كِتَابُ الْحُدُودِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وأجابه بعض العلماء بأنها قطعت في ربع دينار حماية للأموال، وكانت ديتها خمسمائة دينار حماية للنفوس والدماء.
حماية النفس أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري
وقال بعضهم وهو تعبير أدبي: لما خانت هانت، ولما كانت أمينة كانت ثمينة.
مسألة: هل يجوز رد اليد بعد قطعها؟ لا يجوز؛ لأن هذا خلاف مقصود الشارع، فليس مقصود الشارع الإيلام فقط حتى نقول: إنه حصل بقطعها، وإنما مقصود الشارع أن يبقى، وليس له يد.
فإن عاد فسرق فقال بعض العلماء: لا يقطع منه شيء، وإنما يحبس ويؤدب، وقال بعضهم: تقطع رجله اليسرى من مفصل العقب، فإن عاد فسرق تقطع يده اليسرى، فإن عاد فسرق قطعت رجله اليمنى، فإن عاد فسرق قال بعضهم: يقتل.
فإن قيل: إن قطعت أربعته فبماذا يسرق؟!
فالجواب: يمكن أن يسرق بفمه، كأن يحمل الكيس الذي فيه الذهب ويعض عليه بأسنانه ويمشي.
قوله: «وَمَنْ سَرَقَ شَيْئاً مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ ثَمَراً كَانَ أَوْ كَثَراً أَوْ غَيْرَهُمَا أُضْعِفَتْ عَلَيْهِ القِيمَةُ وَلاَ قَطْعَ» أضعفت بمعنى زيدت بمثلها، وأما كونه لا قطع فظاهر؛ لأنه يشترط للقطع أن تكون السرقة من حرز.
مثال ذلك: رجل سرق دراهم، أو دنانير من دكان مفتوح، فهنا سرق من غير حرز فليس عليه قطع؛ لأن من شروط القطع أن تكون السرقة من حرز، ولكن يقول المؤلف: إن القيمة تضاعف عليه، فإذا كان هذا المسروق يساوي مائة جعلناه بمائتين.
ودليل ذلك أنه ثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن من سرق ثمراً من غير حرز فإنه يضاعف عليه الغرم 1.
والمؤلف ـ رحمه الله ـ يقول: إنه لا فرق بين أن يكون المسروق ثمراً أو كَثَراً أو غيرها، فالثمر كالتمر، والكثر قيل: إنه جُمَّار النخل، وقيل: إنه طلع النخل، والذي جاءت به السنة الثمر والكثر، وما عداهما فإنها لم تأتِ به السنة، فألحق بعض العلماء ما عداهما بهما، كما ذهب إليه المؤلف ـ رحمه الله ـ، والمذهب أن غيرهما لا يلحق بهما، فإذا سرق من غير حرز فلا قطع، ولا يجب عليه إلا القيمة إن كان متقوماً، أو المثل إن كان مثلياً.
أما الذين قالوا بالتضعيف فقالوا: إنه ثبت في السنة تضعيف الغرم في الثمر والكثر، ولا نعلم لذلك أصلاً إلا لأنه سرق من غير حرز، وعلى هذا فتكون العلة أنه سرق من غير حرز، فكل ما سرق من غير حرز ضوعفت عليه القيمة، وأما الذين قالوا: لا تضاعف عليه القيمة، قالوا: لأن الأصل في الضمان ضمان الشيء بمثله، فخرج الثمر والكَثَر إذا سُرق بالنص، فبقي ما عداهما على الأصل.
مثال ذلك: رجل صعد إلى نخلة فجذ منها قنواً أو قنوين وذهب به، وجب عليه أن يضمنه بمثله مرتين، وأما القطع فلا قطع.
مثال آخر: رجل سرق دراهم من غير حرز، وذهب بها فلا قطع عليه؛ لأنه من غير حرز، ولكن يجب أن يضمنه ـ على كلام المؤلف ـ بمثله مرتين فيضمن المائة بمائتين، والمذهب لا يضمنه إلا بمثله، فلا يضمن إلا المائة فقط.
وكلام المؤلف ـ رحمه الله ـ أقرب؛ لما في ذلك من الردع والزجر؛ ولأنه سقطت عنه العقوبة مراعاة لحاله ولمصلحته.
بَابُ حَدِّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ
وَهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ فِي الصَّحْرَاءِ، أَوِ الْبُنْيَانِ، فَيَغْصِبُونَهُمُ الْمَالَ مُجَاهَرَةً لاَ سَرِقَةً،
..............................
قوله: «حَدُّ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ»، أفادنا المؤلف أن عقوبة قطاع الطريق من باب الحد، وأنها واجبة وهو كذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فعقوبة قطاع الطريق من باب الحد الواجب إقامته.
وقوله: «قطاع الطريق» «قطاع» جمع قاطع، و «الطريق» ما يطرقه الناس بأقدامهم ويسلكونه، مثل سكك السيارات، وجواد الإبل، والحمر، ونحو ذلك، وقطاع الطريق الذين يقطعونه ـ أي: يمنعون الناس من السير فيه ـ وذلك لعدوانهم على من مَرَّ بهم.
قوله: «وهُمُ الَّذِينَ يَعْرِضُونَ لِلنَّاسِ بِالسِّلاَحِ في الصحراء أو البنيان فَيَغْصِبونَهُمُ المَالَ مُجاهَرَةً لا سرقة» فيقفون في الطرقات، ومعهم السلاح في الصحراء أو البنيان، وسواء كان السلاح فتاكاً أو لا، حتى لو كان عصاً تقتل فإنه سلاح.
وقوله: «في الصحراء أو البنيان» وأكثر ما يكونون في الصحراء؛ لأن البنيان فيها من يحمي الناس، وفيها أناس كثيرون يمنعون فساد هؤلاء، فأكثر ما يكونون في الصحراء
وأكثر ما يكونون أيضاً في الصحراء غير المسلوكة.
وقوله «فيغصبونهم المال مجاهرة لا سرقة» أي: أن أخذهم المال غصباً، فيعرض للمسافر، ويقول له: أَنْزِلِ المتاع الذي معك غصباً، حتى ينزعه ثيابه، وهذه وقعت، فهذا الأمر لا شك أنه فساد في الأرض؛ لأنه يمنع الناس من سلوك الطرقات التي هي محل أمنهم؛ ولأنه إيذاء وإخافة وترويع، فهو من أكبر الفساد.
وقوله: «لا سرقة» لأن السرقة أخذ المال على سبيل الخفية.
وعقوبة القاطع إن قتل وأخذ المال قُتل ثم صُلب، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل ولم يُصلب، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى، وإن أخاف ولم يقتل ولم يأخذ مالاً نفي من الأرض، فالعقوبة إذاً أربعة أنواع: قتل وصلب، وقتل فقط، وقطع، ونفي، وهذه العقوبة تختلف بحسب الجريمة.
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ هذه واحدة، ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ هذه الثانية، لكن بعض أهل العلم ـ وهو المذهب ـ يقولون: إنه لا يصلب بدون قتل، وعلى هذا فيكون المعنى يقتلوا ويصلبوا، أو يقتلوا فقط بدون صلب، فتكون الآية دالة على نوعين من العقوبة ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] و «أو» هنا على ما مشى عليه المؤلف للتنويع، وليست للتخيير، ولكن بعض أهل العلم قال:
إنها للتخيير، وسيأتي ـ إن شاء الله ـ بيان أيهما أصح.
فَمَنْ مِنْهُمْ قَتَلَ مُكَافِياً، أَوْ غَيْرَهُ، كَالْوَلَدِ، وَالْعَبْدِ، وَالذِّمِّيِّ، وَأَخَذَ الْمَالَ، قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ، وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ قُتِلَ حَتْماً وَلَمْ يُصْلَبْ، وَإِنْ جَنَوْا بِمَا يُوجِبُ قَوَداً فِي الطَّرَفِ تَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ،
..............
قوله: «فَمَنْ مِنْهُمْ قَتَلَ مُكَافِياً أَوْ غَيْرَه كَالوَلَدِ وَالعَبْدِ وَالذِّمِّيِّ وَأَخَذَ المَالَ قُتِلَ، ثُمَّ صُلِبَ حَتَّى يَشْتَهِرَ» إذا جمعوا بين القتل وأخذ المال جمع لهم بين العقوبتين، وهما: القتل، والصلب، ويقول المؤلف: لا فرق بين أن يكون هذا القتل مما يجري فيه القصاص بين القاتل والمقتول، أو مما لا يجري فيه القصاص.
