الشرح الممتع على زاد المستقنعصفحات 125-164
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة

صفحات 125-164
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
الشرح الممتع على زاد المستقنع
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
الطبعة
الأولى، 1422 - 1428 هـ
عدد الأجزاء
15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

للاستحباب، وإن كان نهياً فهو بين التحريم والإباحة فيكون مكروهاً.
وهذه قاعدة قد تؤخذ من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1). والراجح عندي إباحة التحلي بالحديد، وغيره إلا الذهب، وعدم كراهة ذلك.
وَلاَ زَكَاةَ فِي حُلَيِّهِمَا المُعَدِّ لِلاسْتِعْمَالِ، أَوِ العَارِيَةِ، .........

قوله: «

ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العارية

» 2. «حليهما» أي: حلي «الذكر والأنثى»، ولكن لا بد من قيد وهو الإباحة؛ لأن المؤلف قال في آخر الكلام: «أو كان محرماً ففيه الزكاة».
فتسقط زكاة الحلي بشرطين: أولاً: أن يكون مباحاً.
ثانياً: أن يكون معداً للاستعمال، أو العارية، سواء استعمل وأعير، أو لم يستعمل ولم يعر.
أما الشرط الأول وهو الإباحة؛ فلأن سقوط الزكاة عن الحلي من باب الرخصة، ومستعمل المحرم ليس أهلاً للرخصة.
مثاله: لو اتخذ الرجل خاتماً من ذهب لوجبت عليه الزكاة في هذا الخاتم إذا بلغ النصاب، أو كان عنده ما يكمل به النصاب؛ لأنه محرم.1

أو اتخذت امرأة حلياً على شكل ثعبان أو شكل فراشة أو ما أشبه ذلك من صور ذوات الأرواح، فإن عليها فيه الزكاة؛ لأنه محرم؛ إذ يحرم على الإنسان ما فيه صورة حيوان، أو ما صنع على صورة حيوان.
وأما الشرط الثاني: وهو كونه معداً للاستعمال، أو العارية، أي: للاستعمال الشخصي، أو العارية، وهي بذل العين لمن ينتفع بها ويردها، وهي إحسان محض.
ويخرج بهذا التعريف الإجارة، والرهن، وما أشبه ذلك، ولهذا نقول: إن المستعير لا يملك أن يعير غيره، والمستأجر يملك أن يؤجر غيره بشروط معروفة عند العلماء؛ لأن المستعير مالك للانتفاع، والمستأجر مالك للمنفعة، فمالك المنفعة يتصرف فيها، ومالك الانتفاع لا يتصرف.
فالمعد للاستعمال، أو العارية ليس فيه زكاة.
واستدلوا بما يلي: 1 ـ أنه يروى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ليس في الحلي زكاة» 1. 2 ـ قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليّكن» 2.

3 ـ أنه قول أنس 1، وجابر 2، وابن عمر 3، وعائشة 4، وأسماء 5، خمسة من الصحابة رضي الله عنهم.
4 ـ أن هذا الحلي معد لحاجة الإنسان الخاصة، ولقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» 6 وهذا مثل العبد، والفرس، والثياب، وهي لا زكاة فيها.
5 ـ أن هذا الحلي ليس مرصداً للنماء فلا تجب فيه الزكاة كالثوب والعباءة.
وهذا القول ذهب إليه الإمام أحمد، ومالك، والشافعي ـ رحمهم الله ـ على خلاف بينهم في بعض المسائل، لكن في الجملة اتفقوا على عدم وجوب الزكاة في الحلي المعد للاستعمال أو العارية.

القول الثاني: وهو رواية عن الإمام أحمد، ومذهب أبي حنيفة: أنَّ الزكاة واجبة في الحلي من الذهب والفضة، واستدلوا بما يلي: 1 ـ ما رواه أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، وأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين العباد، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار» 1 وهذا عام، والمرأة التي عندها حلي، سواء أكان حلي فضة أو ذهب، صاحبة ذهب أو فضة، وهذا العموم يشمل الحلي وغير الحلي، ومن قال: إن الحلي خارج منه فعليه الدليل.
2 ـ ما رواه أهل السنن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن امرأة أتت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا.
قال: أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار، فخلعتهما وألقتهما إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم» 2، ومن أعلّ رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده بالانقطاع فهو مخطئ، فالأئمة كأحمد، والبخاري،

ويحيى بن معين يحتجون به، حتى إنَّ بعض المحدثين قال: إذا صح السند إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، فهو كمالك عن نافع عن ابن عمر، لكن هذا مبالغة.
وهذا الحديث له شاهد في الصحيح، وهو ما ذكرناه أولاً وله شاهد أيضاً في غير الصحيح من حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما.
3 ـ حديث عائشة رضي الله عنها 1. 4 ـ حديث أم سلمة رضي الله عنها 2. ولا شك أن هذه الأدلة أقوى مِنْ أدلة مَنْ قال بعدم الوجوب.
فإن قال قائل: بماذا نجيب عن أدلة القائلين بعدم الوجوب؟

قلنا: نجيب بما يلي: أما الحديث: «ليس في الحلي زكاة» 1 فإنه حديث ضعيف لا تقوم به حجة، فضلاً عن أن يعارض عموم الحديث الصحيح.
ثم إن المستدلين به لا يقولون بموجبه، فلو أخذنا بموجبه لكان الحلي لا زكاة فيه مطلقاً، وهم لا يقولون بذلك، فيقولون: إن الحلي المعد للإجارة، أو النفقة فيه الزكاة، وهذا معناه أننا أخذنا بالحديث من وجه، وتركناه من وجه آخر، هذا لو صح الحديث.
وأما قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء يوم العيد: «تصدقن ولو من حليكن» 2 فلا دلالة فيه على عدم وجوب الزكاة في الحلي؛ كما لو قلت لآخر قد أعد مالاً للنفقة، وقد بلغ نصاباً: تصدق ولو من نفقتك، فلا يدل ذلك على عدم وجوب الزكاة في هذا المال.
وأما ما روي عن الصحابة الخمسة، فهو لا يقاوم عمومات الأحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم ولا سيما أن هناك دليلاً خاصاً في الموضوع، وهو حديث المرأة التي معها ابنتها، فإنه نص في الموضوع، ولا عبرة بقول أحد مع قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، كما أنها معارضة بآثار غيرهم من الصحابة.
وأما القياس فهو باطل لوجوه: الأول: أنه في مقابلة النص، وكل قياس في مقابلة النص فإنه يكون فاسد الاعتبار.
الثاني: أنه قياس مع الفارق لأن الأصل في الذهب والفضة

