كتاب الزكاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
إذا وجده، وفي المال المجحود إذا أقر به المنكر، وهكذا، فلا يعتبر في وجوبها إمكان الأداء، بل تجب وإن كان لا يتمكن من أدائها، ولكن لا يجب الإخراج حتى يتمكن من الأداء.
قوله: «ولا بقاء المال» أي: لا يعتبر في وجوبها بقاء المال، فلو تلف المال بعد تمام الحول، ووجوب الزكاة فيه، فعليه الزكاة سواء فرط أو لم يفرط؛ لأنها وجبت، وصارت ديناً في ذمته.
وعليه لو أن صاحب الزكاة عنده عروض تجارة تم الحول عليها، وزكاتها تبلغ (10.000) ريال ثم احترق الدكان، ولم يبق منه درهم واحد، فعلى كلام المؤلف يضمن؛ لأنه لا يعتبر في وجوبها بقاء المال.
والصحيح في هذه المسألة أنه إن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان؛ لأن الزكاة بعد وجوبها أمانة عنده، والأمين إذا لم يتعد ولم يفرط فلا ضمان عليه.
ولو أن فقيراً وضع عند شخص دراهم له، ثم تلفت عند المودع بلا تعد ولا تفريط فلا يلزمه أن يضمن للفقير ماله، فالزكاة من باب أولى، مع أن الفقير لا يملك الزكاة إلا من جهة المزكي، فكيف يضمن وهو لم يتعد ولم يفرط؟
فإن تعدى بأن وضع المال في مكان يُقَدَّرُ فيه الهلاك، ضمن ما تلف من المال بعد وجوب الزكاة.
وكذلك لو فرط فأخر إخراجها بلا مسوغ شرعي، وتلف المال فإنه يضمن الزكاة.
أما إذا لم يتعد ولم يفرط وكان مستعداً للإخراج وقت
الإخراج، ولكن جاءه أمر أهلك ماله فكيف نضمنه؟! فالصواب أنه لا يشترط لوجوبها بقاء المال، إلا أن يتعدى، أو يفرط (1). والزَّكَاةُ كالدَّينِ فِي التَّرِكةِ ..........
قوله: «
والزكاة كالدين في التركة
» أي: إذا مات الرجل وعليه زكاة، فإن الزكاة حكمها حكم الدين، في أنها تقدم على الوصية وعلى الورثة؛ فلا يستحق صاحب الوصية شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، وكذلك لا يستحق الوارث شيئاً إلا بعد أداء الزكاة، فإذا قدرنا أن رجلاً لزمه (10.000) زكاة، ثم تلف ماله إلا عشرة آلاف، ومات ولم يخلف سواها فتصرف للزكاة، ولا شيء للورثة.
ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» 2.
والزكاة مقدمة على الوصية، وعلى الإرث.
وهذا فيما إذا كان الرجل لم يتعمد تأخير الزكاة، فإننا نخرجها من تركته، وتجزئ عنه، وتبرأ بها ذمته كرجل يزكي كل سنة، وتم الحول في آخر سنواته في الدنيا ثم مات، فهنا نخرجها وتبرأ بها ذمته.
أما إذا تعمد ترك إخراج الزكاة، ومنعها بخلاً ثم مات، فالمذهب 3 أنها تخرج وتبرأ منها ذمته.1
وقال ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إنها لا تبرأ منها ذمته ولو أخرجوها من تركته؛ لأنه مصِرٌّ على عدم الإخراج فكيف ينفعه عمل غيره؟ وقال: إن نصوص الكتاب والسنة وقواعد الشرع تدل على هذا 1.
وما قال ـ رحمه الله ـ صحيح في أنه لا يجزئ ذلك عنه، ولا تبرأ بها ذمته.
ولكن كوننا نسقطها عن المال هذا محل نظر؛ فإن غلبنا جانب العبادة، قلنا: بعدم إخراجها من المال؛ لأنها لا تنفع صاحبها، وإن غلبنا جانب الحق؛ أي: حق أهل الزكاة، قلنا: بإخراجها؛ لنؤدي حقهم، وإن كانت عند الله لا تنفع صاحبها.
والأحوط أننا نخرجها من تركته؛ لتعلق حق أهل الزكاة بها، فلا تسقط بظلم من عليه الحق، وسبق حقهم على حق الورثة، ولكن لا تنفعه عند الله؛ لأنه رجل مصر على عدم إخراجها.
مسألة: لو مات شخص وعليه دين وزكاة فأيهما يقدم؟
مثاله: رجل خلف (100) ريال، وعليه زكاة (100) ريال، ودين (100) ريال فهل يقدم حق الآدمي، أو تقدم الزكاة؟
في المسألة ثلاثة أقوال:
قال بعض العلماء: يقدم دين الآدمي؛ لأنه مبني على المشاحة؛ ولأن الآدمي محتاج إلى دفع حقه إليه في الدنيا، أما
حق الله فالله غني عنه، وحقه سبحانه وتعالى مبني على المسامحة.
وقال بعض العلماء: يقدم حق الله لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء».
وقال بعض العلماء: إنهما يتحاصان؛ لأن كلاً منهما واجب في ذمة الميت، فيتساويان فإن كان عليه (100) ديناً و (100) زكاة، وخلف (100) فللزكاة (50) وللدين (50).
ويجاب عن الحديث أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم لم يحكم بين دينين أحدهما للآدمي، والثاني لله، وإنما أراد القياس؛ لأنه سأل: «أرأيتِ لو كان على أمكِ دين أكنتِ قاضيتَهُ؟» قالت: نعم، قال: «اقضوا الله فالله أحق بالوفاء» 1.
فكأنه قال: إذا كان يقضى دين الآدمي، فدين الله من باب أولى وهذا هو المذهب، وهو الراجح.
بابُ زَكَاة بَهِيمَةِ الأنْعَامِ
بدأ بها المؤلف اقتداء بحديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ، وبين فيه الصدقات، فقد قدم بهيمة الأنعام.
قوله: «بهيمة الأنعام» هي: الإبل، والبقر، والغنم، قال الله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ [المائدة: 1].
وسميت بهيمة؛ لأنها لا تتكلم، وهي مأخوذة من الإبهام، وهو الإخفاء وعدم الإيضاح، ولكنها تتكلم فيما بينها كلاماً معروفاً، ولهذا تحن الإبل إلى أولادها فتأتي الأولاد، وتنهرها فتنتهر، وكذلك بقية الحيوان، قال موسى عليه السلام ـ لما سأله فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: 49]ـ قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50] أي: أعطاه خلقه اللائق به، ثم هداه لمصالحه، ولهذا يهتدي كل ما خلقه الله ـ عزّ وجل ـ لمصالحه فيأكل ما يليق به ويشرب ما يليق به، فكل شيء بحسبه.
وبهيمة الأنعام ثلاثة أصناف: الإبل، والبقر، والغنم.
والإبل سواء كانت عراباً، أو بخاتي، وهي التي لها سنامان، وهي معروفة في القارة الآسيوية.
وأما البقر أيضاً فتشمل البقر المعتادة، والجواميس.
والغنم تشمل الماعز والضأن، ولا يدخل فيها الظباء؛ لأن الظباء ليست من أصل الغنم، فلا تدخل في زكاة السائمة.
والدليل على وجوب الزكاة في بهيمة الأنعام: حديث أنس بن مالك ـ رضي الله عنه ـ في الكتاب الذي كتبه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «هذه فريضة الصدقة التي فرضها النبي صلّى الله عليه وسلّم على المسلمين .. » الحديث 1 وذكر الغنم، والإبل، وأما البقر فجاء ذكرها في حديث آخر 2.
واعلم أن بهيمة الأنعام تتخذ على أقسام:
القسم الأول: أن تكون عروض تجارة، فهذه تزكى زكاة العروض.