فمثلاً: الولد لا يجري القصاص بينه وبين أبيه، فإذا كان الأب هو القاتل فلا قصاص، ولهذا قال المؤلف: «مكافياً أو غيره كالولد» فالولد غير مكافئ للوالد في القصاص، بمعنى أن الولد إذا قتله أبوه فإنه لا يقتل، والحقيقة أن الولد مكافئ، لكن وجد فيه مانع وهو الولادة، لكن هنا في هذا الباب يقتل به، والعبد غير مكافئ للحر، فإذا كان قاطع الطريق حراً والمقطوع عبداً، فأخذ ماله وقتله فإن هذا الحر يقتل ويصلب.
والذمي غير مكافئ للمسلم، فلو أن مسلماً قاطع طريق قتل ذميّاً وأخذ ماله، وجب أن يقتل ثم يصلب؛ لأن هذا حد، وليس من باب القصاص حتى نقول: إنه يشترط فيه ما يشترط في ثبوت القصاص، فهذا حد شرعي المقصود به ردع الناس عن هذا العمل الذي سماه الله تعالى محاربة.
وقوله: «قتل ثم صلب» فيصلب بعد القتل، أي: نربطه على خشبة لها يدان معترضتان، وعود قائم، فنقيمه عليها، ونربطه، ونربط يديه على الخشبتين المعروضتين.
وقوله: «حتى يشتهر» ويتضح أمره، ومثل هذا يشتهر بسرعة؛ لأنه خلاف المعتاد.
وظاهر كلام المؤلف بل صحيحه أنه يقتل قبل الصلب.
والقول الثاني: أنه يصلب قبل القتل، وفائدة هذ القول أنه إذا صلب وهو حي كان ذلك أشد في حزنه؛ لأن الميت ما يشعر بما يناله من الخزي والعار ـ والعياذ بالله ـ بخلاف الحي، قال المتنبي:
من يَهُن يَسهل الهوانُ عليه
ما لجُرحٍ بميت إيلامُ
فهذا الميت إذا صلب، ومر به الناس لا يشعر بذلك، لكن إذا صلب وهو حي، وصار الناس يمرون عليه وينظرون إليه وهو ينظر إليهم، كان ذلك أشد في عاره وخزيه.
وينبغي أن ينظر في هذا إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن المصلحة أن يصلب قبل أن يقتل فعل.
ولم يذكر المؤلف هنا أي آلة يقتل بها، فيقتل بما يكون أسهل؛ لقول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتلة» 1، وليس هذا كالزاني إذا كان محصناً يرجم، بل المقصود بهذا إتلافه.
فإذا دار الأمر بين أن نقتله بالسيف، أو نقتله بالصعق بالكهرباء، فالسيف أولى من جهة أنه لا يصيب الإنسان بالصدمة القوية التي تقضي عليه، والصعق بالكهرباء أولى من جهة؛ لأنه أسرع، وهنا ينبغي أن نرجع إلى الأطباء، فإذا قالوا: إن قتله
بالصعق أسهل وأكثر راحة فعلنا، وهو ـ أيضاً ـ بالنسبة للصلب أقل ترويعاً؛ لأن ذاك لو قتل بالسيف فستصيبه الدماء، ويتروع الناس بمجرد رؤيته، بخلاف ما إذا قتل بالصعق فإنه يكون كالميت ميتة طبيعية.
وهل يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين؟
نعم؛ يغسل، ويكفن، ويصلى عليه، وندفنه في مقابر المسلمين، إلا على رأي طائفتين مبتدعتين، وهما الخوارج الذين يقولون: إن فاعل الكبيرة يكفر ما لم يتب، والمعتزلة الذين يقولون: إنه مخلد في النار، فإن الصلاة عليه غير ممكنة؛ لأن المقصود بالصلاة عليه الدعاء له، وعندهم لا يجوز الدعاء لمثل هذا؛ لأنه لن يُرحم، فهو في النار.
قوله: «وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ المَالَ قُتِلَ حَتْماً وَلَمْ يُصْلَبْ» إن قتل قاطع الطريق ولم يأخذ المال فإنه يقتل ولا يصلب.
وقوله: «قُتِل حتماً» يعني أنه ليس فيه خيار لأولياء المقتول؛ لأن القتل هنا ليس قصاصاً، ولكنه حد، فإذا لم يكن قصاصاً، بل كان حداً فإنه يتحتم قتله؛ لأن الله قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ [المائدة: 33].
قوله: «وَإِنْ جَنَوْا بِمَا يُوجِبُ قَوَداً فِي الطَّرَفِ تَحَتَّمَ اسْتِيفَاؤُهُ» هذه المسألة تعتبر كجملة معترضة في المتن، والمراد الجناية بما دون القتل ـ أي: الجناية على الأطراف ـ فإذا جنوا على طرف، فإما أن تكون الجناية موجبة للقود، وسبق لنا ذلك في شروط
القصاص فيما دون النفس، فإذا كان يوجب القود تحتم استيفاؤه، مثل: أن يقطعوا من مفصل، فإذا قطعوا اليد من مفصل فيجب القصاص، أي: يثبت، فهنا يتحتم استيفاؤه، فلو عفا المجني عليه لم يصح عفوه، والدليل: قالوا: قياساً على القتل، فإن القتل يتحتم استيفاؤه، كذلك القصاص فيما دون النفس يتحتم استيفاؤه.
وهذا الذي مشى عليه المؤلف خلاف المذهب، فالمذهب أنهم إذا جنوا بما يوجب قوداً في الطرف فإنه لا يتحتم استيفاؤه، ويكون الخيار للمجني عليه؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45]، فجعل للإنسان أن يتصدق بهذه الجناية ولا يقتص منها، وقالوا: إن القتل ورد به النص ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ وهنا القتل منتفٍ، فيبقى على حكم الأصل التخيير، فيخير المجني عليه بين القصاص، وبين العفو مجاناً، وبين الدية.
وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمَالِ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ بِأَخْذِهِ السَّارِقُ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ الْيُمْنَى، وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، وَحُسِمَتَا، ثُمَّ خُلِّيَ، فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا نَفْساً وَلاَ مَالاً يَبْلُغُ نِصَابَ السَّرِقَةِ نُفُوا، بِأَنْ يَشَرَّدُوا فَلاَ يُتْرَكُونَ يَأْوُونَ إِلى بَلَدٍ،
........ قوله: «وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ المَالِ قَدْرَ مَا يُقْطَعُ بِأَخْذِهِ السَّارِقُ وَلَمْ يَقْتُلُوا قُطِعَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ يَدُهُ اليُمْنَى وَرِجْلُهُ اليُسْرىَ» إن أخذ كل واحد منهم من المال قدر ما يقطع به السارق، وهو على المذهب ربع دينار، أو ثلاثة دراهم، أو عرض قيمته كأحدهما، والقول الثاني: أن النصاب ربع دينار؛ لحديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً» 1، وهذا هو الصحيح، فإذا أخذوا مالاً يبلغ نصاب قطع السرقة فإنهم تقطع أيديهم لأخذ المال، وأرجلهم لقطع الطريق؛ لأنهم يأخذون باليد ويمشون بالرِّجل.
واشترط المؤلف ـ رحمه الله ـ في القطع أن يأخذوا من المال قدر ما يقطع به السارق، وظاهر كلامه أنهم لو أخذوا دون ذلك فلا قطع، وإنما يحكم لهم بحكم من لم يأخذ شيئاً، وهذا أحد القولين في المسألة.
والقول الثاني: أنهم إذا أخذوا المال ولو أقل مما يقطع به السارق، فإنه يتحتم قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ لأن هذا ليس بسرقة بل هذا جناية أعظم، ولا يقاس الأعظم على الأدنى، وأيضاً محل العقوبة في السرقة اليد، ومحل العقوبة هنا اليد والرجل، ولا يمكن أن يقاس الأغلظ عقوبة على الأهون عقوبة، وهذا مذهب مالك وهو الصحيح، وعموم الأثر الوارد عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ يدل على ذلك 1.
وقياسها على السرقة غير صحيح؛ لأنه مخالف في الجناية ومخالف في العقوبة، وإذا كان مخالفاً في الجناية والعقوبة فلا يمكن أن يقاس الأغلظ على الأهون.
وتقطع اليد من مفصل الكف، والرِّجل من مفصل العقب، والعقب يبقى ولا يقطع؛ لأننا لو قطعنا العقب لأجحفنا به؛ ولقصرت الرجل، وتعثر المشي.
والعقب هو العرقوب أي: مؤخر القدم، الذي تحت الكعب.
وتقطع اليد اليمنى؛ إذ إن الأصل في الأخذ والإعطاء هو اليمين.
