مخالفاً للمروءة.
قال: «ولا لمن يمد رجله بمجمع الناس، أو ينام بين الجالسين ونحوه» لكن في الكتب الأخرى يقولون: إن من خرج عن مستوى الجلوس فإنه تسقط مروءته.
وَمَتَى زَالَتِ الْمَوَانِعُ، فَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأَسْلَمَ الْكَافِرُ، وَتَابَ الْفَاسِقُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ.
قوله: «
ومتى زالت الموانع، فبلغ الصبي، وعقل المجنون، وأسلم الكافر، وتاب الفاسق قبلت شهادتهم
» الشروط السابقة إنما تعتبر حال الأداء، فمتى بلغ الصبي وهو متحمل في حال الصغر قبلت شهادته، فالذي يشترط في التحمل في جانب هذا الشرط التمييز، فالبلوغ شرط للأداء، فهذا صبي تحمل وله عشر سنوات، وضبط القصة، ولم يؤدِّ إلا بعد أن بلغ وقد بلغ بإنبات العانة وله اثنتا عشرة سنة، تقبل شهادته.
وقوله: «وعقل المجنون» لكن العقل شرط في التحمل والأداء، إذاً كيف يقول: عقل المجنون؟
نقول: هذا شخص تحمل وهو عاقل ثم جن ثم عقل، فلا نقول: إن هذا الجنون يبطل شهادته، بل نقول: إذا أدى بعد عقله قبلنا شهادته، ومثله رجل أصيب بحادث فاختل عقله ثم عافاه الله عزّ وجل، لا نقول: إن هذا الاختلال ينسخ الذاكرة السابقة ولا نقبل شهادته، بل نقول: إنها تقبل؛ لأن هذا الشاهد تحمل وهو عاقل، وأدَّى وهو عاقل.
وقوله: «وأسلم الكافر» تحمل وهو كافر وأدى وهو مسلم فتقبل شهادته، ولو تحمل وهو مسلم وأدى وهو كافر فإنها لا تقبل.
وقوله: «وتاب الفاسق» فإنها تقبل شهادته، يعني رجلاً تحمل وهو فاسق، لا يصلي مع الجماعة مثلاً، لكن هداه الله عزّ وجل، وصار يصلي مع الجماعة، تقبل شهادته، إذاً العدالة والإسلام والبلوغ شرط للأداء لا للتحمل، وشرط الكلام ينبغي أن نقول: هو ـ أيضاً ـ شرط للأداء فقط، أما التحمل فلو تحمل وهو أخرس، وأدى وهو ناطق فشهادته مقبولة، حتى على المذهب، أما على القول الصحيح فقد تقدم التفصيل في ذلك، فصار الكلام إذاً شرطاً للأداء فقط، إذاً فشروط التحمل أربعة من ستة، أما الأداء فكل الستة شروط له.
والخلاصة: أن من تحمل صغيراً وأدى بالغا قبلت شهادته، ومن تحمل فاسقاً وأدى عدلاً قبلت شهادته ولا تقبل شهادته إن تحمل عدلاً وأدى فاسقاً ومن تحمل عاقلاً فلا تقبل شهادته حال جنونه فإن عقل بعد جنونه قبلت شهادته التي تحملها قبل الجنون.
وأهم شيء في هذا الباب مسألة العدالة، لأننا لو طبقنا ما ذكره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ فيما يعتبر للعدالة لو طبقناه على مجتمع المسلمين اليوم لم نجد أحداً إلا نادراً، وحينئذٍ تضيع الحقوق، وإذا رجعنا إلى مستند الفقهاء في اشتراط العدالة وجدنا ذلك في آيتين أو أكثر، لكن معناهما واحد ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وعند التأمل قد لا يكون في الآيتين دليل على ما اشترطه الفقهاء؛ لأن الله قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، أي: صاحبي عدل، ولا يلزم من كونهما صاحبي عدل أن يتصفا بالعدالة المطلقة، بل يمكن أن نقول: إن معنى الآية ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ في شهادته، فمتى كان ذا عدل في الشهادة فإنه يقبل، ودينه لله عزّ وجل؛ ولهذا لو كان الإنسان مخالفاً للعدالة في الكذب فإننا لا نقبله بلا شك؛ لأن الشهادة تعتمد اعتماداً كلياً على الصدق في النقل، وإذا كان هذا الإنسان معروفاً بالكذب فهذا لا نقبل شهادته؛ لأن هذا الوصف ـ وهو الكذب ـ مخلٌّ بأصل الشهادة، فإن الشهادة مبنية على الصدق في الخبر، وهي خبر في الواقع، فإذا كان كاذباً فلا شك أن هذا يخل بشهادته ولا نقبلها، أما لو كان الرجل يحلق لحيته لكن نعلم أنه في باب الأخبار صدوق لا يمكن أن يكذب، وقد ماشيناه وتتبعنا أخباره، فكيف نرد خبره؟! أو رجل يغتاب الناس، والغيبة من كبائر الذنوب تخدش العدالة ولو مرة واحدة، لكن مع كونه يغتاب الناس صدوق الخبر لا يمكن أن يكذب، فعلى المذهب ترد
شهادته، ولكن على القول الراجح: تقبل، وحينئذٍ نقول: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ أي: في الشهادة.
على أنه يمكن أن يقال ـ وهو وجه آخر رد به من رد على كلام الفقهاء ـ قال: إن الله يقول: «﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، هذا في ابتداء الشهادة، أي: التحمل، فلا تختر إلا عدلاً، لكن عند الأداء نقبل كل من قامت القرينة على صدقه، وفرق بين التحمل الذي يريد أن يختار شهوداً يعتمد عليهم، وبين إنسان أتى بشهود فيما بعد ليثبت بهم الحق، فيفرق هؤلاء العلماء بين التحمل والأداء، فالتحمل لا بد أن يختار ذوي العدل لئلا يقع إشكال في المستقبل، أو ردٌّ للشهادة، لكن عند الأداء فينظر في القضية المعينة.
أما بالنسبة للفاسق، فالفاسق لم يأمر الله بردِّ خبره، لكن قال: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾، فإذا شهد الفاسق بما دلت القرينة على صدقه، فقد تبينا وتبين لنا أنه صادق، وإذا شهد فاسقان يقوى خبرهما، إذ لم يكن بينهما مواطأة، بأن كان كل واحد منهما بعيداً عن الآخر، فشهدا في قضية معينة، فلا شك أن خبرهما يقوي بعضه بعضاً، ولهذا حتى عند علماء المصطلح إذا روى اثنان ضعيفان فإنه يقوى الحديث.
فالحاصل أن الآيتين ليس فيهما دليل على أن العدالة في الشهادة هي ما ذكره الفقهاء رحمهم الله، أما العدالة في الولاية فهي شيء آخر؛ لأن الولي منفذ وآمر، والشاهد طريق إلى الحق فقط، وليس عنده التنفيذ، فيجب أن نشترط في الولي أكثر مما نشترط في الشاهد.
مسألة: وهل هذه الشروط عامة في جميع أبواب الشهادات؟
لا تشترط العدالة ظاهراً وباطناً في جميع المواضع، يعني أن في بعضها تشترط العدالة ظاهراً فقط، كولاية النكاح، والشهادة به، والأذان والشهادة بثبوت رمضان، وغير ذلك من المواضع التي قد تبلغ سبع أو ثمان صور، يكتفى فيها بالعدالة الظاهرة فقط.
وإن قيل: لماذا وضع الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ القسمة في باب القضاء؟ نقول: لأن القاسم يعين من قبل القاضي، ولأن القاسم كالحاكم.
صفحة فارغة
بَابُ مَوَانِعِ الشَّهَادَةِ وَعَدَدِ الشُّهُودِ
لاَ تُقْبَلُ شَهَادَةُ عَمُودَيِ النَّسَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وَلاَ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، وَتُقْبَلُ عَلَيْهِمْ، وَلاَ مَنْ يَجُرُّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعاً، أَوْ يَدْفَعُ عَنْهَا ضَرَراً، وَلاَ عَدُوٍّ عَلَى عَدُوِّهِ،
........
هذا الباب تضمن مسألتين: المسألة الأولى: موانع الشهادة، الثانية: عدد الشهود، أما موانع الشهادة، فيعني الموانع التي تمنع من قبول شهادة الشاهد مع استكمال الشروط، والموانع في اللغة جمع مانع، وهو الشيء الحائل دون الشيء.
وأما في الاصطلاح فإن المانع هو الذي يلزم من وجوده العدم ولا يلزم من عدمه العدم، عكس الشرط؛ فالشرط يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده الوجود، فإذا تمت شروط الشاهد السابقة الستة بقي شيء آخر، وهو انتفاء الموانع، فإذا انتفت الموانع قبلنا شهادته وحكمنا بها، وإن وجد مانع من الموانع رددنا شهادته.