فقد تجب الزكاة في شاة واحدة، أو في بعير واحد، أو في بقرة واحدة؛ لأن المعتبر في عروض التجارة القيمة، فإذا كان هذا هو المعتبر فما بلغ نصاباً بالقيمة ففيه الزكاة، سواء كانت سائمة أو معلوفة، مؤجرة كانت، أو مركوبة للانتفاع.
القسم الثاني: السائمة، المعدة للدر والنسل، وهي التي ترعى، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10].
اتخذها صاحبها لدرها، أي: لحليبها، وسَمْنِها، والنسل، ولا يمنع كونها معدة لذلك أن يبيع ما زاد على حاجته من أولادها، لأن هؤلاء الأولاد كثمر النخل.
القسم الثالث: المعلوفة المتخذة للدر والنسل، وهي التي يشتري لها صاحبها العلف، أو يحصده، أو يحشه لها، فهذه ليس فيها زكاة إطلاقاً، ولو بلغت ما بلغت؛ لأنها ليست من عروض التجارة، ولا من السوائم.
القسم الرابع: العوامل، وهي: الإبل التي عند شخص يؤجرها للحمل فهذه ليس فيها زكاة، وهذا القسم كان موجوداً قبل أن تنتشر السيارات، فتجد الرجل عنده مائة بعير أو مائتان يؤجرها فينقل بها البضائع من بلد إلى بلد، وإنما الزكاة فيما يحصل من أجرتها إذا تم عليها الحول.
فصارت الأقسام أربعة، وكل قسم منها بينه الشارع بياناً واضحاً شافياً.
وأعم هذه الأقسام: عروض التجارة؛ لأنها تجب فيها الزكاة على كل حال.
تَجِبُ فِي إِبلٍ، وَبَقَرٍ، وَغَنَمٍ إِذَا كَانت سَائِمَةً الحَوْلَ، أوْ أَكْثَرَهُ
.........
قوله: «تجب في إبل وبقر وغنم» «تجب» الفاعل الزكاة، أي: تجب الزكاة في هذه الأصناف الثلاثة: الأول الإبل، والثاني البقر، والثالث الغنم.
قوله: «إذا كانت سائمة الحول أو أكثره» «سائمة» أي: التي ترعى المباح، والمباح هنا ليس ضد المحرم، وإنما الذي نبت بفعل الله ـ عزّ وجل ـ ليس بفعلنا، أما ما نزرعه نحن ونرعاه، فهذا لا يجعلها سائمة، كما لو كان عند الإنسان أمكنة واسعة يزرعها ثم جعل سائمته ترعى هذه الأمكنة الواسعة، فهذه لا تعد سائمة.
قوله: «الحول أو أكثره» الحول ظرف زمان لسائمة، والمعنى أنها ترعى المباح الحول أو أكثره أما كونها سائمة إذا رعت الحول فظاهر، وأما كونها سائمة برعيها أكثر الحول؛ فلأن الأقل يأخذ حكم الأكثر، فالاعتبار بالأكثر.
فإذا كان عند الإنسان إبل ترعى خمسة أشهر، ويعلفها سبعة أشهر فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى ستة أشهر ويعلفها ستة أشهر، فلا زكاة فيها، وإذا كانت ترعى كل الحول ففيها الزكاة، وإذا كانت ترعى سبعة أشهر ويعلفها خمسة ففيها الزكاة.
والدليل على اشتراط السوم، حديث أنس بن مالك في الكتاب الذي كتبه أبو بكر في الصدقات «وفي الغنم في سائمتها في كل أربعين شاة شاة» 1 قال: «في الغنم» ثم قال: «في سائمتها» وهذا عطف بيان، وعطف البيان كالصفة في تقييد الموصوف، فكأنه قال: وفي سائمة الغنم في كل أربعين شاة شاة.
وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «وفي كل إبل سائمة» 2، وهذا الحديث وإن كان مختلفاً فيه، لكن يدل على اشتراط السوم في الإبل، وكذلك فإن الإبل والبقر تقاسان على الغنم.
ويشترط كذلك أن تكون معدة للدر والنسل؛ ليخرج بذلك المعدة للتجارة.
تنبيه: قول بعض الفقهاء: هل السوم شرط، أو عدمه مانع؟ قيل: إنه لا فرق بين العبارتين، فالخلاف لفظي.
وقيل: إنه خلاف حقيقي، ويترتب عليه: أننا إذا شككنا في السوم، أو عدمه، وقلنا: إن السوم شرط؛ لم تجب الزكاة؛ لأن الأصل عدم وجود الشرط، وإذا قلنا: إن عدمه مانع، فإنه تجب الزكاة هنا؛ لأننا لم نتحقق المانع؛ لأن الأصل عدم المانع.
فَيَجِبُ فِي خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِن الإِْبِلِ بِنْتُ مُخَاضٍ، وَفِيمَا دُونَهَا فِي كُلِّ خَمْسٍ شَاةٌ، .......
قوله: «
فيجب في خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، وفيما دونها في كل خمس شاة
» هنا بين المؤلف مقدار الزكاة الواجبة، أي يجب في كل خمس وعشرين من الإبل بنت مخاض، أي: بكرة صغيرة لها سنة، وسميت بنت مخاض؛ لأن الغالب أن أمها قد حملت فهي ماخض، والماخض الحامل، وفيما دون خمس وعشرين في كل خمس شاة، ففي الخمس الأولى شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، وفي الخمس والعشرين بنت مخاض.
ولو أخرج خمس شياه عن خمس وعشرين لم تجزئ، ولو أخرج بنت مخاض في عشرين ـ فيها خلاف.
فقال بعض العلماء: لا يجزئ فيما دون خمس وعشرين بعير، ولو كبيراً؛ لحديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ الذي كتبه قال: «وفيما دونها الغنم في كل خمس شاة» 1 أي فيما دون خمس وعشرين، في كل خمس شاة.
وقال بعض العلماء: إذا كانت تجزئ بنت المخاض في خمس وعشرين، فإجزاؤها فيما دون ذلك من باب أولى، والشريعة لا تفرق بين متماثلين، والشارع أسقط الإبل فيما دون خمس وعشرين رفقاً بالمالك، وليس ذلك للتعييب.
وهذا هو الصحيح؛ لأن كل أحد يعلم أن الشريعة الكاملة المبنية على الدلالة النقلية والعقلية لا يمكن أن تقول: من عنده خمس وعشرون من الإبل، وأخرج بنت مخاض أجزأته، ومن عنده عشرون من الإبل وأخرج بنت مخاض لم تجزئه!!
وكذلك تجزئ بنت لبون، أو أكبر من ذلك.
وَفِي سِت وَثَلاثِينَ بِنْتُ لَبُونٍ، وَفِي ست وأَرْبَعِينَ حِقَّةٌ، وَفِي إِحْدَى وَستِّينَ جَذَعَةٌ، وَفِي سِتٍّ وَسَبْعِينَ بِنْتَا لَبُونٍ وَفِي إِحْدَى وَتِسْعِينَ حِقَّتَانِ،
.....
قوله: «وفي ست وثلاثين بنت لبون» بنت اللبون: هي ما تم لها سنتان، وسميت بذلك؛ لأن الغالب أن أمها قد ولدت فأصبحت ذات لبن.
والوقص هو: ما بين الفرضين، ليس فيه شيء، فبين خمس وعشرين وست وثلاثين «عشر» ليس فيها شيء، وذلك رفقاً بالمالك.
وأما الذهب والفضة فلو زادت قيراطاً زادت الزكاة.
والحبوب والثمار لو زادت، زادت الزكاة بخلاف المواشي؛ لأنها تحتاج إلى مؤونة كثيرة من رعي وحلب وسقي، وغير ذلك، فجعل الشارع هذه الأوقاص لا زكاة فيها.
قوله: «وفي ست وأربعين حقة» الحقة هي: الأنثى من الإبل التي تم لها ثلاث سنوات، وسميت حقة؛ لأنها تتحمل الجمل،
ولهذا جاء في حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ «حقة طروقة الجمل» 1 أي: تتحمل أن يطرقها الجمل فتحمل.