ولماذا لا نقطع الرِّجْل اليمنى مع أنها أقوى من اليسرى؟ قالوا: لئلا يجتمع عليه عقوبتان في جهة واحدة، فيكون القطع من جانب في اليد، ومن جانب آخر في الرِّجل.
قوله: «فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ» أي: يجب أن يكون قطع اليد والرِّجل في مقام واحد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ والواو للجمع والاشتراك، بمعنى أننا لا نقطع هذه اليد اليوم، ونقطع الرجل غداً؛ لأن هذا يشق عليه، فإن إجراء الحد عليه مرة واحدة أسهل، ولا نقول: نقطع اليد اليمنى فإذا برئت قطعنا الرجل اليسرى؛ لأن هذا خلاف ظاهر النص، فتقطعان في مقام واحد.
قوله: «وحسمتا» أي: غمستا في الزيت المغلي حتى تنسد أفواه العروق، ولا ينزف الدم.
قوله: «ثُمَّ خُلِّيَ» أي: ترك.
قوله: «فَإنْ لَمْ يُصِيبُوا نَفْساً وَلاَ مَالاً يَبْلُغُ نِصَابَ السَّرِقَةِ نُفوا» «إن» شرطية، وجواب الشرط «نفوا»، وأتى المؤلف بكلمة «نفوا» اتباعاً للنص {أَوْ يُنْفَوْا
مِنَ الأَرْضِ}، ولم يُذكر النافي؛ ومعلوم أن النافي هو ولي الأمر، الذي له السلطة، فإن لم يفعل نفاه المسلمون، وهذا هو السر في بنائها للمجهول؛ وكيف ينفون؟
الجواب: قال المؤلف: «بأن يشردوا فلا يتركون يأوون إلى بلد»، بل يشردون في البراري، ولا يسمح لهم بأن يرجعوا إلى البلاد، لا بلادهم، ولا بلاد غيرهم، فقوله تعالى: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ أي: ينفون من الأرض التي يقطعون بها الطريق، فننفيهم عن البلدان، وعن الأماكن التي يطرُقها الناس؛ لأن المقصود من النفي هو إزالة شرهم وإخافتهم للناس.
وقال بعض العلماء: إن النفي هو الحبس؛ لأن الحبس هو سجن الدنيا، وهو كذلك، والذي في الحبس ليس في الدنيا ولا في الآخرة، ليس في الدنيا مع الناس، وليس في الآخرة مع الأموات، فهو منفي من الأرض، ولأن حبسه أقرب إلى السلامة من شرِّه؛ لأننا لو نفيناهم عن البلدان وعن الطرقات، ربما يُغيرون في يوم من الأيام في غرة الناس ويقطعون الطريق، لكن إذا حبسوا أُمِنَ شرهم نهائياً، وهذا مذهب أبي حنيفة.
وكما نعلم أن مذهب أبي حنيفة دائماً مبنيٌّ على المعقول، ولكن لا يسعفه ظاهر الآية ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، وإلا لقال الله: أو يحبسوا، فلما قال: ﴿يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾، فإننا نقول: ينفوا من الأرض، ولو قال قائل بأنه إذا لم يمكن اتقاء شرهم إلا بحبسهم حبسوا، وإن أمكن اتقاء شرهم بتشريدهم شردوا، لو قال قائل بهذا لكان له وجهٌ، وكان بعض قول من يقول: يحبسون مطلقاً، ومن يقول: يشردون مطلقاً، يعني نجعل المسألة على التفصيل، على اختلاف حالين، ونقول: إذا أمكن اتقاء شرهم بتشريدهم فعلنا اتباعاً لظاهر النص، وإذا لم يمكن فإننا نحبسهم؛ لأن هذا أقرب إلى دفع شرهم.
فتبين بذلك أن عقوبة قُطَّاع الطريق أربعة أنواع، ولكل نوع جريمة:
قتل وصلب، قتل بلا صلب، قطع يد ورجل من خلاف، تشريد في الأرض، فإذا قتلوا وأخذوا المال قُتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا بلا صلب، وإذا أخذوا المال بلا قتل قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا لم يأخذوا المال ولم يقتلوا شُرِّدُوا، فعندنا اجتماع الأمرين، وانفراد أحدهما، وانتفاؤهما، ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132]. ومن أين أخذ هذا التقسيم، مع أن الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ و (أو) إذا جاءت في القرآن فهي للتخيير، وعلى هذا فمن أين جاء هذا التقسيم؟ قالوا: هذا من أثر ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ فإنه قال: «إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا، وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا، وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وإذا أخافوا الطريق نفوا» 1، وقالوا: إن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ ترجمان القرآن، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل» 2، وقالوا أيضاً: إن المعتاد في القرآن أن الشيء إذا كان على سبيل التخيير بُدِئ بالأخف، وإذا كان على سبيل الترتيب بُدِئ بالأَغْلَظِ، فمراتب كفارة الظهار ترتيب؛ لأنه بدأ بالأغلظ بعتق رقبة،
ثم صيام شهرين متتابعين، ثم إطعام ستين مسكيناً، وكذلك في كفارة القتل، ولكن كفارة اليمين للتخيير؛ لأنه بدأ بالأخف ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] وانظر إلى فدية الأذى إذا كان الإنسان مُحْرماً، واحتاج إلى حلق رأسه فحَلَقَهُ ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196]. فالنسك الأشد، ثم الصدقة، ثم الصيام، فهؤلاء يقولون: إن «أو» في الآية للتنويع، وأنها على حسب الجريمة؛ لأن عهدنا بالقرآن أن الشيء إذا كان على الترتيب بدأ بالأغلظ، وإذا كان على التخيير بدأ بالأخف، فصار الدليل عندهم أثراً ونظراً.
وذهب الإمام مالك ـ رحمه الله ـ إلى أن (أو) في الآية للتخيير، وأن الإمام مخير، إن شاء قتل وصلب، وإن شاء قتل ولم يصلب، وإن شاء قطع، وإن شاء نفى، ولكن على مذهب الإمام مالك يجب على الإمام أن ينظر ما هو الأصلح، فإذا كان الأصلح القتل والصلب قَتَلَ وصَلَبَ، وإن كان في القتل فقط قتل فقط، وإن كان في القطع قطع، فمثلاً إذا انتهك الناس حرمة الحقوق، وصاروا لا يبالون بقطع الطريق فالمصلحة القتل والصلب، وإذا كان صلب هذا الرجل يؤدي إلى فتنة، بأن كان سيد قومه، وخفنا إذا صلبناه أن تثور هذه القبيلة وتحصل دماء ومفاسد نكتفي بالقتل.
ولكن القول الأول هو الراجح في تقديرنا، وأنه لا خيار، ولا سيما في وقتنا هذا؛ لأننا لو فتحنا للحكام باب الخيار لتلاعبوا، وصار هذا يُقتل ويُصلب في نظرهم، والآخر ينفى من
الأرض، فالصواب القول الأول، وأن تكون هذه الحدود مُعَيَّنة، ليس للإمام فيها خيار، وتكون «أو» للتنويع لا للتخيير.
وهل يجوز أن «يبنّج» (1) السارق وقاطع الطريق عند قطع أعضائه أو لا يجوز؟
الجواب: يجوز أن «يبنّج» قاطع الطريق والسارق لقطع عضوه؛ لأن المقصود إتلاف العضو وليس الألم، بخلاف من وجب عليه القصاص، فإنه لا يجوز أن نبنجه؛ لأنه قصاص فيجب أن ينال من الألم مثل ما نال المجني عليه.
وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ للهِ، مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعٍ، وَصَلْبٍ، وَتَحَتُّمِ قَتْلٍ،
......
قوله: «وَمَنْ تَابَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ مَا كَانَ لله، مِنْ نَفْيٍ، وَقَطْعٍ، وَصَلْبٍ، وَتَحتُّمِ قَتْلٍ» التوبة لغة: الرجوع، وفي الشرع: الرجوع من معصية الله إلى طاعته، فإن كان بترك واجب فبالقيام به إن أمكن استدراكه، أو بالقيام ببدله إن لم يمكن استدراكه، فإن لم يكن له بدل فإنه يكفي مجرد الندم على ما فوت.
فمثلاً: إذا قلنا بوجوب صلاة الكسوف، ولم يصلِّ الإنسان، فالتوبة من فواتها الندم؛ لأنه ليس لها بدل، ولا يمكن استدراكها لفوات سببها، وإذا تاب من تَرْك واجبٍ في الحج فله بدل، فيأتي به.
