كِتَابُ الْحُدُودِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- ابن عثيمين
- الكتاب
- الشرح الممتع على زاد المستقنع
- المؤلف
- محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)دار النشر: دار ابن الجوزي
- الطبعة
- الأولى، 1422 - 1428 هـ
- عدد الأجزاء
- 15 أعده للشاملة / أبو أيوب السليمان - 1429هـ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
قوله: «الحدود» جمع حد، وهو في اللغة المنع، ويطلق على معانٍ كثيرة، ففي كتاب الله تطلق الحدود على المحرمات، وعلى الواجبات، في المحرمات، يقول الله ـ تعالى ـ: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: 187]، وفي الواجبات: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: 229] لما ذكر الله ما يحرم على الصائم قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾، ولما ذكر ما يجب في المطلقات قال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾.
ويطلق الحد على المراسيم التي تفصل بين جارين، فيقال: هذه حدود الأرض.
ويطلق الحد على ما يحصل به التعريف، وهذا الموجود عند المناطقة، وعرفوا الحد بأنه الوصف المحيط بموصوفه المميزُ له عن غيره، قال السَّفَّاريني:
الحد وهو أصلُ كلِّ عِلْمِ
وصفٌ محيطٌ كاشفٌ فافتهِمِ
«وصف محيط» يعني بموصوفه، «كاشف» يعني مميزاً له عن غيره.
هذا الحد عند أهل المنطق، فلا بد أن يكون جامعاً مانعاً.
مثال ذلك: لو قلت: ما هي الطهارة؟ فقلت: الطهارة هي استعمال الماء في الأعضاء الأربعة، فهذا لا يحيط بالموصوف؛ لأنه يبقى عندنا الغسل والتيمم، فليس بحدٍّ.
ولو قلت: إن الطهارة أن يطهر الإنسان ثوبه، ويغسل وجهه بعد النوم، وما أشبه ذلك، صار غير صحيح؛ لأنه أدخل غير المحدود، فلا بد أن يكون الحد جامعاً مانعاً، فإن لم يكن جامعاً مانعاً فليس بحد.
ولو قلت في تعريف حد الواجب: هو ما أمر به.
فهذا غير مانع، والسبب أنه يدخل فيه غيره، فيدخل فيه المستحب، فهنا ما ميزه عن غيره.
ولو قلت: إن الواجب ما صدَّره الله تعالى بقوله: يجب عليك، لكان كذلك غير صحيح؛ لأنه ما أحاط بالموصوف؛ لأن الواجب يجب، ولو بغير هذه الصيغة.
ويطلق الحد ـ وهو المراد هنا ـ على العقوبة المقدرة شرعاً في معصية؛ لتمنع من الوقوع في مثلها، وتكفر ذنب صاحبها.
وهذا القيد الأخير ليس بلازم، ولكن أتينا به حتى تتبين الحكمة من العقوبة، فإن المقصود منها ليس مجرد العقوبة فقط، بل لها حكمة، وهي المنع من الوقوع في مثلها، سواء من الفاعل، أو من غيره، والثاني تكفير ذنب صاحبها.
مثال ذلك: رجل زنا، فيجب أن نجلده مائة جلدة، فهذا الجلد عقوبة مقدرة من الله ـ عزّ وجل ـ.
والحكمة في ذلك:
أولاً: الردع لأجل ألا يفعلها هو، أو غيره مرة ثانية.
ثانياً: التطهير والكفارة، فإن الإنسان إذا فعل ذنباً وحُدَّ عليه كفر الله عنه، فلا يجمع الله عليه بين عقوبة الدنيا والآخرة.
فخرج بقولنا: «العقوبة المقدرة» العقوبة غير المقدرة، مثل قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «واضربوهم عليها لعشر» (1)، فهنا ما حدد، إذاً هذا الضرب ليس بحد، لكنه تعزير.
وقولنا: «المقدرة شرعاً»: خرج به العقوبة التي يقدرها القاضي، فإن قال القاضي: حكمت على فلان بأن يجلد خمسين جلدة، فليس هذا حداً؛ لأن قائلها هو القاضي.
وقولنا: «في معصية»: هذا بيان للواقع، أن هذه العقوبات تكون على معاصٍ، وليس هناك عقوبة من الشرع على غير معصية، فليس هناك عقوبة على ترك واجب أو ترك مباح، لكن ترك الواجب لا شك أنه يتضمن فعل المحرم، إلا أنه ليس فيه عقوبة، إلا إذا كانت ردة ففيه القتل، لكن القتل بالردة والقتل بالقصاص ليسا من الحدود، خلافاً للمتأخرين الذين يجعلون القتل بالردة والقتل بالقصاص من الحدود، وهذا غلط بلا شك؛ لأن الحد لا بد من تنفيذه، والقصاص يسقط بالعفو، والردة القتل فيها يسقط بالرجوع إلى الإسلام، لكن الزاني ـ مثلاً ـ لو زنى، وثبت عليه الزنا فلا يمكن أن يسقط، حتى لو تاب إذا كانت الجريمة قد ثبتت ببينة فإنه لو تاب ما يقبل، بل لا بد أن يقام عليه الحد.
وهل الحد واجب تنفيذه أو لا؟ يقول المؤلف:
لاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ عَلَى بَالِغٍ، ..................................
«
لا يجب الحد إلا على بالغ
» وليت المؤلف قال: «يجب الحدّ على كل بالغ» لأن الإثبات أحسن من النفي؛ لأنه إذا قال:1
لا يجب الحد إلا على كذا، كأن الأصل عدم وجوب الحد، لكن لو قال: «يجب الحد على كل بالغ عاقل ملتزم عالم بالتحريم» صار أبلغ؛ لأن الحد إقامته واجبة بالكتاب، وبالسنة، والإجماع.
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، والأمر للوجوب ﴿نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ حتى لا يجترئ أحد على السرقة بعد ذلك ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ختمها بالعزة حتى يكون له السلطان ـ عزّ وجل ـ ﴿حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38] حتى لا يقال: إن هذا سفه، لماذا تقطع يده من أجل ربع دينار؟! ولو قطعها جانٍ لكانت الدية خمسمائة دينار؟ قلنا: نعم، إذا سرقت قطعت في ربع دينار، وإن قُطعت في جناية سُلِّمت خمسمائة دينار، حماية للأموال في قطعها بربع دينار، وحمايةً للنفوس في وجوب خمسمائة دينار في قطعها.
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] فإياك أن تقول: هذا شيخ كبير، نجلده مائة جلدة!! وهذا إن لم يتزوج، وأما إذا تزوج فالحجارة، فلا تقل: أرحمُهُ، بل قل: لا أرحمُهُ؛ لأن من هو أرحم مني أمر بجلده، ونهاني أن أرأف به، فقال: ﴿وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النور: 2].
فإذا قال: اجلدوه في بيته حتى لا يطلع عليه أحد، قلنا: قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والذي شرع هذه الحدود الله، وهو أرحم من الخلق جميعاً، فهو أرحم من الوالدة بولدها؛ لأن في إقامة الحدود مصالح عظيمة لا تحصى، ففيها ردع وتطهير.
يقول بعض الملحدين والزنادقة: إننا لو قطعنا يد السارق لأصبح نصف الشعب مقطوعاً، نقول: لو قطع واحد لارتدع الآلاف، ولَمَا كان هناك سرقة، لكن ابن آدم ـ لقصور نظره ـ ينظر إلى الحاضر، ولا ينظر إلى المستقبل.
وقال تعالى في قطاع الطريق: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ﴾ [المائدة: 33] «إنما» أداة حصر، يعني ما جزاؤهم إلا هذا.
وقال عمر ـ رضي الله عنه ـ وهو يخطب الناس على منبر الرسول الله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «وإني أخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله» 1، وما أنكر عليه الناس أبداً بل أقروه؛ لأنها فريضة من فرائض الله يجب أن تنفذ.
ولو أن إنساناً كريماً، وشريفاً، وطيباً، ومن عائلة طيبة، سوَّلت له نفسه أن يسرق ربع دينار، وثبت عليه ذلك، فالواجب أن يقام عليه الحد، فيقام الحد على الشريف، وعلى الوضيع، وعلى الغني، والفقير، والذكر، والأنثى، والحر، والعبد، لا فرق؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ لم يفرق، فما دام سرق فهذا جزاؤه؛ بل لو قال قائل: إن سرقة هذا الشريف لولا أن الله حدَّ حداً، لقلنا: تقطع يده ورجله؛ لأنه شريف، فتدنُّسُهُ بالسرقة أعظم من
تدنُّس الوضيع، ولهذا فَزِنا الأشيمط واستكبار الفقير أشد من زنا الشاب، واستكبار الغني، فهذا الرجل الشريف كيف يسرق، أو كيف يزني؟!