والوقص بينن ست وثلاثين وست وأربعين: «تسع».
قوله: «وفي إحدى وستين جذعة» والجذعة: ما تم لها أربع سنوات.
والوقص ما بين ست وأربعين وإحدى وستين: «أربع عشرة» ليس فيه شيء.
فالأول أكثر من الثاني والثالث أكثر منهما.
قوله: «وفي ست وسبعين بنتا لبون» أعلى سن يجب في الزكاة الجذعة، وكل هذا السن لا يجزئ في الأضحية؛ لأنه لا يجزئ في الأضحية إلا الثني وهو ما تم له خمس سنوات، والجذعة فما دونها لا تجزئ في الأضحية، ولكن في الزكاة تجزئ.
والوقص: «أربع عشرة».
فست وسبعون فيها بنتالبون، لكل واحدة سنتان، ولو أخرج بنت لبون وابن لبون لم يجزئ؛ لأن الأنثى أغلى من الذكر وأنفع للناس منه.
قوله: «وفي إحدى وتسعين حقتان».
والوقص: «أربع عشرة».
فإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَةٍ وَعِشْرِينَ وَاحِدَةً فَثَلاَثُ بَنَاتِ لَبُونٍ ثُمَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ
........
قوله: «فإذا زادت على مائة وعشرين واحدةً فثلاث بنات لبون».
إذاً من إحدى وتسعين إلى مائة وعشرين وقص قدره «تسع وعشرون»، فإذا زادت على مائة وعشرين واحدة ففيها ثلاث بنات لبون، ثم بعد ذلك تستقر الفريضة.
قوله: «ثم في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة».
فإذا بلغت مائة وإحدى وعشرين ففيها ثلاث بنات لبون، وبعدها تستقر الفريضة، كلما زادت عشراً تتغير الفريضة، فمثلاً:
مائة وثلاثون فيها حقة وبنتا لبون.
مائة وأربعون فيها حقتان وبنت لبون.
مائة وخمسون فيها ثلاث حقاق.
مائة وستون فيها أربع بنات لبون.
مائة وسبعون فيها حقة وثلاث بنات لبون.
مائة وثمانون فيها حقتان وبنتا لبون.
مائة وتسعون فيها ثلاث حقاق وبنت لبون.
مائتان تتساوى الفريضتان خمس بنات لبون أو أربع حقاق.
مائتان وعشر فيها أربع بنات لبون، وحقة.
وعلى هذا فقس، كلما زادت عشراً يتغير الفرض.
قال في الروض: «ومن وجبت عليه بنت لبون مثلاً وعدمها، أو كانت معيبة فله أن يعدل إلى بنت مخاض، ويدفع جبراناً، أو إلى حقة ويأخذه».
أي: من وجبت عليه بنت لبون وليست عنده، وعنده بنت مخاض أنزل منها فإنه يدفع بنت المخاض، ويدفع معها جبراناً، وإذا لم يكن عنده بنت لبون وعنده حقة، فإنه يدفع الحقة ويأخذ الجبران فهو بالخيار.
ويأخذه من المُصَدِّق الذي يبعثه ولي الأمر بقبض الزكاة.
وإذا لم يكن عنده إلا جذعة فلا يستحق جبراناً أكثر مما يستحقه إذا دفع الحقة.
والجبران: شاتان، أو عشرون درهماً، كل شاة بعشرة دراهم، هذا في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
فهل العشرون تقويم أو تعيين؟
الظاهر: ـ والله أعلم ـ أنها تقويم.
وبناء على ذلك فلو كانت قيمة الشاتين مائتي درهم، وأراد أن يعدل عنهما فلا يكفي أن يعطيه عشرين درهماً.
وليس في غير الإبل جبران، فالجبران في الإبل خاصة؛ لأن السنة وردت به فقط 1.
فَصْلٌ
وَيَجِبُ فِي ثَلاَثِينَ مِن البَقَرِ تَبِيعٌ أوْ تَبِيعَةٌ، وَفِي أرْبعينَ مُسِنَّةٌ، ثُمَّ فِي كُلِّ ثَلاثِينَ تَبِيعٌ، وَفي كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةٌ، وَيُجْزِئ الذَّكَرُ هُنَا، وابنُ لَبُونٍ مَكَانَ بِنْتِ مَخَاضٍ، وَإِذَا كَان النِّصَابُ كُلُّهُ ذُكُوراً.
قوله: «
فصل
» أي: في زكاة البقر.
نقول في زكاة البقر: كما قلنا في زكاة الإبل، أي: أن الأقسام السابقة الأربعة تشمل الإبل، والبقر، والغنم.
والبقر سميت بقراً؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة أي: تشقها.
قوله: «ويجب في ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة» أي: تبيع ذكر، أو تبيعة أنثى لكل واحد منهما سنة، وفيما دون الثلاثين لا شيء.
والفرق بين الإبل والبقر في باب الزكاة فرق عظيم، فالإبل يبدأ النصاب من خمس، والبقر من ثلاثين، مع أنهما في باب الأضاحي سواء، لكن الشرع فوق العقل، والواجب اتباع ما جاء به الشرع.
قوله: «وفي أربعين مسنة» 1 المسنة: أنثى لها سنتان.
وما بين الثلاثين والأربعين، وقص: «تسع» ليس فيها شيء.
قوله: «ثم في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة».
ففي خمسين مسنة.
وفي ستين تبيعان أو تبيعتان.
من أربعين إلى ستين وقص.
وفي سبعين تبيع ومسنة.
وفي ثمانين مسنتان.
وفي تسعين ثلاث تبيعات.
وفي مائة تبيعان ومسنة.
وفي مائة وعشرين أربع تبيعات، أو ثلاث مسنات، كالمائتين في الإبل.
مسألة: إذا تساوى الفرضان فلمن الخيار للمعطي أو للآخذ؟
الجواب: للمعطي قالوا: لأنه هو الغارم.
قوله: «ويجزئ الذكر هنا» أي: في زكاة البقر ففي ثلاثين من البقر يجزئ تبيع.
قوله: «وابن لبون مكان بنت مخاض، وإذا كان النصاب كله ذكوراً».
فالذكر يجزئ في ثلاثة مواضع وهي:
1 ـ التبيع في ثلاثين من البقر.
2 ـ ابن اللبون مكان بنت المخاض، إذا لم يكن عنده بنت مخاض.
3 ـ إذا كان النصاب كله ذكوراً، فإنه يجزئ أن يخرج منها ذكراً، كما لو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور، فعليه ابن مخاض؛ لأن الإنسان لا يكلف شيئاً ليس في ماله؛ ولأن الزكاة وجبت مواساة، فالذكر له ذكر، والأنثى لها أنثى.
وهذا أقرب إلى المعنى والقياس؛ إذ لا يلزم الإنسان إلا بمثل ماله.
وقال بعض العلماء: إذا كان النصاب ذكوراً، فيجب ما عينه الشارع، فلو كان عنده خمس وعشرون من الإبل كلها ذكور وجب عليه بنت مخاض، فإن لم يجد فابن لبون ذكر، وإن كان عنده ستة وثلاثون جملاً ففيها بنت لبون، ولا يجزئ ابن لبون.
وهذا القول أقرب إلى ظاهر السنة، لأن السنة عينت فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: « ... بنت مخاض أنثى فإن لم تكن فابن لبون ذكر ... بنت لبون ... حقة ... جذعة ... » 1 فَنَصَّ الشارعُ على الذكورة والأنوثة، فيجب اتباع الشرع.
وهذا القول أحوط، فلا نعدل عما جاء به الشرع لمجرد القياس، والأقيس ما مشى عليه المؤلف.
وقولنا: إن ما مشى عليه المؤلف أقيس، مع أنه لا يتعارض النص والقياس؛ لأن السنة ليست صريحة في الدلالة هنا.