وجوب الزكاة، وليس الأصل في الفرس، والعبد، والثياب، وجوب الزكاة فكيف نقيس ما أصله الزكاة، على شيء الأصل فيه عدم الزكاة؟! الثالث: أنه متناقض؛ لأنه لو كان له عبد قد أعده للأجرة، فليس فيه زكاة، ولو كان عنده خيل أعدها للأجرة، فليس فيها الزكاة، ولو كان عنده حلي أعده للأجرة، ففيه الزكاة! وأيضاً لو كان عنده حلي أعده للنفقة ففيه الزكاة، ولو كان عنده أثاث ونحوه قد أعده للنفقة كلما احتاج باع منه فليس فيه زكاة.
ولو كان عنده ثياب للاستعمال ثم نواها للتجارة فليس فيها زكاة على المذهب بخلاف الحلي.
إذاً لا يصح القياس، ومن الغريب أنه على قولهم لا تجب الزكاة في حلي امرأة قد أعدته للتجمل مع كونه من الكماليات وتجب الزكاة في حلي امرأة فقيرة قد أعدته للنفقة، وكان مقتضى الحكمة أن تجب الزكاة على من أعدته للكماليات لا على من أعدته للضروريات.
وأما قولهم: إن الحلي غير مرصد للنماء، فالجواب أن الذهب والفضة لا يشترط فيهما الرصد للنماء بدليل أن الإنسان لو كان عنده دراهم أو دنانير قد ادخرها لا يبيع فيها ولا يشتري وإنما يأكل منها، أو أعدها لزواج أو شراء بيت فتجب فيها الزكاة لوجوبها في عينها.
إيرادات على أدلة القائلين بالوجوب: أولاً: قالوا: يرد على قولكم: إن قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» 1 للعموم، أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «في الرقة ربع العشر» 2 والرقة هي الفضة المضروبة؛ لقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ فالرقة هي الدراهم، فيحمل قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة» على الفضة المضروبة، والذهب المضروب.
فالجواب على ذلك من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نسلم أن المراد بالرقة السكة المضروبة؛ لأن ابن حزم ـ رحمه الله ـ قال: الرقة اسم للفضة مطلقاً، سواء ضربت أم لم تضرب، فإن قلنا: ابن حزم حجة في اللغة فالأمر ظاهر، وإن قلنا: ليس بحجة، قلنا: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «في الرقة في مائتي درهم ربع العشر» وقال: «ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة» 3، فهذا دليل على أن المعتبر مجرد الفضة.
الوجه الثاني: أن نقول: لو سلم أن المراد بالورق الفضة المضروبة دراهم، فذكر بعض أفراد العام بحكم يوافق العام لا يعتبر تخصيصاً.
أرأيت لو قلت: أكرم الطلبة، ثم قلت: أكرم محمداً وهو منهم، فهل هذا يخصص العام أو لا؟.
الجواب: الثاني، فيكرم الجميع، ويكون لمحمد مزية خاصة في الإكرام.

ثانياً: قالوا: إن حديث المرأة وابنتها لا يستقيم الاستدلال به من وجهين: الوجه الأول: أننا لا نعلم هل بلغ النصاب، أم لا؟ وأنتم تقولون: لا تجب الزكاة فيما دون النصاب.
الوجه الثاني: كيف يقول: «أيسرك أن يسورك الله بهما سوارين من نار» 1 وهي ـ جاهلة ـ والجاهل معذور لا يهدد.
أجاب عن هذا أهل العلم القائلون بالوجوب بما يلي: أما الوجه الأول: فأجيب عنه بأجوبة هي: الجواب الأول: قال سفيان الثوري: تضمه إلى ما عندها، ومعلوم أن الذهب القليل إذا ضم للكثير بلغ النصاب.
الجواب الثاني: قالوا: نحن نوجب الزكاة في الحلي، وسواء بلغ النصاب أم لم يبلغ؛ لظاهر هذا الحديث.
الجواب الثالث: أن في بعض ألفاظ الحديث: «مسكتان غليظتان»، والمسكتان الغليظتان تبلغان النصاب، فتحمل الروايات الأخرى على هذه الرواية، من أجل أن يتحقق اشتراط النصاب.
وأما عن الوجه الثاني: وهو تهديدها بالعذاب وهي جاهلة فأجابوا عن ذلك بوجهين: أحدهما: أن المقصود تثبيت الحكم بقطع النظر عن الحكم على هذا المعين، وهذا الجواب عميق جداً، وهو أن من منع زكاة الحلي في السوارين فإنه يسور بهما يوم القيامة بسوارين من نار.

الثاني: أن التقدير: أيسرك أن يسورك الله بهما بسوارين من نار إن لم تؤدي زكاتهما، فيكون الحديث على تقدير شرط معلوم من الشريعة، وهو أن الوعيد على من لم يؤد الزكاة، أما من أداها فلا وعيد عليه.
والجواب الأول: وهو أن المراد إثبات الحكم بغض النظر عن هذا المعين، قاعدة مفيدة، ومن أمثلة هذه القاعدة المفيدة أن النبي صلّى الله عليه وسلّم مرَّ على رجلين في البقيع أحدهما يحجم الآخر، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «أفطر الحاجم والمحجوم» 1. يقول ابن القيم ـ رحمه الله ـ: إنه أورد على شيخه شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ قال: كيف نقول: إن الجاهل لا يفطر، والرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «أفطر الحاجم والمحجوم»؟ فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إن هذا المراد به إثبات الحكم بقطع النظر عن هذين الشخصين المعينين، فإذا ثبت الحكم نظرنا في الشخص المعين، وطبقنا عليه شروط لزوم مقتضى هذا الحكم.
وهذا في الحقيقة قاعدة مفيدة لطالب العلم؛ لأن الشرع ليس شرعاً لزيد وعمرو فقط، بل للأمة جميعاً، ونصوصه لا يصادم بعضها بعضاً.
وهذه المسألة؛ أعني زكاة الحلي اختلف الناس فيها كثيراً، وظهر الخلاف في الآونة الأخيرة؛ حيث كان الناس في نجدٍ

والحجاز لا يعرفون إلا المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ وهو عدم وجوب زكاة الحلي، ثم لما ظهر القول بوجوب الزكاة في الحلي على يد شيخنا: عبد العزيز بن باز وفقه الله، صار الناس يبحثون في هذه المسألة، وكثر القائلون بذلك وشاع القول بها، والحمد لله، وهذا القول مع كونه أظهر دليلاً وأصح تعليلاً هو متقضى الاحتياط.

فَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاة

............ قوله: «فإن أعد للكرى أو للنفقة، أو كان محرماً ففيه الزكاة» أي: إن أعد الحلي للكرى أي: للأجرة بأن يكون عند المرأة حلي تعده للإيجار، تؤجره النساء في المناسبات ففيه الزكاة؛ لأنه خرج عن الاستعمال الذي أسقط الزكاة، وصار معداً للنماء، وكذلك إذا أعد للنفقة، بأن يكون عند امرأة حلي أعدته للنفقة كلما احتاجت إلى طعام أو شراب أو أجرة بيت، أو غير ذلك، أخذت منه وباعت وأنفقت، ففيه الزكاة؛ لأنه الآن يشبه النقود حيث أعد للبيع أو الشراء، أو نحو ذلك.
وقوله: «أو كان محرماً» كما لو كان على صورة حيوان أو فراشة، أو ثعبان أو بلغ حد الإسراف، أو غير ذلك ففيه الزكاة، أو كان ذهباً على رجل ففيه الزكاة؛ لأنه إنما أسقطت الزكاة في الحلي المعد للاستعمال تسهيلاً على المكلف، وتيسيراً عليه وما كان كذلك فإنه لا يمكن أن يستباح بالمعصية.
وعلى هذه القاعدة مشى أكثر أهل العلم، فقالوا ـ مثلاً ـ: السفر المحرم لا يبيح الرخص، وقالوا: إن الخف أو الجورب المحرم لا يباح مسحه، وما أشبه ذلك بناءً على أن هذه رخص لا

تنال بالمعاصي، ويقال للعاصي: تب، فإذا تاب عاد الأمر كما كان عليه.
مسألة: إذا كان محرماً تجب فيه الزكاة، فهل المعتبر وزنه أو قيمته؟ الجواب: المذهب يعتبر وزنه؛ لأن قيمته مبنية على كونه محرماً، والمحرم لا يجوز أن يقوم شرعاً، فنعتبر وزنه نصاباً وإخراجاً.
وبهذا نعرف أن الحلي ثلاثة أقسام: 1 ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً وإخراجاً.
2 ـ قسم يعتبر بقيمته نصاباً وإخراجاً.
3 ـ قسم يعتبر بوزنه نصاباً، وقيمته إخراجاً.
أما الأول: وهو الذي يعتبر الوزن نصاباً وإخراجاً فهو الحلي المحرم، ومنه أيضاً الأواني المحرمة من الذهب والفضة.
مثال ذلك: رجل عنده كأس من الذهب زنته عشرون مثقالاً، ولكن قيمته عشرون مثقالاً تساوي ألفي ريال، لكن هذا الذهب عندما صنع كأساً من ذهب، أصبحت قيمته ثلاثة آلاف ريال، فهل نعتبر القيمة أو نعتبر الوزن؟ الجواب: نعتبره نصاباً من الذهب غير مصنوع، وقيمته ألفا ريال، وهذا هو المذهب، ويعللون بأن هذه القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة فلا عبرة بها؛ لأنه يجب عليه أن يغير هذه