وهل الأصل وجود المانع أو عدم المانع؟ الأصل عدم المانع، وعندنا نصوص عامة للشروط التي تجب في الشاهد، وننظر في هذه الموانع التي ذكرها المؤلف هل هي وجيهة بحيث يمكن أن نخصص بها تلك العمومات أو لا؟ يقول المؤلف:
«لا تقبل شهادة عمودي النسب بعضهم لبعض» يريد بعمودي النسب الأصول والفروع، الأصول من الأمهات، والآباء، والأجداد، والجدات، وسموا أصولاً؛ لأن الإنسان يتفرع منهم، والعمود الثاني الفروع وهذا هو العمود النازل، والأول العمود
الصاعد، هذا العمود النازل هم الفروع، يعني الأبناء، والبنات، وأولاد الأبناء، وأولاد البنات وإن نزلوا، هؤلاء لا تقبل شهادة بعضهم لبعض وإن كانوا عدولاً، وإن تمت فيهم الشروط الستة السابقة، فلو شهد أب لابنه لم تقبل شهادته، أو ابن لأبيه لم تقبل شهادته، أو شهد ولد لأمه لم تقبل شهادته، أو أم لولدها لم تقبل شهادتها، المهم أن هذا مانع، فما الدليل على كونه مانعاً؟
الدليل قوة التهمة؛ لأن الإنسان متهم إذا شهد لأصله، أو شهد لفرعه، فإذا كان متهماً فإن ذلك يمنع من قبول شهادته لاحتمال أن يكون قد حابى أصوله أو فروعه، فالدليل على أن هذا مانع تعليل، وليس دليلاً من الكتاب والسنة، بل هو قوة التهمة، فإذا علمنا أن التهمة معدومة لكون الأب أو الأم مبرزاً في العدالة لا يمكن أن تلحقه تهمة، فهل نقبل الشهادة أو لا؟ المؤلف يقول: لا نقبل الشهادة حتى لو كان الأب من أعدل عباد الله، أو الابن من أعدل عباد الله؛ لأن كونه في هذه المرتبة من العدالة أمر نادر، والنادر لا حكم له، فالعبرة بالأغلب، والأغلب أن الإنسان تلحقه التهمة فيما إذا شهد لأصوله أو فروعه، ولا سيما في عصرنا الحاضر الذي غلبت فيه العاطفة على جانب العقل والدين عند كثير من الناس.
وهناك قول آخر في المسألة: أنها تقبل شهادة الأصول لفروعهم، والفروع لأصولهم إذا انتفت التهمة، وأن العبرة في كل قضية بعينها؛ وجه ذلك أن العمومات الدالة على قبول شهادة العدل لا يستثنى منها شيء، إلا بدليل واضح بيِّن يمكننا أن نقابل
به عند السؤال، وإلا فإن الله ـ جلَّ وعلا ـ يقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: 282]، وهؤلاء من رجالنا، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وهؤلاء من ذوي العدل، سواء قلنا: إن العدل استقامة الدين والمروءة مطلقاً، أو قلنا: إن العدل هو العدل في تلك الشهادة المعينة كما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فنقول: إذا كان هذا الأب مبرزاً في العدالة، لا يمكن أن يشهد لابنه إلا بشيء هو الواقع، ونعلم هذا من حاله، فنقول: هذا الرجل ذو عدل في هذه الشهادة؛ لأنه غير متهم، فننظر إلى كل قضية بعينها، لا سيما إذا وجدت قرائن تؤيد ما شهدوا به فإن هذا يكون نوراً على نور، فعلى هذا القول نقول: هل الأصل القبول أو الأصل المنع؟ إذا قلنا: الأصل القبول صرنا لا نرد شهادتهم حتى نعلم التهمة، وإذا قلنا: الأصل المنع صرنا نمنع شهادتهم حتى توجد قرينة قوية، وهي بروزه في العدالة بحيث لا يشهد إلا بما هو حق، والظاهر أن الأصل التهمة لا سيما في زمننا هذا، وبناءً على ذلك نقول: إذا ثبت أنه مبرز في العدالة، وأنه لا يمكن أن يشهد إلا بحق فحينئذٍ تقبل الشهادة.
وهل تقبل الشهادة على الأصول والفروع؟ نعم، تقبل الشهادة عليهم بنص القرآن قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء: 135]، وليس في هذا إشكال ولأن التهمة منتفية غالباً، وإلا فيمكن أن يشهد شخص على ابنه بالزور، كأن يكون بينه وبين ولده سوء تفاهم ـ مثلاً ـ وخصام، وعداوة شديدة، ويشهد عليه.
إذن شهادة الأصول للفروع وبالعكس على القول الراجح، أنه إذا صار الأصل أو الفرع مبرِّزاً في العدالة لا تلحقه تهمة فإن الواجب قبول شهادته إذا تمت الشروط؛ لأنه لا يوجد إلا التعليل، والتعليل إذا انتفى انتفى الحكم ولا يوجد دليل على رد الشهادة في عمودي النسب مطلقاً.
قوله: «ولا شهادة أحد الزوجين لصاحبه» الزوجة لا تشهد لزوجها، والزوج لا يشهد لزوجته، فالزوج رجل ذو عدل، والمرأة امرأة ذات عدل، نقول: لا تقبل؛ للتهمة لأن شهادة الزوج لزوجته متهم بها، وشهادة الزوجة لزوجها متهمة بها، وهذا هو الغالب، وغلبته أقل من غلبة الأصول والفروع؛ لأن العداوة بين الأزواج كثيرة أكثر من العداوة بين القرابات، فهي كثيرة جداً، فإذا شهد أحد الزوجين لصاحبه لم يقبل، ونقول في هذه المسألة كما قلنا في المسألة الأولى، بل أولى: إنه إذا كان الزوج أو الزوجة مبرزاً في العدالة فإن الشهادة تقبل، فلو علمنا أن هذا الرجل لا يمكن أن يشهد لزوجته إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادته لها، أو علمنا أن هذه الزوجة لا يمكن أن تشهد لزوجها إلا بما هو الحق فإننا نقبل شهادتها له.
وهل الأصل المنع أو عدمه؟ نقول: كما سبق؛ الأصل عدم المنع، حتى يوجد دليل يدل على امتناع شهادة الزوج لزوجته بغير الحق وبالعكس.
وقوله: «أحد الزوجين» هل يشترط الدخول، أو وإن كان قبل الدخول؟
الجواب: وإن كان قبل الدخول، فإذا شهد لها وقد عقد عليها فإنها لا تقبل، والمخطوبة هل يقبل أن يشهد لها وهي ليست زوجة؟ ربما تكون التهمة أقوى، فقد يشهد لها من أجل أن تمضي في القبول، نقول: ولو كان هذا أمراً واقعاً فإننا نقبله، نعم، لو وجدت قرائن تكذبه فهذا شيء آخر، لكن من حيث هو خاطب فإن ذلك لا يمنع قبول شهادته لمخطوبته ولا شهادتها له ـ أيضاً ـ.
والمطلقة إن كانت قد انتهت عدتها فلا شك في قبول شهادته لها؛ لأنه لا علاقة بينه وبينها، وإن كانت في العدة فإن كانت رجعية فحكمها كالزوجة لا تقبل شهادته لها، وإن كانت بائناً فمحل نظر؛ لأنك إن نظرت إلى أنها معتدة له قلت: إنها مشتغلة ببعض متعلقات النكاح، ولها نوع صلة بالزوج، وإن قلت: إنها بائن قلت: انقطعت العلاقة بينهما.
فإذا كانت الزوجة قد ماتت فهل تقبل شهادته لها؟ يوجد تهمة من جهة الإرث، إذا كان سيشهد بمال فإنه سيجرُّ إلى نفسه نفعاً، أو يدفع عنها ضرراً.
قوله: «وتقبل عليهم» أي: على الأصول، والفروع، والزوجين، فتقبل شهادة الزوج على زوجته، والزوجة على زوجها، مثل أن يشهد على زوجته أنها اعْتَدَتْ على فلان وأتلفت ماله، أو ما أشبه ذلك، نقول: هذا جائز؛ وهل يشهد أنها باعت ملكها على فلان؟ لا يشهد؛ لأن البيع قد يكون للإنسان، وقد يكون عليه؛ فهو له حيث سيطالب المشتري بالثمن، وعليه حيث سيطالبه المشتري بالسلعة.
قوله: «ولا من يجر إلى نفسه نفعاً» فلا تقبل شهادته، كشريكين في مال، فباع أحدهما المال المشترك، ثم إن الأسعار نزلت فادعى المشتري أنه ما اشترى، والشريك يدعي أنه باع على هذا الذي أنكر، فشهد الشريك لشريكه فلا يقبل؛ لأنه يجر إلى نفسه نفعاً؛ لأنه إذا تم البيع استفاد هو؛ لأنه شريك فلا تقبل شهادة الشريك لشريكه فيما هو شريك فيه، كذلك لو شهد الورثة بجُرْح الموروث قبل اندماله يعني برئه، ثم مات المجروح من الجرح فإن شهادتهم لا تقبل؛ لأنهم سيجرون إلى أنفسهم نفعاً بهذه الشهادة وهو الدية، فستكون لهم، أو شهدوا أن زيداً هو الذي جرح مورثهم جرحاً مميتاً، ومات المشهود له، نقول: شهادتكم لا تقبل؛ لأنهم لما شهدوا فهم يجرون إلى أنفسهم نفعاً، إذ سيلزم الجارح دية الميت، وإذا لزمته الدية سيرثها هؤلاء الذين شهدوا، فلا تقبل شهادتهم؛ لأنهم يجرون إلى أنفسهم نفعاً.