فَصْلٌ
وَيَجِبُ فِي أَرْبَعينَ مِن الغَنَمِ شَاةٌ، وَفِي مِائةٍ وإِحْدَى وَعِشْرِينَ شَاتَان، وَفِي مِائَتَيْنِ وَوَاحِدَةٍ ثَلاثُ شِياهٍ، ثُمَّ فِي كُلِّ مِائةٍ شَاةٌ والخُلْطَةُ تُصَيِّرُ المَالَيْنِ كَالوَاحِدِ.
قوله:
فصل
«ويجب في أربعين من الغنم شاة» «شاة» فاعل «يجب» ففي أربعين من الغنم شاة، فإذا أخرجها ودار عليها الحول ولم تزد، بل بقيت تسعاً وثلاثين شاة، فليس فيها شيء؛ لأنها نقصت عن النصاب، وأقل نصاب الغنم أربعون شاة، والواجب فيها شاة واحدة.
قوله: «وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان» الوقص: ثمانون.
ففي أربعين شاة، شاة واحدة.
وفي مائة وعشرين: شاة واحدة.
ثمانون شاة لا شيء فيها ـ سبحان الله ـ وهذا من تيسير الشرع، فالحمد لله.
قوله: «وفي مائتين وواحدة ثلاث شياه» فالوقص: ثمانون.
إذاً الوقص في الفرض الثاني كالوقص في الفرض الأول.
قوله: «ثم في كل مائة شاة» أي: إذا زادت على مائتين وواحدة ففي كل مائة شاة، فتستقر الفريضة على ذلك.
ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه.
وفي ثلاثمائة وتسع وتسعين: ثلاث شياه.
لأنها لم تتم المائة الرابعة، وإذا لم يَلْحق الفرضَ الثاني يُلحَقْ بالفرض الأول، والوقص من مائتين وواحدة، إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين: مائة وثمان وتسعون.
وهذا أكثر وقص يوجد في الغنم.
ففي ثلاثمائة: ثلاث شياه.
وفي أربعمائة: أربع شياه.
وفي خمسمائة: خمس شياه.
وفي الألف عشر شياه، وهكذا 1.
قوله: «والخُلطة تصير المالين كالواحد» الخلطة: بضم الخاء أي: الاختلاط يصير المالين كالواحد.
وظاهر كلام المؤلف: العموم وليس كذلك، وإنما مراده الخلطة في بهيمة الأنعام فقط، هذا هو المشهور من المذهب، وهو القول الأول في المسألة.
وذهب بعض أهل العلم: إلى أن الخلطة في الأموال الظاهرة تصير المالين كالمال الواحد عموماً واستدلوا لذلك، بأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم كان يبعث السعاة لأخذ الزكاة من أهل الثمار، ولا يسألون؛ مع أن الاشتراك وارد فيها.
فعلى هذا القول الخلطة في بهيمة الأنعام تجعل المالين كالواحد.
مثاله: عندي غنم، وأنت عندك غنم، والثالث عنده غنم، والرابع عنده غنم، وخلطناها جميعاً، فتصير الأموال كالمال الواحد.
فإذا كان عندي عشرون شاة، وعندك عشرون شاة، فعلينا شاة زكاة.
ولو كان عندي عشرون وحدها، وعندك عشرون وحدها ولم تختلط فلا زكاة؛ لعدم الخلطة، فقد تجب الزكاة فيما لم يجب، وقد تسقط الزكاة فيما وجب، وسيأتي تفصيل هذا.
قال العلماء: والخلطة تنقسم إلى قسمين:
1 ـ خلطة أعيان.
2 ـ خلطة أوصاف.
أولاً: خلطة الأعيان: وهي أن يكون المال مشتركاً بين اثنين في الملك.
مثال ذلك: رجل مات عن ابنين وخلف ثمانين شاة فالثمانون مشتركة بين الاثنين شركة أعيان، فعين الغنم هذه لأحد الابنين نصفها، وللثاني نصفها.
وشركة الأعيان تكون بالإرث، وتكون بالشراء، وغير ذلك.
ثانياً: خلطة أوصاف: وهي أن يتميز مال كل واحد عن الآخر، ولكنها تشترك في أمور نذكرها إن شاء الله.
مثاله: أن يكون لكل منا ماله الخاص، فأنت لك عشرون من الغنم، وأنا لي عشرون من الغنم ثم نخلطها، فلو ماتت العشرون التي لي فلا ضمان عليك؛ لأنها نصيبي.
وفي خلطة الأعيان لو مات نصفها فهي علينا جميعاً؛ لأنه ملك مشترك.
وخلطة الأوصاف تشترك في أمور:
1 ـ الفحل: أي: يكون لهذه الغنم فحل واحد مشترك.
والفحل بالنسبة للمعز يسمى تيساً، وفي الضأن خروفاً، وفي الإبل جملاً، وفي البقر ثوراً.
2 ـ المسرح: أي: يسرحن جميعاً ويرجعن جميعاً.
فلا يسرح أحد غنمه يوم الأحد، والثاني يوم الاثنين.
3 ـ المرعى: أي: يكون المرعى لها جميعاً فليس غنم هذا في شعبة الوادي الشرقية، والثاني في الشعبة الغربية.
4 ـ المحلب: أي: مكان الحلب يكون واحداً، فلا تحلب غنمك هناك، وغنمي هنا.
5 ـ المُرَاح ـ وهو: مكان المبيت، أي: يكون المراح جميعاً فلا تكون غنمي لها مراح وحدها، وغنمك لها مراح وحدها.
وقد جمعت هذه الأوصاف في قول الناظم:
إن اتفاق فحلٍ مسرحٍ ومرعى
ومحلبٍ المراح خلط قطعا
فإذا اشتركت في هذه الأشياء الخمسة، فهي خلطة أوصاف، تجعل المالين كالمال الواحد.
وهذه الأوصاف الخمسة أخذت من عادة العرب؛ وأنها إذا اشتركت في هذه الأوصاف صارت كأنها لرجل واحد.
ويشترط في الخلطة أن تكون كل الحول أو أكثره، كالسوم.
واعلم أن الخلطة أعم من الشركة فيختلطان ولا يكونان شريكين.
إذا قال قائل: أما النوع الأول من الخلطة فلا إشكال فيه؛ لأنه مال مشترك بين شخصين.
لكن الثاني: كيف يجعل المالين كالمال الواحد مع أن مالي يخصني، ومالك يخصك؟
فالجواب: دل على ذلك حديث أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ وفيه: «ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية» 1.
والخلطة تؤثر في إيجاب الزكاة، وفي سقوطها؛ ولهذا قال: «لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة».
مثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة» أن يكون عندي أربعون شاة، والعامل سيأتي غداً، فأجعل عشرين منها في مكان، وعشرين في مكان آخر، فإذا جاء العامل وجد هذه الغنم عشرين، والغنم الأخرى عشرين فلا يأخذ عليها زكاة؛ لأنها لم تبلغ النصاب.
ومثال قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يجمع بين متفرق خشية الصدقة».
أنا أملك أربعين، وأنت تملك أربعين، والثالث يملك أربعين فالجميع مائة وعشرون، فلو اعتبرنا كل واحد وحده لوجب ثلاث شياه، لكن إذا جمعنا الغنم كلها وعددها مائة وعشرون، فلا يكون فيها إلا شاة واحدة كما سلف.
إذاً جمعنا بين متفرق، لئلا يجب على هذا المجموع ثلاث شياه، بل شاة واحدة.
مسائل:
الأولى: الخلطة لا تؤثر في غير بهيمة الأنعام.
مثاله: لو كان لدينا مزرعة ونحن عشرة، لكل واحد منا
عُشرها، وهي خمسة أنصبة فقط فلا زكاة فيها؛ لأن كل واحد منا ليس له إلا نصف نصاب.