الصنعة، وإذا قلنا: يجب إخراج الزكاة معتبرين الصنعة فمعنى ذلك ضمناً إقراره على ذلك.
والصحيح في مسألة المحرم أنه ينبغي أن يُعْتَبر بقيمته، مثل الحلي المباح، لكن القيمة الزائدة في مقابل صنعة محرمة تجعل في بيت المال.
وأما الثاني: وهو الذي يعتبر بالقيمة نصاباً وإخراجاً، فهو ما أعد للتجارة من العروض.
مثال ذلك: رجل يتاجر بالحلي، عنده حلي يبلغ عشرة مثاقيل، فهذه لم تبلغ النصاب من الذهب، ولكن قيمة هذه العشرة أربعمائة درهم فقد بلغ النصاب من الفضة، فتجب فيه الزكاة؛ لأنه بلغ النصاب بالقيمة.
وأما الثالث: وهو الذي يعتبر بوزنه نصاباً وبقيمته إخراجاً فهو الحلي المباح.
مثال ذلك: امرأة عندها حلي من الذهب يبلغ عشرين مثقالاً ففيه الزكاة، وقيمتها غير مصنوعة ألفا ريال، وقيمتها مصنوعة ثلاثة آلاف ريال، فهي تزكي ثلاثة آلاف ريال؛ لأن هذه صفة مباحة فتقوم شرعاً.
مثال آخر: امرأة عندها خمسة عشر مثقالاً قيمتها ثلاثمائة درهم، فإنها لا تزكي منها لأنه لم يبلغ وزنها نصاباً.

بَابُ زَكَاةِ العُرُوضِ

قوله: «العروض» جمعُ عَرَضٍ أو عَرْض بإسكان الراء، وهو المال المعد للتجارة وسمي بذلك؛ لأنه لا يستقر، يعرض، ثم يزول، فإن المتَّجِرَ لا يريد هذه السلعة بعينها، وإنما يريد ربحها؛ لهذا أوجبنا زكاتها في قيمتها لا في عينها.
فالعروض إذاً كل ما أعد للتجارة من أي نوع، ومن أي صنف كان.
وهو أعم أموال الزكاة وأشملها؛ إذ إنه يدخل في العقارات، وفي الأقمشة، وفي الأواني، وفي الحيوان، وفي كل شيء.
والزكاة واجبة في عروض التجارة عند أكثر أهل العلم، وهو القول الصحيح المتعين، والدليل على ذلك: 1 ـ دخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ *﴾ [الذاريات: 19].
وقول النبي صلّى الله عليه وسلّم لمعاذ بن جبل ـ رضي الله عنه ـ حين بعثه إلى اليمن: «أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» 1 فقال: «في أموالهم»، ولا شك أن عروض التجارة مال.

فإن قال قائل: إن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» 1. قلنا: نعم قال ذلك، ولكنه لم يقل: ليس في العروض التي لا تراد لعينها، إنما تراد لقيمتها ليس فيها زكاة.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «عبده وفرس» كلمة مضافة للإنسان للاختصاص، يعني الذي جعله خاصاً، يستعمله وينتفع به؛ فالفرس والعبد والثوب والبيت الذي يسكنه، والسيارة التي يستعملها ولو للأجرة، كل هذه ليس فيها زكاة؛ لأن الإنسان اتخذها لنفسه ولم يتخذها ليتجر بها، يشتريها اليوم ويبيعها غداً.
وعلى هذا فمن استدل بهذا الحديث على عدم وجوب زكاة العروض فقد أبعد.
2 ـ قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» 2 وهذا أقوى دليل عندي، ونحن لو سألنا التاجر ماذا يريد بهذه الأموال، لقال: أريد الذهب والفضة، فإذا اشتريت السلعة اليوم وربحت فيها غداً أو بعد غد بعتها، ليس لي قصد في ذاتها إطلاقاً.
3 ـ وكذلك روي عن النبي صلّى الله عليه وسلّم: أنه أمر بإخراج الزكاة عما يعد للبيع، ولكن هذا الحديث فيه ضعف 3.

4 ـ وكذلك ثبت عن عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه أمر رجلاً فقال له: «أَدِّ زكاة مالك، فقال: أما لي مال إلا جعاب وأدم، فقال عمر: قومها ثم أدِّ زكاتها» (1). وقد استدل أحمد بهذا الأثر.
5 ـ ولأننا لو لم نقل بوجوب الزكاة في عروض التجارة لأصبح كثير من الأغنياء ليس في أموالهم زكاة.
فعلى هذا نقول: زكاة العروض واجبة بالنص والنظر.
ولكن لوجوب الزكاة في عروض التجارة شروط أشار إليها المؤلف.

إِذَا مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، بِنِيَّةِ التجارة، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَاباً، زَكَّى قِيمَتَهَا

......... بقوله: «إذا ملكها بفعله بنية التجارة وبلغت قيمتها نصاباً».
الشرط الأول: أن يملكها بفعله، أي: باختياره، وشمل هذا التعبير ما إذا ملكها بمعاوضة كالشراء، أو غير معاوضة كالاتهاب وقبول الهدية، وما أشبهه، والمعنى: دخلت في ملكه باختياره.
الشرط الثاني: أن يملكها بنية التجارة وذلك بأن تكون نية التجارة مقارنة للتملك، فخرج بذلك ما لو ملكها بغير نية التجارة ثم نواها بعد ذلك فإنها لا تكون عروض تجارة على المشهور من المذهب، وسيأتي الخلاف في ذلك.
الشرط الثالث: أن تبلغ قيمتُها نصاباً.
وقوله: «وبلغت قيمتها نصاباً» أي: لا عينها، فلو كان عند1

إنسان عشر شياه سائمة قد أعدّها للتجارة قيمتها ألف درهم، فإن الزكاة تجب فيها مع أنها لم تبلغ نصاب السائمة؛ لأن المعتبر القيمة وقد بلغت نصاباً.
مثال آخر: إنسان عنده أربعون شاة سائمة أعدها للتجارة قيمتها مائة درهم فلا زكاة فيها؛ لأن القيمة لم تبلغ نصاباً.
قوله: «زكى قيمتَها» أي: لا عينها، فلا يجوز إخراج الزكاة من عين ما أعدّ للتجارة؛ لأن العين في عروض التجارة غير ثابتة، فالمعتبر المخرج منه وهو القيمة؛ ولأن القيمة أحب لأهل الزكاة غالباً.
فالشروط إذاً ثلاثة، بالإضافة إلى الشروط الخمسة السابقة في باب الزكاة، فهذه شروط خاصة، وما تقدم في كتاب الزكاة في أول الكتاب شروط عامة.
وأفادنا المؤلف بقوله: «إذا ملكها» أي: بأي وسيلة ملكها، سواء بالشراء، أو بعوض إجارة، أو باتهاب أو بعوض خلع، أو بصداق، أو بغير ذلك من أنواع التملكات، فهو عام.
مثاله: اشترى رجل سيارة ليتكسب فيها، فهذه عروض تجارة إذا بلغت قيمتها نصاباً ونواها حين الشراء، فإن اشترى سيارة للاستعمال، ثم بدا له أن يبيعها فليس عليه زكاة؛ لأنه حين ملكه إياها لم يقصد التجارة، فلا بد أن يكون ناوياً للتجارة من حين ملكه.
ولو اشترى شيئاً للتجارة، ولكن لا يبلغ النصاب، وليس عنده ما يضمه إليه فليس عليه زكاة؛ لأنه من شرط وجوب الزكاة بلوغ النصاب.

فَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَها بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَاهَا لَمْ تَصِرْ لَهَا

......... قوله: «فإن ملكها بإرث».
«إن ملكها» أي: العروض «بإرث» بأن مات مورثه، وخلف عقارات أو خلف بضائع من أقمشة، أو أوانٍ أو سيارات، أو غيرها ونواها هذا الوارث للتجارة فأبقاها للكسب، فإنها لا تكون للتجارة؛ لأنه ملكها بغير فعله؛ إذ إن الملك بالإرث قهري يدخل ملك الإنسان قهراً عليه، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: 12]، ﴿وَلأَِبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: 11]، ولهذا لو قال أحد الورثة: أنا غني لا أريد إرثي من فلان، قلنا له: إرثك ثابت شئت أم أبيت ولا يمكن أن تنفك عنه، ولكن إن أردت أن تتنازل عنه لأحد الورثة أو لغيرهم، فهذا إليك بعد أن دخل ملكك.
فإذا ملك إنسان عروض تجارة بإرث، ونواها حين ملكها للتجارة، فإنها لا تكون للتجارة.
مثال آخر: وهبه شخص سيارة فقبلها ونوى بها التجارة، فتكون للتجارة لأنه ملكها بفعله باختياره.
قوله: «أو ملكها بفعله بغير نية التجارة، ثم نواها لم تصر لها» أي لم تصر للتجارة، فلو باعها بعد أن ورثها ثم اشترى سواها بنية التجارة صارت للتجارة؛ لأنه ملكها بفعله.
مثال: لو كان عند إنسان عقارات لا يريد التجارة بها، ولكن لو أُعطي ثمناً كثيراً باعها فإنها لا تكون عروض تجارة؛ لأنه لم ينوها للتجارة، وكل إنسان إذا أتاه ثمن كثير فيما بيده، فالغالب أنه سيبيع ولو بيته، أو سيارته، أو ما أشبه ذلك.

وقول المؤلف: «ملكها بفعله بغير نية التجارة» هذا الذي مشى عليه، وأنه لو نوى التجارة بعد ملكها فإنها لا تكون للتجارة وهذا هو المذهب.
والقول الثاني في المسألة: أنها تكون للتجارة بالنية، ولو ملكها بغير فعله، ولو ملكها بغير نية التجارة، لعموم قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» 1، وهذا الرجل نوى التجارة، فتكون لها.
مثال ذلك: لو اشترى سيارة يستعملها في الركوب، ثم بدا له أن يجعلها رأس مال يتجر به فهذا تلزمه الزكاة إذا تم الحول من نيته.
فإن كان عنده سيارة يستعملها، ثم بدا له أن يبيعها فلا تكون للتجارة؛ لأن بيعه هنا ليس للتجارة، ولكن لرغبته عنها، ومثله: لو كان عنده أرض اشتراها للبناء عليها، ثم بدا له أن يبيعها ويشتري سواها، وعرضها للبيع فإنها لا تكون للتجارة؛ لأن نية البيع هنا ليست للتكسب بل لرغبته عنها.
فهناك فرق بين شخص يجعلها رأس مال يتجر بها، وشخص عدل عن هذا الشيء ورغب عنه، وأراد أن يبيعه، فالصورة الأولى فيها الزكاة على القول الراجح، والثانية لا زكاة فيها.
أما على ما مشى عليه المؤلف ـ رحمه الله ـ فإنه لا زكاة

في المسألتين؛ لأنه اشترط أن تكون نية التجارة مقارنة للتملك.
وَتُقَوَّمُ عِنْدَ الحَوْلِ بِالأحَظِّ لِلفُقَرَاءِ مِنْ عَينٍ أوْ وَرِقٍ.

قوله: «

وتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورق

» تُقَوَّمُ، الضمير يعود على عروض التجارة، ولم يذكر المؤلف من يقومها، فيقومها صاحبها إن كان ذا خبرة بالأثمان، فإن لم يكن ذا خبرة فإنه يطلب من يعرف القيمة من ذوي الخبرة ليقومها.
فإن قال قائل: كيف نأمنه إن كان ذا خبرة؟ قلنا: إن هذه عبادة، والإنسان مؤتمن على عبادته، كما لو قال المريض: أنا لا أستطيع أن أستعمل الماء، وأريد أن أتيمم، فلا يشترط أن نأتي بطبيب يفحص هذا الرجل، وهل يقدر أو لا يقدر؟ والزكاة أيضاً مثلها، فإذا قال الرجل: أنا أعرف قيم الأشياء، وكان ذا خبرة، قلنا: قومها أنت، أما إذا قال: أنا لا أعرف، قلنا له: تأتي بمن يقومها لك.
وقوله: «عند الحول» أي عند تمام الحول؛ لأنه الوقت الذي تجب فيه الزكاة، فلا يقدم قبله، ولا يؤخر بعده بزمن يتغير فيه السعر؛ لأن في ذلك هضماً للحق إن نزل السعر، أو زيادة عليه إن زاد السعر.
ثم التقويم هل يكون باعتبار الجملة أو باعتبار التفريق؛ لأن الثمن يختلف باعتبار الجملة عن التفريق؟ الجواب: إن كان ممن يبيع بالجملة فباعتبار الجملة، وإن كان يبيع بالتفريق فباعتبار التفريق، وإن كان يبيع بهما فيعتبر الأكثر بيعاً.

وقوله: «بالأحظ للفقراء».
المراد: بالأحظ لأهل الزكاة؛ لأن أهل الزكاة فقراء، ومساكين، وعاملون عليها، ومؤلفة قلوبهم، فلو عبر المؤلف بقوله: «لأهل الزكاة» لكان أعم، لكن ذكر الفقراء؛ لأن هذا هو الغالب.
وقوله: «من عين أو ورق» العين: الدنانير، والورق الدراهم، فإذا قومناها وصارت لا تبلغ النصاب باعتبار الذهب (الدنانير)، وتبلغ النصاب باعتبار الفضة، فنأخذ باعتبار الفضة؛ بمعنى: أن هذه السلعة تساوي مائتي درهم، وخمسة عشر ديناراً.
إن اعتبرنا الدينار لم تجب فيها الزكاة، وإن اعتبرنا الدراهم وجبت فيها الزكاة فالأحظ للفقراء أن تقومها بالفضة، والعكس بالعكس، فلو كانت هذه السلعة تساوي عشرين ديناراً أو مائة وخمسين درهماً فنعتبرها بالذهب (بالدنانير)؛ لأن ذلك الأحظ لأهل الزكاة.
فإن قال قائل: كيف تعتبرون الأحظ والنبي صلّى الله عليه وسلّم قال لمعاذ رضي الله عنه: «إياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم» 1. فالجواب: أن بينهما فرقاً، فحديث معاذ ـ رضي الله عنه ـ فيما إذا وجبت الزكاة، فلا تأخذ من أعلى المال، أما هذا فقد وجبت باعتبار أحد النقدين ولم تجب باعتبار الآخر، فاعتبرنا الأحوط وهو ما بلغت فيه النصاب؛ إن كان ذهباً فذهب، وإن كان فضة ففضة.