أما إذا كانت التوبة من فعل محرم فتكون بالإقلاع عنه، والنزع عنه فوراً، فإن لم ينزع عنه فإن توبته ـ مع إصراره على1
فعله ـ استهزاء بالله عزّ وجل، فأنت لو قلت: اللهم إني أستغفرك من الربا، وأنت تمارس أكل الربا، فما هذا إلا نوع استهزاء بالله سبحانه وتعالى.
ولو أنك تقابل مَلِكاً من ملوك الدنيا نهى عن شيء، ثم تقول: يا أيها الملك إني تبت إليك، وأنت بيدك ما نهى عنه، ويراه، فإن هذا استهزاء منك به، فيعذبك أكثر.
ولهذا فإن شروط التوبة خمسة:
الإخلاص لله ـ عزّ وجل ـ، والندم على ما فعله، والإقلاع عنه، والعزم على ألا يعود، وأن يكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة.
أما الإخلاص لله ـ عزّ وجل ـ فظاهر، بألا يتوب الإنسان خوفاً من مخلوق، أو تزلفاً إليه، وإنما يتوب خوفاً من رب العالمين، وتقرباً إليه تبارك وتعالى.
وأما الندم فأن يشعر بقلبه أنه فعل أمراً يأسف له.
وأما الإقلاع فأن يبادر بتركه، وإذا كان لآدمي، فأن يبادر بإيصاله حقه، أو باستحلاله.
وأما العزم على ألا يعود فهو في القلب، يعزم على ألا يعود لهذا الذنب، وليس الشرط ألا يعود، بل العزم على ألا يعود، ولهذا لو عزم على ألا يعود، ثم عاد فإن التوبة الأولى لا تنتقض؛ لأنها تمت شروطها.
وأما أن تكون في زمن تقبل فيه التوبة، وذلك بأن تكون قبل حلول الأجل، وقبل طلوع الشمس من مغربها؛ لأن التوبة بعد حضور الأجل ومعاينة العذاب، وبعد طلوع الشمس من مغربها
غير مقبولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: 18]، وقال عزّ وجل: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ *﴾ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر: 84، 85].
والتوبة واجبة على الفور ـ أي: بدون تأخير ـ لأن الإصرار على الذنب ذنب، ولأن الإنسان لا يدري متى يفاجئه الأجل، فيُحرَم من التوبة.
فإن تاب قطاع الطرق، فإن كان بعد القدرة عليهم، فلا تقبل توبتهم، وإن كان قبل قُبِلَت، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:34]، فوجه الدلالة من الآية أن ختمها باسمين كريمين، يدلان على العفو والمغفرة، وأن مقتضى رحمته ومغفرته ـ جل وعلا ـ أن يغفر لهؤلاء ويرحمهم.
وفهم من قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ أنهم لو تابوا بعد القدرة فإنه لا تسقط عنهم العقوبة؛ والحكمة من ذلك أنهم إذا تابوا من قبل أن يقدر عليهم فإنه دليل على أن توبتهم صادقة، فيتوب الله عليهم، أما إذا تابوا بعد القدرة عليهم فإن القرينة تدل على أن توبتهم خوفاً من النكال والعقوبة، فلذلك لا تقبل.
أما الكافر فتقبل توبته ولو بعد القدرة عليه، فإذا كان كافر حربي يظهر العداوة للمسلمين، فقدرنا عليه، فتاب بعد أن قدرنا
عليه فإننا نرفع عنه القتل، لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]، وهذا عام، ولحديث أسامة ـ رضي الله عنه ـ في قصة المشرك الذي لحقه أسامة حتى أدركه، فلما علاه بالسيف قال: لا إله إلا الله، فقتله أسامة، فأخبر النبي صلّى الله عليه وسلّم بذلك، فقال له: «أقتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!» قال: نعم يا رسول الله، إنما قالها تعوُّذاً، قال: «قتلته بعد أن قال: لا إله إلا الله؟!» قال: نعم، فما زال يرددها عليه حتى قال أسامة: تمنيت أني لم أكن أسلمت بعد 1، مع أن الرجل حسب ما يظهر ـ والعلم عند الله ـ قالها تعوذاً، لكن فيه احتمال أنه قالها عن صدق، وأنه لما رأى الموت قالها، وهذا ليس كالذي حضره الأجل؛ لأنه من الممكن أن يمتنع القادر عن قتله، فلا يقال: إن هذا ينافي الآية: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ [النساء: 18]؛ لأنه من الجائز أن هذا الذي شهر عليه السلاح أن يرحمه ويكف عنه، لكن إذا حضره الأجل لم يعد هناك وقت للتوبة.
فهؤلاء المحارِبون إذا تابوا قبل القدرة عليهم ارتفع عنهم الحد.
وهل مثل ذلك جميع الحدود؟ نعم؛ كل الحدود إذا تاب الإنسان منها قبل القدرة عليه سقطت عنه، فإن طَالَبَ بإقامتها
عليه، فإن للإمام أن يقيمها عليه، فإن رجع عن طلب الإقامة بالقول أو بالفعل ارتفعت العقوبة عنه، وهذا بخلاف ما إذا ثبتت ببينة فإنها تقام على كل حال.
ومن أين نعلم توبتهم؟ نعلم بها بأن يلقوا السلاح، ويجيئوا تائبين، إما جميعاً، وإما بإرسال رسول منهم إلى الإمام، ويقول: إن الجماعة كتبوا هذا العهد، وتعهدوا ألا يعودوا لما هم عليه، وحينئذٍ نعرف أنهم تابوا.
وقوله: «سقط عنهم ما كان لله من نفي»؛ لأنه ليس عليهم حق لآدمي.
وقوله: «وقطع» أي: يسقط عنه بالتوبة قطع اليد والرجل من خلاف.
وقوله: «وصلب» أي: يسقط الصلب؛ لأنه من حقوق الله.
وقوله: «وتحتم قتل» أي: ويسقط عنهم تحتم القتل بالتوبة، ولم يقل المؤلف: وقتل؛ لأنهم إذا قتلوا مكافئاً، وطالَبَ أولياء المقتول بالقتل قتلوا ولو تابوا، لكن إذا لم يتوبوا كان قتلهم حتماً، سواء قتلوا مكافئاً أم غير مكافئ، فالذي يسقط عنهم ما كان لله، وهي أربعة أشياء: النفي، والقطع، والصلب، وتحتم قتل، وحينئذٍ أرأيت لو أنهم قتلوا رجلاً من المسلمين، وطالب أولياؤه بالقصاص، هل يقتص منه؟ نعم، يقتص منه؛ ولهذا قال المؤلف:
وَأُخِذَ بِمَا للآدَمِيِّيِنَ مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَالٍ، إِلاَّ أَنْ يُعْفَى لَهُ عَنْهَا، وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ، أَوْ حُرْمَتِهِ، أَوْ مَالِهِ آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بِالْقَتْلِ فَلَهُ ذلِكَ وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ،
......... «وَأُخِذَ بِمَا لِلآدَميِّيِنَ مِنْ نَفْسٍ وَطَرَفٍ وَمَالٍ» كان على المؤلف ـ رحمه الله ـ أن يقول: وتحتم قطع؛ لأن المؤلف يرى أنهم إذا قطعوا قطعاً يوجب القصاص تحتم استيفاؤه خلافاً للمذهب.
وقوله: «من نفس» إذا قتل مكافئاً.
وقوله: «وطرف» إذا قطعوا عضواً.
وقوله: «ومال» إذا أخذوا مالاً.
مثال ذلك: هؤلاء قوم من قطاع الطريق قتلوا شخصاً، وبعد أن قتلوه وأخذوا ماله، جاؤوا تائبين إلى الله ـ عزّ وجل ـ، فهنا يسقط عنهم الصلب، ويسقط عنهم تحتم القتل، فإن طالب أولياء المقتول بالقتل، وتمت شروط القصاص قتلوا قصاصاً لا حدّاً، وأما المال الذي أخذوه فإنهم يطالبون به؛ لأنه حق آدمي.
قوله: «إِلاَّ أَنْ يُعْفَى له عنها» فإن عفي له عنها سقطت؛ لأنها حق آدمي، وحق الآدمي يَرْجع إليه، ولكن هل الأفضل أن يعفى لهم، أو أن يطالبوا بالضمان؟
الصواب أن فيه تفصيلاً: فإن كانت المصلحة تقتضي أن يعفى عنهم عفي عنهم، وإن كانت المصلحة تقتضي أن يؤخذوا به أخذوا به؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40]، فاشترط في ثبوت الأجر على الله أن يكون مع العفو إصلاح، وهذا صحيح، أما إذا كان في العفو إفساد فإنه لا يجوز العفو حينئذٍ، وإن كان العفو متردداً بين الإفساد والإصلاح فيجب القول بتغليب جانب العفو لا الأخذ بذلك؛ لأن للإنسان الحق أن يعفو مطلقاً.