مثال آخر: رجلان اشتركا في تجارة، وكان مالهما نصاباً، فليس عليهما زكاة؛ لأن نصيب كل واحد منهما لا يبلغ النصاب، فلا زكاة عليهما مع أنهما يتاجران في الدكان؛ لأنه لا خلطة إلا في بهيمة الأنعام وفي غير بهيمة الأنعام لا تؤثر الخلطة.
الثانية: لو كان لرجل عشرون من الشياه في الرياض وعشرون في القصيم، فالجمهور تجب عليه الزكاة لأن المالك واحد، والمذهب لا زكاة عليه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة» 1، فدل على أنه إذا تفرق ماله لا للحيلة فلا زكاة عليه، والأحوط رأي الجمهور، ويحمل الحديث على خلطة الأوصاف.
الثالثة: لو اختلط مسلم ومن ليس من أهل الزكاة كالكافر خلطة أوصاف، فالزكاة على المسلم في نصيبه إذا بلغ نصاباً؛ لأن مخالطة من ليس من أهل الزكاة كالمعدوم.
الرابعة: لو اختلط اثنان في «ماشية» وأحدهما يريد بنصيبه التجارة، والآخر يريد الدر والنسل، فهذه خلطة غير مؤثرة؛ لاختلاف زكاة كل منهما؛ فأحدهما زكاته بالقيمة، والآخر زكاته من عين المال.
الخامسة: إذا اختلط اثنان وكان لأحدهما الثلثان، وللآخر الثلث فالزكاة بينهما على حسب ملكهما؛ على أحدهما الثلثان وعلى الآخر الثلث.
بَابُ زَكَاةِ الحُبُوبِ وَالثِّمَار
الأصل في وجوب زكاة الحبوب والثمار، قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267].
و «من» هنا للتبعيض باعتبار الجنس، وباعتبار الفرد، أي: لا كل المخرج، ولا كل ما يخرج.
وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء والعيون، أو كان عثرياً العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر» 1.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 2.
فهذه النصوص تدل على وجوب الزكاة فيما يخرج من الأرض، لكن لا كل شيءٍ، ولا كل نوع؛ بل هو مخصوص نوعاً، ومقدرٌ كماً.
تَجِبُ في الحُبوبِ كُلِّهَا، ولَوْ لَمْ تَكنْ قُوتاً، وفِي كلِّ ثمرٍ يكال ويدَّخر، كتمرٍ وزبيبٍ
..........
فما هو الضابط في هذا؟
اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في هذا اختلافاً غير قليل.
فالمشهور من مذهب الإمام أحمد ما ذكره المؤلف بقوله: «تجب في الحبوب كلها، ولو لم تكن قوتاً، وفي كل ثمر يكال ويدخر» الحبوب: ما يخرج من الزروع، والبقول، وما أشبه ذلك، مثل: البر، والشعير، والأرز، والذرة، والدخن وغيرها.
وقوله: «ولو لم تكن قوتاً» إشارة خلاف؛ لأن بعض أهل العلم يقول: ما ليس بقوت فلا تجب فيه الزكاة، مثل: حب الرشاد والكسبرة، والحبة السوداء، وما أشبهها، فهذه غير قوت، ولكنها حب يخرج من الزروع.
وقوله: «وفي كل ثمر يكال ويدخر» الثمر: ما يخرج من الأشجار، فكل ثمر يكال ويدخر تجب فيه الزكاة، والثمر الذي لا يكال ولا يدخر لا تجب فيه الزكاة، ولو كان يؤكل مثل: الفواكه، والخضروات، ليس فيها زكاة؛ لأنها لا تكال ولا تدخر.
وقوله: «كتمر وزبيب» التمر يكال ويدخر، والزبيب يكال ويدخر، ولا عبرة باختلاف الكيل والوزن، فإن التمر في عرفنا يوزن، وكذلك الزبيب، لكن لا عبرة بذلك؛ لأن العبرة بما كان في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم.
وذكر في الروض زيادة أمثلة: فقال «لوز، وفستق، وبندق» 1 وما أشبه ذلك.
وأفادنا قوله: «وفي كل ثمر يكال ويدخر» أنه إن كان الثمر يدخر ولا يكال فلا زكاة فيه، وإن كان يكال ولا يدخر، فلا زكاة فيه؛ لأن المؤلف ذكر شرطين: أن يكال، وأن يدخر، وفي هذه المسألة عدة أقوال هذا أحدها:
والمراد بالادخار: أن عامة الناس يدخرونه؛ لأن من الناس من لا يدخر التمر، بل يأكله رُطَبَاً، وكذلك العنب قد يؤكل رطباً، لكن العبرة بما عليه عامة الناس في هذا النوع.
القول الثاني: أنها لا تجب إلا في أربعة أشياء: في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، فقط لحديث ورد في ذلك، ولو صح هذا الحديث لكان فاصلاً في النزاع لكنه ضعيف 1. وهذا القول رواية عن أحمد.
القول الثالث: أنها تجب في كل ما يخرج من الأرض مما يزرعه الآدمي من فواكه وغير فواكه، واستدلوا بعموم قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ [البقرة: 267]، وبقوله صلّى الله عليه وسلّم: «فيما سقت السماء العشر» 2.
القول الرابع: أنها لا تجب إلا فيما هو قوت يدخر سواء يكال أو لا يكال، وقال به شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ.
وأقرب الأقوال هو ما ذهب إليه المؤلف، والدليل قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 1، فدل هذا على اعتبار التوسيق، والتوسيق أي: التحميل، والوسق هو الحمل، والمعروف أن الوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهي بأصواعنا حسب ما ذكره لنا مشايخنا مائتان وثلاثون صاعاً وزيادة صاع نبوي، وعلى حسب ما اعتبرناه في الوزن ـ إذا جعلنا الصاع كيلوين وأربعين جراماً ـ، فثلاثمائة صاع تعدل ستمائة واثني عشر كيلو بالبر الرزين الجيد، فيتخذ إناء يسع مثل هذا في الوزن، أو عدة أوانٍ، ثم يقاس عليها.
والخلاصة أن الحبوب والثمار تجب فيها الزكاة، بشرط أن تكون مكيلة مدخرة، فإن لم تكن كذلك، فلا زكاة فيها هذا هو أقرب الأقوال، وعليه المعتمد إن شاء الله.
مسائل:
الأولى: اختلف العلماء ـ رحمهم الله ـ في العنب الذي لا يزبب؛ لأن بعض العنب لا يكون زبيباً مهما يبسته.
فقال بعضهم: لا زكاة فيه؛ لأنه ملحق بالفواكه، فيؤكل كالفاكهة.
وقال بعضهم: تجب فيه الزكاة، وإن لم يزبب، كما لو كان التمر لا يؤكل إلا رطباً، وهذا هو الذي عليه عمل الناس اليوم، أنهم يأخذون الزكاة من العنب، وإن لم يزبب.
والمذهب أنه يخرج عن هذا العنب الذي لا يزبب زبيباً.
والصحيح أن له أن يخرج من نفس العنب، ومثله النخل الذي يأكله أهله رُطَبَاً، فيجوز أن يخرج زكاته منه رُطَباً.
الثانية: التين لا تجب فيه الزكاة على المذهب؛ لأنه لا يدخر غالباً، والصواب أن فيه الزكاة لأنه مدخر.
الثالثة: الادخار الصناعي الذي يكون بوسائل الحفظ التي تضاف إلى الثمار بواسطة آلات التبريد لا يتحقق به شرط الادخار.
الرابعة: تجب الزكاة في الزيتون عند بعض أهل العلم وهو رواية في المذهب لقول الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141].
ولكن يلزم على هذا القول أن تجب الزكاة في الرمان، وهي لا تجب فيه عندهم، ومقتضى الآية التسوية بينهما.
وَيُعْتَبَرُ بُلُوغُ نِصَابٍ قَدْرُهُ ألفٌ وستُّمِائَة رَطْلٍ عِرَاقِيٍّ ..............