وقوله: «لا يجب الحد إلا على بالغ» لا يجب الحد إلا بشروط:
أولاً: يجب أن يكون بالغاً، فلا يجب الحد على من دون البلوغ، والبلوغ يحصل بواحد من أمور ثلاثة: إما بإنزال المني، وإما بإنبات العانة، وإما بتمام خمس عشرة سنة، وقد سبق لنا أدلة ذلك في باب الحجر.
فإذا بلغ الإنسان فإنه ينظر في بقية الشروط حتى يقام عليه الحد، وأما من دون البلوغ فلا حد عليه، ولو زنا أو سرق لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة .. » 1 والتعليل؛ لأنه ليس أهلاً للعقوبة لعدم صحة القصد التام منه؛ لأنه ناقص في التصور، وناقص في التصرف، ولهذا منع الله من إتيانهم أموالهم حتى لا يضيعوها، ولكن لا يعني ذلك أن الصغير لا يُعزَّر، بل يعزر، والتعزير غير الحد، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر» 2 فأمر بضربهم قبل البلوغ، فالتعزير شيء وإقامة الحد شيء آخر، وعلى هذا فلو أن صغيراً فعل الفاحشة فلا نقول: هذا صغير، لا يجب عليه الحد، اتركوه، بل لا بد أن يعزر بما يردعه وأمثالَه عن هذه الفِعلة، وكذلك ـ أيضاً ـ لو سرق فإنه لا يُترك، بل لو أفسد شيئاً دون ذلك فإنه لا يُترك بدون تعزير.
عَاقِلٍ، مُلْتَزِمٍ، عَالِمٍ بالتَّحْرِيمِ، فَيُقِيمُهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ،
.....
ثانياً: قوله: «عاقل» وضده المجنون، فالمجنون لا يجب عليه الحد؛ لحديث: «رفع القلم عن ثلاثة ... » 1، ولأنه ليس له قصد تام يعرف به ما ينفعه ويضره، فيُقْدِم أو يحجم، وهل يعزَّر؟
الجواب: لا يعزر؛ لأنه لو عزر ما انتفع، لكن لا نتركه يفسد أموال الناس، ويحرق الدكاكين، بل لا بد أن يمنع ولو بالحبس، إما عند وليه، وإما في الحبس العام، فالمهم أنه لا يترك والفساد؛ لأن الله ـ عزّ وجل ـ يقول: ﴿وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]، ويقول: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة:205]، فالذي لا يحبه الله لا يجوز لنا أن نمكن منه أبداً.
فكل فساد للدين أو للدنيا فإنه يجب على ولاة الأمور، ومن قدر من غير ولاة الأمور أن يمنع منه؛ لأن الله لا يحبه، فإذا كان لا يحبه الله فكيف نمكن منه؟!
ثالثاً: قوله: «ملتزم» يعني ملتزماً لأحكام الإسلام، سواء كان مسلماً أم كافراً، والملتزم هو المسلم والذمي فقط، وهو غير المعصوم، فالمعصوم تقدم أنهم أربعة أصناف: المسلم، والذمي، والمعاهَد، والمستأمِن، أما الملتزم فصنفان فقط، وهما المسلم والذمي؛ لأن الذمي ملتزم بأحكام الإسلام، لكنه لا يقام عليه الحد إلا فيما يعتقد تحريمه، أما ما يعتقد حله فلا يقام عليه الحد، ولو كان حراماً عند المسلمين، ولهذا لا نقيم عليهم الحد في شرب الخمر، ونقيم عليهم الحد في الزنا؛ لأن الزنا محرم
بكل شريعة، فليس في الشرائع شيء يبيح الزنا أبداً، وعلى هذا فإذا زنا الذمي بامرأة مثله ليست من المسلمين، يهودية، أو نصرانية، فإننا نقيم عليه الحد؛ لأن الحد فيه علتان: المنع من الوقوع في مثلها، والتكفير، فإذا كان هذا ليس أهلاً للتكفير، فهناك العلة الثانية وهي المنع، ولهذا أقام النبي صلّى الله عليه وسلّم الحد على اليهوديين اللذين زنيا 1؛ لأنهم يعتقدون تحريمه.
لكن لو فرض أن هذا الذنب محرم عندهم، موجب للحد في الإسلام، غير موجب للحد في شريعتهم، فهل نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، أو لا؟
الجواب: لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام، كما لا نقيم عليهم الحد بمقتضى الإسلام فيما يعتقدون حلّه، فإذا كانت شريعتهم لا توجب الحد في مثل هذه المعصية، فإننا لا نقيمه عليهم، لكن نعزرهم؛ لأن التعزير واجب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة.
رابعاً: قوله: «عالمٍ بالتحريم» خرج به الجاهل بالتحريم، فهذا لا حد عليه، ولكن كيف نعلم أنه جاهل، أو عالم بالتحريم؟ لأننا إذا قلنا: يشترط أن يكون عالماً بالتحريم، صار كل واحد من الناس يقول: إنه ليس عالماً بالتحريم، ويقول: ما علمت أن السرقة حرام، وما علمت أن الزنا حرام، فهنا يُنْظَر، إن كان قد
عاش في بلاد الإسلام، فإن دعواه الجهل بالأمور الظاهرة لا تقبل، ولا تسمع منه، وأما إذا كان حديث عهد بالإسلام، أو كان ناشئاً في بادية بعيدة، لا يعرف شيئاً عن أحوال المسلمين، فإننا نقبل منه دعوى الجهل، فإذا كان مثله يجهله قبلنا دعواه بالجهل، ورفعنا عنه الحد، فإن شككنا في هذا الأمر، هل هو ممن يجهل مثل ذلك، أو لا؟ فالأصل عدم العلم، فلا نقيم عليه الحد؛ لأنه لا بد أن يتحقق الشرط، وهو أن يكون عالماً بالتحريم.
وهل يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة؟
لا يشترط أن يكون عالماً بالعقوبة، فلو قال الرجل المحصن الذي زنا: إنه لو علم أن حده الرجم ما زنا أبداً، لكنه ظن أن المسألة جلد فقط، وهو يصبر على الجلد فإننا نرجمه؛ لأنه لا يشترط العلم بالعقوبة، فإذا كان عالماً بالتحريم فمعنى ذلك أنه رضي بأن ينتهك حرمات الله، والله ـ عزّ وجل ـ قد أوجب العقوبة على هذا الفاعل لهذه المعصية، ولا عذر له.
وإذا ثبت الحد، فمَنِ المخاطب بإقامته؟ وهل لكل إنسان أن يقيمه؟ قال المؤلف:
«فيقيمه الإمام أو نائبه».
وعلم من قوله: «فيقيمه» أنه لا بد من النية، فلو غضب الإمام على شخص في مسألة غير الفاحشة، مثلاً سمعه يسب الإمام، فقال: هذا الرجل يسبني، اجلدوه مائة جلدة، فلما انتهوا منه، قال لهم: إنه قد زنا وتكون الجلدات هذه عن زناه، فلا ينفع؛ لأنه لا بد من نية، ولهذا قال: «فيقيمه» والإقامة لا بد أن يكون لها نية.
ومن الآداب أن ينوي الإمام بإقامة الحد أموراً ثلاثة:
أولاً: الامتثال لأمر الله ـ عزّ وجل ـ في إقامة الحدود؛ لأن هذا مما أوجب اللهُ على العباد، ولا ينوي بذلك التشفي أو الانتصار.
ثانياً: ينوي دفع الفساد؛ لأن هذه المعاصي لا شك أنها فساد، والله تعالى ما أمر بإقامة الحدود على فاعلها إلا لدفع فسادهم وفساد غيرهم المنتظر، إذا لم يُقَم عليهم الحد.
ثالثاً: إصلاح الخلق، ومن بين الخلق الذين يصلحهم، هذا المجرم الذي يقيم عليه الحد، فينوي إصلاحه، وأن الله ـ تعالى ـ يغفر له ما سلف.
فهذه الأمور الثلاثة يجب على ولي الأمر أن تكون منه على بالٍ، لكن بعض الولاة يريد بذلك الانتقام فقط.