قوله: «وَمَنْ صَالَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ حُرْمَتِهِ أَوْ ماله آدَمِيٌّ أَوْ بَهِيمَةٌ» الصول معروف، وهو الاقتحام والتعدي، فمن صال على نفسه
آدمي، أو صال على حرمته ـ أي: حريمه ـ أو صال على ماله آدمي، وسواء كان الصائل يريد القتل، أو يريد الفاحشة وانتهاك العرض والعياذ بالله، أو يريد الأذية التي دون القتل، ودون انتهاك العرض، وكذلك نقول في المال، وكذلك نقول في الحُرْمة والأهل.
وقوله: «آدمي» فاعل «صال».
وقوله: «أو بهيمة» يعني حيواناً، وسمي الحيوان بهيمة؛ لانبهام أمره؛ حيث إنه لا ينطق ولا يفصح عما في نفسه، لكن ذكروا في آيات الرسول صلّى الله عليه وسلّم أن جملاً جاء إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم يشكو صاحبه بأنه يجيعه، فسأل النبي صلّى الله عليه وسلّم صاحبه فأخبره، فأمره أن يحسن إليه (1)، وهذا إنما يكون على سبيل الآيات، والآيات خوارق للعادة.
قوله: «فَلَهُ الدَّفْعُ عَنْ ذلِكَ بِأَسْهَلِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ دَفْعُهُ بِهِ» «فله» اللام للإباحة، يعني لا يجب عليه أن يستسلم، بل له أن يدافع، ولكن يدافع بأسهل ما يغلب على الظن دفعه به، فإن كان يندفع بالتهديد فلا يضربه، وإن كان يندفع بالضرب باليد فلا يضربه بالعصا، وإن كان يندفع بربط إحدى يديه فلا يربط الاثنتين، وإن كان يندفع بربط اليدين دون الرجلين، فلا يربط الرجلين، فإن لم يندفع إلا بالقتل فله قتله، ولهذا قال المؤلف:
فَإِنْ قُتِلَ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَحُرْمَتِهِ دُونَ مَالِهِ، وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصاً فَحُكْمُهُ كَذلِكَ.
«فَإِنْ لَمْ يَنْدَفِعْ إِلاَّ بالقَتْلِ فَلَهُ ذلِكَ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، فَإِنْ قُتِلَ1
فَهُوَ شَهِيدٌ»؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم سئل عن الرجل يأتي إلى الرجل يريد أن يأخذ ماله، فقال: «لا تعطه»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله»، قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: «فأنت شهيد»، قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في النار» 1، فالرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «قاتله»، وعليه فإذا لم يندفع إلا بالقتل فليقاتل، وليس عليه ضمان ولا كفارة.
وأما بناؤه على القواعد فلأن ما ترتب على المأذون ليس بمضمون؛ وأنا مأذون لي أن أدافع عن نفسي.
مسألة: لو أني قاتلته دفاعاً عن نفسي، وأهلي، ومالي، ثم طالبني أولياؤه بالقصاص، وقالوا: أنت قتلته، فنحن نطلب أن تقتل، فقال: إني مدافع عن نفسي، قالوا: هات الشهود، قال: لو كان هناك شهود ما هاجمني، قالوا: ليس عندك إلا دعوى، أنت الذي دعوته إلى بيتك لتقتله، إذاً نطالب بأن تقتل، فماذا يصنع؟
الجواب: القضاء يحكم بقتله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول: «لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم» 2، ولو أننا قبلنا مثل هذه الدعوى لكان لكل إنسان يمتلئ قلبه حقداً على شخص أن يدعوه إلى بيته، فإذا أتى إلى البيت قتله، وادعى أنه هو الذي اعتدى عليه وعلى حرمته، فلما كان ذلك ممكناً غير
ممتنع صار من ادعى خلافه فعليه البينة، وإلا فيقتل، ويوم القيامة يحكم بينهم الحكم العدل ـ عزّ وجل ـ، أما نحن في الدنيا فليس لنا إلا الظاهر فقط، وهذا لا شك أنه جارٍ على قواعد الشرع في ظاهر الأمر.
ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: إنه يجب أن ينظر في القرائن؛ لأن وجود البينة في مثل هذه الحالات متعسر، أو متعذر، ولأن هذا يقع كثيراً، أن يصول الإنسان على أحد، ثم يدافع المصول عليه عن نفسه حتى يصل إلى درجة القتل، فينظر في هذا إلى القرائن، فإذا كان المقتول معروفاً بالشر والفساد، والقاتل معروفاً بالخير والصلاح فالقول قول القاتل، وحينئذٍ لا ضمان عليه؛ لأن قول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «البينة على المدعي» 1 هذا بالاتفاق، والبينة كل ما أبان الحق وأظهره، وإذا قامت القرينة القوية الظاهرة على صدق الدعوى فإنه يجب العمل بمقتضاها، كما قلنا في دعوى الرجل لباساً في يد غيره، وهو ليس عليه لباس؛ فإن القول قول المدعي، كما لو رأينا رجلاً ليس عليه غترة، وآخر يلبس على رأسه غترة وأخرى بيده، وهو هارب والآخر يركض وراءه، يقول: أعطني غترتي، فهذه قرينة ظاهرة تؤيد دعوى المدعي فيعمل بها، وكذلك في مسألة القسامة ففيها قتل، لكنها مبنية على القرينة، فجعلت الأيمان في جانب
المدعي، فقول شيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ هو الحق في هذه المسألة، ولا يمكن إصلاح الخلق إلا بهذا؛ لأنه ما أكثر الذين يعتدون على الناس الآمنين، الوادعين في بيوتهم، المعروفين بالصلاح وبعدم العدوان، فيصول هذا المجرم عليه، فإذا دافع المسكين عن نفسه فقتله؛ لأنه لم يندفع إلا بالقتل، ضمناه!!
أما إذا كان يمكن دفعه بدون القتل فَقَتَلَه فإنه يضمن؛ لأن هذا دفع صيالة، فيجب أن يكون بالأسهل فالأسهل.
وإذا خاف أن يبدره بالقتل؛ لأن معه السلاح، فهل له أن يبادر بالقتل؟ نعم، له أن يبادر، فلو كان هذا المجرم معه سلاح، وأشهره على المصول عليه، وقال: مكني من نفسك، أو من أهلك، وإلا قتلتك، وخاف إن امتنع أن يقتله، فله أن يبادر بقتله؛ لأن هذا غاية قدرته، ولا يمكن أن يستسلم لهذا ليقتله، فإن قلت: ألا يمكن أن يهدد فلا يفعل؟ فالجواب: بلى، يمكن، ولكن لا يأمن أن يقتله؛ لأنه يريد أن ينجو بنفسه؛ لأنه سيقتل بكل حال، إما من هذا الرجل، أو من السلطات، فسيقدم على القتل.
فإذا قال قائل: ألا يمكن أن يكون المسدس الذي في يده لعبة صبيان؟ بلى يمكن، ولكن هو الآن في حال لا يتمكن من الاطلاع، ولا من التثبت، وهو خائف لو تأخر لحظة قضي عليه، فالمسألة ليست عقلية، بل تصرفية، فهذا أدنى ما يقدر على التصرف فيه، ولهذا قال العلماء: إن خاف أن يبدره بالقتل فله أن يبادر بالقتل، بخلاف ما إذا لم يخف، فلا بد أن يدفع بالأسهل فالأسهل.
وقوله: «أو بهيمةٌ» كبعير صال على هذا الإنسان يريد أن يقتله، أو صال عليه ذئب يريد أن يأكل غنمه، ولم يندفع الجمل أو الذئب إلا بالقتل، فهل يضمن؟ الجواب: لا يضمن؛ لأن الصائل لا حرمة له؛ لأنه مؤذٍ، والمؤذي إن كان طبيعته الأذى قتل وإن لم يَصُل، كالفأرة، والحية، والعقرب، وما أشبهها، وإن لم يكن طبيعته الأذى فإنه يقتل حال أذيته، مثل الجمل، لكن لو ادعى صاحب الجمل أن الجمل لم يَصُل، فما الحكم؟ أما المذهب فيلزمه الضمان؛ لأن الأصل حرمة مال المسلم، فالأصل أن هذا الجمل محترم، إلا إذا قامت البينة على أنه صال عليه، ولم يندفع إلا بالقتل.