وَلاَ يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيتْ بِهِ وَإِنِ اشْتَرَى عَرَضاً بِنِصَابٍ مِنْ أَثْمَانٍ، أَوْ عُرُوضٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ وَإِنِ اشْتَراه بِسَائِمَةٍ لَمْ يَبْنِ

........... قوله: «ولا يعتبر ما اشتريت به».
أي: لا يعتبر في تقويمها عند تمام الحول ما اشتريت به؛ وذلك لأن قيمتها تختلف ارتفاعاً ونزولاً، ربما يشتري هذه العروض وهي وقت الشراء تبلغ النصاب، وعند تمام الحول لا تبلغ النصاب، فلا زكاة فيها، وربما يشتريها وهي تبلغ نصاباً وعند تمام الحول تبلغ نصابين.
فإن قال قائل: ربحها هذا لم يتم عليه الحول؛ لأنها لم ترتفع قيمتها إلا في آخر شهر من السنة؟ فالجواب: قلنا: إن هذا تابع لأصله كنِتَاجِ السائمة، فكما أن نتاج السائمة لا يشترط له تمام الحول، بل يتبع أصله، كذلك أيضاً ربح التجارة يتبع أصله، ولا يشترط له تمام الحول، وقد سبق هذا في أول كتاب الزكاة.
وقوله: «ولا يعتبر ما اشتريت به».
لو كانت عند الشراء تبلغ النصاب وعند تمام الحول تبلغ النصاب، فهنا يستوي الأمران، ومع ذلك لا نقول: يعتبر ما اشتريت به، حتى في هذه الحال نقول: المعتبر ما كان قيمة لها عند تمام الحول.
قوله: «وإن اشترى عرضاً بنصاب من أثمان، أو عروض بنى على حوله».
الأثمان: جمع ثمن وسميت بذلك؛ لأنها ثمن الأشياء، وهي الذهب والفضة.
فلو اشترى عرضاً بنصاب من أثمان، كرجل عنده مائتا درهم، وفي أثناء الحول اشترى بها عرضاً، فلا يستأنف الحول بل يبني على الأول؛ لأن العروض يبنى الحول فيها على الأول.

مثال آخر: عنده ألف ريال ملكها في رمضان وفي شعبان من السنة الثانية اشترى عرضاً، فجاء رمضان فيزكي العروض؛ لأن العروض تبنى على زكاة الأثمان في الحول.
وكذلك أيضاً لو اشترى عرضاً بنصاب من عروض أي عرضاً بدل عرض.
مثاله: رجل عنده سيارة، وفي أثناء الحول أبدلها بسيارةٍ أخرى للتجارة فيبني على حول الأولى؛ لأن المقصود القيمة، واختلاف العينين ليس مقصوداً، ولم يشتر السيارة الثانية ليستعملها، ولكن يريدها للتجارة.
قوله: «وإن اشتراه بسائمة لم يبن».
«اشتراه» أي: العرض بسائمة مثل: الإبل أو البقر أو الغنم، فإنه لا يبني على حول السائمة؛ لاختلافهما في المقاصد والأنصبة وفي الواجب.
مثاله: رجل عنده أربعون شاة سائمة ملكها في رمضان، وفي محرم اشترى بها عروضاً كسيارة أرادها للتجارة فيبتدئ الحول من محرم؛ لاختلافهما قصداً ونصاباً وواجباً، فلا يبني أحد النصابين على الآخر من أجل هذا الاختلاف.
والعكس كذلك، كما لو كان عنده عروض ملكها في رمضان، ثم اشترى بها سائمة في محرم فلا يبني على حول العروض لما ذكرنا في المسألة الأولى.
مثال آخر: عنده دراهم ملكها في رمضان وفي محرم اشترى بها سائمة، فلا يبني على حول الدراهم، فإذا جاء المحرم من

السنة الثانية وجبت عليه الزكاة؛ وذلك للاختلاف كما قال المؤلف.
مسألتان: الأولى: إخراج القيمة في الزكاة.
يرى أكثر العلماء أنه لا يجوز إخراج القيمة إلا فيما نص عليه الشرع، وهو الجبران في زكاة الإبل «شاتان أو عشرون درهماً»، والصحيح أنه يجوز إذا كان لمصلحة، أو حاجة، سواء في بهيمة الأنعام، أو في الخارج من الأرض.
الثانية: زكاة الأسهم: إن كان يبيع ويشتري فيها، فحكمها حكم عروض التجارة، يقومها عند تمام الحول ويزكيها، وإن ساهم يريد الربح والتنمية فالزكاة على النقود، وأما المعدات، وما يتعلق بها فلا زكاة فيها.

بَابُ زَكَاةِ الفِطْرِ قوله: «باب: زكاة الفطر» هل الإضافة من إضافة الشيء إلى زمنه أو سببه؟ إذا قلنا: إلى سببه، فمعناه أن الصغار لا فطرةَ عليهم، لأنهم لا يصومون، وإذا قلنا: إلى زمنه وجبت على الصغار ومن لا يستطيع الصوم لكبر ونحوه.

وقوله: «الفطر» أي من رمضان، وسميت زكاةً لما فيها من التنمية، تنمية الخُلُق لأنها تجعل الإنسان في عداد الكرماء، وتنمية المال؛ لأن كل شيء بذلته من مالك ابتغاء وجه الله، فهو تنمية له، وتنمية الحسنات لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إنك لن تنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعله في فِيِّ امرأتك» (1) وأخر المؤلف

باب زكاة الفطر

عن زكاة الأموال؛ لأن زكاة الفطر لا تجب في المال ولا تتعلق به، إذ ليس هناك مال تجب فيه الزكاة، وإنما تجب في الذمة؛ ولأن تعلقها بالذمة أقوى من تعلقها بزكاة الأموال.
وأضافها إلى الفطر كما جاء في الحديث، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «زكاة الفطر» 2 لأنه سبب وجوبها، فالفطر أي: من رمضان، والحكمة من وجوب زكاة الفطر من رمضان ما ذكره النبي صلّى الله عليه وسلّم «طهرة للصائم من اللغو والرفث» (3) وشكر لله ـ عزّ وجل ـ1

على إتمام الشهر، وطعمة للمساكين في هذا اليوم الذي هو يوم عيد وفرح وسرور فكان من الحكمة أن يعطوا هذه الزكاة؛ من أجل أن يشاركوا الأغنياء في الفرح والسرور.
وقوله صلّى الله عليه وسلّم: «وطهرة للصائم ... » هذا بناء على الأغلب، وإلا فالصغير ونحوه لا يصوم.

تَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلمٍ فَضَلَ له يَوْمَ العيدِ وليلَتَهُ صاعٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَوَائِجِهِ الأصلِيَّةِ،

....... قوله: «تجب على كل مسلم» تجب: الفاعل: يعود على زكاة الفطر.
وقوله: «تجب» أي حكمها الوجوب؛ لحديث ابن عمر الآتي، ولحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر طهرة للصائم وطعمة للمساكين».
وقوله: «على كل مسلم» خرج به من ليس مسلماً كاليهودي والوثني والنصراني وغيرهم، فلا تجب عليهم زكاة الفطر لحديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين» 1.

ولأن الزكاة طهرة والكافر ليس أهلاً للتطهير إلا بالإسلام، فلا يطهره إلا الإسلام.
وظاهر كلام المؤلف: حتى ولو كان عبداً لشخص وهو كافر فلا تجب زكاة الفطر في حقه، وهو كذلك.
ودخل فيه الذكر والأنثى والصغير والكبير والحر والعبد.
قوله: «فضل له يوم العيد وليلته صاع» «فضل له» أي: عنده.
قوله: «ليلته» أي: ليلة العيد، ويوم العيد وليلته، منصوبان على الظرفية.
قوله: «صاع» فاعل «فَضَلَ» وهو مقدار الزكاة، ويأتي بيان المراد بالصاع، وإنما خص الصاع؛ لأنه الواجب إذ لا يجب على الإنسان أكثر من صاع، ولا يسقط عنه ما دون الصاع إذا لم يجد غيره، بل يخرج ما يقدر عليه.
فإذا كان عنده ما يقوته يوم العيد وليلته، وبقي صاع فإنه يجب عليه إخراجه، وكذلك لو بقي نصف صاع فإنه يخرجه لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وكما لو وجد ماء لا يكفي إلا لبعض أعضاء الوضوء فإنه يستعمله ويتيمم لما بقي.
قوله: «عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية».
«قوته، وقوت عياله» أي: مأكله ومشربه.
«وحوائجه الأصلية» هي ما تدعو الحاجة إلى وجوده في