وهل تسري هذه الآداب الثلاثة على المعلم؟
الجواب: نعم، ينوي بذلك دفع الفساد بلا شك، وإصلاح هذا الطالب وغيره أيضاً، لكن هل هذه إقامة لفريضة الله؟ قد نقول: إنه من هذا، وإن كنا لا نتجاسر أن نقول: يصل إلى حد الفريضة، لكن نقول: إنه مما يشرع، فصار من المشروع أن ندفع الفساد بكل وسيلة.
وقوله: «الإمام» الإمام في كل موضع بحسبه، فعندما نتكلم عن الجنايات والحدود وما أشبهها، يكون المراد بالإمام من له السلطة العليا في الدولة، وعندما نتكلم في باب الجماعة نقول: المراد بالإمام في الصلاة إمام المسجد ونحو ذلك، فالإمام
هنا من له السلطة العليا في الدولة، المدبر لشؤونها.
وقوله: «أو نائبه» نائب الإمام هو القاضي، الوزير، الأمير، هذا يرجع إلى العرف في هذه الأمور، فمثلاً إذا كان من عادة الإمام أن يقيم عنه الأمراءَ في تنفيذ الحدود صار نائب الإمام الأمير، وإذا كان الذي يقيمها شيوخ القبائل صار من ينوب عنه شيخ القبيلة، وإذا كان ينوب عنه القضاة صار الذي ينوب عنه القاضي وهكذا، فالمهم أن هذا يرجع إلى العرف والنظام الخاص، وهذا يختلف في كل مكان بحسبه.
قوله: «في غير مسجد» يشمل كل مكان إلا المسجد، فيجوز أن يقيمه في البيت على ظاهر كلام المؤلف، لكن بشرط أن يشهده طائفة من المؤمنين، ويجوز في مكان العمل، كما لو كانوا في دائرة وأقام الحد عليه في الدائرة، لكن لا بد أن يشهده طائفة من المؤمنين، ولكن الأفضل والأولى أن يكون في مكان عام، بمعنى أنه يأتي إليه كل أحد، كالسوق، ومجالس الناس، وما أشبه هذا.
ولهذا فإن ماعز بن مالك ـ رضي الله عنه ـ قال الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «اذهبوا به فارجموه» فرجمه الناس علناً ظاهراً 1، وكان شارب الخمر يؤتى به، والناس يضربونه باليد، والجريد، والنعل، وبالرداء 2، فيكون ظاهراً؛ لأننا ما دمنا نقول: إنَّ المراد رَدْعٌ
لهذا وغيره، فإنه إذا كان في دائرته، أو مدرسته، أو ما أشبه ذلك، فيقل هذا بالنسبة لغيره، ولكن كلام المؤلف يدل على الجواز، لكن في المسجد لا يجوز؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال للأعرابي الذي بال في المسجد: «إنما بنيت المساجد لذكر الله تعالى، وقراءة القرآن، والصلاة» (1)، فالمساجد مبنية للذكر، والطاعة، وليست لإقامة الحدود، وأيضاً لأنه إذا أقيم عليه الحد في المسجد فربما يحصل منه أذى، مثل أن يرتاع ثم يحدث، وأيضاً ربما يحصل منه صراخ وكلام لا ينبغي ولا يليق بالمسجد؛ فلهذا يمتنع إقامة الحد في المسجد بالدليل والتعليل.
وإذا أردنا أن نقيم الحد فكيف نقيمه، وبم نقيمه؟
وَيُضْرَبُ الرَّجُلُ فِي الْحَدِّ قَائِماً بِسَوْطٍ لاَ جَدِيدٍ وَلاَ خَلَقٍ، وَلاَ يُمَدُّ، وَلاَ يُرْبَطُ، وَلاَ يُجَرَّدُ، بَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ قَمِيصٌ، أَوْ قَمِيصَانِ،
...........
قال المؤلف: «ويضرب الرجل في الحد قائماً» أي: لا قاعداً ولا مضطجعاً، بل يضرب وهو قائم، ولكن لا بد أن يضرب هو، لا ثوبه، أما لو دفع ثوبُه الضربَ، فهذا ليس بضرب ولا ينفع، بل لا بد أن يقام ويضرب.
قوله: «بسوط» لا بمطرقة، والسوط هو خيزرانة أو عصا أو ما أشبه ذلك، ولا يكون بشيء قاسٍ كالحديد.
قوله: «لا جديد ولا خَلَق» الجديد يكون صلباً، والخلَقَ القديم يكون هشاً، ربما ينكسر، وربما يتفتت ولا يقع منه ضرب، وإنما يكون سوطاً بين سوطين، لا جديد ولا خلق.1
قوله: «ولا يُمد» أي: عندما نضرب الرجل لا نمده على الأرض؛ لأننا إذا مددناه على الأرض فإن الضربة تكون ضربتين، وقع السوط، ثم الأرض أيضاً تصطدم به.
قوله: «ولا يربط» العلة نفس الشيء؛ لأنك إذا ربطته على عمود أو على خشبة فإن الضربة ستكون ضربتين.
وأيضاً ذكروا أثراً عن ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال: «ليس في ديننا مد ولا قيد ولا تجريد» 1.
قوله: «ولا يجرد» يعني لا تخلع ثيابه، ولا إزاره، ولا رداؤه، بل تبقى عليه ثيابه، إلا إذا جعل فيها ما يمنع الضرب، فيجب أن يجرد مما يمنعه، فلو جعل عليه فروة، أو جلداً، أو بلاستيك، أو ما أشبه ذلك فإننا لا نمكنه.
وقد قُدمت جارية لعلي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ لتضرب في الحد فأمر بتجريدها، فإذا عليها درع من حديد؛ حتى لا يؤثر عليها، فإذا علمنا أن عليه شيئاً مانعاً وجب علينا إزالته، ولا يجوز أن نحابي أحداً في ذلك.
قوله: «بل يكون عليه قميص أو قميصان» «أو» للتنويع، يعني اللباس الذي عليه إن كان قميصاً أو قميصين يترك، فإن كان عليه ثلاثة فالظاهر أننا نخلع الثالث، فإن كان هناك برد ننظر إن كانت
الثلاثة خفيفة لا تمنع الضرب فإننا نتركها، والمهم أن يصل ألم الضرب إلى بدنه.
وَلاَ يُبَالَغُ بِضَرْبِهِ بِحَيْثُ يَشُقُّ الْجِلْدَ، وَيُفَرَّقُ الضَّرْبُ عَلَى بَدَنِهِ، وَيُتَّقى الرَّأْسُ وَالْوَجْهُ وَالْفَرْجُ وَالْمَقَاتِلُ،
.................
قوله: «ولا يبالغ بضربه بحيث يَشُقُّ الجِلد» المبالغة نوعان:
الأول: مبالغة تشق الجلد وهذا حرام؛ لأنه ليس المقصود من ذلك أن يجرح الرجل، ويمزق جلده، إنما المقصود أن يذوق ألم الجلد حتى يتأدب.
الثاني: المبالغة على وجه لا يشق الجلد فلا بأس به، بل سيأتينا ـ إن شاء الله تعالى ـ أنه هو الواجب.
قوله: «ويفرق الضرب على بدنه» هذا ـ أيضاً ـ من آداب إقامة الحد، أن يُفرِّقَ الضرب على جسده؛ لأمرين:
أولاً: أنه إذا كان في مكان واحد اختص الألم بهذا المكان، وبقيت بقية المواضع غير متألمة.
ثانياً: أنه إذا كان الضرب على موضع واحد تألم هذا المكان شديداً، وربما يفسد الدم فيه، وربما يتجرح في المستقبل، فلهذا نقول: فرّق الضرب على الظهر، على الأكتاف، على الأفخاذ، على الساقين، على القدمين، حسب ما يوافق، وأما أن يكون في موضع واحد، فإن هذا خلاف الآداب في إقامة الحد، لكن هناك مواضع لا يجوز أن يقام فيها الحد، قال:
«ويُتقى الرأسُ والوجْهُ والفَرْجُ والمقَاتِلُ» هذه أربعة أشياء، ويُتقى بمعنى يجتنب، فيجتنب الوجه؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن
ضرب الوجه 1، ونهى عن تقبيح الوجه 2؛ لأن الله تعالى خلق آدم على صورته، وإذا كان الله خلقه على صورته التي اعتنى بها، وأتمها وأحسنها، فإن ضربها يوجب أن تنخدش، وأن تتغير مع أن الله تعالى جعل أجمل ما في الإنسان وجهه، ولهذا خلقه على الصورة التي اختارها وأرادها من بين سائر الجسد فلا تُقبح، فلا يقال: قبح الله وجهك.