قوله: «أو يدفع عنها ضرراً» فلو شهد إنسان شهادة تستلزم أن يدفع ضرراً عن نفسه فما تقبل؛ لأنه متهم، وكل الموانع العلة فيها التهمة، مثاله: جَرْحُ العاقلةِ شهودَ قتلِ الخطأ، كإنسان قتل شخصاً خطأ، يريد أن يرمي صيداً ورماه فأصاب إنساناً ومات، فالجناية الآن خطأ، فالدية على العاقلة، رفعت الدعوى عند الحاكم فأنكر القاتل، فجاء أولياء المقتول بشهود يشهدون بأن فلاناً هو الذي قتله خطأ، فقالت عاقلة القاتل: هؤلاء الشهود فسقة، فما تقبل شهادتهم؛ لأنهم يشهدون بهذه الشهادة لئلا يثبت
القتل فتلزمهم الدية، فشهادتهم هذه تتضمن دفع ضرر عنهم فلا تقبل.
والمراد بالعاقلة هنا هم عصبة القاتل خطأ، يعني أبناءه وآباءه وإخوانه وأعمامه وبنوهم.
قوله: «ولا عدوٍّ على عدوه» فلا تقبل شهادة العدو على عدوه؛ لأنه متهم، لكن المراد بالعداوة هنا عداوة الدنيا لا عداوة الدين؛ لأنها لو كانت عداوة الدين لم نقبل شهادة السني على البدعي؛ لأن السني عدو للبدعي ومع ذلك تقبل شهادته عليه، فالمراد العداوة لغير الدين فلا تقبل شهادة العدو على عدوه؛ لأنه متهم، فكل إنسان عدو لشخص يحب أن يلحقه الضرر؛ فلهذا لا نقبل شهادته، وإذا كان السبب في ذلك التهمة فإننا نرجع إلى ما قلنا في الأصول والفروع، وهو إذا كان هذا العدو مبرِّزاً في العدالة، لا يمكن أن يشهد على أي إنسان إلا بحق حتى ولو كان عدوه فإننا نقبل شهادته؛ لعمومات الكتاب والسنة.
وهل تقبل شهادة العدو لعدوه؟ تقبل لزوال التهمة، وقال بعض أهل العلم: لا تقبل شهادة العدو لعدوه؛ لأنه يخشى أن يحابيه ليسلم من شره، وما قول الشاعر عنا ببعيد:
لكن قومي وإن كانوا ذوي عددٍ ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرةً ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
فمن أساء إليهم أحسنوا إليه، ومن ظَلَمَهُم غفروا له، فإن قال قائل: أليست الشريعة المطهرة قد أتت بدفع الأموال للأعداء الذين يخاف شرهم من الزكاة؟
فالجواب: بلى، إذن يمكن للإنسان أن يشهد لعدوه بقصد دفع شره، لهذا لا تقبل لعدوه ولا على عدوه.
ولكن على كل حال هذا التعليل وإن كان مليحاً، لكن فيه شيء من النظر؛ لأننا نقول: احتمال أن يشهد لعدوه من باب المحاباة ودفع الضرر هذا شيء بعيد، وإن كان يقع، والأشياء والاحتمالات العقلية لا تأتي في مثل المسائل العلمية والعملية، فلو أردنا أن نأتي بالاحتمالات العقلية كنا نقول: حتى الشهود العدول الذين ليس فيهم موانع يمكن أن يخطئوا، يمكن أن ينسوا، يمكن أن تحدث عداوة بينهم وبين المشهود عليه.
ولو شهد الصديق لصديقه هل تقبل؟ إن قلنا: لا تقبل شهادة الصديق لصديقه، قلنا للناس: لا يكن بعضكم صديقاً لبعض؛ لأن الصديق لا تقبل شهادته لصديقه! وهذا مشكل؛ لأن معناه أننا نحث الناس على ألا يتصادقوا، وهذا لا يمكن أن يقوله قائل؛ ولذلك ذهب بعض العلماء، ومنهم ابن عقيل من أصحاب الإمام أحمد ـ رحمه الله ـ إلى أنه إذا كانت الصداقة صداقة قوية تصل إلى حد العشق أو ما أشبه ذلك، فإنها لا تقبل شهادته له، قياساً عكسياً على شهادة العدو على عدوه، فالعدو مع عدوه ليس بينهما صلة، والصديق الحميم الشديد الصداقة بينه وبين صديقه صلة قوية؛ لأن بعض الناس مع صديقه ينسى كل شيء، ولا يبالي أن يشهد له بالباطل ولا يهمه، لا سيما إذا وصل الأمر إلى حد العشق، وهذا القياس قوي جداً، أما مطلق الصداقة السائدة بين الناس فلا شك أنها ليست بمانع.
ثم اعلم أن هذا الباب كما قلنا سابقاً: مستثنى من عمومات بعللٍ لا بمسموعات، وهذه العلل قد تقوى على تخصيص العموم، وقد تضعف، وقد تتوسط، فهي مع قوة التخصيص مُخصِّصة، ومع ضعف التخصيص لا تُخصِّص قطعاً، ومع التساوي محل نظر، والقاضي في القضية المعينة يمكنه أن يحكم بقبول الشهادة، أو ردها بهذه الأمور.
وقوله: «ولا عدو على عدوه» فلا تقبل للتهمة، لكن إذا كان مبرزاً في العدالة في جميع الموانع المذكورة فإنها تقبل لزوال التهمة، ودليل ذلك في العدو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]، وشنآن بمعنى بغض وعداوة، فلا تحملكم العداوة والبغض على ترك العدل ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾، فإذا علمنا أن هذا الرجل عادل فإنه إذا شهد على عدوه تكون شهادته مقبولة، كما إذا حكم عليه.
كَمَنْ شَهِدَ عَلَى مَنْ قَذَفَهُ، أَوْ قَطَعَ الطَّرِيقَ عَلَيْهِ، وَمَنْ سَرَّهُ مَسَاءَةُ شَخْصٍ، أَوْ غَمَّهُ فَرَحُهُ فَهُوَ عَدُوُّهُ.
قوله: «كمن شهد على من قذفه، أو قطع الطريقَ عليه» هذان مثالان للعداوة، فما ذكره المؤلف مثالاً لا حصر، رجل مقذوف والمقذوف هو الذي رُمِيَ بزنا أو لواط، ومعروف أن الزنا واللواط يخدشان كرامة الإنسان، ويسقطانه من أعين الناس، ويستبيحان عرضه، فإن الناس يتكلمون فيه، فإذا قذف رجل شخصاً بالزنا، ثم في يوم من الأيام شهد المقذوف على من قذفه بالزنا، فإن الشهادة لا تقبل؛ لأن قذفه إياه بالزنا سببٌ للعداوة، أما من شهد بأن فلاناً قذفه فليس هذا مراد المؤلف؛ لأن هذا ليس بشاهد ولكنه مدعٍ.
وقوله: «أو قطع الطريق عليه» قطع الطريق أن يتعرض الإنسان للناس بالسلاح، سواء في البر أو في البلد؛ لأجل أخذ المال منهم غصباً ومجاهرة لا سرقة فهؤلاء هم قطاع الطريق، كما كان في البادية في الزمن السابق يقفون للناس على الطرقات ثم يغصبونهم المال غصباً مجاهرة، وإذا مانع أحد فإنهم ربما يقتلونه، وقد سبق لنا بيان حدهم الذي أوجب الله ـ تعالى ـ عليهم، فإذا شهد رجل على من قطع الطريق عليه، نقول: إن شهادته لا تقبل؛ من أجل التهمة، ولكن كما أسلفنا إذا كان الإنسان عدلاً مبرزاً في العدالة لا يمكن أن يشهد إلا بالحق فإن شهادته تقبل.
وقول المؤلف رحمه الله (كمن شهد) الكاف للتشبيه وعلى هذا فما ذكره مثال لا حصر.