قوله: «
ويعتبر بلوغ نصاب قدره ألف وستمائة رطل عراقي
» أي: يشترط في وجوب الزكاة بلوغ نصاب، قدره: ألف وستمائة رطل عراقي.
لكن بأي شيء يعتبر هذا الوزن؟ إذ هناك شيء خفيف وشيء ثقيل؟
اعتبره العلماء بالبرِّ الرزين الجيد، فتتخذ إناء يسع هذا الوزن من البر ثم تعتبره به.
فإذا قال قائل: لماذا اعتبر العلماء ـ رحمهم الله ـ الكيل بالوزن، والسنة جاءت بالكيل؟
فالجواب: أن الوزن أثبت؛ لأن الأصواع والأمداد تختلف من زمن إلى آخر، ومن مكان لآخر، فنقلت إلى الوزن؛ لأن الوزن يعتبر بالمثاقيل، وهي ثابتة من أول صدر الإسلام إلى اليوم، وهذا أحفظ ويكون اعتبارها سهلاً.
وذكر مشايخنا ـ رحمهم الله ـ أن صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم أربعة أمداد، وهذا ما جاءت به السنة، بينما الصاع عندنا ثلاثة أمداد مع أنه أكبر من صاع النبي صلّى الله عليه وسلّم فدل ذلك على أننا لو اعتبرنا الكيل لحصل في هذا اختلاف كثير.
والصاع النبوي بالوزن يساوي كيلوين وأربعين جراماً من البر، فتأتي بإناء وتضع فيه الذي وزنت، فإذا ملأه فهذا هو الصاع النبوي، وعندنا صاع من النحاس وجدناه في خرابات في عنيزة مكتوب عليه من الخارج نقشاً: هذا ملك فلان، عن فلان، عن فلان، إلى أن وصل إلى زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ وقد اعتبرته بالوزن، فأتيت ببر رزين، وملأت هذا الإناء ووزنته، فإذا هو مقارب لما ذكره الفقهاء ـ رحمهم الله ـ.
وَتُضَمُّ ثَمَرَةُ العَامِ الواحِدِ بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ فِي تَكْمِيلِ النِّصَاب، لاَ جِنْسٌ إِلَى آخَرَ ..........
قوله: «
وتضم ثمرة العام الواحد بعضها إلى بعض في تكميل النصاب، لا جنس إلى آخر
» أي: لو كان عند إنسان بستان بعضه يُجنى مبكراً، والبعض الآخر يتأخر، فإننا نضم بعضه إلى بعض إلى أن يكتمل النصاب، فإذا كان الأول نصف نصاب، والثاني
نصف نصاب، وجبت الزكاة، ولا يقال: إنَّ هذا قد جُذَّ قبل جَذَاذِ الثاني، أو حصد إذا كان زرعاً قبل حصاد الثاني؛ لأنها ثمرة عام واحد.
وإذا باع النصف الأول من البستان الذي بدا صلاحه، قبل أن يبدو الصلاح في نصفه الآخر، لم تسقط الزكاة؛ لأنه إذا وجبت الزكاة فأخرج الثمرة عن ملكه بعد وجوب الزكاة لم تسقط.
وأما ثمرة عامين فلا تضم، فلو زرع الإنسان أرضاً في عام «اثني عشر»، ثم زرعها مرة ثانية في عام «ثلاثة عشر»، فلا تضم؛ لأن كل واحدة مستقلة عن الأخرى.
وقول صاحب الروض: «وتضم ثمرة العام الواحد .... ، ولو مما يحمل في السنة حملين» هذا فيه نظر؛ فما يحمل في السنة مرتين يعتبر كل حمل على انفراد؛ لأن هذا من شجرة واحدة.
وأفادنا المؤلف ـ رحمه الله ـ أنه إذا كان عند الإنسان بساتين في مواضع متعددة بعيد بعضها عن بعض؛ فإنه يضم بعضها إلى بعض، فلو كان عنده في مكة مزرعة تبلغ نصف نصاب، وفي المدينة مزرعة تبلغ نصف نصاب وجبت عليه الزكاة.
وتضم الأنواع بعضها إلى بعض، فالسكري مثلاً يضم إلى البرحي، وهكذا، وكذلك في البر فالمعية، واللقيمى، والحنطة، والجريبا، يضم بعضها إلى بعض.
لكن لا يضم جنس إلى آخر والدليل على أنه يضم الأنواع بعضها إلى بعض دون الجنس، أن النبي صلّى الله عليه وسلّم أوجب الزكاة في الثمر مطلقاً ومعلوم أن التمر يشمل أنواعاً ولم يأمر بتمييز كل نوع عن
الآخر، فلو كان عنده مزرعة نصفها شعير، ونصفها بر، وكل واحد نصف النصاب، فإنه لا يضم بعضه إلى بعض؛ لاختلاف الجنس، كما لا تضم البقر إلى الإبل أو الغنم؛ لأن الجنس مختلف.
وسيأتي في زكاة النقدين هل يضم الذهب إلى الفضة؟
وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مَمْلُوكاً لَهُ وَقْتَ وُجُوبِ الزَّكَاةَ، فَلاَ تَجِبُ فِيمَا يَكْتَسِبُهُ اللَّقَّاطُ أوْ يأخُذُهُ بِحَصَادِهِ وَلاَ فِيمَا يَجْتَنِيه مِن المُبَاحِ، كَالبُطْمِ، والزَّعْبَل، وَبِزْرِ قَطُونا، ولَو نَبَتَ فِي أرْضِهِ
..........
قوله: «ويعتبر أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة» أي: ويشترط أيضاً أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
ووقت وجوب الزكاة في ثمر النخل: ظهور الصلاح في الثمرة بأن تحمر أو تصفر، وفي الحبوب أن تشتد الحبة بحيث إذا غمزتها لا تنغمز تكون مشتدة، فيشترط أن يكون مملوكاً له في هذا الوقت فلو باعه قبل ذلك فإنه لا زكاة عليه، وكذلك إن ملكه بعد ذلك فلا زكاة، ولذلك قال:
«فلا تجب فيما يكتسبه اللقاط، أو يأخذه بحصاده» اللقاط هو الذي يتتبع المزارع، ويلقط منها التمر المتساقط من النخل، أو يلتقط منها السنبل المتساقط من الزرع، فإذا كسب هذا اللقاط نصاباً من التمر أو نصاباً من الزرع، فلا زكاة عليه فيه؛ لأنه حين وجوب الزكاة لم يكن في ملكه.
وكذلك لو مات المالك بعد بدوِّ الصلاح، فلا زكاة على الوارث؛ لأنه ملكه بعد وجوب الزكاة، لكن الزكاة في هذه الحالة على المالك الأول (الميت) فتخرج من تركته.
وكذك أيضاً لا زكاة فيما يأخذه بحصاده، أي: إذا قيل
لرجل: احصد هذا الزرع بثلثه، فحصده بثلثه، فلا زكاة عليه في الثلث؛ لأنه لم يمكله حين وجوب الزكاة، وإنما ملكه بعد ذلك.
فصار عندنا شرطان:
الأول: بلوغ النصاب.
الثاني: أن يكون النصاب مملوكاً له وقت الزكاة.
قوله: «ولا فيما يجتنيه من المباح، كالبطم 1، والزعبل، وبزر قطونا» «المباح» أي: الذي يخرج في الفلاة مما يخرجه الله عزّ وجل، فلو جنى الإنسان منه شيئاً كثيراً، فإنه لا زكاة عليه فيه؛ لأنه وقت الوجوب ليس ملكاً له؛ إذ إن المباح، وهو ما يجنى من الحشيش وغيره، لا يملكه الإنسان إلا إذا أخذه.
و «الزعبل» على وزن جعفر، شعير الجبل.