ويُتقى ـ أيضاً ـ الرأس، يعني ما يضرب الرأس في الجَلْد؛ وذلك لأن الرأس ألمه شديد، حيث إنه ليس عليه لحم يقي الضرب، وحينئذٍ يصل الضرب إلى العظم، فيتألم، وربما يتأخر برؤه.
ويُتقى ـ أيضاً ـ الفرج أي: ذكر الرجل، وفرج المرأة؛ لأن ذلك يضرُّ به، وربما يَقتل الرجل إذا وقع الضرب على الخصيتين، فقد يموت الإنسان.
ويتقي ـ أيضاً ـ المقاتِل، مثل الكبد، أو على موضع القلب، أو على موضع الكليتين، فتتقى هذه المواضع؛ لأنه ليس المقصود من ذلك إتلاف الذي أقيم عليه الحد.
ولكن إذا كان الضرب تعزيراً ليس حداً فلا حرج أن يضرب
الإنسان على رأسه، كما لو أن إنساناً مثلاً صفع ابنه على رأسه، وقد روي عن عمر ـ رضي الله عنه ـ أنه ضرب رجلاً على رأسه حتى أدماه (1)، فهذا يدل على أن الضرب على الرأس في غير الحد لا بأس به، أما في الحد فإن جلده شديد ومُضِرٌّ.
فالذي يتقى في الضرب أربعة أشياء: الوجه، والرأس، والفرج، والمقاتل، أما الوجه ففيه دليل وفيه تعليل، والبقية فيها تعليلات.
وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِيهِ إِلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً، وَتُشَدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، وَتُمْسَكُ يَدَاهَا لِئَلاَّ تَنْكَشِفَ،
........
قوله: «والمرأة كالرجل فيه» يعني المرأة في إقامة الحد كالرجل؛ لأن الأصل أن ما ثبت للرجال ثبت للنساء، وما ثبت للنساء ثبت للرجال إلا بدليل، سواء في العبادات، أو في العقوبات، أو في المعاملات، أو في العادات.
فإذا دل الدليل على أن هذا خاص بالرجل تخصص به، وإذا دل على أنه خاص بالمرأة تخصصت به، وإلا فالأصل التساوي، وعلى هذا فتضرب كما يضرب الرجل بسوط لا جديد ولا خَلَق، ولا يضرب رأسها، ولا وجهها، ولا فرجها، ولا مقاتلها، ولا يبالغ بضربها بحيث يشق الجلد، إلا أنها تخالفه في مسألة، وهي قوله:
«إلاَّ أَنَّهَا تُضْرَبُ جَالِسَةً وتُشدُّ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا وتُمْسَكُ يَدَاهَا لئلا تنكشف» ثلاثة أمور:1
أولاً: تضرب جالسة؛ لأن ذلك أستر لها.
ثانياً: تشد عليها ثيابها أي: تربط؛ لأنه ربما مع الضرب تضطرب، وتتحرك، وتنحل ثيابها.
ثالثاً: تمسك يداها حتى لا تنكشف؛ لأنها ربما تفرج ثيابها بيديها فتنكشف.
فهذا هو الذي يفرق فيها بينها وبين الرجل؛ لأن الحاجة داعية له، وإلا فالأصل أنها كالرجل.
أما ما يفعله بعض الولاة فيما سبق، كانوا إذا جلدوا الرجل مدوه على الأرض، وأتوا له بجريد النخل ليس أطراف النخيل، بل الجريد القريب من أصل العسيب، ثم يضربونه ضرباً شديداً حتى يغمى عليه في بعض الأحيان، أما المرأة فيضعونها في عِدْل، وهو كيس من الصوف يجعل فيه العيش، ويسمى عِدْلاً؛ لأنه يعادل به على البعير؛ لأنه لا يحمل إلا كيسين، أحدهما على اليمين، والآخر على اليسار، فتبقى هكذا المرأة مُخَيَّشَة بهذا الصوف والصوف حار، ثم يضربونها ـ والعياذ بالله ـ بما تهيأ نسأل الله العافية، هذا لا شك أنه حرام، وأنه من ظلم الولاة، ولا يجوز أن يفعل ذلك، على أن الغالب أن ما يحصل من هذه الأمور إنما يكون على سبيل التعزير؛ لأنه لا يثبت عليهم الزنا ثبوتاً شرعياً بأربعة شهود، أو بإقرار تام، ومع هذا يفعلون بها ذلك، ويقولون: إن هذا أبلغ في النِّكَاية والنَّكال، وما كان أبلغ فإنه يجب أن يتَّبع، وهذا تعزير وليس بحد، ولكن نقول: يجب أن نلاحظ النكال والنكاية، ونلاحظ معهما الرحمة، أما هذا
الأمر الذي يؤدي أحياناً إلى الموت والهلاك، فهذا لا يجوز.
وَأَشَدُّ الْجَلْدِ جَلْدُ الزِّنَا، ثُمَّ الْقَذْفُ، ثُمَّ الشُّرْبُ، ثُمَّ التَّعْزِيرُ، وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالْحَقُّ قَتَلَهُ، وَلاَ يُحْفَرُ لِلْمَرْجُومِ فِي الزِّنَا.
قوله: «وَأَشَدُّ الجَلْدِ جَلْدُ الزِّنا» «أشد» يعني أقوى، فالشدة هنا قوة الضرب، فأشده جلد الزنا؛ والدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: 2] وهذا يدل على أننا نشتد في ذلك، ولأنه أكثر عدداً، وإذا كان الشارع قد راعى كثرة العدد، فإن الصفة تتبع العدد، فلولا أنه يجب أن يكون أقوى في الصفة ما كان أكثر عدداً.
قوله: «ثُمَّ القَذْفُ» القذف هو الرمي بزنا أو لواط، فإذا رمى محصناً بزنا أو لواط فهذا هو القذف، فيقال لهذا القاذف: إما أن تأتي ببينة، وإما أن يقر المقذوف، وإما أن تجلد الحد ثمانين جلدة، وإما أن تُسقط ذلك بالملاعنة إذا كانت المقذوفة هي الزوجة، فالقذف أشد مما بعده؛ لأن جلده أكثر؛ إذ إن القاذف يجلد ثمانين جلدة، يعني مائة إلا عشرين، فهو الذي يلي جلد الزنا في الكمية، فينبغي أن يكون تالياً له في الكيفية.
قوله: «ثُمَّ الشُّرْبُ» يعني شرب المسكر، وكل مسكر فهو خمر من أي نوع كان؛ لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «كل مسكر خمر وكل خمر حرام» 1، وعلى هذا فنقول: الذي يلي جلدَ القذف جلدُ شرب المسكر، وسيأتي ـ إن شاء الله تعالى ـ ذكر الخلاف، هل جلد شارب المسكر حدٌّ أو تعزيرٌ؟
قوله: «ثُمَّ التَّعْزِيرُ» يعني ثم جلد التعزير، وكم جلد التعزير؟
المذهب أنه لا يزاد على عشر جلدات إلا في مسائل يأتي ذكرها ـ إن شاء الله تعالى ـ في باب التعزير، وعلى هذا فيكون التعزير من عشر جلدات فأقل، يعني لو وجدنا رجلاً قد سهر مع امرأة طول الليل، وهو يقبلها ويضمها، ويجامعها فيما دون الفرج، مستمتعاً معها غاية التمتع، إلا أنه لم يجامعها، وعثرنا عليهما في الصباح، وأقرَّا بذلك، فنجلدهما عشر جلدات، ومن أهون الجلد!! لكن سيأتينا أن هذا القول ضعيف جداً، ولا تقوم مصالح الناس، ولا تدرأ المفاسد بمثل هذا القول أبداً.
إذاً شدة الجلد مرتبة على كثرته؛ لأن الكيفية تابعة للكمية، فأشد الجلد جلد الزنا، ثم القذف، ثم الشرب، ثم التعزير.
قوله: «وَمَنْ مَاتَ فِي حَدٍّ فَالحَقُّ قَتَلَهُ» «من» شرطية، وجواب الشرط «فالحق قتله» وهذه العبارة عبارة أثرية، بمعنى أنها قيلت من زمان سابق، واتبع الناس فيها الأول، والمعنى أنه قُتل بحق، ومن قُتِل بحق فليس بمضمون.
وقد سبق لنا في الجنايات قاعدة مفيدة في هذا الباب، وهي ما ترتب على المأذون فليس بمضمون.