ثم قال مبيناً حد العداوة: «ومن سره مساءةُ شخص أو غَمَّه فرحُه فهو عدوه» هذه العبارة تعتبر ضابطاً في تعريف العداوة، لكن بشرط أن يكون هذا الشيء لشخص معين إذا أتاه ما يسره أساء الآخر، وإذا فرح فإنه يغتم، وليس المراد إذا كان هذا عادة الإنسان مع جميع الناس؛ لأنه لو كان كذلك لكان الحاسد لا تقبل شهادته؛ لأن الحاسد ـ نعوذ بالله من الحسد ـ يسره مساءة الناس، ويغمه فرحهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 54]، وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: 32]، فكثير من الناس ـ والعياذ بالله ـ قلبه مملوءٌ من الحسد، إذا أتى الناس ما يسوؤهم ـ وإن كان لا علاقة له بهم ـ فإنه يُسَرُّ، وإذا حصل لهم فرح فإنه
يساء ويغتم، فهذا ليس مراد المؤلف، بل مراده إذا كان شخصاً معيناً؛ ولهذا قال: «مساءة شخص» ولم يقل: مساءة الشخص على سبيل العموم، إذاً إذا علمنا أن هذا الرجل إذا أصاب فلاناً ما يسوؤه فرح وسُرَّ بذلك وصار يتحدث للناس: أفرأيتم ما حصل لفلان، وما حصل لفلان، وما حصل لفلان، وإذا حصل له سرور وفرح اغتم، فهذا عدو؛ لأن الصديق يفرح لفرحك ويغتم لغمك.
على كل حال هذه المسألة في الحقيقة لو أنها وكلت إلى القضاة وقيل: إن الحاكم بإمكانه أن يعرف الأمور بالقرائن لكان هذا له وجه؛ لأن الضابط هنا مشكل، فإذا قلنا: إن التهمة هي المانع فالتهمة قد تقوى وقد تضعف وضبطها مشكل، لكن لو قلنا: إن القاضي ينظر في كل مسألة وفي كل قضية بعينها ويحكم بما أراه الله ـ عزّ وجل ـ لكان هذا له وجه.
قال في الروض 1: «ولا ـ أي: لا تقبل ـ شهادة من عرف بعصبية، وإفراط في حمية، كتعصب قبيلة على قبيلة، وإن لم تبلغ رتبة العداوة»، هذه كثيراً ما تقع خصوصاً في البادية، بعض الناس ـ والعياذ بالله ـ عنده عصبية وحمية لقبيلته، وعصبية وحمية على قبيلة آخرين، فتجده يشهد لقبيلته سواء كان عالماً بما شهد به أم لم يعلم، ويشهد على قبيلة أخرى سواء كان عالماً أو لم يعلم، هذا يقول المؤلف: لا تقبل شهادته، فإذا عرف أن هذا الرجل متعصب لقبيلته يشهد لها بالحق، وبالباطل، ومتعصب على قبيلة أخرى يشهد عليها بالحق وبالباطل، فإن شهادته لا تقبل.
فَصْلٌ
وَلاَ يُقْبَلُ فِي الزِّنَا وَالإِقْرَارِ بِهِ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ، وَيَكْفِي عَلَى مَنْ أَتَى بَهِيمَةً رَجُلاَنِ، وَيُقْبَلُ فِي بَقِيَّةِ الْحُدُودِ، وَالْقِصَاصِ، وَمَا لَيْسَ بِعُقُوبَةٍ وَلاَ مَالٍ، وَلاَ يُقْصَدُ بِهِ الْمَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ غَالِباً، كَنِكَاحٍ، وَطَلاَقٍ، وَرَجْعَةٍ، وَخُلْعٍ، وَنَسَبٍ، وَوَلاَءٍ، وَإِيْصَاءٍ إِلَيْهِ يُقْبَلُ فِيهِ رَجُلاَنِ،
................ هذا ال
فصل
عقده المؤلف لبيان عدد الشهود، وعدد الشهود إما أن يكون أربعة، أو ثلاثة، أو اثنين، أو واحداً، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً واحداً ويمين المدعي، كل هذا سيذكره المؤلف، فالذي لا بد فيه من أربعة هو الزنا، قال رحمه الله:
«ولا يقبل في الزنا والإقرار به إلا أربعة» قوله: «أربعة» مؤنثة فيكون المعدود مذكراً، يعني إلا أربعة رجال، فالزنا لا يقبل فيه إلا أربعة رجال، دليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ﴾، أي: الأربعة، ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النور: 13]، فلو شهد ثلاثة وتوقف الرابع فإن الشهادة لا تتم، ونجلد أولئك الشهود الثلاثة حد القذف، أما المتوقف فإننا لا نجلده ولكن لنا أن نعزره، فلو جاء أربعة يريدون أن يشهدوا على رجل بزنا، وسبق أنه لا بد من التصريح بالزنا، فصرح ثلاثة، قالوا: رأينا ذكر الرجل في فرج هذه المرأة، أما الرابع فتوقف، فإن الثلاثة الأولين قذفة يجلدون كل واحد ثمانين جلدة، والرابع يعزر؛ لأنه لم يصرح بالزنا.
ولو شهدت ثماني نساء لا تقبل شهادتهن؛ لأنه لا مدخل للنساء في الحدود، فالحدود لا يقبل فيها إلا شهادة الرجال فقط، ولو شهد أربعة غير بالغين فلا تقبل شهادتهم لفوات الشرط وهو البلوغ.
وقوله: «والإقرار به» الإقرار بالزنا لا بد فيه من أربعة رجال يشهدون بأن فلاناً أقر بالزنا عندهم، فلا يقبل رجلان ولا ثلاثة؛
لأن الإقرار بالزنا موجب للحد، والشهادة تثبت الإقرار، وإذا كانت الشهادة هي التي تثبت الإقرار ـ وهو موجب للزنا ـ فلا بد من أربعة رجال يشهدون به.
قوله: «ويكفي على مَنْ أتى بهيمةً رجلان» يعني لو شهد رجلان على شخص بأنه أتى بهيمة كفى، وماذا نصنع بهذا الشخص؟ يعزر وتقتل البهيمة، فإن كانت له فقد فاتت عليه، وإن كانت لغيره لزمه ضمانها لصاحبها.
قوله: «ويقبل في بقية الحدود، والقصاص، وما ليس بعقوبة، ولا مال، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً، كنكاح، وطلاق، ورجعة، وخلع، ونسب، وولاء، وإيصاء إليه يقبل فيه رجلان» العدد المطلوب في هذه الأشياء رجلان اثنان، فالنساء لا مدخل لهن فيه، لكن انتبه للشروط، يقول: «الحدود والقصاص» هذان اثنان «وما ليس بعقوبة ولا مال ولا يقصد به المال ويطلع عليه الرجال» وهذه ثلاثة «ما ليس بعقوبة» لأن العقوبة سبق أنها إن كانت زنا يشترط أربعة رجال «ولا مال» لأن المال سيأتي ما يكفي فيه من الشهود «ولا يقصد به المال» كذلك سيأتي ما يكفي فيه، «ويطلع عليه الرجال»؛ وسيأتي ما يكفي فيه، فالمال وما
يقصد به يكفي فيه رجلان أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، وسيأتي، والذي يطلع عليه النساء غالباً يكفي فيه امرأة واحدة، كالطلاق والرجعة، وبعضهم يقول: الطلاق والرجعة لا بد من شهود وسيأتي في كلام المؤلف أيضاً، ولا بد أن نعرف محترزات هذه القيود.
فقوله: «ما ليس بعقوبة» خرج به ما كان عقوبة، وبينته رجلان، كالحدود، والقصاص.
وقوله: «ولا مال» خرج به ما كان مالاً.
وقوله: «لا يقصد به المال» أيضاً خرج به ما يقصد به المال فبينته بينة المال وسيأتي.
وقوله: «ويطلع عليه الرجال غالباً» خرج به ما يطلع عليه النساء غالباً، وستأتي بينته في كلام المؤلف.
وقوله: «كنكاح» النكاح لا بد فيه من رجلين، فلو شهد به أربعة نساء، وقالوا: نشهد أن فلاناً عقد له على فلانة، فإن ذلك لا يقبل، وكذلك رجل وامرأتان لا يقبل.
وقوله: «وطلاق» فلا بد فيه من رجلين فلو شهد به امرأتان لم يحكم به، حتى وإن كانت المرأتان في البيت، فلو شهدت امرأتان بأن فلاناً طلق زوجته وليس عنده إلا المرأتان، فإن الطلاق لا يقع إذا أنكره الزوج؛ لأنه لا بد فيه من رجلين، قالوا: الدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: 2]، وأما النساء فيقال ذواتي كما قال الله تعالى: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ [سبأ: 16]، فهذا يدل على أن لا بد فيه من الرجال.
وقوله: «ورجعة» كذلك ـ أيضاً ـ الرجعة، وهي إعادة المطلقة إلى النكاح تكون في الطلاق الأول وفي الثاني، لا في الثالث، ولا في الطلاق على عوض، ولا في الفسخ لعيب، فلا تكون إلا في الطلاق الذي لم يتم به العدد.
وقوله: «وخلع» وهو مفارقة الزوجة بعوض منها أو من غيرها فيكفي فيه رجلان.
وقوله: «كنكاح وطلاق ورجعة وخلع ونسب وولاء وإيصاء إليه» يعني في غير مال يقبل فيه رجلان، وأكثر المؤلف من الأمثلة للأهمية، فالنكاح ليس عقوبة، ولا مالاً، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال، والطلاق كذلك، والرجعة كذلك، والخلع كذلك، وهذا ما مشى عليه المؤلف، على أن بعض أهل العلم يقول: إن الطلاق والرجعة مما يطلع عليه النساء غالباً.