والصحيح ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ أنه يرجع في ذلك إلى القرائن، فإذا علم أن هذا القاتل الذي ادعى أنه صِيل عليه رجل صالح، ولا يمكن أن يعتدي على حق غيره إلا بموجب شرعي، فإن القول قوله، ولكن لا بد أن يحلف؛ لأن اليمين تكون في جانب أقوى المدعيين، وأما إذا كان غير معروف بالصلاح فإن الأصل ضمان مال الغير واحترامه.
وقوله: «وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ» أي: يلزم من صال عليه آدمي أو بهيمة أن يدافع عن نفسه وجوباً، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]، ومن استسلم للصائل الذي يريد قتله فقد ألقى بنفسه إلى التهلكة، ووقع فيما نهى الله عنه، ولقوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]، فأمر بقتلهم حتى عند المسجد الحرام مع
حرمته وتعظيمه، ولقوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» 1، ولأن نفسه محترمة وأمانة عنده، ومسؤول عنها أمام الله، فوجب عليه أن يدافع عنها، ولأنها نفس محترمة، ونفس الصائل نفس معتدية، ليس لها حرمة، ومعلوم أنه يجب فداء النفس المحترمة بالنفس المعتدية، وأن تتلف النفس المعتدية لإبقاء النفس المحترمة، فهذه تدل على وجوب المدافعة عن النفس.
فالحاصل أنه يجب الدفاع عن نفسه، لكن هل يستثنى من هذا شيء؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: يستثنى من ذلك حال الفتنة ـ نعوذ بالله من الفتنة ـ إذا اضطرب الناس، وافتتنوا، وصار بعضهم يقتل بعضاً، لا يدري القاتل فيما قَتَل، ولا المقتول فيما قُتِل، فتنة مائجة، فإنه في هذه الحال لا يلزمه الدفع، واستدلوا بقول النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إنها ستكون فتن، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي»، فقيل: يا رسول الله، أرأيت إن دخل بيتي، هل أقتله أم لا؟ قال: «لا تقتله» 2 وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «فإن بهرك شعاع السيف فألقِ رداءك على وجهك» 3 يعني: واستسلم،
واستدلوا أيضاً بفعل عثمان ـ رضي الله عنه ـ فإن الصحابة طلبوا منه أن يدفعوا عنه الذين خرجوا عليه، ولكنه ـ رضي الله عنه ـ أبى، وقال: لا تقاتلوا 1، فإذا كانت فتنة فلا تقاتل.
والصواب أن الفتنة إذا كان يترتب على المدافع فيها شَرٌّ أكبر، أو كانت المدافعة لا تجدي لكثرة الغوغاء، ففي هذه الحال لا يجب الدفع، وإلا وجب الدفع لما ذكرت فيما سبق، وتحمل النصوص الواردة في ذلك على هذه الحال، وكذلك ما ورد عن عثمان ـ رضي الله عنه ـ؛ لأن عثمان رأى أن أهل المدينة لو دافعوا لالتهمهم هؤلاء الخارجون؛ لأنهم عدد كبير لا طاقة لأهل المدينة بمدافعتهم.
ويرى بعض العلماء أنه يلزم الدفع مطلقاً، وأن الأحاديث الواردة في ذلك فيما إن كان الإنسان لا يستطيع المدافعة؛ لأن مدافعته إذا كان لا يستطيع لا فائدة منها.
قوله: «وَحُرْمَتِهِ» يعني يلزمه الدفع عن حرمته، أي: أهله، كزوجته، وابنته، وأمه، وأخته، وما أشبه ذلك؛ لأن حماية النفوس ـ كما ذكرنا فيما سبق ـ واجبة، أما ماله فيقول المؤلف:
«دُونَ مَالِهِ» فلا يلزمه الدفاع عنه؛ لأن حرمة المال دون حرمة النفس، ولكن يجوز الدفاع عن ماله وإن قل، حتى وإن كان جرة حبر، أو ريشة قلم.
وقال بعض العلماء: إنه إذا كان المال يسيراً فإنه لا يجوز
أن يدافع عنه مدافعة تصل إلى القتل؛ لأن حرمة النفس أعظم من حرمة المال، ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن الأحاديث عامة «من قتل دون ماله فهو شهيد» 1 وهو عام، وقال الرجل: إن طلب مني مالي؟ فقال صلّى الله عليه وسلّم: «لا تعطه» 2 وهذا عموم أيضاً، فالصواب العموم، وليست المسألة من باب المقابلة والمكافأة؛ لأنه لو كانت من باب المقابلة والمكافأة لقلنا: إنه لا يجوز المدافعة، إلا إذا كان المال الذي صيل عليه بقدر الدية، وهذا لم يقل به أحد، بل المقاتلة من أجل انتهاك حرمة المال.
مسألة: لو أن أحداً نظر إلى بيتك من خصاص الباب فهل هو كالصائل؟
الجواب: ليس كالصائل، بل هذا تفقأ عينه بدون مدافعة، هكذا جاء في الحديث عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام 3 ـ، وهذا يقول فيه شيخ الإسلام رحمه الله: إنه ليس من باب دفع الصائل، لكنه من باب عقوبة المعتدي.
أما لو كان الباب مفتوحاً، وجاء الرجل، ووقف عند هذا الباب المفتوح، وجعل يتفرج على البيت، فهل له أن يفقأه؟ لا؛ لأن الذي أضاع حرمة بيته صاحب البيت، أما إذا كان الباب موصداً فإن هذا الرجل قد حفظ حرمته.
مسألة: رجل وجد على امرأته رجلاً ـ والعياذ بالله ـ يزني بها، فهل عقوبته من باب دفع الصائل؟
الجواب: لا، لكنه من باب عقوبة المعتدي، فإذا وجده على أهله فله أن يذهب إلى السيف، ثم يقدَّه نصفين، بدون إنذار؛ لأن هذا ـ كما قال شيخ الإسلام أيضاً ـ من باب عقوبة المعتدي، وقد وقعت هذه القضية في عهد عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، فقد دخل رجل على أهله، فوجد عليها رجلاً، فأخذ بالسيف فقدَّه نصفين، فطالب أولياء المقتول بدمه، ثم ارتفعوا إلى عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين إن كان أحد بين فخذي أهلي فأنا قد قتلته، فقال: ما تقولون؟ قالوا: نعم، فأخذ عمر ـ رضي الله عنه ـ السيف وهزه، وقال له: إن عادوا فعد 1؛ لأن هذا من باب عقوبة المعتدي، بمعنى أننا نعاقب هذا الفاعل بدون إنذار.
قوله: «وَمَنْ دَخَلَ مَنْزِلَ رَجُلٍ مُتَلَصِّصاً» وإن كان ليس من اللصوص، لكنه دخل متلصصاً، يريد أن يأخذ من هذا البيت.
قوله: «فحُكْمُهُ كَذلِكَ» أي: كالصائل على المال، فيدافع بالأسهل فالأسهل، فإن لم يندفع إلا بالقتل فإنه يقتل.
فإن قال: أنا دخلت أطلب كتاباً، أريد أن أراجع، ما أريد
أن أسرق، أو دخلت أريد مُصحفاً، أو أريد شرب ماء، فماذا نقول؟
نقول: لا يجوز أن تدخل إلا بالاستئذان، فأنت أخطأت من هذه الناحية، ومستحق للتأديب، وكونك تطلب مصحفاً، أو كتاباً، أو ما أشبه ذلك، فهذا بعيد؛ لأن الذي يطلب هذا لا يأتي للبيوت، بل يأتي للمكاتب، وكونه يطلب ماءً فهذا ممكن، إذا لم يكن بالخارج ماء، كما أنه يوجد في بعض البلدان، تجد الباب مفتوحاً حتى بالليل، فإذا جاء غريب دخل هذا المكان يظنه سبيلاً، أو وقفاً للناس، فهذا ممكن.
فعلى كل حال، متى وجدت قرائن تدل على صدقه فإنه يسمح له ويعفى عنه، وإلا فإنه يؤاخذ بجريمته.
بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ
إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِْمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ،
.........
قوله: «أهل البغي» البغي مصدر بغى يبغي بغياً، والمراد بأهل البغي الخوارج الذين يخرجون على أئمة المسلمين.
قوله: «إِذَا خَرَجَ قَوْمٌ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ عَلَى الإِمَامِ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ فَهُمْ بُغَاةٌ» القوم هم الرجال، والنساء الإناث، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ [الحجرات: 11]، وقال الشاعر:
وما أدري ولست إخال أدري
أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نساء
وهذا إذا قرن القوم مع النساء، وأما عند الإطلاق فيشمل الرجال والنساء، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء:105] وما أشبهه.