وقوله: «من مات في حد» «في» للظرفية، فلا بد أن يكون ذلك في نفس الحد، فلو زاد الإنسان على الحد كمية أو كيفية فإنه يكون ضامناً، فلو جلد بسوط صلب قوي جديد، لكن لم يتجاوز العدد ومات المجلود فيضمن؛ لأنه ليس في إطار الحد بل تجاوز، وكذلك لو جلده مائة جلدةٍ وجلدةً يضمن؛ لأنه زاد،
وكذلك لو تجاوز في شدة الضرب حتى مات فإنه يضمن؛ لأنه تجاوز المأذون، وما ترتب على غير مأذون فهو مضمون.
فإذا قال قائل: إذا جلده مائة وواحدة، فلم يمت من الواحدة، لكن مات من الجميع لا شك، فهل توزع الدية على عدد الضربات، أو يضمنه كاملاً؟
نقول: بل يضمنه كاملاً؛ لأنه تعدى، وجائزٌ أنه لولا هذه الواحدة لم يمت، وعليه فنقول: إنه يضمن إذا زاد في العدد، وكذلك لو ضربه في الوجه، أو في الرأس، أو في الفرج ونحوه من المواضع التي لا يجوز الجلد فيها.
وما حد قوة الضرب؟
الجواب: لا يمكن ضبطها في الواقع، لكنها في القدر الذي يتحمله المجلود، ولهذا لو فُرض أنه لا يتحمل لضعف بدنه، أو مرضه الذي لا يرجى برؤه فإنه يضرب بسوط مناسب، حتى أنه ربما نقول: اضربه بعثكول النخل، أي: اجمع شماريخ على عدد الجلدات واضربه بها، فالجلد إذاً على حسب تحمل المجلود، ولا يمكن ضبطه؛ لأن هذا شيء بالصفة، والصفة صعب ضبطها؛ لأنها لا ترى.
قوله: «ولا يحفر للمرجوم في الزنا» يعني لا يحفر لمن رجم في الزنا، ونائب الفاعل هو الجار والمجرور؛ لأنه ليس عندنا مفعول به ينوب عن الفاعل، ولهذا قال ابن مالك:
وَقَابلٌ مِنْ ظرفٍ أَوْ مِنْ مَصْدَرِ ... أَوْ حَرْفِ جَرٍّ بِنِيَابَةٍ حَرِي
وَلاَ يَنُوبُ بَعْضُ هذِي إِنْ وُجِدْ ... فِي اللَّفْظِ مَفْعُولٌ بِه وَقَدْ يَرِدْ
وقوله: «ولا يحفر للمرجوم في الزنا» هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، أنه لا يسن الحفر له، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على حسب اختلاف الروايات فيها، فالروايات الواردة عن النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ مختلفة، فمنها ما يدل دلالة صريحة على أنه لا يُحفر للمرجوم حيث ذُكر نفي الحفر، ومنها ما يدل على أنه يُحفر له، ومنها ما هو محتمل، لم يذكر فيه هذا ولا هذا، ومن ثَمَّ اختلف العلماء.
فالذين قالوا: لا يحفر، قالوا: لأن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحفر للمرأة التي زنا بها أجير زوجها، بل قال لأنيس: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» 1 ولم يأمره بالحفر لها، وعدم الأمر في وقت الحاجة يدل على عدم الوجوب؛ لأن الحاجة داعية إلى ذكره لو كان واجباً، فلم يقل: اغد إليها فإن اعترفت فاحفر لها وارجمها، ولأنه صلّى الله عليه وسلّم لم يحفر لليهوديين اللذين زنيا، حيث زنا رجل يهودي بامرأة يهودية، ثم ارتفعوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم ليحكم بينهما، وكان الحد الرجمَ في التوراة، لكن لما كثر الزنا في أشرافهم، قالوا: لا يمكن أن نرجم أشرافنا، إذاً ماذا نصنع؟ قالوا: نسوِّد وجوههما، ونطوف بهما على القبائل، أو ما أشبه ذلك مما يؤدي إلى الخزي والعار، فلما قدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة ووقع الزنا من رجل منهم وامرأة، قالوا: اذهبوا إلى هذا الرجل ـ يعنون النبي صلّى الله عليه وسلّم ـ لعلكم تجدون عنده شيئاً، فأمر
النبي صلّى الله عليه وسلّم برجمهما، وقال: إن هذا هو حكم التوراة، قالوا: لا نجد ذلك في التوراة قال: فأتوا بالتوراة فإذا هي موجودة واضحة، فأمر بهما فرُجما، قال الراوي: فرأيت الرجل يقيها الحجارة منكباً عليها 1، وهذا دليل على أنه لم يُحفر لهما.
أما حديث ماعز ـ رضي الله عنه ـ فاختلفت الروايات فيه في مسلم نفسه، ففي بعضها: «أنه لم يحفر له» 2 نصاً صريحاً، وفي بعضها: «أنه حفر له» 3، وجمع بعض العلماء بينهما، بأن نفي الحفر، يعني لم يحفر له حفرة عميقة، وإثباته أنه حفر له حفرة يتمكن من أن يهرب منها؛ لأنه هرب، ولكن بعض ألفاظ الصحيح تدل بصراحة على أنه ما حفر له إطلاقاً.
فيأتي الترجيح بين المثبت والنافي، فإذا تساوى الحديثان في الصحة فإننا نقدم المثبت؛ لأن معه زيادة علم، والظاهر لي أن هذا يرجع إلى رأي الإمام، إن رأى أن المصلحة تقتضي أن يحفر حفر، وإلا ترك، أما أقوال أهل العلم فهي كالتالي:
أولاً: لا يحفر مطلقاً، وهذا هو المذهب.
ثانياً: يحفر مطلقاً، وهذا قول مقابل له.
ثالثاً: يحفر للمرأة، ولا يحفر للرجل.
رابعاً: يحفر له إن ثبت ببينة، ولا يحفر له إن ثبت بإقرار؛
لأجل أن يمكّن من الهرب، بخلاف البينة فإنه لا يُمَكَّن.
ولكن الذي يظهر لي أن الأمر راجع إلى اجتهاد الحاكم، فإن رأى من المصلحة الحفر حفر وإلا فلا.
ثم على القول بالحفر فإننا نحفر له ولا ندفنه؛ لأنه لو دفناه قد لا يموت، لكنه ما يتحرك أبداً، ويتعب فهو إذا بقي ربما ـ مثلاً ـ يلتفت إلى جهة، ويتحرك بعض الشيء ليهون عليه الأمر.
فالخلاصة أن الشروط العامة هي: البلوغ، والعقل، والالتزام، والعلم بالتحريم، فهذه شروط في كل حد، وهناك شروط أخرى تذكر في كل باب على حدة.
بَابُ حَدِّ الزِّنَا
إِذَا زَنَا الْمُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ،
..................... قوله: «
باب حد الزنا
» يعني باب عقوبته، والزنا فعل الفاحشة في قبل أو دبر، والفاحشة كل جماع محرم؛ لأن الجماع المحرم فاحشة مستفحشة في جميع العقول، فما من أحد من بني آدم إلا ويستفحش عقلُه هذا الفعل المنكر، إلا من سلب الله عقله، ومسخ طبيعته، فإنه قد يستسيغ هذا المنكر، كالجُعَل يستسيغ رائحة العذرة، ولكنه في رائحة الورد قد يموت، قال ابن وردي ـ رحمه الله ـ:
إن ريح الورد مؤذٍ في الجُعَل.
فالورد الذي هو من أحسن ما يكون إذا شمَّه الجُعَل يكرهه، لكن شمه للعذرة قوي جداً.
قوله: «إذَا زَنَا المُحْصَنُ رُجِمَ حَتَّى يَمُوتَ» «زنا» فعل الشرط، «ورُجم» جواب الشرط، أي: رجم بالحجارة، ويجب أن تكون الحجارة لا كبيرة تقتله فوراً، ولا صغيرة لا يتألم ولا يتأذى بها، بل تكون كالبيضة أو أقل، وقد علمنا أنه يُتقى الرأس، والوجه، والفرج، والمقاتل، فيضرب بالحجارة إلى أن يموت، فما هو الدليل على هذه القتلة التي قد يستبشعها بعض الناس؟
الدليل من كتاب الله، وسنة ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وعمل الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين.