و «بزر قطونا»: يقول مشايخنا: هو سنبلة الحشيش، والحشيش يسمى عندنا: «الرِّبْلة».
قوله: «ولو نبت في أرضه» «لو» إشارة خلاف فإن بعض العلماء قال:
إذا نبت في أرضه، فإنه ملكه، وإذا كان ملكاً له فقد ملكه حين وجوب الزكاة.
والمذهب: أن ما ينبت في أرضه من فعل الله ليس ملكاً له، وهو أحق به من غيره، فبناء على اختلاف القولين:
إن قلنا: بأن ما نبت في أرضه من المباح ملك له، وجبت عليه الزكاة إذا أخذه بعد استكماله.
وإذا قلنا: لا يملكهُ وهو الصحيح، فلا زكاة عليه فيما يجنيه منه؛ لأنَّهُ حين الوجوب ليس ملكاً له، وإنما صححنا أنه ليس ملكاً له؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «الناس شركاء في ثلاث: الماء، والكلأ، والنار» 1، وهذا من الكلأ.
والخلاصة: أن الزكاة تجب في كل مكيل مدخر من الحبوب والثمار سواء كان قوتاً أم لم يكن، وأنه يشترط لذلك شرطان:
الأول: بلوغ النصاب.
الثاني: أن يكون مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
مسألة: هل يشترط أن يكون الحب والثمر قوتاً؟
المذهب: لا يشترط، فما دام مكيلاً مدخراً ففيه الزكاة.
القول الثاني: يشترط أن يكون قوتاً.
لكن ظاهر عموم قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 2 يشمل ما كان قوتاً، وما كان غير قوت.
فَصْلٌ يَجِبُ عُشْرٌ فِيمَا سُقِيَ بِلاَ مَؤُونَةٍ، .........
قوله: «
يجب عشر فيما سقي بلا مؤونة
» هذا ال
فصل
بين فيه المؤلف مقدار ما يجب إذا بلغ النصاب.
فالواجب: العشر، أو نصف العشر، أو ثلاثة أرباعه، حسب المؤونة.
فإن سقي بلا مؤونة فالواجب العشر؛ لأن نفقته أقل.
والذي يسقى بلا مؤونة يشمل ثلاثة أشياء:
أولاً: ما يشرب بعروقه، أي: لا يحتاج إلى ماء.
الثاني: ما يكون من الأنهار والعيون.
الثالث: ما يكون من الأمطار.
فإذا قال قائل: إذا كان من الأنهار، وشققت الساقية، أو الخليج ليسقي الأرض، هل يكون سقي بمؤونة أو بغير مؤونة؟
فالجواب: أنه سقي بغير مؤونة، ونظير ذلك إذا حفرت بئراً وخرج الماء نبعاً، فإنه بلا مؤونة؛ لأن إيصال الماء إلى المكان ليس مؤونة، فالمؤونة تكون في نفس السقي.
أي: يحتاج إلى إخراجه عند السقي بمكائن أو بسوانٍ، أما مجرد إيصاله إلى المكان، وليس فيه إلا مؤونة الحفر أو مؤونة شق الخليج من النهر، أو ما أشبه ذلك فهذا يعتبر بلا مؤونة.
وَنِصْفُهُ مَعَهَا، وَثَلاَثَةُ أَرْبَاعِهِ بِهِمَا، فَإِنْ تَفَاوَتَا فَبِأَكْثَرِهِمَا نَفْعاً، وَمَعَ الجَهْلِ العُشْرُ، وَإِذَا اشْتَدَّ الحَبُّ، وَبَدَا صَلاَحُ الثَّمَرِ وَجَبَت الزَّكَاةُ
.........
قوله: «ونصفه معها» أي: مع المؤونة.
ودليل ذلك: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «وفيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر» أخرجه البخاري 1.
والعثري: هو الذي يشرب بعروقه.
والحكمة من ذلك: كثرة الإنفاق في الذي يسقى بمؤونة، وقلة الإنفاق في الذي يسقى بلا مؤونة، فراعى الشارع هذه المؤونة، والنفقة، وخفف على ما يسقى بمؤونة.
قوله: «وثلاثة أرباعه بهما» أي: ما يشرب بمؤونة، وبغير مؤونة نصفين، يجب فيه ثلاثة أرباع العشر.
مثال ذلك: هذا النخل يسقى نصف العام بمؤونة، ونصف العام بغير مؤونة: أي في الصيف يسقى بمؤونة، وفي الشتاء يشرب من الأمطار، ففيه ثلاثة أرباع العشر.
قوله: «فإن تفاوتا» بمعنى أننا لم نتمكن من الضبط، هل هو النصف، أو أقل، أو أكثر.
قوله: «فبأكثرهما نفعاً» أي: الذي يكثر نفع النخل، أو الشجر، أو الزرع به فهو المعتبر، فإذا كان نموه بمؤونة أكثر منه فيما إذا شرب بلا مؤونة فالمعتبر نصف العشر؛ لأن سقيه بالمؤونة أكثر نفعاً فاعتبر به.
فصارت الأحوال أربعاً هي:
1 ـ ما سقي بمؤونة خالصة.
2 ـ وبلا مؤونة خالصة.
3 ـ وبمؤونة وغيرها على النصف.
4 ـ وبمؤونة وغيرها مع الاختلاف.
فإن كان يسقى بمؤونة خالصة فنصف العشر وبلا مؤونة خالصة العشر، وبهما نصفين ثلاثة أرباع العشر، ومع التفاوت يُعتبر الأكثر نفعاً.
قوله: «ومع الجهل العشر» أي: إذا تفاوتا، وجهلنا أيهما أكثر نفعاً، فالمعتبر العشر؛ لأنه أحوط وأبرأ للذمة، وما كان أحوط فهو أولى.
فإذا قال قائل: كيف يكون أحوط، وفيه إلزام الناس بما لا نتيقن دليل الإلزام به؟
فالجواب: لأن الأصل وجوب الزكاة، ووجوب العشر حتى نعلم أنه سقي بمؤونة، فنسقط نصفه، وهنا لم نعلم، وجهلنا الحال أيهما أكثر نفعاً، فكان الاحتياط إيجاب العشر.
قوله: «وإذا اشتد الحب، وبدا صلاح الثمر وجبت الزكاة» سبق أنه يشترط أن يكون النصاب مملوكاً له وقت وجوب الزكاة.
فوقت الوجوب: «إذ اشتد الحب» أي: قويَ الحب، وصار
شديداً لا ينضغط بضغطه «وبدا صلاح الثمر» وذلك في ثمر النخيل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموه حلواً أي: بدلاً من أن يكون قاسياً، يكون ليناً متموهاً، وبدلاً من أن يكون حامضاً يكون حلواً.
فإذا اشتد الحب وبدا صلاح الثمر، وجبت الزكاة، وقبل ذلك لا تجب.
ويتفرع على هذا: أنه لو انتقل الملك قبل وجوب الزكاة، فإنه لا تجب عليه بل تجب على من انتقلت إليه، كما لو مات المالك قبل وجوب الزكاة أي قبل اشتداد الحب، أو بدو صلاح الثمر فإن الزكاة لا تجب عليه، بل تجب على الوارث، وكذلك لو باع النخيل، وعليها ثمار لم يبد صلاحها، أو باع الأرض، وفيها زرع لم يشتد حبه فإن الزكاة على المشتري؛ لأنه أخرجها من ملكه قبل وجوب الزكاة.
ويتفرع على هذا أيضاً: أنه لو تلفت ولو بفعله بأن حصد الزرع قبل اشتداده، أو قطع الثمر قبل بدو صلاحه؛ فإنه لا زكاة عليه؛ لأن ذلك قبل وجوب الزكاة، إلا أنهم قالوا: إن فعل ذلك فراراً من الزكاة وجبت عليه عقوبة له بنقيض قصده؛ ولأن كل من تحيل لإسقاط واجب فإنه يلزم به.