وقوله: «ونسب» النسب يعني القرابة وهي الصلة بين إنسانين بولادة، فالأخوة نسب، والأبوة نسب، والأمومة نسب، والعمومة نسب، فإذا قال رجل: إن هذا ولدي، أي: ادعى أنه ولده وليس للولد نسب معروف، فلا تقبل دعوى هذا الرجل إلا برجلين شاهدين؛ لأن النسب ليس مالاً، ولا عقوبة، ولا يقصد به المال، ويطلع عليه الرجال غالباً.
وقوله: «وولاء» الولاء سببه العتق، فإذا أعتق الإنسان عبداً مملوكاً صار ولاؤه له، فإذا ادعى شخص أن هذا العتيق ولاؤه له، فقال: ولاء هذا العتيق لي، وليس له مولى معروف، ماذا نقول لهذا المدعي؟ نقول: ائتِ برجلين يشهدان بأن الولاء لك، ويكون لك.
وقوله: «وإيصاء إليه» المؤلف ـ رحمه الله ـ أطلق الإيصاء، وصاحب الروض قيدها في غير مال (1)، وهذا القيد قد ندعي أنه معلوم من كلام المؤلف؛ لأنه قال: «ليس بمال ولا يقصد به المال» وعلى هذا يكون إيصاء في غير المال، مثل أن يوصي إليه بالنظر في حق أولاده الصغار، قال: أوصيت إلى فلان يلاحظ أولادي الصغار ويقوم بتربيتهم، أو يوصي إليه بتزويجه بناته على القول بأن ولاية النكاح تستفاد بالوصاية، والمسألة سبق لنا أن فيها خلافاً، وأن الصحيح أن الولي في النكاح إذا مات سقطت ولايته أصلاً وفرعاً، وأن ولاية النكاح لا تستفاد بالوصاية، فيكون قول المؤلف «إيصاء» يعني في غير المال، مثل إيصاء في النكاح، إيصاء في النظر على الأولاد، فلا بد فيه من رجلين، فإذا جاءنا إنسان بعد الموت، وقال: إن ميتكم أوصى إلي بأن أزوج أخواتكم ـ أي: بناته ـ فإذا طلبنا البينة منه نطلب رجلين، فلو أتى برجل واحد ما نقبل.
وَيُقْبَلُ فِي الْمَالِ وَمَا يُقْصَدُ بِهِ كَالْبَيْعِ، وَالأَجَلِ، وَالْخِيَارِ فِيهِ، وَنَحْوِهِ رَجُلاَنِ، أَوْ رَجُلٌ وامْرَأَتَانِ، أَوْ رَجُلٌ وَيَمِينُ الْمُدَّعِي،
....... قوله: «ويقبل في المال وما يقصد به كالبيع، والأجل، والخيار فيه ونحوه» يعني وشبهه مثل القرض، والرهن، والغصب، والإجارة، والوقف، والمساقاة، والمزارعة، والشركة، كل المعاملات المالية، أو ما يتعلق بها من شروط، أو أوصاف كلها تسمى مالاً، أو يقصد بها المال، فهذه بينتها أوسع البينات؛1
والحكمة أن التعامل بها أكثر المعاملات، ولو نسبت المعاملات في الأنكحة إلى المعاملات في البيوع لوجدت البيوع أكثر بلا شك، ولهذا من حكمة الله ـ عزّ وجل ـ ورحمته أنه وسع البيِّنة في الأموال لكثرة تلبس الناس بها.
قوله: «رجلان أو رجل وامرأتان أو رجل ويمين المدعي» ثلاثة أنواع من البينات: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] أما رجل ويمين المدعي فلحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ قال: قضى النبي صلّى الله عليه وسلّم بالشاهد ويمين المدعي 1، وحكم الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ حكم ودليل؛ لأنه مشرِّع ـ عليه الصلاة والسلام ـ.
وهل يقدم الشاهد أو تقدم اليمين؟ يقدم الشاهد فنقول للمدعي: أحضر الشاهد، فإذا شهد نقول: احلف، فلو حلف قبل إحضار الشاهد لم يجزئ، وإنما كان الأمر كذلك؛ لأنه إذا أتى بشاهد فنصاب الشهادة لم يتم، لكن ترجح جانب المدعي بإحضار هذا الشاهد، ولما ترجح جانبه صارت اليمين في جانبه؛ لأن اليمين إنما تشرع في جانب أقوى المتداعيين، ولهذا سبق في القسامة أن اليمين تكون في جانب المدعي؛ لأن معه قرينة ظاهرة تدل على صدقه، فهذه ثلاثة أنواع من البينات كلها تثبت الدعوى في المال.
ولننظر أمثلة المؤلف:
البيع: ادعى شخص أن فلاناً باع عليه سيارته وأنكر فلان أنه باع، نقول للمدعي: هات البينة، وهي رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، فإن أتى برجلين يشهدان على وقوع البيع يحكم له بذلك، أو أتى برجل وامرأتين يحكم له بذلك.
فإذا قال قائل: كيف تشهد المرأتان؟ كيف تتكلم المرأة عند القاضي؟ فالجواب: تتكلم عند القاضي؛ لأن صوتها ليس بعورة.
فإذا لم يأتِ لا برجلين، ولا برجل وامرأتين، لكن أتى برجل واحد، وقال: ما عندي غير هذا الرجل، نقول: يحتاج هذا الرجل إلى تقوية وهي اليمين، دعه يشهد وأنت تقوي شهادته بيمينك؛ لأن اليمين ـ كما قررنا سابقاً ـ تكون في جانب أقوى المتداعيين، والمدعي الآن جانبه صار أقوى من المنكر؛ لأن المنكر ليس معه إلا الأصل وهو عدم البيع، لكن المدعي صار معه شاهد، والشاهد أقوى من الأصل، فلما قوي جانبه بالشاهد قلنا له: احلف، ولهذا لو حلف قبل إقامة الشاهد ما نفع، فلا بد أن يأتي أولاً بالشاهد ويشهد ثم يحلف.
وهل يلزمه أن يحلف أن شاهده صادق، فيقول: والله لقد باع عليَّ فلان كذا وكذا، ووالله إن شاهدي لصادق؟ الجواب: لا يلزم؛ لأن تصديق الشاهد، أو عدمه يرجع إلى القاضي وليس إليه.
فصارت البينات في المال وما يقصد به ثلاثاً، فلو أتى
بأربع نساء فإنه لا يقبل على المشهور من المذهب، ولو أتى بامرأتين ويمين فإنه لا يقبل، ولو أتى بامرأة ويمين من باب أولى ألا يقبل، وقال بعض أهل العلم: بل إن المرأتين تقومان مقام الرجل إلا في الحدود؛ من أجل الاحتياط لها، واستدل هؤلاء بعموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل» 1 وأطلق ولم يفصل، ثم إن الله ـ تعالى ـ ذكر العلة في اشتراط العدد في النساء، وهي أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى، ولم يذكر أن العلة المال، بل العلة أن تقوى المرأة بالمرأة فتذكِّرَها إذا نسيت، وهذا يكون في الشهادة في الأموال وفي غير الأموال، إلا ما سُلِكَ فيه طريق الاحتياط، ويكون كذلك في المرأة معها رجل أو ليس معها رجل، وهذا القول هو الراجح، فالقول الصحيح أن المرأتين تقومان مقام الرجل مطلقاً، إلا في الحدود للاحتياط لها؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: 4] فهو نص صريح في وجوب الذكورية، إذاً المال يثبت برجلين، وأربع نساء، ورجل وامرأتين، ورجل ويمين المدعي، وامرأتين ويمين المدعي، واختار شيخ الإسلام ـ أيضاً ـ وامرأة ويمين المدعي، فقال: إن المرأة إذا كانت ذاكرة للشهادة ومتيقنة، فالعلة التي ذكرها الله عزّ وجل وهي أن تضل إحداهما انتفت، فتكون طرق إثبات المال ستة، والسابعة القرائن الظاهرة،
وسبق لنا منها أمثلة: كرجل هارب بيده غترة وعلى رأسه غترة، وآخر يلحقه يرفع صوته وليس على رأسه شيء، يقول: أعطني غترتي، فهنا الظاهر مع المدعي فيحلف مع القرينة الظاهرة، أو تنازع الرجل والمرأة في أواني البيت، فقال الرجل: الدلال لي، وقالت المرأة: بل هي لي، فالظاهر مع الرجل، فهو صاحب الدلال، لكن لو تنازع في أمر يحتمل أن يكون مما تأتي به النساء، ومما يأتي به الرجال، كالفرش فأحياناً يحضرها الرجل، وأحياناً تحضرها المرأة، تحب أن يكون مجلسها أمام النساء جيداً وطيباً، فإذا تنازع الرجل والمرأة فيها، فهنا إذا كان يغلب على الظن أنها للمرأة تحلف وتأخذه، فتبين أن المال أوسع الأشياء في البينات.