أما كتاب الله ـ عزّ وجل ـ فهو ما ثبت في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ قال: «إن الله أنزل على نبيه القرآن، وكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها، ووعيناها، وعقلناها، ورجم النبي صلّى الله عليه وسلّم ورجمنا بعده، وأخشى إن طال بالناس زمان أن يقولوا: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق ثابت في كتاب الله على من زنا إذا أَحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحَبَل أو الاعتراف» 1.
فهذه شهادة من عمر ـ رضي الله عنه ـ على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بحضور الصحابة ولم ينكره أحد، على أن آية الرجم نزلت في القرآن، قُرئت، ووُعيت، وعُمِل بها في عهد النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ، وفي عهد خلفائه الراشدين، فما لفظ هذه الآية؟
لفظ هذه الآية لا بد أن يكون مطابقاً للحكم الثابت.
وأما من قال: إن لفظ الآية: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالاً من الله، والله عزيز حكيم» 2، فهذا لا يصح لأمور:
أولاً: أن من قرأه لم يجد فيه مُسْحَة القرآن الكريم، وكلام رب العالمين.
ثانياً: أن الحكم فيه مخالف للحكم الثابت، فالحكم في هذا اللفظ معلق على الكبر، على الشيخوخة، سواءٌ كان هذا
الشيخ ثيباً أم بِكراً، مع أن الحكم الثابت معلق على الثيوبة سواء أكان شيخاً أم شاباً.
ونحن لا يهمنا أن نعرف لفظه ما دام عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ شهد به على منبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والصحابة ـ رضي الله عنهم ـ يسمعون ولم ينكروا، فإننا نعلم أن هذا النص كان قد وُجد ثم نسخ.
فإن قال قائل: ما هي الحكمة في نسخ لفظه دون معناه؟
فالجواب: أن الحكمة ـ والله أعلم ـ أن هذه الأمة إذا عملت بالرجم ـ مع أنه لا يوجد نص ظاهر في القرآن ـ كان في ذلك دليل على نبلها وفضلها، خلافاً لليهود الذين كان الرجم موجوداً في كتابهم نصاً، ومع ذلك تركوا العمل به.
والله أعلم إذا كان هناك حكمة أخرى، لكن هذا هو الذي توصلنا إليه.
وظاهر كلام المؤلف أنه لا يسبق رجمَه جلدٌ، فيرجم بدون جلد، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فمنهم من قال: إنه يجلد أولاً ثم يرجم، ومنهم من قال: إنه يرجم بلا جلد.
واحتج القائلون بأنه يجمع له بين الجلد والرجم، بأن الجلد ثابت بالقرآن المحكم لفظاً ومعنى لكل زانٍ: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾، وهذا عام يشمل المحصن وغير المحصن.
واستدلوا ـ أيضاً ـ بقول الرسول صلّى الله عليه وسلّم: «خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم» 1، وهذا الحديث صحيح، فجمع النبي صلّى الله عليه وسلّم بين الرجم والجلد.
وقال علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ: أجلدها بكتاب الله، وأرجمها بسنة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم 2.
واستدل من قال بأنه لا يجمع بين الرجم والجلد بأن هذا آخر الأمرين من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنه رجم الغامدية ولم يجلدها 3، وقال لامرأة الرجل التي زنا بها أجيره: «واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها» 4، ولم يذكر جلداً.
ورجم ماعز بن مالك ولم يجلده 5، ولأن الجلد لا داعي له مع وجود الرجم إلا مجرد التعذيب؛ لأن هذا الرجل الذي استحق الرجم إذا رُجم انتهى من حياته، فلا حاجة إلى أن نعذبه أولاً، ثم نرجمه، وهذا القول هو الراجح، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد.
وأما أدلة القول الأول فأجيب عنها بأن الجلد نسخ.
وقوله: «رُجم حتى يموت» «حتى» هنا للغاية وليست للتعليل، فيرجم حتى يموت ونتحقق موته، وإذا مات فهل نغسله ونكفنه ونصلي عليه وندفنه مع المسلمين؟ الجواب: نعم؛ لأنه
مسلم كَفَّر الله عنه الذنب بالحد الذي أقيم عليه، وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم صلَّى على من رجم، وهذا هو الأصل.
والْمُحْصَنُ: مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ الْمُسْلِمَةَ أَوْ الذِّمِّيَّةَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ، وَهُمَا بَالِغَانِ، عَاقِلاَنِ، حُرَّانِ، فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا فَلاَ إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا،
.......
قوله: «والمُحْصَنُ مَنْ وَطِئَ امْرَأَتَهُ المُسْلِمَةَ أَوِ الذِّمِّيَّةَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُمَا بَالِغَانِ عَاقِلاَنَ حُرَّانِ»، هذه هي شروط الإحصان.
وقوله: «امرأته»، أي: زوجته.
وقوله: «أو الذمية» هذا التعبير فيه نظر، والصواب أن يقول: أو الكتابية؛ لأن الكتابية سواء كانت ذمية، أو معاهدة يجوز للإنسان أن يتزوجها.
وقوله: «في نكاح صحيح» هذا متعلق بقوله: «وطئ»، وذلك احترازاً من النكاح الفاسد، والنكاح الباطل، والفرق بين الباطل والفاسد، أن الباطل ما أجمع العلماء على فساده، والفاسد هو ما اختلف فيه العلماء، فالأنكحة إذاً صحيح، وفاسد، وباطل.
مثال الفاسد: أن يتزوج الإنسان امرأة بدون ولي، فهذا نكاح فاسد؛ لأن العلماء اختلفوا في ذلك.
مثال الباطل: أن يتزوج الإنسان أخت زوجته فهو باطل؛ لأنه بالإجماع.
وقوله: «وهما» الضمير يعود على الزوجين.
وقوله: «بالغان» البلوغ بالنسبة للرجل يحصل بواحد من أمورٍ ثلاثة، تمام خمس عشرة سنة، والإنبات، والإنزال، والمرأة تزيد واحداً وهو الحيض.
وقوله: «عاقلان» ضد المجنونين، «حران» ضد الرقيقين.
فالإحصان شروطه خمسة:
أولاً: الجماع.
ثانياً: النكاح الصحيح.
ثالثاً: البلوغ لكلٍّ منهما.
رابعاً: العقل.
خامساً: الحرية.
قوله: «فَإِنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْهَا فِي أَحَدِهِمَا فَلاَ إِحْصَانَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا» فلو عقد رجل على امرأة وباشرها إلا أنه لم يجامعها، ثم زنا فإنه لا يرجم، وهي لو زنت فإنها لا ترجم، إلا إذا كانت قد تزوجت من زوج قبله، وحصل الجماع فإنها ترجم؛ لأن الحكم يتبعض، ولو جامع امرأته وقد تزوجها بدون ولي، وهو ممن يرى أن ذلك لا يصح فإنه لا يرجم؛ لأنه نكاح غير صحيح.
ولو تزوجها وهي صغيرة لم تبلغ وجامعها فإنه لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن؛ لأنها لم تبلغ.
ولو تزوج مجنونة بالغة وجامعها لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن.
كذا لو تزوج أمة وهو حر فإنه لا يرجم؛ لأنه ليس بمحصن.
ولو كان الأمر بالعكس، فلو تزوج العبد حرة فلا إحصان، لا له ولا لها.
والدليل على هذه الشروط يقولون: لأن تمام النعمة لا
يكون إلا إذا اجتمعت هذه الشروط، فالإنسان لا يتلذذ تلذذاً كاملاً إذا كانت زوجته مجنونة، فربما وهو يجامعها يخشى على نفسه منها، أو صغيرة فهي لا تروي غليله ولا تشفي عليله، وكذلك الأمة فهي ناقصة.
وعلى هذا فنقول: ليس هناك شيء بيِّن في الأدلة، اللهم إلا اشتراط النكاح والوطء؛ لأن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «الثيب بالثيب» 1 وأما البقية فإنها مأخوذة من التعليل.
وهل يشترط بقاء ذلك إلى الزنا، أو لا يشترط؟ بمعنى أنه لو فرض أنه فارق زوجته، أو ماتت زوجته، ثم زنا بعد ذلك، فهل هو محصن يرجم أو لا؟
الجواب: هو محصن يرجم، فهذه الشروط لا يشترط استمرارها، فما دامت هذه الشروط وجدت في حال الزواج فإنه يكون محصناً، فإن تزوج صغيرة، وبقيت معه، وماتت قبل البلوغ، فلا يكون محصناً.