وَلاَ يَسْتَقِرُّ الوُجُوبُ إِلاَّ بِجَعْلِهَا فِي البَيْدَرِ، فَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَهُ بِغَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ سَقَطَتْ ....
قوله: «
ولا يستقر الوجوب إلا بجعلها في البيدر، فإن تلفت قبله بغير تعد منه سقطت
». أي: لا يستقر وجوب الزكاة إلا بجعلها في البيدر.
«البيدر» هو المحل الذي تجمع فيه الثمار والزروع، ويسمى الجرين والبيدر؛ وذلك أنهم كانوا إذا جذوا الثمر جعلوا له مكاناً فسيحاً يضعونه فيه، وكذلك إذا حصدوا الزرع جعلوا له مكاناً فسيحاً يدوسونه فيه، فلا يستقر الوجوب إلا إذا جعلها في البيدر.
والدليل على أن استقرار الوجوب يكون بجعلها في البيدر قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾؛ وإذا حصد الزرع فإنه يجعل في البيادر فوراً.
فإن تلفت بعد بدو الصلاح، واشتداد الحب، وقبل جعلها في البيدر، فإنها تسقط ما لم يكن ذلك بتعدٍ منه أو تفريط، فإنها لا تسقط.
وإذا جعلها في البيدر فإنها تجب عليه، ولو تلفت بغير تعد ولا تفريط؛ لأنه استقر الوجوب في ذمته فصارت ديناً عليه.
وعلى هذا فيكون لتلف الثمار والزرع ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يتلفا قبل وجوب الزكاة، أي: قبل اشتداد الحب وقبل صلاح الثمر، فهذا لا شيء على المالك مطلقاً، سواء تلف بتعد أو تفريط، أو غير ذلك، والعلة عدم الوجوب.
الحال الثانية: أن يتلفا بعد وجوب الزكاة، وقبل جعله في البيدر، ففي ذلك تفصيل: إن كان بتعد منه أو تفريط ضمن الزكاة، وإن كان بلا تعد ولا تفريط لم يضمن.
الحال الثالثة: أن يتلفا بعد جعله في البيدر، أي: بعد جَذِّهِ ووضعه في البيدر، أو بعد حصاده ووضعه في البيدر، فعليه الزكاة مطلقاً؛ لأنها استقرت في ذمته فصارت ديناً عليه، والإنسان إذا وجب عليه دين، وتلف ماله فلا يسقط عنه.
والتعدي: فعل ما لا يجوز.
والتفريط: ترك ما يجب.
فمثلاً لو أن الرجل بعد أن بدا الصلاح في ثمر النخل، وقبل أن يجعله في البيدر، أهمله حتى جاءت السيول، فأمطرت وأفسدت التمر فيقال: هذا مفرط، ولو أنه أشعل النار تحت الثمار فهذا متعدٍّ؛ لأنه فعل ما لا يجوز.
ولو أن الله أتى بعواصف أو قواصف بعد بدو الصلاح، وبعد اشتداد الحب من غير أن يفرط، ويهمل فأتلفت الثمر أو الزرع، فلا شيء عليه؛ لأنه لم يتعد، ولم يفرط.
ولو سرقت الثمار أو الزروع بعد أن بدا الصلاح، واشتد الحب فإن كان بإهمال منه أو تفريط ضمن، وإلا فلا.
والصحيح في الحال الثالثة أنها لا تجب الزكاة عليه ما لم يتعد أو يفرط؛ لأن المال عنده بعد وضعه في الجرين أمانة، فإن تعدى أو فرط، بأن أخر صرف الزكاة حتى سرق المال، أو ما أشبه ذلك فهو ضامن، وإن لم يتعد ولم يفرط وكان مجتهداً في أن يبادر بتخليصه، ولكنه تلف، مثل أن يجعل التمر في البيدر لأجل أن ييبس، ولكن لم يمض وقت يمكن يبسه فيه حتى سرق التمر، مع كمال التحفظ والحراسة، فلا يضمن، اللهم إلا إذا أمكنه أن يطالب السارق، ولم يفعل فهذا يكون مفرطاً.
إذاً القول الراجح أن الحال الثالثة تلحق بالحال الثانية.
وأما القول بأن الرجل إذا كان مديناً، وتلف ماله لم يسقط
الدين بتلف ماله، فهذا قياس مع الفارق؛ لأن دينه متعلق بذمته، والزكاة متعلقة بهذا المال.
وَيَجِبُ العُشْرُ عَلَى مُسْتَأْجِرِ الأرْضِ دُونَ مَالِكِهَا
.........
قوله: «ويجب العشر على مستأجر الأرض، دون مالكها» أي: أنَّ زكاة الثمر، وزكاة الحبوب تجب على المستأجر دون المالك، ولو قال المؤلف: «وتجب زكاة الثمر، والحبوب على المستأجر دون المالك» لكان أعم من قوله: «ويجب العشر»؛ لأن العشر قد يكون واجباً، وقد يكون الواجب نصف العشر، لكن المؤلف اختار هذا اللفظ؛ لأن غالب الأراضي بعد الفتوحات الإسلامية تسقى بالأنهار بلا مؤونة، فيعبر أهل العلم عن زكاة الحبوب والثمار بالعشر، ومرادهم وجوب الزكاة سواء كان الواجب العشر أو غيره.
وعلة الوجوب أن المستأجر هو مالك الحبوب والثمار، وأما مالك الأرض فليس له إلا الأجرة.
ولكن قد يقول قائل: وكيف يستأجر النخل؟ وهل يستأجر النخل؟
المذهب: وهو قول أكثر العلماء أن النخل لا يستأجر، أي: لا يمكن أن آتي إلى صاحب البستان، وأقول له: أجِّرني هذا النخل لمدة عشر سنوات مثلاً؛ لأن الثمر معدوم، ولا يعلم هل يخرج من الثمر مقدار الأجرة أو أقل أو أكثر.
والنبي صلّى الله عليه وسلّم «نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها» 1 فهذا من باب أولى؛ لأن هذا قبل أن يخرج، فيكون فيه جهالة.
وقال شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ: إن استئجار أشجار البساتين كاستئجار أراضيها، فكما أنك تستأجر هذه الأرض من صاحبها وتزرعها، فقد يكون زرعك أكثر من الأجرة، وقد يكون أقل فكذلك النخل، ويجعل النخل أصلاً، كما تجعل الأرض أصلاً بالمزارعة، وقال: إنَّ هذا هو الثابت عن عمر ـ رضي الله عنه ـ، حين ضمن حديقة أسيد بن حضير ـ رضي الله عنه ـ الذي لزمه ديون، فَضَمّنَ بستانه من يستأجره لمدة كذا وكذا سنة، ويقدم الأجرة من أجل قضاء الدين، وعمر فعل ذلك والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ متوافرون؛ ولأنه لا فرق بين استئجار النخيل، واستئجار الأرض؛ ولأن هذا أقطع للنزاع بين المستأجر وصاحب الأرض؛ وذلك لأنه يجوز أن يساقي صاحب النخل العامل بجزء من الثمرة، وهذا ربما يحصل فيه نزاع، أما إذا كانت الأجرة مقطوعة، فإن صاحب النخل قد عرف نصيبه وأخذه، والمستأجر قد عرف أن الثمر كله له، لا ينازعه فيه أحد، يتصرف فيه كاملاً.
وهذا هو الذي عليه العمل الآن عند الناس أنه يصح استئجار النخيل بأجرة معلومة لمدة معينة حسب ما يتفقان عليه.
وأجاب شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ عن استدلالهم بالحديث وهو نهي النبي صلّى الله عليه وسلّم عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، بأنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً؛ ولهذا أجازوا بيع أصل النخل وعليه ثمره قبل بدو صلاحه، وبيع الحيوان الحامل، مع النهي عن بيع الحمل.
إذاً إذا قلنا: إنه لا يصح استئجار النخيل، فإنه يحمل قول