فقوله: «إذا خرج قومٌ» يعني جماعة من الرجال؛ لأنهم هم الذين لهم الشوكة والمنعة.
وقوله: «شوكة» يعني قوة، وسميت القوة شوكة لنفوذها، كما تنفذ الشوكة في الجسم، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7].
وقوله: «منعة» أي: امتناع، أي: أنهم قوم كثيرون
يمتنعون عن أن ينالهم الإنسان بسهولة، فهم جيشٌ.
وقوله: «على الإمام» وهو الذي نصبه المسلمون إماماً لهم، يعني الخليفة، أو أمير المؤمنين.
وهنا تكلم الفقهاء ـ رحمهم الله ـ على شروط الإمامة؛ وبماذا تحصل؟ فتحصل الإمامة بأمور:
أولاً: بالنص عليه، أي: بأن ينص عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد كما حصل من أبي بكر لعمر 1 ـ رضي الله عنهما ـ.
ثانيًا: باجتماع أهل الحل والعقد عليه، يعني وجهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إماماً، ومن ذلك الصورة المصغرة التي اختارها عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ فإن عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عاماً بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين ستة أشخاص، تخيرهم ـ رضي الله عنه ـ، وعلل تخيره إياهم بأن النبي صلّى الله عليه وسلّم توفي وهو عنهم راضٍ 2، فجعل الأمر بينهم، وهذا نوع من اختيار أهل الحل والعقد، ونوع من العهد بالخلافة إلى معين؛ لأن الخليفة لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط، يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلاً من غير الستة فإنه لا يصح
اختيارهم؛ لأنه خلاف ما عهد به الخليفة السابق.
ثالثًا: بالقهر، بأن يخرج إمام على شخص فيقهره، ويقهر الناس، ويستولي، ويأخذ السلطة.
أما شروط الإمام فقد ذكرها أهل الفقه في كتب الفقهاء، واختلفوا ـ أيضاً ـ فيها، فلم يتفقوا على جميعها، لكن إذا كان الإمام منتصباً بأحد العوامل الثلاثة السابقة، النص، والإجماع، والقهر، فخرج عليه قوم لهم شوكة ومنعة، بتأويل سائغ، أي لم يخرجوا هكذا، بأن قالوا: لا نريد حكمك، بل قالوا: خرجنا عليك؛ لأنك فعلت كذا، وفعلت كذا، ونرى أن هذا يسوِّغ لنا الخروج عليك، فخرجوا على الإمام، يقول المؤلف في جواب الشرط: «فهم بغاة» أي: جائرون ظلمة، وهؤلاء هم المعروفون بالخوارج، الذين يخرجون على الإمام بتأويل سائغ.
فالشروط أن يكونوا قوماً، لهم شوكة ومنعة، ويخرجون على الإمام، بتأويل سائغ.
فإن خرج رجل واحد على الإمام؛ وقال: تنازل عن الخلافة وإلا قتلتك، قال العلماء: إذا اختل شرط واحد فهم قطاع طريق، فهذا الرجل نعتبره قاطع طريق، ونعامله معاملة قاطع الطريق.
فإن خرج قوم ليس لهم شوكة، ولا منعة على الإمام، ومعهم عِصِي من جريد قديم، يريدون أن يزيلوا الإمام عن إمامته، فإنهم قطاع طريق؛ لأنه ليس لهم شوكة ولا منعة.
وهل الشوكة والمنعة نسبة إضافية، بمعنى أن هذه الشوكة والمنعة قد تكون شوكة ومنعة في زمان، ولا تكون شوكة ومنعة
في زمان آخر؟ فالسيوف، والخناجر، والرماح في زمن من الأزمان تعتبر شوكة، لكن في زماننا هذا لا تعتبر شوكة فيما يظهر، اللهم إلا في بعض الحالات، أما في الأعم الأغلب فليست بشوكة، فكل هؤلاء الذين يبلغون عشرين ألفاً أو أكثر تكفيهم طائرة واحدة، تبيدهم عن آخرهم، فهنا يمكن أن نقول: إن الشوكة والمنعة تختلف باختلاف الأزمان والأحوال.
وقوله: «على الإمام» فلو خرجوا على أمير في قرية، ليس على الإمام، وهم قد بايعوا الإمام، ولكن لا يريدون هذا الأمير، فهؤلاء ليسوا بغاة؛ لأنهم ما نزعوا يداً عن طاعة، لكنهم لا يريدون هذ الرجل المعين، والمؤلف يقول: «على الإمام».
وقوله: «بتأويل سائغ» خرج به ما إذا خرجوا بغير تأويل، أو بتأويل غير سائغ، مثال خروجهم بتأويل غير سائغ أن يقولوا: أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه؟! فهذا تأويل لكن غير سائغ؛ لأن هذا لا يمنع أن يكون إماماً.
ومثال خروجهم بغير تأويل أن يقولوا: لا نريده، أو نفوسنا لا تقبل هذا الإمام أبداً، فهؤلاء قطاع طريق وليسوا بغاة، وتختلف معاملتنا لهم عن معاملتنا للبغاة؛ لأن قطاع الطريق نجري عليهم الحد السابق، أما البغاة فلا، بل يجب على الإمام أن يراسلهم، ولهذا قال المؤلف:
وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُم فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا، وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا، فَإِنْ فَاؤُوا، وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ،
................ «وَعَلَيْهِ أَنْ يُرَاسِلَهُمْ فَيَسْأَلَهُمْ مَا يَنْقِمُونَ مِنْهُ» «ما» هنا استفهامية، معلِّقة لـ «يسألهم» عن العمل، فالجملة في محل نصب مفعول ثان لـ «يسألهم».
و «ينقمون»، أي: ينكرون، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [البروج: 8] أي: ما أنكروا منهم إلا ذلك.
فعلى الإمام أن يراسلهم لا يقاتلهم ولا يقتلهم، فيرسل إليهم شخصاً موثوقاً مَرْضِيّاً عند الجميع، فيتفاهم معهم، ويسألهم ما ينقمون.
قوله: «فَإِنْ ذَكَرُوا مَظْلِمَةً أَزَالَهَا» لأن خروجهم من أجل إزالة المظالم خروج بتأويل سائغ، فالإنسان لا يجوز له أن يظلم الناس، وإن كان له السلطة العليا عليهم؛ لأن إزالة الظلم واجبة، سواء طولب به من جهة الشعب، أم لم يطالَب به، فإن الله ـ عزّ وجل ـ يقول: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا» 1، هكذا جاء في الحديث القدسي الذي رواه النبي صلّى الله عليه وسلّم عن ربه، فيجب عليه إزالتها، وأن يرد المظالم إلى أهلها، ويمنع الظلم المستقبل، وهذا وإن كان واجباً عليه من الأصل؛ لأن الظلم محرم، لكن إذا كان بعد طلب هؤلاء ازداد وجوباً؛ لحقن دماء المسلمين؛ لأنه لو أصر على أن يبقى على مظلمته لحاربه هؤلاء، وحصل الشر.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا فرق بين أن تكون المظلمة عامة أو خاصة.
مثال العامة: أن يضع ضرائب على الناس في تجارتهم، أو أن يلزمهم بهدم بيوتهم، وبنائها على الشكل الذي يريد، أو
يلزمهم بإخراج شيء من بيوتهم إلى الشوارع بغير عوض، وما أشبه ذلك من المظالم التي تكون عامة لجميع الرعية.
مثال الخاصة: أن يظلم شخصاً معيناً في ماله، أو في نفسه.
قوله: «وَإِنِ ادَّعَوْا شُبْهَةً كَشَفَهَا» سواء في حكم، أو في حال، في حكم بأن قالوا: إنك منعت من كذا، وقلت: إنه حرام، ونحن لم يتبين لنا تحريمه، أو قالوا: إنك قلت هذا واجب، وألزمت الناس به، ونحن لم يتبين لنا وجه إيجابه، أو: أمرت بقتال هذه الفئة، ونحن لم يتبين لنا جواز قتالها، أو قالوا: أنت فعلت كذا وكذا، وهذا أمر مشتبه علينا، مثل لو عاهد المشركين معاهدة سلمية، وقالوا: نحن لا نقبل هذا، فالجهاد قائم إلى يوم القيامة، فهذه شبهة يجب عليه أن يبينها ويكشفها، ويقول لهم: أنا عاهدت هذه المعاهدة للضرورة؛ لأني رأيت أنه لا قِبَلَ لي بمقاتلة هذا العدو، فرأيت المعاهدة خيراً من عدمها، وأنا أستعد الآن ولن أدع قتال العدو، ولن أبطل الجهاد بهذه المعاهدة، لكني رأيت أن المعاهدة فيها مصلحة، ودرء مفسدة، وأنا أضمن لكم أن أقيم الجهاد، وأرفع علمه متى حانت الفرصة، فحينئذٍ يكون قد كشف لهم الشبهة وبينها.