وذهب بعض المتأخرين ـ ولكني لا أجد لهم مستنداً ـ إلى أنه يشترط استمرار هذه الشروط حتى يزني، قال: لأنه إذا ماتت زوجته عنه أو فارقها بحياة فقد احتاج إلى جماع، ويكون حينئذٍ معذوراً بعض العذر؛ لأنه ليس عنده أحد يستمتع به بوطء حلال.
ولكن هذا القول مخالف لما تقتضيه الأدلة؛ لأن الأدلة أن
الثيب بالثيب، وهذا الوصف يحصل بأول جماع، فما دام الوصف حاصلاً فإنه لا يشترط أن تبقى الزوجة معه.
وَإِذَا زَنَا الحُرُّ غَيْرُ الْمُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغُرِّبَ عَاماً
قوله: «وَإِذَا زَنَا الحُرُّ غَيْرُ المُحْصَنِ جُلِدَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَغُرِّبَ عَامَاً» إذا زنا الحر غير المحصن، بأن يكون حراً لم يتزوج، أو تزوج ولم يجامع، أو جامع في نكاح فاسد، أو باطل، أو جامع وهو صغير، أو جامع وهو مجنون، فإن حده أن يجلد مائة جلدة، والدليل قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2]، وثبت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ابن الرجل الذي زنا بامرأة من استأجره أنه قال له: «وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام» 1.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلّى الله عليه وسلّم جلد وغرَّب، وأن أبا بكر جلد وغرَّب، وأن عمر جلد وغرَّب 2، وهذا القول هو الصحيح أنه يجمع بين الجلد والتغريب.
وقال بعض العلماء: إنه لا يغرب؛ لأن التغريب لم يوجد في القرآن، وقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأَفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ *﴾ [النور] ولم يذكر التغريب.
ولكن هذا القول ضعيف؛ لأن ما ثبت بالسنة وجب العمل به، كما يجب العمل بما في القرآن؛ لقول الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]، ولقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: 36]، وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
فيجب أن نأخذ بما جاءت به السنة، وإن كان زائداً عما في القرآن، بل إن ما جاءت به السنة هو مما جاء به القرآن، كما استدل بذلك عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ مجيباً للمرأة التي قالت له: إنني لا أجد اللعن ـ أي لعن النامصة والمتنمصة ـ في كتاب الله، فقال: هو في كتاب الله، ثم تلا عليها قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ 1.
والتغريب معناه أن ينفى عن بلده لمدة سنة كاملة، والحكمة منه أنه إذا غرب عن هذا المكان الذي وقع فيه الزنا فإنه ربما ينسى ذلك، وأيضاً فإن الغربة توجب أن يشتغل الإنسان بنفسه دون أن يتطلب الشهوة واللذة؛ لأنه غريب، ولا سيما إذا عُلِمَ أنه غُرِّب من أجل الحدّ، فإنه لن يكون لديه فرصة أن يعود إلى هذه المسألة مرة ثانية، ولكن يشترط في البلد الذي يغرب إليه ألا يوجد فيه إباحة الزنا ـ والعياذ بالله ـ فلا يغرب إلى بلاد يمارس أهلها الزنا؛ لأننا إذا غربناه إلى مثل هذه البلاد فقد أغريناه بذلك، فيغرب إلى بلاد عُرف أهلها بالعِفَّة.
وإن زنا في غير وطنه، فهل يصح أن نغربه إلى وطنه؟ الجواب: لا، بل لبلد آخر؛ لأنه يقول: «غُرِّب»، وإذا رددناه لبلده فليس هذا تغريباً؛ لأننا رجَّعناه إلى وطنه، فلا بد أن يكون هناك غربة حتى ينسى بها ما كان يفعله.
وَلَوِ امْرَأَةً، والرَّقِيقُ خَمْسِينَ جَلْدَةً وَلاَ يُغَرَّبُ، وَحَدُّ لُوطِيٍّ كَزَانٍ،
..........
قوله: «ولو امْرَأَةً» فتُغرب لمدة سنة، ويشترط أن يوجد لها محرم، وأن تغرب إلى مكان آمن.
وفقهاء المذاهب يرون أنها تغرب ولو بدون محرم.
والقول الثاني وهو الأصح: أنها لا تغرب إذا كانت وحدها؛ لأن المقصود من تغريبها إبعادها عن الفتنة، وإذا غربناها وحدها كان ذلك أدعى للفتنة والشر؛ لأنه ليس معها أحد يردعها، ولأنها إذا غربت بدون محرم ـ ولا سيما إن احتاجت إلى المال ـ فربما تبيع عرضها؛ لأجل أن تأكل وتشرب.
والصواب: أنه إذا لم يوجد محرم فلا يجوز أن تغرب، ولكن ماذا نصنع؟ يقول بعض أهل العلم: تخرج إلى بلد قريب لا يبلغ مسافة القصر، ويُؤمر وليها بملاحظتها، والصحيح أنه لا داعي لذلك، وأنها تبقى في البلد.
وقيل: تُحبس في مكان آمن، والحبس هنا يقوم مقام التغريب؛ لأنها لن تتصل بأحد، ولن يتصل بها أحد، وهذا القول وجيه.
وقال بعض العلماء: إذا تعذر التغريب سقط كسائر الواجبات، فإن الواجبات إذا تعذر القيام بها فإنها تسقط، ولكن لا مانع من أن نقول: إنه إذا تعذر التغريب قمنا بما يقوم بدلاً
منه، أو قريباً منه وهو أن نحبسها في مكان آمن لمدة عام.
وقوله: «وغُرب عاماً» هل المعتبر السنة الهلالية، أو السنة الشمسية؟ المعتبر السنة الهلالية؛ وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]، ولقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [التوبة: 36]، وقد بَيَّن الرسول صلّى الله عليه وسلّم هذه الاثني عشر بأنها محرم وبقية الشهور العربية 1، وعلى هذا فكل عام أو سنة يذكر في القرآن والسنة فالمراد به السنة الهلالية القمرية.
قوله: «والرَّقِيقُ خَمْسِينَ جَلْدَةً» الرقيق هو المملوك، وضده الحر، فإذا زنا الرقيق فإننا نجلده خمسين جلدة، والدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ يعني الإماء ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]، والعذاب الذي يتنصَّف على المحصنات هو الجلد؛ لأن الرجم لا يمكن أن يتنصف، والجلد مائة جلدة فيكون عليها خمسون جلدة، فالمرأة واضح أن عليها خمسين جلدة؛ لأنه نصُّ القرآن، لكن الرجل إذا كان رقيقاً وزنا، فما هو الدليل على أنه يجلد خمسين جلدة؟
قالوا: الدليل على ذلك قياس الرجل على المرأة؛ لأنه لا
فرق، والشريعة لا تأتي بالتفريق بين المتماثلين، وكيف يتم القياس؟
قالوا: لأن كلًّا منهما رقيق، والرقيق ليس في نفسه من الشرف والمروءة كما في نفس الحر، وإذا لم يكن عنده من الشرف والمروءة كما عند الحر، فإنه لا يبالي إذا زنا، وهذا تعليل صحيح، ولكن قد يقول قائل: إنَّ زنا الرجل الرقيق ليس كزنا المرأة الرقيقة؛ لأن المرأة الرقيقة قد تزني لكون سيدها يستأجرها ـ والعياذ بالله ـ في البغاء، وتعتاد ذلك فيهون عليها الأمر؛ لأن الله نصّ على أن ذلك واقع من الأسياد بالنسبة للإماء، فقال تعالى: ﴿وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ [النور: 33]، فإذا كانت المرأة بهذه الحال فإن العبد ليس هكذا، فالقياس غير صحيح، ولهذا ذهب بعض أهل العلم إلى أن حد الزاني الرقيق إذا كان ذكراً كحد الحر لعموم الآية: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾.
فالمسألة فيها خلاف، فالأمة لا إشكال في أن عليها خمسين جلدة؛ لأن النص فيها واضح، ولكن الإشكال في العبد، فإن تخصيص العموم في سورة النور بالقياس ليس بواضح لظهور الفرق بين الأمة وبين العبد، مما يجعل في النفس شيئاً منه، وأنا إلى الآن ما تبين لي أي القولين أصح، لكن جمهور أهل العلم أن الجلد بالنسبة للرقيق ينصف مطلقاً.
قوله: «وَلاَ يُغَرَّبُ» لأن التغريب فيه إضرار بالسيد؛ لأننا إذا غربناه منعنا سيده من الانتفاع به مدة التغريب، والسيد لا جناية منه، ولأننا إذا غربناه ربما يهرب، ويكون في ذلك إضرار أكثر، هذا هو تعليلهم في هذه المسألة.