وقوله: «والأجل» الأجل في البيع إما أن يدعيه البائع أو المشتري، كما لو اشترى شخص من فلان بيتاً، وادعى أن الثمن مؤجل إلى سنة وأنكر البائع، فالمدعي هنا المشتري، نقول: هات بينة، وبينتك كما ذكر المؤلف، وقد يكون الذي يدعي التأجيلَ البائعُ، كما في السلم ـ مثلاً ـ وهو تعجيل الثمن وتأخير المثمن، فالذي يدعي الزيادة في الأجل ـ مثلاً ـ البائع، ويقول المشتري: إن أجل السلم إلى سنة، ويقول البائع: بل أجل السلم إلى سنتين، وعلى كلٍّ، فمدعي الأجل سواء البائع، أو المشتري، أو المستأجر، أو المؤجر بينته أحد ثلاثة الأمور التي ذكرها المؤلف؛ لأنه مما يقصد به المال.
مثال آخر: القرض: ادعى زيد أنه أقرض شاكراً مائة ريال
وأنكر شاكر، فنقول للمدعي: هات البينة، وهي أحد ثلاثة الأمور التي ذكرها المؤلف: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي.
وقوله: «والخيار فيه» أي: في البيع، يعني بأن يدعي المشتري أو البائع أنه شرط الخيار ليفسخ فينكر صاحبه، فهنا تكون البينة إما رجلين، أو رجلاً وامرأتين، أو رجلاً ويمين المدعي؛ لأن الخيار مما يقصد به المال.
وقوله: «ونحوه» يعني نحو هذه الأشياء التي تتعلق بالمال، كالقرض، والسلم، والإجارة، والرهن، والوقف، وغير ذلك، فكل ما يتعلق بالمال بينته واحد من أمور ثلاثة، وهي: رجلان، أو رجل وامرأتان، أو رجل ويمين المدعي، وسبق لنا هل تجزئ المرأتان عن الرجل فيما إذا كان هناك يمين للمدعي؟ ذكرنا أن شيخ الإسلام يرى أنها تجزئ، وكذلك لو كان أربع نساء، هل تجزئ شهادتهن بدل الرجلين؟ ذكرنا أن في ذلك خلافاً وأن الراجح قبول ذلك، وأنها تجزئ وهل تقبل دعوى المدعي إذا أتى بشاهدين بكل حال؟
نقول: لا تقبل بكل حال وقد سبق أن ذكرنا أن لدعوى المدعي شروطاً ستة منها: إمكان صحة الدعوى، فإذا لم يمكن فلا تقبل كما لو قال رجل: إن فلاناً باع علي بيته منذ أربعين سنة والبائع ليس له من العمر إلا عشرين سنة، فهذه الدعوى لا تسمع.
وهل الحالف في القسامة آثم؟
لا يأثم لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم جعل القرينة الظاهرة مجوزة لليمين.
ومَا لاَ يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، كَعُيُوبِ النِّسَاءِ تَحْتَ الثِّيَابِ، وَالْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالْحَيْضِ، وَالْوِلاَدَةِ، وَالرَّضَاعِ، وَالاِسْتِهْلاَلِ وَنَحْوِهِ تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ عَدْلٍ.
وَالرَّجُلُ فِيهِ كَالْمَرْأَةِ، وَمَنْ أَتَى بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ فِيْمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ قَوَدٌ وَلاَ مَالٌ، وَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ فِ
ي سَرِقَةٍ ثَبَتَ الْمَالُ دُونَ الْقَطْعِ، وَإِنْ أَتَى بِذَلِكَ فِي خُلْعٍ ثَبَتَ لَهُ الْعِوَضُ، وَتَثْبُتُ الْبَيْنُونَةُ بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُ.
قوله: «وما لا يطلع عليه الرجال» أي: غالباً؛ لأن الرجال قد يطلعون على ما ذكره، لكن الغالب أن الذي يطلع على هذه الأمور النساء، وقوله: «ما» اسم موصول خبره قوله: «تقبل فيه شهادة امرأة».
قوله: «كعيوب النساء تحت الثياب» مثل برص أو نحوه، فعيوب النساء تحت الثياب لا يطلع عليها إلا النساء غالباً، فإذا شهدت امرأة أن هذه الزوجة التي تزوجها الرجل فيها برص تحت ثيابها حكم بثبوته، وحينئذٍ يكون للزوج الفسخ، ويرجع بالمهر على من غرَّه كما سبق.
قوله: «والبكارة، والثيوبة» قد يحصل نزاع بين الزوج والزوجة في كونها بكراً أو ثيباً، فشهدت امرأة بوجود البكارة فتقبل شهادتها في ذلك؛ لأن هذا لا يطلع عليه إلا النساء غالباً، أو شهدت بأنها ثيب فإنها تقبل شهادتها؛ لأن هذا لا يطلع عليه إلا النساء غالباً، فلو ادعت المرأة أن زوجها لا يقدر على الجماع، فقال الزوج: إنه يقدر وأنه جامع فعلاً، نأتي بامرأة تطلع على المرأة، فإذا وجدتها ثيباً نحكم بأنها موطوءة، كذلك العكس لو ادعى الرجل أن المرأة ليست بكراً وقد اشترط أنها بكر، فقالت هي: بل هي بكر، فأتت بامرأة تشهد فإننا نقبل شهادتها.
قوله: «والحيض» فالحيض لا يطلع عليه إلا النساء غالباً،
ولهذا الإنسان لا يعرف أن أمه حائض، ولا أن أخته حائض، ولا عمته ولا جدته، فالذي يطلع هن النساء، تجد المرأة تعرف أن هذه المرأة حائض.
فالحيض نحتاج إلى الشهادة فيه عندما تدعي المرأة أن عدتها انقضت في وقت قصير يبعد أن تنقضي العدة بمثله، فهنا نحتاج إلى بينة تشهد بأن عدتها انقضت بالحيض.
قوله: «والولادة» أيضاً لا يطلع على الولادة إلا النساء غالباً، مثل أن تدعي المرأة أنها ولدت وأسقطت، والزوج يقول: لا، وتأتي بامرأة تشهد بأنها أسقطت ولداً، فتقبل شهادة امرأة واحدة.
قوله: «والرضاع» بأن تشهد امرأة على أن هذا الطفل رضع من فلانة خمس رضعات، فتقبل شهادة المرأة الواحدة، حتى وإن كان على فعلها، فلو شهدت امرأة بأنها أرضعت فلاناً فإنها تقبل شهادتها.
قوله: «والاستهلال» أي صُراخ المولود، فإذا ادعت أن الولد استهل وأنكر غيرها، وأتت بامرأة تشهد بذلك قبلت شهادتها، مثاله: امرأة مات عنها زوجها وهي حامل، ولزوجها أخ شقيق فولدت هذه المرأة ذكراً، وإن استهل حجب الأخ الشقيق، فإن لم يستهل فإن التعصيب للأخ الشقيق، وإذا استهل يكون للزوجة الثمن، وللمولود الباقي ثم ترجع ترث منه؛ لأنها أمه، وإن لم يستهل فللزوجة الربع والباقي للأخ الشقيق الذي هو عم الجنين، فأتت بامرأة تشهد بأن هذا الطفل لما نزل من بطن أمه صرخ، فتقبل الشهادة ويرث الطفل.
قوله: «ونحوه» مثل عيوب النساء كالقرن، والعفل، والفتق، والاستحاضة، وغير ذلك مما لا يطلع عليه إلا النساء.
قوله: «تقبل فيه» أي: في هذا الذي لا يطلع عليه إلا النساء غالباً.
قوله: «شهادة امرأة عدل» ولماذا لم يقل: عدلة؟ لأن «عدل» مصدر، والمصدر لا يؤنث، قال ابن مالك ـ رحمه الله تعالى ـ:
ونعتوا بمصدرٍ كثيرا
فالتزموا الإفراد والتذكيرا
وكذلك: الجراحة، أو الضرب، أو العدوان في حفل عرس ليس فيه إلا النساء تقبل فيه شهادة امرأة.
ودليل هذه المسألة: قصة المرأة التي شهدت أنها أرضعت المرأةَ وزوجَها، فأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بفراقها، وقال: «كيف وقد قيل» 1؟!
قوله: «والرجل فيه كالمرأة» إذا شهد الرجل في هذه الأشياء قُبِل من باب أولى؛ لأن شهادة الرجل أقوى من شهادة المرأة، وإنما سومح بشهادة المرأة؛ لأن الغالب أن الرجال لا يطلعون على ذلك، فإذا قُدِّر أن رجلاً اطلع على هذا فإنه يقبل.