كذلك ـ مثلاً ـ لو جعل ضريبة على أموال من أموال الناس، وقالوا: لماذا تجعل هذه الضريبة؟ نحن لا نقبل، هذا ظلم ومكس، وقال: أنا جعلت ضريبة من أجل أن أخفف من استيراد هذا الأمر الذي فيه ضرر على الناس، وهذه الضريبة التي أجعلها سأصرفها في مصالح المسلمين، فأنا أدفع بهذه الضريبة
الضرر المتوقع من كثرة هذا الشيء بين أيدي الناس، وأصرفها إلى مصالح أخرى من مصالح المسلمين.
المهم أنهم إذا ذكروا شبهة وجب عليه أن يكشفها، فلو قال مثلاً: ارجعوا وراءكم أنا الإمام، ولا لأحد عليَّ اعتراض، لا أسأل عما أفعل، وأنتم تسألون، فماذا نقول؟ نقول: هذا لا يجوز، وحرام عليه أن يقول هذا القول.
فإن قال قائل: كيف يلزمه أن يبين الشبهة، وهو ولي الأمر، وليس لأحد أن يحاسبه؟
فالجواب: أنه يلزمه أن يبين ذلك درءاً للمفسدة، وليكون له عذر إذا قاتلهم؛ حتى لا يقول قائل: إنه قاتلهم قتالاً أعمى؛ لأنه إذا بَيَّن الحق، وأزال الشبهة، ثم أصروا على القتال، فله العذر في مقاتلتهم، فإذا أزال المظلمة، وكشف الشبهة، واستقام على ما ينبغي أن يكون عليه، ولكنهم أصروا أن يقاتلوا، قال المؤلف:
«فَإِنْ فَاؤُوا وَإِلاَّ قَاتَلَهُمْ» وجوباً، لا استحباباً، ولا إباحة، فإذا فاؤوا ورجعوا، وأغمدوا سيوفهم، وذهبوا إلى بيوتهم، فذلك هو المطلوب، وهو الذي به الأمن والاستقرار، وإن أبوا قاتلهم وجوباً لدفع شرهم، ولهذا قال المؤلف: «قاتلهم» ولم يقل: قتلهم، والفرق أنه في القتال إذا كف المقاتل وجب الكف عنه، ولا يجوز اتباعه، ولا الإجهاز على جريحه، ولا أن نغنم ماله، ولا سبي ذريته؛ لأنه يجوز قتاله فقط، ولا يجوز قتله، فإذا أدبروا وانهزموا فإننا لا نتبعهم، فليس كل من جاز قتاله جاز قتله، ولهذا يقاتل الناس إذا تركوا الأذان مثلاً، ولكن هل يجوز قتلهم؟ لا، فلو أن ناساً تركوا
الأذان في قرية فيها مائة وخمسون نفراً، والإمام باستطاعته أن يبيدهم في ربع ساعة؛ فإنه لا يجوز أن يقتلهم، لكن يقاتلهم بمعنى يلزمهم بالأذان، وإن أدى إلى المقاتلة، ومن هنا يظهر السر في قوله تعالى: ﴿وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: 191]، لم يقل: فقاتلوهم، وهذا يحتمل معنيين:
أحدهما: إن قاتلوكم فسيجعل الله لكم التمكين حتى تقتلوهم، فهو كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: 33]، فإن هذا فيه إشارة إلى أن من قتل مظلوماً فسوف يظهر الله قاتله ويقتل، ولهذا قال: ﴿فَلاَ يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾، فيكون المعنى إن قاتلوكم فستكون الدولة لكم عليهم، فاقتلوهم.
الثاني: إن قاتلوكم فاقتلوهم وإن وضعوا السلاح؛ لأنهم بانتهاكهم حرمة المسجد الحرام كانوا مستحقين للقتل.
فالمهم أن هناك فرقاً بين القتال وبين القتل، فهؤلاء البغاة إذا لم يرجعوا فإن الإمام يجب عليه أن يقاتلهم، ويجب على رعيته أن يعينوه على قتالهم، فإن قالت الرعية: نحن لا نقاتل قوماً مسلمين، كيف نقاتلهم، وكيف نحمل السلاح عليهم؟! قلنا: لأنهم بغاة، فقتالهم من باب الإصلاح، وإذا لم يمكن الإصلاح إلا بقتالهم وجب، فيجب على الرعية طاعة الإمام إذا أمر بالخروج معه لقتال هؤلاء.
بقي أن يقال: هنا حال ثالثة؛ لأن المؤلف ذكر حالين:
الأولى: أن يكف هؤلاء عن القتال إذا بُيِّن لهم الأمر فنكف عنهم.
الثانية: ألا يرجعوا، بل يستمروا في الخروج، فحينئذٍ يجب على الإمام أن يقاتلهم، ويجب على الرعية أن يساعدوا الإمام.
الثالثة: إذا لم يكشف الشبهة، ولم يزل المظلمة، بأن قالوا: نريد إزالة المظلمة الفلانية، قال: لا أزيلها، أو نريد أن تكشف لنا وجه ما فعلت، ووجه حكمه من الكتاب والسنة، قال: لا، ففي هذه الحال إن فاؤوا فالأمر واضح وانتهى الإشكال، لكن إن أبوا قالوا: ما دمت لم تزل المظلمة، ولم تكشف الشبهة لنا، فإننا سنقاتل، فليس لهم قتاله؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم يقول في الأمير: «اسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك» 1، ونهى صلّى الله عليه وسلّم أن ينزع الإنسان يداً من طاعة، إلا أن يرى كفراً بواحاً عنده فيه من الله برهان 2، ومن أجل أنه لا يجوز لهم الخروج عليه، فهل يجوز له قتالهم درءاً للمفسدة أم لا؛ لأن السبب الذي قاموا من أجله لا يحل لهم القتال من أجله، إذاً فهم معتدون، ودفع اعتداء المعتدي واجب؟ فأنا أتوقف في هذا، هل يجب عليه أن يقاتلهم، ويجب على رعيته أن يعينوه أم لا؟ فتحتاج المسألة إلى مراجعة، أما كلام المؤلف فظاهر أنه إنما يقاتلهم إذا بين لهم الشبهة، وأزال المظلمة.
مسألة: وهل يقع التوارث بين هؤلاء وبين أقاربهم الذين مع الإمام؟
الجواب: يقول العلماء: إن القتال الواقع بين هؤلاء غير مقصود في الحقيقة، ولذلك لا يمنع التوارث، وقد سبق في كتاب الفرائض أنه إذا قتل العادلُ الباغيَ، أو الباغي العادلَ فإنهم يتوارثون.
وذهب بعض العلماء إلى أنه إن كان القاتلُ العادلَ ورث من الباغي، وإن كان القاتلُ الباغيَ لم يرث من العادل؛ لأن قتال العادل بحق، وقتال الباغي بغير حق، وسبق لنا أن هذا قول قوي جدّاً، وأما المذهب فكل منهما يرث الآخر؛ لأن هذا قتال بتأويل.
وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتانِ، وَتَضْمَنُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مَا أَتْلَفَتْ عَلَى الأُْخْرَى.
قوله: «وَإِنِ اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ لِعَصَبِيَّةٍ أَوْ رِئَاسَةٍ فَهُمَا ظَالِمَتَانِ» إن اقتتلت طائفتان من المؤمنين لعصبية أو رئاسة، والفرق بينهما، أن العصبية يكون سببها التفاخر، لا يريد أحد أن يعلو على أحد، لكن تشاجروا فيما بينهم، فقالت كل طائفة للأخرى: أنت القبيلة الفلانية، فيك كذا وكذا، فحَمِيَ الأمر بين الطائفتين، فاقتتلتا.
أما الرئاسة، فكل طائفة تريد أن تكون لها الرئاسة على الأخرى، يعني يريدون أن يكتسحوهم، ويضموهم إليهم، فهما ظالمتان، ولكن هل تَكْفُران؟ لا؛ لأن قتال المؤمن ليس كفراً مخرجاً عن الملة، وقتله ـ أيضاً ـ ليس كفراً مخرجاً عن الملة، فماذا نعمل؟ يقول الله ـ عزّ وجل ـ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ *﴾ ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: 9، 10].