البيت كقدر العشاء، وصحن التمر، والإبريق، وكتب العلم، لكن إذا كان عنده كتاب لا يحتاج إليه إلا في العام مرةً واحدة فليس من الحوائج الأصلية، لأن هناك مكتبات عامة، وكذا إذا كان لهذا الكتاب نسخ أخرى فليس من الحوائج الأصلية؛ لأن ما في البيت إما أن يكون ضرورة أو حاجة أو فضلاً وكمالاً، فالضرورة: ما لا يستغنى عنه.
والحاجة: هي ما احتاج البيت إلى وجوده.
والفضل والكمال هو: ما لا يحتاج البيت إلى وجوده.
فإذا فضل عن حوائجه الأصلية، ومن باب أولى ضروراته هذا الصاع وجبت عليه زكاة الفطر شرعاً.
ويستفاد من قول المؤلف: «على كل مسلم فضل له يوم العيد ... إلخ»: أَنَّ زكاة الفطر لا تجب إلا إذا تحقق الشرطان الآتيان: الأول: الإسلام.
الثاني: الغنى على الوجه الذي ذكره المؤلف، وهو أن يكون عنده يوم العيد وليلته صاع زائد عن قوته وقوت عياله وحوائجه الأصلية.
والغنى في كل موضع بحسبه.
وظاهر كلام المؤلف أنه إذا تم الشرطان، وجبت زكاة الفطر عليه وإن لم يصم لكبر ونحوه.
ودليل ذلك قوله في حديث ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ:

«والكبير والصغير» (1) فكل مسلم صام أو لم يصم صغيراً كان أو كبيراً، حتى من كان في المهد، وحتى المرأة التي نفست جميع الشهر.
وَلاَ يَمْنَعُهَا الدينُ إلا بِطَلَبِهِ ........

قوله: «

ولا يمنعها الدين إلا بطلبه

» أي: لا يمنع وجوب زكاة الفطر الدين إلا بطلبه خلافاً لزكاة المال، فقد سبق أن الدين يمنع وجوبها على المشهور من المذهب، وعلى هذا فيكون ما ذكره المؤلف هنا من الفروق بين زكاة الفطر وزكاة المال.
وإنّما لم يمنعها الدين؛ لأن الدين تعلق بالمال وزكاة الفطر تتعلق بالذمة، وإنما منعها بطلبه من أجل إيفاء الدين للمطالب به لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «مطل الغني ظلم» 2 فلهذا نقول: إذا كان مطالباً به وقال له صاحبه: أعطني ديني، وليس عنده إلا صاع، فإنه يعطيه هذا الصاع، وتسقط عنه زكاة الفطر.
وفي هذه المسألة أقوال ثلاثة: الأول: لا يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به.
الثاني: أنه يمنعها مطلقاً سواء طولب به أم لم يطالب به.
الثالث: التفصيل الذي ذهب إليه المؤلف، وهو قريب.
ولكن، الأقرب منه هو القول الأول أنه لا يمنعها الدَّيْنُ مطلقاً سواء طولب به أو لم يطالب به، كما قلنا في وجوب زكاة1

الأموال، وأن الدين لا يمنعها إلا أن يكون حالاً قبل وجوبها فإنه يؤدي الدين وتسقط عنه زكاة الفطر.
فَيُخْرِجُ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَنْ مُسْلِمٍ يَمُونُهُ ........

قوله: «

فيخرج عن نفسه، وعن مسلم يمونه

» أي: يخرج عن نفسه وجوباً؛ لقول ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، من المسلمين» 1. وقوله: «وعن مسلم يمونه» أي: ينفق عليه، مثل الزوجة والأم والأب والابن والبنت، وما أشبههم ممن ينفق عليهم، فيجب عليه الإخراج عنهم لحديث: «أدوا الفطرة عمن تمونون» 2 أي: عمن تقومون بمؤنتهم، ولكن هذا الحديث ضعيف ومنقطع فلا يصح الاحتجاج به.
ولأثر ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أنه كان يخرج عن نفسه، وعن أهل بيته، حتى إنه يخرج عن نافع مولاه، وعن أبنائه 3، ولكن هذا الأثر لا يدل على الوجوب.
فالصحيح أن زكاة الفطر واجبة على الإنسان بنفسه فتجب

على الزوجة بنفسها، وعلى الأب بنفسه، وعلى الابنة بنفسها، وهكذا، ولا تجب على الشخص عمن يمونه من زوجة وأقارب لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: «فرض رسول الله صلّى الله عليه وسلّم زكاة الفطر صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير على الذكر والأنثى، والحر والعبد، والكبير والصغير من المسلمين».
والأصل في الفرض أنه يجب على كل واحد بعينه دون غيره.
ولقول الله تعالى: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] ولو وجبت زكاة الفطر على الشخص نفسه وعمن يمونه فإنه سوف تزر وازرة وزر أخرى، لكن لو أخرجها عمن يمونهم وبرضاهم فلا بأس بذلك ولا حرج، كما أنه لو قضى إنسان ديناً عن غيره وهو راض بذلك فلا حرج، ولأنه يجوز دفع الزكاة عن الغير.
وينبني على هذا إذا كان هؤلاء لا يجدون زكاة الفطر؛ فإذا قلنا: إنها واجبة عليه أثم، وإذا قلنا بالقول الثاني لم يأثم وهم لا يأثمون؛ لعدم وجود مال عندهم.
لكن الأولاد الصغار الذين لا مال لهم قد نقول بوجوبها على آبائهم؛ لأن هذا هو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم.
وفهم من كلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أن الزوجة الكافرة، والعبد الكافر لا يخرج عنهما.
مسألة: إذا قلنا بوجوب زكاة الفطر عمن يمونه وعنده عمال على كفالته، فهل تجب عليه عنهم؟

الجواب: لا تجب عليه، بل عليهم وهذا هو المذهب؛ إلا إذا كان من ضمن الأجرة كون النفقة عليه، فتجب عليه.
أما زكاة الفطر عن العبد فإنها تجب على سيده لما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (1) فيكون هذا الحديث مخصصاً لحديث ابن عمر فيما يتعلق بزكاة الفطر عن العبد، ولأن العبد مملوك للسيد لا يملك فوجب عليه تطهيره؛ لأنه لا يمكن أن يملك.
وقال بعض العلماء: تجب على العبد نفسه، ويلزم السيد بتفريغ العبد آخر رمضان ليكتسب ما يؤدي به صدقة الفطر، وهذا ضعيف لما يأتي: أولاً: أنه صح الحديث في استثناء الرقيق.
ثانياً: أن من القواعد المقررة أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو غير واجب، فلا يقال للإنسان: اتجر لتجب عليك الزكاة.

وَلَو شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنْ عَجِزَ عَن البَعْضِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَامْرَأَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأُمِّهِ فَأَبِيهِ

...... قوله: «ولو شهر رمضان» أي؛ لو كان الإنسان يمون رجلاً في شهر رمضان فقط فإنها تجب عليه زكاة الفطر عنه.
مثال ذلك: لو نزل بك ضيف من أول يوم من شهر رمضان حتى آخر يوم وجبت عليك له زكاة الفطر فتخرجها عنه؛ لأنك تمونه في هذا الشهر، وهذا القول مبني على ما سبق من أن زكاة الفطر تجب على الذي يمون شخصاً آخر، وتقدم أن الصحيح عدم1

الوجوب، فيكون الضيف ونحوه من باب أولى ألا تجب زكاة الفطر عليه عنهم.
قوله: «فإن عجز عن البعض بدأ بنفسه فامرأته» «البعض» أي: بعض من يمون، بناء على وجوب الزكاة عليه عنهم، فإن عجز عن فطرة بعض من يمونه فإنه يبدأ بنفسه؛ لأنه مخاطب بذلك عيناً؛ ولقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ابدأ بنفسك» 1، مثال ذلك رجل ليس عنده إلا صاع فاضلاً عن قوته وقوت عياله، وحوائجه الأصلية فهل يقسم الصاع على نفسه وزوجته وأولاده أم لا؟ الجواب: الفطرة أقلها صاع، فيكون هذا الصاع عن الرجل.
«فامرأته»: أي: زوجته، وهي مقدمة على أمه وأبيه؛ لأن الإنفاق عليها إنفاق معاوضة كالبيع، ثمن ومثمن، في حال اليسار والإعسار.
أما الإنفاق على الوالدين فإنفاق تبرع، فكانت المرأة أولى بالفطرة من الأم والأب، وعلى ما صححناه لا ترد هذه المسألة.
قوله: «فرقيقه، فأمه فأبيه» «فرقيقه» أي: لو كان عنده ثلاثة أصواع فواحد لنفسه، والثاني لامرأته، والثالث لرقيقه مقدماً على أبيه؛ لأن نفقة الرقيق واجبة في الإعسار والإيسار، أما نفقة الوالدين فإنها لا تجب إلا في الإيسار، فكان الرقيق أولى من الوالدين.
وعلى ما رجحنا يكون الرقيق مقدماً على الجميع؛ لأن