ثم ذكر المؤلف ثلاث مسائل: واحدة يتبعض فيها الحكم بمقتضى الشهادة، والثانية يتبعض بمقتضى الإقرار والشهادة أيضاً، والثالثة لا يتبعض، فقال:
«ومن أتى برجل وامرأتين أو شاهدٍ ويمينٍ فيما يوجب القود لم يثبت به قود ولا مال» كشخص أتى برجل وامرأتين يشهدون بأن فلاناً قاتِلُ هذا الرجل عمداً، فهنا لا نقبل شهادتهم، ولا يثبت المال؛ لأن هذا من باب القصاص الذي لا يقبل فيه إلا رجلان، والمال فرع عن القصاص، فالأصل في العمد القصاص، فلو أتى برجل وامرأتين في موضِحة وهي الشجة في الرأس، أو في الوجه التي تبرز العظم؛ أي: توضحه، ففيها قصاص؛ لأنه يمكن أن نقتص من الجاني فلا تقبل شهادتهم لأن الموضحة فها قصاص والقصاص ليس بمال.
لكن لو أتى برجل وامرأتين أو شاهد ويمين المدعي في دامغة وهي التي توضح العظم، وتهشمه، وتكسره حتى تصل إلى أم الدماغ، فهذه ليس فيها قصاص، فإن الشهادة تقبل، وهذا من الغرائب، فلو قيل لك: أيهما أعظم الموضحة، أو المأمومة؟ الجواب: المأمومة أشد، ومع ذلك المأمومة تقبل الشهادة فيها والموضحة لا تقبل.
قوله: «وإن أتى بذلك في سرقة ثبت المال دون القطع» هنا تبعَّض الحكم «إن أتى بذلك» أي برجل وامرأتين، أو رجل ويمين المدعي ثبت المال دون القطع، قال: إن فلاناً سرق مني مائة درهم، قلنا له: هات الشهود، فأتى برجل وامرأتين يشهدون بأن فلاناً سرق منه مائة درهم، والسرقة توجب شيئين: الحد وهو قطع
اليد، وضمان المال للمسروق منه، فهذا الرجل المسروق منه أتى برجل وامرأتين يشهدون بأن فلاناً سرق منه، نقول: يثبت المال دون القطع، يعني أننا لا نقطع السارق ونضمِّنه المال، كيف يكون فعل واحد يوجب شيئين فنثبت أحدهما دون الآخر؟! الجواب: لأن هذا الفعل يوجب الحد لله، والضمان للمسروق منه، وهنا قلنا: إنه يثبت المال ولا يثبت القطع؛ لأن المال وجد فيه نصاب البينة وهي رجل وامرأتان، فثبت، وأما القطع فهو حد لا يثبت إلا برجلين ولم يوجد رجلان، وعلى هذا فنصاب الشهادة لم يتم فيتبعض الحكم، وهكذا القواعد الشرعية فإن الأحكام قد تتبعض، فما وجد سببه ثبت وما لم يوجد لم يثبت.
قوله: «وإن أتى بذلك في خلعٍ ثبت له العوض، وتثبت البينونة بمجرد دعواه» كرجل ادعى أن زوجته خالعته بعشرة آلاف، قلنا له: هات البينة، فأتى برجل وامرأتين، نقول: يثبت المال ولا يثبت الخلع، فيثبت المال لوجود بينة المال، وهي رجل وامرأتان، ولا يثبت الخلع؛ لأن الخلع لا بد فيه من رجلين، ولكن يثبت بطريق آخر وهو إقراره به؛ لأنه ادعى أنها خالعته فيكون مقراً بذلك، ولهذا قال: «تثبت البينونة بمجرد دعواه»؛ لأنه لما قال: إنها خالعته اقتضى البينونة، وأنها لا تحل له إلا بعقد، فهنا الحكم ثبت لكن بسببين: المال ثبت بسبب الشهود، الرجل والمرأتين، والبينونة ثبتت بإقراره؛ لأن دعواه إقرار، فلو ادعى أنها خالعته بعشرة آلاف ريال، وليس عنده إلا
امرأتان وأتى بهما، فلا يثبت المال؛ لأنه لم تتم بينته، وعلى المذهب المرأتان لا تكفيان مع اليمين، والخلع يثبت بإقراره؛ لأنه أقر أن المرأة مخالعة، وأنها لا تحل له، انظر الدقة في الأحكام؛ لأنه يمكن لأحد أن يقول: كيف تقولون: يثبت الخلع وهو ما أُعطي شيئاً؟! نقول: دعواه الخلع تتضمن شيئين: تتضمن إقراراً على نفسه بالبينونة، ودعوى على المرأة بالعوض، الدعوى على المرأة بالعوض ما وجدنا لها بينة، والإقرار بأنها بانت منه نحكم به لأن دعواه بأنها خالعته هو إقرار على نفسه.
ولو ادعت أن زوجها خالعها بعشرة آلاف ريال، وأتت برجل وامرأتين فلا يقبل ولا يثبت الخلع ولا المال؛ لأن ثبوت المال عليها فرع عن ثبوت الخلع، والخلع هنا لم يثبت.
فَصْلٌ
هذا ال
فصل
عقده المؤلف ـ رحمه الله ـ للشهادة على الشهادة، ولا يبعد عن ذهنك تذكر كتاب القاضي إلى القاضي، فهنا فرعان: فرع في الحكم في كتاب القاضي إلى القاضي، وفرع في الشهادة وهو الشهادة على الشهادة.
والشهادة على الشهادة نحتاج إليها للأمور الآتية:
أولاً: لنفرض أن الشهود في مكان بعيد عن مكان القضاء، في بادية، والشهود لا يتمكنون من أن يذهبوا إلى القاضي.
ثانياً: ربما يكون الشهود في البلد لكنهم مرضى لا يستطيعون الحضور، فنحتاج إلى الشهادة على الشهادة.
ثالثاً: ربما يكون الشهود الأصل يخافون على أنفسهم إذا شهدوا، فنحتاج إلى الشهادة على الشهادة.
رابعاً: ربما يكون المشهود عليه من أقارب الشاهد الأصلي، ولا يحب أن يظهر أمام الناس أنه شاهد عليه، فيحمِّلُ الشهادةَ غيرَهُ.
هذه أربعة أسباب وربما يكون هناك أسباب أخر، المهم أن الحاجة بل الضرورة أحياناً تدعو إلى الشهادة على الشهادة.
مثال الشهادة على الشهادة: أنا أشهد أن زيداً يطلب عمراً مائة ريال، فقلت لآخر: اشهد على أني أشهد أن لزيد على عمرو مائة ريال، أو اشهد على شهادتي على عمرو؛ لأن المقصود المعنى، والصيغة لا تهم، وهل الشهادة على الشهادة تجوز في كل شيء؟ الجواب: لا، بل لا بد فيها من شروط، ولهذا يقول المؤلف:
وَلاَ تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ، إِلاَّ فِي حَقٍّ يُقْبَلُ فِيهِ كِتَابُ الْقَاضِي إِلَى الْقَاضِي، وَلاَ يُحْكَمُ بِهَا إِلاَّ أَنْ تَتَعَذَّرَ شَهَادَةُ الأَصْلِ بِمَوْتٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ غَيْبَةٍ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وَلاَ يَجُوزُ لِشَاهِدِ الْفَرْعِ أَنْ يَشْهَدَ إِلاَّ أَنْ يَسْتَرْعِيَهُ شَاهِدُ الأَصْلِ،
............ «ولا تقبل الشهادة على الشهادة إلا في حق يُقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي» هذا الشرط الأول، فيشترط للشهادة على الشهادة أن تكون فيما يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، وقد سبق أن كتاب القاضي إلى القاضي لا يكون إلا في حقوق الآدميين، أما حقوق الله كالحدود فلا يقبل أن يكتب القاضي إلى القاضي، وسبق ـ أيضاً ـ هناك أن القول الراجح صحة كتاب القاضي إلى القاضي حتى في الحدود، وأن هذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإذا كان هذا فرعاً على ذاك فيكون الصحيح هنا صحة الشهادة على الشهادة في الحدود وغيرها، فلو أن رجلاً شهد بقذف، شهد أن فلاناً قذف فلاناً فقال: أنت زانٍ، وأراد أن يحمل غيره هذه الشهادة فلا تقبل على المذهب؛ لأنه لا يقبل فيه كتاب القاضي إلى القاضي، ودليل ذلك قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» 1، ولكن سبق في كتاب الحدود أن هذا الحديث فيه مقال، وأن الشبهات التي أمر بدرء الحدود فيها هي التي يشتبه في ثبوت مقتضى الحد، وأما أنها كل شبهة فلا.
قوله: «ولا يحكم بها إلا أن تتعذر شهادة الأصل بموت أو مرض أو غيبةٍ مسافةَ قصر» هذا الشرط الثاني أن تتعذر شهادة الأصل، فإن أمكن أن يشهد فلا تقبل الشهادة على الشهادة؛ لسببين:
الأول: التطويل؛ لأنك في الشهادة على الشهادة ستحتاج إلى تعديل الأصل والفرع، بينما في الشهادة الأصلية تحتاج إلى تعديل الأصل فقط، مثلاً: زيد وعمرو يشهدان ويريدان أن يحمِّلا الشهادة بكراً وخالداً، فعند الحكم سنحتاج إلى تعديل الأصل وهما زيد وعمرو، والفرع وهما بكر وخالد، فتطول المسألة، ومعلوم أنه إذا أمكن الاختصار فلا حاجة للتطويل.