واختار كثير من أصحابنا ـ رحمهم الله ـ أنه يغرَّب بنصف عام بدليل قول النبي صلّى الله عليه وسلّم في الزاني: «جلد مائة وتغريب عام» 1، وعموم قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وهذا يشمل التغريب؛ ولأن التغريب يمكن تنصيفه.
وقولهم: إن في هذا إضراراً بسيده، نقول: حتى الجلد أمام الناس فيه إضرار بالسيد، بأن تنقص قيمته، ولا يشتريه الناس، ويحذر الناس منه ولا يأتمنونه، فهذه المصائب التي تحصل للسيد بسبب فعل العبد، لا يمكن أن تمنع حدّاً من حدود الله ـ عزّ وجل ـ، ويكون زنا رقيقه من باب المصائب التي أصيب بها.
وقولهم: إنه يخشى أن يهرب، نقول: إن سيده إذا خاف عليه أن يهرب، يمكنه أن يستأجر من يلازمه في بلد الغربة، أو نحو ذلك من الأشياء التي يمكنه أن يحفظ بها رقيقه، وهذا القول أصح أنه يغرب نصف سنة.
قوله: «وَحَدُّ لُوطِيٍّ» حد مبتدأ، و «كزان» الجار والمجرور خبر المبتدأ.
وقوله: «لوطي» هو من فعل الفاحشة في دُبُرِ ذَكَرٍ، وسمي لوطياً نسبة إلى قوم لوط؛ لأن قوم لوط ـ والعياذ بالله ـ هم أول من سن هذه الفاحشة في العالمين، قال لهم نبيهم: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 80]، واللواط أعظم من الزنا وأقبح؛ لأن الزنا فعل فاحشة في فرج يباح في بعض الأحيان، لكن اللواط فعل فاحشة في دبرٍ لا يباح
أبداً، ولهذا قال الله ـ تعالى ـ في الزنا: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [الإسراء: 32]، وقال لوط لقومه: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ وأقره الله على ذلك، وحكى قولَه مرتضياً له، و «ال» تدل على أن هذه الفعلة الخبيثة قد جمعت الفحش كله، تلك الفاحشة العظيمة التي ليس فوقها فاحشة، وهذا أمر متفق عليه بين الناس، أن قُبح اللواط أعظم من قُبح الزنا، فما حده؟
قال المؤلف: «كزان» فحدُّه حَدُّ الزاني، فإن كان محصناً رجم حتى يموت، وإن كان غير محصن جلد وغُرِّب، وحجتهم في أن حده كزانٍ، يقولون: لأن هذه فاحشة، والزنا سماه الله تعالى فاحشة، وإذا كان كذلك فإننا نُجري هذا مجرى الثاني، ويكون حده حد الزاني.
وقال بعض العلماء: حده أن يُقتل، وهذا أعلى ما قيل فيه، ثم اختلفوا كيف يقتل؟
وقال آخرون: بل يعزر تعزيراً لا يُبْلَغُ به الحد.
وقال آخرون: لا يعزر ولا شيء عليه، ليس بمعنى أنه حلال، لكن ليس فيه عقوبة اكتفاءً بالرادع النفسي؛ لأن النفوس تكرهه، فلو أن أحداً قدم غداءه من عذرة وبول، يأكل العذرة، ويشرب عليها البول! فهم يقولون: لا يعزر؛ لأن النفس كافية في ردع هذا، ولا شك أن هذا القول من أبطل الأقوال، ولولا أنه ذُكر ما ذكرناه، ولكن ذكرناه لنعلم أن بعض أهل العلم يذهب مذهباً سيئاً جداً فيما يقوله.
أَنَسِيَ أن الله تعالى دمر بلادهم، وأرسل عليهم حجارة من
سجيل، وطحنهم؟ ألم يذكر أن الرسول صلّى الله عليه وسلّم قال: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به» 1؟! وهو صحيح على شرط البخاري، وإن كان قد يُعَارَض في صحة الحديث.
والصواب من هذه الأقوال: أن حده القتل بكل حال، سواء أكان محصناً، أم كان غير محصن، لكن لا بد من شروط الحد السابقة الأربعة: «عاقل، بالغ، ملتزم، عالم بالتحريم»، فإذا تمت شروط الحد الأربعة العامة فإنه يقتل، والدليل على هذا:
أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: «من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به».
ثانياً: أن الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أجمعوا على قتله، كما حكاه غير واحد من أهل العلم، لكن اختلفوا فمنهم من قال: إنه يُحرّق، وهذا القول مروي عن أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن الزبير، وهشام بن عبد الملك 2.
وقال ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: بل ينظر إلى أعلى
مكان في البلد ويُرمى منه مُنكساً على رأسه، ويُتبع بالحجارة 1؛ لأن الله فعل ذلك بقوم لوط، على ما في ذلك من نظر.
وقال بعض العلماء: بل يرجم حتى يموت؛ لأن الله تعالى أرسل على قوم لوط حجارة من سجيل، وكونه رفع بلادهم ثم قلبها، هذا خبر إسرائيلي، لا يُصدق ولا يُكذب، لكن الثابت أن الله تعالى أرسل عليهم حجارة من سجيل، وجعل عاليها سافلها، يعني لما جاءت الحجارة تهدمت، وصار العالي هو السافل، فيرجمون رجماً بالحجارة، فهذه ثلاثة أقوال في وصف إعدام اللوطي.
أما الدليل النظري على وجوب قتله؛ فلأن هذا مفسدة اجتماعية عظيمة، تجعل الرجال محل النساء، ولا يمكن التحرز منها؛ لأن الذكور بعضهم مع بعض دائماً، فلو وجدنا رجلاً مثلاً مع فتى، فلا يمكن أن نقول له: اترك الفتى، ما الذي أتى بك إليه؟ لكن لو وجدنا رجلاً مع امرأة، وشككنا هل هو من محارمها أم لا؟ يمكن أن نسأل ونبحث، فلما كان هذا الأمر أمراً فظيعاً مفسداً للمجتمع، وأمراً لا يمكن التحرز منه، صار جزاؤه القتل بكل حال، وهذا القول هو الصحيح.
فإذا قال قائل: هل نحرقهم، أو نرميهم من أعلى الشاهق، أو نرجمهم رجماً؟
أقول: الأولى في ذلك أن يفعل ولي الأمر ما هو أنكى وأردع، فإن رأى أنهم يحرقون، بأن يجمع الحطب أمام الناس، ثم يأتي بهم، ويرموا في النار فعل، وإن رأى أنه ينظر أطول منارة في البلد، ويلقون منها، ويتبعون بالحجارة، وأن هذا أنكى وأردع فعل، وإن رأى أنهم يرجمون، فيقامون أمام الناس، ويرجمهم الصغار والكبار بالحجارة فعل، فالمهم أن يفعل ما هو أنكى وأردع؛ لأن هذه ـ والعياذ بالله ـ فاحشة قبيحة جداً، وإذا ترك الحبل على الغارب انتشرت بسرعة في الناس حتى أهلكتهم.
وَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ إِلاَّ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِهِ الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا فِي قُبُلٍ، أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ حَرَاماً مَحْضاً من آدَمِيٍّ حَيٍّ،
..............
قوله: «وَلاَ يَجِبُ الحَدُّ إِلاَّ بِثَلاَثَةِ شُرُوطٍ» وهذه الشروط زائدة على الشروط السابقة العامة.
قوله: «أَحَدُهَا: تَغْيِيبُ حَشَفَتِه الأَصْلِيَّةِ كُلِّهَا فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ أَصْلِيَّيْنِ حَرَاماً مَحْضَاً مِنْ آدَمِيٍّ حَيٍّ».
فقوله: «تغييب حشفته» أي: الزاني، والحشفة معروفة.
وقوله: «كلها» احترازاً من البعض، وإذا لم يكن له حشفة كما لو كان مقطوع الحشفة، فإن قدرها يكون بمنزلتها.
وقوله: «في قبل» أي: الفرج «أو دبر» أي: مخرج الغائط.
وقوله: «أصليين» صفة للقبل أو الدبر، وضدهما غير الأصليين، كالخنثى فهو بالنسبة للقبل واضح، لكن بالنسبة للدبر ربما يكون إنسان ـ نسأل الله العافية ـ ليس له دبر، وقد ذكر ابن قدامة