فطرته واجبة على سيده، لكن إن لم يكن عنده إلا صاع واحد ففي هذه الحال يخرج الصاع عن نفسه دون رقيقه.
وقوله: «فأمِّهِ» على كلام المؤلف يكون الصاع الرابع لأمه، وهي مقدمة على أبيه؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم حينما سئل من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك، وفي الرابعة قال: أبوك» (1)، وعلى هذا تقدم الأم؛ لوجوب تقديمها في البر.
وقوله: «فأبيه» فيكون الصاع الخامس لأبيه، وهو مقدم على الأولاد، ولذلك قال:

فَوَلَدِهِ، فَأَقْرَبَ فِي مِيرَاثٍ

....... «فولده» ويشمل الذكور والإناث، فلو كان عنده أربعة أولاد ولم يكن عنده إلا ستة آصع فإنه يخرجها على النحو الآتي: صاع لنفسه، والثاني لزوجته، والثالث لرقيقه، والرابع لأمه، والخامس لأبيه، ويبقى صاع فعمن يخرجه من أولاده؟ الجواب: يقرع بينهم، ويخرجه عمن تكون له القرعة منهم؛ لأنهم متساوون، حيث إنه لا مال لهم.
وأما على القول الراجح فلا شيء عليه إن أدى عنهم أثيب، وإن لم يؤد عنهم فلا شيء عليه، سوى العبد فإن فطرته واجبة على سيده.
قاعدة: إذ تساوت الحقوق نقرع، والقرعة طريقٍ شرعي للمتساويات، وقد وردت في القرآن في موضعين، قوله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ *﴾ [الصافات] وقوله تعالى: {وَمَا كُنْتَ1

لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44].
وقد وردت في السنة في ستة مواضع؛ منها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا» 1. قوله: «فأقرب في ميراث» أي: إذا أخرج زكاة الفطر عمن سبق ممن يمونهم وكان عنده زيادة، فإنه يخرجها عن الأقرب إليه في الميراث، فإن تساووا في القرابة كأختين شقيقتين فإنه يقرع بينهما، وإن اختلفوا في الميراث كأخ لأم وأخ شقيق وليس عنده إلا صاع، فإن قلنا: يخرج عنهم على حسب النفقة فإنه يكون للأخ للأم السدس، وللأخ الشقيق الباقي؛ لأنهم هكذا يرثونه لو مات عنهم، ولكن إذا أعطينا الأخ لأم السدس، وأعطينا الأخ الشقيق خمسة أسداس فإن الزكاة الواجبة سوق تنقص عن الصاع.
ولذلك فإنه يقرع بينهما؛ لأن الزكاة عبادة شرعية، ومقدارها شرعاً صاع، فلو جعلنا لهذا خمسة أسداس لم تتم له، وكذلك إذا جعلنا لهذا سدساً لم تتم له، والاشتراك هنا اشتراك تزاحم، فيقرع بينهما، بخلاف العبد كما سيأتي.
وهذا على القول المرجوح، أما على القول الراجح فلا ترد هذه المسألة.
وقوله: «فأقرب في ميراث» هذا ليس على إطلاقه، بل يقيد

بما إذا كان يجب عليه الإنفاق عليه، أما إذا لم يجب عليه الإنفاق عليه، كالعم الذي له أبناء فلا تجب عليه زكاته؛ لأنه لا يرثه.

وَالْعَبدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ عَلَيْهِمْ صَاعٌ، وَيُسْتَحَبُّ عَنِ الجَنِينِ

......... قوله: «والعبد بين شركاء عليهم صاع» أي: إذا كان عبد بين أشخاص هم شركاء، كأن يكون عبد بين ثلاثة لأحدهم نصفه، وللثاني ثلثه، وللثالث سدسه، فهل تجب زكاة الفطر عليهم بحسب رؤوسهم أو بحسب ملكهم؟ الجواب: إن قلنا: تجب بحسب الرؤوس لزم كل واحد ثلث صاع؛ لأنهم ثلاثة.
وإن قلنا: تجب بحسب ملكهم، قلنا: على الأول نصف صاع، وعلى الثاني ثلث صاع، وعلى الثالث سدس صاع؛ لأنها مبنية على الشراكة فيكون على حسب ملكهم، وهذا هو الذي ذهب إليه المؤلف وهو الصحيح.
ولكن قال بعض العلماء: يجب على كل واحد منهم صاع؛ لأن الفطرة واجب لا يتبعض، فكل إنسان مالك فيجب عليه أن يخرج صاعاً، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الصحيح أن الفطرة بالنسبة للغير فرع بمعنى أنها أصلاً واجبة على كل شخص بعينه، ومن تحملها عنه فهو فرع فتكون غرماً، فإذا كان عندنا فروع ثلاثة وهم الشركاء، وعندنا أصل واحد وهو الرقيق فكيف نجعل الأصل ثلاثة؟ فنعتبر الأصل وهو واحد، ونقول: عليهم صاع بحسب ملكهم، كما لو كان الأمر بالعكس بأن يكون ثلاثة أرقاء عند شخص واحد فعليه لهم ثلاثة أصواع لكل واحد صاع.

قوله: «ويستحب عن الجنين» أي: يستحب إخراج زكاة الفطر عن الجنين.
والجنين هو الحمل في بطن الأم، وسمي بذلك لاجتنانه أي: استتاره، وأصل مادة الجيم والنون من الخفاء فالجنين مشتق منه، وكذلك الجن؛ لأنهم مستترون، وأيضاً الجنَّة للبستان الكثير الأشجار؛ لأنه يستر من فيه، ومنه الجُنَّة لأنه يستتر بها عند القتال.
وظاهر كلام المؤلف، أنه يستحب الإخراج عن الجنين، سواء نفخت فيه الروح أم لم تنفخ؛ لعموم قوله: «عن الجنين».
والإخراج عنه قبل نفخ الروح فيه نظر؛ لأنه ليس إنساناً، قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] فهو ميت لا حياة فيه، فالذي يظهر لي أننا إذا قلنا باستحباب إخراجها عن الجنين فإنما تخرج عمن نفخت فيه الروح، ولا تنفخ الروح إلا بعد أربعة أشهر لحديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو الصادق 1 المصدوق 2 قال: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ثم يؤمر بكتب أربع كلمات، رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» 3. ولذلك قال العلماء: السقط قبل أربعة أشهر لا يغسل ولا

يكفن ولا يصلى عليه، وبعد أربعة أشهر يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن في مقابر المسلمين.
والدليل على استحباب إخراج زكاة الفطر عن الجنين ما روي عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ «أنه أخرج عن الجنين» 1 وإلا فليس فيه سنة عن الرسول صلّى الله عليه وسلّم، ولكن يجب أن نعلم أنّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ أحد الخلفاء الراشدين الذين أمرنا باتباع سنتهم، فإن لم ترد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم سنة تدفع ما سنه الخلفاء، فسنة الخلفاء شرع متبع، وبهذا نعرف أن الأذان الأول يوم الجمعة سنة بإثبات النبي صلّى الله عليه وسلّم 2 ذلك بقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين» 3، أما من أنكره من المُحدَثين، وقال: إنه بدعة وضلل به عثمان ـ رضي الله عنه ـ فهو الضال المبتدع.
لأن عثمان ـ رضي الله عنه ـ سنَّ الأذان الأول بسبب لم يوجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم، ولو وجد سببه في عهد الرسول صلّى الله عليه وسلّم ولم

يفعله النبي صلّى الله عليه وسلّم لقلنا: إن ما فعله عثمان ـ رضي الله عنه ـ مردود؛ لأن السبب وجد في عهد النبي صلّى الله عليه وسلّم ولم يسن النبي صلّى الله عليه وسلّم فيه شيئاً، أما ما لم يوجد في عهد الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ السبب الذي من أجله سنَّ عثمان ـ رضي الله عنه ـ الأذان الأول فإن سنتَهُ سنةٌ متبعةٌ، ونحن مأمورون باتباعها.

وَلاَ تَجِبُ لِنَاشِزٍ، وَمَنْ لَزِمَتْ غيرَهُ فِطْرَتُهُ فأخرجَ عن نفسِهِ بغيرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ

....... قوله: «ولا تجب لناشز» أي: لا تجب زكاة الفطر على الزوج للمرأة الناشز؛ لأنه لا تجب عليه لها النفقة، وهذا بناءً على أنه يجب على الإنسان أن يخرج زكاة الفطر عمن يمونه ومن تلزمه نفقته.
والناشز هي التي تترفع على زوجها، وتعصيه فيما يجب عليها طاعته فيه، أو تطيعه ولكن متكرهة متبرمة، فإذا أمرها بأمر فإنها تتمنع وتتأخر عن تنفيذه وما أشبه ذلك؛ لأنه يجب عليها أن تبذل له ما يجب له بانشراح ورضا، كما أنه أيضاً يجب عليه أن يبذل لها ما يجب عليه لها بمثل ذلك.
قوله: «ومن لزمت غيرَهُ فطرته» هذا من باب تقديم المفعول على الفاعل، أي: من وجبت فطرته على غيره، مثل الزوجة تلزم زوجها فطرتها، والابن تلزم فطرته أباه، وما أشبه ذلك.
قوله: «فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أي: أخرج من تَلزَمُ فطرته غيره بغير إذن من تلزمه فطرته فإنها تجزئ عنه.
مثال ذلك: الزوجة لو أخرجت عن نفسها بغير إذن زوجها أجزأتها، ومعلوم أن فطرة الزوجة واجبة على زوجها وليست على

نفسها، ـ وذلك على رأي المؤلف ـ؛ لأن الواجب أصلاً عليها هي، والزوج وجبت عليه فطرتها تحملاً، فإذا أخرجت عن نفسها فقد أخرج الأصل عن الفرع، سواء أذن الزوج أو لم يأذن.
وهذا تسليم من الفقهاء ـ رحمهم الله ـ أن الإنسان مخاطب بإخراج الزكاة عن نفسه، وقد سبق أن قلنا: إن هذا هو الرأي الراجح الصحيح.
وفهم من قوله: «ومن لزمت غيره فطرته فأخرج عن نفسه بغير إذنه أجزأت» أن من أخرج عمن لا تلزمه فطرته فإنه لا بد من إذنه.
مثال ذلك: لو أن زيداً أخرج عن عمرو بغير إذنه، فإنها لا تجزئ؛ لأن زيداً لا تلزمه فطرة عمرو، والزكاة عبادة فلا بد فيها من نية، إما ممن تجب عليه، أو من وكيله.
وهذا مبني على قاعدة معروفة عند الفقهاء يسمونها: (التصرف الفضولي)، بمعنى أن الإنسان يتصرف لغيره بغير إذنه، فهل يبطل هذا التصرف مطلقاً، أو يتوقف على إذن ورضا الغير؟ هذا المسألة فيها خلاف بين أهل العلم: والراجح: أنه يجزئ إذا رضي الغير، والدليل على ذلك: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم: «وكّل أبا هريرة رضي الله عنه في حفظ صدقة الفطر فجاء الشيطان ذات ليلة، وأخذ من التمر فأمسكه أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ فادعى أنه فقير وذو عيال، وأنه لا يأتي بعد هذه الليلة، فلما جاء الصباح أتى أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم، فقال له النبي صلّى الله عليه وسلّم: «ما فعل أسيرك البارحة؟» فأخبره أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ أنه أعتقه.

فصول الكتاب · 31 فصل · 4021 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الممتع على زاد المستقنع · 4021 صفحة
ـ[الشرح الممتع على زاد المستقنع]ـمقدمة المؤلف
كِتَابُ الطَّهارة
كتابُ الصَّلاة
كِتَابُ الجَنَائِزِ
كتاب الزكاة
ولا زكاة في حليهما المعد للاستعمال، أو العاريةفَإِنْ أُعِدَّ لِلْكِرَى، أَوْ للنَّفَقَةِ، أَوْ كَانَ مُحَرَّماً فَفِيهِ الزَّكاةبَابُ زَكَاةِ العُرُوضِإِذَا مَلَكَهَا بِفِعْلِهِ، بِنِيَّةِ التجارة، وَبَلَغَتْ قِيمَتُهَا نِصَاباً، زَكَّى قِيمَتَهَافَإِنْ مَلَكَهَا بِإِرْثٍ، أَوْ مَلَكَها بِفِعْلِهِ بِغَيْرِ نِيَّةِ التِّجَارَةِ، ثُمَّ نَوَاهَا لَمْ تَصِرْ لَهَاوتقوم عند الحول بالأحظ للفقراء من عين أو ورقوَلاَ يُعْتَبَرُ مَا اشْتُرِيتْ بِهِ وَإِنِ اشْتَرَى عَرَضاً بِنِصَابٍ مِنْ أَثْمَانٍ، أَوْ عُرُوضٍ بَنَى عَلَى حَوْلِهِ وَإِنِ اشْتَراه بِسَائِمَةٍ لَمْ يَبْنِباب زكاة الفطرتَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسلمٍ فَضَلَ له يَوْمَ العيدِ وليلَتَهُ صاعٌ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ وَحَوَائِجِهِ الأصلِيَّةِ،ولا يمنعها الدين إلا بطلبهفيخرج عن نفسه، وعن مسلم يمونهوَلَو شَهْرَ رَمَضَانَ فَإِنْ عَجِزَ عَن البَعْضِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ فَامْرَأَتِهِ، فَرَقِيقِهِ، فَأُمِّهِ فَأَبِيهِفَوَلَدِهِ، فَأَقْرَبَ فِي مِيرَاثٍوَالْعَبدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ عَلَيْهِمْ صَاعٌ، وَيُسْتَحَبُّ عَنِ الجَنِينِوَلاَ تَجِبُ لِنَاشِزٍ، وَمَنْ لَزِمَتْ غيرَهُ فِطْرَتُهُ فأخرجَ عن نفسِهِ بغيرِ إِذْنِهِ أَجْزَأَتْ
كتاب الصيام
كِتابُ المَنَاسِكِ
كتاب الجهاد
كتاب البيع
كِتَابُ الوَقْفِ
كِتابُ الوَصَايَا
كتاب الفرائض
كِتَابُ العِتْقِكتاب النكاح
كِتَابُ النِّكَاحِ
كِتَابُ الطَّلاَقِ
كِتَابُ الإِيلاَءِ
كِتَابُ الظِّهَارِ
كِتَابُ اللِّعانِ
كِتَابُ الْعِدَدِ
كِتَابُ الرَّضَاعِ
كِتَابُ النَّفَقَاتِ
كِتَابُ الجِنَايَاتِ
كِتَابُ الدِّيَاتِ
كِتَابُ الْحُدُودِ
كِتَابُ الأَْطْعِمَةِ
كِتَابُ الأَيْمَانِ
كِتَابُ القَضَاءِ
كِتَابُ الشَّهَادَاتِ
كِتَابُ الإِقْرَارِ
جارٍ التحميل