الثاني: أنه في التحمل ربما يزاد في الشهادة أو ينقص، فاحتمال السهو من أربعة أقرب من احتماله من اثنين؛ فلهذا يكون مع التطويل احتمال تغيير الشهادة؛ لأن الاثنين اللذين حُمِّلا الشهادة قد يخطئان؛ ولهذا لا يعدل إلى الفرع مع وجود الأصل، فلا بد من أن تتعذر شهادة الأصل، ويمكن أن نشبه هذا بالماء والتراب في الطهارة، فنقول: إذا وجد الماء فلا تيمم.
قوله: «ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد إلا أن يسترعيه شاهدُ الأصل» هذا الشرط الثالث أن يسترعيه شاهد الأصل، والاسترعاء مأخوذ من الرعاية، ومعناه أن يطلب منه أن يشهد
على شهادته، وهو مأخوذ من قولهم: أرعني سمعك، فلا بد أن يسترعي شاهدُ الأصل شاهدَ الفرع؛ بأن يقول: اشهد على شهادتي على فلان بكذا، فإن سمعه يتحدث بالشهادة دون أن يقول: اشهد على شهادتي فإنها لا تقبل، ولا يجوز لشاهد الفرع أن يشهد على شاهد الأصل؛ لأنه من الجائز أن يكون قد تحدث عن شهادته، ولكنه يتحدث عن أمر مضى وانقضى، وصاحب الحق استوفى حقه وما أشبه ذلك، وما دام هذا الاحتمال موجوداً فإنه يمنع القطع بالشهادة، فلا يجوز أن يشهد على شهادته.
وقال بعض أهل العلم: لا يشترط أن يسترعيه، وأنه إذا سمع شخصاً يقول: أشهد أن فلاناً له عند فلان كذا وكذا، ثم مات هذا القائل وقد سمعه بعض الناس، فللسامع أن يشهد مع أنه لم يسترعِه، وردوا التعليل الأول بأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وما دام سمع هذا الرجلُ فلاناً يشهد بحقٍّ على فلان فله أن يشهد عليه، فيقول: أشهد أن فلاناً يشهد بأن على فلان كذا وكذا، ولا يقول: أَشْهَدَني؛ لأنه لم يشهده، فإن استرعاه غير الأصل، بأن قال صاحب الحق لشخص: اسمع شهادة فلان بحقي على فلان، ثم جاء وشهد الشاهد بحق فلان على فلان، وتوفي أو غاب، فعلى المذهب ليس له أن يشهد؛ لأن شاهد الأصل لم يسترعه، وعلى القول الثاني له أن يشهد، بل القول هنا أقوى من القول بما إذا لم يسترعِه أحد، فصارت الصور ثلاثاً:
الأولى: أن يسترعيه شاهد الأصل، وفي هذه الصورة له أن يشهد قولاً واحداً.
الثانية: أن يسترعيه صاحب الحق ليس الشاهد، وهذه على المذهب لا تجوز، وعلى ما اختار صاحب المغني، والشرح تجوز، يعني الموفق وابن أخيه عبد الرحمن أبي عمر تجوز.
الثالثة: ألا يسترعيه أحد لكنه يسمع أن فلاناً يشهد، فهذه الحال فيها خلاف، لكن الخلاف فيها أضعف من الخلاف في المسألة الثانية، والذي يظهر في المسألة الأخيرة أنه يجوز أن يشهد، لكن لا يقل: أَشْهَدَني فلان، وإنما يقول: أشهد على شهادة فلان بكذا وكذا؛ لأن الأصل بقاء ما كان على ما كان، وهذا لم يشهد بباطل، وأحياناً ربما لا نجد ما يثبت الحق إلا هذه الشهادة.
فَيَقُولُ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي بِكَذَا، أَوْ يَسْمَعُهُ يُقِرُّ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ، أَوْ يَعْزُوهَا إلَى سَبَبٍ، مِنْ قَرْضٍ، أَوْ بَيْعٍ، أَوْ نَحْوِهِ، وَإِذَا رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يُنْقَضْ، وَيَلْزَمُهُمُ الْضَّمَانُ دُوْنَ منْ زَكَّاهُمْ، وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، ثُمَّ رَجَعَ الشَّاهِدُ غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ.
قوله: «فيقول: اشهد على شهادتي بكذا» أي: أن شاهد الأصل يقول: اشهد على شهادتي، أو يقول: اشهد أني أشهد على أن لفلان على فلان كذا، أو ما أشبه ذلك من العبارات، المهم أن يأتي بلفظ يدل على أن شاهد الأصل حمَّل شاهد الفرع الشهادة، وهل يشترط أن يكون الفرع رجلين فأكثر على أصل واحد، أو يكفي على كل أصل فرع؟ نقول: يكفي على كل أصل فرع، فزيد وعمرو أصلان، يشهد على زيدٍ بكرٌ، وعلى عمرٍو خالدٌ فيجوز، ويجوز أن يكون لكل أصل فرعان من باب أولى، ويجوز أن يشهد الفرعان على كل أصل، بمعنى أن حجَّاجاً وياسراً يشهدان على عبد الرحمن ويشهدان على خليل، هاتان صورتان، وهل يجوز أن يشهد على الأصلين فرع واحد؟ الجواب: لا، فلا يكتفى بشهادة واحدة
متحملة عن أصلين، مثل أن يشهد حجاج على عبد الرحمن وخليل، فهنا ما نحكم بالشهادة؛ لأنه واحد، وقيل: يجوز، لأن شهادة الفرع خبر وليست أصلاً، فحجاج ـ مثلاً ـ يقول: أخبرني عبد الرحمن وأخبرني خليل؛ بأنهما يشهدان على فلان بكذا، قالوا: فيحكم بها، لكن في النفس من هذا شيء.
فتكون الصور أربعاً: الأولى: فرعان على أصلين، على كل أصل فرع، الثانية: فرعان على أصلين على كل واحد منهما، الثالثة: فرع على أصلين فيها خلاف، والمذهب لا يجوز وهو أقرب، الرابعة: فرعان على كل أصل فيجوز من باب أولى.
قوله: «أو يسمعه يقر بها عند الحاكم» يعني ينوب عن الاسترعاء إذا سمع الفرعُ شاهدَ الأصل يشهد بها عند القاضي، فيشهد وإن لم يسترعه، وهذا ممكن، كأن يدعي زيد على عمرو دعوى، فيطلب القاضي من زيد بينة فأتى بشاهد عند القاضي، وشهد بأن لزيد على عمرو كذا وكذا، وهناك رجل حاضر، ولم يحكم القاضي، وتفرق الخصمان، ومات الشاهد أو تغيب، فهل لمن سمعه يشهد بها عند القاضي أن يشهد؟ يقول المؤلف: نعم، إذا سمعه يقر بها عند الحاكم فليشهد؛ لأن احتمال أن يكون المشهود عليه قد برئ بعيد؛ لأنهما وصلا إلى القاضي.
قوله: «أو يعزوها إلى سبب» يعني يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يشهد بأن لفلان على فلان مائة ريال، ثمن ناقة، إذن الأصل شهد وعزا شهادته إلى سبب وهو أنه ثمن شراء الناقة، إذن يجوز أن يشهد؛ لأنه لما عزاها إلى سبب ثبتت بهذا السبب،
والأصل بقاء السبب وعدم زواله، فصار هذا الشرط لا بد فيه من أحد أمور ثلاثة: الاسترعاء، أو السماع عند القاضي، أو أن يعزوها إلى سبب.
قوله: «من قرض» بأن يسمع شاهدُ الفرع شاهدَ الأصل يقول: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم قرضاً ثم مات الشاهد، فهل لمن سمعه أن يشهد بشهادته؟ الجواب: نعم؛ لأنه عزاها إلى سبب، قال: قرضاً.
قوله: «أو بيع» كما إذا قال: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم ثمن بعير، فيجوز؛ لأنه عزاها إلى سبب.
قوله: «أو نحوه» كما إذا قال: أشهد أن لفلان على فلان ألف درهم أجرة بيت فيجوز.
قوله: «وإذا رجع شهود المال بعد الحكم لم ينقض، ويلزمهم الضمان دون من زكاهم» إذا رجع شهود المال يعني الذين شهدوا بمال لشخص على آخر، رجعوا بعد أن شهدوا، فلا يخلو إما أن يكون قبل الحكم، أو بعد الحكم، وهناك حال ثالثة بعد الاستيفاء، فهنا ثلاثة أحوال:
الأولى: إذا رجعوا قبل الحكم، فهؤلاء لا ضمان عليهم ولا يحكم بشهادتهم، مثل أن يدعي زيد على عمرو عشرة آلاف ريال وأتى بالشاهدين عند القاضي، ولما أراد القاضي أن يكتب شهادتهما رجعا، كأنهما كانا شاهدي زور، ثم لما رأيا أن الأمر خطير رجعا عن الشهادة قبل حكم القاضي، فقالا، مثلاً: